صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
المؤلف : أحمد بن المقري التلمساني
المحقق : إحسان عباس
الناشر : دار صادر- بيروت - لبنان ص.ب 10
الطبعة :
الجزء : 1 - الطبعة : 0 ، 1900
الجزء : 2 - الطبعة : 1 ، 1997
الجزء : 3 - الطبعة : 1 ، 1997
الجزء : 4 - الطبعة : 1 ، 1997
الجزء : 5 - الطبعة : 1 ، 1997
الجزء : 6
الطبعة الأولى 1968
طبعة جديدة 1997
الجزء : 7 - الطبعة : 0 ، 1900
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : الوراق

[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

وللمعتمد أولاد ملوك منهم المأمون والرشيد والراضي والمعتد وغيرهم، وقد سردنا خبر بعضهم.
674 - مدائح ابن اللبانة في بني عباد
وكان الداني المذكور مائلا إلى بني عباد بطبعه، إذ كان المعتمد هو الذي جذب بضبعه، وله فيه المدائح الأنيقة، التي هي أذكى من زهر الحديقة، فمن ذلك قوله من قصيدة يمدحه بها ويذكر أولاده الأربعة، الذين عمروا من المجد أربعة، وهم الرشيد عبيد الله والراضي يزيد والمأمون والمؤتمن، وكانوا نجوم ذلك الأفق وغيوث ذلك الزمن، ولقد أجاد في ذلك كل الإجادة، وأطال لمجدهم نجاده:
يغيثك في محل، يعينك في ردى يروعك في درع، يروقك في برد
جمال وإجمال وسبق وصولة كشمس الضحى كالمزن كالبرق كالرعد
بمهجته شاد العلا ثم زادها بناء بأبناء جحاجحة لد
بأربعة مثل الطباع تركبوا لتعديل ذكر المجد والشرف العد
والمأمون بن المعتمد قتله لمتونة بقرطبة، والراضي يزيد قتلوه برندة كما سقنا خبره آنفا، وفي حالتهم هذه يقول الشاعر المشهور عبد الجبار بن حميدس الصقلي:
ولما رحلتم بالندى في أكفكم وقلقل رضوى منكم وثبير
رفعت لساني بالقيامة قد دنت فهذي الجبال الراسيات تسير
وفي قصة المعتمد يقول الداني المذكور:
لكل شيء من الأشاء ميقات وللمنى في مناياهن غايات

(4/256)


والدهر في صفة الحرباء منغمس ألوان حالاته فيها استحالات
ونحن من لعب الشطرنج في يده وطالما قمرت بالبيدق الشاة
انفض يديك من الدنيا وزينتها فالأرض قد أقفرت والناس قد ماتوا
وقل لعالمها الأرضي قد كتمت سريرة العالم العلوي أغمات
وهي طويلة ذكرها الفتح وغيره.
وللداني أيضا قصيدة عملها في المعتمد وهو بأغمات سنة 486 (1) :
تنشق بريحان السلام فإنما أفض به مسكا عليك مختما
وقل لي مجازا إن عدمت حقيقة لعلك في نعمي فقد كنت منعما
أفكر في عصر مضى بك مشرقا فيرجع ضوء الصبح عندي مظلما
وأعجب من أفق المجرة إذ رأى كسوفك شمسا كيف أطلع أنجما
لئن عظمت فيك الرزية إننا وجدناك منها في الرزية أعظما
قناة سعت للطعن حتى تقسمت وسيف أطال الضرب حتى تثلما
ومنها:
بكى آل عباد (2) ولا كمحمد ... وأولاده صوب الغمامة إذ همى حبيب إلى قلبي حبيب لقوله عسى طلل يدنو بهم ولعلما
صباحهم كنا به نحمد السرى فلما عدمناهم سرينا على عمى
وكنا رعينا العز حول حمامهم فقد أجدب المرعى وقد أقفر الحمى
وقد ألبست أيدي الليالي قلوبهم مناسج سدى الغيث فيها وألحما
قصور خلت من ساكنيها فما بها سوى الأدم تمشي حول واقفة الدمى
__________
(1) سمو 486: سقطت من م.
(2) ق م: محمود.

(4/257)


تجيب بها الهام الصدى ولطالما أجاب القيان الطائر المترنما
كأن لم يكن فيها أنيس، ولا التقى بها الوفد جمعا والخميس عرمرما
ومنها:
حكيت وقد فارقت ملكك مالكا ومن لهي أحكي عليك متمما
مصاب هوى بالنيرات من العلا ولم يبق في أرض المكارم معلما
تضيق علي الأرض حتى كأنما خلقت وإياها سوارا ومعصما
ندبتك حتى لم يخل لي الأسى دموعا بها أبكي عليك ولا دما
وإني على رسمي مقيم فإن أمت سأجعل للباكين رسمي موسما
بكاك الحيا والريح شقت جيوبها عليك وناح الرعد باسمك معلما
ومزق ثوب البرق واكتست الضحى حدادا وقامت أنجم الجو أفحما
وحار ابنك الإصباح وجدا فما اهتدى وغار أخوك البحر غيضا فما طمى
وما حل بدر التم بعدك دارة ولا أظهرت شمس الظهيرة مبسما
قضى الله أن حطوك عن ظهر أشقر بشم وأن أمطوك أشأم أدهما
وكان قد انفكت عنه القيود، فأشار إلى ذلك بقوله فيها:
قيودك ذابت فنطلقت لقد لقدغدت قيودك منهم بالمكارم أرحما
عجبت لأن لان الحديد وأن قسوا لقد كان منهم بالسريرة أعلما
سينجيك من نجى من السجن يوسفا ويؤويك من آوى المسيح بن مريما
ولأبي بكر الداني المذكور في البكاء على أيامهم وانتثار نظامهم عدة مقطوعات وقصائد، هي قرة عين الطالب ونجعة الرائد، وقد اشتمل عليها جزء لطيف، صدر عنه في هيئة تصنيف، سماه " السلوك في وعظ الملوك " ، ووفد على المعتمد وهو بأغمات، عدة وفادات، لم يخل في جميعها من إفادات، وقال في إحداها، هذه وفادة وفاء لا وفادة اجتداء.

(4/258)


675 - مقتطفات من أخبار المعتمد
قال غير واحد: من النادر الغريب أنه نودي في جنازته " الصلاة على الغريب " بعد عظم سلطانه، وسعة أوطانه، وكثرة صقلبته وحبشانه، وعظم أمره وشانه، فتبارك من له العزة والبقاء والدوام، واجتمع عند قبره جماعة من الأقوام، الذين لهم في الأدب حصة، ولقضية المعتمد في صدورهم غصة، منهم البالغ في البلاغة الأمد، شاعره أبو بحر عبد الصمد، وكان به خصيصا، وكم ألبسه من بره حلة وقميصا، فقال من قصيدة طويلة أجاد فيها ما شا، وجلب بها إلى أنفس الحاضرين بعد الأنس إيحاشا، مطلعها:
ملك الملوك أسامع فأنادي أم قد عدتك عن السماع عوادي
ومنها:
لما خلت منك القصور ولم تكن فيها كما قد كنت في الأعياد
قبلت من هذا الثرى لك خاضعا وجعلت قبرك موضع إنشاد
فلما بلغ من إنشاده، إلى مراده، قبل الثرى ومرغ جسمه وعفر خده، فبكى كل من حضر وصرفه ذلك عن سرور العيد وصده، إذ كانت هذه القصة يوم عيد، فسبحان المبدئ المعيد.
ويحكى أن رجلا رأى في منامه إثر الكائنة على المعتمد بن عباد كأن رجلا صعد منبر جامع قرطبة فاستقبل الناس وأنشد هذه الأبيات متمثلا:
رب ركب قد أناخوا عيسهم في ذرى مجدهم حين بسق
سكت الدهر زمانا عنهم ثم أبكاهم دما حين نطق
وعاش أبو بكر ابن اللبانة المعروف بالداني المذكور آنفا بعد المعتمد، وقدم ميورقة آخر شعبان سنة 489، ومدح ملكها مبشر بن سليمان بقصيدة مطلعها:

(4/259)


ملك يروعك في حلى ريعانه راقت برونقه صفات زمانه
وأين هذا من أمداحه في المعتمد
وتذكرت هنا من أحوال الداني أنه دخل على ابن عمار في مجلس، فأراد أن يندر به وقال له: اجلس ياداني، بغير ألف، فقال له: نعم يا ابن عمار، بغير ميم، وهذا هو الغاية في سرعة الجواب والأخذ بالثأرفي المزاح.
ونظيره - وإن كان من باب آخر - أن المعتمد مر مع وزيره ابن عمار ببعض أرجاء إشبيلية، فلقيتهما امرأة ذات حسن مفرط، فكشفت وجهها، وتكلمت بكلام لايقتضيه الحياء، وكان ذلك بموضع الجباسين الذين يصنعون به الجبس والجيارين الصانعين للجير، بإشبيلية، فالتفت المعتمد إلى موضع الجيارين، وقال: يا ابن عمار الجيارين، ففهم مراده، وقال في الحال: يا مولاي والجباسين، فلم يفهم الحاضرون المراد، وتحيروا، فسألوا ابن عمار، فقال له المعتمد: لاتبعها منهم إلا غالية، وتفسيرها أن ابن عباد صحف " الحيا زين " بقوله
الجيارين إشارة إلى أن تلك المرأة لو كان لها حياء لازدانت، فقال له والجباسين وتصحيفه " والخناشين " أي: هي وإن كانت جميلة بديعة الحسن لكن الخنا شانها، وهذا شأو لا يلحق.
ومن أخبار المعتمد أنه جلس يوما والبزاة تعرض عليه، فاستحث الشعراء في وصفها، فصنع ابن وهبون بديها:
للصيد قبلك سنة مأثورة لكنها بك أبدع الأشياء
تمضي البزاة وكلما أمضيتها عاطيتها بخواطر الشعراء
فاستحسنهما، وأسنى جائزته.
وذكر ابن بسام أن أبا العرب الصقلي حضر مجلس المعتمد يوما وقد حمل إليه حمولة وافرة من قراريط الفضة، فأمر له بسكين منها، وكان بين يديه تماثيل

(4/260)


عنبر من جملتها جمل مرصع بالذهب واللآلئ، فقال أبو العرب معرضا: ما يحمل هذين الكيسين إلا جمل، فابتسم المعتمد وأمر له به، فقال أبو العرب بديها:
أهديتني (1) جملا جونا شفعت به ... حملا من الفضة البيضاء لو حملا نتاج جودك في أعطان مكرمة لا قد تصرف من منع ولا عقلا
فاعجب لشأني فشأني كله عجب رفهتني فحملت الحمل والجملا
وذكر الحجاري هذه القصة فقال: قعد المعتمد في مجلس احتفل في تنضيده وإحضار الطرائف الملوكية، وكان في الجملة تمثال جمل من بلور، وله عينان من ياقوتتين، وقد حلي بنفائس الدر، فأنشده أبو العرب قصيدة، فأمر له بذهب كثير مما كان بيده من السكة الجديدة، فقال معرضا بذلك الجمل: ما يحمل هذه الصلة إلا جمل! فقال: خذ هذا الجمل، فإنه حمال أثقال، فارتجل شعرا منه:
رفهتني فحملت الحمل والجملا
وذكر أن ذلك الجمل بيع بخمسمائة مثقال، فسارت بهذا الخبر الركائب، وتهادته المشارق والمغارب.
وتباحث المعتمد مرة مع الجلساء في بيت المتنبي الذي زعم أنه أمير شعره:
أزورهم وسواد الليل يشفع لي وأنثني وبياض الصبح يغري بي
فقال: ما قصر في مقابلة كل لفظة بضدها إلا أن فيه نقدا خفيا، ففكروا فيه، فلما فكروا وقالوا له: ما وقفنا على شيء، فقال: الليل لا يطابق إلا بالنهار لأن الليل كلي والصبح جزئي، فتعجب الحاضرون، وأثنوا على تدقيق انتقاده.
__________
(1) أهديت لي؛ وقد مرت الأبيات في ج 3: 569.

(4/261)


قال الصفدي: قلت: ليس هذا بنقد صحيح، والصواب مع أبي الطيب، لأنه قال " أزورهم وسواد الليل يشفع لي " فهذا محب يزور أحبابه في سواد الليل خوفا ممن يشي به، فإذا لاح الصبح أغرى به الوشاة، ودل عليه أهل النميمة، والصبح أول ما يغري به قبل النهار، وعادة الزائر المريب أن يزور ليلا، وينصرف عند انفجار الصبح خوفا من الرقباء، ولم تجر العادة أن الخائف يتلبث إلى أن يتوضح النهار، ويمتلئ الأفق نورا، فذكر الصبح هنا أول من ذكر النهار، والله أعلم، انتهى.
قلت: كان يختلج في صدري ضعف ما قال الصفدي، حتى وقفت على ما كتبه البدر البشتكي، ومن خطه نقلت ما صورته: هو ما انتقد عليه المعنى، إنما انتقد عليه مطابقة الليل بالصبح، فإن ذلك فاسد، انتهى، فحمدت الله على الموافقة، انتهلى.
وقال في بدائع البدائه (1) : جلس المعتمد للشرب وذلك في وقت مطر أجرى كل وهدة نهرا، وحلى جيد كل غصن من الزهر جوهرا، وبين يديه جارية تسقيه وهي تقابل وجهها بنجم الكأس في راحة كالثريا، وتخجل الزهر بطيب العرف والريا، فاتفق أن لعب البرق بحسامه، وأجال سوطه المذهب يسوق به ركامه، فارتاعت لخطفته، وذعرت من خيفته، فقال المعتمد بديها:
روعها البرق وفي كفها برق من القهوة لماع
عجبت منها وهي شمس الضحى كيف من الأنوار ترتاع
فاستدعى عبد الجليل بن وهبون المرسي، وأنشده البيت الأول مستجزيا، فقال عبد الجليل:
ولن ترى أعجب من آنس من مثل ما يمسك يرتاع
__________
(1) بدايع البدائه 1: 100 - 101؛ وانظر ص: 92 من هذا الجزء.

(4/262)


فاستحسنه، وأمر له بجائزة.
قال ابن ظافر: وبيته عندي أحسن من بيت المعتمد، انتهى.
وقال ابن بسام (1) : كان في قصر المعتمد فيل من الفضة على شاطئ بركة يقذف الماء، وهو الذي يقول فيه عبد الجليل بن وهبون من بعض قصيدة:
ويفرغ فيه مثل النصل بدع من الأفيال لا يشكو ملالا
رعى رطب اللجين فجاء صلبا تراه قلما يخشى هزالا
فجلس المعتمد يوما على تلك البركة والماء يجري من ذلك الفيل، وقد أوقدت شمعتان من جانبيه، والوزير أبو بكر ابن الملح عنده، فصنع الوزير فيهما عدة مقاطيع بديها منها:
ومشعلين من الأضواء قد قرنا بالماء والماء بالدولاب منزوف
لاحا لعيني كالنجمين، بينهما خط المجرة ممدود ومعطوف
وقال أيضا:
كأنما النار فوق الشمعتين سنا والماء من نفذ الأنبوب منسكب
غمامة تحت جنح الليل هامعة في جنبيها حفاف البرق يضطرب
وقال أيضا:
وأنبوب ماء بين نارين ضمنا هوى لكؤوس الراح تحت الغياهب
كأن اندفاع الماء بالماء حية يحركها في الماء لمع الحباحب
وقال أيضا:
كأن سراجي شربهم في التظائها وأنبوب ماء الفيل في سيلانه
كريم تولى كبره من كليهما لئيمان في إنفاقه يعذلانه
__________
(1) بدايع البدائه 2: 137.

(4/263)


676 - ابن زيدون عند بني عباد
ولما مات والد المعتمد واستقل بالملك قال ذو الوزارتين ابن زيدون يرثي المعتضد ويمدح المعتمد بقصيدة طويلة أولها (1) :
هو الدهر فاصبر للذي أحدث الدهر ... فمن شيم الأحرار (2) في مثلها الصبر
ستصبر صبر اليأس أو صبر حسبة (3) ... فلا تؤثرالوجه الذي معه الوزر حذارك من أن يعقب الرزء فتنة يضيق بها عن مثل إيمانك العذر
إذا آسف الذكل اللبيب فشفه ... رأى أفدح الثكلين أن يذهب (4) الأجر مصاب الذي يأسى بموت ثوابه هو البرح لا الميت الذي أحرز القبر
حياة الورى نهج إلى الموت مهيع لهم فيه إيضاع كما يوضع السفر
ومنها:
إذا الموت أضحى قصد كل معمر فإن سواء طال أو قصر العمر
ألم تر أن الدين ضيم ذماره فلم يغن أنصاره عديدهم دثر
بحيث استقل الملك ثاني عطفه وجرر من أذياله العسكر المجر
هو الضيم لو غير القضاء يرومه ثناه المرام الصعب والمسلك الوعر
إذا عثرت جرد العناجيج في القنا بليل عجاج ليس يصدعه فجر
ومنها:
أعباد يا أوفى الملوك لقد عدا عليك زمان من سجيته الغدر
إلى أن قال بعد أبيات كثيرة:
__________
(1) ديوان ابن زيدون: 562.
(2) الديوان: الأبرار.
(3) في الأصول: وحشة.
(4) الديوان: أن يهلك.

(4/264)


ألا أيها المولى الوصول عبيده لقد رابنا أن يتلو الصلة الهجر
يغاديك داعينا السلام كعهده فما يسمع الداعي ولا يرفع الستر
أعتب علينا ذاد عن ذلك الرضى ... فتسمع (1) أم بالسمع المعتلي وقر ومنها:
وكيف بنسيان وقد ملأت يدي جسام أياد منك أيسرها الوفر
وإن كنت لم أشكر لك المنن التي ... تمليتها تترى فأوبقني (2) الكفر فهل علم الشلو المقدس أنني مسوغ حال حار في كنهها الفكر
وأن متاتي لم يضعه محمد خليفتك العدل الرضى وابنك البر
هو الظافر الأعلى المؤيد بالذي له في الذي وافاه من صنعه سر
له (3) في اختصاصي ما رأيت وزادني ... مزية زلفى من نتائجها الفخر وأرغم في بري أنوف عصابة لقاؤهم جهم ولحظهم شزر
إذا ما استوى في الدست عاقد حبوة وقام سماطا حفله فلي الصدر
وفي نفسه العلياء لي متبوأ ... يساجلني (4) فيه السماكان والنسر ومنها:
لك الخير إن الرزء كان غيابة (5) ... طلعت لنا فيها كما طلع البدر فقرت عيون كان أسخنها البكا وقرت قلوب كان زلزلها الذعر
ومنها:
ولما قدمت الجيش بالأمر أشرقت إليك من الآمال آفاقها الغبر
__________
(1) الديوان: فنعتب.
(2) الأصول: فلا بقي؛ وهو خطأ.
(3) الديوان: رأي.
(4) الديوان: ينافسي.
(5) في الأصول والديوان: غيابة - بالباء الموحدة - ؛ والغاية: السحابة، وهو أنسب لذكر البدر.

(4/265)


فقضيت من فرض الصلاة لبانة ... فشيعها نسك وقارنها (1) طهر
ومن قبل ما قدمت مثنى نوافل ... يلاقي بها من صام من عوز (2) فطر
ورحت إلى القصر الذي غض طرفه ... بعيد التسامي أن غدا غيره قصر وأجمل عن الثاوي العزاء فإن ثوى فإنك لا الواني ولا الضرع الغمر
وما أعطت السبعون قبل أولي الحجى من اللب ما أعطاك عشروك والعمر
ألست الذي إن ضاق ذرع بحادث تبلج منه الوجه واتسع الصدر
فلا تهض الدنيا جناحك بعده فمنك لمن هاضت نوائبها جبر
ولا زلت موفور العديد بقرة لعينك مشدودا بها ذلك الأزر
فإنك شمس في سماء رياسة تطلع منهم حولنا أنجم زهر
شككنا فلم نثبت: أأيام دهرنا بها وسن أم هز أعطافها سكر
وما إن تغشتها مغازلة الكرى ... وما إن تمشت في معاطفها الخمر (3) سوى نشوات من سجايا مملك يصدق في عليائها الخبر الخبر
أرى الدهر إن يبطش فأنت ينينه وإن تضحك الدنيا فأنت لها ثغر
وكم سائل بالغيب عنك أجبته هناك الأيادي الشفع والسودد الوتر
هناك التقى والعلم والحلم والنهى وبذل اللها والبأس والنظم والنثر
همام إذا لاقى المناجز رده وإقباله خطر وإدباره حصر
محاسن ما للروض سامره الندى رواء إذا نصت حلاها ولا نشر
متى انتشقت لم تدر (4) دارين مسكها ... حياء ولم تفخر بعنبرها الشحر عطاء ولا من، وحكم ولا هوى وحلم ولا عجز، وعز ولا كبر
قد استوفت النعماء فيك تمامها علينا فمنا الحمد لله والشكر
__________
(1) الديوان: مشيعها... وفارطها.
(2) في الصول: غيره.
(3) الديوان: في مفاصلها خمر.
(4) الديوان: لم تطر.

(4/266)


وكتب ابن زيدون المذكور إلى المعتمد رحمهما الله تعالى يشوقه إلى تعاطي الحميا، في قصوره البديعة التي منها المبارك والثريا (1) :
فز بالنجاح وأحرز الإقبالا وخذ المنى وتنجز الآمالا
وليهنك التأييد والظفر اللذا صدقاك في السمة العلية فالا
يا أيها الملك الذي لولاه لم تجد العقول الناشدات كمالا
أما الثريا فالثريا نسبة وإفادة وإنافة وجمالا
قد شاقها الإغباب حتى إنها لو تستطيع سرت إليك خيالا
رفه ورودكها لتغنم راحة وأطل مزاركها لتنعم بالا
وتأمل (2) القصر المبارك وجنة ... قد وسطت فيها الثريا خالا
وأدر هناك من المدام كؤوسها ... وأتمها (3) وأشفها جريالا قصر يقر العين منه مصنع بهج الجوانب لو مشى لاختالا
لا زلت تفترش السرور حدائقا فيه وتلتحف النعيم ظلالا
وأهدى إليه تفاحا، واعتقد أن يكتب معه قطعة، فبدأ بها، ثم عرض له غيرها فتركها ثم ابتدأ (4) :
دونك الراح جامده وفدت خير وافده
وجدت سوق ذوبها عندك اليوم كاسده
فاستحالت إلى الجمو د وجاءت مكايده
وكتب إلى المعتمد (5) :
__________
(1) ديوان ابن زيدون: 520.
(2) الديوان: وتمثل.
(3) الديوان: أنمها أرجا زكا.
(4) الديوان: 224.
(5) الديوان: 616.

(4/267)


يا أيها الظافر نلت المنى ولا أتانا فيك محذور
إن الخلال الزهر قد ضمها ثوب عليك الدهر مزرور
لا زال للمجد الذي شدته ربع بتعميرك معمور
وافاك نظم لي في طيه معنى معمى اللفظ مستور
مرامه يصعب ما لم يبح بالسر قمري وشحرور
وذكر أبياتا فيها أسماء طيور عمى بها عن بيت طيره فيها، والبيت المطير فيه:
أنت إن تغز ظافر فليطع من ينافر
ففكه المعتمد وجاوبه (1) :
يا خير من يلحظه ناظري ... شهادة ما شأنها (2) زور ومن إذا خطب دجا ليله لاح به من رأيه نور
جاءتني الطير التي سرها نظم به قلبي مسرور
شعر هو السحر فلا تنكروا أنني به ما عشت مسحور
اللفظ والقرطاس إن شبها قيل هما مسك وكافور
هوى لحسن الطير من فكرتي صقر فولى وهو مقهور
ولاح لي بيت فؤادي له دأبا على ودك مقصور
حظك من شكري يا سيدي ... حظ تمالا منك (3) موفور فصرت في نظمي فاعذر فمن ضاهاك في التقصير معذور
فأنت إن تنظم وتنثر فقد أعوز منظوم ومنثور
__________
(1) انظر ديوان ابن زيدون: 618.
(2) الديوان: شابها.
(3) الديوان: بما بدا لي منك.

(4/268)


لا يعدكم روض من الحظ في ال إكرام والترفيع ممطور
فكتب إليه ابن زيدون (1) :
حظي من نعماك موفور وذنب دهري بك مغفور
وجانبي إن رامه أزمة (2) ... حجر لدى ظلك محجور يا ابن الذي سرب الهدى آمن منذ انبرى يحميه مخفور
وآمر الدهر الذي لم يزل ... يصغي إليه منه مأمور
ألبس منك الدهر (3) أسنى الحلى ... بظافر منحاه منصور
يا مروري (4) المأثور يا من له ... مجد مع الأيام مأثور عبدك إن أكثر من شكره فهو بما توليه مكثور
إن تعف عن تقصيره منعما فاليسر أن يقبل معسور
إن حلال السحر إن صغته في صحف الأنفس مسطور
نظم زهاني منه إذ جاءني علق عظيم القدر مذخور
لا غرو أن أفتن إذ لاحظت فكري منه أعين حور
تنم عن معناه ألفاظه كما وشى بالراح بلور
جهلت إذ عارضته غير أن لا بد أن ينفث مصدور
يا آل عباد موالاتكم زاك من الأعمال مبرور
إن الذي يرجو موازاتكم من المناوين لمغرور
مكانه منكم كما انحط عن منزلة المرفوع مجرور
لا زلتم في غبطة ما انجلى عن فلق الإصباح ديجور
__________
(1) ديوانه: 620.
(2) الديوان: إن زمني رامه.
(3) الديوان: الملك.
(4) في الصول: قام وفي؛ والمأثور: السيف.

(4/269)


ولا يزال يجري بما شئتم أعماركم لله مقدور
وكتب المعتمد إلى ابن زيدون بعد أن فك معمى كتب به إليه ابن زيدون ما صورته (1) :
العين بعدك تقذى بكل شيء تراه
فليجل شخصك عنها ما بالمغيب جناه
وقد قدمنا من كلام أبي الوليد ابن زيدون رحمه الله تعالى ما فيه كفاية.
رجع إلى بني عباد
قال ابن حمديس (2) : لما قدمت وافدا على المعتمد بن عباد استدعاني وقال: افتح الطاق، فإذا بكير زجاج والنار تلوح من بابيه، وواقده يفتحهما تارة ويسدهما أخرى، ثم أدام سد أجدهما، وفتح آخر، فحين تأملتهما قال لي: أجز:
انظرهما في الظلام قد نجما فقلت:
كما رنا في الدجنة الأسد
فقال:
يفتح عينيه ثم يطبقها
فقلت:
فعل امرىء في جفونه رمد
__________
(1) ديوان ابن زيدون: 214.
(2) انظر هذا الخبر ومقطعات ابن حمديس في ديوانه: 8، 533، 543، والخبر في النفح 3: 616 - 617.

(4/270)


فقال:
فابتزه الدهر نور واحدة
فقلت:
وهل نجا من صروفه أحد
فاستحسن ذلك وأطربه، وأمر لي بجائزة، وألزمني الخدمة.
677 - مقطعات لابن حمديس
وعلى ذكر ابن حمديس فما أحسن قوله:
أراك ركبت في الأهوال بحرا عظيما ليس يؤمن من خطوبه
تسير فلكه شرقا وغربا وتدفع من صباه إلى جنوبه
وأصعب من ركوب البحر عندي أمور ألجأتك إلى ركوبه
ولغيره:
إن ابن آدم طين والبحر ماء يذيبه
لولا الذي فيه يتلى ما جاز عندي ركوبه
وقال ابن حمديس في هذا المعنى:
لا أركب البحر، أخشى علي منه المعاطب
طين أنا وهو ماء والطين في الماء ذائب
رجع إلى بني عباد رحمهم الله تعالى
قال ابن بسام (1) : أخبرني الحكيم النديم المطرب أبو بكر ابن الإشبيلي، قال:حضرت مجلس الرشيد بن المعتمد بن عباد وعنده الوزير أبو بكر ابن عمار،
__________
(1) بدائع البدائه: 129.

(4/271)


فلما دارت الكأس، وتمكن الأنس، وغنيت أصواتا ذهب الطرب بابن عمار كل مذهب، فارتجل يخاطب الرشيد:
ما ضر أن قيل إسحاق وموصله ها أنت أنت وذي حمص وإسحاق
أنت الرشيد فدع من قد سمعت به وإن تشابه أخلاق وأعراق
لله درك داركها مشعشعة واحضر بساقيك ما قامت بنا ساق
وكان الرشيد هذا أحد أولاد المعتمد النجبا، وله أخبار في الكرم يقضي الناظر فيها من أمرها عجبا، وكذلك إخوته، وقد ألمعنا في هذا الكتاب بجملة من محاسنهم، وأمهم اعتماد الملقبة بالرميكية هي التي ترجمناها في هذا الموضع، واقتضت المناسبة ذكر أمر بني عباد، فلنعد إلى ما كنا بصدده من أخبارها رحمها الله تعالى، فنقول:
رجع إلى ذكر الرميكية
قال ابن سعيد في بعض مصنفاته: كان المعتمد كثيرا ما يأنس بها، ويستظرف نوادرها، ولم تكن لها معرفة بالغناء، وإنما كانت مليحة الوجه، حسنة الحديث، حلوة النادر، كثيرة الفكاهة، لها في كل ذلك نوادر محكية، وكانت في عصرها ولادة بنت محمد بن عبد الرحمن، وهي أبدع منها ملحا، وأحسن افتنانا، وأجل منصبا، وكان أبوها أمير قرطبة، ويلقب بالمستكفي بالله، وأخبار أبي الوليد ابن زيدون معها وأشعاره فيها مشهورة، انتهى ملخصا.
ومن أخبار الرميكية القصة المشهورة في قولها " ولا يوم الطين " وذلك أنها رأت الناس يمشون في الطين، فاشتهت المشي في الطين، فأمر المعتمد، فسحقت أشياء من الطيب، وذرت في ساحة القصر حتى عمته، ثم نصبت الغرابيل، وصب فيها ماء الورد على أخلاط الطيب، وعجنت بالأيدي حتى عادت كالطين

(4/272)


وخاضتها مع جواريها. وغاضبها في بعض الأيام، فأقسمت أنها لم تر منه خيرا قط، فقال: ولا يوم الطين فاستحيت واعتذرت، وهذا مصداق نبينا صلى الله عليه وسلم في حق النساء " لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئا قالت: ما رأيت منك خيرا قط " .
قلت: ولعل المعتمد أشار في أبياته الرائية إلى هذه القضية حيث قال في بناته:
يطأن في الطين والأقدام حافية كأنها لم تطأ مسكا وكافورا
وحتمل أن يكون أشار بذلك إلى ما جرت به عادة الملوك من ذر الطيب في قصورهم حتى يطؤوه بأقدامهم، زيادة في التنعم.
وسبب قول المعتمد ذلك ما حكاه الفتح فقال (1) : وأول عيد أخذه - يعني المعتمد - بأغمات وهو سارح، وما غير الشجون له مبارح (2) ، ولا زي إلا حالة الخمول، واستحالة المأمول، فدخل عليه من بنيه، من يسلم عليه ويهنيه (3) ، وفيهم بناته وعليهن أطمار، كأنها كسوف وهن أقمار، يبكين عند التساؤل، ويبدين الخشوع بعد التخايل، والضياع قد غير صورهن، وحير نظرهن، وأقدامهن حافية، وآثار نعيمهن عافية، فقال (4) :
فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا فساءك العيد في أغمات مأسورا
ترى بناتك في الأطمار جائعة يغزلن للناس ما يملكن قطميرا
برزن نحوك للتسليم خاشعة أبصارهن حسيرات مكاسيرا
__________
(1) القلائد: 25.
(2) كذا في ق م؛ وفي القلائد: مسارح.
(3) في الصول اضطراب، واثبتنا ما في القلائد.
(4) لم تورد نسخة م هذه القصيدة، لأنها من قبل (الورقة: 232) وأثبتت في موضعها: " وقد سبقت هذه الأبيات " .

(4/273)


يطأن في الطين والأقدام حافية كأنها لم تطأ مسكا وكافورا
لا خد إلا تشكى الجدب ظاهره وليس مع الأنفاس ممطورا
أفطرت في العيد لا عادت مساءته فكان فطرك للأكباد تفطيرا
قد كان دهرك إن تأمره ممتثلا فردك الدهر منهيا ومأمورا
من بات بعدك في ملك يسر به فإنما بات بالأحلام مغرورا
678 - عود إلى أخبار المعتمد
وقال الفتح أيضا (1) : ولما نقل المعتمد من بلاده، وأعري من طارفه وتلاده، وحمل في السفين، وأحل في العدوة محل الدفين، تندبه منابره وأعواده،ولا يدنو منه زواره ولا عواده، بقي أسفا تتصعد زفراته، وتطرد اطراد المذانب عبراته، لا يخلو بمؤانس، ولا يرى إلا عرينا بدلا من تلك المكانس، ولما لم يجد سلوا، ولم يؤمل دنوا، ولم ير وجه مسرة مجلوا، تذكر منازله فشاقته، وتصور بهجتها فراقته، وتخيل استيحاش أوطانه، وإجهاش قصره إلى قطانه، وإظلام جوه من أقماره، وخلوه من حراسه وسماره، فقال:
بكى المبارك في إثر ابن عباد بكى على إثر غزلان وآساد
بكت ثرياه لا غمت كواكبها بمثل نوء الثريا الرائح الغادي
بكى الوحيد، بكى الزاهي وقبته والنهر والتاج، كل ذله بادي
ماء السماء على أفيائه درر يا لجة البحر دومي ذات إزباد
وفي ذلك يقول ابن اللبانة (2) :
أستودع الله أرضا عندما وضحت بشائر الصبح فيها بدلت حلكا
__________
(1) القلائد: 3.
(2) أوجزت " م " هنا، لورود الأبيات قبلا.

(4/274)


كان المؤيد بستانا بساحتها يجني النعيم وفي عليائها فلكا
في أمره لملوك الدهر معتبر فليس يغتر ذو ملك بما ملكا
نبكيه من جبل خرت قواعده فكل من كان في بطحائه هلكا
وكان القصر الزاهي (1) من أجمل المواضع لديه وأبهاها، وأحبها إليه وأشهاها، لإطلاله على النهر،وإشرافه على القصر، وجماله في العيون، واشتماله بالزهر (2) والزيتون، وكان له به من الطرب، والعيش المزري بحلاوة الضرب، ما لم يكن بحلب لبني حمدان، ولا لسيف بن ذي يزن في رأس غمدان، وكان كثيرا ما يدير به راحه، ويجعل فيه انشراحه، فلما امتد الزمان إليه بعدوانه، وسد عليه أبواب سلوانه، لم يحن إلا إليه، ولم يتمن غير الحلول لديه، فقال (3) :
غريب بأرض المغربين أسير سيبكي عليه منبر وسرير
وتندبه البيض الصوارم والقنا وينهل دمع بينهن غزير
مضى زمن والملك مستأنس به وأصبح منه اليوم وهو نفور
برأي من الدهر المضلل فاسد متى صلحت للصالحين دهور
أذل بني ماء السماء زمانهم وذل بني ماء السماء كبير
فيا ليت شعري هل أبيتن ليلة أمامي وخلفي روضة وغدير
بمنبتة الزيتون مورثة العلا تغني حمام أو ترن طيور
بزاهرها السامي الذي جاده الحيا تشير الثريا نحونا ونشير
ويلحظنا الزاهي وسعد سعوده غيورين والصب المحب غيور
تراه عسيرا لا يسيرا مناله ألا كل ما شاء الإله يسير
وقال الحجاري في " المسهب " : إن أمير المسلمين يوسف بن تاشفين أهدى
__________
(1) القلائد: الحصن الزاهر.
(2) القلائد: بالشجر.
(3) اختصرت " م " إيراد هذه القصيدة لأن هذه الأبيات تقدمت.

(4/275)


إلى المعتمد جارية مغنية قد نشأت بالعدوة، وأهل العدوة بالطبع يكرهون أهل الأندلس، وجاء بها إلى إشبيلية وقد كثر الإرجاف بأن سلطان الملثمين ينتزع بلاد ملوك الطوائف منهم، واشتغل خاطر ابن عباد بالفكر في ذلك، فخرج بها إلى قصر الزاهر على نهر إشبيلية، وقعد على الراح، فخطر بفكرها أن غنت عندما انتشى هذه الأبيات:
حملوا قلوب الأسد بين ضلوعهم ولووا عمائمهم على الأقمار
وتقلدوا يوم الوغى هندية أمضى إذا انتضيت من الأقدار
إن خوفوك لقيت كل كريهة أو أمنوك حللت دار قرار
فوقعفي قلبه أنها عرضت بساداتها، فلم يملك غضبه، ورمى بها في النهر، فهلكت، انتهى، فقدر الله تعالى أن كان تمزيق ملكه على يدهم تصديقا للجارية في قولها:
إن خوفوك لقيت كل كريهة
وحصره جيوش لمتونة الملثمين حتى أخذوه قهرا، وسيق إلى أمير المسلمين، والقصة مشهورة.
وقال الفتح في شأن حصار المعتمد ما صورته (1) : ولما تم في الملك أمده، وأراد الله أن تخر عمده، وتنقرض أيامه، وتتقوض عن عراص الملك خيامه، نازلته جيوش أمير المسلمين ومحلاته، وظاهرته فساطيطه ومظلاته، بعدما نثرت حصونه وقلاعه، وسعرت بالنكاية جوانحه وأضلاعه، وأخذت عليه الفروج والمضايق، وثنت إليه الموانع والعوايق، وطرقته بطوارقها بالإضرار، وأمطرته من النكاية كل ديمة مدرار، وهو ساه بروض ونسيم، لاه براح
__________
(1) القلائد: 21.

(4/276)


ومحيا وسيم، زاه بفتاة تنادمه، ناه عن هدم أنس هو هادمه، لا يصيخ إلى نبأة سمعه، ولا ينيخ إلا على لهو يفرق جموعه جمعه، وقد ولى المدامة ملامه، وثنى إلى ركنها طوافه واستلامه، وتلك الجيوش تجوس خلاله، وتقلص ظلاله، وحين اشتد حصاره، وعجز عن المدافعة أنصاره، ودلس عليه ولاته، وكثرت أدواؤه وعلاته، فتح باب الفرج، وقد لفح شواظ الهرج، فدخلت عليه من المرابطين زمرة، واشتعلت من التغلب جمرة، تأجج اضطرامها، وسهل بها إيقاد الفتنة (1) وإضرامها، وعندما سقط الخبر عليه خرج حاسرامن مفاضته، جامحا كالمهر قبل رياضته، فلحق أوائلهم عند الباب المذكور وقد انتشروا في جنباته، وظهروا على البلد من أكثر جهاته، وسيفه في يده يتملظ للطلى والهام، ويعد بانفراج ذلك الاستبهام، فرماه أحد الداخلين برمح تخطاه، وجاوز مطاه، فبادره بضربة أذهبت نفسه، وأغربت شمسه، ولقي ثانيا فضربه وقسمه، وخاض حشا ذلك الداء وحسمه، فأجلوا عنه، وولوا فرارا منه، فأمر بالبا فسد، وبني منه ما هد، ثم انصرف وقد أراح نفسه وشفاها، وأبعد الله تعالى عنه الملامة ونفاها، وفي ذلك يقول عندما خلع، وأودع من المكروه ما أودع:
إن يسلب القوم العدى ملكي وتسلمني الجموع
فالقلب بين ضلوعه لم تسلم القلب الضلوع
قد رمت يوم نزالهم أن لا تحصنني الدروع
وبرزت ليس سوى القمي ص على الحشا شيء دفوع
أجلي تأخر لم يكن بهوادي ذلي والخضوع
ما سرت قط إلى القتا ل وكان من أملي الرجوع
شيم الألى أنا منهم والأصل تتبعه الفروع
__________
(1) القلائد: البقية.

(4/277)


وما زالت عقارب تلك الداخلة تدب، ثو ذكر الفتح تمام هذا الكلام فراجعه فيما مر بنحو ثلاث ورقات.
ومن حكايات مجالس أنسه أيام ملكه، قبل أن ينظمه صرف الدهر في سلكه، ما حكاه الفتح (1) عن ذخر الدولة أنه دخل عليه في دار المزينية (2) والزهر يحسد إشراق مجلسه، والدر يحكي اتساق تأنسه، وقد رددت الطير شدوها، وجودت (3) طربها ولهوها، وجددت كلفها وشجوها، والغصون قد التحفت بسندسها، والأزهار تحيي بطيب تنفسها، والنسيم يلم بها فتضعه بين أجفانها، وتودعه أحاديث آذارها ونيسانها، وبين يديه فتى من فتيانه يتثنى تثني القضيب، ويحمل الكأس في راحة أبهى من الكف الخضيب، وقد توشح وكأن الثريا وشاحه، وأنار فكأن الصبح من محياه كان اتضاحه، فكلما ناوله الكأس خامرته سوره، وتخيل أن الشمس تهديه نوره، فقال المعتمد:
لله ساف مهفهف غنج قد قام يسقي فجاء بالعجب
أهدى لنا من لطيف حكمته في جامد الماء ذائب الذهب
ولما وصل لورقة استدعى ذا الوزارتين القائد أبا الحسن ابن اليسع ليلته تلك في وقت لم يخف فيه زائر من مراقب، ولم يبد فيه غير نجم ثاقب، فوصل وما للأمن إلى فؤاده وصول، وهو يتخيل أن الجو صوارم ونصول، بعد أن وصى بما خلف، وودع من تخلف، فلما مثل بين يديه آنسه، وأزال توجسه، وقال له: خرجت من إشبيلية وفي النفس غرام طويته بين ضلوعي، وكففت فيه غرب دموعي، بفتاة هي الشمس أو كالشمس إخالها، لا يجول قلبها ولا خلخالها، وقد قلت في يوم وداعها، عند تفطر كبدي وانصداعها:
__________
(1) القلائد: 9.
(2) ق م: المرينية؛ القلائد: المزنية.
(3) ق: وجردت؛ وفي القلائد: وقد رددت الطير شجوها، وجددت طربها وشجوها.

(4/278)


ولما التقينا للوداع غدية وقد خفقت في ساحة القصر رايات
بكينا دما حتى كأن عيوننا لجري الدموع الحمر منها جراحات
وقد زارتني هذه الليلة في مضجعي، وأبرأتني من توجعي، ومكنتني من رضابها، وفتنتني بلالها وخضابها، فقلت:
أباح لطيفي طيفها الخد والنهدا فعض بها تفاحة واجتنى وردا
ولو قدرت زارت على حال يقظة ولكن حجاب البين ما بيننا مدا
أما وجدت عنا الشجون معرجا ولا وجدت منا خطوب النوى بدا
سقى الله صوب القطر أم عبيدة كما قد سقت قلبي على حره بردا
هي الظبي جيدا، والغزالة مقلة، وروض الربى عرفا، وغصن النقا قدا
فكرر استجادته، وأكثر استعادته، فأمر له بخمسمائة دينار وولاه لورقة من حينه.
قال الفتح (1) : وأخبرني ابن اللبانة أنه استدعاه ليلة إلى مجلس قد كساه الروض وشيه، وامتثل الدهر فيه أمره ونهيه، فسقاه الساقي وحياه، وسف له الأنس عن مونق محياه، فقام للمعتمد مادحا، وعلى دوحة تلك النعماء صادحا، فاستجاد قوله، ةأفاض عليه طوله، فصدر وقد امتلأت يداه، وغمره جوده ونداه، فلما حل بمنزلة وافاه رسوله بقطيع وكأس من بلار، قد أترعا بصرف العقار، ومعهما:
جاءتك ليلا في ثياب نهار من نورها وغلالة البلار
كالمشتري قد لف من مريخه إذ لفه في الماء جذوة نار
لطف الجمود لذا وذا فتألفا لم يلق ضد ضده بنفار
__________
(1) القلائد: 6.

(4/279)


يتحير الراءون في نعتيهما أصفاه ماء أم صفاء دراري
وقال الفتح أيضا (1) : وأخبرني ذخر الدولة أنه استدعاه في ليلة قد ألبسها البدر رواءه، وأوقد فيها أضواءه، وهو على البحيرة الكبرى، والنجوم قد انعكست فيها تخالها زهرا، وقابلتها المجرة فسالت فيها نهرا، وقد أرجت نوافج الند، وماست معاطف الرند، وحسد النسيم الروض فوشى بأسراره، وأفشى حديث آسه وعراره، ومشى مختالا بين لبات النور وأزراره، وهو وجم، ودمعه منسجم، وزفراته تترجم عن غرامه، وتجمجم عن تعذر مرامه، فلما نظر إليه استدناه وقربه، وشكا إليه من الهجران ما استغربه، وأنشده:
أيا نفس لا تجزعي واصبري وإلا فإن الهوى متلف
حبيب جفاك، وقلب عصاك ولاح لحاك، ولا منصف
شجون منعن الجفون الكرى وعوضنها أدمعا تنزف
فانصرف ولم يعلمه بقصته، ولا كشف له عن غصته، انتهى.
وقال الفتح أيضا (2) : أخبرني ذخر الدولة بن المعتضد أنه دخل عليه في ليلة فد ثنى السرور منامها، وامتطى الحبور غاربها وسنامها، وراع الأنس فؤادها، وستر بياض الأماني سوادها، وغازل نسيم الروض زوارها وعوادها، ونور السرج قد قلص أذيالها، ومحا من لجين الأرض نيالها، والمجلس مكتس بالمعالي، وصوت المثاني والمثالث عالي، والبدر قد كمل، والتحف بضوئه القصر واشتمل، وتزين بسناه وتجمل، فقال المعتمد:
ولقد شربت الراح يسطع نورها والليل قد مد الظلام رداء
__________
(1) القلائد: 8.
(2) القلائد: 6.

(4/280)


حتى تبدى البدر في جوزائه ملكا تناهى بهجة وبهاء
وتناهضت زهر النجوم يحفه لألاؤها فاستكمل اللألاء
لما أراد تنزها في غربه جعل المظلة فوقه الجوزاء
وترى الكواكب كالمواكب حوله رفعت ثرياها عليه لواء
وحكيته في الأرض بين كواكب وكواعب جمعت سنا وسناء
إن نشرت تلك الدروع حنادسا ملأت لنا هذي الكؤوس ضياء
وإذا تغنت هذه في مزهر لم تأل تلك على التريك غناء
وأخبرني ابن إقبال الدولة [بن مجاهد] (1) أنه كان عنده في يوم نشر من غيمة رداء ند، وأسكب من قطره ماء ورد، وأبدى من برقه لسان نار، وأظهر من قوس قزحه حنايا آس (2) حفت بنرجس وجلنار، والروض قد بعث رياه، وبث الشكر لسقياه، فكتب إلى الطبيب الأديب أبي محمد المصري:
يا أيها الصاحب الذي فارقت عي ني ونفسي منه السنا والسناء
نحن في المجلس الذي يهب الرا حة والمسمع الغنى والغناء
نتعاطى التي تنسي من الرق ة واللذة الهوى والهواء
فأته تلف راحة ومحيا قد أعدا لك الحيا والحياء
فوافاه وألفى مجلسه وقد أتلعت فيه أباريقه أجيادها، وأقامت فيه خيل السرور طرادها، وأعطته الأماني انطباعها وانقيادها، وأهدت الدنيا ليومه مواسمها وأعيادها، وخلعت عليه الشمس شعاعها، ونشرت فيه الحدائق إيناعها، فأديرت الراح، وتعوطيت الأقداح، وخامر النفوس الابتهاج والارتياح، وأظهر المعتمد من إيناسه، ما استرق به نفوس جلاسه، ثم دعا
__________
(1) زيادة من القلائد.
(2) الأصول: خبايا آس.

(4/281)


بكبير، فشربه كالشمس غربت في ثبير، وعندما تناولها، قام المصري أبياتا تمثلها (1) :
اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا بشاذمهر ودع غمدان لليمن
فأنت أولى بتاج الملك تلبسه من هوذة بن علي وابن ذي يزن
فطرب حتى زحف عن مجلسه، وأسرف في تأنسه، وأمر فخلعت عليه خلع لا تصلح إلا للخلفاء، وأدناه حتى أجلسه مجلس الأكفاء، وأمر له بدنانير عددا، وملأ بالمواهب يدا.
وله في غلام (2) رآه يوم العروبة من ثنيات الوغى طالعا، ولطلى الأبطال قارعا، وفي الدماء والغا، ولمستبشع كؤوس المنايا سائغا، وهو ظبي قد فارق كناسه، وعاد أسدا صارت القنا أخياسه، ومتكاثف العجاج قد مزقه إشراقه، وقلوب الدارعين قد شكتها أحداقه، فقال:
أبصرت طرفك بين مشتجر القنا فبدا لطرفي أنه فلك
أوليس وجهك فوقه قمرا يجلى بنير نوره الحلك
وقال فيه:
ولما اقتحمت الوغى دارعا وقنعت وجهك بالمغفر
حسبنا محياك شمس الضحى عليها سحاب من العنبر
وقد جمع بنا القلم في ترجمة المعتمد بن عباد بعض جموح، وما ذلك إلا لما علمنا أن نفوس الأدباء إلى أخباره رحمه الله تعالى شديدة الطموح، وقد جعل الله تعالى له كما ابن الأبار في " الحلة السيراء " رقة في القلوب وخصوصا
__________
(1) نسب المبرد البيتين لشاعر من أهل الري يكنى ابا يزيد أنشدهما عبد الله بن طاهر الكامل (2: 24).
(2) القلائد: 8.

(4/282)


بالمغرب فإن أخباره وأخبار الرميكية إلى الآن متداولة بينهم، وإن فيها لأعظم عبرة، رحم الله تعالى الجميع.
رجع إلى أخبار النساء
11 - ومنهن العبادية جارية المعتضد عباد (1) ، والد المعتمد، أهداها إليه مجاهد العامري من دانية، وكانت أديبة، ظريفة، كاتبة، شاعرة، ذاكرة لكثير من اللغة، قال ابن عليم في شرحه لأدب الكتاب لابن قتيبية، وذكر الموسعة وهي خشبة بين حمالين يجعل كل واحد منهما طرفها على عنقه، ما صورته: وبذكر الموسوعة أغربت جارية لمجاهد أهداها إلى عباد كاتبة شاعرة على علماء إشبيلية وبالهزمة (2) التي تظهر في أذقان بعض الأحداث،وتعتري بعضهم في الخدين عند الضحك، فأما التي في القن فهي النونة، ومنه قول عثمان رضي الله تعالى عنه: دسموا (3) نونته لتدفع العين، وأما التي في الخدين عند الضحك فهي الفحصة، فما كان في ذلك الوقت في إشبيلية من عرف منها واحدة0
وسهر عباد ليلة لأمر حزبه وهي نائمة، فقال:
تنام ومدنفها يسهر وتصبر عنه ولا يصبر
فأجابته بديهة بقولها:
لئن دام هذا وهذا له ... سيهلك وجدا ولا يشعر (4) ويكفيك هذا شاهدا على فضلها يرحمها الله تعالى وسامحها (5) .
__________
(1) ترجمتها في الذيل والتكملة (آخر جزء الغرباء)، وما أثبته المقري منقول بنصه عنه.
(2) هكذا في الذيل، وفي ق: وبالفرجة.
(3) م: وسموا؛ وهي بالدال في الذيل وفوقها علامة " صح " .
(4) الذيل: ولا يصبر.
(5) وسامحها: زيادة من ق.

(4/283)


12 - ومنهن: بثينة بنت المعتمد بن عباد، وأمها الرميكية السابقة الذكر، وكانت بثينة هذه نحوا من أمها في الجمال والنادرة ونظم الشعر، ولما أحيط بأبيها ووقع النهب في قصره كانت من جملة من سبي، ولم يزل المعتمد والرميكية عليها في وله دائم لايعلمان ما آل إليه أمرها إلى أن كتبت إليهما بالشعر المشهور المتداول بين الناس بالمغرب، وكان أحد تجار إشبيلية اشتراها على أنها جارية سرية ووهبها لابنه، فنظر من شأنها وهيئت له، فلما أراد الدخول عليها امتنعت،وأظهرت نسبها، وقالت: لا أحل لك إلا بعقد نكاح إن رضي أبي بذلك الذي، وأشارت عليهم بتوجيه كتاب من قبلها لأبيها، وانتظار جوابه، فكان الذي كتبته بخطها من نظمها ما صورته:
اسمع كلامي واستمع لمقالتي فهي السلوك بدت من الأجياد
لا تنكروا أني سبيت وأنني بنت لملك من بني عباد
ملك عظيم قد تولى عصره وكذا الزمان يؤول للإفساد
لما أراد الله فرقة شملنا وأذاقنا طعم الأسى عن زاد
قام النفاق على أبي في ملكه فدنا الفراق ولم يكن بمراد
فخرجت هاربة فحازني امرؤ ... لم يأت في إعجاله (1) بسداد إذ باعني بيع العبيد فضمني من صانني إلا من الانكاد
وأرادني لنكاح نجل طاهر حسن الخلائق من بني الأنجاد
ومضى إليك يسوم رأيك في الرضى ولأنت تنظر في طريق رشادي
فعساك يا أبتي تعرفني به إن كان ممن يرتجى لداد
وعسى رميكية الملوك بفضلها تدعو لنا باليمن والإسعاد
فلما وصل شعرها لأبيها وهو بأغمات، واقع في شراك الكروب
__________
(1) دوزي: أفعاله.

(4/284)


والأزمات، سر هو وأمها بحياتها، ورأيا أن ذلك للنفس من أحسن أمنياتها، إذ علما مآل أمرها، وجبرها كسرها، إذ ذلك أخف الضررين، وإن كان الكرب قد ستر القلب منه حجاب رين، وأشهد على نفسه بعقد نكاحها من الصبي المذكور، وكتب إليها أثناء كتابه مما يدل على حسن صبره المشكور:
بنيتي كوني به برة فقد قضى الوقت بأسعافه
وأخبار المعتمد بن عباد، تذيب الأ كباد، فلنرجع إلى ذكر نساء الأندلس فنقول:
13 - ومنهن حفصة بنت حمدون (1) ، من وادي الحجارة، ذكرها في " المغرب " وقال: إنها من أهل المائة الرابعة، ومن شعرها:
رأى ابن جميل أن يرى الدهر مجمل فكل الورى قد عمهم سيب نعمته
له خلق كالخمر بعد امتزاجها وحسن فما أحلاه من حين خلقته
بوجه كمثل الشمس يدعو ببشره ... عيونا ويعشيها بإفراط (2) هيبته ولها:
لي حبيب لا ينثني لعتاب وإذا ما تركته زاد تيها
قال لي هل رأيت لي من شبيه قلت أيضا وهل ترى لي شبيها
ولها تذم عبيدها:
يا رب إني من عبيد على جمر الغضا، ما فيهم من نجيب
إما جهول أبله متعب أو فطن من كيده لا يجيب
__________
(1) ترجمة حفصة بنت حمدون في الذيل والتكملة والسيوطي: 46 والمغرب 2: 37.
(2) م: بإطراق.

(4/285)


وقال ابن الأبار: إنها كانت أديبة عالمة شاعرة، وذكرها ابن فرج صاحب " الحدائق " وأنشد لها أشعارامنها قولها:
يا وحشتي لأحبتي يا وحشة متماديه
يا ليلة ودعتهم يا ليلة هي ما هيه
14 - ومنهن زينب المرية (1) ، كانت أديبة شاعرة، وهي القائلة:
يا أيها الراكب الغادي لطيته عرج أنبئك عن بعض الذي أجد
ما عالج الناس من وجد تضمنهم ووده آخر الأيام أجتهد
15 - ومنهن غاية المنى (2) ، وهي جارية أندلسية متأدبة، قدمت إلى المعتصم بن صمادح، فأراد أختبارها فقال لها: مااسمك فقالت: غاية المنى، فقال لها: أجيزي:
اسألوا غاية المنى
فقالت:
من كسا جسمي الضنى
وأراني مولها سيقول الهوى أنا
هكذا أورد السالمي هذه الحكاية في تاريخه.
قال ابن الأبار: وقرأت بخط الثقة حاكيا عن القاضي أبي القاسم ابن حبيش قال: سيقت لابن صمادح جارية نبيلة تقول الشعر وتحسن المحاضرة، فقال:
__________
(1) سقطت هذه الترجمة من نسخة " م " ؛ وترجمة زينب المرية في الذيل والتكملة.
(2) ترجمة غاية المنى في الذيل والتكملة وفيه ما أورده المقري.

(4/286)


تحمل إلى الأستاذ ابن الفراء الخطيب ليختبرها، وكان كفيفا، فلما وصلته قال: ما اسمك فقالت: غاية المنى، فقال: أجيزي:
سل هوى غاية المنى من كسا جسمي الضنى
فقالت تجيزه:
وأراني متيما سيقول الهوى أنا
حكى ذلك لابن صمادح، فاشتراها، انتهى.
6 - ومنهن حمدة، ويقال حمدونة بنت زيادة المؤدب (1) من وادي آش، وهي خنساء المغرب، وشاعرة الأندلس، ذكرها الملاحي وغيره، وممن روى عنها أبو القاسم ابن البراق.
ومن عجيب شعرها قولها:
ولما أبى الواشون إلا فراقنا وما لهم عندي وعندك من ثار
وشنوا على أسماعنا كل غارة وقل حماتي عند ذاك وأنصاري
غزوتهم من مقلتيك وأدمعي ومن نفسي بالسيف والسيل والنار
وبعض يزعم أن هذه الأبيات لمهجة بنت عبد الرزاق الغرناطية، وكونهت لحمدة أشهر، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وخرجت حمدة مرة للوادي مع صبية، فلما نضت عنها ثيابها وعامت قالت:
__________
(1) ترجمة أحمد (أو حمدونة) بنت زياد في التكملة (رقم: 2120) والإحاطة 2: 498 وتحفة القادم: 162، المطرب: 11 والسيوطي: 48 والذيل والتكملة، وابوها هو زياد بن بقي العوفي، وهي أخت زينب.

(4/287)


أباح الدمع أسراري بوادي له للحسن آثار بوادي
فمن نهر يطوف بكل روض ومن روض يرف بكل وادي
ومن بين الظباء مهاة إنس لها لبي وقد ملكت فؤادي
لها لحظ ترقده لأمر وذاك الأمر يمنعني رقادي
إذا سدلت ذوائبها عليها ... رأيت البدر في جنح الدآدي (1) كأن الصبح مات له شقيق فمن حزن تسربل بالحداد
وقال ابن البراق في سوق هذه الحكاية: أنشدتنا حمدة العوفية لنفسها، وقد خرجت متنزهة بالرملة من نواحي وادي آش فرأت ذات وجه وسيم أعجبها، فقالت - وبين الروايتين خلاف - أباح الدمع، إلى آخره، ونسب بعضهم إلى حمدة هذه الأبيات الشهيرة بهذه البلاد المشرقة، وهي:
وقانا لفحة الرمضاء واد سقاه مضاعف الغيث العميم
حللنا دوحه فحنا علينا حنو المرضعات على الفطيم
وأرشفنا على ظمإ زلالا ألذ من المدامة للنديم
يصد الشمس أنى واجهتنا فيحجبها ويأذن للنسيم
يروع حصاه حالية العذارى فتلمس جانب العقد النظيم
وممن جزم بذلك الرعيني، وقال: إن مؤرخي بلادنا نسبوها لحمدة من قبل أن يوجد المنازي الذي ينسبها له أهل المشرق، وقد رأيت أن أذكر كلامه برمته ونصه: كانت من ذوي الألباب، وفحول أهل الآداب، حتى إن بعض المنتحلين تعلق بهذه الأهداب، وادعى نظم هذين البيتين - يعني: ولما أبى الواشون، إلى آخره - لما فيهما من المعاني والألفاظ العذاب، وما غره في ذلك
__________
(1) في الأصول: أفق السودا؛ واخترنا رواية ابن عبد الملك؛ والدآدي: ثلاث ليال من آخر الشهر؛ وفي المطرب: رأيت الصبح أشرق في الدآدي.

(4/288)


إلا بعد دارها، وخلو هذه البلاد المشرقية من أخبارها، وقد تلبس بعضهم أيضا بشعارها، وادعى غير هذا من أشعارها، وهو قولها: وقانا لفحة الرمضاء واد، إلى آخره، وإن هذه الأبيات نسبها أهل البلاد للمنازي من شعرائهم، وركبوا التعصب في جادة ادعائهم، وهي أبيات لم يخلبها غير لسانها، ولا رقم برديها غير إحسانها، ولقد رأيت المؤرخين من أهل بلادنا وهي الأندلس أثبتوها لها قبل أن يخرج المنازي من العدم إلى الوجود، ويتصف بلفظة الموجود، انتهى.
وهو أبو جعفر الأندلسي الغرناطي، نزيل حلب.
وحكى ابن العديم في تاريخ حلب ما نصه: وبلغني أن المنازي عمل هذه الأبيات ليعرضها على أبي العلاء المعري، فلما وصل إليه أنشده الأبيات، فجعل المنازي كلما أنشد المصراع الأول من كل بيت سبقه أبو العلاء إلى المصراع الثاني الذي هو تمام البيت كما نظمه، ولما أنشده قوله:
نزلنا دوحة فحنا علينا
قال أبو العلاء:
حنو الوالدات على الفطيم
فقال المنازي: إنما قلت " على اليتيم " فقال أبو العلاء: الفطيم أحسن، انتهى.
وهذا يدل على أن الرواية عنده " حنو الوالدات " وقد تقدم المرضعات، والله تعالى أعلم.
وقال ابن سعيد: يقال لنساء غرناطة المشهورات بالحسب والجلالة " العربيات " لمحافظتهن على المعاني العربية، ومن أشهرهن زينب بنت زياد الوادي آشي، وأختها حمدة، وحمدة هي القائلة وقد خرجت إلى نهر منقسم الجداول بين الرياض مع نسائها فسبحن في الماء وتلاعبن:

(4/289)


أباح الدمع أسراري بوادي
الأبيات، انتهى.
17 - ومنهن عائشة بنت أحمد القرطبية (1) .
قال ابن حيان في " المقتبس " لم يكن في زمانها من حرائر الأندلس من يعدلها علما وفهما وأدبا وشعرا وفصاحة، تمدح ملوك الأندلس وتخاطبهم بما يعرض لها من حاجة، وكانت حسنة الخط، تكتب المصاحف، وماتت عذراء لم تنكح سنة أربعمائة.
وقال في " المغرب " : إنها من عجائب زمانها، وغرائب أوانها، وأبو عبد الله الطبيب عمها، ولو قيل " إنها أشعر منه " لجاز، ودخلت على المظفر ابن المنصور بن أبي عامر وبين يديه ولد، فارتجلت:
أراك الله فيه ما تريد ولا برحت معاليه تزيد
فقد دلت مخايله على ما تؤمله وطالعه السعيد
تشوقت الجياد له وهز ال حسام هوى وأشرقت البنود
فسوف تراه بدرا في سماء من العليا كواكبه الجنود
وكيف يخيب سبل قد نمته إلى العليا ضراغمة الأسود
فأنتم آل عامر خير آل زكا الأبناء منكم والجدود
وليدك لدى رأي كشيخ وشيخكم لدى الحرب وليد
وخطبها بعض الشعراء ممن لم ترضه فكتبت إليه:
أنا لبوة لكنني لا أرتضي نفسي مناخا طول دهري من أحد
ولو أنني أختار ذلك لم أجب كلبا وكم غلقت سمعي عن أسد
__________
(1) ترجمة عائشة القطربية في الصلة: 654 والسيوطي: 71 واسم أبيها أحمد بن حمد بن قادم.

(4/290)


18 - ومنهن مريم بنت أبي يعقوب الأنصاري (1) .
سكنت إشبيلية، وأصلها والله أعلم من شلب.
وذكرها ابن دحية في " المطرب " (2) وقال: إنها أديبة شاعرة " جزلة " مشهورة، وكانت تعلم النساء الأدب، وتحتشم لدينها وفضلها، وعمرت عمرا طويلا، سكنت إشبيلية، واشتهرت بها بعد الأربعمائة، وذكرها الحميدي، وأنشد لها جوابها لما بعث المهدي إليها بدنانير، وكتب إليها:
ما لي بشكر الذي أوليت من قبل لم أنني حزت نطق اللسن في الحلل
يا فذة الظرف في هذا الزمان ويا وحيدة العصر في الإخلاص في العمل
أشبهت مريما العذراء في ورع وفقت خنساء في الأشعار والمثل
ونص الجواب منها:
من ذا يجاريك في قول وفي عمل وقد بدرت إلى فضل ولم تسل
ما لي بشكر الذي نظمت في عنقي من اللآلي وما أوليت من قبل
حليتني بحلى أصبحت زاهية بها على كل أنثى من حلى عطل
لله أخلاقك الغر التي سقيت ماء الفرات فرقت رقة الغزل
أشبهت مروان من غارت بدائعه وأنجدت وغدت من أحسن المثل
من كان والده العضب المهند لم يلد من النسل غير البيض والأسل
ومن شعرها وقد كبرت:
وما يرتجى من بنت سبعين حجة وسبع كنسيج العنكبوت المهلهل
تدب دبيب الطفل تسعى إلى العصا وتمشي بها مشي الأسير المكبل
__________
(1) ترجمة مريم في الصلة: 656 والجذوة: 389 (وبغية الملتمس رقم: 1584) والسيوطي: 90.
(2) يبدو أن المقري وهم هنا، فأثبت الصلة ونسبه للمطرب، وليس في المطرب ترجمة لمريم هذه.

(4/291)


19 - ومنهن أسماء العامرية (1) ، من أهل إشبيلية، كتبت إلى عبد المؤمن ابن علي رسالة نمت فيها إليه بنسبها العامري، وتسأله في رفع الانزالعن دارها، والاعتقال عن مالها، وفي آخرها قصيدة أولها:
عرفنا النصر والفتح المبين لسيدنا أمير المؤمنينا
إذا كان الحديث عن المعالي رأيت حديثكم فينا شجونا
ومنها:
رويتم علمه فعلمتموه وصنتم عهده فغدا مصونا
20 - ومنهن أم الهناء بنت القاضي أبي محمد عبد الحق بن عطية، سمعت أباها، وكانت حاضرة النادرة، سريعة التمثل، من أهل العلم والفهم والعقل، ولها تأليف في القبور، ولما ولي أبوها قضاء المرية دخل داره وعيناه تذرفان وجدا لمفارقة وطنه، فأنشدته متمثلة:
يا عين صار الدمع عندك عادة تبكين في فرح وفي أحزان
وهذا البيت من جملة أبيات هي:
جاء الكتاب من الحبيب بأنه سيزورني فاستعبرت أجفاني
غلب السرور علي حتى إنه ... من عظم فرط (2) مسرتي أبكاني وبعده البيت، وبعده:
فاستقبلي بالبشر يوم لقائه ودعي الدموع لليلة الهجران
__________
(1) ترجمتها في الذيل والتكملة؛ وما ورد هنا منقول عنه.
(2) م: من فرط عظم.

(4/292)


21 - ومنهن مهجة القرطبية (1) صاحبة ولادة رحمهما الله تعالى، وكانت من أجل نساء زمانها، وعلقت بها ولادة، ولازمت تأديبها، وكانت من أخف الناس روحا، ووقع بينها وبين ولادة ما اقتضى أن قالت:
ولادة قد صرت ولادة من غير بعل، فضح الكاتم
حكت لنا مريم لكنه نخلة هذي ذكر قائم
قال بعض الأكابر: لو سمع ابن الرومي هذا لأقر لها بالتقديم.
ومن شعرها:
لئن قد حمى عن ثغرها كل حائم فما يزال يحمى
فذلك تحميه القواضب والقنا وهذا حماه من لواحظها السحر
وأهدى إليها من كان يهيم بها خوخا، فكتبت إليه:
يا متحفا بالخوخ أحبابه أهلا به من مثلج للصدور
حكى ثدي الغيد تفليكه لكنه أخزى رؤوس الأيور
22 - ومنهن هند جارية أبي محمد عبد الله بن مسلمة الشاطبي، وكانت أديبة شاعرة، كتب إليها أبو عامر ابن ينق يدعوها للحضور عنده بعودها:
يا هند هل لك في زيارة فتية نبذوا المحارم غير شرب السلسل
سمعوا البلابل قد شدوا فتذكروا نغمات عودك في الثقيل الأول
فكتبت إليه في ظهر رقعته:
يا سيدا حاز العلا عن سادة شم الأنوف من الطراز الأول
__________
(1) ترجمة مهجة في المغرب 1: 143 والسيوطي: 93 ونسبتها القرطبية تميزها عن مهجة الفرناطية وقد ترجم للثانية ابن عبد الملك.

(4/293)


حسبي من الإسراع نحوك أنني كنت الجواب مع الرسول المقبل
23 - ومنهن الشلبية، قال ابن الأبار، ولم أقف على اسمها، وكتبت إلى السلطان يعقوب المنصور تتظلم من ولاة بلدها وصاحب خراجه:
قد آن أن تبكي العيون الآبية ولقد أرى أن الحجارة باكية
يا قاصد المصر الذي يرجى به إن قدر الرحمن رفع كراهية
ناد الأمير إذا وقفت ببابه يا راعيا إن الرعية فانية
أرسلتها هملا ولا مرعى لها وتركتها نهب السباع العادية
شلب كلا شلب، وكانت جنة فأعادها الطاغون نارا حامية
حافوا وما خافوا عقوبة ربهم والله لا تخفى عليه خافية
فيقال: إنها ألقيت يوم الجمعة على مصلى المنصور، فلما قضى الصلاة وتصفحها بحث عن القصة فوقف على حقيقتها، وأمر للمرأة بصلة.
وحكي أن بعض قضاة لوشة كانت له زوجة فاقت العلماء في معرفة الأحكام والنوازل، وكان قبل أن يتزوجها ذكر له وصفها فتزوجها، وكان في مجلس قضائه تنزل به النوازل، فيقوم إليها فتشير عليه بما يحكم به، فكتب إليه بعض أصحابه مداعبا بقوله:
بلوشة قاض له زوجة وأحكامها في الورى ماضية
فيا ليته لم يكن قاضيا ويا ليتها كانت القاضية
فأطلع زوجته عليه حين قرأه فقالت: ناولني القلم، فناولها، فكتبت بديهة:
هو شيخ سوء مزدرى له شيوب عاصية
كلا لأن لم ينته لنسفعا بالناصية

(4/294)


وسمعت بعض أشياخنا يحكي القضية عن لسان الدين بن الخطيب، وأنه هو الذي كتب يداعب زوج المرأة فكتبت إليه:
إن الإمام ابن الخطيب له شيوب عاصية
إلى آخره، فالله أعلم.
ومنهن نزهون الغرناطية (1) .
قال في المغرب: من أهل الماء الخامسة ذكرها الحجاري في المسهب ووصفها بخفة الروح، والانطباع الزائد، والحلاوة، وحفظ الشعر، والمعرفة بضرب الأمثال، مع جمال فائق، وحسن رائق، وكان الوزير أبو بكر ابن سعيد أولع الناس بمحاضرتها ومذاكرتها ومراسلتها، فكتب لها مرة:
يا من له ألف خل من عاشق وصديق
أراك خليت للنا س منزلا في الطريق
فأجابته:
حللت أبا بكر محلا منعته سواك، وهل غير الحبيب له صدري
وإن كان لي كم من حبيب فإنما يقدم أهل الحق حب أبي بكر
قيل: لو قالت " وإن كان خلاني كثيرا...... إلخ " لكان أجود.
ولما قال فيها المخزومي:
__________
(1) ترجمة نزهون في التحفة: 164 والمغرب 2: 121 والذيل والتكملة والسيوطي: 97 والإحاطة 1: 434 وقال ابن الأبار: إنها عاصرت حمدة أو قاربت عصرها، ونقل ابن عبد الملك عنه قوله: هو (اي القليعي) فيما أحسب أبو بكر محمد بن أحمد بن خلف بن عبد الملك بن غالب الغساني.

(4/295)


على وجه نزهون من الحسن مسحة وتحت الثياب العار لو كان باديا
قواصد نزهون توارك غيرها ومن قصد البحر استقل السواقيا
قالت:
إن كان ما قلت حقا من بعض عهد كريم
فصار ذكري ذميما يعزى إلى كل لوم
وصرت أقبح شيء في صورة المخزومي
وقد تقدمت حكايتها في الباب الأول من هذا، فلتراجع.
وقال لها بعض الثقلاء: معلى من أكل معك خمسمائة صوت فقالت:
وذي شقوة لما رآني رأى له تمنيه أن يصلى معي جاحم الضرب
فقلت له كلها هنيئا فإنما خلقت إلى لبس المطارف والشرب
679 - ابن قزمان
وقال ابن سعيد في طالعه لما وصف وصول ابن قزمان إلى غرناطة واجتماعه بجنته بقرية الزاوية من خارجها بنزهون القلاعية الأديبة، وما جرى بينهما، وأنها قالت له بعقب ارتجال بديع - وكان يلبس غفارة صفراء على زي الفقهاء حينئذ - أحسنت يا بقرة بني إسرائيل، إلا أنك لا تسر الناظرين، فقال لها: إن لم أسر الناظرين (1) فأنا أسر السامعين، وإنما يطلب سرور الناظرين يا فاعلة يا صانعة، وتمكن السكر من ابن قزمان، وآل الأمر إلى أن تدافعوا معه حتى رموه في البركة، فما خرج إلا وهو قد شرب كثيرا من الماء، وثيابه تهطل، فقال: اسمع يا وزير، ثم أنشد:
__________
(1) إن... الناظرين: زيادة من م.

(4/296)


إيه أبا بكر ولا حول لي بدفع أعيان وأنذال
وذات فرج واسع دافق بالماء يحكي حال أذيالي
غرقتني في الماء يا سيدي كفره بالتغريق في المال
فأمر بتجريد ثيابه، وخلع عليه ما يليق به، ومر لهم يوم بعد عهدهم بمثله. ولم ينتقل ابن قزمان من غرناطة إلا من بعد ما أجزل له الإحسان، ومدحه بما هو ثابت له في ديوان أجزاله. وحكي عنه فيما أظن - أعني ابن قزمان - ويحتمل أنه غيره أنه تبع إحدى الماجنات، وكان أحول، فأطعمته في نفسها، وأشارت إليه أن يتبعها، فاتبعها حتى أتت سوق الصاغة بإشبيلية، فوقفت على صائغ من صياغها، فقالت له: يا معلم مثل هذا يكون فص الخاتم الذي قلت لك عنه، تشير إلى عين ذلك الأحول الذي تبعها، وكانت قد كلفت ذلك الصائغ أن يعمل لها خاتما يكون فصه عين إبليس، فقال لها الصائغ: جيئيني بالمثال، فإني لم أر هذا ولا سمعته قط، فجاءته به عن مثال، وحكاها بعضهم على وجه آخر وأنها ذهبت إلى الصائغ وقالت له: صور لي صورة الشيطان، فقال لها: ائتيني بمثال، فلما تبعها ابن قزمان جاءت به، وقالت له: مثل هذا، فسأل ابن قزمان فأعلمه فخجل ولعنها، وكتب أبو بكر ابن قزمان على باب جنته:
وقائل يا حسنها جنة لا يدخل الحزن على بابها
فقلت والحق له صولة أحسن منها مجد أربابها
وله:
كثير المال تمسكه فيفنى وقد يبقى مع الجود القليل
ومن غرست يداه ثمار جود ففي ظل الثناء له مقيل
رجع إلى أخبار نزهون بنت القليعي
حكي أنها مكانت تقرأ على أبي بكر المخزومي الأعمى، فدخل عليهما أبو

(4/297)


بكر الكتندي، فقال يخاطب المخزومي:
لو كنت تبصر من تجالسه
فأفحم، وأطال الفكر فما وجد شيئا، فقالت نزهون:
لغدوت أخرس من خلاله
البدر يطاع من أزرته والغصن يمرح في غلائله
وكانت ماجنة، ومن شعرها قولها:
لله در الليالي ما أحيسنها وما أحيسن منها ليلة الأحد
لو كنت حاضرنا فيها وقد غفلت عين الرقيب فلم تنظر إلى أحد
أبصرت شمس الضحى في ساعدي قمر بل ريم خازمة في ساعدي أسد
مقطعات لابن الزقاق
وهذا المعنى متفق مع قول ابن الزقاق (1) :
ومرتجة الأرداف أما قوامها فلدن وأما ردفها فرادح
ألمت فبات الليل من قصر بها يطير،ولا غير السرور جناح
فبت وقد زارت بأنعم ليلة يعانقني حتى الصباح صباح
على عاتقي من ساعديها حمائل وفي خصرها من ساعدي وشاح
وابن الزقاق هذا له في النظم والغوص على المعاني الباع المديد، ومن نظمه قوله:
__________
(1) انظر مقطعات ابن الزقاق هذه في ديوانه: 129، 295، 177، 291، 292، 202، 208، 206، 298، 294، 113 (وبعضها عن النفح نفسه).

(4/298)


رئيس الشرق محمود السجايا يقصر عن مدائحه البليغ
نسميه بيحيى وهو ميت كما أن السليم هو اللديغ
يعاف الورد إن ظمئت حشاه وفي مال اليتيم له ولوغ
زقزله:
كتبت ولو أنني أستطيع لإجلال قدرك بين البشر
قددت اليراعة من أنملي وكان المداد سواد البصر
وقوله:
غرير يباري الصبح إشراق خده وفي مفرق الظلماء منه نصيب
ترف بفيه ضاحكا أقحوانة ويهتز في برديه منه قضيب
وقوله:
ومهفهف نبت الشقيق بخده واهتز أملود النقا في برده
ماء الشبيبة والغرام أرق من صقل الحسان المنتقى وفرنده
يحيي الورى بتحية من وصله من بعد ما وردوا الحمام بصده
إن كنت أهديت الفؤاد له فقل أي الجوى بجوانح لم يهده
وقوله:
أرق نسيم الصبا عرفه وراق قضيب النقا عطفه
ومر بنا يتهادى وقد نظر سيف أجفانه طرفه
ومد لمبسمه راحة فخلت الأقاح دنا قطفه
أشارت بتقبيلها للسلام فقال فمي ليتني كفه
وقوله:
بأبي من لم يدع لي لحظه في الهوى من رمق حين رمق

(4/299)


جمعت نكهته في ثغره عبقا في نسق يسبي الحدق
وبدت خجلته في خده شفقا في فلق تحت غسق
وقال:
وعشية لبست ملاء شقيق تزهى بلون للخدود أنيق
أبقت بها الشمس المنيرة مثل ما أبقى الحياء بوجني معشوق
لو أستطيع شربتها كلفا بها وعدلت فيها عن كؤوس رحيق
وقال في مسامرة كتاب زعماء:
لله ليلتنا التي استخذى بها فلق الصباح لسدفة الإظلام
طرأت علي مع النجوم بأنجم من فتية بيض الوجوه كرام
إن حوربوا فزعوا إلى بيض الظبى أو خوطبوا فزعوا إلى الأقلام
فترى البلاغة إن نظرت إليهم والبأس بين يراعة وحسام
وقال:
ومجدين في السرى قد تعاطوا غفوات الهوى بغير كؤوس
جنحوا وانحنوا على العيس حتى خلتهم يعتبون أيدي العيس
نبذوا الغمض وهو حلو إلى أن وجدوه سلافة في الرؤوس
وقال:
وحبب يوم السبت عندي أنني ينادمني فيه الذي أنا أحببت
ومن أعجب الأشياء أني مسلم حنيف ولكن خير أيامي السبت
ولنقتصر من نساء الأندلس على هذا المقدار، ونعد غلى ما كنا فيه من جلب كلام بلغاء الأندلس ذوي الأقدار، فنقول:

(4/300)


681 - قال الخفاجي رحمه الله تعالى (1) :
وهاتفة في البان تملي غرامها علينا وتتلو من صبابتها صحفا
عجبت لها تشكو الفراق جهالة وقد جاوبت من كل ناحية إلفا
ويشجي قلوب العاشقين أنينها وما فهموا مما تغنت به حرفا
ولو صدقت فيما تقول فيه من الأسى لما لبست طوقا ولا خضبت كفا
682 - وقال الأستاذ أبو محمد ابن صارة:
متى تلتقي عيناي بدر مكارم تود الثريا أنها من مواطئه
ولما أهل المدلجون بذكره وفاح تراب البيد مسكا لواطئه
عرفنا بحسن الذكر حسن صنيعه كما عرف الوادي بخضرة شاطئه
وقال يتغزل:
يا من تعرض دونه شحط النوى فاستشرفت لحديثه أسماعي
إني لمن يحظى بقربك حاسد ونواظري يحسدن فيك رقاعي
لم تطوك الأيام عني إنما نقلتك من عيني إلى أضلاعي
683 - مقطعات لابن العطار
وقال الأديب أبو القاسم ابن العطار (2) :
عبرنا سماء الجو والنهر مشرق وليس لنا إلا الحباب النجوم
وقد ألبسته الأيك برد ظلالها وللشمس في تلك البرود رقوم
__________
(1) ديوان ابن خفاجة: 370 (عن النفح).
(2) القلائد: 285.

(4/301)


وله أيضا (1) :
لله بهجة نزهة ضربت به ... فوق الغدير رواقها الأنشام (2) فمع الأصيل النهر درع سابغ ومع الضحى يلتاح فيه حسام
وقال أيضا (3) :
هبت الريح بالعشي فحاكت زردا للغدير ناهيك جنه
وانجلى البدر بعد هدء (4) فحاكت ... كفه للقتال منه أسنه وقال أيضا (5) :
لله حسن حديقة بسطت لنا منها النفوس سوالف ومعاطف
تختال في حلل الربيع وحليه ومن الربيع قلائد ومطارف
وله (6) :
وسنان ما إن يزال عارضه يعطف قلبي بعطفة اللام
أسلمني للهوى فوا حزني أن بزني عفتي وإسلامي
لحاظه أسهم، وحاجبه قوس، وإنسان عينه رامي
684 - وارتجل أبو جعفر ابن خاتمة رحمه الله تعالى لما بات في قرية بيش:
__________
(1) القلائد، والمغرب 1: 254.
(2) الأنشام - بالشين - نوع من الشجر.
(3) القلائد: 285.
(4) م: هذا.
(5) القلائد: 286.
(6) القلائد: 288 والثالث في المغرب.

(4/302)


لله منزلنا بقرية بيش كاد الهوى فيها ادكارا بي يشي
رحنا إليها والبطاح كأنها صحف مذهبة بإبريز العشي
فأجازه الوزير ابن جزي بقوله:
في فتية هزت حميا الأنس من أعطافهم فالكل منها منتشي
يأتي علاهم بالصحيح، ولفظهم بالمنتقى، وجمالهم بالمدهش
685 - وقال السلطان أبو الحجاج النصري مرتجلا أيام مقامه بظاهر جبل الفتح سنة 815:
ولم يتركوا أوطانهم بمرادهم ولكن لأحوال أشابت مفارقي
أقام بها ليل التهاني تقلبا وقد سكنت جهلا نفوس الخلائق
فعوضتها ليل الصبابة بالسرى وأنس التلاقي بالحبيب المفارق
ولم يثنني طرف من النور ناعس ولا معطف للبان وسط الحدائق
ولا منهض الأشبال في عقر غيرهم ولا ملعب الغزلان فوق النمارق
وعاطيتها صبح الدياجي مدامة تميل بها الركبان فوق الأيانق
إذا ما قطعنا بالمطي تنوفة دلجنا لأخرى بالجياد السوابق
بحيث التقى موسى مع الخضر آية عسى ترجع العقبى كموسى وطارق
وله:
من عاذري من غزال زانه حور قد هام لما بدا في حسنه البشر
ألحاظه كسيوف الهند ماضية لها بقلبي وإن سالمتها أثر
686 - وقال القاضي أبو القاسم ابن حاتم:
شكوت بما دهاك وكان سرا لمن ليست مودته صحيحه
فتلك مصيبة عادت ثلاثا لصحبتها الشماتة والفضيحه

(4/303)


687 - وقال الفقيه محمد بن سعيد الأندلسي مخاطبا للفقيه الفخار:
خفف علينا قليلا أيها المعلم فربما كان فينا من به ألم
لا يستطيع نهوضامن ألمه وإن تمادى قليلا خانت القدم
كفى وصية مولانا وسيدنا محمد فاسمعوا ما قال والتزموا
688 - وقال ابن جبير اليحصبي فيمن أهدى إليه تفاحا:
خليل لم يزل قلبي قديما يميل بفرط صاغية إليه
أتاني مقبلا والبشر يبدي وسائل برة كرمت لديه
وجاء بعرف تفاح ذكي فقلت أتى الخليل بسيبويه
فأهدى من جناه بكل شكل يلوح جمال مهديها عليه
689 - وقال قاضي مالقة سيدي إبراهيم البدوي:
قطعت يأسي فصنت نفسي عن الوقوف لذي وجاهه
قصدت ربي فكان حسبي ألبسني فضله وجاهه
فال يرى ينثني عناني مدى حياتي إلا تجاهه
690 - وقال ابن خليل السكوني في فهرسته: شاهدت بجامع العدبس بإشبيلية ربعة مصحف في أسفار ينحى به لنحو خطوط الكوفة إلا أنه أحسن خطا وأبينه وأبرعه وأتقنه، فقال لي الشيخ الأستاذ أبو الحسن ابن الطفيل بن عظيمة: هذا خط ابن مقلة، وأنشد:
خط ابن مقلة من أرعاه مقلته ودت جوارحه لو أنها مقل
ثم قسنا حروفه بالضابط فوجدنا أنواعها تتماثل في القدر والوضع، فالألفات على قدر واحد، واللامات كذلك، والكافات والواوات وغيرها بهذه النسبة، انتهى.

(4/304)


قلت: رأيت بالمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام مصحفا بخط ياقوت المستعصمي بهذه المثابة، وهو من الأوقاف الرستمية، ورأيت بالحجرة الشريفة على صاحبها الصلاة والسلام مصحفا مكتوبا في آخره ما صورته: كتبته بقلم واحد فقط ما قط قط إلا مرة فقط، انتهى.
رجع:
691 - وقال ابن عبدون رحمه الله تعالى:
أذهبن من فرق الفراق نفوسا ونثرن من در الدموع تفيسا
فتبعتها نظر الشجي فحدقت رقباؤها نحوي عيونا شوسا
وحللن عقد الصبر إذ ودعنني فحللن أفلاك الخدور شموسا
حلته إذ حلته حتى خلته عرشا لها وحسبتها بلقيسا
فازور جانبها وكان جوابها: لو كنت تهوانا صحبت العيسا
وهي طويلة.
قلت: ما أظن لسان الدين نسج قصيدته من هذا البحر والروي إلا على منوال هذه، وإن كان الحافظ التنسي قال: إنه نسجها على قصيدة أبي تمام حسبما ذكرنا ذلك في محله، فليراجع.
692 - وقال أبو عبد الله ابن المناصف قاضي بلنسية ومرسية رحمه الله تعالى:
ألزمت نفسي خمولا عن رتبة الأعلام
لا يخسف البدر إلا ظهوره في تمام
وتذكرت به قول غيره:
ليس الخمول بعار على امرئ ذي جلال
فليلة القدر تخفى وتلك خير الليالي

(4/305)


693 - وقال الوزير ابن عمار، وقد كتب له أبو المطرف ابن الدباغ شافعا لغلام طر له عذار:
أتاني كتابك مستشفعا بوجه أبي الحسن من رده
ومن قبل فضي ختم الكتاب قرأت الشفاعة في خده
694 - وقال القاضي الأديب، والفيلسوف الأريب، أبو الوليد الوقشي قاضي طليطلة (1) :
برح بي أن علوم الورى قسمان ما إن فيهما من مزيد
حقيقة يعجز تحصيلها وباطل تحصيله لا يفيد
695 - وقال أبو عبد الله ابن الصفار وهو من بيت القضاء والعلم بقرطبة:
لا تحسب الناس سواء متى ما اشتبهوا فالناس أطوار
زانظر إلى الأحجار، في بعضها ماء، وبعض ضمنه نار
وهذا مثل قول غيره (2) :
الناس كالأرض ومنها هم من خشن الطبع ومن لين
مرو تشكى الرجل منه الوجى وإثمد يجعل في الأعين
ومن نظم ابن الصفار المذكور:
إذا نويت انقطاعا فاعمل حساب الرجوع
696 - وقال أبو مروان الجزيري:
ومن العجائب والعجائب جمة أن يلهج الأعمى بعيب الأعور
__________
(1) انظر ما تقدم ص: 137.
(2) الحصري (التكملة: 434).

(4/306)


697 - وقال حسان بن المصيصي كاتب بن عباد ملك قلطبة:
لا تأمنن من العدو لبعده إن امرأ القيس اشتكى الطماحا
698 - وقال الشيخ الأكبر سيدي محيي الدين بن عربي في كتابه الإسفار عن نتائج الأسفار: أنشدني الكاتب أبو عمرو ابن مهيب بإشبيلية أبياتا عملها في حمود بن إبراهيم بن أبي بكر الهرغي، وكان أجمل أهل زمانه، رآه عندنا زائرا وقد خط عذاره، فقلت: يا أبا عمرو، ما تنظر إلى حسن هذا الوجه فعمل الأبيات في ذلك، وهي:
وقالوا العذار جناح الهوى إذا ما استوى طار عن وكره
وليس كذاك فخبرهم قياما بعذري أو عذره
إذا كمل الحسن في وجنة فخاتمه ويك من شعره
قال بعضهم: رأيت آخر الكتاب المذكور بعد فراغه شعرا نسبه إليه، وهو:
يا جاضرا بجماله في خاطري ومحجبا بجلاله عن ناظري
إن غبت عن عيني فإنك نورها وضمير سرك سائر في سائري
ومن العجائب أنني أبدا إلى رؤياك ذو شوق مديد وافر
وع أنني ما كنت قط بمجلس إلا وكنت كنادمي ومسامري
699 - وأنشد في الإحاطة لعبد الله الجذامي:
أيا سيدي أشكو لمجدك أنني صددت مرارا عن مثولي بساحتك
شكاة اشتياق أنت حقا طبيبها وما راحتي إلا بتقبيل راحتك
قال: وهو عبد الله بن عبد الله بن أحمد بن محمد الجذامي، فاضل ملازم

(4/307)


للقراءة، عاكف على الخير، مشارك في العربية، خاطب للرياسة الأدبية، اختص بالأمير أبي علي المنصور ابن السلطان أيام مقامه بالأندلس، ومما خاطبه به معتذرا:
أيا سيدي ...... البيتين
انتهى.
700 - وقال في ترجمة عبد الله بن أحمد المالقي قاضي غرناطة، وكان فقيها بارع الأدب: إنه كتب إلى أبي نصر صاحب القلائد والمطمح أثناء رسالة بقوله:
تفتحت الكتابة عن نسيم نسيم المسك في خلق كريم
أبا نصر رسمت لها رسوما تخال رسومها وضح النجوم
وقد كانت عفت فأنرت منها سراجا لاح في الليل البهيم
فتحت من الصناعة كل باب فصارت في طريق مستقيم
فكتاب الزمان ولست منهم إذا راموا مرامك في هموم
فما قس بأبدع منك لفظا ولا سحبان مثلك في العلوم
701 - وقال الذهبي، وقد جرى ذكر محمد بن الحسن المذحجي الأندلسي ابن الكتاني: إنه أديب شاعر متفنن ذو تصانيف، حمل عنه ابن حزم، ومن شعره:
ألا قد هجرنا الهجر واتصل الوصل وبانت ليالي البين واجتمع الشمل
فسعدي نديمي، والمدامة ريقها، ووجنتها روضي، وتقبيلها النقل
702 - وقال العلامة محمد بن عبد الرحمن الغرناطي:
الشعب ثم قبيلة وعمارة بطن وفخذ والفصيلة تابعه

(4/308)


فالشعب مجتمع القبيلة كلها ثم القبيلة للعمارة جامعه
والبطن تجمعه العمائر فاعلمن والفخذ تجمعه البطون الواسعه
والفخذ يجمع للفصائل هاكها جاءت على نسق لها متتابعه
فخزيمة شعب، وإن كنانة لقبيلة منها الفصائل شائعه
وقريشها تسمى العمارة يا فتى وقصي بطن للأعادي قامعه
ذا هاشم فخذ وذا عباسها أثر الفصيلة لا تناط بسابعه
وكتبت هذه الأبيات وإن لم تشتمل على البلاغة لما فيها من الفائدة، ولأن بعض الناس سألني فيها لغرابتها، والأعمال بالنيات.
703 - ولما دخل أبو محمد الكلاعي الجياني على القاضي ابن رشد قام له فأنشده أبو محمد بديهة:
قام لي السيد الهمام قاضي قضاةالورى الإمام
فقلت قم بي، ولا تقم لي فقلما يؤكل القيام
704 - وقال أبو عبد الرحمن ابن جحاف البلنسي:
لئن كان الزمان أراد حطي وحاربني بأنياب وظفر
كفاني أن تصافيني المعالي وإن عاديتني يا أم دفر
فما اعتز اللئيم وإن تسامى ولا هان الكريم بغير وفر
705 - وقال أبو محمد ابن برطله (1) :
ألا إنما سيف الفتى صنو نفسه فنافس بأوفى ذمة وإخاء
يزينك مرأى أو يعينك حاجة فيحسن حالي شدة ورخاء
__________
(1) زاد في م: وقد سبق ذكره.

(4/309)


وقال أيضا (1) :
أنفسي صبرا لا يروعك حادث بإرتاجه واستشعري عاجل الفتح
فرب اشتداد في الخطوب لفرجة ... كما انشق ليل طال عن فلق الصبح (2) وقال أيضا:
متى يدنو لوعدكم انتجاز ويبعد من حقيقته المجاز
أيجمل أن يؤمكم رجائي فيوقف لا يرد ولا يجاز
وجدكم كفيل بالأماني ومطلوبي قريب مستجاز
إذا ما أمكنت فرص المساعي فعجز أن يطاولها انتهاز
وها أنا قد هززتكم حساما ويحسن للمهندة اهتزاز
فما الإنصاف أن ينضى كهام ويودع غمده العضب الجراز
كما نعم العراق بعذب بحر ويشقى بالظما البرح الحجاز
فأعيى الناس في المقدار (3) حكم ... تجاذبه خمول واعتزاز 706 - وأنشد الشيخ أبو بكر ابن حبيش لابن وضاح البيت المشهور، وهو:
أسرى وأسير في الآفاق من قمر ومن نسيم ومن طيف ومن مثل
__________
(1) م: وقوله وقد أجاد وأبلغ في الموعظة.
(2) زاد في م بعد هذه المقطوعة مقطوعتين لابن برطله وهما قوله:
وأمر كأن المصطلين بحره ... وإن لم تكن نار وقوف على الجمر
صبرت له حتى تناءى وإنما ... تفرج أيام الكريهة بالصبر وقوله:
نفسي تنازعني فقلت لها اصبري ... موت يريحك أو صعود المنبر
ما قد قضي سيكون فاصطبري له ... ولك الأمان من الذي لم يقدر (3) م: المقدور.

(4/310)


وابن حبيش المذكور هو أبو بكر محمد بن الحسن بن يوسف (1) بن حبيش - بفتح الحاء - وقد عرف به تلميذه ابن الفهري في رحلته، فقال بعد كلام: أما النظم فبيده عنانه، وأما النثر فإن مال إليه توكف له بنانه (2) ، مع تواضع زائد، على صلة مخبره عائد، لقيته بمنزله ليوم أو يومين من مقدمي على تونس، فتلقى بكل فن يونس، وصادفته بحالة مرض، من وثء (3) في رجله عرض، وعنده جملة من العواد، من الصدور الأمجاد، فأدنى وقرب، وسهل ورحب، وتفاوض أولئك الصدور، في فنون من الأدب كأنها الشذور، إلى أن خاضوا في الأحاجي، واستضاءوا بأنوار أفكارهم في تلك الدياجي، فخضت معهم في الحديث، وأنشدتهم بيتين كنت صنعتهما وأنا حديث، لقصة بلغتني عن أبي الحسن سهل بن مالك، وهي أنه كان يسائل أصحابه وهو في المكتب ويقول لهم: أخرجوا اسمي، فكل ينطق على تقديره، فيقول لهم: إنكم لم تصيبوه مع أنه سهل، فنظمت هذا المعنى فقلت:
وما اسم فكه سهل يسير يكون مصغرا نجما يسير
مصحفه له في العين حسن وقلبي عند صاحبه أسير
وكان الشيخ أبو بكر على فراشه، فزحف مع ما به من ألم، إلى محبرة وطرس وقلم، وكتب البيتين بخطه، وقال للحاضرين: ارووا هذين البيتين عن قائلهما.
ومن شيوخ ابن حبيش المذكور أبو عبد الله ابن عسكر المالقي، كتب له ولأخيه أبي الحسين بخطه إجازة جميع ما يجوز له، وعنه، وضمن آخرها هذه الأبيات:
__________
(1) م: يونس؛ قلت وصوابه محمد بن الحسن بن يوسف بن الحسن بن يونس كما أورده ابن رشيد في ملء العيبة (1736 من نسخة الاسكوريال).
(2) ابن رشيد: عنانه.
(3) ابن رشيد: من ألم، وفي هامش الرحلة: وثء.

(4/311)


أجبتكما لكن مقرا بأنني أقصر فيما رمتما عن مداكما
فإنكما بدران في العلم أشرقا فسلم إذعانا وقسرا عداكما
فسيروا على حكم الوداد فإنني أجود بنفسي أن تكون فداكما
قال ابن رشيد: وقد جمع صاحبنا أبو العباس الأشعري لابن حبيش فهرسة جامعة، ولما وقف عليها ابن حبيش كتب في أولها ما نصه: الحمد لله حق حمده، أحسن هذا الفاضل فيما صنع أحسن الله إليه، وبالغ فيما جمع بلغ الله تعالى به أشرف المراتب لديه، غير أني أقول واحدة، ما سريرتي لها بجاحدة (1) ، وأصرح بمقال، لا يسعني كتمه بحال: والله ما أنا للإجازة بأهل، ولا مرامها لدي بسهل، إذ من شرط المجيز أن يعد فيمن كمل، ويعد العلم والعمل، اللهم غفرا، كيف ينيل من عدم وفرا، أو يجيز من أصبح صدره من المعارف قفرا، وصحيفته من الصالحات صفرا، وكيف يرتسم في ديوان الجلة، من يتسم بالأفعال المخلة، ومتى يقترن الشبه بالإبريز، أو يوصف السكيت بالتبريز، ومن ضعف النهى، مجانسة الأقمار بالسها، ومن أعظم التوبيخ، تشييخ من لا يصلح للتشييخ، وإن هذا المجموع ليروق ويعجب، ولكنه جمع لمن لا يستوجب، وإن القراءة قد تحصلت، ولكن القواعد ما تأصلت، وإن القارئ علم، ولكن المقروء عليه عدم، ولقد شكرت لهذا السري ما جلب، وكتبت مسعفا له بما طلب، وقرنت إلى دره هذا المخشلب، قلت وحليي عطل، ونطقي خطل، مكره أخاك (2) لا بطل، والله سبحانه وتعالى ينفع بما أخلص له عند الاعتقاد، ويسمح للبهرج عند النتقاد، كتبه العبد المذنب [المستغفر] (3) محمد بن الحسن بن يوسف بن حبيش اللخمي حامدا الله تعالى
__________
(1) ابن رشيد: جاحدة.
(2) ابن رشيد: أخوك.
(3) زيادة من رحلة ابن رشيد.

(4/312)


ومصليا على نبيه الكريم المصطفى وعلى آله أعلام الطهارة والهدى ومسلما تسليما.
وكتب أيضا رحمه الله تعالى في جواب استجازة: المسؤول مبذول، إن شاء الله تعالى على التنجيز، ولكن شروط الإجازة موجودة في المجاز معدومة في المجيز، والله تعالى يصفح بكرمه ومنه، ويشكر كل فاضل على تحصيل ظنه، وهو المسؤول سبحانه أن يحفظ بعنايته مهجاتهم، ويرفع بالعلم والعمل درجاتهم، ويمتعهم بالكمال الرائق المعجب، ويقر بالنجيبين عين المنجب، وكتبه ابن حبيش، انتهى.
707 - وقال الوزير الكاتب أبو بكر ابن القبطرنة يستجدي بازيا من المنصور بن الأفطس صاحب بطليوس:
يا أيها الملك الذي آباؤه شم الأنوف من الطراز الأول
حليت بالنعم الجسام جسيمة عنقي فحل يدي كذاك بأجدل
وامنن به ضافي الجناح كأنما حذيت قوائمه بريح شمأل
متلفتا والطل ينثر برده منه على مثل اليماني المحمل
أغدو به عجبا أصرف في يدي ريحا وآخذ مطلقا بمكبل
708 - وأدخلت على المعتمد يوما باكورة نرجس، فكتب إلى ابن عمار يستدعيه:
قد زارنا النرجس الذكي وآن من يومنا العشي
ونحن في مجلس أنيق وقد ظمئنا وفي ري
ولي خليل غدا سميي يا ليته ساعد السمي
فأجابه ابن عمار:
لبيك لبيك من مناد له الندى الرحب والندي

(4/313)


ها أنا بالباب عبد قن قبلته وجهك السني
شرفه والداه باسم شرفته أنت والنبي
واصطبح المعتمد يوم غيم مع أم الربيع، واحتجب عن الندماء، فكتب إليه ابن عمار:
تجهم وجه الأفق واعتلت النفس لأن لم تلح للعين أنت ولا الشمس
فإن كان هذا منكما من توافق وضمكما أنس فيهنيكما الأنس
فأجابه المعتمد بقوله:
خليلي قولا هل علي ملامة إذا لم أغب إلا لتحضرني الشمس
وأهدي بأكواس المدام كواكبا إذا أبصرتها العين هشت لها النفس
سلام سلام أنتما الأنس كله وإن غبتما أم الربيع هي الأنس
واستدعى جماعة من إخوان ابن عمار منه شرابا في موضع هو فيه مفقود، فبعث لهم به وبرمانتين وتفاحتين، وكتب لهم مع ذلك:
خذاهما مثلما استدعيتماهما عروسا لا تزف إلى اللئام
ودونكما بها ثديي فتاة أضفت إليهما خدي غلام
709 - وشرب ذو الوزارتين القائد أبو عيسى ابن لبون مع الوزراء والكتاب ببطحاء لورقة عند أخيه، وابن اليسع غائب، فكتب إليه:
لو كنت تشهد يا هذا عشيتنا والمزن يسكن أحيانا وينحدر
والأرض مصفرة بالمزن طافية أبصرت درا عليه التبر ينتثر
710 - وقال الحجاري من القصيدة المشهورة:
عليك أحالني الذكر الجميل

(4/314)


في وصف زيه البدوي المستثقل وما في طيه:
ومثلني بدن فيه خمر يخف به ومنظره ثقيل
ولما انصرف (1) عن ابن سعيد إلى ابن هود عذله ابن سعيد على تحوله عنه، فقال: النفس تواقة، وما لي بغير التغرب طاقة، ثم قال:
يقولون لي ماذا الملال تقيم في محل فعند الأنس تذهب راحلا
فقلت لهم مثل الحمام إذا شدا على غصن أمسى بآخر نازلا
711 - وقد رأيت أن أكفر ما تقدم ذكره من الهزل الذي أتينا به على سبيل الإحماض بما لا بد منه من الحكم والمواعظ وما يناسبها، فنقول:
1 - قال أبو العباس ابن خليل:
فهموا إشارات الحبيب فهاموا وأقام أمرهم الرشاد فقاموا
وتوسموا بمدامع منهلة تحت الدياجي والأنام نيام
وتلوا من الذكر الحكيم جوامعا جمعت لها الألباب والأفهام
يا صاح لو أبصرت ليلهم وقد صفت القلوب وصفت الأقدام
لرأيت نور هداية قد حفهم فسرى السرور وأشرق الإظلام
فهم العبيد الخادمون مليكهم نعم العبيد وأفلح الخدام
سلموا من الآفات لما استسلموا فعليهم حتى الممات سلام
2 - وقال العالم الكبير الشهير صاحب التآليف أبو محمد عبد الحق الإشبيلي رحمه الله تعالى:
قالوا صف الموت يا هذا وشدته فقلت وامتد مني عندها الصوت
__________
(1) م: انصرف المذكور.

(4/315)


يكفيكم (1) منه أن الناس إن وصفوا ... أمرا يروعهم قالوا هو الموت 3 - وقال الخطيب الأستاذ أبو عبد الله محمد بن صالح الكناني الشاطبي نزيل بجاية:
جعلت كتاب ربي لي بضاعه فكيف أخاف فقرا أو إضاعه
وأعددت القناعة رأس مال وهل شيء أعز من القناعه
4 - وقال القاضي الكبير الأستاذ الشهير أبو العباس أحمد بن الغماز البلنسي نزيل إفريقية:
هو الموت فاحذر أن يجيئك بغتة وأنت على سوء من الفعل عاكف
وإياك أن تمضي من الدهر ساعة ولا لحظة إلا وقلبك واجف
وبادر بأعمال تسرك أن ترى إذا نشرت يوم الحساب الصحائف
ولا تيأسن من رحمة الله إنه لرب العباد بالعباد لطائف
وقال رحمه الله تعالى:
أما آن للنفس أن تخشعا أما آن للقلب أن يقلعا
أليس الثمانون قد أقبلت فلم تبق في لذة مطمعا
تقضى الزمان ولا مطمع لما قد مضى منه أن يرجعا
تقضى الزمان فواحسرتي لما فات منه وما ضيعا
ويا ويلتاه لذي شيبة يطيع هوى النفس فيما دعا
وبعدا وسحقا له إذ غدا ... يسمع وعظا ولن يسمعا (2)
__________
(1) م ق: يكفيهم.
(2) زاد في م بعد هذا المقطوعتين التاليتين لابن الغماز، وله أيضا وهو غريب في معناه:
أيا صاحب الهم إن الهم منفرج ... كم من أمور شداد فرج الله
اليأس يقطع أحيانا بصاحبه ... لا تيأسن فإن الفاتح الله
الله حسبك فيما عذت منه به ... وأين يأمنهم من حسبه الله
إذا قضى الله فاستسلم لقدرته ... ما لأمرئ حيلة فيما قضى الله
سلم إلى الله فيما شاء وأرض به ... فالخير أجمع فيما يصنع الله وقال عفا الله عنه وأجاد في قوله ونصحه:
صن النفس وأحملها على ما يزينها ... تعش سالما والقول منك جميل
وإن قل رزق اليوم فأصبر إلى غد ... عسى نائبات الدهر عنك تزول
يعز غني النفس إن قل ماله ... ويفنى فقير النفس وهو ذليل
وما أكثر الأحباب حين تعدهم ... ولكنهم في النائبات قليل

(4/316)


5 - وقال الأستاذ الزاهد أبو إسحاق الإلبيري الغرناطي رحمه الله تعالى (1) :
كل امرئ فيما يدين يدان سبحان من لم يخل منه مكان
يا عامر الدنيا ليسكنها وما هي بالتي يبقى بها سكان
تفنى وتبقى الأرض بعدك مثلما يبقى المناخ وترحل الركبان
أأسر في الدنيا بكل زيادة ... وزيادتي فيها هي النقصان (2) وقال أيضا رحمه الله تعالى (3) :
وذي غنى أوهمته همته أن الغنى عنه غير منفصل
__________
(1) ديوان الإلبيري (القطعة: 35 في الملحق - نقلا عن النفح).
(2) زاد هنا في م للإبيري قوله: وقال عفا الله عنه مبتهلا إلى مولاه:
أتيتك راجيا يا ذا الجلال ... ففرج ما ترى من سوء حالي
عصيتك سيدي ويلي بجهلي ... وعيب الذنب لم يخطر ببالي
إلى من يشتكي المملوك إلا ... إلى مولاه يا مولي الموالي
لعمري ليت أمي لم تلدني ... ولم أغضبك في ظلم الليالي
فها أنا عبدك العاصي فقير ... إلى رحماك فاقبل لي سؤالي
فإن عاقبت يا ربي تعاقب ... محقا بالعذاب وبالنكال
وإن تعف فعفوك قد أراني ... لأفعالي وأوزاري الثقال (3) زاد في م: في تيه الغنى بغناه وهو كلا شيء في عقباه؛ والقطعة رقم 34 في ديوانه نقلا عن النفح.

(4/317)


يجر أذيال عجبه بطرا واختال للكبرياء في الحلل
بزته أيدي الخطوب بزته فاعتاض بعد الجديد بالسمل
فلا تثق بالغنى فآفته ال فقر وصرف الزمان ذو دول
كفى بنيل الكفاف عنه غنى فكن به فيه غير محتفل
وقال رحمه الله تعالى (1) :
لا شيء أخسر صفقة من عالم لعبت به الدنيا مع الجهال
فغدا يفرق دينه أيدي سبا ويديله حرصا لجمع المال
لا خير في كسب الحرام وقلما يرجى الخلاص لكاسب الحلال
فخذ الكفاف ولا تكن ذا فضلة فالفضل تسأل عنه أي سؤال
وقال رحمه الله تعالى (2) :
الشيب نبه ذا النهى فتنبها ونهى الجهول فما استفاق ولا انتهى
فإلى متى أهو وأخدع بالمنى والشيخ أقبح ما يكون إذا لها
ما حسنه إلا التقى لا أن يرى صبا بألحاظ الجآذر والمها
أنى يقاتل وهو مفلول الشبا كابي الجواد إذا استقل تأوها
محق الزمان هلاله فكأنما أبقى له منه على قدر السها
فغدا حسيرا يشتهي أن يشتهى ولكم جرى طلق الجموح كما اشتهى
إن أن أواه وأجهش بالبكا لذنوبه ضحك الجهول وقهقها
ليست تنبهه العظات ومثله في سنه قد آن أن يتنهنها
فقد اللدات وزال غيا بعدهم هلا تيقظ بعدهم وتنبها
يا ويحه ما باله لا ينتهي عن غيه والعمر منه قد انتهى
__________
(1) في م: عفا الله عنه في علماء السوء؛ والقطعة رقم: 5 في ديوانه.
(2) زاد في م: في المشيب إن حل أوانه؛ والقطعة رقم: 8 في ديوانه.

(4/318)


6 - وقال الأستاذ ولي الله سيدي أبو العباس ابن العريف:
من لم يشافه عالما بأصوله فيقينه في المشكلات ظنون
من أنكر الأشياء دون تيقن وتثبت فمعاند مفتون
الكتب تذكرة لمن هو عالم وصوابها بمحالها معجون
والفكر غواص عليها مخرج والق فيها لؤلؤ مكنون
7 - وقال أبو القاسم ابن الأبرش:
أيأسوني لما تعاظم ذنبي أتراهم هم الغفور الرحيم
فذروني وما تعاظم منه ... إنما يغفر العظيم العظيم (1) 8 - وقال أبو العباس ابن صقر الغرناطي أو المري، وأصله من سرقسطة (2) :
أرض العدو بظاهر متصنع إن كنت مضطرا إلى استرضائه
كم من فتى ألقى بوجه باسم وجوانحي تنقد من بغضائه
9 - وقال الكاتب الشهير الشهيد أبو عبد الله محمد بن الأبار القضاعي البلنسي رحمه الله تعالى من أبيات:
__________
(1) زاد في م: وقال وقد أحسن ظنه بالمولى تعالى سبحانه:
إذا ما بت من ترب فراشي ... وبت مجاور الرب العظيم
فهنوني صحابي ثم قولوا ... لك البشرى قدمت على كريم وقال غيره وأظنه من المشارقة:
قدمت على الكريم بغير زاد ... من الحسنات بالقلب السليم
وحمل الزاد أقبح كل شيء ... إذا كان القدوم على كريم (2) هو أحمد بن عبد الرحمن بن صقر الأنصاري أصله من سرقسطة، وخرج منها أبوه فسكن بلنسية ثم انتقل غلى المرية وبها ولد ابنه سنة 492 وتوفي بمراكش سنة 569؛ انظر التحفة: 49 والوافي 7 الورقة: 22.

(4/319)


يا شقيق النفس أوصيك وإن شق في الإخلاص ما تنتهجه
لا تبت في كمد من كبد رب ضيق عاد رحبا مخرجه
وبلطف الله أصبح واثقا كل كرب فعليه فرجه
ولابن الأبار المذكور ترجمة طويلة استوفيت منها ما أمكنني في أزهار الرياض في أخبار عياض وما يناسبها مما يحصل به للنفس ارتياح وللعقل ارتياض.
قال الغبريني في " عنوان الدراية " (1) : لو لم يكن له من الشعر إلا قصيدته السينية التي رفعها للأمير أبي زكريا رحمه الله تعالى يستنجده ويستصرخه لنصرة الأندلس لكان فيها كفاية، وإن كان قد نقدها ناقد، وطعن عليه فيها طاعن، ولكن كما قال أبو العلاء المعري:
تكلم بالقول المضلل حاسد وكل كلام الحاسدين هراء
ولو لم يكن له من التآليف إلا كتابه المسمى ب " معادن (2) اللجين في مراثي الحسين " لكفاه في ارتفاع درجته، وعلو منصبه وسمو رتبته.
ثم قال: توفي بتونس ضحوة يوم الثلاثاء الموفي عشرين لمحرم سنة658 ومولده لآخر شهر ربيع سنة595 ببلنسية، رحمه الله تعالى وسامحه،انتهى.
وقال ابن علوان: إنه يتصل سنده به من طرق، منها من طريق الرواية أبي عبد الله محمد بن جابر القيسي الوادي آشي عن الشيخ المقرئ المحدث المتبحر أبي عبد الله محمد بن حيان الأوسي الأندلسي نزيل تونس عنه، ومن طريق والدي صاحب عنواو الدراية عن الخطيب أبي عبد الله ابن صالح عنه،انتهى.
قلت: وسندي إليه عن العم عن التنسي عن أبيه عن ابن مرزوق عن جده
__________
(1) عنوان الدراية: 185.
(2) الغبريني: بكتاب.

(4/320)


الخطيب عن ابن جابر الوادي آشي به كما مر.
10 - وقال ابن عبد ربه:
بادر إلى التوبة الخلصاء مجتهدا والموت ويحك لم يمدد إليك يدا
وارقب من الله وعدا ليس يخلفه لا بد لله من إنجاز ما وعدا
11 - وقال الصدر أبو العلاء ابن قاسم القيسي:
يا واقف الباب في رزق يؤمله لا تقطنن فإن الله فاتحه
إن قدر الله رزقا أنت طالبه لا تيأسن فإن الله مانحه
12 - وقال الأعمى التطيلي (1) :
تنافس الناس في الدنيا وقد علموا أن سوف تقتلهم لذاتها بددا
قل للمحدث عن لقمان أو لبد لم يترك الدهر لقمانا ولا لبدا
وللذي همه البنيان يرفعه ... إن الردى لم يغادر في الثرى أحدا (2)
ما لابن آدم لا تفنى مطامعه (3) ... يرجو غدا وعسى أن لا يعيش غدا وقال أبو العباس التطيلي (4) :
والناس كالناس إلا أن تجربهم وللبصيرة حكم ليس للبصر
كالأيك مشتبهات في منابتها وإنما يقع التفضيل في الثمر
13 - وقال القاضي أبو العباس ابن الغماز البلنسي:
__________
(1) زاد في م: وقد سبق ذكره مرارا؛ والقطعة في ديوان الأعمى: 27.
(2) الديوان: في الشرى أسدا.
(3) الديوان: مطالبه.
(4) م: وقال الفقيه العالم أبو العباس التطيلي؛ قلت: وهذا يوهم أنه شخص آخر غير الأعمى التطيلي، وهو نفسه والبيتان في ديوانه: 48.

(4/321)


من كان يعلم لا محالة أنه لا بد أن يؤدي وإن طال المدى
هلا استعد لمشهد يجزي به من قد أعد من اهتدى ومن اعتدى
وقال أيضا (1) :
هو الموت فاحذر أن يجيئك بغتة وأنت على سوء من الفعل عاكف
وإياك أن تمضي من الدهر ساعة ولا لحظة إلا وقلبك واجف
فبادر بأعمال تسرك أن ترى إذا نشرت يوم الحساب الصحائف
ولا تيأسن من رحمة الله إنه لرب العباد بالعباد لطائف
14 - ولما اسوزر باديس صاحب غرناطة اليهودي الشهير بابن نغدلة (2) ، وأعضل داؤه المسلمين، قال زاهد إلبيرة وغرناطة أبو إسحاق الإلبيري قصيدته النونية المشهورة التي منها في إغراء صنهاجة باليهود (3) :
ألا قل لصنهاجة أجمعين بدور الزمان وأسد العرين
مقالة ذي مقة مشفق صحيح النصيحة دنيا ودين
لقد زل سيدكم زلة أقر بها أعين الشامتين
تخير كاتبه كافرا ولو شاء كان من المؤمنين
فعز اليهود به وانتموا وسادوا وتاهوا على المسلمين
وهي قصيدة طويلة، فثارت إذ ذاك صنهاجة على اليهود، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وفيهم الوزير المذكور - وعادة أهل الأندلس أن الوزير هو الكاتب - فأراح الله البلاد والعباد، ببركة هذا الشيخ الذي نور الحق على كلامه باد.
__________
(1) م: وقال رحمه الله أيضا في الموت وأهواله؛ وقد مرت الأبيات ص: 316.
(2) هذا وجه من وجوه كتابة هذا الاسم، وكثيرا ما يرد: النغراله والنغريله.
(3) انظر ديوان الإلبيري: 151 وما بعدها.

(4/322)


15 - وقال أبو الطاهر الجياني المشهور بابن أبي ركب - بفتح الراء وسكون الكاف (1) - :
يقول الناس في مثل تذكر غائبا تره
فما لي لا أرى وطني (2) ... ولا أنسى تذكره وكان أبو الطاهر هذا في جملة من الطلبة، فمر بهم رجل معه محبرة آبنوس تأنق في حليتها واحتفل في عملها، فأراهم إياها، وقال: أريد أن أقصد بها بعض الأكابر، وأريد أن تتموا احتفالي بأن تصنعوا لي بينكم أبيات شعر أقدمها معها، فأطرق الجماعة، وقال أبو طاهر:
وافتك من عدد العلا زنجية في حلة من حلية تتبختر
صفراء سوداء الحلي كأنها ليل تطرزه نجوم تزهر
فلم يغب الرجل عنهم إلا يسيرا، وإذا به قد عاد إليهم، وفي يده قلم نحاس مذهب، فقال لهم: وهذا مما أعددته للدفع مع هذه المحبرة، فتفضلوا بإكمال الصنيعة عندي بذكره، فبدر أبو الطاهر وقال:
حملت بأصفر من نجار حليها تخفيه أحيانا وحينا يظهر
خرسان إلا حين يرضع ثديها فتراه ينطق ما يشاء ويذكر
قال ابن الأبار في تحفة القادم: وحضر يوما في جماعة من أصحابه وفيهم أبو عبد الله ابن زرقون في عقب شعبان في مكان، فلما تملأوا من الطعام قال أبو الطاهر لابن زرقون: أجز يا أبا عبد الله، وأنشد:
حمدت لشعبان المبارك شبعة تسهل عندي الجوع في رمضان
__________
(1) مر البيتان ص: 113، 160 والأبيات والترجمة عن تحفة القادم: 22 بإيجاز.
(2) التحفة: سكني.

(4/323)


كما حمد الصب المتيم زورة تحمل فيها الهجر طول زمان
فقال:
دعوها بشعبانية ولو أنهم دعوها بشبعانية لكفاني
16 - وقال أبو عبد الله ابن خميس الجزائري:
تحفظ من لسانك، ليس شيء أحق بطول سجن من لسان
وكن للصمت ملتزما إذا ما أردت سلامة في ذا الزمان
وقال أيضا (1) :
كن حلس بيتك مهما فتنة ظهرت تخلص بدينك وافعل دائما حسنا
وإن ظلمت فلا تحقد على أحد إن الضغائن فاعلم تنشئ الفتن
وقال:
بدا لي أن خير الناس عيشا من آمنه الإله من الأنام
فليس لخائف عيش لذيذ ولو ملك مع الشآم
وله (2) :
جانب (3) جميع الناس تسلم منهم ... إن السلامة في مجانبة الورى وإذا رأيت من إمرئ يوما أذى لا تجزه أبدا بما منه ترى
وله (4) :
__________
(1) م: وقال وقد أجاد ونصح بموعظته.
(2) م: وقال في مجانبة الناس والعفو عمن ظلمك.
(3) دوزي: سالم.
(4) م: وله في تأديب الصغار والحسد.

(4/324)


من أدب ابنا له صغيرا قرت به عينه كبيرا
وأرغم الأنف من عدو يحسد نعماءه كثيرا
17 - وقال أبو محمد (1) ابن هرون القرطبي:
بيد الإله مفاتح الرزق الذي أبوابه مفتوحة لم تغلق
عجبا لذي فقر يكلف مثله في الوقت شيئا عنده لم يخلق
وقال أيضا (2) :
لعمرك ما الإنسان يرزق نفسه ولكنما الرب الكيريم يسخره
وما بيد المخلوق في الرزق حيلة تقدمه عن وقته أو تؤخره
18 - وقال الأديب الأستاذ أبو محمد ابن صارة رحمه الله تعالى:
يا من يصيخ إلى داعي السفاة وقد نادى به الناعيان الشيب والكبر
إن كنت لا تمسع الذكرى ففيما ثوى في رأسك الواعيان السمع والبصر
ليس الأصم ولا الأعمى سوى رجل لم يهده الهاديان العين والأثر
لا الدهر يبقى ولا الدنيا ولا الفلك ال أعلى ولا النيران الشمس والقمر
ليرحلن عن الدنيا وإن كره فراقهما الثاويان البدو والحضر
وقال رحمه الله تعالى في ابنة ماتت له:
ألا يا موت كنت بنا رؤوفا فجددت الحياة لنا بزوره
حماد لفعلك المشكور لما كفيت مؤونة وسترت عوره
فأنكحنا الضريح بلا صداق وجهزنا الفتاة بغير شوره
__________
(1) م: وقال محمد.
(2) م: وقال رحمه الله في الرزق وتسخيره.

(4/325)


19 - وأنشد أبو عبد الله ابن الحاج البكري الغرناطي:
يا غاديا في غفلة ورائحا إلى متى تستحسن القبائحا
وكم إلى كم لا تخاف موقفا يستنطق الله به الجوارحا
يا عجبا منك وكنت مبصرا كيف تجنبت الطريق الواضحا
كيف تكون حين تقرا في غد صحيفة قد ملئت فضائحا
أم كيف ترضى أن تكون خاسرا يوم يفوز من يكون رابحا
وممن روى عنه هذه الأبيات الكاتب الرئيس أبو الحسن ابن الجياب، وتوفي ابن الحاج المذكور سنة 715 رحمه الله تعالى.
20 - وقال حافظ الأندلس ومحدثها أبو الربيع سليمان بن موسى بن سالم الكلاعي رحمه الله تعالى:
إلهي مضت للعمر سبعون حجة ولي حركات بعدها وسكون
فيا ليت شعري أين أو كيف أو متى يكون الذي لا بد أن سيكون
والصواب أنهما لغيره كما ذكرته في غير هذا الموضع، وبالجملة فهما من كلام الأندلسيين، وإن لم يحقق ناظمهما بالتعيين (1) .
21 - وقال أبو بكر يحيى التطيلي رحمه الله تعالى:
إليك بسطت الكف في فحمة الدجى نداء غريق في الذنوب عريق
رجاك ضميري كيف تخلص جملتي وكم من فريق شافع لفريق
22 - وحكي أن بعض المغاربة كتب إلى الملك الكامل بن العادل بن أيوب رقعة في ورقة بيضاء، إن قرئت في ضوء السراج كانت فضية، وإن قرئت في
__________
(1) انظر ص: 117 وكذلك نسبهما لأبي بكر ابن منخل الشلبي في التكملة: 496 وإنما أنشدهما أبو الربيع وقال لتلميذه إنه رآهما في ديوان ابن منخل.

(4/326)


الشمس كانت زهبية، وإن قرئت في الظل كانت حبرا أسود، وفيها هذه الأبيات:
لئن صدني البحر عن موطني وعيني بأشواقها زاهره
فقد زخرف الله لي مكة بأنوار كعبته الزاهره
وزخرف لي بالنبي يثربا وبالملك الكامل القاهره
فقال الملك الكامل قل:
وطيب لي بالنبي طيبة وبالملك الكامل القاهره
وأظن أن المغربي أندلسي لقوله: لئن صدني البحر عن موطني، فلذلك أدخلته في أخبار الأندلسيين ولست على تحقيق ويقين، والله أعلم.
23 - وأنشد ابن الوليد المعروف بابن الخليع قال: أنشدنا أبو عمر ابن عبد البر النمري الحافظ:
تذكرت من يبكي علي مداوما فلم ألف إلى العلم بالدين والخبر
علوم كتاب الله والسنن التي أتت عن رسول الله مع صحة الأثر
وعلم الألى من ناقديه وفهم ما له اختلفوا في العلم بالرأي والنظر
وأنشد له أيضا:
مقالة ذي نصح وذات فوائد إذا من ذوي الألباب كان استماعها
عليكم بآثار النبي فإنه من افضل أعمال الرشاد اتباعها
24 - وقال أبو الحسن عبد الملك بن عياش الكاتب الأزدي اليابري، وسكن أبوه قرطبة (1) :
عصيت هوى نفسب صغيرا وعندما رمتني الليالي بالمشيب وبالكبر
__________
(1) الذيل والتكملة 5: 28.

(4/327)


أطعت الهوى، عكس القضية ليتني خلقت كبيرا وانتقلت إلى الصغر
وقيل: إن ابنه أبا الحسن علي بن عبد الملك قال بيتا مفردا في معنى ذلك، وهو:
هنيئا له إذ لم يكن كابنه الذي ... أطاع الهوى في حالتيه وما اعتبر (1) وقيل: إن هذا البيت رابع أربعة أبيات (2) .
25 - وقال أبو إسحاق ابن خفاجة لما اجتمع به أبو العرب (3) وسأله عن حاله وقد بلغ في عمره إحدى وثمانين سنة، فأنشده لنفسه:
أي عيش أو غذاء أو سنه لابن إحدى وثمانين سنه
قلص الشيب به ظل امرئ طالم جر صباه رسنه
تارة تسطو به سيئة تسخن العين وأخرى حسنه
26 - وقال أبو محمد عبدالوهاب بن محمد القيسي المالقي:
الموت حصاد بلا منجل يسطو على القاطن والمنجلي
لا يقبل العذر على حالة ما كان من مشكل أو من جلي
27 - وقال الشيخ عبد الحق الإشبيلي الأزدي صاحب كتاب العاقبة
__________
(1) الذيل: وما ائتمر؛ وعن ابن الأبار: وما اعتذر.
(2) قلت: أورد في الذيل والتكملة ثلاثة أبيات قبله وهي:
أبي قال قولا سار في البدو والحضر ... وخلف في الباقين ذكرا وقد غبر
وأسلف إحسانا أوان اقتباله ... وخاف من التقصير في حيز الكبر
لذلك ما وإلى أنينا وزفرة ... وأصبح يهوى أن يعاد إلى الصغر
هنيئا له........ ... ......... (البيت). (3) هو أبو العرب عبد الوهاب التجيبي والأبيات في بغية الملتمس ص: 203 والمعجم: 61 والديوان: 355.

(4/328)


والإحكام وغيرهما:
إن في الموت والمعاد لشغلا وإدكارا لذي النهى وبلاغا
فاغتنم خطتين قبل المنايا صحة الجسم يا أخي والفراغا
28 - وقال أبو الفضل عبد المنعم بن عمر بن عبد الله بن حسان الغساني من أهل جليانة من عمل وادي آش (1) :
ألا إنما الدنيا بحار تلاطمت فما أكثر الغرقى على الجنبات
وأكثر من صاحبت يغرق إلفه وقل فتى ينجى من الغمرات
وكان المذكور من أهل العلم والأدب، رحل وحج وتجول في البلاد، ونزل القاهرة المعزية، وكان أحد السياحين في الأرض، وله تآليف منها جامع أنماط الوسائل في القريض والخطب والرسائل وأكثره من نظمه ونثره، رحمه الله تعالى.
29 - وقال عبد العليم بن عبد الملك بن حبيب القضاعي الطرطوشي:
وما الناس ألا كالصحائف غيرت وألسنهم إلا كمثل التراجم
إذا اشتجر الخصمان في فطنة الفتى فمقوله في ذاك أعدل حاكم
30 - وقال أبو الحكم عبد المحسن البلنسي:
من كان للدهر للدهر خدنا في تصرفه أبدت له صفحة الدهر الأعاجيبا
من كان خلوا من الآداب سربله مر الليالي على الأيام تأديبا
31 - وقال أبو حاتم عمر بن محمد بن فرج من أهل ميرتلة، مدينة بغرب الأندلس، يمدح شهاب الأندلس، يمدح شهاب القضاعي (2) :
__________
(1) مرا في ج 2: 614.
(2) م: يمدح بها شهاب القضاعي المشهور وهي.

(4/329)


شهب السماء ضياؤها مستور عنا إذا أفلت توارى النور
فانزع هديت إلى شهاب نوره متألق آماله تبصير
تشفي جواهره القلوب من العمى ولطالما انشرحت بهن صدور
فإذا أتى فيه حدبث محمد خذ في الصلاة عليه يا مغرور
وترحمن على القضاعي الذي وضع الشهاب فسعيه مشكور
32 - وقال الأستاذ أبو محمد غانم بن وليد المخزومي المالقي:
ثلاثة يجهل مقدارها الأمن والصحة والقوت
فلا تثق بالمال من غيرها ... لو أنه در وياقوت (1) وتذكرت بهذا قول الآخر:
إذا القوت تأتى ل ك والصحة والأمن
وأصبحت أخا حزن فلا فارقك الحزن
وكل ذلك أصله الحديث النبوي [على صاحبه أفضل الصلاة وأزكى التسليم فإنه قال] (2) : " من أصبح آمنا في سربه، معافى في بدنه، معه قوت يومه، فكأنما سيقت له الدنيا بحذافيرها " .
وأخبرنا شيخنا القصار أبو عبد الله محمد بن قاسم القيسي مفتي مدينة فاس وخطيبها سنة عشر وألف، قال: حدثنا شيخنا أبو عبد الله محمد بن أبي الفضل التونسي نزيل فاس الشهير بخروف [قال] حدثنا الإمام سيدي فرج الشريف
__________
(1) زاد في م هنا المقطوعة الآتية: وقال آخر:
قميص من القطن من حله ... وشربة ماء قراح وقوت
ينال بها المرء ما يبتغي ... وهذا كثير على من يموت وتذكرت بالأخرى... إلخ.
(2) زيادة من م.

(4/330)


الطحطاوي، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم يقول " من أصبح آمنا في سربه..... الحديث " .
رجع
وقال الأستاذ العارف بالله سيدي أبو العباس أحمد بن العريف الأندلسي دفين مراكش، وقد زرت قبره سنة 1010 (1) :
إذا نزلت بساحتك الرزايا فلا تجزع لها جزع الصبي
فإن لكل نازلة عزاء بما قد كان من فقد النبي
وقال رحمه الله تعالى:
شدوا الرحال وقد نالوا المنى بمنى وكلهم بأليم الشوق قد باحا
راحت ركائبهم تندى روائحها طيبا بما طاب ذاك الوفد أشباحا
نسيم قبر النبي المصطفى لهم راح إذا سكروا من أجله فاحا
يا راحلين إلى المختار من مضر زرتم جسوما وزرنا نحن أرواحا
إنا أقمنا على شوق وعن قدر ومن أقام على عذر كمن راحا
34 - وقال (2) أبو محمد المحاربي:
داء الزمان وأهله داء يعز له العلاج
أطلعت في ظلمائه رأيا كما سطع السراج
لمعاشر أعيا ثقا في من قناتهم اعوجاج
كالدر ما لم تختبر فإذا اختبرت فهم زجاج
__________
(1) القطعة في التحفة: 17 والوافي 8 الورقة: 50.
(2) م: وقال الأديب.

(4/331)


35 - وقال أبو عبد الله غربيب الثقفي القرطبي (1) :
يهددني بمخلوق ضعيف يهاب من المنية ما أهاب
له أجل ولي أجل وكل سيبلغ حيث يبلغه الكتاب
وما يدري لعل الموت منه ... قريب أينا قبل (2) المصاب وله (3) :
أيها الآمل ما ليس له طالما غر جهولا أمله
رب من بات يمني نفسه خانه دون مناه أجله
وفتى بكر في حاجاته عاجلا أعقب ريثا عجله
قل لمن مثل في أشعاره يذهب المرء ويبقى مثله
نافس المحسن في إحسانه فسيكفيك مسيئا عمله
قال ابن الأبار: وهذا البيت الأخير في برنامج الطبني.
36 - وقال أبو الحسين سليمان بن الطراوة النحوي المالقي (4) :
وقائلة أتصبو للغواني وقد أضحى بمفرقك النهار
فقلت لها حثثت على التصابي أحق الخيل بالركض المعار
37 - وقال الحافظ أبو الربيع ابن سالم:
إذا برمت نفسي بحال أحلتها على أمل ناء فقرت به النفس
__________
(1) غربيب بن عبد الله الطليطلي من قدامى الشعراء وكان أهل بلده يشاورونه في أمورهم؛ انظر الجذوة: 307 (وبغية الملتمس رقم: 1281) والمغرب 2: 23 والقطعة الأولى في المصادر المذكورة.
(2) قبل: رواية الجذوة، وفي الأصول: أينا منه.
(3) م: وله أيضا في طول الأمل وما الأمل إلا غرور.
(4) انظر أخبار وتراجم أندلسية (السلفي): 17.

(4/332)


وأنزل أرجاء الرجاء ركائبي إذا رام إلماما بساحتي اليأس
وإن أوحشتني من أماني نبوة فلي في الرضى بالله والقدر الأنس
38 - وقال أبو الحسن سلام بن عبد الله بن سلام الباهلي الإشبيلي (1) مما أنشده لنفسه في كتابه الذي سماه الذخائر والأعلاق في أدب النفوس ومكارم الأخلاق:
إذا تم عقل المرء تمت فضائله وقامت على الإحسان منه دلائله
فلا تنكر الأبصار ما هو فاعله ولا تنكر الأسماع ما هو قائله
وكان أبو المذكور من وزراء المعتمد بن عباد، رحم الله تعالى الجميع.
39 - وقال أبو بكر الزبيدي اللغوي:
اترك الهم إذا ما طرقك وكل الأمر إلى من خلقك
وإذا أمل قوم أحدا فإلى ربك فامدد عنقك
40 - وقال القاضي أبو الوليد هشام بن محمد القيسي الشلبي المعروف بابن الطلاء: فاوضت القاضي أبا عبد الله ابن شبرين (2) ما يحذر من فتنة النظر إلى الوجوه الحسان، فقلت:
لا تنظرن إلى ذي رونق أبدا واحذر عقوبة ما يأتي به النظر
فكم صريع رأيناه صريع هوى زو نظرة قادها يوما له القدر
فأجابني في المعنى الذي انتحيته:
__________
(1) سلام - بتخفيف اللام - كان شيخا جليلا أديبا شاعرا وله خطب بارعة ومقامات سبع، وقد أودع كتابه المذكور جملة وافرة من شعره؛ توفي بشلب سنة 544 (الذيل والتكملة 4: 48).
(2) زاد في م: العالم الفقيه المحدث، فسألته ما يحدث وما... الخ.

(4/333)


إذا نظرت فلا تولع بتقليب فربما نظرة عادت بتعذيب
ورب هنا للتكثير.
41 - وقال الأستاذ ابن حطوط الله:
أتدري أنك الخطاء حقا وأنك بالذي تأتي رهين
وتغتاب الألى فعلوا وقالوا وذاك الظن والإفك المبين
قال في " الإحاطة " (1) : أبو محمد عبد الله بن سليمان بن داود بن عمر بن حطوط الله الأنصاري الحارثي، كان فقيها جليلا أصوليا كاتبا أديبا شاعرا متفننا في العلوم ورعا دينا حافظا ثبتا فاضلا، درس كتاب سيبويه ومستصفى أبي حامد الغزالي، وكان، رحمه الله تعالى، مشهورا بالعقل والفضل، معظما عند الملوك، معلوم القدر لديهم، يخطب في مجالس الأمراء والمحافل الجمهورية، مقدما في ذلك بلاغة وفصاحة إلى أبعد مضمار، ولي قضاء إشبيلية وقرطبة ومرسية وسبتة وسلا وميورقة، فتظاهر بالعدل، وعرف بما أبطن من الدين والفضل، وكان من العلماء العاملين، مجانبا لأهل البدع والأهواء،بارع الخط، حسن التقييد، وسمع الحديث، فحصل له سماع لم يشاركه فيه أحد من أهل الغرب، وسمع على الجهابذة كابن بشكوال ةغيره، وقرأ أكثر من ستين تأليفا بين كبار وصغار، منها الصحيحان، وأكثر عن ابن حبيش وابن الفخار والسهيلي وغيرهم، ومولده في محرم سنة 541، ومات بغرناطة سحر يوم الخميس ثاني ربيع الأول سنة612، ونقل منها في تابوته الذي ألحد فيه يوم السبت تاسع عشر شعبان من السنة المذكورة إلى مالقة فدفن بها، رحمه الله تعالى، انتهى، وبعضه بالمعنى مختصرا.
__________
(1) الإحاطة، الورقة: 219.

(4/334)


وللمذكور ترجمة واسعة جدا، وألمعت بما ذكرت على وجه التبرك بذكره، رحمه الله تعالى ورضي عنه.
42 - وقال أبو المتوكل الهيثم بن أحمد السكوني الإشبيلي (1) :
يجفى الفقير ويغشى الناس قاطبة باب الغني، كذا حكم المقادير
وإنما الناس أمثال الفراش فهم يرون حيث مصابيح الدنانير
وقال تلميذه ابن الأبار: أنشدني بعض أصحابنا عنه هذين البيتين، ولم أسمعهما منه، انتهى.
قلت: وبهذا تعرف وهم من نسب البيتين إلى عبد المهيمن الحضرمي، فإن هذا كان قبل أن يخلق والد عبد المهيمن الحضرمي، وقد أنشدهما الجلاب الفهري في روح الشعر وروح الشحر.
43 - وقال أبو محمد القاسم بن الفتح الحجاري المعروف بابن افريولة:
ركابي بأرجاء الرجاء مناخة ورائدها علمي بأنك لي رب
وأنك علام بما أنا قائل كما أنت علام بما أضمر القلب
لئن آدها ذنب تولت بعبئه لقد قرعت بابا به يغفر الذنب
وقال أيضا (2) :
عجبا لحبر قد تيقن أنه سيرى اقتراف يديه في ميزانه
ثم امتطى ظهر المعاصي جهرة لم يثنه التأنيب عن عصيانه
أنى عصى ولكل جزء نعمة من نفسه وزمانه ومكانه
44 - وقال الشاعر الكبير الشهير أبو بكر يحيى بن عبد الجليل بن مجبر الفهري:
__________
(1) انظر ما تقدم ج 3: 379.
(2) م: ومما ينسب إليه أيضا قوله.

(4/335)


إن الشدائد قد تغشى الكريم لأن تبين فضل سجاياه وتوضحه
كمبرد القين إذ يعلو الحديد به وليس يأكله إلا ليصلحه
وقال (1) :
لا تغبط المجدب في عمله وإن رأيت الخصب في حاله
إن الذي ضيع من نفسه فوق الذي ثمر من ماله
45 - وقال أبو الحجاج يوسف بن أحمد الأنصاري المنصفي البلنسي (2) :
قال لي النفس أتاك الردى وأنت في بحر الخطايا مقيم
هلا اتخذت الزاد قلت أقصري هل يحمل الزاد لدار الكريم
وكان المنصفي المذكور صالحا، وله رحلة حج فيها، ومال إلى علم التصوف، رحمه الله تعالى، وله فيه أشعار حملت عنه.
46 - وقال أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن الصائغ القرشي الأموي الأندلسي (3) مخمسا أبيات عز الدين بن جماعة قاضي القضاة رحمه الله تعالى:
هم الأبي على مقدار منصبه وبسط راحته في طي منصبه
ما أنت والدهر تشكو من تقلبه يا مبتلى بقضاء قد بليت به
عليك بالصبر واحذر يا أخي جزعك
صبرا فللصبر في حرب العدا عدد ذر العدو يمته الغيظ والحسد
ولا يكن لك إلا الله معتمد واعلم بأن جميع الخلق لو قصدوا
أذاك لم يقدروا والله قد رفعك
__________
(1) م: ومن نكته العجيبة قوله.
(2) انظر ما تقدم ج 3: 595.
(3) ترجم له الصفدي (الوافي 3: 375)، وكان ممن لقيه بالقاهرة، ولقبه محب الدين وله كنية أخرى هي " أبو البقاء " .

(4/336)


أعلاك في رتب غر معظمة بالعرف معروفة بالعلم معلمة
ومن يناويك في بهماء مظلمة فاصرف هواك وجانب كل مظلمة
واصحب فديتك من بالنصح قد نفعك
قد اجتلبت من الأيام تبصرة وقد كفاك الهدى والذكر تذكرة
فاشكر وقدم مع الإخلاص معذرة واسأل إلهك في الإسحار مغفرة
منه وكن معه حتى يكون معك
وتوفي المذكور بالقاهرة في الطاعون العام سنة 749.
47 - وقال أبو عبد الله الحميدي (1) :
الناس نبت وأرباب القلوب لهم روض وأهل الحديث الماء والزهر
من كان قول رسول الله حاكمه فلا شهود له إلا الألى ذكروا
وقال أيضا:
من لم يكن للعلم عند فنائه أرج فإن بقاءه كفنائه
بالعلم يحيا المرء طول حياته فإذا انقضى أحياه حسن ثنائه
وقال أيضا:
دين الفقيه حديث يستضيء به عند الحجاج وإلا كان في الظلم
إن تأوه ذو مذهب في قفر مشكلة لاح الحديث له في الوقت كالعلم
ولما تعرض بعض من لا يبالي بما ارتكب إلى أصحاب الحديث بقوله:
أرى الخير في الدنيا يقل كثيره وينقص نقصا والحديث يزيد
__________
(1) م: محمد الحميدي الأندلسي.

(4/337)


فلو كان خيرا كان كالخير كله ولكن شيطان الحديث مريد
ولابن معين في الرجال مقالة سيسأل عنها والمليك شهيد
فإن يك حقا قوله فهي غيبة وإن يك زورا فالقصاص شديد
أجابه الإمام أبو عبد الله الحميدي بقصيدة طويلة، منها:
وإني إلى إبطال قولك قاصد ولي من شهادات النصوص جنود
إذا لم يكن خيرا كلام نبينا لديك فإن الخير منك بعيد
وأقبح شيء أن جعلت لما أتى عن الله شيطانا وذاك شديد
وما زلت في ذكر الزيادة معجبا بها تبدئ التلبيس ثم تعيد
كلام رسول الله وحي ومن يرم زيادة شيء فهو فيه عنيد
ومنها (1) في ابن معين:
وما هو إلا واحد من جماعة وكلهم فيما حكوه شهود
فإن صد عن حكم الشهادة جاهل فإن كتاب الله فيه عتيد
ولولا رواة الدين ضاع وأصبحت معالمه في اللآخرين تبيد
هم حفظوا الآثار من كل شبهة وغيرهم عما اقتنوه رقود
وهم هاجروا في جمعها وتبادروا إلى كل أفق والمرام كؤود
وقاموا بتعديل الرواة وجرحهم فدام صحيح النقل وهو جديد
بتبليغهم صحت معالم ديننا حدود تحروا حفظها وعهود
وصح لأهل النقل منها احتجاجهم فلم يبق إلا عاند وحقود
وحسبهم أن الصحابة بلغوا وعنهم رووا لا يستطاع جحود
فمن حاد عن هذا اليقين فمارق مريد لإظهار الشكوك مريد
__________
(1) م: ومن هذه القصيدة.

(4/338)


ولكن إذا جاء الهدى ودليله فليس لموجود الضلال وجود
وإن رام أعداه الديانة كيدها فكيدهم بالمخزيات مكيد
48 - وقال أبو بكر محمد بن محرز الزهري البلنسي (1) ، والتزم الراء في كل كلمة:
اشكر لربك وانتظر في إثر عسر الأمر يسرا
واصبر لربك وادخر في ستر ضر الفقر أجرا
فالدهر يعثر بالورى والصبر بالأحرار أحرى
والوفر أظهر معشرا والفقر بالأخيار يغرى
وقال أيضا:
اقنع بما أوتيته تنل الغنى وإذا دهتك ملمة فتصبر
واعلم بأن الرزق مقسوم فلو رمنا زيادة ذرة لم نقدر
والله أرحم بالعباد فلا تسل بشرا تعش عيش الكرام وتؤجر
وإذا سخطت لضر حالك مرة ورأيت نفسك قد عدت فاستبصر
وانظر إلى من كان دونك تدكر لعظيم نعمته عليك فتشكر
49 - وقال الحافظ أبو محمد ابن حزم: أنشدني والدي أحمد بن سعيد ابن حزم (2) :
إذا شئت أن تحيا غنيا فلا تكن على حالة إلا رضيت بدونها
50 - وقال القاضي أبو العباس أحمد بن الغماز البلنسي نزيل تونس:
وقالوا أما تخشى ذنوبا أتيتها ولم تك ذا جهل فتعذر بالجهل
__________
(1) ترجمته في التحفة: 143.
(2) الجذوة: 118.

(4/339)


فقلت لهم هبني كما قد ذكرتم تجاوزت في قولي وأسرفت في فعلي
أما في رضى مولى الموالي وصفحه رجاء ومسلاة لمقترف مثلي
وأنشد رحمه الله تعالى لنفسه في اليوم الذي مات فيه، وهو آخر ما سمع منه ليلة عاشوراء سنة 693:
أدعوك يا رب مضطرا على ثقة بما وعدت كما المضطر يدعوكا
دارك بعفوك عبدا لم يزل أبدا في كل حال من الأحوال يرجوكا
طالت حياتي ولما أتخذ عملا إلا محبة أقوام أحبوكا
51 - وقال ابن الزقاق، ويقال إنها مكتوبة على قبره (1) :
أإخواننا والموت قد حال دوننا وللموت حكم نافذ في الخلائق
سبقتكم للموت والعمرطية وأعلم أن الكل لا بد لاحقي
بعيشكم أو باضطجاعي في الثرى ألم نك في صفو من العيش رائق
فمن مر بي فليمض لي مترحما ولا يك منسيا وفاء الأصادق
52 - وقال الخطيب (2) أبو عبد الله محمد بن صالح الكتاني الشاطبي، ومولده سنة614 (3) :
أرى العمر يفنى والرجاء طويل وليس إلى قرب الحبيب سبيل
حباه إله الخلق أحسن سيرة فما الصبر عن ذاك الجمال جميل
متى يشتفي قلبي بلثم ترابه ويسمح دهر بالمزار بخيل
دللت عليه في أوائل أسطري فذاك نبي مصطفى ورسول
__________
(1) ديوانه: 205.
(2) زاد في م: الجليل الصالح الفقيه.
(3) م: الشاطبي الأندلسي ومولده بشاطبة... الخ.

(4/340)


53 - وقال أيمن بن محمد الغرناطي نزيل طيبة على ساكنها الصلاة والسلام:
أرى حجرات قد أحاطت عراصها ببحر محيط حصره غير ممكن
بحار المعالي والمعاني وإن طمت لدى لجة تفنى وعن هوله تني
محمد المحمود في كل موطن أبو القاسم المختار من خير معدن
نبي إذا أبصرت غرة وجهه تيقنت أن العز عز المهيمن
لك الله من بدر إذا الشمس قابلت محياه قالت إن ذا طالع سني
وله (1) :
كل القلوب مطيعة لك في الهوى جانب فديتك من تشاء ووال
الحسن وال، والقلوب رعية وعلى الرعية أن تطيع الوالي
وقال أيضا (2) :
ألا أيها الباكي على ما يفوته من الحظ في الدنيا جهلت وما تدري
على فوت حظ من جوار محمد حقيق بأن تبكي إلى آخر العمر
ستدري إذا قمنا وقد رفع اللوا وأحمدها دينا إلى موقف الحشر
من الفائز المغبوط في يوم عرضه أجار النبي المصطفى أم أخو الوفر
وله:
فررت من الدنيا إلى ساكن الحمى فرار محب لائذ بحبيب
لجأت إلى هذا الجناب، وإنما لجأت إلى سامي العماد رحيب
وناديت مولاي الذي عنده الغنى نداء عليل في الزمان غريب
__________
(1) م: ومن عجيب قوله ورقيق تغزله قوله.
(2) م: وقال أيضا يفخر بسيدنا محمد (ص).

(4/341)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية