صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : منتهى الطلب من أشعار العرب
المؤلف : ابن المبارك
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

فأدارها أصلا وكلف نفسه ... تقريب صادقة النجاء نوار
يغشى كريهتها على ما قد يرى ... في نفسها من بغضة وفرار
ترمي ذراعيه وبلدة نحره ... بحصى يطير فضاضه وغبار
وتفوته نشزا فيلحق معجلا ... ربذ اليدين كفائض الأيسار
يعلو فروع قطاتها من أنسه ... بملاحك كرحالة النجار
فتذكرا عينا يطير بعوضها ... زرقاء خالية من الحضار
طرقا من المغدى غديرا صافيا ... فيه الضفادع شائع الأنهار
والأزرق العجلي في ناموسه ... باري القداح وصانع الأوتار
من عيشه القترات أحسن صنعها ... بحصا يد القصباء والجيار
فدنت له حتى إذا ما أمكنت ... أرساغه من معظم التيار
وأحس حسهما فيسر قبضة ... صفراء راش نضيها بظهار
فرمى فأخطأها ولهف أمه ... ولك ما وقي المنية صاري
فتوليا يتنازعان بساطع ... متقطع كملاءة الأنبار
يتعاوران الشوط حتى أصبحا ... بالجزع بين مثقب ومطار
فبتلك أفضي الهم إذ وهمت به ... نفسي ولست بناء ناء عوار
وقبيلة جنب إذا لاقيتهم ... نظروا إلي بأوجه أنكار
حييت بعضهم لأرجع ودهم ... بخلائق معروفة وجوار
والجار أومن سرحه ومحله ... حتى يبين لنية المختار
فلئن رأيت الشيب خوص لمتي ... من طول ليل دائب ونهار
إني لترزأني النوائب في الغنى ... وأعف عند مشحة الإقتار
فجزا الإله سراة قومي نصرة ... وسقاهم بمشارب الأبرار
قوم إذا خافوا عثار أخيهم ... لا يسلمون أخاهم لعثار
أمثال علقمة بن هوذة إذ سعى ... يخشى علي متالف الأمصار
أثنوا علي فأحسنوا فترافدوا ... لي بالمخاض البزل والأبكار
والشول يتبعها بنات لبونها ... شرقا حناجرها من الجرجار
حتى تأوى حول بيتي هجمة ... أبكارها كنواعم الجبار
وكأن خلفتها عطيفة شواحط ... عطل براها من خزاعة باري
وبغى بها ماء النطاف فلم تجد ... ماء بتنهية ولا بغمار
وقال المخبل أيضا: الطويل
عفا العرض بعدي من سليمى فحائله ... فبطن عنان رييه فأفأكله
فروض القطا بعد التساكن حقبة ... فبلؤ عفت باحاته فمسايله
فميت عرينات بها كل منزل ... كوشم العذارى ما يكلم سائله
تمشي بها عوذ النعاج كأنها ... فريق يوافي الحج حانت منازله
ذكرت بها سلمى وكتمان حاجة ... لنفسي وما لا يعلم الناس داخله
يظل يؤسيني صحابي كأنني ... صريع مدام باكرته نواطله
وما كان محقوقا فؤادك بالصبا ... ولا طرب في إثر من لا تواصله
وما ذكره سلمى وقد حال دونها ... مصانع حجر دوره ومجادله
وإن لم يورعني الشباب ولم يلج ... برأسي شيب أنكرته غواسله
وفيت فلم أعذر ولم يلق غبطة ... مساجل بؤسى قمت يوما أساجله
وقد رابني من بعض قومي منطق ... له جلب تروى علي بواطله
ومن ير عزا في قريع فإنه ... تراث أبيها مجده وفواضله
نقلنا له أثمانه ... من بيوتنا وحلت إلينا يوم حلت رواحله
وكائن لنا من إرث مجد وسؤدد ... موارده معلومة ومناهله
ومنا الذي رد المغيرة بعدما ... بدا حامل كاللوث تبدو شواكله
أتاح لها ما بين أسفل ذي حسى ... فحزم اللوى وادي الرسيس فعاقله
هزبر هريت الشدق رئبال غابة ... إذا سار عزته يداه وكاهله
شتيم المحيا لا يفارق قرنه ... ولكنه بالصحصحان ينازله
وأعطي منا الحلق أبيض ماجد ... نديم ملوك ما تغب نوافله

(1/33)


وجاعل برد العصب فوق جبينه ... يقي حاجبيه ما تثير قنابله
وليلة نجوى يعتري الغي أهلها ... كفينا وقاضي الأمر منا وفاصله
ويوم الرحى سدنا وجيش مخرم ... ضربناه حتى اتكأته شمائله
ويوم أبي يكسوم والناس حضر ... على حلبان إذ تقضى محاصله
فتحنا له باب الحصير وربه ... عزيز تمشى بالحراب أراجله
عليه معد حولنا بين حاسد وذي حنق تغلي علينا مراجله
وإذ فتك النعمان بالناس محرما ... فملئ من عوف بن كعب سلاسله
فككنا حديد الغل عنهم فسرحوا ... جميعا وأحظى الناس بالخير فاعله
وقلنا له لا تنس صهرك عندنا ... ولا تنس من أخلاقنا ما نجامله
فما غيرتنا بعد من سوء صرعة ... ولا شيمة ما بوأ الخلق حابله
فتلك مساعينا وبدر مخلف ... على كتفيه ربقه وحبائله
لعمرك إن الزبرقان لدائم ... على الناس يغدو نوكه ومجاهله
شرى محمرا يوما بذود فخاله ... نماه إلى أعلى اليفاع أوائله
رأى مجد أقوام صرى في حياضهم ... وهدم حوض الزبرقان غوائله
أتيت أمرأ أحمى على الناس عرضه ... فما زلت حتى أنت مقع تناضله
فأقع كما أقعى أبوك على استه ... رأى أن ريما فوقه لا يعادله
فقبلك بدر عاش حتى رأيته ... يدب ومولاه عن المجد شاغله
وينفس مما ورثتني أوائلي ... ويرغب عما أورثته أوائله
فإن كنت لم تصبح بحظك راضيا ... فدع عنك حظي إنني عنك شاغله
وأنكحت هزالا خليدة بعدما ... زعمت برأس العين أنك قاتله
يلاعبها تحت الخباء وجاركم ... بذي شبرمان لم تزيل مفاصله
وأنكحته رهوا كأن عجانها ... مشق إهاب أوسع السلخ ناجله
عوف بن عطية
وقال عوف بن عطية بن الخرع التيمي من تيم الرباب وهي مفضلية وقرأتها على شيخي أبي محمد بن الخشاب رحمة الله عليه: المتقارب
أمن آل ليلى عرفت الديارا ... بحيث الشقيق خلاء قفارا
كأن الظباء بها والنعا ... ج ألبسن من رازقي خمارا
وقفت بها أصلا ما تبين ... أسائلها القول إلا سرارا
كأني اصطبحت عقارية ... تصعد بالمرء صرفا عقارا
سلافة صهباء ماذية ... يفض المسابيء عنها الجرارا
وقالت كبيشة من جهلها ... أشيبا قديما وجهلا معارا
فما زادني الشيب إلا ندى ... إذا استروح المرضعات القتارا
أحيي الخليل وأعطي الجزي ... ل حياء وأفعل فيه اليسارا
وأمنع جاري من المجحفات ... والجار ممتنع حيث صارا
وأعددت للحرب ملبونة ... ترد على سائسيها الحمارا
كميتا كحاشية الأتحمي ... لم يدع الصنع فيها عوارا
لها شعب كأرياد الغبيط ... فضضن عنه البناة الشجارا
لها رسغ مكرب أيد ... فلا العظم واه ولا العرق فارا
لها حافر مثل قعب الوليد ... يتخذ الفار فيه مغارا
لها كفل مثل متن الطراف ... مد فيه البناة الحتارا
فأبلغ رياحا على نأيها ... وأبلغ بني دارم والجمارا
وأبلغ قبائل لم يشهدوا ... طحا بهم الأمر ثم استدارا
غزونا العدو بأبياتنا ... وراعي حنيفة يرعى الصفارا
فشتان مختلف بالنا ... نرعي الخلا ونبغي الغوارا
بعوف بن كعب وجمع الربا ... ب أمرا قويا وجمعا كثارا
فيا طعنة ما تسوء العدو ... وتبلغ في ذاك أمرا قرارا
فلولا علالة أفراسنا ... لزادكم القوم خزيا وعارا
إذا ما احتبينا حبا منهم ... شببنا لحرب بعلياء نارا
نؤم البلاد لحب اللقاء ... ولا نتقي طائرا حيث طارا

(1/34)


سنيحا ولا جاريا بارحا ... على كل حال نلاقي اليسارا
نقود الجياد بأرسانها ... يضعن ببطن الرشاء المهارا
يشق الحزابي سلافنا ... كما شقق الهاجري الدبارا
شربنا بحواء في ناجر ... فسرنا ثلاثا فأبنا الجفارا
وجللن دمخا قناع العرو ... س أدنت على حاجبيها الخمارا
فكادت فزارة تصلى بنا ... فأولى فزارة أولى فزارا
ولو أدركتهم أمرت لهم ... من الشر يوما ممرا مغارا
أبرن نميرا وحي الحريش ... وحي كلاب أبارت بوارا
وكنا بها أسدا زائرا ... أبى لا يحاول إلا سوارا
وفر ابن كوز بأذواده ... وليت ابن كوز رآنا نهارا
بحمران أم بقفا ناعتين ... أو المستوي إذ علون النسارا
ولكنه لج في روعه ... فكان ابن كوز مهاة نوارا
ولكنما لقيت غدوة ... سواءة سعد ونصرا جهارا
وحي سويد فما أخطأت ... وغنما فكانت لغنم دمارا
فكل قبائلهم أتبعت ... كما أتبع العر ملحا وقارا
بكل مكان ترى منهم ... أرامل شيبا ورجلي حرارا
بشامة بن الغدير
وقال بشامة بن الغدير وهو بشامة بن عمرو بن معاوية بن الغدير بن هلال بن سفيان بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان: الكامل
لمن الديار عفون بالجزع ... بالدوم بين بحار فالشرع
درست وقد بقيت على حجج ... بعد الأنيس عفونها سبع
إلا بقايا خيمة درست ... دارت قواعدها على الربع
توقفت في دار الجميع وقد ... جالت شؤون الرأس بالدمع
كعروض فياض على فلج ... تجري جداوله على الزرع
فوقفت فيها كي أسائلها ... عوج اللبان كمطرق النبع
أنضي الركاب على مكارهها ... بزفيف بين المشي والوضع
بزفيف نقنقة مصلمة ... قرعاء بين نقانق قرع
وبقاء مطرور تخيره ... صنع لطول السن والوقع
ويدي أصم مبادر نهلا ... قلقت محالته من النزع
من حجم بئر كان فرصته ... منها صبيحة ليلة الربع
فأقام هوذلة الرشاء وإن ... تخطئ يداه يمد بالضبع
أبلغ بني سهم لديك فهل ... فيكم من الحدثان من بدع
أم هل ترون اليوم من أحد ... حملت حصاة أخ له يرعي
فلئن ظفرتم بالخصام لمو ... لاكم فكان كشحمة القلع
وبدأتم للناس سنتها ... وقعدتم للريح في رجع
لتلاومن على المواطن ... ألا تخلطوا الإعطاء بالمنع
الأسود بن يعفر
وقال الاسود بن يعفر بن عبد القيس بن نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن زيد مناة بن تميم النهشلي وهي مفضلية: الكامل
نام الخلي وما أحس رقادي ... والهم محتضر لدي وسادي
من غير ما سقم ولكن شفني ... هم أراه قد أصاب فؤادي
ومن الحوادث لا أبا لك أنني ... ضربت علي الأرض بالأسداد
لا أهتدي فيها لموضع تلعة ... بين العراق وبين أرض مراد
ولقد علمت سوى الذي نبأتني ... إن السبيل سبيل ذي الأعواد
إن المنية والحتوف كليهما ... يوفي المخارم يرقبان سوادي
لن يرضيا مني وفاء رهينةس ... من دون نفسي طارفي وتلادي
ماذا أؤمل بعد آل محرق ... تركوا منازلهم وبعد إياد
أهل الخورنق والسدير وبارق ... والقصر ذي الشرفات من سنداد
أرض تخيرها لطيب مقيلها ... كعب بن مامة وابن أم دؤاد
جرت الرياح على محل ديارهم ... فكأنما كانوا على ميعاد
ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة ... في ظل ملك ثابت الأوتاد
نزلوا بأنقرة يسيل عليهم ... ماء الفرات يجيء من أطواد
أين الذين بنوا فطال بناؤهم ... وتمتعوا بالأهل والأولاد

(1/35)


فإذا النعيم وكل ما يلهى به ... يوما يصير إلى بلى ونفاد
في آل غرف لو بغيت لي الأسى ... لوجدت فيهم أسوة العداد
ما بعد زيد في فتاة فرقوا ... قتلا ونفيا بعد حسن تآدي
فتخيروا الأرض الفضاء لعزهم ... ويزيد رافدهم على الرفاد
إما تريني قد بليت وغاضني ... ما نيل من بصري ومن أجلادي
وعصيت أصحاب البطالة والصبا ... وأطعت عاذلتي وذل قيادي
فلقد أروح على التجار مرجلا ... مذلا بمالي لينا أجيادي
ولقد لهوت وللشباب بشاشة ... بزجاجة مزجت بماء غوادي
من خمر ذي نطف أغن منطق ... وافى بها لدارهم الأسجاد
يسعى بها ذو تؤمتين مقرطق ... قنأت أنامله من الفرصاد
والبيض تمشي كالبدور وكالدمى ... ونواعم يمشين بالأرفاد
والبيض يرمين القلوب كانها ... أدحي بين صريمة و جماد
ينطقن معروفا وهن نواعم ... بيض الوجوه نواعم الأجساد
ينطقن مخفوض الحديث تهامسا ... فبلغن ما حاولن غير تنادي
ولقد غدوت لعازب متناذر ... أحوى المذانب مؤنق الرواد
جادت سواريه وآزر نبته ... نفأ من الصفراء والزباد
بالجو فالأمرات حول مغاير ... فبضارج فقصيمة الطراد
بمشمر عتد جهير شده ... قيد الأوابد والرهان جواد
يشوي لنا الوحد المدل بحضره ... بشريج بين الشد والإيراد
ولقد تلوت الظاعينين بجسرة ... أجد مهاجرة السقاب جماد
عيرانة سد الربيع خصاصها ... ما يستبين بها مقيل قراد
فإذا وذلك لا مهاة لذكره ... والدهر يعقب صالحا بفساد
وقال أيضا: البسيط
هل بالمنازل إن كلمتها خرس ... أم ما بيان أثاف بينها قبس
كالكحل أسود لأيا ما يكلمنا ... مما عفاه سحاب الصيف الرجس
جرت بها الهيف أذيالا مظاهرة ... كما يجر ثياب الفوة العرس
والمالكية قد قالت حكمت وقد ... تشقى بك الناقة الوجناء والفرس
فقلت إن أستفد حلما وتجربة ... فقد تردد فيك البخل والألس
وقد يقصر عني السير آوانة ... بويزل سهوة التبغيل أو سدس
وجناء يصرف ناباها إذا ضمرت ... كما تخمط فحل الصرمة الضرس
لأيا إذا مثل الحرباء منتصبا ... من الظهيرة يثني جيدها المرس
تلقي على الفرج والحاذين ذا خصل ... كالقنو أعنق في أطرافه العبس
كأنها ناشط هاج الكلاب به ... من وحش خطمة في عرنينه خنس
باتت عليه من الجوزاء أسمية ... وظل بالسبط العامي يمترس
ثم أتى دف أرطاة بمحنية ... من الصريمة أواه بها الدلس
منبوذة بمكان لا شعار به ... وقد يصادف في المجهولة اللمس
عبرية بين أنقاء حبون لها ... من الصريمة أعلى تربها دهس
فاجتابها وهو يخشى أن يلط به ... خوف على أنفه والسمع محترس
يبري عروقا ويبدي عن أسافلها ... كما تلين للخرازة الشرس
حتى إذا ما انجلت ظلماء ليلته ... عند الصباح ولم يستوعب الغلس
ومار ينفض روقيه ومتنته ... كما تهزهز وقف العاجة السلس
هاجت به فئة غضف مخرجة ... مثل القداح على أرزاقها عبس
وفاجأته سرايا لا زعيم لها ... يقدمن أشعث في مارية طلس
معصبا من صباح لا طعام له ... ولا رعية إلا الطوف والعسس
فكر يحمي بروقيه حقيقته ... به عليهن إذ أدركنه شمس
ما إن قليلا تجلى النقع عن سبد ... وزارع غير ما إن صاد منبجس
ومن دفاق تحيت الجنب نافذة ... حمراء يخرج من حافاتها النفس
ثم تولى خفيفات قوائمه ... بالسهل يطفو وبالصحراء يملس

(1/36)


وقد سبأت لفتيان ذوي كرم ... قبل الصباح ولما تقرع النقس
صرفا وممزوجة كأن شاربها ... وإن تشدد أن يهتابه هوس
ثم ظللنا تغني القوم داجنة ... لعساء لا ثعل فيها ولا كسس
ومسمعات وجرد غير مقرفة ... شم السنابك في أكتافها قعس
وجامل كزهاء اللاب كلفه ... ذو عرمض من مياه القير أو قدس
ماء قصير رشاء الدلو مؤتزرا ... بالخيزرانة لا ملح ولا نمس
توفي الحمام عليه كل ضاحية ... وللضفادع في حافاته جرس
أتى الصريخ وسربالي مظاهرة ... من نسج داوود يجلو سكها اللبس
تغش البنان لها صوت إذا انتسجت ... كما استخف حصيد الأبطح اليبس
وقال الأسود بن يعفر أيضا: الطويل
أبينت رسم الدار أم لم تبين ... لسلمى عفت بين الكلاب وتيمن
كأن بقايا رسمها بعد ما جلت ... لك الريح منها عن محل مدمن
مجالس أيسار وملعب سامر ... وموقد نار عهدها غير مزمن
سطور يهوديين في مهرقيهما ... مجيدين من تيماء أو أهل مدين
فدمعك إلا ما كففت غروبه ... كوالف بال من مزاد وعين
بكاء عليها كل صيف ومربع ... كأديانه من غمرة ابنة محجن
تبصر خليلي هل ترى من ظعائن ... غدون لبين من نوى الحي أبين
تردين أنطاكية ذات بهجة ... على شرعبي من يمان مدهن
جعلن بليل واردات وهضها ... شمالا ومنهن البدي بأيمن
فأضحت تراءاها العيون كأنها ... على الشرف الأعلى نخيل ابن يامن
أو الأثاب العم الذرى أو كأنها ... خلايا عدولي السفين المعمن
فجئن وقرن الشمس لم يعد أن بدا ... ففئن إلى حور نواعم بدن
وكور على أنماط بيض مزخرف ... مدينية أوفى بها حج مسكن
فقلن أقيلونا فقلن بنعمة ... لدى كل خدر ذي شفوف مزين
يطالعننا من كل خمل وكلة ... بمخضوبة حمر لطاف وأعين
ألم يأتها أن قد صحوت عن الصبا ... وآلت إلى أكرومة وتدين
وفارقت لذات الشباب وأهله ... كفرقة غاد مشئم لميمن
وذي نسب دان تجلدت بعده ... على رزئه ورزؤه غير هين
كريم ثناه تمطر الخير كفه ... كثير رماد القدر غير ملعن
غدا غير مملول لدي جماعه ... ولا هو عن طول التعاشر ملني
وحسرة حزن في الفؤاد مريرة ... تحييتها والمرء ما يغن يحزن
ونخوة أقوام علي درأتها ... بسطوة أيد من رجال وألسن
وندمان صدق لا يرى الفحش رائحا ... لديه لمخزون المدامة مدمن
بكرت عليه والدجاج معرس ... جثوم وضوء الصبح لم يتبين
فظلت تدور الكأس بيني وبينه ... إذا هي أكرت قال صاح ألا اسقني
فرحنا أصيلالا ترانا كأننا ... ذوو قيصر أو آل كسرى بن سوسن
وغانية قطعت أسباب وصلها ... بحرف كعرش الهاجري المطين
تكاد تطير الرحل لولا نسوعه ... إذا شفنت إلى القطيع الممرن
كأن قتودي حين لانت وراجعت ... طريقة مرفوع من السير لين
على وحد طاو أفزت فؤاده ... كلاب ذريح أو كلاب ابن ميزن
وقال الأسود أيضا: الطويل
ألا حي سلمى في الخليط المفارق ... وألمم بها إن جد بين الحرائق
وما خفت منها البين حتى رأيتها ... علا عيرها في الصبح أصوات سائق
تجنبن خروبا وهن جوازع ... على طية يعدلن رمل الصعافق
سنلقاك يوما والركاب ذواقن ... بنعمان أو يلقاك يوم التحالق
وتشفي فؤادي نظرة من لقائها ... وقلت متاعا من لبانة عاشق
ألا إن سلمى قد رمتك بسهمها ... وكيف استباء القلب من لم يناطق

(1/37)


ترآت لنا بجيد آدم شادن ... ومنسجر وحف أثيث المفارق
وتبسم عن غر الثنايا مفلج ... كنور الأقاحي في دماث الشقائق
وما روضة وسمية رجبية ... ولتها غيوث المدجنات البوارق
حمتها رماح الحرب حتى تهولت ... بزاهر لون مثل وشي النمارق
بأحسن من سلمى غداة لقيتها ... بمندفع الميثاء من روض ماذق
كأن ثناياها اصطبحن مدامة ... من الخمر سنا فوقها ماء بارق
ولو سألت عنا سليمى لخبرت ... إذا الحجرات زينت بالمغالق
بأن نعين المستعين على الندى ... ونحفظ فرج المقدم المتضايق
وجار غريب حل فينا فلم نكن ... له غير غيث بنبت البقل وادق
نكون له من حوله وورائه ... ونؤمنه من طارقات البوائق
ومستلحم قد أنفذته رماحنا ... وكان يظن أنه غير لاحق
هنأنا فلم نمنن عليه طعامنا ... إذا ما نبا عنه قريب الأصادق
فظل يباري ظل رأس مرجل ... قد آزر الجرجار زهر الحدائق
وعان كبيل قد فككنا قيوده ... وغلا نبيلا بين خد وعاتق
ويا سلم ما أدراك إن رب فتية ... ذوي نيقة في صالحات الخلائق
إذا نزلت حمر التجار تباشروا ... وراحوا بفتيان العشي المخارق
فأمسوا يجرون الزقاق وبزها ... بشفع القلاص والمخاض النوافق
وقد علمت أبناء خندف أننا ... رعاة قواصيها وحاموا الحقائق
وأنا أولوا أحكامها وذوو النهى ... وفرسان غارات الصباح الدمالق
وإنا لنقري حين نحمد بالقرى ... بقايا شحوم الآبيات المفارق
ونضرب رأس الكبش في حومة الوغى ... وتحمدنا أشياعنا في المشارق
ومستهنئ ذي قروتين مدفع ... برته بوار من سنين عوارق
وقال الأسود بن يعفر أيضا: السريع
هل لشباب فات من مطلب ... أم ما بكاء البدن الأشيب
إلا الأضاليل ومن لا يزل ... يوفي على مهلكه يعطب
بدلت شيبا قد علا لمتي ... بعد شباب حسن معجب
صاحبته ثمت فارقته ... ليت شبابي ذاك لم يذهب
وقد أراني والبلى كاسمه ... إذ أنا لم أصلع ولم أحدب
ولم يعرني الشيب أثوابه ... أصبي عيون البيض كالربرب
كأنما يومي حول إذا ... لم أشهد اللهو ولم ألعب
وقهوة صهباء باكرتها ... بجهمة والديك لم ينعب
وطامح الرأس طويل العمى ... يذهب جهلا كلما مذهب
كويته حن عدا طوره ... في الرأس منه كية المكلب
وغارة شعواء ناهبتها ... بسابح ذي خضر ملهب
تراه بالفارس من بعد ما ... نكس ذو اللامة كالأنكب
وصاحب نبهته موهنا ... ليس بأناح ولا جأنب
أروع بهلول خميص الحشا ... كالنصل ما تركب به يركب
فقام وسنان إلى رحله ... وجسرة دوسرة ذعلب
ومربأ كالزج أشرفته ... والشمس قد كادت ولم تعرب
تلفني الريح على رأسه ... كأنني صقر على مرقب
ذاك ومولي يمج الندى ... قريانه أخضر مغلولب
قفر حمته الخيل حتى كأن ... زاهره أغشي بالزرنب
جاد السماكان بقريانه ... بالنجم والنثرة والعقرب
كأن أصوات عصافيره ... أصوات راعي ثلة مخصب
قدت به أجرد ذا ميعة ... عبل الشوى كالصدع الأشعب
فردا تغنيني مكاكيه ... تغني الولدان والملعب
وقال الأسود بن يعفر يمدح بني محلم: الطويل
أجارتنا غضي من السير أو قفي ... وإن كنت لما تزمعي البين فاصرفي

(1/38)


أسائلك أو أخبرك عن ذي لبانة ... سقيم فؤاد بالحسان مكلف
فصدت وقالت والكبير بسهمة ... متى يبك يوما للتصابي يعنف
ولو عرضت يوم الرحيل بنشرها ... لذي كربة موف على الموت مدنف
إذن لشفته بعد ما خيل أنه ... أخو سقم قد خالط النفس متلف
سبية سفانين قد خدعا بها ... تصيب القؤاد من لذيذ وتشتفي
ولو لقي النعمان حيا لنالها ... ولو بعث الجني في الناس يصطفي
لفاض عليها ذات دل وميسم ... ووجه كدينار العزيز المشوف
أسيلة مستن الدموع نبيلة ... كأدماء من أظبي تبالة مخرف
تظل النهار في الظلال وترتعي ... فروع الهدال والأراك المصنف
ويذعر سرب الحي وسواس حليها ... إذا حركته من دعاث ورفرف
ولم أر في سفلي ربيعة مثلها ... ولا مضر الأعلين قيس وخندف
إذا هي قامت في الثياب تأودت ... سقية غيل أو غملامة صيف
تداركني شباب آل محلم ... وقد كدت أهوي بين نيقين نفنف
هم القوم يمسي جارهم في غضارة ... سليما سوي اللحم لم يتجرف
وهم يضربون الكبش يبرق بيضه ... بأسيافهم والماسخي المزخرف
جران العود
وقال جران العود واسمه عامر بن الحارث بن كلفة وقيل كلدة وهو من بني ضبة ابن نمير بن عامر بن صعصعة:
بان الخليط فهالتك التهاويل ... والشوق محتضر والقلب متبول
يهدي السلام لنا من أهل ناعمة ... إن السلام لأهل الود مبذول
أنى اهتديت بموماة لأرحلنا ... ودون أهلك بادي الهول مجهول
لمطرقين على مثنى أيامنهم ... راموا النزول وقد غار الأكاليل
طالت سراهم فذاقوا مس منزلة ... فيها وقوعهم والنوم تحليل
والعيس مقرونة لاثوا أزمتها ... فكلهن بأيدي القوم موصول
سقيا لزورك من زور أتاك به ... حديث نفسك عنه وهو مشغول
تختصني دون أصحابي وقد هجعوا ... والليل مجفلة أعجازه ميل
أهالك أنت إن مكتومة اغتربت ... أم أنت من مستسر الحب مخبول
بالنفس من هو ينأنا ونذكره ... فلا هواه ولا ذو الذكر مملول
ومن مودته داء ونائله ... وعد المغيب إخلاف وتبديل
ما أنس لا أنس منها إذ تودعنا ... وقولها لا تزرنا أنت مقتول
ملء السوارين والحجلين مئزرها ... بمتن أعفر ذي دعصين مكفول
كأنما ناط سلسيها إذا انصرفت ... مطوق من ظباء الأدم مكحول
تجري السواك على عذب مقبله ... كأنه منهل بالراح معلول
وللهموم قرى عندي أعجله ... إذا تورط في النوم المكاسيل
تفريجهن بإذن الله يحفزه ... حذف الزماع وجسرات مراقيل
تحدو أوائلها دح يمانية ... قد شاع فيهن تحذيم وتنعيل
بين المرافق عن أجواز ملتئم ... من طي لقمان لم يظلم به الجول
كأنما شك ألحيها إذا رجفت ... هاماتهن وشمرن البراطيل
حم المآقي على تهجيج أعينها ... إذا سمون وفي الآذان تأليل
حتى إذا متعت والشمس حامية ... مدت سوالفها الصهب الهراجيل
والآل يعصب أطراف الصوى فلها ... منه إذا لم تنفره سرابيل
واعصوصبت فتدانى من مناكبها ... كما تقاذفت الخرج المجافيل
إذا الفلاة تلقتها جواشنها ... وفي الأداوى عن الأخرات تشويل
قاست بأذرعها الغول التي طلبت ... والماء في سدفات الليل منهول
فناشحون قليلا من مسوفة ... من أجن ركضت فيه العداميل

(1/39)


قال أبو عمر الشيباني كان جران العود والرحال النميري خدنين تبيعين ثم إنهما تزوجا فلم يحمدا ما لقياه فقال جران العود:
ألا لا يغرن امرءا نوفلية ... على الرأس بعدي أو ترائب وضح
ولا فاحم يسقى الدهان كأنه ... أساود يزهاها لعينك أبطح
وأذناب خيل علقت من عقيصة ... ترى قرطها من تحتها يتطوح
فإن الفتى المغرور يعطي تلاده ... ويعطي المنى من ماله ثم يفضح
ويغدو بمسحاج كأن عظامها ... محاجن أعراها اللحاء المشبح
إذا ابتز منها الدرع قيل مطرد ... أحص الذنابى والذراعين أرسح
فتلك التي حكمت في المال أهلها ... وما كل مبتاع من الناس يربح
تكون بلوذ القرن ثم شمالها ... أحث كثيرا من يميني وأسرح
جرت يوم رحنا بالركاب نزفها ... عقاب وشحاج من الطير متيح
فأما العقاب فهي منا عقوبة ... وأما الغراب فالغريب المطرح
عقاب عبنقاة ترى من حذارها ... ثعالب أهوى أو أشاقر تضبح
لقد كان لي عن ضرتين عدمنني ... وعما ألاقي منهما متزحزح
هي الغول والسعلاة حلقي منهما ... مخدش ما بين التراقي مجرح
لقد عاجلتني بالنصاء وبيتها ... جديد ومن أثوابها المسك ينفح
إذا ما انتصينا فانتزعت خمارها ... بدا كاهل منها ورأس صمحمح
تداورني في البيت حتى تكبني ... وعيني من نحو الهراوة تلمح
وقد عوذتني الوقذ ثم تجرني ... إلى الماء مغشيا علي أرنح
ولم أر كالموقوذ ترجى حياته ... إذا لم يرعه الماء ساعة ينضح
أقول لنفسي أين كنت وقد أرى ... رجالا قياما والنساء تسبح
أبالغور أم بالجلس أم حيث تلتقي ... أماعز من وادي بريك وأبطح
خذا نصف مالي واتركا لي نصفه ... وبينا بذم فالتغرب أروح
فيا رب قد صانعت حولا مجرما ... وصانعت حتى كادت العين تمصح
وراشيت حتى لو يكلف رشوتي ... خليج من المرار قد كاد ينزح
أقول لأصحابي أسر إليهم ... لي الويل إن لم تجمحا كيف أجمح
أأترك صبياني وأهلي وأبتغي ... معاشا سواهم أم أكر فأذبح
ألاقي الخنا والبرح من أم خارم ... وما كنت ألقي من رزينة أبرح
تصبر عينيها وتعصب رأسها ... وتغدو غدو الذيب والبوم تضبح
ترى رأسها في كل مبدى ومحضر ... شعاليل لم يمشط ولا هو يسرح
وإن سرحته فهو مثل عقارب ... تشول بأذناب قصار وترمح
تخطى إلي الحاجزين مدلة ... يكاد الحصى من وطئها يترضح
كناز عفرناة إذا لحقت به ... هوى حيث تهويه العصا يتطوح
لها مثل أظفار العقاب ومنسم ... أزج كطنبوب النعامة أروح
إذا انفلتت من حاجز لحقت به ... وجبهتها من شدة الغيظ تنتح
وقالت تبصر بالعصا أصل أذنه ... لقد كنت أعفو عن جران وأصفح
فخر وقيذا مسلحبا كأنه ... على الكسر صبعان تعقر أملح
ولما التقينا غدوة طار بيننا ... سباب وقذف بالحجارة مطرح
أجلي إليها من بعيد فأتقي ... حجارتها حقا ولا أتمزح
تشج طنابيبي إذا ما اتقيتها ... بهن وأخرى في الذؤابة تنفح
أتانا ابن روق يبتغي اللهو عندنا ... فكاد ابن روق في السراويل يسلح
وأنقذني منا ابن روق وصوتها ... كصوت علاة القين صلب صميدح
وولى به رأد اليدين عظامه ... على دفق منها موائر جنح
ولسن بأسواء فمنهن روضة ... تهيج الرياض غيرها لا تصوح
جمادية أحمى حدائقها الندى ... ومزن تدليه الجنائب دلح

(1/40)


ومنهن غل مقمل لا يفكه ... من القوم إلا الشحشان الصرنقح
عمدت لعود فالتحيت جرانه ... وللكيس أمضى في الأمور وأنجح
وصلت به من خشية أن تدكلا ... يميني سراعا كرها حين تمرح
خذا حذرا يا خلتي فإنني ... رأيت جران العود قد كان يصلح
وقال جران العود وقرأتها على ابن الخشاب:
ذكرت الصبا فانهلت العين تذرف ... وراجعك الشوق الذي كنت تعرف
وكان فؤادي قد صحا ثم هاجني ... حمائم ورق بالمدينة تهتف
كأن الهديل الظالع الرجل فوقها ... من البغي شريب يغرد مترف
تذكرنا أيامنا بسويقة ... وهضبى قساس والتذكر يشغف
وبيضا يصلصلن الحجول كأنها ... ربائب أبكار المهى المتألف
فبت كأن العين أفنان سدرة ... عليها سقيط من ندى الطل ينطف
أراقب لوحا من سهيل كأنه ... إذا ما بدا من آخر الليل يطرف
يعارض عن مجرى النجوم وينتحي ... كما عارض الشول البعير المؤلف
بدا لجران العود والبحر دونه ... وذو حدب من سرو حمير مشرف
ولا وجد إلا مثل يوم تلاحقت ... بنا العيس والحادي يشل ويعنف
لحقنا وقد كان اللغام كأنه ... بألحي المهارى والخراطيم كرسف
وما ألحقتنا العيس حتى تناضلت ... بنا وتلاها الآخر المتخلف
وكان الهجان الأرحبي كأنه ... تراكبه جون من الجهد أكلف
وفي الحي ميلاء الخمار كأنها ... مهاة بهجل من أديم تعطف
شموس الصبا والأنس محفوظة الحشا ... قتول الهوى لو كانت الدار تسعف
كأن ثناياها العذاب وريقها ... ونشوة فيها خالطتهن قرقف
تهيم جليد القوم حتى كأنه ... دوى يئست منه العوائد مدنف
وليست بأدنى من صبير غمامة ... بنجد عليها لامع يتكشف
يشبهها الرائي المشبه بيضة ... غدا في الندى عنها الظليم الهجنف
بوعساء من ذات السلاسل يلتقي ... عليها من العلقى نبات مؤنف
وقالت لنا والعيس صعر من البرى ... وأخفافها بالجندل الصم تقذف
وهن جنوح مصغيات كأنما ... براهن من جذب الأزمة علف
حمدت لنا حتى تمناك بعضنا ... وأنت امرؤ يعروك حمد وتعرف
رفيع العلى في كل شرق ومغرب ... وقولك ذاك الآبد المتلقف
وفيك إذا لاقيتنا عجرفية ... مرارا وما نستيع من يتعجرف
تميل بك الدنيا ويغلبك الهوى ... كما مال خوار النقا المتقصف
ونلقى كأنا مغنم قد حويته ... وترغب عن جزل العطاء وتسرف
فموعدك الشط الذي بين أهلنا ... وأهلك حتى تسمع الديك يهتف
ويكفيك آثار لنا حين تلتقي ... ذيول نعفيها بهن ومطرف
ومسحب ربط فوق ذاك ويمنة ... تسوق الحصى منها حواش ورفرف
فنصبح لم يشعر بنا غير أننا ... على كل حال يحلفون ونحلف
وقالت لهم أم التي أدلجت بنا ... لهن على الإدلاج أنأى وأضعف
فقد جعلت آمال بعض بناتنا ... من الظلم إلا ما وقى الله تكشف
وما لجران العود ذنب ولا لنا ... ولكن جران العود مما نكلف
ولو شهدتنا أمها ليلة النقا ... وليلة رمح أزحفت حين تزحف
ذهبن بمسواكي وقد قلت قولة ... سيوجد هذا عندكن ويعرف
فلما علانا الليل أقبلت خيفة ... لموعدها أعلو الإكام وأظلف
إذا الجانب الوحشي خفنا من الردى ... وجانبي الأدنى من الخوف أحنف
فأقبلن يمشين الهوينا تهاديا ... قصار الخطى منهن داب ومزحف
كأن النميري الذي يتبعنه ... بدارة رمح ظالع الرجل أحنف

(1/41)


فلما هبطن السهل واحتلن حيلة ... ومن حيلة الإنسان ما يتخوف
حملن جران العود حتى وضعنه ... بعلياء في أرجائها الجن تعزف
فلا كفل إلا مثل كفل ركبته ... لخولة لولا وعدها ثم تخلف
فلما التقينا قلن أمسى مسلطا ... فلا يسرفن ذا الزائر المتلطف
وقلن تمتع ليلة الله هذه ... فإنك مرجوم غدا أو مسيف
وأحرزن مني كل حجزة مئزر ... لهن فطار النوفلي المزخرف
فبتنا قعودا والقلوب كأنها ... قطا شرع الأشراك مما تخوف
علينا الندى طورا وطورا يرشنا ... رذاذ سرى من آخر الليل أوطف
وبتنا كأنا بيتتنا لطيمة ... من المسك أو خوارة الريح قرقف
ينازعننا لذا رخيما كأنه ... عوائر من قطر حداهن صيف
رقيق الحواشي لو تسمع داهب ... ببطنان قولا مثله ظل يرجف
حديثا لو ان البقل يولى ببعضه ... نمى البقل واخضر العضاه المصنف
هو الخلد في الدنيا لمن يستطيعه ... وقتل لأصحاب الصبابة مذعف
ولما رأين الصبح بادرن ضوءه ... دبيب قطا البطحاء أو هن أقطف
وأدركن أعجازا من الليل بعدما ... أقام الصلاة العابد المتحنف
وما أبن حتى قلن يا ليت إننا ... تراب وليت الأرض بالناس تخسف
فإن ننج من هذي ولم يشعروا بنا ... فقد كان بعض الحين يدنو فيصرف
فأصبحن صرعى في الحجال وبيننا ... رماح العدى والجانب المتخوف
يبلغهن الحاج كل مكاتب ... طويل العصا أو مقعد يتزحف
ومكمونة رمداء لا يحذرونها ... مكاتبة ترمي الكلاب وتحذف
رأت ورقا بيضا فشدت حزيمها ... لها فهي أمضى من سليك وألطف
ولن يستهيم الخرد البيض كالدمى ... هدان ولا هلباجة الليل مقرف
ولا جبل ترعية أحبن النسا ... أغم القفا ضخم الهراوة أغضف
حليف لوطبي علبة بقرية ... عظيم سواد الشخص والعود أجوف
ولكن رفيق بالصبى متبطرق ... خفيف دفيف سابغ الذيل أهيف
قريب بعيد ساقط متهافت ... بكل غيور ذي فتاة مكلف
فتى الحي والأضياف إن نزلوا به ... حذور الضحى تلعابة متغطرف
يرى الليل في حاجاتهن غنيمة ... إذا نام عنهن الهدان المزيف
يلم كإلمام القطامي بالقطا ... وأسرع منه لمسة حين يخطف
فاصبح في حيث التقينا غدية ... سوار وخلخال وبرد مفوف
ومنقطعات من حجول تركتها ... كجمر الغضا في بعض ما يتخطرف
وأصبحت غريد الضحى قد ومقنني ... بشوق ولمات المحبين تشعف
وقال جران العود وتروى للقحيف الخفاجي وللحكم الحضري:
بان الأنيس فما للقلب معقول ... ولا على الجيرة الغادين تعويل
أيما هم فعداة ما نكلمهم ... وهي الصديق بها وجد وتخبيل
كأنني يوم حث الحاديان بها ... نحو الأواثة بالطاعون مثلول
يوم ارتحلت برحلي قل برذعتي ... والقلب مستوهل بالبين مشغول
ثم اغترزت على نضوي لأرفعه ... إثر الحمول الغوادي وهو معقول
فاستعجلت عبرة شعواء قحمها ... ماء ومال بها في جفنها الجول
فقلت ما لحمول الحي قد خفيت ... أكل طرفي أم غالتهم غول
يخفون طورا فأبكي ثم يرفعهم ... أل الضحى والهبلات المراسيل
تخدي بهم رجف الألحي ملينة ... أظلالهن لأيديهن تنعيل
وللحداة على آثارهم زجل ... وللسراب على الحزان تبغيل
حتى إذا حالت الشهلاء دونهم ... واستوقد الحر قالوا قولة قيلوا
واستقبلوا واديا جري الحمام به ... كأنه نوح أنباط مثاكيل

(1/42)


لم يبق من كبدي شيئا أعيش به ... طول الصبابة والبيض الهراكيل
من كل بداء في البردين يشغلها ... عن حاجة الحي علام وتحجيل
مما تجول وشاحاها إذا انصرفت ... ولا تحول بساقيها الخلاخيل
يستن أعداء متنيها ولبتها ... مرجل منهل بالمسك معلول
تمره عكف الأطراف ذا غدر ... كأنهن عناقيد القرى الميل
هيف المردى رداح في تأودها ... محطوطة المتن والأحشاء عطبول
كأن بين تراقيها ولبتها ... جمرا من نجوم الليل تفصيل
تشفي من السل والبرسام ريقتها ... سقم لمن أسقمت داء عقابيل
تشفي الصدا أينما مال الضجيع بها ... بعد الكرى ريقة وتقبيل
يصبو إليها ولو كانوا على عجل ... بالشعب من مكة الشيب المثاكيل
تسبي القلوب فمن زوارها دنف ... يعتد آخر دنياه ومقتول
كأن ضحكتها يوما إذا ابتسمت ... برق سحائبه غزر زهاليل
كأنه زهر جاء الجناة به ... مستطرف طيب الأرواح مطلول
كأنها حين ينضو النوم مفضلها ... سبيكة لم تخونها المثاقيل
أو مزنة كشفت عنها الصبار هجا ... حتى بدا ريق منها وتكليل
أو بيضة بين أجماد يقلبها ... بالمنكبين سخام الزف إجفيل
يخشى الندى فيوليها مقاتله ... حتى يوافي قرن الشمس ترجيل
أو نعجة من إراخ الرمل أخذلها ... عن ألفها واضح الخدين مكحول
بشقة من نقا العزاف يسكنها ... جن الصريمة والعين المطافيل
قالت لها النفس كوني عند مولده ... إن المسيكين إن جاوزت مأكول
فالقلب يعنى بروعات تفزعه ... واللحم من شدة الإشفاق مخلول
يعتاده بفؤاد غير مقتسم ... ودرة لم تخونها الأحاليل
حتى احتوى بكرها بالجو مطرد ... سمعمع أهرت الشدقين هذلول
شد المماضغ منه كل منصرف ... من جانبيه وفي الخرطوم تسهيل
لم يبق من زغب طار النسيل به ... على قرى ظهره إلا شماليل
كأن ما بين عينيه وزبرته ... من صبغه في دماء القوم منديل
كالرمح أرقل في الكفين واطردت ... منه القناة وفيها لهذم غول
يطوي المفاوز غيطانا ومنهله ... من قلة الحزن أحواض عداميل
لما دعا الدعوة الأولى فاسمعها ... ودونه شقة ميلان أو ميل
كاد اللعاع من الحواذن يشحطها ... ورجرج بين لحييها خناطيل
تذري الخزامى بأظلاف مخذرفة ... ووقعهن إذا وقعن تحليل
حتى أتت مربض المسكين تنحته ... وحوله قطع منها رعابيل
بحث الكعاب لقلب في ملاعبها ... وفي اليدين من الحناء تفصيل
وقال جران العود:
طربنا حين راجعنا ادكار ... وحاجات عرضن لنا كبار
لحقن بنا ونحن على ثميل ... كما لحقت بقائدها القطار
فرقرقت النطاف عيون صحبي ... قليلا ثم لج بها انحدار
فظات عين أجلدنا مروحا ... مراحا في عواقبه ابتدار
كشول في معينة مروح ... تشد على وهيتها المرار
وكنا جيرة بشعاب نجد ... فحق البين وانقطع الجوار
سما طرفي غداة أثيفيات ... وقد يهدي التشوق إذ غاروا
إلى ظعن لأخت بني غفار ... بكابة حيث زاحمها العفار
يرجحن الحمول مصعدات ... لعكاش وقد يئس القرار
ويممن الركاب بنات نعش ... وفينا عن مغاربها ازورار
نجوم يرعوين إلى نجوم ... كما فاءت إلى الربع الظؤار
فقلت وقل ذاك لهن مني ... سقى بلدا حللن به القطار
رأيت وصحبتي بخناصرات ... حمولا بعد ما متع النهار

(1/43)


يئين على الرحال وقد ترامت ... لأيدي العيس مهلكة قفار
كأن أواسط الأكوار فينا ... بنون لنا نلاعبهم صغار
فليس لنظرتي ذنب ولكن ... سقى أمثال نظرتي الدرار
يكاد القلب من طرب إليهم ... ومن طول الصبابة يستطار
يظل مجنب الكنفين تهفو ... هفو الصقر أمسكه الإسار
وفي الحي الذين رأيت خود ... شموس الأنس آنسة نوار
برود العارضين كأن فاها ... بعيد النوم عاتقة عقار
إذا انخضد الوساد بها فمالت ... مميلا فهو موت أو خطار
ترد بفترة عضديك عنها ... إذا اعتنقت ومال بها انهصار
يكاد البعل يشربها إذا ما ... تلقاه بنشوتها انبهار
شميما تنشر الأحشاء منه ... وحبا لا يباع ولا يعار
ترى منها ابن عمك حين يضحي ... نقي اللون ليس به غبار
كوقف العاج مس ذكي مسك ... يجيء به من اليمين التجار
إذا نادى المنادي بات يبكي ... حذار الصبح لو نفع الحذار
وود الليل زيد عليه ليل ... ولم يخل له أبدا نهار
يرد تنفس الصعداء حتى ... يكون مع الوتين له قرار
يكاد الموت يدركه إذا ما ... بدا الثديان وانقلب الإزار
كأن سبيكة صفراء شيفت ... عليها ثم ليث بها الخمار
يبيت ضجيعها بمكان دل ... وملح ما لدرته غرار
الرحال بن محدوج
وقال الرحال بن مجدوح النميري، يهجو امرأته مثلما هجا جران العود امرأته، وكانا صديقين، وليست من الألف المختارة:
أقول لأصحابي الرواح فقربوا ... جمالية وجناء توزع بالنقر
وقربن ذيالا كأن سراته ... سراة نقا العزاف لبده القطر
فقلن أرح لا تحبس القوم إنهم ... ثووا أشهرا قد طال ما قد ثوى السفر
فقامت بئيسا بعد ما طال نزرها ... كأن بها فترا وليس بها فتر
قطيع إذا قامت قطوف إذا مشت ... خطاها وإن لم تأل أدنى من الشبر
إذا نهضت من بيتها كان عقبة ... لها غول ما بين الرواقين والستر
فلا بارك الرحمن في عود أهلها ... عشية زفوها ولا فيك من بكر
ولا بارك الرحمن في الرقم فوقه ... ولا بارك الرحمن في القطف الحمر
ولا في حديث بينهن كأنه ... نئيم الوصايا حين غيبها الخدر
ولا جلوة منها يحلينني بها ... ألا ليتني غيبت قبلك في القبر
ولا في سقاط المسك تحت ثيابها ... ولا في القوارير الممسكة الخضر
ولا فرش ظوهرن من كل جانب ... كأني أكوى فوقهن من الجمر
ولا الزعفران حين شحنها به ... ولا الحلي منها حين نيط إلى النحر
ولا رقة الأثواب حين تلبست ... لنا في ثياب غير خشن ولا قطر
ولا عجز تحت الثياب نبيلة ... تدير لها العينين بالنظر الشزر
وجهزتها قبل المحاق بليلة ... فكان محاقا كله ذلك الشهر
وقد مر تجر فاشتروا لي بناءها ... وأثوابها لا بارك الله في التجر
ولا في إذ أحبو أباها وليدة ... كأني مسقي يعل من الخمر
وما غرني إلا خضاب بكفها ... وكحل بعينيها وأثوابها الصفر
وسالفة كالسيف زايل غمده ... وعين كعين الرئم في البلد القفر
وشبه قناة لدنة مستقيمة ... وذات ثنايا خالصات من الحبر
وإن جلست وسط النساء شهرنها ... وإن هي قامت فهي كاملة الشبر
فلما برزناها الثياب تبينت ... طماح غلام قد أجد به النقر
دعاني الهوى نحو الحجاز مصعدا ... وإني وإياها لمختلفا النجر
ألا ليتهم زفوا إلي مكانها ... شديد القصيرى ذا عرام من النمر

(1/44)


إذا شد لم ينكل وإن هم لم يهب ... جريء الوقاع لا يورعه الزجر
ألا ليت أن الذئب جلل درعها ... وإن كان ذا ناب حديد وذا ظفر
تقول لتربيها سرارا هديتما ... لعل الذي غنى به صاحبي مكر
فقلت لها كلا وما رقصت له ... مواشكة تنجو إذا قلق الضفر
أحبك ما غنت بواد حمامة ... مطوقة ورقاء في هدب خضر
لقد أصبح الرحال عنهن صادفا ... إلى يوم يلقى الله أو آخر العمر
عليكم بربات النمار فإنني ... رأيت صميم الموت في النقب الصفر
زهير بن جناب
وقال زهير بن جناب بن هبل أحد بني عبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف ابن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب:
أمن آل سلمى ذا الخيال المؤرق ... وقد يمق الطيف الطروب المشوق
وأنى اهتدت سلمى وسائل بيننا ... وما دونها من مهمه الأرض يخفق
فلم تر إلا هاجعا عند حرة ... على ظهرها كور عتيق ونمرق
فلما رأتني والطليح تبسمت ... كما انهل أعلى عارض يتألق
فحياك ود زودينا تحية ... لعل بها عان من الكبل يطلق
فردت سلاما ثم ولت بحلفة ... ونحن لعمري يا ابنة الخير أشوق
فيا طيب ماريا ويا حسن منظر ... لهوت به لو أن رؤياك تصدق
ويوما بابلي عرفت رسومها ... وقفت عليها والدموع ترقرق
فكادت تبين الوحي لما سألتها ... فتخبرنا لو كانت الدار تنطق
فيا رسم سلمى هجت للعين عبرة ... وحزنا سقاك الوابل المتبعق
ألم تذكري إذ عيشنا بك صالح ... وإذ أهلنا ود ولم يتفرقوا
ولما اعتليت الهم عديت جسرة ... زورة أسفار تخب وتعنق
جمالية أما السنام فسامك ... وأما مكان الردف منها فمحنق
شويفية النابين لم يغذ درها ... فصيلا ولم يحمل عليها موسق
إذا قلت عاج جلحت مشمعلة ... كما ارمد أدفي ذو جناحين نقنق
أبى قومنا أن يقبلوا الحق فانتهوا ... إليه وأنياب من الحرب تحرق
فجاءوا إلى رجراجة متمئرة ... يكاد المرني نحوها الطرف يصعق
دروع وأرماح بأيدي أعزة ... وموضونة مما أفاد محرق
وخيل جعلناها دخيل كرامة ... عقادا ليوم الحرب تحفى وتغبق
فما برحوا حتى تركنا رئيسهم ... تعفر فيه المضرحي المذلق
فكائن ترى من ماجد وابن ماجد ... به طعنة نجلاء للوجه تشهق
فلا غرو إلا يوم جاءت عطينة ... ليستلبوا نسوانها ثم يعنقوا
موالي يمين لا موالي عتاقة ... أشابة حي ليس فيهم موفق
عنترة
وقال عنترة بن عمرو بن شداد العبسي:
هل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم
يا دار عبلة بالجواء تكلمي ... وعمي صباحا دار عبلة واسلمي
فوقفت فيها ناقتي وكأنها ... فدن لأقضي حاجة المتلوم
وتحل عبلة بالجواء وأهلنا ... بالحزن فالصمان فالمتثلم
حييت من طلل تقادم عهده ... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم
حلت بأرض الزائرين فأصبحت ... عسرا علي طلابها ابنة مخرم
علقتها عرضا وأقتل قومها ... زعما لعمر أبيك ليس بمزعم
ولقد نزلت فلا تظني غيره ... مني بمنزلة المحب المكرم
كيف المزار وقد تربع أهلها ... بعنيزتين وأهلنا بالغيلم
إن كنت أزمعت الفراق فإنما ... زمت ركابكم بليل مظلم
ما راعني إلا حمولة أهلها ... وسط الديار تسف حب الخمخم
فيها اثنتان وأربعون حلوبة ... سودا كخافية الغراب الأسحم
إذ تستبيك بذي غروب واضح ... عذب مقبله لذيذ المطعم

(1/45)


وكأن فارة تاجر بقسيمة ... سبقت عوارضها إليك من الفم
أو روضة أنفا تضمن نبتها ... غيث قليل الدمن ليس بمعلم
جادت عليه كل بكر حرة ... فتركن كل قرارة كالدرهم
سحا وتسكابا فكل عشية ... يجري عليها الماء لم يتصرم
وخلا الذباب بها فليس ببارح ... غردا كفعل الشارب المترنم
غردا يحك ذراعه بذراعه ... قدح المكب على الزناد الأجذم
تمسي وتصبح فوق ظهر حشية ... وأبيت فوق سراة أدهم ملجم
وحشيتي سرج على عبل الشوى ... نهد مراكله نبيل المحزم
هل تبلغني دارها شدنية ... لعنت بمحروم الشراب مصرم
خطارة غب السرى زيافة ... تطس الإكام بوقع خف ميثم
وكأنما أقص الإكام عشية ... بقريب بين المنكبين مصلم
تأوي له قلص النعام كما أوت ... حزق يمانية لأعجم طمطم
يتبعن قلة رأسه وكأنه ... حرج على نعش لهن مخيم
صعل يعوذ بذي العشيرة بيضه ... كالعبد ذي الفرو الطوال الأصلم
شربت بماء الدحرضين فأصبحت ... زوراء تنفر عن حياض الديلم
وكأنما ينأى بجانب دفها ال ... وحشي من هزج العشي مؤوم
هر جنيب كلما عطفت له ... غضبى اتقاها باليدين وبالفم
بركت على جنب الرداع كأنما ... بركت على قصب أجش مهضم
وكأن ربا أو كحيلا معقدا ... حش الوقود به جوانب قمقم
ينباع من ذفرى غضوب حرة ... زيافة مثل الفنيق المكدم
إن تغدفي دوني القناع فإنني ... طب بأخذ الفارس المستلئم
أثني علي بما علمت فإنني ... سمح مخالقتي إذا لم أظلم
فإذا ظلمت فإن ظلمي باسل ... مر مذاقته كطعم العلقم
ولقد شربت من المدامة بعدما ... ركد الهواجر بالمشوف المعلم
بزجاجة صفراء ذات أسرة ... قرنت بأزهر في الشمال مفدم
فإذا شربت فإنني مستهلك ... مالي وعرضي وافر لم يكلم
وإذا صحوت فما أقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلي وتكرمي
وحليل غانية تركت مجدلا ... تمكو فرائصه كشدق الأعلم
سبقت يداي له بعاجل طعنة ... ورشاش نافذة كلون العندم
هلا سألت القوم يا ابنة مالك ... إن كنت جاهلة بما لم تعلمي
إذ لا أزال على رحالة سابح ... نهد تعاوره الكماة مكلم
طورا يعرض للطعان وتارة ... يأوي إلى حصد القسي عرمرم
يخبرك من شهد الوقيعة أنني ... أغشى الوغى وأعف عند المغنم
ومدجج كره الكماة نزاله ... لا ممعن هربا ولا مستسلم
لما رآني قد نزلت أريده ... أبدى نواجذه لغير تبسم
جادت يداي له بعاجل طعنة ... بمثقف صدق الكعوب مقوم
فشككت بالرمح الأصم ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرم
ومشك سابغة هتكت فروجها ... بالسيف عن حامي الحقيقة معلم
ربذ يدله بالقداح إذا شتا ... هتاك رايات التجار ملوم
فطعنته بالرمح ثم علوته ... بمهند صافي الحديدة مخذم
فتركته جزر السباع ينشنه ... يقضمن قلة رأسه والمعصم
عهدي به مد النهار كأنما ... خضب البنان ورأسه بالعظلم
بطل كأن ثيابه في سرحة ... يحذى نعال السبت ليس بتوأم
يا شاة ما قنص لمن حلت له ... حرمت علي وليتها لم تحرم
فبعثت جاريتي فقلت لها اذهبي ... فتحسسي أخبارها لي واعلمي
قالت رأيت من الأعادي غرة ... والشاة ممكنة لمن هو مرتمي
فكأنما التفتت بجيد جداية ... رشاء من الغزلان حر أرثم

(1/46)


نبئت عمرا غير شاكر نعمتي ... والكفر مخبثة لنفس المنعم
ولقد حفظت وصاة عمي بالضحى ... إذ تقلص الشفتان عن وضح الفم
في حومة الموت التي لا تشتكي ... غمراتها الأبطال غير تغمغم
إذ يتقون بي الأسنة لم أخم ... عنها ولكني تضايق مقدمي
لما رأيت القوم أقبل جمعهم ... يتذامرون كررت غير مذمم
يدعون عنتر والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبان الأدهم
فازور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إلي بعبرة وتحمحم
لو كان يدري ما المخاطبة اشتكى ... ولكان لو علم الكلام مكلمي
ما زلت أرميهم بثغرة نحره ... ولبانه حتى تسربل بالدم
ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قيل الفوارس ويك عنتر أقدم
والخيل تقتحم الخبار عوابسا ... ما بين شيظمة وأجرد شيظم
ذلل ركابي حيث شئت مشايعي ... لبي وأحفزه بأمر مبرم
ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر ... في الحرب دائرة على ابني ضمضم
الشاتمي عرضي ولم أشتمها ... والناذرين إذا لم ألقهما دمي
إن يفعلا فلقد تركت أباهما ... جزر السباع وكل نسر قشعم
وقال عنترة:
طال الوقوف على رسوم المنزل ... بين اللكيك وبين ذات الحرمل
فوقفت في عرصاتها متحيرا ... أسل الديار كفعل من لم يذهل
أفمن بكاء حمامة في أيكة ... ذرفت دموعك فوق ظهر المحمل
لما سمعت نداء مرة قد علا ... ومحلم ينعون رهط الأخيل
ناديت عبسا فاستجابوا بالقنا ... وبكل أبيض صارم لم يفلل
حتى استبحنا آل عوف غارة ... بالمشرفي وبالوشيج الذبل
إني امرؤ من خير عبس منصبا ... شطري وأحمي سائري بالمنصل
وإذا الكتيبة أحجمت وتلاحمت ... ألفيت حسبك من معم مخول
والخيل تعلم والفوارس أنني ... فرقت جمعهم بطعنة فيصل
إذ لا أبادر في المضيق فوارسي ... ولا أوكل بالرعيل الأول
إن يلحقوا كروا وإن يستلحموا ... شدو وإن يلفوا بضنك أنزل
عند النزول تكون غاية مثلنا ... ويفر كل مضلل مستوهل
ولقد أبيت على الطوى وأظله ... حتى أنال به كريم المأكل
بكرت تخوفني الحتوف كأنني ... أصبحت عن عرض الحتوف بمعزل
فأجبتها إن المنية منهل ... لا بد أن أسقى بذاك المنهل
فاقني حياءك لا أبالك فاعلمي ... إني امرؤ سأموت إن لم أقتل
إن المنية لو تمثل مثلت ... مثلي إذا نزلوا بضنك المنزل
والخيل ساهمة الوجوه كأنما ... تسقى فوارسها نقيع الحنظل
وقال عنترة:
نأتك رقاش إلا عن لمام ... وأمسى حبلها خلق الرمام
وما ذكري رقاش وقد أبنت ... رحى الأدمات عند ابني شمام
ومسكن أهلنا من نخل جزع ... تبيض به مصائيف الحمام
وقفت وصحبتي بثعيلبات ... على أقتاد عوج كالسمام
فقلت تبينوا ظعنا سراعا ... تأم شواحطا ملث الظلام
لقد منتك نفسك يوم قو ... أحاديث الفؤاد المستهام
فقد كذبتك نفسك فاصدقنها ... بما منتك تغريرا قطام
ومرقصة رددت الخيل عنها ... وقد همت بإلقاء الزمام
فقلت لها اقصري منه وسيري ... وقد علق الرجائز بالخدام
وخيل تحمل الأبطال شعث ... غداة الروع أمثال الزلام
عناجيح تخب على وجاها ... تثير النقع بالموت الزؤام
إلى خيل مسومة عليها ... حماة الروع في رهج القتام
بأيديهم مهندة وسمر ... كأن ظباتها شعل الضرام
فجاؤوا عارضا بردا وجئنا ... حريقا في غريف ذي اضطرام

(1/47)


وأسكت كل صوت غير ضرب ... وعترسة ومرمي ورام
وزعت رعيلها بالرمح شزرا ... على ربذ كسرحان الظلام
أكر عليهم مهري كليما ... قلائده سبائب كالقرام
إذا شكت بنافذة يداه ... تواردها منازيع السهام
تقدم وهو مصطبر مصر ... بقارحه على فاس اللجام
يقدمه فتى من آل قيس ... أبوه وأمه من آل حام
عجوز من بني حام بن نوح ... كأن جبينها حجر المقام
وقرن قد تركت لدى مكر ... صريعا بين أصداء وهام
تركت الطير عاكفة عليه ... كما تردي إلى العرسات آم
تبيت نساؤه عجلا عليه ... يراوحن التفجع بالندام
وقال عنترة في إغارته علي بني ضبة:
عفا الرسوم وباقي الأطلال ... ريح الصبا وتجرم الأحوال
لعبت بعافيها وأخلق رسمها ... ووكيف كل مجلجل هطال
كانت بنو هند فشط مزارها ... وتبدلت خيطا من الآجال
فلئن صرمت الحبل يا ابنة مالك ... وسمعت في مقالة العذال
فلعمر جدك إنني لمشايعي ... لبي وإني للملوك لقالي
وسلي لكيما تخبري بفعالنا ... عند الوغى ومواقف الأهوال
والخيل تعثر بالقنا في جاحم ... تهفو به ويجلن كل مجال
وأنا المجرب في المواطن كلها ... من آل عبس منصبي وفعالي
منهم أبي حقا فهم لي والد ... والأم من حام فهم أخوالي
وأنا المنية حين تشتجر القنا ... والطعن مني سابق الآجال
ولرب قرن قد تركت مجدلا ... بلبانه كنواضح الجريال
تنتابه طلس السباع مغادرا ... في قفرة متمزق الأوصال
أوجرته لدن المهزة ذابلا ... مرنت عليه أشاجعي وخصالي
ولرب خيل قد وزعت رعيلها ... بأقب لا ضغن ولا مجفال
ومسربل حلق الحديد مدجج ... كالليث بين عرينة الأشبال
غادرته للجنب غير موسد ... متثني الأوصال عند مجال
ولرب شرب قد صبحت مدامة ... ليسوا بأنكاس ولا أوغال
وكواعب مثل الدمى أصبيتها ... ينظرن في خفر وحسن دلال
وسلي بنا عكا وخثعم تخبري ... وسلي الملوك وطيئ الأجيال
أو آل ضبة بالشباك إذ أسلمت ... بكر حلائلها ورهط عقال
وبني صباح قد تركنا منهم ... جزرا بذات الرمث فوق أثال
زيدا وسودا والمقطع أقصدت ... أرماحنا ومجاشع بن حلال
رعناهم بالخيل تردي بالقنا ... وبكل أبيض صارم قصال
يوم الشباك فأسلموا أبناءهم ... ونواعما كالربرب الأطفال
من مثل قومي حين تختلف القنا ... وإذا تزول مقادم الأبطال
ففدى لقومي عند كل عظيمة ... نفسي وراحلتي وسائر مالي
قومي الصمام لمن أرادوا ضيمهم ... والقاهرون لكل أغلب خالي
والمطعمون وما عليهم نعمة ... والأكرمون أبا ومحتد خالي
نحن الحصى عددا وسطنا قومنا ... ورجالنا في الحرب غير رجال
منا المعين على الندى بفعاله ... والبذل في اللزبات بالأموال
إنا إذا حمس الوغى نروي القنا ... ونعف عند مقاسم الأنفال
نأتي الصريخ على جياد ضمر ... قب البطون كأنهن مغال
من كل شوهاء اليدين طمرة ... ومقلص عبل الشوى ذيال
زايلوا لا تأسين على خليط زالوا ... بعد الألى قتلوا بذي أخثال
كانوا يشبون الحروب إذا خبت ... قدما بكل مهند قصال
وبكل محبوك السراة مقلص ... تنمي مناسبه لذي العقال
ومعاود التكرار طال مضيه ... طعنا بكل مثقف عسال
من كل أروع للكماة منازل ... ناج من الغمرات كالرئبال

(1/48)


يعطي المئين إلى المئين مرزأ ... حمال مفظعة من الأثقال
وإذا الأمور تخولت ألفيتهم ... عصم الهوالك ساعة الزلزال
وهم الحماة إذا النساء تحسرت ... يوم الحفاظ وكان يوم نزال
يقصون ذا الأنف الحمي وفيهم ... حلم وليس حرامهم بحلال
والمطعمون إذا السنون تتابعت ... محلا وضن سحابها بسجال
وقال عنترة أيضا:
يا عبل أين من المنية مهربي ... إن كان ربي في السماء قضاها
وكتيبة لبستها بكتيبة ... شهباء باسلة يخاف رداها
خرساء ظاهرة الأداة كأنها ... نار يشب سعيرها بلظاها
فيها الكماة بنو الكماة كأنهم ... والخيل تعثر في الوغى بقناها
شهب بأيدي القابسين إذا بدت ... بأكفهم بهر الظلام سناها
من كل أروع ماجد ذي مرة ... مرس إذا لحقت خصى بكلاها
وصحابة شم الأنوف بعثتهم ... ليلا وقد مال الكرى بطلاها
فسريت في وقب الظلام أقودهم ... حتى رأيت الشمس زال ضحاها
فلقيت في قبل الهجر كتيبة ... فطعنت أول فارس أولاها
وضربت قرني كبشها فتجدلا ... وحملت مهري وسطها فمضاها
حتى رأيت الخيل بعد سوادها ... كمت الجلود خضبن من جرحاها
يعثرن في علق النجيع جوافلا ... ويطأن من حمس الوغى صرعاها
فرجعت محمودا برأس عظيمها ... وتركتها جزرا لمن ناواها
ما سمت أنثى نفسها في موطن ... حتى أوفي مهرها مولاها
ولا رزأت أخا حفاظ سلعة ... إلا له عندي بها مثلاها
وأغض طرفي إن بدت لي جارتي ... حتى يواري جارتي مأواها
إني امرؤ سمح الخليفة ماجد ... لا أتبع النفس اللجوج هواها
ولئن سألت بذاك عبلة أخبرت ... أن لا أريد من النساء سواها
الحارث بن حلزة
وقال الحارث بن حلزة اليشكري:
آذنتنا ببينها أسماء ... رب ثاو يمل منه الثواء
بعد عهد لها ببرقة شماء ... فأدنى ديارها الخلصاء
فالمحياة فالصفاح فأعلى ... ذي فتاق فعاذب فالوفاء
فرياض القطا فأودية الشر ... بب فالشعبتان فالأبلاء
لا أرى من عهدت فيها فأبكي ... اليوم دلها وما يرد البكاء
وبعينيك أوقدت هند النا ... ر أخيرا تلوي بها العلياء
فتنورت نارها من بعيد ... بخزاز هيهات منك الصلاء
أوقدتها بين العقيق فشخصين ... بعود فما يلوح الضياء
غير أني قد أستعين على اله ... م إذا خف بالثوي النجاء
بزفوف كأنها هقلة أم ... رئال دوية سقفاء
آنست نبأة وأعجلها القناص ... عصرا وقد دنا الإمساء
فترى خلفها ومن الرجع والو ... قع منينا كأنه أهباء
وطراقا من خلفهن طراق ... ساقطات أودت بها الصحراء
أتلهى بها الهواجر إذ كل ... ابن هم بلية عمياء
وأتانا من الحوادث والأنباء ... خطب نعنى به ونساء
أن إخواننا الأراقم يغلون ... علينا في قولهم أحفاء
يخلطون البريء منا بذي الذ ... نب ولا ينقع الخلي الخلاء
فاتركوا الطيخ والضلال وإما ... تتعاشوا ففي التعاشي الداء
واذكروا حلف ذي المجازي وما ... قدم فيه العهود والكفلاء
حذر الريب والتعدي ولا ... ينقض ما في المهارق الأهواء
واعلموا أننا وإياكم فيها ... اشترطنا يوم اختلفنا سواء
أعلينا جناح كندة أن يغ ... نم غازيهم ومنا الجزاء
أم علينا جرى حنيفة أو ما ... جمعت من محارب غبراء
عننا باطلا وظلما كما ... قيل لطسم أبوكم الأباء
زعموا أن كل من ضرب ... العير موال لنا وإنا الولاء

(1/49)


أم جنايا بني عتيق فمن يغدر ... فإنا من حربهم لبراء
أم علينا جرا أياد كما ... نيط بجوز المحمل الأعباء
أم علينا جرى العباد كما ... يعتر عن حجرة الرميض الظباء
أم علينا جرى قضاعة أم لي ... س علينا فيما جنوا أنداء
ليس منا المضربون ولا ... قيس ولا جندل ولا الحداء
وثمانون من تميم بأيديهم ... رماح صدورهن القضاء
لم يحلو بني رذاح ببرقاء ... نطاع لهم عليهم دعاء
تركوهم مجلسين وآبوا ... بنهاب يصم منه الحداء
وأتوهم يسترجعون فلم ... ترجع لهم شامة ولا زهراء
ثم فاؤوا منهم بقاصمة الظ ... هر ولا يبرد الغليل الماء
ثم خيل بعد ذاك مع الغ ... لاق لا رأفة ولا إبقاء
ومع الجون جون بني أو ... س عنود كأنها دفواء
أجمعوا أمرهم عشاء فلما ... أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء
من صريخ ومن مجيب ومن ... تصهال خيل خلال ذاك رغاء
أينما تلق تغلبيا فمطلول ... عليه إذا أصيب العفاء
أيما خصلة أردتم فأدوها ... إلينا يسعى بها الأملاء
انقشوا ما لدا مليحة فالصا ... قب فيه الأموات والأحياء
أو نقشتم فالنقش يجشمه القو ... م وفيه الأسقام والإبراء
أو سألتم عنا فكنا جميعا ... مثل عين في جفنها أقذاء
أو منعتم ما تسئلون فمن حد ... ثتموه له علينا العلاء
هل أتاكم أيام يتنهب النا ... س غوارا لكل حي عواء
إذا رفعنا الجمال من سعف البحر ... ين سيرا حتى نهانا الحساء
فهزمنا جمع ابن أم قطام ... وله فارسية خضراء
ثم ملنا على تميم فأحرمنا ... وفينا من كل قوم إماء
لا يقيم العزيز بالبلد السهل ... ولا ينفع الذليل النجاء
ليس ينجي الذي يوائل منا ... رأس طود وحرة رجلاء
فملكنا بذلك الناس حتى ... ملك المنذر بن ماء السماء
ملك أضلع البرية لا يوجد ... يوما فيما لديه كفاء
كتكاليف قومنا إذ غزا المنذر ... هل نحن لابن هند رعاء
إذ أحل العزاء قبة ميسون ... فأدنى ديارها العوصاء
فتأوت له قراضبة من ... كل حي كأنهم ألقاء
فهداهم بالأسودين وأمر الله ... بلغ تشقى به الأشقياء
إذ تمنونهم غرورا فساقتكم ... إليهم أمنية أشراء
لم يغروكم غرورا ولكن ... يرفع الآل حزمهم والضحاء
أيها الناطق المرقش عنا ... عند عمرو ما إن له إبقاء
لا تخلنا على غراتك إنا ... طال ما قد وشى بنا الأعداء
فبقينا على الشناءة تبنيها ... حصون وعزة قعساء
قبل ما اليوم بيضت بعيون ... الناس فيها تغيظ وإباء
فكأن المنون تردي بنا أع ... صم صم ينجاب عنه العماء
مكفهرا على الحوادث لا تر ... توه للدهر مؤيد صماء
إن عمرا لنا لديه خلالا ... غير شك في كلهن البلاء
ملكنا وابننا وأفضل من نم ... شي ومن دون ما لديه الثناء
إرمي بمثله جالت الجن ... فآبت لخصمها الإجلاء
أينما شرقت شقيقة إذ جا ... ءت معد لكل قوم لواء
حول قيس مستلئمين بكبش ... قرظي كأنه عبلاء
وصتيت من العواتك لا تن ... هاه إلا مبيضة رعلاء
فحملناهم على حزم ثهلا ... ن شلالا ودمي الأنساء
وجبهناهم بطعن كما تنهز ... في جمة الطوي الدلاء
وثنيناهم بضرب كما يخر ... ج من خربة المزاد الماء
وفعلنا بهم كما قدر الله ... وما إن للخائنين بقاء

(1/50)


ما جزعنا تحت العجاجة إذ و ... لوا شلالا وإذ تلظى الصلاء
وفككنا غل امرئ القيس عنه ... بعدما طال حبسه والعناء
وأقدناه رب غسان بالم ... نذر كرها إذ لا تكال الدماء
وأتيناهم بتسعة أملاك ... كرام أسلابهم أغلاء
وولدنا عمرو بن أم أناس ... من قريب لما أتانا الحباء
مثلها يخرج النصيحة للقو ... م فلاة من دونها أفلاء
فهو الرب والشهيد على يو ... م الحيارين والبلاء بلاء
وقال الحارث بن حلزة أيضا وهي مفضلية:
لمن الديار عفون بالحبس ... آياتها كمهارق الفرس
لا شيء فيها غير أصورة ... سفع الخدود يلحن في الشمس
أو غير آثار الجياد بأع ... راض الجماد وآية الدعس
فحبست فيها الركب أحدس في ... بعض الأمور وكنت ذا حدس
حتى إذا التفع الظباء بأط ... راف الظلال وقلن في الكنس
ويئست مما قد شغفت به ... منها ولا يسليك كاليأس
أنمي إلى حرف مذكرة ... تهص الحصى بمواقع خنس
خذم نقائلها يطرن كأق ... طاع الفراء بصحصح شأس
أفلا تعديها إلى ملك ... شهم المقادة ماجد النفس
وإلى ابن مارية الجواد وهل ... شروى أبي حسان في الإنس
يحبوك بالزغف الفيوض على ... هميانها والدهم كالغرس
وبالسبيك الصفر يضعفها ... وبالبغايا البيض واللعس
لا ترتجي للمال يهلكه ... سعد السعود إليه كالنحس
فله هنالك لا عليه إذا ... دنعت أنوف القوم للتعس
عمرو بن كلثوم
وقال عمرو بن كلثوم التغلبي، وليس في ديوانه سواها إلا قطيعتان من الشعر:
ألا هبي بصحنك فاصبحينا ... ولا تبقي خمور الأندرينا
مشعشعة كأن الحص فيها ... إذا ما الماء خالطها سخينا
تجور بذي اللبانة عن هواه ... إذا ما ذاقها حتى يلينا
ترى الرجل الشحيح إذا أمرت ... عليه لماله فيها مهينا
وإنا سوف تدركنا المنايا ... مقدرة لنا ومقدرينا
قفي قبل التفرق يا ظعينا ... نخبرك اليقين وتخبرينا
بيوم كريهة ضربا وطعنا ... أقر به مواليك العيونا
قفي نسألك هل أحدثت صرما ... لوشك البين أم خنت الأمينا
تريك إذا دخلت على خلاء ... وقد أمنت عيون الكاشحينا
ذراعي عيطل أدماء بكر ... تربعت الأجارع والمتونا
وثديا مثل حق العاج رخصا ... حصانا من أكف اللامسينا
ومتني لدنة طالت ولانت ... روادفها تنوء بما يلينا
وراجعت الصبى واشتقت لما ... رأيت جمالها أصلا حدينا
وأعرضت اليمامة واشمخرت ... كأسياف بأيدي مصلتينا
وإن غدا وإن اليوم رهن ... وبعد غد بما لا تعلمينا
فما وجدت كوجدي أم سقب ... أضلته فرجعت الحنينا
ولا شمطاء لم يترك شقاها ... لها من تسعة إلا جنينا
أبا هند فلا تعجل علينا ... وأمهلنا نخبرك اليقينا
بأنا نورد الرايات بيضا ... ونصدرهن حمرا قد روينا
وأيام لنا ولهم طوال ... عصينا الملك فيها أن ندينا
وسيد معشر قد توجوه ... بتاج الملك يحمي المحجرينا
تركنا الخيل عاكفة عليه ... مقلدة أعنتها صفونا
وقد هرت كلاب الحي منا ... وشذبنا قتادة من يلينا
متى ننقل إلى قوم رحانا ... يكونوا في اللقاء لها طحينا
يكون ثقالها شرقي نجد ... ولهوتها قضاعة أجمعينا
وإن الضعن بعد الضعن يبدو ... ويظهر دابنا داء دفينا
ورثنا المجد قد علمت معد ... نطاعن دونه حتى يبينا
ونحن إذا عماد الحي خرت ... على الأحفاض نمنع من يلينا

(1/51)


ندافع عنهم الأعداء قدما ... ونحمل عنهم ما حملونا
نطاعن ما تراخى الناس عنا ... ونضرب بالسيوف إذا غشينا
بسمر من قنا الخطي سمر ... ذوابل أو ببيض يعتلينا
نشق بها رؤوس القوم شقا ... ونخليها الرقاب فيختلينا
تخال جماجم الأبطال فينا ... وسوقا بالأماعز يرتمينا
نجز رؤوسهم في غير بر ... فما يدرون ماذا يتقونا
كأن سيوفنا منا ومنهم ... مخاريق بأيدي لاعبينا
كأن ثيابنا منا ومنهم ... خضبن بأرجوان أو طلينا
إذا ما عي بالأسناف حي ... من الهول المشبه أن يكونا
نصبنا مثل رهوة ذات حد ... محافظة وكنا السابقينا
بفتيان يرون القتل مجدا ... وبيض في الحروب مجربينا
حديا الناس كلهم جميعا ... مقارعة بينهم عن بنينا
فأما يوم خشيتنا عليهم ... فتصبح خيلنا عصبا ثبينا
وأما يوم لا نخشى عليهم ... فنمعن غارة متلببينا
برأس من بني جشم بن بكر ... ندق به السهولة والحزونا
بأي مشيئة عمرو بن هند ... تطيع بنا الوشاة وتزدرينا
بأي مشيئة عمرو بن هند ... نكون لخلفكم فيها قطينا
تهددنا وأوعدنا رويدا ... متى كنا لأمك مقتوينا
فإن قناتنا يا عمرو أعيتت ... على الأعداء قبلك أن تلينا
إذا عض الثقاف بها اشمأزت ... وولتهم عشوزنة زبونا
عشوزنة إذا انقلبت أرنت ... تدق قفا المثقف والجبينا
فهل حدثت في جشم بن بكر ... بنقص في خطوب الأولينا
ورثنا مجد علقمة بن سيف ... أباح لنا حصون المجد دينا
ورثت مهلهلا والخير منهم ... زهيرا نعم ذخر الذاخرينا
وعتابا وكلثوما جميعا ... بهم نلنا تراث الأكرمينا
وذا البرة الذي حدثت عنه ... به نحمى ونحمي المحجرينا
ومنا قبلة الساعي كليب ... فأي المجد إلا قد ولينا
متى تعقد قرينتنا بحبل ... نجذ الحبل أو نقص القرينا
ونوجد نحن أمنعهم ذمارا ... وأوفاهم إذا عقدوا يمينا
ونحن غداة أوقد في خزازى ... رفدنا فوق رفد الرافدينا
ونحن الحابسون بذي أراطى ... تسف الجلة الخور الدرينا
ونحن الحاكمون إذا منعنا ... ونحن الآخذون لما هوينا
وكنا الأيمنين إذا التقينا ... وكان الأيسرين بنوا أبينا
فصالوا صولة فيمن يليهم ... وصلنا صولة فيمن يلينا
فآبوا بالنهاب وبالسبايا ... وأبنا بالملوك مصفدينا
إليكم يا بني بكر إليكم ... ألما تعلموا منا اليقينا
علينا البيض واليلب اليماني ... وأسياف يقمن وينحنينا
علينا كل سابغة دلاص ... ترى تحت النجاد لها غضونا
إذا وضعت عن الأبطال يوما ... رأيت لها جلود القوم جونا
كأن غصونهن متون غدر ... تصفقها الرياح إذا جرينا
وتحملنا غداة الروع جرد ... عرفن لها نقائذ وافتلينا
ورثناهن عن آباء صدق ... نورثها إذا متنا بنينا
وقد علم القبائل من معد ... إذا قبب بأبطحها بنينا
بأنا المطعمون إذا قدرنا ... وأنا المهلكون إذا أتينا
وأنا الشاربون الماء صفوا ... ويشرب غيرنا كدرا وطينا
وأنا المانعون لما يلينا ... إذا ما البيض قابلت الجفونا
ألا أبلغ بني الطماح عنا ... ودعميا فكيف وجدتمونا
نزلتم منزل الأضياف منا ... فعجلنا القرى أن تشتمونا
قريناكم فعجلنا قراكم ... قبيل الصبح مرادة طحونا
على آثارنا بيض كرام ... نحاذر أن تقسم أو تهونا

(1/52)


ظعائن من بني جشم بن بكر ... خلطن بميسم حسبا ودينا
أخذن على بعولتهن عهدا ... إذا لاقوا فوارس معلمينا
ليستلبن أبدانا وبيضا ... وأسرى في الحديد مقرنينا
إذا ما رحن يمشين الهوينا ... كما اضطربت متون الشاربينا
يقتن جيادنا ويقلن لستم ... بعولتنا إذا لم تمنعونا
إذا لم نحمهن فلا بقينا ... لشيء بعدهن ولا حيينا
وما منع الظعائن مثل ضرب ... ترى منه السواعد كالقلينا
إذا ما الملك رام الناس خسفا ... أبينا أن نقر الخسف فينا
ملأنا البر حتى ضاق عنا ... وبحر الأرض نملؤه سفينا
لنا الدنيا وما أضحى عليها ... ونبطش حين نبطش قادرينا
بغاة ظالمين وما ظلمنا ... ولكنا سنبدأ ظالمينا
إذا بلغ الرضيع لنا فطاما ... تخر له الجبابر ساجدينا
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
الحصين بن حمام
وقال الحصين بن الحمام، وهي مفضلية، وقرأتها على شيخي ابن الخشاب حفظا:
جزى الله أفناء العشيرة كلها ... بدارة موضوع عقوقا ومأثما
بني عمنا الأدنين منهم ورهطنا ... فزارة إذ رامت بنا الحرب معظما
موالينا مولى الولادة منهم ... ومولى اليمين حابسا متقسما
ولما رأيت الصبر قد حال دونه ... وإن كان يوما كواكب مظلما
صبرنا وكان الصبر منا سجية ... بأسيافنا يقطعن كفا ومعصما
نفلق هاما من رجال أعزة ... علينا وهم كانوا أعق وأظلما
فليت أبا شبل رأى كر خيلنا ... وخيلهم بين الستار وأظلما
نطاردهم نستنقذ الجرد منهم ... ويستنقذون السمهري المقوما
عشية لا تغني الرماح مكانها ... ولا النبل إلا المشرقي المصمما
لدن غدوة حتى أتى الليل ما ترى ... من الخيل إلا خارجيا مسوما
وأجرد كالسرحام يضربه الندى ... ومحبوكة كالسيد شقاء صلدما
يطأن من القتلى ومن قصد القنا ... خبارا فما يجرين إلا تجشما
عليهن فتيان كساهم محرق ... وكان إذا يكسو أجاد وأكرما
صفائح بصرى أخلصتها قيونها ... ومطردا من نسج داود مبهما
يهزون سمرا من رماح ردينة ... إذا حركت بضت عواملها دما
أثعلب لو كنتم موالي مثلها ... إذا لمنعنا حوضكم أن يهدما
ولولا رجال من رزام بن مالك ... وآل سبيع أو أسوءك علقما
وحتى تروا قوما ما تضب لثاتهم ... يهزون أرماحا وجيشا عرمرما
ولا غرو إلا الخضر خضر محارب ... يمشون حولي حاسرا وملأما
وجاءت جحاش قضها بقضيضها ... وجمع عوال ما أدق وألأما
وهاربة البقعاء أصبح جمعها ... أمام جموع الناس جمعا عرمرما
بمعترك ضنك به قصد النقا ... صبرنا له قد بل أفراسنا دما
وقلت لهم يا آل ذبيان ما لكم ... تفاقدتم لا تقدمون مقدما
أما تعلمون يوم حلف عرينة ... وحلف بصحراء الشطون ومقسما
وأبلغ أنيسا سيد الحي أنه ... يسوس أمورا غيرها كان أحزما
فإنك لو فارقتنا قبل هذه ... إذن لبعثنا فوق قبرك مأتما
وأبلغ تليدا إن عرضت ابن مالك ... وهل ينفعن العلم إلا المعلما
أقيمي عليك عبد عمرو وشايعي ... على كل ماء وسط ذبيان خيما
وعوذي بأفناء العشيرة إنما ... يعوذ الذليل بالعزيز ليعصما
جزى الله عنا عبد عمرو ملامة ... وعدوان سهم ما أدق وألأما
وحي مناف قد رأينا مكانهم ... وقران إذا أجرى إلينا وألجما
وآل لقيط إنني لو أسوؤهم ... إذا لكسوت العم بردا مسهما

(1/53)


وقالوا تبين هل ترى بين واسط ... ونهي أكف صارخا أعجما
فألحقن أقواما لئاما بأصلهم ... وشيدن أحسابا وفاجأن مغنما
وأنجين من أبقين منا بخطة ... من العذر لم يدنس وإن كان مؤلما
أبى لابن سلمى أنه غير خالد ... ملاقي المنايا أي صرف تيمما
فلست بمبتاع الحياة بذلة ... ولا مرتق من خشية البين سلما
ولكن خذوني أي يوم قدرتم ... علي فحزوا الرأس أن أتكلما
بآية أني قد فجعت بفارس ... إذا عرد الأقوام أقدم معلما
عبيد بن الأبرص
وقال عبيد بن الأبرص بن عوف بن جشم بن عامر بن مر بن مالك بن الحارث ابن سعد بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة:
أمن منزل عاف ومن رسم أطلال ... بكيت وهل يبكي من الشوق أمثالي
ديارهم إذ هم جميع فأصبحت ... بسابس إلا الوحش في البلد الخالي
فإن تك غبراء الجنينة أصبحت ... خلت منهم واستبدلت غير أبدال
بما قد أرى الحي الجميع بغبطة ... بها والليالي لا تدوم على حال
قليلا بها الأصوات إلا عوارفا ... وإلا عرارا من غياهب آجال
أبعد بني عمي ورهطي وأخوتي ... أرجي ليان العيش ضلا بتضلال
فلست وإن أضحوا مضوا لسبيلهم ... بناسيهم طول الحياة ولا سال
ألا تقفان اليوم قبل تفرق ... ونأي بعيد واختلاف وأشغال
إلى ظعن يسلكن بين تبالة ... وبين أعالي الخل لاحقة التالي
فلما رأيت الحاديين تكشما ... ندمت على أن يذهبا ناعمي بال
رفعنا عليهن السياط فقلصت ... بنا كل فتلاء الذراعين مرقال
خلوج برجليها كأن فروجها ... فيافي سهوب حين يحتث في الآل
فألحقنا بالقوم كل دفقة ... مصدرة بالرحل وجناء شملال
فأبنا ونازعن الحديث أوانسا ... عليهن جيشانية ذات أغيال
فملن إلينا بالسوالف وانتحى ... بنا القول فيما يشتهي المرح الخالي
كأن صبا جاءت بريح لطيمة ... من المسك لا تسطاع بالثمن الغالي
وريح الخزامى في مذانب روضة ... جلا دمنها سار من المزن هطال
وقال عبيد أيضا:
تغيرت الديار بذي الدفين ... فأودية اللوى فرمال لين
فخرجا ذروة فلوى ذيال ... يعفي أيه مر السنين
تبين صاحبي أترى حمولا ... يشبه سيرها عوم السفين
جعلن الفج من ركك شمالا ... ونكبن الطوي عن اليمين
ألا عتبت علي اليوم عرسي ... وقد هبت بليل تشتكيني
فقالت لي كبرت فقلت حقا ... لقد أخلفت حينا بعد حين
تريني آية الإعراض عنها ... وقطت في المقالة بعد لين
وحطت حاجبيها أن رأتني ... كبرت وأن قد ابيضت قروني
فقلت لها رويدك بعض عتبي ... فإني لا أرى أن تزدهيني
وعيشي بالذي يغنيك حتى ... إذا ما شئت أن تنأي فبيني
فإن يك فاتني أسفا شبابي ... وأمسى الرأس مني كاللجين
وكان اللهو حالفني زمانا ... فأضحى اليوم منقطع القرين
فقد ألج الخباء على العذارى ... كأن عيونهن عيون عين
يملن علي بالأقرب طورا ... وبالأجياد كالريط المصون
وأسمر قد نصبت لذي سناء ... يرى مني مخالطة اليقين
يحاول أن يقوم وقد مضته ... مغابنة بذي خرص قتين
إذا ما عاده منا نساء ... سفحن الدمع من بعد الرنين
وخرق قد دعوت الجون فيه ... على أدماء كالعير الشنون
وقال عبيد أيضا:
يا ذا المخوفنا بقت ... ل أبيه إذلالا وحينا
أزعمت أنك قد قتل ... ت سراتنا كذبا ومينا

(1/54)


لوما على حجر بن أ ... م قطام تبكي لا علينا
إنا إذا عض الثقا ... ف برأس صعدتنا لوينا
نحمي حقيقتنا وبع ... ض القوم يسقط بين بينا
هلا سألت جموع كن ... دة إذ تولوا أين أينا
أيام نضرب هامهم ... ببواتر حتى انحنينا
وجموع غسان الملو ... ك أتينهم وقد انطوينا
لحقا أياطلهن قد ... عالجن أسفارا وأينا
ولقد صلقن هوازنا ... بنواهل حتى ارتوينا
نعليهم تحت الضبا ... ب المشرفي إذا اعتزينا
نحن الألى فاجمع جمو ... عك ثم وجههم إلينا
واعلم بأن جيادنا ... آلين لا يقضين دينا
ولقد أبحنا ما حميت ... ولا مبيح لما حمينا
هذا ولو قدرت علي ... ك رماح قومي ما انتهينا
حتى تنوشك نوشة ... عاداتهن إذا انتويننا
نغلي السباء بكل عا ... تقة شمول ما صحونا
ونهين في لذاتها ... عظم التلاد إذا انتشينا
لا يبلغ الباني ولو ... رفع الدعائم ما بنينا
كم رئيس قد قتل ... ناه وضيم قد أبينا
ولرب سيد معشر ... ضخم الدسيعة قد رمينا
عقبانه بظلال عق ... بان تيمم من نوينا
حتى تركنا شلوه ... جزر السباع وقد مضينا
إنا لعمرك ما يضا ... م حليفنا أبدا لدينا
وأوانس مثل الدمى ... حور العيون قد استبينا
وقال عبيد أيضا:
يا خليلي قفا واستخبرا ال ... منزل الدارس عن أهل الحلال
مثل سحق البرد عفا بعدك ال ... قطر مغناه وتأويب الشمال
ولقد يغنى به جيرانك ال ... ممسكو منك بأسباب الوصال
ثم أكدى ودهم إذ أزمعوا ال ... بين والأيام حال بعد حال
فانصرف عنهم بعنس كالوأى ال ... جأب ذي العانة أو شاة الرمال
نحن قدنا من أهاضيب الملا ال ... خيل في الأرسان أمثال السعالي
شذبا يغشين من مجهولة الأ ... رض وعثا من سهول ورمال
فانتجعنا الحارث الأعرج في ... جحفل كالليل خطار العوالي
ثم غادرنا عديا بالقنا ال ... ذبل بالسمر صريعا في المجال
ثم عجناهن خوصا كالقطا الق ... ارب الماء من أين الكلال
نحن قرص يوم جالت جولة ال ... خيل قبا عن يمين وشمال
كم رئيس يقدم الألف على الأج ... رد السابح ذي العقب الطوال
قد أباحت جمعه أسيافنا البي ... ض في الروعة من حي حلال
ولنا دار ورثنا عزها الأ ... قدم القدموس عن عم وخال
منزل دمنه آباؤنا المو ... رثون المج في أولى الليالي
ما لنا فيها حصون غير ما ... المقربات الجرد تردي بالرجال
في روابي عدملي شامخ الأ ... نف فيه إرث عز وكمال
فاتبعنا دأب أولانا الأولى المو ... قدي الحرب وموف بالحبال
وقال عبيد أيضا:
لمن الديار بصاحة فحروس ... درست في الإقفار أي دروس
إلا أواريا كأن رسومها ... في مهرق خلق الدواة لبيس
دار لفاطمة الربيع بغمرة ... فقفا شراف فهضب ذات رؤوس
أزمان علقها وإن لم تكسه ... نكسا وشر الداء داء نكوس
وسبتك ناعمة صفي نواعم ... بيض غرائر كالظباء العيس
خود مبتلة العظام كأنها ... بردية نبتت خلال غروس
أفلا تناسى حبها بجلالة ... وجناء كالأجم المطين ولوس
رفع المرار من الربيع سنامها ... فنوت وأردف نابها بسديس
فكأنما تحنو إذا ما أرسلت ... عود العضاه وروقه بفؤوس
أفنيت بهجتها وفضل سنامها ... بالرحل بعد مخيلة وشريس
وأمير خيل قد عصيت بنهدة ... جرداء خاظية السراة جلوس

(1/55)


خلقت على عسب وتم ذكاؤها ... وأحال فيها الصنع غير بجيس
وإذا جهدن وقل ماء نطافها ... وصلقن في ديمومة إمليس
تنفي الأواثم عن سواء سبيلها ... شرك الأحزة وهي غير شموس
أما إذا استقبلتها فكأنها ... ذبلت من الهندي غير يبوس
أما إذا ما أدبرت فكأنها ... قارورة صفراء ذات كبيس
وإذا اقتنصنا لا يخف خضابها ... وكأن بركتها مداك عروس
وإذا رفعنا للحراج فنهبها ... أدنى سوام الجامل المحبوس
هاتيك تحملني وأبيض صارما ... ومجربا في مارن مخموس
صدق من الهندي ألبس جبة ... لحقت بكعب كالنواة مليس
في أسرة يوم الحفاظ مصالت ... كالأسد لا ينمى لها بفريس
وبنو خزيمة يعلمون بأننا ... من خيرهم في غبطة وبئيس
تنكي عدوهم وينصح جيبنا ... لهم وليس النصح بالمدموس
وقال عبيد أيضا:
يا دار هند عفاها كل هطال ... بالجو مثل سحيق اليمنة البالي
جرت عليها رياح الصيف فاطرقت ... والريح مما تعفيها بأذيال
حبست فيها صحابي كي أسائلها ... والدمع قد بل مني جيب سربالي
شوقا إلى الحي أيام الجميع بها ... وكيف يطرب أو يشتاق أمثالي
وقد علا لمتي شيب فودعني ... منه الغواني وداع الصارم القالي
وقد أسلي همومي حين تحضرني ... بحسرة كعلاة القين شملال
زيافة بقتود الرحل ناجية ... تفري الهجير بتبغيل وإرقال
مقذوفة بلكيك اللحم عن عرض ... كمفرد وحد بالجو ذيال
هذا وحرب عوان قد سموت لها ... حتى شببت لها نارا بأشعال
تحتي مسومة جرداء عجلزة ... كالسهم أرسله من كفه الغالي
وكبش ملمومة باد نواجذه ... شهباء ذات سرابيل وأبطال
أوجرت جفرته خرصا فمال به ... كما انثنى مخضد من ناعم الضال
وقهوة كرفات المسك طال بها ... في دنها كر حول بعد أحوال
باكرته قبل أن يبدو الصباح لنا ... في بيت منهمر الكفين مفضال
وغيلة كمهاة الجو ناعمة ... كأن ريقتها شيبت بسلسال
قد بت ألعبها طورا وتلعبني ... ثم انصرفت وهي مني على بال
بان الشباب فآلى لا يلم بنا ... واحتل بي من ملم الشيب محلال
والشيب شين لمن أرسى بساحته ... لله در سواد اللمة الخالي
وقال عبيد أيضا:
تحاول رسما من سليمى دكادكا ... خلاء تعفيه الرياح سواهكا
تبدل بعدي من سليمى وأهلها ... نعاما ترعاه وأدما ترائكا
وقفت بها أبكي بكاء حمامة ... أركية تدعو الحمام الأواركا
إذا ذكرت يوما من الدهر شجوها ... على فرع ساق أذرت الدمع سافكا
سراة الضحى حتى إذا ما صبابتي ... تجلت كسوت الرحل وجناء تامكا
كأن قتودي فوق جأب مطرد ... رأى عانة تهوي فظل مواشكا
ونحن قتلنا الأجدلين ومالكا ... أعزهما فقدا عليك وهالكا
ونحن جعلنا الرمح قرنا لنحره ... فقطره كأنما كان واركا
ونحن الألى إن تستطعك رماحنا ... نقدك إلى نار لعمر إلاهكا
نقدك إلى نار وإن كنت ساخطا ... ولا تنتشر نفوسنا لفدائكا
ويوم الرباب قد قتلنا همامها ... وحجرا وعمرا قد قتلنا كذالكا
ونحن صبحنا عامرا يوم أقبلوا ... سيوفا عليهن النجار بواتكا
عطفناهم عطف الضروس فأدبروا ... سراعا وقد بل النجيع السنابكا
ونحن قتلنا مرة الخير منكم ... وقرصا قتلنا كان ممن أولائكا
ونحن قتلنا جندلا في جموعه ... ونحن قتلنا شيخه قبل ذلكا

(1/56)


وربك لولاه لقيت الذي لقوا ... فذاك الذي نجاك مما هنالكا
ظللت تغني أن أخذت ذليلة ... كأن معدا أصبحت في حبالكا
وأنت امرؤ ألهاك زق وقينة ... فتصبح مخمورا وتمسي متاركا
عن الوتر حتى أحرز الوتر أهله ... فأنت تبكي إثره متهالكا
فلا أنت بالأوتار أدركت أهلها ... ولا كنت إذ لم تنتصر متماسكا
وقال عبيد أيضا:
أمن أم سلم تلك لا تستريح ... وليس لحاجات الفؤاد مريح
إذا ذقت فاها قلت طعم مدامة ... مشعشعة ترخي الإزار قديح
بماء سحاب من أباريق فضة ... لها ثمن في البائعين ربيح
تبصر خليلي هل ترى من ظعائن ... يمانية قد تغتدي وتروح
كعوم سفين في غوارب لجة ... يكفئها في وسط دجلة ريح
جوانبها تغشى المتالف أشرفت ... عليهن صهب من يهود جنوح
وقد أغتدي قبل الغطاط وصاحبي ... أمين الشظا رخو اللبان سبوح
إذا حركته الساق قلت مجنب ... غضيض غذته عهدة وسروح
مرابضه القيعان فردا كأنه ... إذا ما تماشيه الظباء نطيح
فهاج به حي غداة فآسدوا ... كلابا فكل الضاريات شحيح
إذا خاف منهن اللحاق نمت به ... قوائم حمشات الأسافل روح
وقد أترك القرن الكمي بصدره ... مشلشلة فوق السنات تفوح
دفوع لأطراف الأنامل ثرة ... لها بعد إنزاف العبيط نشيح
إذا جاء سرب من نساء يعدنه ... تبادرن شتى كلهن ينوح
وقال عبيد أيضا:
أمن رسوم آيها ناحل ... ومن ديار دمعك الهامل
قد جرت الريح به ذيلها ... عاما وجون مسبل هاطل
حتى عفاها صيت رعده ... داني النواحي مسبل وابل
ظلت بها كأنني شارب ... صهباء مما عتقت بابل
بل ما بكاء الشيخ في دمنة ... وقد علاه الوضح الشامل
أقوت من اللائي هم أهلها ... فما بها إذ ظعنوا آهل
وربما حلت سليمى بها ... كأنها عطبولة خاذل
لولا تسليك جمالية ... أدماء دام خفها باذل
حرف كأن الرحل منها على ... ذي عانة تحبو له عاقل
يا أيها السائل عن مجدنا ... إنك عن مسعاتنا جاهل
إن كنت لم تسمع بإبائنا ... فسل تنبا أيها السائل
سائل بنا حجرا غداة الوغى ... يوم تولى جمعه الحافل
يوم لقوا سعدا على مأقط ... وحاولت من دونه كاهل
فأوردوا سربا له ذبلا ... كأنهن اللهب الشاعل
وعامرا أن كيف يعلوهم ... إذا التقينا المرهف الناهل
وجمع غسان لقيناهم ... بجحفل قسطله ذائل
قومي بنو دودان أهل الحجى ... يوما إذا ألقحت الحائل
كم فيهم من أيد سيد ... ذي نفحات قائل فاعل
من قوله قول ومن فعله ... فعل ومن نائله نائل
القائل القول الذي مثله ... يمرع منه البلد الماحل
لا يحرم السائل إن جاءه ... ولا يعفي سيبه العاذل
الطاعن الطعنة يوم الوغى ... يذهل منه البطل الباسل
وقال عبيد أيضا:
أقفر من أهله ملحوب ... فالقطبيات فالذنوب
فراكس فثعيلبات فذا ... ت فرقين فالقليب
فعردة فقفا حبر لي ... س بها منهم عريب
وبدلت من أهلها وحوشا ... وغيرت حالها الخطوب
أرض توارثها شعوب ... فكل من حلها محروب
إما قتيلا وإما هالكا ... والشيب شين لمن يشيب
عيناك دمعهما سروب ... كأن شأنيهما شعيب
واهية أو معين ممع ... ن من هضبة دونها لهوب
أو فلج ماء ببطن واد ... للماء من تحتيه قشيب

(1/57)


تصبو وأنى لك التصابي ... أنى وقد راعك المشيب
إن يك حول منها أهلها ... فلا بديء ولا عجيب
أو يك أقفر منها أهلها ... وعادها المحل والجدوب
فكل ذي نعمة مخلوسها ... وكل ذي أمل مكذوب
وكل ذي إبل موروثها ... وكل ذي سلب مسلوب
وكل ذي غيبة يؤوب ... وغائب الموت لا يؤوب
أعاقر كذات رحم ... أو غانم كمن يخيب
أفلح بما شئت فقد يدر ... ك بالضعف وقد يخدع الأريب
لا يعظ الناس من لا يعظ ال ... دهر ولا ينفع التلبيب
لا ينفع اللب عن تعلم ... إلا السجيات والقلوب
ساعد بأرض إذا كنت ب ... ها ولا تقل إنني غريب
من يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب
قد يوصل النازح النائي ... ويقطع ذو السهمة القريب
بل إن تكن قد علتني كبر ... ة والشيب لمن يشيب
والمرء ما عاش في تكذيب ... طول الحياة له تعذيب
بل رب ماء وردته آجن ... سبيله خائف جديب
ريش الحمام على أرجائه ... للقلب من خوفه وجيب
قطعته غدوة مشيحا ... وصاحبي بادن خبوب
عيرانة أجد فقارها ... كأن حاركها كثيب
أخلف ما بازلا سديسها ... لاحقة هي ولا نيوب
كأنها من حمير غاب ... جون بصفحته ندوب
أو شبب يحتفر الرخامى ... تلفه شمأل هبوب
فذاك عصر وقد أراني ... تحملني نهدة سرحوب
مضبر خلقها تضبيرا ... ينشق عن وجهها السبيب
زيتية ناقم أبجلها ... ولين أسرها رطيب
كأنها لقوة طلوب ... تخر في وكرها القلوب
باتت على إرم رابي ... ة كأنها شيخة رقوب
فأصبحت في غداة قرة ... يسقط عن ريشها الضريب
فأبصرت ثعلبا من ساع ... ة دونها سبسب جديب
فنفضت ريشها وانتفض ... ت وهي من نهضة قريب
فاشتال وارتاع من حسيس ... ها وفعله يفعل المذؤوب
يدب من رؤيتها دبيبا ... كأن حملاقها مقلوب
فأدركته فطرحته وال ... صيد من تحتها مكروب
فرنحته ووضعته فك ... دحت وجهه الحبوب
يضغو ومخلبها في دفه ... لا بد حيزومه مثقوب
وقال عبيد أيضا:
أمن دمنة بجوة سرغد ... تلوح كعنوان الكتاب المجدد
لسعدة إذ كانت تثيب بودها ... وإذ هي لا تلقاك إلا بأسعد
وإذ هي حوراء المدامع طفلة ... كمثل مهاة حرة أم فرقد
تراعي به نبت الخمائل بالضحى ... وتأوي به إلى أراك وغرقد
وتجعله في سربها نصب عينها ... وتثني عليه الجيد في كل مرقد
فقد أورثت في القلب سقما يعوده ... عيادا كسم الحية المتردد
غداة بدت من سترها وكأنما ... يحف ثناياها بحالك إثمد
وتبسم عن عذب اللثاث كأنه ... أقاحي الربى أضحى وظاهره ندي
فإني إلى سعدى وإن طال نأيها ... إلى نيلها ما عشت كالحائم الصدي
إذا كنت لا تعبأ برأي ولا تطع ... إلى اللب أو ترعي إلى قول مرشد
فلا تتقي ذم العشيرة كلها ... وتدفع عنها باللسان وباليد
وتصفح عن ذي جهلها وتحوطها ... وتقمع عنها نخوة المتهدد
وتنزل منها بالمكان الذي به ... يرى الفضل في الدنيا على المتحمد
فلست وإن عللت نفسك بالمنى ... بذي سؤدد باد ولا كرب سيد
لعمرك ما يخشى الجليس تفحشي ... عليه ولا أنأى على المتودد
ولا أبتغي ود امرئ قل خيره ... وما أنا عن وصل الصديق بأصيد
وإني لأطفي الحرب بعد شبوبها ... وقد أوقدت للغي في كل موقد

(1/58)


فأوقدتها للظالم المصطلي بها ... إذا لم يرعه رأيه عن تودد
وأغفر للمولى هناة تريبني ... فما ظلمه ما لم ينلني بمحقد
ومن رام ظلمي منهم فكأنما ... توقص حينا من شواهق صندد
وإني لذو رأي يعاش بفضله ... وما أنا من علم الأمور بمبتد
إذا أنت حملت الخؤون أمانة ... فإنك قد أسندتها شر مسند
وجدت خؤون القوم كالعر يتقى ... وما خلت غم الجار إلا بمعهد
ولا تظهرن ود امرئ قبل خبره ... وبعد بلاء المرء فاذمم أو احمد
ولا تتبعن الرأي منه تقصه ... ولكن برأي المرء ذي اللب فاقتد
ولا تزهدن في وصل أهل قرابة ... لذخر وفي صرم الأباعد فازهد
وإن أنت من الدنيا متاعا فإنه ... على كل حال خير زاد المزود
تمنى مريء القيس موتي وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد
لعل الذي يرجو رداي وموتتي ... سفاها وحبنا أن يكون هو الردي
فما عيش من يرجو خلافي بضائري ... ولا موت من قد فات قبلي بمخلدي
وللمرء أيام تعد وقدمت ... حبال المنايا للفتى كل مرصد
منيته تجري لوقت وقصره ... ملاقاتها يوما على غير موعد
فمن لم يمت في اليوم لا بد أنه ... سيعلقه حبل المنية من غد
فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى ... تهيأ لأخرى مثلها فكأن قد
فإنا ومن قد باد منا لكالذي ... يروح وكالقاضي البتات ليغتدي
وقال عبيد أيضا:
لمن جمال قبيل الصبح مزمومه ... ميممات بلادا غير معلومه
عالين رقما وأنماطا مظاهرة ... وكلة بعتيق العقل مرقومه
من عبقري عليها إذ غدوا صبح ... كأنها من نجيع الجوف مدمومه
كأن ظعنهم نخل موسقة ... سود ذوائبها بالحمل مكمومه
فيهن هند وقد هام الفؤاد بها ... بيضاء آنسة بالحسن موسومه
في إنها كمهاة الجو ناعمة ... تدني النصيف بكف غير موشومه
كأنها ريقتها بعد الكرى اغتبقت ... صهباء صافية بالمسك مختومه
مما يغالي بها البياع عتقها ... ذو شارب أصهب يغلى بها السيمه
يا من لبرق أبيت الليل أرقبه ... في مكفهر وفي سوداء ديمومه
فيرقها حرق وماؤها دفق ... وتحتها ريق وفوقها ديمه
فذلك الماء لو أني شربت به ... إذا شفا كبدا شكاء مكلومه
هذا ودوية يعيا الهداة بها ... ناء مسافتها كالبرد ديمومه
جاوزت مهمه يهماها بعيهمة ... عيرانة كعلاة القين معقومه
أرمي بها عرض الدوي ضامزة ... في ساعة تبعث الحرباء مسمومه
ولعبيد وما تدخل في القصائد:
سقى الرباب مجلجل الأ ... كناف لماح بروقه
جون تكفكفه الصبا ... وهنا وتمريه خريقه
مري العسيف عشاره ... حتى إذا درت عروقه
ودنا يضيء ربابه ... غابا يضرمه حريقه
حتى إذا ما ذرعه ... بالماء ضاق فما يطيقه
هبت له من خلفه ... ريح شآمية تسوقه
حلت عزاليه الجنو ... ب فثج واهية خروقه
أوس بن حجر
وقال أوس بن حجر التميمي:
ودع لميس الصارم اللاحي ... إذ فندت في فساد بعد إصلاح
إذ تستبيك بمصقول عوارضه ... حسن اللثاث عذاب غير مملاح
كأن ريقتها بعد الكرى اغتبقت ... من ماء أصهب في الحانوت نضاح
هبت تلوم وليست ساعة اللاحي ... هلا انتظرت بهذا اللوم إصباحي
قاتلها الله تلحاني وقد علمت ... أني لنفسي إفسادي وإصلاحي
أن أشرب الخمر أو أرزأ لها ثمنا ... فلا محالة يوما أنني صاحي

(1/59)


ولا محالة من قبر بمحنية ... وكفن كسراة الثور وضاح
دع العجوزين لا تسمع لقيلهما ... واعمد إلى سيد في الحي جحجاح
كان الشباب يلهينا ويعجبنا ... فما وهبنا ولا بعنا بأرباح
يا من لبرق أبيت الليل أرقبه ... في عارض كمضيء الصبح لماح
دان مسف فويق الأرض هيدبه ... يكاد يدفعه من قام بالراح
كأن ريقه لما علا شطبا ... أقراب أبلق ينفي الخيل رماح
هبت جنوب بأعلاه ومال به ... أعجاز مزن يسح الماء دلاح
فالتج أعلاه ثم ارتج أسفله ... وذاق ذرعا بحمل الماء منصاح
كأنما بين أعلاه وأسفله ... ريطا ينشره أو ضوء مصباح
ينزع جلد الحصى أجش مبترك ... كأنه فاحص أو لاعب داحي
فمن بنجوته كمن بمحفله ... والمستكن كمن يمشي بقرواح
كأن فيه عشارا جلة شرفا ... شعثا لهاميم قد همت بإرشاح
هدلا مشافرها بحا حناجرها ... تزجي مرابعها في صحصح ضاحي
فأصبح الروض والقيعان ممرعة ... من بين مرتفق منها ومنطاح
وقال يرثي فضالة بن كلدة الأسدي:
عيني لا يد من سكب وتهمال ... على فضالة جل الرزء والعال
جما عليه بماء الشأن واحتفلا ... ليس الفقود ولا الهلكى بأمثال
أما حصان فلم تحجب بكلتها ... وطفت في كل هذا الناس أحوالي
على امرئ سوقة ممن سمعت به ... أندى وأكمل منه أي إكمال
أوهب منه لذي أثر وسابغة ... وقينة عند شرب ذات أشكال
وخارجي يزك الألف معترضا ... وهونة ذات شمراخ وأحجال
أبا دليجة من توصي بأرملة ... أم من لأشعث ذي طمرين طملال
ومن يكون خطيب القوم إذ جعلوا ... لدى ملوك أولي كيد وأقوال
أم من لقوم أضاعوا بعض أمرهم ... بين القسوط وبين الدين دلدال
خافوا الأصيلة واعتلت ملوكهم ... وحملوا من أذى غرم بأثقال
أبا دليجة من يكفي العشيرة إذ ... أمسوا من الأمر في لبس وبلبال
أم من لأهل لواء من مسكعة ... من أمرهم خلطوا حقا بإبطال
أم من لعادية تردي ململمة ... كأنها عارض في هضب أوعال
لما رأوك على نهد مراكله ... يسعى ببز كمي غير معزال
وفارس لا يحل الحي عدوته ... ولوا سراعا وما هموا بإقبال
وما خليج من البروت ذو حدب ... يرمي الضرير بخشب الطلح والضال
يوما بأجود منه حين تسأله ... ولا مغب بترح بين أشبال
ليث عليه من البردي هبرية ... كالمرزباني عيال بأوصال
يوما بأجرأ منه حد بادرة ... على كمي بمهو الحد قصال
لا زال مسك وريحان له أرج ... على صداك بصافي اللون سلسال
سقى صداك ومساه ومصبحه ... رفها ورمسك محفوظا بأظلال
ورثتني ود أقوام وخلتهم ... وذكرة منك تغشاني بإجلال
فلن يزال ثناء غير ما كذب ... قول امرئ غير ناسيه ولا سالي
لعمر ما قدر أجدى بمصرعه ... لقد أخل بعرشي أي إخلال
قد كانت النفس لو ساموا الفداء بها ... إليك مسمحة بالأهل والمال
وقال يرثيه:
أيتها النفس أجملي جزعا ... إن الذي تحذرين قد وقعا
إن الذي جمع السماحة والن ... جدة والحزم والقوى جمعا
الألمعي الذي يظن لك الظ ... ن كأن قد رأى وقد سمعا
والمخلف المتلف المرزأ لم ... يمتع بضعف ولم يمت طبعا
والحافظ الناس في الجدوب إذا ... لم يرسلوا تحت عائذ ربعا
وعزت الشمال الرياح وقد ... أمسى ضجيع الفتاة ملتفعا

(1/60)


وشبه الهيدب العبام من ال ... أقوام سقبا مجللا فرعا
وكانت الكاعب الممنعة ال ... حسناء في زاد أهلها سبعا
أودى فلا تنفع الإشاحة في ... شيء لمن قد يحاول البدعا
ليبكك الشرب والمدامة ال ... فتيان طرا وطامع طمعا
وذات هدم بال نواشرها ... تصمت بالماء تولبا جدعا
والحي إذ حاذروا الصباح بأق ... وام وجاشت نفوسهم جزعا
وقال أوس أيضا:
هل عاجل من متاع الحي منظور ... أم بيت دومة بعد الإلف مهجور
أم هل كبير بكى لم يقض عبرته ... إثر الأحبة يوم البين معذور
لكن بفرتاج فالخلصاء أنت بها ... فحنبل فلوى سراء مسرور
وبالأنيعم يوما قد تحل به ... لدى خزاز ومنها منظر كير
قد قلت للركب لولا أنهم عجلوا ... عوجوا علي فحيوا الحي أو سيروا
قلت لحاجة نفس ليلة عرضت ... ثم اقصدوا بعدها في السير أو جوروا
غر غرائر أبكار نشأن معا ... حسن الخلائق عما يتقى نور
لبسن ريطا وديباجا وأكسية ... شتى بها اللون إلا أنها فور
ليس الحديث بنهبى ينتهبن ولا ... سر يحدثنه في الحي منشور
وقد تلافي بي الحاجات ناجية ... وجناء لاحقة الرجلين عيسور
تساقط المشي أفنانا إذا عصبت ... إذا ألحت على ركبانها الخور
حرف أخوها أبوها من مهجنة ... وعمها خالها وجناء مئشير
وقد ثوت نصف حول أشهرا جددا ... يسفي على رحلها بالحيرة المور
قد فارقت وهي لم تجرب وباع لها ... من الفصافص بالنمي سفسير
أبقى التهجر منها بعد كدنتها ... من المحالة ما يشغى به الكور
تلقي الجران وتقلولي إذا بركت ... كما تيسر للنفر المها النور
كأن هرا جنيبا غرضتها ... واصطك ديك برجليها وخنزير
كأنها ذو وشوم بين مأفقة ... والقطقانة والمذعور مذعور
أحس ركز قنيص من بني أسد ... فانصاع منثويا والخطو مقصور
يسعى بغضف كأمثال الحصى زمعا ... كأن أحناكها السفلى مآشير
حتى أشب لهن الثور من كثب ... فأرسلوهن لم يدروا بما ثيروا
ولى مجدا وأزمعن اللحاق به ... كأنهن بجنبيه الزنابير
حتى إذا قلت نالته أوائلها ... ولو يشاء لنجته المثابير
كر عليها ولم يفشل يهارشها ... كأنهن بتواليهن مسرور
فشكها بذليق حده سلب ... كأنه حين يعلوهن موتور
ثم استمر يباري ظله جذلا ... كأنه مرزبان فاز محبور
يال تميم وذو قار له حدب ... من الربيع وفي شعبان مسجور
قد حلأت ناقتي برد وراكبها ... عن ماء بصوة يوما وهو مهجور
فما تناءى بها المعروف إذ نفرت ... حتى تضمنها الأفدان والدور
قوم لئام وفي أعناقهم عنف ... وسعيهم دون سعي الناس مبهور
ويل أمهم معشرا جم بيوتهم ... من الرماح وفي المعروف تنكير
إذ يشزرون إلي الطرف عن عرض ... كأن أعينهم من بغضهم عور
نكبتها ماءهم لما رأيتهم ... صهب السبال بأيديهم بيازير
مخلفون ويقضي الناس أمرهم ... غشي الملامة صنبور فصنبور
لولا الهمام الذي ترجى نوافله ... لنالهم جحفل تشقى به العور
لولا الهمام لقد خفت نعامتهم ... وقال راكبهم في عصبة سيروا
وقال أوس أيضا:
حلت تماضر بعدنا رببا ... فالغمر فالمرين فالشعبا
حلت شآمية وحل قسا ... أهلي فكان طلابها نصبا
لحقت بأرض المنكرين ولم ... تمكن لحاجة عاشق طلبا

(1/61)


شبهت آيات بقين لها ... في الأولين زخارفا قشبا
تمشي بها ربد النعام كما ... تمشي إماء سربلت جببا
ولقد أروغ على الخليل إذا ... خان الخليل الوصل أو كذبا
بجلالة سرح النجاء إذا ... آل الجفاجف حولها اضطربا
وكست لوامعه جوانبها ... قصصا وكان لأكمها سببا
خلطت إذا ما السير جد بها ... مع لينها بمراحها غضبا
وكأن أقتادي رميت بها ... بعد الكلال ملمعا شببا
من وحش أنبط بات منكرسا ... حرجا يعالج مظلما صخبا
لهقا كأن سراته كسيت ... خرزا نقا لم يعد أن قشبا
حتى أتيح له أخو قنص ... شهم يطر ضواريا كثبا
ينحي الدماء على ترائبها ... والقد معقودا ومنقضبا
فذأونه شرفا وكن له ... حتى تفاضل بينها جلبا
حتى إذا الكلاب قال لها ... كاليوم مطلوبا ولا طلبا
ذكر القتال لها فراجعها ... عن نفسه ونفوسها ندبا
فنحا بشرته لسابقها ... حتى إذا ما روقه اختضبا
كرهت ضواريها اللحاق به ... متباعدا منها ومقتربا
وانقض كالدريء يتبعه ... نقع يثور تخاله طنبا
يخفى وأحيانا يلوح كما ... رفع المنير بكفه لبا
أبني لبينى لم أجد أحدا ... في الناس ألأم منكم حسبا
وأحق أن يرمى بداهية ... إن الدواهي تطلع الحدبا
وإذا تسوئل عن محاتدكم ... لم توجدوا رأسا ولا ذنبا
وقال أوس بن حجر أيضا:
سلا قلبه عن سكره فتأملا ... وكان بذكرى أم عمرو موكلا
وكان له الحين المتاح حمولة ... وكل امرئ رهن بما قد تحملا
لا أعتب ابن العم إن كنت ظالما ... وأغفر عنه الجهل إن كان أجهلا
وإن قال لي ماذا ترى يستشرني ... يجدني ابن عم مخلط الأمر مزيلا
أقيم بدار الحزم ما دام حزمها ... وأحر إذا حالت بأن أتحولا
وأستبدل الأمر القوي بغيره ... إذا عقد مأفون الرجال تحللا
فإني امرؤ أعددت للحرب بعدما ... رأيت لها نابا من الشر أعصلا
أصم ردينيا كأن كعوبه ... نوى القسب عراصا مزجا منصلا
عليه كمصباح العزيز يشبه ... لفصح ويحشوه الذبال المفتلا
وأملس صوليا كنهي قرارة ... أحس بقاع نفخ ريح فأجفلا
كأن قرون الشمس عند ارتفاعها ... وقد صادفت طلقا من النجم أعزلا
تردد فيه ضوؤها وشعاعها ... فأحصن وأزين بامرئ أن تسربلا
وأبيض هنديا كأن غراره ... تلألؤ برق في حبي مكللا
إذا سل من جفن تأكل أثره ... على مثل مصحاة اللجين تأكلا
كأن مدب النمل يتبع الربى ... ومدرج ذر خاف بردا فأسهلا
على صفحتيه من متون جلاله ... كفى بالذي أبلي وأنعت منصلا
ومبضوعة من رأس فرع شظية ... بطود تراه بالسحاب مجللا
على ظهر صفوان كأن متونه ... عللن بدهن يزلق المتنزلا
يطيف بها راع يجشم نفسه ... ليكلئ فيها طرفه متأملا
فلاقى امرأ من ميدعان وأسمحت ... قرونته باليأس منها فعجلا
فقال له هل تذكرن مخبرا ... يدل على غنم ويقصر معملا
على خير ما أبصرتها من بضاعة ... لملتمس بيعا بها أو تأكلا
فويق حبيل شامخ الرأس لم تكن ... لتبلغه حتى تكل وتعملا
فأبصر ألهابا من الطود دونها ... ترى بين رأسي كل نيقين مهبلا
فأشرط فيها نفسه وهو معصم ... وألقى بأسباب لها وتوكلا
وقد أكلت أظفاره الصخر كلما ... تعايا عليه طول مرقى توصلا
فما زال حتى نالها وهو معصم ... على موطن لو زل عنه تفصلا

(1/62)


فأقبل لا يرجو التي صعدت به ... ولا نفسه إلا رجاء مؤملا
فلما نجا من ذلك الكرب لم يزل ... يمظعها ماء اللحاء لتذبلا
فأنحى عليها ذات حد دعا لها ... رفيقا بأخذ بالمداوس صيقلا
على فخذيه من براية عودها ... شبيه سفى البهمى إذا ما تفتلا
فجردها صفراء لا الطول عابها ... ولا قصر أزرى بها فتعطلا
كتوم طلاع الكف لا دون ملئها ... ولا عجسها عن موضع الكف أفضلا
إذا ما تعاطوها سمعت لصوتها ... إذا أنبضوا عنها نئيما وأزملا
وإن شد فيها النزع أدبر سهمها ... إلى منتهى من عجسها ثم أقبلا
فلما قضى مما يريد قضاءه ... وصلبها حرصا عليها فأطولا
وحشو جفير من فروع غرائب ... تنطع فيها صانع وتنبلا
تخيرن أنضاء وركبن أنصلا ... كجمر الغضا في يوم ريح تزيلا
فلما قضى في الصنع منهن فهمه ... فلم يبق إلا أن تسن وتصقلا
كساهن من ريش يمان ظواهرا ... سخاما لؤاما لين المس أطحلا
تخرن إذا أنفزن في ساقط الندى ... وإن كان يوما ذا أهاضيب مخضلا
خوار المطافيل الملمعة الشوى ... وأطلاءها صادفن عرنان مبقلا
فذاك عتادي في الحروب إذا التظت ... وأردف بأس من حروب وأعجلا
وذلك من جمعي وبالله نلته ... وإن تلقني الأعداء لا ألق أعزلا
وقومي خيار من أسيد شجعة ... كرام إذا ما الموت خب وهرولا
ترى الناشئ المجهول منا كسيد ... تبحبح في أعراضه وتأثلا
وقد علموا أن من يرد ذاك منهم ... من الأمر يركب من عناني مسحلا
فإني رأيت الناس إلا أقلهم ... خفاف العقول يكثرون التنقلا
بني أم ذ المال الكثير يرونه ... وإن كان عبدا سيد الأمر جحفلا
وهم لمقل المال أولاد علة ... وإن كان محضا في العمومة مخولا
وليس أخوك الدائم العهد بالذي ... يذمك إن ولى ويرضيك مقبلا
ولكن أخوك النائي ما دمت آمنا ... وصاحبك الأدنى إذا الأمر أعضلا
وقال أيضا:
تنكر بعدي من أميمة صائف ... فبرك فأعلى تولب فالمخالف
فقو فرهبى فالسليل فعاذب ... مطافيل عوذ الوحش فيه عواطف
فبطن السلي فالسخال تعذرت ... فمعقلة إلى الطراة فواحف
كأن جديد الدار يبليك عنهم ... تقي اليمين بعد عهدك حالف
بها العين والآرام ترعى سخالها ... فطيم ودان للفطام وناصف
وقد سألت عني الوشاة فخبرت ... وقد نشرت منها لدي الصحائف
كعهدك لا عهد الشباب يضلني ... ولا هرم ممن توجه دالف
وقد أنتحي للجهل يوما وتنتحي ... ظعائن لهو ودهن مساعف
نواعم ما يضحكن إلا تبسما ... إلى اللهو قد مالت بهن السوالف
وأدماء مثل الفحل يوما عرضتها ... لرحلي وفيها جرأة وتقاذف
فإن يهو أقوام رداي فإنما ... يقيني الإله ما وقى وأصادف
وعنس أمون قد تعللت متنها ... على صفة أو لم يصف لي واصف
كميت عصاها النقر صادقة السرى ... إذا قيل للحيران أين تخالف
علاة كناز اللحم ما بين خفها ... وبين مقيل الرحل هول نفانف
علاة من النوق المراسيل وهمة ... نجاة علتها كبرة فهي شارف
جمالية للرحل فيها مقدم ... أمون وملقى للزميل ورادف
يشيعها في كل هضب ورملة ... قوائم عوج مجمرات مقاذف
توائم ألاف توال لواحق ... سواه لواه مربدات خوانف
يزل قتود الرحل عن دأياتها ... كما زل عن رأس الشجيج المجارف
إذا ما ركاب القوم زيل بينها ... سرى الليل منها مستكين وصارف

(1/63)


علا رأسها بعد الهباب وسامحت ... كمحلوج قطن ترتميه النوادف
وأنحت كما أنحى المحالة ماتح ... على البئر أضحى حوضه وهو ناشف
يخالط منها لينها عجرفية ... إذا لم يكن في المقرفات عجارف
كأن ونى خانت به من نظامها ... معاقد فارفضت بهن الطوائف
كأن كحيلا معقدا أو عنية ... على رجع ذفريها من الليث واكف
ينفر طير الماء منها صريفها ... صريف محال أقلقته الخطاطف
كأني كسوت الرحل أحقب قاربا ... له بجنوب الشيطين مساوف
يقلب قيدودا كأن سراتها ... صفا مدهن قد زحفلته الزحالف
يقلب حقباء العجيزة سمحجا ... بها ندب من زره ومناسف
وأخلفه من كل وقط ومدهن ... نطاف فمشروب يباب وناشف
وحلأها حتى إذا هي أحنقت ... وأشرف فوق الحاليين الشراسف
وخب سفا قريانه وتوقدت ... عليه من الصمانتين الأصالف
فأضحى بقارات الستار كأنه ... ربيئة جيش فهو ظمآن خائف
يقول له الراؤون هذاك راكب ... يؤبن شخصا فوق علياء واقف
إذا استقبلته الشمس صد بوجهه ... كما صد عن نار المهول حالف
تذكر عينا من غمازة ماؤها ... له حبب تستن فيه الزخارف
له ثئل يهتز جعد كأنه ... مخالط أرجاء العيون القراطف
فأوردها التقريب والشد منهلا ... قطاه معيد كرة الورد عاطف
فلاقى عليها من صباح مدمرا ... لناموسه من الصفيح سقائف
صد غائر العينين شقق لحمه ... سمائم قيظ فهو أسود شاسف
أزب ظهور الساعدين عظامه ... على قدر شئن البنان جنادف
أخو قترات قد تيقن أنه ... إذا لم يصب لحما من الوحش خاسف
معاود قتل الهاديات شواؤه ... من اللحم قصرى بادن وطفاطف
قصي مبيت الليل للصيد مطعم ... لأسهمه غار وبار وراصف
فيسر سهما راشه بمناكب ... ظهار لؤام فهو أعجف شارف
على ضالة فزع كأن نذيرها ... إذا لم تخفضه عن الوحش عازف
فأمهله حتى إذا أن كأنه ... معاطي يد من جمة الماء غارف
وأرسله مستيقن الظن أنه ... مخالط ما تحت الشراسيف جائف
فمر النضي للذراع ونحره ... وللحين أحيانا عن النفس صارف
فعض بإبهام اليمين ندامة ... ولهف سرا أمه وهو لاهف
وجال ولم يعكم وشيع إلفه ... بمنقطع الغضراء شد مؤالف
فما زال يبري الشد حتى كأنما ... قوائمه في جانبيه الزعانف
كأن بجنبيه جنابين من حصى ... إذا عدوه مر به متضايف
تواعد رجلاها يديه ورأسه ... لها قتب فوق الحقيبة رادف
يصرف للأصوات والريح هاديا ... تميم النضي كدحته المناسف
ورأسا كدن التجر جأبا كأنما ... رمى حاجبيه بالحجارة قاذف
كلا منخريه سائفا أو معشرا ... بما انفض من ماء الخياشيم راعف
وقال أوس أيضا:
تنكرت منا بعد معرفة لمي ... وبعد التصابي والشباب المكرم
وبعد ليالينا بجو سويقة ... فباعجة القردان فالمتثلم
وما خفت أن تبلى النصيحة بيننا ... بهضب القليب فالرقي فعيهم
فميطي بمياط وإن شئت فانعمي ... صباحا وردي بيننا الوصل واسلمي
وإن لم يكن إلا كما قلت فأذني ... بصرم وما حاولت إلا لتصرمي
لعمري لقد بينت يوم سويقة ... لمن كان ذا لب بوجهة منسم
فلا وإلهي ما غدرت بذمة ... وإن أبي قبلي لغير مذمم
يجرد في السربال أبيض صارما ... مبينا لعين الناظر المتوسم

(1/64)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية