صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : نهاية الأرب في فنون الأدب
المؤلف : النويري
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

ولي بعد مقتل الناصر في أواخر سنة ثمان وأربعمائة، وكان أسن من الناصر بعشرة أعوام، ونعت نسفه بالمأمون وكان يحب الموادعة، فأمن الناس معه. وكان يذكر عنه أنه يتشيع ولم يظهر ذلك، ولا غير للناس عادة ولا مذهبا، وكذلك سائر من ولي منهم الأندلس. فبقي القاسم إلى شهر ربيع الأول سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، فقام عليه ابن أخيه يحيى بن علي بن حمود بمالقة، فهرب القاسم عن قرطبة بغير قتال، وصار إلى إشبيلية.
وزحف ابن أخيه المذكور من مالقة بالعساكر، فدخل قرطبة دون مانع، وتسمى بالخلافة وتلقب، فبقي كذلك إلى أن اجتمع للقاسم أمره واستمال البربر، وزحف بهم إلى قرطبة فدخلها في سنة ثلاث عشرة وأربعمائة. وهرب يحيى بن علي إلى مالقة، فبقي القاسم بقرطبة شهورا.. ثم اضطرب أمره، وغلب ابن أخيه يحيى على الجزيرة الخضراء وكانت معقل القاسم وبها كانت امرأته وذخائره. وغلب ابن أخيه إدريس بن علي شقيق يحيى صاحب سبتة على طنجة، وكانت عدة القاسم يلجأ إليها إن رأى ما يخاف. وقام عليه جماعة أهل قرطبة في المدينة، وأغلقوا أبوابه دونه، فحاصرها نيفا وخمسين يوما، ثم زحف أهل قرطبة فانهزموا عن القاسم. ولحقت كل طائفة ببلد فغلبت عليه، وذلك في شعبان سنة أربع عشرة وأربعمائة وأعاد أهل قرطبة الدولة الأموية على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
قال: وأما القاسم فقصد إشبيلية وبها ابناه محمد والحسن فلما عرف أهل إشبيلية خروجه عن قرطبة ومجيئه إليهم طردوا ابنيه ومن كان معهما، وضبطوا بلدهم وقدموا على أنفسهم ثلاثة رجال؛ منهم القاضي أبو القاسم محمد بن إسماعيل بن عباد اللخمي، ومحمد بن مرثم الإهابي، ومحمد بن محمد بن الحسن الزبيدي، ومكثوا كذلك أياما مشتركين في سياسة البلد وتدبيره، ثم انفرد القاضي أبو القاسم بن عباد على ما نذكره إن شاء الله.
ولحق القاسم بشريش، واجتمع البربر على تقديم ابن أخيه يحيى، وحصروا القاسم حتى صار في قبضة ابن أخيه. وانفرد بولاية البربر، وبقي القاسم أسيرا عنده وعند أخيه إدريس إلى أن مات إدريس، فقتل القاسم خنقا في سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، وحمل إلى ابنه محمد بن القاسم بالجزيرة فدفنه هناك.
وكانت ولاية القاسم تسمى بالخلافة بقرطبة إلى أن أسره ابن أخيه ستة أعوام، ثم كان مقبوضا عليه ست عشرة سنة عند ابني أخيه إلى أن مات - قيل ومات وهو ابن ثمانين سنة - وله من الولد محمد والحسن وأمهما أميرة بنت الحسن بن فنون بن إبراهيم العلوي.
ولاية المعتلي يحيى بن علي وكنيته أبو إسحاق، وقيل أبو محمد تسمى بالخلافة بقرطبة في سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، ثم هرب منها إلى مالقة في سنة أربع عشرة. ثم سعى قوم من المفسدين لأي إعادة دعوته بقرطبة في سنة ست عشرة ولم يدخلها، واستخلف عليها عبد الرحمن بن عطاف، ثم قطعت خطبته من قرطبة في سنة سبع عشرة. وبقي يتردد إليها بالعساكر إلى أن اتفق جماعة البربر على طاعته، وسلموا إليه الحصون والقلاع والمدن، وعظم أمره فصار بقرمونة ليحاصر مدينة إشبيلية. فخرج يوما وهو سكران إلى خيل ظهرت من إشبيلية بقرب قرمونة، فلقيها وقد كمن له كمناء، فلم يكن بأسرع من أن قتل، وذلك في يوم الأحد لسبع خلون من المحرم سنة سبع وعشرين وأربعمائة، وكان له من الولد الحسن وإدريس.
عود الدولة الأموية بمدينة قرطبة
ومن ولى منهم إمارة المستظهر بالله هو أبو المطرف عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار - أخو المهدي - بويع له بالخلافة بقرطبة لثلاث عشرة من شهر رمضان سنة أربع عشرة وأربعمائة. وذلك أن أهل قرطبة لما هزموا البربر وأخرجوا القاسم - كما قدمنا - اتفق رأيهم على رد الأمر إلى بني أمية. فاختاروا منهم ثلاثة، وهم عبد الرحمن هذا، وسليمان بن المرتضى، ومحمد بن عبد الرحمن. فاتفق رأيهم على إمارة عبد الرحمن فبايعوه، وتلقب بالمستظهر، وكان مولده في ذي القعدة سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة. وقام عليه محمد بن عبد الرحمن مع طائفة من أرذال العوام فقتل عبد الرحمن لثلاث بقين من ذي القعدة منها، وقيل لثلاث خلون منه. وكان في غاية الأدب، وله شعر. وزيره الفقيه أبو محمد علي بن أحمد بن حزم.
إمارة المستكفي بالله

(6/398)


هو أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن الناصر بن هشام المستظهر، وأمه أم ولد اسمها حوراء ولي بعد قتل المستظهر لثلاث خلون أو بقين من ذي القعدة سنة أربع عشرة وأربعمائة، وله ثمان وأربعون سنة. وكان أبوه ممن قتله الوزير محمد بن أبي عامر في أول دولة المؤيد هشام لسعيه في القيام وطلبه الأمر، فولي محمد هذا عشرة أشهر وأياما، وخلع. وقيل بل خلع في يوم الثلاثاء لخمس بقين من شهر ربيع الأول سنة ست عشرة، وخرج من قرطبة يريد الثغر فمات بقرية من قرى شنت مرية في أول شهر ربيع الآخر منها، فكانت مدة مملكته بقرطبة على هذا القول سنة وأربعة أشهر. وكان الحاكم في أيامه صاحب المظالم محمد بن عبد الرؤوف.
وكان محمد بن عبد الرحمن في نهاية التخلف، صاحب أكل وشرب ونكاح، ولم يزل متغلبا عليه طول ولايته لا ينفذ له أمر، ولا عقب له. وقيل في وفاته إنه لما هرب من قرطبة سار حتى انتهى إلى قرية يقال لها سمونت من أعمال مدينة سالم، فجلس ليأكل وكان معه عبد الرحمن بن محمد بن سليم - من ولد سعيد بن المنذر - فكره التمادي معه، فسمه في دجاجة فمات لوقته، فقبره هناك. ولما خلع أعيدت خطبة يحيى بن علي الفاطمي، ثم قطعت وأعيدت الخطبة للدولة الأموية.
ولاية المعتمد على الله هو أبو بكر هشام بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر، وهو أخو المرتضى، بويع له في شهر ربيع الأول سنة ثماني عشرة وأربعمائة، وقيل في يوم الجمعة سلخ شهر ربيع الآخر منها. وذلك أنه لما قطعت خطبة يحيى بن علي في سنة سبع عشرة وأربعمائة اجتمع رأي أهل قرطبة على رد الأمر إلى بني أمية، وكان عميدهم في ذلك الوزير أبو الحزم جهور بن محمد بن جهور. فراسل أهل الثغور في ذلك فاتفقوا عليه بعد مدة، فبايعوا لأبي بكر وهو بالثغر في حصن البونت عند أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن قاسم.
فبقي يتردد في الثغور سنتين وعشرة أشهر - وقيل سبعة أشهر وثارت هناك فتن كثيرة يطول شرحها، واضطراب شديد من الرؤساء بها، إلى أن اتفق رأيهم على أن يسير إلى قرطبة الملك. فسار إليها، ودخلها في يوم من ثامن ذي الحجة سنة عشرين وأربعمائة. ولم يقم إلا يسيرا حتى قامت عليه فرقة من الجند، فخلع! قال بعض المؤرخين: كان سبب خلعه أن وزيره ومدبر أمره أبا العاص الحكم بن سعيد كان فاسد الطريقة، ولم يكن له سابقة رئاسة. فكرهه الناس فدسوا عليه في بعض الطرق من قال نصيحة تقربه منه - وكان أطروشا - فأصغى إليه ليقولها في أذنه، فجره عن دابته فقتل.
وخلع المعتمد، وخرج إلى الثغر لينتزعه من يد المنذر بن يحيى، فمات بلاردة - وهي في مملكة سليمان بن هود - في يوم الجمعة لأربع بقين من صفر سنة ثمان وعشرين وأربعمائة.
قال: وولي قرطبة بعده قريب من ستة، ثم دعي للمؤيد هشام - وذكر أنه حي - في يوم الخميس لليلتين خلتا من المحرم سنة سبع وعشرين وأربعمائة إلى أن أشيع موت هشام هذا. فتغلب على قرطبة أبو الحزم بن جهور - على ما سنورده - وانقطعت دعوة بني أمية من سائر البلاد إلى هلم. وكانت مدة ملك بني أمية ببلاد الأندلس - من سنة ثمان وثلاثين ومائة وإلى هذا التاريخ - مائتي ستة وتسعين، وعدة من ملك منهم خمسة عشر ملكا وهم: عبد الرحمن بن معاوية الداخل، هشام بن عبد الرحمن، الحكم بن هشام المرتضى، عبد الرحمن بن الحكم، محمد بن عبد الرحمن الأمين، المنذر بن محمد بن عبد الرحمن، عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله، الحكم المستنصر بالله بن عبد الرحمن، هشام المؤيد بالله دفعتين، محمد بن هشام بن عبد الجبار المهدي دفعتين، سليمان بن الحكم المستعين بالله دفعتين. ثم انقطعت دعوتهم بقيام العلويين سبع سنين، وعادت بقرطبة بإمارة المستظهر بالله عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار، ثم المستكفي بالله محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله، ثم المعتمد على الله أبو بكر هشام بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم.
أخبار الأندلس ومن ملكها بعد انقطاع الدعوة الأموية

(6/399)


قال: ولما انقطعت دعوة بني أمية بعد خلع هشام تغلب كل رئيس على بلد، واستولى عليها، ونحن نذكر ذلك على سبيل الاختصار. فأما قرطبة فاستولى عليها الوزير أبو الحزم جهور بن محمد بن جهور بن عبد الله بن محمد بن العمر بن يحيى بن عبد الغافر بن أبي عبيدة. قال: وكان من وزراء الدولة العامرية قديم الرئاسة موصوفا بالدهاء والعقل، لم يدخل في شيء من الفتن قبل ذلك. فلما خلا له الجو وأمكنته الفرصة وثب عليها، فتولى الأمر واستقل به، ولم ينتقل عن رتبة الوزارة إلى الإمارة ظاهرا، بل دبر تدبيرا حسنا لم يسبق إليه. وجعل نفسه ممسكا للوضع إلى أن يجيء مستحق يتفق عليه الناس فيسلمه إليه، ورتب البوابين والحشم على أبواب تلك القصور - على ما كانت عليه أيام الدولة - ولم يتحول عن داره إليها. وجعل ما يرفع من الأموال السلطانية بأيدي رجال رتبهم لذلك وهو المشرف عليهم، وصير أهل الأسواق جندا وجعل أرزاقهم رؤوس أموال تكون بأيديهم يأخذون ربحها خاصة ورؤوس الأموال باقية، يؤخذون ويراعون في الوقت بعد الوقت كيف حفظهم لها. وفرق السلاح عليهم وأمرهم أن يجعلوه في الدكاكين والبيوت، حتى إذا دهم أمر ليلا أو نهارا كان سلاح كل واحد معه، وكان يشهد الجنائز ويعود المرضى.
وكانت قرطبة في أيامه حرما يأمن فيه كل خائف، ولم تزل أيامه على أحسن نظام وأكمل اتساق إلى أن توفي في صفر سنة خمس وثلاثين وأربعمائة، وتولى بعده ابنه محمد.
ولاية محمد بن جهور ولي بعده أبيه فجرى على سنته في تدبير الأمور ورعاية قلوب الرعية إلى أن مات، وغلب عليها الأمير الملقب بالمأمون صاحب طليطلة إلى أن مات، ثم استولى ابن عباد على قرطبة على ما نذكره.
أخبار مدينة طليطلة
ومن ملكها بعد بني أمية وكيف كان استيلاء الفرنج عليها أول من تغلب عليها بعد بني أمية مع بقائهم بقرطبة رجل يقال له ابن يعيش، وذلك أن أهلها لما خلعوا طاعة بني أمية قدموه على أنفسهم وولوه أمرهم، فلم تطل مدته. وصارت رئاسته إلى إسماعيل بن عبد الرحمن بن عامر بن مطرف بن ذي النون الهواري، فتغلب على طليطلة. ولم تزل بيده إلى أن توفي في سنة خمس وثلاثين وأربعمائة، فقام بعده ابنه.
ولاية المأمون
يحيى بن إسماعيل ولي طليطلة بعد أبيه، ولما ولي أراد أن يستعين بالفرنج على ما حوله من المدائن والحصون لينتزعها ممن هي بيده. فكتب إلى ملك من ملوك الفرنج - كان قريبا منه وبينهما مودة ومراسلة - يقال له شنشكند وقال له " اخرج إلي في مائة من فرسانك وإنني في مكان كذا لأجتمع بك في أمر لك فيه راحة " فخرج إليه شنشكند في ستة آلاف فارس، وخرج ابن ذي النون في مائتي فارس من عسكر طليطلة.
وكمن الفرنجي أصحابه خلف جبل بالقرب من الموضع وقال لهم: إذا رأيتمونا قد اجتمعنا فاخرجوا إلينا بأجمكم! فلما فعلوا ذلك ورآهم المأمون سقط في يده، وحيل بينه وبين عقله فقال له شنشكند: يا يحيى وحق الإنجيل ما كنت أظنك إلا عاقلا وإذا بك أحمق خلق الله، خرجت إلي في هذا العدد القليل وسلمت إلي مهجتك بغير عهد كان بيني وبينك قبل خروجك ولا دين يجمعنا وقد أمكنني الله منك، وحق الإنجيل لا نجوت مني حتى تعطيني الحصن الفلاني والحصن الفلاني - وسمى حصونا من حصون المسلمين بين طليطلة وبينه - وتجعل لي عليك مآلا في كل سنة!.
فأجابه يحيى إلى ما طلب، وسلم إليه الحصون، ورجع إلى طليطلة شر رجوع. وتواتر الخذلان عليه إلى أن مات في سنة ستين وأربعمائة، وصارت ولايته إلى ابنه القادر يحيى، فدام بطليطلة إلى أن ملكها الفرنج.
قال: ولما ملك امتدت يده إلى أموال الرعية، واستعمل السفلة وأهل الثغور، ولم تزل النصارى تطوى حصونه حصنا بعد حصن حتى استولوا على طليطلة في سنة ثمان وسبعين بعد أن حاصرها ألفونش سبع سنين وملكها، واتخذها دار ملك، وغير جامعها كنيسة ورد المسلمين إلى مسجد غيره وعوضهم مالا وقال: هذه كنيسة كانت لنا فردها الله علينا! وانتقل القادر بالله إلى بلنسية فقبله القاضي الأحنف بن حجاب.
أخبار دولة بني العباد وابتداء أمرهم ومن ملك منهم إلى أن انقضت مدتهم وانقرضت دولتهم

(6/400)


أول من قام منهم القاضي محمد بن إسماعيل بن قريش بن عباد بن عمرو بن عطاف بن نعيم - ونعيم وابنه عطاف هما دخلا إلى الأندلس من المشرق - وهم من لخم من بني المنذر بن المنذر، وفيهم يقول الشاعر:
من بني المنذر وهو انتساب ... زاد في فخره بنو عباد
فيه لما تلد سواها المعالي ... والمعالي قليلة الأولاد
وكان محمد بن إسماعيل هذا قد تقدم بإشبيلية إلى أن ولي القضاء، فأحسن السياسة مع الرعية والملاطفة بهم؛ فرمقته العيون، ومالت إليه القلوب. فلما كان في سنة ثلاث عشرة وأربعمائة ولي يحيى بن علي الفاطمي قرطبة، وكان من أمره وأمر عمه القاسم ما ذكرناه. ثم إن أهل قرطبة أخرجوا القاسم بن حمود فقصد مدينة إشبيلية ثم فارقها، وقصدها بعد ذلك يحيى بن علي المعتلي ونزل بقرمونة لحصار مدينة إشبيلية وكانت الرئاسة بها بين ثلاثة - كما ذكرنا ذلك - فاجتمع وجوده المدينة وفيهم حبيب ابن عامر القرشي ومحمد بن مرثم الإهابي ومحمد الزبيدي وغيرهم. وأتوا إلى أبي القاسم محمد بن إسماعيل وقالوا: ما ترى ما نحن فيه وما حل بنا من هذا الكافر وما أفسد من أموال الناس، فقم بنا نخرج إليه ونملكك ونجعل الأمر لك وننتصر لهشام! ففعل، وخرجوا لقتال يحيى بن علي المعتلي، فركب إليهم وهو سكران فقتل كما قدمنا. وملك محمد بن إسماعيل إشبيلية، وقالوا له: نخرج إلى قرمونة من قبل أن يسبقك إليها إسحاق بن عبد الله البرزالي! فهم محمد بذلك فسبقه إسحاق وملكها، فكتب محمد إلى يحيى بن ذي النون الهواري صاحب طليطلة يقول له: اخرج بعسكرك أو ابعث إلي بعسكر مع قائد من عندك حتى أخرج إسحاق بن عبد الله من قرمونة، وأنا أعينك على أخذ قرطبة وأجعلها لك ملكا! فلما وصل كتابه إلى المأمون خرج إليه بنفسه في عسكر كبير، فاجتمعا ونزلا على قرمونة، وحاصراها وأخرجها عنها إسحاق. وأخذها محمد بن إسماعيل وأدخل ولده إليها، وسارا إلى قرطبة وحاصراها.
فلما رأى أهلها ما حل بهم كاتبوا محمد بن إسماعيل وقالوا أنت أولى من المأمون بالبلد وأحب إلينا منه! فاستوثق منهم ودخلها ليلا ويحيى لا علم له بذلك. فلما أصبح وعلم الحال رجع بعسكره إلى طليطلة وكتب إلى ابن عكاشة - وهو رجل شجاع كان بيده بعض حصون الأندلس، يقطع حوله السبيل ويقتل التجار ويأخذ الأموال، وهو يظهر ليحيى طاعة مشوبة بمعصية - فأمره أن يجمع أصحابه وعضده بعسكر كبير ووجههم إلى قرطبة، فتوجهوا إليها وقد فارقها محمد بن إسماعيل إلى إشبيلية وترك ولده بها.
فدخلها ابن عكاشة ليلا، ودخل القصر، وقتل كل من وجد من الحرس، وذبح ولد محمد بن إسماعيل بيده. فلما بلغ ذلك محمد جمع العساكر وخرج إلى قرطبة، فحصر ابن عكاشة وضيق عليه، فخرج هاربا. واستوثق من الرعية وعاد إلى إشبيلية، فوصل إليها يحيى بن ذي النون وتغلب عليها. فدس عليه محمد بن إسماعيل طبيبه، فسمه، فمات! فعندها خلص الأمر لمحمد بن إسماعيل، وذلك في سنة أربع وعشرين.. هكذا نقل عز الدين عبد العزيز بن شداد بن تميم بن المعز بن باديس في كتابه المترجم بالجمع والبيان، وذكر أيضا في هذا الكتاب أن يحيى توفي في سنة ستين وأربعمائة، وهذا فيه تناف والله تعالى أعلم.
أخبار خلف الحصري
المشبه بالمؤيد هشام وقيام دعوته بمملكة محمد ابن إسماعيل، وما قيل في ذلك فأما قيام دعوته فإن محمد بن إسماعيل لما استولى على الأمر في سنة أربع وعشرين وأربعمائة وتعاظم أمره، حسده أمثاله وكثر الكلام فيه وقالوا " قتل يحيى بن علي الحسني من أهل البيت وقتل يحيى بن ذي النون ظلما " واتسع القول فيه فبقي يفكر فيما يفعله. فبينما هو كذلك إذ جاءه رجل من أهل قرطبة فقال له: إني رأيت - هشاما في قلعة رباح! فقال له محمد: انظر ما تقول! فقال! لأني والله رأيته وهو هشام بلا شك!

(6/401)


وكان عند محمد بن إسماعيل عبد من عبيد هشام يسمى تومرت، - وهو الذي كان يقوم على رأس هشام - فقال له محمد: إذا رأيت مولاك تعرفه؟ فقال: نعم ولي فيه علامات فأرسل محمد رجلين من الذين ذكروا أنهم رأوا هشاما وقال: توجها إلى قلعة رباح وائتياني بهشام! وأسرعا، فتوجها فوجداه في مسجد في قلعة رباح، فدخلا عليه وأعلماه أنهما رسولا القاضي محمد بن إسماعيل إليه. فسار معهما إلى إشبيلية. فلما دخل على القاضي قام إليه وسلم عليه وأنزله ووكل بخدمته تومرت مولاه. فلما رآه تومرت قيل يديه ورجليه وقال للقاضي: هو والله مولاي هشام ابن الحكم.
فعند ذلك قام إليه القاضي محمد بن إسماعيل وقبل رأسه ويديه، وأمر بنيه فدخلوا عليه وفعلوا كفعله، وسلموا عليه بالخلافة. وأخرجه محمد بن إسماعيل في يوم الجمعة إلى الجامع بمدينة إشبيلية، ومشى هو وبنوه بين يديه رجالة حتى أتى المسجد، فخطب الناس وصلى بهم الجمعة. وبايعه محمد بن إسماعيل وبنوه وجميع أهل البلد ورجع إلى موضعه، وتولى محمد بن إسماعيل الخدمة بين يديه وجرى في ذلك على طريقة ابن أبي عامر، غير أنه يخرج إلى الجمعة والأعياد ويصلي طول مدته، ومحمد في رتبة الوزارة آمرا وناهيا عنه، واستقام لمحمد أكثر مدن الأندلس، فهذا كان سبب قيام دعوته.
وأما ما نقل من أخباره فقد ذكرنا في أخبار بني أمية أن المستعين بالله سليمان بن الحكم لما فتح قرطبة المرة الثانية في شوال سنة ثلاث وأربعمائة أحضره ووبخه، وأن المؤيد فقد لخمس خلون من شوال. وذكرنا أيضا أن الناصر علي بن حمود الفاطمي لما ملك قرطبة أحضر المستعين وسأله بحضرة الفقهاء والوزراء عن المؤيد هشام فقال " مات فألزمه أن يريه قبره فأخرجه دفينا لا أثر فيه فأمر الناصر بتكفينه ودفنه في الروضة " .
وقيل بل هرب بنفسه إلى المشرق مستخفيا حتى وصل مكة - شرفها الله - وكان معه كيس فيه جوهر وياقوت ونفقة، فشعر به حرابة مكة، فأخذوه منه، فمال إلى جهة من الحرم وأقام يومين لم يطعم طعاما. فمضى إلى المروة فأتاه رجل فقال له تحسن عمل الطين؟ قال: نعم! فمضى به إلى تراب ليعجنه ووافقه على درهم وقرصة، فقال له: عجل القرصة فإني جائع! فأتاه بها فأكلها، ثم عمد إلى التراب فكان مرة يعجن ومرة يجلس، فلما طال عليه ذلك تركه ومضى هاربا على وجهه.
وخرج مع القافلة إلى الشام على أسوأ حال، فوصل إلى بيت المقدس، فمشى في السوق فرأى رجلا يعمل الحصر الحلفاء فنظر إليه فقال له الحصري: كأنك تحسن هذه الصناعة! قال: لا! قال: فتقيم عندي تناولني الحلفاء وأجعل لك أجرة على ذلك. قال: أفعل، فأقام عنده يناوله ويعاونه على ما يأمره به من أمور صناعته، فتعلم هشام صناعة الحصر، فصار يعلمها ويتقوت منها. وأقام ببيت المقدس أعواما كثيرة لم يعلم به أحد، ثم رجع إلى الأندلس في سنة أربع وعشرين وأربعمائة.. هكذا روى جماعة من مشايخ الأندلس! وقال الإمام الحافظ أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم في كتابه المسمى " نقط العروس في هذه الحكاية: أخلوقة لم يقع في الدهر مثلها، وإنما ظهر رجل يقال له خلف الحصري بعد نيف وعشرين سنة من موت هشام بن الحكم المؤيد وادعى أنه هشام، وبويع له على جميع منابر الأندلس في أوقات شتى، وسفك الدماء وتصادمت الجيوش في أمره.
وقال أبو محمد بن حزم: وفضيحة لم يقع في الدهر مثلها، أربعة رجال في مسافة ثلاثة أيام في مثلها يسمى كل واحد منهم يا أمير المؤمنين، ويخطب لهم في زمن واحد، أحدهم خلف الحصري المذكور بإشبيلية على أنه هشام بن الحكم المؤيد، والثاني محمد بن القاسم بن حمود بالجزيرة الخضراء، والثالث محمد بن إدريس بن علي بن حمود بمدينة مالقه، والرابع إدريس بن يحيى بن علي بشنترين.

(6/402)


وأقام المدعى أنه هشام بن الحكم نيفا وعشرين سنة والقاضي محمد بن إسماعيل في رتبة الوزير بين يديه، والأمر إليه. وقد استقام لمحمد أكثر بلاد الأندلس، ودفع به كلام الحساد وأهل العناد، إلى أن توفي هشام المذكور. فاستبد القاضي بالأمر بعده وملك أكثر مدن الأندلس وحصونها. ولم ينتقل عن مدينة إشبيلية بل جعلها دار ملكه، واستقامت له الأمور، وأطاعته المدن والثغور، واجتهد في جهاد الفرنج. وكان له في ذلك القدم المشهور، ومات محمد في عشر الخمسين وأربعمائة، وولي بعده ابنه عباد.
ولاية عباد بن محمد ولي بعد أبيه وتلقب المعتضد بالله، وكان فيه كرم وبأس. فطابت أيامه، وحسنت أفعاله، واستقامت له الأحوال، ورفعت له من بلاد الأندلس الأموال. قال: واتفق له واقعة غريبة في سنة سبع وأربعين وأربعمائة، وهي أنه شرب ليلة مع رجاله وندمائه فلما عملت فيه الخمر صرفهم وخرج في الليل ومعه رجل واحد من عبيده. وسار نحو قرمونة وهي تبعد عن مدينة إشبيلية ثمانية عشر ميلا، وكان صاحب قرمونة إسحاق بن سليمان البرازلي وقد م جرت بينه وبينه حروب. فسار عباد حتى أتى قرمونة، وكان إسحاق تلك الليلة في جماعة من أهل بيته يشربون، فدخل عليه بعض خدامه فقال: إن صاحب الحرس ذكر أن المعتضد عبادا قائم على باب المدينة ليس معه إلا رجل واحد وهو يستأذن عليك! فعجب القوم من ذلك غاية العجب، وخرج إسحاق ومن عنده إلى باب المدينة فسلم على عباد وأدخله إلى القصر، وأمر بتجديد الطعام والشراب. فلما شرع في الأكل تذكر ما فعل فسقط في يده ولم يطق أن يسفه، وندم على ما صنع لما يعلم بينه وبين برزال من الحرب وسفك الدماء، فأظهر التجلد والانشراح ثم قال لإسحاق: أريد أن أنام! فرفعه على الفراش، فأراهم عباد أنه نائم، فقال بعض القوم لبعض: هذا كبش سمين حصل لكم، والله لو أنفقتم عليه ملك الأندلس ما قدرتم على حصوله في أيديكم، وهو شيطان الأندلس وإذا قتل خلصت لكم البلاد! فقام معاذ بن أبي قرة وكان من كبرائهم فقال: والله لا فعلنا هذا ولا رضينا به، رجل قصدنا ونزل بنا، ولو علم أنا نرضى فيه بقبيح لما أتانا مستأمنا إلينا، كيف تتحدث القبائل عنا أننا قتلنا ضيفنا وخفرنا ذمتنا، فعلى من يرضى هذا لعنة الله! وهو يسمع فنزل عن السرير فقام القوم بأجمعهم فقبلوا رأسه وجددوا السلام عليه فقال لحاجبه: أين نحن؟ قال: في منزلك وبين أهلك وإخوانك! قال: إئتوني بدواة وقرطاس.
فأتوه بهما، فكتب أسماء القوم، وكتب لكل واحد بخلعة ودنانير وأفراس وعبيد وجوار، وأمر أن يرسل كل واحد منهم رسولا ليقبض ذلك. ثم ركب وخرج القوم يشيعونه إلى قرب إشبيلية، فصرفهم ودخل. وأرسلوا من قبض لهم ما كتب به، ثم أغفلهم ستة أشهر وكتب إليهم يستدعيهم لوليمة، فجاءه سبعون رجلا منهم فأنزلهم عند رجاله، وأنزل معاذا عنده. وأمر بهم فأدخلوا حماما، وبنى عليهم بابه، فماتوا جميعا، فعز ذلك على معاذ بن أبي قرة فقال له عباد: لا ترع فإنهم قد حضرت آجالهم وقد أرادوا قتلى، ولولاك ما كنت ناجيا منهم، وإنما جعل الله صيانة دمي بك، فإن أردت الرجوع إلى بلدك رددتك على أجمل الوجوه وأحسنها وأسرها! فقال له معاذ: بأي وجه أرجع أنا دونهم؟ فأمر له المعتضد بألف دينارة وعشرة أفراس وثلاثين جارية وعشرة أعبد، وأنزله في قصر من أعظم قصوره، وأقطعه في كل عام أثنى عشر ألف دينار، وكان ينفذ إليه في كل يوم التحف والطرف. ولم يكن يحضر مجلسه أحد قبله إلى أن مات عباد فأوصى ولده بمعاذ وقال: يا بني احفظني فيه! فجرى فيه على عادة أبيه، ودام بإشبيلية حتى انقرضت دولة بني عباد.
قال بعض أهل إشبيلية: رأيت معاذ بن أبي قرة يوم دخل يوسف بن تاشفين إشبيلية أول النهار وعليه ثوب ديباج مخرطم بالذهب وأمامه نحو ثلاثين عبدا، ورأيته آخر النهار عليه مليس مشتمل به فسبحان من لا يزول ملكه، نسأل الله تعالى أن لا يلبسنا ثوب نعمة أنعمها علينا بمنه وكرمه.

(6/403)


وفي أيام عباد توفي الإمام الحافظ أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن سعدان بن سفيان بن يزيد الفارسي مولى يزيد بن أبي سفيان بن حرب بن أمية. أصل آبائه من قرية منت ليسم من عمل الولبة من كور غرب الأندلس، وسكن هو وآباؤه قرطبة ونالوا بها جاها عريضا ومالا وممدودا. وولى ابن أبي عامر جده سعيدا الوزارة، وولى أبو محمد هذا الوزارة في أيام المستظهر بالله عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار الأموي. وكان مولده يوم الأربعاء ساخ شهر رمضان سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، ووفاته في سلخ شعبان سنة سبع وخمسين وأربعمائة، وكانت مدة حياته اثنتين وسبعين سنة وأحد عشر شهرا. وله كثير من المصنفات، ذكر أنه اجتمع مع الإمام أبي الوليد سليمان بن خلف بن سعيد بن أيوب الباجي صاحب التواليف - وقيل بل الفقيه إبراهيم الخفاجي - فجرت بينهما مناظرة، فلما انقضت قال الفقيه أبو الوليد: تعذرني فإن أكثر مطالعتي كانت على سرج الحراس! فقال له ابن حزم: وتعذرني أيضا فإن أكثر مطالعتي كانت على منابر الذهب والفضة! وفي سنة ستين وأربعمائة توفي المعتضد بالله عباد بن محمد، وحكي أنه استحضر مغنيا يغنيه ليجعل أول ما يبدأ به فألا فكان أول شعر قاله:
نطوي الليالي علما أن ستطوينا ... فشعشعينا بماء المزن واسقينا
فمات بعد خمسة أيام رحمه الله، ولما مات ولي بعده ابنه محمد.
ولاية المعتمد على الله محمد بن عباد ابن محمد بن إسماعيل بن قريش بن عباد، وكنيته أبو القاسم. ولي بعد وفاة أبيه في سنة ستين وأربعمائة، وقيل في سنة إحدى وستين، وكان مولده بباجة سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، فكان عمره حين ولي ثلاثين سنة. وكان فيه أدب وشعر وكرم وتواضع وشجاعة، قال أبو بكر محمد بن عيسى المعروف بابن اللبانة كاتبه يصف الدولة العبادية " كانت الدولة العبادية تشبه العباسية، بها وسعة ملك ووثاق عهد وانتظام عقد، وعدل أئمة واعتدال أمة، كان أربابها يتنافسون في المكارم ويتغايرون على الشرف المتقادم.
من حلبة السبق لا برق يخاطفها ... إلى مداها ولا ريح يجاريها
تردهم نسبة نحو السماء فهم ... من مائها، وعلاهم من دراريها
يشير إلى المنذر بن ماء السماء، ثم قال " جمعوا كرم الأخلاق إلى شرف الأعراق، وحملوا حلى الآداب على الأحساب، وعضدوا البأس بالكرم وأيدوا بالسيف والقلم.
نفر إلى ماء السماء نماهم ... نسب على أوج النجوم مخيم
بالبيض والبيضات والخلق اكتسوا ... فتوشحوا وتتوجوا وتعمموا
وكان بهذا البيت سرير الفلك الدائر وغريبه البحر الزاخر المعتمد على الله المؤيد بنصر الله أبو القاسم محمد " وذكر نسبه، ثم قال: من بني المنذر وهو انتساب.. البيتين، وقد ذكرناهما آنفا، وقال تلوهما: وكذلك يطرد النسب إطراد الشآبيب، ويتسق اتساق الأنابيب، فهو كما قيل:
شرف ينقل كابرا عن كابر ... كالرمح أنبوب على أنبوب
إلى مركز الدائرة من لخم وواسطة المنتخبين من يعرب وقحطان! ثم ذكر مولده وولايته على ما قدمنا وذكر خلعه في سنة أربع وثمانين على ما نذكره إن شاء الله.
وكان سبب خلعه وانقراض دولته أن الفرنج - لعنهم الله - استولوا على طليطلة وملكها الأذفونش - وهو ألفنش - في سنة ثمان وسبعن وأربعمائة على ما قدمناه. وكان المعتمد. يؤدي إليه ضريبة في كل سنة، فلما سيرها إليه بعد استيلائه على طليطلة لم يقبلها وأعادها، وأرسل إليه يتوعده ويقول له: أنا آخذ مدينة قرطبة كما أخذت طليطلة إلا أن ترفع يدك عن جميع الحصون وتسلمها إلينا ويكون لك السهل من البلاد! وكان الرسول شلبيب اليهودي ومعه خمسمائة فارس، وطلب منه اثني عشر ألف دينار، فأمر المعتمد بإنزال الخيالة على أهل العسكر متفرقين وأمر كل من عنده فارس منهم أن يقتله. ولما جن الليل أحضر اليهودي وكشف رأسه، وأمر بضربه بالنعال المسمرة، حتى خرجت عيناه من رأسه. وهرب من الخيالة ثلاثة، فوصلوا إلى الأذفوشن وأعلموه بقتل أصحابه وكان متوجها إلى قرطبة يريد حصارها - فلما جاءه الخبر رجع إلى طليطلة ليستعد ويهيئ آلات الحصار.

(6/404)


فلما سمع المعتمد برحيله إلى طليطلة سار هو إلى إشبيلية فبلغ مشايخ قرطبة ما جرى، فاجتمعوا بالفقهاء وقالوا: هذه مدائن الأندلس قد غلب عليها الفرنج ولم يبق منها إلا القليل، وإن استمرت الأحوال على ما نرى عادت نصرانية كما كانت! ثم ساروا إلى القاضي عبد الله بن محمد بن أدهم فقالوا له: ألا تنظر إلى ما فيه المسلمون من الصغار والذلة وإعطائهم الجزية إلى الفرنج بعد أن كانوا يأخذونها منهم، وابن عباد هو الذي حمل الفرنج على المسلمين حتى جرى ما جرى وطلب منه ما طلب، وقد دبرنا رأيا نعرضه عليك! قال: وما هو؟ قالوا: نكتب إلى عرب أفريقية ونعلمهم أنهم إن وصلوا إلينا قاسمناهم في أموالنا وخرجنا معهم مجاهدين في سبيل الله تعالى! قال: أخاف أن يخرجوا الأندلس كما فعلوا بأفريقية ويتركوا الفرنج ويبدأوا بكم والمرابطون أقرب إلينا وأصلح حالا. قالوا: فكاتب يوسف بن تاشفين ورغب إليه أن يدخل إلينا بنفسه أو يرسل إلينا قائدا من قواده. قال: أما الآن فقد أشرتم برأي فيه السداد! وقدم المعتمد إلى قرطبة في أثر ذلك، فدخل عليه القاضي وأعلمه بما دار بينه وبين أهل قرطبة وما اتفقوا عليه، فقال المعتمد: نعم ما أشاروا به وأنت رسولي إليه! فامتنع القاضي واستعفاه وإنما أراد أن يقوى عزمه على إرساله فقال: لا أجد لها غيرك.
فسار القاضي، وصحبه أبو بكر بن القصيرة الكاتب إلى أمير المسلمين، فوجداه بسبتة، فأبلغاه الرسالة. وأعلماه بحال المسلمين وما هم عليه من الخوف والجزع من الأذفونش، وأنهم يستنصرون بالله ثم به؛ وأن المعتمد يستنجد عليه. فأمر يوسف في الحال بإدخال العساكر إلى الجزيرة الخضراء، وأقام بسبتة وأنفذ إلى مراكش في طلب من بقي، ودخل في آخر العساكر..هذا ما نقله أهل التاريخ، أن القاضي وابن القصيرة كانا رسولين إليه، وقيل إن المعتمد بن عباد سار بنفسه بغير واسطة وتلطف في الدخول عليه إلى أن انتهى إلى آخر بواب فقال له: قل لأمير المسلمين إن ابن عباد بالباب! فلما أعلمه بذلك ارتاع وظن أنه قدم بعساكره، وسأله عن حقيقة الحال فقال: هو ببابك وحده فأذن له، فدخل عليه، فأكرمه ووعده النصر. وعاد ابن عباد ولحقه أمير المسلمين.
وقعة الزلاقة
وانهزام الفرنج لعنهم الله قال: وجمع المعتمد العساكر وأقبل أمير المسلمين بعساكره، واجتمعوا كلهم بإشبيلية، وخرج من أهل قرطبة - من المتطوعين - أربعة آلاف فارس وراجل. وجاء المسلمون من بلاد الأندلس، من كل بلد وحصن. واتصلت الأخبار بالأذفونش، فخرج من طليطلة في أربعين فارس غير من أنضاف إليها، وكتب إلى يوسف كتابا كتبه عنه رجل من أدباء المسلمين يغلظ فيه القول ويصف ما عنده من القوة والعدد والعدد، ووسع وأطال وبالغ. ووصل الكتاب إلى يوسف بن تاشفين فأمر الكاتب أبا بكر بن القصيرة أن يجاوبه. وكان كاتبا مجيدا - فكتب وأطال وبالغ، فلما قرأه على يوسف استطاله وكتب على ظهر كتابه " الذي يكون ستراه "
ولا كتب إلى المشرفية والقنا ... ولا رسل إلا بالخميس العرمرم
ورده إليه، فلما قرأ الجواب ارتاع وقال: هذا رجل له عزم! قال: ولما استعد الأذفونش للقاء رأى في منامه كأنه راكب فيلا وبين يديه طبل صغير ينقر فيه، فقص ذلك على القسيسين فلم يعرفوا تأويله، فاستحضر رجلا مسلما عالما دينا فاستعفاه من القول فأمنه وعزم عليه، فقال: تأويل هذه الرؤيا في آيتين من كتاب الله عز وجل! وقرأ سورة الفيل، وقوله تعالى " فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير " . وذلك يقتضي هلاك الجيش الذي تجمعه.
فلما اجتمع الجيش وعبأه أعجبته كثرته، فاستحضر المعبر وقال له: هذا الجيش الذي ترى ألقى به محمدا صاحب كتابكم! فانصرف المعبر عنه وقال: هذا الملك هالك لا محالة وكل من معه فإنه قد أعجب بجمعه.. وذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم " ثلاث مهلكات " الحديث...
قال: وسار المعتمد بن عباد وأمير المسلمين بالعساكر حتى أتوا موضعا يقال له الزلاقة من بلد بطليموس وأتى الأذفونش فنزل موضعا بينه وبينهم - ثمانية عشر ميلا، فقيل ليوسف بن تاشفين إن ابن عباد ربما لم ينصح لا يبذل نفسه دونك، فأرسل تقول له " كن في المقدمة ونكون نحن في أثرك " . فتقدم ابن عباد.

(6/405)


وضرب الأذفونش خيامه في سفح جبل والمعتمد بن عباد في سفح جبل آخر بحيث يتراءان، ونزل يوسف بن تاشفين في جبل من وراء الجبل الذي فيه المعتمد. وظن الأذفونش أن عسكر المسلمين ليس إلا ذاك الذي يظهر له مع المعتمد والأذفونش في زهاء خمسين ألف فارس، فما شك أنه الغالب واستعمل الخدعة. وأرسل ابن عباد في ميقات اللقاء يوم الخميس، وقال: نحن قد وصلنا على حال تعب وأمامكم الجمعة وأمامنا الأحد فيكون اللقاء يوم الاثنين بعد أهبة! فاستقر الأمر بينهما على ذلك.
ثم ركب الأذفونش صبيحة الجمعة ليلا، وصبح بجيشه جيش المعتمد، فوقع القتال بينهم، فصبر المسلمون وقتل منهم خلق كثير، وأشرفوا على الانهزام. وقد كان المعتمد أرسل إلى ابن تاشفين فقال للأدلة: احملوني إلى مضارب الأذفونش! فما شعر الفرنج إلا وقد نهبت خيامهم وخزائن الأذفونش وعدده، والقتل يعمل فيهم من وراء ظهورهم. فلم يتمالك الفرنج أن انهزموا وأخذهم السيف من كل مكان، فقتلوا عن آخرهم، فما سلم إلا آحاد! وهرب الأذفونش في نفر يسير ودخل طليطلة في سبعة فوارس، ولم يرجع من الفرنج إلى بلادهم غير ثلاثمائة نفر أكثرهم رجالة.
وكانت هذه الوقعة في يوم الجمعة في العشر الأول من شهر رمضان سنة تسع وسبعين وأربعمائة، وأصاب المعتمد جراحا في وجهه، ووصف في ذلك اليوم بالشجاعة. وغنم المسلمون من أموال الفرنج وأسلحتهم مالا يحصى كثرة، وجعل المسلمون رؤوس القتلى كوما كبيرا وصعدوا عليه وأذنوا إلى أن جافت فأحرقوها!.
وعاد المعتمد إلى إشبيلية، ورجع أمير المسلمين إلى الجزيرة الخضراء وعدى إلى سبته وسار إلى مراكش. وعاد في السنة الثانية إلى جزيرة الأندلس وحاصر طليطلة هو وابن عباد وصاحب غرناطة، فلم يتهيأ لهم فتحه، فرجع وأخذ غرناطة من صاحبها عبد الله بن بلكمين، وهي أول ما ملكك من بلاد الأندلس على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
انقراض الدولة العبادية
وشيء من أخبار المعتمد وشعره في سنة أربع وثمانين وأربعمائة أتى يوسف بن تاشفين إلى سبتة ودخل العساكر إلى الأندلس مع سيرين بن أبي بكر، فقصدوا مدينة إشبيلية، فحصروا المعتمد وضيقوا عليه. فقاتل قتالا شديدا، وظهر من شجاعته وشدة بأسه وحسن دفاعه عن بلده ما لم يشاهد من غيره فسمع الفرنج بقصد عساكر المرابطين بلاد الأندلس، فخافوا أن يملكوها ثم يقصدوا بلادهم، فجمعوا وأكثروا وساروا لمساعدة المعتمد وإغاثته على المرابطين. فلما سمع بمسيرهم فارق إشبيلية وتوجه إلى لقاء الفرنج، وقابلهم وهزمهم، ورجع إلى إشبيلية. وداوم الحصار والقتال إلى العشرين من شهر رجب من السنة، فعظم الخطب واشتد الأمر على أهل البلد. ودخله المرابطون من واديه ونهبوا الأموال، ولم يبقوا على شيء حتى سلبوا الناس ثيابهم، وخرجوا من مساكنهم يسترون عوراتهم بأيديهم.
وأسر المعتمد ومعه أولاده الذكور والإناث، بعد أن استأصلوا جميع أموالهم. وقيل إن المعتمد سلم البلد بأمان، وكتب نسخة الأمان والعهد، واستحلفهم على نفسه وأهله وماله وعبيده وجميع ما يتعلق به. فلما سلم إليهم إشبيلية لم يفوا له، وسير المعتمد إلى مدينة أغمات، فحبسوا بها، وفعل أمير المسلمين أفعالا قبيحة لم يفعلها أحد قبله. وذلك أنه سجنهم ولم يجر عليهم ما يقوم بهم، حتى كان بنات المعتمد يغزلن للناس بأجرة ينفقونها على أنفسهم، فأبان أمير المسلمين في ذلك عن لؤم طباع وضيق نفس.
قال: وبقي المعتمد في حبسه بأغمات إلى سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، فتوفي فيها، وقبره بأغمات. فكان من بني عباد ثلاثة؛ القاضي محمد بن إسماعيل، وابنه عباد، ومحمد بن عباد هذا، ومدة ملكهم ستون سنة، وكان له من الأولاد الذكور والإناث.
وكان رحمه الله من محاسن الزمان كرما وعلما ورئاسة وأخباره مشهورة وآثاره مدونة. وقد ذكره ابن خاقان في " قلائد العقيان " ، وذكر شيئا من نظمه ونثره. وكان شاعره أبا بكر محمد بن عيسى الداني المعروف بابن اللبانة يأتيه في سجنه فيمدحه لإحسانه القديم إليه وبره الذي بقيت آثاره مع طول الزمن عليه، قال ابن اللبانة: فأمضيت عزيمتي بعد انقضاء الدولة في زيارته، فوصلت إليه بأغمات، فقلت في ذلك أبياتا عند دخولي عليه.

(6/406)


لم أقل في النقاف كان نفاقا ... كنت قلبا له وكان شغافا
يمكث الزهر في الكمام ولكن ... بعد مكث الكمام يدنو قطافا
وإذا ما الهلال غاب بغيم ... لم يكن ذلك المغيب انكسافا
إنما أنت درة للمعالي ... ركب الدهر فوقها أصدافا
حجب البيت منك شخصا كريما ... مثل ما يحجب الدنان السلافا
أنت للفضل كعبة ولو أني ... كنت أستطيع لالتزمت الطوافا
قال: وجرت بيني وبينه مخاطبات ألذ من غفلات الرقيب، وأشهى من رشفات الحبيب، وأدل على السماح، من فجر على صياح - قال - فلما قاربت الصدر وأزمعت السفر، صرف حبله واستنفذ ما قبله، وبعث إلي شرف الدولة ابنه - وكان من أحسن الناس سمتا وأكثرهم صمتا، تخجله اللفظة وتجرحه اللحظة، حريصا على طلب الأدب مسارعا في اقتناء الكتب، مثابرا على نسخ الدواوين ففتح من خطه فيها زهر البساتين - بعشرين مثقالا مرابطية وثوبين غير مخيطين، وكتب مع ذلك أبياتا منها:
إليك النزر من كف الأسير ... وإن تقنع نكن عين الشكور
تقبل ما ندوت به جباء ... وإن غدرته حالات الفقير
قال ابن اللبانة فأجبته:
حاش لله أن أحيج كريما ... يتشكى فقرا وكم سد فقرا
وكفاني كلامك الرطب نيلا ... كيف ألقى درا وأطلب تبرا
لم تمت إنما المكارم ماتت ... لا سقى الله بعدك الأرض قطرا
مما قاله المعتمد من شعره في مدة أسره - فمن ذلك - قوله:
سلت على يد الخطوب سيوفها ... فجررن من جسدي الخصيف الأمتنا
ضربت بها أيدي الضروب وإنما ... ضربت رقاب الآمنين بها المنى
يا آملي العادات من نفحاتنا ... كفوا فإن الدهر كف أكفنا
وقال في قصيدة يصف القيد في رجليه:
تعطف من ساقي تعطف أرقم ... يساورها عضا بأنياب ضيغم
وإني من كان الرجال بسيبه ... من سيفه في جنة وجهنم
وقال في يوم عيد:
فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا ... فصرت كالعبد في أغمات مأسورا
قد كان دهرك إن يأمره ممتثلا ... فردك الدهر منهيا ومأمورا
من بات بعدك في ملك يسر به ... فإنما بات بالأحلام مغرورا
وتعرض له أهل الكدية وهو في الحبس فقال:
سألوا اليسير من الأسير وإنه ... بسؤالهم لأحق منهم فاعجب
لولا الحياء وعزة لخمية ... طي الحشا لحكاهم في المطلب
ورثا ولديه وقد ذبحا بين يديه فقال:
يقولون صبرا..لا سبيل إلى الصبر ... سأبكي وأبكي ما تطاول من عمري
أفتح..لقد فتحت لي باب رحمة ... كما بيزيد الله قد زاد في أجري
هوى بكما المقدار عني ولم أمت ... فأدعى وفيا قد نكصت إلى الغدر
ولو عدتما لاخترتما العود في الثرى ... إذا أنتما أبصرتماني في الأسر
أبا خالد أورثتني البث خالدا ... أبا النصر مذ ودعت ودعني نصري
قال: وكان الشيخ عبد الجبار بن أبي بكر بن محمد بن حمديس توجه من المغرب إلى الأندلس في سنة إحدى وسبعين وأربعمائة، فقصد المعتمد، وأقام عنده إلى أن خلع، فكتب إليه المعتمد بعد أن عاد إلى المهدية:
غريب بأقصى المغربين أسير ... يبكى عليه منبر وسرير
أذل بني ماء السماء زمانهم ... وذل بني ماء السماء كثير
فما ماؤها إلا بكاء عليهم ... يفيض على الآفاق منه بحور
فأجابه محمد بن حمديس:
جرى لك جد بالكرام عثور ... وجار زمان كنت منه تجير
لقد أصبحت بيض الظبا في غمودها ... إناثا بترك الضرب وهي ذكور
ولما رحلتم بالنى في أكفكم ... وقلقل رضوى منكم وثبير
رفعت لساني بالقيامة قد دنت ... ألا فانظروا كيف الجبال تسير؟

(6/407)


قال ولما توفي المعتمد وقف ابن اللبانة على قبره في يوم عيد - والناس عند قبور أهاليهم - وأنشد بصوت عال:
ملك الملوك أسامع فأنادي ... أم قد عداك عن الجواب عواد
لما خلت منك القصور ولم تكن ... فيها كما قد كنت في الأعياد
قبلت في هذا الثرى لك خاضعا ... واتخذت قبرك موضع الإنشاد
وأخذ في إتمام القصيدة، فاجتمع الناس كلهم عليه يبكون لبكائه وإنشاده. وحكى بعض المعتنين بأخبارهم أن فخر الدولة ابن المعتمد على الله مر يوما في بعض شوارع مدينة إشبيلية، فطمحت عينه إلى روشن قرأى وجها حسنا فتعلق قلبه به، ولم يمكنه الوصول، فخامره الهوى ومرض من ذلك. فاتصل خبره بأبيه، فسأل عن المرأة فقيل إنها ابنة رجل خباز، فأمر الوزير أن ينفذ إلى أبيها ويخطبها منه. فأرسل إليه الوزير فعلم ما يراد به، فامتنع من الوصول إليه وقال: هو أحق بالوصول إلي في هذه الحالة! فأعلم المقتدر بذلك فقال: تصل إليه وتخطبها. فلما وصل إليه وخطبها قال الخباز للوزير: أله صنعة؟ فقال الوزير: ابن المعتمد يطلب منه صنعة وهو سلطان الأندلس؟ فقال له: أمها طالق إن زوجتها إلا من له صناعة يستر حاله وحالها بها إن احتاج إليها.
فأعلم الوزير المعتمد فقال: هذا رجل عاقل! فأمر بإحضار الصاغة إلى القصر وعلم فخر الدولة الصياغة وحذق فيها فلما جرى عليهم ما جرى دخل حوانيت الصاغة، وصاغ بالأجرة فرآه ابن اللبانة وهو ينفخ في بعض الحوانيت فقال:
أذكى القلوب أسى، أبكى العيون دما ... خطب وجودك فيه يشبه العدما
صرفت في آلة الصياغ أنملة ... لم تدر إلا الندى والسيف والقلما
يا صائغا كانت الدنيا تصاغ له ... حليا وكان عليه الحلى منتظما
النفخ في الصور هول ما حكاه سوى ... هول رأيتك فيه تنفخ الفحما
قال: ولما انقرضت الدولة العبادية صار ملك بلاد المسلمين إلى أمير المسلمين يوسف بن تاشفين صاحب مراكش والمغرب، وسنذكر ذلك إن شاء الله في أخباره.
ممالك الأندلس الأخرى وأما سرقسطة والثغر الأعلى فكان ذلك بيد منذر بن يحيى إلى أن توفي وولي بعده ابنه يحيى، ثم ولي بعده سليمان بن أحمد بن محمد بن هود الجذامي، وكان يلقب بالمستعين، وكان من قواد منذر على مدينة لاردة، وله وقعة مشهورة مع الفرنج في سنة أربع وثلاثين وأربعمائة. ثم توفي وولي بعده ابنه أحمد المقتدر بالله، وولي بعده يوسف المؤتمن، ثم ولي بعده أحمد المستعين على لقب جده، ثم ولي ابنه عماد الدولة. ثم ابنه أحمد المستنصر بالله، وعليه انقرضت دولتهم على رأس الخمسمائة، وصارت للملثمين.
وأما طرطوشة فوليها الفتى العامري.
وأما بلنسية فكان بها المنصور أبو الحسن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن محمد بن منصور بن أبي عامر، ثم انضاف إليه إلمرية، وما كان إليها. وبعده ابنه محمد، ودام فيها إلى أن غدر به صهره المأمون بن إسماعيل بن ذي النون في ذي الحجة سنة سبع وخمسين وأربعمائة.
وأما السهلة فملكها عبود بن رزين، وأصله بربري، ومولده بالأندلس. فلما هلك ولي بعده ابنه عبد الملك، ثم ابنه عز الدولة، ثم الملثمون.
وأما دانية والجزائر فكانتا بيد الموفق أبي الجيش مجاهد العامري، وسار إليه من قرطبة الفقيه أبو محمد عبد الله المعيطي ومعه خلق كثير. فأقامه مجاهد شبه خليفة يصدر عن رأيه، وبايعه في جمادى الآخرة سنة خمس وأربعمائة. وأقام المعيطي معه بدانية نحو ثلاثة أشهر، ثم سار هو ومجاهد في البحر إلى الجزائر وهي ميورقة ومنورقة ويابسة. ثم بعث المعيطي بعد ذلك مجاهدا إلى سردانية في مائة وعشرين فارسا ومعه ألف فرس، ففتحها في شهر ربيع الأول سنة ست وأربعين وأربعمائة وقتل بها خلقا كثيرا من النصارى، وسبي. فسار إليه الفرنج والروم في آخر السنة فأخرجوه منها، فرجع إلى الأندلس فوجد المعيطي قد مات. وبقي مجاهد إلى أم مات، وولي بعده ابنه علي بن مجاهد ثم مات، فولي بعده ابنه أبو عامر. ثم صارت دانية وسائر بلاده إلى المقتدر بالله أحمد بن سليمان بن هود، في شهر رمضان سنة ثمان وسبعين وأربعمائة.

(6/408)


وأما مرسية فوليها بنو طاهر، واستقامت رئاستها لأبي عبد الرحمن المدعو بالرئيس إلى أن أخذها منه المعتمد بن عباد على يد وزيره أبي بكر بن عمار الفهري، فلما ملكها عصي على المعتمد فيها، فوجه إليه عسكرا مقدمهم أبو محمد عبد الرحمن بن رشيق العشيري وملكها فعصى فيها على المعتمد بن عباد إلى أن دخل في طاعة الملثمين، وبقي بها إلى أن مات في سنة سبع وخمسمائة.
وأما إلمرية فملكها خيران العامري إلى أن توفي، وملكها زهير العامري واتسع ملكه إلى شاطبة إلى ما يجاور عمل طليطلة. ودام إلى أن قتل وصارت مملكته إلى المنصور أبي الحسن بن أبي عامر - صاحب بلنسية، فولي عليها محمدا ابنه، فأقام بها مدة في حياة أبيه وبعد وفاته إلى أن أخذها منه صهره ذو الوزارتين أبو الأحوص معن بن محمد بن صمادح التجيبي. ودانت له لورقة وبياسه وجيان وغيرها، إلى أن توفي في سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة، وولي بعده ابنه أبو يحيى محمد بن معن - وهو ابن أربع عشرة سنة - فكفله عمه أبو عتبة بن محمد إلى أن توفي في سنة ست وأربعين وأربعمائة. فبقي أبو يحيى مستضألا لصغره، وأخذ ما بعد من بلاده عنه، ولم يبق له غير إلمرية وما جاورها. فلما كبر أخذ نفسه بالاشتغال بالعلوم ومكارم الأخلاق، فامتد صيته واشتهر ذكره وعظم سلطانه والتحق بأكابر الملوك. ودام بها إلى أن نازله جيش الملثمين فمرض في أثناء ذلك، وكان القتال تحت قصره فسمع يوما صياحا وجلبه فقال: يغص علينا كل شيء حتى الموت! وتوفي في مرضه ذلك لثمان بقين من شهر ربيع الأول سنة أربع وثمانين وأربعمائة، وملك الملثمون إلمرية. ودخل أولاده وأهله في البحر إلى بجاية، والتحقوا ببني حماد.
وأما مالقة فملكها بنو علي بن حمود، فلم تزل في مملكة العلويين يخطب لهم فيها بالخلافة إلى أن أخذها منهم باديس بن حبوس صاحب غرناطة.
وأما غرناطة فملكها حيوس بن ماكسني الصنهاجي، ثم مات في سنة تسع وعشرين وأربعمائة وولي بعده ابنه باديس إلى أن توفي وولي بعده ابن أخيه عبد الله بن بلكين. وبقي إلى أن ملكها منه الملثمون في شهر رجب سنة أربع وثمانين وأربعمائة.
وانقرضت جميع هذه الدول، وصارت الأندلس جميعها للملثمين على ما نذكره إن شاء الله - عز وجل - في أخبارهم أيام أمير المسلمين. يوسف بن تاشفين. ولما كانت جزيرة الأندلس بيد هؤلاء الملوك الذين ذكرناهم، كانوا يسمون بملوك الطوائف وبسبب انفراد كل ملك منهم بجهة استولى الفرنج على طليطلة كما ذكرنا.
الباب السادس من القسم الخامس من الفن الخامس
أفريقية وبلاد المغرب
ومن وليها من العمال، ومن استقل منهم بالملك وسميت أيامهم بالدولة الفلانية قد ذكرنا فتوح إفريقية في خلافة عثمان بن عفان - رضي الله تعالى عنه - في ولاية عبد الله بن سعد بن أبي سرح، في سنة ست وعشرين من الهجرة النبوية. وأوردنا ذلك هناك على سبيل الاختصار والإجمال. ونحن الآن نذكره في هذا الباب مبينا.
ولم نقدم ذكر أخبار المغرب وملوكه على أخبار ملوك المشرق، إلا أنا لما ذكرنا أخبار الدولة الأموية بالأندلس ومن ملك الأندلس بعد بني أمية، احتجنا إلى ذكر إفريقية وبلاد المغرب، لتكون الأخبار يتلو بعضها بعضا. ولم نقدم أيضا ذكر الأندلس على إفريقية، مع كون إفريقية فتحت قبل الأندلس إلا للضرورة التي دعت إلى ذكر أخبار الدولة الأموية بالأندلس تلو الدولة العباسية. ولا ضرر في التقديم والتأخير، لأنا لم نجعل التاريخ على حكم مساق السنين بل على الدول. وأول دولة قامت على الدولة العباسية الدولة الأموية بالأندلس. ولنذكر الآن فتوح إفريقية، ومن وليها.
فتوح إفريقية كان فتوحها في سنة سبع وعشرين، وذلك أن عثمان ابن عفان - رضي الله عنه - لما ولي الخلافة عزل عمرو بن العاص عن مصر، واستعمل عليها عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وهو أخو عثمان لأمه. فكان عبد الله يبعث المسلمين في جرائد الخيل فيصيبون من إفريقية. ويكتب بذلك إلى عثمان.

(6/409)


فلما أراد عثمان أن يغزي إفريقية استشار الصحابة، فكلهم أشار عليه بإنفاذ الجيش إليها إلا أبا الأعور سعيد بن أبي يزيد فإنه كره ذلك. فقال له عثمان: ما كرهت يا أبا الأعور من بعثة الجيش؟ قال: سمعت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: لا أغزيها أحدا من المسلمين ما حملت عيني الماء ولا أرى لك خلاف عمر وقام. ثم دعا عثمان زيد بن ثابت ومحمد ابن مسلمة واستشارهما. فأشارا بإنفاذ الجيش.
فندب الناس إلى الغزو. فكان هذا الجيش يسمى جيش العبادلة. خرج فيه من بني هاشم: عبد الله بن عباس وكان واليا على المسلمين وعبيد الله بن عباس؛ ومن بني تيم: عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، رضي الله عنهما، وعبد الرحمن بن صبيحة في عدة من قومه، ومن بني عدي: عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وعبيد الله بن عمر، وعاصم بن عمر في عدة منهم؛ ومن بني أسد ابن عبد العزى: عبد الله بن الزبير في عدة من قومه؛ ومن بني سهم: عبد الله بن عمرو بن العاص والمطلب بن السائب بن أبي وداعة، في عدة منهم. وخرج في الجيش مروان بن الحكم، وأخوه الحارث، وجماعة من بني أمية، والمسور بن مخرمة ابن نوفل، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وعدة من بني زهرة؛ ومن بني عامر بن لؤي بن غالب: السائب بن عامر ابن هشام، وبسر بن أرطاة؛ وعدة من بني هذيل، منهم أبو ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي - وتوفي بإفريقية وواراه في قبره عبد الله بن الزبير - وعبد الله بن أنيس وأبو ذر الغفاري، والمقداد بن عمرو البهراني، وبلال بن الحارث المزني، وعاصم، ومعاوية بن حديج، وفضالة بن عبيد، ورويفع بن ثابت، وجرهد بن خويلد وأبو زمعة البلوى، والمسيب بن حزن، وجبلة بن عمرو الساعدي، زياد بن الحارث الصدائي، وسفيان بن وهب، وقيس بن يسار بن مسلمة وزهير بن قيس، وعبد الرحمن بن صخر، وعمرو بن عوف وعقبة بن نافع الفهري. وخرج من جهينة ستمائة رجل، ومن أسلم حمزة بن عمرو الأسلمي، وسلمة بن الأكوع في ثلاثمائة رجل، ومن مزينة ثمانمائة رجل، ومن بني سليم أربعمائة رجل، ومن بني الديل وضمرة وغفار خمسمائة رجل، ومن غطفان وأشجع وفزارة سبعمائة رجل، ومن كعب ابن عمرو أربعمائة رجل، وكانوا آخر من قدم على عثمان، والناس معرسون بالجرف، والجرف على ثلاثة أميال من المدينة.
وأعان عثمان الجيش بألف بعير من ماله، فحمل عليها ضعفاء الناس، وحمل على خيل، وفرق السلاح، وأمر للناس بأعطياتهم. وذلك في المحرم سنة سبع وعشرين.
وخطب عثمان الناس ورغبهم في الجهاد. وقال لهم: قد استعملت عليكم الحارث بن الحكم إلى أن تقدموا على عبد الله بن سعد، فيكون الأمر إليه. واستودعتكم الله. وساروا حتى أتوا مصر.
فجمع عبد الله بن سعد جيشا عرمرما، وضمه إليه. فبلغ عسكر المسلمين عشرين ألفا. واستخلف على مصر عقبة بن نافع، وتوجه.
وحكى الزهري عن ربيعة بن عباد الديلي قال: لما وصلنا قدم عبد الله الطلائع والمقدمات أمامه. وكنت أنا أكثر ما أكون في الطلائع فو الله إنا لبطرابلس قد أصبنا من بها من الروم قد تحصنوا منا فحاصرناهم، ثم كره عبد الله أن يشتغل بذلك عما قصد إليه، فأمر الناس بالرحيل. فنحن على ذلك إذا مراكب قد أرست إلى الساحل فشددنا عليها، فترامى من بها إلى الماء. فأقاموا ساعة ثم أستأسروا فكتفناهم، وكانوا مائة. حتى لحق بنا عبد الله فضرب أعناقهم، وأخذنا ما في السفن. فكانت هذه أول غنيمة أصبناها.

(6/410)


ومضى حتى نزل بمدينة قابس فحاصرناها. فأشار عليه، الصحابة أن لا يشتغل بها عن إفريقية، فسار وبث السرايا في كل وجه. وكان يؤتى بالبقر والشاء والعلف. قال: وكان ملكهم يدعى جرجير، وسلطانه من طرابلس إلى طنجة وولايته من قبل هرقل. فلما بلغه الخبر بورود الجيوش الإسلامية، جمع وتأهب للقاء، فبلغ عسكره عشرين ومائة ألف قال: ثم ذهبنا قاصدين عسكره على تعبئة، فأقمنا أياما تجري بيننا وبينهم الرسل: ندعوه إلى الإسلام، وهو يستطيل ويتجبر وقال: لا أقبل هذا أبدا. فقلنا له فخراج تخرجه كل عام. فقال: لو سألتموني درهما واحدا لم أفعل. فتأهبنا للقتال بعد الإعذار منا. فعبأ عبد الله بن سعد ميمنته وميسرته والقلب، وفعل الروم مثل ذلك. وتلاقى الجمعان في فحص متسع يسمى بعقوبة، بينه وبين دار ملك الروم مسيرة يوم وليلة، وهي المدينة المسماة سبيطلة، وكذلك مدينة قرطاجنة، وهي مدينة عظيمة، شامخة البناء، أسوارها من الرخام الأبيض، وفيها العمد والرخام الملون ما لا يحصى.
قال: ودامت الحرب بين الفريقين وطالت، وانقطع خبر المسلمين عن عثمان. فأنفذ عبد الله بن الزبير وصحبته اثنا عشر فارسا من قومه. فسار يجد السير حتى قدم على المسلمين فوصل ليلا. فسروا به ووقع في العسكر ضجة، خافت الروم منها، وظنوا أنهم يحملون عليهم، فباتوا بشر ليلة. وأرسل ملكهم جاسوسا يستعلم الخبر. فأعلمه أن نجدة وصلت إلى المسلمين. وكان المسلمون يقاتلون الروم في كل يوم إلى الظهر، ثم ترجع كل طائفة إلى معسكرها وتضع الحرب أوزارها. فلما أصبح عبد الله بن الزبير، صلى الصبح وزحف مع المسلمين وقاتل. فلقي الروم في يومهم أشد نكال. ولم ير ابن الزبير عبد الله بن سعد في الحرب فسأل عنه. فقالوا: هو في خبائه وله أيام ما خرج منه. ولم يكن ابن الزبير اجتمع به، فمضى إليه، وسلم عليه، وبلغه وصية عثمان وسأله عن سبب تأخره. فقال: إن ملك الروم أمر مناديا فنادى باللغة الرومية والعربية: معاشر الروم والمسلمين: من قتل عبد الله بن سعد زوجته ابنتي، ووهبت له مائة ألف دينار وكانت ابنته بارعة الجمال، تركب معه في الحرب، وعليها أفخر ثياب، وتحمل على رأسها مظلة من ريش الطاووس وغير خاف عنك من معي، وأكثرهم حديثوا عهد بالإسلام، ولا آمن أن يرغبهم ما بذل لهم جرجير فيقتلوني، فهذا سبب تأخري. فقال له ابن الزبير: أزل هذا من نفسك، وأمر من ينادي في عسكرك ويسمع الروم: معاشر المسلمين والروم: من قتل الملك فله ابنته ومائة ألف دينار، وواحدة بواحدة. ففعل ذلك. فلما سمع ملك الروم النداء، انتقل ما كان عبد الله يجده من الخوف إليه. وبقي القتال على ما كان عليه.
فعن لعبد الله بن الزبير رأي. فأتى بعد الله بن سعد ليلا وقال له: إني فكرت فيما نحن فيه فرأيت أمرا يطول والقوم في بلادهم والزيادة فيهم والنقصان فينا. وقد اتصل بي نفذ إلى جميع نواحيه بالحشد والجمع. وقد رأيت أصحابه إذا سمعوا الأذان أغمدوا سيوفهم ورجعوا إلى مضاربهم، وكذلك المسلمون، جريا على العادة. والرأي عندي أن تترك غدا إن شاء الله أبطال المسلمين في خيامهم بخيلهم وعددهم، وتقاتل ببقايا الناس على العادة، وتطول في القتال حتى تتعب القوم. فإذا انصرفوا ورجع كل إلى مضربه وأزال لأمه حربه، يركب المسلمون ويحملون عليهم والقوم على غرة. فعسى الله سبحانه أن يظفرنا بهم وينصرنا عليهم، وما النصر إلا من عند الله. فلما سمع عبد الله بن سعد ذلك، أحضر عبد الله بن عباس وإخوته والصحابة ورؤوس القبائل، وعرض عليهم ما أشار به ابن الزبير فاستصوبوا رأيه واستخاروا الله. وكتموا أمرهم وباتوا على تعبئة. ولجئوا إلى الله تعالى وسمحوا بنفوسهم في إعزاز دين الله وإظهار كلمته.

(6/411)


وأصبح أبطال الإسلام في خيامهم، وخيولهم قائمة معهم في الخيام. وخرج لفيف الناس إلى القتال، ومعهم عبد الله بن سعد وابن الزبير، فقاتلوا أشد قتال وكان يوما حارا فلقي الفريقان فيه التعب العظيم. وركب ملك الروم ومعه الصليب، وكان متوجا عندهم، عظيم القدر فيهم. وحرض أصحابه على القتال. فاشتد الأمر في القتال حتى أذن الظهر فهم الروم بالانصراف جريا على العادة. فداوم ابن الزبير القتال ساعة أخرى. فاشتد الحر وعظم الخطب حتى لم يبق لأحد من الفريقين طاقة بحمل السلاح فضلا عن القتال به. فعند ذلك رجعوا إلى خيامهم، ووضعوا أسلحتهم، وسيبوا خيولهم وألقوا أنفسهم على فرشهم.
فاستنهض عبد الله أبطال المسلمين. فلبسوا دروعهم وركبوا خيولهم في خيامهم. وتقدم عبد الله بن الزبير في زي رسول، وقد لبس ثوبا فوق درعه. وقال: إذا رأيتموني قد قربت من خيام الروم فاحملوا حملة رجل واحد. فلما قرب من الخيام كبر المسلمون وهللوا، وحملوا فأعجلوا الروم عن لبس دروعهم أو ركوب خيولهم. فانهزمت الروم، وقتل ملكهم، وقتل منهم ما الإسلام يحصى كثرة وهرب من سلم منهم إلى المدينة، وغنم المسلمون ما في معسكرهم. وأسرت ابنة الملك وأتي بها إلى عبد الله بن سعد. فسألها عن أبيها. قالت: قتل. قال: أتعرفين قاتله؟ قالت: نعم، إذا رأتيه عرفته. وكان كثير من المسلمين ادعوا قتله. فعرض عليها من ادعى قتله. فقالت: ما من هؤلاء من قتله. فأحضر ابن الزبير. فلما أقبل، قالت: هذا قاتل أبي. فقال له ابن سعد: ما منعك أن تعلمنا بذلك لنفي لك بما شرطناه؟ فقال أصلحك الله! ما قتلته لما شرطت، والذي قتلته له يعلم ويجازى عليه أفضل من جزائك، ولا حاجة لي في غير ذلك. فنفله ابن سعد ابنة الملك، فيقال إن ابن الزبير اتخذها أم ولد.
ثم نزل المسلمون على المدينة، وحاصروها حصارا شديدا حتى فتحها الله عليهم. فأصابوا فيها خلقا كثيرا، وأكثر أموالهم الذهب والفضة. فجمع عبد الله بن سعد الغنائم وقسمها بعد أن خمسها. فكان سهم الفارس ثلاثة آلاف دينار وسهم الراجل ألف دينار.
وبث السرايا والغارات من مدينة سبيلطة فبلغت خيوله إلى قصور قفصة. فسبوا وغنموا. وجازوا إلى مرمجنة. فأذلت تلك الوقعة من بقي من الروم. وأصابهم رعب شديد فلجئوا إلى الحصون والقلاع. واجتمع أكثرهم بفحص الأجم حول الحصن، وهو من أعظم حصون إفريقية. وراسلوا عبد الله بن سعد أن يأخذ منهم ثلاثمائة قنطار ذهبا على أن يكف عنهم ويخرج من بلادهم. فقبل ذلك منهم بعد امتناع. وقيل: إنه صالحهم على ألفي ألف وخمسمائة ألف. وقبض المال. وكان في شرط صلحهم أن ما أصاب المسلمون قبل الصلح فهو لهم، وما أصابوه بعد الترداد ردوه عليهم.
ودعا عبد الله بن سعد عبد الله بن الزبير وقال: ما أحد أحق بالبشارة منك، فامض وبشر عثمان والمسلمين بما أفاء الله تعالى عليهم. فتوجه عبد الله يجد المسير. فبعض الناس يقول: دخل المدينة من سبيطلة في عشرين ليلة، وبعضهم يقول: وافى المدينة يوم أربعة وعشرين، ولا يستغرب ذلك من مثله. فلما وصل المدينة أمره عثمان أن يصعد المنبر فيعلم الناس بما فتح الله عليهم. فبلغ الزبير. فجاء إلى المسجد ونال من عثمان بكلمات، وقال: بلغ من عبد الله بن الزبير أن يرقى موضعا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطأه بقدمه! وددت والله أني مت قبل هذا! وقيل: إن عبد الله لم يرق المنبر، وإنما وقف بإزائه وخطب، وعثمان على المنبر جالسا.
قال: وكان فعل عبد الله بن الزبير في القتال بإفريقية كفعل خالد ابن الوليد بالشام، وعمرو بن العاص بمصر، رضي الله عنهم أجمعين.
قال: ثم انصرف عبد الله بن سعد إلى مصر إثر سفر ابن الزبير.
قال: وكان مقام الجيش بإفريقية خمسة عشر شهرا، ولم يفقد من المسلمين إلا ناس قلائل. ثم كان بعد ذلك من مقتل عثمان وخلاف علي ومعاوية ما قدمنا ذكره، إلى أن استقر أمر معاوية فاستعمل معاوية بن حديج.
ولاية معاوية بن حديج الكندي وفتح إفريقية ثانيا

(6/412)


كانت ولايته في سنة خمس وأربعين من الهجرة. وسبب ذلك أن هرقل صاحب القسطنطينية كان يؤدي إليه من كل ملك من ملوك البر والبحر إتاوة معلومة في كل سنة. فلما بلغه ما صالح عليه أهل إفريقية عبد الله بن سعد بن أبي سرح، بعث بطريقا إلى إفريقية يقال له أوليمة وأمره أن يأخذ من أهلها ثلاثمائة قنطار ذهبا كما أخذ منهم ابن أبي سرح. فنزل البطريق قرطاجنة وأخبرهم بأمر الملك. فأبوا عليه ونابذوه وقالوا: الذي كان بأيدينا من الأموال فدينا به أنفسنا، والملك فهو سيدنا يأخذ منا كما كنا نعطيه في كل سنة. وكان القائم بأمر إفريقية بعد جرجير رجل يقال له جناحة، فطرد أوليمة البطريق.
ثم اجتمع أهل إفريقية وولوا على أنفسهم رجلا يقال له الأطريون وقيل فيه: الأطيلون. فسار جناحة إلى الشام إلى معاوية بن أبي سفيان. فذكر له حال إفريقية وسأله أن يبعث معه جيشا من العرب. فوجه معه معاوية بن حديج في جيش كثيف. فلما انتهى إلى الإسكندرية هلك جناحة.
ومضى ابن حديج حتى انتهى إلى إفريقية، وهي حرب، وقد صارت نارا. وكان في عسكره عبد الملك بن مروان، ويحيى بن الحكم، وكريب بن إبراهيم بن الصباح، وخالد بن ثابت الفهمي. وقيل: كان معه عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله ابن الزبير، وأشراف من جند الشام ومصر. فقدم ولا يشك أهل إفريقية أن جناحة معه. فنزل معاوية غربي قمونية في سفح جبل على عدة فراسخ منها. فأصابه فيه نوء شديد فقال: إن جبلنا هذا للممطور فسمى الجبل ممطورا إلى اليوم. ثم قال: اذهبوا بنا إلى ذلك القرن فسمي أيضا القرن.
وبعث ملك الروم بطريقا يقال له نجفور في ثلاثين ألف مقاتل. فنزل على ساحل البحر بسنطبرية. فبعث ابن حديج إليه خيلا. فقاتلوه فانهزم وأقلع في البحر.
وقاتل معاوية أهل جلولاء على باب المدينة. فكان يقاتلهم صدر النهار، فإذا مال الفيء انصرف إلى معسكره بالقرن. فقاتلهم ذات يوم. فلما انصرف نسي عبد الملك بن مروان قوسا له معلقة بشجرة. فانصرف ليأخذها، وإذا جانب المدينة قد انهدم. فصاح في أثر الناس فرجعوا. وكانت بينهم حرب شديدة وقتال عظيم حتى دخلوا المدينة عنوة، واحتووا على جميع ما فيها، وقتلوا المقاتلة، وسبوا الذرية. وقيل: بل كان معاوية بن حديج مقيما بالقرن وبعث عبد الملك بن مروان إلى جلولاء، في ألف فارس. فحاصرها أياما فلم يظفر بها. وانصرف الناس منكسرين فلم يسر إلا يسيرا حتى رأى في ساقه الناس غبارا كثيرا، فظنوا أن العدو قد اتبعهم. فرجعوا فإذا مدينة جلولاء قد وقع حائطها من جهة واحدة. فانصرف المسلمون إليها فقتلوا من فيها وغنموا وسبوا. وانصرف عبد الملك إلى معاوية وهو معسكر بالقرن ينتظره. فلما أتاه بالغنائم اختلفوا فيها. فقال عبد الملك: هي لأصحابي خاصة. وقال ابن حديج: بل لجماعة المسلمين. وكتب إلى معاوية بن أبي سفيان. فعاد جوابه: العسكر ردء السرية، فأقسم بين الناس جميعهم فوقع سهم الفارس ثلاثمائة دينار.
قال البلاذري. أول من غزا صقلية معاوية بن حديج، بعث إليها عبد الله بن قيس، وسنذكر ذلك في أخبارها إن شاء الله تعالى.
قال: ثم انصرف معاوية بن حديج إلى مصر. فأقره معاوية بن أبي سفيان عليها، وعزله عن إفريقية، وأفردها عن مصر، واستعمل عليها من قبله.
ولاية عقبة بن نافع الفهري وفتح إفريقية الفتح الثالث وبناء القيروان قال: ثم أرسل معاوية بن أبي سفيان عقبة بن نافع إلى إفريقية في سنة خمسين، وكان مقيما ببرقة وزويلة من أيام عمرو بن العاص فجمع من أسلم من البربر وضمه إلى الجيش الوارد عليه. وكان جملة الجيش الوارد من معاوية عشرة آلاف فارس من المسلمين. فسار عقبة إلى إفريقية فاتتحها، ووضع السيف حتى أفنى من بها من النصارى.
ثم قال: إن إفريقية إذا دخلها إمام تحرموا بالإسلام، فإذا خرج منها رجع من كان أسلم منهم وارتد إلى الكفر. وأرى لكم - يا معشر المسلمين - أن تتخذوا بها مدينة نجعل بها عسكرا وتكون عز الإسلام إلى آخر الدهر. فأجابه الناس إلى ذلك.
بناء مدينة القيروان

(6/413)


قال المؤرخون: لما أرد عقبة بن نافع بناء مدينة القيروان وأجابه المسلمون إلى ذلك، أتى بهم إلى موضعها، وهو إذ ذاك شعارى لا تسلك وقال: شأنكم. فقالوا له: إنك أمرتنا بالبناء في شعارى وغياض لا تسلك ولا ترام، ونحن نخاف من السباع والحيات وغير ذلك من خشاش الأرض. وكان عقبة مستجاب الدعوة، فدعا الله عز وجل. وجعل أصحابه يؤمنون على دعائه. وكان في عسكره ثمانية عشر رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجمعهم ونادى: أيتها الحيات والسباع، نحن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ارحلوا عنا إنا نازلون. ومن وجدناه بعد ذلك قتلناه. فنظر الناس في ذلك اليوم إلى السباع تحمل أشبالها، والذئاب تحمل أجراءها، والحيات تحمل أولادها. فأسلم كثير من البربر. ونادى عقبة في الناس كفوا عنهم حتى يرتحلوا عنا. فلما خرج ما فيها من ذلك، جمع عقبة وجوه أصحابه ودار بهم حول المكان وأقبل يدعو الله ويقول: اللهم املأها علما وفقها، واعمرها بالمطيعين والعابدين، وامنعها من جبابرة الأرض. ثم نزل عقبة الوادي. وأمر الناس أن يختطوا ويقلعوا الشجر. قال: فأقام أهل إفريقية بعد ذلك أربعين سنة لا يرون بها حية ولا عقربا.
قال: واختط دار الإمار والمسجد الأعظم، ولم يحدث فيه بناء، وكان يصلي فيه وهو كذلك. فاختلف الناس في القبلة وقالوا: إن أهل الغرب يضعون قبلتهم على قبلة هذا المسجد، فاجهد نفسك في أمرها. فأقاموا مدة ينظرون إلى مطالع الشتاء والصيف من النجوم ومشارق الشمس. فلما رأى عقبة الاختلاف اهتم لذلك وسأل الله تعالى، فأتاه آت في منامه فقال له: يا ولي رب العالمين، إذا أصبحت فخذ اللواء واجعله على عنقك، فإنك تسمع بين يديك تكبيرا لا يسمعه غيرك. الموضع الذي ينقطع عنك التكبير فهو قبلتك ومحرابه مسجدك. وقد رضي الله عز وجل أمر هذه المدينة وهذا المسجد. وسوف يعز بها دينه ويذل بها من كفره إلى آخر الدهر. فاستيقظ من منامه وقد جزع جزعا شديدا. فتوضأ وأخذ في الصلاة في المسجد وهو لم يبن بعد، ومعه أشراف الناس. فلما طلع الفجر وركع عقبة سمع التكبير بين يديه. فقال لمن حوله: ألا تسمعون؟ قالوا: لا نسمع شيئا. فقال: إن الأمر من عند الله عز وجل. وأخذ اللواء ووضعه على عاتقه. وأقبل يتتبع التكبير بين يديه حتى انتهى إلى محراب المسجد. فانقطع التكبير فركز لواءه وقال: هذا محرابكم. ثم أخذ الناس في بنيان الدور والمساكن والمساجد فعمرت. وكان دورها ثلاثة آلاف باع وستمائة باع. فكملت في سنة خمس وخمسين. وسكنها الناس وعظم قدرها. وكان في موضع القيروان حصن لطيف للروم يسمى قمونية.
قال: ودبر عقبة أمر إفريقية أحسن تدبير إلى أن عزل معاوية ابن أبي سفيان معاوية بن حديج عن مصر وولي مسلمة بن مخلد الأنصاري مصر وإفريقية.
ولاية مسلمة بن مخلد قال: ولما وصل مسلمة إلى مصر، استعمل إلى إفريقية مولى له يقال له دينارا ويكنى أبا المهاجر، وذلك في سنة خمس وخمسين وعزل عقبة. فلما وصل كره أن ينزل بالموضع الذي اختطه عقبة، فنزل عنه بمسافة ميلين. واختط مدينة وأراد أن يكون له ذكرها ويفسد ما عمله عقبة. فسماها البربر تيكيروان. فأخذ في عمارتها. وأمر الناس أن يخربوا القيروان ويعمروا مدينته.
وتوجه عقبة مغضبا إلى معاوية بن أبي سفيان. فقال له: إني فتحت البلاد، ودانت لي، وبنيت المساجد، واتخذت المنازل، وأسكنت الناس. ثم أرسلت عبد الأنصار فأساء عزلي فاعتذر إليه معاوية وقال: قد رددتك إلى عملك واليا. وتراخى الأمر حتى توفي معاوية وولي يزيد ابنه. فلما علم حال عقبة غضب وقال: أدركها قبل أن تهلك وتفسد. ورده واليا على إفريقية.
ولاية عقبة بن نافع ثانية قال: وكانت ولايته في سنة اثنتين وستين، فسار من الشام. فلما مر على مصر، ركب إليه مسلمة بن مخلد وسلم عليه، واعتذر من فعل أبي المهاجر، وأقسم بالله لقد خالفه فيما صنع. فقبل عقبة عذره. ومضى مسرعا حتى قدم إفريقية. فأوثق أبا المهاجر في الحديد، وأمر بخراب مدينته، ورد الناس إلى القيروان.

(6/414)


ثم عزم على الغزو وترك بالقيروان جندا وعليهم زهير بن قيس ودعا أولاده فقال لهم: إني بعت نفسي من الله تعالى بيعا مربحا أن أجاهد من كفر حتى ألحق بالله. ولست أدري أتروني بعدها أو أراكم، لأن أملي الموت في سبيل الله. ثم قال: عليكم سلام الله، اللهم تقبل مني نفسي في رضاك.
ومضى في عسكر عظيم حتى أشرف على مدينة باغاية، وقاتل أهلها قتالا شديدا، وأخذ لهم خيلا لم ير المسلمون في مغازيهم أصلب منها. ودخل الروم حصنهم.
فكره عقبة أن يقيم عليه. فمضى إلى لميش، وهي من أعظم مدن الروم. فلجأ إليها من كان حولها منهم. وخرجوا إليه وقاتلوه قتالا شديدا حتى ظن الناس أنه الفناء. فهزمهم وتبعهم إلى باب حصنهم وأصاب غنائم كثيرة.
وكره المقام عليها فرحل إلى بلاد الزاب. فسأل عن أعظم مدائنهم قدرا فقالوا: مدينة يقال لها أربة فيها الملك، وهي مجمع ملوك الزاب، وحولها ثلاثمائة قرية وستون قرية كلها عامرة. فلما بلغهم أمره لجئوا إلى حصنهم، وهرب بعضهم إلى الجبال والوعر. فنزل عليها وقت المساء. فلما أصبح أمر بالقتال فكانت بينهم حروب حتى يئس المسلمون من الحياة. فأعطاه الله الظفر. فانهزم القوم وقتل أكثر فرسان الروم. وذهب عزهم من الزاب وذلوا آخر الدهر.
ورحل حتى نزل تاهرت. فلما بلغ الروم خبره، استعانوا بالبربر فأجابوهم ونصروهم. فقام عقبة وخطب الناس وحرضهم على القتال والتقوا واقتتلوا فلم يكن للروم والبربر طاقة بقتالهم. فقتلهم قتلا ذريعا وفرق جموع الروم عن المدينة.
ثم رحل حتى نزل طنجة. فلقيه رجل من الروم يقال له إيليان وكان شريفا في قومه. فأهدى إليه هدية حسنة ولاطفه ونزل على حكمه. فسأله عن بحر الأندلس. فقال: إنه محفوظ لا يرام. فقال: دلني على رجال البربر والروم. فقال: قد تركت الروم خلفك وليس أمامك إلا البربر. وفرسانهم في عدد لا يعلمه إلا الله تعالى وهم أنجاد البربر وفرسانهم. فقال عقبة: فأين موضعهم؟ قال: في السوس الأدنى، وهم قوم ليس لهم دين، يأكلون الميتة، ويشربون الدم من أنعامهم. وهم أمثال البهائم، يكفرون بالله ولا يعرفونه. فقال عقبة لأصحابه: ارحلوا على بركة الله. فرحل من طنجة إلى السوس الأدنى. وهو في جنوب مدينة طنجة التي تسمى تارودانت. فانتهى إلى أوائلهم فقتلهم قتلا ذريعا. وهرب من بقي منهم، وتفرقت خيله في طلبهم.
ومضى حتى دخل السوس الأقصى فاجتمع البربر في عدد كثير لا يحصيهم إلا الله تعالى. فقاتلهم قتالا لم يسمع بمثله. فقتل خلقا كثيرا منهم. وأصاب نساء لم ير الناس مثلهن. فقيل: إن الجارية كانت تساوي بالمشرق ألف مثقال وأكثر وأقل.
وسار حتى بلغ البحر المحيط لا يدافعه أحد ولا يقوم له. فدخل فيه حتى بلغ الماء لبان فرسه. ورفع يده إلى السماء وقال: يا رب، لولا هذا البحر لمضيت في البلاد إلى ملك ذي القرنين مدافعا عن دينك، ومقاتلا من كفر بك وعبد غيرك.
ثم قال لأصحابه: انصرفوا على بركة الله وعونه. فخلا الناس عن طريق عساكره هاربين. وخاف المشركون منه أشد مخافة. وانصرف إلى إفريقية. فلما انتهى إلى ماء اسمه اليوم ماء فرس ولم يكن به ماء، فأصابهم عطش أشفى منه عقبة ومن معه على الموت. فصلى ركعتين ودعا الله عز وجل. فجعل فرسه يبحث الأرض بيديه حتى كشف عن صفاة. فانفرج منها الماء. وجعل الفرس يمص ذلك الماء فنادى عقبة في الناس أن احتفروا فحفروا سبعين حسا فشربوا وأسقوا. فسمى ماء فرس.
وسار حتى انتهى إلى مدينة طبنة، وبينها وبين القيروان ثمانية أيام. فأمر أصحابه أن يتقدموا فوجا بعد فوج إلى إفريقية ثقة منه بما دوخ من البلاد، وأنه لم يبق أحد يخشاه. وسار يريد تهوذة لينظر إليها وإلى بادس، ويعرف ما يسدهما من الفرسان، فيترك فيهما بقدر الحاجة. فلما نظر الروم إلى قلة ما معه، طمعوا فيه وأغلقوا أبواب حصونهم دونه، وشتموه، ورموه بالنبل والحجارة، وهو يدعوهم إلى الله عز وجل. فلما توسط البلاد بعث الروم إلى كسيلة ابن بهرم الأوربي وكان في عسكر عقبة.
خروج كسيلة
وقتل عقبة بن نافع واستيلائه على القيروان

(6/415)


كان كسيلة هذا من أكابر البربر. وكان قد أسلم في ولاية أبي المهاجر وحسن إسلامه. وقدم عقبة فعرفه أبو المهاجر بحال كسيلة وعظمه في البربر وانقيادهم إليه. فلم يعبأ به عقبة واستخف به وأهانه. فكان من إهانته له أنه أتي بغنم فأمر بذبحها، وأمر كسيلة أن يسلخ منها شاة. فقال: أصلح الله الأمير! هؤلاء فتياني وغلماني يكفونني المؤونة. فسبه عقبة وأمره بالقيام. فقام مغضبا وذبح الشاة. وجعل يمسح لحيته بما على يديه من دمها. فجعلت العرب يمرون به ويقولون له: يا بربري، ما هذا الذي تصنع؟. فيقول: هذا جيد للشعر. حتى مر به شيخ من العرب فقال: كلا، إن البربري يتواعدكم. فقال أبو المهاجر لعقبة: ما صنعت؟ أتيت إلى رجل جبار في قومه وبدار عزه، وهو قريب عهد بالشرك، فأفسدت قلبه. أرى أن توثقه كتافا، فإني أخاف عليك من فتكه. فتهاون به عقبة.
فلما رأى كسيلة الروم قد راسلوه ورأى فرصة، وثب وقام في بني عمه وأهله ومن اجتمع إليه من الروم. فقال أبو المهاجر لعقبة: عاجله قبل أن يجتمع أمره. وأبو المهاجر مع ذلك كله صحبة عقبة وهو في الحديد. فزحف عقبة إلى كسيلة فتنحى عنه. فقال البربر له: لم تنحيت من بين يديه ونحن في خمسة آلاف؟ فقال: إنكم كل يوم في زيادة وهو في نقصان، ومدد الرجل قد افترق عنه. فإذا طلب إفريقية زحفت إليه. وأما أبو المهاجر فإنه تمثل بقول أبي محجن الثقفي:
كفى حزنا أن تمزع الخيل بالقنا ... وأترك مشدودا علي وثاقيا
إذا قمت غنائي الحديد وأغلقت ... مصارع من دوني تصم المناديا
فبلغ ذلك عقبة بن نافع. فأطلقه وقال له: الحق بالمسلمين فقم بأمرهم وأنا أغتنم الشهادة. فقال أبو المهاجر: وأنا أغتنم ما اغتنمت. فصلى عقبة ركعتين وكسر جفن سيفه. وفعل أبو المهاجر كفعله. وكسر المسلمون أغماد سيوفهم. وأمر عقبة أن ينزلوا عن خيلهم، ففعلوا وقاتلوا قتالا شديدا. وكثر عليهم العدو فقتلوا عن آخرهم ولم يفلت منهم أحد.
فعزم زهير بن قيس على قتال البربر فخالفه بعض أصحابه ففارق القيروان، وسار إلى برقة وأقام بها. وتبعه أكثر الناس. وأما كسيلة فاجتمع إليه جمع كبير فقصد القيروان وبها أصحاب الأثقال والذراري من المسلمين. فطلبوا الأمان من كسيلة فأمنهم. ودخل القيروان واستولى على إفريقية. وأقام بها إلى أن قوي أمر عبد الملك بن مروان. فذكر عنده أمر القيروان ومن بها من المسلمين. فأشار عليه أصحابه بإنفاذ الجيوش إليها. ليستنقذها من يد كسيلة. فاستعمل عليها زهير بن قيس.
ولاية زهير البلوى وقتل كسيلة البربري قال: ولما أشير على عبد الملك بن مروان بإرسال الجيش إلى إفريقية، قال: لا يصلح للطلب بثأر عقبة بن نافع من المشركين إلا من هو مثله في دين الله عز وجل. فاتفق رأيهم على زهير بن قيس، وقالوا: هو صاحب عقبة وأعرف الناس بسيرته وأولادهم بطلب ثأره. وكان زهير ببرقة مرابطا منذ قفل من إفريقية. فكتب إليه عبد الملك بالخروج على أعنة الخيل إلى إفريقية. فكتب إليه زهير يستمده بالرجال بالرجال والأموال. فوجه إليه بالأموال ووجوه أهل الشام.
فلما وصل ذلك إليه أقبل إلى إفريقية في عسكر عظيم، وذلك في سنة تسع وستين. فبلغ خبره كسيلة فجمع البربر وتحول عن القيروان إلى ممش. وجاء زهير فأقام بظاهر القيروان ثلاثة أيام حتى استراح وأراح. ثم رحل إلى كسيلة. والتقيا واشتد القتال وكثر القتل في الفريقين. فأجلت الحرب عن قتل كسيلة وجماعة من أصحابه. وانهزم من بقي منهم. فتبعهم الجيش فقتلوا من أدركوه.
وعاذ زهير إلى القيروان. فرأى ملك إفريقية ملكا عظيما، فقال: إنما أحببت الجهاد، وأخاف أن أميل إلى الدنيا فأهلك. وكان عابدا زاهدا. فترك بالقيروان عسكرا ورحل في جمع كبير يريد المشرق. وكان قد بلغ الروم بالقسطنطينية مسيره من برقة إلى إفريقية وخلوها، فخرجوا إليها في مراكب كثيرة من جزيرة صقلية.
فأغاروا على برقة وقتلوا ونهبوا. ووافق ذلك قدوم زهير من إفريقية فقاتلهم بمن معه أشد قتال. وترجل هو ومن معه وقاتلوا فعظم الخطب. وتكاثر الروم عليهم فقتل زهير وأصحابه، ولم ينج منهم أحد. وعاد الروم بما غنموه إلى القسطنطينية.

(6/416)


ولما بلغ عبد الملك قتل زهير عظم ذلك عليه، وكانت المصيبة به كالمصيبة بعقبة. وشغل عبد الملك عن القيروان ما كان بينه وبين عبد الله بن الزبير، فلما قتل ابن الزبير جهز عبد الملك حسان ابن النعمان إليها.
ولاية حسان بن النعمان الغساني إفريقية قال: كان عبد الملك قد أمر حسان بن النعمان بالمقام بمصر في عسكر عدته أربعون ألفا. وتكره بها عدة لما يحدث. فكتب إليه بالنهوض إلى إفريقية ويقول: إني قد أطلقت يدك في أموال مصر، فاعط من معك ومن ورد عليك من الناس، واخرج إلى جهاد إفريقية على بركة الله. قال ابن الأثير في تاريخه الكامل: إنه استعمله في سنة أربع وسبعين بعد مقتل عبد الله بن الزبير. وقال ابن الرقيق إنه ندبه إلى إفريقية في سنة تسع وستين. قال: فدخل إفريقية بجيش عظيم ما دخلها مثله قط. فدخل القيروان وتجهز منها إلى قرطاجنة.
فتح قرطاجنة وتخريبها
قال: ولما دخل حسان إلى القيروان سأل عن أعظم ملك بقي بإفريقية. فقيل له: صاحب قرطاجنة، وهي بلدة عظيمة، ولم تفتح بعد، ولا قدر عليها عقبة. فسار إليها. وقاتل من بها من الروم والبربر أشد قتال. فانهزموا وركبوا في البحر. وسار بعضهم إلى صقلية وبعضهم إلى الأندلس. ودخل حسان قرطاجنة بالسيف فقتل وسبي ونهب. وأرسل الجيوش إلى ما حولها. ثم أمر بهدمها فهدم المسلمون منها ما أمكنهم. ثم بلغه أن الروم والبربر قد اجتمعوا في صطفورة وبنزرت. فسار إليهم وقاتلهم، فهزمهم وأكثر القتل فيهم. واستولى المسلمون على بلادهم. ولم يترك موضعا منها حتى وطئه. فخافه أهل إفريقية خوفا شديدا. ولجأ المهزمون من الروم إلى مدينة باجة فتحصنوا بها. وتحصن البربر بمدينة بونة. وعاد حسان إلى القيروان فأقام بها حتى أراح واستراح.
حروب حسان والكاهنة
وتخريب إفريقية وقتل الكاهنة قال: ثم قال حسان للناس: دلوني على أعظم من بقي من ملوك إفريقية. فدلوه على امرأة تملك البربر تعرف بالكاهنة، وقالوا: إنها بجبل أوراس، وهي بربرية اجتمع البربر عليها بعد قتل كسيلة. وكانت تخبر بأشياء فتقع كما أخبرت عنها. وعظموا محلها عند حسان وقالوا: إن قتلتها لم تختلف البربر بعدها عليك. فسار إليها. فلما قاربها هدمت حصن باغاية، ظنا منها أنه يريد الحصون. فلم يعرج حسان على ذلك وسار إليها. فالتقوا على نهر نيني واقتتلوا أشد قتال. فانهزم المسلمون وقتل منهم خلق كثير وأسرت جماعة من أصحابه. فأكرمتهم الكاهنة وأطلقتهم إلا خالد بن يزيد القيسي، وكان شريفا شجاعا فاتخذته ولدا.
وسار حسان منهزما وفارق إفريقية. وكتب إلى عبد الملك بما كان من أمره. فأمره بالمقام إلى أن يأتيه أمره. فأقام بعمل برقة خمس سنين فسمي ذلك المكان قصور حسان. وملكت الكاهنة إفريقية كلها وأساءت السيرة في أهلها.
ثم بعث عبد الملك إلى حسان بالأموال والجيوش. وأمره بالمسير إلى إفريقية وقتال الكاهنة. فسار إليها. فقالت الكاهنة لقومها: إن العرب يريدون البلاد والذهب والفضة، ونحن إنما نريد المزارع والمراعي، ولا أرى إلا خراب إفريقية حتى ييأسوا منها. وفرقت أصحابها ليخربوا البلاد فخربوها، وهدموا الحصون، وقطعوا الأشجار ونهبوا الأموال. قال عبد الرحمن بن زياد بن أنعم: وكانت إفريقية من طرابلس إلى طنجة ظلا واحدا وقرى متصلة، فأخربت ذلك. فلما قرب حسان من البلاد، لقيه جمع من أهلها من الروم يستغيثون به من الكاهنة. فسره ذلك. وسار إلى قابس. فلقيه أهلها بالأموال والطاعة، وكانوا قبل ذلك يتحصنون من الأمراء. فجعل فيها غلاما. وسار على قفصة. فأطاعه من بها. واستولى عليها وعلى قسطيلية ونفزاوة.
وبلغ مقدمه الكاهنة، فأحضرت ولدين لها وخالد بن يزيد وقالت لهم: إنني مقتولة، فامضوا إلى حسان وخذوا لأنفسكم منه أمانا. فساروا إليه. فوكل بولديها من يحفظهما. وقدم خالد بن يزيد على أعنة الخيل.
وسار حسان نحو الكاهنة فالتقوا واقتتلوا، واشتد القتال وكثر القتل حتى ظن الناس أنه الفناء. ثم نصر الله المسلمين. وانهزم البربر وقتلوا قتلا ذريعا. وانهزمت الكاهنة ثم أدركت فقتلت. ثم استأمن البربر إلى حسان فأمنهم. وقرر عليهم أن يكون منهم عسكر مع المسلمين عدتهم اثنا عشر ألفا يجاهدون العدو. وقدم عليهم ابني الكاهنة ثم فشا الإسلام في البربر.

(6/417)


وعاد حسان إلى القيروان وبطل النزاع واستقامت إفريقية له، فلما مات عبد الملك وولي الوليد - وكان على مصر وإفريقية عبد العزيز بن مروان - فعزل حسان واستقدمه. وبعث إليه بأربعين رجلا من أشراف أصحابه، وأمرهم أن يحتفظوا بجميع ما معه. فعلم حسان ما يراد منه، فعمد إلى الجوهر واللؤلؤ والذهب. فجعله في قرب الماء وطرحها في المعسكر، وأظهر ما وراء ذلك. فلما قدم على عبد العزيز بن مروان بمصر أهدي إليه مائتي جارية ووصيف من خيار ما كان معه ويقال: إن حسان كان معه من السبي خمسة وثلاثون ألف رأس. فانتخب منها عبد العزيز ما أراد وأخذ منه خيلا كثيرة. ورحل حسان بما بقي معه حتى قدم على الوليد بن عبد الملك فشكا إليه ما صنع به عبد العزيز. فغضب الوليد وأنكره. فقال حسان لمن معه: ائتوني بالقرب. فأتي بها فأفرغها بين يدي الوليد. فرأى ما أذهله من أصناف الجوهر واللؤلؤ والذهب. فقال حسان: يا أمير المؤمنين إنما خرجت مجاهدا في سبيل الله، ولم أخن الله تعالى ولا الخليفة. فقال له الوليد: أردك إلى عملك وأحسن إليك. فحلف حسان أنه لا ولي لبني أمية ولاية أبدا. فغضب الوليد على عمه عبد العزيز لما عامل به حسانا. وكان حسان يسمى الشيخ الأمين لثقته وأمانته ثم ولي بعده موسى بن نصير.
ولاية موسى بن نصير إفريقية وما كان من حروبه وآثاره كانت ولايته في سنة تسع وثمانين، وذلك أن حسان بن النعمان لما امتنع من إجابة الوليد إلى رجوعه إليها، كتب الوليد إلى عمه عبد العزيز أن يوجه موسى بن نصير إلى إفريقية وأن تكون ولايته من قبل الوليد. وأفرد إفريقية عن مصر. فسار موسى حتى قدم إفريقية وعزل عنها صالحا خليفة حسان بها.
فبلغه أن بأطراف إفريقية قوما خارجين عن الطاعة. فوجه إليهم ابنه عبد الله فقاتلهم وظفر بهم. وأتاه بمائة ألف رأس من سبيهم. ثم وجه ولده مروان إلى جهة أخرى، فأتاه بمائة ألف رأس. ثم توجه هو بنفسه إلى جهة أخرى فأتي بمائة ألف رأس. قال الليث بن سعد: فبلغ الخمس يومئذ ستين ألف رأس ولم يسمع بمثل هذا في الإسلام.
ثم خرج غازيا إلى طنجة يريد من بقي من البربر. فهربوا منه فاتبعهم يقتل فيهم حتى بلغ السوس الأدنى لا يدافعه أحد. فاستأمن البربر إليه وأطاعوه. فقبل طاعتهم وولي عليهم واليا. ثم استعمل على طنجة وبلادها مولاه طارق بن زياد. وتركه بها في تسعة عشر ألف فارس من البربر وطائفة يسيرة من العرب لتعلم البربر القرآن وفرائض الإسلام.
ورجع إلى إفريقية فمر بقلعة مجانة. فتحصن أهله منه فترك عليها من يحاصرها مع بسر بن فلان ففتحها، فسميت قلعة بسر. ولم يبق بإفريقية من ينازعه من البربر ولا من الروم.
فتح جزيرة الأندلس وشيء من أخبارها
كان فتح الأندلس في سنة اثنتين وتسعين على يد طارق ابن زياد مولى بن نصير. وقد ذكر ابن الأثير في تاريخه الكامل أخبار الأندلس وابتداء أمرها. فاخترنا إيراد ذلك لأنها من أعظم الفتوحات الإسلامية.
قال ابن الأثير: قالوا: أول من سكنها بعد الطوفان قوم يعرفون بالاندلس - بشين معجمة - ثم عرب بعد ذلك بسين مهملة، والنصارى تسميها إشبانية باسم رجل صلب فيها يقال له إشبانش، وقيل: باسم ملك كان لها في الزمان الأول اسمه إشبان بن طيطش. وهذا هو اسمها عند بطليموس. وقيل: سميت بأندلس بن يافث بن نوح، وهو أول من عمرها.
وقيل: أول من سكنها بعد الطوفان قوم يعرفون بالأندلس فعمروها وتداولوا ملكها دهرا طويلا، وكانوا مجوسا. ثم حبس الله عنهم المطر وتوالى عليهم القحط. فهلك أكثرهم، وفر منها من أطاق الفرار. فخلت مائة سنة.
ثم ابتعث الله لعمارتها الأفارقة. فدخل إليها قوم منهم أجلاهم ملك إفريقية لقحط توالى على بلاده حتى كاد يفنى أهلها. فحملهم في السفن مع أمير من عنده. فأرسوا بجزية قادس. فرأوا الأندلس وقد أخصبت بلادها وجرت أنهارها. فسكنوها وعمروها. ونصبوا لهم ملوكا ضبطوا أمرهم. وكانت دار مملكتهم طائفة الخراب من أرض إشبيلية، بنوها وسكنوها. وأقاموا مدة تزيد على مائة وخمسين سنة، ملك منهم فيها أحد عشر ملكا.

(6/418)


ثم أرسل الله عليهم عجم رومة، وملكهم إشبان بن طيطش فغزاهم ومزقهم وقتل منهم وحاصرهم بطالقة، وقد تحصنوا بها، فابتني عليها إشبانية - وهي إشبيلية - واتخذها دار مملكته. وكثرت جموعه وعتا وتجبر. وغزا بيت المقدس وغنم ما فيه، وقتل منه مائة ألف، ونقل المرمر منه إلى إشبيلية وغيرها. وغنم منه مائدة سليمان بن داوود عليهما السلام، وهي التي غنمها طارق لما فتح طليطلة، وغنم قليلة الذهب والحجر الذي لقي بماردة.
وكان هذا إشبان قد وقف عليه الخضر، هو يحرث الأرض فقال له: يا إشبان، سوف تحظى وتعلوا وتملك. فإذا ملكت إيليا فارفق بذرية الأنبياء. فقال له: أتسخر بي وكيف ينال مثلي الملك؟. فقال له: قد جعله فيك من جعل عصاك هذه كما ترى فنظر إليها، فإذا هي قد أورقت. فارتاع وذهب عنه الخضر وقد وثق بقوله. فداخل الناس وارتقى حتى ملك ملكا عظيما. وكان ملكه عشرين سنة ودام ملك الإشبانية إلى أن ملك منهم خمسة وخمسون ملكا.
ثم دخل عليها من عجم رومة أمة يدعون البشتولقات، وملكهم طلوبش بن بيطة، وذلك حين بعث الله المسيح عليه السلام. فغلبوا عليها، واستولوا على ملكها، وقتلوا ملكها. وملك منهم سبعة وعشرون ملكا. وكانت مدينة ماردة دار ملكهم.
ثم دخلت عليهم أمة القوط مع ملك لهم. فغلبوا على الأندلس واقتطعوها من صاحب رومة. وكان ظهورهم من ناحية أنطالية شرق الأندلس، فأغارت على بلاد مجدونية من تلك الناحية في أيام قليوديوس قيصر، ثالث القياصرة. فخرج إليهم وهزمهم وقتل فيهم. ولم يظهروا بعدها إلى أيام قسطنطين الأكبر. وأعادوا الغارة. فسير إليهم جيشا فلم يثبتوا له. وانقطع خبرهم إلى دولة ثالث ملك بعد قسطنيطين، فقدموا على أنفسهم أميرا اسمه لذريق، وكان يعبد الأوثان. فسار إلى رومة ليحمل النصارى على السجود لأوثانه وظهر منه سوء سيرة، فتخاذل أصحابه عنه ومالوا إلى أخيه وحاربوه. فاستعان بصاحب رومة. فبعث إليه جيشا فهزم أخاه ودان بدين النصارى. وكانت ولايته ثلاث عشرة سنة. ثم ولي بعده أقريط، وبعده أمريق وبعده وغديش. وكانوا قد عادوا إلى عبادة الأوثان. فجمع من أصحابه مائة ألف وسار إلى رومة. فسير إليه ملك الروم جيشا فهزموه وقتلوه. ثم ملك بعده الريق.
ثم تداولها عدة ملوك ذكرهم ابن الأثير: منهم من عبد الأوثان ومنهم من دان بدين النصرانية، إلى أن انتهى الملك إلى غيطشة، وكانت ولايته سنة سبع وسبعين للهجرة. ثم توفي وخلف ولدين. فلم يرض بهما أهل الأندلس ورضوا برجل يقال له رذريق، وكان شجاعا وليس من بيت الملك.
وكانت عادة ملوك الأندلس أنهم يبعثون أولادهم الذكور والإناث إلى مدينة طليطلة يكونون في خدمة الملك لا يخدمه غيرهم، يتأدبون بذلك. فإذا بلغوا الحلم أنكح بعضهم بعضا وتولى تجهيزهم. فلما ولي رذريق، أرسل إليه يليان - وهو صاحب الجزيرة الخضراء وسبتة وغيرهما - ابنته فاستحسنها رذريق فاقتضها. فكتبت إلى أبيها بذلك. فأغضبه فكتب إلى موسى بن نصير عامل إفريقية بالسمع والطاعة. واستدعاه فسار إليه. فأدخله يليان مدائنه. وأخذ عليه العهود له ولأصحابه بما يرضى به. ثم وصف له الأندلس ودعاه إليها، وذلك في آخر سنة تسعين. فكتب موسى إلى الوليد بذلك، واستأذنه في غزوها. فأذن له إذا لم يكن الوصول إلها في بحر متسع.
فبعث موسى مولى من مواليه، يقال له طريف، في أربعمائة رجل ومعهم مائة فارس. فساروا في أربع سفن. فخرجوا في جزيرة بالأندلس فسميت جزيرة طريف. ثم أغار على الجزيرة الخضراء فأصاب غنائم كثيرة ورجع سالما، في شهر رمضان سنة إحدى وتسعين. فلما رأى الناس ذلك، تسرعوا إلى الغزو.
ثم إن موسى دعا مولاه طارق بن زياد، وكان على مقدمات جيوشه، فبعثه في سبعة آلاف من المسلمين أكثرهم البربر والموالي وأقلهم العرب. فساروا في البحر. وقصدوا جبلا منيفا في البحر، وهو متصل بالبر. فنزله فسمى الجبل جبل طارق. ولما ملك عبد المؤمن البلاد أمر ببناء مدينة على هذا الجبل وسماه جبل الفتح، فلم يثبت له هذا الاسم، وجرت الألسن على الاسم الأول. وكان حلول طارق به في شهر رجب سنة اثنتين وتسعين.

(6/419)


قال: ولما ركب طارق البحر غلبته عينه، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه المهاجرون والأنصار وقد تقلدوا السيوف وتنكبوا القسى. فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: يا طارق تقدم لشأنك. وأمره بالرفق بالمسلمين والوفاء بالعهد. ونظر طارق فرأى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد دخلوا الأندلس أمامه. فاستيقظ من نومه، وبشر أصحابه، وقويت نفسه، وأيقن بالظفر.
فلما تكامل أصحاب طارق بالجبل نزل إلى الصحراء، وفتح الجزيرة الخضراء فأصاب بها عجوزا. فقالت له: إني كان لي زوج، وكان عالما بالحوادث، وكان يحدثهم عن أمير يدخل بلدهم ويغلب عليه، ووصف من صفته أنه صخم الهامة وأن في كتفه الأيسر شامة عليها شعر. فكشف طارق ثوبه فإذا الشامة كما ذكرت فاستبشر.
قال: ولما فتح الجزيرة الخضراء وفارق الحصن الذي في الجبل، بلغ رذريق خبره. فأعظم ذلك، وكان غائبا في غزاة فرجع منها، وقد دخل طارق بلاده. فجمع له جمعا يقال بلغ مائة ألف. فكتب طارق إلى موسى يستمده ويخبره بما فتح. فأمده بخمسة آلاف، فتكامل المسلمون اثني عشر ألفا، ومعهم يليان يدلهم على عورة البلاد ويتجسس لهم الأخبار. وأتاهم رذريق في جنده فالتقوا على نهر بكة من أعمال شذونة لليلتين بقيتا من شهر رمضان سنة اثنتين وتسعين. واتصلت الحرب بينهم ثمانية أيام. وكان على ميمنة رذريق وميسرته ولدا الملك الذي كان قبله وغيرهما من أبناء الملوك. فاتفقوا على الهزيمة بغضا لرذريق وقالوا: إن المسلمين إذا امتلأت أيديهم من الغنيمة عادوا إلى بلادهم وبقي الملك لنا. فانهزموا. وهزم الله رذريق ومن معه وغرق في النهر.
وسار طارق إلى مدينة إستجة في اتباعهم. فلقيه أهلا ومعهم من المنهزمين خلق كثير. فقاتلوه قتالا شديدا ثم انهزم أهل الأندلس. ونزل طارق على عين بينها وبين مدينة إستجة أربعة أميال فسميت عين طارق.
قال: ولما سمع القوط بهاتين الخزيمتين، قذف الله في قلوبهم الرعب، وهربوا إلى طليطلة، وأخلوا مدائن من الأندلس فقال له يليان: قد فرغت من الأندلس، ففرق جيوشك، وسر أنت إلى طليطلة. ففرق جيوشه من مدينة إستجة: فبعث جيشا إلى قرطبة، وجيشا إلى أغرناطة، وجيشا إلى مالقة، وجيشا إلى تدمير.
وسار هو ومعظم الجيش إلى طليلطة. فلما بلغها وجدها خالية وقد لحق من بها بمدينة خلف الجبل يقال لها ماية. قال: وفتح سائر الجيوش الذين بعثهم ما قصدوه من البلاد. قال: ولما رأى طارق طليلطلة خالية، ضم إليها اليهود وترك معهم رجالا من أصحابه.
وسار هو إلى وادي الحجارة. وقطع الجبل من فج فيه فسمى بفج طارق. وانتهى إلى مدينة خلف الجبل تسمى مدينة المائدة، وفيها مائدة سليمان بن داوود عليهما السلام، وهي من زبر جدة خضراء، حافاتها وأرجلها منها مكللة باللؤلؤ والمرجان والياقوت وغير ذلك، وكان لها ثلاثمائة وستون رجلا.
ثم مضى إلى مدينة ماية فغنم منها. ورجع إلى طليلطة في سنة ثلاث وتسعين. وقيل: إنه اقتحم أرض جليقية فاخترقها حتى انتهى إلى مدينة استرقة، وانصرف إلى طليطلة. ووافته جيوشه التي وجهها من إستجة بعد فراغهم من فتح تلك المدائن التي سيرهم إليها.

(6/420)


ودخل موسى بن نصير الأندلس في شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين في جمع كثير، وقد بلغه ما صنع طارق فحسده. فلما نزل الجزيرة الخضراء قيل له: تسلك طريق طارق؟ فأبى. فقال له الأدلاء: نحن ندلك على طرق أشرف من طريقه ومدائن لم تفتح بعد. ووعده يليان بفتح عظيم، فسر بذلك. فساروا به إلى مدينة ابن السليم فافتتحها عنوة. ثم سار إلى مدينة قرمونة، وهي أحصن مدن الأندلس. فتقدم إليها يليان وخاصته على حال المنهزمين فأدخلوهم مدينتهم. وأرسل موسى إليهم الخيل ففتحوها لهم ليلا. فدخلها المسلمون وملكوها. ثم سار موسى إلى إشبيلية، وهي من أعظم مدائن الأندلس بنيانا وأغربها آثارا فحصرها أشهرا وفتحها، وهرب من بها. فأنزلها موسى اليهود. وسار إلى مدينة ماردة فحصرها، وقد كان أهلها خرجوا إليه فقاتلوه قتالا شديدا. فكمن لهم موسى ليلا في مقاطع الصخر، فلم يرهم الكفار. فلما أصبحوا زحف إليهم. فخرجوا إلى المسلمين على عادتهم. فخرج عليهم الكمين، وأحدقوا بهم، وحالوا بينهم وبين البلد، وقتلوهم قتلا ذريعا. ونجا من سلم منهم فدخل المدينة، وكانت حصينة. فحصرهم بها أشهرا. وزحف إليهم بدبابة عملها ونقبوا سورها. فخرج أهلها على المسلمين فقتلوهم عند البرج فسمى برج الشهداء. ثم افتتحها آخر شهر رمضان سنة أربع وتسعين صلحا، على أن جميع أموال القتلى يوم الكمين وأموال الهاربين إلى جليلقية وأموال الكنائس وحليها للمسلمين.
ثم إن أهل إشبيلية اجتمعوا وقصدوها، فقتلوا من بها من المسلمين. فسير موسى إليها ابنه عبد العزيز بجيش فحصرها وقتل من بها من أهلها.
وسار عنها إلى لبلة وباجة فملكهما وعاد إلى إشبيليلة.
قال: وسار موسى من مدينة ماردة في شوال يريد طليلطة. فخرج طارق إليه فلقيه. فلما أبصره نزل إليه، فضربه موسى بالسوط. على رأسه، ووبخه على ما كان من خلافه. ثم سار به إلى مدينة طليطلة وطلب منه ما غنم والمائدة. فأتاه بها وقد انتزع رجلا من أرجلها. فسأله عنها فقال: لا علم لي بها. كذلك وجدتها. فعمل عوضها من ذهب.
وسار موسى إلى مدينة سرقسطة ومدائنها فافتتحها.
وأوغل في بلاد الفرنج. فانتهى إلى مفازة كبيرة وأرض سهلة ذات آثار فأصاب فيها صنما قائما، فيه مكتوب: يا بني إسماعيل، إلى ها هنا منتهاكم، فارجعوا. وإن سألتم إلى ماذا ترجعون، أخبركم أنكم ترجعون إلى الاختلاف فيما بينكم حتى يضرب بعضكم أعناق بعض، وقد فعلتم. فرجع ووافاه رسول الوليد في أثناء ذلك يأمره بالخروج عن الأندلس والقفول إليه. فساءه ذلك ومطل الرسول، وهو يقصد بلاد العدو في غير ناحية الصنم، يقتل ويسبي ويهدم الكنائس ويكسر النواقيس، حتى بلغ صخرة بلاي على البحر الأخضر، وهو في قوة وظهور. فقدم عليه رسول آخر من الوليد يستحثه، وأخذ بعنان بغلته وأخرجه. وكان موافاة الرسول له بمدينة لك بجليقية. وخرج على الفج المعروف بفج موسى. ووافاه طارق من الثغر الأعلى فأقفله معه، ومضيا جميعا.
واستخلف موسى على الأندلس ابنه عبد العزيز بن موسى. فلما عبر موسى البحر إلى سبتة عليها وعلى طنجة وما والاهما ابنه عبد الملك. واستخلف على إفريقية وأعمالها ابنه الكبير عبد الله.
وسار إلى الشام. وحمل الأموال التي غنمت من الأندلس والذخائر والمائدة، ومعه ثلاثون ألف بكر من بنات ملوك القوط وأعيانهم، ومن نفيس الجوهر والأمتعة ما لا يحصى. فورد الشام، وقد مات الوليد واستخلف سليمان بن عبد الملك، وكان منحرفا عن موسى بن نصير. فعزله عن جميع أعماله وأقصاه وأغرمه غرما حتى احتاج أن يسأل العرب في معونته.
وقيل: إنه قدم إلى الشام والوليد حي. وكان قد كتب إليه، وادعى أنه هو الذي فتح الأندلس وأخبره خبر المائدة. فلما حضر عنده عرض عليه ما معه وعرض المائدة، ومعه طارق. فقال طارق: أنا غنمتها. فكذبه موسى. فقال طارق للوليد: سله عن رجلها المعدومة. فسأله عنها، فلم يكن عنده منها علم. فأظهرها طارق وذكر أنه أخفاها لهذا السبب. فعلم الوليد صدق طارق. وإنما فعل هذا لأن موسى كان قد ضربه وحبسه حتى أرسل الوليد أخرجه وقيل: لم يحبسه.

(6/421)


قالوا: ولما دخلت الروم بلاد الأندلس، كان في مملكتهم بيت إذا ولي ملك منهم أقفل عليه قفلا. فلما ملكت القوط فعلوا كفعلهم. فلما ملك رذريق فتح الأقفال فرأى في البيت صور العرب، عليهم العمائم الحمر على خيول شهب، وفيه كتاب: إذا فتح هذا البيت دخل هؤلاء القوم هذا البلد. ففتحت الأندلس في تلك السنة.
غزو جزيرة سردانية
قال: ولما فتح موسى بلاد الأندلس سير طائفة من عسكره إلى هذه الجزيرة، وهي في بحر الروم كثيرة الفواكه. فدخلوها في سنة اثنتين وتسعين. فعمد النصارى إلى ما يملكونه من آنية الذهب والفضة فألقوا الجميع في الماء. وجعلوا أموالهم في سقف البيعة الكبرى التي تحت السقف الأول. وغنم المسلمون منها ما لا يحد ولا يوصف، وأكثروا الغلول. واتفق أن رجلا من المسلمين اغتسل في الماء فعلق في رجله شيء. فأخرجه، فإذا هو صحفة من فضة. فأخرج المسلمون جميع ما فيه. ودخل رجل من المسلمين إلى تلك الكنيسة فنظر إلى حمام. فرماه بسهم فأخطأه ووقع في السقف. فانكسر لوح ونزل منه شيء من الدنانير. فأخذوا الجميع. وزادوا في الغلول، فكان بعضهم يذبح الهر، ويرمي ما في جوفه، ويملأه دنانير، ويخيط عليها، ويلقيه في الطريق. فإذا خرج أخذه. وكان يضع قائم سيفه على الجفن ويملأه ذهبا. فلما ركبوا في البحر سمعوا قائلا يقول: اللهم غرقهم. فغرقوا عن آخرهم.
ولاية محمد بن يزيد مولى قريش ومقتل عبد العزيز بن موسى بن نصير قال: ثم استعمل سليمان بن عبد الملك محمد بن يزيد، مولى قريش. وقال له عند ولايته: يا محمد، اتق الله وحده لا شريك له، وقم فيما وليتك بالحق والعدل. اللهم اشهد. فخرج محمد وهو يقول: مالي عذر إن أعدل. وكانت ولايته في سنة تسع وتسعين. فولي سنتين وشهورا. وكتب إليه سليمان يأمره أن يأخذ آل موسى ابن نصير وكل من انتسب إليه حتى يقوموا بما بقي عليه وهو ثلاثمائة ألف دينار ولا يرفع عنهم العذاب. فقبض على عبد الله والي القيروان فحبسه في السجن. ثم وصل البريد من قبل سليمان يأمر بضرب عنقه.
وأما عبد العزيز فإنه لما استخلفه أبوه موسى على الأندلس سد ثغورها، وضبط بلادها، وافتتح مدائن كانت بقيت بعد أبيه، وكان خيرا فاضلا. فتزوج امرأة الملك لذريق. فحظيت عنده، وغلبت على رأيه. فحملته على أن يأخذ أصحابه بالسجود له إذا دخلوا عليه كما كان يفعل بزوجها. فقال: إن ذلك ليس من ديننا. فلم تزل به حتى أمر بفتح باب قصير لمجلسه الذي كان يجلس فيه. فكان أحدهم إذا دخل عليه من الباب طأطأ رأسه فيصير كالراكع. فرضيت ببذلك وقالت: الآن لحقت بالملوك. وبقي أن أعمل لك تاجا مما عندي من الذهب واللؤلؤ. فأبى. فلم تزل به حتى فعل. فانكشف للمسلمين، فقالوا: تنصر. وفطنوا للباب. فثارثوا عليه، فقتلوه في آخر سنة تسع وتسعين في آخر خلافة سليمان بن عبد الملك. ثم مكثوا بعد ذلك سنة لا يجمعهم إمام.
وحكى الواقدي قال: لما بلغ عبد العزيز بن موسى ما نزل بأبيه وأخيه وأهل بيته، خلع الطاعة وخالف. فأرسل إليه سليمان رسولا، فلم يرجع. فكتب سليمان إلى حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع ووجوه العرب سرا بقتله. فلما خرج عبد العزيز إلى صلاة الصبح، قرأ فاتحة الكتاب ثم قرأ الحاقة. فقال له حبيب: حقت عليك يا ابن الفاعلة. وعلاه بالسيف فقتله فحمل رأس عبد الله ورأس عبد العزيز ابني موسى حتى وضعا بين يدي أبيهما، وعذب حتى مات.
وأضيفت ولاية الأندلس إلى إفريقية. فاستعمل عليها محمد الحر بن عبد الرحمن القيسي. ولم يزل محمد بإفريقية إلى أن مات سليمان وولى عمر بن عبد العزيز، فعزله واستعمل إسماعيل بن عبد الله.
ولاية اسماعيل بن عبد الله ابن أبي المهاجر مولى بني مخزوم قال: ولما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة استعمل إسماعيل على إفريقية، وكان خيروال. فدعا إسماعيل من بقي من البربر إلى دين الإسلام. فأسلموا وغلب الإسلام على المغرب جميعه. ودامت ولايته إلى سنة إحدى ومائة، إلى أن توفى عمر بن عبد العزيز وولي يزيد بن عبد الملك، فاستعمل على إفريقية يزيد بن أبي مسلم مولى الحجاج فقدمها في سنة اثنتين ومائة وقتل. وقد ذكرنا سبب مقتله في أخبار يزيد بن عبد الملك.

(6/422)


ثم ولي بعده بشر بن صفوان الكلبي، فقدمها في سنة ثلاث ومائة. فلما قدم استعمل على الأندلس عنبسة الكلبي وعزل الحر بن عبد الرحمن القيسي. ثم غزا بشر جزيرة صقلية بنفسه فأصاب سببا كثيرا. ثم رجع من غزوته فتوفى بالقيروان في سنة تسع ومائة في خلافة هشام بن عبد الملك.
عبيدة بن عبد الرحمن السلمي فلما اتصلت وفاته بهشام استعمل على إفريقية: عبيدة بن عبد الرحمن السلمي وهو ابن أخي أبي الأعور السلمي، صاحب خيل معاوية. فأخذ عمال بشر بن صفوان فحبسهم وأغرمهم وتحامل عليهم وعذب بعضهم. وكان فيهم أبو الخطار بن ضرار الكلبي، وكان قائدا جليلا، فقال:
أفأتم بني مروان قيسا دماءناوفي الله إن لم يعدلوا حكم عدل
كأنكم لم تشهدوا لي وقعة ... ولم تعلموا من كان قبل له الفضل
وقيناكم حر القنا بصدورنا ... وليس لكم خيل سوانا ولا رجل
فلما بلغتم نيل ما قد أردتم ... وطاب لكم فينا المشارب والأكل
تغافلتم عنا كأن لم تكن لكم ... صديقا وأنتم ما علمتم لنا وصل
وبعث بها إلى هشام. فلما قرئت عليه غضب وأمر بعزل عبيدة. فقفل عنها، واستخلف على إفريقية عقبة بن قدامة التجيبي، وترك بها عبد الله بن المغيرة بن بردة القرشي قاضيا، وذلك في شوال سنة أربع عشرة ومائة.
عبيد الله بن الحبحاب
مولى بني سلول ثم استعمل هشام عبيد الله بن الحبحاب مولى بني سلول، وكان رئيسا كاتبا بليغا، حافظا لأيام العرب وأشعارها ووقائعها. وهو الذي بنى الجامع ودار الصناعة بمدينة تونس. وكانت ولايته في شهر بيع الأول سنة ست عشرة ومائة.
فاستعمل على طنجة وما والاها عمر بن عبد الله المرادي. فأساء السيرة وتعدى في الصدقات والقسم. وأراد أن يخمس البربر وزعم أنهم فيء للمسلمين، وذلك ما لم يرتكبه عامل قبله. وإنما كانت الولاة يخمسون من لم يجب منهم إلى الإسلام. فانتقضت البربر بطنجة على عبيد الله وتداعت عليه بأسرها، وذلك في سنة اثنتين وعشرين ومائة. وهي أول فتنة كانت بإفريقية في الإسلام.
وخرج ميسرة المدغري وقتل عمر المرادي. وظهر بالمغرب في ذلك الوقت قوم جرت منهم دعوة الخوارج، وصار منهم عدد كبير وشوكة قوية. قال: فبعث عبيد الله الجيوش من أشراف العرب لقتال المدغري، وجعل عليهم خالد بن أبي حبيب الفهري. وأردفه بحبيب بن أبي عبيدة. فسار خالد حتى أتى ميسرة دون طنجة. فالتقوا واقتتلوا قتالا لم يسمع بمثله. ثم انصرف ميسرة إلى طنجة. فأنكرت عليه البربر سوء سيرته، وتغيروا عما كانوا بايعوه عليه، وكان قد بويع بالخلافة فقتلوه وولوا أمرهم خالد بن حميد الزناتي.
ثم التقى خالد بن أبي حبيب بالبربر، وكان بينهم قتال شديد. فبينما هم كذلك إذ غشيهم خالد بن حميد الزناتي بعسكر عظيم. فانهزم أصحاب خالد بن أبي حبيب. وكره هو أن ينهزم فألقى بنفسه هو وأصحابه فقتل هو ومن كان معه، ولم يسلم منهم أحد. وقتل في هذه الوقعة حماة العرب وفرسانها فسميت وقعة الأشراف.
وانتقضت البلاد ومرج الناس واختلفت الأمور على عبيد الله. فاجتمع الناس وعزلوه عن أنفسهم وبلغ ذلك هشام ابن عبد الملك فقال: أقتل أولئك الرجال الذين كانوا يقدمون علينا من العرب؟. قيل: نعم فقال: والله، لأغضبن لهم غضبة عربية، ولأبعثن إليهم جيشا أوله عندهم وآخره عندي. ثم لا تركت حصن بربري إلا جعلت إلى جانبه خيمة قيسي أو يمني.
وكتب وكتب إلى عبيد الله بن الحبحاب يستقدمه. فخرج في جمادى الأولى سنة ثلاث وعشرين ومائة.

(6/423)


قال: وكان عبيد الله لما قدم إفريقية استعمل على الأندلس عقبة ابن الحجاج وعزل عنبسة. فلما بلغ أهل الأندلس ثورة البربر وثبوا على عقبة فعزلوه. وولوا عليهم عبد الملك بن قطن الفهري. قال: ثم استعمل هشام بن عبد الملك على إفريقية كلثوم بن عياض القشيري، فقدم في شهر رمضان سنة ثلاث وعشرين ومائة، وقد عقد له على اثني عشر ألف فارس من أهل الشام. وكتب إلى والي كل بلد أن يخرج معه، فسار معه عمال مصر وبرقة وطرابلس. فلما قدم إفريقية نكب عن القيروان وسار إلى سبتة. واستخلف على القيروان عبد الرحمن بن عقبة الغفاري، وهو إذ ذاك قاضي إفريقية وكان حبيب بن أبي عبيدة مواقف البربر. فسار كلثوم ومن معه حتى وافى البربر، وهم على وادي طنجة، وهم في ثلاثين ألفا.
وتوجه إليهم خالد بن حميد الزناتي فصاروا في جميع كبير.
فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا فقتل كلثوم بن عياض وحبيب ابن أبي عبيدة، وسليمان بن أبي المهاجر، ووجوه العرب. وانهزمت العرب، وكانت هزيمة أهل الشام إلى الأندلس، وعبروا في المراكب، وهزيمة أهل مصر وأهل إفريقية إلى إفريقية.
قال: ولما بلغ أهل إفريقية قتل كلثوم، كأن بها هرج. فثار عكاشة بن أيوب الفزاري مخالفا على الناس بمدينة قابس، وكان صفريا، وهو الذي قدم على طليعة أهل الشام مع عبيد الله بن الحبحاب فسار إليه بعد الرحمن بن عقبة فقاتله. فانهزم عكاشة، وقتل كثير من أصحابه، وتفرق من بقي منهم.
حنظلة بن صفوان
الكلبي ولما بلغ هشام بن عبد الملك ذلك، بعث إلى إفريقية حنظلة بن صفوان الكلبي، وكان عامله على مصر ولاه عليها في سنة تسع عشرة ومائة، فأقام بها إلى أن بعثه إلى إفريقية. فقدمها في شهر ربيع الآخر سنة أربع وعشرين ومائة. فلم يمكث بالقيروان إلا يسيرا حتى زحف عكاشة الصفري الخارجي في جمع عظيم من البربر، لم ير أهل إفريقية مثله ولا أكثر منه، وكان لما انهزم جمع قبائل البربر. وزحف إلى حنظلة أيضا عبد الواحد بن يزيد الهواري في عدد عظيم وكانا قد افترقا من الزاب: فأخذ عكاشة على طريق مجانة فنزل القرن، وأخذ عبد الواحد على طريق الجبال فنزل طبيناس، وعلى مقدمته أبو قرة المغيلي. فرأى حنظلة أن يعجل قتال عكاشة قبل أن يجتمعا عليه، فزحف إليه بجماعة أهل القيروان. والتقوا بالقرن وكان بينهم قتال شديد فني فيه خلق كثير. وهزم الله عكاشة ومن معه. وقتل من البربر ما لا يحصى كثرة. وانصرف حنظلة إلى القيروان خوفا أن يخالفه عبد الواحد إليها.
وقيل: إن عبد الواحد لما وصل إلى باجة، أخرج إليه حنظلة رجلا من لخم في أربعين ألف فارس. فقاتلوه بباجة شهرا في الخنادق والوعر. ثم انهزم اللخمي إلى القيروان، وفقد ممن معه عشرين ألفا.
ونزل عبد الواحد بالأصنام من جراوة ثلاثة أميال عن القيروان، وكان في ثلاثمائة ألف. فأخرج حنظلة جميع ما في الخزائن من السلاح، ونادى في الناس. فكان يعطي لكل منهم درعا وخمسين دينارا. فلم يزل يفعل ذلك حتى كثر عليه الناس، فرد العطاء إلى أربعين ثم إلى ثلاثين. ولم يقدم إلا شابا قويا. فعبأ الناس طول ليلته والشمع حوله وبين يديه. فعبأ في تلك الليلة خمسة آلاف دارع وخمسة آلاف نابل. وأصبح وقدم للقتال. وكسرت العرب جفون سيوفها. والتقوا واقتتلوا. ولزم الرجال الأرض وجثوا على الركب فانكسرت ميسرة العرب وميسرة البربر ثم كرت ميسرة العرب على ميمنة البربر. فكانت الهزيمة على البربر. وقتل عبد الواحد وأتي حنظلة برأسه فخر ساجدا لله. وقيل: إنه ما علم في الأرض مقتلة أعظم منها قتل فيها من البربر مائة وثمانون ألفا. وكانوا صفرية يستحلون الدماء وسبي النساء. ثم أتي بعكاشة أسيرا فقتله حنظلة. وكتب بذلك إلى هشام. فكان الليث بن سعد يقول: ما غزوة كنت أحب أن أشهدها بعد غزوة بدر أحب إلى من غزوة القرن والأصنام.
أخبار عبد الرحمن بن حبيب
وتغلبه على إفريقية ورجوع حنظلة إلى المشرق

(6/424)


كان عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الهري قد هرب إلى الأندلس عند هزيمة كلثوم. فلم يزل يحاول أن يغلب على الأندلس، وهو لا يمكنه ذلك، إلى أن وجه حنظلة بن صفوان أبا الخطار بن ضرار الكلبي إلى الأندلس وأطاعه الناس ودانت له البلاد. فخاف عبد الرحمن على نفسه. فخرج مستترا وركب في البحر إلى تونس. فنزل بها في جمادى الأولى سنة سبع وعشرين ومائة. ودعا الناس إلى نفسه فأجابوه.
وسار حتى نزل سمنجة. فأراد أصحاب حنظلة الخروج لقتاله فمنعهم حنظلة كراهة لهراقة دماء المسلمين، وكان رجلا ورعا زاهدا لا يرى بذل السيف إلا في الكفرة والصفرية الذي يستبيحون دماء المسلمين. فوجه حنظلة إلى عبد الرحمن جماعة من وجوه أهل إفريقية يدعوه إلى مراجعة الطاعة والرجوع عما هو عليه. فلما قدموا عليه أوثقهم في الحديد. وقال: إن رماني أحد من أوليائهم بحجر قتلتهم فبلغ ذلك من الناس كل مبلغ. فلما رأى حنظلة ذلك دعا القاضي وجماعة من أهل الدين والفضل. وفتح بيت المال بحضرتهم وأخذ منه ألف دينار وترك الباقي. وقال: ما آخذ منه إلا بقدر ما يكفيني يبلغني ثم شخص عن إفريقية في جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين ومائة.
وأقبل عبد الرحمن بن حبيب ودخل القيروان ونادى مناديه ألا يخرج أحد إلى حنظلة ولا يشيعه. وكان حنظلة مجاب الدعوة فقال: اللهم لا تهن عبد الرحمن بن حبيب هذا الملك ولا أهله، واسفك دماءهم بأيديهم، وابعث عليهم شرار خلقك. ودعا على أهل إفريقية. فوقع الوباء والطاعون بها سبع سنين لا يكاد يرتفع إلا وقتا في الشتاء ووقتا في الصيف.
قال: ولما ولي عبد الرحمن، ثار عليه جماعة من العرب والبربر ثم ثار عليه عروة بن الوليد الصدفي واستولى على تونس. ثم ثار عليه عرب الساحل. وقام ابن عطاف الأزدي حتى نزل بطبيناس. وثارت البربر من الجبال. وثار ثبات الصنهاجي بباجة فأخذها. وخرج بناحية طرابلس رجلان يقال لأحدهما عبد الجبار والآخر الحارث، وهما من البربر على دين الخوارج. فقاتل كل من خرج عليه، طائفة بعد أخرى بنفسه وبجيوشه، حتى دوخ المغرب كله، وأذل من به من القبائل. ولم ينهزم له عسكر ولاردت له راية. وخافه جميع أهل المغرب.
وكتب إلى مروان بن محمد، وأهدى له هدية، وتقول على حنظلة ، ونسب إليه ما لم يقع منه. فكتب إليه مروان بولاية إفريقية والمغرب كله والأندلس.
ثم قتل مروان وانقرضت الدولة الأموية وقامت الدولة العباسية. فكتب عبد بالرحمن إلى أبي العباس السفاح بطاعته، وأقام الدعوة العباسية. فلما صار الأمر إلى أبي جعفر المنصور كتب إلى عبد الرحمن يدعوه إلى الطاعة. فأجابه وكتب بطاعته، وأرسل إليه بهدية نزرة كان فيها بزاة وكلاب. وكتب إليه: إن إفريقية اليوم إسلامية كلها، وقد انقطع السبي منها. فلا تسألني ما ليس قبلي. فغضب أبو جعفر المنصور وكتب إليه يتوعده. فلما وصل كتابه إليه غضب غضبا شديدا. ثم نادى: الصلاة جامعة. فاجتمع الناس في المسجد الجامع. ثم خرج عبد الرحمن في مطرف خز، وفي رجليه نعلان. فصعد المنبر. فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على محمد نبيه صلى الله عليه وسلم. ثم أخذ في سب أبي جعفر. ثم قال: إني ظننت هذا الخائر يدعو إلى الحق ويقوم به، حتى تبين لي منه خلاف ما بايعته عليه من إقامة الحق والعدل. وأنا الآن قد خلعته كما خلعت نعلي هاتين. وقذفهما وهو على المنبر. ثم دعا بخلعة أبي جعفر التي كان أرسلها إليه، وفيها سواده - وكان قد لبسها قبل ذلك ودعا فيها لأبي جعفر، وهو أول سواد لبس بإفريقية - فأمر بتخريقها وحرقها. وأمر كاتبه خالد بن ربيعة أن يكتب كتابا بخلعه، ويقرأ على المنابر في سائر بلاد المغرب، ففعل ذلك.
مقتل عبد الرحمن
بن حبيب وولاية أخيه الياس بن حبيب وقتله وولاية حبيب بن عبد الرحمن وقتله

(6/425)


كان سبب قتل عبد الرحمن أنه لما قتل مروان بن محمد الحمار هرب جماعة من بني أمية ومعهم حريمهم نحو إفريقية، فتزوج عبد الرحمن وإخوته منهم. وكان ممن قدم عليه ابنان للوليد بن يزيد ابن عبد الملك، يقال لأحدهما العاص والآخر عبد المؤمن. وكانت ابنة عمهما تحت إلياس بن حبيب. فأنزلهما عبد الرحمن بدار شيبة بن حسان. وتسلك عليهما ليسمع كلامهما وكانا على نبيذ، وغلامهما يسقيهما. فقال العاص: ما أغفل عبد الرحمن! أيظن أنه يتهنى معنا بولاية ونحن أولاد الخلفاء؟. فنزل وانصرف ولم يعلما به ثم أمر بقتلهما. فقالت ابنة عمهما لزوجها إلياس: إنه قتل أختانك تهاونا بك، وجعل العهد من بعده لابنه حبيب وأنت صاحب حربه وسيفه الذي يصول به! ولم تزل تغريه به. وكان عبد الرحمن إذا ثار عليه ثائر أو خرج عليه خارجي يرسل أخاه إلياس لقتاله. فإذا ظفر، نسب الظفر لابنه حبيب وجعل العهد فيه. فاجتمع رأي إلياس بن حبيب وعبد الوارث أخيه على قتل عبد الرحمن أخيهما. ووالاهما على ذلك جماعة من أهل القيروان والعرب وغيرهم، على أن يكون الأمر لإلياس، والدعاء لأبي جعفر المنصور. فأتاه إلياس ليلا فاستأذن عليه بعد العشاء الآخرة. فقال: ما جاء به وقد ودعني؟ وكان إلياس قد عزم على الخروج إلى تونس. وأذن له، فدخل عليه وهو في غلالة وردية وابن له صغير في حجره. فقعد طويلا وعبد الوارث يغمز. فلما قام يودعه، أكب عليه يعانقه، فوضع السكين بين كتفيه حتى صارت إلى صدره. فصاح عبد الرحمن وقال: فعلتها يا ابن للخناء؟. ثم ضربه إلياس بالسيف. فاتقاه بمرفقه، فأبان يده. وضربه حتى اثخنه. ودهش إلياس وخرج هاربا. فقال له أصحابه: ما فعلت؟. قال: قتلته. فقالوا: ارجع وحز رأسه، وإلا قتلنا عن آخرنا. ففعل. وثارث الصيحة. وأخذ إلياس أبواب دار الإمارة.
ويسمع حبيب بن عبد الرحمن الصيحة فهرب من القيروان. وأصبح بقرب تونس فدخلها، واجتمع مع عمه عمران بن حبيب ولحق بهما موالي عبد الرحمن من كل ناحية. فخرج إليهما إلياس إلى سمنجة. فوافياه بمن معهما. وهموا بالقتال. ثم اصطلحوا على أن يعود عمران إلى ولاية تونس وصطفورة والجزيرة، ويكون حبيب على قفصة وقصيطلة ونفزاوة، ولإلياس سائر إفريقية والمغرب.
ومضى إلياس مع عمران إلى تونس، وانصرف حبيب إلى القيروان. فوثب إلياس على أخيه عمران، وعلى عمر بن نافع بن أبي عبيدة الفهري، وعلى الأسود بن موسى بن عبد الرحمن بن عقبة وعلى ابن قطن، فشدهم وثاقا، ووجههم في سفينة إلى الأندلس إلى يوسف بن عبد الرحمن بن عقبة.
وانصرف إلى القيروان فبلغه عن حبيب أخبار كرهها. فأغرى إلياس به، وأرسل إليه من زين له الخروج إلى الأندلس، ففعل. وجهزه إلياس في سفينة. فتعذرت عليهم الريح. فكتب إلى إلياس أن الريح قد ردته، وأن المسير بن زياد الرعيني يحذره أمره.
فاجتمع إلى حبيب موالي أبيه، فأسروا سليمان بن زياد وشدوه وثاقا وكان معسكرا يحارس حبيبا. وأخرجوا حبيبا إلى البر وأظهروا أمره. فتوجه إلى الأربس فأخذها.
وبلغ خبره إلياس فتوجه إليه. واجتمع لكل واحد منهما جماعة. فلما التقيا، قال حبيب لعمه إلياس: لم نقتل موالينا وصنائعنا بيننا وهم لنا حصن؟ ولكن أبرز أنت وأنا، فأينا قتل صاحبه استراح منه: إن قتلتني ألحقتني بأبي، وإن قتلتك أدركت ثأري منك. فارتاب إلياس ساعة. فنادى الناس: قد أنصفك فلا تجبن، فإن ذلك سبة عليك وعلى ولدك من بعدك. فخرج كل منهما إلى صاحبه والتقيا ساعة. فضرب إلياس حبيبا فأعمل السيف في ثيابه ودرعه ووصل إلى جسمه، فعطف حبيب عليه وضربه بالسيف ضربة سقط بها عن فرسه إلى الأرض. فألقى حبيب نفسه عليه فحز رأسه ثم أمر برفعه على رمح. وهرب عبد الوارث بن حبيب ومن كان معه إلى بطن من البربر يقال لهم ورفجومة ودخل حبيب القيروان وبين يديه رأس إلياس، ورأس محمد بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع عم أبيه، ورأس محمد بن المغيرة بن عبد الرحمن القرشي. وجاءه محمد بن عمرو بن مصعب الفزاري وهو زوج عمة أبيه مهنئا له، فضرب عنقه. وكان ذلك كله في شهر رجب سنة ثمان وثلاثين ومائة.

(6/426)


قال: ولما وصل عبد الوارث بن حبيب ومن معه إلى ورفجومة نزلوا على عاصم بن جميل الورفجومي. فكتب إليه حبيب يأمره أن يوجه بهم إليه، فلم يفعل، فنهد إليه حبيب. ولقيه عاصم واقتتلوا فانهزم حبيب. وكان قد استخلف على القيروان أبا كريب جميل بن كريب القاضي. فقوي أمر ورفجومة، وكاتبهم بعض وجوه القيروان خوفا منهم على أنفسهم. فزحف عاصم بن جميل وأخوه مكرم بالبربر وبمن لجأ إليهم وصاروا بناحية قابس. فلما قربوا من القيروان، خرج إليهم أبو كريب القاضي بأهل القيروان.. حتى إذا دنوا من بعضهم، خرج من عسكر عاصم جماعة من أهل القيروان، فخذلوا الناس ودعوهم إلى عاصم. فافترق أكثر الناس عن أبي كريب ورجعوا إلى القيروان. وثبت أبو كريب في نحو ألف رجل من وجوه الناس، وأهل البصائر والخشية والدين. وقاتلوا فقتل أبو كريب. وقاتل من معه حتى قتلوا. ودخلت ورفجومة القيروان. فاستحلوا المحارم وارتكبوا العظائم. ونزل عاصم بعسكره بالموضع الذي يسمى مصلى روح.
واستخلف على القيروان عبد الملك بن أبي جعدة النفزي. وسار إلى حبيب وهو بقابس. فقاتله فانهزم حبيب ولحق بجبل أوراس وهم أخوال أبيه. فسار عاصم في طلبه إلى أوراس، والتقوا واقتتلوا، فهزم عاصم وقتل هو وأكثر أصحابه. وأقبل حبيب إلى القيروان. فخرج إليه بعد الملك بن أبي جعدة والتقوا. فقتل حبيب في المحرم سنة أربعين ومائة. فكانت ولاية عبد الرحمن بن حبيب عشر سنين وأشهرا، وولاية إلياس ستة أشهر، وولاية حبيب بن عبد الرحمن سنة واحدة وستة أشهر.
تغلب ورفجومة
على إفريقية وما كان منهم ومن ولي بعدهم إلى أن ولي محمد بن الأشعث قال: ولما حكمت ورفجومة على القيروان، قتلوا من بها من قريش وساموهم سوء العذاب، وربطوا دوابهم في المسجد الجامع. وندم الذي أعانوهم أشد ندامة.
قال: ثم دخل رجل من الإباضية القيروان فرأى ناسا من الورفحوميين قد أخذوا امرأة وأرادواها على نفسها، والناس ينظرون. فترك حاجته التي أتي فيها، وخرج إلى أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري، فأعلمه بالذي رأى. فخرج وهو يقول: لبيك اللهم لبيك. فاجتمع إليه أصحابه من كل مكان. وتوجهوا نحو طرابلس فأخرجوا منها عمر بن عثمان القرشي، واستولى عليها أبو الخطاب.
ثم سار إلى القيروان فخرج إليه عبد الملك بن أبي جعدة بجماعة ورفجومة. والتقوا فقتل عبد الملك وأصحابه، وذلك في صفر سنة إحدى وأربعين. فكان تغلب ورفجومة على القيروان سنة وشهرين. وتبع أبو الخطاب من انهزم منهم فقتلهم. ثم انصرف إلى القيروان فولى عليها عبد الرحمن بن رستم القاضي، ومضى إلى طرابلس. فصارت طرابلس وما يليها وإفريقية كلها في يده، إلى أن وجه أبو جعفر المنصور محمد ابن الأشعث في سنة أربع وأربعين.
ولاية محمد بن الأشعث الخزاعي قال: لما غلبت الصفرية على إفريقية بعد أن قتلت ورفجومة من قتلت من عربها، خرج جماعة إلى أبي جعفر المنصور، منهم عبد الرحمن ابن زياد بن أنعم، ونافع بن عبد الرحمن السلمي، وأبو البهلول بن عبيدة، وأبو العرباض. فأتوا المنصور يستنصرون به على البربر، ووصفوا عظيم ما لقوه منهم. فولى المنصور أبو جعفر محمد بن الأشعث مصر. فوجه أبا الأحوص عمرو بن الأحوص العجلي إلى إفريقية. فهزمه أبو الخطاب في سنة اثنتين وأربعين.
فكتب أبو جعفر المنصور إلى محمد بن الأشعث يأمره بالمسير بنفسه، ووجه إليه الجيوش. فخرج في أربعين ألفا: ثلاثين ألف فارس من أهل خراسان، وعشرة آلاف من أهل الشام. ووجه معه الأغلب بن سالم التميمي والمحارب بن هلال الفارسي، والمخارق بن غفار الطائي، وأمرهم بالسمع والطاعة له. فإن حدث به حدث كان أميرهم الأغلب، فإن حدث به حدث فالمخارق، فإن حدث به حدث فالمحارب بن هلال. فمات المحارب قبل وصلوهم إلى إفريقية. وبلغ أبا الخطاب خروج محمد بن الأشعث إليه، فجمع أصحابه من كل ناحية. ومضى في عدد عظيم فوصل إلى سرت. واستقدم عبد الرحمن بن رستم من القيروان، فقدم بمن معه.

(6/427)


فضاق ابن الأشعث ذرعا بلقاء أبي الخطاب لما بلغه من كثرة جموعه. فاتفق تنازع زناته وهوارة فيما بينهم. فقتلت هوارة رجلا من زناته. فاتهمت زناتة أبا الخطاب في ميله مع هوارة، ففارقه جماعة منهم. فبلغ ذلك ابن الأشعث فسر به. وضبط أفواه السكك حتى انقطع خبره عن أبي الخطاب. فرجع إلى طرابلس.
ووصل ابن الأشعث إلى سرت. فخرج إليه أبو الخطاب حتى صار بورداسة. فلما قرب منه ذكر ابن الأشعث لأصحابه أن خبرا أتاه من المنصور بالرجوع إلى المشرق. وأظهر لهم المسرة بالرجوع. فشاع ذلك في الناس. وسار منصرفا ميلا من نزل. فانتهى ذلك إلى أبي الخطاب وسمع به من معه، فتفرق كثير منهم. ثم أصبح ابن الأشعث فسار أميالا متثاقلا في سيره. وفعل ذلك في اليوم الثالث. ثم اختار أهل الجلد والقوة من جيشه، وسار بهم ليله كله. فصبح أبا الخطاب وقد اختل عسكره. فلما التقوا ترجل جماعة من أصحاب ابن الأشعث وقاتلوا. فانهزم البربر وقتل أبو الخطاب وعامة من معه، وذلك في شهر ربيع الأول من سنة أربع وأربعين ومائة. فكانت عدة من قتل من البربر أربعين ألفا.
ولما انتهى الخبر إلى عبد الرحمن بن رستم هرب إلى تيهرت واختطها وبلغ أهل القيروان خبر أبي الخطاب، فأوثقوا عامل ابن رستم وولوا عليهم عمرو بن عثمان القرشي إلى أن قدم محمد بن الأشعث.
ووصل ابن الأشعث إلى طرابلس فاستعمل عليها المخارق بن غفار الطائي.
ووجه إسماعيل بن عكرمة الخزاعي إلى زويلة وما والاها، ففتح تلك النواحي وقتل من بها من الخوارج.
وتوجه محمد إلى القيروان، وأمر ببناء سورها، وذلك في يوم السبت غرة جمادى الأولى. فبنى في ذي القعدة، وكان تمامه في شهر رجب سنة ست وأربعين. وضبط إفريقية وأعمالها. وأمعن في قتل كل من خالفه من البربر فخافوه خوفا شديدا وأذعنوا له بالطاعة.
ثم فسد عليه جنده بعد ذلك، وتحدثوا أن المنصور كتب إليه يأمره أن يقدم عليه وأنه أبى ذلك. فاجتمع رأيهم إلى إخراجه وتولية عيسى بن موسى الخراساني. فلما رأى ذلك علم أنه لا طاقة له بهم. فخرج في شهر ربيع الأول سنة ثمان وأربعين ومائة. وقام بأمر الناس عيسى بن موسى من غير أمر أبي جعفر ولا رضا العامة إلا أن قواد المضرية تراضوا به.
ولاية الأغلب بن سالم ابن عقال بن خفاجة التميمي قال: ولما بلغ المنصور ما كان من المضرية وصرفهم محمد بن الأشعث، بعث إلى الأغلب عهده بولاية إفريقية، وكان بطبنة. فقدم إلى القيروان وأخرج عيسى بن موسى في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين. وأخرج جماعة من قواد المضرية واستقامت له الحال.
ثم خرج عليه أبو قرة في جمع كثير من البربر. فسار إليه الأغلب في جميع قواده، فهرب منه. وقدم الأغلب الزاب، وعزم على الرحيل إلى تلمسان ثم إلى طنجة. فاشتد ذلك على الجند، وجعلوا يتسللون عنه ويخرجون ليلا إلى القيروان، حتى بقي في نفر يسير من وجوههم.
وكان الحسن بن حرب الكندي بتونس. فلما خرج الأغلب يريد أبا قرة، كاتب جماعة من القواد. فلحق به بعضهم الذين فارقوا الأغلب من الزاب. فأقبل إلى القيروان، ووازره على ذلك بسطام بن الهذيل القائد والفضل بن محمد وغيرهما، فدخل القيروان من غير ممانعة. وحبس سالم بن سوادة التميمي، وهو الذي استخلفه الأغلب على القيروان عند رحيله منها. وبلغ الخبر الأغلب فأقبل في عدة يسيرة ممن صبر على طاعته. وكتب إلى الحسن بن حرب يعرفه فضل الطاعة وعقبى المعصية. فأعاد جوابه وكتب في آخره:
ألا قولا لأغلب غير سر ... مغلغلة من الحسن بن حرب
بأن البغي مرتعه وخيم ... عليك وقربه لك شر قرب
وإن لم تدعني لتنال سلمى ... وإلا فادن من طعني وضربي
فأقبل الأغلب نحوه يجد السير. فأشار عليه أصحابه الذين معه بالمصير إلى قابس. وأن يلطف بالناس حتى يرجعوا عن الحسن إليه. ففعل ذلك. وقدم رسول المنصور إلى الأغلب، وإلى الحسن بن حرب يدعوه إلى الطاعة فلم يفعل. فزحف إليه الأغلب واقتتلوا قتالا شديدا. فانهزم الحسن وقتل من أصحابه خلق كثير. فرجع إلى تونس. وأقبل الأغلب إلى القيروان.

(6/428)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية