صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة
المؤلف : المحبي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

كم صنت من بكر العلوم خرائدا ... عن غير كفء لم يجب إكرامه
فاعلم بأني غير كفء لائق ... إن لم يكن ذا الفضل منك تمامه
ثم أتبعه بنثر، صورته: لما أضاء نور المحبة في قناديل القلوب، صفت مرآة الحقيقة فظهر المطلوب.
فاتضحت الرسوم الطامسة، وبانت الطرق الدارسة.
فاكتحلت عين القريحة، فسالت في نهر النطق، فأثمرت بالمسطور، وهو المقدور.
وأما المقام فهو أعلى من ذلك وأجل، وليس يدري ذلك إلا من وهل.
وأما العبد فهو مقر أنه قد قصرت به الركائب عن بلوغ ذلك، وأعاقته عقبات الأسباب عن سلوك هذه المسالك.
لكن حيث إن ثياب الستر من فضلكم على أمثاله مسبولة، فيرجو أن يهيىء الله له في ضمن الامتثال مطلوبه ومأموله.
فأجابه بقوله:
لله درك يا فريد محامد ... أربى على البدر التمام تمامه
قد صغت من سر البراعة مفردا ... فاق الفرائد نثره ونظامه
وكسوته من جزل لفظك سابغا ... وشيت بكل لطيفة أكمامه
وجلوته يختال تيها آمنا ... من أن يشابه في الوجود قوامه
أعربت فيه عن اعتقاد خالص ... ومكين ود أحكمت أحكامه
وصبوت ذا شكر ببث قصيدة ... وبفص خاتمه العلي أسوامه
أهلا به فردا أتى من مفرد ... وحبا به ضيفا يجل مقامه
حتما علي ولازما تبجيله ... فورا وحقا واجبا إكرامه
لكن على قدري فلست بكفء من ... وطئت على هام العلى أقدامه
وإليكها عذرا على مهل أتت ... خجلى لمحتدك العزيز مرامه
فاصفح بفضلك عن صحيفة نقصها ... فالفضل مؤتم وأنت إمامه
واسحب رداء المجد غير مدافع ... فلأنت عنصره وأنت ختامه
ثم أتبعه بنثر، صورته: هذه دام جدك في صعود، ومجدك في سعود عجرفة أبرزها فاتر الفكر الأعرج، وقاصر الذهن البهرج.
تتعثر في مروط الخجل والوجل، وتتعارض لما بها من الخطأ والخطل.
أتت سوح حضرتك الرحراحة الأرجا، وأملت أن تفوز من كمال صفحك عن زيفها بتحقق الرجا.
فقابل إقبالها بالقبول والإغضا، وألحظها غير مأمور بعين التقريب والرضا.
فإنك مأوى الفضل ومخيمه، ومفتتحه ومختتمه.
ولولا نافذ أمرك المطاع، وواجب تعظيمك المتمكن في الأفئدة والأسماع؛ لما تراءى لراء عجرها ولا بجرها، ولا بان لسامع خبرها ولا مخبرها.
ولكن عند الأكابر تلتمس وجوه المعاذير، ولدى أعيان الأفاضل يرتجى الصفح عن التقصير.
والسلام.
أحمد بن محمد مكي فاضل توقد ذكاه، وتألق شهابه وذكاه.
فبزغ واضح الغرة والجبين، ورفع عمود الصبح المبين.
وكسي نصاحة الفصاحة، وتفتق عن رونق البشر والصباحة.
فلله براعة ملك، وطريق إجادة سلك.
قرت بها عيون أودائه، وملئت غيظا صدور أعدائه.
وكان للقلوب فيه ظن جميل، وللمعالي رجاء وتاميل.
إلا أن الأيام لم تفسح له مدى، فاقتطفت زهرة حياته في باكورتها يد الردى.
وقد أثبت من بواكير طبعه المطبوع، ما يدل على نبله دلالة الماء على نظافة الينبوع.
فمن ذلك هذه الأبيات، كتب بها إلى الأستاذ زين العابدين الصديقي:
لؤلؤ الثغر المنضد ... فيه جريال مبرد
بسمت عنه ثنايا ... رشأ أحوى وأغيد
أم رياض عقد در ال ... مزن فيها قد تبدد
أم نجوم مزهرات ... من سناها النور يوقد
أم نسيم الصبح أبدى ... طيب النشر من الورد
لا ولكن ذا قريض ... لإمام قد تفرد
سيد حبر همام ... أوحد من نسل أوحد
من له حال وقال ... بهما السادات تشهد

(2/121)


وله في المجد شأو ... دونه النجم وفرقد
نجل أقطاب كرام ... لهم غايات سؤدد
كم كرامات شهدنا ... مالها حصر ولا عد
يعجز الواصف عنها ... منهم جاءت بلا حد
ملأت شرقا وغربا ... وبدت في كل مشهد
عبق الكون ثناهم ... كعبير المسك والند
وحكى لي صاحبنا الفاضل مصطفى بن فتح الله، قال: كنت بالمدينة نظمت قصيدة في الغزل، فلامني عليها بعض الناس، وبلغ ابن مكي ذلك، فأتى إلى منزلي ليروحني، فلم يجدني، فكتب:
أتيتك من شوقي إليك مسلما ... وقد صار قلبي في ودادك ذا شغل
فمن سوء حظي ما تمليت ساعة ... بمرآك يا رب الفصاحة والنبل
فلا عتب لي إلا عليه فإنه ... على نيل ما أهواه في الدهر ذو بخل
فيا من له طبع أرق من الصبا ... لقد ساءني ما قد لقيت من العذل
فلا تستمع قولا لواش وناصح ... ولا ترعوي عن حب ذي الأعين النجل
فما أنت في حب الجآذر أولا ... أشاع الهوى أسراره يا أخا الفضل
بذا قد قضى شرع الغرام بأهله ... فنصبر في حكم الغرام على القتل
إذا ما رنا من يشبه الظبي لفتة ... وماس كغصن فوق دعص من الرمل
وأظهر وردا في شقائق خده ... وسار يجر الذيل تيها على مهل
وفاح شذا مسك على الخال عمه ... محاسن أوصاف تجل عن المثل
وأبسم عن در تنظم في طلى ... ألذ وأحلى رشفها من جنى النحل
فأي فؤاد ليس يصبو لحسنه ... ويشتاق من ذاك الغزال إلى الوصل
ألا أيها العذال إن بني الهوى ... رأوا اللوم في حب الحسان من الجهل
ففي معرك الأحداق والمهج انظروا ... ولوموا ولجوا بعد ذلك في العذل
تبارك من حب الجمال وأهله ... ومن خلق الإنسان في أحسن الشكل
إليك أخا الأفضال سارت شقائق ... مداعبة ترويك بالجد والهزل
فكن فاتحا باب الرضا لقبولها ... وأصلح معانيها من القول والفعل
ودمت قرير العين في حفظ ربنا ... ونسمع ما تروي ونكتب ما تملي
فكتب إليه مجيبا:
يا أحمدا حاز المكارم كلها ... ويا فاضلا من دونه كل ذي فضل
ويا ماجدا يسمو على كل ماجد ... ويا من غدا في الفضل ممتنع المثل
ويا نجل مكي الهمام الذي له ... فضائل إن أعددتها فهي كالوبل
على كل حال لست أحصي ثناكما ... ولكن بعض القول يكفي عن الكل
بنفسي أفدي منك لفظا كلؤلؤ ... وشعرا رقيقا صار ذكراه لي نقلي
بعثت بخود يخجل البدر حسنها ... عقيلة أتراب بها صرت ذا شغل
سلافية الألفاظ شمسية السنا ... مدامية الألمى لحالش الشجي تملي
فأفرشتها خدي وأوسدتها يدي ... وصيرتها مني بمنزلة الخل
وبت أعاطيها ثناي معظما ... عليك وجادت عند ذلك بالوصل
وقبلتها ألفا وضعفها ... فحياك رب العرش يا زاكي الأصل

(2/122)


ذكرت بها عهد الصبابة والهوى ... وكنت تناسيت المحبة بالفعل
زهت بك يا قس الفصاحة طيبة ... فدمت قرير العين مجتمع الشمل
وقد زرت عبدا صادقا في وداده ... وشأن الموالي هكذا يا منى السؤل
ولكن على حظي العتاب فإنه ... على جمع شملي بالأحبة ذو بخل
وأعلمتني أن قد شفقت علي من ... مقالة عذال وليسوا ذوي عدل
أبثك حالي يا أخا الود والوفا ... ودهري أشكو وهو مني في حل
رماني زماني بالصبابة والهوى ... وذلك تقدير الذي جل عن مثل
وقد كان ظني الوصل من فاتني الذي ... تحكم في بعضي هواه وفي كلي
فعاملني من غير ذنب بهجره ... فيا سيدي هل يستحق الجفا مثلي
فمن أجل ذا قد ضاق صدري منهم ... ولم أتجرع بعد ذا غصص العذل
على أنني لا أرتضي الذل في الهوى ... وإن كان أولى لي التحمل للذل
ولكن أمرت العبد يصبر للقضا ... فصبرا على أحكام ذي الأعين النجل
ودم راقيا أوج الفضائل باقيا ... وتخدمك العلياء في الجد والهزل
ومما وقفت عليه، معزوا إليه قوله:
إياك والبغي لا ترضى به أبدا ... واترك هوى النفس تنجو من بلا عاد
وكن بنفسك مشغولا تهذبها ... فالنفس أعدى عدو ذات إفساد
ولا تكن بمساوي الناس مشتغلا ... وراقب الناس في خاف وفي بادي
قد قال واصفهم حقا أخو فطن ... ممن يجيد فصيح النطق بالضاد
الناس أحلامهم شتى وإن جبلوا ... على تشابه أرواح وأجساد
للخير والشر أهل وكلوا بهما ... كل له من دواعي نفسه هادي
وقوله:
في طيبة كان لنا صاحب ... تظنه النفس شقيقا لها
منحته صفوة الإخأ ... وخلته يمنح أمثالها
فقابل الود بهجر بلا ... داع له توب فتح اللها
وكم عقود للوفا بيننا ... أطاع شانينا وقد حلها
فقلت يا نفس دعيه فذا ... مثل الذي نقضت غزلها
أحمد بن محمد علي المدرس لقيته بدمشق في خدمة قاضي القدس المولى خليل أجل من ولي القضا، وأعظم من ينقضي الدهر وليس لمدحه انقضا.
وله عنده المنزلة المجلاة بالإنعام، والرتبة المشمولة بالإكرام بين الخاص والعام وكنت أعشق هذا الفاضل على السماع، فصغر الخبر الخبر به عند الاجتماع وطالما اقتطفت من أزاهر بستانه فاكهة جنية، فتناولت الآن من صنعة بنانه تحفا عن الإطراء في مدحها غنية.
وهو كما بلغني قد بلغ مبلغ الرجال، وهو في سن الأطفال، وتميز بين أقرانه بالمزية التي تستدعى لها الاعتناء والاحتفال.
بجد لم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وجهد لم يخل دقيقة ولا جليلة إلا استقصاها.
وقد فرحت به فرحة أنستني كل فرحة، وباعدت بيني وبين كل مساءة وترحة.
ثم اجتمعت به في القاهرة، فأشرقت علي بها فضائله الزاهرة.
وتحققت من وده حالا لم يلحقها انتقال، ولم يشنها اختلال، وتألفا هو الفعل لم يدخله من شوائب النقص اعتلال.
فالله يجعل تلك من الأحوال اللازمة، ويعصم هذا من الحروف الجازمة.
فمما تناولت من شعره قوله:
قربي الراح من حمانا ودوري ... بين غيد بها حسان بدور
قربيها فهي الدواء لما قد ... حل من دائها بجسمي الأسير

(2/123)


قربيها وخل عنك أناسا ... حرموها يا مهجة المسرور
قربيها كالتبر صفراء لونا ... كاسها كاللجين من بلور
منها:
خمرة تترك الشحيح جوادا ... باحتساها كحاتم المشهور
وقوله:
عذهب بما شئت أيها القمر ... إلا الجفاء والصدود يا عمر
من قد حوى الماء في الخدود كذا ... نار بأحشاي حين تستعر
رمت سلوى هواك يا أملي ... من أين للقلب عنك مصطبر
أنت الذي كالسهام لحظك قد ... رمى حشاي وما له وتر
بنت عن الروح يا سراج ضنى ... كأنني يا مليك محتضر
نهى عن الحب عاذلي سفها ... فقلت ذا العذل يا فتى غرر
إن حبيبي كالغصن قامته ... له ثنايا كأنها درر
بدر كمثل المدام ريقته ... والقلب قاس كأنه حجر
يسبى البرايا بنثور طلعته ... وليس للخصر يلتقي أثر
بلبل قلبي دلاله أبدا ... وذاك شرط في العشق معتبر
كلمني طرفه ومقلته ... لذاك أصمى الحشا بها حور
له كعين عين وحاجبه ... نون وفاه ميم سينتظر
نعيم دنياي حسن صورته ... فوصفها صاح ليس ينحصر
يحار كل في وصف خلقته ... وكم لديه محاسن أخر
وقوله ملتزما واوين في أول البيت وآخره:
وواد به قد كان بالصحب جمعنا ... ولكنهم للقلب بالبعد قد كووا
ووقد ناري هجرهم وبعادهم ... وللجسم مني يا خليلي قد شووا
وواحسرة العذال إني أعدهم ... كلابا فمنهم لا أبالي إذا عووا
وورقاء دوح قد أثارت تشوقي ... تقوم بأحشاي وقلبي قد ثووا
ووردية الخدين معسولة اللمى ... وعشاقها للسقم من صدها حووا
ووسناء طرف كالغصون اهتزازها ... أسانيد علم السحر عن طرفها رووا
ووجنتها يحكي دموعي احمرارها ... ورضوى مع الأرداف منها قد استووا
واوات أصداغ لها كعقارب ... وكم لسعت قوما على حبها انطووا
ووالخصر منها ما تبدلت غيرها ... ولم أك من قوم لسلوانها نووا
وودي لها من قبل آدم ثابت ... ولست كأقوام إلى غيرها هووا
وقد اقتفى أثر ابن زقاعة، في قوله:
ووردي خد نرجسي لواحظ ... مشايخ علم السحر عن لحظه رووا
ووضاوات صدغيه حكين عقاربا ... من المسك فوق الجلنار قد الءتووا
ووجنته الحمرا تلوح كجمرة ... عليها قلوب العاشقين قد انكووا
وودي له باق ولست بسامع ... لقول حسود والعواذل قد عووا
ووالله لا أسلو ولو صرت رمة ... وكيف وأحشاي على حبه انطووا
الباب السابع
في غرائب نبهاء مصر
في غرائب نبهاء مصر، لا زالت محروسة عن طوارق كل هم وأصر.
وهي أم الدنيا الولود، وكوكبها السعد الأكبر فلذا قوى بها طالع المولود.
تبرجت تبرج العقيلة دون ساتر، فأوقفت الناظر دون محاسنها وهو باهت حائر.
فإن كان الهرمان نهدين في صدرها، فإن الخليج والعهد به منطقة في خصرها.

(2/124)


كل قطر يشتاقها فهو يتمنى لو صدق فيها الخبر العيان، وكم هواء صار لها رمالا فهو إذا مر خط في رمل الكثبان.
وناهيك ببلدة فضلها الله ورعاها، وأخرج منها ماءها ومرعاها.
وأسعد مطالع أنوائها، فاهتزت وربت مساقط أندائها.
إن بارت تجارة فإليها تجلب، أو عزت نفيسة فمنها تطلب.
فلذا ترغب النفوس في جوارها، وتنفسح الآراء بين أنجادها وأغوارها.
وقد جمعت ما ولد سام وحام، واشتد بها الالتحام والازدحام.
واحتوت الآن على جل أبناء يافث، من كل صنديد في عقد الملمات نافث.
فهي كرسي الأمراء والأعيان، وقرارة السادات الذين يكل عن حصر معاليهم نطاق البيان.
وخزانة كتب العلوم، والآثار المنبثة عن أصالة الحلوم.
إلى الأبنية المحاذية للأفلاك، والمراقي التي كاد أهلها يسمعون تسبيح الأملاك.
وفيها المقاصر والقصور، والمقاعد التي عليها الحسن مقصور.
ومن محاسنها الزاهرة المناهج، البرك التي استوعبت رونق المباهج.
وخصوصا إذا وفاها النيل حقها، ورأيت المناظر حولها وقد أحكمت نسقها.
فهناك تقول: ما أبهجها، ويقول القائل: ماأحقها.
انظر إلى برك في مصر اتسقت ... بها المناظر كالأهداب للبصر
كأنما هي والأبصار ترمقها ... كواكب قد أداروها على القمر
وبالجملة فهي بالنيل تجر على البلاد الذيل والردن، ولها بذلك المزية التي ما نالها مدينة من المدن.
وأحسن محاسنه عشياته المذهبات، التي لم تزل لأحزان القلوب مذهبات.
فمن رآه مال طربا من غير مميل، وعرف سر قوله: ومما يزدهيني ضحك البدر في وجه النيل.
إلى غير ذلك من المعاهد والغيطان، والفرج التي تنسي الغريب الأوطان.
ومن عرف مقادير الأشيا، ونازل الأطلال والأحيا، عرف أن هذه البلدة واحدة بسيط الأرض، وحساب خيراتها الدارة لا ينفد إلى يوم الحساب والعرض.
وقد خرج منها واحد بعد واحد، شهرة فضله كالشمس لا تنكر ولا تجحد.
فكأنه النير الأظهر، أو الجامع الأزهر.
خلدت ذكرهم الدواوين المسطرة، وسرت في محامدهم الأنفاس المعطرة.
فمنهم: شهاب الدين أحمد بن محمد الخفاجي أول من عددت، وأجل من أعددت.
أقول فيه لا مبالغا، ولست لأداء بعض حقه بالغا: لأن تطاول السماء وتفرع، وتشبر البسيطة وتذرع، وتزاحم أفلاك الكواكب بالمناكب، ويتعرض لإحصاء القطرات الهوامل، بالأنامل، ويدرك جوهر الشمس، باللمس، وتعارض زخرة البحر، بالنحر، أسهل من أن تحصى صفاته، أو أن تقرع لفكر صفاته.
وهو الذي سار ذكره في العالم وانتشر، وخرج في إحاطته بالعلوم عن حد البشر.
وناهيك بمن لم يخل زمانا من فائدة، ولا مكانا من عائدة.
وقد طال عمره، وما خمد جمره.
فهو كلما أسن، شحذ مرهف طبعه وسن.
مع سلامة نفسه في كل حالاته، وتوفر أمانيه من أسباب التحصيل وآلاته.
وقد جمع من الكتب ما لا يدخل في ديوان حاسب، مع الاستعداد الذاتي الذي يأبى أن يكون باكتساب كاسب.
فسرد آيات الفضائل وتلاها، وعن اقتناص شوارد الفنون ما تلاها.
وسلمت مباحث فضله عن المعارضة والجدل، وكان الثناء له وحده فإن ذكر غيره فكالرابع المعهود في البدل.
وصنف التصانيف التي تشهد بكل فضل، وحسبك منها عناية القاضي فإنها خير من شاهدي عدل.
وأما الأدب فقد امتزج بلحمه ودمه، وكان به وجوده بعد أن أشرف على عدمه.
فهو بدونه كالجسد بلا روح، واللفظ دون مشروح.
أو كالروض لا يجاد، والعاتق بلا نجاد.
فإذا شمر في البلاغة ساعده، نضا عن ساقه لخدمته ابن ساعدة.
فأما منشآته فلا يتصور عن الإتقان خروجها، وأما أشعاره فقد حرست بالشهب بروجها.
فإن ألم بها مارد فاسترق، أتبعه طارق فاحترق.
وآثاره كما عرفت طويلة الذيل، تعرف مقدارها شواهد الليل.
صقلتها تلك الفكرة المطيعة، وهي وإن كانت كثيرة فصديقة للطبيعة.
فهو في الإنشا فعل الأفاعيل، وأهمل الصادين: إبراهيم، وإسماعيل.
وهما إماما الصناعة، وهماما البراعة واليراعة.
بهما فخر من نطق بالضاد، وبسببهما حسدت الحروف الصاد.
وله كتاب الريحانة الذي ذيلت عليه، واقتبست نور الهدى بتوجه رغبتي إليه.

(2/125)


وما أنا بالنسبة لما أبدعه، ولما جئت به مما كان الأحرى بي أن لا أدعه، إلا كمن جارى الحصان بالأتان، وواجه الغزالة بالذبالة، وقارع الحسام بالعصا، وبارى الدر بالحصا.
ذاك لا يستحسنه الإدراك، حتى تصاد الشهب بالشباك، وتتقدم الفكة على السماك.
ولقد وصف كتابه بما أغناني عن وصفه، وهذه حالي معه إذا أردت التطرية أتيت ببدائع رصفه: فهذه ذخائر من خبايا الزوايا، فيما في الرجال من البقايا تنفس الدهر به عن نفحة عنبرية، وهبت بها أنفاس ندية ندية، تنفس الروض في الأسحار، بأفواه العبير عن ثغور النور والأزهار.
من كل شذرة تهزأ بقلائد العقيان، وكل زهرة لها من السطور أفنان.
وكل فريدة يقر لها بالنفاسة الجميع، وكل منقبة إذا وعى ذكرها السامع وعبق قيل:
أمن ريحانة الداعي السميع
ومما اقتضاني أن أثبته في وصفه، ما قاله البرهان الباعوني الشامي، في حق لسان الدين بن الخطيب والتنويه بقدره السامي، وقد رأى كتابه الريحانة، وهو به أشبه، وما أظن تقاربهما خفي أو اشتبه: صاحب كتاب الريحانة، آية من آيات الله سبحانه.
لوجه أدبه طلاقة، وللسانه ذلاقة، وللقلوب به علاقة، وفي خطه غلاقة.
قلت: وأي غلاقه يعرفها من عرف اصطلاحه بمطالعته، وينفتح له باب فهمها بتكرير مراجعته.
فليتأمل الناظر إليه، والمقبل عليه، ما فيه من الجواهر، والنجوم الزواهر، بل الآيات البواهر.
وليسبح الله تعجبا من قدرته جل وعلا، ومذاهبه التي عذب ماؤها النمير وحلا.
وليقل عند تأمل دره النظيم، " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم " . انتهى.
وله ديوان شعر وقفت عليه بخطه، فأثبته بخطي، ولم يمكني على ما في من الملال التجافي عنه والتخطي.
ويكفيك من شعر لو سمعه النابغة ما نبغ، أو ابن صفوان لم يبلغ من صفاء وقته ما بلغ.
ولو جاراه الجعدي لاعترف بالخرس، أو الأسدي لانصرف عن صفة الفرس.
وأنا الآن قد قصرت النظر على آثاره، من نظامه ونثاره، وحسبي ذلك من منحة الحظ وإيثاره.
فما على من بلغ من التملي بآدابه أربا، أن ينبت جسمه بعد أن يصير ترابا أدبا.
وأسأل الله أن يجعله ممن فاز بالنجاة، ويهيىء له من خزائن فيوضاته رحمته المرتجاة.
وهنا أورد من نثره العالي ما جمع الحسن أجمع، وأتبعه من شعره الغالي بما لم تر أجود منه ولا تسمع.
فمن فصوله القصار، قوله: إن ساعدا زينته بسوار المنائح، يمرى لك ضروع الثناء والمدائح.
ولك وارف ظلال، تقيل فيها الآمال.
بها الألسن تقر، والأعين والقلوب تقر.
كم موقد نار بها احترق، ومحسن سبح اللجج فيها غرق.
قال لي خليع: قبيح مؤاجر، أحسن من مليح خلف الستائر.
شتان بين درهم النقد، ودينار الوعد.
شجاعة الملوك صبر وثبات، وشجاعة الجند إقدام وثبات.
الكيس يفتح الكيس.
في إغماض العين وإغماد اللسان عقاب العقلا، وبلسان السوط والسيف عقاب السفها.
لكل قلب هوى، كما أن لكل داء دوا.
فما اعتلال نسيم الصبا، إلا الحب زهور الربى.
إذا خلت قلوب الأكياس، خلت من السرور قلوب الأكياس.
لو هم الفلك الدوار برفعة ماجد في الأبد، ما قدم الثور في منازله على الأسد.
من باع الجزع بالاصطبار، فله على الزمن الخيار.
ما سمي الزمن زمنا؛ إلا لأنه يقول لك اقعد.
هدايا الأنام تجارة، وقبولها منهم خسارة.
المعروف والصنيعة، عند الحر وديعة.
ربما كان أمر من الدا، روائح العقاقير وشرب الدوا، وطول جلوس العواد الثقلا.
قوم بلا روح في الصور والملابس، كالصور المنقوشة في الكنائس.
قد يحتجب الحر لقلة اليسار، كما احتجب البدر عند السرار.
إذا كان أعدى عدوك بين جنبيك، فصبرك عليه إحدى شجاعتيك.
اللبيب أدبه، فضته وذهبه.
إذا كانت الأراجيف ملاقيح الفتن، فانطلاق الألسن نتاج المحن.
لو كان هذا الوجود أصلا ما ولد العدم، ومن يشابه أبه فما ظلم.
الحر لا يجازي كل من أسا، والأسد لا يفترس النسا.
الدنيا بإقبالها، والدولة بأقيالها.
ما كل وقت يسعف بما تحب، فإذا أردت لبون فاحتلب.
بين القواد والرقباء لاح بعض إحسان، فعرفت أن الشمس تطلع بين قرني الشيطان.
من أبطأ رجاؤه، أسرع عناؤه.
ومن الخلف داؤه، فالترك دواؤه.

(2/126)


وكتب مقرظا على كتاب مدين القوصوني في الطب، الذي سماه قاموس الأطباء: ما طرزت حلل الثنا، ورنقت رياض البراعة بثمرات غضة الجنا، إلا لتكون لباسا لأبكار المحامد، ومرعا لأفكار شاكر وحامد.
فالحمد لمولى الحمد على ما أنعم من اللغات والبيان، وأحسن تبلقينها لأطفال الأرواح في مكاتب الأبدان.
وألهمها استخراج در المعاني من أصداف الحروف، لتنظم منها في الصدور، وتعلق في الآذان أبهى عقود وشنوف.
وأزكى صلاة وسلام على أفصح من نطق بالضاد، فروى من عين فصاحته كل صاد.
وشفى بطلب هدايته مريض كل قلب، وهدى بمفردات حكمته كل ذي جهل مركب.
وعلى آله وأصحابه مدائن العلم والحكم، ورؤساء أطباء الأبدان والأديان من سائر الأمم.
لاسيما الأربعة الذين ترياقهم العتيق، وفاروقهم حافظ صحة مزاج الدين بكل ماضي الشفرتين رقيق.
ما دامت الدنيا دار الشفا، وصح مزاج الدهر من الأمراض واشتفى.
هذا، وإن أخي شقيق الروح وقرة العين، وصفوة الحياة ومن كفاية محبته علي فرض عين، لما أتحفني في قدومي للقاهرة بكتابه قاموس الأطباء وجدته الدرة الفاخرة، والروضة التي تفتحت فيها عيون أنواره الزاهية الزاهرة.
ظنا منه أني شعيب مدينته، وما أنا إلا سلمان بيته، بل اشعب موائد كرمه ومنته.
فإذا هو برد محبر، وروض وعقد كله جوهر.
وكتاب جميعه مفردات، ولغة لو رآها الجوهري قال: هيهات العقيق هيهات.
أو الخليل بعينه، فداه بعينه.
أو جار الله لقال هذا هو الفائق، أو ابن البيطار ود لو طابقه مطابقة النعل بالنعل لما فيه من الدقائق.
أو صاحب القاموس لقال: هذا المجد، الذي ارتضع در العربية ما بين تهامة ونجد.
فلله در مصنفه فقد أرانا في الرجال بقايا، وفي الزوايا خبايا.
وأنار فكره ظلمة الجهل وقد وقد، وروى ظمآن الفكر فيما ورد ورد، وحقق ما قيل: من دق الباب ولج ومن جد وجد.
وقد قلت فيه ارتجالا:
دهر يجود بمثله ... أنعم به دهرا وفي
روى بكأس علومه ... وختامه مسك وفي
وكتب إلى بعض إخوانه وقد توعك:
كفاك الله ما تخشى وغطى ... عليك بظل نعمته الظليل
أعز الله أنصار فياض الكرم والحسب، وحمى بعزته معالم العلوم والأدب.
وأبقاه محروسا من هجوم الخطوب، محفوظا بسور منيع من إحاطة القلوب.
وأصوات حرس الدعاء مرفوعة، وسدته بحجاب الصنائع ممنوعة.
والدهر وإن كان ذا غير، ومن تفكر اعتبر، فكيف يتسلط عليه بآلامه، وهو لا يتسلط على آيادي إكرامه.
فإن هم به ونعمته متتابعة عليه، صدق قولهم: اتق شر من أحسنت إليه.
أتهدي له الأيام سقما وإنما ... مساعيه في أعناقهن قلائد
على أنه إن اعتل فقد اعتل المجد والكمال، وإن مرض فقد مرضت الأماني والآمال، بل القلوب والأرواح، فإذا دعونا له دعونا لأنفسنا بالصلاح.
ورب مريض لا يعاد، وإن كان لا يحرم الأجر مريض الفؤاد.
ولا أقول كما قيل:
يا ليت علته بي غير أن له ... أجر العليل وأني غير مأجور
ولا كما قيل:
وفيناك لو نعطى الهوى فيك والمنى ... لكانت بك الشكوى وكان لك الأجر
وقد سمعت بفصده للباسليق، وأنه قد بكى دما عرقه العريق.
فهاك اعتلالك يبكي دما ... وتضحك في جسمك العافيه
وكان قيل: عرق الصحة له في كل منبت شعرة عين باكية، تبكي بمدامع العرق على فراق العافية.
وإن ببكاء عرق الصحة أضحك الله ثغور مسرته، كما ضحكت تباشير الهنا بصحته.
وهنأ الله الوجود، بسلامة الكرم والجود.
فلا زال كوكب سعده طالعا في سماء الإقبال، فإن لكل زمان غرة وهلال.
ومن فصل له كتبه لبعض المغاربة يداعبه، وكان يقول بالظباء: مذهب مولاي تقديم الذكور على الإناث، وتطليق حور الجنان بالثلاث؛ لأن الرجل خير من المرأة بالاتفاق، فلذا تخلف عن الخلاق، وتقدم حيث الشقاق.
كما قلت له أولا:
أديب مال عن حب الغواني ... وبالأحداث أصبح ذا اكتراث
وقال اختار ذا أهل المعاني ... فغلبت الذكور على الإناث

(2/127)


وما سواه على خلاف القياس، ولا يخلو مثله عن لبس والتباس.
ومما خالف أهل المعاني، قول الأديب الأصفهاني:
وأيران تحت لحاف خطر
والتغليب باب واسع الموارد فلينظر الأديب في موارده، وليتسع في مصائده وأوابده.
وكتب إليه الأديب يوسف المغربي، سؤالا أدبيا، وهو: أيها الأخ الشفيق الشقيق، والرفيق الرقيق.
والإمام الهمام، الهادي لسائله الأفهام، إذا اختلت في مهامه الأوهام.
إنني أشكل علي قول أبي منصور الثعالبي، في اليتيمة: اتفق لي في أيام الصبا معنى بديع، حسبت أني لم أسبق إليه، وهو:
قلبي وجدا مشتعل ... وبالهموم مشتغل
وقد كستني في الهوى ... ملبس الصب الغزل
إنسانة فتانة ... بدر الدجى منها خجل
إذا زنت عيني بها ... فبالدموع تغتسل
هل استعارته لنظر الحبيب الزنا، مما يعد في الأدب معنى حسنا، أو هو مما تجاوز الحد، فاستحق بالزنا الحد؟ فكتبت إليه مجيبا: أيها الأخ، قرة العين، وبدر هالة المجلس الذي هو لها زين.
إنه من المعاني القبيحة، المورثة للفضيحة.
وقد سبقه إليه ابن هندو في قوله:
يقولون لي ما بال عينك مذ رأت ... محاسن هذا الظبي أدمعها هطل
فقلت زنت عيني بطلعة وجهه ... فكان لها من صوب أدمعها غسل
وهو معنى قبيح، واستعارة بشعة، ألا يرى ما قيل في الذم:
أيها المنكح بالعي ... ن جواري الأصدقاء
وقول صر در، في قصيدته المشهورة وإن كان معنى آخر:
يا عين مثل قذاك رؤية معشر ... عار على دنياهم والدين
نجس العيون فمذ رأتهم مقلتي ... طهرتها فنزحت ماء عيوني
وكيف يتأتى لهؤلاء ما قالوه، بعد قول يزيد بن معاوية في شعره المشهور:
وكيف ترى ليلى بعين ترى بها ... سواها وما طهرتها بالمدامع
أجلك يا ليلى عن العين إنما ... أراك بقلب خاشع لك خاضع
ومنه أخذ العفيف التلمساني قوله:
قالوا أتبكي من بقلبك داره ... جهل العواذل داره بجميعي
لم أبكه لكن لرؤية وجهه ... طهرت أجفاني بفيض دموعي
وقال ابن رشيق، في كتابه البدائع: قال أبو علي الفارسي: ليس العجب من توارد الثعالبي مع ابن هندو، وإنما العجب من قوله: لم أقدر أني سبقت إليه، وأبو الطيب يقول في الحمى:
إذا ما فارقتني غسلتني ... كأنا عاكفان على حرام
وهل هذا إلا ذاك بعينه، وأبو الطيب أحسن لفظا، وأصح معنى؛ لذكره ذكرا وأنثى يقع الزنا بينهما، خلاف ما ذكراه.
وفي نقله تقرير تركناه، خوف الملل والسآمة.
وهذا ما سنح للخاطر، والسلام.
قلت: ومن النقد على الثعالبي في هذه الأبيات أيضا قوله: إنسانة؛ فإنها عامية مولدة، وإن أورده صاحب القاموس وتشكك فيه، والإنسان يقال للذكر والأنثى، كذا قاله الشهاب في حاشية التفسير.
وأما رجلة فقد ورد في شعر العرب، قال الشاعر:
كل جار ظل مغتبطا ... غير جيراني بني جبله
خرقوا جيب فتاتهم ... لم يبالوا حرمة الرجله
كذا في الكامل.
وكتب إلى هذا المغربي يستدعيه:
ولما نزلنا منزلا طله الندى ... أنيقا وبستانا من النور حاليا
أجد لنا طيب المكان وحسنه ... منى فتمنينا فكنت الأمانيا
فيا غاية الأماني، وسلوة الحزين العاني.
قد دعانا الربيع بلسان النسيم، وصاحت القماري هلموا إلى النعيم المقيم.
وعيون الأزهار شاخصة إلى الطريق، وقلوب الأغصان واقفة لانتظار الرفيق الرقيق.
فبالله عليك إلا جعلت يومنا بك عيدا، وجددت لنا وللجديدين بك سرورا جديدا.
وكتب على قول الشاعر، في وصف حمام:

(2/128)


لله يوم بحمام نعمت به ... والماء من حوضه ما بيننا جار
كأنه فوق مسقاة الرخام ضحى ... ماء يسيل على أثواب قصار
بأن قائله عيب فيه، حتى قال بعضهم :
وشاعر أوقد الطبع الذكي له ... فكاد يحرقه من فرط لألاء
أقام يعمل أياما رويته ... وشبه الماء بعد الجهد بالماء
ثم قال: وقد يوجه بأن هذا الشاعر شبه الرخام في الحمام بشقة قصار بيضاء، جرى عليها الماء، ولم يرد تشبيه الماء، ولكن ما ذكر في الطرفين جاء باردا، فأشار الشاعر إلى برودته بما ذكر.
قلت: وقوله: شبه الماء إلخ قد تلاعبت به الشعراء، وتظرفوا فيه، ونقلوه إلى معان لطيفة، فمنهم الشهاب الحجازي، حيث قال:
أقول شبه لنا جيد الرشا ترفا ... يا معمل الفكر في نظم وإنشاء
فظل يعمل أياما قريحته ... وشبه الماء بعد الجهد بالماء
ومنهم الصلاح الصفدي، حيث قال:
أقول شبه لنا كأسا إذا مزج الس ... اقي طلاها اهتدى في ليله الساري
فظل يجهد أياما قريحته ... وشبه النار بعد الجهد بالنار
وله:
أتى الحبيب بوجه جل خالقه ... لما براه بلطف فتنة الرائي
فلاح شخص عذولي فوق وجنته ... فقلت شبهه لي في فرط لألاء
فظل يجهد أياما قريحته ... وفسر الماء بعد الجهد بالماء
ومن نوادره ما ذكره في آخر كتابه الخبايا، قال: واتفق في عهدنا، أن قاضيا في بلاد الروم أخطأ في ثبوت شهر رمضان والعيد، خطأ ما مثله من مثله ببعيد.
فضج الناس واستغاثوا من حياته بمماته، ولم يسترح أحد في ذلك الوقت غير الملائكة الكاتبين لحسناته.
إذ كسر طوق الهلال من جيد الدهر، ونقص من شهر ما زاد في شهر.
وسرق العيد، واختلس برده الجديد.
كأن العيد أموال اليتامى
فقتل جبين الهلال من غير غرة، وسلخ ذلك الشهر سلخا بلعن من غره.
فلما اسودت الشمس كمدا بالكسوف، وتوارى القمر خلف مجنها خوف الحتوف، قال العيد: الله أكبر، على من طغى وتجبر.
وجاء شوال باكيا، ورفع رقعة للمليك شاكيا:
قصتي قد أتت إماما هماما ... تشتكي الظلم حين صرت مضاما
رقعة في يد المليك طواها ... ليراها المليك في العز داما
أنا شوالك الفقير الذي قد ... خص بالعيد والصلاة دواما
بعد شهر الصيام قد زرت قوما ... جائعا أبتغي بهم إكراما
ولي العيد حلة وهلالي ... لي طوق من فوق جيد تسامى
رمضان اعتدى علي وأمسى ... غاضبا ذاك لا يخاف ملاما
أختشي ذبحة بنصل هلال ... ثم سلخا له وتركي المقاما
لا تضيع حقي بشاهد زور ... هو أعمى بصيرة أو تعامى
جبهة الشاهد اكوها فهو وسم ... لكذوب عن زوره ما تحامى
إن كي الخسوف للشمس ظلم ... وكذا الدهر لم يزل ظلاما
وكتب لرئيس كان يمزح باليد: سيدي إن كان فيه دعابة؛ فراية مجده لم تر إلا في يمين عرابة.
وإن فرط منه للمحافظة باللطام، فلطمه لطمة ابن جدعان ويفتقر لطم كف يفيض بالإحسان والإنعام.
ابن جدعان، هو عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، سيد قريش في الجاهلية، وفي داره حلف الفضول المشهور في السير.
وكان قد أسرف في جوده لما كبر فأخذت بنو تيم على يده، ومنعوه أن يعطي من ماله شيئا، فكان يقول لمن أتاه: ادن مني. فإذا دنا منه لطمه، ثم يقول: اذهب فاطلب القصاص مني أو يرضيك رهطي.

(2/129)


فترضيه بنو تيم بما يريد، وفي ذلك يقول عبد الله بن قيس الرقيات:
والذي إن أشار نحوك لطما ... تبع اللطم نائل وعطاء
ونحو هذا ما يحكى عن بعض الأسخياء من الأمراء، أنه أفرط في الجود، فحجر عليه أهله، ومنعوه من أن يعطى شيئا، فأنفذ إليه بعض الشعراء قصيدة، فكتب إليه أن اذهب إلى القاضي، وادع علي بعشرين ألف درهم من جهة قرض، فأعترف لك، فإذا حبست وصلتك الدراهم من أهلي، فإنهم لا يدعوني أنام في الحبس.
ففعل ذلك، وأخذ الدراهم منهم.
ومن شعره المنتخب من ديوانه قوله من مقصورته النبوية، التي مطلعها:
أيا شقيق الروض حياه الحيا ... فاحمر ورد خده من الحيا
لأنت ترب الغصن نشوان إذا ... أدارت السحب له خمر الندى
وامتلأت كاس الشقيق سحرة ... فاحمر من خجلته خد الطلا
منها ف الغزل:
شفاء وجدي لثم خال خده ... والحبة السوداء للداء شفا
يتركني ترك الظليم ظلمه ... وهذه شيمة آرام الفلا
تعلمت منه الليالي غدرها ... فأنجزت باليأس ميعاد الرجا
ومن وصف السحاب في الروض:
غمائم لعس الشفاه ابتسمت ... عن ثغر بارق إذا الثغر بكا
تفك من محل وجدب أسره ... وتنثر الدر على هام الربى
يسوقها الرعد بصوت مذهب ... من برقه وهي بطيات الخطا
ومن وصف المهمه:
لا يلج الطيف إليه فرقا ... وفيه ليست تهتدي كدر القطا
بالترس تسري الشمس فوق أفقه ... والصبح يلقاه بعضب منتضى
ومن وصف المجرة:
مجرة في شفق كأنها ... والزهر فيها ذات منظر زها
نهر به كف الشمال نثرت ... وردا ونسرينا جنيا قطفا
منها:
على أغر أدهم قد طلعت ... من وجهه في ظلمة الليل ذكا
غرته من تحت هدب شعره ... طرة صبح تحت أذيال الدجا
من قول ابن نباتة في الغزل:
قلت وقد أبدى جبينا واضحا ... وفوقه ليل دلال قد دجا
أفدي الذي جبينه وشعره ... طرة صبح تحت أذيال الدجى
أدهم قيد كل وحش شارد ... قبله الليل فكله لمى
معنى متداول، قال المتنبي:
نيل المنى وحكم نفس المرسل
وعقلة الظبي وحتف المثقل
كأنه من علمه بالمقتل
علمه بقراطث فصد الأكحل
وقد ألم المتنبي فيه بقول الطائي:
كواعب أتراب لغيداء أصبحت ... وليس لها في الحسن شكل ولا ترب
لها منطق قيد النواظر لم يزل ... يروح ويغدو في خفارته الحب
وأول من استأثر هذا المعنى امرؤا القيس في قوله:
وقد أغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل
منها:
نجائب قد طفقت أخفافها ... في الرمل تبدي لي ضمائر الثرى
منها في المديح:
قد ستر الجمال حسن وجهه ... صونا لأبكار العقول والنهى
من قول الرستمي:
بدور زهتهن المحاسن أن يرى ... لهن نقاب فالوجوه سوافر
والرستمي أخذه من قول عمر بن أبي ربيعة:
ولما تنازعنا الحديث وأسفرت ... وجوه زهاها الحسن أن تتقنعا
وهذا أحد التواجيه لبيت المعري:
ويا أسيرة حجليها أرى سفها ... حمل الحلي بمن أعيى على النظر

(2/130)


فوقف الحسن عليه حائرا ... متيما ولهان في ذاك البها
تهوى الصبا شمائل اللطف به ... فلا تداوي سقمها أيدي الأسا
إلا إذا ما لمست ضريحه ... فكم سقام من ترابه اشتفى
سرى إلى السبع الطباق جسمه ... في صحبة الروح الأمين ورقى
إن قطع الأفلاك سرعة فلا ... بعد فإن ذاته شمس الضحى
حوافر البراق من آثارها ... قد ظهرت فيه أهلة السما
يغني عن المدح رفيع قدره ... فيمدح المدح به وما درى
كل لباس للمديح قاصر ... عنه يحل رحله دون المدى
سال لعاب الشمس مما تشتهي ... لذيذ هاتيك المعاني إذ حلا
وقد استعمل ابن سناء الملك هذا، في قوله يهجو الشمس:
أنت عجوز لم تبهرجت لي ... وقد بدا منك لعاب يسيل
فصاحة ما الشعر منها بالغ ... ببحره قطرة وصف ذي صفا
لذلك قد قطعه الناس وقد ... دارت به دوائر القوم الألى
وما أحسن قوله في وصف المقصورة:
بين يديها ابن دريد حاجب ... وألفات شعره مثل العصا
ذيل الدجى بعرفها ممسك ... مضمخ خلوقها برد الضحى
ومن همزيته النبوية، التي أولها:
ما سليمى ما هند ما أسماء ... أنت معنى وكلها أسماء
وهو حزبي وورد كل لسان ... ولكم أخصبت به الشهباء
ذاك حزب البحر الذي لا يلاقي ... من يدم ذكره عنا وبلاء
منها:
وجدوه درا يتيما تربى ... لم يدنسه عنصر وهباء
الهباء: الأجزاء التي تؤلف منها العناصر، كما في الفتوحات.
ذاك كيلا يكون من عليه ... لأصول له إليها اعتزاء
في حديث الراهب بحيرى، لما سأل أبا طالب: ما هذا منك؟ قال: ابني.
قال: هذا لا ينبغي أن يكون أبوه حيا.
فيه إشارة إلى أن اليتم كمال في حقه، وقد بين بأن الحكمة فيه أن لا يجب عليه طاعة لغير الله، ولا يكون عليه ولاية ولا منة لغيره، ولا يتوجه عليه حق لمخلوق، ولا نسب لقطيعة ولا عقوق.
كذا في شرح تائية السبكي، لابن الهيتمي.
منها:
خلق للصبا شقيق فمنها ... نصره والعدى لها النكباء
مذ أظل الزمان منه وجود ... حسدته الأزمان والآناء
وعليه إذا غار من عين شمس ... ظللته سحابة وطفاء
وبه زهرة الحياة ربيع ... مذ أظلت مولوده الخضراء
وغدت أرضه سماء بفخر ... فهي خضراء ثم لا غبراء
وله الأرض مسجد فجميع ... من عليها له به الاقتداء
وسطور الصلاة حجة دين ... وبختم النبوة الإمضاء
وبه شرفت فكانت طهورا ... وتساوى البلدان والصحراء
منها:
وله الضب ناطق باعتراف ... ومن السعد تنطق العجماء
مع ذأ سفه النفاق أناسا ... ما لضب من حقدهم نافقاء
ليس فيهم سوى أعنة خيل ... وقنا الخط في الوغى سفهاء
ومراض القلوب قد قصدتهم ... سمره حين حمت الهيجاء
ما سقاهم إلا كئوس المنايا ... رب داء له الممات دواء
هم ثفال إذا رحى الحرب دارت ... وبناديهم هم الأرجاء

(2/131)


تغمد البيض في طلاهم بفتك ... مضر لقبت به الحمراء
هذا من الأسرار العجيبة في اللغة العربية، وهو الإشارة إلى حال اللفظ أو جهة وصفه، كقول ابن الرومي:
غارت عليهن الثدي ... هناك من مس الغلائل
وإذا لبسن خلاخلا ... كذبن أسماء الخلاخل
وقال الشريف الرضي:
وغير ألوان القنا طول طعنهمفبالحمر تدعى اليوم لا بالقنا السمر
وقال:
سميت الغبراء في عهدهم ... حمراء من طول قطار الدم
وقال الغزي:
حيث القناة ترى قناة كاسمها ... من نضح عين الطعنة الرشاش
وقال ابن حازم:
جعلوا القنا أقلامهم وطروسهم ... مهج العدى ومدادهن دماءها
وأظن أن الأقدمين لذا رأوا ... أن يجعلوا خطية أسماءها
وقال المتنبي في الدنيا:
شيم الغانيات فيها فما أدري ... لذا أنث اسمها الناس أو لا
وقال الشاب الظريف:
أدور لتقبيل الثنايا ولم أزل ... أجود بنفسي للندامى وأنفاسي
وأكسوا أكف الشهب ثوبا مذهبا ... فمن أجل هذا لقبوني بالكاس
وقال الخفاجي:
ما السر سر إذا أظهرته لفتى ... سواك والسر للإخفاء قد صنعا
منها تتمة:
قد محاهم وطهر الأرض منها ... ومع السيل لا يقر الغثاء
وبطون الطير أمست قبورا ... للعدى إذ تمزق الأشلاء
ما سمعنا بالقبر سار اشتياقا ... ليواري سوآت من قد أساءوا
رب من كان زئبقا فرارا ... صار عبدا لرقه استعساء
لم يقل والظلال صارت مهادا ... فوقه الآل بردة سيراء
منها:
هو نور فما له قط ظل ... لاح لولا بروده والرداء
إن نفى ظلمة عياء جمال ... فبظل له يعز البقاء
صين عن أن يجر في الترب ذيل ... من ظلال له كما الأفياء
فرش الناس ظلهم واحتذوه ... عندما قام للنهار استواء
كيف يبدو ظل لشمس تعالت ... واستوى الإستواء والإرتقاء
أتراه يصان عن حر جو ... إذ أظلته سحبه والعماء
أم عليه تغار من عين شمس ... مد من دونها عليه الغطاء
لم تر العين مثله فلهذا ... ينمحي ظله إذا الناس فاءوا
لبس الظل من نواه حدادا ... فظلال الورى لذا سوداء
من هذا يعلم قدرته على الكلام وتصرفه، وبالجملة فلم أر أحدا مثله أطاعته ألفاظ الكلام وأحرفه.
وقد استعمل الظل في معنى غير ما نظمه هنا من رباعية له:
ما جر لظل أحمد أذيال ... في الأرض كرامة كما قد قالوا
هذا عجب ويا له من عجب ... والناس بظله جميعا قالوا
ليلة أنجبت وقد حملته ... وبهذا ما أنجبت سوداء
جنة كل بقعة حل فيها ... ليس فيها لغو ولا شحناء
وأهالي الجنان ليس ينامو ... ن لذا كان نومه الإغفاء
يقظ القلب فالجفون هجود ... ومحاريب حاجبيه قباء
فوه لم ينفتح بغير سداد ... لا تمط له ولا ثوباء
الثوباء: التثاؤب.
قال ابن حجر في شرح الهمزية: جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم حفظ من التثاؤب، بل جاء أن كل نبي كذلك.

(2/132)


وذكر المترجم، في شرحه على الشفاء، عند قوله: ومن دلائل نبوته أن الذباب كان لا يقع على ما ظهر من جسده الشريف، ولا يقع على ثيابه، ما ملخصه: وهذا مما قاله ابن سبع أيضا، إلا أنهم قالوا: لا يعلم من روى هذا.
وهذا مما أكرمه الله تعالى به؛ لأنه طهره من جميع الأقذار.
وقد نظم هذا في رباعية، وهي:
من أكرم مرسل عظيم جلا ... لم تدن ذبابة إذا ما حلا
هذا عجب ولم يذق ذو نظر ... في الموجودات من حلاه أحلى
قال: وتظرف بعض الأعاجم ومراده به الملا جامي فقال: محمد رسول الله ليس فيه حرف منقوط؛ لأن النقط يشبه الذباب، فصين اسمه ونعته عن النقط.
ونظمه فقال:
لقد ذب الذباب فليس يعلو ... رسول الله محمودا محمد
ونقط الحرف يشبهه بشكل ... لذاك الخط عنه قد تجرد
صمموا آراءهم على الفتك فيه ... فتوارت لخوفه الآراء
ورأوا نفيه لحي سواهم ... ولكم أثبت المراء انتفاء
لم يصب نصبهم مكائد شر ... وتساوى التحذير والإغراء
نبح كلب بليلة التم بدرا ... لم يفده إلا العنا والعواء
منها:
ولغيظ على سراقة عضت ... سوق نهد من تحته الدهناء
وعلى أم معبد نال حتى ... بعلاها تحدث الأحياء
ورفيع العماد أصبح لما ... أن حوى قدره الرفيع الجفاء
وبيمن منه له الشاة درت ... وهي لله درها عجفاء
وطعام لجابر إذ أتاه ... وبخفض الإضافة النعماء
كطعام الجنان من غير قطع ... لجميع الأنام فيه اكتفاء
وله في وصف تلك الذات، التي وصفها أشهى اللذات، من قصيدة طويلة:
تملك حبات القلوب لأجل ذا ... دعاه حبيبا كل صب متيم
ويوسف لم يظفر بمسحة حسنه ... على أنه رب الجمال المكرم
يقال: عليه مسحة من كذا، أي أثر. قال:
على وجه مي مسحة من ملاحة
وفي الحديث: " عليه مسحة من ملك " ، وهي تعبير بليغ، وهو خاص بالمدح.
فأين النساء القاطعات أكفها ... وشق ابن مزن صدره شق مغرم
ودر يتيم لم يهذبه كافل ... وآدابه ليست إلى الناس تنتمي
يقول أنا الأمي في اللوح ناظر ... وفي مكتب الأرواح ربي معلمي
منها:
إذا لاح في موضونة السرد خلته ... خضما تردى بالغدير المنسم
أأعداءه خشب مسندة ولم ... تحن حنين الجذع حين التألم
أم الصخر إن الصخر سلم إذ بدا ... وما سلمت تسليم أخرس أعجم
منها:
فسل يوم بدر حين لاحت نجومه ... وشمس بغير النقع لم تتثلم
بكل كمي كان في بطن أمه ... تعلم أن يغذى ويروى من الدم
لم أسمع في هذا المعنى أبدع من قول أبي بكر الإشبيلي المعروف بالأبيض، في تهنئة بمولود:
أصاخت الخيل آذانا لصرخته ... واهتز كل هزبر عندما عطسا
تعشق الدرع مذ شدت لفائفه ... وأبغض المهد لما أبصر الفرسا
تعلم الركض أيام المخاض به ... فما امتطى الخيل إلا وهو قد فرسا
وله من أخرى مستهلها:
يا ليتني ثان لحاد حداك ... ورابع الكهف لكهف حواك

(2/133)


وليت نوء الطرف في روضة ... أنت بها رغما لنوء السماك
أسقي بها مثواك يا منيتي ... هل تسكب العبرات إلا هناك
يا ابن الذبيحين وقد فديا ... ليت جميع الخلق كانوا فداك
فما استحق العنبر الرطب أن ... يحرق إلا حين حاكى ثراك
ليت وجوها لأعاديك لو ... أمست نعالا حاجباها شرضاك
لم تحكك السحب ولا البحر في ... جود ولا فاز بما في لهاك
فالبرق لم يلمع ولكنه ... يضحك من وابل غيث حكاك
وله:
أيغلب من له الأملاك جند ... ورب العرش قد أمسى معينا
وقبل جيوشه هزمت قلوب ... برعب خلته سبق المنونا
ولو ثبتوا لفر الهام منهم ... وأرواح لهم كانت كمينا
وله:
لرسول الإله أعلى مقام ... ليس يدري به جميع الكلام
وله همة وعزم رفيع ... جل عن أن يرتضى بملك الحطام
فلذا لم يكن له ميراث ... غير شرع وغير علم سامي
لو تكون الدنيا له ميراثا ... مثل ما كان في جميع الأنام
ما حواها الصديق في عصبات ... وذوي الفرض من ألي الأرحام
وهو حي في قبره ورسول ... لم يورث حيا ذوو الأحلام
فدك قد قضت علينا بهذا ... وحديث العباس والأعلام
فادر هذا فإنه جوهر قد ... حفظته خزائن الأفهام
لا يغرنك الذي قال قوم ... حين ضلوا في مهمه الأوهام
ومن أخرى:
فالجذع حن وأن من جزع ... لفراق طه بعدما خطبا
وغدا غراسا في الجنان له ... ثمر يطيب بمنهل عذبا
والمشركون قست قلوبهم ... فطغوا ولم يصغوا لخير نبا
فغدوا وهم خشب مسندة ... ستراهم لجهنم حطبا
وله:
لوالدي طه مقام علا ... في جنة الخلد ودار الثواب
وقطرة من فضلات له ... في الجوف تنجي من أليم العقاب
فكيف أرحام له قد غدت ... حاملة تصلى بنار العذاب
وله:
رواة حديث المصطفى قد دعا لهم ... بنضرة وجه في المسرة لا تحد
وإني قدما خادم لحديثه ... يراعي بمحراب الطروس له سجد
فحاشاه أن يرضى بذلة عبده ... ويهدم بنيانا عليه قد اعتمد
إليه استنادي في جميع مقاصدي ... وما خاب من كان الرسول له سند
وله في قصة عامر مع النبي صلى الله عليه وسلم وأربد:
يا خلب البرق الذي ... كالنصل قد قطع العلائق
وافيت أربد بالردى ... لله درك أي بارق
ما ذاك أول شائم ... للبرق أردته الصواعق
وله:
بمس أقدام النبي قد حوت ... طيبة فخرا حل في أرجائها
أخالها مذ فنيت بحبه ... صانته للغيرة في أحشائها
وله مضمنا:
وقالوا حلت بئر بريق محمد ... وكم عاد صخر بعد ما مسه رطبا
ولو نال ماء البحر من فيه قطرة ... لأصبح ماء البحر من ريقه عذبا
لمجنون ليلى:

(2/134)


ولو تفلت في البحر والبحر مالح ... لأصبح ماء البحر من ريقها عذبا
وله:
ما زلزلة لها سقوط الإيوان ... إذ حان قدوم فخر نوع الإنسان
إلا لمسرة تهز الأكوان ... إذ بشرها به اختلاج الأعيان
وله:
طه كملت صفاته والخلق ... مذ زين في الوجود له النسق
بحر عذبت موارد الشرب به ... لولاه لما استخرج منه العلق
وله:
نيران فارس انطفت لما بدت ... بشرى النبوة ساطعا برهانها
سجدت لنيران المجوس عصابة ... سجدت لأنوار الهدى نيرانها
وله:
لعمرك جبهة خير الورى ... جراحتها آية للبشر
أرانا لها الله حتى نرى ... بها كيف كان انشقاق القمر
وله:
قصرت مدائحي والقصر مني ... على طه وما للقصر مد
إذا كان الثناء له جميلا ... هو الحمد الذي في العرف حدوا
ولم ير منه أجمل طرف عين ... فليس بلائق لسواه حمد
وله:
خليلي مرا بي على طيبة التي ... بها مضجع المختار طه المقرب
يفوق ذكي المسك عرف ترابها ... فمن شمسه نادأك صل على النبي
ألم تر أني كلما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيب
وله:
لعمرك ما قلب النبي غفا ولا ... عيون له في ظلمة الليل راقده
تهجدت الأجفان في ظلمة الدجى ... فبانت بمحراب الحواجب ساجده
وله في وصف الصحابة مضمنا:
يكبرون إذا خاضوا بحور ردى ... وما لهم عن حياض الموت تهليل
حياض: جمع حوض، وحياض الموت: المنية، استعارة منه، والتهليل: الانهزام والتكذيب، قال:
أمضى وأعنى في اللقاء لقيته ... وأقل تهليلا إذا ما أحجما
ومن لطائف المتأخرين:
هلم لوصل حمام بديع ... يفوق رخامه زهر الرياض
لبعدك ماؤه ما طاب قلبا ... وأمسى من فراقك في الحياض
ومن تفاريق قصائده قوله:
على النهر درع من نسيم حبابه ... له حلق لما رمى وبله نبلا
تكل سيوف الهند في لحظ منيتي ... فتعذب والتعذيب في السيف إن كلا
منها:
إذا طالبتني بالحتوف عزائمي ... أماطلها حتى ألاقي لها أهلا
فيقضي اصطباري كل دين على المنى ... قضاء ملي لم يكن يعرف المطلا
وإن صرت حلس الدار رزقي يزورني ... فأصطاد ما تهوى الأماني من المقلا
وقوله من قصيدة أولها:
بت أرعى النجوم والإلف راقد ... هل سمير الشهاب غير الفراقد
منها:
كل زرع زرعته في شبابي ... فله منجل انحنائي حاصد
أنا في الأرض ضارب كل كسب ... مثل ضرب لواحد في واحد
منها:
وبجيد الأيام عند تصاب ... ليس غير الكؤوس فيها فرائد
وقوله:
وسفر منى جازت بعزمي ومالها ... قناطر إلا العيس في أبحر الآل
عبرت بها دارا محيلا رسومه ... ألح عليه كل أسحم هطال
إلى كعبة أمست تزار ولم تزر ... يطوف رجائي حولها منذ أحوال
أقول لها لما تبدى لناظري ... تميس علاه لي ملابس إجلال

(2/135)


أتيتك من كل الوسائل محرما ... وألبست وجه الأرض سابغ أذيال
وقوله:
وخدن يروق الطرف وضاح وجهه ... وقد ترجمت باليمن عنه قوابله
إذا غص بالسؤال ناد يحله ... يسوغ بماء الجود يصفو مسائله
وإن نحلت أقلامه لاشتياقها ... إليه حنت منه عليها أنامله
ويزهر وجه الشمس غب لقائه ... وتصفر من خوف الفراق أصائله
فإن صدني عنك الزمان لحادث ... فأين من الغرقان في البحر ساحله
فإنك شمس لا ترى السحب عندها ... فلا تنكرن إن لم يلح ثم آفله
وقوله:
خد الربيع من الحياء توردا ... خجلا لما أهدى إليه من الندى
وبنفسج الكثبان أطرق رأسه ... لما رأى صدغ الحبيب تجعدا
وأرى الخريف اشتم أنفاس الشتأ ... فاصفر منه خيفة لما بدا
ورأى جيوش سيوله قد أقبلت ... وعليه حلة سندس فتجردا
والسحب تنثر لؤلؤا وغصونه ... بأكف أوراق تفرق عسجدأ
والنجم كحله الظلام بإثمد ... مذ خاله في الجو طرفا أرمدا
روض تبسم للوفود بمبسم ... للروض عذب المجتنى والمجتدى
ما ذاق فيه السهد إلا ناظر ... للنرجس الغض الشهي تسهدا
وقوله من غزلية:
مذ سباني بدر بقلبي مقيم ... صار جسمي كخصره في المحاق
حاكم جنده الملاح جميعا ... ذو لواء من شعره الخفاق
جامع رقة الحجاز وسحر الش ... ام حسنا في سلك لطف العراق
سرق الغصن لنه فلهذا ... لزمته جناية السراق
قام في جنة الرياض بكأس ... فأباح المدام بين الرفاق
بثلاث منهن طلق همى ... دون ما رجعة لذاك الطلاق
في مجال كالخصر فيه اختصار ... دار فيه الندمان مثل النطاق
ذو عيون لأجلها النرجس الغض ... اصفر وأمسى من جملة العشاق
ما رثت في الهوى لسائل دمعي ... تحسب الدمع خلقة في المآقي
وقوله:
قامت تجر ذيول التيه والجدل ... ووجنة الشفق احمرت من الخجل
خميلة بثمار الحلي مثقلة ... زهورها ما جنتها راحة الأمل
تسير رسل الصبا ترتادها سحرا ... في الحي تعثر بين البيض والأسل
صبا على سقمها يشفى السقام بها ... وربما صحت الأجسام بالعلل
تخاف تجرح وجنات الحبيب لذا ... تخوض من عرق الأنداء في بلل
وقوله:
أتارك قلبي في لظى الوجد مجمرا ... وطيب ثناء فوقه فاح عنبرا
ترفق فما ابيضت دموعي بعدكم ... ولكنها شابت وصبري تعذرا
فيومي كأيام القيامة طوله ... وأرضي أمست للأعادي محشرا
منها:
وغصن قوام كل غصن لحسنه ... بأوراقه من خجلة قد تسترا
وعين له قد أهدت السقم والهوى ... فأهدى إلى أجفانها طرفي الكرى
من مديحها:

(2/136)


إذا طرز القرطاس وشي بنانه ... تعشق منه الطرف خدا معذرا
وما كان لون التبر أصفر إنما ... لخوف نداه بالندى صار أصفرا
وقوله:
مسيل الصبح طم على الكواكب ... وقد ظمئت إلى السير النجائب
تقلص ذيل عزمك في مسير ... له طيف العلى خدن مصاحب
بوري أعوجي قبلته ... بغرته الأهلة والكواكب
جرت من خلفه النسمات حتى ... سرت معتلة فيه الجنائب
عليه من ليال الوصل برد ... وقد أهدت له الغيد الذوائب
إذا ما خب خلت الطيف وافى ... لجنح الليل من خوف المراقب
معارفه كأهداب تبدت ... لوجه الأرض تدنو كالمراقب
علاه محدث قد جل عنه ... لجاريه تمائم في الترائب
بعزم يفرق الهندي منه ... مضاء قصرت عنه القواضب
ورأي زف بكر الفكر يزهو ... لتخطبها المعالي والمراتب
وقوله:
وباسل نار عزمه تقد ... كأنما حم خوفه الأسد
أخلاقه للنديم ضامنة ... أن ينجز الجود قبل ما يعد
تنقل عنه الكرام مأثرة ... حديث عليائه لها سند
وقوله:
زاد خط العذار في الخد حسنا ... فهو حرف قد جاء فيه لمعنى
كل حين داعي الغرام ينادي ... رحم الله كل قلب معنى
قم خليلي نبكي الديار سحيرا ... لا يكون الحمام أطرب منا
لا تلمني إن ساء فيك ظنوني ... كل من ضن بالأحبة ظنا
كم حبيب إذا أردت سلوا ... عنه قال الدلال مهلا تأنى
وبنات القلوب معتذرات ... شافعات له إذا الليل جنا
مذنب ليس يقبل العذر مني ... وإذا ما جنى علي تجنى
كل صد إن لم يكن عن ملال ... فهو وصل به الرقيب تعنى
إنما القلب داره وهواه ... داخل فيه ليس يطلب إذنا
علموا حظي الصدود فولى ... واختفينا فالهجر يسأل عنا
لم تذق قطرة من الوصل حينا ... وشربنا الوصال دنا فدنا
من قضيب يميس في الروض تيها ... ليري الغصن كيفما يتثنى
أسمر القد منه ينهزم اللو ... م إذا جاد في الصبابة طعنا
وأرى المنزل الخراب إذا ما ... حل فيه الأحباب روضا أغنا
وله، وهو معنى بديع، في دعوة ضيف كريم:
مولاي داري والذي قد حوت ... نبت زها من صوب أمطاره
وإنني عبد له حارس ... بشكره روضة آثاره
إذا دعوناه لأجل القرى ... وأشرقت داري بأنواره
قالوا طفيليا عجبنا له ... يضيف رب الدار في داره
قال: وكمت قلته لما أعجبني قول إبراهيم بن المدبر، الذي أنشده له في الأغاني:
سيدي كل نعمة هي عندي ... فهي بعض من فيض تلك الأيادي
فإذا زرتني فإني ضيف ... ساكن من ذراك أكرم نادي
فيظنوني الطفيلي لولا ... إرث داري من سالف الأجداد
وله في معنى قول كثير عزة:

(2/137)


لئن ساءني أن نلتني بمسبة ... لقد سرني أني خطرت ببالك
يسرني شتمك إذ كنت قد ... خطرت في بالك دون اشتباه
يحلوا لي الشتم إذ مر لي ... اسم على عذب اللمى والشفاه
إن ذكر اسمي لذ لي ذكره ... كأنني قبلت بالوهم فاه
فيه لطف؛ لأنه يمكن أن يخرج على أن في اسمه حرفا شفويا، وكذا في لقبه.
وقد استعمله ابن جرير، وكان اسمه محمدا، حيث قال:
أنا في غيرة عليك من اسمي ... إنه دائما يقبل فاكا
وله في قول بعض معتزلة النحاة: عدل عمر تقديري، يريد غير محقق:
بنور المعاني أشرق اللفظ فاكتسى ... بثوبيه من حسن بديع بلا زور
ففي عمر من عالم الذر عدله ... إلى اسم سرى من أجل ذا قيل تقديري
ومن قال ذا التقدير غير محقق ... فقد سار في ظلماء جهل بلا نور
وله:
زمان السوء إن وافى بريب ... صديقك والقريب له يذل
شكت رسل المنايا لي طيور ... جوارح للسماء تظل تعلو
فقلت سلوا القوادم والخوافي ... فلولا ريشها ما طال نبل
هذا كقول الأرجاني:
يعطين قتلاها النسور جوائزا ... إذ كن طرن بما كسته الأنسر
وله:
أتدري السواقي ما تقول وقد غدت ... تدور وتسقي حين تعلو وتنزل
تقول لك المملوء يعلو وكل ما ... تضرع تلقاه مدى الدهر يسفل
تريد الورى تهوى الغني ولم تزل ... تعادي فقيرا ما عليه معول
فلا تظهرن الفقر ما دمت بينهم ... وأظهر غنى عنهم فذلك أجمل
وله:
قد رأينا الملوك إن سار جيش ... كثبوا الكثب في الفلا المطروق
فلذا سنموا التراب على من ... مات رمزا لفهم معنى دقيق
إن جيش الخطوب سار وهذي ... سلبه فاسلكوا سواء الطريق
وله:
مذ فتحت أبواب نادي العلى ... فتح الملاقي لمعاليه
ما صرت الأبواب بل رحبت ... على مرج لأياديه
كذلك الأقلام في طرسه ... صريرها شكر أياديه
والماء يشك، بخرير له ... فراقه روضة ناديه
وله:
يا حبذا ناد لنا ... حف بأنس وطرب
وخمرة في كأسها ... يلعب بالنرد الحبب
فصوص ألماس على ... بساط خز وذهب
وله:
سبح الحبيب ببركة ... والقلب من وله يطير
فخشيت من ماء اللطا ... فة فيه يشربه الغدير
وتشابه الماء الرقي ... ق وجسمه الترف النضير
لولا الذوائب لم يكن ... للناظرين به شعور
وله:
ما أقصر الليل الذي ... كحل أنوار الحدق
عانقت فيه غصنا ... من حلل فيه ورق
إذ هم ثغر الصبح أن ... يقبلن خد الشفق
ومما لا ينقضي منه الإعجاب، قوله من قصيدة:
مررت على ربع الأحبة دارسا ... ففاح به عرف الحديث المتمم
وذكرنا عهد الصبابة والصبا ... هديل حمام في الربى مترنم
فقلت لخلي عج بنا ساعة عسى ... يحدثنا رسم الهوى المتقدم
فعجنا له عطفا على موضع به ... هوانا فكان العطف عطف توهم

(2/138)


وعطف التوهم معروف عند النحاة، وهو أن يجري في موضع إعرابان، فيعرب بأحدهما، ويعطف عليه باعتبار الآخر، كما في قول الأخوص الرياحي:
بدا لي أني لست مدرك ما مضى ... ولا سابق شيئا إذا كان جائيا
فإن لست يجر خبرها بالباء الزائدة كثيرا، فإذا نصب قد يعطف عليه مجرور نظرا إلى حالته الأخرى.
وأما عطف المنصوب على المجرور، فهو العطف على الموضع، وإياه عنى محاسن الشواء، في قوله:
هاتيك يا صاح ربا لعلع ... ناشدتك الله فعرج معي
وانزل بنا بين بيوت النقا ... فإنها آهلة المربع
حتى نطيل اليوم وقفا على الس ... اكن أو عطفا على الموضع
وهذه مقطعات له، على حروف المعجم:
مدح بوجه كدية ... فيها كمين للرجاء
مثل المرقرق في الصبو ... ح يسر حسوا في ارتغاء
فيه مثلان قديمان.
وله:
يشتكي الخصر ردفه كل حين ... وأنيني يشكو من الرقباء
فكلانا في حالتيه معنى ... ذا عياء يشكو من الثقلاء
وله:
لئن نكس الدهر حظي فلي ... لطائف في الغيب تحيي الرجاء
فرب شهاب إذا نكسوه ... يزيد اشتعالا ويعلو سناء
وله:
قال لي الأير لا أهنيك إن ... زارك من قد هويت في الظلماء
وأنا منك لا يهنىء عضو ... بالمسرات سائر الأعضاء
وله:
لا يكذب العاقل ما ... أمكنه صدق يجب
ففي المعاريض له ... مندوحة عن الكذب
وله:
وبلدة سكانها في لظى ... في الصيف من حر لها ناصب
ترى بها الماشي بعيد الضحى ... منتعلا نعل أبي طالب
يشير إلى ما ذكر أهل السير، من أن أبا طالب لم يهتد للإيمان، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في جواره، ولو أسلم لم يقبلوا جواره.
ولما قالوا له: إن أبا طالب كان يحبك ويحيك فهل ينفعه ذلك؟ قال: " يخفف عنه فجعل له نعل من نار يغلي منه دماغه " .
رواه مسلم.
وله:
إذا شاب شعر المرء قل سروره ... وزارته من وفد الهموم المصائب
وشاب قذى الأكدار صفو حياته ... فمن أجل هذا قيل للمرء شائب
وله:
قد تستوي في الحركات الورى ... لكن لدى السبق تبين الرتب
كم طار صقر وغراب معا ... لكن ذا صاد وهذا هرب
وله:
قد خاب من كان في مناه ... مقصر الجد في الطلاب
فلا يلم غير نفسه من ... قد أرسل الباز في ضباب
وله:
ظننت الصبا لما على النهر قد جرت ... وعكس ذكاء لاح فيه لمرتقب
شباكا بها صار النسيم غزالة ... ألست تراها دائما فيه تضطرب
وله:
على خده مذ لاح نبت عذاره ... جرت أدمعي في الخد ذات صبيب
إذا ما استدارت دارة البدر حوله ... فإن وقوع القطر غير عجيب
وله:
لحى الله أياما تعادي أولي النهىوتسعف لؤما كل غفل المناقب
تقدم فيهن الصغار كأنهم ... إذا ذكروا عقد البنان لحاسب
وله:
إنما هذه الحياة منام ... والأماني حلم بها المرء صب
فلهذا تأتي على العكس مما ... كره الناس دائما وأحبوا
وله:
كن ابن وقت حاضر تجني هنا ... ولا تفكر في غد وما ذهب

(2/139)


وإن وجدت سكرا فانعم به ... ولا تسل عما جرى على القصب
وله:
إذا ما غاب من أهواه عني ... فإن لقاءه عندي كتاب
سواد في بياض مثل عيني ... به ألقى الأحبة حين غابوا
وله:
لما بدا في صدغه خاله ... أذاب قلب الصب بالحب
فانظر إلى الحب على فخه ... ولا تسل عن طائر القلب
وله:
روض المنى أيدي الأماني به ... كم قد جرت لي ثمرا مستطاب
ما لذة الدنيا إذا لم أكن ... أخطر فيها برداء الشباب
وله:
مذ رأى النهر برقه سل سيفا ... مرهف الحد من قراب السحاب
نسجت فوقه الرياح درعا ... سابغات قد سمرت بالحباب
وله في الرد على ابن القيم:
قالوا جهنم دار الخلد ساكنها ... إذا تطاول دهر أخمد اللهبا
أمالك صار من عجز لذي يده ... لا يستطيع لفقر يشتري الحطبا
وله:
سكان مصر كالنيل ما عرفوا ... قدر شيوخ العلم والطلبه
فجيد فيه والردي سوا ... كما استوى الماء ثم والخشبه
وله:
كم أناس من الكرام تولوا ... في نعيم وطيب عيش مواتي
قطفوا وردة الحياة سرورا ... ورموا الشوك في طريق الآتي
وله:
وبحيرة بفنائها سمروا ... واللهو بالأحزان قد شمتا
وكأنما عكس الشموع بها ... بحر به المرجان قد نبتا
وله:
أنا أصبو والتصابي حلية ... لكريم العرض في صبوته
بعفيف الجيب لدن ناعم ... لم يعانقه سوى حلته
وله:
لحديث النبي بعد كلام الل ... ه طيب يحث شوقي حثيثا
مستجد على مرور الجديدي ... ن لذأ سمي الحديث حديثا
وله:
غاب الحبيب وفؤادي خافق ... منتظر لذلك المعنى البهج
والنرجس الغض ينادي في الربى ... أبشر بما سر بعيني تختلج
وله:
ذؤابته قد اشتفت ... من فرج بلا حرج
باب استه لصبره ... فاز بمفتاح الفرج
وله:
وساحر المنطق أظهر الطلا ... في مجلس يسعى لرؤياه الفرح
رتب شكلا للسرور منتجا ... الجرة الكبرى وصغراه القدح
وله:
إلى الله أشكو الزمان الذي ... يريش حالي بنتف الجناح
إذا سمته الصلح قال اتئد ... فبيني وبينك سوق السلاح
وله:
إذا رمت أمرا فكن طالبا ... برفق ففي الرفق نيل الصلاح
ففي الرفف والصبر للمرتجي ... لقاح الصلاح جناح النجاح
وله:
وزان بحب الزنا مغرم ... أماط رداء الحيا واطرح
يقبل أولادهن الصغار ... ومن عشق الدن باس القدح
وله:
إن الصديق من إذا دعوته ... لبى الرجا بتباشير الفرح
وإن تنحنح الذي دعوته ... لحاجة ملمة فقد تنح
وله:
كم من قريب كيلا لي شره ... وخيره إن جاء أحباب فخ
وكم أخ يملأ لي صدره ... نفثة مصدور إذا قلت أخ
وله:
إذا رمت إكسير نصر فقم ... بسيفك واضرب رقاب العدى

(2/140)


تصب عليهم حديد النصال ... وتأخذها في دم عسجدا
قال بعضهم: قول ابن نباتة السعدي لم يسبق إليه:
أبوا أن يطيعوا السمهرية غيرة ... فصبت عليهم كاللجين القواضب
فعادت إلينا عسجدا من دمائهم ... ألا هكذا فليكسب المجد كاسب
ومنه أخذ الأبيوردي قوله:
ولله در السيف يجلو بياضه ... غياهب يوم قاتم الجو أربدا
بمعترك تلقى به الموت لجة ... تسيل لجينا ثم تغمد عسجدا
قال: قلت: انظر هذا مع قولي أولا.
وله:
رأيتك طودا قد لجأت لظله ... فلي معقل منه إذا دهري اعتدى
إذا قمت في ناديه أنشد مدحة ... أنا الطائر المحكي والآخر الصدى
وله:
رقى الفقر اسمه يدعوه داع ... ورؤية وجهه سعد السعود
دعانأ نحو سدته نداه ... خرير الماء يدعو للورود
وله:
ويوم غدأ باردا جوه ... بدا رعده من هوا يبرد
ترى لهب النار من برده ... بكانونه أبدا ترعد
من بدائع الصلاح الصفدي، قوله من رسالة: لو ترى أحدنا وقد أخذه النافض، ونحاه القر بعامله الرافع والزمهرير الخافض، لرأيت شخصا قد ركبت أعضاؤه من الزئبق فما تستقر، وجفت لهواته يبسا فما تستدر.
لا يمد كفه ولو بايعه الناس على الخلافة، ولا يخرج يده ولو كان فقيرا إلى كيس ذهب أو نديما إلى كأس سلافة.
يكاد لذلك البرد حتى الكلام يتجسد، ويتمنى الإنسان لو أنه تحت رخام الحمام يتوسد.
وله في مثل معروف:
أهون بسيد فتية نال الغنى ... بدناءة منعته فيهم رشده
وعليه جلجل سبة ولآمة ... ستشد لكن هل يرى من شده
وله:
كم جئته بحاجة ... وماله عندي يد
فقال لي إلى غد ... والدهر كله غد
وله:
أيسنا من هدى الهادي ... وإسعاف وإسعاد
وصار زماننا أعمى ... يقدم كل قواد
وله:
قلت لم تشتري الغلام كبيرا ... وصغار الغلمان للهو عده
قال إنا لم نأخذ اليوم إلا ... من وجدنا متاعنا اليوم عنده
وله:
شيخ بسعد وبنحس له ... كم قاد أوباشا من الساده
متاع زهد وسط سوق الريا ... يباع في حانوت سجاده
وله:
قد قلت إذ حسدوا وما ... في العيش إذ حسدوا رغد
خس الزمان وأهله ... وطباعهم حتى الحسد
وله:
ما نعمة تخلو من الحسد الذي ... منه تكدر كل ورد قد ورد
وأرى الخمول مع التواضع نعمة ... قد صانها الرحمن من كدر الحسد
وله؛ في قول العوام: الورد من عرق النبي صلى الله عليه وسلم:
ناضر الورد قيل من عرق المختا ... ر قد لاح في حدائق خد
ورد خديه قبل ذلك زاه ... هل سمعتم بالورد من ماء ورد
وله:
فتح الورد في الرياض صباحا ... عندما قبل النسيم خدوده
بلغ الزعفران فهو لهذا ... ضاحك شق من سررو بروده
وله، في قول أرباب الفلاحة: إن الحيات والهوام تهرب من شجر الرمان، ولذا يجعل بعض الطيور أوكارها فيه:
إذا هبت صبا الأسحار يوما ... وحركت الذوائب في الخدود
فحيات الذوائب في اضطراب ... وقد شعرت برمان النهود
وله:
يسمو بخلق ولسان حلا ... من بلبان المجد قدما غذي

(2/141)


فأدوأ الداء كما قد رووا ... خلق دني ولسان بذي
وله:
بقية عمر حر مد فيها ... يتم بها المسرة والفخار
ألست ترى الربيع يروق مرأى ... وتأتي في الخريف له الثمار
وله:
روضة جادها الحيا بلآل ... قلدته جواهر الأزهار
ضاحكات أطفال أنهارها إذ ... إذ وعدتها نسائم الأسحار
قال: وقلت لما سمعت قول أبي بكر رضي الله عنه: من امتطى التغافل ملك زمام المروءة:
تغافل إذا رمت ود الورى ... يدوم فتصبح للعز جارا
زمام المروءة في كف من ... تغافله يمتطي حيث سارا
وله:
ولى الشباب حميدا حين ورثني ... مجدا وشعرا يحاكي زاهي الحبر
إن جاد طبعي بشعر راق رائقه ... لا تنكروا رقة في نسمة السحر
وله:
أوصاف مولانا سقت ... ظمآن سمعي كوثرا
كجنة معشوقة ... للناس قبل أن ترى
وله:
لي سيد متواضع لغلامه ... وعلى سواه مسرف في كبره
ينقاد للغلمان في خلواته ... مثل السفين زمامه في دبره
وله:
وسارق يسرق شعر الورى ... ويتبع المنظوم بالنثر
ما اقتبس الآيات إلا لما ... يألفه من سرقة الشعر
وله:
قالوا لشاعرك الذي ... أهدى مديحا حط قدرك
جدد وضوءك بعد ذا ... إن كان هذا الشعر شعرك
وله:
كل الأمور لم تزل ... تكبر من بعد صغر
إلا مصائب الورى ... تصغر من بعد كبر
وله:
ومباحث في العلم من نفر ... لا يدركون مباحث النظر
أعرضت عنه كأنه علم ... وتركته بمباحث البقر
العرب تقول: تركته بمباحث البقر، إذا لم يعرف مكانه، وتقول: تركته بملاحس البقر، إذا ترك بمكان لا أنيس به، وملاحس البقر: المواضع التي تلحس فيها بقر الوحش أولادها.
وله:
في دولة وصل منيتي والهجر ... قد حق لذا وحق ربي شكري
في الوصل حلت حياة نفس وصفت ... والهجر به يطيل ربي عمري
ولي أنا من هذا:
رمضان جاء فمرحبا بقدومه ... شهر بلغتق بفضله المأمولا
وأجل منته علي بأن أرى ... عمري النفيس يزيد فيه طولا
وله:
إن يكن أخلق الشباب ورثت ... جدتي والنشاط في كل أمر
كم لبست الشباب غضا جديدا ... ساحب الذيل في مواسم عمري
وله:
معلومي المعلوم يا سيدي ... يحفظه الديوان والدفتر
كأنه همزة وصل به ... يرسم في الخط ولا يذكر
وله:
قد كنت في كنف الخمول منعما ... والآن أتعبني العنأ لما حضر
كالحرف فر من التقاء الساكني ... ن لعسر نطق في التلفظ فانكسر
وله:
أصبحت من يبصرني طرفه ... بكل ما أملكه يدري
كسلحفاة من مياه بدت ... بيتي وما أحوي على ظهري
وله:
رأيتك تعطينا الهبات كتارك ... لدى أهله مستودعات الذخائر
ودائع في حرز من الدهر سالم ... وما ضاع جود مودع عند شاكر
وله:
يقولون إن المد في أثر الجزر ... لنور بدر العصر في ساحل البحر

(2/142)


فما بال بحر الدمع يزداد مدهإذا غاب بدر الحسن في ظلمة الهجر
وله:
صرف اللحاظ عن الوشا ... ة إلى الكئيب وما يسره
أبدا يميل إليهم ... ميل المريض لما يضره
وله:
وطوفان ليل مذ طفا فيه موجه ... طفا زبد الدهر المزين للخضرا
تفجر سيل الصبح من سد شرقه ... فمن أجل ذا يدعى الصباح به فجرا
وله:
غطت بساعد كماء يجري ... وجها يفوق الورد تب القطر
كبدر تم عند نصف شهر ... غاب وقد لاح عمود الفجر
وله:
قل لرقيب قد أتى لصببية ... أرق معنى من نسيم السحر
بالله قم لا تقطعن حديثهم ... وتعترض بين الصبا والزهر
وله:
بكر الندامى للصبوح ونبهوا ... أوتارهم تدعو لهم ضعف السرور
فتمطت الأغصان من نفس الصبا ... وتثاءبت في الأرض أفواه الزهور
وله:
مذ زار من أهواه في روضة ... أرشفني ثغرا هو الخمر
قالت لي الأرداف من خلفه: ... اليوم خمرا وغدا أمر
وله:
سرق المنام بطرفه ال ... فتان ذو الحسن الغزير
طراز حسن حاذق ... طر القلوب من الصدور
وله:
وحقكم مديحي في علاكم ... له نشر ببرد الدهر عاطر
وعرف العود يخبر من رآه ... بطيب فيه تنقله المجامر
وله:
رق مسكي حلة فوق جسم ... رق حتى لكاد باللطف يجري
فيه طرفي منزه حين أبدى ... برد ظل على معاطف نهر
وله:
رعى الله عصرا غاب عني عواذلي ... به فسرقت الوصل في غفلة الدهر
أصائل وصل بردت بنسيمها ... من الكبد الملهوف هاجرة الهجر
وله:
تعلق قلبي في الغرام بصدغه ... فعطفة ذاك الصدغ وقفة خاير
تعلق قلبي ليس يدري قراره ... كأن فؤادي في مخالب طائر
وله:
كيف سلوي إذا تبدى ... بوجه معشوقي العذار
والحسن في وجنتيه غض ... ما اختلف الليل والنهار
وله:
دعوتك يا خليلي للحضور ... فلا تبخل بتعجيل السرور
فعمر الالتقاء غدا قصيرا ... فطوله بأوقات البكور
وله:
يا صاح والشوق استعر ... إن فتق الجفن السهر
رفاه خيط مدمع ... له من الهدب إبر
وله:
ويمنعني تقبيل خديه أنني ... أخاف إذا ما أبصرته النواظر
فعلمني تقبيل رجليه إذ مشى ... وقد قبلت أقدامهن الضفائر
وله:
فرش الربيع لنا خمائل سندس ... من حولها غدرانهن فراوز
ومشى بها ساري الصبا متسللا ... وعليه أعين نوره تتغامز
وله:
محا الله أقطارا من الجود أمحلت ... وكم قادر فيها عن الحمد عاجز
وعاقر أرض ليس يولد نبتها ... وكم ولدت فيها المنايا المفاوز
وله:
وكم ناس بموت أصولهم قد ... رقوا رتبا لها شرف وعزه
كدود القز أمسى في قبور ... لصاحبها بها حلل وبزه
وله:
ملكت من القنع كنز الغنى ... وقال اصطباري من عز بز

(2/143)


فإن عز ذو الجاه من كبره ... فجاه القناعة عندي أعز
وله:
حسدت كتابي حين لاقى أحبتي ... بعارض خط دب في خد قرطاس
فقال على الأقدام تسعى وتبتغي ... مقامي وقد أمسيت أسعآ على راس
وله:
الخلق سفر والزمان مراحل ... خطواته في سيره الأنفاس
والمقصد الأسنى لهم دار البقا ... دخلته من باب الفناء الناس
وله:
من يبغ طول العمر لم يضجر بما ... ساق الزمان له فكدر حسنه
من كان يختار الحياة وطولها ... فعلى النوائب فليوطن نفسه
وله:
إن غاب من أهوى فلي مسامر ... من الأماني لم يغب عن مجلسي
نعم الرفيق أملي إن لم يجد ... بنفعه فهو لعمري مؤنسي
وله:
لأشعار مصر بالتواري سخافة ... وكم لاح تجنيس بها وهو تنجيس
يقولون في الألفاظ منا حلاوة ... فقلت ولكن ذاك حشو وتلبيس
وله:
أفئدة الخلق على حكمه ... له رعايا والسرير الحشا
ملكه الحسن قلوب الورى ... والله يؤتي ملكه من يشا
وله:
أيها اللائم دعني واسترح ... من خليع هو للنصح عصى
لا تلم في اللهو والسن علا ... واقرع العود ودع قرع عصا
وله:
يا صاح توق من فوات الفرص ... لا تهنأ عيشة امرىء ذي غصص
فالورق وإن غدت بعيش رغد ... تبكي وتنوح دائما في القفص
وله:
دهر سوء فيه ارتفاع لئيم ... وبنان من المكارم تنفض
فيدي قد غسلتها من نداه ... وفم الجفن بالدموع تمضمض
وله:
ومولى له بالمرد قلب مولع ... يصرح طورا بالهوى ويعرض
ومذ قال إن الحب عندي آفة ... خشيت عليه أن يمل فيحمض
وله:
رعى الله عوادا إذا زار ناديا ... غدا لجموح اللهو في الحال رائضا
رأى طرب الندمان أسقمه الهوى ... فجس له نبضا من العود نابضا
وله:
وقوم لئام ليس لي فيهم رضا ... وما فيهم شيء على قبحه يرضي
أسائل عنهم كل من قد لقيته ... سؤال طبيب ليس يعلم بالنبض
إنما يسأل عن القارورة والبراز، فهو كناية بديعةز وله:
نثير الياسمين من فوق بدر ... لمحبيه بالخلاعة باسط
فحسبناه شمعة أوقدوها ... وعليها فراش ليل تساقط
وله:
لله ما ألطفه من زامر ... ينشق من عبق الإنبساط
كأن إسرافيل قد وكله ... ليبعث الأرواح من فرط النشاط
وله:
قلت لما عذبوه فغدا ... مثلا يسرع في خيط اختلاط
عذر مولاي الذي جاء به ... مثل ضم الاست من بعد الضراط
وله:
كم همة عالية ... في الجد لم تفرط
لا ترتضي بوسط ... فالدون جار الوسط
وله:
كتب الربيع على طروس رياضه ... صحفا من التوحيد ما فيها غلط
وحدا السحاب إلى الحدائق قدرة ... نقاشها في الروض نقط ثم خط
وله:
ومولى أمطرت كفاه غيثا ... لدى الأزمات فهو على اشتراط
ومن يحسن وقد فات احتياج ... كمن يقضي الصلاة على الصراط
وله:

(2/144)


قيل فلان يدعي كرما ... ورفعة والزمان فيه غلط
فقلت مات الكرام فهو كمن ... وجد البيت خاليا فضرط
وله:
أمولاي كم من دعاء إلى ... نداك دعاء ملح ملظ
تخذتك كهفا لما أرتجي ... فما نلت منك سوى يوم حظي
وله:
وسحاب فيه برق ... بعيون النور تلحظ
خلته لما تبدى ... حبشيا يتلمظ
وله:
المد بعد الجزر قالوا إنه ... يأتي من البدر المنير الطالع
صدقوا فبدري في مطالع حسنه ... قد أورث الأجفان مد مدامعي
وله:
إذا لم ألق في أمري شفيعا ... فتركي ما أريد أجل شافع
أأخشى ضيق صدر من لئيم ... وصدر البيد والطرقات واسع
وله:
لعمرك ما طال الوقوف على الحمى ... لحيرة فكري من دروس المرابع
ولكن تمشت في ذراه عيوننا ... تجر على الأطلال ذيل المدامع
وله:
تواضع تكن مما يشينك سالما ... فكم جر نفعا للبيب التواضع
وللإسم بالتصغير جمع سلامة ... وإن كان فيه قبل ذاك موانع
وله:
أذهب نقد العمر حتى انحنى ... يطلب في الترب لما ضيعا
كأنما نكس رأسا له ... يعاقب القلب الذي ما وعى
وله:
قد انحنى الشيخ لعظم الذي ... حمل من ذنب له قد سعى
كأنما سلم من فرحة ... على رسول الموت إذ ودعا
وله:
ميعادك الفارغ إن ساعده ... قولهم من أجدب المرعى انتجع
أشفق عليه كم كذا تجره ... ما بين يأس زاجر لي وطمع
وله:
قالوا المنام لم يزل ... بكل تأويل يقع
على جناح طائر ... فهو إذا قص وقع
وله:
أصبحت في خلف كجلد أجرب ... وبمهجتي داء دوائي ما ابتغى
حلم الأديم فليس يجدي دبغه ... حتى يعود القارظان فيدبغا
وله:
لما رأى القلب أهوال الزمان وما ... في اليأس من راحة بعد العنا فرغا
لم تجد شكواي إلا ذلة وعنا ... وليس أول فحل أثقلوا فرغا
وله:
لا أطمع اليوم وقد أصبحت ... لله عندي نعم سابغه
لرأس أطماعي تبيت المنى ... تدهن من قارورة فارغه
وله:
فديتك إن النفس تأنف أن ترى ... رجائي في باب امرىء متكففا
وليس يتم الجود للحر موسرا ... إذا لم يكن في عسره متعففا
وله:
أقول للهو والصهباء قد منعت ... صفوا على رغم أنف للخليع عفا
أغاب إبليس من هذا المصاب لنا ... ما ذاك إلا لطول العمر قد خرفا
وله:
أير ككلب الدار لما جنى ... وصار في فعل الخنا ذا شغف
يقوم للطاري عليه ولا ... يقوم للإلف الذي قد عرف
وله:
سقى الله روضا قد نعمنا بظله ... ولا جار إلا نهره المتدفق
إذا ما تغنت ورقه وطيوره ... غدت طربا أيدي المياه تصفق
وله:
قد شبت وعمر صبوتي عن طوقي ... ما شب وطفله بمهد الشوق
في غصن نقا إذا بدا عنصره ... في ماء مشاربي حلا في ذوقي
وله:

(2/145)


من تحت همزة صدغه ألف ... من عارضيه تملكت رقي
عابوه في حلق لها عبثا ... مع أنها من أحرف الحلق
وله:
هذه الدنيا ممر ... فيه للداخل طرق
ليس بين الموت في الأو ... طان والغربة فرق
وله:
شجاع إذا قام في معرك ... يزيد اشتعالا لديه العراك
فكم دارع صاده في الوغى ... كأن الدروع عليه شباك
وله:
لعيد الزمان وعرس الفلك ... زمان كرام أضاء الحلك
وإن زمانا به قد وليت ... لما تم دهر ببخس الفلك
وله:
إذا لحت قالت عيون الورى ... أذا ملك طالع أم ملك
أرى زمنا كنت فيه العمي ... د عرس الكرام وعيد الفلك
وله:
كلا جانبي هرشي طريق لسالك ... إذا لم يكن يرض مقاما على ذل
فإن كنت مأكولا فكن خير آكل ... ولا تنتهبني نهبة الذئب للسخل
وله:
فديت ديارا للأحبة لم تزل ... على القلب للقلب المتيم منزلا
فليت ترابا مسها قدم لهم ... أراه بأفواه الجفون مقبلا
وله:
أملي مذ سعى لطرق المعالي ... وله الحرص والغناء دليل
قال يأسي له استرح فهي طرق ... ما على المحسنين فيها سبيل
وله:
يعلي مقام المرء خفة ظله ... وترى الثقيل محقرا مملولا
أو ما ترى الميزان يرفع كلما ... قد خف فاحذر أن تكون ثقيلا
وله:
رأى في طريق الرشد شبت بهامتي ... فأوقد فوق الرأس مني مشاعلا
يخط به راء لدى كل شعرة ... تنفر عني كل من كان واصلا
وله:
ناديت وقد هجرتم يا ليلى ... مذ طلت هددت بالتجافي حيلي
والدمع بمقلتي لنومي أفنى ... والذنب لنائم بطرق السيل
وله:
بجوده تغرق الآمال حين ترى ... موج الندى سال في النادي لمن سألا
له موائد إحسان إذا بسطت ... تدعو الثناء إليها دعوة الجفلى
دعوة الجفلى هي الدعوة العامة، يجفلون إليها، والنقري: خلافها، قال طرفة:
نحن في المشتاة ندعو الجفلى ... لا ترى الآدب فينا ينتقر
وله:
أرى كل ذي عيب ونقص لقد علا ... على كل حر بالفضائل كملا
كذلك عادات الزمان لأجل ذا ... صفات عيوب الخلق في الوزن أفعلا
وله:
ما فتح الورد بنان الندى ... ولا نسيم سحرا ناسم
قراضة التبر بفيه احتسى ... فهو لذا فرح باسم
وله:
قيل في اسم السلام رقية راق ... للأفاعي قد حرمتها الأنام
وأنا قد رأيت رقية فقري ... حين ألقاك أن أقول السلام
وله:
إني إذا ما الهم وافى إلى ... مضاجع شرد عنها المنام
خادعت أيامي بشرب الطلا ... فخدعة الأيام شرب المدام
وله:
من كان في الدهر له مكسب ... فليجعل العقل بريد المرام
لكل شيء صنعة أحكمت ... وصنعة العقل اختيار الكرام
وله:
كن لما لا ترجو أشد رجاء ... وارج ربا للعالمين كريما
إن موسى راح يقبس نارا ... كلم الله ربه تكليما
وله:

(2/146)


قالوا الزمان غدا قصيرا هل مضت ... بركاته أو زادت الآلام
ما ذاك إلا أنه قد فر من ... خوف وقد جارت به الأحكام
وله:
يتبادلان بلا ربا إذ أحكما ... عند المحبة أيما إحكام
قبل فما لفم وصب دائم ... ما بين ذين كفردتي بنكام
وله:
ومولع بالدب كي ... يسرق ليلا خاتما
وقد حكى الطيف فما ... يزور إلا نائما
وله:
أغلق الجفن حين زار خيال ... منك كي لا يفر من أجفاني
فيظن العذول أن منامي ... زارني والمنام ليس يراني
وله:
صبرت لخطب زمان دهاني ... وأفنى اللآلي شيد والي المباني
فشالت نعامتهم بالردى ... وفرخ روعي بوكر الجنان
وله:
وكم فتية نجيت من نار فتنة ... وأنقذتهم من ظلمة الحدثان
أضاعوا حقوقي ثم غروا بذلتي ... كأني لديهم خالد بن سنان
وله:
ولم أنس إذ أهدى النسيم تحية ... رقصت لها طربا غصون البان
والسحب قد نسجت رداء أدكنا ... والبرق مكوك من العقيان
وله:
مذ هجرتم هجر الطيق ولي ... ناظر لم يدر ما طعم الوسن
في هواكم ألف الحزن فلو ... لم يجده مات من فرط الحزن
وله:
أيها السائلي عن النوم إني ... لم أذقه من بعد ساعة بيني
أتظن المنام يدخل جفني ... كيف هذا وحسنه ملء عيني
وله في معنى قول الحسن: من ركب الليل والنهارفإنه يسار به وإن كان مقيما:
لا تظنن ذا حياة مقيما ... وهو في رحلة له بيقين
من مطاياه ليله ونهار ... سائر للفناء في كل حين
وله:
إذا غبت يا شمس المكارم والندى ... وأظلم من أفق التواصل هجران
في كل طرف من خيالك صورة ... وفي كل عين مثلما قيل إنسان
وله:
العين تود في جميع الأزمان ... لو تبصر طرفه المريض الفتان
تشكو سهد الناعسات الأجفان ... فالنوم كما يقال حقا سلطان
وله:
قالوا لي اصبر لفادح الأحزان ... فالحزن وما يسر كل فاني
فارقب فرجا فقلت إني أخشى ... يأتي الفرج إلي لا يلقاني
وله:
زارنا الورد في أسر زمان ... فقريناه بابنة الزرجون
وبعيد الربيع أطفال نور ... لعبت والخيول قضب غصون
وله مضمنا، فيمن علق على جبينه باقة نرجس:
على وجه من أحببت أبصرت نرجسا ... غدا باهتا يرنو له بعيونه
فيا حبذا بلدر بقلبي نازل ... كأن الثريا علقت في جبينه
وله:
يا حابس الكأس في يديه ... أنعم برد لشاربيها
فحبسها في يديك ظلم ... شيب رأس الحباب فيها
وله:
حسن لباس الفتى يدل على ... مروءة طبعه بها زاهي
فبزة المرء في تجمله ... عليه عنوان نعمة الله
وله:
توق السؤال إذا ما حججت ... وفي جامع تعبد الله فيه
فمن يسأل الناس عند الكريم ... سواء لديه ومن يشتكيه
وله:
لما رأيت الوزير بالدنيا ... أجمعها قام وهو حاويها

(2/147)


عرفت أن الدنيا تقوم على ... قرن لثور بإذن باريها
وله:
مدحته يوما فنلت الغنى ... بالوعد والإحسان من فيه
فقال لي لما تقاضيته ... كذب بكذب لا ربا فيه
وله:
منزل ضيق ولا حسن فيه ... غير تهوين ضيق قبر كريه
مثل حبس الأرحام من ينج منه ... ما رأيناه قط يدخل فيه
وله:
قدر الله أن أعيش فريدا ... في ديار أساق كرها إليها
وبقلبي مخدرات معان ... أنزلت آية الحجاب عليها
وله:
كل الورى جرد سلوقية ... لصيد رزق أبدا تنوي
ووثبة الأرنب كم خلفت ... كلبا على حرمانه يعوي
وله:
مولى إذا ما جئت أبوابه ... وفضله أصبح لي داعيا
ظل أمير الشوق لي آمرا ... وحاجب الهيبة لي ناهيا
وله:
أتيتك يا مولاي أبغي زيارة ... تسر على رغم الأعادي الأمانيا
فإن كنت لم تصبح لي اليوم آذنا ... فقد أذنت لي همتي بارتحاليا
وله:
دار البرية إن ترد ... شرفا ودع عنك الحيا
إن الرياسة كاسمها ... فاسمع أوائلها ريا
ومن مفرداته التي أجراها مجرى الأمثال:
دار الأنام صغيرهم وكبيرهم ... من لم يدار المشط ينتف لحيته
أرسل إذا أرسلت خلا حاذقا ... إن الرسول ترجمان العقل
يطيب عيش المرء في حيه ... إن ترك التدبير والإختيارا
من يتبع رأي الأماني ... لم ينج من مطل التواني
كفى ناظرا للعبد أن عدوه ... يكون على حال بها يغضب الرب
من يزن في حلم يكن جزاؤه ... في حكم أهل الشرع يجلد ظله
كل الورى صائد ولكن ... يختلف الفخ والشباك
البيع بالنقد خير ... وأول السوم ربح
كم ناصح وصف الطريق لمدلج ... وينام عن سنن الطريق الواضح
ومن يقعد على طرق القوافي ... تمر عليه قافية الهجاء
لا تكن ممسكا حباب رجاء ... فالأماني بضائع الحمقى
ولا خير في ملك بغير مدبر ... تفرقت الأغنام إذ ذهب الراعي
تسبيح علق زاره لائط ... أبرد أم سجادة الزانيه
كل من قصر عما ... ناله الناس يعيبه
ما يطلب المرء بغير حاجة ... تدعو إليها الحال فقر حاضر
بلحوم الأنام من يتغذى ... ذاق جوعا من الندى والمعالي
إذا ما تيسع الخرق ... فأعط الثوب رافيه
يروغ في مشية ثعلب ... ولو مشى في ربض خالي
إن لم يكن في منزل مؤنس ... ما الفرق بين البيت والقبر
أيها النافخ يبغي أنه ... يطفىء الشمس لقد أتعبت فاكا
لسان كل عاقل في قلبه ... وقلب كل جاهل في فيه
إن نصحت الصديق فانصحه سرا ... كل نصح بين الملا تقريع
يا من سقى من حنظل عسلا ... أرقت في غير طائل عسلك

(2/148)


من صحب الدهر طول عمره ... لم يخل من خيره وشره
إذا كنت في بلدة لم ترد ... مقامك فيها فأنت الأسير
من لا له حبيب ... فإنه غريب
خير السلاح ما وقى ... إن الرشاد في التقى
إنما أشتهي لقاء حبيب ... أو لبيب يشفي الفؤاد كلامه
قيل لا جهد بلاء نازل ... مثل جار السوء في دار المقامه
من يهد للناس ثمار الغنى ... أهدوا إليه ثمر الشكر
إن رضا المرء على نفسه ... دليل سخط الخلق والخالق
وإذا ما كنت يوما مخطئا ... فاعتراف بالخطا عين الرضأ
ربما كان سارقان على الما ... ل حفيظان مثل رب المال
من أفضل التصدقات برا ... جهد مقل لفقير سرا
لقد قيل إن الكبر والعجب محنة ... وذاك بلاء ليس يرحم صاحبه
إذا جاد للقوم رب الطعام ... فماذا يكون امتنان الطفيلي
قل لمن في الخير أبدى جهده ... الضمار اليوم والسبق غدا
إن لم يكن بين القلوب تجاوز ... كان الجوار قرابة الحيطان
لا تصحبن إلا امرءا عاقلا ... ينفع في الدنيا وفي الآخره
رحم الله صاحبا لي أهدى ... عيب نفسي قد كنت لست أراه
ومن نوادره منظومته في الأمثال، سماها ريحانة الندمان.
منها:
من ينتسب إلى العظيم عظما ... فالجأ إلى الله تكن مكرما
تصان عن كسر وعن إماله ... مجاورا سعدا وخير حاله
وربما يكسر للجوار ... ويؤخذ الجار بظلم الجار
في زمن فيه الفحول صرعى ... استننت الفصال حتى القرعى
خذ عظة من الزمان كم وعظ ... إن السعيد من بغيره اتعظ
ليس الغني إلا إذا صفا الكدر ... هل ينظر الغريق في البحر الدرر
فامدد على قدر الكساء رجلكا ... واقطع على طول القوام ثوبكا
قد مات أمس وتقضى أمده ... واليوم في النزع ولم يولد غده
اترك فتى أخلاقه أخلاق ... دواء ما لا تشتهي الفراق
كم آلف من لم يكن قرينه ... ضرورة كصحبة السفينه
من خطب الشر تزوج الندم ... ويستوي منه الوجود والعدم
من يزرع العتاب يحصد الفراق ... وغيرة الحمقاء مفتاح الطلاق
كم زارع لراقد قد أكلا ... وموقد نارا وغيره اصطلى
من موته عتق من الآفات ... فليؤثر الموت على الحياة
ما الخطب إلا للجليل طارق ... من الأعالي تنزل الصواعق
من لا يقيك غائبا أذناه ... ليس تراك شاهدا عيناه
وسع عليك كل شيء يتسع ... فإنه من صارع الدنيا صرع
قد ينبىء اللفظ عن الضمير ... واللحظ عن لفظ بلا تعبير
من نفسه لذلة تسلمه ... لا أكرم الرحمن م، يكرمه

(2/149)


رضا الأنام غاية لا تدرك ... أرض الإله للسداد تملك
إن اقتناء المجد والمناقب ... تكون في الصبر على العواقب
إن المزاح ملقح الأضغان ... وكاسف مهابة الإنسان
فضل الأيادي في الندى قروض ... وودها في شرعه فروض
لا يعدم الكريم أن لا يحسدا ... والمال مكذوب عليه أبدا
إذا تلاقى الخطب والأقدار ... يصطلح الغريق والتيار
يتعب من يجاور الأعلى المحل ... أما ترى الخصر النحيل والكفل
ورب شرير لقوم يصلح ... إن الحديد بالحديد يفلح
إن الجبان حتفه من فوقه ... والثور يحمى أنفه بروقه
لا يترك الحزم اللبيب الأكيس ... أن ترد الماء بماء أكيس
والحرص في كل زمان عاني ... والحرص والحرمان توءمان
شيب الشعور زهر النجوم ... تنبته غمائم الغموم
إن لم يجد بوصله الحبيب ... اصطلح العاشق والرقيب
أعط أخاك إن قدرت تمره ... فإن أبى قبولها فجمره
تؤدب الأشراف بالهجران ... ولم تؤدب قط بالحرمانش
لا تصحب المجدود بعد الياس ... فربما أعداك بالإفلاس
السادات البكرية سادات الوجود، وأولياء النعم الذين عرفوا بالكرم والجود.
بيت كبيت العتيق يزوره من لبى وأحرم، ومن نال لثم عتبة بابه فقد ظفر بالحجر المكرم.
ثبتت أوتاده وأطناهب، ووصلت بأسباب السماء أسبابه.
لا زحاف فيه إلا في بيوت حساده، ولا يطأ إلا على رقاب أضداده.
حرم آمن ليس للحوادث عليه هجوم، ولا لشياطين البغي فيه استراق فلذا تستريح شهبه من الرجوم.
فهو نور الكون قبل أن يخلق النيران، وقطب الدائرة قبل أن تؤمر الأفلاك بالدوران.
خالصة الله من عباده أهل الصلاح، وتراب نعالهم كحل لعيون أهل الفلاح.
ما منهم إلا فتى لثوب العز ساحب، وللوقار من الصبا مصاحب، فإذا استوى على كرسيه فملك عليه من المهابة قبل الحاجب حاجب.
بحاار ظمت وعلت القلل متعهدة صوب العهاد، فتوارت البحار خجلا منها في منخفض الوهاد.
ففي جيد الدهر من مدائحهم عقود وقلائد، ليس إلا كلماتها شذرات وقوافيها فوائد.
فمنهم: أحمد بن زين العابدين شهاب أفقهم الثاقب، الكثير المآثر والمناقب.
رايات مشاهده على الآفاق مجلوة، وآيات محامده بألسنة الإطلاق متلوة.
فما فتحت المحابر أفواهها إلا لتنطق ألسنة الأقلام بما مدحته به الأنام، ولا حبر الحبر بياض العطروس بسواد السطور إلا ليشير إلى أن من جملة خدمه الليالي والأيام.
إذا بدا للعيون أدهشها عن التملي حجابه المنيع، وإذا قابله الورد احمرت خدوده إذ أخجل الروض منه الصنيع.
وقد عودته بسط الكف فواصله، فلو أراد قبضها لم تجبه أنامله.
محاسن شيمه خلفها المعالي تسير، ومواطىء هممه كف الثريا إليها تشير.
وإذا رقى نجد المعالي واطئا ... ثهلان مجد في ذراه فارعا
لم يحكه شرفا ولا ظل له ... فلذا يعفر منه خدا ضارعا
وكان يسير سيل الملوك، ويقلد من الترفة بأزهى السلوك.
في عزة أشهر من مثل، وعن الملوك فلا تسل.
وقد ولي قضاء مكة فانضم إلى كعبتها كعبة، وبسط يده في المواهب حتى صير كعبا لا يبلغ في الجود كعبه.
فلا ينتهي من محمدة حتى تكل الخواطر، ولا يرجع عن مأثرة حتى تنقطع عن السير المطي الخواطر.
وهو في الأدب روض توشى ببرده الأخضر من نباته، ونظم النوار قلائده من جيد الجداول في لباته.

(2/150)


وله أشعار أنسق من لؤلؤ المزن في فم الأقاح، وأعبق من عبير ورد الخدود والتفاح.
فدونك منها ما يسحب به الأدب ذيولا، وتأمن زهرات رونقه تغيرا وذبولا.
فمنه قوله:
صب جفاه هجوعه ... والآن زاد ولوعه
كتم الهوى عن قومه ... فوشت عليه دموعه
قالوا الحبيب ممنع ... أحلى الهوى ممنوعه
لو ذاق رضوى بعض ما ... يلقى لذاب جميعه
فهو القتيل بحبه ... ملقى الغرام صريعه
شيخ الهوى بل كهله ... بل طفله ورضيعه
وقوله:
وحق حمرة خد ... تثير بالقلب حمره
تطفي لخمرة ثغر ... بيضاء في الكأس خمره
تجلل لخمرة فضل ... تزيل بالشرب خمره
ومن ألغازه:
غزالة في بردها رافله ... تقتنص الأسد من القافله
في حرم الأمن وقد خلتها ... قائمة بالفرض وبالنافله
قلت لها: رقي، فقالت لمن ... كأنها عن مطلبي غافله
ثم انثنت تلغز لي باسمها ... لغزا به أفكارنا كافله
ما اسم خماسي وتصحيفه ... شبه بدور لم تكن آفله
في سنة المختار خير الورى ... بيانه وهي له شامله
في سنة نبه مستيقظا ... وإن تشا في سنة كامله
ومن نثره جواب لغز في حوراء: أجدت أيها الجهبذ الهمام، وحليت بجواهر زواهر الدرر أجياد الكرام.
واستجليت على منصة فكرتك حوراء الجنان، واستخليت بها في المقاصير الحسان.
فافتر ثغر حنكها للقياك، وروت لك رواية بشر عن الضحاك.
فصابح الله صباحة وجهك بوجهها الحسن، ولا زالت تخدمك المعالي بأنضر فنن.
وله في أشهب، كتبه إلى ابن عمه الوارثي، وكان مالكيا: ما علم مفرد مركب، وضع لحيوان يركب؟ إن رفعت رأس زمامه، دل على اسم جمع ناري في التزامه.
وإن أتيت برأسه إلى أقدامه، فاستعذ بالله من سهامه.
مع أنه على حقيقة الانفراد، إمام تزيد فيه اعتقاد.
وتقتدي بأمره ونهيه وعدله، وقد أقر العلماء بفضله.
خصوصا أهل مذهبكم الشريف، ولا يحتاج إلى تعريف.
وله جواب لغز أرسله إليه الوارثي: بقيت أيها العلامة المصون بلفظ الخالق، تكتحل بإثمد مدادك المكنون عيون الحقائق.
وتسعى لديك جواريها جارية ولو جازت قصبات السبق، مطيعة لأمرك في حالها وماضيها ومضارعها لاستقبال الحق.
ينتظم منثورها لديك انتظام العقود، ويتشعب أريضها تشعب المغايرة في منهلها المورود.
لأنك الفرد الذي زاد الله شرفه، ورقى في مراقي الكمال شرفه.
وكتب إليه: ما قولكم في حرام ورد بالنص، وهو حلال لكل شخص.
ومن أعجب العجاب، أن تفتخ به أولو الألباب.
نزلت في شأنه آيات بينات، وأقيم بوجه الحرمة فيه دلائل واضحات.
ولا حد على من قال بحله، مع أن حده ثابت بصحيح نقله.
شهدت بتحريمه علماء الملل، واعترفوا بالحل ولا زلل.
إن حذفت آخره تراه من الأوتاد، ويطلبه الزهاد والعباد.
فأجابه بقوله:
دمت مولاي بالمعارف تولي ... صحبك الفضل في بديع الكلام
وعجيب في النص شيء حرام ... وهو حل وواجب في الحرام
وهو في الحد قائم حيث يحمي ... كل من جاءه لحفظ الذمام
هو بالنص جائز وحرام ... بل وحاو لسائر الأحكام
وهو أيضا حقيقة ومجاز ... وطريق لنيل كل مرام
فيه أيضا ثواب ساع إليه ... بل وفيه وسيلة الإسلام
هبك بالقلب تخلص الود فيه ... هو نزر فيما له من مقام
أخوه: الأستاذ محمد صاحب الحال والقال، ومن أعجز بوصفه فصحاء المقال.

(2/151)


فهو معدن الفضل الذي خلص عياره، وبحر العلم الذي لا يقتحم بسفن الأفكار تياره.
خلق كما أرادته معاليه، وتمنته أيامه ولياليه.
فلو صور نفسه في الوجود، لم يزدها على ما فيه من الكرم والجود.
فاشتهر شهرة الفجر الصادق في الظلام، وجده أبي بكر الصديق في أهل الإسلام.
وهو خليفة الذي أسرع الأجواد لمحالفته ولم يستقم أمر خلافته مع مخالفته.
فما انقطعت الأقلام في خدمة باريها إلا طمعا في جنات مدحه فواظبت على الخمس، ولا رأى الهلال ما في نفسه من العوج إلا قال اعتذارا له من أين لي وصول إلى مطلع الشمس.
على أن رأس الشمس شاب لانتظاره، والأنجم كلها مقل منتظرة لمحة من أنظاره.
وكان له نواد غاصة، ومجالس عامة وخاصة.
يستخلص فيها من رقت طباعه، وامتد فيما يليق بمكالمته باعه.
فيصفي ألبابهم بمحصول خيره، ويسكن قلوبهم بيمن طيره، ويغنيهم ما عاشوا عن مخالطة غيره.
في حضرة تستنطق محاسنها الخرس، ونازلها متهيء من موسم إلى عرس.
يتنسم في الطلوع والعبو عن عبير، ويثني المعاطف من الحبور في حبير.
الروض ما قد قيل في أيامه ... لا أنه ورد ولا نسرين
والمسك ما لثم الثرى من ذكره ... لا أن كل قرارة دارين
فامتلأت أرجاء الوجود بأرج صفاته الملكية، وخضعت الصناديد الصيد لعتبة عزه الملكية.
وشدت فحول الرجال، نحو سدته الرحال، وكحلت بثراه أعينها بلا منة الكحل والكحال.
وأصبح للآمال ركنا ركينا، وكهفا تأوي إليه العفاة مسكينا.
في خلعة الزاهي لمن شامه ... صحيفة عنوانها البشر
بطلعة تمتلي العين من ... إجلالها والقلب والصدر
وكان في الأدب ممن سلم له المقاد، وله شعر سلم من النقد فإن قائله أنقد النقاد.
إذا ما قال شعرا تاه عجبا ... به بين الخليقة كل شعر
وللأقلام كم قصبات سبق ... حواها في الرهان بيوم فخر
فلم تدرك غبارا منه عين ... ولم تلحق به خطوات فكر
فمن شعره قوله، من قصيدة أرسلها إلى شيخ الإسلام يحيى المنقاري، أولها:
أمسكية الأنفاس أم عبقة الند ... وناسمة الأزهار أم نفحة الورد
ونشوانة الألحاظ أم رئم حاجروثغر القوافي الزهر أم لؤلؤ العقد
ومائسة الأعطاف أم خوط بانة ... ووجه الذي أهواه أم قمر السعد
أعز بني العلياء قدرا ورفعة ... ومن فرع الشماء من رتبة المجد
ومقتعد من صهوة المجد سابقا ... إذا ما دنا حد المطهمة الجرد
ومعتقل للعز صعدة عزمة ... أنابيبها رعافة بدم الأسد
ومرسل أرسال العطايا مباريا ... بأيسرها وطف الغمائم في الرفد
أيا مفتي السلطان إنك واحد ... كمالا وهذا لست أشهده وحدي
وأنت وم يهواك في ذروة العلى ... بفخر ومن يشناك في وهدة الطرد
وإنك والرحمن حلفة صادق ... لأمثل من أهدي له درر الحمد
فلا زال أهل العلم يحيا بفرعكم ... بفضل إله فيضه زاد عن حد
رعى الله أياما مضين كأننا ... بها قد غنمنا العيش في جنة الخلد
توليت فيها مصر توسع أهلها ... نوالا يفوق النيل في واسع المد
وعززت فيها الشرع آية عزة ... بحد حسام سل بالعز عن حد
فيا من له ودي من الناس كلهم ... ومن هو لي من بينهم غاية القصد

(2/152)


ومن صرت في مدحي علاه كأنني ... حمامة جرعا فوق ميالة الملد
على أنني ما فهت يوما لماجد ... سواه بشعر لا بقرب ولا بعد
ولكن دعاني الشوق لبيت داعيا ... وهذا وما أخفيه بعض الذي أبدي
ألية محني الضلوع على الأسى ... تحار الأسا فيما براه من الوجد
له زفرات من فؤاد تضرمت ... بها نار شوق دونها النار في الوقد
لأنت الذي ما حل في القلب غيره ... ولا حال حالي فيه عن ذلك العهد
ولم تر عيني مثله بعده وهل ... يميل إلى غور فتى عاش في نجد
وأعقبها بنثر، صورته: اللهم إني أسألك بأسرار التنزيل التي فاقت البحر والنهر، ويسرت بمعالم تنزيلها المدارك لتسهيل السبيل كل سؤدد وفخر.
وقضيت بكشف معارفها عن كشاف عوارفها لمن أصبح عادلا وابن عادل، فما أفتى مفت إلا وانفهق من من قلبه ينبوع الحياة وحصل منه الكمال بكمال الفضائل.
وما أعرب عما أغرب بباسقات تبيانه إلا وكان الدر المنثور، وما أطنب بكل كلام أطيب إلا بفتح الرحمن الكفيل له بتيسير الأمور.
أن تمد حضرة مولانا شيخ الإسلام، الذي أحيى الله تعالى بوجوده مآثر العلماء الأعلام.
نخبة أرباب العلوم، والمحلى لجيد الدهر بقلائد المنثور والمنظوم.
صاحب المقامات الحسنة في ترغيبه وترهيبه من فعله الحسن، بادي الإرشاد بتنبيه الغافلين فيما ظهر وبطن.
فالدرر المنيرة من مواهبه اللدنية، المتفق عند الثقاة على دلائله منهاج التوضيح من فتح رب البرية.
ما اختلف في فضله اثنان، بل ائتلف على حبه كل إنسان.
مرسل أوصافه مسلسل بكل كمال، وحديث أفضاله متصل بالخبر في الغدو والآصال.
ضياء مشكاة أفكاره مشارق الأنوار، ومصابيح آرائه مضيئة بالعشي والإبكار، بتنوير الأبصار والبصائر، المختار من خلاصة أهل العناية فلا أشباه له ولا نظائر.
فالدر والغرر من كنز بحر علمه الرائق، الجامع المحيط بما يقصر عنه نهر الحقائق.
الحائز من البداية أسرار الهداية، صدر الشريعة منشرح بنقاية الوقاية وغاية النهاية.
تنقيح عباراته يبدي درر بحاره، وتوضيح تلويح إشاراته يهدي إلى الإسعاف بمنتقى اللطائف.
مجمع بحري العلم والعمل، ورمز الحقائق الموصل إلى خزانة الفقه بفيض الأزل.
فجامع الفتاوى يضيء من جوهره لبه المنير، وفتاوى ابن نجيم من بياته برسم بنانه الكاشف عن سرة السرير.
منار الدين وصاحب الاستقصاء لفصول البدائع، بحر الأصول في المعقول والمنقول بل جمع الجوامع.
منهاجه قويم، ونهجه مستقيم.
وكيف لا وهو العضد وحاوي التحرير، أبكار أفكاره المستقصر من لب اللباب عند كل خبير.
فالنقود والردود من أبحاثه حاصله، ومرقاة الوصول لذي الأصول واصلة.
صاحب التمهيد والتجريد بالهداية إلى مواقف المقاصد، والمقامات العلية في آداب البحث لذوي العقائد.
فكم له من محاورات يحصل بها الشفا، لبيان حكمة العين ممن كان في غموضها على شفا.
قوي الطالع سامي العماد، سيد في مطالع السعد على أولي الطوالع الأمجاد.
له المحاكمات الشمسية في تهذيب جميل الفرائد، المنتظمة في سلك تقرير الملخص للفوائد.
ذي المناهج الوافية بتحفة المودود، وطالع نظام السعد الذي هو أسنى المطالب في تحقيق المقصود.
عباراته الشافية مراح الأرواح، المشرقة بسناء الإيجاز التعريف الفائض للمصباح عز الموالي فالمنسوب إليه عزي الأفاضل، الآتي بما لم تأت به الأوائل.
لا غرو أنه مغني اللبيب، وتحفة الغريب.
ألفاظه الكافية في تسهيل الصلاة والعوائد، وموارده الصافية لكل وارد لتحصيل خلاصة القواعد.
ما قطر الندى إلا من بحر علمه البسيط، وجمع جوامع فوائده واف محيط.
المنهل العذب لوارديه، والكافي الشافي لمريدي الارتشاف وطالبيه.
عصام الدنيا والدين، فوائده الضيائية عمدة أهل التمكين.
مجيب الندا لراجي همع عوارفه، ومجلي ظلمات الردى بإشراق نجمه السعيد في سماء معارفه.
عين أنموذج الكمالات، فكم أبدى كل ملحة من عباب فكره الجامع لأشتات المكرمات.

(2/153)


عرائس أبار معانيه متحلية بشذور الذهب الخالص، المفضل بالدر النفيس الذي هو بعض ما فيه من الخصائص.
فما عقود الجمان لعروس الأفراح إلا كالمثل السائر، وما مصاح الإصباح على زهر الربيع إلا دون أسرار بلاغته في الضياء لكل ناظر.
فكل مطول أو أطول في بيان فضائله مختصر، ودلائل شمائله لائحة لكل منش أراد الإطناب في مدحه البديع فاقتصر.
فما كل فصيح وإن نطق بلسان العرب، وارتقى بمحاسن الصفات وتهذيب الأسماء واللغات أعلى مراتب الأدب، إلا قطرة من عبابها الذي ليس له نهاية، وشذرة من عقد صحاحها الجوهري اللامع سناؤه لأبصار ذوي الفضل والدراية.
ومجمل القول فيه أنه عين أرباب الفضائل، وتاج مصادر العرفان وصدر الأفاضل.
لا زال صاحب الحماسة والسماحة، وقوله المغرب في نقد الشعر المطرب مرجعا لأهل البلاغة والفصاحة.
أما بعد؛ فإن الله تعالى عز وجل لما علم ما وهبكم من الكمالات السنية، واختار لكم من المقامات الزكية، خالط أرواح العلماء بمحبتكم، وجعل قوام أمزجتها مزيد مودتكم، حتى لقد كادت أشباحهم تسابق النسور إلى أعتاب عزتكم.
خدمة ومحبة، وتوجهات قلوبهم لم تزل ملازمة لأبواب سعادتكم شغفا ورغبة.
وعند المحب بما يعلم الله تعالى من الشوق، ما هو فوق الطوق.
ما هبت شمال وصبا، إلا مال إليها وصبا.
على أن ملاك هذا الأمر كله سر التوالف بالعوارف المؤكدة، المشار إليها بقوله صلى الله عليه وسلم: " الأرواح جنود مجندة " .
ولده زين العابدين هذا الأستاذ في العباد، كمصر حرسها الله تعالى في البلاد.
فكما هي محتوية على العالم الأكثر، فهو وله الفضل منطو على العالم الأكبر.
وإذا حققت فما هي إلا عبارة عن ناديه، وما أصابع نيلها إلا من فضل أياديه.
محامده تخلدها أقلام الأقدار، بمداد الليل في قرطاس النهار.
وترسمها حداة القطار، في مسالك الأقطار، وبتذهيب الأسفار.
وزمانه هدية الفلك، ولطفه ينبىء عن خلق الملك.
وناديه فائدة كل فؤاد، وجاره أمنع من جار أبي دؤاد.
ألسنة الثناء بفضله منطلقة، وأيدي الرجاء بحبله معتلقة.
وأياديه لا تزال تنشىء غض الأمل المقتبل، وأياديه عالية على الأيدي فلم يعلها من شيء إلا القبل.
فما قبلت له الأفواه كفا، إلا لرؤيتها بحرا تطلب منه رشفا.
سقى الله بحرا منه بالنيل لم يزل ... يفيض لراجية ندى ورغائبا
وحيي زمانا فيه غرة وجهه ... تحية صوب المزن يروي السحائبا
وكان قبل أن يشرف الشام بحلول قدمه، ويحييها بيمن طالعه الذي أضحت سعود الفلك من جملة خدمه.
لم تزل أخباره حظ القلوب والمسامع، وآثاره حلية الأفواه ورونق المجامع.
فتشتاق النفوس إليه شوقه لإسداء الجميل، وتشتهي لقاه شهوته سبق عطائه التأميل.
إلى أن عزم على زيارة القدس الشريف، وحلها فكسا بقاعها حلة الابتهاج والتشريف.
ثم عن له النهوض إلى دمشق لرؤية معاهدها، والتملي حينا بمشاهدة مشاهدها.
فجرت بهذا العزم ذيل الفرح، وتسربلت برداء الجذل والمرح.
وودت أن يركب النجم السيار، ويمتطي الفلك الدوار.
لتقرب حركته، وتعود عليها وعلى أهلها بركته.
فابتدرت الفصحاء من أهاليها، تخطبه بفرائد الآثار من لآليها.
وكنت ممن تطفل باستدعائه، وفكره مصروف إلى ثنائه ودعائه.
فكتبت إليه، أسبغ الله نعمه عليه:
أورت يد البرق في الربى زندا ... فمجمر النور ضوع الندا
ونام من نبتها رضيع ندى ... تهز أيدي الصبا له مهدا
والطل في زهرة يضاحكها ... لآلىء ضمن مدهن يندى
وجدول الماء في مفاضته ... قد سردت درعه الصبا سردا
وما أرتنا الجنان حلتها ... حتى أرتنا في جيدها عقدا
فحبذا طلعة الربيع وقد ... ألبست الأرض وشيها بردا
وحبذا الشام أرض مؤتلف ... تنبت حب القلوب والودا

(2/154)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية