صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : معجم الأدباء
المؤلف : ياقوت الحموي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

قال علي ابن عطاء: إن عطاء ابن عباد: لا يزيد على مائة درهم، وثوب إلى خمسمائة، وما يبلغ إلى الألف نادر، وما يوفى على الألف بديع، بلى، قد نال بن ناس من عرض جاهه على السنين، ما يزيد قدره على هذا بأضعاف، وعدد هؤلاء قليل جدا، وذلك بابتذال النفس، وهتك الستر.
قال: ولقد بلغ من ركاكته، أنه كان عنده أبو طالب العلوي، فكان إذا سمع منه كلاما يسجع فيه، وخبرا ينمقه ويرويه، يبلق عينيه، وينشر منخريه، ويرى أنه قد لحقه غشى حتى يرش على وجهه ماء الورد، فإذا أفاق قيل: ما أصابك؟ ما عراك؟ ما الذي نالك وتغشاك؟ فيقول: ما زال كلام مولاي يروقني ويؤنقني حتى فارقني لبي، وزايلني عقلي، وتراخت مفاصلي، وتخاذلت عرى قلبي، وذهل ذهني، وحيل بيني وبين رشدى، فيتهلل وجه ابن عباد عند ذلك، وينتفش ويضحك عجبا وجهلا، ثم يأمر له بالحباء والتكرمة، ويقدمه على جميع بنى أبيه وعمه، ومن ينخدع هكذا، فهو بالنساء الرعن أشبه، وبالصبيان الضعاف أمثل. وذكر الوزير أبو سعد، منصور بن الحسين الآبي في تاريخه، من جلالة قدر الصاحب، وعظم قدره في النفوس، وحشمته، مالم يذكر لوزير قبله، ولا بعده مثله، وأنا ذاكر ما ذكر على ما نسقه، قال: توفيت أم كافي الكفاة بأصبهان، وورد عليه الخبر، فجلس للتعزية يوم الخميس للنصف من محرم، سنة أربع وثمانين، وركب إليه سلطانه وولى نعمته، فخر الدولة، بن ركن الدولة معزيا، ونزل وجلس عنده طويلا يعزيه، ويسكن منه، وبسط الكلام معه بالعربية، وكان يفصح بها، فسمعته يقول حين أراد القيام: أيها الصاحب، هذا جرح لا يندمل، فأما سائر الأمراء والقواد، مثل منوجهر بن قابوس، ملك الجبل، وفولاذ بن ما نادر، أحد ملوك الديلم، وأبي العباس الفيروزان بن خالد، فخر الدولة وغيرهم، من الأكابر والأماثل، فإنهم كانوا يحضرون حفاة حسرا، وكان كل واحد منهم إذا وقعت عينه على الصاحب، قبل الأرض، ثم توالى بعد ذلك إلى ان يقرب منه، ويأمره بالجلوس فيجلس، وما كان يتحرك ولا يستوفز لأحد، بل كان جالسا على عادته فى غير أيام التعزية، فلما أراد القيام من المعزى بعد الثالث، كان أول من أمر أن يقدم إليه اللكاء منوجهر بن قابوس، فإنه قال: يحمل إلى أبي منصور ما يلبسه، فقدم إليه، ومنع من الخروج من الدار حافيا، ثم قدم بعد ذلك الحجاب والحاشية اللكاوات إلى الجماعة، فغضب فولاذ بن مانادر، والفولاذ دريدية عليه ذلك، وقالوا: ميز منوجهر من بين الجماعة، فاحتج الصاحب ببيته العظيم، ورياسته القديمة.
قال: وخطب كافي الكفاة ابنة أبى الفضل بن الداعي، لسبطه عباد بن الحسين، ووقع الإملاك فى داره يوم الخميس، لاربع خلون من شهر ربيع الأول، سنة أربع وثمانين، وكان يوما عظيما احتفل فيه كافي الكفاة، ونثر من الدنانير والدراهم شيئا كثيرا، لذلك أنفذ له فخر الدولة على يدى أحد حجابه الكبار، إلى هناك من النثار، ما زاد على مائة طبق عينا وورقا، وحضر الفولاذ دريدية بأسرهم، فإن الابنة المزوجة، كانت ابنة ديكونة بنت الحسن، بن الفيروزان، خالة فخر الدولة، وكان القوم أخوالها، وأضافهم الصاحب، ونصبت مائدة عظيمة في بيت طوله يزيد على خمسين ذراعا، وكانت بطول البيت، وأجلس عليه ستة أنفس، وكان فولاذ بن مانا وكبات بن بلقسم في الصدر، وبجنب فولاذ، أبو جعفر بن الثائر العلوي، وبجنبه الآخر، أبو القاسم بن القاضى العلوي، ودون أحد العلويين كاكي ابن يشكر زاد، ودون الآخر مرداويج الكلاري، ووقف أبو العباس الفيروزان، وعبد الملك بن ما كان للخدمة، ووقف كافي الكفاة أيضا ساعة، ووقف جميع أكابر الكتاب والحجاب، مثل الرئيس أبى العباس، أحمد بن إبراهيم الضبى، وأبى الحسين العارض، وأخيه أبى على، وابنه أبى الفضل، وأبى عمران الحاجب وغيرهم. إلى أن فرغ القوم من الأكل، ثم أكل هؤلاء مع الصاحب على مائدة منفردة، وأما قاضى القضاة، والأشراف والعدول، فإنهم أطعموا على مائدة أخرى فى بيت آخر.

(1/267)


قال: وكان نصر بن الحسين، بن الفيروزان، وهو خال فخر الدولة، مقداما شجاعا، قليل المبالاة، قد استعصى على فخر الدولة، واقتطع من بلاده، وتغلب عليها، واحتال على جماعة من عساكره، فقتلهم بأنواع القتل، ثم كسر له عدة عساكر، إلى أن تكاثرت عساكر فخر الدولة فكسرته، وشتتت جموعه، وهرب نحو خراسان، حتى صار إلى إسفرايين، ثم بدا له أن سلك طريق المفارة فيها، حتى ورد الى ليلة الجمعة، لست بقين من شوال، سنة أربع وثمانين، وقصد في الليل باب كافة الكفاة مستجيرا به، ومستعطفا له، فلم يرق له، ورد إلى دار بعض حجاب فخر الدولة، فحبس فيها.
قال الوزير أبو سعد: وكنت في هذه الليلة بحضرة كافي الكفاة، فأتاه الحاجب، وقد مضى هزيع من الليل، فأخبره بوقوف نصر بن الحسن، بن الفيروزان على الباب، خاشعا متضرعا، فرأيته قد تحبر في الأمر ساعة، ثم راسله بأن السلطان الأعظم - يعني فخر الدولة - ساخط عليك، ولا يجوز لي أن آذن لك في دخول داري، إلا بعد تترضاه، وتستعطف قلبه، فإذا عفا عنك ورجع لك، فالدار بين يديك، وأنا معين لك. فعاد الحاجب إليه بذلك، ورجع فقال: إنه امتنع من العود وقال: إنما جئت إلى الصاحب لائذا به، ومنقطعا إليه، ولا أعرف غيره، وأنا أحتاج أن يدبر أمري، ويجبرني ويحامي على، ويذب عني، فرأيت الصاحب وقد مال رأيه بين إحدى خصلتين: إما أن يستمر على المنع ولا يأذن له، وإما أن يأذن له، ويجعل داره بما فيها من الخزائن له، وينتقل هو إلى دار كانت لحاجبه الراوندي، وكان قد أضافها بعد موت هذا الحاجب إلى داره. ثم تقرر رأيه على صرفه، واستمر نصر على الإلحاح فى الخضوع، والاجتهاد أن يأذن له في الدخول، وانتقل من الباب الكبير إلى باب الخاصة، سأل واجتهد إلى أن جاءه من قبل فخر الدولة، علوسة الحاجب وحبسه، وكان هذا الفعل من الصاحب مستهجنا، يعجب الناس منه، وتحدثوا به واستقبحوه، مع ما اظهره نصر من الاستكانة والاستجارة به. وأظن أنه لم يفعل ذلك، إلا لأنه جبن عن الاجتماع معه في دار واحدة، مع العداوة المتأكدة بينهما، والضغينة الراسخة في قلب كل واحد منهما.
ثم ذكر وفاة الصاحب، في الوقت الذى ذكره غيره، وكما ذكرناه آنفا. ثم قال: وتوفي فخر الدولة عشية يوم الثلاثاء، عاشر شعبان، وكان مبلغ عمره أربعا وأربعين سنة، وستة أشهر وأياما. ثم وصف أخلاقه وجيوشه، وقلاعه وأمواله، التي خلفها، ثم قال: فأما الوزارة في أيامه، فكانت أشهر من أن يحتاج إلى ذكرها، فإن اول وزرائه كان كافي الكفاة. وأسنة الأقلام، وعذبات الألسنة تكل دون أيسر أوصافه، وأدنى فضائله، ولو لا ما آل إليه أمر الوزارة في هذه الأيام، واعتقاد من لم يعلم حالها فى ذلك الزمان، بأن الأمر كان ولم يزل على ما نراه، أو قريبا منه وشبيها به، لأمسكنا عن ذكره، ولكنا نذكر يسيرا من أحواله، فإن هؤلاء الذين ذكرناهم من أبناء الملوك، والأمراء والقواد، وسائر من ساواهم من الزعماء والكبار، مثل أولاد مؤيد الدولة، وابن عز الدولة، ومنوجهر بن قابوس، بن وشمكير، وأبى الحجاج بن ظهير الدولة، وأسفهيد بن أسفار، وحسن بن وشمكير، وفولاذ بن مانادر، ونصر بن الحسن بن الفيروزان، وأبى العباس الفيروزان، ابن الحسن، بن الفيروزان، وكبات بن بلقسم، بن الفيروزان، وحيدر بن وهسوذان، وكيخسرو بن المرزبان، ابن السلار، وجستان بن نوح، بن وهسوذان، وشيرزيل ابن سلار، بن شيرزيل، وكان في يد كل واحد من هؤلاء من الأقطاع، ما يبلغ ارتفاعه خمسين ألف دينار، وما دونها إلى عشرين ألف دينار، ومن اكابر القواد ما يطول تعدادهم، كانوا يحضرون باب داره، فيقفون على دوابهم مطرقين، لايتكلم واحد منهم هيبة وإعظاما لموضعه، إلى أن يخرج أحد خلفاء حجابه، فيأذن لبعض أكابرهم، ويصرفهم جملة، فكان من يؤذن له فى الدخول، يظن أنه قد بلغ الآمال، ونال الفوز بالدنيا والآخرة، فرحا ومسرة، وشرفا وتعظيما، فإذا حصل فى الدار، وأذن له فى الدخول إلى مجلسه، قبل الأرض عند وقوع بصره عليه، ثلاث مرات أو أربعا، إلى أن يقرب منه، فيجلس من كانت رتبته الجلوس، إلى أن يقضى كل واحد منهم وطره من خدمته، ثم ينصرف، بعد أن يقبل الأرض أيضا مرارا. ولم يكن يقوم لأحد من الناس ولا يشير إلى القيام، ولا يطمع منه أحد فى ذلك.

(1/268)


ونزل بالصيمرة عند عوده من الأهواز، فدخل عليه شيخ من زهاد المعتزلة، يعرف بعبد الله بن إسحاق، فقام له: فلما خرج التفت كافى الكفاة وقال: ما قمت لأحد مثل هذا القيام، منذ عشرين سنة، وإنما فعل ذلك به لزهده، فإنه كان أحد أبدال دهره، فأما العلم فقد كان يرى من هو أعلم منه، فلا يحفل به. وأما هيبته في الصدور، ومخافته في القلوب، وحشمته عند الصغير والكبير، والبعيد والقريب، فقد بلغت إلى أن كان صاحبه فخر الدولة، ينقبض عن كثير مما يريده بسببه، ويمسك عما تشره إليه نفسه لمكانه، وقد ظهر ذلك للناس بعد موته، وانبساط فخر الدولة فيما لم يكن من عادته، فعلم أنه كان يزم نفسه لحشمته، ثم كان يحله محل الوالد إكراما وإعظاما، ويخاطبه بالصاحب شفاها وكتابا، فأما أكابر الدولة، فكان الواحد إذا رأى أحد حجابه، بل أحد الأصاغر من حاشيته، فإن فرائضه كانت ترتعد، وجوانحه كانت تصطفق، إلى أن يعلم ما يريده منه، ويخاطبه به.
وتظلمت إليه امرأة من صاحب لفولاذ بن مانادر، وذكرت أنه ينازعها في حق لها، فما زاد على أن التفت إلى فولاذ، وكان في موكبه يسير خلفه، فبهت وتحير، وارتعد ووقف، ولم يبرح إلى أن سار كافى الكفاة، ثم أرسل مع المرآة من أرضاها، وأزال ظلامتها، ومثل هذا كثير يطول الكتاب ببعضه، فكيف يتسع لكله.
وأما أسبابه وحاشيته، وهيبته ورتبته، فإن من أيسرها أنه كان له عدة من الحجاب، منهم من على مربطه ثلاثمائة رأس من الدواب، أو ما يقاربها، وكانت أحوال بلكا الحاجب، تزيد على ذلك زيادة كثيرة، فإنه كان على مربط خليفة له يعرف بيزيدة، كثير من الخيل العتاق الموصوفة، وكان لا يستغني عنها، لأنه كان موقوفا على حفظ الطرق، وطلب الأكراد، وأهل العيث وصيانة السابلة، وكان ما يخرج لكافى الكفاة فى السنة، في وجوه البر والصدقات والمبرات، وصلات الأشراف وأهل العلم، والغرباء الزوار، ومن يجري مجرى ذلك، مما يتكلفه به صيت الدنيا، وأجر الآخرة، يزيد على مائة ألف دينار.
وانتقلت الوزارة عنه إلى أبى العباس، أحمد بن إبراهيم الضبي، وأبي علي الحسن، بن أحمد، بن حمولة، والسياسة التى قد سنها هو باقية، وحشمة الوزارة ثابتة، والأمور على ما عهد في أيامه جارية، وكان لهما من الحشم والحاشية، والتجمل والزينة، مثل ما كان له، بل كان فوقه فى الغنى والثروة، وإن لم يلحقاه في الفضل والمكرمة.
قال غرس النعمة: حدث أبو إسحاق إبراهيم بن عيسى النصيبي قال: كان أبو الفتح على بن أبى الفضل، بن العميد، قد دبر على الصاحب بن عباد، حتى أزاله عن كتابة الأمير مؤيد الدولة، وأبعده عن حضرته بالري إلى أصفهان، وانفرد هو بتدبير الأمور لمؤيد الدولة، كما كان يدبرها لأبيه ركن الدولة، واستدعى يوما ندماءه، وعبأ لهم مجلسا عظيما، وأظهر من الزينة وآلات الفضة، والذهب والصينى وما شاكله، ما يفوت الحصر، وشرب واستفزه الطرب، وكان قد شرب يومه وليلته، فعمل شعرا غنى به، وهو:
دعوت المنى ودعوت العلا ... فلما أجابا دعوت القدح
وقلت لأيام شرخ الشباب ... ألا إن هذا أوان المرح
إذا بلغ المرء آماله ... فليس له بعدها مقترح
فلما غنى بالشعر استطابه، وشرب عليه إلى أن سكر، وقال لغلمانه: غطوا المجلس، ولاتسقطوا منه شيئا، لأصطبح في غد عليه، وقال لندمائه: باكروني، وقام إلى بيت منامه، وانصرف عنه الندماء، فدعاه مؤيد الدولة في السحر، فلم يشك أنه لمهم، فقبض عليه، وأنفذ إلى داره من استولى على جميع ما فيها وأعاد ابن عباد إلى وزارته، وطاولت بابن العميد النكبة، حتى مات فيها، كما ذكرناه فى ترجمته.
ثم وزر ابن عباد بعد مؤيد الدولة لأخيه فخر الدولة، فبقى فى الوزارة ثمانى عشرة سنة وشهورا، وفتح خمسين قلعة سلمها إلى فخر الدولة، لم يجتمع عشر منها لأبيه ولا أخيه، وسمع الصاحب الحديث وأملى.

(1/269)


فحدث أبو الحسن، على بن محمد الطبري الكيا قال: لما عزم الصاحب بن عباد، على الإملاء وهو وزير، خرج يوما متطلسا متحنكا بزى أهل العلم، فقال: قد علمتم قدمي في العلم، فأقروا له بذلك، فقال: وأنا متلبس بهذا الأمر، وجميع ما أنفقته من صغرى إلى وقتي هذا، من مال أبي وجدي، ومع هذا فلا أخلو من تبعات، أشهد الله وأشهدكم أنى تائب إلى الله، من ذنب أذنبته. واتخذلنفسه بيتا وسماه بيت التوبة، ولبث أسبوعا على ذلك، ثم أخذ خطوط الفقهاء بصحة توبته، ثم خرج فقعد للإملاء، وحضر الخلق الكثير، وكان المستملى الواحد ينضاف إليه ستة، كل يبلغ صاحبه، فكتب الناس حتى القاضي عبد الجبار، وأهدي إليه العميري كتبا، وكتب معها:
العميري عبد كافي الكفاة ... وإن اعتد في وجوه القضاة
خدم المجلس الرفيع بكتب ... مفعمات من حسنها مترعات
فوقع الصاحب تحتها:
قد قبلنا من الجميع كتابا ... ورددنا لوقتها الباقيات
لست أستغنم الكثير فطبعى ... قول خذ، ليس مذهبى قول هات
حدث أبو الرجاء الضرير، الشطرنجي العروضي، الشاعر الأهوازي بالأهواز، قال: قدم علينا الصاحب ابن عباد، في السنة التى جاء فيها فخر الدولة، ولقيه الناس ومدحه الشعراء، فمدحته بقصيدة قلت فيها:
إلى ابن عباد أبى القاسم الصاحب ... إسماعيل كافي الكفاة
فقال: قد كنت والله أشتهي بأن تجتمع كنيتي واسمي، ولقبى واسم أبي في بيت، فما انتهيت إلى قولي فيها: ويشرب الجيش هنيئا بها فقال يا أبا الرجاء: أمسك، فأمسكت، فقال:
ويشرب الجيش هنيئا بها ... من بعد ماء الري ماء الصراة
هكذا هو؟ قلت نعم، قال: أحسنت، قلت يا مولاي: أحسنت أنت، عملت أنا هذا في ليلة، وأنت عملته في لحظة.
قال عبد الله الفقير غليه: وممن ذكر نسب الممدوح كاملا، الحارث الدؤلي، في عاصم بن عمرو، بن عثمان، ابن عفان:
إليك ابن عثمان بن عفان عاصم بن ... عمرو سرت عيس فطال سراها
ومن مستحسن شعر الصاحب:
دعتنى عيناك نحو الصبا ... دعاء تكرر في كل ساعة
فلو لا " وحقك " عذر المشيب ... لقلت لعينيك سمعا وطاعة
وحدث البديع الهمذانى قال: كان بعض الفقهاء ويعرف بابن الحضيري، يحضر مجلس الصاحب بالليالى، فغلبته عينه ليلة فنام، وخرجت منه ريح لها صوت، فخجل وانقطع عن المجلس، فقال الصاحب أبلغوه عني:
يا بن الحضيرى لا تذهب على خجل ... لحادث كان مثل الناى والعود
فإنها الريح لا تسطيع تحبسها ... إذ لست أنت سليمان بن داوود
ولأبى بكر الخوارزمى في ابن عباد:
لاتحمدن ابن عباد وإن هطلت ... كفاه يوما ولاتذممه إن حرما
فإنها خطرات من وساوسه ... يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما
فلما مات الخوازمي، بلغ الصاحب وفاته فقال:
أقول لركب من خراسان رائح ... أمات خوارزميكم؟ قيل لي نعم:
فقلت: اكتبوا بالجص من فوق قبره ... " ألا لعن الرحمن من كفر النعم "
وحدث أبو الحسن بن أبي القاسم البيهقي، في كتاب مشارب التجارب، وذكر الصاحب فقال: أبو القاسم إسماعيل بن عباد بن عباس، الوزير ابن الوزير، كما قال الرستمي فيه:
ورث الوزارة كابرا عن كابر ... موصولة الإسناد بالإسناد
يروي عن العباس عباد وزارته ... واسماعيل عن عباد
قال: مولده بكورة فارس، في ذي العقدة، سنة ست وعشرين وثلاثمائة، ومدحه خمسمائة شاعر من أرباب الدواوين، وممن كان ببابه: قاضي القضاة عبد الجبار بن أحمد الأسدأباذى، وكان قد فوض إليه قضاء همذان والجبال، واستقبل القاضي عبد الجبار الصاحب يوما، فلم يترجل له، فقال: أيها الصاحب، أريد أن أترجل للخدمة، ولكن العلم يأبى ذلك، وكان يكتب في عنوان كتابه: " إلى الصاحب: داعيه، عبد الجبار بن أحمد " ثم كتب " وليه عبد الجبار بن أحمد " ، ثم كتب " عبد الجبار بن أحمد " فقال الصاحب لندمائه: أظنه يؤول أمره إلى أن يكتب الجبار.
وأنشد الصاحب لنفسه يرثي:
يقولون لي أودى كثير بن حمد ... وذلك رزء ما علمت جليل

(1/270)


فقلت دعوني والعلا نبكه معا ... فمثل كثير في الرجال قليل
وذكر هلال بن المحسن، عن أبي طاهر بن الحمامي، عن الأنباري الكاتب، قال: ورد إلى الصاحب رجل من أهل الشام، فكان فيما استخبره عنه: رسائل من تقرأ عندكم؟ فقال: رسائل بن عبد كان. قال ومن؟ قال: رسائل الصابيء. وغمزه أحد جلسائه ليقول: رسائل الصاحب فلم يفطن، ورآه الصاحب فقال: تغمز حمارا لا يحس وكان صاحب خراسان، الملك نوح بن منصور السامانى، قد أرسل إلى الصاحب في السر يستدعيه إلى حضرته، ويرغبه في خدمته، وبذل البذول السنية، فكان من جملة اعتذاره أن قال: كيف يحسن لي مفارقة قوم بهم ارتفع قدرى، وشاع بين الأنام ذكرى، ثم كيف لي بحمل أموالي مع كثرة أثقالي؟ وعندي من كتب العلم خاصة، ما يحمل على أربعمائة جمل أو أكثر.
قال أبو الحسن البيهقي: وأنا أقول: بيت الكتب الذى بالرى، دليل على ذلك، بعدما أحرقه السلطان محمود ابن سبكتكين، فإني طالعت هذا البيت، فوجدت فهرست تلك الكتب عشر مجلدات، فإن السلطان محمودا لما ورد إلى الري، قيل له: إن هذه الكتب، كتب الروافض، وأهل البدع، فاستخرج منها كل ما كان فى علم الكلام، وأمر بحرقه. وللصاحب من التصانيف: كتاب المحيط باللغة عشرة مجلدات، كتاب ديوان رسائله عشرة مجلدات، كتاب الكافى رسائل، كتاب الزيدية، كتاب الأعياد وفضائل النوروز، كتاب في تفضيل على بن أبى طالب. وتصحيح إمامة من تقدمه، كتاب الوزراء لطيف، كتاب عنوان المعارف في التاريخ، كتاب الكشف عن مساوئ المتنبى، كتاب مختصر أسماء الله تعالى وصفاته، كتاب العروض الكافى، كتاب جوهرة الجمهرة، كتاب نهج السبيل فى الأصول، كتاب أخبار أبي العيناء، كتاب نقض العروض، كتاب تاريخ الملك واختلاف الدول، كتاب الزيدين، كتاب ديوان شعره.
وقال بعض ولد المنجم بعد وفاة الصاحب، وقد استوزر أبو العباس الضبى، ولقب بالرئيس، وضم إليه أبو علي، ولقب بالجليل:
والله و الله لا أفلحتم أبدا ... بعد الوزير ابن عباد بن عباس
إن جاء منكم جليل فاقطعوا أجلي ... أو جاء منكم رئيس فاقطعوا راسي
ومن شعر الصاحب:
وشادن جماله ... يقصر عنه صفتي
أهوى لتقبيل يدي ... فقلت: لا بل شفتي
وله:
قال لى إن رقيبى ... سيء الخلق فداره
قلت: دعنى وجهك ... الجنة حفت بالكاره
وله أيضا:
أقول وقد رأيت له سحابا ... من الهجران مقبلة إلينا
وقد سحت عزاليها بسكب ... حوالينا الصدود ولا علينا
حدث الوزير أبو العلاء بن حسولي قال: كان دينار المجوسي صدرا في ديوان الري، وكان مدنرا مدرهما ممولا، فكتب رجل إلى الصاحب:
لم لا يفرق في ديوان عسكره ... كافي كفاة الورى دينار دينار
فإن أيسر ما في قطع شأفته ... تطهير ديوانه من عابدي النار
فقبض عليه وصادره، واستوفى منه مالا عظيما، والسبب فى ذلك البيتان.
وحدث ابن بابك قال: سمعت الصاحب يقول: مدحت والعلم عند الله، بمائة ألف قصيدة شعر، عربية وفارسية وقد أنفقت أموالي على الشعراء والأدباء، والزوار والقصاد، ما سررت بشعر، ولا سرني شاعر، كما سرني أبو سعيد الرستمي الأصفهاني بقوله:
ورث الوزارة كابرا عن كابر ... مرفوعة الإسناد بالإسناد
يروى عن العباس عباد وزارته ... وإسماعيل عن عباد
وقال أبو الحسن، علي بن الحسين الحسني، ختن الصاحب يرثيه:
ألا إنها يمنى المكارم شلت ... ونفس المعالي إثر فقدك سلت
حرام على الظلماء إن هي قوضت ... وحجر على شمس الضحى إن تجلت
لتبك على كافي الكفاة مآثر ... تباهي النجوم الزهر في حيث حلت
لقد فدحت فيه الرزايا وأوجعت ... كما عظمت فيه العطايا وجلت
ألا هل أتى الآفاق أية غمة ... أطلت، ونعمى أي دهر تولت
وهل تعلم الغبراء ماذا تضمنت ... وأعواد ذاك النعش ماذا أقلت؟
فلا أبصرت عينى تهلل بارق ... يحاكي ندى كفيك إلا استهلت

(1/271)


ولو قبلت أرواحنا عنك فدية ... لجدنا بها عند الفداء وقلت
قال أبو حيان: كان ابن عباد يأتى بالسجع فى أثر كلامه، مع روية طويلة، وأنفاس مديدة، وحشرجة صدر، وانتفاخ منخريه، والتواء شدقيه، وتعويج عنقه، واللعب بشاربه وعنفقته، فلو رأيته يقرر المسائل على هذه الأمثلة العجيبة، والبيان الشافي، لرأيت عجبا من العجائب، وضربا من الغرائب.
وقال لى يوما الشابي وقد خرجنا من مجلس الصاحب: كيف رأيت مولانا الصاحب اليوم مع هذا التغرير، وإظهاره البلاغة الحسنة بين الناس، فقلت: السكوت عن مثله إحدى الحسنيين، وأحرق الحاتين، ولكن نعوذ بالله ممن يوين له الشيطان عمله، ويزخرف له قوله. قال لي: كأنه لم يخلق هذا الرجل إلا غيظا لأكباد الأحرار، وشفاء لسقم الأنذال، - لحى الله دهرا آل بنا إليه - ، وأنزلنا عليه، وأحوجنا إلى مقاساته، وألجأنا إلى مجالسته، وأنشد يقول:
يا من تبرمت الدنيا بطلعته ... كما تبرمت الأجفان بالرمد
يمشي على الأرض مجتازا فأحسبه ... من بغض طلعته يمشي على كبدي
لو كان في الأرض جزء من سماجته ... لم يقدم الموت إشفاقا على أحد
قال أبو حيان: قال لي الشابي: أهدي ابن عباد إلى صاحبه وقت وردوهما إلى الأهواز دينارا من ضربه، وزنه ألف مثقال! وكتابته:
وأحمر يحكي الشمس شكلا وصورة ... فأسماؤه مشتقة من صفاته
فإن قيل دينار فقد صدق اسمه ... وإن قيل ألف كان بعض سماته
بديع فلم يطبع على الدهر مثله ... ولا ضربت أضرابه لسراته
وصار إلى شاهانشاه انتسابه ... على أنه مستصغر لعفاته
تفاءلت أن يبقى سنين كوزنه ... لتستمتع الدنيا بطول حياته
تأنق فيه عبده وابن عبده ... وغرس أياديه وكافي كفاته
فقال: أرأيت أكذب منه حيث قال؟. " فلم يطبع على الدهر مثله " ما كان في الدنيا من خدم ملكا بألف دينار، ثم قال: " وكافي كفاته " والله لو كتبت امرأة بمثله إلى زوجها، لكان سمجا قبيحا، فكيف إلى فخر الدولة!! ما أحسن ما كفاه أمر أبي العلاء النصراني حين هزمه بعدد قليل، بعد أن كان في جيش عرمرم ثقيل، ولكن الدنيا حمقاء خرقاء، لا تميل إلا إلى مثلها، لو كتب المطهر أو نصر بن هارون، أو أحد وزراء عضد الدولة إليه بشيء من ذلك، لأحرقه بالنار والنفط، ومن كتاب الروزنامجة: قال الصاحب: ما زال أحداث بغداد يذكروني بابن شمعون المتصوف، وكلامه على الناس في مكان الشبلي، فجمعت يوما في المدينة، وعلى طيلسان ومصمته، ووقعت عليه، وقد لبس فوطة قصب، وقعد على كرسي ساج، بوجه حسن، ولفظ عذب، فرأيته يقطع مسائله بهوس يطيله ويسهب فيه، فقلت: لا بد من أن أسأله عما أقطع به، وابتدرت فقلت: يا شيخ، ما تقول في قد سيكونيات العلم، إذا وقعت قبل التوهم، فورد عليه ما لم يسمع به، فأطرق ساعة ثم رفع رأسه وقال: لم أؤخر إجابتك عجزا عن مسألتك بل لأعطشك إلى الجواب، وأخذ في ضرب من الهذيان، فلما سكت قلت: هذا بعد التوهم، وإنما سألتك قبله إلى أن ضجر، فانصرفت عنه.
قرأت بمصر في نسخة باليتمية للثعالبي، عليها خط يعقوب بن أحمد، بن محمد بالقراءة عليه، يرويها عن مؤلفها الثعالبي، فوجدت فيها زوائد، لا أعرفها فى النسخ المشهورة بأيدي الناس، منها: حدثني عرف بن الحسين، الهمذاني التميمي قال: كنت يوما فى خزانة الخلع للصاحب، فرأيت في ثبت الحسبانات لكاتبها - وكان صديقي - مبلغ عمائم الخز، التي صارت فى تلك الشتوة، في خلع العلويين والفقهاء والشعراء، سوى ما صار فيها في خلع الخدم والحاشية، ثمانمائة وعشرين، قال: وكان يعجبه الخز ويأمر بالاستكثار منه في داره، فنظر أبو القاسم الزعفراني يوما، إلى جميع ما فيها من الخدم والحاشية، عليهم الخزوز الملونة الفاخرة، فاعتزل ناحية وأخذ يكتب شيئا، فسأل الصاحب عنه فقيل له: إنه في مجلس كذا يكتب، فقال: علي به، فاستمهل الزعفراني ريثما يتم مكتوبه، فأعجله الصاحب، وأمر أن يؤخذا ما في يده من الدرج، فقام الزعفراني إليه، وقال: - أيد الله الصاحب - :
إسمعه ممن قال تزدد به ... عجبا فحسن الورد في أعضائه

(1/272)


فقال: هات يا أبا القاسم، فأنشده أبياتا منها:
سواك يعد الغني ما اقتنى ... ويأمره الحرص أن يحزنا
وأنت ابن عباد المرتجى ... تعد نوالك نيل المنى
وخيرك من باسط كفه ... وممن ثناها قريب الجنى
غمرت الورى بصنوف الندى ... فأصغر ما ملكوه الغنى
وغادرت أشعرهم مفحما ... وأشكرهم عاجزا ألكنا
أيا من عطاياه تهدى الغنى ... إلى راحتى من نأى أو دنا
كسوت المقيمين والزائرين ... كسا لم نخل مثلها ممكنا
وحاشية الدار يمشون في ... ضروب من الخز إلا أنا
فقال الصاحب: قرأت في أخبار معن بن زائدة: ان رجلا قال له احملني، فأمر له بفرس وبغلة وحمار وناقة وجارية، ثم قال: لو علمت أن الله خلق مركوبا غيرها لحملتك عليه، وقد أمرنا لك من الخز بحبة وقميص، وسراويل وعمامة، ومنديل ومطرف، ورداء وجورب، ولو علمنا لباسا آخر يتخذ من الخز لأعطيناكه، ثم أمر بإدخاله إلى الخزانة، وصيرت تلك الخلع عليه، وسلم ما فضل عن لبسه في الوقت إلى غلامه.
قال: وحدثني أبو عبد الله محمد بن حامد الحامدي قال: عهدي بأبي محمد ماثلا بين يدي الصاحب، ينشده قصيدة أولها:
هذا فؤادك نهى بين أهواء ... وذاك رأيك شورى بين آراء
هواك بين العيون النجل مقتسم ... داء لعمرك ما أبلاه من داء
لا تستقر بأرض أو تسير إلى ... أخرى بشخص قريب عزمه ناء
يوما بجزوى ويوما بالعقيق ويوما ... بالعذيب ويوما بالخليصاء
وتارة تنتحى نجدا وآونة ... شعب العقيق وطورا قصر تيماء
قال: فرأيت الصاحب متقبلا عليه بمجامعه، حسن الإصغاء إلى إنشاده، مستعيدا لأكثر أبياته، مظهرا من الإعجاب به والاهتزاز له، ما يعجب الحاضرين، فلما بلغ إلى قوله:
أدعى بأسماء نبزا في قبائلها ... كأن أسماء أضحت بعض أسمائي
أطلعت شعري فألقت شعرها طربا ... فألفا بين إصباح وإمساء
زحف عن دسته طربا له، فلما بلغ إلى قوله فى المدح:
لو أن سحبان باراه لأسحبه ... على خطابته أذيال فأفاء
أرى الأقاليم قد ألقت مقالدها ... إليه مستبقات أي إلقاء
فساس سبعتها منه بأربعة: ... أمر ونهي وتثبيت وإمضاء
كذاك توحيده ألوى بأربعة: ... كفر وجبر وتشبيه وإرجاء
فجعل يحرك رأسه ويقول: أحسنت أحسنت، فلما أنهى القصيدة، أمر له بجائزة وخلع.
قال الأمير أبو الفضل الميكالي: كتب عامل رقعة إإلى الصاحب في التماس شغل، وفي الرقعة: إن رأى مولانا أن يأمر بإشغالي ببعض أشغاله فعل، فوقع الصاحب تحتها: من كتب لإشغالي لا يصلح لأشغالي.
وحدث هلال بن المحسن: ما رؤى أحد وفي من الإعظام والإكبار بعد موته، ما وفيه الصاحب، فإنه لما جهز ووضع في تابوته، وأخرج على أكتاف حامليه للصلاة عليه، قام الناس بأجمعهم، فقبلوا الأرض بين يديه، وخرقوا عند ذلك ثيابهم، ولطموا وجوههم، وبلغوا في البكاء والنحيب عليه جهدهم، وكان يلبس القباء في حياته تخففا بالوزارة، وانتسابا معها إلى الجندية وحدث عن أبي الفتح بن المقدر قال: كان أبو القاسم بن أبي العلاء الشاعر، من وجوه أهل أصبهان، وأعيانهم ورؤسائهم، فحدثني أنه رأى في منامه قائلا يقول له: لو كاثرت الصاحب أبا القاسم بن عباس، مع فضلك وكثرة علمك، وجودة شعرك، فقلت: أفحمتني كثرة محاسنه، فلم أدر بم أبدأ منها؟ وخفت أن أقصر، وقد ظن بي الاستيفاء لها، فقال: أجز ما أقوله، قلت قل: فقال: ثوى الجود والكافي معا في حفيرة فقلت: ليأنس كل منهما بأخيه فقال: هما اصطحبا حيين ثم تعانقا فقلت: ضجيعين في لحد بباب ذريه فقال: إذا ارتحل الثاوون عن مستقرهم فقلت: أقاما إلى يوم القيامة فيه " باب ذريه: المحلة التى فيها تربته، أو ما يستقبلك من أصفهان "

(1/273)


وحدث في كتاب الروزنامجة، وانتهيت إلى أبي سعيد السيرافي، وهو شيخ البلد، وفرد الأدب، حسن التصرف، ووافر الحظ من علوم الأوائل، فسلمت عليه، وقعدت إليه، وبعضهم يقرأ الجمهرة، فقرأ: ألمقت، فقلت: إنما هو لمقت، فدافعني الشيخ ساعة، ثم رجع إلى الأصل، فوجد حكايتي صحيحة، واستمر القارئ حتى أنشد وقد استشهد:
رسم دار وقفت فى طلله ... كدت أقضى الغداة من جلله
فقلت: أيها الشيخ، هذا لايجوز، والمصراعان على هذا النشيد، يخرجان من بحرين، لأن: " رسم دار وقفت فى طلله " فاعلاتن مفاعلن فعلن " كدت أقضي الغداة من جلله " مفتعلن مفعلات مفتعلن فذاك من الخفيف، وهذا من المنسرح. فقال: لم لا تقول: الجميع من المنسرح؟ والمصراع الأول مخزوم. فقلت: لا يدخل الخزم هذا البحر، لأنه أوله مستفعلن مفاعلن، هذه مزاحفة عنه، وإذا حذفنا متحركا، بقينا ساكنا، وليس فى كلام العرب ابتداء به، وإنما هو: كدت أقضى الغداة من جلله بخفيف الضاد فأمر بتغييره، ورفعني إلى جنبه، وابتدأ فقريء عليه من كتاب المقتضب، باب ما يجزي وما لايجزى، إلى أن ذكر وسحر، وأنه لا ينصرف إذا كان لسحر بعينه، لأنه معدول عن الأول، فقلت: ما علامة العدل فيه؟ فقال: إنا قلنا السحر، ثم قلنا: سحر، فهلمنا أن الثاني معدول عن الأول قلت: لو كان كذلك، لوجب أن تطرد العلة في عتمة، فضجر واحتد، وصاح واربد وادعيت أنه ناقص، والتمس الحاكم، فكتبت رسالة أخذت فيها خطوط أهل النظر، وقد أنفذت درج كتابى نسختها، وفيها خط أبى عبد الله بن رذامر عين مشايخهم، ورأيت الشيخ بعد ذلك عزيزا فاضلا، متوسعا عالما، فعلقت عليه، وأخذت عنه، وحصلت تفسيره لكتاب سيبويه، وقرأت صدرا منه، وهناك أبو بكر ابن مقسم، وما فى أصحاب ثعلب أكثر دراية، وما أصح رواية منه، وقد سمعت مجالسه، وفيها غرائب ونكت، ومحاسن وطرف، من بين كلمة نادرة، ومسألة غامضة، وتفسير بيت مشكل، وحل عقد معضل، وله قيام بنحو الكوفيين وقراءتهم، ورواياتهم ولغاتهم والقاضى أبو بكر ابن كامل، بقية الدنيا فى علوم شتى، يعرف الفقه والشروط والحديث، وما ليس من حديثنا، ويتوسع فى النحو توسعا مستحسنا، وله في حفظ الشعر بضاعة واسعة، وفي جودة التصنيف قوة تامة، ومن كبار رواة المبرد وثعلب، والبحتري وأبي العيناء، وغيرهم. وقد سمعت قدرا صالحا مما عنده، وكنت أحب أن أسمع كلام أهل النظر بالعراق، لما تتابع فى حذقهم من الأوصاف. وذكر أبا زكريا يحيى بن عدي وغيره، ومناظرات جرت هناك يطول شرحها.
وحدث عن أبي نصر بن خواشاذه أنه قال: ما غبطت أحدا على منزلة، كما غبطت الصاحب أبا القاسم بن عباد، فإنا كنا مقيمين بظاهر جرجان، مع مؤيد الدولة على حرب الخراسانية، فدخل الصاحب إلى داره في البلد، آخر نهار يوم لحضور المجلس الذي يعقده لأهل العلم، وتحته دابة رهواء، وقد أرسل عنانه، فرأيت وجوه الديلم وأكابرهم، من أولاد الأمراء يعدون بين يديه، كما تعدو الركابية، وكان عضد الدولة: يخاطب شيخا خطابا لا يشرك معه فيه أحدا، إلا أنه كان يقل مكاتبته، وكانت الكتب من عضد الدولة، إنما ترد على لسان كاتبه أبو القاسم، عبد العزيز بن يوسف.
ولما وجدت الشعراء لبضائعها عند ابن عباد نفاقا وسوقا. أهدوا نتائج أفكارهم إلى حضرته، وساقوها نحوه سوقا. فذكر الثعالبي قال: واحتف به من نجوم الأرض، وأفراد العصر، وابناء الفضل، وفرسان الشعر من يربى عددهم على شعراء الرشيد، ولا يقصرون عنهم فى الأخذ برقاب القوافي، وملك رق المعاني، فإنه لم يجتمع بباب أحد من الخلفاء والملوك، مثل ما اجتمع بباب الرشيد، من فحول الشعراء المذكورين، كأبي نواس، وأبى العتاهية، والعتابي، والنمري، ومسلم بن الوليد، وأبي الشيص، وابن أبي حفصة، ومحمد بن مناذر.

(1/274)


وجمعت حضرة الصاحب بأصبهان، والري، وجرجان، مثل أبي الحسين السلامي، وأبي سعيد الرستمى، وأبى القاسم الزعفرانى، وأبى العباس الضبى، والقاضى الجرجانى وأبى القاسم بن أبي العلاء، وأبي محمد الخازن، وأبي هاشم العلوى، وأبي الحسن الجوهري، وبني المنجم، وابن بابك، وابن القاشاني، والبديع الهمذاني، وإسماعيل الشاشي، وأبى العلاء الأسدي، وأبي الحسن الغويري، وأبى دلف الخزرجي، وأبى حفص الشهرزوري، وأبي معمر الإسماعيلي، وأبى الفياض الطبري، وغيرهم ممن لم يبلغني ذكره، أو ذهب عني اسمه، ومدحه مكاتبة الرضي الموسوي، وأبو إسحاق الصابي، وابن الحجاج، وابن سكرة، وابن نباتة، وغيرهم ممن يطول ذكره.
وكتب أبو حفص الأصفهاني الوراق إلى الصاحب رقعة نسختها: لو لا أن الذكرى - أطال الله بقاء مولانا الصاحب الجليل - تنفع المؤمنين، وهزة الصمصام تعين المصلتين لما ذكرت ذاكرا، ولا هززت ماضيا، ولكن الحاجة تستعجل النجح، وتكد الجواد السمح، وحال عبد مولانا في الحنطة متخلفة، وجرذان داره عنها منصرفة، فإن رأى أن يخلط عبده بمن أخصب رحله، فلم يشد رحله، فعل إن شاء الله تعالى، فوقع على رقعته، أحسنت يا أبا حفص قولا، وسنحسن فعلا، فبشر جرذان دارك بالخصب، وآمنها من الجدب، فالحنطة تأتيك في الأسبوع، ولست عن غيرها من النفقة بممنوع، إن شاء الله تعالى. قال: وحدثني أبو الحسن الدلفي المصيصي قال: انتحل فلان يعنى بعض المتشاعرين بحضرة الصاحب شعرا له، وبلغه ذلك فقال: أبلغوه عني:
سرقت شعري وغيري ... يضام فيه ويجدع
فسوف أجزيك صفعا ... بكد رأس وأخدع
فسارق المال يقطع ... وسارق الشعر يصفع
قال: فاتخذ الليل جملا وهرب من الري.
وحدث عن عون بن الحسين الهمذانى قال: سمعت أبا عيسى بن المنجم يقول: سمعت الصاحب يقول: ما استأذنت على فخر الدولة وهو في مجلس الأنس، إلا وانتقل إلى مجلس الحشمة فأذن لي فيه، وما أذكر أنه تبذل بين يدى، أو مازحنى قط إلا مرة واحدة، فإنه قال لي، بلغنى أنك تقول: إن المذهب مذهب الاعتزال، والنيك نيك الرجال، فأظهرت الكراهة لانبساطه، وقلت بنا من الجد، ما لانفرغ معه للهزل، ونهضت كالمغاضب، فما زال يعتذر إلى مراسلة حتى عاودت مجلسه، ولم يعد بعدها إلى ما يجري مجرى الهزل والمرح. ولما أتت الصاحب البشارة بسبطه عباد بن علي الحسني، " ولم يكن للصاحب ولد غيرها، وكان قد زوجها من أبي الحسن على بن الحسين الهمذاني، وكان شاعرا أديبا بليغا، وله شعر منه هذان البيتان في دار لبعض الملوك بناها:
دار علت دار الملوك بهمة ... كعلو صاحبها على الأملاك
فكأنها من حسنها وبهائها ... " بنيت قواعدها على الأفلاك "
أنشأ الصاحب يقول:
أحمد الله لبشرى ... أقبلت عند العشي
إذ حباني الله سبطا ... هو سبط للنبي
مرحبا ثمت أهلا ... بغلام هاشمي
نبوي علوي ... حسنى صاحبي
ثم قال:
الحمد لله حمدا دائما أبدا ... قد صار سبط رسول الله لي ولدا
وقد ذكرت ذلك الشعراء في أشعارهم، فمن ذلك قول أبي الحسن الجوهري في قصيدة منها:
وكان بعد رسوب الله كافله ... فصار جد بنيه بعد كافله
هلم للخبر المأثور مسنده ... في الطالقان فقرت عين ناقله
فذلك الكنز عباد وقد وضحت ... عنه الإمامة فى أولى مخايله
لما روت الشيعة أن بالطالقان كنزا من ولد فاطمة، يملأ الله به الأرض عدلا، كما ملئت جورا. والصاحب من الطالقان من قرى أصفهان، فلما رزق سبطا فاطميا، تأولوا له هذا الخبر، وأنا برئ من العهدة، هذ الذي ذكر الثعالبي، أن طالقان من قرى أصفهان، والصواب ما تقدم.
قال: وعرض على أبو الحسن الشقيقي البلخي، توقيع الصاحب إليه في رقعته: من نظر لدينه نظرنا لدنياه، فإن آثرت العدل والتوحيد، بسطنا لك الفضل والتمهيد، وإن أقمت على الجبر، فليس لكسرك من جبر، وهذه رسالة كتبها الصاحب إلى أبي على الحسين بن أحمد، في شأن أبي عبد الله محمد بن حامد.

(1/275)


قال الثعالبي: وسمعت الأمير أبا الفضل عبيد الله ابن أحمد الميكالى يسردها، فزادني جريها على لسانه، وصدورها عن فمه إعجابا بها، وهي: كتابي هذا يا سيدي صدر من " سحنة " ، وقد أرخى الليل سدوله، وسحب الظلام ذيوله، ونحن على الرحيل غدا إن شاء الله، إذا مد الصباح غرره، قبل أن يسبغ حجوله، ولو لا ذلك لأطلته، كوقوف الحجيج على المشاعر، ولم أقتصر منه على زاد المسافر، فإن المحتمل له، وسيع الحقوق لدى، حقيق أن أتعب له خاطري ويدي، وهو أبو عبد الله الحامدي، كان وافي مع ذلك الشيخ الشهيد، أبي سعيد الشبيبي السعيد - رفع الله منازله - وقتل قاتله، يكت له فآنسنا بفضله، وأنسنا الخير من عقله، فلما فجع بتلك الصحبة، وبما كان فيها من القربة، لم يرض غير بابي بتلك مشرعا، وغير جنابي مرتعا، وقطع إلى الطريق الشاق، مؤكدا حقا لا يشق غباره، ولا ينسي على الزمان ذماره، فكتب على جناح هذه النهضة التى بنا لم يستقر نواها، ولم تلق عصاها، فإخراج الحر المبتدئ الأمر، القريب العهد بوطأة الدهر، تحامل عليه بالمركب الوعر، فرددته إليك يا سيدي، لتسهل عليه حجابك، وتمهد له جنابك، ويترصد عملا خفيف النقل، ندى الظل، فإذا اتفق عرضته عليه، ثم فوضته إليه، وهو إلى أن يتسق ذلك ضيفي ذلك ضيفي، وعليك قراه، وعندك مربعه ومشتاه، ويريد اشتغالا بالعلم يزيده استقلاله. إلى أن يأتيه إن شاء الله خبرنا فى الاستقرار، ثم له الخيار، إن شاء أقام على ما وليته، وإن شاء التحق بنا ناشرا ما أوليته، وقد وقعت له إلى فلان بما يعنيه على بعض الانتظار، إلى أن يختار له كل الاختيار، فأوعز إليه بتعجيله، واكفني شغل القلب بهذا الحر، الذي أفردني بتأميله، إن شاء الله تعالى وحده.
وكتب إلى القاضي أبي بشر، الفضل بن محمد الجرجاني، عند وروده باب الري وافدا عليه:
تحدثت الركاب بسير أروي ... إلى بلد حططت به خيامي
فكدت أطير من شوق إليها ... بقادمة كقادمة الحمام
أفحق ما قيل من أمر القادم؟ أم ظن كأماني الحالم؟ لا والله، بل هو درك العيان، وإنه ونيل المنى سيان، فمرحبا أيها القاضي براحلتك ورحلتك، بل أهلا بك وبكافة أهلك، ويا سرعة ما فاح نسيم مسراك، ووجدنا ريح يوسف من رياك فحث المطى تزل غلتى برؤياك، وتزح علتي بلقياك، ونص على يوم الوصول نجعله عيدا مشرفا، ونتخذه موسما ومعرفا، ورد الغلام أسرع من رجع الكلام، فقد أمرته أن يطير على جناح نسر، يترك الصبا في عقال وأسر:
سقى الله دارات مررت بأرضها ... فأذنتك نحوى يا زياد بن عامر
أصائل قرب أرتجي أن أنالها ... بلقياك قد زحزحن حر الهواجر
وقال بعض ندماء الصاحب له يوما: أرى مولانا قد أغار فى قوله:
لبسن برود الوشى لا لتجمل ... ولكن لصون الحسن بين برود
على المتنبيء في قوله:
لبسن الوشى لا متجملات ... ولكن كي يصن به الجمالا
فقال كما أغار هو في قوله:
ما بال هذي االنجوم حائرة ... كأنها العمى ما لها قائد
على العباس بن الأحنف في قوله:
والنجم فى كبد السماء كأنه ... أغمى تحير ما لديه قائد
وللصاحب أيضا:
يقولون لي كم عهد عينك بالكرى ... فقلت لهم مذ غاب بدر دجاها
ولو تلتقي عين على غير دمعة ... لصارمتها حتى يقال نفاها
من قول المهلبي الوزير:
تصارمت الأجفان منذ صرمتني ... فما تلتقي إلا على دمعة تجري
وللصاحب أيضا:
ومهفهف حسن الشمائل أهيف ... يروي النفوس بفترتي عينيه
ما زال يبعدني ويؤثر هجرتي ... فجذبت قلبي من إسار يديه
قالوا: تراجعه فقلت: بديهة ... قولا أقيم مع الروى عليه
والله لا راجعته ولو أنه ... كالبدر أو كالشمس أو كبويه
أخذه من قول ابن المعتز:
والله لا كلمتها ولو انها ... كالبدر أو كالشمس أو كالمكتفي
قال المؤلف: هكذا ذكر الثعالبي، ونسب هذا البيت إلى ابن المعتز، وهو لأبى بكر محمد بن السراج النحوي، وله قصة ظريفة، وهي مذكورة في أخباره من هذا الكتاب.
ومما هجي به الصاحب، قول أبي العلاء الأسدي:

(1/276)


إذت رأيت مسجى في مرقعة ... يأوى المساجد حرا ضره بادي
فاعلم بأن الفتى المسكين قد قذفت ... به الخطوب إلى لؤم ابن عباد
وقال السلامي:
يا ابن عباد بن عباس ... بن عبد الله حرها
تنكر الجبر وأخرجت ... إلى دنياك كرها
ومر أبو العباس بن الضبي، بباب الصاحب بعد موته، فقال:
أيها الباب لم علاك اكتئاب ... أين ذاك الحجاب والحجاب؟؟
أين من كان يفزع الدهر منه ... فهو الآن فى التراب تراب؟
ولأبي القاسم بن العلاء الأصفهاني، يرثي الصاحب من قصيدة:
ما مت وحدك لكن مات من ولدت ... حواء طرا بل الدنيا بل الدين
هذي نواعي العلا مذ مت نادبة ... من بعد ما ندبتك الخرد العين
تبكي عليك العطايا والصلات كما ... تبكي عليك الرعايا والسلاطين
قام السعاة وكان الخوف أقعدهم ... واستيقظوا بعد ما نان الملاعين
لايعجب الناس منهم إن هم انتشروا ... مضى سليمان وانحل الشياطين
وكتب الصاحب إلى أبي العلاء الأسدي من أجود أبياته:
يقر بعيني أن يلم رسولها ... ببابي ويهدي بالعشي سلامها
ورد يا شيخي - أطال الله بقاءك - رسولك بكتاب سبق الأفكار والظنون، وحسدت عليه القلوب العيون، وترك الواصفين بين قاصر ومقصر، ومثل ليالينا بين اللوى فمحجر بكلام كالورق النضير، تتأوه منه الغصون، وكالنور المنير، أفنانه فنون فصاد فني حليفا للشوق أو رهينا، رحنيا على الحنين وساء قرينا، وكيف لا وقد ألفنا القرب حولا، حولنا رياض الأدب ترف، ودوننا رواحل الفضل تزف نملك رقاب المنطق، ونتنازع أطراف الكلام المنمق، ونقطع الليالى تناشدا وتذاكرا، وتحادثا وتسامرا، إلى أن يخلع الظلام ثيابه، ويحدر المصباح نقابه، هذا دأبنا كان، إلى أن جاوزنا الشباب مراحل. ووردنا من المشيب مناهل. ثم حان الفراق، فنحن حتى اليوم منه في جو كدر، ونجم منكدر يقبضنا عن الموارد العذاب.
ويعرضنا على لواعج العذاب، - والله نسأل - إعادة هاتيك الأحوال، وتلك الأيام الخضراء الظلال، و إن كان الله قد زادنا بعدك مناجح ومنائح وأيادي غوادي وروائح، حتى فتحنا الفتوح، وذللنا الصروح، ورنقنا الفتوق، ونسخنا القرون، وأثرنا الآثار، ووطأنا الرقاب، وطلبنا الثار، واصطنعنا الصنائع، وجعلنا ودائع النعم قطائع، وعقدنا في أعناق الأحرار مننا، أحسبها من سبل الإحسان سننا، إنا قد تحملنا مشاق، مالت على القوة بالضعف، وتحاملت على الأشر بالوهن، ودفعت إلى معالجة خطوب، تعجب الدهر من صبرنا عليها فحار، وجبن الزمان عند شجاعتنا لها فحار، وها أنا أحرج ما كنت إلى أن أرفه، ولا أستكره، وقد رميت بسهم الأربعين، وأرميت على شرف الخمسين، مدفوع الأشغال والأثال، إلى متاعب ومصاعب، لو مني بها ابن ثلاثين قويا أزره، طريا جرضه، لقام عجزه، وقعدت به نفسه، وأظنني كنت قديما قلت:
وقائلة: لم عرتك الهموم ... وأمرك ممتثل في الأمم
فقلت: دعيني وما قد عرا ... فإن الهموم بقدر الهمم
وما أنا على الراحة آسف، بل على ألا أكون مشغولا بأخرى، أمهد لها وأكدح، وأدأب لنفسى وأنصح، - اللهم وفق وقدر - ، ومهل ويسر، إنك على ما تشاء قدير. والرسالة طويلة كتبت مقدمتها

(1/277)


ذكر محمد ما فعله الصاحب مع القاضي عبد الجبار ابن أحمد، من حسن العناية والتولية والتمويل، فلما مات الصاحب كان يقول: أنا لا أترحم عليه، لأنه لم يظهر توبته، فطعن عليه في ذلك، ونسب إلى قلة الرعاية، فلا جرم أن فخر الدولة، قبض عليه بعد موت الصاحب، وصادره فيما قيل: على ثلاثة آلاف ألف درهم، وعزله عن قضاء الري، وولى مكانه القاضي أبا الحسن، علي بن عبد العزيز الجرجاني، العلامة، صاحب التصانيف والفضائل الجمة، وقد ذكرته أنا في بابه. فقيل: إن عبد الجبار باع ألف طيلسان مصري في مصادرته، وهو شيخ طائفتهم، يزعم أن المسلم يخلد في النار على ربع دينار، وجميع هذا المال من قضاء الظلمة، بل الكفرة عنده وعلى مذهبه، وإنما ذكرت هذا للاعتبار. وقرأت في كتاب هلال بن المحسن، بن إبراهيم الصابيء قال: وكان الصاحب أبو القاسم يراعي من ببغداد، والحرمين من أهل الشرف، وشيوخ الكتاب والشعراء، وأولاد الأدباء والزهاد والفقهاء، بما يحمله إليهم في كل سنة مع الحاج، على مقاديرهم ومنازلهم، وكان يحمل إلى أبى إسحاق إبراهيم بن هلال خمسمائة دينار، وإلى ألف درهم جبلية، مع جعفر بن شعيب، فأذكر وقد راسله بعد وفاة عضد الدولة، بالاستدعاء إلى حضرته بالرى، وبذل له النفقة الواسعة، والمعونة الشاسعة عند شخوصه، والإرغاب والإكثار عند حضوره. فكانت عقله بالذيل الطويل، والظهر الثقيل، تمنعه من ترك موضعه، ومفارقة موطنه، فيما كتبه إليه بالاعتذار عن التأخير:
نكصت على أعقابهن مطالبى ... وتقاعست عن شأوهن مآربي
وتبلدت مني القريحة بعد ما ... كانت نفاذا كالشهاب الثاقب
وبكيت شرخ شبيبتي فدفنتها ... دفن الأعزة في العذار الشائب
ومنها:
فلو أن لى ذاك الجناح لطار بي ... حتى أقبل ظهر كف الصاحب
وأعيش في سقيا سحائبه التي ... ضمنت سعادة كل جد خائب
وأراجع العادات حول قبابه ... حتى السواد من الشباب الذاهب
وأعد من جلساء حضرته التي ... شحنت بكل مسائل ومجارب
فيقول: من ذا سائل عنى له ... متثبت فيقول هذا كاتبي؟
أترى أروم بهمتي ما فوق ذا ... أنى وخدمته أجل مراتبي
ومنها يعتذر
كثرت عوائقي التى تعتاقني ... من غيث راحته الملث الساكب
ولد لهم ولد وبطن ثالث ... هو رابعي وعشيرتي وأقاربي
والسن تسع بعدها خمسون قد ... شامت بوارق يومها المتقارب
فالجسم يضعفعن تجشم راجل ... والحال يقصر عن ترفه راكب
وعلى للسلطان طاعة مالك ... كانت على المملوك ضربة لازب
وتعطلي مع شهرتي كتصرفي ... كل سواء في الحساب الحاسب
وهي طويلة. فلما كانت سنة أربع وثمانين، التي توفي فيها جدي، أحسن بانقضاء مدته، وحضورمنيته، فكتب إلى الصاحب كتابا يسأله فيه، إقرار هذا الرسم المذكور على ولده، وإجراءه لهم من بعده، وقرن الكتاب بقصيدة أولها:
نحذر منك النائبات فتحذر ... وتذكر للخطب الجسيم فيصغر
وتكسي بك الدنيا ثياب جمالها ... فيرجوك معروف ويخشاك منكر
يقول فيها:
أسيدنا إن المنية أعذرت ... إلي بآيات تروع وتذعر
لها نذر قد آذتني بهجمة ... على مورد ما عته للمرء مصدر
وإنى لأستحلي مرارة طعمه ... إذا كنت بالتقديم لي تتأخر
وحق لنفس كان منك معاشها ... إذا غمضت عينا وعينك تنظر
ومن ورث الأولاد بعد وفاته ... حضانك طابت نفسه حين يقبر
تمرد منك الجود حتى تمردت ... مطالبنا والماجد الحر يصبر
أأطلب منك الرفد عمرى كله ... وأطلبه والجنب منى معفر؟
وليست بأولى بدعة لك في الندى ... لها موقف فيه لك الحمد ينشر
وهي طويلة. قال هلال بن المحسن: وأمرني بأن أنفذ ذلك، فأنفذته، وكتبت عن نفسي كتابا في معناه، ووصل ونفذ من يحمل الرسم على العادة، ثم اتفق أن توفي الصاحب في اول سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، فوقف، وكانت بين وفاتهما شهور.

(1/278)


قال هلال: وسمعت محدثا يحدث أبا إسحاق، أنه سمع الصاحب يقول: ما بقي من أوطاري وأغراضي، إلا أن أملك العراق، وأتصدر ببغداد، وأستكتب أبا اسحاق الصابيء، ويكتب عني وأغير عليه، فقال جدي: ويغير على وإن أصبت.
قال: وحدثني أبو إسحاق جدي قال: حضر الصاحب أبو القاسم بن عباد دار الوزير المهلي، عند وروده إلى بغداد، مع مؤيد الدولة، فحجب عنه لشغل كان فيه، وجلس طويلا، فلما تأخر الإذن، كتب إلى رقعة لطيفة فيها:
وأترك محجوبا على الباب كالخصي ... ويدخل غيري كالأيور ويخرج
فأقرأتها الوزير المهلبي، فأمر بإدخاله.
قال: وكان الصاحب عند دخوله إلى بغداد، قصد القاضي أبا السائب، عتبة بن عبيد لقضاء حقه، فتثاقل في القيام له، وتحفز تحفزا أراه به ضعف حركته، وقصور نهضته، فأخذ الصاحب بضبعه وأقامه، وقال: نعين القاضي على قضاء حقوق إخوانه، فخجل أبو السائب واعتذر إليه.
وذكر القاضي أبو علي التوخي في كتاب نشوار المحاضرة: حدثني أبو منصور عبد العزيز بن محمد بن عثمان، المعروف بابن عمرو الشرابي، حاجب أمير المؤمنين المطيع لله، قال: دخلت في حداثتي يوما على أبي السائب القاضي، فتثاقل في القيام لي، وأظهر لي ضعفا عنه للسن، والعلل المتصلة به، قال: فتطول فجذبت يده بيدي، حتى أقمته القيام التام، وقلت له: أعين قاضي القضاة، - أيده الله - على اكمال البر، وتوفية الإخوان حقوقهم؟ قال: وقد كنت عاتبا عليه في اشياء عاملني بها، وإنما جئته للخصومة، فبدأت لأخذ الكلام، فحين رأى الشر في وجهي قال: تتفضل لاستماع كلمتين؟ ثم تقول ما شئت، فقلت له، فقال: روينا عن ابن عباس، - رضي الله عنه - ، في قوله تعالى: " فاصفح الصفح الجميل " قال: عفو بلا تقريع، فأنت رأيت أن تفعل ذلك، فافعل، فاستحييت من الاستقصاء عليه، وانصرفت.
قال المؤلف: والذي عندي، أن الخبر إنما جرى بين هذا والقاضي، وبلغ أمره الصاحب، فانتحله لنفسه، وحكاه في مجلس أنسه، فشاع عنه، وكان الصاحب - رحمه الله - ممن يحب الفخر، وانتحال الفضائل، التي ربما قصر عنها. ومن أشعار الصاحب:
يا خاطرا يخطر في تيهه ... ذكرك موقوف على خاطري
إن لم تكن آثر من ناظري ... عندى فلا متعت بالناظر
وكتب إلى أبي الحسن الطيب:
إنا رجوناك على انبساط ... والجوع قد أثر فى الأخلاط
فإن عسى ملت إلى التباطي ... صفعت بالتعل قفا بقراط
وله:
بعدت فطعم العيش بعدك علقم ... ووجه حياتي مذ تغيبت أرقم
فمالك قد أدغمت في النوى ... وودك في غير الندار مرخم
وقال لما حضرته الوفاة:
وكم شامت بي عند موتي جهالة ... بظلم يسل السيف بعد وفاتي
ولو علم المسكين ماذا يناله ... من الذل بعدي مات قبل مماتي
وله أيضا:
بدا لنا كالبدر في شروقه ... يشكو غزالا لج في عقوقه
يا عجبي والدهر في طروقه ... من عاشق أحسن من معشوقه
قال أبو بكر الخوارزمي: أنشدنا الصاحب هذه القوافي ليلة وقال: هل تعرفون نظيرا لمعناها فى شعر المحدثين؟ فقلت: لا أعرف إلا قول البحتري:
ومن عجب الدهر أن الأمير ... أصبح أكتب من كاتبه
قال: فقال جودت وأحسنت، هكذا فليكن الحفظ وله ويروق لغيره:
رشأ غدا وجدي عليه كردفه ... وغدا اصطباري في هواه كخصره
وكأن يوم وصاله من وجهه ... وكأن ليلة هجره من شعره
إن ذقت خمرا خلتها من ريقه ... أو رمت مسكا نلته من نشره
وإذا تكبر واستطال بحسنة ... فعذار عارضه يقوم بعذره
وله أيضا:
دب العذار على ميدان وجنته ... حتى إذا كاد أن يسعى به وقفا
كأنه كاتب عز المداد له ... أراد يكتب لاما فابتدا ألفا
وله أيضا:
وخط كأن الله قال لحسنه ... تشبه بمن قد خطك اليوم فائتمر
وهيهات أين الخط من حسن وجهه ... وأين ظلام الليل من صفحة القمر؟؟
وله ايضا:
وشادن قلت له ما اسمكما ... فقال لي بالغنج عباث
فصرت من لثغته ألثغا ... فقلت أين الكاث والطاث

(1/279)


وله يصف الثلج:
هات المدامة يا غلام مصيرا ... نقلي عليها قبلة أو عضة
أو ما ترى كانون ينثر وروده؟ ... وكأنما الدنيا سبائك فضة
وله أيضا:
وصفراء أو حمراء فهي مخيلة ... لرقتها إلا على المتوهم
يشككنا في الكرم أن انتماءه ... إلى الخمر أم هاتا إلى الكرم تنتمي
لك الوصف دون القصف مني فخيمي ... بغير يدي وارضي بما قاله فمى
وكتب إلى أبي الفضل بن شعيب:
يا أبا الفضل لم تأخرت عنا ... فأسأنا بحسن عهدك ظنا؟
كم تمنت نفسي صديقا صدوقا ... فإذا أنت ذلك المتمني
فبعض الشباب لما تثنى ... وبعهد الصبا وإن بان منا
كن جوابي إذا قرأت كتابي ... لاتقل للرسول كان وكنا
وله أيضا:
يا بن يعقوب يا نقيب البدور ... كن شفيعي إلى فتى مسرور
قل له إن الجمال زكاة ... فتصدق بها على المهجور
وله يمدح عضد الدولة:
سعود يحار المشترى في طريقها ... ولا تتأتى في حساب المنجم
وكم عالم أحييت من بعد عالم ... على حين صاروا كالهشيم المحطم
فوالله لو لا الله قال لك الورى ... مقال النصارى في المسيح بن مريم
فحامد لو فضت فغاضت على الورى ... لما أبصرت عيناك وجه مذمم
وكلا ولكن لو حظوا بزكاتها ... لما سمعت أذناك ذكر ملوم
ولو قلت إن الله لم يخلق الورى ... لغيرك لم أحرج ولم أتاثم
وله يهجو:
سبط متوى رقيع سفله ... أبدا يبذل فينا أسفله
إعتز لنا نيكه فى دبره ... فلهذا تلعن المعتزلة
وله في رجل كثير الشرب بطيء السكر: يقال:
لماذا ليس يسكر بعدما ... توالت عليه من نداماه قرقف؟
فقلت:
سبيل الخمر أن تنقص الحجى ... فإن لم تجد شيئا فماذا تحيف
وله أيضا:
شرط الشروطي فتى أير ... وما سواه غير مشروط
أبغى من الإبرة لكنه ... يوهم قوما أنه لوطي
وله أيضا:
تصد أميمة لما رأت ... مشيبا على كارضي قد فرش
فقلت لها: الشيب نقش الشباب ... فقالت: ألا ليته ما نقش
وله أيضا:
ولما تناءت بالأحبة دارهم ... وصرنا جميعا من عيان إلى وهم
تمكن مني الشوق غير مسامح ... كمعتر لي قد تمكن من خصم.
الجزء السابع
إسماعيل بن عبد الله بن محمد، بن ميكال
أبو العباس المكيالي، وقد ذكر هذا النسب في عدة مواضع، مات ليلة الاثنين الخامس عشر من صفر، سنة اثنتين وستين وثلاثمائة بنيسابور، وهو ابن اثنتين وتسعين سنة، ودفن بمقبرة باب باب معمر، وكان شيخ خراسان، ووجهها وعينها في عصره، سمع بنيسابور أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، وأبا العباس محمد بن إسحاق السراج، وأبا العباس أحمد بن محمد الماسرجسي، وبكور الأهواز، عبد ابن أحمد بن موسى الجواليقي الحافظ والحسن بن بهار، سمع منه الحفاظ: مثل أبن علي النيسابوري، وأبي الحسين محمد بن الحجاحجي، وأبي عبد الله، ابن البيع الحافظ، وذكره في التاريخ وقال: ولد أبو العباس بنيسابور، فلما قلد أمير المؤمنين المقتدر بالله، أباه عبد الله بن محمد، للأعمال بكور الأهواز، حمل إلى حضرة أبيه، فاستدعى أبا بكر محمد بن الحسن، ابن دريج لتأديبه، فأجيب إليه إيجابا له، وبعث بأبي بكر الدريدي إليه، فهو كان مؤدبه وكان واحد عصره، وفي عبد الله بن محمد، بن ميكال، وابنه أبي العباس، قال الدريدي قصيدته المشهورة في الدنيا، التي مدحهم بها.
ثم قال الحاكم: سمعت أبا العباس، وقد سئل عن مقصورة الدريدي يقول: أنشدنيها مؤدبي أبو بكر الدريدي، ثم قرأتها عليه مرارا، فسألناه أن ينشدها فقال: أنشدنا أبو بكر بن دريد إما ترى رأسي حاكي لونه إلى أن بلغ إلى الأبيات، التي مدحهم الدريدي فيها، فقال: هذه الأبيات قد ذكرنا فيها، فلو أنشدها بعضكم؟ فقرأها عليه أبو منصور الفقيه، وأقر بها وهي:

(1/280)


إن العراق لم أفارق أهله ... عن شنآن صدني ولا قلى
إلى أن بلغ قوله:
لا زال شكري لها مواصلا ... دهري أو يعتاقني صرف الفنا
إلى هنا قرئ عليه ثم أنشدنا لفظا إلى آخرها، وذلك في شهر رمضان، سنة ست وأربعين وثلاثمائة.
قال الحاكم: سمعت أبا بكر بن محمد ب إبراهيم الجوري الأديب، وهو يحدثنا عن أبي بكر بن دريد، قلت له: أين كتبت عنه؟ ولم تدخل العراق؟ قال: كتبت عنه بفارس لما قدم على عبد الله بن محمد، بن ميكال، لتأديب ولده أبي العباس، فقلت له: أبو العباس إذ ذاك صبي، فقال: لا والله إلا رجل، إمام في الأدب والفروسية، بحيث يشار إليه.
قال: وسمعت أبا عبد الله محمد بن الحسين الوضاحي يقول: سمعت أبا العباس بن ميكال، يذكر صلة الدريدي في إنشائه المقصورة فيهم. قال الوضاحي فقلت له: وإيش الذي وصل إليه من خاصة الشيخ؟ فقال: لم تصل يدي إذ ذاك، إلا إلى ثلاثمائة دينار، صببها في طبق كاغد، ووضعتها بين يديه.
وروى عنه أبو علي الحافظ في مصنفاته، وأبو الحسين الحجاجي ومشايخنا رضي ا لله عنه.
قال الحاكم: سمعت أبا محمد عبد الله بن إسماعيل يقول: لما توفي أبي عبد الله بن ميكال، أمر أمير المؤمنين، أن أقلد الأعمال التي كان يتقلدها أبي، فأمر لي باللواء والخلعة، وأخرج في ذلك خادما من خواص الخدم، وكوتبت فيه، فبكيت واستعفيت، والناس يتعجبون من ذلك، وقلت: لي بخراسان معاش أرجع إليه، فلما انصرفت إلى نيسابور، جاءني أبو نصر بن أبي حية غداة جمعة، فقالك ينبغي أن تتأهب للركوب إلى الرئيس أبي عمرو الخفاف، فإن هذا رسم مشايخ البلد معه، ركبت معه إليه فلم يتحرك لي، فخرجت من عنده وأنا أبكي فقال لي أبو نصر: ما الذي أبكاك؟ فقلت: سبحان الله، رددت على المقتدر لواء الولاية بفارس، وخوزستان، وانصرفت إلى نيسابور، حتى أزور أبا عمرو الخفاف، فلم يتحرك لي، فقال لي: لا تغتم بهذا، واعمل إلى الخروج إلى هراة، فإن والي خراسان، أحمد بن إسماعيل بها، وإذا رآك وضربك بالصولجان وعلم محلك، أجلسك على رقاب كل من بنيسابور. فتأهبت وأصلحت هدية له وخرت إلى هراة، فوصلت إلى خدمة لاسلطان، ورضي خدمتي، ودعاني إلى الصولجان، ورضي مقامي، فلما استأذنت للانصراف، عرض على أعمالا جليلة، فامتنعت عنها، فزودني بجهاز وخلع وكان الأمر على ما ذكره أبو نصر بن أبي حية.
قال: وسمعت أبا عبد الله بن أبي ذهل يقول: قال لي الوزير ابو جعفر، أحمد بن الحسين العتبي، لما أجلسني الأمير الرشيد هذا المجلس، نظرت إلى جميع اهل خراسان، ممن يؤهل للجولس معي في مجلس السلطان، أيده الله، فلم أجد فيهم أجل من أبي العباس بن ميكال، فسألت السلطان استحضاره، فلما حضر امتنع منتقلد العمل: فقلت له: ديوان الرسائل هو مثل قضاء القضاة، أمر منوط بالعلم والعلماء، فتقلد ديوان الرسائل صار جليس في مجلس السلطان، وكان على كره من أبي العباس.
قال: وسمعت أبا يحيى حماد بن الحمادى يقول: لما قلد أبو العباس بن ميكال الديوان، أمر أن يغير زيه من التعمم تحت الحنك والرداء وغير ذلك، فلم يفعل، وراجع السلطان فيه حتى أذن فيه، فكان يجلس في الديوا متطلسا متعمما تحت الحنكة. قال: وسمعت قاضي اقضاة أبا الحسن محمد بن صالح الهاشمي يذكر آثار الميكالية ببغداد، ويصف إنشاء ابن ميكال، فوصف له بعض أحوالهم بخراسان، فقال: آثارهم عندنا بالعراق أكثر منها بخراسان، لأنهم نقالة م عندنا إلى خراسان.
إسماعيل بن ابي ذؤيب السدي الأعور
عبد الرحمن، ابن أبي ذؤيب السدي الأعور وقيل: عبد الرحمن بن أبي كريمة، مولى زينب بنت قيس، بن مخزمة، من بني عبد مناف، حجازي الأصل، سكن الكوفة، مات سنة سبع وعشرين ومائة، في أيام بني أمية، في ولاية مروان بن محمد. روى عن أنس ابن مالك، وعبد خير، وأبي صالح، ورأى ابن عمر، وهو السدي الكبير، وكان ثقة مأمونا، روى عنه الثوري وشعبة، وزائدة، وسماك بن حرب، وإسماعيل بن أبي خزيمة، وسليمان التيمي.

(1/281)


وكان ابن أبي خالد إسماعيل يقول: السدي أعلم بالقرآن من الشعبي، وقال أبو بكر بن مردويه: الحافظ إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، يكنى أبا محمد، صاحب التفسير، إنما سمي السدي، لأنه نزل بالسدة، كان أبوه من كبار أهل أصبهان، أدرك جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم سعد بن أبي وقاص، وأبو سعيد الخدري، وابن عمر، وأبو هريرة، وابن عباس.
وقال غيره: نسب السدي إلى بيع الخمر - يعني المقانع - في سدة الجامع - يعني باب الجامع - وقال الفلكي: إنما سمي السدي، لأنه كان يجلس بالمدينة في موضع يقال له السد. قال يحيى بن سعيد: ما سمعت أحدا يذكر السدي إلا بخير. ومحمد بن مروان بن عبد الله، ابن إسماعيل، بن عبد الرحمن السدي، من أهل الكوفة يروى عن الكلبي صاحب التفسير، وداود بن أبي هند، وهشام بن عروة. روى عنه ابنه علي، ويوسف بن عدي، والعلاء بن عمرو، وأبو إبراهيم الترجماني، وغيرهم. وهو السدي الصغير. وكان يحيى بن معين يقول، السدي الصغير، محمد بن مروان صاحب التفسير، ليس بثقة. وقال البخاري: محمد بن مروان الكوفي، صاحب الكلبي، لا يكتب حديثه ألبتة. وسئل أبو علي صالح جهرة عنه فقال: كان ضعيفا، وكان يضع الحديث، وكل ضعفه.
وذكر الحافظ أبو نعيم في تاريخ أصبهان، من تصنيفه قال: إسماعيل بن عبد الرحمن الأعور، يعرف بالسدي، صاحب التفسير، كان أبوه عبد الرحنم يكنى أبا كريمة، من عظماء أهل أصبهان، توفي في ولاية مروان، وذكر كما تقدم، وكان عريض اللحية، إذا جلس غطت لحيته صدره قيل: إنه رأى سعد بن أبي وقاص.
وقال أبو نعيم بإسناده: إن السدي قال: هذا التفسير أخذته عن ابن عباس، إن كان صوابا فهو قد قاله: وإن كان خطأ فهو قاله. قال أبو نعيم فيما رفعه إلى السدي: إنه قال: رأيت نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، منهم أبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وابن عمر. كانوا يرون أنه ليس أحد منهم، على الحال التي فارق عليها محمدا، إلا عبد الله بن عمر.
إسماعيل بن عبد الرحمن، بن أحمد
ابن إسماعيل، بن إبراهيم، بن عامر، بن عابد، أبو عثمان الصابوي، مات في ثالث محرم سنة تسع وأربعين وأربعمائة قال عبد الغافر: هو الأستاذ الإمام شيخ الإسلام، أبو عثمان الصابوني الخطيب، المفسر المحدث الواعظ، أوحد وقته في طريقته، وكان أكثر أهل العصر من المشايخ سماعا وحفظا، ونشرا لمسموعاته وتصنيفاته، وجمعا وتحريضا على السماع، وإقامة لمجالس الحديث.
سمع الحديث بنيسابور، من أبي العباس التابوتي، وأبي سعيد اللسمسار، وبهراة من أبي بكر بكر أحمد بن إبراهيم الفرات، وأبي معاذ شاه بن عبد الرحمن، وسمع بالشام والحجاز، ودخل معرة النعمان، فلقي بها أبا العلاء أحمد ابن سليمان، وسمع بالجبال وغيرها من البلاد، وحدث بنيسابور، وخراسان إلى غزنة، وبلاد الهند وجرجان، وآمل وطبرستان، وبالشام، وبيت المقدس، والحجاز.
روى عنه أبو عبد الله القارئ، وأبو صالح المؤذن.
ومن تاريخ دمشق: أن الصابوني وعظ للناس سبعين سنة.
قال: وله شعر منه:
مالي أرى الدهر لا يسخو بذي كرم ... ولا يجود بمعوان ومفضال
ولا أرى أحدا في الناس مشتريا ... حسن الثناء بإنعام وإفضال
صاروا سواسية في لؤمهم شرعا ... كأنما نسجوا فيه بمنوال
وذكر من فضله كثيرا ثم قال: ومولده ببوشنج للنصف من جمادى الآخرة سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة، وذكر وفاته كما تقدم.
إسماعيل بن بنان الخطيبي
علي، بن إسماعيل بن يحيى، ابن بنان الخطيبي أبو محمد، سمع الحارث بن أبي أسامة، والكريمي، وعبد الله بن أحمد، وغيرهم. وروى عنه الدار قطني، وابن شاهين، وابن زقويه. وكان ثقة فاضلا نبيلا، فهما عارفا بأيام الناس، وأخبار الخلفاء. وصنف تاريخا كبيرا على ترتيب السنين، وكان عالما بالأدب، ركينا عاقلا، ذا راي يتحرى الصدق. ولد الخطيبي في محرم سنة تسع وتسعين ومائتين، ومات في جمادى الآخرة، سنة خمسين وثلاثمائة، في خلافة المطيع لله.

(1/282)


حدث الخطيب قال: سمعت الأزهري يقول: جاء أبو بكر بن مجاهد، وإسماعيل الخطيبي إلى منزل أبي عبد الصمد الهاشمي، فقدم إسماعيل أبا بكر، فتأخر أبو بكر وقدم إسماعيل، لما استأذن إسماعيل أذن له، فقال له: أدخل ومن أنا معه؟.
وحدث عن الحسن بن رزقويه، عن إسماعيل الخطيبي قال: وجه إلى الراضي بالله ليلة عيد فطر، فحملت إليه راكبا بغلة، فدخلت عليه وهو جالس في الشموع، فقال لي يا إسماعيل: إني عزمات في غد على الصلاة بالناس في المصلى، فما أقول إذا انتهيت في الخطبة إلى الدعاء لنفسي؟ قال: فأطرقت ثم قلت يقول أمير المؤمنين: (رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي، وأن أعمل صالحا ترضاه، وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين)؟ فقال حسبك، ثم أمرني بالانصراف، وأتبعني بخادم، فدفع إلى خريطة فيها أربعمائة دينار، وكانت الدنانير خمسمائة، فأخذ الخادم منها لنفسه مائة أو كما قال.
إسماعيل بن علي الخضيري
من أعمال دجيل، ثم من ناحية نهر تاب، كان فاضلا متميزا لسنا، ذا بلاغة وبراعة، وله في ذلك تصانيف معروفة متدولة، إلا أن الخول كان عليه غالبا، قدم بغداد، وقرأ الأدب على أبي محمد إسماعيل ابن أبي منصور، موهوب بن الخضر الجواليقي، وعلى أبي البركات عبد الرحمن، الأنياري، وعلى علي بن عبد الرحيم السلمي بن العصار، وأدرك ابن الخشاب أبا محمد، وأخذ عنه علما جما، وقرأ على أبي الغنائم بن حبشي، وكان ورعا زاهدا تقيا، رحل إلى الموصل، وأقام بها في دار الحديث عدة سنين، ثم اشتاق إلى وطنه، فرجع إلى بغداد، فمات بها في صفر سنة ثلاث وستمائة، وله تصانيف ورسائل مدونة وخطب، وديوان شعر، وكتاب جيد في علم القراءات رأيته.
ومن شعره:
لا عالم يبقى ولا جاهل ... ولا نبيه لا ولا خامل
على سبيل مهيع لاحب ... يودي أخو اليقظة والغافل
إسماعيل بن عيسى، بن العطار أبو إسحاق
من أهل السير، بغدادي، روى عنه الحسن بن علويه، ذكره محمد بن إسحاق النديم وقال: له من الكتب: كتاب المبتدإ.
إسماعيل بن القاسم، بن عيذون، بن هارون
ابن عيسى بن محمد، بن سليمان، المعروف بالفالي، أبو علي البغدادي، مولى عبد الملك بن مروان، ولد بمنازجرد من ديار بكر، ودخل بغداد سنة ثلاث وثلاثمائة، وأقام بها إلى سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، مات بقرطبة في ربيع الآخر، سنة ست وخمسين وثلاثمائة، ومولده في سنة ثمانين ومائتين، وفي أيام الحكم المستنصر كانت وفاته، وسمع من أبي القاسم عبد الله بن محمد، بن عبد العزيز البغوي، وأبي سعيد لاحسين بن علي، بن زكريا بن يحيى، بن صالح، بن عاصم، بن زفر العدوي، وأبي بكر بن دريد، وابي بكر بن السراج، وأبي عبد الله نفطويه، وأبي إسحاق الزجاج، وأبي الحسن علي بن سليمان الأخفش، وقرأ كتاب سيبويه على ابن درستويه، وسأله عنه حرفا حرفا، وأما نسبته: فهو نسوب إلى قالي قلا، بلد من أعملا أرمينية. قال القالي: لما دخلت بغداد، انتسبت إلى قالي قلا، رجا ء أن أنتفع بذلك، لأنها ثغر من ثغور المسلمين، لا يزال بها المرابطون، فلما تأدب ببغداد، ورأى أنه لاحظ له بالعراق، قصد بلاد الغرب، فوافاها في أيام المتلقب بالحكم، المستنصر بالله عبد الرحمن، بن الحكم، بن هشام بن عبد الرحمن، بن معاوية، بن هشام، بن عبد الملك، بن مروان، بن الحكم، بن أبي العاص، بن أمية، ين عبد شمس، ابن عبد مناف. قالوا: وهذا أول من دعي من هؤلاء بالغرب أمير المؤمنين، إنما كان المتولون قبله يدعو ببني الخلائف. فوفد القالي إلى الغرب، في سنة ثلاثي وثلاثمائة، فأكرمه صاحب الغرب، وأفضل عليه إفضالا عمه، وانقطع هناك بقية عمره، وهناك أملى كتبه أكثرها عن ظهر قلب، منها كتاب الأمالي، معروف بيد الناس، كثير الفوائد، غاية في معناه.

(1/283)


قال أبو محمد بن حزم: كتاب نوادر أبي علي، مبار لكتاب الكامل، الذي جمعه المبرد، ولئن كان كتاب أبي العباس أكثر نحوا وخبرا، فإن كتاب أبي علي أكثر لغة وشعرا، وكتاب الممدود والمقصور، رتبه على التفعيل، ومخارج الحروف من الحلق، مستقى في بابه، لا يشذ منه شيء في معناه، لم يوضع مثله، كتاب مقاتل الفرسان، كتاب تفسير السبع الطوال، كتاب البارع في اللغة على حرف المعجم، جمع فيه كتب اللغة، يشتمل على ثلاثة آلاف ورقة. قال الزبيدي: ولا نعلم أحدا من المتقدمين ألف مثله.
قرأت بخط أبي بكر محمد بن طرخان، بن الحكم: قال الشيخ الإمام أبومحمد العربي: كتاب البارع لأبي علي القالي، يحتوي على مائة مجلد، لم يصنف مثله في الإحاطة والاستيعاب، إلى كتب كثيرة ارتجلها وأملاها عن ظهر قلب كلها.
قال الحميدي: وممن روى عن القالي أبو بكر محمد ابن الحسين الزبيدي النحوي، صاحب كتاب مختصر العين، وأخبار النحويين، وكان حينئذ إماما في الأدب، ولكن عرف فضل أبي علي فمال إليه، واختص به استفاد منه، وأقر له.
قال الحميدي: وكان أقام ببغداد خمسا وعشرين سنة، ثم خرج منها قاصدا إلى المغرب، سنة ثمان وعشري وثلاثمائة، ووصل إلى الأندلس، في سنة ثلاثين وثلاثمائة، في أيام عبد الرحمن الناص، وكان ابنه الأمير أبو العاس، الحكم ابن عبد الرحمن، من أحب ملوك الأندلس للعلم، وأكثرهم اشتغالا به، وحرصا عليه، فتلقاه بالجميل، وحظي عنده، وقرب منه، وبالغ في إكرامه، ويقال: إنه هو الذي كتب إليه، ورغبه في الوفود عليه، واستوطن قرطبة، ونشر علمه بها.
قال: وكان إماما في علم العربية، متقدما فيها، متقنا لها، فاستفاد الناس منه، وعولوا عليه، واتخذوه حجة فيما نقله، وكانت كتبه على غاية التقييد، والضبط والإتقان، وقد ألف في علمه الذي اختص به تآليف مشهورة، تدل على سعة علمه وروايته، وحدث عنه جماعة، منهم أبو محمد عبد الله بن الربيع، بن عبد الله التميمي، ولعله آخر من حدث عنه، وأحمد بن أبان، بن سيد الزبيدي، كما ذكرنا آنفا. قال: وكان أعلم الناس بنحو البصريين، وأرواهم للشعر مع اللغة.
قال الزبيد: وسألته لم قيل له القالي؟ فقال: لما انحدرنا إلى بغداد، كنا في رفقة فيها أهل قالي قلا، وهي قرية من قرى منازجرد، وكانوا يكرمون لمكانهم من الثغر، فلما دخلت بغداد، نسبت إليهم لكوني معهم، وثبت ذلك علي.
قال الحميدي: وكان الحكم المستنثر قبل ولايته الأمور، وبعد أن صارت إليه، يبعثه على التأليف، وينشطه بواسع العطاء، ويشرح صدره بالإجزال في الإكرام، وكانوا يسمونه بالبغدادي، لكثرة مقامه، ووصوله إليهم منها.
قال السلفي بإسناد له: أخبرنا أبو الحكم، منذر بن سعيد البولطي قال: كتبت إلى أبي علي البغدادي القالي، أستعير منه كتابا من الغريب وقلت:
بحق رئم مفهف ... وصدغه المتلطف
ابعث إلى بجزء ... من الغريب المصنف
قال: فأجابني وقضى حاجتي،
وحق در تألف ... بفيك أي تألف
ولو بعثت بنفسي ... إليك ما كنت أسرف
ابن صالح، بن إسماعيل
ابن صالح، بن عبد الرحمن، الصفار، أبو علي، علامة بالنحو باللغة، مذكور بالثقة والأمانة، صحب المبرد صحبة اشتهر بها وروى عنه، وسمع الكثير، وروى الكبير، أدركه الدار قطني، وقال: هو ثقة، صام أربعة وثمانين رمضان، وكان متعصبا للسنة، مات فيما ذكره الخطيب، سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، ومولده سنة تسع وأربعين ومائتين، ودفن بقرب قبر معروف الكرخي، بينهما عرض الطريق، دون قبر أبي بكر الآدمي، وأبي عمر الزاهد.
قال أبو عبيد، محمد بن عمران المرزباني: أنشدني الصفار لنفسه:
إذا ظرتكم لاقيت أهلا ومرحبا ... وإن غبت حولا لا أرى منكم رسلا
وإن جئت لم أعدم ألا قد جفوتنا ... وقد كنت زوارا فما بالنا نقلى
أفي الحق أن أرضى بذلك منكم ... بل الضيم أن أرضى بذا منكم فعلا
ولكنني أعطي صفاء مودتي ... لمن لا يرى يوما على له فضلا
وأستعمل الإنصاف في الناس كلهم ... فلا أصل الجافي ولا أقطع الحبلا
وأخضع لله الذي هو خالقي ... ولن أعطي المخلوق من نفسي الذلا

(1/284)


إسماعيل بن محمد، بن أحمد الوثابي
أبو طاهر، من أهل أصبهان، له معرفة تامة بالأدب، وطبع جواد بالشعر، مات في سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة. قال السمعاني: ومن خطه نقلت: ما رأيت بأصفهان في صنعة الشعر والترسل، أفضل منه، أضر في آخر عمره، وافتقر وظهر الخلل في أحواله، حتى كاد أن يختلط، دخلت عليه داره بأصبهان، وما رأيت أسرع بديهة منه في النظم والنثر. افترحت عليه رسالة فقال لي: خذ القلم واكتب، وأملى علي في الحال بلا ترو ولا تفكر، كأحسن ما يكون، إلا أني سمعت الناس يقولون: إنه يخل بالصلوات المفروضة، والله أعلم بحاله.
وأنشد عنه السمعاني أشعارا له منها:
أشاعوا فقالوا وقفة ووداع ... وزمت مطايا للرحيل سراع
فقلت: وداع لا أطيق عيانه ... كفاني من البين المشتت سماع
ولم يملك الكتمان قلب ملكته ... وعند النوى سر الكتوم مذاع
وأنشد عنه له:
فو الله لا أنسى مدى الدهر قولها ... ونحن على حد الوداع وقوف
وللنار من تحت الضلوع تلهب ... وللماء من فوق الخدود وكيف
ألا قاتل الله الصورف فإنما ... تفرق بين للصاحبين صروف
وأنشد له عنه أيضا:
طابت لعمري على الهجرا ذكراها ... كأن نفسي ترى الحرمان ذكراها
تحيا بيأس وتفنيها طماعية ... هل مهجة برد يأس الوصل أحياها؟
قامت لها دون دعوى الحب بينة ... بشاهدين أبانا صدق دعواها
إرسال شكوى وإجراء الدموع معا ... وإن تحقبت مجراها ومرساها
وأنشد عنه له م قصيدة.
فعج صاح بالعوج الطلاح إلى الحمى ... وزر أثلات القاع طال بها العهد
تعوض عينا بعد عين أوانسا ... وأوحش أحشاء تضمنها الوجد
وما ساءني وجد ولا ضرني هوى ... كما ساءني هج تعقبه صد
تبصر خليلي من ثنية بارق ... بريقا كسقط النار عالجه الزند
يدق وأحيانا يرق ويرتقي ... ويخفى كرأي الغمر إمضاؤه رد
فيقضى بها من ذكر حزوى ليانة ... ويطفى بها م نار وجد بها وقد
وإن كان عهد لاوصل أضحى نسيئة ... فهاك أليل البرق إذ عهده نقد
وشم لي نسيم الريح من أفق الحمى ... فقد عبق الوادي وفاح بهالارند
إسماعيل بن محمد، بن عبدوس الدهان
أبو محمد النيسابوري، أنفق ماله على الأدب، وتقدم فيه، وبرع في علم اللغة، والنحو والعروف، وأخذ عن إسماعيل بن حماد الجوهري، فاستكثر منه، وحصل كتابه كتاب الصحاح في اللغة بخطه واتص باالأمير أبي الفضل الميكالي بشعر كثير، ثم أوتي الزهد والإعراض عن الأعراض الدنيا.
وقال لما أزمع الحج والزيارة:
أتيتك راجلا ووددت أني ... ملكت سواد عيني أمتطيه
ومالي لا أسير على الماقي ... إلى قبر رسول الله فيه
وله أيضا:
أيا خير مبعوث إلى خير أمة ... نصحت وبلغت الرسالة ولاوحيا
فلو كان في الإمكان سعى بمقلتي ... إليك رسول الله أفنيتها سعيا
وله أيضا:
عبد عصى ربه ولكن ... ليس سوى واحد يقول
إن لم يكن فعله جميلا ... فإنما ظنه جميل
وقال لصديق له:
نصحتك يا أبا إسحاق فاقبل ... فإني ناصح لك ذو صداقه
تعلم ما بدا لك من علوم ... فما الإدبار إلا في الوراقه
قال: وسألني أن أردد شيئا من أشعاره في الغزل والمديح في كتابي هذا، فانتهيت في ذلك إلى رواية...
إسماعيل بن محمد القمي النحوي
ذكره ابن النديم فقال: له من التصانيف، كتاب الهمز. كتاب العلل.
إسماعيل بن محمد، بن عامر، بن حبيب
أبو الوليد الكاتب بإشبيلية فيقال: له ولأبيه قدم في الأدب، وله شعر كثير تقوله بفضل أدبه. وله كتاب في فضل الربيع. مات أبو الوليد ب محمد بن عامر، قريبا من سنة أربعين وأربعمائة بإشبيلية، ومن شعره في الربيع:
أبشر فقد سفر الثرى عن بشره ... وأتاك ينشر ما طوى من نشره

(1/285)


متحصنا من حسنه في معقل ... عقل العيون على رعاية زهره
من بعد ما سحب السحاب ذيوله ... فيه ودر عليه أنفس دره
شهر كأن الحاجب بن محمد ... ألقى عليه مسحة من بشره
إسماعيل بن مجمع الأخباري
ذكره محمد بن إسحاق النديم فقال: هو أحد أصحاب السير والأخبار، ومعروف بصحبة الواقدي المختص به، مات سنة سبع وعشرين ومائتين. له من التصنيف: كتاب أخبار النبي صلى الله عليه وسلم، ومغازيه، وسراياه.
إسماعيل بن موهوب، بن أحمد، بن محمد
ابن الخضر، بن الجواليق، يكنى أبا محمد، كان إمام أهل الأدب، بعد أبيه أبي منصور بالعراق، واختص بتأديب ولد الخلفاء، مات في شوال سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وكان مليح الخط، جيد الضبط، يشبه خطه خط والده، وكانت له معرفة حسنة باللغة والأدب، وكانت له حلقة بجامع القصر، يقرئ فيها الأدب كل جمعة. سمع منه ابن الأخضر، وابن حمدون الحسن تاج الدين، وغيرهما. ومولده في شعبان، سنة اثنتي عشرة وخمسمائة. وكان بينه وبين أخيه إسحاق في المولد سنة ونصف، وفي الوفاة ثلاثة أشهر.
حدثت أن أبا الحسن، جعفر بن محمد، بن فطيرا، ناظر واسط والبصرة، وما بينهما من تلك النواحي، دخل يوما إلى بعض الوزراء في أيام المستضيئ بالله - سقى الله عهوده صوب الرضوان، - فرأى في مجلسه الذي كان بجلسه، رجلا لم يعرفه، فهابه وجلس بين يدي الوزير، وكان بان فطير معروفا بالمزاح والنادرة، فتقدم حتى قال للوزير مسارا: يا مولانا، من هذا الذي قد جلس في مجلسي؟ فقال: هذا لاشيخ الأمام أبو محمد بن الجواليقي. فقال: وأي أرباب المناصب هو؟ قال: ليس هو من أرباب المناصب، هذا هو الإمام الذي يصلي بأمير المؤمنين، صلوات الله عليه وسلامه.
قال: فقام مبادرا وأخذ بيده، وأزاحه عن موضعه، وجلس في منصبه، وقال له: أيها الشيخ، أن ينبغي أن تتشامخ على إمام الوزير ومن دونه، فتجلس فوقهم، لأنك أعلى منهم منزلة، فأما على أنا، وأنا ناظر واسط والبصرة وما بينهما، فلا. قال: فما تمالك أهل المجلس من الضحك أن يمسكوه.
إسماعيل بن المبارك اليزيدي
بن أبي محمد يحيى، بن المبارك اليزيدي نذكر نسبه وولادته في ترجمة أبيه يحيى، إن شاء الله تعالى وحده، وكان إسماعيل أحد الأدباء الرواة، الفضلاء من ولج أبيه، وكان شاعرا مصنفا، صنف كتاب طبقات الشعراء، فنقلت من خط عمر بن محمد، بن سيف الكاتب: أنشدنا اليزيدي أبو عبد الله، يعني محمد بن العباس، بن محمد، بن أبي محمد، بعد فراغه من كتاب الوحوش لعم أبيه، إسماعيل بن أبي محمد اليزيدي:
كلما رابني من الدهر ريب ... فاتكالي عليك يا رب فيه
إن من كان ليس يدري أفي المح ... بوب صنع له أوالمكروه
لحرى بأن يفوض ما يع ... جز عنه إلى الذي يكفيه
الإله البر الذي هو في الرأ ... فة أحنى من أمه وأبيه
قعدت بي الذنوب أستغفر الل ... ه لها مخلصا وأستعفيه
كم يوالي لنا الكرامة والنع ... مة من فضله وكم نعصيه؟؟
ومن شعره عن المرزباني:
أتت ثمانون فاستمرت ... بالنقص من قوتي وعزمي
فرق جلدي ودق عظمي ... واختل بعد التمام جسمي
ياليت أني صحبت دهري ... صحبة ذي تهمة وحزم
من لم يكن عاملا بعلم ... رواه لم ينتفع بعلم
وقال يرثي علي بن يحيى المنجم، ومات على في سينة خمس وسبعين وثلاثمائة.
مات السماح ومات الجود والكرم ... إذ ضم شخص علي في الثرى رجم
سقيت من مجدث فابتل ساكنه ... غيثا ملثا توالي صوبه الديم
عادت لنا بعدك الأيام مظلمة ... وكنت ضوءا لها تجلى به الظلم
كان لازان فتيا مشرفا نضرا ... فاليوم أخلقه من بعدك الهرم
قد كنت للخلق في حاجاتهم علما ... يفرج الهم عنهم ذلك العلم
الأغر أبو الحسن
ذكره أبو بكر الزبيدي في نحاة مصر، وقال: أخذ عن أبي الحسن علي بن حمزة الكسائي، ولقيه قوم من أهل الأندلس، وحملوا عنه في سنة سبع وعشرين ومائتين

(1/286)


أمان بن الصمصامة، ابن الطرماح، بن الحكيم
ابن الحكم، بن نفرن بن قيس، بن جحدر، بن ثعلبة، بن رضا ب مالك، بن أمان، ب عمرو، ابن ربيعت، بن جرول، بن ثعل، بن عمرو، بن الغوث، أبي طئ. والطرماح الشاعر المشهور، ويكنى أمان هذا، أبا مالك. واطرحه با لأغلب، إذ صار إليه الأمر لهجاء جده الطرماح بني تميم. قال أبو الوليد المهدي: أبطأت على أبي مالك وكان مريضا فكتب إلى:
أبلغ المهدي عن مألكا ... أن دائي قد أصار المخ ريرا
كنت في المرضى مريضا مطلقا ... ولقد أصبحت في المرضى أسيرا
فإذا ما مت فانعم سالما ... وتمل العيش في الدنياكثيرا
وأخذ عنهالمهدي جزءا من النحو، واللغة، والشعر.
أمية بن عبد العزيز، بن أبي الصلت
من أهل الأندلس، كان أديبا فاضلا، حكيما منجما، مات في سنة تسع وعشري وخمسمائة، في المحرم بالمهدية من بلاد القيروان، وهو صاحب فصاحة بارعة، وعلم بالنحو، والطب. وكان قد ورد إلى مصر في أيام المسمى بالآمر، من ملوك مصر، واتصل بوزيره ومدير دولته، الأفضل شاهنشاه، بن أمير الجيوش بدر، واشتمل عليه رجل من خواص الأفضل، يعرف بمختار، ويلقب بتاج المعالي، وكانت منزلته عند الأفضل عالية، ومكانته بالسعد حالية، فتحسنت حال أمية عنده، وقرب من قلبه، وخدمه بصناعي الطب والنجوم، وأنس تاج المعالي منه بالفضل، الذي لا يشاركه فيه أحد من أهل عصره، فوصفه بحضرة الأفضل، وأثنى عليه، وذكر ما سمعه من أعيان أهل العلم، وإجماعهم على تقدمه في الفضل وتميزه عن كتاب وقته. وكان كاتب حضرة الأفضل يومئذ، رجل قد حمى هذا الباب، ومنع من أن يمر بمجلسه ذكر أحد م أهل العلم بالأدب، إلا أنه لم يتمكن من معارضة قول تاج المعالي، فأغضى على قذى، وأضمر لأبي الصلت المكروه، وتتابعت من تاج المعالي السقطات، وأفضت إلى تغير الأفضل، والقبض عليه والاعتقال، فوجد حينئذ السبيل إلى أبي الصلت، بما اختلق له من المحال، فحبسه الأفضل في سجن المعونة بمصر، مدة ثلاث سنين وشهر واحد، على ما أخبرني به الثقة عنه، ثم أطلق، فقصد المرتضي أبا طاهر يحيى بن تميم، بن المعز، بن باديس، صاحب القيروان، فحظى عنده، وحسن حاله معه. وقد ذكر ذلك في رسالة لم يذم فيها مصر، ويصف حاله، ويثني على بان باديس، واستشهد فيها بهذه الأبيات في وصف ابن باديس:
فلم أستسغ إلا نداه ولم يكن ... ليعدل عندي ذا الجناب جناب
فما كل إنعام يخف احتماله ... وإن هطلت منه على سحاب
ولكن أجل اصنع ماجل ربه ... ولم يأت باب دونه موحجاب
وما شئت إلا أن أدل عواذلي ... على أن رأيي في هواك صواب
وأعلم قوما خالفوني وشرقوا ... وغربت أني قد ظفرت وخابوا
ومن شعره أيضا:
لا غرو إن لحقت لهاك مدائحي ... فتدقت نعماك ملء إنائها
يكسى القضيب ولم يحن إبانه ... وتطوق الورقاء قبل غنائها
ومنه يرثي:
قد كنت جارك والأيام ترهبني ... ولست أرهب غير الله من أحد
فنافستني الليالي فيك ظالمة ... وما حسبت الليالي من ذوي الحسد
ولأبي الصلت من التصانيف: كتاب الأدوية المفردة، كتاب تقويم الذهن في المنطق، كتاب الرسالة المصرية، كتاب ديوان شعره كبير، كتاب رسالة عمر في الأسطرلاب، كتاب الديباجة في مفاخر صنهاجة؟ كتاب ديوان رسائل، كتاب الحديثة ف يمختار من أشعار المحدثين، ومن شعر أمية منقولا من كتاب سر السرور:
حسبي فقد بعدت في الغي أشواطي ... وطال في اللهو إيغالي وإفراطي
أنفقت في اللهو عمري غير متعظ ... وجدت فيه بوفري غيرمحتاط
فكيف أخلص من بحر الذنوب وقد ... غرقت فيه على بعد من الشاطئ
يا رب مالي ما أرجو رضاك به ... إلا اعترافي بأني المذنب الخاطي
ومنه أيضا:
لله يومي ببركة الحبش ... والصبح بين الضياء والغبش
والنيل تحت الرياح مضطرب ... كطائر في يمي مرتعش
ونحن في روضة مفوة ... دبج بالنور عطفها ووشي

(1/287)


قد نسجتها يد الربيع لنا ... فنحن من نسجها على فرش
وأثقل الناس كلهم رجل ... دعاه داعي الهوى فلم يطش
فعاطني الراح إن تاركها ... من سورة الهم غير منتعش
وأسقني بالكبار مترعة ... فهن أشفى لشدة العطش
قال محمد بن محمود: حدثني طلحة أن أبا الصلت، اجتمع في بعض متنزهات مصر، مع وجوه أفاضلها، فمال لصبي صبيح الوجه، عديم الشبه، قد نقط نون صدغه على صفحة خده، فاستو صفوه إياه، فقال:
منفرد بالحس والظرف ... بحت لديه بالذي أخفى
لهفي شكوت وهومن تيهه ... في غفلة عني وعن لهفي
قد عوقبت أجفانه بالضنى ... لأنها أضنت وما تشفى
قد أزهر الورد على خده ... لكنه ممتنع القطف
كأنما الخال به نقطة ... قد قطرت من كحل الطرف
قال: وحدثني أبو عبد الله الشامي، وكان قد درس عليه، واقتبس ما لديه، أن الإفضل كان قد تغير عليه وحبسه بالإسكندرية في دار الكتب الحكيم أرسططاليس، قال: وكنت أختلف إليه إذ ذاك، فدخلت إليه يوما، فصادفته مطرقا، فلم يرفع رأسه إلى على العادة، فسألته فل يرد الجواب، ثم قال بعد ساعة: اكتب، وأنشدني:
قد كان لي سبب قد كنت أحسب أن ... أحضى به فإذا دائي من السبب
فما مقلم أظفاري سوى قلمي ... ولا كتائب أعدائي سوى كتبي
فكتبت وسألته ع ذلك، فقال: إن فلانا تلميذي، قد طعن في عند الأمير الأفضل، ثم رفع رأسه إلى السماء، واغرورقت عيناه دمعا، ودعا عليه، فلم يحل الحول حتى استجيب له.
وأنشدني الشيخ سليمان بن الفياض الإسكندراني - وكان ممن درس عليه، واختلف إليه - في صفة فرس:
صفراء إلا حجول مؤخرها ... فهي مدام ورسغها زيد
تعطيك مجهودها فراهتها ... في الحضر والحضر عندها وخد
وأنشدني له يهجو، وما هو من صناعته:
صاف ومولاته وسيده ... حدود شكل القياس مجموعة
فالشيخ فو الاثنين مرتفع ... والست تحت الاثنين موضوعة
والشيخ محمول ذي وحامل ذا ... بحشمة في الجميع مصنوعة
شكل قياس كانت نتيجته ... غريبة في دمشق مطبوعة
وقرأت في الرسالة المصرية، زيادة على البيتين المتقدم ذكرهما قبل:
وكم تمنيت أن ألقى بها أحدا ... يسلى من الهم أو يعدى على النوب
فما وجدت سوى قوم إذا صدقوا ... كانت مواعيدهم كالآل في الكذب
باب الباء
برزخ بن محمد، أبو محمد العروضي
مولى بجيلة، وقال الصولى: أظنه من موالي كندة، وقال ابن درستويه: ومن علماء الكوفة: برزخ بن محمد العروضي، وهو الذي صنف كتابا في العروض، نقض فيه العروض - في زعمه - على الخليل، وأبطل الدوائر والألقاب، والعلل التي وضعتها، ونسبها إلى قبائل العرب، وكان كذابا.
وحدث الصولى: حدث جبلة بن محمد قال: سمعت أبي يقول: كان الناس قد البوا على أبي محمد برزخ ابن محمد العروضي، لكثرة حفظه، فساء ذلك حمادا وجنادا، فدسا إليه من يسقطه، فإذا هو يحدث بالحديث عن رجل فعل شيئا، ثم يحدث به عن رجل آخر بعد ذلك، ثم يحدث به عن آخر، فتركه الناس حتى كان يجلس وحده. وحدث صعود قال: سمعت سلمة يقول: كاني ونس النحوي يقول: إن لم يكن برزخ أروى الناس، فهو أكذب الناس. قال سلمة: وصدق يونس يقول: إن كان ما أتي به حقا وإلا فقد كذب، لأنه حدث عن أقوام لا يعرفهم الناس.
وحدث ابن قادم قال: سئل الفراء عن برزخ، فأنشد قول زهير:
أضاعت فلم يغفر لها غفلاتها ... فلاقت بيانا عند آخر معهد
يريد أن الناس اجتنبوه، لشيء استبانوه منه.
وحدث المازني قال: روى برزخ شعرا لامرئ القيس فقال له جناد: عمن رويت هذا؟ قال عني: وحسبك بي، فقال له جناد: من هذا أتيت يا غافل.
وحدث الصولي عن أبي عبد الله، أحمد بن الحسن السكوني قال: كنا نروى لبرزخ أشعارا منها:
ليس بيني وبين قومي إلا ... أنني فاضل لهم في الذكاء
حسدوني فزخرفوا في قولا ... تتلقاه ألسن البغضاء

(1/288)


كنت أرجو العلاء فيهم بعلمي ... فأتاني من الرجاء يلائي
شدة قد أفدتها من رخاء ... وانتقاص جنيته من وفاء
وحدث الحارث بن أبي أسامة قال: أنشدني عثمان ابن محمد لأبي حنش، واسمه حضير بن قيس شعرا، يقوله في برزخ:
أبرزخ قد فقدتك من ثقيل ... فظلك حين يوزن وزن فيل
فماتنفك إنسانا تماري ... جليسك منك في هم طويل
وبالأشعار علمك حين يقضى ... علينا بالسماع المستطيل
يكون كلطم سنور إذا ما ... أثاروه بأكل الرنجبيل
ولبرزخ من التصانيف: كتاب العروض، كتاب بناء الكلام. قال محمد بان إسحاق النديم: رأيته في جلود. وكتاب معاني العروض على حروف المعجم، كتاب النقض على الخليل وتغليظه في العروض، كتاب الأوس في العروض، كتاب تفسير الغريب.
بشر بن يحيى، بن علي القيني النصيبي
أبو ضياء من أهل نصيبين، شاعر قليل الشعر، وأديب كثير الأدب، وله من الكتب فيما ذكره محمد ابن إسحاق: كتاب سرقات البحتري م أبي تمام، كتاب الجواهر، كتاب الآداب، كتاب السرقات الكبير لم يتم.
بقي بن مخلد الأندلسي، أبو عبد الرحمن
ذكره الحميدي وقال:مات بالأندلس، سنة ست وسبعين ومائتين، في قول أبي سعيد بن يونس. وقال الدار قطني: مات سنة ثلاث وسبعي، والأول أصح. قال الحميدي: وبقي من حفاظ المحدثين، وأئمة الدين، والزهاد الصالحين، رحل إلى المشرق، فروى عن الأئمة، وأعلام السنة، منهم الإمام أبو عبد الله، أحمد بن محمد، بن حنبل، وأبو بكر ابن عبد الله، بن محمد، بن أبي شيبة، وأحمد بن إبراهيم الدورقي، وخليفة بن خياط، وجماعات أعلام، يزيدون على المائتين، وكتب المصنفات الكبار، والمنثور الكثير، وبالغ في الجمع والرواية، ورجع إلى الأندلس، فملأها علما جما، وألف كتبا حسانا، تدل على احتفاله واستكثاره.
قال لنا أبو محمد علي بن أحمد: فمن مصنفات بقي ابن مخلد، كتاب تفسير القرآن، وهو الكتاب الذي أقطع قطعا لا أستثني فيه، أنه لم يؤلف في الإسلام مثله، ولا تصنيف محمد بن جرير الطبري ولا غيره. ومنها في الحديث: كتاب مصنفه الكبير، الذي رتبه على أسماء الصحابة، فروى فيه عن ألف وثلاثمائة صاحب ونيف، ثم رتب حديث كل صاحب على أسماء الفقه، وأبواب الأحكام، فهو مصنف ومسند، وماأعلم هذه الرتبة لأحد قبله، مع ثقته وضبطه، وإتقانه واحتفاله في الحديث، وجودة شيوخه. فإنه روى ع مئاة رجل وأربعة وثمانين رجلا، ليس فيه عشر ضعفاء، وسائرهم أعلام مشاهير، ومنها كتاب في فتاوى الصحابة والتابعين ومن دونهم، الذي أربى فيه على مصنف أبي بكر، بن أبي شيبة وغيره، فصارت تصانيفه قواعد الإسلام، لا نظير لها، وكان بحرا لا يقلد أحدا، وكان خاصا بأحمد بن حنبل، وجاريا في مضمار البخاري ومسلم. كل هذا من كتاب الحميدي، وإما ذكرته لتصنيفه كتابا في تفسير القرآن.
وذكر له ترجمة أخرى فقال فيها: ولد بقي بن مخلد الأندلسي في رمضان، سنة إحدى وثمانين، وتوفى ليلة الثلاثاء، لتسع وعشرين لية مضت من جمادى الآخرة، سنة ست وسبعين ومائتين، ودفن في المقبرة المنسوبة إلى بني العباس، وكانت له رحلتان، أقام في إحداهما نحو العشرين عاما، وفي الثانية نحو الأربعة عشر عاما، فأخبرني أبي أنه كان يطوف في الأمصار على أهل الحديث، فإذا أتي وقت الحج، أتي إلى مكة فحج، هذا كان فعله كل عام في رحلتيه جميعا، وكان يلتزم صيام الدهر، فإذا أتي يوم جمعة أفطر وكانت له عبادات كثيرة، من قراءة القرآن، وغيرها من الصلوات، ونشر العلم.

(1/289)


قال: أما مشايخه الذين سمع منهم، فكانوا مائتي رجل، وأربعة وثمانين رجلا، هكذا ذكر في هذه الترجمة، فما أدري أيهما الصحيح؟ أخبرني أسم بن عبد العزيز، أخبرني أبو عبد الرحمن بقي بن مخلد قال: لما وضعت مسندي، أتاني عبيد الله بن يحيى، ومعه أخوه إسحاق، فقالا لي: بلغنا أنك وضعت مسندا، قدمت فيه أبا مصعب وابن بكير، وأخرت أبانا، فقال بقي: أما تقديمي لأبي مصعب، فإني قدمته لقول رسول الله عليه وسلم: (فقدموا قيش ولا تقدموها). وأما ابن بكير، فإني قدمته لسنه وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (كبر كبر)، مع أنه سمع الموطأ من مالك سبع عشرة مرة، ولم يسمعه أبوكما إلا مرة واحدة قال بقي: فخرجا عني، ولم يعودا إلى بعد ذلك، وخرجاإلى حد المداوة.
حدثنا قالسم بن أصبغ قال: خرجت من الأندلس ولم أرو عن بقي شيئا، فلما دخلتالعراق وغيره من البلدان، سمعت من فضائله وتعظيمه، ما اندمني على ترك الرواية عنه، وقلت: إذا رجعت لزمته حتى أروي جميع ما عنده، فأتانا نعيه ونحن بإطرابلس.
وحدثنا قاسم بن أصبغ قال: سمعت أحمد بن أبي خيثمة يقول: وذكر بقي بن مخلد فقال: ما كنا نسميه إلا المكنسة، وهل احتاج بلد بقي أن يأتي إلى ههنا منه أحد؟ فقلنا له: ولا أنت تحدثنا عن رجال ابن أبي شيبة؟ فقال: ولا أنا.
وذكر بقي أنه أدرك جماعة من أصحاب سفيان الثوري، فلم يرو عنهم، وروى عن رجلين: عن سفيان الثوري قال: وحدثت عن بقي أنهقال يوما لطلبته، أنتم تطلبون العم؟ وهكذا يطلب العلم؟ إنما أحدكم إذا لم يكن عليه شغل يقول: أمضى أسمع العلم، إني لأعرف لاجلا تمضي عليه الأيام في وقت طلبه للعلم، لا يكون له عيش ألام ورق الكرنب الذي يلقيه الناس، وإني لأعرف رجلا باع سراويله غير مرة في شرى كاغد حتى يسوق الله عليه من حيث يخلفها.
قال الحميدي: أخبرنا أبو القاسم، عبد الكريم ابن هزازن القشيري، في أجازة وصلت إليه، وذكر إسنادا وقال: جاءت امرأة إلى بقي بن مخلد فقالت: إن ابني قد أسره الروم، ولا أقدر على مال أكثر من دويرة ولا أقدر على بيعها، فلو أشرت إلى من يفديه بشيء، فإنه ليس لي ليل ولا نهار، ولا نوم ولا قرار، فقال: أنصرفي حتى أنظر في أمره إن شاء الله، وأطرق الشيخ وحرك شفيته قال: ولبثنا مدة، فجاءت المرأة ومعها ابنها، فأخذت تدعو له وتقول: قد رجع سالما، وله حديث يحدثك به، فقال الشاب: كنت في يدي بعض ملوك الروم، مع جماعة من الأساري، وكان له إنسان يستخدمنا كل يوم، يخرجنا إلى الصحراء للخدمة، ثم يردنا وعلينا قيودنا، فبينا نحن نجئ من العمل مع صاحبه، الذي كا يحفظنا، إذ انفتح القيد من رجلي، ووقع على الأرض، ووصف اليوم والساعة، فوافق الوقت الذي جاءت المرأة، ودعاء الشيخ. قال: فنهض إلى الذي كان يحفظني، وصاح علي: كسرت القيد؟ فقلت: لا، إلا أنه سقط من رجلي. قال فتحيروا في أمري، ودعوا رهبانهم فقالوا لي: ألك والدة؟ قلت لهم نعم. فقالوا: وافق داؤها الإجابة، وقالوا: أطلقك الله، ولا يمكننا تقييدك، فزودوني وأصحبوني إلى ناحية المسليمين.
بكر بن حبيب السهمي، والد عبد الله
ابن بكر، المحدث، ذكره الزبيدي وغيره في النحويين.
أخذ عن ابن أبي إسحاق، وقال ابن أبي إسحاق لبكر بن حبيب: ما ألحن في شيء، قال نفعل؟ فقال له: فخذ على كلمة، قال: هذه واحدة، قل كلمة، وقربت منه سنورة، فقال: لها اخسي، فقال له: أخطأت، إنما هو اخسئ.
وحدث أبو أحمد، الحسين بن عبد الله العسكري في كتاب النصحيف، له عن أبيه، عن عسل بن ذكوان عن الرياشي قال: توفى ابن لبعض المهالبة، فأتاه شبيب ابن شيبة المنقري يعزيه، وعنده بكر بن حبيب السهمي فقال شبيب: بلغنا أن الطفل لا يزال محبنطئا، على باب الجنة يشفع لأبويه. فقال بكر بن حبيب: إنما هو محبنطيا غير مهموز. فقال له شبيب: أتقول لي هذا؟ وما بين لابتيها أفصح مني. فقال بكر: وهذا خطأ ثان، ما للبصرة وللوب، لعلك غرك قولهم: ما بين لابتي المدينة، يريدنون الحرة.
قال أبو أحمد: والحرة أرض تركبها حجارة سود وهي الللابة، وجمعها لابات، فإذا كسرت فهي اللوب والللاب، وللمدينة لابتان من جانبيها، وليس للبصرة لابة ولا حرة.
قال أبو عبيدة: المحبنطي بغير همزة: هو المنتصب المستبطئ للشيء، والمحبنطيئ بالهمز: العظيم البطن المنتفخ.

(1/290)


وقال أبو عبد الله المرزباني في كتاب المعجم: بكر بن حبيب السهمي من بالهلة، أحد مشايخ المحدثين قال النه عبد الله بن بكر، كان أبي يقول البيتين والثلاثة، وهو القائل:
سير النواعج في بلاج مضلة ... يمسي الدليل بها على ملمال
خير من الطمع الدنئ ومجلس ... بفناء لا طلق ولا مفضال
فاقصد لحاجتك المليك فإنه ... يغنيك عن مترفع مختال
وحدث التاريخي عن أبي خالد، يزيد بن محمد المهلبي، عن البجلي، عن قتب بن بشر قال: كنت مع بكر بن حبيب السهمي بموضع، يقال له قصر زربي، ونحن مشرفون على المربد، إذ مر بنا يونس بن حبيب النحوي، فقال: أمر بكم الأمير؟ قال بكر: نعم، مر بنا عاصبا فوه، فرمى يونس بعنانه على عنق حماره، ثم قال: أف أف. فقال له بكر: انظر حسنا، ثم قال نعم.
وإنما ظن يونس بن حبيب النحوي، أنه قد لحن، وأنه كان يجب أ يوقل عاصبا فاه، فلما تبين أنه أراد عصب الفم صوبه.
قال: ومر بكر بن حبيب بدار فسمع جلبة فقال: ما هذه الجلبة؟ أعرس أم خرس؟ أم إعذار أم توكير؟ فقال له قوم: قد عرفنا العرس، فأخبرنا ما سوى ذاك، قال: الخرس: الطعام على الولادة، و الإعذار: الختان، و التوكير: أن يبني الرجل القبة، ويحدث القدر الجماع، فيقال: وكر لنا طعاما. قال: والقدر: الجماع الكبيرة.
وقال ثعلب: الوكيرة: مأخوذ من الوكر، وهي الوليمة، التي يصنعها الرجل عند بناء المنزل.
أبو بكر بن عياش،الخياط
بن سالم، الكوفي الخياط مولى واصل بن حيان الأسدي الأحدب، واختلف في اسمه، فقيل: اسمه قتيبة، وقيل شعبة، وقيل عبد الله، وقيل محمد، وقيل مطرف، وقيل سالم، وقيل عنترة، وقيل أحمد، وقيل عتيق، وقيل رؤبة، وقيل حماد، وقيل حسين، وقيل قاسم، وقيل لا يعرف له اسم، وأظهر ذلك شعبة ومطرف، قال الهيثم بن عدي: اسم أبي بكر مطرف بن النهشلي ومات ابن عياش في سنة ثلاث وتسعين ومائة، في السنة التي مات فيها الرشيد بن المهدي قبله بشهر، وفيها مات غندر، وعبد الله بن إدريس.
وروى أن اب عياش مات في سنة اثنتين وتسعين، والأول أظهر.
ومولده سنة سبع وتسعين، في أيام سليمان بن عبد الملك، وروى سنة أربع وتسعين، وروى سنة خمس وتسعين، وكان ابن عياش يقول: أنا نصف الإسلام.
وقال الحسين بن فهم: وقد ذكر جماعة لا تعرف أسماؤهم، منهم أبو بكر بن أبي مريم، وأبو بكر ابن أبي سبرة، وأبو بكر بن محمد، بن عمرو، بن حزم، وأبو بكر بن عبد الرحمن،وأبو بكر بن عياش، وأبو بكر بن أبي العرامس. وقال أبو الحسن الأهوازي المقرئ في كتابه: وإنما وقع هذا الاختلاف في اسم أبي بكر،لأنه كان رجلا مهيبا، فكانوا يهابونه أن يسألوه، فروى كل واحد على ما وقع له قلت: وقد روى المرز باني في كتابه: أن جماعة من أهل العلم، سألوه عن اسمه، واختلفت أقوالهم على ما تقدم، ولولا كراهة الإطالة لذكرته. وكان ابن عياش معظما عند العلماء وقد لقي الفرزدق، وذا الرمة، وروى عنهما شيئا من شعرهما.
حدث المرز باني: حدثنا أحمد بن عيسى، عن أحمد بن أبي خيثمة، حدثنا محمد بن يزيد قال: سمعت أبا بكر بن عياش يقول: كان أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن. قال عزوجل: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم)، إلى قوله: (أولئك هم الصادقون)، فهؤلاء سموه خليفة رسول الله، وهؤلاء لا يكذبون.
وحدث المرزباني بإسناده إلى زكريا بن يحيى الطائي قال:سمعت أبا بكر بن عياش يقول: إني أريد أن أتكلم اليوم بكلام، لا يخالفني فيه أحد إلا هجرته ثلاثا. قالوا: قل يا أبا بكر. قال: ما ولد لآدم عليه السلام، مولود بعد النبيين و المرسلين، أفضل من أبي بكر الصديق. قالوا: صدقت يا أبا بكر، ولا يوشع بن نون وصي موسى عليه السلام؟ قال: ولا يوشع بن نون، إلا أن يكون نبيا. ثم فسره فقال: قال الله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير هذه الأمة أبو بكر).

(1/291)


قال زكريا بن يحيى: وسمعت ابن عياش يقول: لو أتاني أبو بكر وعمر وعلي - رضي الله عنهم - في حاجة، لبدأ بحاجة علي قبل حاجة أبي بكر وعمر، لقرابته من رسول الله، ولأن أخر من السماء إلى الأرض، أحب إلي من أن أقدمه عليهما. وكان يقدم عليا على عثمان، ولا يغلو ولا يقول إلا خيرا. وحدث المرزباني بإسناده عن أبي بكر بن عياش، عن ذر، عن عبد الله قال: إن الله عز وجل نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، وابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلبه، فوجد قلوب أصحابه، خير القلوب، بعد قلبه فجعلهم وزراء نبيه صلى الله عليه وسلم، يقاتلون عن دينه، فما رأى المسلمون حسنا، فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئا، فهو عند الله سيئ قال أبو بكر ابن عياش: وأنا أقول: إنهم رأوا أن يولوا أبا بكر بعد النبي صلى الله عليه وسلم.
وحدث المرزباني، حدثنا أبو محمد بن مخلد، حدثنا أبو عمر العطاري قال: بعث أبو بكر بن عياش، إلى أبي يوسف الأعشى، فمضيت مع أبي يوسف، ومع عبد الوهاب ابن عمر، والعباس بن عمير، فدخلنا إليه وهو في علية له فقال لأبي يوسف: قد قرأت علي القرآن مرتين. وقد نقلت عني القرآن، فاقرأ علي آخر الأنفال، واقرأ علي من رأس المائة من براءة، واقرأ علي كذا، واقرأ كذا فقال له أبو يوسف: يا أبا بكر، هذا القرآن، والحديث، والفقه، وأكثر الأشياء أفدتها بعد ما كبرت، أو لم تزل فيه مذ كنت؟ ففكر هنيهة ثم قال: بلغت وأنا ابن ست عشرة سنة، فكنت فيما يكون فيه الشبان مما يعرف وينكر سنتي، ثم وعظت فسي وزجرتها، وأقبلت على الخير وقراءة القرآن، فكنت أختلف إلى عاصم في كل يوم، وربما مطرنا ليلا، فأنزع سراويلي وأخوض الماء إلى حقوي، فقال له أبو يوسف: ومن أين هذا الماء كله؟ قال: كنا إذا مطرنا، جاء ماء الحيرة إلينا، حتى يدخل الكوفة.
وكنت إذا قرأت على عاصم، أتيت الكلبي فسألته عن تفسيره، وأخبرني أبو بكر أن عاصما أخبره أنه كان يأتي زر بن حبيش، فيقرئه خمس آيات لا يزيد عليها شيئا، ثم يأتي أبا عبد الرحمن السلمي، فيعرضها عليه، فكانت توافق قراءة زر، قراءة أبي عبد الرحمن، وكان أبو عبد الرحمن، قرأ على علي عليه السلام، وكان زر بن حبيش الشكري العاطردي قرأ على عبد الله بن مسعود القرآن كله، في كل يوم آية واحدة، لا يزيده عليها شيئا، فإذا كانت آية قصيرة استقلها زر من عبد الله، فيقول عبد الله: خذها، فوالذي نفسي بيده، لهي خير من الدنيا وما فيها، ثم يقول أبو بكر، وصدق والله، ونحن نقول كما قال أبو بكر بن عياش، إذ حدثنا عن عاصم عن زر، عن عبد الله قال: هذا والله الذي لا إله إلا هو حق، كما أنكم عندي جلوس، والله ما كذبت، والله ما كذب عاصم بن أبي النجود، والله ما كذب زر، والله ما كذب عبد الله بن مسعود، وإن هذا لحق كما أنكم عندي جلوس.
وحدث عمن أسنده إلى أحمد بن عبد الله بن يونس قال: ذكر النبيذ عند العباس بن موسى، فقال: إن ابن إدريس يحرمه، فقال أبو بكر بن عياش: إن كان النبيذ حراما، فالناس كلهم أهل ردة.
وحدث المرزباني قال: قال عبد الله بن عياش: كنت أنا وسفيان الثوري وشريك، نتماشى بين الحيرة والكوفة، فرأينا شيخا أبيض الرأس واللحية، حسن السمت والهيئة، فظننا أن عنده شيئا من الحديث، وأنه قد أدرك الناس، وكان سفيان أطلبنا للحديث، وأشدنا بحثا عنه، فتقدم إليه وقال: يا هذا، عندك شيء من الحديث؟ فقال: أما حديث فلا، ولكن عندي عتيق سنتين، فنظرنا فإذا هو خمار. وحدث أبو بكر بن عياش قال: الفرزدق بالكوفة ينعي عمر بن عبد العزيز، - رضي الله عنه - ، فقال:
كم من شريعة عدل قد سننت لهم ... كانت أميتت وأخرى منك تنتظر
يا لهف نفسي ولهف اللاهفين معي ... على العدول التي تغتالها الحفر
وحدث بإسناده عن ابن كناسة قال: حدثني أبو بكر ابن عياش قال: كنت إذ أنا شاب إذا أصابتني مصيبة، تصبرت ورددت البكاء، فكان ذلك يوجعني ويزيدني ألما، حتى رأيت بالكناسة أعرابيا واقفا، وقد اجتمع الناس حوله فأنشد:
خليلي عوجا من صدور الرواحل ... بجهور حزوى وابكيا في المنازل
لعل انحدار الدمع يعقب راحة ... من الوجد أو يشفي نجي البلابل

(1/292)


فسألت عنه، فقيل: ذو الرمة. قال: فأصابتني بعد ذلك مصائب، فكنت أبيك فأجد راحة، فقلت في نفسي: - قاتل الله - الأعرابي، ما كان أبصره وأعلمه!!.
وحدث المرزباني، عن الحسن النحوي، عن محمد بن عثمان، بن أبي شيبة قال: سمعت عمي القاسم بن محمد يقول: حدثني يحيى بن آدم قال: لما قدم هارون الرشيد الكوفة، نزل الحيرة، ثم بعث إلى أبي بكر ابن عياش، فحملناه إليه، وكنت أنا أقتاده بعد ذهاب بصره، فلما انتهينا إلى باب الخليفة، ذهب الحجاب يأخذون أبا بكر مني، فأمسك أبو بكر بيدي وقال: هذا قائدي لا يفارقني، فقالوا: ادخل أنت وقائدك يا أبا بكر، قال يحيى: فدخلت به، وإذا هارون جالس وحده، فلما دنا منه أنذرته، فسلم عليه بالخلافة، فأحسن هارون الرد، فأجلسته حيث أمرت، ثم خرجت فقعدت في مكان أراهما وأسمع كلامهما، قال: فجعلت أنظر إلى هارون يتلمح أبا بكر قال: وكان أبو بكر رجلا قد كبر، وضعفت رقبته، فاتكأ ذقنه على صدره، فسكت هارون عنه ساعة، ثم قال له: يا أبا بكر، فقال: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: إني سائلك عن أمر فأسألك بالله لما صدقتني عنه، قال: إن كان علمه عندي، قال: إنك قد أدركت أمر بني أمية وأمرنا، فأسألك بالله، أيهما كان أقرب إلى الحق؟ قال يحيى: فقلت في نفسي: اللهم وفقه وثبته، قال: فأطال أبو بكر في الجواب، ثم قال له: يا أمير المؤمنين، أما بنو أمية فكانوا أنفع للناس منكم، وأنتم أقوم بالصلاة منهم. قال: فجعل هارون يشير بيده ويقول: إن في الصلاة، إن في الصلاة.
قال: ثم خرج فتبعه الفضل بن الربيع، فقال: يا أبا بكر: إن أمير المؤمنين قد أمر لك بثلاثين ألفا، فقال أبو بكر: فما لقائدي؟ فضحك الفضل وقال: لقائدك خمسة آلاف. قال يحيى: فأخذت الخمسة آلاف قبل أن يأخذ أبو بكر الثلاثين.
وحدث بإسناد رفعه إلى أبي بكر بن عياش، قال: دخلت على هارو أمير المؤمنين، فسلمت وجلست، فدخل فتى من أحسن الناس وجها، فسلم وجلس. فقال لي هارون: يا أبا بكر: أتعرف هذا؟ قلت: لا، قال: هذا ابني محمد، ادع الله له، فقلت: يا أمير المؤمنين، حدثنا هشام بن حسان عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله فاتح عليكم مشارق الأرض ومغاربها، وإن عمال ذلك الزمان في النار إلا من اتقى، وأدى الأمانة). فانتفض وتغير، وقال يا مسرور: اكتب، ثم سكت ساعة، وقال: يا أبا بكر، ألا تحدثني، فقلت: يا أمير المؤمنين، حدثنا هشام بن حسان عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتدري ما قال عمر بن الخطاب للهروان؟ قال: وما قال له؟ قلت: قال له ما يمنعك من حب المال؟ وأنت كافر القلب، طويل الأمل، قال: لأني قد علمت أن الذي لي سوف يأتيني، والذي أخلفه بعدي يكون وباله علي. ثم قال يا مسرور: اكتب ويحك. ثم قال: ألك حاجة يا أبا بكر؟ قلت: تردني كما جئت بي، قال: ليست هذه حاجة، سل غيرها، قلت: يا أمير المؤمنين: لي بنات أخت ضعاف، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر لهن بشيء، قال: قدر لهن، قلت: يقول غيري، قال: لا يقول غيرك، قلت: عشرى آلاف، قال: لهن عشرة آلاف، وعشرة آلاف، وعشرة آلاف، وعشرة آلاف، وعشرة آلاف، يا فضل اكتب بها إلى الكوفة، وألا تحبس عليه. ثم قال: اصنرف ولا تنسنا من دعائك.
وحدث بإسناده عن العباس بن بنان قال: كنا عند أبي بكر بن عياش، يقرأ علينا كتاب مغيرة، فغمض عينيه فحركه جهور، وقال له: تنام يا أبا بكر؟ فقال لا، ولك مر ثقيل فغمضت عيني. وحدث أبو هاشم الدلال قال: رأيت أبا بكر بن عياش مهموما، فقلت له: مالي أراك مهموما؟ قال: سيف كسرى لا أدري إلى من صار. وقال محمد بن كناسة: يذكر أصحاب أبي بكر بن عياش:
لله مشيخة فجعت بهم ... كانت تزيغ إلى أبي بكر
سرج لقوم يهتدون بها ... وفضائل تنمى ولا تجري
وحدث المدائني قال: كان أبو بكر بن عياش أبرص، وكان رجل من قريش يرمى بشرب الخمر، فقال له أبو بكر ابن عياش يداعبه، زعموا أن نبيا قد بعث بحل الخمر. فقال له القرشي، إذا لا أومن حتى يبرئ الأكمه والأبرص.
أنشد أبو بكر بن عياش اتلمحدث، ويقال إنهما له:
إن الكريم الذي تبقى مودته ... ويكتم السر إن صافى وإن صرما
ليس الكريم الذي إن زل صاحبه ... أفشى، وقال عليه كل ما علما

(1/293)


بكر بن محمد، بن بقية المازني
أبو عثمان النحوي، وقيل: هو بكر بن محمد، بن عدي، بن حبيب، أحد بني مازن بن شيبان، بن ذهل، ابن ثعلبة، بن عكاية، بن صعب، بن علي، بن بكر، ابن وائل. قال الزبيدي: قال الخشني: المازي مولى بني سدوس، نزل في بني مازن ب شيبان، فنسب إليهم، وهو من أهل البصرة، وهو أستاذ المبرد. روى عن أبي عبيدة والأصمعي، وأبي زيد الأصاري. وروى عنه الفضل ب محمد اليزيدي، والمبرد، وعبد الله بن سعد الوراق، وكان إماميا يرى رأي ابن ميثم، ويقول بالإرجاء، وكان لا يناظره أحد إلا قطعه، لقدرته على الكلام، وكان المبرد يقول: لم يكن بعد سيبويه أعلم من أبي عثمان بالنحو، وقد ناظر الأخفش في أشياء كثيرة فقطعه، وهو أخذ عن الأخفش.
وقال حمزة: لم يقرأ على الأخفش، إنما قرأ على الجرمي، ثم اختلف إلى الأخفش وقد برع، وكان يناظره ويقدم الأخفش وهو حي، وكان أبو عبيدة يسميه بالمتدرج، والنقار. مات أبو عثمان فيما ذكره الخطيب، في سنة تسع وأربعين ومائتي، أو ثمان وأربعين ومائتين، وذكر ابن واضح: أنه مات سنة ثلاثين ومائتين.
حدث المبرد عن المازني قال: كنت عند أبي عبيدة، فسأله رجل فقال له: كيف تقول عنيت بالأمر؟ قال: كما قلت عنيت بالأمر، قال: فكيف آمر منه؟ قال فغلط، وقال: اعن بالأمر، فأومأت إلى الرجل، ليس كما قال: فرآني أبو عبيدة، فأمهلني قليلا، فقال: ما تصنع عندي؟ قلت: ما يصنع غيري، قال: لست كغيرك، لا تجلس إلي، قلت ولم؟ قال: لأني رأيتك مع إنسان خوزي سرق مني قطيفة، قال: فانصرفت وتحملت عليه بإخواه، فلما جئته قال لي: أدب نفسك أولا، ثم تعلم الأدب. قال المبرد: الأمر من هذا باللام، لا يجوز غيره، لأك تأمر غير من بحضرتك، كأنه ليفعل هذا. وقال حماد يهجو المازني:
كادني المازني عند أبي العب ... باس والفضل ما علمت كريم
يا شبيه النساء في كل فن ... إن كيد النساء كيد عظيم
جمع المازني خمس خصال ... ليس يقوى بحملهن حليم
هو بالشعر والعروض وبالنح ... و وغمز الأيور طب عليم
ليس ذنبي إليك يا بكر إلا ... أن أيرى عليك ليس يقوم
وكفاني ما قال يوسف في ذا ... إن ربي بكيدكن عليم
وحدث المبرد قال: عزى المازني بعض الهاشميين، ونحن معه فقال:
إني أعزيك لا أني على ثقة ... من الحياة ولكن سنة الدين
ليس المعزى بباق بعد ميته ... ولا المعزى وإن عاشا إلى حين
وقد روي عن المبرد: أن يهوديا بذل للمازي مائة دينار، ليقرئه كتاب سيبويه، فامتنع من ذلك، فقيل له: لم امتنعت مع حاجتك وعيلتك؟ فقال: إن في كتاب سيبويه كذا كذا آية من كتاب الله، فكرهت أن أقرئ كتاب الله للذمة، فلم يمض على ذلك مديدة، حتى أرسل الواثق في طلبه، وأخلف الله عليه أضعاف ما تركه لله. كما حدث أبو الفرج، علي بن الحسين الأصفهاني في كتاب الأغاني، بإسناد رفعه إلى أبي عثمان المازني قال: كان سبب طلب الواثق لي، أن مخارقا غناه في شعر الحارث بن خالد المخزومي:
أظليم إن مصابكم رجلا ... أهدى السلام تحية ظلم

(1/294)


فلحنه قوم، وصوبه آخرون فسأل الواثق عمن بقي من رؤساء النحويين، فذكرت له، فأمر بحملي وإزاحة عللي. فلما وصلت إليه، قال لي: ممن الرجل؟ قلت: من بني مازن. قال: من مازن تميم؟ أم مازن قيس؟ أم مازن ربيعة؟ أم مازن اليمن. قلت: من مازن ربيعة، قال لي با اسمك؟ يريد ما اسمك، وهي لغة كثيرة في قومنا، فقلت على القياس: اسمي مكر، وفي رواية فقلت: اسمي بكر. فضحك وأعجبه ذلك، وفطن لما قصدت، فإنني لم أجرؤ أن أواجهه بالمكر، فضحك وقال: اجلس فاطبئن، أي فاطمئ، فجلست فسألني عن البيت، فقلت: صوابه إن مصابكم رجلا، قال: فأين خبر إن؟ قلت: ظلم، وهو الحرف في آخر البيت، والبيت كله متعلق به، لا معنى له حتى يتم بقوله: ظلم، ألا ترى أنه لو قال: أظليم إن مصابكم رجلا، أهدى السلام تحية، فكأنه لم يفد شيئا، حتى يقول ظلم، ولو قال أظليم إن مصابكم رجل، أهدى السلام تحية، لما احتاج إلى ظلم ولا كان له معني إلا أن تجعل التحية بالسلام ظلما، وذلك محال. ويجب حينئذ: أظليم إن مصابكم رجل، أهدى السلام تحية ظلما، ولا معنى لذلك، ولا هو لو كان له وجه مراد الشاعر. فقال: صدقت، ألك ولد؟ قلت: بنية لا غير قال: فما قالت لك حين ودعتها. قلت: أنشدتني قول الأعشى:
تقول ابنتي حي جد الرحيل ... أرانا سواء ومن قد يتم
أبانا فلا رمت من عندنا ... فإنا بخير إذا لم ترم
أرانا إذا أضمرتك البلاد ... نجفى ويقطع منا الرحم
فقال الواثق: كأني بك، وقد قلت لها قول الأعشى أيضا:
تقول بنتي وقد قربت مرتحلا ... يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا
عليك مثل الذي صليت فاعتصمي ... يوما فإن لجنب المرء مضطجعا
فقلت: صدق أمير المؤمنين. قلت لها ذلك، وزدتها قول جرير:
ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنجاح
فقال: ثق بالنجاح إن شاء الله تعالى، إن ههنا قوما يختلفون إلى أولادنا فامتحهم، فمن كان عالما ينتفع به، ألزمناهم إياه، ومن كان بغير هذه الصفة، قطعناهم عنه قال: فامتحنتهم، فما وجدت فيهم طائلا، وحذروا ناحيتي. فقلت: لابأس على أحد منكم، فلما رجعت إليه قال: كيف رأيتهم؟ فقلت يفضل بعضهم بعضا في علوم، ويفضل الباقو في غيرها. وكل يحتاج إليه. فقال الواثق: إني خاطبت منهم رجلا، فكان في نهاية الجهل في خطابه وظره. فقلت: يا أمير المؤمنين، أكثر من تقدم فهم بهذه الصفة، وقد أنشدت فيهم:
إن المعلم لايزال مضعفا ... ولو ابتنى فوق السماء سماء
من علم الصبيان أضنوا عقله ... مما يلاقي بكرة وعشاء
قال: فقال لي: لله درك، كيف لي بك؟ فقلت يا أمير المؤمنين: إن الغنم لفي قربك، والنظر إليك، والأمن والفوز لديك، ولكي ألفت الوحدة، وأنست بالافراد، ولي أهل يوحشني البعد عنهم، ويضر بهم ذلك، ومطالبة العادة أشد من مطالبة الطباع. فقال لي: فلا تقطعنا وإن لم نطلبك. فقلت: السمع والطاعة، وأمر لي بألف دينار، وفي رواية بخمسمائة دينار وأجرى علي في كل شهر مائة دينار. وزاد الزبيدي قال وكنت بحضرته يوما، فقلت لابن قادم، أو ابن سعدان، وقد كابرني، كيف تقول نفقتك دينارا أصلح من درهم؟ فقال: دينار بالرفع. قلت: فكيف تقول: ضربك زيدا يخر لك، فتنصب زيدا، فطالبته بالفرق بينهما فانقطع. وكان ابن السكيت حاضرا فقال الواثق: سله عن مسألة. فقلت له: ما وز نكتل من الفعل فقال: نفعل. فقال الواثق: غلطت. ثم قال لي: فسره، فقلت: ونكتل تقديره نفتعل، وأصله نكتيل، فانقلبت الياء ألفا لفتحة ما قبلها، فصار لفظها نكتال، فأسكنت اللام للجزم، لأنه جواب الأمر، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين. فقال الواثق: هذا الجواب، لا جوابك يا يعقوب. فلما خرجنا قال لي يعقوب: ما حملك على هذا وبيي وبينك المودة الخاصلة؟ فقلت: والله ما قصدت تخطئتك، ولم أظن أنه يعزب عنك ذلك. ولهذا البيت قصة أخرى في أخبار ابن السكيت.
قال المبرد: سألت المازني عن قول الأعشى:
هذا النهار بدا لها من همها ... ما بالها بالليل زال زوالها
فقال: نصب النهار على تقدير، هذا الصدود بدا لها النهار، واليوم والليلة. والعرب تقول: زال وأزال: بمعنى، فتقول: زال زوالها.

(1/295)


وحدث الزبيدي قال: قال المازني: وحضرت يوما عند الواثق وعنده نحاة الكوفة، فقال لي الواثق: يا مازني: هات مسألة، فقلت: ما تقولون في قوله تعالى: (وما كانت أمك بغيا). لم لم يقل بغية، وهي صفة لمؤنث فأجابوا بجوابات غير مرضية. فقال الواثق: هات ما عندك. فقلت: لو كان بغي على تقدير فعيل بمعنى فاعلة، لحقتها الهاء، مثل كريمة وظريفة، وإنما تحذف الهاء إذا كانت في معنى مفعولة، نحو: المرأة قتيل وكف خضيب، وبغي ههنا ليس بفعيل، إنما هو فعول، وفعول لا تلحقه الهاء في وصف التأنيث، نحو: امرأة شكور، وبئر شظون، إذا كانت بعيدة الرشاء، وتقدير بغي بغوي، قلبت الواو ياء، ثم أدغمت في الياء، فصارت ياء ثقيلة: نحو سيد وميت. فاستحسن الجواب.
قال المازني: ثم انصرفت إلى البصرة، فكان الوالي يجري علي المائة دينار في كل شهر، حتى مات الواثق، فقطعت عني. ثم ذكرت للمتوكل فأشخصني، فلما دخلت إليه، رأيت من العدد والسلاح، والأتراك ما راعني، والفتح بن خاقان بين يديه، وخشيت إن سئلت عن مسألة ألا أجيب فيها. فلما مثلت بين يديه وسلمت، قلت: يا أمير المؤمنين، أقول كما قال الأعرابي؟:
لا تقلواها وادلواها دلوا ... إن مع اليوم أخاه غدوا
قال أبو عثمان: فلم يفهم عني ما أردت، واستبردت فأخرجت. والقلو: رفع السير، والدلو: إدناؤه.
ثم دعاني بعد ذلك فقال: أنشدني أحسن مرثية قالت العرب. فأنشدته قول أبي ذؤيب:
أمن المنون وريبها تتوجع؟
وقصيدة متمم بن نويرة:
لعمري وما دهري بتأبين هالك
وقول كعب الغنوي:
تقول سليمى ما لجسمك شاحبا
وقصيدة محمد بن مناذر:
كل حي لاقى الحمام فمودي
فكان كلما أنشدته قصيدة يقول: ليست بشيء. ثم قال: من شاعركم اليوم بالبصرة؟ قلت: عبد الصمد ابن المعذل، قال: فأنشدني له، فأنشدته أبياتا قالها في قاضينا ابن رباح:
أيا قاضية البص ... رة قومي فارقصي قطره
ومري بروشنك ... فماذا البرد والفتره
أراك قد تثيرين ... عجاج القصف يا حره
بتجذيفك خديك ... وتجعيدك للطره
قال: فاستحسنها واستطار لها، وأمر لي بجائزة. قال: فجعلت أتعمل له أن أحفظ أمثالها، فأنشده إذا وصلت إليه، فيصلني.
وكان المازني يفضل الواثق. وللمازني شعر قليل، ذكر منه المرزباني:
شيئان يعجز ذو الرياضة عنهما ... رأي النساء وإمرة الصبيان
أما النساء فإنهن عواهر ... وأخو الصبا يجري بكل عنان
ولما مات المازني، اجتازت جنازته على أبي الفضل الرياشي فقال متمثلا:
لا يبعد الله أقواما رزئتهم ... أفناهم حدثان الدهر والأبد
نمدهم كل يوم من بقيتنا ... ولا يئوب إلينا منهم أحد
قال محمد بن إسحاق: وللمازني من الكتب: كتاب في القرآن كبير، كتاب علل النحو صغير، كتاب تفاسير كتاب سيبويه، كتاب ما يلحن فيه العامة، كتاب الألف واللام، كتاب التصريف، كتاب العروض، كتاب القوافي، كتاب الديباج في جوامع كتاب سيبويه، قرأت بخط الأزهري منصور، في كتاب نظم الجمان، تصنيف الميداني قال: سئل المازني عن أهل العلم، فقال: أصحاب القرآن فيهم تخليط وضعف، وأهل الحديث فيهم حشو ورقاعة، والشعراء فيهم هوج، وأصحاب النحو فيهم ثقل، وفي رواية الأخبار الظرف كله، والعلم هو الفقه. وتصانيف المازني كلها لطاف، فإنه كان يقول: من أراد أن يصنف كتابا كبيرا في النحو، بعد كتاب سيبويه فليستح، ويحوي كتاب سيبويه في كنهه عدة كتب.

(1/296)


حدث محمد بن رستم الطبري قال: أنبأنا أبو عثمان المازني قال: كنت عند سعيد بن مسعدة الأخفش، أنا وأبو الفضل الرياشي، فقال الأخفش: إن منذ إذا رفع بها، فهي اسم مبتدأ وما بعدها خبرها، كقولك: ما رأيته منذ يومان، فإذا خفض بها، كقولك: ما رأيته منذ اليوم فحرف معنى ليس باسم. فقال له الرياشي: فلم لا يكون في الموضعي اسما؟ فقد نرى الأسماء تخفض وتنصب، كقولك هذا ضارب زيدا غدا، وضارب زيد أمس، فلم لا تكون بهذه المنزلة؟ فلم يأت الأخفش بمقنع. قال أبو عثمان: فقلت له: لا يشبه منذ ما ذكرت، لأنا لم نر الأسماء هكذا تلزم موضعا، إلا إذا ضارعت حروف المعاني، نحو أين، وكيف، فكذلك منذ هي مضارعة لحروف المعاني، فلزمت موضعا. واحدا.
قال الطبري: فقال ابن أبي زرعة للمازي: أفرأيت حروف المعاني، تعمل عملين مختلفين متضادين؟ قال نعم، كقولك قام القوم حاشا زيد وحاشا زيدا، وعلى زيد ثوب، وعلا زيد الفرس، فتكون مرة حرفا، ومرة فعلا بلفظ واحد.
وحدث المبرد قال: سمعت المازني يقول: معنى قولهم: إذا لم تستح فاصنع ما شئت. أي إذا صنعت ما لا يستحى من مثله، فاصنع منه ما شئت، وليس على ما يذهب العوام إليه. قلت: وهذا تأويل حسن جدا.
قال أبو القاسم الزجاجي: أخبرنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن رستم الطبري قال: حضرت مجلس أبي عثمان المازني وقد قيل له: لم قلت روايتك عن الأصمعي؟ قال: رميت عنده بالقدر، والميل إلى مذاهب أهل الاعتزال، فجئته يوما وهو في مجلسه، فقال لي: ما تقول في قول الله عز وجل: (إنا كل شيء خلقناه بقدر). قلت: سيبويه يذهب إلى أن الرفع فيه أقوى من النصب في العربية، لاستعمال الفعل المضمر، وأنه ليس ههنا شيء هو بالفعل أولى، ولكن أبت عامة القراء إلا النصب، ونحن نقرؤها كذلك اتباعا، لأن القراءة سنة. فقال لي: فما الفرق بين الفع والنصب في المعنى؟ فعلمت مراده، فخشيت أن تغرى بي العامة فقلت: الرفع بالابتداء، والنصب بإضمار فعل، وتعاميت عليه.
فقال: حدثني جماعة من أصحابنا أن الفرزدق قال يوما لأصحابه: قوموا بنا إلى مجلس الحسن لابصري، فإني أريد أن أطلق النوار، وأشهده على نفسي. فقالوا له: لا تفعل، فلعل نفسك تتبعها وتندم. فقال: لابد من ذلك، فمضوا معه، فلما وقف على الحس قال له: يا أبا سعيد، تعلمنم أن النوار طالث ثلاثا، قال: قد سمعت، فتتبعتها نفسه بعد ذلك، وندم وأنشأ يقول:
ندمت ندامة الكسعي لما ... غدت مني مطلقة نوار
وكانت جنتي فخرجت منها ... كآدم حين أخرجه الضرار
ولو أني ملكت يدي ونفسي ... لكان علي للقدر الخيار
ثم قال: والعرب تقول: لو خيرت لاخترت، تحيل على القدر، وينشدون:
هي المقادير فلمني أو فذر ... إن كنت أخطأت فلم يخط القدر
ثم أطبق نعليه وقال: نعم القناع للقدري، فأقللت غشيانه بعد ذلك.
قال المبرد: حدثني المازني قال: مررت ببي عقيل، فإذا رجل أسود قصير، أعور أبرص أكشف، قائم على تل سماد وهو يملأ جواليق معه من ذلك المساد، وهو يغني بأعلى صوته:
فإن تصرمي حبلي وتستكرهي وصلي ... فمثلك موجود ولن تجدي مثلي
فقلت: صدقت والله، ومتى تجد ويحك مثلك؟ فقال: - بارك الله عليك - واسمع خيرا، ثم اندفع لينشد:
يا ربة المطرف والخلخال ... ما أنت من همي ولا أشغالي
مثلك موجود ومثلي غالي
بندار بن عبد الحميد الكرخي الأصبهاني
يعرف بابن لرة، ذكره محمد بن إسحاق في الفهرست فقال: أخذ عن أبي عبيد القاسم بن سلام، وأخذ عنه ابن كيسان.
وقال ابن الأنباري عن ابنه القاسم: كان بندار يحفظ سبعمائة قصيدة، أول كل قصيدة بانت سعاد.
قال المؤلف: وبلغني عن لاشيخ الإمام أبي محمد الخشاب أنه قال: أمعنت التفتيش والتنقير فلم أقع على أكثر من ستي قصيدة، أولها بانت سعاد. وفي كتاب أصبهان: كان بندار بن لرة، متقدما في علم اللغة ورواية الشعر، وكان مم استوط الكرخ، ثم خرج منها إلى العراق، فظهر هناك فضله، وكان الطوسي صاحب ابن الأعرابي، يوصي أصحابه بالأخذ عن بندار، ويقول: هو أعلم مني ومن غيري، فخذوا عنه.

(1/297)


قال: وحدث أبو بكر بن الأنباري في أماليه ببغداد قال: سمعت أبا العباس الأموي يقول: كان بندار بن لرة الأصبهاني، أحفظ أهل زمانه للشعر، وأعلمهم به. أنشدني عن حفظه ثمانين قصيدة، أول كل قصيدة بانت سعاد.
قال حمزة: وحدثني النوشجان بن عبد المسيح قال: سمعت المبرد يقول: كان سبب غناي بندار بن لرة الأصبهاني، وذلك أني حين فارقت البصرة، وأصعتدت إلى سامرا، وردتها في أيام المتوكل، فآخيت بها بندار بن لرة، وكان واحد زمانه في رواية دواوين شعر العرب، حتى كان لا يشذ عن حفظه، من شعر شعراء الجاهلية والإسلام إلا القليل، وأصح الناس معرفة باللغة، وكان له كل أسبوع دخلة على المتوكل، فجمع بيني وبين النحويين في داره في مجالس، ومرت ليلة، فرفع حديثي إلى الفتح بن خاقان، ثم توصل إلى أن وصفني للمتوكل، فأمر بإحضاري مجلسه.
وكان المتوكل يعجبه الأخبار والأنساب، ويروي صدرا منها، يمتح من يراه بما يقع فيها من غريب اللغة، فلما دنوت من طرف بساطه، استدناني حتى صرت إلى جانب بندار، فأقبل علينا وقال: يا بن لرة، ويا بن يزيد، ما معى هذه الأحرف التي جاءت في هذا الخبر؟ ركبت الدجوجى، وأمامي قبيلة، فنزلت ثم شربت الصباح، فمررت وليس أمامي إلا نجيم، فركضت أمامي النحوص والمسحل والعمردن فقنصت ثم عطفت ورائي إلى قلوب فلم أزل به حتى أذقته الحمام، ثم رجعت ورائي، فلم أزل أمارس الأغضف في قتله، فحمل علي، وحملت عليه حتى خر صريعا. قال المبرد: فبقيت متحيرا، فبدر بندار وقال: يا أمير المؤمنين، في هذا نظر وروية، فقال: قد أجلتكما بياض يومي، فانصرفا وباكراني غدا، فخرجنا من عنده، فأقبل بندار علي وقال: إن ساعدك الجد ظفرت بهذا الخبر، فاطلب فإني طالبه، فانقلبت إلى منزلي، وقلبت الدفاتر ظهرا لبطن، حتى وقفت على هذا الخبر، في أثناء أخبار الأعراب، فتحفظته، وباكرت بندارا فأنضهته معي وصحبناه، وبدأت فرويت الخبر، ثم فسرت ألفاظه، فالتفت إلى بندار وقال: ابن يزيد فوق ما وصفتم. ثم قال للغلام: علي بالخازن، فحضر فقال له: اخرج إلى ابن يزيد، وقل للحاجب: يسهل إذنه علي، فصار ذلك أصل مالي. وكان بندار - رحمه الله - أصله وسببه.
قرأت بخط عبد السلام البصري، في كتاب عقلاء المجانين، لأبي بكر بن محمد الأزهري: حدثنا محمد ابن أبي الأزهر قال: كنت يوما في مجلس بندار بن لرة الكرخي، بحضرة منزله، في درب عبد الرحيم الرزامي بدكان الأبناء، وعنده جماعة من أصحابه، إذ هجم علينا المسجد بردعة الموسوس، ومعه مخلاة فيها دفاتر، وجزازات، وقد تبعه الصبيان، فجلس إلى جانب بندار، وكأن بندارا فرق منه، فقال له: اطرد ويلك هؤلاء الصبيان عني، فقال لهم: اطردوهم عنه، فوثبت أنا من بين أهل المجلس، فصحت عليهم وطردتهم فجلس ساعة، ثم وثب فنظر هل يرى منهم أحدا، فلما لم يرهم، رجع فجلس ساعة ثم قال: اكتبوا: حدثني محمد ابن عسكر، عن عبد الرزاق، عن معمر قال: سئل الشعبي ما اسم امرأة إبليس؟ فقال: هذا عرس لم أشهد إملاكه. ثم أقبل على بندار، فقال: يا شيخ، ما معنى قول الشاعر؟:
وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت ... فقد رابني منها الغداة سفورها
فقال لا بندار: أجيبوه. فقال: يا مجنون، أسألك ويجيب غيرك! فقال بندار: يقول إنه لما رآها فعلت ما فعلته من سفورها، ولم يكن يعهد منها، علم أنها قد حذرته من بحضرتها، ليحجم عن كلامها، وانبساطه إليها، فضحك ومسح يده على رأس بندار وقال: أحسنت يا كيس، وكان بندار قد قارب في ذلك الوقت تسعين سنة.
بهزاد بن يعقوب، بن خرزاد
أبي يعقوب، يوسف بن يعقوب، بن خرزاد النجيرمي، راوية نحوي في طبقة أبيه، مات قبل أبيه بما يقارب الثلاثة شهور بمصر، وذلك لسبع خلون من شوال، سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة، قال السمعاني في كتاب الأنساب: نجيرم، محلة بالبصرة، إليها ينسب النجيرميون.
باب التاء
تمام بن غالب بن عمرو، يعرف بابن التيان
أبو غالب المرسي الأندلسي. بخط بن يحلم، قال سعد الخير: مرسية بلدة حسنة من بلاد الأندلس، كثيرة التين، يجلب منها إلى سائر البلدان، فلعله نسب إليه لبيع التي.

(1/298)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية