صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
المؤلف : أحمد بن المقري التلمساني
المحقق : إحسان عباس
الناشر : دار صادر- بيروت - لبنان ص.ب 10
الطبعة :
الجزء : 1 - الطبعة : 0 ، 1900
الجزء : 2 - الطبعة : 1 ، 1997
الجزء : 3 - الطبعة : 1 ، 1997
الجزء : 4 - الطبعة : 1 ، 1997
الجزء : 5 - الطبعة : 1 ، 1997
الجزء : 6
الطبعة الأولى 1968
طبعة جديدة 1997
الجزء : 7 - الطبعة : 0 ، 1900
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : الوراق

[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

أفضيض مسك أم بلن ... سية لرياها نميم
بلد حبيب أفقه ... لفتى يحل به كريم
إيه أبا عبد الإل ... ه نداء مغلوب العزيم
إن عيل صبري من فرا ... قك فاعذاب به أليم
أو أتبعتك حنينها ... نفسي فأنت لها قسيم
ذكري لعهدك كالعرا ... ر سرى فبرج بالسليم
مهما ذممت فما زما ... ني في ذمامك بالذميم
زمن كمألوف الرضا ... ع يشوق ذكراه الفطيم
أيام أعقد ناظري ... في ذلك المرأى الوسيم
وأرى الفتوة غضة ... في ثوب أواه حليم
الله يعلم أن حب ... ك من فؤادي في الصميم
ولئن تحمل عنك لي ... جسم فعن قلب مقيم
قل لي بأي خلال سر ... ك فيك أفتن أو أهيم
ألمجدك العمم الذي ... نسق الحديث مع القديم
أم ظرفك الغض الجنى ... أم عرضك الصافي الأديم
أم برك العذب الجما ... م وبشرك الغض الجميم
إن أشمست تلك الطلا ... قة فالندى منها مغيم
أم بالبدائع كاللآ ... لي من نثير أو نظيم
لبلاغة إن عد أه ... لوها فأنت بها زعيم
فقر تسوغ بها المدا ... م وبشرك الغض الجميم
إن الذي قسم الحظو ... ظ حباك بالخلق العظيم
لا أستزيد الله نع ... مى فيك لا بل أستديم
فلقد أقر العين أن ... ك غرة الزمن البهيم
حسبي الثناء بحسن بر ... ك ما بدى برق وشيم

(3/272)


ثم الدعاء بأن ته ... نأ طول عيشك في نعيم
ثم السلام تبلغن ... ه فغيب مهديه سليم ولما ورد إشبيلية نزل بدار الوزير الكاتب ذي الوزارتين أبي عامر ابن مسلمة وهو يبني مجلسا، فصنع أبياتا كتبت فيه (1) :
عمر من يعمر ذا المجلسا ... أطول عمر يبهج الأنفسا
وبعد ذا عوض من داره ... عدنا ومن ديباجه السندسا
ولقي النور (2) بها والرضى ... ووقي الأسواء والأبؤسا
ودام عباد لعضد (3) الهدى ... يحرس حتى يفني الأحرسا
معتضد بالله إحسانه ... جم إذا ما الدهر يوما أسا
الملك الغمر الندى المقتني ... من كل حمد علقه الأنفسا
إن رام يوما وصف عليائه ... مفوه مقتدر أخرسا
لا زال بدرا طالعا نيرا ... يكشف عن آمالنا الحندسا وقال فيه أيضا (4) :
أدرها فقد حسن المجلس ... وقد آن أن تترع الأكؤس
ولا تنس أن أوان الربيع (5) ... إذا لم تجد فقده الأنفس
فإن خلال أبي عامر ... بها يحقر الورد والنرجس وكتب إلى الوزير أبي المعالي المهلب بن عامر يستدعيه (6) :
__________
(1) ديوان ابن زيدون: 227.
(2) الديوان: ووفي الفوز.
(3) الديوان: لعهد.
(4) ديوان ابن زيدون: 228.
(5) الديوان: ولا بأس إن كان ولى الربيع.
(6) الديوان: 228.

(3/273)


طابت لنا ليلتنا الخاليه ... فلنتبعنها هذه الثانيه (1)
أبا المعالي نحن في راحة ... فانفل إلينا القدم العاليه
لأنها (2) عاطلة إن تغب ... عنا فزرنا كي ترى حاليه
أنت الذي لو تشترى ساعة ... منه بدهر لم تكن غاليه وكتب إليه ذو الوزارتين أبو عامر المذكور معاتبا (3) :
تباعدنا على قرب الجوار ... كأنا صدنا شحط المزار
تطلع لي هلال الهجر بدرا ... وصار هلال وصلك في سرار
وشاع شنيع قطعك لي بوصلي ... فهلا كان ذلك في استتار
أيجمل أن ترى عني صبورا ... فأصبح (4) مولعا دون اصطبار
وكنت أزيد سمعك من عتابي ... ولكن عاقني فرط الخمار
فراع مودتي واحفظ جواري ... فإن الله أوصى بالجوار
وزرني منعما من غير أمر ... وآنس موحشا من عقر داري فكتب إليه ابن زيدون (5) :
هواي وإن تناءت عنك داري ... كمثل هواي في حال الجوار
مقيم لا تغيره عواد ... تباعد بين أحيان المزار
رأيتك قلت إن الهجر بدر ... متى خلت البدور من السرار
ورابك أنني جلد صبور ... وكم صبر يكون عن اصطبار
__________
(1) الديوان: فلتنسناها... التاليه.
(2) الديوان: ليلتنا.
(3) الديوان: 204.
(4) ب: وأصبح.
(5) الديوان: 205.

(3/274)


ولم أهجر لعتب، غير أني ... أضرت بي معاقرة العقار (1)
وإن الخمر ليس لها خمار ... يبرح بي فكيف مع الخمار
وهل أنسى لديك نعيم عيش ... كوشي الخد طرز بالعذار
وساعات يجول اللهو فيها ... مجال الطل في حدق البهار (2)
وإن يك فر عنك اليوم جسمي ... فديت فما لقلبي من فرار
وكنت على البعاد أجل شيء ... لدي فكيف إذ أصبحت جاري وكان أبو العطاف إذا ورد إشبيلية رسولا قد سأله أن يريه شيئا من شعره فمطله به، حتى كتب إليه شعرا يستبطئه، فأجابه ابن زيدون في العروض والقافية (3) :
أفدتني (4) من نفائس الدرر ... ما أبرزته غوائص الفكر
من لفظة قارنت نظائرها ... قران سقم الجفون للحور وهي أكثر مما ذكر (5) .
وكتب رحمه الله تعالى - أعني ذا الوزارتين ابن زيدون - إلى ولادة (6) :
أضحى التنائي بديلا من تدانينا ... وناب عن طيب دنيانا تجافينا
ألا وقد حان صبح الليل صبحنا ... حين فقام بنا للحين ناعينا
من مبلغ الملبسينا بانتزاحهم ... حزنا مع الدهر لا يبلى ويبلينا
أن الزمان الذي ما زال يضحكنا ... أنسا بقربهم قد عاد يبكينا
غيظ العدا من تساقينا الهوى فدعوا ... بأن نغص فقال الدهر آمينا
__________
(1) هذا البيت والذي يليه سقطا من ب.
(2) في الأصول: الظل... النهار، والتصويب عن الديوان.
(3) الديوان 206.
(4) ب: أفادني.
(5) هي في عشرين بيتا.
(6) ديوان ابن زيدون: 121.

(3/275)


فانحل ما كان معقودا بأنفسنا ... وانبت ما كان موصولا بأيدينا
بالأمس كنا (1) وما يخشى تفرقنا ... واليوم نحن وما يرجى تلاقينا
يا ليت شعري ولم نعتب أعاديكم ... هل نال حظا من العتبى أعادينا
لم نعتقد بعدكم إلا الوفاء لكم ... رأيا ولم نتقلد غيره دينا
كنا نرى اليأس تسلينا عوارضه ... وقد يئسنا فما لليأس يغرينا
بنم وبنا فما ابتلت جوانحنا ... شوقا إليكم ولا جفت مآقينا
نكاد حين تناجيكم ضمائرنا ... يقضي علينا الأسى لولا تأسينا
حالت لفقدكم أيامنا فغدت ... سودا وكانت بكم بيضا ليالينا
إذ جانب العيش طلق من تألفنا ... ومورد اللهو صاف من تصافينا
وإذ هصرنا فنون الوصل دانية ... قطوفها فجنينا منه. ما شينا
ليسق عهدكم عهد السرور فما ... كنتم لأرواحنا إلا رياحينا
لا تحسبوا نأيكم عنا يغيرنا ... أن طال ما غير الناي المحبينا
والله ما طلبت أهواؤنا بدلا ... منكم ولا انصرفت عنكم أمانينا
يا ساري البرق غاد القصر فاسق به ... من كان صرف الهوى والود يسقينا
واسأل هنالك هل عنى تذكرنا ... إلفا تذكره أمسى يعنينا
ويا نسيم الصبا بلغ تحيتنا ... من لو على البعد حيا كان يحيينا
من لا يرى الدهر يقضينا مساعفة ... فيه وإن لم يكن عنا يقاضينا
من بيت (2) ملك كأن الله أنشأه ... مسكا وقد أنشأ الله الورى طينا
أو ساقه ورقا محضا وتوجه ... من ناصع التبر إبداعا وتحسينا
إذا تأود آدته رفاهية ... توم العقود (3) وأدمته البرى لينا
__________
(1) الديوان: وقد نكون.
(2) الديوان: ربيب.
(3) ب: تدمي العقول.

(3/276)


كانت له الشمس ظئرا في تكلله ... بل ما تجلى لها إلا أحايينا
كأنما أثبتت في صحن وجنته ... زهر الكواكب تعويذا وتزيينا
ما ضر أن لم نكن أكفاءه شرفا ... وفي المودة كاف من تكافينا
يا روضة طالما أجنت لواحظنا ... وردا جلاه الصبا غضا ونسرينا
ويا حياة تملينا بزهرتها ... منى ضروبا ولذات أفانينا
ويا نعيما خطرنا من غضارته ... في وشي نعمى سحبنا ذيله حينا
لسنا نسميك إجلالا وتكرمة ... وقدرك المعتلي عن ذاك يغنينا
إذا انفردت وما شوركت في صفة ... فحسبنا الوصف إيضاحا وتبيينا
يا حنة الخلد أبدلنا بسلسلها ... والكوثر العذب زقوما وغسلينا
كأننا لم نبت والوصل ثالثنا ... والسعد قد غض من أجفان واشينا
سران في خاطر الظلماء تكتمنا ... حتى يكاد لسان الصبح يفشينا
لا غرو في أن ذكرنا الحزن حين نهت ... عنه النهى وتركنا الصبر ناسينا
إنا قرأنا الأسى يوم النوى سورا ... مكتوبة وأخذنا الصبر تلقينا
أما هواك فلم نعدل بمشربه ... شربا وإن كان يروينا فيظمينا
لم نجف أفق جمال أنت كوكبه ... سالين عنه ولم نهجره قالينا
ولا اختيارا تجنبناك عن كثب ... لكن عدتنا على كره عوادينا
نأسى عليك إذا حثت مشعشعة ... فينا الشمول وغنانا مغنينا
لا أكوس الراح تبدي من شمائلنا ... سيم ارتياح ولا الأوتار تلهينا
دومي على العهد ما دمنا محافظة ... فالحر من دان إنصافا كما دينا
فما استعضنا خليلا عنك يحبسنا ... ولا استفدنا حبيبا عنك يغنينا
ولو صبا نحونا من أفق مطلعه ... بدر الدجى لم يكن حاشاك يصبينا
أبلي وفاء وإن لم تبذلي صلة ... فالطيف يقنعنا والذكر يكفينا
وفي الجواب متاع لو شفعت به ... بيض الأيادي التي ما زلت تولينا
عليك مني سلام الله ما بقيت ... صبابة بك نخفيها وتخفينا

(3/277)


وإنما ذكرت هذه القصيدة - مع طولها - لبراعتها، ولأن كثيرا من الناس لا يذكر جملتها، ويظن أن ما في القلائد وغيرها منها هو جميعها، وليس كذلك، فهي وإن اشتهرت بالمشرق والمغرب لم يذكر جملتها إلا القليل، وقد كنت وقفت بالمغرب على تسديس لها لبعض علماء المغرب، ولم يحضرني منه الآن إلا قوله في المطلع:
ما للعيون بسهم الغنج تصمينا ... وعن قطاف جنى الأعطاف تحمينا
تألف كان يحيينا ويضنينا ... تفرق عاث في شمل المحبينا
أضحى التنائي بديلا من تدانينا ... وناب عن طيب دنيانا تجافينا وما أحسن قوله في هذا التسديس:
ما للأحبة دانوابالنوى ورأوا ... تعريض عهد اللقا بالبعد حين نأوا
رعاهم الله كانوا للعهود رعوا ... فغيرتهم وشاة بالفساد سعوا
غيظ العدا من تساقينا الهوى فدعوا ... بأن نغص فقال الدهر آمينا وقد ذكرنا في الباب الرابع موشحة ابن الوكيل التي وطأ فيها بنونية ابن زيدون هذه فلتراجع (1) .
رجع - وقال ذو الوزارتين ابن زيدون يتغزل (2) :
وضح الصبح (3) المبين ... وجلا الشك اليقين
ورأى الأعداء ما غ ... رتهم منك الظنون
أملوا ما ليس يمنى ... ورجوا ما لا يكون
وتمنوا أن يخون ال ... عبد مولى لا يخون
__________
(1) انظر النفح ج ص: 632.
(2) ديوان ابن زيدون: 176.
(3) الديوان: الحق.

(3/278)


فإذا الغيب سليم ... وإذا العهد مصون
قل لمن دان بهجري ... وهواني إذ يدين (1)
أرخص الحب فؤادي ... لك والعلق ثمين
يا هلالا تتراءا ... ه نفوس لا عيون
عجبا للقلب يقسو ... منك والعطف يلين
ما الذي ضرك لو س ... ر بمرآك الحزين
وتلطفت بصب ... حينه فيك يحين
فوجوه اللطف شتى ... والمعاذير فنون وقال أيضا (2) :
إليك من الأنام غدا ارتياحي ... وأنت من الزمان مدى اقتراحي
وما اعترضت هموم النفس إلا ... ومن ذكراك ريحاني وراحي
فديتك إن صبري عنك صبري ... لدى عطشي عن الماء القراح
ولي أمل لو الواشون كفوا ... لأطلع غرسه ثمر النجاح
وأعجب كيف يغلبني عدو ... رضاك عليه من أمضى سلاح
ولما أن جلتك لي اختلاسا ... أكف الدهر للحين المتاح
رأيت الشمس تطلع في نقاب ... وغصن البان يرفل في وشاح
فلو أستطيع طرت إليك شوقا ... وكيف يطير مقصوص الجناح
على حالي وصال واجتناب ... وفي يومي دنو وانتزاح
وحسبي أن تطالعك الأماني ... بأفقك في مساء أو صباح
فؤادي من أسى بك غير خال ... وقلبي من هوى لك غير صاح
__________
(1) الديوان: وهواه لي دين.
(2) ديوانه: 148.

(3/279)


وأن تهدي السلام إلي شوقا ... ولو في بعض أنفاس الرياح وقال (1) :
كم ذا أريد ولا أراد ... لله ما لقي الفؤاد
أصفي الوداد إلى الذي (2) ... لم يصف لي منه الوداد
كيف السلو عن الذي ... مثواه من قلبي السواد
يقضي علي دلاله ... في كل حين أو يكاد
ملك القلوب بحسنه ... فلها إذا أمر انقياد
يا هاجري كم أستفي ... د الصبر عنك فلا أفاد
أفلا رثيت لمن يبي ... ت وحشو مقلته السهاد
إن أجن ذنبا في الهوى ... خطأ فقد يكبو الجواد
كان الرضى وأعيذه ... أن يعقب الكون الفساد وقال (3) :
متى أنبيك ما بي ... يا راحتي وعذابي
متى ينوب لساني ... في شرحه عن كتابي
الله يعلم أني ... أصبحت فيك لما بي
فما يلذ منامي ... ولا يسوغ شرابي
يا فتنة المتعزي ... وحجة المتصابي
الشمس أنت توارت ... عن ناظري بالحجاب (4)
__________
(1) ديوان ابن زيدون: 178.
(2) الديوان: مدللا.
(3) ديوانه: 149.
(4) إلى هنا ينتهي ما سقط من النسخة م.

(3/280)


ما النور شف سناه ... على رقيق السحاب
إلا كوجهك لما ... أضاء تحت النقاب وقال (1) :
هل لداعيك مجيب ... أم لشاكيك طبيب
يا قريبا حين ينأى ... حاضرا حين يغيب
كيف يسلوك محب ... زانه منك حبيب
إنما أنت نسيم ... تتلقاه القلوب
قد علمنا علم ظن ... هو لا شك مصيب
إن سر الحسن مما ... أضمرت تلك القلوب وقال (2) :
أنى تضيع عهدك ... أم كيف تخلف وعدك
وقد رأتك الأماني رضى ... فلم تتعدك
يا ليت شعري وعندي ... ما ليس في الحب عندك (3)
هل طال (4) ليلك بعدي ... كطول ليلي بعدك
سلني حياتي أهبها ... فلست أملك ردك
الدهر عبدي لما ... أصبحت في الحب عبدك وقال رحمه الله تعالى، وقد أمره السلطان أي يعارض قطعا كان يغنى بها واستحسن ألحانها (5) :
__________
(1) ديوان ابن زيدون: 164.
(2) ديوانه: 165.
(3) الديوان:
يا ليت ما لك عندي ... من الهوى لي عندك (4) الديوان: فطال.
(5) ديوانه: 512.

(3/281)


يقصر قربك ليلي الطويلا ... ويشفي وصالك قلبي العليلا
وإن عصفت منك ريح الصدود ... فقدت نسيم الحياة البليلا
كما أنني إن أطلت العثار ... ولم يبد عذري وجها جميلا
وجدت أبا القاسم الظافر الم ... ؤيد بالله مولى مقيلا
لأقلامه فعل (1) أسيافه ... يظل الصرير يباري الصليلا وقال يهنيه بالقدوم من السفر (2) :
أيها الظافر أبشر بالظفر ... واجتل التأييد في أبهى الصور
وتفيأ ظل سعد يجتنى ... فيه من غرس المنى أحلى الثمر
ورد النجح فكم مستوحش ... شائق منك إلى أنس الصدر
كان من قربك في عيش ند ... عاطر الآصال وضاح البكر
فثوى دونك مثوى قلق ... يشتكي من ليله مطل السحر
قل لساقينا يجد أكؤسه ... ولشادينا يطل (3) قطع الوتر ومنها:
لي فيه المثل السائر في ... جالب التمر إلى أرض هجر
ثم قد وفق عبد عظمت ... نعمة المولى عليه فشكر
لا عدى حظك إقبال يرى ... قاضيا أثناءه كل وطر
واصطبح كأس الرضى من ملك ... سرت في إرضائه أزكى السير
حين صممت إلى أعدائه ... فانتحتهم منك صماء الغبر (4)
__________
(1) الديوان: وأقلامه وفق.
(2) ديوانه: 514.
(3) الديوان: يجز... يصل.
(4) صماء الغبر: الداهية.

(3/282)


فاض غمر للندى من فوقهم ... كان يروي شربهم منه الغمر
سبق الناس فصلى سابق ... إذ رأى آثاره مثل الزهر (1) وهي طويلة.
وقال رحمه الله تعالى (2) :
لم يكن هجر حبيبي عن قلى ... لا ولا ذاك التجني مللا
سره دعوى ادعائي ثم لم ... يدر ما غاية صبري فابتلى
أنا راض بالذي يرضى به ... لي ما لو قال ما قلت لا
مثل في كل حسن مثل ما ... صار حالي في هواه مثلا
يا فتيت المسك يا شمس الضحى ... يا قضيب البان يا ظبي الفلا
لإن يكن لي أمل غير الرضى ... منك لا بلغت ذاك الأملا وقال رحمه الله تعالى (3) :
أذكرتني سالف العيش الذي طابا ... يا ليت غائب ذاك الوقت (4) قد آبا
إذ نحن في روضة للوصل أنعمها ... من السرور غمام فوقها صابا
إني لأعجب من شوق يطالبني ... فكلما قيل فيه قد قضى ثابا
كم نظرة لك عندي قد علمت بها ... يوم الزيارة أن القلب قد ذابا
قلب يطيل معاصاتي لطاعتكم ... فإن أكلفه يوما سلوة يابى وقال رحمه الله تعالى (5) :
__________
(1) الديوان:
.......... منك من ... إن رأى آثاره الزهر اقتفر (2) ديوانه: 165.
(3) ديوانه: 123.
(4) الديوان: العهد.
(5) ديوانه: 192.

(3/283)


عاودت ذكر الهوى من بعد نسياني ... واستحدث القلب بعد العشق سلواني
من حب جارية يبدو بها صنم ... من اللجين عليها تاج عقيان
غريرة لم تفارقها تمائمها ... تسبي القلوب بساجي الطرف وسنان
لأستجدن في عشقي لها زمنا ... يحيي سوالف أيامي وأزماني
حتى يكون لمن أحببت خاتمة ... نسخت في حبها كفرا بإيمان وقال رحمه الله تعالى (1) :
أنت معنى الهوى وسر الدموع ... وسبيل الهوى وقصد الولوع
أنت والشمس ضرتان ولكن ... لك عند الغروب فضل الطلوع
ليس يا مؤنسي نكلفك (2) العت ... ب دلالا من الرضى الممنوع
إنما أنت والحسود معنى ... كوكب يستقيم بعد الرجوع وقال رحمه الله تعالى (3) :
يا ليل طل لا أشتهي ... إلا كعهدي (4) قصرك
لو بات عندي قمري ... ما بت أرعى قمرك
يا ليل خبر أنني ... ألتذ عنه خبرك
بالله قل لي هل وفى ... فقال لا بل غدرك وقال رحمه الله تعالى (5) :
لئن فاتني منك حظ النظر ... لأكتفين بسماع الخبر
__________
(1) ديوانه: 166.
(2) الديوان: تكلفك.
(3) ديوانه: 182.
(4) الديوان: بوصل.
(5) ديوانه: 168.

(3/284)


وإن عرضت غفلة للرقيب ... فحسبي بتسليمة (1) تختصر
أحاذر أن يتجنى (2) الوشاة ... وقد يستدام الهوى بالحذر
فأصبر مستيقنا أنه ... سيحظى بنيل المنى من صبر وقال أيضا رحمه الله تعالى (3) .
أيها البدر الذي يم ... لأ عيني من تأمل
حمل القلب تباري ... ح التجني فتحمل
ثم لا تيأس (4) فكم قد ... نيل أمر لم يؤمل وقال أيضا رحمه الله تعالى (5) :
أجد ومن أهواه في الحب عابث ... وأوفي له بالعهد غذ هو ناكث
حبيب نأى عني مع القرب، والأسى ... مقيم له في مضمر القلب ماكث
جفاني بألطاف العدى وأزاله ... عن الوصل رأي في القطيعة حادث
تغيرت عن عهدي وما زلت واثقا ... بعهدك لكن غيرتك الحوادث
وما كنت إذ ملكتك القلب عالما ... بأني عن حقفي بكفي باحث
ستبلى الليالي والوداد بحاله ... مقيم، وغض وهو للأرض وارث
فلو أنني أقسمت أنك قاتلي ... وأني مقتول لما قيل حانث وقال رحمه الله تعالى (6) :
__________
(1) الديوان: تسليمة.
(2) الديوان: يتظنى.
(3) الديوان: 182.
(4) الديوان: لا يأس.
(5) الديوان: 183.
(6) الديوان: 186.

(3/285)


يا غزالا أصارني ... موثقا في يد المحن
إنني مذ هجرتني ... لم أذق لذة الوسن
ليت حظي إشارة ... منك أو لحظة تعن (1)
شافعي يا معذبي ... في الهوى وجهك الحسن
كنت خلوا من الهوى ... وأنا اليوم مرتهن
كان سري مكتما ... وهو الآن قد علن
ليس لي عنك مذهب ... فكما شئت لي فكن وقال رحمه الله تعالى (2) :
أيوحش لي الزمان وأنت أنسي ... ويظلم لي النهار وأنت شمسي
وأغرس في محبتك الأماني ... وأجني الموت من ثمرات غرسي
لقد جازيت غدرا عن وفائي ... وبعت مودتي ظلما ببخس
ولو أن الزمان أطاع حكمي ... فديتك من مكارهه بنفسي (3) ومحاسن ابن زيدون كثيرة، وقد ذكرنا منها في غير هذا المحل جملة.
وسألت جارية من جواري الأندلس ذا الوزارتين أبا الوليد ابن زيدون أن يزيد على بيت أنشدته إياه، وهو (4) :
يا معطشي من وصال كنت وارده ... هل منك لي غلة إن صحت: وا عطشي قال: وكانت الجارية المذكورة تتعشق فتى قرشيا، والوزير يعلم ذلك، وهي لا تعلم أنه يعلم، فقال:
__________
(1) الديوان: عنن.
(2) الديوان: 185.
(3) استطردت نسخة م بعد هذا البيت بإيراد أشعار أخرى لابن زيدون وذكر ترجمته من القلائد.
(4) ديوان ابن زيدون: 170.

(3/286)


كسوتني من ثياب السقم أسبغها ... ظلما وصيرت من لحف الضنى فرشي
أنى بصرف الهوى عن مقلة كحلت ... بالسحر منك وخد بالجمال وشي
لما بدا الصدغ مسودا بأحمره ... أرى التشاكل (1) بين الروم والحبش
أوفى إلى الخد ثم انصاع منعطفا ... كالعقربان انثنى من خوف محترش
لو شئت زرت وسلك الليل (2) منتظم ... والأفق يختال في ثوب من الغبش
جفا إذا التذت الأجفان طيب كرى ... جفني (3) المنام وصاح الليل: يا قرشي
هذا وإن تلفت نفسي فلا عجب ... قد كان قتلي في تلك الجفون حشي 54 - وكان لابن الحاج صاحب (4) قرطبة ثلاثة أولاد من أجمل الناس صورة: رحمون، وعزون، وحسون، فأولع بهم الحافظ الشهير أبو محمد ابن السيد البطليوسي صاحب " شرح أدب الكاتب " وغيره وقال فيهم:
أخفيت سقمي حتى كاد يخفيني ... وهمت في حب عزون فعزوني
ثم ارحموني برحمون وإن ظمئت ... نفسي إلى ريق حسون فحسوني قال: ثم خاف على نفسه، فخرج عن قرطبة، وهو القائل:
نفسي الفداء لجؤذر حلو اللمى ... مستحسن بصدوده أفناني
في فيه سمطا جوهر يروي الظما ... لو علني ببروده أحياني وهذان البيتان تخرج منهما عدة مقطعات كما لا يخفى.
55 - وقال أبو بكر محمد ابن أحمد الأنصاري الإشبيلي المعروف بالأبيض،
__________
(1) الديوان: التسالم.
(2) الديوان: النجم.
(3) الديوان: صبا........ جفا.
(4) انظر أزهار الرياض 3: 102، 134؛ والقطعة الثانية تنفك منها ست قطع.

(3/287)


في تهنئة بمولود، قال ابن دحية (1) : وهذا أبدع ما قيل في هذا المعنى:
أصاخت الخيل آذانا لصرخته ... واهتز كل هزبر عندما عطسا
تعشق الدرع مذ شدت لفائفه ... وأبغض المهد لما أبصر الفرسا
تعلم الركض أيام المخاض به ... فما امتطى الخيل إلا وهو قد فرسا 56 - وقال الوزير الكاتب أبو عامر السالمي (2) في غلام يرش الماء على خديه فتزداد حمرتهما:
لقد نعمت بحمام تطلع في ... أرجائه قمر والحسن يكمله
أبصرته كلما راقت محاسنه ... ونعمة الجسم والأرداف تخذله
يرش بالماء خديه فقلت له: ... صف لي لما أحمر الياقوت تصقله
فقال: طرفي سفاك بصارمه ... دماء قوم على خدي فأغسله وقال أيضا (3) :
أوقد النار بقلبي ... ثم هبت ريح صده
فشرار النار طارت ... فانطفت في ماء خده وهو تخييل عجيب.
57 - وقال ابن الحناط المكفوف الأندلسي في المعنى المشهور (4) :
لم يخل من نوب الزمان أديب ... كلا فشأن النائبات عجيب
وغضارة الأيام تأبى أن يرى ... فيها لأبناء الذكاء نصيب
__________
(1) المطرب: 76.
(2) المطرب: 77 والشعر ليس للسالمي، وإنما أنشده السالمي وهو لأبي الحسين ابن مظفر.
(3) المطرب: 78؛ وهذا الشعر صحيح النسبة للسالمي.
(4) الذخير 1 / 1: 392.

(3/288)


وكذاك منصحب الليالي طالبا ... جدا وفهما فاته المطلوب [أشعار لابن الزقاق]
58 - وكان ابن الزقاق الأندلسي الشاعر المشهور - وقد تكرر ذكره في هذه التآليف مرا تكثيرة - يسهر في الليل، ويشتغل بالأدب، وكان أبوه فقيرا جدا، فلامه، وقال له: نحن فقراء، ولا طاقة لن بالزيت الذي تسهر عليه، فاتفق أن برع في الأدب والعلم ونظم الشعر، فقال في أبي بكر ابن عبد العزيز صاحب بلنسية قصيدة أولها (1) :
يا شمس خدر ما لها مغرب ... أرامة خدرك أم يتثرب
ذهبت فاستعبر طرفي دما ... مفضض الدمع به مذهب ومنها:
ناشدتك الله نسيم الصبا ... أنى استقرت بعدنا زينب
لم نسر إلا بشذا عرفها ... أو لا فماذا النفس الطيب
إيه وإن عذبني حبها ... فمن عذاب النفس ما يعذب فأطلق له ثلاثمائه دينار، فجاء بها إلى أبيه وهو جالس في حانوته مكب على صنعته، فوضعها في حجره، وقال: خذها فاشتر بها زيتا.
وقال رحمه الله تعالى في غلام رمى حجرا فشدخ وجهه (2) :
وأحوى رمى عن قسي الحور ... سهاما يفوقهن النظر
يقولون وجنته قسمت ... ورسم محاسنه قد دثر
__________
(1) ديوان ابن الزقاق: 80 والمغرب 2: 325 والغيث 2: 84.
(2) ديوانه: 179 والمطرب: 101 ولمح السحر: 48 والمغرب 2: 332 والوافي: 134.

(3/289)


وما شق وجنته عابثا ... ولكنها آية للبشر
جلاها لنا الله كيما نرى ... بها كيف كان انشقاق القمر وقال أيضا (1) :
بأبي وغير أبي أغن مهفهف ... مهضوم ما خلف الوشاح خميصه
لبس السواد (2) ومزقته جفونه ... فأتى كيوسف حين قد قميصه وقال أيضا (3) :
سقتني بيمناها وفيها فلم أزل ... يجاذبني من ذا ومن هذه سكر
ترشفت فاها إذ ترشفت كأسها ... فلا والهوى لم أدر أيهما الخمر وقال (4) :
رق النسيم وراق الروض بالزهر ... فنبه الكأس والإبريق بالوتر
ما العيش إلا اصطباح الراح أو شنب ... يغني عن الراح من سلسال ذي أشر
قل للكواعب غضي للكرى مقلا ... فأعين الزهر أولى منك بالسهر
وللصباح ألا فانشر رداء سنا ... هذا الدجى قد طوته راحة السحر (5)
وقام بالقهوة الصهباء ذو هيف ... يكاد معطفه ينقد بالنظر
يطفو عليها إذا ما شجها درر ... تخالها اختلست من ثغره الخصر
والكأس من كفه بالراح محدقة ... كهالة أحدقت في الأفق بالقمر
__________
(1) الديوان: 196 والمطرب: 103 والشريشي 2: 164 والمغرب 2: 334.
(2) الديوان: الفؤاد.
(3) ديوان ابن الزقاق: 178 والمطرب: 104 والفوات 2: 126 والوافي: 134.
(4) الديوان: 173 والمطرب: 106 والمغرب 2: 332.
(5) الديوان: لوته راحة السمر.

(3/290)


وقال (1) :
تضوعن أنفاسا وأشرقن أوجها ... فهن منيرات الصباح بواسم
لئن كن زاهرا فالجوانح أبرج ... وإن كن زهرا فالقلوب كمائم وهو من بديع التقسيم.
59 - وقال السميسر (2) :
تحفظ من ثيابك ثم صنها ... وإلا سوف تلبسها حدادا
وميز في زمانك كل حبر ... وناظر (3) أهله تسد العبادا
وظن بسائر الأجناس خيرا ... وأما جنس آدم فالبعادا
أرادوني بجمعهم فردوا ... على الأعقاب قد نكصوا فرادى
وعادوا بعد ذا إخوان صدق ... كبعض عقارب رجعت جرادا 60 - وقال ابن رزين، وهو من رجال الذخيرة (4) :
لأسرحن نواظري ... في ذلك الروض النضير
ولآكلنك بالمنى ... ولأشربنك بالضمير 61 - وقال سلطان بلنسية عبد الملك بن مروان بن عبد الله بن عبد العزيز (5) :
ولا غرو بعدي أن يسود معشر ... فيضحي لهم يوم وليس لهم أمس
كذاك نجوم الجو تبدو زواهرا ... إذا ما توارت في مغاربها الشمس
__________
(1) الديوان: 146 والمطرب: 108 والشريشي 2: 353.
(2) الذخيرة 1 / 2: 383.
(3) الذخيرة: كل حين، ونافر....
(4) ترجمته في الذخيرة 3: 33 والمغرب 2: 428 والقلائد: 51.
(5) المغرب 2: 300.

(3/291)


62 - وتحاكم إلى أبي أيوب سليمان بن محمد بن بطال البطليوسي المعروف بالملتمس (1) غلامان جميلان لأحدهما وفرة شقراء، وللآخر سوداء: أيهما أحسن والملتمس المذكور هو صاحب كتاب " الأحكام فيما لا يستغني عنه الحكام " فقال:
وشادنين ألما بي على مقة ... تنازعا الحسن في غايات مستبق
كأن لمة ذا نرجس خلقت ... على بهار وذا مسك على ورق
وحكما الصب في التفضيل بينهما ... ولم يخافا عليه رشوة الحدق
فقام يدلي إليه الريم حجته ... مبينا بلسان منه منطلق
فقال: وجهي بدر يستضاء به ... ولون شعري مصبوغ من الغسق
وكحل عيني سحر للنهى وكذا ... والسحر أحسن ما يعزى إلى الحدق
فقال صاحبه: أحسنت وصفك ل ... كن فاستمع لمقال في متفق
أنا على أفقي شمس النهار، ولم ... تغرب، وشقرة شعري حمرة الشفق
وفضل ما عيب في عيني من زرق ... أن الأسنة قد تعزى إلى الزرق
قضيت للمة الشقراء حيث حكت ... نورا (2) كذا حبها يقضي على رمقي
فقام ذو اللمة السوداء يرشقني ... سهام أجفانه من شدة الحنق
وقال جرت فقلت الجور منك على ... قلبي ولي شاهد من دمعي الغدق
فقلت عفوك إذ أصبحت متهما ... فقال دونك هذا الحبل فاختنق 63 - وقال أبو محمد عبد الله بن غالب:
ومهفهف خنث الجفون كأنما ... من أرجل النمل استفاد عذارا
فتخاله ليلا إذا استقبلته ... وتخال ما يجري عليه نهارا
__________
(1) ترجمته في الجذوة: 206 وبغية الملتمس رقم: 762 وقصيدته هذه في التشبيهات: 126.
(2) الطالع: لونا.

(3/292)


64 - وقال أبو القاسم خلف بن فرج السميسر المتقدم (1) :
الناس مثل حباب ... والدهر لجة ماء
فعالم في طفو ... وعالم في انطفاء 65 - وقال أحمد بن برد الأندلسي في النرجس، وهو البهار عند الأندلسيين، ويسمى العبهر (2) :
تنبه فقد شق البهار مغلسا ... كمائمه عن نوره (3) الخضل الندى
مداهن تبر في أنامل فضة ... على أذرع مخروطة من زبرجد 66 - وقال الوزير عبد المجيد بن عبدون في دار أنزله بها المتوكل بن الأفطس وسقفها قديم، فهطل عليه المطر منه:
أيا ساميا من جانبيه إلى العلا ... " سمو حباب الماء حالا إلى حال "
لعبدك دار حل فيها كأنها ... " ديار لسلمى عافيات بذي الخال "
يقول لها لما رأى من دثورها ... " ألا عم صباحا أيها الطلل البالي "
فقالت وما عيت جوابا بردها ... " وهل يعمن من كان في العصر الخالي "
فمر صاحب الانزال فيها بفاضل ... " فإن الفتى يهذي وليس بفعال " قيل: وهو أبو عذرة تضمين لامية امرئ القيس، وقد أولع الناس بعده بتضمينها.
67 - وقال أبو الفضل ابن حسداي (4) ، وكان يهوديا فأسلم، ويقال: إنه
__________
(1) تقدم هذان البيتان في م على اللذين قبلهما (رقم: 63).
(2) الذخيرة 1 / 2: 48.
(3) الذخيرة: زهره.
(4) ترجمته في القلائد: 183 والأبيات فيه ص: 184 وانظر المجلد الأول: 640.

(3/293)


من ولد موسى على نبينا وعليه وعلى سائر الأنبياء الصلاة والسلام:
توريد خدك للأحداق لذات ... عليه من عنبر الأصداغ لامات
نيران هجرك للعشاق نار لظى ... لكن وصالك إن واصلت جنات
كأنما الراح والراحات تحملها ... بدور تم وأيدي الشرب هالات
حشاشة ما تركنا الماء يقتلها ... إلا لتحيا بها منا حشاشات
قد كان من قبلها في كأسها ثقل ... فخف إذ ملئت منها الزجاجات وقد تبارى المشارقة والمغاربة من المتقدمين والمتأخرين في هذا الوزن والقافية، ولولا خوف السآمة لذكرت من ذلك الجملة الشافية الكافية (1) .
68 - ومن سرعة جواب أهل الأندلس (2) أن ابن عبد ربه كان صديقا لأبي محمد يحيى القلفاط الشاعر، ففسد ما بينهما بسبب أن ابن عبد ربه صاحب العقد (3) مر به يوما وكان في مشيه اضطراب، فقال: أبا عمر ما علمت أنك آدر إلا اليوم لما رأيت مشيك، فقال له ابن عبد ربه: كذبتك عرسك أبا محمد، فعز على القلفاظ كلامه، وقال له : أتتعرض للحرم والله لأرينك كيف الهجاء، ثم صنع فيه قصيدة أولها:
يا عرس أحمد إني مزمع سفرا ... فود عيني سرا من أبي عمرا ثم تهاجيا بعد ذلك، وكان القلفاظ يلقبه بطلاس لأنه كان أطلس اللحية، ويسمس كتاب العقد حبل الثوم، فاتفق اجتماعها يوما عند بعض الوزراء، فقال الوزير للقلفاظ: كيف حالك اليوم مع أبي عمر فقال مرتجلا:
__________
(1) م: جملة كافية شافية.
(2) بدائع البدائه 1: 51.
(3) صاحب العقد: سقطت من ب.

(3/294)


حال طلاس لي عن رائه ... وكنت في قعدد أبنائه فبدر ابن عبد ربه وقال:
إن كنت في قعدد أبنائه ... فقد سقى أمك من مائه فلانقطع القلفاظ خجلا؛ وعاش ابن عبد ربه 82 سنة، رحمه الله تعالى.
69 - ومن الحكايات في مروءة أهل الأندلس ما ذكره صاحب " الملتمس " في ترجمة الكاتب الأديب الشهير أبي الحسين بن جبير صاحب الرحلة، وقد قدمنا ترجمته في الباب الخامس من هذا الكتاب، وذكرنا هنالك أنه كان من أهل المروءات عاشقا في قضاء الحواجز والسعي في حقوق الإخوان، وأنشدنا هنالك قوله:
" يحسب الناس بأني متعب...إلخ. ... وقد ذكر ذلك كله صاحب " الملتمس " ثم قال - أعني (1) صاحب " الملتمس " - ومن أغرب ما يحكى أني كنت أحرص الناس (2) على أن أصاهر قاضي غرناطة أبا محمد عبد المنعم بن الفرس، فجعلته - يعني ابن جبير - الواسطة حتى تيسر ذلك، فلم يوفق الله ما بيني وبين الزوجة، فجئته وشكوت له ذلك، فقال: أنا ما كان القصد لي في اجتماعكما، ولكن سعيت جهدي في غرضك، وها أنا أسعى أيضا في افتراكما، إذ هو من غرضك، وخرج في الحين ففصل القضية، ولم أر في وجهه أولا ولا آخرا عنوانا لامتنان ولا تصعيب، ثم إنه طرق بابي، ففتحت له، ودخل وفي يده محفظة فيها مائة دينار مؤمنية، ثم قال (3) : يا ابن
__________
(1) أعني: سقطت من م.
(2) الناس: سقطت من م.
(3) م: فقال.

(3/295)


أخي، اعلم أني كنت السبب في هذه القضية، ولم أشك أنك خسرت فيها ما يقارب هذا القدر الذي وجدته الآن عند عمك، فبالله إلا ما سررتني بقبوله، فقلت له: أنا ما أستحيي منك في هذا الأمر، والله إن أخذت هذا المال لأتلفنه فيما أتلفت فيه مال والدي (1) من أمور الشباب، ولا يحل لك أن تمكنني منه بعد أن شرحت لك أمري، فتبسم وقال: لقد احتلت في الخروج عن المنة بحيلة، وانصرف بماله، انتهى.
70 - ثم قال صاحب " الملتمس " : وتذاكرنا يوما معه حالة الزاهد أبي عمران المارتلي، فقال: صحبته مدة فما رأيت مثله، وأنشدني شعرين ما نسيتهما ولا أنساهما ما استطعت، فالأول قوله (2) :
إلى كم أقول فلا أفعل ... وكم ذا أحوم ولا أنزل
وأزجر عيني فلا ترعوي ... وأنصح نفسي فلا تقبل
وكم ذا تعلل لي ويحها ... بعل وسوف وكم تمطل
وكم ذا أؤمل طول البقا ... وأغفل والموت لا يغفل
وفي كل يوم ينادي بنا ... منادي الرحيل ألا فارحلوا (3)
أمن بعد سبعين أرجو البقا ... وسبع أتت بعدها تعجل
كأن بي (4) وشيكا إلى مصرعي ... يساق بنعشي ولا أمهل
فيا ليت شعري بعد السؤال ... وطول المقام لما أنقل والثاني قوله:
اسمع أخي نصيحتي ... والنصح من محض الديانه
__________
(1) م: مالي ومال أبي.
(2) هاتان القطعتان في ترجمته في المغرب والغصون اليانعة، والثانية منهما مرت فيما تقدم ص: 99.
(3) المغرب: ألا فانزلوا.
(4) م: كأني.

(3/296)


لا تقربن إلى الشها ... دة والوساطة والأمانه
تسلم من آن تعزى لزو ... ر أو فضول أو خيانه قال: فقلت له: أراك لم تعمل بوصيته في الوساطة، فقال: ما ساعدتني رقة وجهي على ذلك، انتهى.
رجع إلى نظم الأندلسيين:
71 - وقال أبو الصلت أمية بن عبد العزيز (1) :
أفضل ما استصحب النبيل فلا ... تعدل به في المقام والسفر
جرم إذا ما التمست قيمته ... جل عن التبر (2) وهو من صفر
مختصر وهو إذ نفتشه ... عن ملح العلم غير مختصر
ذو مقلة تستبين ما رمقت ... عن صائب اللحظ صادق الخبر
تحمله وهو حامل فلكا ... لو لم يدر بالبنان لم يدر
مسكنه الأرض وهو ينبئنا ... عن كل ما في السماء من خبر
أبدعه رب فكرة بعدت ... في اللطف عن أن تقاس بالفكر
فاستوجب الشكر والثناء به ... من كل ذي فتنة من البشر
فهو لذي اللب شاهد عجب ... على اختلاف العقول والصور قلت: وهي أحسن ما سمعت في الاصطرلاب.
وأمر رحمه الله تعالى أن يكتب على قبره (3) :
سكنتك يا دار الفناء مصدقا ... بأني إلى دار البقاء أصير
وأعظم ما في الأمر أني صائر ... إلى عادل في الحكم ليس يجور
__________
(1) الخريدة 4 / 1: 272.
(2) ب: جل على التبر.
(3) مرت في المجلد الثاني: 108.

(3/297)


فيا ليت شعري كيف ألقاه عندها ... وزادي قليل والذنوب كثير
فإن أك مجزيا بذنبي فإنني ... بشر عقاب المذنبين جدير
وإن يك عفو من غني ومفضل ... فثم نعيم دائم وسرور 72 - وقال ابن خفاجة (1) ، وهو مما أورده له صاحب الذخيرة:
لقد زار من أهوى على غير موعد ... فعابنت بدر التم ذاك التلاقيا
وعاتبته والعتب يحلو حديثه ... وقد بلغت روحي لديه التراقيا
فلما اجتمعنا قلت من فرحي به ... من الشعر بيتا والدموع سواقيا
" وقد يجمع الله الشتيتين بعدما ... يظنان كل الظن أن لا تلاقيا " 73 - ومن مجون الأندلسيين هذه القصيدة المنسوبة لسيدي أبي (2) عبد الله ابن الأزرق، وهي:
عم باتصال الزمن ... ولا تبالي بمن
وهو يواسي بالرضى ... من سمج أو حسن
أو من عجوز تحتظي (3) ... والظهر منها منحني
أو من مليح مسعد ... موافق في الزمن
مهما تبدى خده ... يبدو لك الورد الجني
والغصن في أثوابه ... إذا تمشى ينثني
لا أم لي لا أم لي ... إن لم أبرد شجني
وأخلعن في المجو ... ن والتصابي رسني
وأجعل الصبر على ... هجر الملاح ديدني
__________
(1) ديوان ابن خفاجة: 365 (نقلا عن النفح).
(2) م: لأبي.
(3) م: تختطي.

(3/298)


يا عاذلي في مذهبي ... أرداك شرب اللبن
أعطيت في البطن سنا ... نا إن تخالف سنني
أي فتى خالفني ... يوما ولما يلقني
فإنني لناصح ... وإنني وإنني
فلا تكن لي لاحيا ... وفي الأمور استفتني
فلم أزل أعرب عن ... نصحي لمن لم يلحني
وإن تسفه نظري ... ومذهبي وتنهني
فالصفع تستوجبه ... نعم ونتف الذقن
والزبل في وجهك يع ... لو باتصال الزمن
وبعد هذا أشتفي ... منك ويبرا شجني
وأضرب الكف أما ... م ذلك الوجه الدني
طقطق طق طقطق طق ... أصخ بسمع الأذن
شطر أولقحقح قح قحقح قح ... الضحك يغلبلبني (1)
قد كان أولى بك عن ... هذي المخازي تنثني
النفي تستوجبه ... لواسط أو عدن
عرضت بالنفس كذا ... إلى ارتكاب المحن
أفدي صديقا كان لي ... بنفسه يسعدني
فتارة أنصحه ... وتارة ينصحني
وتارة ألعنه ... وتارة يلعنني
وربما أصفعه ... وربما يصفعني
أستغفر الله فه ... ذا القول لا يعجبني
يا ليت هذا كله ... فيما مضى لم يكن
__________
(1) م: يغللبني.

(3/299)


أضحكت والله بذا ال ... حديث من يسمعني
دهر تولى وانقضى ... عني كطيف الوسن
يا ليتني لم أره ... وليته لم يرني
دنست فيه جانبي ... وملبسي بالدرن
وبعت فيه عيشتي ... لكن ببخس الثمن
كأنني ولست أد ... ري الآن ما كأنني
والله ما التشبيه عن ... د شاعر بهين
لكنه أنطقني ... بالقول ضيق العطن
وا حسرتي وا أسفي ... زلت وضاعت فطني
لو أنصف الدهر لما ... أخرجني من وطني
وليس لي من جنة ... وليس لي من مسكن
أسرح الطرف وما ... لي دمنة من الدمن
وليس لي من فرس ... وليس لي من سكن (1)
يا ليت شعري وعسى ... يا ليت أن تنفعني
هل أمتطي يوما إلى ال ... شرق ظهور السفن
وأجتلي ما شئته ... في المنزل المؤتمن (2)
حينئذ أخلع في ... هذي القوافي رسني
وتحسن الفكرة في بال ... عدوس (3) والسمنسني (4)
واللحم مع شحم ومع ... طوابق الكبش الثني
والبيض في المقلاة بال ... زيت اللذيذ الدهن
__________
(1) سقط البيت من م.
(2) ب: المؤمن.
(3) ب: بالغندوس.
(4) ب: والشمشيني؛ م: والسمتني.

(3/300)


وجلدة الفروج مش ... ويا كثير السمن
من منقذي أفديه من ... ذا الجوع والتمسكن
وعلة (1) قد استوى ... فيها الفقير والغني
هل للثريد عودة ... إلي قد شوقني
تغوص فيه أنملي ... غوص الأكول المحسن
ولي إلى الإسفنج شو ... ق دائم يطربني
وللأرز الفضل إذ ... تطبخه باللبن
وللشواء والرقا ... ق من هيام أنثني
واسكت عن الجبن فإن ... بنته تذهلني
ظاهرها كالورد أو ... باطنها كالسوسن
أي امرئ أبصرها ... يوما ولم يفتتن
تهيم فيها فكر الأس ... تاذ والمؤذن
لو كان عندي معدن ... لبعت فيها معدني
لكنني عزمت أن ... أبيع كم البدن
والكم قد أكسبه ... بعد ولا يكسبني
لا تنسبوا لي سفها ... فالجوع قد أرشدني
وهات ذكر الكسكسو ... فهو شريف وسني
لا سيما إن كان مص ... نوعا بفتل حسن
أرفع منه كورا ... بهن تدوي (2) أذني
وإن ذكرت غير ذا ... أطعمة في الوطن
فابدأ من المثوما ... ت بالجبن الممكن
__________
(1) م: وقلة.
(2) ب: (بها) تداوى.

(3/301)


من فوقها الفروج قد ... أنهي في التسمن
وثن بالعصيدة ال ... تي بها تطربني
لا سيما إن صنعت ... على يدي ممركن
كذلك البلياط بال ... زيت الذي يقنعني
تطبخه حتى يرى ... يحمر في التلون
والزبزبن في الصحا ... ف حسب أهل البطن (1)
فاسمع قضاء ناصح ... يأتي بنصح بين
من اقتنى التفين فه ... و الآن نعم المقتني
وإن في شاشية ال ... فقير أنسا للغني
تبعدني عن وصلها ... عن وصلها تبعدني
تؤنسني عن اللقا ... عن اللقا تؤنسني (2)
فأضلعي إن ذكرت ... تهفو كمثل الغصن
كم رمت تقريبا لها ... لكنه لم يهن
وصدني عن ذاك ق ... لة الوفا باثمن
إيه خليلي هذه ... مطاعم لكنني
أعجب من ريقك إذ ... يسيل فوق الذقن
هل نلت منها شبعا ... فذكرها أشبعني
وإن تكن جوعان يا ... صاح فكل بالأذن
فليس عند شاعر ... غير كلام الألسن
يصور الأشياء وه ... ي أبدا لم تكن
__________
(1) سقط من م؛ وأول لفظة فيه بياض في ب.
(2) م: تؤيسني.

(3/302)


فقوله يريك ما ... ليس يرى بالممكن
فاسمح وسامح واقتنع ... واطو حشاك واسكن
ولننصرف فقصدنا ... إطراف هذا الموطن انتهى.
74 - وقال ابن خفاجة رحمه الله تعالى (1) :
درسوا العلوم ليملكوا بجدالهم ... فيها صدور مراتب ومجالس
وتزهدوا حتى أصابوا فرصة ... في أخذ مال مساجد وكنائس وهذا المعنى استعمله الشعراء كثيرا.
75 - وقال - فيما أظن - الفقيه الكاتب المحدث الأديب الشهير أبو عبد الله محمد بن الأبار القضاعي، وقد تكرر ذكره في هذا الكتاب في مواضع:
لقد غضبت حتى على السمط نخوة ... فلم تتقلد غير مبسمها سمطا
وأنكرت الشيب الملم بلمتي ... ومن عرف الأيام لم ينكر الوخطا [نقول من القدح المعلى]
76 - وقال ابن سعيد في القدح المعلى في حقه (2) : كاتب مشهور، وشاعر مذكور، كتب عن ولاة بلنسية، وورد رسولا حين أخذ النصارى بمخنق تلك الجهات، وأنشد قصيدته السينية:
أدرك بخيلك خيل الله أندلسا ... إن السبيل إلى منجاتها درسا وعارضه جمع من الشعراء ما بين مخطئ ومحروم، وأغري الناس بحفظها
__________
(1) ديوان ابن خفاجة: 366 (عن النفح).
(2) اختصار القدح: 191.

(3/303)


إغراء بني تغلب بقصيدة عمر بن كلثوم، إلا أن أخلاقه لم تعنه على الوفاء بأسباب الخدمة، فقلصت عنه تلك النعمة، وأخر عن تلك (1) العناية، وارتحل إلى بجاية، وهو الآن بها عاطل من الرتب، خال من حلى الأدب، مشتغل بالتصنيف في فنونه، متنفل منه بواجبه ومسنونه، ولي معه مجاسات آنق من الشباب، وأبهج من الروض غب نزول السحاب، ومما أنشدنيه من شعره (2) :
يا حبذا بحديقة دولاب ... سكنت إلى حركاته (3) الألباب
عنى ولم يطرب وسقى وهو لم ... يشرب ومنه العود والأكواب
لو يدعي لطف الهواء أو الهوى ... ما كنت في تصديقه أرتاب
وكأنه مما شدى مستهزئ (4) ... وكأنه مما بكى نداب
وكأنه بنثاره ومداره ... فلك كواكبه لها أذناب 77 - وقال أبو المعالي القيجاطي (5) :
فقلت يا ربعهم أين من ... أحببته فيك وأين النديم
فقال عهد قد غدا شمله ... كمثل ما ينثر در نظيم 78 - وقال أبو عمرو ابن الحكم القبطلي (6) ، وقبطلة من أعمال وادي إشبيلية:
كم أقطع الدهر بالمطال ... ساءت وحق الإله حالي
__________
(1) القدح: ظل تلك.
(2) القدح: 192.
(3) ب: بحركاتها.
(4) القدح: مستهتر.
(5) القدح: 211.
(6) القدح: 200؛ وفي ب: عبد الحكم.

(3/304)


رحلت أبغي بكم نجاحا ... فلم تفيدوا سوى ارتحالي
وعدتم ألف ألف وعد ... لكنني عدت بالمحال 79 - وقال أبو عمران القلعي (1) :
طلعت علي والأحوال سود ... كما طلع الصباح على الظلام
فقل لي كيف لا أوليك شعري ... وإخلاص التحية والسلام 80 - وقال أبو إسحاق إبراهيم بن أيوب المرسي (2) :
أنا سكران ولكن ... من هوى ذاك الفلاني
كلما رمت سلوا ... لم يزل بين عياني وقال:
حبيبي ما لصبك من مراد ... سوى أن لا تدوم على البعاد
وإن كان ابتعادك بعد هذا ... مقيما فالسلام على فؤادي قال ابن سعيد: وكان المذكور إذا غنى هذه الأشعار اللطيفة على الأوتار لم يبق لسامعه عند الهموم من ثار، مع أخلاق كريمة، وآداب كانسكاب الديمة، انتهى.
81 - وقال ابن سعيد (3) في أبي بكر محمد بن عمار البرجي كاتب ابن هود القائل:
__________
(1) القدح: 201.
(2) القدح: 214 وفيه ابن لبون.
(3) القدح: 217.

(3/305)


[قل] لمن يشهد حربا ... تحت رايات ابن هود إلخ...:
يا ابن عمار لقد أح ... ييت لي ذاك السميا
في حلى نظم ونثر ... علقا في مسمعيا
ولقد حزت مكانا ... من ذرى الملك عليا
مثل ما قد حاز لكن ... عش بنعماك هنيا 82 - وقال أبو بكر عبد الله بن عبد العزيز الإشبيلي المعروف بابن صاحب الرد (1) :
يا أبدع الخلق بلا مرية ... وجهك فيه فتنة الناظرين
لا سيما إذ نلتقي خطرة ... فيغلب الورد على الياسمين
طوبى لمن قد زرته خاليا ... فمتع النفس ولو بعد حين
من ذلك الثغر الذي ورده ... ما زال فيه لذة الشاربين
وما حوى ذاك الإزار الذي ... لم يعد عنه أمل الزائرين وهذه الأبيات يقولها في غلام كان أدباء إشبيلية قد فتنوا به، وكان مروره على داره.
وحكى عنه أنه أعطاه في زيارة خمسين دينار، ومرت أيام ثم صادفه عند داره، فقال له: أتريد أن أزورك ثانية فقال له: لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، وهذا الجواب على ما فيه من قلة الأدب، وهتك حجاب الشريعة - من أشد الأجوبة إصابة للغرض، والله تعالى يسمح له، فقد قال ابن سعيد في حقه: إن بيته بإشبيلية من أجل البيوت، ولم يزل له مع تقلب الزمان ظهور
__________
(1) القدح: 112 - 113.

(3/306)


وخفوت، وكان أديبا شاعرا ذواقا لأطراف العلوم، انتهى.
83 - ومن المشهورين بالمجون والخلاعة بالأندلس - مع البلاغة والبراعة - أبو جعفر أحمد بن طلحة الوزير الكاتب (1) ، وهو من بيت مشهور من جزيرة شقر، من عمل بلنسية، وكتب عن ولاة من بني عبد المؤمن، ثم استكتبه السلطان ابن هود حين تغلب على الأندلس، وربما استوزره في بعض الأحيان، قال ابن سعيد: وهو ممن كان والدي يكثر مجالسته، ولم أستفد منه إلا ما كنت أحفظه في مجالسته، وكان شديد التهور، كثير الطيش، ذاهبا بنفسه كل مذهب، سمعته مرة وهو في محفل يقول: تقيمون القيامة لحبيب والبحتري والمتنبي وفي عصركم من يهتدي إلى ما لم يهتدوا إليه فأهوى له شخص له قحة وإقدام، فقال: يا أبا جعفر، فأرنا برهان ذلك، ما أظنك تعني إلا نفسك، فقال: نعم، ولم لا وأنا الذي أقول ما لم يتنبه (2) إليه متقدم، ولا يهتدي لمثله متأخر:
يا هل ترى أظرف من يومنا ... قلد جيد الأفق طوق العقيق
وأنطق الورق بعيدانها ... مرقصة كل قضيب وريق
والشمس لا تشرب خمر الندى ... في الروض (3) إلا بكؤوس الشقيق فلم ينصفوه في الاستحسان، وردوه في الغيظ إلى أضيق مكان (4) ، فقلت له: يا سيدي، هذا هو السحر الحلال، فبالله إلا ما زدتني من هذا النمط، فقال:
أدرها فالسماء بدت عروسا ... مضخمة الملابس بالغوالي
__________
(1) ترجمته في اختصار القدح: 114 وعنه ينقل المقري، وانظر المغرب 2: 136 والمقتضب من التحفة: 157 والإحاطة 1: 244.
(2) القدح: لم يهتد؛ دوزي: لم ينته.
(3) ب ودوزي: الأرض.
(4) القدح: إلى أشد مما كان

(3/307)


وخد الروض حمره (1) أصيل ... وجفن النهر كحل بالظلال
وجيد الغصن يشرق في لآل ... تضيء بهن أكناف الليالي فقلت: زد وعد، فعاد والارتياح ملك عطفه، والتيه قد رفع أنفه، فقال:
لله نهر عندما زرته ... عاين طرفي منه سحرا حلال
إذ أصبح الطلبه ليلة ... وجال فيه الغصن شبه الخيال فقلت: زد، فأنشد:
ولما ماج بحر الليل بيني ... وبينكم وقد جددت ذكرا
أراد لقاءكم إنسان عيني ... فمد له المنام عليه جسرا فقلت: إيه، فقال:
ولما أن رأى إنسان عيني ... بصحن الخد منه غريق ماء
أقام له العذار عليه جسرا ... كما مد الظلام على الضياء فقلت: أعد، فأعاد، وقال: حسبك لئلا تكثر عليك المعاني، فلا تقوم بحق قيمتها، وأنشد:
هات المدام إذا رأيت شبيهها ... في الأفق يا فردا بغير شبيه
فالصبح قد ذبح الظلام بنصله ... فغدت تخاصمه الحمائم فيه ثم قال: وكان قد تهتك في غلام لابن هود، ولكثرة انهزام ابن هود ربما انهزم مع العلج، وفيه يقول:
__________
(1) القدح: خفره.

(3/308)


ألفت الحرب حتى علمتني ... مقارعة الحوادث والخطوب
ولم أك عالما وأبيك حربا ... بغير لواحظ الرشإ الربيب
فها أنا بين تلك وبين هذي ... مصاب من عدو أو حبيب ولما هرب بالعلج إلى سبتة أحسن غليه القائم بها أبو العباس الينشتي (1) ، فلم يقنع بذلك الإحسان، وكان يأتي (2) بما يوغر صدره، فقال يوما في مجلسه: رميت مرة بقوس، فبلغ السهم إلى كذا (3) ، فقال ابن طلحة لشخص بجانبه: لو كان قوس قزح ما بلغ إلى كذا، فشعر بقوله، فأسرها في نفسه، ثم بلغه أن هجاه بقوله:
سمعنا بالموفق فارتحلنا ... وشافعنا له حسب وعلم
ورمت يدا أقبلها وأخرى ... أعيش بفضلها أبدا وأسمو
فأنشدنا لسان الحال فيه ... يد شلا وأمر لا يتم فزاد في حنقه، وبقي مترصدا له الغوائل، فحفظت عنه أبيات قالها وهو في حالة استهتار في شهر رمضان، وهي:
يقول أخو الفضول وقد رآنا ... على الإيمان يغلبنا المجون
أتنتهكون شهر الصوم هلا ... حماه منكم عقل ودين
فقلت اصحب سوانا، نحن قوم ... زنادقة مذاهبنا فنون
ندين بكل دين غير دين الر ... عاع فما به أبدا ندين
بحي على الصبوح الدهر نحن ندعو ... وإبليس يقول لنا أمين
__________
(1) في الأصول: البنتي؛ وصوابه ما اثبتناه، ويكتب أيضا " اليناشتي " .
(2) القدح: يستريح.
(3) زاد في القدح: ذكر مدى بعيدا.

(3/309)


فيا شهر الصيام إليك عنا ... إليك ففيك أكفر ما نكون فأرسل إليه من هجم عليه وهو على هذه الحال، وأظهر أنه يرضي العامة بقتله، فقتله، وذلك سنة 631، انتهى. وحاكي الكفر ليس بكافر، والله سبحانه وتعالى للزلات غير الكفر غافر.
84 - وقال محمد بن أحمد الإشبيلي ابن البناء (1) :
كأنك من جنس الكواكب كنت لم ... يفتك طلوعا حالها وتواريا
تجليت من شرق تروق تلألؤا ... فلما انتحيت الغرب أصبحت هاويا 85 - ولما أمر المستنصر الموحدي (2) بضرب ابن غالب الداني ألف سوط وصلبه، وضرب بغشبيلية خمسمائة فمات، وضرب بقية الألف حتى تناثر لحمه، ثم صلب، قال ابنه أبو الربيع (3) يرثيه:
جهلا لمثلك أن يبكي لما قدرا ... وأن يقول أسى يا ليته قبرا
فاضت دموعك أن قاموا بأعظمه ... وقد تطاير عنه اللحم وانتثرا ومنها:
ضاقت به الأرض مما كان حملها ... من الأيادي فمجت شلوه ضجرا
وعز جسمك (4) أن يحظى به كفن ... فما تسربل إلا الشمس والقمرا 86 - وقال أبو العلاء عبد الحق المرسي رحمه الله تعالى (5) :
__________
(1) القدح: 118 والمغرب 1: 249.
(2) القدح: 127 والتحفة: 83 والمغرب 2: 406.
(3) ق: الربيع.
(4) القدح: إذ ذاك.
(5) القدح: 126.

(3/310)


يا أبا عمران دعني والذي ... لم يمل خاطري إلا إليه
ما نديمي غير من يخدمني ... لا الذي يجلسني بين يديه
يرفع الكلفة عني ويرى ... أنها واجبة مني عليه 87 - وقال ابن غالب الكاتب بمالقة (1) :
لا تخش قولا قد عقدت الألسنا ... وابعث خيالك قد سحرت الأعينا
واعطف علي فإن روحي زاهق ... وانظر إلي بنظرة إن أمكنا
لا يخدعنك أن تراني لابسا ... ثوبي فقد أصبحت فيه مكفنا
ما زال سحرك يستميل خواطري ... بأرق من ماء الصفاء وألينا
حتى غدوت ببحر حب زاخر ... فرمت بي الأمواج في شط الضنى وقال:
ما للنسيم لدى الأصيل عليلا ... أتراه يشكو زفرة وغليلا
جر الذيول على ديار أحبتي ... فأتى يجر من السقام ذيولا 88 - وقال أبو عبد الله بن عسكر الغساني قاضي مالقة (2) :
أهواك يا بدر وأهوى الذي ... يعذلني فيك وأهوى الرقيب
والجار والدار ومن حلها ... وكل من مر بها من قريب
ما إن تنصرت ولكنني ... أقول بالتثليث قولا غريب
تطابق الألحان والكاس إذ ... تبسم عجبا والغزال الربيب 89 - وكان أبو أمية ابن عفير (3) قاضي إشبيلية - مع براعته، وتقدمه في
__________
(1) القدح: 128.
(2) القدح: 130.
(3) القدح: 132.

(3/311)


العلوم الشرعية - أقوى الناس بالعلوم الأدبية المرعية، وقد اشتهر بسرعة الخاطر في الارتجال، وعدم المناظر له في ذلك المجال، قال ابن سعيد: رأيته كثيرا ما يصنع القصائد والمقاطعات، وهو يتحدث أو يفصل بين الغرماء في أكثر الأوقات، ومن شعره:
ديارهم صاح (1) نصب عيني ... وليس لي وصلة إليها
إلا سلامي لدى ابتعاد ... من بعد سكانها عليها وقوله رحمه الله تعالى:
ووجه تغرق الأبصار فيه ... ولكن يترك الأرواح هيما
أتاني ثم حياني حبيب ... به وأباحني الخد الرقيما
فمر لنا مجون في فنون ... سلكت به الصراط المستقيما قلت: أما مجرد الارتجال فأمر عن (2) الكثير صادر، وأما كونه مع التحدث أو فصل الخصومات فهو نادر، وقد حكينا منها في هذا الكتاب من القسم الأول موارد ومصادر .
[ عود للحديث عن ابن ظافر]
ويعجبني من الواقع لأهل المشرق من ذلك قضية علي بن ظافر، إذ قال (3) : بت ليلة والشهاب يعقوب ابن أخت نجم الدين في منزل اعترفت له مشيدات القصور، والانخفاض والقصور، وشهدت له ساميات البروج، بالاعتلاء والعروج، قد ابيضت حيطانه، وطاب استيطانه، وابتهج به سكانه وقطانه، والبدر قد محا خضاب الظلماء، وجلا محياه (4) في زرقة قناع السماء، وكسا الجدران
__________
(1) القدح: تلك؛ ب ق: ديارهم هي.
(2) م: فما مر من.
(3) البدائع 2: 206.
(4) ق: وحكى محياه.

(3/312)


ثيابا من فضة، ونثر كافوره على مسك الثرى بعد أن سحقه ورضه، والروض قد ابتسم محياه، ووشت بأسرار محاسنه رياه، والنسيم قد عانق قامات الأغصان فميلها، وغصبها مباسم نورها فقبلها، وعندنا مغن قد وقع على تفضيله الإجماع، وتغايرت على محاسنه الأبصار والأسماع، إن بدا فالشمس طالعة، وإن شدا فالورق ساجعة، تغازله مقلة سراج قد قصر على وجهه تحديقه، وقابله فقلنا البدر قابل عيوقه، وهو يغار عليه من النسيم كلما خفق وهب، ويستجيش عليه بتلويح بارقه الموشى بالذهب، ويديم حرقته وسهده، ويبذل في إلطافه طاقته وجهده، فتارة يضمخه بخلوقه، وتارة يحليه بعقيقه، وآونة يكسوه أثواب شقيقه، فلم نزل كذلك حتى نعس طرف المصباح، واستيقظ نائم الصباح، فصنعت بديها في المجلس، وكتبت بها إلى الأعز بن المؤيد رحمه الله تعالى أصف تلك الليلة التي ارتفعت على أيام العيد، كارتفاع الرؤوس عن الأجياد، بل فضلت ليلات الدهر، كفضل البدر على النجوم الزهر:
غبت عني يابن المؤيد في وق ... ت شهي يلهي المحب المشوقا
ليلة ظل بدرها يلبس الجد ... ران ثوبا مفضضا مرموقا
وغدا الطل فيه ينثر كافو ... را فيعلو مسك التراب السحيقا
وتبدى النسيم يعتنق الأغ ... صان لما سرى عناقا رفيقا
بت فيها منادما لصديق ... ظل بين الأنام خلا صدوقا
هو مثل الهلال وجها صبيحا ... ومثال النسيم ذهنا رقيقا
وغزال كالبدر وجها وغصن ال ... بان قدا والخمرة الصرف ريقا
مظهر للعيون ردفا مهيلا ... وحشا ناحلا وقدا رشيقا
إن تغنى سمعت داود، أو لا ... ح تأملت يوسف الصديقا
وإذا قابل السراج رأينا ... منه بدرا يقابل العيوقا
وأظن الصباح هام بمرآ ... ه فأبدى قلبا حريقا خفوقا

(3/313)


هو نجم ما لاح في الجدر كافو ... ر بياض إلا كساه خلوقا
ما بدا نرجس الكواكب إلا ... قام من نومه يرينا الشقيقا
وإذا ما بدت جواهرها في الج ... و وأبدى في الأرض منهم عقيقا
فغدونا تحت الدجى نتعاطى ... من رقيق الآداب خمرا رحيقا
وجعلنا ريحاننا طيب ذكرا ... ك فخلناه عنبرا مفتوقا
ذاك وقت لولا مغيبك عنه ... كان بالمدح والثناء خليقا قال فأجاب عنها من الوزن دون الروي:
قد أتتني من الجمال قصيد ... يا لها من قصيدة غراء
جمعت رقة الهواء وطيب ال ... مسك في سبكها وصفو الماء
فأرتنا طباعه وشذاه ... والذي حاز ذهنه من ذكاء
سيدي هل جمعت فيها اللآلي ... يا أخا المجد أم نجوم السماء
أفحمتني حسنا وحق أيادي ... ك التي لا تعد بالإحصاء
فتركت الجواب والله عجزا ... فابسط العذر فيه يا مولائي
هل يسامي الثرى الثريا وأنى ... يدعي النجم فرط نور ذكاء رجع إلى أهل الأندلس:
90 - وقال ابن السماك (1) :
إياك أن تكثر الإخوان مغتنما ... في كل يوم إلى أن يكثر العدد
في واحد منهم تصفي الوداد له ... من التكاليف ما يفنى به الجلد وله:
__________
(1) القدح: 134؛ وفي م: السماد؛ ق: السماذ.

(3/314)


تحن ركابي نحو أرض وما لها ... وما لي من ذاك الحميم سوى الهم
وكم راغب في موضع لا يناله ... وأمسيت منه مثل يونس في اليم
بهذا قضى الرحمن في كل ساخط ... يموت على كره ويحيى على رغم 91 - ولما قام الباجي (1) بإشبيلية وخلع طاعة ابن هود، وأبدل أشعاره الأسود العباسي في البنود، قال أبو محمد عبد الحق الزهري القرطبي في ذلك:
كأنما الراية السوداء قد نعبت ... لهم غرابا ببين الأهل والولد
مات الهوى تحتها من فرط روعته ... فأظهر الدهر منها لبسة الكمد وأنشدهما القائم الباجي في جملة قصيدة.
92 - وقال الوزير أبو الوليد إسماعيل بن حجاج الأعلم الإشبيلي (2) :
93 - ......................... ............................. (3)
أمسى الفراش يطوف حول كؤوسنا ... إذ خالها تحت الدجى قنديلا
ما زال يخفق حولها بجناحه ... حتى رمته على الفراش قتيلا وله:
لاموا على حب الصبا والكاس ... لما بدا وضح المشيب براسي
والغصن أحوج ما يكون لسقيه ... أيام يبدو بالأزاهر كاسي وله، وقد رأى على نهر قرطبة ثلاثين نفسا مصلوبين من قطاع الطريق:
__________
(1) القدح: 135.
(2) ترجمة أبي الوليد إسماعيل بن حجاج الأعلم في اختصار القدح: 140 ولقبه هناك " الأفلح " ولكن الشعر التالي ليس له.
(3) هذه الأشعار التالية لأبي يحيى ابن هشام القرطبي في القدح: 89 - 92 والمعتقد أن سهوا حدث في نسخ النفح سقط فيه شعر الأعلم واسم القرطبي صاحب هذه المقطعات.

(3/315)


ثلاثون قد صففوا كلهم ... وقد فتحوا أذرعا للوداع
وما ودعوا غير أرواحهم ... فكان وداعا لغير (1) اجتماع وله في فتى وسيم عض كلب وجنته:
وأغيد وضاح المحاسن باسم ... إذا قامر الأرواح ناظره قمر
تعمد كلب عض وجنته التي ... هي الورد إيناعا وأبقى بها أثر
فقلت لشهب الأفق كيف صماتكم ... وقد أثر العواء في صفحة القمر 94 - وقال الفقيه أبو الحجاج يوسف بن محمد البياسي (2) المؤرخ الأديب، المصنف الشهير، وكان حافظا لنكت الأندلسيين حديثا وقديما، ذاكرا لفكاهاتهم التي صيرته للمملوك خليلا ونديما (3) ، في صبي من أعيان الجزيرة الخضراء تهافت في حبه جماعة من الأدباء والشعراء (4) :
قد سلونا عن الذي تدريه ... وجفوناه إذ جفا بالتيه
وتركناه صاغرا لأناس ... خدعوه بالزور والتمويه
لمضل يسوقه لمضل ... وسفيه يقوده لسفيه وكان من القوم الذين هاموا بالمذكور، وقاموا فيه المقام المشهور، أديب يقال له الفار، فتسلط على البياسي حتى سافر من الجزيرة وكان يلقب بالقط، [فقال أحد الشعراء]:
عذرت أبا الحجاج من رب شيبة ... غدا لابسا في الحب ثوبا من القار
وألجأه الفار المشارك للنوى ... ولم أر قطا قبله فر من فار
__________
(1) ب: بغير.
(2) القدح: 94 - 95.
(3) القدح: جليسا ونديما.
(4) كان هذا النص في النفح شديد الاضطراب، فصوبناه على حسب رواية القدح المعلى.

(3/316)


وله، وقد كتب إلى بعض أصحابه يذكره بالأيام السوالف:
أبا حسن لعمرك إن ذكري ... لأيام النعيم من الصواب
أمثلي ليس يذكر عهد حمص ... وقد جمحت بنا خيل التصابي
ونحن نجر أثواب الأماني ... مطرزة هنالك بالشباب
وعهد بالجزيرة ليس ينسى ... وإن أغفلته عند الخطاب
هو الأحلى لدي وإن حماني ... عن العسل اجتماع للذباب أشار (1) إلى المحبوب وكان كثير الاجتماع به في جنة لوالده على وادي العسل وقال (2) :
جنة وادي العسل ... كم لي بها من أمل
لو لم يكن ذبابها ... يمنع ذوق العسل قال ابن سعيد: ولما التقينا بتونس بعد إيابي من المشرق، وقد ولج (3) ظلام الشعر على [صبح] وجهه المشرق، قلت لأبي الحجاج مشيرا إلى محبوبه، وقد غطى هواه عنده على عيوبه:
خل (4) أبا الحجاج هذا الذي ... قد كنت فيه دائم الوجد
وانظر إلى لحيته واعتبر ... مما جنى الشعر على الخد والله سبحانه يسمح للجميع، في هذا الهزل الشنيع، ويصفح عنا في ذكره، إنه مجيب سميع.
__________
(1) في أصول النفح: وسار، والتصويب عن القدح.
(2) في الأصول: فقال - عطفا على سار - قال ابن سعيد: ولما اجتمعت به مستحسنا لهذا المقصد قال لي قد كنت ذكرته أيام تلك المزاحمات ثم أنشد " جنة وادي... إلخ " .
(3) القدح: دلج.
(4) القدح: خلي.

(3/317)


[عود إلى النقل عن بدائع البدائه]
95 - وقال صاحب " البدائع " (1) ركب الأستاذ أبو محمد ابن صارة مع أصحاب له في نهر إشبيلية في عشية سال أصيلها على لجين الماء عقيانا، وطارت زواريقها في سماء النهر عقبانا، وأبدى نسيمها من الأمواج والدارات سررا وأعكانا، في زورق يجول جولان الطرف، ويسود اسوداد الطرف، فقال بديها:
تامل حالنا والجو طلق ... محياه وقد طفل المساء
وقد جالت بنا عذراء حبلى ... تجاذب مرطها ريح رخاء
بنهر كالسجنجل كوثري ... تعبس وجهها فيه السماء واتفق أن وقف أبو إسحاق ابن خفاجة على القطعة واستظرفها واستلطفها، فقال يعارضها على وزنها ورويها وطريقتها:
ألا يا حبذا ضحك الحميا ... بحانتها وقد عبس المساء
وأدهم من جياد الماء مهر (2) ... تنازع جله ريح رخاء
إذا بدت الكواكب فيه غرقى ... رأيت الأرض تحسدها السماء 96 - وقال الأديب ابن خفاجة في ديوانه (3) : صاحبت في صدري من المغرب سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة ابا محمد عبد الجليل بن وهبون شاعر المعتمد، وكان أبو جعفر ابن رشيق يومئذ قد تمنع ببعض حصون مرسية، وشرع في النفاق فقطع السبيل، وأخاف الطريق، ولما حاذينا قلعته وقد احتدمت جمرة الهجير،
__________
(1) بدائع البدائه: 2: 142.
(2) ب: نهد؛ ق: نهر.
(3) وردت هذه القصص المتعلقة بابن خفاجة في بدائع البدائه 2: 143، 145.

(3/318)


ومل الركب رسيمه وزميله، وأخذ كل منا يرتاد مقيله، اتفقنا على أن لا نطعم طعما، ولا نذوق منانا، حتى نقول في صورة تلك الحال، وذلك الترحال، ما حضر، وشاء الله أن أجبل ابن وهبون واعتذر، وأخذت عفو خاطري، فقلت أتربص به (1) ، وأعرض بعظم لحيته:
ألا قل للمريض القلب مهلا ... فإن السيف قد ضمن الشفاء
ولم أر كالنفاق شكاة حر ... ولا كدم الوريد له دواء
وقد دحي النجيع هناك أرضا ... وقد سمك العجاج به سماء
وديس به انحطاطا بطن واد ... مذ أعشب شعر لحيته ضراء وقال ابن خفاجة أيضا: حضرت يوما مع أصحاب لي، ومعهم صبي متهم في نفسه، واتفق أنهم تحاوروا في تفضيل الرمان على العنب، فانبرى ذلك الصبي فأفرط في تفضيل العنب، فقلت بديها أعبث به:
صلني لك الخير برمانة ... لم تنتقل عن كرم العهد
لا عنبا أمتص عنقوده ... ثديا كأني بعد في المهد
وهل يرى بينهما نسبة ... من عدل الخصية بالنهد فخجل خجلا شديدا وانصرف.
قال: وخرجت يوما بشاطبة إلى باب السمارين، ابتغاء الفرجة على خرير ذلك الماء بتلك الساقية، وذلك سنة 480، وإذا بالفقيه أبي عمران ابن أبي تليد رحمه الله تعالى قد سبقني إلى ذلك، فألفيته جالسا على دكان كانت هناك مبنية لهذا الشأن، فسلمت عليه، مستأنسا به، فجرى أثناء ما تناشدناه ذكر قول ابن رشيق:
__________
(1) البدائع: أريض نار نزوته.

(3/319)


يا من يمر ولا تمر ... به القلوب من الفرق
بعمامة من خده ... أو خده منها استرق
فكأنه وكأنها ... قمر تعمق بالشفق
فإذا بدى وإذا انثنى ... وإذا شدى وإذا نطق
شغل الخواطر والجوا ... نح والمسمع والحدق فقلت، وقد أعجبت بها جدا، وأثنى عليها كثيرا: أحسن ما في القطعة سياقة الاعداد، وإلا فأنت تراه قد استرسل فلم يقابل بين ألفاظ البيت الأخير والبيت الذي قبله فينزل بإزاء كل واحدة منها ما يلائمها، وهل ينزل بإزاء قوله وإذا نطق قوله شغل الحدق، وكأنه نازعني القول في هذا غاية الجهد، فقلت بديها:
ومهفهف طاوي الحشا ... خنث المعاطف والنظر
ملأ العيون بصورة ... تليت محاسنها سور
فإذا رنا وإذا مشى ... وإذا شدا وإذا سفر
فضح الغزالة والغما ... مة والحمامة والقمر فجن بها استحسانا، انتهى.
قال ابن ظافر: والقطعة القافية ليست لابن رشيق، بل هي لأبي الحسين علي بن بشر الكاتب أحد شعراء اليتيمة (1) .
97 - وكان بين السميسر الشاعر (2) وبين بعض رؤساء المرية واقع لمدح
__________
(1) هذا وهم من ابن ظافر تابعه فيه المقري فإن أبا الحسن (لا أبا الحسين) علي بن أبي البشر الكاتب هو أحد شعراء الدرة الخطيرة لابن القطاع، وهو من ثم أحد شعراء الخريدة (4 / 1: 5 وسماه ابن البشائر)؛ وقد ترجم له الصفدي في الجزء الثالث من الوافي، نسخة مكتبة أحمد الثالث؛ وذكره أبو الصلت في رسالته المصرية (نوادر المخطوطات 1: 22).
(2) البدائع 2: 148.

(3/320)


مدحه فلم يجزه عليه، فصنع ذلك الرجل دعوة للمعتصم بن صمادح صاحب المرية واحتفل فيها بما يحتفل مثله في دعوة سلطان مثل المعتصم، فصبر السميسر إلى أن ركب السلطان متوجها إلى الدعوة، فوقف له في الطريق، فلما حاذاه رفع صوته بقوله:
يا أيها الملك الميمون طائره ... ومن لذي مأتم في وجهه عرس
لا تفرسن (1) طعاما عند غيركم ... إن الأسود على المأكول تفترس فقال المعتصم: صدق والله، ورجع من الطريق، وفسد على الرجل ما كان عمله.
[حكاية مشرقية]
ونظير هذه الحكاية (2) أن عباد بن الحريش كان قد مدح رجلا من كبار أصبهان أرباب الضيع والأملاك والتبع الكثير، فمطله بالجائزة، ثم أجازه بما لم يرضه، فرده عليه، وبعد ذلك بحين عمل الرجل دعوة غرم عليها ألوف دنانير كثيرة لأبي دلف القاسم بن عيسى العجلي على أن يجيء إليه من الكرج، ووصل أبو دلف، فلما عين عباد عليه وهو يساير بعض خواصه أومأ إلى ذلك السائر وأنشد بأعلى صوته:
قل له يا فديته ... قول عباد: ذا سمج
جئت في ألف فارس ... لغداء من الكرج
ما على النفس بعد ذا ... في الدناءات من حرج فقال أبو دلف، وكان أخوف الناس من شاعر: صدق والله، أجيء من
__________
(1) البدائع: لا تقربن.
(2) البدائع 2: 149.

(3/321)


الكرج إلى أصبهان حتى أتغذى بها والله بعد هذا ما في دناءة النفس من شيء.
ثم رجع من طريقه، وفسد على الرجل كل ما غرمه، وعرف من أين أتي.
وتخوف أن يعود عباد عليه بشر (1) منها، فسير إليه جائزة سنية مع جماعة من أصحابه، فاجتمعوا به، وسألوه فيه، وفي قبول الجائزة، فلم يقبل الجائزة، ثم أنشد بديها:
وهبت يا قوم لكم عرضه ... فقالوا: جزاك الله تعالى خيرا، فقال:
كرامة للشعر لا للفتى ...
لأنه أبخل من ذرة ... على الذي تجمعه في الشتا انتهى.
98 - وذكر أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسي ما معناه (2) : أنه عزم بمصر هو ورفقة له على الاصطباح، فقصدوا بركة الحبش، في وقت ولاية الغبش، وحلوا منها روضا بسم زهره، ونسم عطره، فأداروا كؤوسا، تطلع من المدام شموسا، وعاينوها نجوما، تكون لشاطين الهموم رجوما، فطرب حتى أظهر الطرب نشاطه، وأبرز ابتهاجه وانبساطه، فقال:
لله يومي ببركة الحبش ... والجو بين الضياء والغبش
والنيل تحت الرياح مضطرب ... كصارم في يمين مرتعش
ونحن في روضة مفوقة ... دبج بالنور عطفها ووشي
قد نسجتها يد الغمام لنا ... فنحن من نورها على فرش
__________
(1) ب: بأشد.
(2) البدائع 2: 151، ونوادر المخطوطات 1: 20 - 21.

(3/322)


فعاطني الراح إن تاركها ... من سورة الهم غير منتعش
وأسقني (1) بالكبار مترعة ... فهن أروى لشدة العطش
فأثقل الناس كلهم رجل ... دعاه داعي الصبا فلم يطش وهذا أبو الصلت أمية من كبراء أدباء الأندلس العلماء الحكماء، وقد ترجمناه في الباب الخامس في المرتحلين من الأندلس إلى المشرق.
99 - وقال رحمه الله تعالى (2) : كنت مع الحسن بن علي بن تميم بن المعز بن باديس بالمهدية في الميدان، وقد وقف يرمي بالنشاب، فصنعت فيه بديها:
ياملكا مذ خلقت كفه ... لم تدر إلا الجود والباسا
إن النجوم الزهر مع بعدها ... قد حسدت في قربك الناسا
وودت الأفلاك لو أنها ... تحولت تحتك أفراسا
كما تمنى البدر لو أنه ... عاد لنشابك برجاسا انتهى.
100 - وصنع الوزير (3) أبو جعفر أحمد الوقشي وزير الرئيس أبي إسحاق ابن همشك صهر الأمير أبي عبد الله بن مردنيش في غلام أسود في يده قضيب نور بديها:
وزنجي أتى بقضيب نور ... وقد زفت لنا بنت الكروم
فقال فتى من الفتيان صفها ... فقلت الليل أقبل بالنجوم
__________
(1) ب: وسقني.
(2) البدائع 2: 152.
(3) البدائع 2: 153؛ وهذان البيتان في الحلة 2: 266 للرصافي (ديوانه: 135)؛ قال: وغلط أبو مروان ابن صاحب الصلاة الإشبيلي فنسبهما في تاريخه إلى بعض الأمراء (يعني الوقشي)، وفي المغرب 2: 257 أنهما لأبي الحسين بن أم الحور.

(3/323)


101 - ولما أفرط أبو [بكر] يحيى اليكي (1) في هجاء أهل فاس تعسفوا عليه، وساعدهم واليهم مظفر الخصي من قبل أمير المسلمين (2) علي بن يوسف، والقائد عبد الله بن خيار الجياني (3) ، وكان يتولى أمورأ سلطانية بها، فقدموا رجلا ادعى عليه بدين، وشهد عليه به رجل فقيه يعرف بالزناتي، ورجل آخر يكنى بأبي الحسين من مشايخ البلد، فأثبت الحق عليه، وأمر به إلى السجن، فرفع إليه، وسيق سوقا عنيفا، فلما وصل إلى بابه طلب ورقة من كاتبه، وكتب فيها، وأنفذها إلى مظفر مع العون الذي أوصله إلى السجن، فكان ما كتب:
ارشوا الزناتي الفقيه ببيضة ... يشهد بأن مظفرا ذو بيضتين
واهدوا إليه دجاجة يحلف لكم ... ما ناك عبد الله عرس أبي الحسين 102 - وقال أبو الحسن علي بن عتيق بن مؤمن القرطبي الأنصاري: عمل والدي محملا للكتب من قضبان تشبه سلما، فدخل عليه أبو محمد عبد الله بن مفيد، فرآه، فقال ارتجالا:
أيها السيد الذكي الجنان ... لا تقسني بسلم البنيان
فضل شكل على السلالم أني ... محمل للعلوم والقرآن
حزت من حلية المحبين ضعفي ... واصفراري ورقة الأبدان
فادع للصانع المجيد بفوز ... ثم وال الدعاء للإخوان ثم عمل أيضا:
أيها السيد الكريم المساعي ... التفت صنعتي وحسن ابتداعي
__________
(1) البدائع 2: 157؛ وانظر بعض أهاجيه في أهل فارس في زاد المسافر.
(2) ب: المؤمنين؛ وهو غير دقيق.
(3) راجع ترجمة ابن خيار الجياني في الحلة 2: 235.

(3/324)


أنا للنسخ محمل خف حملي ... أنا في الشكل سلم الإطلاع 103 - وقال أحمد بن رضى المالقي:
ليس المدامة مما أستريح له ... ولا مجاوبة الأوتار والنغم
وإنما لذتي كتب أطالعها ... وخادمي أبدا في نصرتي قلمي 104 - وقال أبو القاسم البلوي الإشبيلي:
لمن أشكو مصابي في البرايا ... ولا ألقى سوى رجل مصاب
أمور لو تدبرها حكيم ... لعاش مدى الزمان أخا اكتئاب
أما في الدهر من أفشي إليه ... بأسراري فيؤنس بالجواب
يئست من الأنام فما جليس ... يعز على نهاي سوى كتابي 105 - وقال أبو زكريا يحيى، ابن صفوان بن إدريس صاحب كتاب " العجالة " و " زاد المسافر " وغيرهما:
ليت شعري كيف أنتم ... وأنا الصب المعنى
كل شيء لم تكونوا ... فيه لفظ دون معنى وله في نصراني وسيم لقيه يوم عيد:
توحد في الحسن من لم يزل ... يثلث والقلب في صده
يشف لك الماء من كفه ... ويقتدح النار من خده وهذان البيتان نسبهما له بعض معاشريه، وأبوه صفوان سابق الميدان.
106 - وقال ابن بسام (1) : ساير ابن عمار في بعض أسفاره غلامان من
__________
(1) بدائع البدائه 2: 130.

(3/325)


بني جهور أحدهما أشقر العذار والآخر أخضره.
فجعل يميل بحديثه لمخضر العذار. ثم قال ارتجالا:
تعلقته جهوري النجار ... حلي (1) اللمى جوهري الثنايا
من النفر البيض أسد الزمان ... رقاق الحواشي كرام السجايا
ولا غرو أن تغرب الشارقات ... وتبقى محاسنها بالعشايا
ولا وصل إلا جمان الحديث ... نساقطه من ظهور المطايا
شنأت المثلث للزعفران ... وملت إلى خضرة في التفايا ومعناه أن ابن عمار أبغض المثلث لدخول الزعفران فيه لشبهه بعذار الأشقر منهما، وأحب خضرة التفايا (2) ، وهو لون طعام يعمل بالكزبرة، لشبهها بعذار الأخضر منهما.
107 - وقال أبو العرب ابن معيشة الكناني السبتي (3) : أخبرني شيخ من أهل إشبيلية كان قد أدرك دولة آل عباد، وكان عليه من أثر كبر السن ودلائل التعمير ما يشهد له بالصدق، وينطق بأن قوله الحق، قال: كنت في صباي حسن الصورة، بديع الخلقة، لا تلمحني عين أحد إلا ملكت قلبه، وخلبت خلبه، وسلبت لبه، وأطلت كربه، فبينا أنا واقف على باب دارنا إذا بالوزير أبي بكر ابن عمار قد أقبل في موكب زجل، على فرس كالصخرة الصماء قدت من قنة الجبل، فحين حاذاني ورآني اشرأب إلي ينظرني وبهت يتأملني ثم دفع بمخصرة كانت بيده في صدري، وأنشد:
__________
(1) ب: حلو.
(2) راجع شرح التفايا ج 3 ص: 127 الحاشية: 2.
(3) بدائع البدائه 2: 132 وفيه " ابن معوشة " .

(3/326)


كف هذا النهد عني ... فبقلبي منه جرح
هو في صدرك نهد ... وهو في صدري رمح 108 - وعبر في البدائع على طريقة القلائد بما صورته (1) : ذكر الفتح بن خاقان ما هذا معناه: أخبرني ذو الوزارتين أبو مطرف ابن عبد العزيز أنه حضر عند المؤتمن بن هود في يوم أجرى الجو فيه أشقر برقه، ورمى بنبل ودقه، وحملت الرياح فيه أوقار السحاب على أعناقها، وتمايلت قامات الأغصان في الحلل الخضر من أوراقها، والأزهار قد تفتحت عيونها، والكمائم قد ظهر مكنونها، والأشجار قد انصقلت بالقطر، ونشرت ما يفوق ألوان البز وبثت ما يعلو العطر، والراح قد أشرقت نجومها في بروج الراح، وحاكت شمسها شمس الأفق فتلفعت بغيوم الأقداح، ومديرها قد ذاب ظرفا فكاد يسيل من إهابه، وأخجل خدها حسنا فتكلل بعرق حبابه، إذا بفتى رومي من أصبح فتيان المؤتمن قد أقبل متدرعا كالبدر اجتاب سحابا، والخمر اكتست حبابا، والطاووس انقلب حبابا، فهو ملك حسنا إلا أنه جسد، وغزال لينا إلا أنه في هيئة الأسد، وقد جاء يريد استشارة المؤتمن في الخروج إلى موضع كان عول فيه عليه، وأمره أن يتوجه إليه، فحين وصل إلى حضرته لمحه ابن عمار والسكر قد استحوذ على لبه، وانبثت سراياه في ضواحي قلبه، فأشار إليه وقربه، واستبدع ذلك اللباس واستغربه، وجد في أن يستخرج تلك الدرة من ماء ذلك الدلاص، وأن يجلي عنه سهكه كما يجلى الخبث عن الخلاص، وأن يوفر على ذلك الوفر نعمة جسمه، ويكون هو الساقي على عادته القديمة ورسمه، فأمره المؤتمن بقبول أمره وامتثاله، واحتذاء أمثاله، فحين ظهرت تلك الشمس من حجبها، ورمت شياطين النفوس من كمت المدام بشهبها، ارتجل ابن عمار:
__________
(1) بدائع البدائه 2: 133؛ وانظر النفح ج 1 ص: 654.

(3/327)


وهويته يسقي المدام كأنه ... قمر يدور بكوكب في مجلس
متناوح الحركات يندى عطفه ... كالغصن هزته الصبا بتنفس
يسقي بكأس في أنامل سوسن ... ويدير أخرى من محاجر نرجس
يا حامل السيف الطويل نجاده ... ومصرف الفرس القصير المحبس
إياك بادرة الوغى من فارس ... خشن القناع على عذار أملس
جهم وإن حسر القناع فإنما ... كشف الظلام عن النهار المشمس
يطغى ويلعب في دلال عذاره ... كالمهر يلعب في اللجام المجرس
سلم فقد قصف القنا غصن النقا ... وسطا بليث الغاب ظبي المكنس
عنا بكأسك قد كفتنا مقلة ... حوراء قائمة بسكر المجلس وصنع فيه أيضا:
وأحور من ظباء الروم عاط ... بسالفتيه من دمعي فريد
قسا قلبا وشن عليه درعا ... فباطنه وظاهره حديد
بكيت وقد دنا ونأى رضاه ... وقد يبكي من الطرب الجليد
وإن فتى تملكه برق ... وأحرز حسنه لفتى سعيد انتهى.
109 - وذكر في " البدائع " مؤلفه ما نصه (1) : خرج المعتصم بن صمادح صاحب المرية يوما إلى بعض متنزهاته، فحل بروضة قد سفرت عن وجهها البهيج، وتنفست عن مسكها الأريج، وماست معاطف أغصانها، وتكللت بلؤلؤ الطل أجياد قضبانها، فتشوق إلى الوزير أبي طالب ابن غانم أحد كبراء دولته، وسيوف صولته، فكتب إليه بديها بورقة كرنب بعود من شجرة:
__________
(1) البدائع 2: 139، وانظر أيضا 2: 140 للحكاية التالية عن المعتصم.

(3/328)


أقبل أبا طالب إلينا ... واسقط سقوط الندى علينا 110 - وجلس المعتصم بن صمادح المذكور يوما وبين يديه ساقية قد أخمدت ببردها حر الأوار، والتوى ماؤها فيها التواء فضة السوار، فقال ارتجالا:
انظر إلى الماء كيف انحط من صببه ... كأنه أرقم قد جد في هربه 111 - وقال السميسر (1) :
بعوض شربن دمي قهوة ... وغنينني بضروب الأغان
كأن عروقي أوتارهن ... وجسمي الرباب وهن القيان (2) 112 - وأحسن منه قول ابن شرف القيرواني (3) :
لك مجلس كملت بشارة لهونا ... فيه، ولكن تحت ذلك حديث
غنى الذباب فظل يزمر حوله ... فيه البعوض ويرقص البرغوث 113 - والسابق إلى هذا المعنى أبو [الحسن] أحمد بن أيوب من شعراء اليتيمة إذ قال (4) :
لا أعذل الليل في تطاوله ... لو كان يدري ما نحن فيه نقص
لي والبراغيث والبعوض إذا ... أجننا (5) حندس الظلام قصص
إذا تغنى بعوضه طربا ... أطرب (6) برغوثه الغنا فرقص
__________
(1) البدائع 2: 176.
(2) زاد في مطبوعة التجارية بعد هذين البيتين مقطوعتين في البرغوث والبعوض يظهر أنهما من زيادات النساخ.
(3) البدائع 2: 176 والمطرب: 70 ومعجم الأدباء: 19: 38.
(4) بدائع البدائه 2: 176 واليتيمة 4: 383، ومنه تصويب الاسم.
(5) اليتيمة: ألحفنا.
(6) اليتيمة: ساعد.

(3/329)


114 - ونحو هذا قول الحصري فيما نسبه إليه ابن دحية (1) :
ضاقت بلنسية بي ... وذاد عني غموضي
رقص البراغيث فيها ... على غناء البعوض رجع إلى أهل الأندلس، فنقول:
115 - كان ابن سعد الخير البلنسي الشاعر كثير الذهول، مفرط النسيان، ظاهر التغفل، على جوده نظمه، ورطوبة طبعه، وكان كثيرا ما يسلك سكة الإسكافيين الذين يعملون الخفاف على بغلة له، فاتخذت البغلة النفور من أطراف الأدم وفضلات الجلود الملقاة في السكة عادة لها، واتفق أن عبر في السكة راجلا، ومعه جماعة من أصحابه، فلما رأى الجلود الملقاة قفز ووثب راجعا
على عقبيه، فقال له أصحابه: ما هذا أيها الأستاذ فقال: البغلة نفرت، فعجبوا من تخلفه وتغفله كيف ظن مع ما يقاسيه من ألم المشي ونصب التعب أنه راكب وأن حركته الاختيارية منه حركة الدابة الضرورية له، فكان تغفله ربما أوقعه في تهمة عند من لم يعرفه، فاقترح عليه بعض الأمراء أن يصنع بيتين أول أحدهما كتاب وآخره ذئب، وأول الآخر جوارح وآخره أنابيب، فصنع بديها:
كتاب نجيع (2) لاح في حومة الوغى ... وقارنه نسر هنالك أو ذيب
جوارح أهليه حروف وربما ... تولته من نقط الطعان أنابيب 116 - وقال الحميدي (3) : ذكر لي أبو بكر المرواني أنه شاهد محبوبا الشاعر النحوي قال بديهة في صفة ناعورة:
__________
(1) المطرب: 94 وبدائع البدائه 2: 176.
(2) م: نجيح.
(3) الجذوة: 328.

(3/330)


وذات حنين ما تغيض جفونها ... من اللجج الخضر الصوافي على شط
وتبكي فتحيي من دموع جفونها ... رياضا تبدت بالأزاهر (1) في بسط
فمن أحمر قان وأصفر فاقع ... وأزهر مبيض وأدكن مشمط
كأن ظروف الماء من فوق متنها ... لآلي جمان قد نظمن على قرط وقال أبو الخطاب ابن دحية (2) : دخلت على الوزير الفقيه الأجل أبي بكر عبد الرحمن بن محمد بن مغاور السلمي، فوقع الكلام في علوم لم تكن من جنس فنونه، فقال بديها:
أيها العالم ادركني سماحا ... فلمثلي يحق منك السماح
إن تخلني إذا نطقت عييا ... فبناني إذا كتبت وقاح
أحرز الشأو في نظام ونثر ... ثم أثني وفي العنان جماح
فبهزل كما تأود غصن ... وبجد كما تهز الصفاح وقال (3) : دخلت عليه منزله بشاطبة في اليوم الذي توفي فيه وهو يجود بنفسه، فأنشد بديها:
أيها الواقف اعتبارا بقبري ... استمع فيه قول عظمي الرميم
أودعوني بطن الضريح وخافوا ... من ذنوب كلومها بأديمي
ودعوني بما اكتسبت رهينا ... غلق الرهن عند مولى كريم 118 - وقال ابن طوفان (4) : دعا أبي أبا الوليد النحلي، فلما قضوا وطرهم من الطعام سقيتهم، وجعلت أترع الكاسات، فلما مشت في النحلي
__________
(1) الجذوة: من أزاهير.
(2) بدائع البدائه 2: 171، ولم ترد في المطرب.
(3) المصدر نفسه: 172.
(4) بدائع البدائه 2: 191، وفي ب: طفوان.

(3/331)


سورة الحميا ارتجل:
لابن طوفان أياد ... قل فيها مشبهوه
ملأ الكاسات حتى ... قيل في البيت أبوه ونظيره قول المنفتل (1) من شعراء الذخيرة في الشاعر ابن الفراء:
فإذا ما قال شعرا ... نفقت سوق أبيه 119 - وذكر في " بدائع البدائه " (2) أن جماعة من الشعراء في أيام الأفضل خرجوا متنزهين إلى الأهرام ليروا عجائب مبانيها، ويتأملوا ما سطره الدهر من العبر فيها، فاقترح بعض من كان معهم العمل فيها، فصنع أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسي:
بعيشك هل أبصرت أعجب منظرا ... على ما رأت عيناك من هرمي مصر
أنافا بأعنان (3) السماء فأشرفا ... على الجو إشراف السماك أو النسر
وقد وافيا نشزا من الأرض عاليا ... كأنهما نهدان قاما على صدر وصنع أبو منصور ظافر الحداد:
تأمل هيئة الهرمين وانظر ... وبينهما أبو الهول العجيب
كعماريتين (4) على رحيل ... بمحبوبين بينهما رقيب
وفيض البحر عندهما دموع ... وصوت الريح بينهما نحيب
وظاهر سجن يوسف مثل صب ... تخلف فهو محزون كئيب
__________
(1) المصدر السابق: 192.
(2) المصدر نفسه 1: 243 وانظر نوادر المخطوطات 1: 26.
(3) م: بأسباب؛ البدائع: بأكناف.
(4) العمارية: الهودج.

(3/332)


120 - وقال ابن بسام (1) : كان للمتوكل ابن الأفطس فرس أدهم أغر محجل على كفله ست نقط بيض، فندب المتوكل الشعراء لصفته، فصنع النحلي أبو الوليد فيه بديها:
ركب البدر جوادا سابحا ... تقف الريح لأدنى مهله
لبس الليل قميصا سابغا ... والثريا نقط في كفله
وغدير الصبح قد خيض به ... فبدا تحجيله من بلله
كل مطلوب وإن طالت به ... رجله من أجله في أجله ثم انتدب الشعراء بعد ذلك للعمل فيه، فصنع ابن اللبانة:
لله طرف جال يا ابن محمد ... فحبت (2) به حوباؤه التأميلا
لما رأى أن الظلام أديمه ... أهدى لأربعه الهدى تحجيلا
وكأنما في الردف منه مباسم ... تبغي هناك لرجله تقبيلا وقال فيه أبو عبد الله ابن عبد البر الشنتريني من قطعة:
وكأنما عمر على صهواته ... قمر تسير به الرياح الأربع ويعني بعمر المتوكل المذكور لأن اسمه عمر.
121 - وقال أحمد بن عبد الرحمن بن الصقر الخزرجي قاضي إشبيلية:
لله إخوان تناءت دراهم ... حفظوا الوداد على النوى أو خانوا
يهدي لنا طيب الثناء ودادهم ... كالند يهدي الطيب وهو دخان
__________
(1) البدائع 1: 260.
(2) البدائع: فجنت؛ ب: فجبت.

(3/333)


[أخبار عن المروانيين]
122 - وحكي أن أيوب بن سليمان السهيلي المرواني حضر يوما عند ابن باجة والشاعر أبو الحسن ابن جودي هناك، فتكلم المرواني بكلام ظهر فيه نبل وأدب، فتشوف أبو الحسن ابن جودي لمعرفته، وكان إذ ذاك فتي السن، فقال له: من أنت أكرمك الله تعالى فقال: هلا سألت غيري عني فيكون ذلك أحسن لك أدبا ولي توقيرا، فقال ابن جودي: قد سألت من المعرف عنك فلم يعرفك، فقال: يا هذا، لطالما مر علينا زمان يعرفنا من يجهل، ولا يحتاج من يرانا فيه إلى أن يسأل، وأطرق ساعة، ثم رفع رأسه وأنشد:
أنا ابن الألى قد عوض الدهر عزهم ... بذل وقلوا واستحبوا التنكرا
ملوك على مر الزمان بمشرق ... وغرب دهاهم دهرهم وتغيرا
فلا تذكرنهم بالسؤال مصابهم ... فإن حياة الرزء أن يتذكرا ففطن ابن جودي أنه منبني مروان، فقام وقبل رأسه، واعتذر إليه، ثم انصرف المرواني، فقال ابن باجة لابن جودي: أساء أدبك بعد ما عهدت منك كيف تعمد إلى رجل في مجلسي تراني قد قربته وأكرمته وخصصته بالإصغاء إلى كلامه فتقدم عليه بالسؤال عن نفسه فاحذر أن تكون لك عادة، فإنها من أسوء الأدب، فقال ابن جودي: لم أزل من الشيخ على ما قاله أبو تمام:
نأخذ من ماله ومن أدبه (1) ... 123 - وحكي أن بكارا المرواني (2) لما ترك وطنه وخرج في الجهاد وقتل، قال صاحب السقط: إنه اجتمع به في أشبونة فقال: قصدت منزله بها، ونقرت
__________
(1) صدر البيت: ننقل أسبابنا إلى ملك.
(2) انظر أخبار بكار وأشعاره في المغرب 1: 415.

(3/334)


الباب، فنادى: من هذا فقلت: رجل ممن يتوسل لرؤيتك بقرابة، فقال: لا قرابة إلا بالتقى، فإن كنت من أهله فادخل، وإلا فتنح عني، فقلت: أرجو في الاجتماع بك والاقتباس منك أن أكون من أهل التقى، فقال: ادخل، فدخلت عليه فإذا به في مصلاه وسبحة أمامه، وهو يعد حبوبها ويسبح فيها، فقال لي: ارفق علي حتى أتمم وظيفتي من هذا التسبيح، وأقضي حقك، فقعدت إلى أن فرغ، فلما قضى شغله عطف علي وقال: ما القرابة التي بيني وبينك فانتسبت له، فعرف أبي وترحم عليه، وقال لي: لقد كان نعم الرجل، وكان لديه أدب ومعرفة، فهل لديك أنت مما كان لديه شيء فقلت له: إنه كان يأخذني بالقراءة وتعلم الأدب، وقد تعلقت من ذلك (1) بما أتميز به، فقال لي: هل تنظم شيئا قلت: نعم، وقد ألجأني الدهر إلى أن أرتزق به، فقال: يا ولدي إنه بئسما يرتزق به، ونعم ما يتحلى به إذا كان على غير هذا الوجه، وقد قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: " إن من الشعر لحكمة " ولكن تحل الميتة عند الضرورة، فأنشدني أصلحك الله تعالى مما على ذكرك من شعرك، قال: فطلبت بخاطري شيئا أقابله به مما يوافق حاله فما وقع لي إلا فيما لا يوافقه من مجون ووصف خمر وما أشبه ذلك، فأطرقت قليلا، فقال: لعلك تنظم، فقلت: لا ولكن أفكر فيما أقابلك به، فقولي أكثره فيما حملني عليه الصبا والسخف، وهو لائق بغير مجلسك، فقال: يا بني، ولا هذا كله، إنا لا نبلغ من تقوى الله إلى حد نخرج به عن السلف الصالح، وإذا صح عندنا أن عبد الله ابن عباس ابن عم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومفسر كتاب الله تعالى ينشد مثل قول القائل:
إن يصدق الطير ننك لميسا ...
__________
(1) م: بذلك.

(3/335)


فمن نحن حتى نأبى أن نسمع مثل هذا والله لا نشذ عن السلف الصالح، أنشدني ما وقع لك غير متكلف، فلم يمدني خاطري إلى غير قولي من شعر أمجن فيه:
أبطأت عني، وإني ... لفي اشتياق شديد
وفي يدي لك شيء ... قد قام مثل العمود
لو ذقته مرة لم ... تعد لهذا (1) الصدود فتبسم الشيخ وقال: أما كان في نظمك أطهر من هذا فقلت له: ما وفقت لغيره، فقال: لا بأس عليك، فأنشدني غيره، ففكرت إلى أن أنشدته قولي:
ولما وقفت على ربعهم ... تجرعت وجدي بالأجرع
وأرسل دمعي شرار الدموع ... لنار تأجج في الأضلع
فقال عذولي، لما رأى ... بكائي: رفقا على الأدمع
فقلت له: هذه سنة ... لمن حفظ العهد في الأربع قال: فرأيت الشيخ قد اختلط، وجعل يجيء ويذهب ثم أفاق وقال: أعد بحق آبائك الكرام، فأعدت فأعاد ما كان فيه وجعل يردده، فقلت له: لو علمت أن هذا يحركك ما أنشدتك إياه، فقال: وهل حرك مني إلا خيرا وعظة يا بني إن هذه القلوب المخلاة لله كالورق التي جفت، وهي مستعده لهبوب الرياح، فإن هب عليها أقل ريح لعب بها كيف شاء، وصادف منها طوعه، فأعجبني منزعه، وتأنست به، ولم أر عنده ما يعتاد من هؤلاء المتدينين من الإنجماح والانكماش، بل ما زال يبسطني ويحدثني بأخبار فيها هزل، ويذكر لي من تاريخ بني أمية وملوكها ما أرتاح له، ولا أعلم أكثره، فلما كثر تأنسي به
__________
(1) م: تصد هذا.

(3/336)


أهويت إلى يده كي أقبلها، فضمها بسرعة، وقال: ما شأنك فقلت: راغبا لك في أن تنشدني شيئا من نظمك، فقال: أما نظمي في زمان الصبا فكان له وقت ذهب، ويجب للنظم أن يذهب معه، وأما نظمي في هذا الوقت فهو فيما أنا بسبيله، وهو يثقل عليك، فقلت له: إن أنصف سيدي الشيخ نفعنا الله تعالى به أنشدني من نظم صباه، ومن نظم شيخوخته (1) ، فيأخذ كلانا بحظه، فضحك وقال: ما أعصيك وأنت ضيف وقريب ولك حرمة أدب ووسيلة قصد، ثم أنشدني وقد بدا عليه الخشوع وخنقته العبرة:
ثق بالذي سواك من ... عدم فإنك من عدم
وانظر لنفسك قبل قر ... ع السن من فرط الندم
واحذر وقيت من الورى ... واصحبهم أعمى أصم
قد كنت في تيه إلى ... أن لاح لي أهدى علم
فاقتدت نحو ضيائه ... حتى خرجت من الظلم
لكن قناديل الهوى ... في نور رشدي كالحمم قال: فوالله لقد أدركني فوق ما أدركه، وغلب على خاطري بما سمعت من هذه الأبيات، وفعلت بي من الموعظة غاية لم أجد منها التخلص إلا بعد حين، فقال لي الشيخ: إن هذه يقظة يرجى معها خيرك، والله مرشدك ومنقذك، ثم قال لي: يا بني هذا ما نحن بسبيله الآن، فاسمع فيما مضى والله ولي المغفرة، وإنا لنرجو منه غفران الفعل، فكيف القول، وأنشد:
أطل عذار على خده ... فظنوا سلوي عن مذهبي
وقالوا غراب لوشك النوى ... فقلت اكتسى البدر بالغيهب
وناديت قلبي أين المسير ... وبدر الدجى حل في العقرب
__________
(1) ق ب: شيخه.

(3/337)


فقال ولو رمت عن حبه ... رحيلا عصيت ولم أذهب قال: فسمعت ما يقصر عنه صدور الشعراء، وشهدت له بالتقدم، وقلت له: لم أر أحسن من نظمك في جد ولا هزل، ثم قلت له: أ أرويه عنك فقال: نعم، ما أرى به بأسا بعد اطلاع من يعلم السرائر، على ما في الضمائر، فما قدر هذه الفكاهة في إغضاء من يغفر الكبائر، ويغضي عن العظائم قال: فقلت له: فإن أسبغت علي النعمة بزيادة شيء من هذا الفن فعلت ما تملك به قلبي آخر الدهر، فقال: يا بني لا ملك قلبك غير حب الله تعالى، ثم قال: ولا أجمع عليك رد قول ومنعا، وأنشد:
أيها الشادن الذي ... حسنه في الورى غريب
لحظ ذاك الجمال يط ... فىء ما بي من اللهيب
وعليه أحوم ده ... ري ولكنني أخيب
كلما رمت زورة ... قيض الله لي رقيب قال: فمازج قلبي من الرقة واللطافة لهذا الشعر ما أعجز عن التعبير عنه، فقلت له: زدني زادك الله تعالى خيرا، فأنشدني:
ما كان قلبي يدري قدر حبكم ... حتى بعدتم فلم يقدر على الجلد
وكنت أحسب أني لا أضيق به ... ذرعا فما حان حتى فت في عضدي
ثم استمرت على كره مريرته ... فكاد يفرق بين الروح والجسد
عساكم أن تلاقوا باللقا رمقي ... فليس لي مهجة تقوى على الكمد ثم قال: حسبك، وإن كلفتني زيادة فالله حسبك، فقلت له: قد وكلتني إلى كريم غفور رحيم، فبالله إلا مازدتني، وأكببت لأقبل رجليه، فضمهما وأنشد:

(3/338)


لله من قال لما ... شكوت فيه نحولي
أما السبيل لوصول ... فما له من وصول
فقلت حسبي التماح ... بحسن وجه جميل
وجه تلوح عليه ... علامة للقبول
فقال دعني فهذا ... تعرض للفضول
فقلت عاتب وخاطب ... بالأمن أهل العقول فملأ سمعي عجائب، وبسط أنسي، وكتبت كل ما أنشدني، ثم قلت له: لولا خوفي من التثقيل عليك لم أزل أستدعي منك الإنشاد حتى لا تجد ما تنشد، فقال: إن عدت إن شاء الله تعالى إلى هنا تذكرت، وأنشدتك، فما عندي مما أضيفك غير ما سمعت، وما تراه، ثم قام وجاء من بيت آخر في داره بصحفة فيها حسا من دقيق وكسور باردة، فجعل يفت فيها، ثم أشار إلي أن أشرب فشبت ثم شرب إلى أن أتينا على آخرها (1) ، ثم قال لي: هذا غذاء عمك نهاره، وإنه لنعمة من الله تعالى أستديم بشكرها اتصالها، قال: فقلت له: يا عم، ومن أين عيشك فقال: يا بني، عيشي بتلك الشبكة أصطاد بها في سواحل البحر ما أقتات به، ولي زوجة وبنت يعود من غزلهما مع ذلك ما نجد فيه معونة، وهذا مع العافية والاستغناء عن الناس خير كثير، جعلنا الله تعالى ممن يلقاه على حالة يرضاها، وختم لنا بخاتمة لا يخاف معها فضيحة. قال: فتركته وقمت وفي نيتي أن أعود إلى زيارته، ونويت أن يكون ذلك بعد أيام خوف التثقيل، فعدت إليه بعد ثلاثة أيام، فنقرت الباب، فكلمتني المرأة بلسان عليه أثر حزن، وقالت: إن الشيخ خرج إلى الغزو، وذلك بعد انفصالك عنه بيوم، ناله كالجنون، فقلت له: ما شأنك فقال: أريد أن أموت شهيدا في الغزو، وهؤلاء جيران لي قد
__________
(1) ب: على آخره.

(3/339)


عزموا على الغزو، وأنا إن شاء الله تعالى ماض معهم، ثم احتل في سيف ورمح وتوجه معهم، وقال: نفسي هي التي قتلتني بهواها، أفلا أقتص منها فأقتلها قال: فقلت لها: ومن خلف للنظر في شأنكم فقالت: ليس ذلك لك، فالذي خلقنا لا نحتاج معه إلى غيره، فأدركني من جوابها روعة، وعلمت أنها مثله زهدا وصلاحا، فقلت: إني قريبه، ويجب أن علي أن أنظر في حالكم بعده، فقالت: يا هذا إنك لست بذي محرم، ولنا من العجائز من ينظر منا ويبيع غزلنا ويتفقد أحوالنا، فجزاك الله تعاىل عنا خيرا، انصرف عنا مشكورا، فقلت لها هذه دراهم خذوها تستعينوا بها، فقالت ما اعتدنا أن نأخذ شيئا من غير الله تعالى، وما كان لنا أن نخل بالعادة، فانصرفت نادما على ما فاتني من الاستكثار من شعر الشيخ والتبرك بزيادة دعائه، ثم عدت بعد ذلك لدياره سائلا عنه، فقالت لي المرأة: إنه قد قبله الله تعالى، فعلمت أنه قد قتل، فقلت لها: أقتل فقرأت: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله00 الآية " فانصرفت معتبرا من حاله، رحمه الله تعالى ورضي عنه ونفعنا به. وكانت للمروانيين بالأندلس يد عليا، في الدين والدنيا.
انتهى.
124 - وقال محمد بن أيوب المرواني، لما كلف قوما حاجة له سلطانية فما نهضوا بها فكلفها رأس بني مروان القائد سعيد بن المنذر، فنهض بها:
نهضت بما سألتك غير وان ... وقد صعبت لسالكها الطريق
وليس يبين فضل المرء إلا ... إذا كلفته ما لا يطيق وعتبه يوما سعيد بن المنذر في كونه يتعرض لمدح خدام بني مروان، فقال له: أعز الله تعالى القائد الوزير، إنكم جعلتموني ذنبا وجعلوني رأسا، والنفس تتوق إلى من يكرمها وإن كان دونها أكثر منها إلى من يهينها وإن كان فوقها

(3/340)


وإني من هذا وهذا في أمر لا يعلمه إلا الذي أبلاني به، ويا ويح الشجي من الخلي، وأنا الذي أقول فيما يتخلل هذا المنزع:
نسبت لقوم ليتني نجل غيرهم ... فلي نسب يعلو وحظي يسفل
أقطع عمري بالتعلل والمنى ... وكم يخدع المرء اللبيب التعلل
فما لي مكان أرتضيه لهمة ... ولا مال منه أستعف وأفضل
ولكنني أقضي الحياة تجملا ... وهل يهلك الإنسان إلا التجمل فقال له: سعيد قصدنا لومك فعطف اللائمة علينا، ونحن أحق بها، وسننظر إن شاء الله تعالى فيما يرفع اللوم عن الجانبين، ثم تكلم مع الناصر في شأنه، فأجرى له رزقا أغناه عن التكفف، فكانت هذه من حسنات سعيد وأياديه.
125 - وقال المطرف بن عمر (1) المرواني يمدح المظفر بن المنصور بن أبي عامر:
إن المظفر لا يزال مظفرا ... حكما من الرحمن غير مبدل
وهو الأحق بكل ما قد حازه ... من رفعة ورياسة وتفضل
تلقاه صدرا كلما قلبته ... مثل السنان بمحفل وبجحفل وحضر يوما مع شاعر الأندلس في زمانه ابن دراج القسطلي، فقال له القسطلي: أنشدني أبياتك التي تقول فيها " على قدر ما يصفو الخليل يكدر " .
فأنشده:
تخيرت من بين الأنام مهذبا ... ولم أدر أني خائب حين أخبر
فمازجني كالراح للماء، واغتدى ... على كل ما جشمته يتصبر
__________
(1) ب: عمير.

(3/341)


إلى أن دهاني إذ أمنت غروره ... سفاها وأداني لما ليس يذكر
وكدر عيشي بعد صفو، وإنما ... على قدر ما يصفو الخليل يكدر فاهتز القسطلي وقال: والله إنك في هذه الأبيات لشاعر، وأنا أنشدك فيما يقابلها لبلال بن جرير:
لو كنت أعلم أن آخر عهدهم ... يوم الفراق فعلت ما لم أفعل ولكن جعل نفسه فاعلا وعرضت نفسك لأن يقال: إنك مفعول، فقال: ومن أين يلوح ذلك فقال القسطلي: من قولك " وأداني لما ليس يذكر " فما يظن في ذلك إلا أنه أداك إلى موضع فعل بك فيه، فاغتاظ الأموي وقال: بني مروان يحملنا على أن نخرق العادة في الحمل على مكارمهم، فسكن غيظه.
وكتب المرواني المذكور إلى صاحب له يستعير منه دابة يخرج عليها للفرجة والخلاعة: أنهض الله تعالى سيدي بأعباء المكارم، إن هذا اليوم قد تبسم أفقه، بعدما بكى ودقه، وصقلت أصداء أوراقه، وفتحت أحداق حدائقه، وقام نوره خطيبا على ساقه، وفضضت غدرانه، وتوجت أغصانه، وبرزت شمسه من حجابها، بعدما تلفعت بسحابها، وتنبه في أرجاء الروض أرج النسيم، وعرف في وجهه نضرة النعيم، وقد دعا كل هذا ناظر أخيك إلى أن يجيله في هذه المحاسن، ويجدد نظره في المنظر الذي هو غير مبتذل والماء الذي هو غير آسن، والفحص اليوم أحسن ما ملح، وأبدع ما حرن فيه وجمح، فجد لي بإعارة ما أنهض عليه لمشاهدته ويرفع عني خجل الابتذال، بمناكفة الأنذال، لا زلت نهاضا بالآمال، مسعفا بمراد كل خليل غير مقصر ولا آل.
126 - وكتب الأمير هشام بن عبد الرحمن إلى أخيه عبد الله المعروف بالبلنسي حين فر كتابا يقول في بعض فصوله: والعجب من فرارك دون أن

(3/342)


ترى شيئا. فخاطبه بجواب يقول فيه: ولا تتعجب من فراري دون أن أرى شيئا؛ لأنني خفت أن أرى ما لا أقدر على الفرار بعده، ولكن تعجب مني أن حصلت في يدك بعدما أفلت منك.
وقال له وزيره أحمد بن شعيب البلنسي: أليس من العار أن يبلغ بك الخور من هذا الصبي أن تجعل بينك وبينه البحر، وتترك بلاد ملكك وملك أبيك فقال: ما أعرف ما تقول، وكل ما وقي به إتلاف النفس ليس بعار، بل هو محض العقل، وأول ما ينظر الأديب في حفظ رأسه، فإذا نظر في ذلك نظر فيما بعده.
127 - وقال عبد الله بن بعد العزيز الأموي ويعرف بالحجر (1) :
اجعل لنا منك حظا أيها القمر ... فإنما حظنا من وجهك النظر
رآك ناس فقالوا: إن ذا قمر ... فقلت: كفوا فعندي منهما الخبر
البدر ليس بغير النصف بهجته ... حتى الصباح وهذا كله (2) قمر 128 - وقال أبو عبد الله محمد بن محمد بن الناصر يرثي أبا مروان ابن سراج (3) :
وكم من حديث للنبي أبانه ... وألبسه من حسن منطقه وشيا
وكم مصعب للنحو قد راض صعبه ... فعاد ذلولا بعدما كان قد أعيا 129 - وحكي أنه دخل بعض شعراء الأندلس على الفقيه سعيد بن أضحى، وكان من أعيان غرناطة، فمدحه بقصيدة، ثم بموشحة، ثم بزجل، فلم
__________
(1) الجذوة: 244 (وبغية الملتمس رقم: 933).
(2) الجذوة: البدر ليلة نصف الشهر.... وهذا دهره.
(3) الذخيرة 1 / 2: 317.

(3/343)


يعطه شيئا، بل شكا إليه فقرا، حتى إنه بكى، فأخذ الدواة والقرطاس وكتب ووضع بين يديه:
شكا مثال الذي أشكوه من عدم ... وساءه مثل ما قد ساءني فبكى
إن المقل الذي أعطاك دمعته ... نعم الجواد فتى أعطاك ما ملكا 130 - وقال ابن خفاجة (1) :
نهر كما سال (2) اللمى سلسال ... وصبا بليل ذيلها مكسال
ومهب نفحة روضة مطلولة ... فيها لأفراس النسيم (3) مجال
غازلته والأقحوانة مبسم ... والآس صدغ والبنفسج خال وقال (4) :
وساق كحيل الطرف (5) في شأو حسنه ... جماح، وبالصبر الجميل حران
ترى للصبا نارا بخديه لم يثر ... لها من سوادي عارضيه دخان
سقانا وقد لاح الهلال عشية ... كما اعوج في درع الكمية سنان
عقارا نماها الكرم فهي كريمة ... ولم تزن بابن المزن فهي حصان
وقد جال من جون الغمامة أدهم ... له البرق سوط والعنان عنان
وضمخ ردع الشمس نحر حديقة ... عليه من الطل السقيط جمان
ونمت بأسرار الرياض خميلة ... لها النور ثغر والنسيم لسان
__________
(1) ديوان ابن خفاجة: 119 والنفح 3: 202.
(2) الديوان: ساغ.
(3) الديوان: في جلهتيها للنسيم.
(4) ديوان ابن خفاجة: 235 وقد تقدمت الأبيات ص: 202 من هذا المجلد.
(5) ديوانه: لخيل اللحظ؛ وهو أصوب.

(3/344)


وقال في وصف فرس أصفر، ولم يخرج عن طريقته (1) :
وأشقر تضرم منه الوغى ... بشعلة من شعل الباس
من جلنار ناضر لونه ... وأذنه من ورق الآس
يطلع للغرة في شقرة ... حبابة تضحك في الكاس 131 - وقال أبو بكر يحيى (2) بن سهل اليكي يهجو:
أعد الوضوء إذا نطقت به ... مستعجلا من قبل أن تنسى
واحفظ ثيابك إن مررت به ... فالظل منه ينجس الشمسا 132 - وقال ابن اللبانة (3) :
أبصرته قصر في المشيه ... لما بدت في خده لحيه
قد كتب الشعر على خده ... " أو كالذي مر على قريه " 133 - وقال الوزير الكاتب أبو محمد [ابن] عبد الغفور الإشبيلي في الأمير أبي بكر سير من أمراء المرابطين، وكتب بها إليه في غزاة غزاها (4) :
سر حيث سرت يحله النوار ... وأراك فيه مرادك المقدار
وإذا ارتحلت فشيعتك سلامة ... وغمامة لا ديمة مدرار
تنفي الهجير بظلها وتنيم بال ... رش القتام وكيف شئت تدار
وقضى الإله بأن تعود مظفرا ... وقضت بسيفك نحبها (5) الكفار
__________
(1) ديوانه: 123 ومرت الأبيات ص: 202 من هذا المجلد.
(2) في الأصول: محمد، وهو خطأ اقتضى التصويب.
(3) القلائد: 252.
(4) القلائد: 163 والمغرب 1: 137.
(5) ب م: نحوها.

(3/345)


هذا غير ما تمناه الجعفي حيث قال (1) : حيث ارتحلت وديمة (2) ، وما تكاد تنفذ معها عزيمة، وإذا سفحت على ذي سفر، فما أحراها بأن تعوق عن الظفر، ونعتها بمدرار، فكان ذلك أبلغ في الإضرار، وما أحسن قول القائل:
فسر ذا راية خفقت بنصر ... وعد في جحفل بهج الجمال
إلى حمص فأنت بها حلي ... تغاير فيه ربات الحجال 134 - وقال الحجاري في " المسهب " : كتبت إلى القاضي أبي عبد الله محمد اللوشي أستدعي منه شعره لأكتبه في كتابي، فتوقف عن ذلك وانقبض عني، فكتبت إليه:
يا مانعا شعره عن سمع ذي أدب ... نائي المحل بعيد الشخص مغترب
يسير عنك به في كل متجه ... كما يمر نسيم الريح بالعذب
إني وحقك أهل أن أفوز به ... واسأل فديتك عن ذاتي وعن أدبي فكان جوابه:
يا طالبا شعر من لم يسم في الأدب ... ماذا تريد بنظم غير منتخب
إني وحقك لم أبخل به صلفا ... ومن يضن على جيد بمخشلب
لكنني صنت قدري عن روايته ... فمثله قل عن سام إلى الرتب
خذه إليك كما أكرهت مضطربا ... محللا ذم مولاه مدى الحقب قال: ثم كتب لي مما أتحفني به من نظمه محاسن أبهى من الأقمار، وأرق من نسيم الأسحار.
__________
(1) القلائد: هذا ما تمناه الولي ما تمناه الجعفي حيث قال.
(2) يريد قول المتنبي:
وإذا ارتحلت فشيعتك سلامة ... حيث اتجهت وديمة مدرار

(3/346)


135 - وقال صالح بن شريف في البحر وهو أحسن ما قيل فيه:
البحر أعظم مما أنت تحسبه ... من لم ير البحر يوما ما رأى العجبا
طام له حبب طاف على زرق ... مثل السماء إذا ما ملئت (1) شهبا وقال أيضا:
ما أحسن العقل وآثاره ... لو لازم الإنسان إيثاره
يصون بالعقل الفتى نفسه ... كما يصون الحر أسراره
لا سيما إن كان في غربة ... يحتاج أن يعرف مقداره 136 - وقال ابن برطله (2) :
خطوب زماني ناسبتني غرابة ... لذلك يرميني بهن مصيب
غريب أصابته خطوب غريبة ... " وكل غريب للغريب نسيب " وهذا من أحسن التضمين، الذي يزري بالدر الثمين.
137 - ودخل ابن بقي الحمام وفيه الأعمى التطيلي فقال له: أجز (3) :
حمامنا كزمان القيظ محتدم ... وفيه للبرد صر غير ذي ضرر فقال الأعمى:
ضدان ينعم جسم المرء بينهما ... كالغصن ينعم بين الشمس والمطر ولا يخفى حسن ما قال الأعمى.
__________
(1) م: حليت.
(2) م: برطالة.
(3) انظر مطالع البدور 2: 10.

(3/347)


وقد ذكر في " بدائع البدائه " (1) البيتين معا منسوبين إلى ابن بقي، ولنذكر كلامه برمته لما اشتمل عليه من الفوائد، ونصه: ذكر ابن بسام قال: دخل الأديبان أبو جعفر ابن هريرة التطيلي المعروف بالأعمى وأبو بكر ابن بقي الحمام، فتعاطيا العمل فيه، فقال الأعمى:
يا حسن حمامنا وبهجته ... مرأى من السحر كله حسن
ماء ونار حواهما كنف ... كالقلب فيه السرور والحزن ثم أعجبه المعنى فقال:
ليس على لهونا مزيد ... ولا لحمامنا ضريب
ماء وفيه لهيب نار ... كالشمس في ديمة تصوب
وابيض من تحته رخام ... كالثلج حين ابتدا يذوب وقال ابن بقي:
حمامنا فيه فصل القيظ... البيتين
فقال الأعمى وقد نظر فيه إلى فتى صبيح:
هل استمالك جسم ابن الأمير وقد ... سالت عليه من الحمام أنداء
كالغصن باشر حر النار من كثب ... فظل يقطف من أعطافه الماء [وصف حمام مشرقي]
قلت: تذكرت هنا عند ذكر الحمام ما حكاه بدر الدين الحسن بن زفير الإربلي المتطبب إذ قال (2) : رأيت في بغداد في دار الملك شرف الدين هرون ابن
__________
(1) البدائع 1: 242 والذخيرة 1 / 1: 258.
(2) مطالع البدور 2: 8.

(3/348)


الوزير الصحب شمس الدين محمد الجويني حماما متقن الصنعة، حسن البناء، كثير الأضواء، قد احتفت به الأزهار والأشجار، فأدخلني إليه سائسه، وذلك بشفاعة الصاحب بهاء الدين بن الفخر عيسى المنشىء الإربلي، وكان سائس هذا الحمام خادما حبشيا كبير السن والقدر، فطاف بي عليه، وأبصرت مياهه وشبابيكه وأنابيبه المتخذ بعضها من فضة مطلية بالذهب وغير مطلية وبعضها على هيئة طائر إذا خرج منها الماء صوت بأصوات طيبة، ومنها أحواض رخام بديعة الصنعة والمياه تخرج من سائر الأنابيب إلى الأحواض ومن الأحواض إلى بركة حسنة الإتقان، ثم منها إلى البستان، ثم أراني نحو عشر خلوات، كل خلوة صنعتها أحسن من صنعة أختها، ثم انتهى بي إلى خلوة عليها باب مقفل بقفل حديد، ففتحه، ودخل بي إلى دهليز طويل كله مرخم بالرخام الأبيض الساذج، وفي صدر الدهليز خلوة مربعة تسع بالتقريب نحو أربعة أنفس إذا كانوا قعودا وتسع اثنين إذا كانوا نياما، ورأيت من العجائب في هذه الخلوة أن حيطانها الأربعة مصقولة صقالا لا فرق بينه وبين صقال المرآة، يرى الإنسان سائر بشرته في أي حائط شاء منها، ورأيت أرضها مصورة بفصوص حمر وصفر وخضر ومذهبة وكلها متخذة من بلور مصبوغ بعضه أصفر وبعضه أحمر، فأما الأخضر فيقال إنه حجارة تأتي من الروم، وأما المذهب فزجاج ملبس بالذهب، وتلك الصورة في غاية الحسن والجمال، على هيئات مختلفة في اللون وغيره، وهي ما بين فاعل ومفعول به، إذا نظر المرء إليها تحركت شهوته، وقال لي الخادم السائس: هذا صنع على هذه الصفة لمخدومي، حتى إنه إذا نظر إلى ما يفعله هؤلاء بعضهم مع بعض من المجامعة والتقبيل ووضع أيدي بعضهم على أعجاز بعض تتحرك شهوته سريعا، فيبادر إلى مجامعة من يحبه.
قال الحاكي: وهذه الخلوة دون سائر الخلوات التي دخلت إليها هي مخصوصة بهذا الفعل، إذا أراد الملك شرف الدين هرون الاجتماع في الحمام بمن يهواه من الجواري الحسان والصور الجميلة والنساء الفائقات الحسن لم يجتمع به إلا في هذه

(3/349)


الخلوة، من أجل أنه يرى كل محاسن الصور الجميلة مصورة في الحائط ومجسمة بين يديه، ويرى كل منهما صاحبه على هذه الصفة، ورأيت في صدر الخلوة رخام مضلع وعليه أنبوب مركب في صدره، وأنبوب آخر (1) برسم الماء البارد، والأنبوب الأول برسم الماء الفاتر، وعن يمين الحوض ويساره عمدان صغار منحوتة من البلور يوضع عليها مباخر الند والعود، وأبصرت منها خلوة شديدة الضياء مفرحة بديعة قد أنفق عليها أموال كثيرة، وسألت الخادم عن تلك الحيطان المشرقة المضيئة: من أي شيء صنعت فقال لي: ما أعلم.
قال الحاكي: فما رأيت في عمري ولا سمعت بمثل تلك الخلوة، ولا بأحسن من ذلك الحمام، مع أني ما أحسن أن أصفهما كما رأيتهما، فإنه لم تتكرر رؤيتي لهما، ولا اتفق لي الظفر بصناعتهما ومباشرتهما، وفي الذي ذكرت كفاية.
انتهى.
[دار جمال الملك البغدادي]
ولما اتصل أبو القاسم علي بن أفلح البغدادي الكاتب بأمير المؤمنين المسترشد بالله العباسي، ولقبه جمال الملك، وأعطاه أربع ديار في درب الشاكرية اشترى دورا أخرى إلى جانبها، وهدم الكل وأنشأ داره الكبيرة، وأعانه الخليفة في بنائها، وأطلق له أموالا وآلات البناء، وكان في جملة ما أطلق له مائتا ألف آجرة وأجريت الدار بالذهب، وصنع فيها الحمام العجيب الذي فيه بيت مستراح فيه أنبوب إن فركه الإنسان يمينا خرج ماء حار وإن فركه شمالا خرج ماء بارد، وكان على إيوان الدار مكتوبا (2) :
إن عجب الراءون من ظاهري ... فباطني لو علموا أعجب
__________
(1) ب: وعليه مركب في صورة أنبوب آخر برسم الماء؛ م: مركب في صدره أنبوب وآخر...
(2) ب م: مكتوب.

(3/350)


شيدني من كفه مزنة ... يهمل منها العارض الصيب
ودبجت روضة أخلاقه ... في رياضا نورها مذهب
صدر كسا صدري من نوره ... شمسا على الأيام لا تغرب وكتب على الطرز:
ومن المروءة للفتى ... ما عاش دار فاخره
فاقنع من الدنيا بها ... واعمل لدار الآخره
هاتيك وافية بما ... وعدت، وهذي ساخره (1) وكتب على النادي:
وناد كأن جنان الخلود ... أعارته من حسنها رونقا
وأعطته من حادثات الزما ... ن أن لا تلم به موثقا
فأضحى يتيه على كل ما ... بنى مغربا كان أو مشرقا
تظل الوفود به عكفا ... وتمسي الضيوف به طرقا
بقيت له يا جمال الملو ... ك والفضل مهما أردت البقا
وسالمه فيك ريب الزمان ... ووقيت فيه الذي يتقى [أشعار للمشارقة في الحمام]
وعلى ذكر الحمام فما أحكم قول ابن الوردي فيما أظن (2) :
وما أشبه الحمام بالموت لامرىء ... تذكر؛ لكن أين من يتذكر
يجرد عن أهل ومال وملبس ... ويصحبه من كل ذلك مئزر
__________
(1) ب: خاسرة.
(2) مطالع البدور 2: 13.

(3/351)


وقال الشهاب بن فضل الله (1) :
وحمامكم كعبة للوفود ... تحج إليه حفاة عراه
يكرر صوت أنابيبه ... كتاب الطهارة باب المياه وقد تمثل بهذين البيتين البرهان القيراطي في جواب كتاب استدعاه فيه بعض أهل عصره إلى الحمام، وافتتح الجواب بقوله (2) :
قد أجبنا وأنت أيضا فصبح ... ت بصبحي سوالف وسلاف
وبساق يسبي العقول بساق ... وقوام وفق العناق خلافي ووصله بنثر تمثل فيه بالبيتين كما مر.
ولبعضهم (3) :
إن حمامنا الذي نحن فيه ... أي ماء به وأية نار
قد نزلنا به على ابن معين ... وروينا عنه صحيح البخار[ي] وألغز بعضهم في الحمام بقوله (4) :
ومنزل أقوام إذا ما تقابلوا ... تشابه فيه وغده ورئيسه
ينفس كربي إذ ينفس كربه ... ويعظم أنسي إذ يقل أنيسه
إذا ما أعرت الجو طرفا تكاثرت ... على من به أقماره وشموسه رجع إلى ما كنا فيه من كلام أهل الأندلس، فنقول:
__________
(1) مطالع البدور 2: 11، 17.
(2) مطالع البدور 2: 16.
(3) المصدر نفسه: 10.
(4) المصدر نفسه: 9.

(3/352)


138 - وكان محمد بن خلف بن موسى البيري (1) متكلما متحققا برأي الأشعرية، وذاكرا لكتب الأصول في الاعتقاد، مشاركا في الأدب، مقدما في الطب، ومن نظمه يمدح إمام الحرمين رحمه الله تعالى:
حب حبر يكنى أبا للمعالي ... هو ديني ففيه لا تعذلوني
أنا والله مغرم بهواه ... عللوني بذكره عللوني 139 - وكتب (2) أبو الوليد ابن الجنان الشاطبي (3) يستدعي بعض إخوانه إلى مجلس أنس بما صورته: نحن في مجلس أغصانه الندامة، وغمامه الصهباء، فبالله إلا ما كنت لروض مجلسنا نسيما، ولزهر حديثنا شميما، وللجسم روحا، وللطيب ريحا، وبيننا عذراء زجاجتها خدرها، وحبابها ثغرها، بل شقيقة حوتها كمامة، أو شمس حجبتها غمامة، إذا طاف بها معصم الساقي فوردة على غصنها، أو شربها مقهقهة فحمامة على فننها، طافت علينا طوفان القمر على منازل الحلول، فأنت وحياتك إكليلنا وقد آن حلولها في الإكليل. انتهى.
وقال أبو الوليد المذكور:
فوق خد الورد دمع ... من عيون السحب يذرف
برداء الشمس أضحى ... بعدما سال يجفف [حكاية مشرقية عن الورد والياسمين]
وتذكرت هنا بذكر الورد ما حكاه الشيخ أبو البركات هبة الله بن محمد النصيبي المعروف بالوكيل، وكان شيخا ظريفا فيه آداب كثيرة، إذ قال:
__________
(1) م: البشيري.
(2) م: وكتب الوزير.
(3) مرت ترجمته رقم: 68 في الراحلين إلى المشرق (2: 120).

(3/353)


كنت في زمن الربيع والورد في داري بنصيبين، وقد أحضر من بستاني من الورد والياسمين شيء كثير، وعملت على سبيل الولع دائرة من الورد تقابلها دائرة من الياسمين، فاتفق أن دخل علي شاعران كانا بنصيبين أحدهما يعرف بالمهذب والآخر يعرف بالحسن ابن البرقعيدي، فقلت لهما: اعملا في هاتين الدائرتين، ففكرا ساعة ثم قال المهذب:
يا حسنها دائرة ... من ياسمين مشرق
والورد قد قابلها ... في حلة من شفق
كعاشق وحبه ... تغامزا بالحدق
فاحمر ذا من خجل ... واصفر ذا من فرق قال: فقلت للحسن: هات، فقال: سبقني المهذب إلى ما لمحته في هذا المعنى، وهو قولي:
يا حسنها دائرة ... من ياسمين كالحلي
والورد قد قابلها ... في حلة من خجل
كعاشق وحبه ... تغامزا بالمقل
فاحمر ذا من خجل ... واصفر ذا من وجل قال: فعجبت من اتفاقهما في سرعة الاتحاد، والمبادرة إلى حكاية الحال.
انتهى.
وما ألطف قول بعضهم:
أرى الورد عند الصبح قد مد لي فما ... يشير إلى التقبيل في حالة اللمس
وبعد زوال الشمس ألقاه وجنة ... وقد أثرت في وسطها قبلة الشمس

(3/354)


140 - وقال ابن ظافر في " بدائع البدائه " (1) : اجتمع الوزير أبو بكر ابن القبطرنة والأديب أبو العباس ابن صارة الأندلسيان في يوم جلا ذهب برقه، وأذاب ورق ودقه، والأرض قد ضحكت لتعبيس السماء، واهتزت وربت عند نزول الماء، فقال ابن القبطرنة:
هذي البسيطة كاعب أبرادها ... حلل الربيع وحليها النوار فقال ابن صارة:
وكأن هذا الجو فيها عاشق ... قد شفه التعذيب والإضرار ثم قال ابن صارة أيضا:
وإذا شكا فالبرق قلب خافق ... وإذا بكى فدموعه الأمطار فقال ابن القبطرنة:
من أجل ذلة ذا وعزة هذه ... يبكي الغمام وتضحك الأزهار [بديهة ابن ظافر]
وتذكرت هنا ما حكاه ابن ظافر (2) في الكتاب المذكور أنه اجتمع مع القاضي الأعز يوما فقال له ابن ظافر: أجز :
طار نسيم الروض من وكر الزهر ... فقال الأعز:
وجاء مبلول ... الجناح بالمطر انتهى.
__________
(1) بدائع البدائه 1: 186 ومطالع البدور 1: 123.
(2) البدائع 1: 70.

(3/355)


ويعجبني قول ابن قرناص (1) :
أظن نسيم الروض والزهر قد روى ... حديثا ففاحت من شذاه المسالك
وقال دنا فصل الربيع فكله ... ثغور لما قال النسيم ضواحك رجع إلى الأندلسيين:
141 - وما أرق قول ابن الزقاق (2) :
ورياض من الشقائق أضحت ... يتهادى بها نسيم الرياح
زرتها والغمام يجلد منها ... زهرات تفوق لون الراح
قلت: ما ذنبها فقال مجيبا: ... سرقت حمرة الخدود الملاح 142 - وقال أبو إسحاق ابن خفاجة (3) :
تعلقته نشوان (4) من خمر ريقه ... له رشفها دوني ولي دونه السكر
ترقرق ماء مقلتاي ووجهه ... ويذكي على قلبي ووجنته الجمر
أرق نسيبي فيه رقة حسنه ... فلم أدر أي قبلها منهما السحر
وطبنا معا شعرا وثغرا كأنما ... له منطقي ثغر ولي ثغره شعر 143 - وقال أبو الصلت أمية بن عبد العزيز (5) :
وقائلة: ما بال مثلك خاملا ... أ أنت ضعيف الرأي أم أنت عاجز
فقلت لها: ذنبي إلى القوم أنني ... لما لم يحوزه من المجد حائز
__________
(1) مطالع البدور 1: 125.
(2) ديوان ابن الزقاق: 125 والمغرب 2: 324 والشريشي 1: 120 وقد مرت ص: 200.
(3) ديوان ابن خفاجة: 353.
(4) الديوان: ريان.
(5) الخريدة 4 / 1: 277.

(3/356)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية