صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب - المقري التلمساني ]
الكتاب : نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
المؤلف : أحمد بن محمد المقري التلمساني
الناشر : دار صادر - بيروت ، 1968
تحقيق : د.إحسان عباس
عدد الأجزاء : 7

الهزيمة على المسلمين جبرهم الله تعالى قتل فيها من المطوعة نحو من عشرين ألفا ولم يقتل فيها من العسكر أحد وكان على المسلمين الأمير إبراهيم بن يوسف ابن تاشفين الذي ألف الفتح باسمه قلائد العقيان وكانت سنة أربع عشرة وخمسمائة وممن حضرها الشيخ أبو علي الصدفي السابق الذكر وقرينه في الفضل أبو عبدالله ابن الفراء خرجا غازيين فكانا ممن فقد فيها
وقال غير واحد إن العسكر انصرف مفلولا إلى بلنسية وإن القاضي أبا بكر ابن العربي كان ممن حضرها وسئل مخلصه منه عن حاله فقال حال من ترك الخباء والعباء وهذا مثل عند المغاربة معروف يقال لمن ذهبت ثيابه وخيامه بمعنى انه ذهب جميع ما لديه
لوشة 622
ودخل العدو لوشة سنة اثنتين وعشرين وستمائة مع السيد أبي محمد البياسي في الفتنة التي كانت بينه وبين العادل فعاثوا فيها أشد العيث ثم ردها المسلمون إلى أن أخذت بعد ذلك كما يأتي
المرية - 542
ودخل العدو مدينة المرية يوم الجمعة السابع عشر من جمادي الأولى سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة عنوة وحكي أبو زكريا الجعيدي عن أبي عبدالله ابن سعادة الشاطبي المعمر أن أبا مروان ابن ورد اتاه في النوم شيخ عظيم الهيئة فرمى يديه في عضديه من خلفه وهزه هزا عنيفا حتى أرعبه وقال له قل

(4/461)


( ألا أيها المغرور ويحك لا تنم ... فالله في ذا الخلق أمر قد انبهم )
( فلا بد أن يرزوا بأمر يسوءهم ... فقد أحدثوا جرما على حاكم الأمم )
قال وكان هذا في سنة أربعين وخمسمائة فلم يمض إلا يسير حتى تغلب الروم على المرية في سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة بعد تلك الرؤيا بعامين أو نحوهما وهو مما حكاه ابن الأبار الحافظ في كتاب التكملة له
ترجمة الرشاطي
وفي وقعة المرية هذه استشهد الرشاطي الإمام المشهور وهو أبو محمد عبدالله بن علي بن عبدالله بن علي بن خلف بن أحمد بن عمر اللخمي الرشاطي المريي وكانت له عناية كبيرة بالحديث والرجال والرواة والتواريخ وهو صاحب كتاب اقتباس الأنوار والتماس الأزهار في أنساب الصحابة ورواة الآثار أخذه الناس عنه وأحسن فيه وجمع وما قصر وهو على أسلوب كتاب أبي سعد ابن السمعاني الحافظ المسمى بالأنساب وولد الرشاطي سنة 466 بقرية من أعمال مرسية يقال لها أوريواله بفتح الهمزة وسكون الواو وكسر الراء وضم المثناة التحتية وبعد الألف لام مفتوحة وبعدها هاء وتوفي شهيدا بالمرية عند تغلب العدو عليها صبيحة الجمعة العشرين من جمادى الأولى سنة 542 والرشاطي بضم الراء وفتح الشين المخففة وذكر هو أن أحد أجداده كان في جسمه شامة كبيرة وكانت حاضنته عجمية فإذا لاعبته قالت رشاطة وكثر ذلك منها فقيل له الرشاطي انتهى ملخصا من وفيات الأعيان وبعضه بالمعنى

(4/462)


استرداد المرية وضياعها نهائيا
وبعد أخذ النصارى المرية هذه المرة رجعت إلى ملك المسلمين واستنفذها الله تعالى على يد الموحدين وبقيت بأيدي أهل الإسلام سنين وكان أول الولاة عليها حين استولى عليها أمير المسلمين عبدالمؤمن بن علي رجلا يقال له يوسف ابن مخلوف فثار عليه أهل المرية وقتلوه وقدموا على أنفسهم الرميمي فأخذها النصارى منه عنوة كما ذكرنا وأحصي عدد من سبي من أبكارها فكان أربعة عشر ألفا
وقال ابن حبيش آخر الحفاظ بالأندلس كنت في قلعة المرية لما وقع الاستيلاء عليها أعادها الله تعالى للإسلام فتقدمت إلى زعيم الروم السليطين وهو ابن بنت الأذفونش وقلت له إني أحفظ نسبك منك إلى هرقل فقال لي قل فذكرته له فقال لي اخرج أنت وأهلك ومن معك طلقاء بلا شيء
وابن حبيش شيخ ابن دحية وابن حوط الله وأبي الربيع الكلاعي رحمهم الله تعالى
ولما أخذت المرية أقبل إليها السيدان أبو حفض وأبو سعيد ابنا أمير المؤمنين فحصرا النصارى بها وزحف إليهما أبو عبدالله ابن مردنيش ملك شرف الأندلس محاربا لهما فكانا يقاتلان النصارى والمسلمين داخلا وخارجا ثم رأى ابن مردنيش العار على نفسه في قتالهم مع كونهم يقاتلون النصارى فارتحل فقال النصارى مارحل ابن مردنيش إلا وقد جاءهم مدد فاصطلحوا ودخل الموحدون المدينة وقد خربت وضعفت إلى أن أحيا رمقها الرئيس أبو العباس أحمد بن كمال وذلك أن أخته أخذت سبية في دخلة عبدالمؤمن

(4/463)


لبجانة فاحتلت بقصره واعتنت بأخيها فولاه بلده فصلح به حالها وكان جوادا حسن المحاولة كثير الرفق واشتهر من ولاتها في مدة بني عبد المؤمن في المائة السابعة الأمير أبو عمران ابن أبي حفص عم ملك إفريقية أبي زكريا
ولما كانت سنة خمس وعشرين وستمائة وثارت الأندلس على مأمون بني عبد المؤمن بسبب قيام ابن هود بمرسية قام في المرية بدعوة ابن هود أبو عبد الله محمد بن عبدالله بن أبي يحيى ابن الرميمي وجده أبو يحيى هو الذي أخذها النصارى من يده ولما قام بدعوة ابن هود وفد عليه بمرسية وولاه وزارته وصرف إليه سياسته وآل أمره معه إلى أن أغراه بأن يحصن قلعة المرية ويجعلها له عدة وهو يبغي ذلك عدة لنفسه وترك ابن هود فيها جارية تعلق ابن الرميمي بها واجتمع معها فبلغ ذلك ابن هود فبادر الى المرية وهو مضمر الإيقاع بابن الرميمي فتغدى به قبل أن يتعشى به وأخرج من قصره ميتا ووجهه في تابوت إلى مرسية في البحر واستبد ابن الرميمي بملك المرية ثم ثار عليه ولده وآل الأمر بعد أحوال إلى أن تملكها ابن الأحمر صاحب غرناطة وبقيت في يد أولاده بعده إلى أن أخذها العدو الكافر عندما طوي بساط بلاد الأندلس كما سننبه عليه والله غالب على أمره
شعر في العقاب
وما أحسن قول أبي إسحاق ابراهيم بن الدباغ الإشبيلي في هزيمة العقاب بإشبيلية
( وقائلة أراك تطيل فكرا ... كأنك قد وقفت لدى الحساب )
( فقلت لها أفكر في عقاب ... غذا سببا لمعركة العقاب )
( فما في أرض أندلس مقام ... وقد دخل البلا من كل باب )

(4/464)


ابن وزير
وقول القائد أبي بكر ابن الأمير ملك شلب أبي محمد عبدالله بن وزير يخاطب منصور بني عبدالمؤمن وقد التقى هو وأصحابه مع جماعة من الفرنج فتناصفوا ثم كان الظفر للمسلمين
( ولما تلاقينا جرى الطعن بيننا ... فمنا ومنهم طائحون عديد )
( وجال غرار الهند فينا وفيهم ... فمنا ومنهم قائم وحصيد )
( فلا صدر إلا فيه صدر مثقف ... وحول الوريد للحسام ورود )
( صبرنا ولا كهف سوى البيض والقنا ... كلانا على حر الجلاد جليد )
( ولكن شددنا شدة فتبلدوا ... ومن يتبلد لا يزال يحيد )
( فولوا وللسمر الطوال بهامهم ... ركوع وللبيض والرقاق سجود )
وكان المذكور من فرسان الأندلس وكان ابنه الفاضل أبو محمد غير مقصر عنه فروسية وقدرا وأدبا وشعرا وولاه ناصر بني عبدالمؤمن مدينة قصر أبي دانس في الجهة الغربية وقتله ابن هود بإشبيلية وزعم انه يروم القيام عليه ومن شعره قوله في ابن عمرو صاحب أعمال إشبيلية
( لا تيأسن من الخلافة بعدما ... ولى ابن عمرو خطة الأشراف )
( تبا لدهر هذه أفعاله ... يضع النوافج في يدي كناف )
ضياع ماردة
رجع - ودخل العدو كورة ماردة من محمد بن هود سنة ست وعشرين

(4/465)


وستمائة وكانت مفتتح المصائب على يده اعادها الله تعالى للإسلام وهي قاعدة بلاد الجوف في مدة العرب والعجم والحضرة المستجدة بعدها هي مدينة بطليوس وبين ماردة وقرطبة خمسة أيام
المظفر ابن الأفطس وابنه المتوكل
وملك بطليوس وماردة وما إليها المظفر محمد بن المنصور بن الأفطس مشهور وهو من رجال القلائد والذخيرة وهو أديب ملوك عصره بلا مدافع ولا منازع وله التصنيف الرائق والتأليف الفائق المترجم ب التذكر المظفري خمسون مجلدا اشتمل على فنون وعلوم من مغاز وسير ومثل وخبر وجميع علوم الأدب وقال يوما والله ما يمنعني من إظهار الشعر إلا كوني لا أقول مثل قول أبي العشائر ابن حمدان
( أقرأت منه ما تخط يد الوغى ... والبيض تشكل والأسنة تنقط )
وقول ابي فراس ابن عمه
( وجررنا العوالي في مقام ... تحدث عنه ربات الحجال )
( كأن الخيل تعلم من عليها ... ففي بعض على بعض تعالي )
فأين هذا من قولي
( أنفت من المدام لأن عقلي ... أعز علي من أنس المدام )
( ولم أرتح إلى روض وزهر ... ولكن للحمائل والحسام )

(4/466)


( إذا لم املك الشهوات قهرا ... فلم أبغي الشفوف على الأنام )
وله رحمه الله تعالى
( يا لحظه زد فتورا ... تزد علي اقتدارا )
( فاللحظ كالسيف امضاه ... ما يرق غرارا )
وابنه المتوكل من رجال القلائد والمسهب وكان في حضرة بطليوس كالمعتمد بن عباد بإشبيلية قد اناخت الآمال بحضرتهما وشدت رحال الآداب إلى ساحتهما يتردد أهل الفضائل بينهما كتردد النواسم بين جنتين وينظر الأدب منهما عن مقلتين والمعتمد أشعر والمتوكل أكتب
شعر لأبي عبدالله الفازازي
رجع - وقال الفاضل الكاتب أبو عبدالله محمد الفازازي وقيل إنها وجدت برقعة في جيبه يوم موته
( الروم تضرب في البلاد وتغنم ... والجور يأخذ ما بقي والمغرم )
( والمال يورد كله قشتالة ... والجند تسقط والرعية تسلم )
( وذوو التعين ليس فيهم مسلم ... إلا معين في الفساد مسلم )
( أسفي على تلك البلاد وأهلها ... الله يلطف بالجميع ويرحم )
وقيل إن هذه الأبيات رفعت إلى سلطان بلده فلما وقف عليها قال بعدما بكى صدق رحمه الله تعالى ولو كان حيا ضربت عنقه

(4/467)


ترجمة أبي زيد الفازازي
وهذا الفازازي اخو الشاعر الشهير الكاتب الكبير أبي زيد عبدالرحمن الفازازي صاحب الأمداح في سيد الوجود وهو كما قال فيه بعضهم صاحب القلم الأعلى والقدح المعلى أبرع من ألف وصنف وأبدع من قرط وشنف فقد طاع القلم لبنانه والنظم والنثر لبيانه كان نسيج وحده رواية وأخبارا ووحيد نسجه روية وابتكارا وفريد وقته خبرا وإخبارا وصدر عصره إيرادا وإصدارا صاحب فهوم ورافع ألوية علوم اما الأدب فلا يسبق فيه مضماره ولا يشق غباره إن شاء إنشاء أنشى ووشى سائل الطبع عذب النبع له في مدح النبي قد خضع لها البيان وسلم أعجز بتلك المعجزات نظما ونثرا وأوجز في تحبير تلك الآيات البينات فجلا سحرا ورفع للقوافي راية استظهار تخير فيها الأظهر فعجم وعشر وشفع وأوتر وأما الأصول فهي من فروعه في متفرق منظومه ومنثور مجموعه وأما النسب فإلى حفظه انتسب واما الأيام والدول ففي تاريخه الأواخر والأول وقد سبك من هذه العلوم في منثوره وموزونه ما يشهد بإضافتها إلى فنونه وله سماع في الحديث ورواية وفهم بقوانينه ودراية سمع من أبي الوليد اليزيد بن عبدالرحمن بن بقي القاضي ومن أبي الحسن جابر بن احمد القرشي التاريخي وهو آخر من حدث عنه ومن أبي عبدالله التجيبي كثيرا وهو اول من سمع عنه في حياة الحافظ أبي الطاهر السلفي إذ قدم عليهم تلمسان وأجازه الحافظ السهيلي وابن خلف

(4/468)


الحافظ وغيرهما وولد بعد الخمسين والخمسمائة وتوفي بمراكش سنة 637 رحمه الله تعالى انتهى ملخصا
سقوط ميورقة عن ابن عميرة
رجع ولما ثارت الأندلس على طائفة عبدالمؤمن كان الوالي بجزيرة ميورقة ابو يحيى ابن أبي عمران التينمللي فأخذها الفرنج منه كذا قال ابن سعيد وقال ابن الأبار إنها أخذت يوم الاثنين الرابع عشر من صفر سنة سبع وعشرين وستمائة
وقال المخزومي في تاريخ ميورقة إن سبب أخذها من المسلمين ان أميرها في ذلك الوقت محمد بن علي بن موسى كان في الدولة الماضية أحد أعيانها ووليها سنة ست وستمائة واحتاج إلى الخشب المجلوب من يابسة فأنفذ طريدة بحرية وقطعة حربية فعلم بها والى طرطوشة فجهز إليها من أخذها فعظم ذلك على الوالي وحدث نفسه بالغزو لبلاد الروم وكان ذلك رأيا مشؤوما ووقع بينه وبين الروم وفي آخر ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين وستمائة بلغه ان مسطحا من برشلونة ظهر على يابسة ومركبا آخر من طرطوشة انضم إليه فبعث ولده في عدة قطع إليه حتى نزل مرسى يابسة ووجد فيه لأهل جنوة مركبا كبيرا فأخذه وسار حتى أشرف على المسطح فقاتله واخذه وظن أنه غالب الملوك وغاب عنه انه أشأم من عاقر الناقة وان الروم لما بلغهم الخبر

(4/469)


قالوا لملكهم وهو من ذرية أذفونش كيف يرضى الملك بهذا الأمر ونحن نقاتل بنفوسنا واموالنا فأخذ عليهم العهد بذلك وجمع عشرين ألفا من اهل البلاد وجهز في البحر ستة عشر ألفا وشرط عليهم حمل السلاح وفي سنة ست وعشرين وستمائة اشتهر امر هذه الغزوة فاستعد لها الوالي وميز نيفا على ألف فارس من فرسان الحضر والرعية مثلهم ومن الرجالة ثمانية عشر ألفا وذلك في شهر ربيع الأول من السنة ومن سوء الاتفاق ان الوالي أمر صاحب شرطته أن يأتيه بأربعة من كبراء المصر فساقهم وضرب أعناقهم وكان فيهم ابن خاله وخالهما أبو حفص ابن سيري ذو المكانة الوجيهة فاجتمعت الرعية إلى ابن سيرى فأخبروه بما نزل وعزوه فيمن قتل وقالوا هذا أمر لا يطاق ونحن كل يوم إلى الموت نساق وعاهدوه على طلب الثأر وأصبح الوالي يوم الجمعة منتصف شوال والناس من خوفه في أهوال ومن أمر العدو في إهمال فأمر صاحب شرطته بإحضار خمسين من أهل الوجاهة والنعمة فأحضرهم وإذا بفارس على هيئة النذير دخل إلى الوالي وأخبره بأن الروم قد أقبلت وأنه عد فوق الأربعين من القلوع وما فرغ من إعلامه حتى ورد آخر من جانب آخر وقال إن اسطول العدو قد تظاهر وقال إنه عد سبعين شراعا فصح الأمر عنده فسمح لهم بالصفح والعفو وعرفهم بخبر العدو وأمرهم بالتجهز فخرجوا إلى دورهم كأنما نشروا من قبورهم ثم ورد الخبر بأن العدو قرب من البلد فإنهم عدوا مائة وخمسين قلعا ولما عبر وقصد المرسى أخرج الوالي جماعة تمنعهم النزول فباتوا على المرسى في الرجل والخيل وفي الثامن عشر من شوال وهو يوم الاثنين وقع المصاف وانهزم المسلمون وارتحل النصارى إلى المدينة ونزلوا منها على الحريبة الحزينة من جهة باب الكحل ولم يزل الأمر في شدة وقد أشرفوا على أخذ البلد ولما رأى ابن سيري ان العدو قد استولى على البلد خرج

(4/470)


إلى البادية ولما كان يوم الجمعة الحادي عشر من صفر قاتلوا البلد قتالا شديدا ولما كان يوم الأحد أخذ البلد واخذ منه أربعة وعشرون ألفا قتلوا على دم واحد وأخذ الوالي وعذب وعاش بعد ذلك خمسة وأربعين يوما ومات تحت العذاب واما ابن سيري فإنه صعد إلى الجبل وهو منيع لا ينال من تحصن فيه وجمع عنده ستة عشر ألف مقاتل ومازال يقاتل إلى أن قتل يوم الجمعة عاشر ربيع الآخر سنة ثمان وعشرين وستمائة وجده من آل جبلة بن الأيهم الغساني واما الحصون فأخذت في آخر رجب سنة ثمان وعشرين وستمائة وفي شهر شعبان لحق من نجا من المسلمين إلى بلاد الإسلام انتهى ما ذكره ابن عميرة المخزومي ملخصا
وكان بميورقة جماعة أعلام وشعراء ومن شعر ابن عبد الولي الميورقي
( هل أمان من لحظك الفتان ... وقوام يميل كالخيزران )
( مهجتي منك في جحيم ولكن ... جفوني قد متعت في جنان )
( فتنتني لواحظ ساحرات ... لست أخشى من فتنة الشيطان )
سعيد بن حكم في منورقة
ولما استولى النصارى على ميورقة في التاريخ المتقدم ثار بجزيرة منورقة وهي قريبة منها الجواد العادل العالم أبو عثمان سعيد بن حكم القرشي وكان وليها من قبل الوالي أبي يحيى المقتول وتصالح مع النصارى على ضريبة معلومة واشترط أن لا يدخل جزيرته أحد من النصارى وضبطها أحسن ضبط قال أبو الحسن على بن سعيد أخبرني أحد من اجتمع به أنه لقي منه برا حبب اليه الإقامة في تلك الجزيرة المنقطعة وذكر أنه ركب معه فنظر إلى حمالة سيف

(4/471)


ضيقة وقد أثرت في عنقه فأمر له بإحسان وغنباز وكتب معه
( حمالة السيف توهي جيد حاملها ... لا سيما يوم إسراع وإنجاز )
( وخير ما استعمل الإنسان يومئذ ... لحسم علتها إلباس غنباز )
والغنباز عند أهل المغرب صنف من الملبوس غليظ يستر العنق
وأصل أبي عثمان من مدينة طبيرة من غرب الأندلس وقد ألفت باسمه التآليف المشهورة بالمغرب ككتاب روح الشحر وروح الشعر وغيره وأخذ العدو منورقة بعد مدة
سقوط عدة مدن
واخذ العدو جزيرة شقر صلحا سنة تسع وثلاثين وستمائة في آخرها
وأخذ العدو دمره الله تعالى مدينة سرقسطة يوم الأربعاء لأربع خلون من رمضان سنة اثنتي عشرة وخمسمائة
وكان إستيلاء الإفرنج على شرق الأندلس شاطبة وغيرها واجلاؤهم من يشاركهم من المسلمين فيما تغلبوا عليه منها في شهر رمضان سنة خمس وأربعين وستمائة
وكان استيلاء العدو دمره الله تعالى على مدينة قرطبة يوم الأحد الثالث والعشرين لشوال من سنة ست وثلاثين وستمائة
وكان تملك العدو مرسية صلحا ظهر يوم الخميس العاشر من شوال قدم أحمد بن محمد بن هود ولد والي مرسية بجماعة من وجوه النصارى فملكهم إياها صلحا ولا حول ولا قوة إلا بالله
وحصر العدو إشبيلية سنة خمس وأربعين وستمائة وفي يوم الاثنين الخامس من شعبان للسنة بعدها ملكها الطاغية صاحب قشتالة صلحا بعد منازلتها حولا كاملا وخمسة أشهر أو نحوها وقال ابن الأبار في ترجمة أبي علي الشلوبين من التكملة

(4/472)


ماصورته وتوفي بين يدي منازلة الروم إشبيلية ليلة الخميس منتصف صفر سنة خمس وأربعين وستمائة وفي العام القابل ملكها الروم
موقعة أنيشة - 634 وترجمة أبي الربيع ابن سالم
وكانت وقعة أنيجة التى قتل بها الحافظ أبو الربيع الكلاعي رحمه الله تعالى يوم الخميس لعشر بقين من ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وستمائة ولم يزل رحمه الله تعالى متقدما أمام الصفوف زحفا إلى الكفار مقبلا على العدو ينادي بالمنهزمين أعن الجنة تفرون حتى قتل صابرا محتسبا برد الله تعالى مضجعه وكان دائما يقول إن منتهى عمره سبعون سنة لرؤيا رآها في صغره فكان كذلك ورثاه تلميذه الحافظ أبو عبدالله ابن الأبار بقصيدته الميمية الشهيرة التى اولها
( ألما بأشلاء العلا والمكارم ... تقد بأطراف القنا والصوارم )
( وعوجا عليها مأربا وحفاوة ... مصارع خصت بالطلى والجماجم ) نحيي وجوها في الجنان وجيهة ... بما لقيت حمرا وجوه الملاحم )
( وأجساد إيمان كساها نجيعها ... مجاسد من نسج الظبى واللهاذم )
وهي طويلة
ومن شعر الحافظ أبي الربيع المذكور

(4/473)


( تولت ليال للغواية جون ... ووافى صباح للرشاد مبين )
( ركاب شباب أزمعت عنك رحلة ... وجيش مشيب جهزته منون )
( ولا أكذب الرحمن فيما أجنه ... وكيف ولا يخفى عليه جنين )
( ومن لم يخل أن الرياء يشينه ... فمن مذهبي أن الرياء يشين )
( لقد ريع قلبي للشباب وفقده ... كما ريع بالعلق الفقيد ضنين )
( وآلمني وخط المشيب بلمتي ... فخطت بقلبي للشجون فنون )
( وليل شبابي كان أنضر منظرا ... وآنق مهما لا حظته عيون )
( فآها على عيش تكدر صفوه ... وأنس خلا منه صفا وحجون )
( ويا ويح فودي او فؤادي كلما ... تزيد شيبي كيف بعد يكون )
( حرام على قلبي سكون بغرة ... وكيف مع الشيب الممض سكون )
( وقالوا شباب المرء شعبة جنة ... فما لي عراني للمشيب جنون )
( وقالوا شجاك الشيب حدثان ما اتي ... ولم يعلموا أن الحديث شجون )
وقوله
( أمولي الموالي ليس غيرك لي مولى ... وما أحد يارب منك بذا أولى )
( تبارك وجه وجهت نحوه المنى ... فأوزعها شكرا وأوسعها طولا )
( وما هو إلا وجهك الدائم الذي ... أقل حلى عليائه يخرس القولا )
( تبرأت من حولي إليك وقوتي ... فكن قوتي في مطلبي وكن الحولا )
( وهب لي الرضى ما لي سوى ذاك مبتغى ... ولو لقيت نفسي على نيله الهولا )
وكان رحمه الله تعالى حافظا للحديث مبرزا في نقده تام المعرفة

(4/474)


بطرقه ضابطا لأحكام أسانيده ذاكرا لرجاله ريان من الأدب خطب ببلنسية واستقضى وكان مع ذلك من أولي الحزم والبسالة والإقدام والجزالة حضر الغزوات وباشر القتال بنفسه وأبلى بلاء حسنا وروى عن أبي القاسم ابن حبيش وطبقته وصنف كتبا منها مصباح الظلم في الحديث والأربعون عن أربعين شيخا لأربعين من الصحابة والأربعون السباعية والسباعيات من حديث الصدفي وحلية الأمالي في الموافقات والعوالي وتحفة الوراد ونجعة الرواد والمسلسلات والإنشادات وكتاب الاكتفاء في مغازي رسول الله الثلاثة الخلفاء وميدان السابقين وحلبة الصادقين المصدقين في غرض كتاب الاستيعاب ولم يكمله والمعجم فيمن وافقت كنيته كنية زوجه من الصحابة والإعلام بأخبار البخاري الإمام والمعجم في مشيخة أبي القاسم ابن حبيش وبرنامج رواياته وجني الرطب في سني الخطب ونكتة الأمثال ونفثة السحر الحلال وجهد النصيح في معارضة المعري في خطبة الفصيح والامتثال لمثال المبهج في ابتداع الحكم واختراع الأمثال ومفاوضة القلب العليل ومنابذة الأمل الطويل بطريقة المعري في ملقي السبيل ومجاز فتيا اللحن للاحن الممتحن مائة مسألة ملغزة ونتيجة الحب الصميم وزكاة المنثور والمنظوم في مثال النعل النبوية على لابسها أفضل قال ابن رشيد لو قال وزكاة النثير والنظيم لكان أحسن وله كتاب الصحف المنشرة في القطع المعشرة وديوان رسائله سفر وديوان شعره سفر وكتب إلى الأديب الشهير أبي بحر صفوان بن إدريس المرسي عقب انفصاله من

(4/475)


بلنسية سنة 587
( أحن الى نجد ومن حل في نجد ... وماذا الذي يغني حنيني أو يجدي )
( وقد أوطنوها وادعين وخلفوا ... محبهم رهن الصبابة والوجد )
( تبين بالبين اشتياقي إليهم ... ووجدي فساوى ما أجن الذي أبدي )
( وضاقت علي الأرض حتى كأنها ... وشاح بخصر أو سوار على زند )
( إلى الله أشكو ما ألاقي من الجوى ... وبعض الذي لاقيته من جوى يردي )
( فراق أخلاء وصد أحبة ... كأن صروف الدهر كانت على وعد )
( فيا سرحتي نجد نداء متيم ... له أبدا شوق إلى سرحتي نجد )
( ظمئت فهل طل يبرد لوعتي ... ضحيت فهل ظل يسكن من وجدي )
( ويا زمنا قد بان غير مذمم ... لعل الأنس قد تصرم من رد )
( ليالي نجني الأنس من شجر المنى ... ونقطف زهر الوصل من شجر الصد )
( وسقيا لاخوان بأكناف حاجر ... كرام السجايا لا يحولون عنه عهد )
( وكم لي بنجد من سري ممجد ... ولا كابن إدريس أخي البشر والمجد )
( اخو همة كالزهر في بعد نيلها ... وذو خلق كالزهر غب الحيا العد )
( تجمعت الأضداد فيه حميدة ... فمن خلق سبط ومن حسب جعد )
( أيا راحلا أودى بصبري رحيله ... وفلل من عزمي وثلم من حدي )
( أتعلم ما يلقى الفؤاد لبعدكم ... ألا مذ نأيتم ما يعيد ولا يبدي )
( فيا ليت شعري هل تعود لنا المنى ... وعيش كما نمنمت حاشيتي برد )
( عسى الله أن يدني السرور بقربكم ... فيبدو ومنا الشمل منتظم العقد )
ابن العربي ومعركة 527
وقال الحافظ القاضي أبو بكر ابن العربي في أحكام القرآن عند تفسير

(4/476)


قوله تعالى ( انفروا خفافا وثقالا ) التوبة 41 ما صورته ولقد نزل بنا العدو قصمه الله تعالى سنة سبع وعشرين وخمسمائة فجاس ديارنا وأسر جيرتنا وتوسط بلادنا في عدد حدد الناس عدده فكان كثيرا وإن لم يبلغ ما حددوه فقلت للوالي والمولى عليه هذا عدو الله قد حصل في الشرك والشبكة فلتكن عندكم بركة ولتكن منكم إلى نصرة الدين المتعينة عليكم حركة فليخرج إليه جميع الناس حتى لا يبقى منهم أحد في جميع الأقطار فيحاط به فإنه هالك لا محالة إن يسركم الله له فغلبت الذنوب ورجفت بالمعاصي القلوب وصار كل أحد من الناس ثعلبا يأوي إلى وجاره وإن رأى المكيدة بجاره فإنا لله وإنا إليه راجعون وحسبنا الله ونعم الوكيل انتهى
ولا خفاء أن هذا كان قبل أخذ العدو شرق الأندلس وسرقسطة وميورقة وغيرها مما قدمنا ذكره والبدايات عنوان على النهايات
قصيدة الوقشي في مدح أبي يعقوب
وقال أبو جعفر الوقشي البلنسي نزيل مالقة يمدح أمير المؤمنين يوسف ابن أمير المؤمنين عبدالمؤمن بن علي
( أبت غير ماء بالنخيل ورودا ... وهامت به عذب الجمام برودا )
( وقالت لحاديها أثم زيادة ... على العشر في وردي له فأزيدا )
( غلبتك ما هذا القنوع وما انا ... عهدتك لا تثنين عنه وريدا )
( أنونا إذا ما كنت منه قريبة ... وضبا إذا ماكان عنك بعيدا )
( ردي حضرة الملك الظليل رواقه ... لعمري ففيها تحمدين ورودا )
( بحيث إمام الدين يوسع فضله ... جميع البرايا مبدئا ومعيدا )

(4/477)


( أعاد إليها الأنس بعد شروده ... وأحيا لنا ماكان منه أبيدا )
( ولين أيام الزمان بعدله ... وكانت حديدا في الخطوب حديدا )
( فلا ليلة إلا يروقك حسنها ... ولا يوم إلا عاد يفضل عيدا )
ومنها يصف حال الأندلس ويبعث على الجهاد
( ألا ليت شعري هل يمد لي المدى ... فأبصر شمل المشركين طريدا )
( وهل بعد يقضى في النصارى بنصرة ... تغادرهم للمرهفات حصيدا )
( ويغزو أبو يعقوب في شنت ياقب ... يعيد عميد الكافرين عميدا )
( ويلقي على إفرنجهم عبء كلكل ... فيتركهم فوق الصعيد هجودا )
( يغادرهم جرحى وقتلى مبرحا ... ركوعا على وجه الفلا وسجودا )
( ويفتك من أيدي الطغاة نواعما ... تبدلن من نظم الحجول قيودا )
( وأقبلن في خشن المسوح وطالما ... سحبن من الوشي الرقيق برودا )
( وغبر منهن التراب ترائبا ... وخدد منهن الهجير خدودا )
( فحق لدمعي أن يفيض لأزرق ... تملكها دعج المدامع سودا )
( ويا لهف نفسي من معاصم طفلة ... تجاوز بالقد الأليم نهودا )
( ويا أسفا ما إن يزال مرددا ... على شمل أعياد أعيد بديدا )
( وآها تمد الصوت منتحبا على ... خلو ديار لو يكون مفيدا )
وقال في آخرها وهو مما استحسنه الناس
( حملت إليه من نظامي قلادة ... يلقبها أهل الكلام قصيدا )
( غدت يوم إنشاد القريض وحيدة ... كما قصدت في المعلوات وحيدا )
ولما تمهدت الأندلس لعبدالمؤمن وبنيه كان لهم فيها وقائع مع عدو الدين واجتاز إليها عبدالؤمن ثم لما ولي بعده ملكه ابنه يوسف دخل الأندلس سنة 566 وفي صحبته مائة ألف فارس من العرب والموحدين فنزل بإشبيلية

(4/478)


فخافه الأمير أبو عبدالله محمد بن سعد بن مردنيش صاحب شرق الأندلس مرسية وأعمالها وما انضاف إليها فحمل على قلبه فمرض فمات وشرع السلطان يوسف في استرجاع بلاد المسلمين من أيدي الفرنج فاتسعت مملكته بالأندلس وأغارت سراياه على طليطلة إذ هي قاعدة ملكهم ثم إنه حاصرها فاجتمعت طائفة الفرنج عليه واشتد الغلاء في عسكره فرحل عنها وعاد إلى حضرة ملكه مراكش المحروسة
قصيدة في استنهاض الحفصي بعد سقوط بلنسية
ولم يزل أهل الأندلس بعد ظهور النصارى دمرهم الله تعالى على كثير منها يستنهضون عزائم الملوك والسوقة لأخذ الثار بالنظم والنثار فلم ينفعهم ذلك حتى اتسع الخرق وأعضل الداء أهل الغرب والشرق فمن القصائد الموجهة في ذلك قول بعضهم لما أخذت بلنسية يخاطب صاحب إفريقية أبا زكريا ابن عبدالواحد بن أبي حفص
( نادتك أندلس فلب نداءها ... واجعل طواغيت الصليب فداءها )
( صرخت بدعوتك العلية فاحبها ... من عاطفاتك ما يقي حوباءها )
( واشدد بجلبك جرد خيلك أزرها ... تردد على أعقابها أرزاءها )
( هي دارك القصوى أوت لإيالة ... ضمنت لها مع نصرها إيواءها )
( وبها عبيدك لا بقاء لهم سوى ... سبل الضراعة يسلكون سواءها )
( خلعت قلوبهم هناك عزاءها ... لما رأت أبصارهم ما ساءها )
( دفعوا الأبكار الخطوب وعونها ... فهم الغداة يصابرون عناءها )
( وتنكرت لهم الليالي فاقتضت ... سراءها وقضتهم ضراءها )
( تلك الجزيرة لا بقاء لها إذا ... لم يضمن الفتح القريب بقاءها )
( رش أيها المولى الرحيم جناحها ... واعقد بأرشية النجاة رشاءها )

(4/479)


( أشفى على طرف الحياة ذماؤها ... فاستبق للدين الحنيف ذماءها )
( حاشاك أن تفنى حشاشتها وقد ... قصرت عليك نداءها ورجاءها )
( طافت بطائفة الهدى آمالها ... ترجو بيحيى المرتضى إحياءها )
( واستشرفت أمصارها لإمارة ... عقدت لنصر المستضام لواءها )
( ياحسرتي لعقائل معقولة ... سئم الهدى نحو الضلال هداءها )
( إيه بلنسية وفي ذكراك ما ... يمري الشؤون دماءها لا ماءها )
( كيف السبيل الى احتلال معاهد ... شب الأعاجم دونها هيجاءها )
( وإلى ربى وأباطح لم تعر من ... حلل الربيع مصيفها وشتاءها )
( طاب المعرس والمقيل خلالها ... وتطلعت غرر المنى أثناءها )
( بأبي مدارس كالطول دوارس ... نسخت نواقيس الصليب نداءها )
( ومصانع كسف الضلال صباحها ... فيخاله الرائي إليه مساءها )
( راحت بها الورقاء تسمع شدوها ... وغدت ترجع نوحها وبكاءها )
( عجبا لأهل النار حلوا جنة ... منها تمد عليهم أفياءها )
( أملت لهم فتعجلوا ما املوا ... أيامهم لا سوغوا إملاءها )
( بعدا لنفس أبصرت إسلامها ... فتوكفت عن حزبها إسلاءها )
( أما العلوج فقد أحالوا حالها ... فمن المطيق علاجها وشفاءها )
( أهدى إليها بالمكاره جارح ... للكفر كره ماءها وهواءها )
( وكفى أسى أن الفواجع جمة ... فمتى يقاوم أسوها أسواءها )
( هيهات في نظر الإمارة كف ما ... تخشاه ليت الشكر كان كفاءها )
( مولاي هاك معادة أنباءها ... لتنيل منك سعادة أبناءها )
( جرد ظباك لمحو آثار العدا ... تقتل ضراغمها وتسب ظباءها )
( واستدع طائفة الإمام لغزوها ... تسبق إلى أمثالها استدعاءها )
( لا غرو أن يعزى الظهور لملة ... لم يبرحوا دون الورى ظهراءها )
( إن الأعاجم للأعارب نهبة ... مهما أمرت بغزوها أحياءها )

(4/480)


( تالله لو دبت لها دبابها ... لطوت عليها أرضها وسماءها )
( ولو استقلت عوفها لقتالها ... لاستقبلت بالمقربات عفاءها )
( أرسل جوارحها تجئك بصيدها ... صيدا وناد لطحنها أرحاءها )
( هبوا لها يامعشر التوحيد قد ... آن الهبوب وأحرزوا علياءها )
( إن الحفائظ من خلالكم التى ... لا يرهب الداعي بهن خلاءها )
( هي نكتة المحيا فحيهلا بها ... تجدوا سناها في غد وسناءها )
( أولوا الجزيرة نصرة إن العدا ... تبغى على أقطارها استيلاءها )
( نقصت بأهل الشرك من أطرفها ... فاستحفظوا بالمؤمنين نماءها )
( حاشاكم أن تضمروا إلغاءها ... في أزمة أو تضمروا إقصاءها )
( خوضوا إليها بحرها يصبح لكم ... رهوا وجوبوا نحوها بيداءها )
( وافى الصريخ مثوبا يدعو لها ... فلتجملوا قصد الثواب ثواءها )
( دار الجهاد فلا تفتكم ساحة ... ساوت بها أحياؤها شهداءها )
( هذي رسائلها تناجي بالتي ... وقفت عليها ريثها ونجاءها )
( ولربما أنهت سوالب للنهى ... من كائنات حملت أنهاءها )
( وفدت على الدار العزيزة تجتني ... آلاءها أو تجتلي آراءها )
( مستسقيات من غيوث غياثها ... ما وقعه يتقدم استسقاءها )
( قد أمنت في سبلها أهواءها ... إذ سوغت في ظلها أهواءها )
( وبحسبها أن الأمير المرتضى ... مترقب بفتوحها آناءها )
( في الله ما ينويه من إدراكها ... بكلاءة يفدي أبي أكلاءها )
( بشرى لأندلس تحب لقاءه ... ويحب في ذات الإله لقاءها )
( صدق الرواة المخبرون بأنه ... يشفي ضناها أو يعيد رواءها )
( إن دوخ العرب الصعاب مقادة ... وأبى عليها أن تطيع إباءها )
( فكأن بفيلقه العرمرم فالقا ... هام الأعاجم ناسفا أرجاءها )
( أنذرهم بالبطشة الكبرى فقد ... نذرت صوارمه الرقاق دماءها )

(4/481)


( لايعدم الزمن انتصار مؤيد ... تتسوغ الدنيا به سراءها )
( ملك أمد النيرين بنوره ... وأفاده لألاؤه لألاءها )
( خضعت جبابرة الملوك لعزه ... ونضت بكف صغارها خيلاءها )
( أبقى أبو حفص إمارته له ... فسما إليها حاملا أعباءها )
( سل دعوة المهدي عن آثاره ... تنبيك أن ظباه قمن إزاءها )
( فغزا عداها واسترق رقابها ... وحمى حماها واسترد بهاءها )
( قبضت يداه على البسيطة قبضة ... قادت له في قدة أمراءها )
( فعلى المشارق والمغارب ميسم ... لهداه شرف وسمه أسماءها )
( تطمو بتونسها بحار جيوشه ... فيزور زاخر موجها زوراءها )
( وسع الزمان فضاق عنه جلالة ... والأرض طرا ضنكها وفضاءها )
( ما أزمع الإيغال في أكنافها ... إلا تصيد عزمه زعماءها )
( دانت له الدنيا وشم ملوكها ... فاحتل من رتب العلا شماءها )
( ردت سعادته على أدراجها ... ليل الزمان ونهنهت غلواءها )
( إن يعتم الدول العزيزة بأسه ... فالآن يولي جوده إعطاءها )
( تقع الجلائل وهو راس راسخ ... فيها يوقع للسعود جلاءها )
( كالطود في عصف الرياح وقصفها ... لا رهوها يخشى ولا هوجاءها )
( سامي الذوائب في أعز ذؤابة ... أعلت على قمم النجوم بناءها )
( بركت بكل محلة بركاته ... شفعا يبادر بذلها شفعاءها )
( كالغيث صب على البسيطة صوبه ... فسقى عمائرها وجاد قواءها )
( ينميه عبدالواحد الأرضى إلى ... عليا فتمنح بأسها وسخاءها )
( في نبعة كرمت وطابت مغرسا ... وسمت وطالت نضرة نظراءها )
( ظهرت لمحتدها السماء وجاوزت ... لسرادقات فخارها جوزاءها )
( فئة كرام لا تكف عن الوغى ... حتى تصرع حولها أكفاءها ) وتكب في نار القري فوق الذرا ... من عزة ألويها وكباءها )

(4/482)


( قد خلقوا الأيام طيب خلائق ... فثنت إليهم حمدها وثناءها )
( ينضون في طلب النفائس انفسا ... حبسوا على احرازها إمضاءها )
( وإذا انتضوا يوم الكريهة بيضهم ... أبصرت فيهم قطعها ومضاءها )
( لاعذر عند المكرمات لهم متى ... لم تستبن لعفاتهم عذراءها )
( قوم الأمير فمن يقوم بما لهم ... من صالحات أفحمت شعراءها )
( صفحا جميلا أيها الملك الرضى ... عن محكمات لم نطق إحصاءها )
( تقف القوافي دونهن حسيرة ... لا عيها تخفي ولا إعياءها )
( فلعل علياكم تسامح راجيا ... إصغاءها ومؤملا إغضاءها )
في رثاء طليطلة
ومن ذلك قول بعضهم يندب طليطلة أعادها الله تعالى للإسلام
( لثكلك كيف تبتسم الثغور ... سرورا بعدما سبيت ثغور )
( أما وأبي مصاب هد منه ... ثبير الدين فاتصل الثبور )
( لقد قصمت ظهور حين قالوا ... أمير الكافرين له ظهور )
( ترى في لدهر مسرورا بعيش ... مضى عنا لطيته السرور )
( أليس بها أبي النفس شهم ... يدير على الدوائر إذ تدور )
( لقد خضعت رقاب كن غلبا ... وزال عتوها ومضى النفور )
( وهان على عزيز القوم ذل ... وسامح في الحريم فتى غيور )
( طليطلة أباح الكفر منها ... حماها إن ذا نبأ كبير )
( فليس مثالها إيوان كسرى ... ولا منها الخورنق والسدير )
( محصنة محسنة بعيد ... تناولها ومطلبها عسير )
( ألم تك معقلا للدين صعبا ... فذلله كما شاء القدير )
( وأخرج أهلها منها جميعا ... فصاروا حيث شاء بهم مصير )

(4/483)


( وكانت دار ايمان وعلم ... معالمها التى طمست تنير )
( فعادت دار كفر مصطفاة ... قد اضطربت بأهليها الأمور )
( مساجدها كنائس أي قلب ... على هذا يقر ولا يطير )
( فيا أسفاه يا أسفاه حزنا ... يكرر ما تكررت الدهور )
( وينشر كل حسن ليس يطوى ... إلى يوم يكون به النشور )
( أديلت قاصرات الطرف كانت ... مصونات مساكنها القصور )
( وأدركها فتور في انتظار ... لسرب في لواحظه فتور )
( وكان بنا وبالقينات أولى ... لو انضمت على الكل القبور )
( لقد سخنت بحالتهن عين ... وكيف يصح مغلوب قرير )
( لئن غبنا عن الاخوان إنا ... بأحزان وأشجان حضور )
( نذور كان للأيام فيهم ... بمهلكهم فقد وفت النذور )
( فإن قلنا العقوبة أدركتهم ... وجاءهم من الله النكير )
( فإنا مثلهم وأشد منهم ... نجور وكيف يسلم من يجور )
( أنأمن أن يحل بنا انتقام ... وفينا الفسق أجمع والفجور )
( وأكل للحرام ولا اضطرار ... إليه فيسهل الأمر العسير )
( ولكن جرأة في عقر دار ... كذلك يفعل الكلب العقور )
( يزول الستر عن قوم إذا ما ... على العصيان أرخيت الستور )
( يطول علي ليلي رب خطب ... يطول لهوله الليل القصير )
( خذوا ثأر الديانة وانصروها ... فقد حامت على القتلى النسور )
( ولا تهنوا وسلوا كل عضب ... تهاب مضاربا منه النحور )
( وموتوا كلكم فالموت أولى ... بكم من ان تجاروا أو تجوروا )
( أصبرا بعد سبي وامتحان ... يلام عليها القلب الصبور )

(4/484)


( فأم الثكل مذكار ولود ... وأم الصقر مقلات نزور )
( نخور إذا دهينا بالرزايا ... وليس بمعجب بقر يخور )
( ونجبن ليس نزأر لو شجعنا ... ولم نجبن لكان لنا زئير )
( لقد ساءت بنا الأخبار حتى ... أمات المخبرين بها الخبير )
( أتتنا الكتب فيها كل شر ... وبشرنا بأنحسنا البشير )
( وقيل تجمعوا لفراق شمل ... طليطلة تملكها الكفور )
( فقل في خطة فيها صغار ... يشيب لكربها الطفل الصغير )
( لقد صم السميع فلم يعول ... على نبإ كما عمي البصير )
( تجاذبنا الأعادي باصطناع ... فينجذب المخول والفقير )
( فباق في الديانة تحت خزي ... تثبطه الشويهة والبعير )
( وآخر مارق هانت عليه ... مصائب دينه فله السعير )
( كفى حزنا بأن الناس قالوا ... إلى أين التحول والمسير )
( أنترك دورنا ونفر عنها ... وليس لنا وراء البحر دور )
( ولا ثم الضياع تروق حسنا ... نباكرها فيعجبنا البكور )
( وظل وارف وخرير ماء ... فلا قر هناك ولا حرور )
( ويؤكل من فواكهها طري ... ويشرب من جداولها نمير )
( يؤدى مغرم في كل شهر ... ويؤخذ كل صائفة عشور )
( فهم أحمى لحوزتنا وأولى ... بنا وهم الموالي والعشير )
( لقد ذهب اليقين فلا يقين ... وغر القوم بالله الغرور )
( فلا دين ولا دنيا ولكن ... غرور بالمعيشة ما غرور )
( رضوا بالرق يا لله ماذا ... رآه وما أشار به مشير )
( مضى الإسلام فابك دما عليه ... فما ينفي الجوى الدمع الغزير )
( ونح واندب رفاقا في فلاة ... حيارى لا تحط ولا تسير )
( ولا تجنح إلى سلم وحارب ... عسى أن يجبر العظم الكسير )

(4/485)


( أنعمى عن مراشدنا جميعا ... وما إن منهم إلا بصير )
( ونلقى واحدا ويفر جمع ... كما عن قانص فرت حمير )
( ولو أنا ثبتنا كان خيرا ... ولكن ما لنا كرم وخير )
( إذا ما لم يكن صبر جميل )
( فليس بنافع عدد كثير )
( ألا رجل له رأي أصيل ... به مما نحاذر نستجير )
( يكر إذا السيوف تناولته ... وأين بنا إذا ولت كرور )
( ويطعن بالقنا الخطار حتى ... يقول الرمح ما هذا الخطير )
( عظيم أن يكون الناس طرا ... بأندلس قتيل أو أسير )
( أذكر بالقراع الليث حرصا ... على أن يقرع البيض الذكور )
( يبادر خرقها قبل اتساع ... لخطب منه تنخسف البدور )
( يوسع للذي يلقاه صدرا ... فقد ضاقت بما تلقى صدور )
( تنغصت الحياة فلا حياة ... وودع جيرة إذ لا مجير )
( فليل فيه هم مستكن ... ويوم فيه شر مستطير )
( ونرجو أن يتيح الله نصرا ... عليهم إنه نعم النصير )
نونية الرندي وشيء من شعره
ومن مشهور ما قيل في ذلك قول الأديب الشهير أبي البقاء صالح بن شريف الرندي رحمه الله تعالى

(4/486)


( لكل شيء إذا ما تم نقصان ... فلا يغر بطيب العيش انسان )
( هي الأمور كما شاهدتها دول ... من سره زمن ساءته ازمان )
( وهذه الدار لا تبقي على أحد ... ولا يدوم على حال لها شان )
( يمزق الدهر حتما كل سابغة ... إذا نبت مشرفيات وخرصان )
( وينتضي كل سيف للفناء ولو ... كان ابن ذي يزن والغمد غمدان )
( أين الملوك ذوو التيجان من يمن ... وأين منهم أكاليل وتيجان )
( وأين ما شاده شداد في إرم ... وأين ما ساسه في الفرس ساسان )
( وأين ما حازه قارون من ذهب ... وأين عاد وشداد وقحطان )
( أتى على الكل أمر لا مرد له ... حتى قضوا فكأن القوم ما كانوا )
( وصار ماكان من ملك ومن ملك ... كما حكى عن خيال الطيف وسنان )
( دار الزمان على دارا وقاتله ... وأم كسرى فما آواه إيوان )
( كأنما الصعب لم يسهل له سبب ... يوما ولا ملك الدنيا سليمان )
( فجائع الدهر أنواع منوعة ... وللزمان مسرات وأحزان )
( وللحوادث سلوان يسهلها ... وما لما حل بالإسلام سلوان )
( دهى الجزيرة أمر لا عزاء له ... هوى له أحد وانهد ثهلان )
( أصابها العين في الإسلام فامتحنت ... حتى خلت منه أقطار وبلدان )
( فاسأل بلنسية ما شأن مرسية ... وأين شاطبة أم أين جيان )
( وأين قرطبة دار العلوم فكم ... من عالم قد سما فيها له شان )
( وأين حمص وما تحويه من نزه ... ونهرها العذب فياض وملآن )
( قواعد كن أركان البلاد فما ... عسى البقاء إذا لم تبق أركان )
( تبكي الحنيفية البيضاء من أسف ... كما بكى لفراق الإلف هيمان )
( على ديار من الإسلام خالية ... قد أقفرت ولها بالكفر عمران )
( حيث المساجد قد صارت كنائس ما ... فيهن إلا نواقيس وصلبان )
( حتى المحاريب تبكي وهي جامدة ... حتى المنابر ترثي وهي عيدان )

(4/487)


( ياغافلا وله في الدهر موعظة ... إن كنت في سنة فالدهر يقظان )
( وماشيا مرحا يلهيه موطنه ... أبعد حمص تغر المرء أوطان )
( تلك المصيبة أنست ما تقدمها ... وما لها من طول الدهر نسيان )
( يا راكبين عتاق الخيل ضامرة ... كأنها في مجال السبق عقبان )
( وحاملين سيوف الهند مرهفة ... كأنها في ظلام النقع نيران )
( وراتعين وراء البحر في دعة ... لهم بأوطانهم عز وسلطان )
( أعندكم نبأ من أهل أندلس ... فقد سرى بحديث القوم ركبان )
( كم يستغيث بنا المستضعفون وهم ... قتلى وأسرى فما يهتز إنسان )
( ماذا التقاطع في الإسلام بينكم ... وأنتم يا عباد الله إخوان )
( ألا نفوس أبيات لها همم ... اما على الخير أنصار وأعوان )
( يامن لذلة قوم بعد عزهم ... أحال حالهم كفر وطغيان )
( بالأمس كانوا ملوكا في منازلهم ... واليوم هم في بلاد الكفر عبدان )
( فلو تراهم حيارى لا دليل لهم ... عليهم من ثياب الذل ألوان )
( ولو رأيت بكاهم عند بيعهم ... لهالك الأمر واستهوتك أحزان )
( يا رب أم وطفل حيل بينهما ... كما تفرق أرواح وأبدان )
( وطفلة مثل حسن الشمس إذ طلعت ... كانما هي ياقوت ومرجان )
( يقودها العلج للمكروه مكرهة ... والعين باكية والقلب حيران )
( لمثل هذا يذوب القلب من كمد ... إن كان في القلب إسلام وإيمان )
انتهت القصيدة الفريدة ويوجد بأيدي الناس زيادات فيها ذكر غرناطة وبسطة وغيرهما مما أخذ من البلاد بعد موت صالح بن شريف وما اعتمدته منها نقلته من خط من يوثق به على ما كتبته ومن له أدنى ذوق علم أن ما يزيدون فيها من الأبيات ليست تقاربها في البلاغة وغالب ظني أن تلك الزيادة لما أخذت غرناطة وجميع بلاد الأندلس إذ كان أهلها يستنهضون همم الملوك

(4/488)


بالمشرق والمغرب فكأن بعضهم لما أعجبته قصيدة صالح بن شريف زاد فيها تلك الزيادات وقد بينت ذلك في أزهار الرياض فليراجع
وصالح بن شريف الرندي صاحب القصيدة من أشهر أدباء الأندلس ومن بديع نظمه قوله
( سلم على الحي بذات العرار ... وحي من أجل الحبيب الديار )
( وخل من لام على حبهم ... فما على العشاق في الذل عار )
( ولا تقصر في اغتنام المنى ... فما ليالي الأنس إلا قصار )
( وإنما العيش لمن رامه ... نفس تدارى وكؤوس تدار )
( وروحه الراح ريحانه ... في طيبه بالوصل أو بالعقار )
( لا صبر للشيء على ضده ... والخمر والهم كماء ونار )
( مدامه مدنية للمنى ... في رقة الدمع ولون النضار )
( مما أبو ريق أباريقها ... تنافست فيها النفوس الكبار )
( معلتي والبرء من علتي ... ما أطيب الخمرة لولا الخمار )
( ما أحسن النار التى شكله ... كالماء لو كف شرار الشرار )
( وبي وإن عذبت في حبه ... ببعده على اقتراب المزار )
( ظبي غرير نام عن لوعتي ... ولا أذوق النوم إلا غرار )
( ذو وجنة كأنها روضة ... قد بهر الورد بها والبهار )
( رجعت للصبوة في حبه ... وطاعة اللهو وخلع العذار )
( ياقوم قولوا بذمام الهوى ... أهكذا يفعل حب الصغار )
( وليلة نبهت أجفانها ... والفجر قد فجر نهر النهار )
( والليل كالمهزوم يوم الوغى ... والشهب مثل الشهب عند الفرار )

(4/489)


( كأنما استخفى السها خيفة ... وطولب النجم بثار فثار )
( لذاك ما شابت نواصي الدجى ... وطارح النسر أخاه فطار )
( وفي الثريا قمر سافر ... عن غرة غير منها السفار )
( كأن عنقودا تثنى به ... إذ صار كالعرجون عند السرار )
( كأنها تسبك ديناره ... وكفها يفتل منه السوار )
( كأنما الظلماء مظلومة ... تحكم الفجر عليها فجار )
( كأنما الصبح لمشتاقه ... عز غنى من بعد ذل افتقار )
( كأنما الشمس وقد أشرقت ... وجه أبي عبدالإله استنار )
( محمد محمد كاسمه ... شخص له في كل معنى يشار )
( أما المعالى فهو قطب لها ... والقطب لا شك عليه المدار )
( مؤثل المجد صريح العلا ... مهذب الطبع كريم النجار )
( تزهى به لخم وساداتها ... وتنتمى قيس له في الفخار )
( يفيض من جود يديه على ... عافيه ما منه تحار البحار )
( اليمن من يمناه حكم جرى ... واليسر من شيمة تلك اليسار )
( أخ صفا منه لنا واحد ... فالدهر مما قد جنى في اعتذار )
( فإن شكرنا فضله مرة ... فقد سكرنا من نداه مرار )
( ونحن منه في جوار العلا ... تدور للسعد بنا منه دار )
( الحافظ الله وأسماؤه ... لذلك الجار وذاك الجوار )
رسالة ابن عميرة إلى ابن الأبار في سقوط بلنسية
رجع - وقد رأيت أن أثبت هنا رسالة خاطب بها الكاتب البارع القاضي أبو المطرف ابن عميرة المخزومي الشيخ الحافظ أبا عبدالله ابن الأبار يذكر له

(4/490)


أخذ العدو مدينة بلنسية وهي
( ألا فيئة للدهر تدنو بمن نأى ... وبقيا يرى منها خلاف الذي رأى )
( ويا من عذيري منه يغدر من أوى ... إليه ولا يدري سوى خلف من وأى )
( ذخائر مافي البر والبحر صيده ... فلا لؤلؤا أبقى عليه ولا وأى )
أيها الأخ الذي دهش ناظري لكتابه بعد أن أدهش خاطري من إغبابه وسرني من بشره إيماض بعد أن ساءني من جهته إعراض جرت على ذكره الصلة فقوم قدح نبعتها وروى أكناف تلعتها وأحدث ذكرا من عهدنا الماضي فنقط وجه عروسه وشعشع خمر كؤوسه وسقى بماء الشبيبة ثراه وأبرز مثل مرآة الغريبة مرآه فبورك فيه أحوذيا وصل رحمه وكسا منظره من البهجة ماكان حرمه وحيا الله تعالى منه وليا على سالف عهدي تمادى وبشعار ودي نادى وبين الإحسان شيمته وأبان والبيان لا تنجاب عنه ديمته ولا تغلو بغير قلمه قيمته واعتذر عن كلمة تمنى تبديلها ودعوة ذكر وجوم النادي لها ثم أرسلها ترجف بوادرها من خيفة وتوغر بوغم صدر قلم وصحيفة وتنذر من ريحانه قريش أن تمنعه عرفها وتحدق إليه طرفها واتقى غارة على غره من الناجي برأس طمرة ولم يأمن هجران المهاجر بعد وصله وعكر عكرمة المغطي بحلمه على أبي جهله وعند ذكر كتيبة خالد أجحم وذكر يوم أحاطت به فارس فاستلحم فاعتذر عما قال وأضمر الحذر إلا أن يقال فمهلا أيها الموفي على علمه النافث بسحر قلمه أتظن منزلتك في البلاغة ومهيعها لاحب ومنزعها بالعقول لاعب تسفل وقد ترفعت أو تخفى وإن تلفعت عرفناك ياسودة وشهرت حلة

(4/491)


عطارد الملاحة والجودة فلم حين تهيب الأخ الأوحد من قصي غطاريفها ولو استثار من حفائظها تالدها وطريفها لم يذكر يد قومه عند أبيها وقد رام خطة أشرف على تأبيها حين أهاب بكم لمهمة ودعا منكم أخاه لأمه ولولا ذلك لما خلا له وجه الكعبة ولا خلص من تلك المضايق الصعبة وبأن أعرتموه نجدتكم الموصوفة غلب على ماكان بأيدي صوفه فكيف نجحد اليد عند عمنا او نشحذ أسنة الألسنة لذمنا أو كيف نلقاكم بجدنا وأبوكم أبو بكر معدنا وما تيامنكم إلى سبأ بن يشجب وإن أطلنا فيه التعجب بالذي يقطع أرحامنا ويمنع اشتباكنا والتحامنا بعد أن شددنا فعالنا بفعالكم ورأينا أقدامنا في نعالكم ولو شئتم توعدتم بأسود سؤددكم عند الإقدام وإلحاح إلحافكم في ضرب الهام لكن نقول إن قومنا لكرام ولو شاءوا كان لنا منهم شرة وعرام
واعود من حيث بدا الأخ الذي أبثه شوقي وأتطعم حلاوة عشرته بقية في حاسة ذوقي طارحني حديث مورد جف وقطين خف فيا لله لأتراب درجوا وأصحاب عن الأوطان خرجوا قصت الأجنحة وقيل طيروا وانما هو القتل او الأسر أو تسيروا فتفرقوا أيدي سبا وانتشروا ملء الوهاد والربى ففي كل جانب عويل وزفرة وبكل صدر غليل وحسرة ولكل عين عبرة لا ترقأ من أجلها عبرة داء خامر بلادنا حين اتاها وما زال بها حتى سجى على موتاها وشجا ليومها الأطول كهلها وفتاها وأنذر بها في القوم بحران أنيجة يوم أثاروا أسدها المهيجة فكانت تلك الحطمة طل الشؤبوب وباكورة البلاء المصبوب أثكلتنا إخوانا أبكانا نعيهم ولله أحوذيهم

(4/492)


وألمعيهم ذاك أبو ربيعنا وشيخ جميعنا سعد بشهادة يومه ولم ير ما يسوءه في اهله وقومه وبعد ذلك أخذ من الأم بالمخنق وهي بلنسية ذات الحسن والبهجة والرونق وما لبث أن أخرس من مسجدها لسان الأذان وأخرج من جسدها روح الايمان فبرح الخفاء وقيل على آثار من ذهب العفاء وانعطفت النوائب مفردة ومركبة كما تعطف الفاء فأودت الخفة والحصافة وذهب الجسر والرصافة ومزقت الحلة والشملة وأوحشت الجرف والرملة ونزلت بالحارة وقعة الحرة وحصلت الكنيسة من جآذرها وظبائها على طول الحسرة فأين تلك الخمائل ونضرتها والجداول وخضرتها والأندية وأرجها والأودية ومنعرجها والنواسم وهبوب مبتلها والأصائل وشحوب معتلها دار ضاحكت الشمس بحرها وبحيرتها وأزهار ترى من أدمع الطل في أعينها ترددها وحيرتها ثم زحفت كتيبة الكفر بزرقها وشقرها حتى أحاطت بجزيرة شقرها فآها لمسقط الرأس هو نجمه ولفادح الخطب سرى كلمه ويالجنة أجرى الله تعالى النهر تحتها وروضة أجاد أبو إسحاق نعتها وإنما كانت داره التى فيها دب وعلى أوصاف محاسنها أكب وفيها اتته منيته كما شاء وأحب ولم تعدم بعده محبين قشيبهم إليها ساقوه ودمعهم عليها أراقوه وقد أثبت من النظم ما يليق بهذا الموضع وإن لم يكن له ذلك الموقع
( أقلوا ملامي أو فقولوا وأكثروا ... ملومكم عما به ليس يقصر )
( وهل غير صب ما تني عبراته ... إذا صعدت أنفاسه تتحدر )
( يحن وما يجدي عليه حنينه ... إلى أربع معروفها متنكر )

(4/493)


( ويندب عهدا بالمشقر فاللوى ... وأين اللوى منه وأين المشقر )
( تغير ذاك العهد بعدي وأهله ... ومن ذا على الأيام لا يتغير )
( وأقفر رسم الدار إلا بقية ... لسائلها عن مثل حالي تخبر )
( فلم تبق إلا زفرة إثر زفرة ... ضلوعي لها تنقد أو تتفطر )
( وإلا اشتياق لا يزال يهزني ... فلا غاية تدنو ولا هو يفتر )
( أقول لساري البرق في جنح ليلة ... كلانا بها قد بات يبكي ويسهر )
( تعرض مجتازا فكان مذكرا ... بعهد اللوى والشيء بالشيء يذكر )
( أتأوي لقلب مثل قلبك خافق ... ودمع سفوح مثل قطرك يقطر )
( وتحمل انفاسا كومضك نارها ... إذا رفعت تبدو لمن يتنور )
( يقر بعيني أن أعاين من نأى ... لما أبصرته منك عيناي تبصر )
( وأن يتراءاك الخليط الذين هم ... بقلبي وإن غابوا عن العين حضر )
( كفى حزنا أنا كأهل محصب ... بكل طريق قد نفرنا وننفر )
( وأن كلينا من مشوق وشائق ... بنار اغتراب في حشاه تسعر )
( ألا ليت شعري والأماني ضلة ... وقولي ألا يا ليت شعري تحير )
( هل النهر عقد للجزيرة مثلما ... عهدنا وهل حصباؤه وهي جوهر )
( وهل للصبا ذيل عليه تجره ... فيزور عنه موجه المتكسر )
( وتلك المغاني هل عليها طلاوة ... بما راق منها أو بما رق تسحر )
( ملاعب أفراس الصبابة والصبا ... تروح إليها تارة وتبكر )
( وقبلي ذاك النهر كانت معاهد ... بها العيش مطلول الخميلة أخضر )
( بحيث بياض الصبح أزرار جيبه ... تطيب وأردان النسيم تعطر )
( ليال بماء الورد ينضح ثوبها ... وطيب هواء فيه مسك وعنبر )
( وبالجبل الأدنى هناك خطى لنا ... إلى اللهو لا تكبو ولا تتعثر )
( جناب بأعلاه بهار ونرجس ... فأبيض مفتر الثنايا وأصفر )
( وموردنا في قلب قلت كمقلة ... حذارا علينا من قذى العين تستر )

(4/494)


( وكم قد هبطنا القاع نذعر وحشه ... وياحسنه مستقبلا حين يذعر )
( نقود إليه طائعا كل جارح ... له منخر رحب وخصر مضمر )
( إذا ما رميناه به عبثت به ... مؤللة الأطراف عنهن تكشر )
( تضم لأروى النيق حزان سهلها ... وقد فقدت فيها مهاة وجؤذر )
( كذاك إلى ان صاح بالقوم صائح ... وأنذر بالبين المشتت منذر )
( وفرقهم أيدي سبا وأصابهم ... على غرة منهم قضاء مقدر )
ونعود إلى حيث كنا من تبدد شمل الجيرة وطي بساط الجزيرة اما شاطبة فكانت من قصبتها شوساء الطرف وببطحائها عروسا في نهاية الظرف فتخلى عن الذروة من أخلاها وقيل للكافر شأنك وأعلاها فقبل أن تضع الحرب أوزارها كشط عنها إزارها فاستحل الحرمة أو تاولها وما انتظر أقصر المدة ولا أطولها واما تدميره فجاد عودها على الهصر وامكنت عدوها من القصر فداجى الكفر الايمان وناجى الناقوس الأذان وما وراءها من الأصقاع التى باض الكفر فيها وفرخ وانزل بها ما أنسى التاريخ ومن أرخ فوصفكم على الحادثة فيها أتى وفي ضمان القدرة الانتصاف من عدو عثا وعتا وإنا لنرجوها كرة تفك البلاد من أسرها وتجبرها بعد كسرها وإن كانت الدولة العامرية منعت بالقراع ذمارها ورفعت على اليفاع نارها فهذه العمرية بتلك المنقبة أخلق والعدو لها أهيب ومنها أفرق وما يستوي نسب مع البقل نبت وبالمستفيض من النقل ما ثبت وآخر علت سماؤه على اللمس ورسا ركنه في الإسلام رسو قواعده الخمس وكان كما قال أبو حنيفة في خبر المسح جاءنا مثل الشمس والأيام العمرية هي أم الوقائع المحكية ومن شاء عدها من اليرموكية إلى الأركية وهذه الأيام الزاهرة هي زبدة حلاوتها وسجدة تلاوتها وإمامتها العظمى أيدها الله تعالى تمهل الكافر مدة إملائه ثم تشفي الإسلام من دائه وتطهر الأرض بنجس دمائه بفضل الله تعالى المرجو

(4/495)


زيادة نعمه قبلها وآلائه
راجعت سيدي مؤديا ما يجب أداؤه ومقتديا وما كل أحد يحسن اقتداؤه وإنما ناضلت ثعليا وعهدي بالنضال قديم وناظرت جدليا وما عندي للمقال تقديم وأطعته في الجواب ولقريحتي يعلم الله تعالى نكول ورويتي لولا حق المسألة بطير الحوادث المرسلة عصف مأكول أتم الله تعالى عليه آلاءه وحفظ مودته وولاءه ومتع بخلته الكريمة أخلاءه بمنه والسلام انتهت الرسالة
ورأيت في رحلة ابن رشيد لما ذكر أبا المطرف ما صورته واما الكتابة فقد كان حامل لوائها كما قال بعض أصحابنا ألان الله تعالى له الكلام كما ألان الحديد لداود عليه السلام وأخبرني شيخنا أبو بكر أن شيخه أبا المطرف رأى رسول الله في النوم فأعطاه حزمة أقلام وقال استعن بهذه على كتابتك أو كما قال انتهى
رسالة ابن الأبار التى أجاب أبو المطرف عنها
وبعد كتبي لهذه الرسالة رأيت ان أذكر رسالة الحافظ ابن الأبار التى هذه جواب عنها وهي من غرض ما نحن فيه فلنقتبس نور البلاغة منها وهي
سيدي وإن وجم لها النادي وجمجم بها المنادي ذلك لصغرها عن كبره في المعارف الأعلام وصدرها يوغر صدور الصحائف والأقلام وأعيذ ريحانة قريش ان تروح من حفيظتها في جيش قد هابتها مغاوير كل حي وأجابتها الغطاريف من قصي تدلف بين يديها كتيبة خالد وتحلف لا قدحت نار الهيجاء بزند صالد او تنصف من غامطها وتقذف به وسط غطامطها

(4/496)


لا جرم أني من جريمتي حذر وعما وضحت به قيمتي للمجد معتذر إلا أن يصوح من الروض نبته وجناته ويصرح بالقبول حلمه واناته الحديث عن القديم شجون والشأن بتقاضي الغريم شؤون فلا غرو أن أطارحه إياه وأفاتحه الأمل في لقياه ومن لي بمقالة مستقلة أو إخالة غير مخلة أبت البلاغة إلا عمادها وعلى ذلك فاستنبىء عمادها درجت اللدات والأتراب وخرجت الروم بنا إلى حيث الأعراب أيام دفعنا لأعظم الأخطار وفجعنا بالأوطان والأوطار فالإم نداري برح الألم وحتام نساري النجم في الظلم جمع أوصاب ما له من انقضاض ومضض اغتراب شذ عن ابن مضاض فلو سمع الأول بهذا الحادث ماضرب المثل بالحارث يالله من جلاء ليس به يدان وثناء قلما يسفر عن تدان وعد الجد العاثر لقاءه فأنجز ورام الجلد الصابر انقضاءه فأعجز هؤلاء الاخوان مكثهم لا يمتع به أوان وبينهم كنبت الأرض ألوان بين هائم بالسرى ونائم في الثرى من كل صنديد بطل أو منطيق غير ذي خطأ ولا خطل قامت عليه النوادب لما قعدت النوائب وهجمت بيوتها لمنعاه الجماجم والذوائب وأما الأوطان المحبب عهدها بحكم الشباب المشبب فيها بمحاسن الأحباب فقد ودعنا معاهدها وداع الأبد وأخنى عليها الذي أخنى على لبد أسلمها الإسلام وانتظمها الانتثار والاصطلام حين وقعت أنسرها الطائرة وطلعت أنحسها الغائرة فغلب على الجذل الحزن وذهب مع المسكن السكن
( كزعزع الريح صك الدوح عاصفها ... فلم يدع من جنى فيها ولا غصن )
( واها واها يموت الصبر بينهما ... موت المحامد بين البخل والجبن )
أين بلنسية ومغانيها وأغاريد ورقها وأغانيها أين حلى رصافتها

(4/497)


وجسرها ومنزلا عطائها ونصرها أين أفياؤها تندى غضارة وذكاؤها تبدو من خضارة أين جداولها الطفاحة وخمائلها أين جنائبها النفاحة وشمائلها شد ما عطل من قلائد أزهارها نحرها وخلعت شعشعانية ضحاها بحيرتها وبحرها فأية حلية لا حيلة في صرفها مع صرف الزمان وهل كانت حتى بانت إلا رونق الحق وبشاشة الإيمان ثم لم يلبث داء عقرها أن دب إلى جزيرة شقرها فأمر عذبها النمير وذوى غصنها النضير وخرست حمائم أدواحها وركدت نواسم أرواحها ومع ذلك اقتحمت من الأيام دانية فنزحت قطوفها وهي دانية ويا لشاطبة وبطحائها من حيف الأيام وإنحائها والهفاه ثم لهفاه على تدمير وتلاعها وجيان وقلاعها وقرطبة ونواديها وحمص وواديها كلها رعي كلؤها ودهي بالتفريق والتمزيق ملؤها عض الحصار أكثرها وطمس الكفر عينها وأثرها وتلك إلبيرة بصدد البوار ورية في مثل حلقة السوار ولا مرية في المرية وخفضها على الجوار إلى بنيات لواحق بالأمهات ونواطق بهاك لأول هاتف بهات
ما هذا النفخ بالمعمور اهو النفخ في الصور أم النفر عاريا من الحج المبرور وما لأندلس أصيبت بأشرافها ونقصت من أطرافها قوض عن صوامعها الأذان وصمت بالنواقيس فيها الآذان أجنت ما لم تجن الأصقاع أعقت الحق فحاق بها الإيقاع كلا بل دانت للسنة وكانت من البدع في أحصن جنة هذه المروانية مع اشتداد أركانها وامتداد سلطانها ألقت حب آل النبوة في حبات القلوب وألوت ما ظفرت من خلعه ولا قلعه بمطلوب إلى المرابطة بأقاصي الثغور والمحافظة على معالي الأمور والركون إلى الهضبة المنيعة والروضة المريعة من معاداة الشيعة وموالاة الشريعة فليت شعري بم استوثق تمحيصها ولم تعلق بعموم البلوى تخصيصها اللهم غفرا طالما ضر ضجر ومن الأنباء ما فيه مزدجر جرى بما لم نقدره المقدور فما عسى أن ينفث به المصدور وربنا الحكيم العليم فحسبنا

(4/498)


التفويض له والتسليم وياعجبا لبني الأصفر أنسيت مرج الصفر ورميها يوم اليرموك بكل أغلب غضنفر دع ذا فالعهد به بعيد ومن اتعظ بغيره فهو سعيد هلا تذكرت العامرية وغزواتها وهابت العمرية وهبواتها أما الجزيرة بخيلها محدقة وبأحاديث فتحها مصدقة هذا الوقت المرتقب والزمان الذي زجيت له الشهور والحقب وهذه الإمامة أيدها الله تعالى هى المنقذة من أسرها والمنفذة لسلطانها مراسم نصرها فيتاح الأخذ بالثار ويزاح عن الجنة أهل النار ويعلم الكافر لمن عقبى الدار
حاورت سيدي بمثار الفاجي الفاجع وحاولت برء الجوى من جوابه بالعلاج الناجع وبودي لو تقع في الأرجاء مصاقبة فترفع من الأرزاء معاقبة أليس لديه أسو المكلوم وتدارك المظلوم وبيديه أزمة المنثور والمنظوم خيال يختر في اقناع إياد وصوغ ما لم يخطر على قلب زيد ولا بخاطر زياد بست الجبال الطوامح فما بست وأبو فتحها وغيضت البحار الطوافح فمن يعبأ بالركايا ومتحها أين أبو الفضل ابن العميد من العماد الفاضل وصمصامة عمرو من قلمه الفاصل هذا مدرهها الذي فعل الأفاعيل وأحمدها الذي سما على ابراهيم وإسماعيل وهما اماما الصناعة وهماما البراعة واليراعة بهما فخر من نطق بالضاد وبسببهما حسدت الحروف الصاد لكن دفعهم بالراح وأعرى مدرعهم من المراح وشرف دونهم ضعيف القصب على صم الرماح أبقاه الله تعالى وبيانه صادق الأنواء وزمانه كاذب الأسواء ولا زال مكانه مجاوزا ذؤابة الجوزاء وإحسانه مكافأ بأحسن الجزاء والسلام

(4/499)


فصول من درر السمط لابن الأبار
وقد عرفت بابن الأبار في أزهار الرياض بما لا مزيد عليه غير أني رأيت هنا أن أذكر فصولا مجموعة من كلامه في كتابه المسمى بدر السمط في خبر السبط
قال رحمه الله تعالى رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت فروع النبوة والرسالة وينابيع السماحة والبسالة صفوة آل أبي طالب وسراة بني لؤي بن غالب الذين حباهم الروح الأمين وحلاهم الكتاب المبين فقل في قوم شرعوا الدين القيم ومنعوا اليتيم ان يقهر والأيم ماقد من أديم آدم أطيب من أبيهم طينة ولا أخذت الأرض أجمل من مساعيهم زينة لولاهم ماعبد الرحمن ولا عهد الإيمان وعقد الأمان ذؤابة غير أشابة فضلهم ما شانه نقص ولا شابه سرارة محلتهم سر المطلوب وقرارة محبتهم حبات القلوب أذهب الله عنهم الرجس وشرف بخلقهم الجنس فان تميزوا فبشريعتهم البيضاء او تحيزوا فلعشيرتهم الحمراء من كل يعسوب الكتيبة منسوب لنجيب ونجيبة نجاره الكرم وداره الحرم نمته العرانين من هاشم إلى النسب الأصرح الأوضح إلى نبعة فرعها في السماء ومغرسها سرة الأبطح اولئك السادة أحيي وأفدي والشهادة بحبهم أوفي وأؤدي ومن يكتمها فإنه آثم قلبه
فصل - ما كانت خديجة لتأتي بخداج ولا الزهراء لتلد إلا ازاهر

(4/500)


كالسراج مثل النحلة لا تأكل إلا طيبا ولا تضع إلا طيبا خلدت بنت خويلد ليزكو عقبها من الحاشر العاقب ويسمو مرقبها على النجم الثاقب لم تخد بمثلها المهارى ولم يلد له غيرها من المهارى آمت من بعولتها قبله لتصل السعادة بحبلها حبله ملاك العمل خواتمه رب ربات حجال أنفذ من فحول رجال
( وما التأنيث لاسم الشمس عيب ... ولا التذكير فخر للهلال )
هذه خديجة من أخيها حزام أحزم ولشعار الصدق من شعارات القص ألزم ركنت إلى الركن الشديد وسددت للهدى كما هديت للتسديد يوم نبىء خاتم الأنبياء وأنبىء بالنور المنزل عليه والضياء
فصل - وكان قبيل المبعث وبين يدي لم الشعث يثابر على كل حسنى وحسنة ويجاور شهرا من كل سنة يتحرى حراء بالتعهد ويزجي تلك المدة في التعبد وذلك الشهر المقصور على التبرر المقدور فيه رفع التضرر شهر رمضان المنزل فيه القرآن فبيناه لا ينام قلبه وإن نامت عيناه جاءه الملك مبشرا بالنجح وقد كان لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح فغمره بالكلاءة وأمره بالقراءة وكلما تحبس له غطه ثم أرسله وإذا أراد الله بعبد خيرا عسله
( تريدين إدراك المعالي رخيصة ... ولا بد دون الشهد من ابر النحل )
كذلك حتى عاذ بالأرق من الفرق وقد علق فاتحة العلق فلا يجري

(4/501)


غيرها على لسانه وكانما كتبت كتابا في جنانه
فصل ولما أصبح يؤم الأهل وتوسط الجبل يريد السهل وقد قضى الأجل وما نضا الوجل نوجي بما في الكتاب المسطور ونودي كما نودي موسى من جانب الطور فعرض له في طريقه ما شغله عن فريقه فرفع رأسه متاملا فأبصر الملك في صورة رجل متمثلا يشرفه بالنداء ويعرفه بالاجتباء وإنما عضد خبر الليلة بعيان اليوم وأري في اليقظة مصداق ما أسمع في النوم ليحق الله الحق بكلماته وعلى ما ورد في الأثر وسرد رواة السير فذلك اليوم كان عيد فطرنا الان وغير بدع ولا بعيد ان يبدأ الوحي بعيد كما ختم بعيد ( اليوم أكملت لكم دينكم ) المائدة 3 فبهت لما سمعه وراءه وثبت لا يتقدم امامه ولا يرجع وراءه
( وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متقدم عنه ولا متأخر )
ثم جعل في الخوف والرجاء لا يقلب وجهه في السماء إلا تعرض له في تلك الصورة وعرض عليه ما أعطاه الله سبحانه من السورة فيقف موقف التوكل ويمسك حتى عن التامل
( تتوق إليك النفس ثم أردها ... حياء ومثلي بالحياء حقيق )
( أذود سوام الطرف عنك وماله ... إلى أحد إلا إليك طريق )
فصل - وفطنت خديجة لاحتباسه فأمعنت في التماسه تزوجوا الودود

(4/502)


الولود ولفورها بل لفوزها بعثت في طلبه رسلها وانبعثت تأخذ عليه شعاب مكة وسبلها
( إن المحب إذا لم يستزر زارا )
طال عليها الأمد فطار إليها الكمد والمحب حقيقة من لا يفيق فيقه بالنفس النفيسة سماحه وجوده وفي وجود المحبوب الأشرف وجوده
( كأن بلاد الله مالم تكن بها ... وإن كان فيها الخلق طرا بلاقع )
( أقضي نهاري بالحديث وبالمنى ... ويجمعني والهم بالليل جامع ) ( نهاري نهار الناس حتى إذا دجا ... لي الليل هزتني إليك المضاجع )
( لقد ثبتت في القلب منك محبة ... كما ثبتت في الراحتين الأصابع )
فصل وبعد لأي ماورد عليها وقعد مضيفا إليها فطفقت بحكم الإجلال تمسح أركانه وتفسح مجال السؤال عما خلف له مكانه فباح له بالسرالمغيب وقد لاح وسم الكرامة على الطيب المطيب فعلمت انه الصادق المصدوق وحكمت بانه السابق لا المسبوق اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله وما زالت حتى أزالت ما به من الغمة وقالت إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة
( إني تفرست فيك الخير أعرفه ... والله يعلم أن ما خانني البصر )
( أنت النبي ومن يحرم شفاعته ... يوم الحساب فقد أزرى به القدر )
لا ترهب فسوف تبهر وسيبدو أمر الله تعالى ويظهر أنت الذي سجعت به الكهان ونزلت له من صوامعها الرهبان وسارت بخير كرامته الركبان انت الذي ما حملت أخف منه حامل ودرت ببركته الشاة فإذا هي حافل

(4/503)


( وأنت لما ولدت أشرقت الأرض ... وضاءت بنورك الأفق )
( فنحن في ذلك الضياء وفي النور ... وسبل الرشاد نخترق )
فصل - وما لبثت أن أغلقت أبوابها وجمعت عليها أثوابها وانطلقت إلى ورقة بن نوفل تطلبه بتفسير ذلك المجمل وكان يرجع إلى عقل حصيف ويبحث عمن يبعث بالدين الحنيف فاستبشر به ناموسا وأخبر انه الذي كان يأتي موسى فازدادت إيمانا وأقامت على ذلك زمانا ثم رأت أن خبر الواحد قد يلحقه التفنيد ودرت أن المجتهد لا يجوز له التقليد طلب العلم فريضة على كل مسلم فرجعت أدراجها في ارتياد الإقناع وألقي فى روعها إلقاء الخمار والقناع فهناك وضح لها البرهان وصح لها أن الآني ملك لا شيطان
( تدلى عليه الروح من عند ربه ... ينزل من جو السماء ويرفع )
( تشاوره فيما نريد وقصدنا ... إذا ما اشتهى أنا نطيع ونسمع )
فصل - سبقت لها من الله تعالى الحسنى فصنعت حسنا وقالت حسنا ومن يؤمن بالله يهد قلبه ما فتر الوحي بعدها ولا مطل الحق الحي وعدها وعد الله لا يخلف الله وعده دانت لحب ذي الإسلام فحياها الملك بالسلام من الملك السلام من كان لله كان الله له أغنت غناء الأبطال فغناها لسان الحال
( هل تذكرين فدتك النفس مجلسنا ... يوم التقينا فلم أنطق من الحصر )

(4/504)


( لا أرفع الطرف حولي من مراقبة ... بقيا علي وبعض الحزم في الحذر )
يسرت لاحتمال الأذى والنصب فبشرت ببيت في الجنة من قصب هل أمنت إذ آمنت من الرعب حتى غنيت عن الشبع بما في الشعب
( لا تحسب المجد تمرا أنت آكله ... لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا ) واها لها احتملت عض الحصار وما أطاقت فقد المختار
( يطول اليوم لا ألقاك فيه ... وشهر نلتقي فيه قصير ) والحبيب سمع المحب وبصره وله طول محياه وقصره
( أنت كل الناس عندي فإذا ... غبت عن عيني لم ألق أحدا )
مكثت للرياسة مواسية وآسية فثلثت في بحبوحة الجنة مريم وآسية ثم ربعت البتول فبرعت نطقت بذلك الآثار وصدعت خير نساء العالمين أربع فصل - إلى البتول سير بالشرف التالد وسيق الفخر بالأم الكريمة والوالد حلت في الجيل الجليل وتحلت بالمجد الأثيل ثم تولت إلى الظل الظليل
( وليس يصح في الأفهام شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل ) وأبيها إن أم أبيها لا تجد لها شبيها نثره النبي وطله الوصي وذات

(4/505)


الشرف المستولي على الأمد القصي كل ولد الرسول درج في حياته وحملت هي ما حملت من آياته ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء لا فرع للشجرة المباركة من سواها فهل جدوى أوفر من جدواها والله أعلم حيث يجعل رسالاته حفت بالتطهير والتكريم وزفت إلى الكفؤ الكريم فوردا صفو العارفة والمنة وولدا سيدي شباب أهل الجنة عوضت من الأمتعة الفاخرة بسيدي الدنيا والآخرة ما أثقل نحوها ظهرا ولا بذل غير درعه مهرا كان صفر اليدين من البيضاء والصفراء وبحالة لا حيلة معها في اهداء الحلة السيراء فصاهره الشارع وخالله وقال في بعض صعلوك لا مال له نرفع درجات من نشاء
فصل
( أتنتهب الأيام أفلاذ أحمد ... وأفلاذ من عاداهم تتعدد )
( ويضحى ويظما أحمد وبناته ... وبنت زياد وردها لا يصرد )
( أفي دينه في أمنه في بلاده ... تضيق عليهم فسحة تتورد )
( وما الدين إلا دين جدهم الذي ... به أصدروا في العالمين واوردوا )
انتهى ما سنح لي ذكره من درر السمط وهو كتاب غاية في بابه ولم اورد منه غير ما ذكرته لأن في الباقي ما تشم منه رائحة التشيع والله سبحانه يسامحه بمنه وكرمه
رجع إلى ما كنا بسبيله فنقول قد ذكرنا في الباب الثاني رسالة أبي المطرف ابن عميرة إلى أبي جعفر ابن أمية وهي مشتملة على التلهف على الجزيرة الأندلسية حين أخذ العدو بلنسية وظهرت له مخايل الاستيلاء على ما بقي

(4/506)


من الأندلس فراجعها فيما سبق وإن كان التناسب التام في ذكرها هنا فالمناسبة هناك حاصلة أيضا والله سبحانه الموفق وذكرنا هنالك أيضا جملة غيرها من كلامه رحمه الله تعالى تتعلق بهذا المعنى وغيره فلتراجع ثمة
نهاية الأندلس كما يصورها كتاب جنة الرضى لابن عاصم
ورأيت أن أثبت هنا ما رأيته بخط الأديب الكاتب الحافظ المؤرخ أبي عبد الله محمد بن الحداد الوادي آشي نزيل تلمسان رحمه الله تعالى ما صورته
حدثني الفقيه العدل سيدي حسن ابن القائد الزعيم الأفضل سيدي إبراهيم العراف أنه حضر مرة لإنزال الطلسم المعروف بفروج الرواح من العلية بالقصبة القديمة من غرناطة بسبب البناء والإصلاح وأنه عاينه من سبعة معادن مكتوبا فيه
( إيوان غرناطة الغراء معتبر ... طلسمه بولاة الحال دوار )
( وفارس روحه ريح تدبره ... من الجماد ولكن فيه أسرار )
( فسوف يبقى قليلا ثم تطرقه ... دهياء يخرب منها الملك والدار )
وقد صدق قائل هذه الأبيات فإنه طرقت الدهياء ذلك القطر الذي ليس له في الحسن مثال ونسل الخطب إليه من كل حدب وانثال وكل ذلك من اختلاف رؤسائه وكبرائه ومقدميه وقضاته وامرائه ووزرائه فكل يروم الرياسة لنفسه ويجر نارها لقرصه والنصارى لعنهم الله تعالى يضربون بينهم بالخداع والمكر والكيد ويضربون عمرا منهم بزيد حتى تمكنوا من أخذ البلاد والاستيلاء على الطارف والتلاد قال الرائس القاضي العلامة الكاتب الوزير أبو يحيى ابن عاصم رحمه الله تعالى في كتابه جنة الرضى في التسليم

(4/507)


لما قدر الله تعالى وقضى ما صورة محل الحاجة منه ومن استقرأ التواريخ المنصوصة وأخبار الملوك المقصوصة علم أن النصارى دمرهم الله تعالى لم يدركوا في المسلمين ثارا ولم يرحضوا عن أنفسهم عارا ولم يخربوا من الجزيرة منازل وديارا ولم يستولوا عليها بلادا جامعة وأمصارا إلا بعد تمكينهم لأسباب الخلاف واجتهادهم في وقوع الافتراق بين المسلمين والاختلاف وتضريبهم بالمكر والخديعة بين ملوك الجزيرة وتحريشهم بالكيد والخلابة بين حماتها في الفتن المبيرة ومهما كانت الكلمة مؤتلفة والآراء لا مفترقة ولا مختلفة والعلماء بمعاناة اتفاق القلوب إلى الله مزدلفة فالحرب إذ ذاك سجال ولله تعالى في إقامة الجهاد في سبيله رجال وللممانعة في غرض المدافعة ميدان رحب ومجال وروية وارتجال
إلى أن قال وتطاولت الأيام ما بين مهادنة ومقاطعة ومضاربة ومقارعة ومنازلة ومنازعة وموافقة وممانعة ومحاربة وموادعة ولا أمل للطاغية إلا في التمرس بالإسلام والمسلمين وإعمال الحيلة على المؤمنين وإضمار المكيدة للموحدين واستبطان الخديعة للمجاهدين وهو يظهر أنه ساع للوطن في العاقبة الحسنى وأنه منطو لأهله على المقصد الأسنى ومهتم بمراعاة امورهم وناظر بنظر المصلحة لخاصتهم وجمهورهم وهو يسر حسوا في ارتغائه ويعمل الحيلة في التماس هلك الوطن وابتغائه فتبا لعقول تقبل مثل هذا المحال وتصدق هذا الكذب بوجه أو بحال وليت المغرور الذي يقبل هذا لو فكر في نفسه وعرض هذا المسموع على مدركات حسه وراجع أوليات عقله وتجربيات حدسه وقاس عدوه الذي لا ترجى مودته على أبناء جنسه فأنا أناشده الله هل بات قط بمصالح النصارى وسلطانهم مهتما وأصبح من خطب طرقهم مغتما ونظر لهم نظر المفكر في العاقبة الحسنة أو قصد لهم قصد المدبر

(4/508)


في المعيشة المستحسنة او خطر على قلبه أن يحفظ في سبيل القربة أربابهم وصلبانهم أو عمر ضميره من تمكين عزهم بما ترضاه احبارهم ورهبانهم فإن لم يكن ممن يدين بدينهم الخبيث ولم يشرب قلبه حب التثليث ويكون صادق اللهجة منصفا عند قيام الحجة فسيعترف أن ذلك لم يخطر له قط على خاطر ولا مر له ببال وأن عكس ذلك هو الذي كان به ذا اغتباط وبفعله ذا اهتبال وإن نسب لذلك المعنى فهو عليه أثقل من الجبال وأشد على قلبه من وقع النبال هذا وعقده التوحيد وصلاته التحميد وملته الغراء وشريعته البيضاء ودينه الحنيف القويم ونبيه الرؤوف الرحيم وكتابه القرآن الحكيم ومطلوبه بالهداية الصراط المستقيم فكيف نعتقد هذه المريبة الكبرى والمنقبة الشهرى لمن عقده التثليث ودينه المليث ومعبوده الصليب وتسميته التصليب وملته المنسوخة وقضيته المفسوخة وختانه التغطيس وغافر ذنبه القسيس وربه عيسى المسيح ونظره ليس البين ولا الصحيح وان ذلك الرب قد ضرج بالدماء وسقي الخل عوض الماء وأن اليهود قتلته مصلوبا وأدركته مطلوبا وقهرته مغلوبا وأنه جزع من الموت وخاف إلى سوى ذلك مما يناسب هذه الأقاويل السخاف فكيف يرجى من هؤلاء الكفرة من الخير مقدار الذرة أو يطمع منهم في جلب المنفعة أو دفع المضرة اللهم احفظ علينا العقل والدين واسلك بنا سبيل المهتدين
ثم قال بعد كلام ما صورته كانت خزانة هذه الدار النصرية مشتملة على كل نفيسة من الياقوت ويتيمة من الجوهر وفريدة من الزمرد وثمينة من الفيروزج وعلى كل واق من الدروع وحام من العدة وماض من الأسلحة وفاخر من الآلة ونادر من الأمتعة فمن عقود فذة وسلوك جمة وأقراط تفضل على قرطي مارية نفاسة فائقة وحسنا رائقا ومن سيوف شواذ في الإبداع غرائب في الإعجاب منسوبات الصفائح في الطبع خالصات الحلى من التبر ومن دروع مقدرة السرد متلاحمة النسج واقية للناس في يوم

(4/509)


الحرب مشهورة النسبة إلى داود نبي الله ومن جواشن سابغة اللبسة ذهبية الحلية هندية الضرب ديباجية الثوب ومن بيضات عسجدية الطرق جوهرية التنضيد زبرجدية التقسيم ياقوتية المركز ومن مناطق لجينية الصوغ عريضة الشكل مزججة الصفح ومن درق لمطية مصمتة المسام لينة المجسة معروفة المنعة صافية الأديم ومن قسي ناصعة الصبغة هلالية الخلقة منعطفة الجوانب زارية بالحواجب إلى آلات فاخرة من أتوار نحاسية ومنابر بلورية وطيافير دمشقية وسبحات زجاجية وصحاف صينية واكواب عراقية وأقداح طباشيرية وسوى ذلك مما لا يحيط به الوصف ولا يستوفيه العد وكل ذلك التهبه شواظ الفتنة والتقمه تيار الخلاف والفرقة فرزئت الدار منه بما يتعذر إتيان الدهور بمثله وتقصر ديار الملوك المؤثلة النعمة عن بعضه فضلا عن كله انتهى كلامه رحمه الله تعالى
رجع - ولما أخذت قواعد الأندلس مثل قرطبة وإشبيلية وطليطلة ومرسية وغيرها انحاز أهل الإسلام إلى غرناطة والمرية ومالقة ونحوها وضاق الملوك بعد اتساعه وصار تنين العدو يلتقم كل وقت بلدا او حصنا ويهصر من دوح تلك البلاد غصنا وملك هذا النزر اليسير الباقي من الجزيرة ملوك بني الأحمر فلم يزالوا مع العدو في تعب وممارسة كما ذكره ابن عاصم قريبا وربما أثخنوا في الكفار كما علم في أخبارهم وانتصروا بملوك فاس بني مرين في بعض الأحايين
ولما قصد ملوك الإفرنج السبعة في المائة الثامنة غرناطة ليأخذوها اتفق أهلها على أن يبعثوا لصاحب المغرب من بني مرين يستنجدونه وعينوا للرسالة الشيخ

(4/510)


أبا اسحاق ابن أبي العاصي والشيخ أبا عبدالله الطنجالي والشيخ ابن الزيات البلشي نفع الله تعالى بهم ثم بعد سفرهم نازل الإفرنج غرناطة بخمسة وثلاثين ألف فارس ونحو مائة الف راجل مقاتل ولم يوافقهم سلطان المغرب فقضى الله تعالى ببركة المشايخ الثلاثة أن كسر النصارى في الساعة التى كسر خواطرهم فيها صاحب المغرب وظهرت في ذلك كرامة لسيدي أبي عبدالله الطنجالي رحمه الله تعالى
ثم إن بني الأحمر ملوك الأندلس الباقية بعد استيلاء الكفار على الجل كانوا في جهاد وجلاد في غالب أوقاتهم ولم يزل ذلك شأنهم حتى أدرك دولتهم الهرم الذي يلحق الدول فلما كان زمان السلطان أبي الحسن على بن سعد النصري الغالبي الأحمري واجتمعت الكلمة عليه بعد أن كان أخوه أبو عبدالله محمد ابن سعد المدعو بالزغل قد بويع بمالقة بعد ان جاء به القواد من عند النصارى وبقي بمالقة برهة من الزمان ثم ذهب إلى أخيه وبقي من بمالقة من القواد والرؤساء فوضى وآل الحال إلى أن قامت مالقة بدعوة السلطان أبي الحسن وانقضت الفتنة واستقل السلطان أبو الحسن بملك ما بقي بيد المسلمين من بلاد الأندلس وجاهد المشركين وافتتح عدة اماكن ولاحت له بارقة الكرة على العدو الكافر وخافوه وطلبوا هدنته وكثرت جيوشه فأجمع على عرضها كلها بين يديه وأعد لذلك مجلسا أقيم له بناؤه خارج الحمراء قلعة غرناطة وكان ابتداء هذا العرض يوم الثلاثاء تاسع عشر ذي الحجة عام اثنين وثمانين وثمانمائة ولم تزل الجنود تعرض عليه كل يوم إلى الثاني والعشرين من محرم السنة التى تليها وهو يوم ختام العرض وكان معظم المتنزهين والمتفرجين بالسبيكة وماقارب ذلك فبعث الله تعالى سيلا عرما على وادي حدره بحجارة وماء غزير كأفواه القرب عقابا من الله سبحانه وتأديبا لهم لمجاهرتهم بالفسق والمنكر واحتمل الوادي ماعلى حافتيه من المدينة من حوانيت ودور ومعاصر وفنادق وأسواق وقناطر وحدائق وبلغ تيار السيل إلى رحبة الجامع الأعظم

(4/511)


ولم يسمع بمثل هذا السيل في تلك البلاد وكان بين رؤساء الإفرنج في ذلك الوقت اختلاف فبعضهم استقل بملك قرطبة وبعض بإشبيلية وبعض بشريش وعلى ذلك كان صاحب غرناطة السلطان أبو الحسن قد استرسل في اللذات وركن الى الراحات وأضاع الأجناد وأسند الأمر إلى بعض وزرائه واحتجب عن الناس ورفض الجهاد والنظر في الملك ليقضي الله تعالى ما شاء وكثرت المغارم والمظالم فأنكر الخاصة والعامة ذلك منه وكان أيضا قد قتل كبار القواد وهو يظن ان النصارى لا يغزون بعد البلاد ولا تنقضي بينهم الفتنة ولا ينقطع الفساد واتفق ان صاحب قشتالة تغلب على بلادها بعد حروب وانقاد له رؤساء الشرك المخالفون ووجدت النصارى السبيل إلى الإفساد والطريق إلى الإستيلاء على البلاد وذلك أنه كان للسلطان أبي الحسن ولدان محمد ويوسف وهما من بنت عمه السلطان أبي عبدالله الأيسر وكان قد اصطفى على أمهما رومية كان لها منه بعض ذرية وكانت حظية عنده مقدمة في كل قضية فخيق ان يقدم أولاد الرومية على أولاد بنت عمه السنية وحدث بين خدام الدولة التنافر والتعصب لميل بعضهم إلى أولاد الحرة وبعض إلى أولاد الرومية وكان النصارى أيام الفتنة بينهم هادنوا السلطان لأمد حددوه وضربوه ولما تم امد الصلح وافق وقته هذا الشان بين أولياء الدولة بسبب الأولاد وتشكى الناس مع ذلك بالوزير والعمال لسوء ما عاملوا به الناس من الحيف والجور فلم يصغ إليهم وكثر الخلاف واشتد الخطب وطلب الناس تأخير الوزير وتفاقم الأمر وصح عند النصارى لعنهم الله تعالى ضعف الدولة واختلاف القلوب فبادروا إلى الحامة فأخذوها غدرا آخر أيام الصلح على يد صاحب قادس سنة سبع وثمانين وثمانمائة وغدوا للقلعة وتحصنوا بها ثم شرعوا في أخذ البلد فملأوا الطرق خيلا ورجالا وبذلوا السيف فيمن ظهر من المسلمين ونهبوا

(4/512)


الحريم والناس في غفلة نيام من غير استعداد كالسكارى فقتل من قضي الله تعالى بتمام أجله وهرب البعض وترك اولاده وحريمه واحتوى العدو على البلد بما فيه وخرج العامة والخاصة من أهل غرناطة عندما بلغهم العلم وكان النصارى عشرة آلاف بين ماش وفارس وكانوا عازمين على الخروج بما غنموه وإذا بالسرعان من أهل غرناطة وصلوا فرجع العدو الى البلد فحاصرهم المسلمون وشددوا في ذلك ثم تكاثر المسلمون خيلا ورجالا من جميع بلاد الأندلس ونازلوا الحامة وطمعوا في منع الماء عن العدو وتبين للعامة ان الجند لم ينصحوا فأطلقوا ألسنتهم بأقبح الكلام فيهم وفي الوزير وبينما هم كذلك إذا بالنذير جاء ان النصارى أقبلوا في جمع عظيم لإغاثة من بالحامة من النصارى فأقلع جند المسلمين من الحامة وقصدوا ملاقاة الواردين من بلاد العدو ولما علم بهم العدو ولوا الأدبار من غير ملاقاة محتجين بقلتهم وكان رئيسهم صاحب قرطبة
ثم إن صاحب إشبيلية جمع جندا عظيما من جيش النصارى الفرسان والرجالة واتى لنصرة من في الحامة من النصارى وعندما صح هذا عند العسكر اجتمعوا وأشاعوا عند الناس انهم خرجوا بغير زاد ولا استعداد والصلاح الرجوع إلى غرناطة ليستعد الناس ويأخذوا ما يحتاج إليه الحصار من العدة والعدد فعندما أقلع المسلمون عنها دخلتها النصارى والواردون وتشاوروا في اخلائها أو سكناها واتفقوا على الاقامة بها وحصنوها وجعلوا فيها جميع ما يحتاج إليه وانصرف صاحب إشبيلية وترك أجناده وفرق فيهم الأموال ثم عاد المسلمون لحصارها وضيقوا عليها وطمعوا فيها من جهة موضع كان النصارى في غفلة عنه ودخل على النصارى جملة وافرة من المسلمين وخاب السعد بذلك بأن شعر بهم النصارى فعادوا عليهم وتردى بعضهم من أعلى الجبل وقتل أكثرهم وكانوا من أهل بسطة ووادي آش فانقطع أمل الناس من الحامة ووقع الإياس من ردها

(4/513)


وفي جمادى الأولى من السنة تواترت الأخبار أن صاحب قشتالة أتى في جنود لا تحصى ولا تحصر فاجتمع الناس بغرناطة وتكلموا في ذلك وإذا به قد قصد لوشة ونازلها قصدا ان يضيفها إلى الحامة وجاء بالعدة والعدد واغارت على النصارى جملة من المسلمين فقتلوا من لحقوه وأخذوا جملة من المدافع الكبار ثم جاءت جماعة أخرى من أهل غرناطة وناوشوا النصارى فألجؤوهم إلى الخروج عن الخيام وأخذوها وغيرها فهرب النصارى وتركوا طعاما كثيرا وآلة ثقيلة وذلك في السابع والعشرين من جمادى الأولى من السنة المذكورة
وفي هذا اليوم بعينه هرب الأميران أبو عبدالله محمد وأبو الحجاج يوسف خوفا من أبيهما أن يفتك بهما بإشاره حظيته الرومية ثريا واستقرا بوادي آش وقامت بدعوتهما ثم بايعتهما تلك البلاد المرية وبسطة وغرناطة وهرب أبوهما السلطان أبو الحسن إلى مالقة
وفي صفر سنة ثمان وثمانين وثمانمائة اجتمع جميع رؤساء النصارى وقصدوا قرى مالقة وبلش في نحو الثمانية آلاف وفيهم صاحب إشبيلية وصاحب شريش وصاحب إستجة وصاحب أنتقيرة وغيرهم فلم يتمكنوا من اخذ حصن ونشبوا في اوعار ومضايق وخنادق وجبال واجتمع عليهم أهل بلش ومالقة وصار المسلمون ينالون منهم في كل محل حتى بلغوا مالقة ففر كبيرهم ومن بقي أسر أو قتل وكان السلطان ابو الحسن في ذلك الوقت قد تحرك لنواحي المنكب وبقي أخوه أبو عبدالله بمالقة ومعه بعض الجند وقتل من النصارى في هذه الوقعة نحو ثلاثة آلاف وأسر نحو ألفين من جملتها خال السلطان وصاحب إشبيلية وصاحب شريش وصاحب انتقيرة وغيرهم وهم نحو الثلاثين من الأكابر وغنم المسلمون غنيمة وافرة من الأنفس والأموال والعدة والذهب والفضة وبعقب ذلك سافر أهل مالقة لبلاد النصارى فكسروا هنالك كسرة شنيعة قتل فيها أكثر قواد غرب الأندلس

(4/514)


ولما استقر السلطان ابو عبدالله ابن السلطان أبي الحسن بغرناطة وطاعت له البلاد غير مالقة والغربية تحرك السلطان أبو الحسن على المنكب ونواحيها وأتى ابنه السلطان أبو عبدالله في جند غرناطة والجهة الشرقية والتقوا في موضع يعرف بالدب فكسر السلطان أبو عبدالله
ولما سمع السلطان أبو عبدالله صاحب غرناطة بان عمه بمالقة غنم من النصارى أعمل السفر للغزو بأهل بلاده من غرناطة والشرقية وذلك في ربيع الأول من السنة إلى ان بلغ نواحي لشانة وقتل وأسر وغنم فتجمعت عليه النصارى من جميع تلك النواحي ومعه كبير قبرة وحالوا بين المسلمين وبلادهم في جبال وأوعار فانكسر الجند وأسر من الناس كثير وقتل آخرون وكان في جملة من أسر السلطان ابو عبدالله ولم يعرف ثم علم به صاحب لشانة وأراد صاحب قبرة أن يأخذه منه فهرب به ليلا وبلغه الى صاحب قشتالة ونال بذلك عنده رفعة على جميع القواد وتفاءل به فقلما توجه لجهة او بعث سرية إلا وبعثه فيها
ولما أسر السلطان أبو عبدالله اجتمع كبراء غرناطة وأعيان الأندلس وذهبوا لمالقة للسلطان أبي الحسن وذهبوا به لغرناطة وبايعوه مع انه كان أصابه مثل الصرع إلى أن ذهب بصره وأصابه ضرر ولما تعذر أمره قدم أخاه أبا عبدالله وخلع له نفسه ونزل بالمنكب فأقام بها إلى أن مات واستقل اخوه أبو عبدالله المعروف بالزغل بالملك بعده
واما أبو عبدالله ابن السلطان أبي الحسن فهو في أسر العدو
وفي شهر ربيع الآخر من سنة تسعين وثمانمائة خرج العدو في قوة إلى نواحي مالقة بعد ان كان في السنة قبلها استولى على حصون فاستولى هذه السنة على بعض الحصون وقصد ذكوان فهد أسوارها وكان بها جملة من اهل الغربية ورندة ودخل ألف مدرع ذكوان عنوة فأظفر الله تعالى بهم أهل ذكوان فقتلوهم جميعا ثم طلبوا الأمان وخرجوا

(4/515)


ثم انتقل في جمادى الأولى إلى رندة وحاصرها وكان اهلها خرجوا إلى نصرة ذكوان وسواها فحاصر رندة وهد أسوارها وخرج اهلها على الأمان وطاعت له جميع تلك البلاد ولم يبق بغربي مالقة إلا من دخل في طاعة الكافر وتحت ذمته وضيق بمالقة وفرق حصصه على بعض الحصون ليحاصروا مالقة وعاد إلى بلاده
وفي تاسع عشر شعبان من العام سافر صاحب غرناطة لتحصين بعض البلاد وبينما هو كذلك إذا بالخبر جاءه ان محلة العدو خارجة لذلك الحصن
وفي صبيحة الثاني والعشرين من شعبان أصبحت جنودالنصارى على الحصن كانوا قد سروا إليه ليلا وأصبحوا عند الفجر مع جند المسلمين فقاتلهم المسلمون من غير تعبية فاختل نظام المسلمين ووصل النصارى إلى خباء السلطان ثم التحم القتال واشتد وقوى الله تعالى المسلمين فهزموا النصارى شر هزيمة وقتل منهم خلائق وقصر المسلمون خوفا من محلة سلطان النصارى إذ كانت قادمة في أثر هذه ولما رجعت إليهم الفلول رجعوا القهقرى واستولى المسلمون على غنائم كثيرة وآلات وجعلوا ذلك كله بالحصن ولم يحدث شيء بعد إلى رمضان فتوجه الكافر لحصن قنبيل ونازله وهد أسواره ولما رأى المسلمون ان الحصن قد دخل طلبوا الأمان وخرجوا بأموالهم واولادهم مؤمنين وفر الناس من تلك المواضع من البراجلة هاربين واستولى العدو على عدة حصون مثل مشاقر وحصن اللوز وضيق العدو بجميع بلاد المسلمين ولم يتوجه لناحية إلا استأصلها ولا قصد جهة إلا اطاعته وحصلها ثم إن العدو دبر الحيلة مع ما هو عليه من القوة فبعث إلى السلطان أبي عبدالله الذي تحت أسره وكساه ووعده بكل ما يتمناه وصرفه لشرقي بسطة واعطاه امال والرجال ووعده ان من دخل تحت حكمه من المسلمين وبايعه من أهل البلاد فإنه في الهدنة والصلح والعهد والميثاق الواقع بين السلطانين وخرج لبلش فأطاعه اهلها ودخلت بلش في طاعته ونودي بالصلح في الأسواق وصرخت

(4/516)


به في تلك البلاد الشياطين وسرى هذا الأمر حتى بلغ أرض البيازين من غرناطة وكانوا من التعصب وحمية الجاهلية والجهل بالمقام الذي لا يخفى وتبعهم بعض المفسدين المحبين في تفريق كلمة المسلمين وممن مال الى الصلح عامة غرناطة لضعف الدولة ووسوس للناس شياطين الفتنة وسماسرتها بتقبيح وتحسين إلى أن قام ربض البيازين بدعوة السلطان الذي كان مأسورا عند المشركين ووقعت فتنة عظيمة في غرناطة نفسها بين المسلمين لما أراده الله تعالى من استيلاء العدو على تلك الأقطار ورجموا البيازين بالحجارة من القلعة وعظم الخطب وكانت الثورة ثالث شهر ربيع لأول عام احد وتسعين وثمانمائة ودامت الفتنة إلى منتصف جمادى الأولى من العام وبلغ الخبر ان السلطان الذي قاموا بدعوته قدم على لوشة ودخلها على وجه رجاء الصلح بينه وبين عمه الزغل صاحب قلعة غرناطة بان العم يكون له الملك وابن أخيه تحت إيالته بلوشة او بأي المواضع أحب ويكونون يدا واحدة على عدو الدين وبينما هم في هذا إذا بصاحب قشتالة قد خرج بجند عظيم ومحلة قوية وعدد وعدد ونازل لوشة حيث السلطان أبو عبدالله الذي كان أسيرا وضيق بها الحصار وقد كان دخلها جماعة من اهل البيازين بنية الجهاد والمعاضدة وليهم وخاف اهل غرناطة وسواها من أن يكون ذلك حيلة فلم يأت لنصرتهم غير البيازين واشتد عليهم الحصار وكثرت الأقاويل وصرحت الألسن بان ذلك باتفاق بين السلطان المأسور وصاحب قشتالة ودخل على أهل لوشة في ربضهم وخافوا من الاستئصال فطلبوا الأمان في اموالهم وأنفسهم وأهليهم فوفى لهم صاحب قشتالة بذلك واخذ البلد في السادس والعشرين لجمادى الأولى سنة احدى وتسعين وثمانمائة وهي أعني لوشة كانت بلد سلف الوزير لسان الدين ابن الخطيب كما ذكرناه مستوفى في غير هذا الموضع وهاجر أهل لوشة الى غرناطة وبقي السلطان أبو عبدالله الذي كان مأسورا مع النصراني بلوشة فصرح عند ذلك أهل غرناطة بانه ماجاء للوشة إلا ليدخل إليها العدو الكافر

(4/517)


ويجعلها فداء له وقيل إنه سرح له حينئذ ابنه إذ كان مرهونا في الفداء وكثر القيل والقال بينهم وبين اهل البيازين في ذلك وظهر بذلك ما كان كامنا في القلوب ثم رجع صاحب قشتالة إلى بلاده ومعه السلطان المذكور
وفي نصف جمادى الثانية خرج إلى إلبيرة فهد بعض الأسوار وتوعد الناس فأعطاه اهله الحصن على الأمان فخرجوا وقدموا على غرناطة ثم فعل بحص المتلين مثل ذلك وقاتلوا قتالا شديدا ولما ضاقوا ذرعا اعطوه بالمقادة على الأمان فخرجوا الى غرناطة وأطاع أهل قلنبيرة من غير قتال فخرجوا إلى غرناطة ثم وصل العدو إلى منت فريد فرمى عليهم بالمحرقات وغيرها وأحرق دار العدة فطلبوا الأمان وخرجوا إلى غرناطة وانتقل للصخرة فاخذها وحصن هذه الحصون كلها وشحنها بالرجال والعدة ورتب فيها الخيل لمحاصرة غرناطة ثم عاد الكافر لبلاده وتعاهد مع السلطان الذي في أسره بأن من دخل في حكمه وتحت امره فهو في الأمان التام وأشعاعوا ان ذلك بسبب فتنة وقعت بينه وبين صاحب إفرنسية فخرج لبلش واطاعته ثم بعث لمن والاه من البلاد انه اتى بصلح صحيح وعقد وثيق وان من دخل تحت أمره أمن من حركة النصارى عليه وأن معه وثائق بخطوط السلاطين فلم يقبل الناس ذلك إلا القليل منهم مثل اهل البيازين فلهجوا بهذا الصلح وأقاموا على صحته الدلائل وتكلموا في اهل غرناطة بالكلام القبيح مع تمكن الفتنة والعداوة في القلوب فبعث له اهل البيازين انه إذا قدم بهذه الحجج لتلك الجهات اتبعه الناس وقاموا بدعوته من غير التباس فأتى على حين غفلة ولم يكن يظن إتيانه بنفسه فاتى البيازين ودخلها ونادى في أسواقها بالصلح التام الصحيح فلم يقبل ذلك منه أهل غرناطة وقالو ما بعهد لوشة من قدم ودخل ربض البيازين سادس شوال سنة احدى وتسعين وثمانمائة وعمه بالحمراء

(4/518)


انتقل للقلعة واشتد امر الفتنة ثم إن صاحب قشتالة أمد صاحب البيازين بالرجال والعدة والمال والقمح والبارود وغيرها واشتد أمره بذلك وعظمت أسباب الفتنة وفشا في الناس القتل والنهب ولم يزل الامر كذلك إلى السابع والعشرين من محرم سنة اثنتين وتسعين وثمانمائة فعزم اهل غرناطة مع سلطانهم على الدخول على البيازين عنوة وتكلم أهل العلم فيمن انتصر بالنصارى ووجوب مدافعته ومن أطاعه عصى الله ورسوله ودخلوا على اهل البيازين دخول فشل ثم إن صاحب غرناطة بعث إلى الأجناد والقواد من أهل بسطة ووادي آش والمرية والمنكب وبلش ومالقة وجميع الاقطار وتجمعوا بغرناطة وتعاهدوا وتحالفوا على أن يدهم واحدة على اعداء الدين ونصرة من قصده العدو من المسلمين وخاف صاحب البيازين فبعث لصاحب قشتالة في ذلك فخرج بمحلته قاصدا نواحي بلش وكان صاحب البيازين بعث وزيره إلى ناحية مالقة وإلى حصن المنشأة يذكر ويخوف ومعه النسخة من عقود الصلح فقامت مالقة وحصن المنشأة بدعوته ودخلوا في إيالته خوفا من صاحب قشتالة وصولته وطمعا في الصلح وصحته ثم اجتمع كبار مالقة مع أهل بلش وذكروا لهم سبب دخولهم في هذه الدعوة والسبب الحامل لهم على ذلك فلم يرجع اهل بلش عما عاهدوا عليه اهل غرناطة وسائر الأندلس من العهود والمواثيق
وخرج صاحب قشتالة قاصدا بلش مالقة ونزل عليها في ربيع الثاني سنة اثنتين وتسعين وثمانمائة وحاصرها ولما صح عند صاحب غرناطة ذلك اجتمع بالناس فأشاروا بالمسير لإغاثة بلش للعهد الذي عقدوه واتى اهل وادي آش وغيرها وحشود البشرات وخرج صاحب غرناطة منها في الرابع والعشرين لربيع الثاني من السنة ووصل بلش فوجد العدو نازلا عليها برا وبحرا فنزل بجبل هنالك وكثر لغط الناس وحملوا على النصارى من غير تعبية وحين حركتهم للحملة بلغ السلطان الزغل ان غرناطة بايعت صاحب البيازين فالتقوا مع النصارى فشلين وقبل الالتحام انهزموا وتبددت جموعهم مع كون

(4/519)


النصارى خائفين وجلين منهم ولا حول ولا قوة إلا بالله فرجعوا منهزمين وقد شاع عند الخواص ثورة غرناطة على السلطان فقصدوا وادى آش وعاد النصارى الى بلش بعد ان كانوا رتبوا جيوشهم للقاء السلطان واهل غرناطة فلما عادوا إلى بلش دخلوا عنوة ربضها وضيقوا بها وكانت ثورة غرناطة خامس جمادى الأولى
ولما رأى اهل بلش تكالب العدو عليهم وادبار جيوش المسلمين عنهم طلبوا الأمان فخرجوا يوم الجمعة عاشر جمادى الأولى من السنة واطاعت النصارى جميع البلاد التى بشرقي مالقة وحصن قمارش
ثم انتقل العدو الى حصار مالقة وكان أهل مالقة قد دخلوا في الصلح وأطاعوا صاحب البيازين وأتى إليها النصارى بالميرة ولما نزل بلش بعثوا هدية لصاحب قشتالة مع قائدهم وزير صاحب البيازين وقائد شريش الذي كان مأسورا عندهم فلم يلتفت إليهم صاحب قشتاله لقيام جبل فاره وهو حصن مالقة بدعوة صاحب وادي آش وارتحل صاحب قشتالة إلى مالقة ونازلها برا وبحرا وقاتله أهلها قتالا عظيما بمدافعهم وعدتهم وخيلهم ورجلهم وطال الحصار حتى اداروا على مالقة من البر الخنادق والسور والأجفان من البحر ومنع الداخل إليها ولم يدخلها غير جماعة من المرابطين حال الحصار وحاربوا حربا شديدا وقربوا المدافع ودخلوا الأرباض وضيقوا عليهم بالحصار إلى أن فني ما عندهم من الطعام فأكلوا المواشي والخيل والحمير وبعثوا الكتب للعدوتين وهم طامعون في الإغاثة فلم يأت إليهم احد وأثر فيهم الجوع وفشا في أهل نجدتهم القتل ولم يظهروا مع ذلك هلعا ولا ضعفا إلى أن ضعف حالهم ويئسوا من ناصر او مغيث من البر والبحر فتكلموا مع النصارى في الأمان كما وقع ممن سواهم فعوتبوا على ماصدر منهم وما وقع من الجفاء وقيل لهم

(4/520)


لما تحقق العدو التجاءهم تؤمنون من الموت وتعطون مفتاح القلعة والحصن والسلطان ما يعاملكم إلا بالخير اذا فعلتم وهذا خداع من الكفار فلما تمكن العدو منهم أخذهم أسرى وذلك اواخر شعبان سنة اثنتين وتسعين وثمانمائة ولم يبق في تلك النواحي موضع إلا وملكه النصارى
وفي عام ثلاثة وتسعين وثمانمائة خرج العدو الكافر إلى الشرقية وبلش التى كانت في الصلح فاستولى عليها واحتجوا بالصلح فلم يلتفت إليهم وأخذ تلك البلاد كلها صلحا ثم رجع لبلاده
وفي عام أربعة وتسعين وثمانمائة خرج لبعض حصون بسطة فأخذها بعد حرب واستولى على ما هنالك من الحصون ثم نازل بسطة وكان صاحب وادي آش لما تعين العدو بمحلته بعث جميع جنده وقواده وحشد اهل نجدة تلك البلاد من وادي آش والمرية والمنكب والبشرات فلما نزل العدو بسطة اتت الحشود المذكورة ودخلوها ووقعت بين المسلمين والنصارى حروب عظيمة حتى تقهقر العدو عن قرب بسطة ولم يقدر على منع الداخل والخارج وبقي الأمر كذلك رجبا وشعبان ورمضان ومحلات المسلمين نازلة خارج البلد ثم ان العدو شد الحصار وجد في القتال وقرب المدافع والآلات من الأسوار حتى منع الداخل والخارج بعض منع واشتد الحال في ذي القعدة وذي الحجة وقل الطعام وفي آخر ذي الحجة اختبروا الطعام في خفية فلم يجدوا الا القليل وكانوا طامعين في اقلاع العدو عند دخول فصل الشتاء وإذا بالعدو بنى وعزم على الإقامة وقوي اليأس على المسلمين فتكلموا في الصلح على ما فعل غيرهم من الأماكن وظن العدو أن الطعام لم يبق منه شيء وان ذلك هو الملجىء لهم للكلام وفهموا عنه ذلك فاحتالوا في إظهار جميع انواع الطعام بالأسواق وأبدوا للعدو القوة مع كونهم في غاية الضعف والحرب خدعة فدخل بعض كبار النصارى للتكلم معهم وهو عين ليرى ما عليه البلد وما صفة الناس وعند تحققهم بقاء الطعام والقوة أعطوهم الأمان على أنفسهم دون من اعانهم من أهل

(4/521)


وادي آش والمنكب والمرية والبشرات فإن دفعوا هؤلاء عنهم صح لهم الأمان وإلا فلا فلم يوافق أهل البلد على هذا وطال الكلام وخاف أهل البلد من كشف الستر فاتفقوا على ان تكون العقدة على بسطة ووادي آش والمرية والمنكب والبشرات ففعلوا ذلك ودخل جميع هؤلاء فى طاعة العدو على شروط شرطوها وأمور أظهروا بعضها للناس وبعضها مكتوم وقبض الخواص مالا وحصلت لهم فوائد
وفي يوم الجمعة عاشر محرم سنة خمس وتسعين وثمانمائة دخل النصارى قلعة بسطة وملكوها ولم يعلم القوام كيفية ما وقع عليه الشرط والالتزام وقالوا لهم من بقي بموضعه فهو آمن ومن انصرف خرج بماله وسلاحه سالما ثم أخرج العدو المسلمين من البلد وأسكنهم بالربض خوف الثورة ثم ارتحل العدو للمرية وأطاعته جميع تلك البلاد ونزل صاحب وادي آش للمرية ليلقاه بها فلقيه وأخذ الحصون والقلاع والبروج وبايع له السلطان أبو عبدالله على أن يبقى تحت طاعته في البلاد التى تحت حكمه كما أحب فوعده بذلك وانصرف معه إلى وادي آش ومكنه من قلعتها أوائل صفر من العام المذكور وأطاعته جميع البلاد ولم يبق غير غرناطة وقراها وجميع ماكان في حكم صاحب وادي آش صار للنصارى في طرفة عين وجعل في كل قلعة قائدا نصرانيا وكان قائد من المسلمين أصحاب هذه البلاد دفع لهم الكفار مالا من عند صاحب قشتالة إكراما منه لهم بزعمهم فتبا لعقولهم وما ذلك منه إلا توفير لرجاله وعدته ودفع بالتى هي أحسن ثم أخذ برج الملاحة وغيره وبناه وحصنه وشحن الجميع بالرجال والذخيرة وأظهر الصحبة والصلح مع صاحب وادي آش وأباح الكلام بالسوء في حق صاحب غرناطة مكرا منه وخداعا ودهاء ثم بعث في السنة نفسها رسلا لصاحب غرناطة أن يمكنه من الحمراء كما مكنه عمه من القلاع والحصون ويكون تحت إيالته ويعطيه مالا جزيلا على ذلك وأي بلاد شاء من الأندلس يكون فيها تحت حكمه قالوا

(4/522)


وأطمعه صاحب غرناطة في ذلك فخرج العدو في محلاته لقبض الحمراء والاستيلاء على غرناطة وهذا في سر بين السلطانين فجمع صاحب غرناطة الأعيان والكبراء والأجناد والفقهاء والخاصة والعامة وأخبرهم بما طلب منه العدو وأن عمه أفسد عليه الصلح الذي كان بينه وبين صاحب قشتالة بدخوله تحت حكمه وليس لنا إلا احدى خصلتين الدخول تحته أو القتال فاتفق الرأي على الجهاد والوفاء بما عقده من صلح وخرج بمحلته ثم إن صاحب قشتالة نزل على مرج غرناطة وطلب من أهل غرناطة الدخول في طاعته وإلا أفسد عليهم زروعهم فأعلنوا بالمخالفة فأفسد الزرع وذلك في رجب سنة خمس وتسعين وثمانمائة ووقعت بين المسلمين والعدو حروب كثيرة ثم ارتحل العدو عند الإياس منهم ذلك الوقت وهدم بعض الحصون وأصلح برج همدان والملاحة وشحنهما بما ينبغي ثم رجع إلى بلاده وعند انصرافه نزل صاحب غرناطة بمن معه إلى بعض الحصون التى في يد النصارى ففتحها عنوة وقتل من فيها من النصارى وأسكنها المسلمين ورجع لغرناطة ثم أعمل الرحلة الى البشرات في رجب المذكور فأخذ بعض القرى وهرب من بها من النصارى والمرتدين أصحابهم ثم أتى حصن أندرش فتمكن منه وأطاعته البشرات وقامت دعوة الإسلام بها وخرجوا عن ذمة النصارى وهنالك عمه أبو عبدالله محمد بن سعد بجملة وافرة فقصدهم في شعبان من غرناطة واستقر عمه بالمرية واطاعت صاحب غرناطة جميع البشرات إلى برجة ثم تحرك عمه مع النصارى إلى أندرش فأخذها لرمضان وخرج صاحب غرناطة لقرية همدان وكان برجها العظيم مشحونا بالرجال والعدة والطعام فحاصره أهل غرناطة ونصبوا عليه انواعا من الحرب ومات فيه خلق كثير منهم ونقبوا البرج الأول والثاني والثالث وألجؤوهم للبرج الكبير وهو القلعة فنقبوها ثم أسروا من كان بها وهم ثمانون ومائة واحتووا على ما هنالك من عدة وآلات حرب

(4/523)


وفي آخر رمضان خرج صاحب غرناطة بقصد المنكب فلما وصل حصن شلوبانية نزله وأخذه عنوة بعد حصاره وامتنعت القلعة وجاءتهم الأمداد من مالقة بحرا فلم تقدر على شيء وضيقوا بالقلعة فوصلهم الخبر أن صاحب قشتالة خرج بمحلته لمرج غرناطة فارتحل صاحب غرناطة عن قلعة شلوبانية وجاء غرناطة ثالث شوال وبعد وصولهم غرناطة وصل العدو إلى المرج ومعه المرتدون والمدجنون وبعد ثمانية أيام ارتحل العدو لبلاده بعد هدم برج الملاحة وإخلائه وبرج آخر وتوجه إلى وادي آش فأخرج المسلمين منها ولم يبق بها مسلم في المدينة ولا الربض وهدم قلعة أندرش وحاف على البلاد ولما رأى ذلك السلطان الزغل وهو أبو عبداله محمد بن سعد عم سلطان غرناطة بادر بالجواز لبر العدوة فجاز لوهران ثم لتلمسان واستقر بها وبها نسله إلى الآن يعرفون ببني سلطان الأندلس ودخل صاحب قشتالة لأقاصي مملكته بسبب فتنة بينه وبين الإفرنج ثم تحرك صاحب غرناطة على برشانة وحاصرها وأخذها وأسر من كان بها من النصارى وأرادت فتيانه القيام على النصارى فجاء صاحب وادي آش ففتك فيهم
وفي ذي القعدة من السنة رفع صاحب غرناطة من السند وخلت تلك الأوطان من الانس
وفي ثاني عشري جمادى الآخرة سنة ست وتسعين وثمانمائة خرج العدو بمحلاته إلى مرج غرناطة وأفسد الزرع ودوخ الأرض وهدم القرى وأمر ببناء موضع بالسور والحفير وأحكم بناءه وكانوا يذكرون أنه عزم على الانصراف فإذا به صرف الهمة إلى الحصار والإقامة وصار يضيق على غرناطة كل يوم ودام القتال سبعة أشهر واشتد الحصار بالمسلمين غير ان النصارى على بعد والطريق بين غرناطة والبشرات متصلة بالمرافق والطعام من ناحية

(4/524)


جبل شلير إلى أن تمكن فصل الشتاء وكلب البرد ونزل الثلج فانسد باب المرافق وقطع الجالب وقل الطعام واشتد الغلاء وعظم البلاء واستولى العدو على أكثر الأماكن خارج البلد ومنع المسلمين من الحرث والسبب وضاق الحال وبان الاختلال وعظم الخطب وذلك اول عام سبعة وتسعين وثمانمائة وطمع العدو في الاستيلاء على غرناطة بسبب الجوع والغلاء دون الحرب ففر ناس كثيرون من الجوع الى البشرات ثم اشتد الأمر في شهر صفر من السنة وقل الطعام ثم تفاقم الخطب فاجتمع ناس مع من يشار اليه من أهل العلم وقالوا انظروا في أنفسكم وتكلموا مع سلطانكم فأحضر السلطان أهل الدولة وأرباب المشورة وتكلموا في هذا المعنى وأن العدو يزداد مدده كل يوم ونحن لا مدد لنا وكان ظننا انه يقلع عنا في فصل الشتاء فخاب الظن وبنى وأسس وأقام وقرب منا فانظروا لأنفسكم وأولادكم فاتفق الرأي على ارتكاب أخف الضررين وشاع أن الكلام وقع بين النصارى ورؤساء الأجناد قبل ذلك في اسلام البلد خوفا على نفوسهم وعلى الناس ثم عددوا مطالب وشروطا أرادوها وزادوا أشياء على ما كان في صلح وادي آش منها أن صاحب رومة يوافق على الالتزام والوفاء بالشرط إذا امكنوه من حمراء غرناطة والمعاقل والحصون ويحلف على عادة النصارى في العهود وتكلم الناس في ذلك وذكروا أن رؤساء أجناد المسلمين لما خرجوا للكلام في ذلك امتن عليهم النصارى بمال جزيل وذخائر ثم عقدت بينهم الوثائق على شروط قرئت على أهل غرناطة فانقادوا إليها ووافقوا عليها وكتبوا البيعة لصاحب قشتالة فقبلها منهم ونزل سلطان غرناطة من الحمراء
وفي ثاني ربيع الأول من السنة أعني سنة سبع وتسعين وثمانمائة استولى النصارى على الحمراء ودخلوها بعد أن استوثقوا من أهل غرناطة بنحو خمسمائة من الأعيان رهنا خوف الغدر وكانت الشروط سبعة وستين منها تأمين الصغير والكبير في النفس والأهل والمال وإبقاء الناس في أماكنهم ودورهم ورباعهم

(4/525)


وعقارهم ومنها إقامة شريعتهم على ماكانت ولا يحكم احد عليهم إلا بشريعتهم وأن تبقى المساجد كما كانت والأوقاف كذلك وأن لا يدخل النصارى دار مسلم ولا يغصبوا أحدا وأن لا يولى على المسلمين إلا مسلم أو يهودي ممن يتولى عليهم من قبل سلطانهم قبل وأن يفتك جميع من أسر في غرناطة من حيث كانوا وخصوصا أعيانا نص عليهم ومن هرب من أسارى المسلمين ودخل غرناطة لا سبيل عليه لمالكه ولا سواه والسلطان يدفع ثمنه لمالكه ومن أراد الجواز للعدوة لا يمنع ويجوزون في مدة عينت في مراكب السلطان لا يلزمهم الا الكراء ثم بعد تلك المدة يعطون عشر مالهم والكراء وان لا يؤخذ أحد بذنب غيره وأن لا يقهر من أسلم على الرجوع للنصارى ودينهم وأن من تنصر من المسلمين يوقف أياما حتى يظهر حاله ويحضر له حاكم من المسلمين وآخر من النصارى فإن أبى الرجوع إلى الإسلام تمادى على ما أراد ولا يعاتب على من قتل نصرانيا أيام الحرب ولا يؤخذ منه ما سلب من النصارى أيام العداوة ولا يكلف المسلم بضيافة أجناد النصارى ولا يسفر لجهة من الجهات ولا يزيدون على المغارم المعتادة وترفع عنهم جميع المظالم والمغارم المحدثة ولا يطلع نصراني للسور ولا يتطلع على دور المسلمين ولا يدخل مسجدا من مساجدهم ويسير المسلم في بلاد النصارى آمنا في نفسه وماله ولا يجعل علامة كما يجعل اليهود وأهل الدجن ولا يمنع مؤذن ولا مصل ولا صائم ولا غيره من امور دينه ومن ضحك منه يعاقب ويتركون من المغارم سنين معلومة وان يوافق على كل الشروط صاحب رومة ويضع خط يده وامثال هذا مما تركنا ذكره
وبعد انبرام ذلك ودخول النصارى للحمراء والمدينة جعلوا قائدا بالحمراء وحكاما ومقدمين بالبلد ولما علم ذلك أهل البشرات دخلوا في هذا الصلح وشملهم حكمه على هذه لشروط ثم امر العدو الكافر ببناء ما يحتاج إليه في

(4/526)


الحمراء وتحصينها وتجديد بناء قصورها وإصلاح سورها وصار الطاغية يختلف إلى الحمراء نهارا ويبيت بمحلته ليلا إلى أن اطمأن من خوف الغدر فدخل المدينة وتطوف بها وأحاط خبرا بما يرومه ثم أمر سلطان المسلمين أن ينتقل لسكنى البشرات وانها تكون له وسكناه بأندرش فانصرف إليها وأخرج الأجناد منها ثم احتال في ارتحاله لبر العدوة وأظهر أن ذلك طلبه منه المذكور فكتب لصاحب المرية أنه ساعة وصول كتابي هذا لا سبيل لأحد ان يمنع مولاي أبا عبدالله من السفر حيث أراد من بر العدوة ومن وقف على هذا الكتاب فليصرفه ويقف معه وفاء بما عهد له فصرف في الحين بنص هذا الكتاب وركب البحر ونزل بمليلة واستوطن فاسا وكان قبل طلب الجواز لناحية مراكش فلم يسعف بذلك وحين جوازه لبر العدوة لقي شدة وغلاء ووباء
ثم إن النصارى نكثوا العهد ونقضوا الشروط عروة عروة إلى ان آل الحال لحملهم على المسلمين على التنصر سنة أربع وتسعمائة بعد امور وأسباب أعظمها وأقواها عليهم أنهم قالوا إن القسيسين كتبوا على جميع من كان أسلم من النصارى ان يرجعوا قهرا للكفر ففعلوا ذلك وتكلم الناس ولا جهد لهم ولا قوة ثم تعدوا إلى أمر آخر وهو ان يقولوا للرجل المسلم إن جدك كان نصرانيا فأسلم فترجع نصرانيا ولما فحش هذا الأمر قام أهل البيازين على الحكام وقتلوهم وهذا كان السبب للتنصر قالوا لأن الحكم خرج من السلطان أن من قام على الحاكم فليس إلا الموت إلا أن يتنصر فينجو من الموت وبالجملة فإنهم تنصروا عن آخرهم بادية وحاضرة وامتنع قوم من التنصر واعتزلوا الناس فلم ينفعهم ذلك وامتنعت قرى واماكن كذلك منها بلفيق واندرش وغيرهما فجمع لهم العدو الجموع واستأصلهم عن آخرهم قتلا وسبيا إلا ما كان من جبل بللنقة فإن الله تعالى اعانهم على عدوهم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة مات فيها صاحب قرطبة وأخرجوا على الأمان إلى فاس بعيالهم وما خف من مالهم دون الذخائر ثم بعد هذا كله كان من أظهر التنصر من المسلمين

(4/527)


يعبد الله في خفية ويصلي فشدد عليهم النصارى في البحث حتى انهم أحرقوا منهم كثيرا بسبب ذلك ومنعوهم من حمل السكين الصغيرة فضلا عن غيرها من الحديد وقاموا في بعض الجبال على النصارى مرارا ولم يقيض الله لهم ناصرا إلى ان كان إخراج النصارى إياهم بهذا العصر القريب اعوام سبعة عشر وألف فخرجت ألوف بفاس وألوف أخر بتلمسان من وهران وجمهورهم خرج بتونس فتسلط عليهم الأعراب ومن لا يخشى الله تعالى في الطرقات ونهبوا اموالهم وهذا ببلاد تلمسان وفاس ونجا القليل من هذه المعرة واما الذين خرجوا بنواحي تونس فسلم أكثرهم وهم لهذا العهد عمروا قراها الخالية وبلادها وكذلك بتطاوين وسلا ومتيجة الجزائر ولما استخدم سلطان المغرب الأقصى منهم عسكرا جرارا وسكنوا سلا كان منهم من الجهاد في البحر ماهو مشهور الآن وحصنوا قلعة سلا وبنوا بها القصور والدور والحمامات وهم الآن بهذا الحال ووصل جماعة إلى القسطنطينية العظمى وإلى مصر والشام وغيرها من بلاد الإسلام وهم لهذا العهد على ما وصف والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين
والسلطان المذكور الذي أخذت على يده غرناطة هو أبو عبدالله محمد الذي انقرضت بدولته مملكة الإسلام بالأندلس ومحيت رسومها ابن السلطان أبي الحسن ابن السلطان سعد ابن الأمير على ابن السلطان يوسف ابن السلطان محمد الغني بالله واسطة عقدهم ومشيد مبانيهم الأنيقة وسلطان دولتهم على الحقيقة وهو المخلوع الوافد على الأصقاع المرينية بفاس العائد منها لملكه في أرفع الصنائع الرحمانية العاطرة الأنفاس وهو سلطان لسان الدين ابن الخطيب وقد ذكرنا جملة من أخباره في غير هذا الموضع ابن السلطان أبي الحجاج يوسف ابن السلطان إسماعيل قاتل سلطان النصارى دون بطره بمرج غرناطة ابن فرج

(4/528)


ابن اسماعيل بن يوسف بن نصر بن قيس الأنصاري الخزرجي رحمهم الله تعالى جميعا
وانتهى السلطان المذكور بعد نزوله بمليلة إلى مدينة فاس بأهله وأولاده معتذرا عما أسلفه متلهفا على ما خلفه وبنى بفاس بعض قصور على طريق بنيان الأندلس رأيتها ودخلتها وتوفي رحمه الله تعالى بفاس عام أربعين وتسعمائة ودفن بإزاء المصلى خارج باب الشريعة وخلف ولدين اسم احدهما يوسف والآخر أحمد وعقب هذا السلطان بفاس إلى الآن وعهدي بذريته بفاس سنة 1027 يأخذون من أوقاف الفقراء والمساكين ويعدون من جملة الشحاذين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
رسالة المخلوع أبي عبدالله إلى الشيخ الوطاسي
وقد رأيت ان أذكر هنا الرسالة التى كتب بها المخلوع المذكور الى سلطان فاس الشيخ الوطاسي وهي من انشاء الكاتب المجيد البارع البليغ ابي عبدالله محمد بن عبدالله العربي العقيلي رحمه الله تعالى وسماها بالروض العاطر الأنفاس في التوسل إلى المولى الإمام سلطان فاس ونصها بعد الافتتاح
( مولى الملوك ملوك العرب والعجم ... رعيا لما مثله يرعى من الذمم )
( بك استجرنا ونعم الجار أنت لمن ... جار الزمان عليه جور منتقم )
( حتى غدا ملكه بالرغم مستلبا ... وأفظع الخطب ما يأتي على الرغم )
( حكم من الله حتم لا مرد له ... وهل مرد لحكم منه منحتم )
( وهي الليالي وقاك الله صولتها ... تصول حتى على الآساد في الأجم )
( كنا ملوكا لنا في ارضنا دول ... نمنا بها تحت أفنان من النعم )

(4/529)


( فأيقظتنا سهام للردى صيب ... يرمى بأفجع حتف من بهن رمي )
( فلا تنم تحت ظل الملك نومتنا ... وأي ملك بظل الملك لم ينم )
( يبكي عليه الذي قد كان يعرفه ... بأدمع مزجت أمواهها بدم )
( كذلك الدهر لم يبرح كما زعموا ... يشم بو الصغار الأنف ذا الشمم )
( وصل اواصر قد كانت لنا اشتبكت ... فالملك بين ملوك الأرض كالرحم )
( وابسط لنا الخلق المرجو باسطه ... واعطف ولا تنحرف واعذر ولا تلم )
( لا تأخذنا بأقوال الوشاة ولم ... نذنب ولو كثرت أقوال ذي الوخم )
( فما أطقنا دفاعا للقضاء ولا ... أرادت انفسنا ماحل من نقم )
( ولا ركوبا بازعاج لسابحة ... في زاخر باكف الموج ملتطم )
( والمرء ما لم يعنه الله أضيع من ... طفل تشكى بفقد الام في اليتم )
( وكل ماكان غير الله يحرسه ... فإن محروسة لحم على وضم )
( كن كالسموأل إذ سار الهمام له ... في حجفل كسواد الليل مرتكم )
( فلم يبح أدرع الكندي وهو يرى ... أن ابنه البر قد أشفى على الرجم )
( أو كالمعلى مع الضليل الاروع إذ ... أجاره من أعاريب ومن عجم )
( وصار يشكره شكرا يكافىء ما ... أسدى إليه من الآلاء والنعم )
( ولا تعاتب على أشياء قد قدرت ... وخط مسطورها في اللوح بالقلم )
( وعد عما مضى إذ لا ارتجاع له ... وعد أحرارنا في جملة الخدم )
( إيه حنانيك يا ابن الأكرمين على ... ضيف ألم بفاس غير محتشم )

(4/530)


( فأنت أنت ولولا أنت ما نهضت ... بنا اليها خطا الوخادة الرسم )
( رحماك ياراحما ينمى إلى رحما ... في النفس والأهل والأتباع والحشم )
( فكم مواقف صدق في الجهاد لنا ... والخيل عالكة الأشداق وللجم )
( والسيف يخضب بالمحمر من علق ... ما ابيض من سبل واسود من لمم )
( ولا ترى صدر عضب غير منقصف ... ولا ترى متن لدن غير منحطم )
( حتى دهينا بدهيا لا اقتدار بها ... سوى على الصون للأطفال والحرم )
( فقل من لم يشاهدها فربتما ... يخال جامحها يقتاد بالخطم )
( هيهات لو زبنته الحرب كان بها ... أعيى يدا من يد جالت على رحم )
( تا لله ما أضمرت غشا ضمائرنا ... ولا طوت صحة منها على سقم )
( لكن طلبنا من الأمر الذي طلبت ... ولاتنا قبلنا في الأعصر الدهم )
( فخاننا عنده الجد الخؤون ومن ... تقعد به نكبات الدهر لم يقم )
( فاسود ما اخضر من عيش دهته عدا ... بالأسمر اللدن او بالأبيض الخذم )
( وشتت البين شملا كان منتظما ... والبين أقطع للموصول من جلم )
( فرب مبنى شديد قد أناخ به ... ركب البلا فقرته أدمع الديم )
( قمنا لديه أصيلانا نسائله ... أعيا جوابا وما بالربع من ارم )
( وما ظننا بان نبقى إلى زمن ... نرى به غرر الأحباب كالحمم )
( لكن رضى بالقضا الجاري وإن طويت ... منا الضلوع على برح من الألم )
( لبيك يامن دعانا نحو حضرته ... دعاء ابراهم الحجاج للحرم )
( واعط الأمان الذي رصت قواعده ... على أساس وفاء غير منهدم )
( خليفة الله وافاك العبيد فكن ... في كل فضل وطول عند ظنهم )
( وبين اسلافنا ماقد علمت به ... من اعتقاد بحكم الإرث مقتسم )

(4/531)


( وأنت منهم كأصل مطلع غصنا ... أو كالشراك الذي قد قد من أدم )
( وقد خطوت خطاهم في مآثرهم ... فلم يذموا إذن فيها ولم تذم )
( وصيت مولى الورى الشيخ الامام غدا ... في الناس أشهر من نار على علم )
( سلالة الأمراء الجلة الكبراء ... العلية الظهراء القادة البهم )
( بنو مرين ليوث في عرين ابوا ... رؤيا قرين لهم في البأس والكرم )
( النازلين من البيضاء وسط حمى ... أحمى من الأبلق السامي ومن إرم )
( والجائسين بدهم الخيل كل ذرا ... والداعسين بسمر الخط كل كمي )
( يريك فارسهم إن هز عامله ... في مارق بلظى الهيجاء مضطرم )
( ليثا على أجدل عار من أجنحة ... يسطو بأرقم لداغ بغير فم )
( في اللام يدغم من عساله ألفا ... ولم نجد ألفا أصلا بمدغم )
( أهل الحفيظة يوم الروع يحفظهم ... من عصمة الله ما يربي على العصم )
( يا من تطير شرار منه محرقة ... لكل مدرع بالحزم محتزم )
( هم بطائفة التثليث قد فتكوا ... كمثل ما يفتك السرحان بالغنم )
( وإن يلثمهم يوم الوغى رهج ... أنسوك ما ذكروه عن ذوي اللثم )
( تضىء آراؤهم في كل معضلة ... إضاءة السرج في داج من الظلم )
( هذا ولو من حياء ذاب محتشم ... لذاب منهم حياء كل محتشم )
( طابت مدائحهم إذ طابت أنفسهم ... فاشتقت النسمات اسما من النسم )
( لله درهم والسحب باخلة ... بدرهن على الأنعام والنعم )
( بحيث آلافق يرى من لون حمرته ... كالشيب يخضب بالحناء والكتم )
( هناك تنهل أيديهم بصوب حيا ... يحيي بالاجداث ما فيها من الرمم )
( وأن بيتي زياد طالما ذكرا ... إذ ألمت أحاديث بذكرهم )
( أحلام عاد وأجسام مطهرة ... من لمعقة والآفات والأثم )

(4/532)


( يرون حقا عليهم حفظ جارهم ... فلم يضر نازل فيهم ولم يضم )
( فروعه بالدواهي لا يراع ولا ... يغم منها بما يعرو من الغمم )
( هم البحار سماحا غير ان بها ... ماقد أناف على الأطواد من همم )
( وليس يسلم من حتف محاربهم ... حتى يكون إليهم ملقي السلم )
( كم فيهم من أمير اوحد ندس ... يقرطس الغرض المقصود بالفهم )
( ولا كسبط أبي حسون من حسنت ... امداحه حسن ما فيه من الشيم )
( هذاكم ابن أبي ذكرى الهمام فقل ... في أصله المنتقى من مجده العمم )
( خليفة الله حقا في خليقته ... كنائب ناب في حكم عن الحكم )
( مهما تنر قسمات منه نيرة ... تنل بنازله ماجل من نعم )
( فوجهه بدجى أو كفه بجدى ... أبهى من الزهر او أندى من الديم )
( وفضله وله الفضل المبين جرى ... كجري الامثال في الأقطار والأمم )
( وجوده المتوالي للبرية ما ... وجوده بينها طرا بمنهدم )
( إذا ابتغت نعما منه العفاة له ... لم يسمعوا كلمة منه سوى نعم )
( وإن يعبس زمان في وجوههم ... لم يبصروا غير وجه منه مبتسم )
( وجه تبين سمات المكرمات به ... كما تبين سمات الصدق في الكلم )
( وراحة لم تزل في كل آونة ... في نيلها راحة الشاكي من العدم )
( لله ما التزمته من نوافله ... أيام لا فرض مفروض بملتزم )
( أنسى الخلائف في حلم وفي شرف ... وفي سخاء وفي علم وفي فهم )
( فجاز معتمدا منهم ومعتضدا ... وامتاز عن واثق منهم ومعتصم )
( وناصر الدين في الإقبال فاق وفي ... محبة العلم أزرى بابنه الحكم )
( أفعال أعدائه معتلة أبدا ... متى يرم جزمها بالحذف تنجزم )

(4/533)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية