صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : نثر الدر
المؤلف : الآبي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

حروف وكلمات من المصحف عمدا لا سهوا الخنصر: الحب ضر. متى ألج ببيت هند؟: ميت الحب شهيد.
نرجس طري: برح بي نظري. بمطرف تستري: نم طرفي بسرى. طست حسن: طبيبي: حبيبي. القبعثري وحلبس: ألفت غيري وخليتني فنعت بتكفيلي: في عينيك قتلى. وحموه حدثك بشأني: حمر خديك سباني خشخاش: حبيب خانني. مشمشة ثقيلة: من ينم ينبه بقبلة - صينية حسنة: صب نبه حبيبه. محبرة آبنوس: محب زها ببوس.
كلنى بيمينك فبعني بحبتين: كل شيء منك في عيني حسن. لبب سرج مضري: ليس ترحم ضرى. مسعود: متى تعود؟ الثوب يماني بثوب: ألتوت ثم استوت سعيد بن جبير: نبت عند نرجس. فروج مسمن بحبة: تود جمش من تحبه. تحت الفيل مروحة خيش: تحب القبل من وجه حسن. حبش بن حنين: حبيبي بت بخير. سكباج: ثنيك باخ. كشكية: كنت نكتة. قلنسوة خضرا: قلبي يتوهج ضرا. لمازح مقال يضم: لما رحم قال: نعم.
سوقي جر بعيري: فتش تجرب غيري. ضرب عيني بنواتين: صريع بين نسرين. وآس مسلم بن قيس: متى يلم بي بنو أمية. أليت بربي قد خضعت راهبا: الشرب بقدح صغير أهنأ. أسرتني بيدي: اشرب سيدي.
ومن المقلوب: ظلمتنا: أنت ملط. كرهتنا: أنت هرك. دعوتنا: أنت وغد. أرحتنا: أنت خرا. جفوتنا: أنت وقح: ووقع بعض الوزراء: غرك: عرك فصار: قصار. ذلك: دلك. فاخش: فاحش. فعلك: فعلك. بهذا: تهدأ.
وقع محمد بن عبد الملك بن طاهر إلى ابنه: يا بني: يا بني: مصيبة: مضنية. أمرضى: أمر صبي. مجذور: محذور. عليه: علته. بقرع: يفرع قلبي: لمبي. وأله: وإله. أحمر: أحمد. وقد: وفد وصيف: وصنف رجاله: رجالة يحتل: بخيل وقع بعضهم على رقعة رجل: هذا: هذا.
كان محمد بن نفيس غيورا، فأخبر أن جارية له كتبت إلى خاتمها: من ثبت نبت حبه. فدعاها فوقفها على ذلك، فقالت: لا - والله - أصلحك الله، ما هو ما قيل لك، ولكني كتبت على خاتمي: من يتب يثب جنة.
ومن الغلط. قول نحيت وكان الحجاج وجه إلى مطهر بن عمار بن ياسر عبد الرحمن بن سلي الكلبي. فلما كان بحلوان أتبعه مددا، وقدم إليه بذلك كتابا مع نحيت الغلط - وكان يقال له ذلك لكثرة غلطه - ، فمر بالمدد وهم يعرضون بخانقين. فلما قدم على عبد الرحمن قال: أين تركت مددنا؟ قال: تركتهم يخنقون بعارضين. قال: أو يعرضون بخانقين. قال: نعم: اللهم لا تخانق في باركين.
ولما ذهب ليجلس ضرط، وأراد عبد الرحمن أن يقول له: ألا تفدي؟ فقال: ألا تضرط؟ قال: قد فعلت، أصلحك الله - قال: ما هذا أردت قال صدقت، ولكن الأمير غلط كما غلطنا.
قال بعضهم: سمعت بعض الكتاب الأكابر يقول: أنا أستاك بالعراق يريد بالأراك.
وقال آخر: سمعت بعضهم يقول: جعدة الطريق فأنكر صاحبه، وقال: الجعدة هو ما يوضع فيه السهام.
وقرأ الخطيب في المسجد الجامع: والسماء والطارق. فقال: يخرج من بين الترب والصلائب.
وقال الوليد بن عبد الملك لسليمان بن خالد بن الزبير يوما - وعروة جالس عنده - ما سنك؟ فقال: قتلت أيام ولد مصعب.
الباب الثالث عشر
نوادر من النحو واللحن
سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا قرأ، فلحن فقال أرشدوا أخاكم.
قال الأصمعي: قلت لأبي مهدية: كيف تقول: لا طيب إلا المسك قال: فأين أنت عن العنبر؟ قلت: فقل لا طيب إلا المسك والعنبر. فقال: أين أنت عن البان؟ قلت: قل لا طيب إلا المسك والعنبر والبان. قال: فأين أنت عن أدهان محمر؟ قال قلت: فقل لا طيب إلا المسك والعنبر والبان وأدهان محمر. قال: فأين أنت عن فارة الإبل صادرة؟ عمل بعض النحويين كتابا في التصغير، وأهداه إلى رئيس كان يختلف إليه، فنقص عطيته، فصنف كتابا في العطف، وأهداه إليه، وكتب معه: رأيت باب التصغير قد صغرني عند الوزير، أرجو أن يعطفه على باب العطف.

(1/416)


سمعت الصاحب - رحمة الله - يقول: كان سبب اتصال ابن قريعة القاضي بالوزير أبي محمد المهلبي أن ابن قريعة كان قيم رحى له، فرفع إليه حسابا، فيه درهمان ودانقان، وحبتان، فدعاه، وأنكر عليه الإعراب في الحساب.
فقال: أيها الوزير، صار لي طبعا، فلست أستطيع له دفعا. فقال: أنا أزيله عنك صفعا. ثم استداناه بعد ذلك، وقربه.
قال نحوي لرجل: هل ينصرف إسماعيل؟ قال: نعم. إذا صلى العشاء فما قعوده؟ وحكى أن جماعة عند محمد بن بحر اختلفوا في بناء سراويل، فدخل البرقي.
وقال: فيم كنتم؟ قالوا: في بناء سراويل. فما عندك فيه؟ قال: مثل ذراع البكر أو أشد.
قال النوشجان: حضرت مجلس المبرد، فسمعنا واحدا يقول: في حرام أصبهان.
فقال أبو العباس: هذا قد شتمك على مذهب قول الله تعالى: " واسأل القرية " .
سمع ذو الرمة رجلا يقول: على فلان لعنة الله. فقال: لم يرض بواحدة حتى شفعها بأخرى. وذلك أنه لما سمعه مفتوحا قدر أنه أراد التثنية: لعنتا الله.
قيل لرجل كان يكثر اللحن في كلامه: لو كنت إذا شككت في إعراب حرف وتخلصت منه إلى غيره، من غير أن تزيل المعنى عن جهته، كان الكلام واسعا عليك، فلقي رجلا كان مشهورا بالأدب. فأراد أن يسأله عن أخيه، وخشي أن يلحن في مخاطبته، فذهب إلى أن يتخلص عند نفسه إلى الصواب. فقال: أخوك، أخيك، أخاك ها هنا؟ فقال له الرجل: لا، لو، لي ماهر حاضر.
وقف نحوي على صاحب باذنجان، فقال له: كيف تبيع؟ قال: عشرين بدانق. قال: ما عليك أن تقول: عشرون بدانق!! فقدر أنه يستزيده. فقال: ثلاثين بدانق. فقال: وما عليك أن تقول: ثلاثون؟ فما زالا على ذلك إلى أن بلغ تسعين. فقال: وما عليك أن تقول يتسعون؟ فقال: أراك تدور على المائتون، وهذا ما لا يكون.
ومر نحوي بقصاب - وهو يسلخ شاة - فقال: كيف المستطرق إلى درب الرآسين؟ فقال القصاب: اصبر قليلا حتى يخرج الكرش وأدلك على الطريق.
وقدم نحوي خصما له إلى القاضي، وقال له: لي عليك مائتان وخمسون درهما.
فقال لخصمه: ما تقول؟ فقال: اصلح الله القاضي، الطلاق لازم له إن كان إلا ثلاثمائة. وإنما ترك منها خمسين ليعلم القاضي أنه نحوي.
وقدم آخر خصما له إلى القاضي، وقال: لي عليه ديناران، صحيحان، جيدان.. قال: القاضي: ما تقول؟ قال: أعز الله القاضي، هذا بغيض. قال: بلى. قال فأصفعه؟ قال: إذن تزن قال: لا أبالي قال القاضي: وأنا شريكك. زن أنت دينار وأزن أنا دينار وأصفعه.
دق رجل باب بعض النحويين، فقال صاحب الدار: من ذا؟ قال: أنا الذي أبو عمرو الجصاص عقد طاق باب هذه الدار. قال النحوي: ما أرى لك من صلة الذي شيئا. فانصرف راشدا.
قيل: النحو ملح العلم، ومتى استكثر من الملح في الطعام فسد.
سمع المازني قرقرة من بطن رجل، فقال: هذه ضرطة مضمرة.
قيل: لأبي سعيد السيرافي: ما علامة النصب في عمرو. فقال: بغض علي بن أبي طالب وأنشد ذو الرمة
وعينان قال الله كونا فكانتا ... فعولان بالألباب ما تفعل الخمر
فقال له عيسى بن عمر: فعولين. فقال ذو الرمة: لو سلحت كان خيرا لك. أترى الله أمرهما أن يسحرا.
مر أبو علقمة بأغلال قد كتب عليه رب سلم لأبي فلان. فقال لأصحابه: لا إله إلا الله يلحنون، ويربحون.
قال رجل للحسن البصري يا بو سعيد: أنا أفسي في ثوبي، وأصلي يجوز؟ قال: نعم. لا أكثر الله في المسلمين مثلك.
وجاء إليه رجل فقال: ما تقول في رجل مات، وترك أبيه وأخيه؟ فقال له الحسن: ترك أباه، أخاه. فقال: فما لأباه وأخاه فقال الحسن فما لأبيه وأخيه؟ فقال الرجل: إني أراك كلما طاوعتك تخالفني.
قال سعيد بن سلم: دخلت على الرشيد فجهدني، وملأ قلبي، فلحن، فخف على أمره.
قال الزهري: أحدث الناس مروءة أحب إلي من طلب النحو.
سمع أبو عمرو أبا حنيفة يتكلم في الفقه، ويلحن، فاستحسن كلامه، واستقبح لحنه.

(1/417)


فقال: إنه لخطاب لو ساعده صواب. ثم قال لأبي حنيفة: إنك أحوج إلى إصلاح لسانك من جميع الناس.
قال أبو سعيد السيرافي: سمعت نفطويه يقول: لحن الكبراء النصب، ولحن الأوساط الرفع، ولحن السفلة السر.
دخل خالد بن صفوان الحمام. وفيه رجل مع ابنه - فأراد أن يعرف خالدا بلاغته فقال لابنه، يا بني، أبدأ بيداك وثن برجلاك. ثم التفت إلى خالد، فقال: يا أبا صفوان، هذا كلام قد ذهب أهله. فقال خالد: هذا كلام ما خلق الله له أهلا.
قال أبو هفان: رأيت بعض الحمقى يقول لآخر: قد تعلمت النحو كله إلا ثلاث مسائل. قال: وما هي؟ قال: أبو فلان، وأبا فلان، وأبى فلان. قال: هذا سهل. أما أبو فلان فللملوك، والأمراء، والسلاطين، والقضاة. وأما أبا فلان فللبناة والتجار، والكتاب. وأما أبي فلان فللسفل والأوغاد.
قال السيرافي: رأيت رجلا من المتكلمين ببغداد بلغ به نقصه في معرفة العربية أنه قال في مجلس مشهور، بين جماعة حضور: إن العبد مضطر، وإن الله مضطر بكسر الطاء، وزعم أن القائل: الله مضطر كافر.
قال رجل للحسن البصري: إن هذا الرجل قد زوج أمه من رجل نبطي. فقال له الرجل: يأبو سعيد. هذا محروم. يريد محرم. فقال الحسن: كذا أشتهي أن تكون لغة من زوج أمه.
قيل لأعرابي: هذا قصر. بما ارتفع. فقال: بالجص والأجر.
مدح شاعر طلحة صاحب البريد بأصبهان، فلم يثبه. فقال: لو كنت من مدحي بلا صفد لاكتلت من طلحة كرين من خير. فقال له طلحة: لحنت، لأنك صرفت طلحة، وطلحة لا ينصرف. فقال له: الذي لا ينصرف طلحة الطلحات فأما أنت فتبلغ الصين بنفخة.
قيل لأعرابي: كيف تقول: ضرب عبد الله زيد؟ فقال: كما قلت. قيل: لم؟ قال: لشر أحسبه وقع بينهما.
قدم رجل على بعض الولاة، فقال له: من أين أقبلت؟ قال: من أرض الله.
قال: وأين تريد؟ قال: بيت الله. قال: وممن أنت لا أم لك؟ قال: من تيم الله. فأمر بوجيء عنقه. فقال: بسم الله. فقال: اتركوا ابن الخبيثة. فلو ترك الرفع وقتا تركه الساعة.
قال أبو العيناء: دخل رجل إلى عليل: فقال له: لا إله إلا الله، وإن شئت لا إله إلا الله، والأولى أحب إلى سيبيويه فقال أبو العليل: حرمني الله أجره إن لم يكن مشهدك له أشد علي من مؤته.
قال رجل لآخر: تأمر بشيئا؟ قال: بتقوى الله، وإسقاط الألف. قال خلف قلت لأعرابي: ألقي عليك بيتا؟ قال: على نفسك فألقه.
قال رجل من البلديين لأعرابي - وأراد مسألته عن أهله - كيف أهلك؟ قال - بكسر اللام. فقال الأعرابي: صلبا. لأنه أجابه على فهمه، ولم يعلم أنه أراد المسألة عن أهله.
قال الجاحظ: قال بشر المريسي لجلسائه: قضى الله لكم الحوائج على أحسن الوجوه، وأهنؤها. فقال له قاسم التمار: هذا على قوله:
إن سليمي والله يكلؤها ... ضنت بشيء ما كان يرزؤها
فصار احتجاج قاسم أطيب من لحن بشر.
وقال: قدم رجل من النحويين رجلا إلى السلطان في دين له عليه، فقال: أصلح الله الأمير، لي عليه درهمان. فقال خصمه له: والله - أصلحك الله ثلاثة دراهم ولكنه لظهور الإعراب ترك من حقه درهما.
وكان سابق الأعمى يقرأ: " الخالق البارئ المصور " فكان ابن جابان إذا لقيه قال: يا فاسق ما فعل الحرف الذي تشرك بالله فيه؟ قال: وقرأ مرة: " ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا " بفتح تاء تنكحوا، فقال ابن جابان: وإن آمنوا لم ننكحهم.
سمع أعرابي رجلا يقول: أشهد أن محمدا رسول الله بالفتح، فقال: يفعل ماذا؟ قيل لأعرابي: كيف تقول استخذيت أو استخزيت؟ فقال: لا أقولهما. قيل: ولم؟ قال: العرب لا تستخذي.
سكر هارون بن محمد بن عبد الملك ليلة بين يدي الموفق، فقام لينصرف، فغلبه السكر، فقام في المضرب. فلما انصرف الناس جاء راشد الحاجب، فأنبهه وقال: يا هارون انصرف.

(1/418)


فقال بسكره: هارون لا ينصرف. فسمع الموفق فقال: هارون لا ينصرف فتركه راشد فلما أصبح الموفق وقف على أن هارون بات في مضربه. فقال: يا راشد أيبيت في مضربي رجل لا أعلم به؟ فقال: أنت أمرتني بهذا، قلت: هارون لا ينصرف. فقال: إنا لله - وضحك - أردت الإعراب وظننت أنت غيره.
يقال: إن يزيد بن المهلب كان فصيحا لم يؤخذ عليه زلة في لفظ إلا واحدة، إنه قال على المنبر - وذكر عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد ابن الخطاب فقال - : وهذه الضبعة العرجاء. فاعتدت عليه لحنا، لأن الأنثى إنما يقال لها الضبع، ويقال للذكر الضبعان.
قيل: كان خالد بن صفوان يدخل على بلال بن أبي بردة يحدثه، فيلحن. فلما كثر ذلك على بلا قال له: أتحدثني أحاديث الخلفاء، وتلحن لحن الستات. وكان خالد بعد ذلك يأتي المسجد ويتعلم الإعراب.
كان الشيرجي إماما من أئمة الحنبلية، اجتاز بمسجد فيه معزي فخرج عليه منه نحوي بغيض. فقال له الشيرجي: من المتوفي؟ فقال النحوي: الله نبيه. وقال زنديق: والله رفعه إلى الحشر.
قرأ الوليد بن عبد الملك يوما على المنبر: " يا ليتها كانت القاضية " فقال عمر بن عبد العزيز: عليك.
سئل نحوي عن تصغير عبيد الله. فقال: ليس في سجدتي السهو سهو.
وذكر أن معاوية قال: كيف أبو زياد؟ فقالوا: ظريف على أنه يلحن.
فقال: أو ليس ذاك أظرف له؟ أرادوا اللحن الذي هو الخطأ. وذهب معاوية إلى اللحن الذي هو الفطنة.
قالوا: كان سبب عمل أبي الأسود الدؤلي النحو هو أول من وضعه، وقيل إن أمير المؤمنين عليا عليه السلام جعل له مثالا فبنى عليه واحتذاه أن أبا الأسود سمع رجلا يقرأ: " إن الله بريء من المشركين ورسوله " بالخفض. وسمع ابنته تقول: ما أطيب الرطب؟ وهي تريد التعجب، وظن أنها تريد الاستفهام، فعمل شيئا من النحو، وغرضه على أمير المؤمنين عليه السلام. فقال: ما أحسن هذا النحو الذي أخذت فيه. فسمي نحوا.
مر الشعبي بناس من الموالي يتذاكرون النحو، فقال: لئن أصلحتموه إنكم لأول من أفسده.
وروى أن الحجاج قرأ: إنا من المجرمون منتقمون.
وكان محمد بن سليمان يقول في خطبته: إن الله وملائكته برفع الملائكة فقيل له في ذلك. قال فخرجوا لها وجها، ولم يدع الرفع.
قال بعضهم: قلت لواحد من أين جئت؟ قال: من عند أهلونا. قال: فقلت له: قل: أهلينا. قال: سبحان الله نعدل عن قول الله تعالى " شغلتنا أموالنا وأهلونا " قدم العريان بن الهيثم على عبد الملك، فقيل له: تحفظ من مسلمة فإنه يقول: لأن يلقمني رجل حجرا أحب إلي من أن يسمعني لحنا. فأتاه العريان ذات يوم، فسلم عليه. فقال له مسلمة: كم عطاءك؟ فقال العريان ألفين. فقال: كم عطاؤك؟ قال: ألفان. فقال: ما الذي دعاك إلى اللحن الأول؟ فقال: لحن الأمير، فكرهت أن أعرب، وأعرب فأعربت. فاستحسن قوله، وزاد عطاءه.
قال رجل لآخر: ما فعل فلان بحماره؟ قال: أنا بسرت بالباء. قال: وأنا أيضا بسرت بالباء.
وقال أعرابي: كنت أظن أبا المهاجر رجلا صالحا، فإذا هو يلحن.
قال يونس: كنا ننظر إلى الشباب في المسجد الجامع بالبصرة يخطر بين السواري. فنقول: إما أن يكون قرشيا أو نحويا.
قيل لبعض النحويين: ما تقول فيمن سها في سجدني السهو؟ فقال: ليس للتصغير تصغير.
الباب الرابع عشر
نوادر المخنثين
قال بعضهم: شهدت مجلسا فيه قينة تغني، فذهبت تتكلف صيحة شديدة فانقطعت. فصاحت من الخجل: اللصوص اللصوص. فقال لها مخنثا كان في المجلس: والله يا زانية ما سرق من البيت شيء غير حلقك.
استوهب رجل من مخنث في الحمام خطميا، فمنعه. فقال: سبحان الله!! تمنعني الخطمي وقفيز منه بدرهم؟؟ فقال المخنث: فاحسب حسابك أنت على أربعة أقفزة بدرهم، كم يصيبك بلا شيء؟

(1/419)


قال جحظة: فاخرني بعض المخنثين فقال: يا أبا الحسن، وفي الدنيا مثل المخنثين؟ قلت: كيف؟ قال: إن حدثوا ضحكتم، وإن غنوا أطربتم، وإن ناموا نكتم.
قال المتوكل لعبادة: ما تقول في تطبيل سلمان المخنث؟ قال: هو حسن، ولكنه مثل الهيضة يأتي بأكثر مما يحتاج إليه.
سمع مخنث أن صوم عرفة كفارة سنة، فصام إلى الظهر، ثم أفطر، وقال: يكفيني ستة أشهر.
قيل لآخر: تناك في الأست؟ فقال: أو لي موضع آخر؟ وقل لآخر: أما تستحي من أن تناك؟ فقال: ذوقوا، ثم لوموا.
ودخل مخنث الحمام، فنظر إلى رجل طويل الخصيتين، قصير الأير، فقال سخنت عينك. الغلالة أطول من القميص.
وسمع آخر قوما يقولون: إن من كثرة الحجامة يعرض الأرتعاش. وأخذ شعره يوما وارتعش فقال يا رب أخذت شعري. لم أحتجم.
مر عيسى بن موسى بعد أن خلعه المنصور - وكان ولي عهد بعده وقدم المهدي عليه - بمخنث.
فقال: إنسان من هذا؟ قال المخنث: هذا الذي كان غدا فصار بعد غد.
قيل لعبادة: من يضرب علي ابن أبي العلاء؟ قال: ضرسه.
مرت امرأة بمخنث حسن الوجه - ومعها ابنة لها - فقالت: ليت لابنتي حسن وجهك.
قال: وطلاقي. قالت: تعست. قال: فتأخذين ما صفا وتتركين ما كدر؟ وصف مخنث امرأة فقال: كأن ركبها دارة القمر، وكأن شفريها أير حمار فلوى.
سمع آخر رجلا يقول: دعا أبي أربعة أنفس، وأنفق عليهم أربعمائة دينار، فقال: يا بن البغيضة لعلة ذبح لهم مغنيتين، وزامرة، وإلا فأربعمائة في أيش أنفقها؟ قال شيخ لقرقر المخنث: أبو من أنت؟ قال: أم أحمد فديتك!! سمع شاهك المخنث رجلا يصف الكرفس، وأنه جيد لفتح السدد. فقال: لا كان الله لك. أنا إلى سد الفتح أحوج.
تاب مخنث، فلقيه مخنث آخر، فقال: يا أبا فلان: أيش حالك؟ قال: قد تبت.
قال: فمن أين معاشك؟ قال: بقيت لي فضيلة من الكسب القديم فأنا أتمزز لها.
فقال: إذا كانت نفقتك من ذلك الكسب فلحم الخنزير طري خير من قديد.
رأى عبادة دابة مخارق - وهي تقرمط مشيها - فقال: يا مخارق برذونك هذا يمشي على استحياء.
عرض على عبادة خادم فقال: أنا لا أركب سفينة بغير دقل.
قدم إلى عبادة رغيف يابس، فقال: هذا نسج في أيام بني أمية ولكن بلا طراز.
ضرب طويس في الشراب فقيل له: كيف كان جلدك على وقع السياط؟ قال: بلغني أني كنت صبورا.
كان للمتوكل مضحكان مخنثان يقال لأحدهما شعرة وللآخر بعرة. فقال أحدهما لصاحبه: ما فعل فلا ن في حاجتك؟ قال: ما فتني ولا قطعك ذكرت العراق لمخنث من أهل الشام، فقال: لعن الله العراق، لا يشرب ماؤها أو يصلب، ولا يشرب نبيذها أو يضرب.
قال الجماز: مات مخنث يقال له نويفل فرآه إنسان في النوم كأنه يقول له: أيش خبرك يا نويفل؟ فقال: لا تسأل. فيقول له: إلى أين صرت يا نويفل؟ قال: إلى النار. قال: ويلك!! فمني ينيك في النار قال: ثم يزيد بن معاوية ليس يقصر في أمرئ.
نظر مخنث إلى رجل دميم الوجه فقال: وجهك هذا نموذج جهنم. اخرج إلى الدنيا.
قال عبادة لمكار: نكني يخت أي يخت قال: وكيف ذاك؟ قال: تدخله يابسا فإما أن يندق أيرك، وإما أن ينشق استي.
كان لمخنث جارية نفيسة، فقالت له يوما: ويلك!! من أبلاني بك؟ فقال: من أبلاك بحرك، سود وجهه وشق وسطه، وقطع لسانه، وجعل إلى جانبه صرة له.
قال ابن قريعة كان لبعض المخنثين أير عظيم. فكان يقول: اشتهي من ينيكني بأيري.
وقيل لمخنث: لا تتنور؟ قال: إذا كثر الدغل أخذ الناس طريق الجادة.
قال آخر: الأست مسن الأير، والقبلة بريد النيك.
نظر مخنث إلى مسجد صغير لطيف، فقال لآخر: أما تريد هذا المسجد؟ ما أملحه، لا يصلح والله إلا أن يحمل في السفر.

(1/420)


نظر مخنث إلى رجل من ولد أبي موسى الأشعري يمشي وهو يتبختر فقال: انظروا إلى مشية من خدع أباه عمرو ابن العاص.
أصاب رجلا الحصر. فقيل له: احتقن. قال: لو كان قدر حمصة ما قدرت عليه، فقال له مخنث كان حاضرا: لأنك ضيعت نفسك في صغرك.
تقرى مخنث فأتى جبل لكام على أن يتعبد فيه، فأخذ زاده وصعد، وسار على سهل، فنفد زاده وجلس قد أعيا فرفع رأسه فإذا بينه وبين الجبل مسافة، وتطلع إلى أسفل، فإذا هوا قد قطع أكثره، فنظر إلى الجبل وقال: واشماتتي بك في يوم أراك كالعهن المنفوش.
جلس قوم في مجلس - ومعهم مخنث - وقال رجل منهم: أنا أشتهي كشكية حامضة وضرط. فقال المخنث: قطع الله ظهر الكشكية، ما أسرع ما تنفخ البطن!! قال عبادة يوما للمتوكل: قد عمل بي البارحة كذا وكذا دفعة. فقال له المتوكل: ويحك!! أما أعييت؟ قال: إنما يعيا البريد لا الطريق.
ضرب مخنث بالسياط فسلح. فقيل له في ذلك. فقال: ويلكم!! فما ذي أدخره إذا؟ قال: إذا أراد المخنث أن يعيب صاحبه قال: لا - والله - بلى ما أنت بمخنث ولا أنت إلى رجل جيد.
كان عبادة يسمي السراويل مقطرة الإست.
نظر مخنث إلى رجل يغسل استه، ويستقصي جدا. قال: عافات الله!! تريد: يشرب بها سويق؟ كان بالمدينة مخنث يكنى أبا الخز، وكان مليحا، فدخل عليه لص ليلة، فجمع ما وجد في بيته، وأبوا الخز ينظر إليه، لا يجتريء على أن يكلمه، فلما أراد اللص الخروج قال له: فديتك. ما اسمك؟ قال: نافع قال: نافع والله لغيري.
تلبس مخنث. واحتار، فقال له رجل: إلى أين يا خرا؟ قال: إلى شاربك.
قال المتوكل يوما لجلسائه: أتعلمون ما أول ما عتب المسلمون على عثمان؟ فقال أحدهم: نعم. يا أمير المؤمنين، إنه لما قبض النبي عليه السلام قام أبو بكر على المنبر دون مقام النبي عليه السلام بمرقاة. ثم قام عمر دون مقام أبي بكر بمرقاة.
فلما ولي عثمان صعد ذروة المنبر، فأنكر المسلمون ذلك عليه، وكانوا أرادوا منه أن ينزل عن مقام عمر بمرقاة. فقال عبادة: يا أمير المؤمنين. ما أحد أعظم منة عليك، ولا أسبغ معروفا من عثمان. قال: وكيف. ويلك! قال: لأنه صعد ذروة المنبر، فلو أنه كلما قام خليفة نزل عن مقام من تقدمه مرقاة كنت أنت تخطب علينا من بين جلوتي.
دخل مخنث ذات يوم نهرا ليغتسل، فجاء قوم من آل أبي معيط. وجعلوا يرمونه، وعرفهم فقال: لا ترموني فلست بنبي.
نظر عبادة إلى زنام الزامر يبكي على بنت له ماتت، فقال: قطع ظهرك!! كأنك والله مطبخ يكف.
وقال عبادة: كل شيء للرجال له معنى إلا اللحي، والخصي.
وقال بعض المخنثين: إذا كان المغني باردا فصاحب البيت عليل القفا..
أخذ مخنث في شيء، وأحضر عند الوالي، فأمر بضربه، فصاح: يا سيدي. كذابوا والله علي كما كذبوا على المري. قال: وكيف كذبوا على المري؟ قال: هو من البر؟ يقولون هو من الكامخ. فضحك الوالي، وخلاه.
وقيل لمخنث كان يتجر: لم لا تركب البحر فإن فيه الغني والتمول؟ قال: يا غافل. أنا أعصيه منذ أربعين سنة، أذهب فأضع يدي في يده؟ اجتاز مخنث بنائحة جالسة على باب دار، فقال لها، ما جلوسك ها هنا؟ قالت: خير. قال: لو كان خيرا كنت أنا هاهنا لا أنت.
نظر مخنث إلى رجل مقيد قد أخرج للعرض، وهو ينظر إلى غلام أمرد فقال: العصفور في الفخ وقلبه في سوق العلف.
قال سمسنة المخنث لرجل كان يكتب كتابا إلى معرفة السمسنة: أقرئه سلامي في كتابك. قال: قد فعلت. قال: فأرني اسمي الذي يشبه الدابة التي تدخل الآذان.
ووصف مخنث الحر، فقال: كأنه أنو شروان في صدر الإيوان، مكور كأنه سنام ناقة صالح، موطأ كأنه ألية كبش إبراهيم، غليظ الشفتين، كأنه شفة بقرة بني إسرائيل.

(1/421)


لقى مخنث آخر ليودعه، فقال: أحمد الله على بعد سفرك، وانقطاع أثرك، و شدة ضررك فقال له: أنا أستودعك العمى. والضنى، وانقطاع الرزق من السما.
وقال مخنث لآخر: أراني الله وجهك الساطور، وفي عينيك الكافور، وفي شق استك الناسور.
وقال آخر: ضحك الحر يوم الختان ضحك النعجة بين الذئاب، ضحك الدب بين الكلاب، ضحك الرأس عن الرآسي، ضحك البغاية إذا عزلتها الداية.
ومر آخر بقاض وهو يقول: إن إسرافيل ملتقم الصور، ينظر متى يؤمر بالنفخ.
فقال: إنا لله، إن عطس افتضحنا.
قال علان شدق - وكان قبيحا جدا: مررت بمخنث يعزل على حائط فقال لي: من أين أتيت؟ قلت: من البصرة. فقال. لا إله إلا الله!! تغير كل شيء حتى هذا!! كانت القرود تجلب من اليمن. الآن تجيء من العراق.
وحج مخنث فرأى إنسانا قبيحا يرمي بالجمار، فقال له المخنث: بأبي أنت، لست أشير عليك أن تعود إلى هذا المكان. قال: ولم؟ ألست مسلما؟ قال: بلى، ولكن لا أرى لك أن تبخل على أهل النار بهذا الوجه.
نظر مخنث إلى رجل قصير على حمار صغير، فقال: هما تؤأمان.
وقال بعض المخنثين: كان لي أستاذ مخنث يقال له زائدة، فمات. فرأيته في النوم فقلت له: ما فعل الله ربك بك؟ قال: أدخلني النار.
قلت: فمن تورك فيها؟ قال: هيهات!! انقلبت المسألة أنا تور فرعون.
غمز عبادة رجلا في درب، ووقف له على باب دار، وجعل الرجل يدفع فيه، فأشرفت عليه امرأة، وصاحت: اللصوص. فرفع عبادة رأسه إليها، وقال لها: يا بظراء. النقب في حائطي أو حائطك!! قيل لمخنث: ما أقبح استك!! قال: تراها لا تصلح للخرا!! ضرب عامل المدينة مخنثا عشر درر، فضرط إحدى عشرة. فقال له ويلك!! ضربتك عشر، وتضرط إحدى عشرة؟؟ قال له: ويلك أصلحك الله، البدء كان مني. فضحك، وخلاه.
قال بعضهم لمخنث: لقد قمت إليك لأدخلنك من حيث خرجت، فنظر إلى نفسه وكان عظيم الجثة ثم قال: يا أخي. إن فعلت ذاك إنك لرفيق.
قيل لمخنث: من ترى يرغب فيك مع قبحك؟ فقال: الحمار إذا جاع أكل المكنسة.
نظر رجل إلى أير ابنه في الحمام - وهو كبير - فضربه، وقال: ما طال أيرك إلا من كثرة ما تناك. فقال مخنث كان معه في الحمام: لا تفعل، فلو كان هذا حقا لكان أيرى وبظر أمه قد بلغا مكة.
قال مخنث لامرأة: لولا أن الحق مر لسألتك عن شيء. قالت: ما يغضب من الحق إلا أحمق، فسلني يا بن الفاجرة. فقال لها: لم صار فمك بالعرض وحرك بالطول؟ قالت اسكت يا بن الفاجرة قال هذا مما كنا فيه.
ناك رجل مخنثا في بيت فيه تبن، وكان أيره يزلق من است المخنث ويتلوث بالتبن، ويرده الرجل. فقال المخنث، حبيبي. هو ذا نيكك أو تحشوا مسورة؟؟؟ قيل لمخنث: كم سنوك؟ قال: خمس وتسعون. قيل: فلم لا تتزوج؟ قال: ليس في رجال هذا الزمان خير.
قيل لآخر: ما تحب من الثياب؟ قال: التكة قيل: فمن السلاح؟ قال العمود. قيل: فمن اللحم؟ قال العصيب قيل: فمن البقول؟ قال: القثاء. قيل: فمن البوارد؟ قال: الهليون. قيل: فمن الفاكهة؟ قال: الموز. قيل فمن الحلواء؟ قال: الحلاقيم. قيل: فأي منازل مكة أفضل؟ قال: ذات عرق. قيل فمن خير الصحابة؟ قال: الزبير. قيل: فما أحسن شيء في الإنسان؟ قال الأير.
قال رجل لمخنث: صح لي بذلك المجتاز. فقال: وما اسمه؟ قال: هلال. فجعل يناديه: يا رأس الشهر.
ضرب مخنث يده إلى أير رجل، وجعل يشغله بالكلام، ثم قال له في كلامه: من بقي من أهل بيتك؟ فقال: هذا الذي في يدك؟ تاب مخنث، فلما كان في بعض الأيام لقيه مخنث آخر، فقال له التائب: أما آن لك أن تتوب؟؟ ويل من عاصم. قال: ومن عاصم؟ قال: خازن جهنم. قال: أخيي، لو تختثت خمسين سنة أخرى كان أصلح لك من أن ترجف بالملائكة. متى غزلوا مالك، وولوا عاصم؟

(1/422)


سمع مخنث طبيبا يذكر الطبائع الأربع، فقال: الطبائع الأربع عندنا الأكل، والشرب، أن تنيك وتناك.
جمع مخنث بين نفسين، فأخذوا جميعا، أفرج عنهما. ورفع المخنث إلى السلطان فسأله عن قصته، فقال: هؤلاء وجدوا طائرين في قفص، فخلوا الطائرين وجبسوا القفص.
نظر رجل قبيح الوجه في المرآة، فقال: الحمد لله الذي أحسن خلقي فقال مخنث حضره: أم من يبهت ربه زانية.
رأى عبادة دينار بن عبد الله - وقد ولي مصر - فقال: يا فرعون أرفع رأسك وانظر من ندب لمكانك.
واشتكى مخنث، ثم تماثل، فقيل له: كيف أنت؟ فقال جاءتني العلة باقات وتجيئني العافية طاقات.
سمع مخنث قول ابنة الخس لما قيل لها: ما حملك على الزنى؟ فقالت: طول السواد وقرب الوساد. فقال المخنث: وحب السفاد.
سمع مخنث رجلا يقرأ قراءة قبيحة، فقال: أظن أن هذا القرآن هو الي يزعم ابن أبي دواد أنه مخلوق.
سمع مخنث رجلا يقول: اللهم اجعل الموت خير غائب أنتظره فقال: إذا غيابك غياب سوء.
قال المتوكل لعبادة: كم سنك؟ قال: والله ما أعرف الحساب، ولكن تعرف أنت عفرويه. قال: لا - والله - ومن عفرويه؟ قال: الذي يقول فيه القائل.
ضراط عفرويه بليل طرقا احسب الآن كيف شئت وتزوجت أم مخنث، فلما كان ليلة الزفاف جعل يتسمع عليهما فلما سمع الحس.
قال: يا أمي. وذا تأكلين وحدك. لا هنأك الله.
قيل لمخنث: كيف ترى الدنيا؟ قال: مثلنا. نخن يوما عند الأسخياء، ويوما عند البخلاء.
قالت امرأة لعبادة: اشتريت قفيزا بثلاثة عشر درهما، كم يصيبني بثلاثة دراهم؟ فقال: أنت طولك وعرضك لا تعرفين هذا!! يصيبك قفيز إلا بعشرة دراهم.
دخل عبادة الحمام يوما فرأى غلاما كبير الأير، فبادر فقبض عليه، فقال الغلام: ما هذا. عافاك الله؟ قال: أما سمعت قول الشاعر:
إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين.
ألزم المتوكل عبادة في يوم من شهر رمضان أن يقرأ في المصحف، فقرأ وجعل يصحف، ويغلط. حتى بلغ إلى قوله " وبشر المخبتين " فصحفه، وقال وبشر المخنثين فطرده.
نظر مخنث إلى إنسان وحش الخلقه، فقال: هذا نموذج جهنم أخرج إلى الدنيا.
طلب رجل منزلا يكتريه، فجاء إلى باب دار ودفعه، وقال: لكم منزل للكراء؟ وإذا في الدار مخنث - وفوقه رجل - فصاح من تحته: أليس ترانا بعضنا فوق بعض من ضيق المكان؟ من أين لنا منزل يكرى؟؟ قال مخنث لآخر: ذهبت الأيور الباستانية التي كنا نعرفها. فقال: ما ذهبت الأيور، ولكن اتسعنا نحن.
رأى إنسان مخنثا ينتف لحيته، فقال له: ويلك. لأي شيء تنتف لحيتك؟ فقال: يسرك أن مثلها في استك؟ قال: لا. قال المخنث: فشيء تأنف لاستك منه، لا آنف لوجهي منه؟؟ كان المتوكل على بركة يصيد السمك - وعنده عبادة المخنث - فتحرك المتوكل، فضرط، وقال لعبادة: اكتمها علي فإنك إن ذكرتها ضربت عنقك. ودخل الفتح: أيش صدتم من الغداة؟م فقال له عبادة: ما صدنا شيئا، وما كان معنا أيضا أفلت.
ركب المتوكل يوما زلالا ومعه جماعة، فعصفت الريح، وفزع الناس. فقال عبادة. يا أمير المؤمنين. أما كنيز دبة فإنه لا يخاف الغرق. فقال المتوكل: وكيف ذاك؟ قال: لأنه يسبح على رق. وكان كنيز مخنثا آدر.
كان بعض ولد الفضل بن الربيع يتخنث، فوكل به أبوه غلاما يمنعه من نتف لحيته، فبات ليلة. فلما اصبح رآه منتوف اللحية، فقال: أهلكتني - والله - أين لحيتك؟ قال: " فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون. فأصبحت كالصريم " .
قيل لمخنث: كيف تتهجى بكمرة؟ فقال: كاف، ميم، راء، هاء قالوا: هذه كمرة. قال: كل إنسان يتهجي ما يشتهي.
لقى الطائف - وكان ماجنا - جماعة من المخنثين، فقال: نيكوا بني الزواني، واضربوا بني القحاب. فقال مخنث منهم: يا سيدي. سبقت رحمتك غضبك.

(1/423)


أدخل مخنث على العريان بن الهيثم - وهو أمير الكوفة - فقالوا: إنه يفعل ويصنع. فقال له العريان: يا عدو الله. لم تفعل هذا؟ قال: كذبوا علي - أيها الأمير - كما كذابوا عليك. فغضب العريان، واستوى جالسا، وقال: وما قيل في؟ قال: يسمونك العريان وعليك عشرون قطعة ثياب. فضحك. وخلاه.
قال مخنث: رمضان بين شوال وشعبان مخشلبة بين درتين.
وقل لمخنث: ما الذي أفدت من التخنيث؟ قال: است مخرقة، واسم قبيح.
قال هيت المخنث لعمر بن أم سلمة: إن فتح الله عليكم الطائف فسل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهب لك بادنة بنت غيلان بن سلمة، فإنها كحلاء، سموع، نجلاء، خمصانة، هيفاء إن مشت تثنت، وإن جلست تدنت، وإن تكلمت تغنت، وتقبل بأربع، وتدبر بثمان، وفخذيها كالإناء المكفأ.
فروي أن كلامه بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمنع المخنثين من الدخول على النساء.
نظر مخنث إلى إنسان كبير الأنف، قد أشرف على فمه. فقال: انظروا إليه كأن أنفه أير يتطلع في بئر الخلا.
الباب الخامس عشر
نوادر اللاطة
رواد إنسان متقر على الفجور، فقال: ما تعطيني؟ فقال، أستغفر لك وأقرأ لك كل يوم آيات أعوذك بها، فقال الغلام اليوم عاجلا " ورد لله الذين كفروا بغيظهم " رؤي بعض اللاطة مع غلام أسود، فقيل له في ذلك، قال: الأسود طيب النكهة لين الأفخاذ، ملتهب الجوف، رخيص الجذر سريع الإجابة لأنك تدعوه لتنيكه فيظن أنك دعوته لينكيك.
قيل لبعض المتصوفة: أنت لوطي. فقال: ما تقول في لص لا يسرق، هل يلزمه القطع؟ قال بعضهم: رأيت شيخا يطاف به، وينادي عليه: هذا جزاء من يلوط، والشيخ يقول: بخ بخ لواط محض، لا زنى، ولا سرق.
قل لشيخ لاط: ألا تستحي؟ فقال: أستحي وأشتهي.
قال بعضهم: الغلام استطاعة المعتزلة، لأنه يصلح للضدين، يفعل ويفعل به.
والمرأة استطاعة المجبرة: لا تصلح إلا لعمل واحد.
قيل لأعرابي: ما تقول في نيك الغلمان؟ فقال: اعزب، قبحك الله. والله إني لأعاف الخار أن أمر به، فكيف ألج عليه في وكره؟ وجد شيخ في مسجد، وتحته صبي، فلما هجم عليه عدا الصبي، وقام الشيخ متأسفا وجعل ينظر إلى متاعه ويقول.
كان ببغداد لوطي موسر، فكان إذا جاء وقت الزكاة وزن زكاة ماله، ووضعه. فإذا حصل عنده مؤاجر وزن جذره منه، وقال: ألك أم أو أخت تستحق الزكاة؟ فيدفعه إليه، ويقول: خذها من زكاة مالي، وأعطني ما أريده منك تفضلا.
وكان بعض المؤاجرين يتحرج فكان إذا أعطاه إنسان جذره أخرج تفاحة أو ما يشبهها، وقال للرجل: قد اشتريت مني هذا بهذه الدراهم. فيقول اللوطي: نعم.
فيقول: فأما الآن فأعطيك ما تريد من غير جذر.
قيل لوحد: لم فضلت الغلام على الجارية؟ قال: لأنه في الطريق صاحب ومع الإخوان نديم، وفي الخلوة أهل.
قال ابن قريعة القاضي: مررت بشيخ قد خرج من خربة، وبيده أيره وهو يقول: ما أعجب أسباب النيك؟ فقلت له: يا هذا، إنما يقال: ما أعجب أسباب الرزق؟؟ قال: خذ حديثي، ودخلت هذا الخراب لأبول، فأنعظت فهممت أن اجلد عميرة. فدخل صبيان كالقمرين، فلم يرياني، وأخذا يتبادلان فقمت إلى هذا فنكته، وإلى هذا فنكته. وخرجت كما تراني متعجبا بالله، ما هذا بعجب؟؟ قلت - بلى والله - وانصرف لا حفظك الله.
جاءوا إلى أبي نواس بغلام مليح، إلا أنه أعرج. فقال: ما أصنع به وهو أعرج؟ فقال الغلام: إن أردتني لأن تضرب علي بالصوالجة فلا أصلح لذلك وإن أردتني للنيك فقم.
كتب رجل إلى غلام كان يعشقه: وضعت على الثرى خدي لترضى. فكتب إليه الغلام: زن عشرة دراهم، وضع خدك على خدي.
وصفوا غلاما عند بعض اللاطة، فقيل: هو فاسد. قال: في فساده صلاحي.
نظر غلام في المرآة، فرى لحيته قد بدت وقال فقال قواده

(1/424)


بعث المبرد غلامه، وقال بحضرة الناس: امض فإن رأيته فلا تقل له، وإن لم تره فقل له. فذهب الغلام، ورجع فقال: لم أره، فقلت له، فجاء فلم يجئ فسئل الغلام بعد ذلك، فقال: انفذني إلى غلام، فقال: إن رأيت مولاه فلا تقل له شيئا، وإن لم تره فادعه. فذهب فلم أر مولاه، فقلت: فجاء المولى، فلم يجئ الغلام.
أدخل ابن سيابة غلام ليفسق به، فقال له الغلام: أنت ابن سيابة الزنديق؟ قال: نعم. قال: أين الزندقة؟ ونومه، وأدخل عليه، ثم قال: يا بني: قيل لأبي نواس لم تؤثر الغلام الفحل على الخصى؟ فقال: لان الغلام معه بيذقان في وسط الرقعة يدفع بهما الشاة.
قيل للوطي: كيف رأيت فلانا؟ لغلام كان يتعاطاه. فقال: يجعل البيذق فرزانا.
غمز لوطي غلام، فقال الغلام: أنا لا أصلح لما تريد. فقال اللوطي: وأنا أجعلك بحيث تصلح.
قال بعضهم سمعت شيخا قد خرف بعد شطارة يقول: نكت غلاما في دهليزي أمس فأردت أن أدخل عليه، فقال لي: لا تفعل، فإني مسحت على خفي، وأكره أن ينتقض وضوئي. فقلت: إن نيك الغلمان بين الفخذين لا ينقض وضوءهم.
وقال آخر: رأيت شيخا من كبار الشطار، يمر ومعه صبي صغير. فقلت: بلغنا هذه الحال. فقال: يا سيدي إن الأسد إذا كبر يصيد الضفادع.
وجد شيخ مع صبي خلف كرب فقالوا له يا شيخ. أما تستحي وأنت رجل عاقل؟ لم لا تحصن نفسك؟ فأخرج من فيه قطعة فيها قيراط، وقال: والله ما أملك غيره وقد رضى بها هذا الصبي. فهل فيكم من يزوجني بها حتى أتحصن؟ سأل بعضهم غلاما، وإعطاء درهمين، فأراد أن يدخل عليه، فامتنع، وقال: لا أقوى. فقال الرجل قد خيرتك في إحدى ثلاث - وكان يعلم أن الغلام يذهب مذهب الجماعة - إما أن ترد الدرهمين، أو تدعني أدخله، أو تقول: القرآن مخلوق. قال الغلام: أما رد شيء من الدرهمين فلا سبيل إليه، وأما القرآن فلو ضربت عنقي ما قلت إنه مخلوق، وأما الثالثة فأتحملها فأدخل عليه، وصاح الغلام وجعل يقول: صاح الصبيان بأبي سعيد الخرزي: يا لوطي يا لوطي. فجعل يضحك فقيل له: يا شيخ. أما تستحي؟ يصيح بك الصبيان - وأنت تضحك؟ قال: فديتك. إذا صدقوا أيش يمكنني أن أقول؟ غضب سعيد بن وهب يوما على غلام له، فأمر به، فبطح، وكشف الثوب عنه ليضربه، وقال: يا بن الفاعلة. إنما غرتك استك هذه حتى اجترأت على هذه الجرأة، وسأريك هوانها علي. فقال الغلام: طالما غرتك هذه الأست حتى اجترأت على الله، وسوف ترى هوانك عليه. قال سعيد: فورد على من حاله ما حيرني، وسقط السوط. من يدي.
قسم بعض الولاة بالمدينة قسما في الزمني، فأتاه أبو خزيمة، فقال: أعطني فإني زمن. قال: ما أرى بك زمانة. قال: بلى قال: ما هي؟ قال: أنا لوطي. قال: نعم، إنك لزمن من عقلك، وأعطاه.
سئل ابن سيابة عن مؤاجر، فقال وكان يقول: نيك وكان يترافق اثنان: أحدهما " يقود بالصبيان الصغار، والآخر، بالبالغين الكبار، وكل واحد يعيب صاحبه، ويعنفه، حتى أخذ في بعض الأيام صاحب الصغار مع صبي، ورفع إلى السلطان فضرب، وحمل الصبي على عاتقه ليطاف به في البلد، فلقيه رفيقه، وهو على تلك الحال، فقال: قد كنت أنهاك عن الصغار حذرا عليك من مثل هذا، ولو كان كبيرا لم ينكر كونه معك في البيت. فقال: اسكت يا أحمق. فلو قبلت منك وكان مكان هذا الصغير ذاك الكبير، فكان يدق عنقب بثقله.
وجد آخر مع صبي في منارة المسجد، وسراويلاتهما محلولة، فقيل: ما هذا؟ فقال: أريد أن أبدل تكته بتكتي.
قال بعضهم: إذا كان للغلام أير ضخم فهو فخذ ثالث.
قيل لبعضهم: اللواط إذا استحك صار حلاقا. قال: هذا من أراجيف الزناة.
قال بعضهم: نزل بي ضيف فنومته في الدار، فوجدته في بعض الليل معي على السرير في البيت ينيكني، فقلت: ويحك!! لم دخلت البيت؟ قال: وجدت البرد. قلت: فلم صعدت السرير؟ قال: من البراغيث. قلت فلم تنيكني؟ قال: ليس هذا موضع المسألة.

(1/425)


دب واحد على غلام، فانتبه الغلام، وأخذ شيئا فرماه به، وشجه. فلما أصبح، قيل له: استعد عليه. فقال: يا قوم أنيكهم من غير أن أستأذنهم. ثم أستعدى عليهم إذا ضربوني؟؟ هذا لا يجوز.
كان غلامان يلعبان بالطيور، فقال أحدهما لصاحبه: إذا كان غدا وتسابقنا تنايكنا. قال صاحبه: وإن لم نتسابق لم نتنايك؟ قال الجاحظ: كان بعض المؤاجرين يعطي في الشمال بأربعة دراهم وفي الجنوب بدرهمين فقيل له في ذلك. فقال: في الشمال الريح علي، وفي الجنوب الريح معي.
أراد رجل أن ينيك غلاما بين فخذيه، فصاح، وقال: لا أنا لا أطيق خارج نظر رجل إلى غلام وفي وجهه وجبينه أثر. فقال له الغلام - وقد أدمن النظر إليه - : يسألك الله عن سوء ظنك. قال: بل يسألك عن سوء مصرعك.
نظر بعضهم إلى غلام أمرد وهو يتكلم بقحة، ورقاعة. فقال: هذا وجه من يشم التراب.
أخذ رجل مع غلام، فرفع إلى صاحب الشرطة، فأدبه، ثم وجد بعد ذلك مع امرأة وعوقب. وبعد ذلك مع مخنث فأدب، ثم وجد في خربة ينيك أنانا. فقال له صاحب الشرطة: ويلك!! لم لا تعمد أيرك؟ قال: يا سيدي هذا غمده، ولكن لستم تتركونني أن أغمده. فضحك وخلاه.
قيل للوطي: ويحك؟؟ إن من الناس من يسرق، ويزني، ويعمل العظائم سنين كثيرة، وأمره مستور، وأنت إنما لطت منذ شهور. وقد شهرت وافتضحت.
فقال: من يكون سره عند الصبيان، كيف يكون حاله؟ نظر بعضهم إلى غلام وأدمن النظر. قال: فقال الغلام: لم هذا النظر؟ فقلت: سيدي: أين منزلكم؟ قال: في النار، تطلب أثرا بعد عين أن تؤخر اليوم لغد، وتتبع مالا تأمن السائق عليه.
دخل بعضهم الحمام فرأى فيه غلاما صبيحا، فأراده على نفسه فامتنع، فكابر، وأخذه وأفلت الغلام، وصاح، فدخل القيم وجماعة معه، فقالوا للرجل: ألا تستحي سوءة لك؟ قال: قلت له: صب الماء علي فامتنع. قالوا: فما بال أيرك قائما؟؟ قال: قام من شدة الغضب.
قيل للوطي: متى عهدك بالحر؟ قال: مذ خرجت منه.
ذكر يونس بعض اللاطة فقال: يضرب ما بين الكركى إلى العندليب يقول: لا يدع رجلا ولا صبيا إلا عفجه.
حكى بعضهم قال: رأيت بعض اللاطة يضرب غلاما له ضرب التلف، ويدعى عليه فسألته عن ذنبه. قال: ليس قلبه في العمل، نكته اليوم وكان أيره نائم.
قيل الفتيان: نيك الرجل ريبة. قال: هذا من أراجيف الزناة.
رأى يحيى بن أكثم غلاما حسن الوجه في دار المأمون فقال فرفع ذلك إلى المأمون، فعاتبه. فقال: يا أمير المؤمنين كان انتهى درسي إلى ذلك الموضع، فضحك.
استنقع بعضهم في الماء متكشفا، فمر به غلام عمري كان يتعسف فأنكر ذلك على الرجل كالمحتسب. فقال له الرجل: بأبي أنت!! أردت إماتة منكر، فأحييت أنكر منه، وأومى إلى متاعه.
قال بعضهم: كنت عند يحيى بن أكثم عشية، فدخل إليه عبد الملك بن عثمان بن عبد الوهاب - وكان يرمى به - فقال: أصلح الله القاضي، إنك أدخلت علينا أمينا في وقفنا، ففعل، وفعل. فقال له: وتدع أنت إنسانا يدخل عليك؟ فما سمعتها نهضت. فلما كنت في صحن الدار سمعته يقول له: حل حل.
وكان يحيى يقول بالبصرة لي رجلان أبعثهما ليأتياني بالغلمان، فأحدهما لا يأتيني بالغلام حتى ينيك الغلام، وهو إسماعيل بن إسحاق. والآخر لا يأتيني حتى ينيكه الغلام وهو صلت بن مسعود.
قال العدلي الشطرنجي: كنت غلاما، فضمني المأمون إلى يحيى، فإني لعنده يوما إذ جذبني إلى مخدع في مجلسه، وأضجعني الفاحشة، ونظر من وراء الستر، فرأى ابن العلاء بن الوضاح - وكان مفرط الجمال فضرب علي جنبي، وقال: قم.
الباب السادس عشر
نوادر البغائين
قال بعضهم: قلت لرجل كان يتعاطى الأدب - وكان متهما - : ما معنى قولهم: " إذا عز أخوك فهن؟ " قال: إذا لم ينم لتنيكه فنم حتى ينيكك.
دخل عبادة على المتوكل وهو نائم، ومعه في الفراش أسود قد ظهرت رجلاه من اللحاف، فقال عبادة: يا أمير المؤمنين. بت البارحة في خفيك وكان المتوكل ممن يرمى ويتهم بذلك، وخبره في أمر بشياط الهليوف معروف.

(1/426)


قيل لمأبون: إن بنتك به أبنة فقال: قيل لابن عون: إن المتوكل قد بنى بناءين سماهما الشاة: والعروس فقال: قد فرغ من تحميل الناس على الناس حتى صار ينايك بين الأبنية فقال وقع بين أحمد بن السندي وبين غلامه كلام، فهجره الغلام أياما فكاد أن يجن، فتحمل عليه بغرسة المحتسب، فلم يجبه الغلام. وكان غرسة أيضا مأبونا. فقال: يا غلام. لو كان أيرك مثل أير بغل سماعة ما زاد على هذا. فقال أحمد بن السندي هو قريب منه. وتحمل عليه بإخوانه حتى صالحه، واتخذ دعوة أرعد فيها وأبرق. فقيل للحنظلي: عند من كنتم أمس؟ قال: كنا في دعوة أير غلام أحمد بن السندي ومر أحمد بن السندي ببغل أبي كان الطحان - وقد أدلى - فوقف بإزائه ثم تنفس الصعداء، فقال: هذا الأير!! لا ما نعلل به استاهنا أربعين سنة.
قيل: وكان هذا البغل إذا أدلى أخذ في الأرض برأس غرموله التراب، فإذا ضرب به بطنه رأيت الغبار يتطاير عن يمينه وشماله.
قال بعضهم: دخلت إلى رجل من كبار الناس ببغداد فجاءة، وإذا غلام له فوقه. فلما رآني استحيا وقال: زعم هذا الغلام أنه احتلم البارحة، فأردت أن أجربه.
وقال أبو العيناء: دخلت على أبي العلاء المنقري - وغلامه على ظهره - فقلت: ما الخبر؟ فقال: إن هذا الغلام زعم أنه قد احتلم، فظننت أنه يكسل عن خدمة النساء، فأحببت أن أمتحنه. قال: فحدثت بهذا المعتصم فقال: لعنه الله تركني.
قيل لرجل من ولد بشر بن داود - وكان مأبونا - : أما تستحي وأبوك كان سيف السلطان؟ قال: فأنا جعبته.
وقال له آخر: إن أباك كان ينيك، وأنت تناك. قال: نقضني دينه.
قال ابن حمدون: بات عندي المراكبي الشطرنجي - وكان مأبونا - فسمعته يقول لغلام كان قد بات أيضا عندي: أعطيك دينارا وتبادلني، وأعطيك أنا قبلا. وإن صغرت لم أبال؟؟ قيل لبعضهم: لوطي أنت أم صاحب نساء؟ قال: أنا لوطي، وزان وأميل إلى المخنثين، وأدب بالليل أي دباب، ويعتريني قليل بغاء.
أحضرت بصلية في منزل رجل كبير من أهل بغداد - وابن الهفتي حاضر - وكان يعاتبه كثيرا، فتسرع ابن الهفتي أيضا، فقال له: أتعجبك بالأبنة قال: هي ألذ من طيب الطعام عندي. قال: خذوها من بين أيدينا، فإني لا أشتهيها. قال: هذه أيضا فضيلة من فضائل البصلية لا يشتهيها البغاءون.
وكان الرجل مرميا بالأبنة. وقال له يوما وقد رأى له كنيفا لا يدخله غيره: استك عامة وكنيفك خاصة.
كان بعض آل الجنيد إذا رأى إنسانا يرمي بالبغاء دعا لفتحته بأن عافية. فقال له عبادة ما صحت نيتك في الدعاء، لأنك بعد تسأل بان.
قيل لأبي سوار: قد امتهنك غلامك هذا الأسود. قال: ما امتهنني، لكني أمتهنه. عمدت إلى أكرم علق فيه، واستعملته في أقذر مدخل في.
أشرفت امرأة من منظرة لها فرأت فتى جميلا أعجبها، فقالت لجاريتها: أدخليه فأدخلته. فقدمت الطعام، وأكلا، أحضرت الشراب، وآنسته، فلم تجد عنده شيئا. فقالت ما أحوجنا إلى من كان ينيكنا جميعا. فقال: أخذتيها من فمي.
أدخل بعض البغائين واحد من السقائين، وحمله على نفسه، فلما واقعه قال: أوجعتني، لا تدخله كله. قال السقاء: فأخرجه؟ قال: لا. قال فما أصنع؟ قال: دعه مكانه. قال السقاء: فمن يحفظ البغل؟ كان الناصر ولي واحدا عمل البندرة بجرجان، وكان يرمي بالأبنة، فاستقصره يوما في سبب مال وجب لمن يجبيه. فقال: أيها الناصر، إنما الصاحب رحمه الله بعض الكتاب من العراق ممن كان عرفه وقت مقامه ببغداد، وشكى سوء حاله، فأحسن إليه، وولاه عملا، وأجرى له في كل شهر خمسمائة درهم. وكتب صكة بذلك؟، فحسده بعض الحاضرين وقال للصاحب: إن هذا رجل مأبون، معروف الطريقة بالفساد، وجميع ما تصله به، وتوصله إليه ينفقه على من يرتكب معه الفضيحة، وأفرط في ذم الرجل، والدلالة على قبائحه حتى طن أنه قد أفسد حاله.

(1/427)


فلما رد الصك إليه للتوقيع فيه لم يشك الساعي أنه يبطله أو يمزقه. فلما أخذه، ونظر فيه كتب تحت ما كان قدر له كل شهر: ولغلام يخدمه ويستعين به خمسون درهما، ووقع في الصك ورده إليه.
كان لعبادة غلام كبير الفقحة. فقيل له: أنت بغاء فيالك غلام كبير الفقحة؟؟ قال: يا حمقى: ما يدريكم: كلما ثقلت المرزبة كان أشد لدخول الوتر.
؟الباب السابع عشر
نوادر جحا
حكى الجاحظ. أن اسمه نوح، وكنيته أبو الغصن، وأنه أربى علي المائة، وفيه يقول عمر بن أبي ربيعة:
ولهت عقلي وتلقبت بي ... حتى كأني من جنوني جحا
ثم أدرك أبا جعفر، ونزل الكوفة.
قيل لجحا: أتعلمت الحساب؟ قال: نعم. فما يشكل على شيء منه. قال له: اقسم أربعة دراهم على ثلاثة. فقال: لرجلين درهمان، درهمان، وليس للثالث شيء وأراد المهدي أن يعبث به فدعا النطع والسيف، فلما أقعد في النطع، وقام السياف على رأسه وهز سيفه، ورفع إليه رأسه. فقال: انظر لا تصيب محاجمي بالسيف، فإني قد احتجمت فضحك المهدي وأجازه.
وماتت لأبيه جارية حبشية: فبعث به إلى السوق ليشتري لها كفنا، فأبطأ عليه حتى أنفذ غيره، وحمل الكفن، وحملت جنازتها، فجاء جحا - وقد حملت - فجعل يعدو في المقابر، ويقول: رأيتم جنازة جارية حبشية، كفنها معي؟ وجمحت به يغلة يوما، فأخذت به في غير الطريق الذي أراده، فلقيه صديق له. فقال: أين عزمت يا أبا الغصن؟ فقال: في حاجة للبغلة.
وكان يأكل يوما مع أمه خبزا وبقلا، فقال لها: يا أمي، لا تأكلي الجرجير فإنه يقيم الأير.
ومرت به جنازة، فقال: بارك الله لنا في الموت وفيما بعد الموت. فقيل: إنها جنازة نصراني. فقال: إذن لا بارك الله لنا في الموت، ولا فيما بعد الموت.
وكانت لهم جارية يقال لها عميرة، فضربتها أمه ذات يوم، وصاحت الجارية واجتمع الجيران على الباب. فخرج إليهم، وقال: مالكم؟ عافاكم الله. إنما هي أمي تجلد عميرة.
وصلى بقوم - وفي كمه جرو كلب - فلما ركع سقط الجرو، وصاح، وتنحنح. فالتفت إليهم، وقال: إنه سلوقي عافاكم الله.
وحمل جرة خضراء إلى السوق يبيعها. فقالوا: هي مثقوبة. فقال: ليس تسيل، فإنه كان فيها قطن لوالدتي. فما سال منه شيء.
وأعطاه أبوه درهما يزنه، فطرحه في الكفة، وطرح في الكفة الأخرى سنجة درهمين، وهو يحسبهما سنجة درهم، فلم يستويا، فطرح سنجة الدرهم على رأس الدرهم، فكان أقل، فطرح حبتين أيضا، ثم قال لأبيه: ليس في شيء، وينقص حبتين.
ونظر يوما إلى السماء، فقال: ما أخلقها بالمطر لو كان متغيمة.
ورأوه يوما في السوق يعدو فقالوا: ما شأنك؟ قال: مرت بكم جارية رجل مخضوب الحية؟ واجتاز يوم بباب الجامع فقال: لمن هذا القصر؟ قالوا له: هذا مسجد الجامع. قال: رحم الله جامعا. ما أحسن ما بني مسجده؟؟ وذهبت أمه في عرس، وتركته في البيت، وقالت له: احفظ الباب. فجلس إلى الظهر. فلما أبطأت عليه قام، فقلع الباب، وحمله على عاتقه.
ونظر إلى رجل مقيد - وهو مغتم - فقال له: ما غمك؟ إذا نزع عنك فثمنه قائم، ولبسه ربح.
وماتت خالته، فقالوا: اذهب، واشتر لها حنوطا. فقال: أخشى ألا ألحق الجنازة.
وتبخر يوما فأحرقت ثيابه. فقال: والله لا تبخرت أبدا إلا عريانا لما قدم أبو مسلم العراق قال ليقطين بن موسى: أحب أن أرى جحا.
قال: فوجه يقطين إليه فدعاه وقال: تهيأ حتى تدخل على أبي مسلم فإذا دخلت عليه فسلم، وإياك أن تتعلق بشيء دون أن تشتد فإني أخشاه عليك قال: نعم.
فلما كان من الغد، وجلس أبو مسلم وجه يقطين إليه فدعاه، فأدخل على أبي مسلم - وهو في صدر المجلس - ويقطين إلى جنبه، فسلم. ثم قال: يا يقطين. أيكما أبو مسلم؟ فضحك أبو مسلم حتى وضع يده على فمه. ولم يكن رئي قبل ذلك ضاحكا.
وأراد جحا الخروج إلى ضيعة، فقيل له: أحسن الله صحابتك: فقال: الموضع أقرب من ذاك.

(1/428)


وعجن في منزله، فطلبوا منه حطبا. فقال: إن لم يكن حطب فأخبزوه فطيرا.
ولما حذق الكتابة والحساب بعث به المعلم مع الصبيان إلى أبيه. فقال له أبوه كم عشرين في عشرين؟ فقال: أربعين ودانقين. فقال وكيف صار فيه دانقين؟ قال: كان فيها درهم ثقيل.
أكل جحا يوما مع قوم رؤسا، فلما فرغ من الأكل دعا للقوم، وقال: أطعمكم الله من رؤس أهل الجنة.
وضرط أبوه يوما، فقال جحا: على أيري. فقال أبوه: ويلك أيش قلت؟ قال: حسبتك أمي.
وماتت أمه فجعل يبكي، ويقول: رحمك الله فلقد كان بابك مفتوحا، ومتاعك مبذولا.
دخل البيت وإذا جارية أبيه نائمة، فاتكأ عليها، فانتبهت، وقالت: من ذا؟ قال: اسكني أنا أبي.
ورأوه في جنازة أبي العباس النحوي وهو يقول: يا أبا العباس رحمك الله من حرمتنا بعدك يا أبا العباس.
وسمع قائلا يقول: ما أحسن القمر؟ فقال: أي والله خاصة بالليل.
وجاز بقوم في كمه خوخ، فقال لهم: من أخبرني بما في كمي فله أكبر خوخة فيه؟ قالوا: خوخ. فقال: ما قال لكم إلا من أمه زانية.
وقال له أبوه يوما: احمل هذا الحب فقيره. فذهب به، وقيره من خارج. فقال أبوه: أسخن الله عينك: رأيت من قير الحب من خارج؟ فقال جحا: إن لم ترض - عافاك الله - فاقلبه مثل الخف حتى يصير القير من داخل.
وبات ليلة مع صبيان له، فجعلوا يفسون. فقال لامرأته: هذا - والله - بلية.
قالت دعهم يفسون فإنه أدفأ لهم. فقام وخرى وسط البيت، ثم قال: أنبهى الصبيان حتى يصطلوا بهذه النار.
قيل له: ما لوجهك مستطيلا؟ قال: ولدت في الصيف، ولولا أن الشتاء أدركه لسال وجهي.
ورثى يوما مغموما، فقيل له: مالك؟ قال: وقعت أمي من السطح على مذاكيرها.
وأخذ بوله في قارورة، فأتى به الطبيب. فقال: إني أريد أن أنقطع إلى بعض الملوك. فانظر: هل أصيب منه خيرا؟ وكان في دارهم شجرة تين، وكانت الدار لأمه. فدعا أبوه قوما فسكروا، وجعلوا يبولون في البستان. فقال لأمه: يا أمه:!! هو ذي يبولون في أصل تينك.
وماتت ابنة له فذهب ليشتري لها كفنا، فلما بلغ البزازين رجع مسرعا فقال: لا تحملوها حتى أجيء أنا.
ومر في الميدان فرأى قصرا مشرفا، فوقف ينظر إليه، ويتأمله طويلا، ثم قال أتوهم أني رايته في مجلة بني فلان.
ودخل البستان فتعلق ثوبه بشجرة، فالتفت، وقال: لولا أنك بهيمة لكسرت أنفك.
وخرج يوما بقمقم يستقي فيه من ماء النهر، فسقط من يده وغرق فقعد على شط النهر، فمر به صاحب له، فقال: ما يقعدك ها هنا؟ قال: قمقم لي قد غرق وأنا أنتظر أن ينتفخ ويطفو فوق الماء.
واشترى يوما نفانق فانقض عليه عقاب، وانتسف بعض النفانق فطار به فنظر إليه، وقال: يا شقي. ومن أين لك خردل تأكله به؟؟ وأسلمته أمه في البزازين، فقالت له بعد حولين: توجهت في شيء؟ قال: نعم. تعلمت نصف العمل. قيل: وما تعلمت؟ قال: تعلمت النشر، بقي الطي.
وقيل له - وكان بريء من جراحة أصابته: بم تداويت؟ قال: بدم الوالدين. يريد دم الأخوين.
وركب يوما حمارا، وعقر ذنبه. فقالوا: لم فعلت ذلك؟ فقال: لأنه يقدم سرجه.
وتعلق بلص في بعض الليل، فصاح اللص: قرحتي. فخلاه حتى مر، وقال: خشيت أن أوجعه.
وكان نقش خاتمه: عشاء الليل رديء.
وأخذه صاحب المصلحة فقدمه إلى الوالي، فقال: رأيت هذا يجلده عميرة. فقال: احبسوه. فلقيه صديق له، فقال: ما حالك؟ قال: قصتي عجيبة، لا يدعونا " ننيكهم. فإذا نكنا أنفسنا حبسونا.
الباب الثامن عشر
نوادر أشعب
كان يقول: كلبي كلب سوء، يبصبص للأضياف وينبح أصحاب الهدايا.
وأشعب هذا هو الموصوف بالطمع. وقيل له: ما بلغ من طمعك؟ قال: لم تقل هذا إلا وفي نفسك خير تصنعه بي.
ومن عجيب أخباره أنه لم يمت شريف قط من أهل المدينة إلا استعدى أشعب علي وصيته، أو وارثه، وقال له: احلف أنه لم يوص لي بشي قبل موته.

(1/429)


وقيل له: لقد لقيت رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فلو حفظت أحاديث تتحدث بها؟؟ قال: أنا أعلم الناس بالحديث. قيل: فحدثنا. قال: حدثني عكرمة عن ابن عباس، قال: خلتان لا تجتمعان في مؤمن إلا دخل الجنة. ثم سكت. قيل له: هات، ما الخلتان؟ قال: نسي عكرمة إحداهما، ونسي أنا الأخرى.
قال بعضهم: قلت له: لو تحدثت عند العشية!! فقال: أخاف أن يجئ إنسان ثقيل: قلت: ليس معنا ثالث. فمضى معي. فلما صليت دعوت بالعشاء، فلم يلبث أن جاء صديق يدق الباب، فقال أشعب: ترى قد صرنا إلى ما نكره؟ قال: قلت له: عندي فيه عشر خصال لا يكره منها خصلة، فإن كرهت واحدة لم آذن له. قال. هات. قلت: أولاهن أنه لا يأكل. فقال التسع الباقية لك. أدخله.
وكان أشبع لا يغب طعام سالم بن عبد الله بن عمر فاشتهى سالم أن يأكل مع بناته. فخرج إلى بستان له، فجاء أشعب فخبر بالقصة فاكترى جملا بدرهم. فلما حاذى حائط البستان. وثب، فصار عليه، فغطى سالم بناته بثوبه. وقال: بناتي بناتي. فقال أشعب: إنك لتعلم ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد.
قيل: بغت أم أشعب، فضربت، وحلقت، وحملت على بعير يطاف بها، وهي تقول: من رآني فلا يزنين. فأشرفت عليها ظريفة من أهل المدينة: فقالت لها: إنك لمطاعة!! نهانا الله عنه، فما ندعه، وندعه لقولك؟؟ كان زياد بن عبد الله الحارثي على شرطة المدينة، وكان مبخلا على الطعام فدعا أشعب في شهر رمضان ليفطر عنده، فقدمت إليه في أول ليلة بصلية معقودة، كانت تعجبه، فجعل أشعب يمعن فيها - وزياد يلمحه - فلما فرغوا من الأكل قال زياد: ما أظن أن لأهل السجن إماما يصلي بهم في هذا الشهر فليصل بهم أشعب. فقال أشعب: لو غير ذلك - أصلحك الله - ؟ قال: وما هو؟ قال: أحلف أني لا أذوق بصلية أبدا. فخجل زياد، وتغافل عنه.
قال أشعب: جاءتني جارية بدينار، وقالت هذه وديعة عندك. فجعلته بين ثنى الفراش. فجاءت بعد أيام فقالت: بأبي الدينار فقلت: ارفعي الفراش، وخذي ولده. وكنت تركت إلى جنبه درهما فتركت الدينار. وأخذت الدرهم وعادت بعد أيام فوجدت معه درهما آخر، فأخذته.
وعادت في الثالثة كذلك. فلما رأيتها في الرابعة بكيت. فقالت: ما يبكيك؟ قلت مات دينارك في النفاس. قالت: وكيف يكون للدينار نفاس؟؟ قلت: يا فاسقة تصدقين بالولادة، ولا تصدقين بالنفاس!! سأل سالم بن عبد الله بن عمر أشعب عن طمعه، فقال: قلت لصبيان مرة: اذهبوا. هذا سالم قد فتح بيت صدقة عمر حتى يطعمكم تمرا. فلما احتبسوا ظننت انه كما قلت لهم فغدوت في أثرهم.
وقيل له: ما بلغ من طمعك؟ قال: أرى دخان جاري فأرد.
وقيل له أيضا: ما بلغ من طمعك؟ قال: لم أر اثنين قط. يتساران إلا ظننت أنهما يأمران لي بشيء.
وقيل أيضا: ما بلغ من طمعك؟ قال: ما رأيت عروسا بالمدينة تزف إلا كنست بيتي، ورششته طمعا في أن تزف إلي.
ووقف على رجل خيزراني - وكان يعمل طبقا - فقال له: وسعه قليلا.
قال الخيزراني: وما تريد بذلك؟ كأنك تريد أن تشتريه؟ قال: لا، ولكن يشتريه بعض الأشراف، فيهدي إلي فيه شيئا.
وقال له ابن أبي عتيق: أما تستحي - وعندك ما أرى - من أن تسأل الناس؟ قال: معي من لطف المسألة مالا تطيب نفسي بتركه.
وكان أشعب يحدث عن عبد الله بن عمر، فيقول: حدثني عبد الله، وكان يبغضني في الله.
وجلس يوما في الشتاء إلى رجل من ولد عقبة بن أبي معيط، فمر به حسن بن حسن، فقال: ما يقعدك إلى جنب هذا؟ قال: أصطلي بناره.
ولما مات ابن عائشة المغني جعل أشعب يبكي، ويقول: قلت لكم زوجوا ابن عائشة من الشماسية حتى يخرج بينهما مزامير داود، فلم تفعلوا وكان لا يغني حذر من قدر:

(1/430)


ولما أخرجت جنازة الصريمية المغنية كان أشعب جالسا في نفر من قريش، فبكى عليها، وقال: اليوم ذهب الغناء كله. وترحم عليها، ثم مسح عينيه، والتفت إلهيم، وقال: وعلى ذلك فقد كانت الزانية شر خلق الله فضحكوا، وقالوا: يا أشعب، ليس بين بكائك عليها، وبين لغنك إياها فرق. قال: نعم كنا نحبوها الفاجرة بكبش إذا أردنا أن نزورها فتطبخ لنا في دارها ثم لا تعشينا - يشهد الله - إلا بسلق.
وجاز به يوما سبط لابن سريج وهو جالس في فتية من قريش، فوثب إليه، وحمله على كتفه، وجعل يرقصه ويقول: فديت من ولد علي عود، واستهل بغناء، وحنك. بحلوى، وقطعت سرته بزير وختن بمضراب.
وتبع مرة امرأة فقالت له: وما تصنع بي ولي زوج؟ قال: فتسري بين فديتك.
وقيل له: هل رأيت أطمع منك؟ قال: نعم: كلب أم حومل، تبعني فرسخين، وأنا أمضع كندرا. ولقد حسدته على ذلك.
وخفف الصلاة مرة، فقال له بعض أهل المسجد: خففت الصلاة جدا!! قال: لأنه لم يخالطها رياء.
وقال له رجل: ضاع معروفي عندك. قال: لأنه جاء من غير محتسب ثم وقع عند غير شاكر.
قيل له: هل رأيت أحدا أطمع منك؟ قال: نعم. خرجت إلى الشام مع رفيق لي، فنزلنا بعض الديارات، فتلاحينا. فقلت: أير هذا الراهب في حر أم الكاذب. فلم نشعر إلا بالراهب قط اطلع علينا، وقد أنعظ وهو يقول: أيكم الكاذب؟ ودخل يوما إلى بعض الرؤساء - وهو يحتجم فقال له أشعبك حجمك بنوك.
كان أشعب عند الحسن بن الحسن بن علي عليهم السلام، فدخل عليهم أعرابي مشعث اللمة، قبيح الخلقة متنكبا قوسا. فقال أشعب للحسن: تأذن أن أسلح عليه فسمعه الأعرابي، فوضع سهما في كبير قوسه، وفوقه نحو أشعب وقال: لئن فعلت ليكونن آخر سلح تسلحه أبدا فقال أشعب للحسن: يا سيدي. أخذني والله القولنج.
قال رجل لأشعب - وكان صديق أبيه - : يا بني. كان أبوك عظيم اللحية، فمن أشبهت أنت؟ قال: أشبهت أمي.
الباب التاسع عشر
نوادر السؤال
قال بعضهم: رأيت سائلا ببغداد في الزياتين - وهم أنصب من في الأرض - يسأل، ويقول: تصدقوا على حبا وكرامة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب. وليس يلتفت إليه أحد، ولا يعطيه شيئا. فدفعت إليه درهما، وقلت في نفسي: إن هذا المسكين لا يعرف هؤلاء وبعضهم لعلي - عليه السلام - فأخذ الدرهم مني، وقال: يا صاحب الصدقة، إن كنت تصدقت بها على وفي قلبك بغض لأبي بكر، وعمر، وعثمان، وفلان، وفلان ومعاوية خال المؤمنين رديف المصطفى، وكاتب الوحي فقطع الله يديك ورجليك وأعمى عينيك.
قال: فأخذته الدراهم من كل جانب، وبقيت أنا متحيرا. ثم مضى فلحظته. فعلم ما في قلبي. فقال: يا فتى. على رسلك!! عندك أن هؤلاء القراننة لا يصدقون على إلا بمثل هذه الحيلة.
جاء سائل إلى قوم فسألهم، فردوا عليه، وألح عليهم فردوا. فألح، فخرج إليه بعضهم فقال: عافاك الله. أما سمعت الرد؟ قال: ولكنكم غممتموني فأردت أن أغمكم يا قراننة.
وقف سائل على قوم، فقال بعضهم: يضاعتنا واحدة. فقال السائل: أنا أقود علي أمي.
أعطي سائل كسرة صغيرة. فقال: رحم الله من تممها لقمة.
قال بعضهم: رأيت ببغداد مكفوفا: من أعطاني حبة سقاه الله من الحوض على يد معاوية. فتبعته حتى خلوت به، ولطمته، وقلت: يا كذا عزلت أمير المؤمنين عن الحوض. فقال: أردت أن أسقيهم بحبة على يد أمير المؤمنين علي عليه السلام؟؟ لا، ولا كرامة.
سأل أبو فرعون رجلا، فمنعه. فألح عليه فأعطاه فقال: اللهم أخرنا وإياهم. نسألهم إلحافا، ويعطوننا كرها، فلا يبارك الله لنا فيها، ولا يأجرهم عليها.
وقف سائل على باب، فقال: يأهل الدار. فبادر صاحب الدار قبل أن يتم السائل كلامه، وقال: صنع الله لك. فقال السائل: يا بن البظراء. كنت تصبر حتى تسمع كلامي عسى جئت أدعوك إلى دعوة.
وقف أعرابي سائل على باب، وسأل. فأجابه رجل: ليس ها هنا أحد قال: إنك لاحد لو جعل الله فيك بركة.

(1/431)


قال الجماز: سمعت سائلا يقول: من يعطيني حبا لأمينين: جبريل ومعاوية؟ وقف سائل على باب وكانت صاحبه الدار تبول على البالوعة. فحسب السائل أن صوت بولها نشيش المقلي. فقال: أطعمونا من هذا الذي تقلونه.
فضرطت المرأة، وقالت: حطبنا - وحياتك - رطب ليس يشتعل.
وكان آخر يقول من يعطينى قطعة حبا لهند حماة النبي.
ووقف سائل بباب المافروخي عامل الأهواز، وسأل فأعطوه لقمة من خبز فسكت ساعة، ولم يبرح. ثم صاح، وقال: هذا الدواء لأي شيء ينفعني؟ وكيف آخذه؟ وقف سائل على باب قوم فقال: تصدقوا علي فإني جائع. قالوا: لم نخبز بعد. قال: فكف سويق؟ قالوا: ما اشترينا بعد. قال: فشربة ماء فإني عطشان. قالوا: ما أتانا السقاء بعد. قال: فيسير دهن أضعه على رأسي. قالوا: ومن أين لنا الدهن؟ فقال: يا أولاد الزني، فما قعودكم ها هنا؟؟ قوموا وسلوا معي.
وقف سائل على باب دار فقال: تصدقوا علي. فقالت جارية من الدار: ما عندنا شيء نعطيك، وستى في المأتم. فقال السائل: أي مأتم أعظم من مأتمكم إذا لم يكن عندكم شيء؟؟ وقف آخر بباب دار، فسأل، فقال صاحب الدار: أغناك الله، فليس صبياننا ها هنا. قال: إنما طلبت كسرة: لم اطلب الجماع.
وقف آخر بباب فقال: أوسعوا علي مما رزقكم الله فإني في ضيق. فقال. صاحب الدار: إن كنت في الدهليز في ضيق فادخل الدار فإنه أوسع لك فقال السائل: إنما قلت: تأمر لي بشيء. فقال: قد أمرتك أن تشتري لابني قلنسوة.
فقال السائل: أيش تريد مني يا هذا؟ قال: أريد منك عشرة دراهم أوديها عن كرا الدار. فولى السائل هاربا.
وقف أعرابي على قوم يسألهم، فقال أحدهم له: بورك فيك. وقال آخر ما أكثر السؤال؟ فقال الأعرابي: ترانا أكثر من بورك فيك؟ والله لقد علمكم الله كلمة ما تبالون ولو كنا مثل ربيعة ومضر.
وقف آخر على باب، فأجابته امرأة من الدار: ما خبزنا اليوم. قال: فأعطني كف دقيق. قالت: ما اشترينا بعد دقيقا. قال: فاستقرضي من الجيران رغيفا. قالت لا يقرضونا. قال قد أحسنوا يا زانية تستقرضين، ولا تردين. لا يقرضونك!! وقف سائل على إنسان - وهو مقبل على صديق له يحدثه، ويتغافل عن السائل - ثم قال له بعد ساعة طويلة: صنع الله لك. فقال له السائل: أين كان هذا يا سيدي إلى هذا الوقت؟ كان في الصندوق؟ وكان رجل ببغداد من الشحاذين فكان دأبه أن يترصد إقبال الربيع، فيطلب وردة أول ما تطلع، وقبل أن يراها الناس فيأخذها، ويحملها إلى الحذائين ويبشرهم بمجيء الصيف، وحاجة الناس إلى النعال، فيجبون له شيئا، ويعطونه. وإذا أقبل الخريف عمد إلى جزرة قبل أن يرى الناس الجزر، ويهديها إلى الخفافين، ويبشرهم بمجيء الشتاء. فما زال هذا دأبه يتعيش منه طول عمره.
وكان رجل منهم معه صحيفة، ودواة، فكان يتقدم إلى الرجل من أهل السوق وغيرهم، فيسأله أن يعطيه شيئا، ثم يقول له: أنا أرضى بدرهم واحد تعطينيه في مثل هذا اليوم من السنة القابلة. فيستحي الرجل فيقول: أثبت لي خطك بهذا الدرهم الواحد، فيأخذ خطه، ويعود في القابل، وفي اليوم الذي يكون قد أرخه فيأخذ منه ذلك. فكان يجتمع له في كل سنة جملة جاملة.
سمع رجل سائلا في مسجد الكوفة يقول: أسألكم بحق أبي بكر وعمر، فما أعطاه أحد شيئا. فقال: ليس لهؤلاء القوم هاهنا جاه. رأى أبو القمقام الهلال على وجه قصرية فقال لها: اضحكي في وجهي وخذي هذا الدينار مني. فاستظرفته، وأخذت منه الدينار عبثا. فقال: قد تفاءلت بوجهك، فما لي عندك؟ قالت: أرد دينارا. قال: هذا كما كنا فأين حلاوة الفأل؟ وصدقت، فأعطته دينارا. فقال: التجارة بركة والخديعة يمن.
وكان على عصا ساسان المكري مكتوبا بالذهب: الحركة بركة، الطراوة سفتجة، الكسل شؤم، التمييز جرم.
حكى بعضهم قال: سمعت أبن سكرة يقول: كان شرطي مع خمرة - وهي التي يشبب بها في شعره، وفيها يقول.
لخمرة عندي حديث يطول ... رأتني أبول فكادت تبول

(1/432)


أن أعطيها على كل فرد أربعة دوانيق. فقال: فجاءتني يوما فأعطيتها درهمين ونكتها مرتين. ولم ينتشر علي في الثالث، فأردت ارتجاع قسط الواحد منها وامتنعت من ذلك. فبينا نحن في ذلك إذ وقف سائل على الباب، ودعا وسأل. فقلت له: ادخل: فدخل. فقلت: ليس يحضرني. ولكن نك هذه، فقد استوفت جذرها. قال: فأخذ بيدها، ودخل البيت، وناكها. وخرج - وأيره في يده - وهو يقطر، ويشير إليه، ويقول لي: ثقل الله بهذا ميزانك يوم القيامة.
الباب العشرون
نوادر المعلمين
قال بعضهم: مررت ببعض سكك البصرة وإذا معلم قد ضرب صبيا، وأقام الصبيان صفا، وهو يقول هلم: اقرءوا. ثم جاء إلى صبي بجنب الصبي الذي ضربه، فقال: قل لهذا يقرأ، فإني لست أكلمه.
قال أبو عثمان: كان ابن شبرمة لا يقبل شهادة المعلم، وربما قبل شهادة المؤدب.
وكان يحيى بن أكثم أسوأ الناس رأيا فيهم.
وكان السندي بن شاهك لا يستحلف المكاري، ولا الحائك، ولا الملاح، ويجعل القول قول المدعي ويقول: اللهم إني أستخيرك في الحمال ومعلم الكتاب.
وصف بعضهم معلما فقال: هو أفره الناس وصيفا، وأكثرهم رغيفا.
قال بعضهم: مررت بمعلم وإذا صبيانه يلعبون ويقتتلون، فقلت للمعلم: ما بال صبيانك ليسوا يفرقون منك!! قال: وأنا أيضا لست أفرق منهم.
قال: وقال غلام لأبيه: لا أريد هذا المعلم. فقال له أبوه: ما له؟؟ قال: يصنع بي أمرا عظيما. قال: يستخدمك؟ قال: أشد من ذلك. قال: فيضربك؟ قال أشد من ذاك. قال: فيعفجك؟ قال أشد من ذاك. قال: فأي شيء ويلك يفعل بك؟ قال: يأكل غداي.
قال: كان معلم يقيم الصبيان صفين، ويتكئ صبيين بيديه، ويقول: أربعة وأربعة: ستة. فقلت له: إذا كان أربعة وأربعة ستة، فكم يكون ثلاثة وثلاثة؟ قال: صدقت. لم آخذ جذره.
وكان لأبي دواد المعلم ابن، فمرض، فلما نزع قال: اغسلوه. قالوا. لم يمت بعد. قال: إلى أن يفرغ من غسله ما قد مات.
وقال شريكه: تعلم الصبيان - وعليك قميص جديد فيسودونه عليك؟ قال: قد اشتريت قطنا، وقلت لأهلنا: يغزلون قميصا خلقا.
قال: مررت يوما بمعلم - والصبيان يحذفون عينه بالقصب - وهو ساكت - فقلت: ويحك!! أرى منك عجبا. فقال: وما هو؟ قلت: أراك جالسا والصبيان يحذفون عينك بالقصب!! فقال: اسكت، ودعهم. فما فرحي والله إلا أن يصيب عيني شيء، فأريك كيف أنتف لحي آبائهم.
كان بحمص معلم يكنى أبا جعفر يتعاطى علم الحساب، فصارت إليه يوما امرأة، فقالت: يا أبا جعفر:؛ قفيز دقيق بثمانية دراهم كم يصيبني بأربعة دراهم؟ فقال لها، بعد أن فكر: في هذه المسألة ثلاثة أقوال: أحدهما أن تعطى الرجل أربعة أخرى، وتأخذي قفيزا، والآخر: لك قفيز إلا بأربعة دراهم. والثالث: تدفعين درهم درهم، وتأخذين مكوك مكوك حتى تستوفين.
وصار إليه ثلاثة روز جارتين قد أخذوا أجرتهم درهمين فقالوا: يا أبا جعفر، كيف نقتسم الدرهمين ونحن ثلاثة؟ قال: أسقطوا منكم واحدا، وخذوا درهما درهما. قالوا: سبحان الله!! كيف نسقط أحدنا وقد عمل؟ قال: فزيدوا واحدا. وخذوا نصف نصف. قالوا: كيف نزيد فينا من لم يعمل ويأخذ كرانا؟ قال: فخذوا نصفا نصفا واشتروا بالباقي تمرا، وكلوه.
وسألته امرأة، فقالت: أربعة أرطال تمر بدرهم، كم يصيبني بدانق ونصف؟ ففكر ساعة طولة، وأدخل يديه تحت ذيله، وجعل يحسب بهما ثم أخرج يديه وقد جمعهما، وقال: كتلة مثل هذه كبيرة.
وقال بعضهم مررت بمعلم وهو جالس وحده، وليس عنده من الصبيان أحد، فقلت له: يا معلم، ما فعل صبيانك؟ فقال: خلف الدور يتصافعون. فقلت: أريد أن أنظر إليهم. فقال: إن كان ولا بد فغط رأسك، لا يحسبونك أنا فيصفعوك.

(1/433)


قال: ورأيت معلما وقد جاء غلامان قد تعلق أحدهما بالآخر، وقال: يا معلم، هذا عض أذني. فقال الآخر: والله ما عضضتها، وإنما هو عض أذن نفسه. فقال له المعلم: يا بن الخبيثة. صار جملا حتى يعض أذن نفسه؟ قال: رأيت معلما بالكوفة - وهو شيخ مخضوب الرأس واللحية - وهو يجلس يبكي فوقفت عليه، وقلت: يا عم: مم تبكي؟ فقال: سرق الصبيان خبزي.
قال: وسمعت معلما وهو يقرئ صبيا وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر والصبي يقول: كلحم بالبصل فقال له: يا فاعل، أحسبك تشتهي بصلية قال: وقرأ صبي على معلم " الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله " فقال المعلم: من عند أبيك القرنان أولى، فإنه كثير المال يا بن الفاعلة، هو ذا؟؟ تلزم النبي نفقة لا تجب عليه. أعجبك كثرة ماله؟؟ قال: ورأيت معلما وقد جاء صبي، فصفعة محكمة. فقال له المعلم: أيهما أصلب: هذه أم التي صفعتك أمس؟ قال: وكان بالمدينة معلم يفرط في ضرب الصبيان، ويشتمهم. فلاموه على ذلك، فسألني أن أقعد عنده، وأشاهد حاله معهم، فقعدت عنده، فإذا بصبي يقول: يا معلم: " وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين " فقال: عليك وعلى أبويك.
وجاء آخر، فقال: يا معلم: " فاخرج منها فإنك رجيم " قال: ذاك أبوك الكشخان.
وجاء آخر، فقال: يا معلم: إني أريد أن أنكحك " قال: انكح أمك الفاعلة.
وقال آخر: يا معلم: " ما لنا في بناتك من حق " قال: لا، ولا كرامة، فلا يزال معهم في مثل هذا وهو يضربهم، ويزنيهم.
قال: ومررت بمعلم وقد جاء صبي صغير، فصفعه. فقلت له: لم تدع هذا الصبي يجترئ عليك؟ فقال: دعه فإني أشكوه غدا إلى أبيه.
قرأ غلام علي معلم: " إنا وجدنا آباءنا على " أمك " وإنا على آثارهم " فرد عليه المعلم " على أمة " فقال: على أمك. فلما تكرر قال المعلم: قل: على أمي. فقال على أمي. فقال المعلم: على أي حال إذا وجدت أباك على أمك خيرا من أن تجده على أمي أنا واستفتح غلام، فقال: يا معلم " إن أبي يدعوك " فقال: هاتم نعلي. فقال الغلام: إنما استفتحت. فقال: قد أنكرت أن يفلح أبوك.
قال معلم لغلام: قل: " قد أفلح من زكاها. وقد خاب من دساها " . فقال: وقد داس من خباها. فلم يزل يكرر ذلك عليه إلى أن أعيته العلة. فقال المعلم: وقد داس من خباها. فقال الغلام " وقد خاب من دساها " . فقال المعلم لأبيه: قد قلت لك إنه لا يفلح.
قالوا: إذا قال المعلم للصبيان: تهجوا ذهب عقله أربعين صباحا.
وكان بعض المعلمين يعلم صبيا، وأمه حاضرة، فقال له: اقرأ وإلا قمت ونكت أمك. فقالت الأم: إنه صبي، ويتيم، واليتيم فيه لجاج، ولا يؤمن بالشيء حتى يراه.
أراد معلم أن يتزوج امرأة كان ابنها عنده، فامتنعت عليه، فأمر بحمل ابنها وضربه، وقال: لم قلت لأمك إن أير المعلم كبير؟ فلما رجع الصبي إلى أمه قال: ضربني المعلم وقال لي: كذا، وكذا. فوجهت إلى المعلم: احضر شهودك تتزوج. وتزوجته.
قال آخر: مررت بأحدهم وصبي يقرأ عليه: " فذلك الذي يدع اليتيم " والمعلم يرد عليه: يدعو اليتيم، ويضربه. قال: فجئت إليه، وقلت: هذا من الأمر بالمعروف. ففسر.
فقلت: يا شيخ، الصبي على الصواب، وأنت على الخطأ. وإنهما معنى يدع: يدفع. قال: فزبرني، وأغلظ لي وقال: إنما معناه يدعو اليتيم ليفسق به. قال: فوليت وقلت: أنت لا ترضى أن تخطئ حتى تفسر.
وقال: مررت بمعلم وهو يضرب صبيانه كلهم، فسألته عن الذنب فقال: يرجفون بي. قال: بماذا؟ قال: يزعمون أني أحج العام، وأم من نوى هذا قحبة.
قال: كان يعلم معلم صبيا: " وإذا قال لقمان لابنه " " لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا " قيل: ما هذا؟ قال: أبوه يدخل مشاهرة شهر في شهر، وأنا أدخله من سورة في سورة.
وقرأ صبي على معلم: أريد أن أنكحك. فقال: هذا إذا قرأت على أمك الزانية.
وقرأ آخر!! وأما الآخر فتصلب. فقال: هذا إذا قرأت علي أبيك القرنان.

(1/434)


قالت امرأة لمعلم: إذا كان مكوك دقيق بدرهم. كم يكون بربع درهم؟ فتحير، ثم قال: ممن اشتريت؟ قالت: من فلان الدقاق. قال: اقنعي بما يعطيك فإنه ثقة.
قال جراب الدولة: كان عندنا بسجستان معلم سخيف اجتزت يوما به يقول لصبي بين يديه: اقرأ يا بن الزانية. فأخذت أوبخه، فقال: اسكت. فقد نكت أمه كثيرا.
قال: أبو دواد لشريكه: يا أبا الحسين، دار جعفر بن يحيى، خير أو دار ورد؟ فأطرق، ثم قال: خيرهما عند الله أتقاهما.
قال بعضهم: مررت بمعلم وهو يتلوى، فقلت: ما شأنك يا شيخ؟ قال: ما نمت البارحة من ضربان العروق. فنظرت إليه، وقلت: أنت والله صحيح سليم مثل الظليم. فغضب واستشاط، وقال: أحدكم يضرب عليه عرق واحد فلا ينام الليلة كله من الصياح، وأنا يضرب على حزمة عروق، وتريدون مني ألا أصيح؟ فقلت: وأي حزمة تضرب عليك؟ فكشف عن أير مثل أير البغل وقال: هذا.
وقال بعضهم: سألت معلما: أنت أسن أم أخوك؟ فقال: إذا جاء رمضان استوينا.
حكي أنه كان في بعض دروب بغداد معلم، فاجتاز به أبو عمر القاضي يوما بزينة تامة، وهيئة حسنة، فقال المعلم: ترون هذا؟ إن خشخشة ثيابه، وقعقعة مركبه هو تظلم الأرامل والأيتام.
فبلغ ذلك أبا عمر، فدعاه، وأدناه، وأحسن إليه، فكان إذا رآه بعد ذلك يقول: ما خشخشة ثيابه، وقعقعة مركبه إلا تسبيح الملائكة وتهليلهم.
الباب الحادي والعشرون
نوادر الصبيان
قال رجل لابنه: ما أراك تفلح أبدا. فقال الأبن: إلا أن يرزقني الله مؤدبا غيرك.
قال بعضهم: أحضرت لتعليم المعتز - وهو صغير - فقلت له: بأي شيء تبدأ اليوم؟ فقال: بالانصراف.
قال بعضهم: رأيت أعرابيا يعاتب ابنا له صغيرا، ويذكر حقه عليه. فقال الصبي: يا أبه إن عظم حقك علي لا يبطل صغير حقي عليك، والذي تمت به إلى أمت بمثله إليك، ولست أقول: إنا سواء، ولكن لا يجمل الاعتداء.
عربد غلام على قوم، فأراد عمه أن يعاقبه، ويؤدبه، فقال له: يا عم: إني قد أسأت، وليس معي عقلي، فلا تسيء بي ومعك عقلك.
ونظر دميم يوما في المرآة، وكان ذميما، فقال: الحمد لله، خلقني فأحسن خلقي وصورني فاحسن صورتي، وابن له صغير، يسمع كلامه. فلما خرج سأله رجل - كان بالباب - عن أبيه. فقال: هو بالبيت يكذب على الله.
كان الفتح بن خاقان - وهو صبي - بين يديى المعتصم، فقال له، وعرض عليه خاتمه: هل رأيت - يا فتح - أحسن من هذا الفص؟ قال: نعم: يا أمير المؤمنين اليد التي هو فيها أحسن منه.
وعاد المعتصم أباه - والفتح صغير - فقال له: داري أحسن أم دار أبيك؟ قال: يا أمير المؤمنين، دار أبي ما دمت فيه.
قال ابن أبي ليلى: رأيت بالمدينة صبيا قد خرج من دار، وبيده عود مكشوف. فقلت له: غطه لا ذعرت. قال: أو يغطى من الله شيء. لا تلفت.
قال الفرزدق لغلام أعجبه إنشاده: أيسرني أني أبوك؟ قال: لا، ولكن أمي، ليصيب أبي من أطايبك.
قال البلاذري: أدخل الركاض وهو ابن أربع سنين إلى الرشيد ليعجب من فطنته، فقال له: ما تحب أن أهب لك؟ قال: جميل رأيك فإني أفوز به في الدنيا، والآخرة، فأمر له بدنانير، ودراهم فصبت بين يديه. فقال: اختر الأحب إليك. قال: الأحب إلى أمير المؤمنين، وهذا من هذين، وضرب يده إلى الدنانير فضحك الرشيد، وأمر أن يضم إلى ولده، ويجري عليه.
اجتاز عمر بن الخطاب رضي الله عنه بصبيان يلعبون، وفيهم عبد الله ابن الزبير فتهاربوا إلا عبد الله فإنه وقف. فقال له عمر: لم لم تفر مع أصحابك؟ قال: لم يكن لي جرم فأفر منك، ولا كان الطريق ضيقا فأوسعه عليك.
قال إياس: كان لي أخ، فقال لي وهو غلام صغير: من أي شيء خلقنا قلت: من طين. فتناول مدرة، وقال: من هذا؟ قلت: نعم. خلق الله آدم من طين: قال: فيستطيع الذي خلقنا أن يعيدنا إلى هذا الذي خلقنا منه؟ قلت: نعم. قال: فينبغي لنا أن نخافه.
قيل لغلام: أتحب أن يموت أبوك؟ قال: لا، ولكن أحب أن يقتل لأرث ديته فإنه فقير.

(1/435)


قعد صبي مع قوم، فقدم شيء حار، فأخذ الصبي يبكي. فقالوا: ما يبكيك؟ قال: هو حار. قالوا: فاصبر حتى يبرد. قال: أنتم لا تصبرون.
خرج صبي من بيت أمه في صحو، وعاد في مطر شديد، فقالت له أمه: فديتك ابني هذا المطر كله على رأسك يجيء. قال: لا يامي. كان أكثره على الأرض، ولو كان كله على رأسي لغرقت.
وسمع آخر أمه تبكي في السحر، فقال: لم تبكين؟ قالت: ذكرت أباك، فاحترق قلبي. قال الصبي: صدقت. هذا وقته.
وجه رجل ابنه إلى السوق ليشتري حبلا للبئر، ويكون عشرين ذراعا، فانصرف من بعض الطريق. وقال: يا أبي. في عرض كم ؟ قال: في عرض مصيبتي فيك.
وقال آخر لابنه، وهو في المكتب. في أي سورة أنت؟ فقال: لا أقسم بهذا البلد، ووالد بلا ولد. فقال: لعمري. من كنت ولده فهو بلا ولد.
وقال آخر لابنه: أين بلغت عند المعلم؟ فقال: الفرج. أراد الفجر. فقال الأب: أنت بعد في حر أمك.
قيل لبعضهم: إن ابنك يناك. فقال لأبنه: ما هذا الذي يقال؟ قال: كذبوا وإنما أنا أنيكهم: فلما كان بعد أيام رآه وقد اجتمع عليه عدة من الصبيان ينيكونه، فقال: ممن تعلمت هذا النيك؟ قال: من أمي.
قال ابن أبي زيد الحامض: قال لي أبي: يا بني، ليس والله تفلح أبدا فقال له: يا أبه!! ليس والله أحنثك.
جاء صبي إلى أبيه، فقال: يا أبه. قد وجدت فأسا قال: هاته - يا بني. قال: ليس في رأسه حديد. قال: يا مشئوم!! فقل: وجدت وتدا.
الباب الثاني والعشرون
نوادر للعبيد والمماليك
ولي بعض الأمراء مولى بعد غيبة طويلة فقال: أنت في الأحياء بعد فقال: وأنا أستخير أن أموت قبل مولاي الأمير.
قال بعضهم: رأيت في السوق غلاما ينادي عليه، فقدمت واستعرضته فقال: إن أردت أن تشتريني فاعلم أني قد حلفت أن لا أنيك مولاي أبدا حتى ألقى الله، فإذا إنه المسكين كان مبلى بصاحب يؤذيه ويستنيكه.
استباع غلام فقيل: لم تستبيع؟ قال: لأن مولاي يصلي من قعود وينيكني من قيام ويلحن إذا قرأ القرآن ويعرب إذا زنا بي.
قال الدارمي لغلامه: بأبي أنت وأمي لو كان العتق مثل الطلاق لسررتك بواحدة.
اعترض بعضهم غلاما أراد شراءه فقال يا غلام: إن أشتريتك تفلح؟ فقال: فإن لم تشتر.
قال أبو العيناء: أشترى للواثق عبد فصيح من البادية، فأتيناه وجعلنا نكتب عنه كل ما يقول، فلما رأى ذلك منا قلب طرفه وقال: إن تراب قعرها لملتهب.
يقال ذلك للرجل يسر الناس برؤيته لانتفاعهم به وأصل ذلك: أن الحافر يحفر فإن خرج التراب مرا علم أن الماء ملح وإن كان طيبا علم أن الماء عذب فأنبط وإذا خرج طيبا انتبه الصبيان.
اشترى بعض الهاشميين غلاما فصيحا فبلغ الرشيد خبره، فأرسل إليه يطلبه. فقال يا أمير المؤمنين: لم أشتره إلا لك، فلما وقف الغلام بين يدي الرشيد قال له: إن مولاك قد وهبك لي. فقال الغلام: يا أمير المؤمنين ما زلت ولا زلت.
قال: فسر. فقال: ما زلت لك وأنا في ملكه ولا زلت عن ملكه، فأعجب الرشيد به وقدمه.
قال أبو العيناء: مررت بسوق النخاسين بالبصرة، فإذا غلام ينادي عليه ثلاثين دينارا والغلام يساوي خمسمائة دينار، فاشتريته وكنت أبني دارا فدفعت إليه عشرين دينارا على أن ينفقها، فلم أزل أصك عليه حتى أنفق نحو العشرة. ثم صككت بشيء آخر. فقال لي: فأين أصل المال؟ قلتك ارفع إلي حسابك، فرفع حسابا بعشرة دنانير. فقلت: فأين الباقي؟ قال: اشتريت ثوبا مصمتا وقطعته. قلت: من أمرك بهذا؟

(1/436)


قال: إن أهل المروات والأقدار لا يعيبون على غلمانهم إذا فعلوا فعلا يعود زينة عليهم. قال: فقلت في نفسي: أشتريت الأصمعي وابن الأعرابي ولم أدر. وكانت في نفسي امرأة أردت تزوجها فقالت يا غلام: فيك خير. قال: وهل الخير إلا في. فقلت له: قد عزمت على كذا. وتزوجتها ودفعت إلى الغلام دينارا وقلت له: خذ لنا سمكا هازبي، فأبطأ واشترى مارماهي فأنكرت عليه خلافي. فقال يا مولاي: فكرت فإذا بقراط يقول: الهازبي يولد السوداء والمارماهي أقل غائلة. قلت: لا الذي بقراط أنت أم جالينوس وأدخلته البيت وضربته عشرة، فلما قام أخذني وضربني سبعة وقال يا مولاي: الأدب ثلاثة وسبعة لها قصاص، فغاظني ورميته فشججته، فمضى إلى ابنه عمي وقال لها: الدين النصيحة وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من غشنا فليس منا.
وقال: مولى القوم منهم: وأعلمك أن مولاي تزوج واستكتمني، فلما أعلمته أني معرفك ما فعل شجني، فوجهت إلى بنت عمى بغلمان، فبطحت في الدار وضربت وسمته النايح، فما كان يتهيأ لي كلامه. فقلت: اعتقه، فلعله يمضي عني، فلزمني ولذ بي وقال: الآن وجب حقك علي، ثم إنه أراد الحج، فجهزته، فغاب عني عشرين يوما ورجع فقلت: لم رجعت؟ فقال: قطع علينا وفكرت، فإذا الله جل وعز يقول: " والله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا " وكنت غير مستطيع وإذا حقك أوجب على فرجعت، ثم إنه أراد الغزو فجهزته، فلما صار على عشرة فراسخ بعت ما كان لي بالبصرة وخرجت عنها خوفا أن يرجع وصرت إلى بغداد.
قال بعضهم: استعرضت غلاما فقلت له: يا غلام تحب أن أشتريك. فقال: حتى أسأل عنك.
أعتق عبد الله بن جعفر غلاما، فقال الغلام: أكتب كما أملي.
قال: فأمل. قال: اكتب: كنت بالأمس لي، فوهبتك لمن وهبك لي، فأنت اليوم واليوم صرت مثلي، فكتب ذلك واستحسنه وزاده خيرا.
قال حماد بن إسحاق الموصلي: كان لأبي غلام يستقي الماء لمن في داره على بغلين، فانصرف أبي يوما وهو يسوق البغل وقد قرب من الحوض الذي يصب فيه الماء. فقال: ما خبرك يا فتح؟ قال: خبري أنه ليس في الدار أشقي مني ومنك.
قال: وكيف؟ قال: لأنك تطعمهم الخبز وأنا أسقيهم الماء، فضحك منه وقال: فما تحب أن أصنع بك؟ قال: تعتقني وتهب لي هذين البغلين، ففعل ذلك.
/الفصل السادس
بسم الله الرحمن الرحيم
وأنعمت فزد، الحمد لله الذي إذا أراد شيئا قدره تقديرا، وكان خلقه عليه يسيرا، " إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون " .

(1/437)


خلق ورزق، وقد أبدأ وعلم، وألهم وسدد، وأرشد وبشر، وأنذر ووعد وأوعد، خلقنا بحكمته البالغة، ورزقنا من نعمته السابغة، وذرأنا بقوته القاهرة، وبرأنا بقدرته الباهرة، وعلمنا رشد الدين، وألهمنا برد اليقين، وسددنا للنهج القويم، وأرشدنا إلى الصراط المستقيم،، وبشرنا بثوابه العظيم، وأنذرنا بعقابه الأليم، ووعدنا على الطاعة خيرا دائما، وأوعدنا عن المعصية شرا لازما، وبعث إلينا رسله الداعين إليه، الدالين عليه، نادين إلى فرضه، قائمين بحقه في أرضه، واجتبى منهم محمدا صلى الله عليه وسلم وعلى آله واصطفاه واختاره لدينه وارتضاه فبعثه إلى الأسود والأحمر، والفصيح والأعجم، والمؤمن والمعاند، والمقر والجاحد، والداني والشاحط، والراضي والساخط، والبر والفاجر، والمسلم والكافر، حتى أوضح لهم الدين . وأرشدهم أجمعين، فوجبت فرية الثواب لمن استجاب فاهتدى . وحقت كلمة العذاب على من ارتاب فاعتدى . وسعد من سمع دعاءه فأقر وقر، وشقى من صم عنه فنفر وفر، وبعثه تعالى بكلمة الصدق وأرسله بالهدى ودين الحق، وأيده بالأعلام من أسرته، والنجوم من عترته، والسابقين إلى صحبته ونصرته، حجج الله على الخلق، وسيوفه على المارقين من الحق، جاهدوا في الله حق الجهاد، وأذلوا أهل الشقاق والعناد ن حتى قال عز من قائل " يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين " ، اللهم فضل عليه وعليهم صلاة أوجبتها لهم بإحسانك العميم، واستوجبوها منك باجتهادهم العظيم إنك أنت السميع المجيب اللهم وفقنا لاتباع أمرك، وأعنا على أعباء شكرك، ولا تحرمنا الشكر إذا أوليت، والأجر إذا أبليت، واجعل توفيقك لنا رائدا وقائدا وهاديا وحاديا وموافقا ومرافقا ومعينا وقريبا، فلا حول إلا بك ولا توفيق إلا منك، ولا عصمة إلا إذا عصمت، ولا سلامة إلا إذا سلمت، فاقرن لنا سلامة النفس بسلامة اليقين، وسعادة الدنيا بسعادة يوم الدين، وصل على السراج المنير والنور المستبين محمد خاتم النبيين وعلى آله الطاهرين .
هذا هو الفصل السادس من كتاب نثر الدر ويشتمل على ستة عشر بابا الباب الأول: فيه نكت من كلام فصيح الأعراب الباب الثاني: فيه فقر وحكم للاعراب الباب الثالث: أدعية وكلام لسؤال الأعراب الباب الرابع: في أمثال العرب الباب الخامس: في النجوم وأنواعها على مذهب العرب الباب السادس: أسجاع الكهان العرب الباب السابع: أوابد العرب الباب الثامن: وصايا العرب الباب التاسع: أسامي أفراس العرب الباب العاشر: أسامي سيوف العرب الباب الحادي عشر: نوادر الأعراب الباب الثاني عشر: أمثال العامة والسفل الباب الثالث عشر: نوادر أصحاب الشراب والسكارى الباب الرابع عشر: في أكاذيب العرب وغيرهم الباب الخامس عشر: في نوادر المجان الباب السادس عشر: نوادر في الضراط والفساء
الباب الأول
نكت من فصيح كلام العرب وخطبهم
حدثنا الصاحب كافي الكفاة رحمة الله عليه عن الأبجر عن ابن دريد عن عمه عن ابن الكلبي عن أبيه قال: ورد بعض بني أسد من المعمرين على معاوية فقال له: ما تذكر؟ قال: كنت عشيقا لعقيلة من عقائل الحي أركب لها الصعب والذلول، أتهم وأنجد وأغور لاآلو مربأة في متجر إلا أتيته، يلفظني الحزن إلى السهل، فخرجت أقصد دهماء الموسم، فإذا أنا بقباب سامية على قلل الجبال مجللة بأنطاع الطائف وإذا جزر تنحر، وأخرى تساق، وإذا رجل جهوري الصوت على نشز من الأرض ينادي: يا وفد الله: الغداء، الغداء إلا من تغدى فليخرج للعشاء.
قال: فجهرني ما رأيت فدلفت أريد عميد الحي، فرأيته على سرير ساسم على رأسه عمامة خز سوداء كأن الشعرى العبور تطلع من تحتها، وقد كان بلغني عن حبر من أحبار الشام أن النبي التهامي هذا أوان مبعثه.
فقلت: عله. وكدت أفقه به.
فقلت: السلام عليك يا رسول الله. فقال: لست به، وكأن قد وليتني به، فسألت عنه فقيل: هذا أبو نضلة هاشم بن عبد مناف فقلت هذا المحبر والسناء والرفعة لا مجد بني جفنة. فقال معاوية: أشهد أن العرب أوتيت فصل الخطاب.
وصف أعرابي قوما فقال كأن خدودهم ورق المصاحف، وكأن حواجبهم الأهلة وكأن أعناقهم أباريق الفضة.

(1/438)


دخل ضرار بن عمرو والضبي على المنذر بعد أن كان طعنه عامر بن مالك فأذراه عن فرسه فأشبل عليه بنوه حتى استشالوه فعندها قال: من سره بنوه ساءته نفسه، فقال له المنذر: ما الذي نجاك يومئذ؟ قال: تأخير الأجل، وإكراهي نفسي على المق الطوال.
قال معاوية: لصحار العبدي: ما هذه البلاغة التي فيكم؟ قال: شيء تجيش به صدورنا فتقذفه على ألسنتنا. فقال له رجل من عرض القوم: هؤلاء بالبسر أبصر منهم بالخطب. فقال صحار: أجل والله إنا لنعلم أن الريح لتلقحه، والبرد ليعقده، وأن القمر ليصبغه، وأن الحر لينضجه، فقال معاوية: فما تعدون البلاغة فيكم؟ قال الايجاز قال: وما الإيجاز؟ قال: أن تجيب فلا تبطئ، وتقول فلا تخطئ. قال معاوية: أو كذا لي تقول؟ قال صحار: أقلني يا أمير المؤمنين لا تبطئ ولا تخطئ.
تكلم صعصعة عند معاوية فعرق، فقال معاوية: بهرك القول؟ قال صعصعة: إن الجياد نضاحة بالماء.
قيل لبعضهم: من أين أقبلت؟ قال: من الفج العميق. قال: فأين تريد؟ قال: البيت العتيق. قالوا: وهل كان ثم من مطر؟ قال: نعم حتى عفى الأثر وأنضر الشجر، ودهده الحجر.
قال الجاحظ: ومن خطباء إياد قس بن ساعدة الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم: رأيته بسوق عكاظ على جمل أحمر وهو يقول: أيها الناس اجتمعوا واسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت. وهو القائل في هذه: " الآيات محكمات، مطر ونبات، وآباء وأمهات، وذاهب وآت، ونجوم وتمور وبحار لا تغور وهو القائل: " يا معشر إياد: أين ثمود وعاد؟ أين الآباء والأجداد؟ وأين المعروف الذي لم يشكر؟ وأين الظلم الذي لم ينكر؟ أقسم قس قسما إن لله لدينا وهو أرضى له وأفضل من دينكم هذا.
سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن الأهتم عن الزبرقان ابن بدر فقال: إنه لمانع لحوزته، مطاع في أدنيه قال الزبرقان حسدني يا رسول الله ولم يقل الحق. قال عمرو. وهو والله زمر المروءة، ضيق العطن، لئيم الخال. فنظر النبي صلى الله عليه وسلم في عينيه فقال: يا رسول الله رضيت. فقلت: أحسن ما علمت، وغضبت. فقلت: أسوأ ما علمت وما كذبت في الأولى وصدقت في الأخرى فقال صلى الله عليه وسلم: " إن من البيان لسحرا " .
وكان عامر بن الظرب العدواني حكما وكان خطيبا رئيسا وهو الذي قال: يا معشر عدوان، الخير ألوف عروف ولن يفارق صاحبه حتى يفارقه، وإني لم أكن حكيما حتى اتبعت الحكماء ولم أكن سيدكم حتى تعبدت لكم.
قال بعضهم، قلت لأبي الحصين: ما أعجب ما رأيت من الخصب؟ قال: كنت أشرب رثيئة تجرها الشفتان جرا، وقارصا إذا تجشأت جدع أنفي، ورأيت الكمأة تدوسها الإبل بمناسمها، وخلاصة يشمها الكلب فيعطس.
قيل لأعرابي: ما وراءك؟ قال: خلفت أرضا تتظالم معزاها يقول: سمنت، وأشرت فتظالمت.
قال سعيد بن سلم: كنت واليا بأرمينيه فغبر أبو دهمان الغلابي على بابي أياما فلما وصل مثل بين يدي قائما بين السماطين فقال: إني والله لأعرف أقواما لو علموا أن سف التراب يقيم من إصلاح أولادهم لجعلوه مسكة لأرماقهم إيثارا للتنزه عن عيش رقيق الحواشي، أما والله إني لبعيد الوثبة، بطيء العطفة، إنه والله ما يثنيني عليك إلا مثل ما يصرفك عني، ولأن أكون مقلا مقربا، أحب إلي من أن أكون مكثرا مبعدا والله ما نسأل عملا لا نضبطه ولا مالا إلا ونحن أكثر منه، إن هذا الأمر الذي صار في يدك قد كان في يد غيرك، فأمسوا والله حديثا، إن خيرا فخيرا، وإن شرا فشرا فتحبب إلى عباد الله. بحسن البشر ولين الجانب، فإن حب عباد الله موصول بحب الله، وبغضهم موصول ببغض الله وهم شهداء الله على خلقه، ورقباء على من اعوج عن سبيله.
دخل على المهدي وفود خراسان فقام رجل منهم فقال: أطال الله بقاء أمير المؤمنين، إنا قوم نأينا عن العرب، وشغلتنا الحروب عن الخطب، وأمير المؤمنين يعرف طاعتنا، وما فيه مصلحتنا، فيكتفي منا باليسير دون الكثير ويقتصر منا على ما في الضمير دون التفسير فقال أنت خطيب القوم.

(1/439)


قال أبو عمرو بن العلاء، رأيت أعرابيا بمكة فاستفصحته فقلت ممن الرجل؟ قال، أسدي يريد أزدي قلت، أين بلدك؟ قال، عمان قلت: صف لي بلدك. فقال: بلد صلدح، وكثيب أصبح، وفضاء صحصح قلت: ما مالك؟ قال: النخل قلت: أين أنت من الإبل؟ قال: إن النخل ثمرها غذاء، وسعفها ضياء وكربها صلاء وليفها رشاء، وجذعها بناء، وقروها إناء قلت أنى لك هذه الفصاحة؟ قال: إنا ننزل حجرة لا نسمع فيها ناجخة التيار.
وخطب بعض الأعراب فقال: إن الدنيا دار بلاغ، والآخرة دار قرار، أيها الناس خذوا من ممركم لمقركم، ولا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفى عليه أسراركم، واخرجوا من الدنيا قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم ففيها حييتم ولغيرها خلفتم، اليوم عمل بلا حساب وغدا حساب بلا عمل، إن الرجل إذا هلك قال الناس: ما ترك؟ وقالت الملائكة: ما قدم؟ فلله آباؤكم قدموا بعضا يكن لكم قرضا، ولا تخلفوا كلا فيكون عليكم.
قيل لبني عبس: كيف كنتم تصنعون؟ قالوا: كنا لا نبدأ أبدا بظلم، ولم نكن بالكثير فنتوكل، ولا بالقليل فنتخاذل، وكنا نصبر بعد جزع الناس ساعة.
وسئل دغفل عن المماليك فقال: عز مستفاد، وغيظ في الأكباد كالأوتاد.
قال أبو بكر لسعيد، أخبرني عن نفسك في جاهليتك وإسلامك فقال: أما جاهليتي فوالله ما خمت عن بهمة، ولا هممت بأمة ولا نادمت غير كريم، ولا رئيت إلا في خيل مغيرة أو في حمل جريرة أو في نادي عشيرة، وأما مذ خطمني الإسلام فلن أذكي لك نفسي.
قال رجل لغلامه: إنك ما علمت لضعيف قليل الغناء. قال: وكيف أكون ضعيفا قليل الغناء، وكيف كفيتك ثمانين بعيرا نزوعا وفرسا جرورا ورمحا خطيا وامرأة فاركا.
قيل لأعرابي: صف لنا خلوتك مع عشيقتك قال: خلوت بها والقمر يرينيها، فلما غاب القمر أرتنيه، قيل فما أكثر ما جرى بينكما؟ قال: أقرب ما أحل الله مما حرم، الإشارة بغير بأس، والتعرض لغير مساس، ولئن كانت الأيام طالت بعدها، لقد كانت قصيرة معها.
وذكر بعضهم مسجد الكوفة فقال: شاهدنا في هذ المسجد قوما كانوا إذا خلعوا الحذاء، عقدوا الحبا، وقاسوا أطراف الأحاديث، حيروا السامع وأخرسوا الناطق.

(1/440)


دخل عبد الله بن عبد الله بن الأهتم على عمر بن عبد العزيز مع العامة فلم يفاجأ عمر إلا وهو ماثل بين يديه، فتكلم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن الله خلق الخلق غنيا عن طاعتهم، آمنا من معصيتهم، والناس يومئذ في المنازل والرأي مختلفون، والعرب بشر تلك المنازل، أهل الحجر والوبر، وأهل المدر الذين تحتار دونهم طيبات الدنيا، ورفاغة عيشها، ميتهم في النار، وحيهم أعمى مع لا يحصى من المرغوب عنه، والمزهود فيه، فلما أراد الله أن ينشر عليهم رحمته، بعث إليهم رسولا من أنفسهم عزيزا عليه ما عنتوا، حريصا عليهم، بالمؤمنين رءوفا رحيما، فلم يمنعهم ذلك من أن جرحوه في جسمه، ولقبوه في اسمه ومعه كتاب من الله ناطق، لا يرحل إلا بأمره، ولا ينزل إلا بإذنه، واضطروه إلى بطن غار، فلما أمر بالعزيمة، انبسط لأمر الله لونه، فأفلح الله حجته، وأعلى كلمته، وأظهر دعوته، وفارق الدنيا تقيا نقيا، ثم قام بعده أبو بكر فسلك سنته، وأخذ بسبيله، وارتدت العرب، فلم يقبل منهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الذي كان قابلا منهم، فانتضى السيوف من أغمادها، وأوقد النيران من شعلها، ثم ركب بأهل الحق إلى أهل الباطل، فلم يبرح يفصل أوصالهم، ويسقي الأرض دماءهم حتى أدخلهم في الذي خرجوا منه، وقررهم بالذي نفروا منه، وقد كان أصاب من مال الله بكرا يرتوي عليه، وحبشية ترضع ولدا له، فرأى من ذلك غصة عند موته في حلقه، فأدى ذلك إلى خليفة من بعده وبرئ إليهم منه، وفارق الدنيا تقيا نقيا على منهاج صاحبه ثم قام من بعده عمر بن الخطاب فمصر الأمصار، وخلط الشدة باللين، فحسر عن ذراعيه، وشمر عن ساقيه وأعد للأمور أقرانها، وللحرب آلتها، فلما أصابه قن المغيرة استهل بحمد الله ألا يكون أصابه ذو حق في الفيء فيستحل دمه بما استحق من حقه، فقد كان أصاب من مال الله مائة وثمانين ألفا فكسر بها رباعه، وكره بها كفالة أولاده، فأوى ذلك إلى خليفة من بعده، وفارق الدنيا تقيا نقيا على منهاج صاحبيه، ثم إنا والله ما اجتمعنا بعدهما إلا على ظلع، ثم إنك يا عمر ابن الدنيا ولدتك ملوكها، وألقمتك ثديها، فلما وليتها ألقيتها حيث ألقاها الله، فالحمد لله الذي جلا بك حوبتنا، وكشف بك كربتنا، امض ولا تلتفت، فإنه لا يعز على الحق شيء، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات، ولما أن قال: ثم إنا والله ما اجتمعنا بعدهما إلا على ظلع سكت الناس إلا هشاما فإنه قال: كذبت.
قال الأصمعي: كان حبيب الروم يقول في قصصه: اتقوا لقية من خنع فقنع، واقترف فاعترف، ووجل فعمل، وحاذر فبادر، أفاد ذخيرة، وأطاب سريرة، وقدم مهادا واستظهر ذادا.
لما وصل عبد العزيز بن زرارة إلى معاوية قال: يا أمير المؤمنين: لم أزل استدل بالمعروف عليك، امتطي النهار عليك، فإذا الوى بي الليل فقبض البصر وعفى الأثر والاجتهاد يعذر وإذا بلغتك فقطني.
قال أعرابي خرجت حين انحدرت أيدي النجوم، وشالت أرجلها فما زلت أصدع الليل، حتى انصدع الفجر.
سئل أعرابي عن زوجته - وكان حديث عهد بعرس - كيف رأيت أهلك؟ فقال: أفنان أثلة، وجنى نخلة، ومس رملة، ورطب نخلة، وكأني كل يوم آئب من غيبة.
وصف آخر مرح فرس فقال: كأنه شيطان في أشطان. وقيل لآخر: كيف عدو فرسك؟ قال: يعدو ما وجد أرضا.
وقال الآخر لأخيه ورأى حرصه على الطلب: يا أخي، أنت طالب ومطلوب، يطلبك من لا تفوته، وتطلب ما قد كفيته، فكأن ما غاب عنك قد كشف لك، وما أنت فيه قد نقلت عنه. يا أخي: كأنك لم تر حريصا محروما، ولا زاهدا مرزوقا.
ذم أعرابي رجلا فقال: أنت والله ممن إذا سأل ألحف، وإذا سئل سوف، وإذا حدث خلف، وإذا وعد أخلف، تنظر نظرة حسود، وتعرض إعراض حقود.
قال بعضهم، مضى سلف لنا اعتقدوا مننا، واتخذوا الأيادي عند إخوانهم ذخيرة لمن بعدهم، وكانوا يرون اصطناع المعروف عليهم فرضا وإظهار البر والإكرام عندهم حقا واجبا، ثم حال الزمان عن نشء آخر حدثوا، اتخذوا مننهم صناعة وأياديهم تجارة، وبرهم مرابحة، واصطناع المعروف بينهم مقارضة، كنقد السوق، خذ مني وهات.
افتتح بعضهم خطبة فقال: بحمد الله كبرت النعم السوابغ، والحجج البوالغ، بادروا بالعمل، بوادر الأجل، وكونوا من الله على وجل، فقد حذر وأنذر، وأمهل حتى كأن قد أهمل.

(1/441)


وفد هانئ بن قبيصة على يزيد بن معاوية فاحتجب عنه أياما ثم إن يزيد ركب يوما يتصيد، فتلقاه هانئ فقال: إن الخليفة ليس بالمحتجب المتخلي، المتنحي، ولا بالمتطرف المتنحي ولا الذي ينزل على العدوات والفلوات، ويخلو باللذات والشهوات، وقد وليت أمرنا، فأقم بين أظهرنا، وسهل إذننا واعمل بكتاب الله فينا، فإن كنت عجزت عما هاهنا، واخترت عليه غيره، فازدد علينا بيعتنا، نبايع من يعمل بذلك فينا ونقمه، ثم عليك بخلواتك، وصيدك وكلابك. قال: فغضب يزيد وقال: والله لولا أن أسن بالشام سنة العراق لأقمت أودك. ثم انصرف وما هاجه بشيء وإذن له ولم تتغير منزلته عنده، وترك كثيرا مما كان عليه.
كان العيالمي يقول: الناس لصاحب المال ألزم من الشعاع للشمس ومن الذنب للمصر، ومن الحكم للقر، وهو عندهم أرفع من السماء، وأعذب من الماء، وأحلى من الشهد، وأذكى من الورد، خطؤه صواب، وسيئته حسنة، وقوله مقبول، يغشى مجلسه، ولا يمل حديثه قال: والمفلس عند الناس أكذب من لمعان السراب، ومن رؤيا الكظة، ومن مرآة اللقوة ومن سحاب تموز، لا يسأل عنه إن غاب ولا يسلم عليه إن قدم، إن غاب شتموه، وإن حضر زبروه، وإن غضب صفعوه، مصافحته تنقض الوضوء، وقراءته تقطع الصلاة، أثقل من الأمانة، وأبغض من الملحف المبرم.
قال أعرابي: خرجت في ليلة حنلس قد ألقت أكارعها على الأرض فمحت صور الأبدان فما كنا نتعارف إلا بالأذان، فسرنا حتى أخذ الليل ينفض صبغه.
بعث النعمان جيشا إلى الحارث بن أبي شمر فقال: من يعرف عدونا الذي أنقذنا إليه جيشنا؟ فقال بعض بني عجل: أنا قلت: فصفه قال: هو قطف نطف، صلف قصف، فقام الوديم وهو عمرو بن ضرار فقال: أبيت اللعن، أو طال العشوة، هو والله حليم النشوة، جواد الصحوة شديد السطوة. فقال: هكذا ينبغي أن يكون عدونا.
سئل أعرابي من عبس عن ولده، فقال: ابن قد كهل، وابن قد رفل، وابن قد عسل، وابن قد فسل، وابن قد مثل، وابن قد فصل.
قال الأصمعي: قيل لبني عبس: كيف صبرتم، وكيف كانت حالكم فيما كنتم فيه؟ قالوا طاحت والله الغرائب من النساء، فما بقي إلا بنات عم، وما بقي معنا من الإبل إلا الحمر الكلف، وما بقي من الخيل إلا الكميت الوقاح وطاح ما سوى ذلك من الأهلين والمال.
وذم أعرابي قوما فقال: بيوت تدخل حبوا إلى غير نمارق، وشبارق فصح الألسنة برد السائل، جذم الأكف عن النائل.
قال الأصمعي: حججت فبينا أنا بالأبطح إذا شيخ في سحق عباء، صعل الرأس أثط أخزر أزرق، كأنما ينظر من فص زجاج أخضر، فسلمت فرد علي التحية، فقلت: ممن الشيخ؟ قال: من بني حمزة ابن بكر بن عبد مناف بن كنانة. قلت: فما الاسم؟ قال خميصة ابن قارب. ثم أعرابي أنت؟ قلت: نعم قال: من أية؟ قلت: من أهل بصرة قال: فإلى من تعتزي؟ قلت: قيس بن غيلان. قال: لأيهم؟ قلت: أحد بني يعصر، وأنا أقلب ألواحا معي. قال: ما هذه الخشبات المقرونات قلت: اكتب فيهن ما أسمع من كلامكم. قال: وإنكم مختلون إلى ذلك. قلت: نعم، وأي خلة. ثم صمت مليا ثم قال في وصف قومه: كانوا كالصخرة الصلادة تنبو عن صفحاتها المعاول ثم زحمها الدهر بمنكبه فصدعها صدع الزجاجة مالها من جابر فأصبحوا شذر مذر أيادي سبأ، ورب يوم والله عارم قد أحسنوا تأديبه، ودهر غاشم قد قوموا صعره، ومال صامت قد شتتوا تألفه، وخطة بؤس قد حسمها إحسانهم وحرب عبوس ضاحكتها أسنتهم، أما والله يا أخا قيس لقد كانت كهولهم جحاجح، وشبابهم مراجح ونائلهم مسفوح، وسائلهم ممنوح وجنانهم ربيع وجارهم منيع. فنهضت لأنصرف فأصر بمجامع ذيلي وقال: أجلس فقد أخبرتك عن قومي حتى أخبرك عن قومك فقلت في نفسي: إن الله يشيد في قيس والله وصمة تبقى على الدهر.
فقلت: حسبي، لا حاجة لي إلى ذكرك قومي قال: بلى هم والله هضبة ململمة العز أركانها والمجد أحضانها، تمكنت في الحسب العد تمكن الأصابع في اليد فقمت مسرعا مخافة أن يفسد علي ما سمعت.
قال أعرابي لقومه وقد ضافوا بعض أصحاب السلطان: يا قوم لا أغركم من نشاب معهم في جعاب كأنها نيوب الفيلة وقسي كأنها العتل ينزع أحدهم حتى يتفرق شعر إبطه ثم يرسل نشابه كأنها رشاء منقطع فما بين أحدكم وبين أن يصدع قلبه منزلة! قال: فصاروا والله رعبا قبل اللقاء.

(1/442)


ذكر أعرابي امرأة فقال: رحم الله فلانة إن كانت لقريبة بقولها بعيدة بفعلها يكفها عن الخنى أسلافها، ويدعونا إلى الهوى كلامها كانت والله تقصر عليها العين ولا يخاف من أفعالها الشين.
وصف أبو العالية امرأة فقال جاء بها والله كأنها نطفة عذبة في شن خلق ينظر إليه الظمآن في الهاجرة.
وقال أبو عثمان رأيت عبدا أسود لبني أسيد قدم علينا من شق اليمامة فبعثوه ناطورا وكان وحشيا يغرب في الإبل فلما رآني سكن إلي، فسمعته يقول: لعن الله بلادا ليس بها عرب قاتل الله الشاعر. حيث يقول:
حر الثرى مستغرب التراب
إن هذه العريب في جميع الناس كمقدار القرحة في جلد الفرس فلولا أن الله رق عليهم فجعلهم في حشاه، لطمست هذه العجمان آثارهم أترى الأعيار إذا رأت العتاق لا ترى لها فضلا، والله ما أمر نبيه بقتلهم إلا لضنه بهم و لا ترك قبول الجزية منهم إلا لتركها لهم.
قال حصن بن حذيفة: إياكم وصرعات البغي وفضحات المزاح.
وقف جبار بن سلمى على قبر عامر بن الطفيل فقال: كان والله لا يضل حتى يضل النجم ولا يعطش حتى يعطش البعير، ولا يهاب حتى يهاب السيل، وكان والله خير ما يكون حين لا تظن نفس بنفس خيرا.
قيل لشيخ: ما صنع بك الدهر فقال: فقدت المطعم وكان المنعم واجمت النساء وكن الشفاء فنومي سبات وسمعي خفات وعقلي تارات.
وسئل آخر فقال: ضعضع قناتي وأوهن شواتي وجرأ علي عداتي.
صعد أعرابي منبرا فلما رأى الناس يرمقونه صعب عليه الكلام فقال: رحم الله عبدا قصر من لفظه، ورشق الأرض بلحظه، ووعى القول بحفظه قدم وفد من العراق على سليمان بن عبد الملك فقام خطيبهم فقال: يا أمير المؤمنين، ما أتيناك رهبة ولا رغبة فقال سليمان: فلم جئت لا جاء الله بك. قال: نحن وفود الشكر أما الرغبة فقد وصلت إلينا في رحالنا، وأما الرهبة فقد أمناها بعدلك، ولقد حببت إلينا الحياة، وهونت علينا الموت. فأما تحبيبك الحياة إلينا فبما انتشر من عدلك وحسن سيرتك وأما تهوينك علينا الموت فلما نثق به من حسن ما تخلفنا به في أعقابنا الذين تخلفهم عليك. فاستحيى سليمان وأحسن جائزته.
ذكر أعرابي في ظلم وال وليهم فقال: ما ترك لنا فضة إلا فضها ولا دهبا إلا ذهب به، ولا غلة إلا غلها، ولا ضيعة إلا أضاعها ولا عقارا إلا عقره، ولا علقا إلا اعتلقه، ولا عرضا إلا عرض له، ولا ماشية إلا امتشها، ولا جليلا إلا جله، ولا دقيقا إلا دقه.
قال عمر لعمرو بن معدي كرب: أخبرني عن قومك. فقال: نعم القوم قومي، عند الطعام المأكول، والسيف المسلول.
دخل خالد بن صفوان التميمي على السفاح وعنده أخواله من بني الحارث بن كعب فقال: ما تقول في أخوالي؟ قال: هم هامة الشرف وخرطوم الكرم، وغرس الجود إن فيهم لخصالا ما اجتمعت في غيرهم من قومهم إنهم لأطولهم أمما، وأكرمهم شيما، وأطيبهم طعما، وأوفاهم ذمما وأبعدهم همما، هم الجمرة في الحرب، والرفد في الجدب، والرأس في كل خطب، وغيرهم بمنزلة العجب. فقال له: وصفت أبا صفوان فأحسنت، فزاد أخواله في الفخر، فغضب أبو العباس لأعمامه فقال: أفخر يا خالد؟ فقال: أعلى أخوال أمير المؤمنين؟. قال: نعم، وأنت من أعمامه. فقال: وكيف أفاخر قوما هم بين ناسج برد وسائس قرد، ودابغ جلد، وراكب عرد. دل عليهم الهدهد، وغرقتهم فأرة، وملكتهم امرأة؟ فأشرق وجه أبي العباس وضحك.
حدث أن صبرة بن شيمان الحراني دخل على معاوية، والوفود عنده فتكلموا فأكثروا فقال صبرة: يا أمير المؤمنين، إنا حي فعال، ولسنا بحي مقال ونحن بأدنى فعالنا عند أحسن مقالهم فقال: صدقت.
يروى أن معاوية قال لدغفل: ما تقول في بني عامر بن صعصعة؟ فقال: أعناق ظباء، وأعجاز نساء. قال: فما تقول في بني تميم؟ قال: حجر أخشن إن صادفته آذاك، وإن تركته أعفاك. قال: فما تقول في اليمن؟ قال: سيود أبوك.
قال الجاحظ: رأيت رجلا من غنى يفاخر رجلا من بني فزارة ثم أحد بني بدر بن عمرو، وكان الغنوي متمكنا من لسانه، وكان الفزاري بكيا. فقال الغنوي: ماؤنا بين الرقم إلى كذا، وهم جيراننا فيه، فنحن أقصر منهم رشاء، وأعذب منهم ماء، لنا ريف السهول ومعاقل الجبال، وأرضهم سبخة، ومياههم أملاح، وأرشيتهم طوال، والعرب من عز بز فبعزنا ما تخيرنا عليهم، وبذلهم ما رضوا عنا بالضيم.

(1/443)


ذكر حجل بن نضلة بين يدي النعمان معاوية بن شكل فقال: أبيت اللعن إنه لقعو الأليتين، مقبل النعلين، مشاء بأقراء، تباع إماء قتال ظباء. فقال النعمان: أردت أن تذيمه فمدهته.
لما ظفر المهلب بالخوارج وجه كعب بن معدان إلى الحجاج فسأله عن بني المهلب فقال: المغيرة فارسهم وسيدهم، وكفى بيزيد فارسا شجاعا، وسخيهم قبيصة، ولا يستحي الشجاع أن يفر من مدرك، وعبد الملك سم ناقع، وحبيب موت ذعاف، ومحمد ليث غاب، وكفاك بالمفضل نجدة. قال: فكيف خلفت جماعة الناس؟ قال: خلفتهم بخير، قد أدركوا ما أملوا، وأمنوا ما خافوا قال: وكيف كان بنو المهلب فيهم؟ قال: كانوا حماة السرج نهارا، فإذا اليلوا ففرسان البيات. قال: فأيهم كان أنجد؟ قال: كانوا كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفها. قال: فكيف كنتم أنتم وعدوكم؟ قال: كنا إذا أخذنا عفونا جدوا فيئسنا منهم، وإذا اجتهدوا واجتهدنا طمعنا فيهم. فقال الحجاج: إن العاقبة للمتقين. كيف أفلتكم قطري؟ قال: كدناه ببعض ما كادنا به فصرنا منه إلى التي نحب. قال: فهلا اتبعتموه؟ قال: كان الحد عندنا أثرا من الفل. قال: فكيف كان لكم المهلب وكنتم له؟ قال: كان لنا منه شفقة الوالد، وله منا بر الولد. قال فكيف اغتباط الناس؟ قال فشا فيهم الأمن وشملهم النفل. قال: أكنت أعددت هذا الجواب؟ قال: لا يعلم الغيب إلا الله عز وجل. فقال: هكذا والله يكون الرجال، المهلب كان أعلم بك حيث وجهك.
وقال عمر لمتمم بن نويرة: إنك لجزل، فأين كان أخوك منك؟ قال: كان والله يخرج في الليلة الصنبر يركب الجمل الثفال، ومجنب الفرس الحرور، وفي يده الرمح الخطي، وعليه الشملة الفلوت وهو بين المزادتين حتى يصبح، فيصبح متبسما.
يروى أن خالد بن صفوان دخل على يزيد بن المهلب وهو يتغدى فقال: ادن، فكل. فقال: أصلح الله الأمير لقد أكلت أكلة لست ناسيها.
قال: وما أكلت؟ قال: أتيت ضيعتي لإبان الأغراس، وأوان العمارة فجلت فيها جولة حتى إذا صحرت الشمس، وأزمعت بالركود، ملت إلى غرفة لي هفافة، في حديقة قد فتحت أبوابها، ونضح بالماء جوانبها وفرشت أرضها بألوان الرياحين من بين ضيمران نافخ، وسمسق فائح، وأقحوان زاهر، وورد ناضر، ثم أتيت بخبز أرز كأنه قطع العقيق، وسمك جراني بيض البطون، زرق العيون، سود المتون، عراض السرر: غلاظ القصر، ودقة وخلول، ومرى وبقول، ثم أتيت برطب أصفر صاف غير أكدر لم تبتدله الأيدي، ولم تهتشمه كيل المكاييل، فأكلت هذا ثم هذا، قال يزيد: يا بن صفوان لألف جريب من كلامك، خير من ألف جريب مزروع.
علم المنصور ابنه صالحا خطبة فقام بها في الناس في مجلسه فلم يشيع كلامه أحد خوفا من المهدي، فبدأ شبة بن عقال المجاشعي من الصف فقال: والله ما رأيتك اليوم خطيبا أبل ريقا ولا أنبض عروقا ولا أثبت جنابا ولا أعذب لسانا، وقليل ذلك لمن كان أمير المؤمنين أباه والمهدي أخاه، هو كما قال الشاعر:
هو الجواد فإن يلحق بشاوهما ... على تكاليفه فمثله لحقا..
أو يسبقاه على ما كان من مهل ... فمثل ما قدما من صالح سبقا
فاستحسن كلامه وعلقه المنصور بيده.
ومن الأخبار القديمة أن لقمان بن عاد ولقيم ابنه أغارا فأصابا إبلا، ثم انصرفا نحو أهلهما، فنحرا ناقة في منزل نزلاه. فقال لقمان: أتعشى أم أعشى لك؟ فقال لقيم أي ذلك شئت. قال لقمان: اذهب فارع إبلك وعشها حتى ترى النجم قمة رأس، وحتى ترى الجوزاء كأنها قطا نوافر وحتى ترى الشعرى كأنها نار، فإلا تكن عشيت فقد آنيت. قال له لقيم: واطبخ أنت لحم جزورك فأز ماء واغله حتى ترى الكراديس كأنها رؤوس شيوخ صلع، وحتى ترى اللحم يدعو غطيفا أو غنيا أو غطفان، فإن لم تكن أنضجت فقد آنيت.
ذكر عند عمر الزبيب والتمر أيهما أطيب، فقال رجل: الحبلة أفضل أم النخلة؟ فقال: الزبيب إن آكله أضرس وإن أتركه أغرث ليس كالصقر في رؤوس الرقل الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل تحفة الصائم، وتحفة الكبير وصمتة الصغير وتعلة الصبي ونزل مريم ابنة عمران، وينضج ولا يعنى طابخه وتحترش به الضباب من الصلعاء.

(1/444)


قال: وبعث رجل بنين له يرتادون في خصب فقال أحدهم: رأيت بقلا وماء غيلا، يسيل سيلا، وخوصة تميل ميلا، يحسبها الرائد ليلا. وقال الثاني: رأيت ديمة على ديمة في عهاد غير قديمة، تشبع منها الناب قبل الفطيمة.
وقيل لبعضهم: ما وراءك؟ قال: التراب يابس، والأرض سراب، فالمال عائس عابس.
قال خالد للقعقاع: أنافرك على أينا أعظم للسجاح، وأطعن بالرماح. وأنزل بالبراح قال: لا بل عن أينا أفضل أبا وأما وجدا وعما، وقديما وحديثا. فقال خالد: أعطيت يوما من سأل وأطعمت حولا من أكل، وطعنت فارسا طعنة شككت فجذبه بجنب الفرس، فأخرج القعقاع نعلين وقال: ربع عليهما أبي أربعين مرباعا لم يثكل فيهن تميمية ولدا.
ذكر متمم بن نويرة أخاه مالكا فقال: كان يخرج في الليل الصنبرة، عليه الشملة الفلوت، بين المزادتين النضوحتين، على الجمل الثفال، معتقل الرمح الخطي فيصبح متبسما.
وسأل النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن الأهتم عن الزبرقان فقال: مانع لحوزته، مطاع في أدنيه فقال الزبرقان أما أنه قد علم أكثر مما قال ولكنه حسدني شرفي. فقال عمرو أما لئن قال ما قال فوالله ما علمته إلا الضيق العطن، زمر المروءة، لئيم الخلق، حديث الغنى، فلما رأى أنه قد خالف قوله الأول ورأى النكار في عين رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: يا رسول الله رضيت؟ فقلت: بأحسن ما علمت وغضبت، فقلت: بأقبح ما علمت.
كانت خطبة النكاح لقريش في الجاهلية: باسمك اللهم ذكرت فلانة، وفلان بها شغوف لك ما سألت، ولنا ما أعطيت.
دخل الهذيل بن زفر على يزيد بن المهلب في حمالات لزمته، ونوائب نابته. فقال له: أصلحك الله قد عظم شأنك عن أن يستعان بك، ويستعان عليك، ولست تصنع شيئا من المعروف وإن عظم إلا وأنت أعظم منه، وليس العجب أن تفعل وإنما العجب ألا تفعل. فقال يزيد: حاجتك؟ فذكرها، فأمر له بها وبمائة ألف درهم فقال: أما الحمالات فقد قبلتها، وأما المال فليس هذا موضعه.
وسأل عمر رضي الله عنه عمرو بن معدي كرب عن سعد فقال: خير أمير، نبطي في حبوته، عربي في نمرته أسد في تامورته يعدل في القضية، ويقسم بالسوية، ينقل إلينا حقنا، كما تنقل الذرة. فقال عمر: لسر ما تقارضتما الثناء.
قيل لواحد من العرب: أين شبابك؟ فقال: من طال أمده وكثر ولده، ودف عدده، وذهب جلده، ذهب شبابه.
وقال رجل من بني أسد: مات لرجل منا ابن، فاشتد جزعه عليه، فقام إليه شيخ منا فقال: اصبر أبا مهدية فإنه فرط أفترطته، وخير قدمته، وذخر أحرزته فقال مجيبا له، بل ولد ودفنته، وثكل تعجلته، وغيب وعدته، والله لئن لم أجزع من النقص، لم أفرح بالمزيد.
قال ابن أقيصر: خير الخيل الذي إذا استدبرته حنأ، وإذا استقللته أقعى، وإذا استعرضته استوى، وإذا مشى ردى، وإذا عدا دحا. ونظر إلى خيل عبد الرحمن ابن أم الحكم، فأشار إلى فرس منها فقال: تجيء هذه سابقة، قالوا: وكيف ذاك؟ قال: رأيتها مشت فكتفت،وخبت فوجفت وعدت فنسفت فجاءت سابقة.
قال الحجاج لرجل من الأزد: كيف علمك بالزرع؟ قال: إني لا أعلم من ذلك علما. قال: فأي شيء خيره؟ قال: ماغلظ قصبته وأعتم نبته وعظمت حبته. قال: فأي العنب خير؟ قال: ما غلظ عموده، واخضر عوده، وعظم عنقوده. قال: فما خير التمر؟ قال: ما غلظ لحاه ودق نواه ورق سحاه.
وتكلم أهل التمر وأهل الزبيب عند عمر فقال: أرسلوا إلى أبي حثمة الأنصاري فسألوه فقال: ليس كالصقر في رؤوس الرقل الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل، تعلة الصبي، ينضج ولا يعنى طابخه به، يحترش به الضب من الصلعاء، ليس كالزبيب الذي إن أكلته ضرست، وإن تركته غرثت.
وقال أبو العباس لخالد بن صفوان: يا خالد إن الناس قد أكثروا في النساء، فأي النساء أحب إليك؟ قال يا أمير المؤمنين، أحبها ليست بالضرع الصغيرة، ولا بالفانية الكبيرة وحسبي من جمالها أن تكون فخمة من بعيد، مليحة من قريب، أعلاها قضيب. وأسفلها كثيب، غذيت في النعيم، وأصابتها فاقة فأدبها النعيم، وأذلها الفقر، لم تفتك فتمجن، الهلوك على زوجها، الحصان من جارها، إذا خلونا كنا أهل دنيا، وإذا افترقنا كنا أهل آخرة.
قال عمارة بن عقيل: أصابتنا سنون ثلاث لم نحتلب فيهن رئلا، ولم نلقح نسلا، ولم نزرع بقلا.

(1/445)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية