صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : إعتاب الكتاب
المؤلف : ابن الأبار
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وحكى الصولي في كتاب الأخبار المنثورة، من تأليفه، قال: كان الحسن بن رجاء الكاتب يهوى جارية من القيان، وكان إسماعيل بن بلبل يهواها، فكانا يتنافسان فيها، فلما تقلد إسماعيل الوزارة ملك الجارية وأحسن إليها، ثم سألها يوما: هل في نفسك شيء لم تبلغيه ؟ فقالت: قد بلغت كل ما أحب وزيادة، ولم يبق في نفسي إلا قدح بلور مصنوع مورد كان عند الحسن بن رجاء، فكنت إذا زرته ناولنيه، فتقدم أبو الصقر إلى أبي بكر ابن أخته بإحضار الحسن ومطالبته بالقدح عفوا أو عسفا؛ فركب أبو بكر إليه، وجلس عنده، فحادثه ثم قال له: قد جئتك في حاجة وما أحسبك تردني عنها، فقال له: كل ما عندي فلك ! قال: قدح البلور المورد تمنحني إياه. قال: قد انكسر ! قال: فأعطني كسره ! فقال: ما ظننت أني أطالب بزجاج قد انكسر فأحتفظ به ! فقال: إن هذا الرجل قد صارت له يد وسلطان، ولأن تهديه إليه وتمتن عليه أحسن من أن تكاشفه وتعاديه ! فقال: أما لسؤالك فأفعل، ولكن على شريطة، توصل لي معه أبياتا، فقال: أفعل، فأنفذ إليه القدح ومعه رقعة فيها أبيات:
سلم على أربع بالكرخ تقلاها ... من أجل جارية فيهن أهواها
تمكنت نوب الأيام منك بها ... والدهر إن أسلف الحسنى تقاضاها
يا بؤس قلبك ما أقصى مراميه ... وشجو نفسك ما أدنى بلاياها
وطيب عيش مضى ما كان أحسنه ... لو أن أيامنا منه نملاها
إليك أشكو أبا بكر هوى بجوى ... أطعته مرضيا نفسي فعاصاها
فأسعد الصب إن كنت امرأ غزلا ... واعطف على ذي البلا إن كنت أواها
قد جاءك القدح المسلوب بهجته ... مذ حيل دون التي أدنت له فاها
خذه إليك عزيزا أن يجاد به ... لو أن إحدى ليالينا كأولاها
فلما قرأ إسماعيل الأبيات وأخذ القدوح رق له، فقلده أصبهان وأخرجه إليها.
عيسى بن الفاسي
كتب لأبي الصقر إسماعيل بن بلبل في وزارته للمعتمد، وكان قد امتحن بصاعد بن مخلد الوزير قبل أبي الصقر، ورجا الحسن بن مخلد، فلما ولي لقي منه أكثر مما لقي من صاعد فقال في ذلك.
أقيك بنفسي سوء عاقبة الدهر ... ألست ترى صرف الزمان بما يجري
يصاب الفتى في اليوم يأمن نحسه ... وتسعده الأيام من حيث لا يدري
وقد كنت أبكي من تحامل صاعد ... وأشكو أمورا منه ضاق بها صدري
فلما انقضت أيامه وتبدلت ... بأيام ميمون النقيبة والذكر
سرت أسهم منه إلي أمنتها ... ولو خفتها داريتها قبل أن تسري
وذكرني بيتا من الشعر سائرا ... وقد تضرب الأمثال في سائر الشعر
عتبت على عمرو فلما فقدته ... وجربت أقواما بكيت على عمرو
وقال أيضا في صاعد وقد قرأ كتابا على الموفق فلم يفهم بعض ما فيه، وفهمه الموفق:
أرى الدهر يمنع من جانبه ... ويهدي الحظوظ إلى عائبه
ومن عجب الدهر أن الأمي ... ر أصبح أكتب من كاتبه
كذا في كتاب ابن عبدوس؛ وفي اليتيمة لأبي منصور الثعالبي: أن أبا بكر الخوارزمي نسب هذا الشعر إلى البحتري في محاورة جرت بينه وبين الصاحب أبي القاسم إسماعيل بن عباد أثناء مسامرة، فقال الصاحب للخوارزمي وقد أعجبه تنظيره بذلك: جودت وأحسنت، هكذا يكون الحفظ ! وروى يموت بن المزرع عن أبيه قال: كان عيسى بن الفاسي يكتب لأبي الصقر إسماعيل بن بلبل، وكانت له جارية يحبها، فاصطبح معها ذات يوم فهو في صبوحه حتى وافاه رسول إسماعيل في مهم له، فكتب إليه:
هبني لجاريتي وأرحم تفردها ... بالوجد إن غبت عنها أيها الملك
فقد غدونا وستر الله منسدل ... وألتام ما بيننا وأنحلت التكك
فحلف إسماعيل أنه يقيم عندها ثلاثة أيام، ووجه إليه بطيب ومال وكسوة.
عبد الله بن محمد الزجالى

(1/35)


قال أبو مروان بن حيان بن خلف بن حيان في كتابه المقتبس من أنباء أهل الأندلس: كان الأمير عبد الله يعني عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان، قد عزل عبد الله بن محمد الزجالي عن خطتي الوزارة والكتابة في بعض أوقاته لموجدة وجدها عليه، ثم أقاله بعد مديدة، وأعاده إلى خطته، وكان محببا في الناس فأبدوا فرحا لرجعته، وقال في ذلك أحمد بن محمد بن عبد ربه الشاعر من أبيات:
يا ملكا يزدهي به المنبر ... والمسجد الجامع الذي عمر
خليفة الله في بريته ... يسر للناس مثل ما يجهر
يا قمر الأرض إن تغب فلقد ... أقمت للناس كوكبا يزهر
ما فرح الناس مثل فرحتهم ... لما أقيل الأديب واستوزر
وابتهج الملك حين دبره ... عين الإمام التي بها يبصر
قطب عليه المدار أجمعه ... في الأمر والرأي كلما دبر
لم يزل البيت طول غيبته ... أعمى فلما استوى به أبصر
وقال ابن عبد ربه في ذلك أيضا مما لم يذكره ابن حيان:
تجددت الدنيا وأبدت جمالها ... وردت إلينا شمسها وهلالها
عشية يوم السبت جاءت بنعمة ... من الله لا يرجو العدو زوالها
بها جبر الله الكسير من العلا ... وأدرك منه عثرة فأقالها
فأشرقت الآفاق نورا وبهجة ... ومدت علينا بالنعيم ظلالها
بتجديد عبد الله أعظم دولة ... لمولاه عبد الله كان أزالها
ولما تولت نضرة العيش ردها ... فآلت إلى العبد القديم مآلها
فتى نشأت من كفه ديم الندى ... فظلت سجال الرزق تجري خلالها
ترى الجود يجري من فريد يمينه ... كصفحة هندي أرتك صقالها
ولو نيط من نجم السماء فضيلة ... لمد إليها الكف حتى ينالها
ومحمد بن سعيد الزجالي والد عبد الله هذا هو أول من رأس من هذا البيت وجل بالكتابة وأورثها عقبة، وكانت نباهته ورياسته بعلمه وبيانه، كأحمد بن يوسف وابن الزيات وطبقتهما، ويعرف بالأصمعي لعنايته بالأدب وحفظ اللغة.
ويذكر في سبب اتصاله بالسلطان أن الأمير عبد الرحمن بن الحكم عثرت به دابته، وهو في غزاة، فأنشد متمثلا:
وما لا ترى مما يقي الله أكبر
وطلب صدر البيت فعزب عنه، فسأل أصحابه عنه فأضلوه، وأمر بسؤال كل من اتسم بمعرفة في عسكره، فلم يلف أحد يقف عليه غير محمد بن سعيد هذا، فقال: أصلح الله الأمير، أول البيت:
نرى الشيء مما نتقي فنهابه
فأعجب الأمير عبد الرحمن ما كان منه، وراقه بيانه، فاستخدمه.
عبيد الله بن سليمان بن وهب
لما تقلد المعتضد أبو العباس أحمد ولاية العهد بعد وفاة أبيه الموفق أبي أحمد طلحة بن المتوكل، وذلك يوم الأربعاء لثمان بقين من صفر سنة ثمان وسبعين ومائتين في آخر خلافة المعتمد بن المتوكل، أقر أبا الصقر إسماعيل بن بلبل على ما كان عليه من الوزارة والتدبير، إلى يوم الاثنين بعده، ثم قبض عليه وعلى أبنائه وحاشيته، وانتهبت منازلهم، وطلب ابن الفرات، فاستتر، وبعث إلى أبي القاسم عبيد الله بن سليمان، وكان قبل ذلك بمدة منكوبا من قبل المعتمد، وأمره بالانصراف إلى منزله والبكور إليه، ليخلع عليه، فانصرف في طياره، وبكر من الغد إلى المعتضد، فخلع عليه، وانصرف وبين يديه جميع القواد والغلمان.
ولما توفي المعتمد في آخر رجب من سنة تسع وسبعين أخذ البيعة للمعتضد عبيد الله بن سليمان على الناس، فأحسن التدبير، ونظم سياسة الأمور، واستكتب ابنه القاسم بن عبيد الله لبدر المعتضدي، وجلت حاله، فاستنابه في العرض على المعتضد، وسعى به بعض حسدته، فلم يقبل المعتضد سعايته، وحضر عبيد الله، فدفع إليه السعاية، فأنشده:
كفاية الله خير من توقينا ... وعادة الله بالإحسان تغنينا
كاد الوشاة ولا والله ما تركوا ... قولا وفعلا وبأساء وتهجينا
فلم نزد نحن في سر وفي علن ... على مقالتنا الله يكفينا

(1/36)


وحكي أن المعتضد تقدم إليه بأن يوعز إلى القواد وسائر الجند بالخروج إلى الصيد معه، وذلك في فصل الشتاء، فقال له: يا أمير المؤمنين، لهؤلاء القوم استحقاق والمال عزيز، ومتى أمروا بذلك طالبونا بما يجددون به التهم ! فأمسك عنه إلى أن خرج من حضرته، ثم تقدم إلى خفيف السمرقندي حاجبه بالقبض عليه وأخذ سيفه ومنطقته، ففعل ذلك. وانصرف القاسم بن عبيد الله من دار بدر فسأل عن أبيه، فعرف الخبر، فعاد من وقته إلى بدر، فتلطف في الوصول إليه، وبكى بين يديه، فركب بدر إلى الدار، فاستأذن على المعتضد، فتبسم وعلم ما جاء به، فوجه إليه: لي شغل مع الحرم، فقال بدر: إن معي خبرا لا يجوز تأخيره، فوجه إليه: قد عرفت الخبر فانصرف فوجه إليه: إني قد استعملت في هذه الحال ما لا يحب من الأدب، ولا بد أن أخاطبه! فأذن له، فلما مثل بين يديه حل سيفه وقال: يا أمير المؤمنين، دمي معقود بدم عبيد الله، فمتى هممت في أمره بشيء، أمرت في بمثله ! فقال المعتضد: يبلغ من مقداره أن آمره بأمر فيعارضني فيه، ما أنا محتاج إلى رأيه، وإنما مجراه مجرى من ينفذ ما آمره به؛ فقال بدر: ليس يعاود ولا يجاوز ما تأمره به؛ فقال: امض فخذه ! فخرج بدر، فكسر غلق الحجرة وأخذه، وتقدم إليه بترك المعارضة فيما يأمره به.
وكان المعتضد يصف عبيد الله بالدهاء والرجلة، فلما أشار إليه بإخراجه مع بدر إلى الجبل، وقع له أنه إنما أراد التخلص والبعد منه، فقال لبدر: قد استوحشت من عبيد الله لالتماسه الخروج، وقد عزمت على أن أقبض عليه، وأقلدك خراجها مكانه؛ فدافعه عن ذلك وراجعه، وكان أحمد بن الطيب قريبا منهما، وكان المعتضد يأنس به، فوقف على كلامهما، فمضى من فوره فعرف عبيد الله ما جرى، بعد أن أحلفه أن يستره، فقلق عبيد الله، ولم تسمح نفسه بكتمانه، فصار من غد إلى المعتضد ومعه ثلث جميع ما يملك من ضيعة وعقار ومال، فوضعه بين يديه وقال له: قد جعلت لك يا أمير المؤمنين جميع ملكي حلالا طيبا وتؤمنني على نفسي وولدي ! فأنكر المعتضد ذلك وسأل عن سبب ما بلغه، فدافعه، فأمسك المعتضد وصرفه، وأحضر بدرا فأسمعه كل مكروه وقال: أنت أخبرت عبيد الله، ولم يحصل إلا على فساد نيته لنا ! فحلف له بدر بأيمان صدقه فيها؛ ولما كان من غد حضر عبيد الله، فخلا به وألح عليه أن يعرفه من الذي رقى إليه ذلك؛ فقال: أخبرني به أحمد بن الطيب. فقال: كذب وإنما أراد التشوق عندك، فكن على ثقة، فليس لك عندي إلا ما تحبه. ثم قبض على أحمد بن الطيب وحبسه في المطامير إلى أن مات.
وقيل إن أحمد بن الطيب المذكور كان يقول للمعتضد: كثير من الأمور يخفى عليك ويستر دونك ! فقال له يوما: فما الدواء ؟ فقال: توليني الخبر على بدر وعبيد الله؛ فقال: قد فعلت ! قال: فإذ قد فعلت فاكتب لي رقعة ! فكتب له بذلك، فأخذ التوقيع وجاء به إلى عبيد الله ليتقرب إليه، فأخذه عبيد الله، ثم وثب، فطلبه ابن الطيب فقال: أنا أخرجه إليك؛ ووكل به في داره وركب إلى بدر، فأقرأه إياه، فدخلا إلى المعتضد، فرمى عبيد الله بنفسه بين يديه وقال له: أنت نعشتني وابتدأتني بما لم أؤمله، وكل نعمة لي منك وبك وتفعل هذا بفلان ! فقال: إنه يسعى عليكما عندي فأكره ذلك فاقتلاه وخذا ماله؛ فأدخل في وقته إلى المطامير.
علي بن محمد بن الفياض
كتب للمعتضد، وكان يؤمل وزارته، فلما وجه المعتضد إلى عبيد الله وأمره بالبكور إليه ليخلع عليه ويقلده الوزارة، دخل في انصرافه إلى علي هذا وأعلمه بما فوض إليه المعتضد، وسأله معاضدته ومشاركته في أمره، فأجابه إلى ذلك، وتعاهدا عليه، ثم فسد ما بينهما، فلاحاه عبيد الله بحضرة المعتضد وقال له: لمن كتبت حتى تدعي الفصاحة ؟ فقال: ألي تقول هذا ؟ أنت كتبت لموسى بن بغا، وأنا كتبت لأمير المؤمنين، فأينا أولى بالفخر ! ويقال إن القواد قالوا لبدر: مولاك رضي الله عنه على ما تعرفه وماله في صدور الناس من الهيبة، وقد أحب أن تستوزر ابن الفياض، وهو من تعلم في جفائه، فلا يجد الناس بين الخليفة وكاتبه فرقا ! فلم يزل بدر يلطف به حتى صرفه عن ذلك الرأي.

(1/37)


وكان لأبن الفياض كاتب يكتب لأبي عيسى بن المتوكل، فلما حدثت الحادثة على أبي عيسى قبض على كاتبه، فاستتر ابن الفياض، فدخل يوما عبيد الله بن سليمان إلى المعتضد، وكره أن يهجم عليه من ابن الفياض بما يكره، ولا يدري ما يكون جوابه، ولا ما يجده عنده، فقال له: يا أمير المؤمنين، قد استوحش ابن الفياض لما اعتقل كاتب أبي عيسى، لأنه كان يكتب له؛ وتأمل وجه المعتضد عند ذلك، فقال له: ابعث إليه وآنسه وأزل وحشته ! فقال: السمع والطاعة ! وأحضره الدار، فدخل والناس وقوف ينظرون إليه، فقال المعتضد لما رآه: يا علي نأمر بحبس كاتبك، لشيء بيننا وبينه من غير جهتك فتستوحش ! فقال ابن الفياض متمثلا:
وذلك من تلقاء مثلك رائع
فتبسم المعتضد، وألان خطابه له رفقا به، وإبقاء عليه.
علي بن محمد بن الفرات
لما قبض المعتضد على أبي الصقر استتر علي هذا وأخوه أحمد وكانا من كتابه ومتقدمين في الأعمال، ثم ظفر بهما وحبسا، ودعا بعلي منهما يوما عبيد الله ابن سليمان، فجيء به وهو مقيد وعليه جبة دنسة، فقال: الله الله أيها الوزير ! وجعل يشكو ما لحقه وأخاه، فهدأه وسكنه، وأمره بالجلوس، فلما زال عنه الروع أخذ معه في أمر العمل وما يحتاج إليه، فاتصل كلامه وانبسط في ذكر الأموال والعمال انبساط رجل جالس في الصدر، وجعل يقول: ناحية كذا مبلغ مالها كذا، وهي كذا، وعاملها فلان من حاله كذا، وناحية كذا عاملها فلان ينبغي أن يشد بمشرف أو شريك، حتى أتى على الآفاق .. فتهلل وجه عبيد الله وقال له: اعتزل واعمل عملا بما قلت به ! فاعتزل علي ومعه أحد الكتاب، فأملى عليه ما طلب وجاء بالعمل، ثم كلم الوزير في أمره وأمر أخيه، فأمر بحل قيودهما والتوسعة عليهما، وقال لهما: لن يبعد خلاصكما، وأنا أسأل المعتضد في أمركما، ارجعا إلى موضعكما، والتفت إلى من حضر فقال: أرأيتم مثل هذا الفتى قط يعني ابن الفرات والله لا فارقت الأمير أو استوهبهما منه، فإني أعلم أن الملك لا يقوم إلا بهما، فأطلقهما بعد أيام واستعملهما.
ويقال إن عبيد الله قيل له: إن أردت أن يتمشى أمرك فأطلق ابني الفرات واستعن بهما؛ فنهض إلى المعتضد وأعلمه أن هؤلاء القوم قد داسوا الدنيا وعلموا أعمالها، قال: وكيف تصلح لنا نياتهم، وقد نكبناهم ؟ فقال: إذا رددت ضياعهم واستخلصتهم صلحوا ! فقال: إنهم غير مأمونين في السعي عليك والإفساد بيني وبينك، وأمرهم إليك؛ فخرج وأحضر أحمد بن محمد، فأدناه وآنسه، وقال له: قد استوهبتك من المعتضد لأستعين بك، وقص عليه القصة، فقال: يتقدم الوزير بإحضار الطائي وعلي بن محمد أخي؛ فقال: افعل، فأحضرهما فأخذ دواة، واعتزل بهما، فلم يزل هو وأخوه يناظران الطائي على ضمان الكوفة وسوادها وما يتصل بها، وعلى أن يحمل من مالها كل شهر ستين ألف درهم، وفي كل يوم سبعة آلاف دينار، ففعل ذلك وضمناه، وأخذا خطه وجاءا به إلى عبيد الله فسره، وكان ذلك سبب ارتقائهما إلى أن ولي علي منهما وزارة المقتدر ثلاث مرات بعد نكبات عظيمة. ولما جلس للمظالم في وزارته الثانية رميت إليه رقعة فيها:
أبا حسن عزاء وأحتسابا ... إذا سهم من الحدثان صابا
فإن الله يأخذ ثم يعطي ... وإن أخذ الذي أعطى أثابا
القاسم بن عبيد الله

(1/38)


عرض على المعتضد في حياة أبيه عبيد الله بن سليمان بن وهب، فلما توفي عبيد الله كتب إلى المعتضد رقعة يعرفه بذلك منها: ولما أفقت من هذه الصدمة التي وقعت علي، لم آمن أن يدخل علي الخلل الواقع في أوائل الحوادث، وكرهت أن أحدث شيئا من الأعمال دون علم رأي أمير المؤمنين سيدنا، فتوقفت ليأتيني من أمره ما يكون عملي بحسبه ! فأجابه المعتضد: أستمتع الله النعمة ببقائك؛ وصل كتابك بالحادث العظيم والله عندي، فأورد علي ما أقلقني وأرمضني وأبكاني وبلغ مني، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وعند الله أحتسب أبا القاسم، وإياه أسأل أن يغفر له، وما مضى من مثلك وراءه، ولست أشك فيما نزل بك، وحقيق عليك، ولست ممن يحتاج إلى وصية، فبحياتي عليك لما تعمل بنفسك عملا يضر ببدنك، وأخرج اللوعة بالبكاء، فإن فيه راحة وفرجا، ودع تجاوز ذلك إلى غيره؛ وأما الأعمال التي استأذنتنا فيها فتقلدها ونفذها، وأجر الأمور على ما كان أبوك يجريها عليه، وأحذ حذوه، واسلك طريقه، فإني أرجو زيادتك، ولا أخشى إضاعتك إن شاء الله !. وبعث المعتضد من صار إليه من خدمه بالقاسم في غد ذلك اليوم، وكان نازلا بالثريا، فلما رآه عزاه عن أبيه، وبسطه وآنسه، وقال: ثق بمالك عندي فإن الثقة بذلك توفي على المصيبة وإن عظمت ! ثم خلع عليه للوزارة، فخرج معه بدر وجميع القواد والجيش حتى صار إلى منزله.
ولما توفي المعتضد في شهر ربيع الآخر سنة تسع وثمانين ومائتين بعد سنة كاملة من وزارة القاسم، أخذ البيعة للمكتفي ابن المعتضد على الناس، واستقامت الأمور وعظمت هيبته وجل شأنه.
وكان من رأي بدر توليه عبد الواحد بن الموفق، فخالفه القاسم، ثم خالفه فأغرى به المكتفي حتى قتله.
وذكر أن المعتضد أحب أن يستكتب أحمد بن محمد المعروف بجرادة، بعد وفاة عبيد الله بن سليمان، فألح عليه بدر يقبل الأرض بين يديه ويقول: تربيتك وصنيعتك القاسم ! فيقول له المعتضد: القاسم حدث غر وجرادة شيخ مجرب ! فلم يزل به إلى أن قال: اختر عشرة آلاف دينار أو القاسم ! فاختار أمر القاسم؛ فقال له المعتضد: والله لأقتلك غيره ! فكان كما قال.
واستثقل المكتفي بعد ذلك القاسم، وأنكر قلة وفائه لبدر، وعزم على صرفه وتقليد غيره، فبلغه ذلك، فصار إلى المكتفي، ورمى بنفسه بين يديه، وقال: قد قمت ببيعتك وأنت غائب .. وذكر أشياء من خدمته توجب حرمته، ثم قال: وهذه رقعة بجميع ما أملك، لك كله، وأمني، ولا تسلمني إلى عدوي ! فقال المكتفي: وما السبب في هذا الكلام ؟ فأخبره بمن حكى عنه ذلك، فعرف صحته وغاظه وقال: ما من ذلك شيء، وإنما أردت تولية الدواوين ! واحتال القاسم في إتلاف المرشح لمكانه من كتاب المكتفي، فتم له ذلك.
وقال الصولي: لعهدي بالقاسم قد حل سيفه ومنطقته بين يدي المكتفي وهو يتقلب بالأرض ويقبلها، والمكتفي يطيب نفسه؛ قال: ثم مضى المكتفي إلى حرب القرمطي والقاسم معه، فكانت له في ذلك آراء مشهورة أدت إلى الظفر به. وركب مع المكتفي يوم دخولهم بالقرمطي، وكان من أيام الدنيا، وذلك في سنة إحدى وتسعين ومائتين. قال: وسأل القاسم المكتفي أن يشرفه بتزويج ابنه محمد بنته، فأجابه ومهرها مائة ألف دينار، فخلع عليه القاسم وعلى أهل الدولة، ولقب بولي الدولة، وكان يكتب عن نفسه: من ولي الدولة أبي الحسين القاسم بن عبيد الله وأمر أن تؤرخ الكتب عنه بأسماء أصحاب الدواوين، وهذا ما كان قط إلا لخليفة.
علي بن عيسى بن الجراح
كتب للقاسم بن عبيد الله هو والعباس بن الحسن، وأشار القاسم وهو في آخر علته على المكتفي باستكتاب أحدهما، فقدم العباس للوزارة، وكان علي زاهدا متواضعا حافظا للقرآن، عالما بمعانيه وإعرابه، وله في ذلك تأليف، وقد حمل عن أبيه الحديث، وله بلاغات لا تعرف لغيره من الكتاب، ثم وزر للمقتدر غير مرة في أول خلافته وآخرها، ولم يكن يهوى ذلك، بل كان يحب الاعتزال، ويقول: ما كنت أحتسب بمقامي في هذا الأمر إلا أني مجاهد في سبيل الله، خوفا من فتنة لا تبقي ولا تذر.

(1/39)


ولما ضبط أمر الملك، ومنع الأيدي من الظلم، اشتد ذلك على من اعتاده، فطولب ولم يعبه أعداؤه بشيء سوى قولهم: إن شغله بمحقرات الأمور تشغله عن جليلها، لأن زمانه لا يفي بذلك؛ إلى أن صرف وحبس حبسا كريها، فكتب في نكبته عدة مصاحف، وكان يحمل في وزارته إلى بيت المال ما يرد عليه مما كان الوزراء قبله يرتفقون به؛ فقال المقتدر: قد استحييت من الله في مال علي ابن عيسى، فإني أخذته ظلما، وأحاله به على مال مصر، فاشترى به ضياعا ووقفها على مكة والمدينة.
ولما استقدم من مكة بعد إخراجه إليها، والوزير إذ ذاك أبو علي محمد ابن عبيد الله بن يحيى بن خاقان، وقد تبين عجزه، خلع عليه وقدم للوزارة، وأمر بالقبض على محمد وابنيه عبيد الله وعبد الواحد، وكانوا قد ركبوا إلى دار الخلافة ووعدوا أن يسلم إليهم فسلموا إليه، فأطلق عبد الواحد وقال: إنه مظلوم؛ وعامل محمدا وعبيد الله أحسن معاملة، ورفق بهما، وكانا قد أرادا قتله في طريق مكة، فلم يمكنهما فيه حيلة.
ورفع إليه أن رجلا من جلساء عبيد الله قال: إن علي بن أبي طالب قتل، فمن علي بن عيسى حتى لا يقتل ! فما زاد علي أن قال: أما اتقى الله ولا خافه !! ثم كان يقضي حوائج ذلك الرجل ويثني عليه؛ فلما جلس للناس ورأى تكاثرهم تمثل:
ما الناس إلا مع الدنيا وصاحبها ... فكيفما انقلبت يوما به انقلبوا
يعظمون أخا الدنيا فإن وثبت ... يوما عليه بما لا يشتهي وثبوا
وكان علي بن بسام قد هجاه لما نفي إلى مكة، فلما ردت إليه الوزارة جلس يوما للمظالم فمرت به في جملة القصص رقعة مكتوب فيها:
وافى ابن عيسى وكنت أضغنه ... أشد شيء علي أهونه
ما قدر الله ليس يدفعه ... وما سواه فليس يمكنه
فقال علي بن عيسى، صدق هذا ابن بسام، والله لا ناله مني مكروه أبدا.
وأنشد الصولي مما هجي به علي بن عيسى في نكبته:
أيامكم يا بني الجراح قد جرحت ... كل القلوب ففيها منكم نار
لا متع الله بالإقبال دولتكم ... فإن إقبالكم للناس إدبار
وذكر أنه استشير بعد عزله في حامد بن العباس فقال: حاذق بالعمل لا يصلح للوزارة ! فقيل له: قدم ! فقال: بارك الله لأمير المؤمنين فيما أمضاه ! ثم عزم عليه أن يتقلدها فأبى، لما نصح فيها، فلم ينفعه ذلك، فقيل له: فاخرج تعاون حامدا، فيكون له الاسم ولك العمل ! فأجاب بعد امتناع طويل. وقيل لحامد: إنا جعلنا علي بن عيسى عونا لك، فشكر ذلك، وذكره بخير، ومشى أمر المملكة على هذا خمسة أعوام في حسن سيرة وإنصاف من ظالم، وعلي ابن عيسى يدبر ذلك كله. وطمع حامد في الاستبداد، وتضمن عليا بمال عظيم فلم يقدر على ذلك.
أبو جعفر البغدادي
لحق بالمهدي عبيد الله الشيعي في أول تغلبه على إفريقية وإثر البيعة له برقادة، فولاه أمورا خفيفة، ثم صار البريد وكتابة السلطان إليه، وفسد ما بينه وبين عروبة الكتامي، وهو حينئذ المستولي على المملكة العبيدية، وأغراه به جماعة، فصار البغدادي إلى خوف شديد، وكان يتوقع الموت في كل يوم، إلى أن قتل الكتامي منافقا، وجيء برأسه إلى رقادة، وقتل أخوه وأهل بيته، وتمكن البغدادي من أعدائه، وجلت حاله عند عبيد الله حين انتقاله إلى المهدية، وانقطعت السعاية به، وتمادت حظوته إلى آخر أيامه، وولي ابنه القائم، فأبقاه على حاله مدة.
عيسى بن فطيس

(1/40)


كان عبد الرحمن بن محمد الناصر أمير الأندلس قد ولاه الكتابة العليا في حياة أبيه فطيس، وأبوه إذ ذاك صدر في وزرائه، فلما عزل الناصر للنصف من شهر ربيع الآخر سنة تسع وعشرين وثلاثمائة جميع وزرائه بسبب أنكره عليهم، إلا رجلين منهم: أحمد بن عبد الملك بن شهيد ذا الوزارتين، وهو أول من ثنيت له بالأندلس، وأحمد بن محمد بن إلياس القائد، ولى في آخر هذه السنة عيسى بن فطيس الوزارة مكان أبيه، مضافة إلى الكتابة، ثم عزله عنهما جميعا بعد خمسة أيام من جمعهما له. وولى الكتابة عبد الرحمن بن محمد الزجالي، ثم وجه فيه وقد برز مع الناس لشهود الاستسقاء، وذلك يوم السبت لليلتين خلتا من جمادى الأخرى سنة ثلاثين فجيء به من المصلى، وأقعد في بيت الوزارة، وتمادى له ذلك مع زيادة الحظوة إلى آخر خلافة الناصر.
أحمد بن سعيد بن حزم
ذكر أبو مروان بن حيان أن المنصور محمد بن عبد الله بن أبي عامر استوزره قبل سائر أصحابه في سنة إحدى وثمانين يعني وثلاثمائة في خلافة هشام المؤيد بالأندلس، واستخلفه أوقات مغيبه على المملكة، وصير في يده خاتمه، فلما تناهت حاله في الجلالة، وأملته الخاصة والعامة، اتهمه المنصور بأنه قد زهي عليه برأيه، وأنس منه عجبا بشأنه، فصرفه عن الوزارة وأقصاه عن الخدمة، دون أن يغير عليه نعمة، وكان يقول: والله إن ابن حزم للنصيح جيبا، الأمين غيبا، ولكنه زهي برأيه، وظن أن سلطاني مضطر إلى تدبيره ! فتردد في نكبته مدة، ثم أخرجه لينظر في كور الغرب باسم الأمانة، فرئم المذلة وتبرأ من الدالة، فلما زكن المنصور ذلك منه، أعاده إلى حسن رأيه فيه، وصرفه إلى خطته.
وذكر أبو عبيد الله الحميدي وقال فيه: والد الفقيه أبي محمد، كان وزيرا في الدولة العامرية ومن أهل العلم والأدب والخير، وكان له في البلاغة يد قوية، وحدث عن ابنه أبي محمد علي بن أحمد الفقيه قال: أخبرني هشام بن محمد بن هشام بن محمد بن عثمان المعروف بابن البشتني من آل الوزير أبي الحسن جعفر ابن عثمان المصحفي عن الوزير أبي رحمة الله عليه ، أنه كان بين يدي المنصور أبي عامر محمد بن أبي عامر في بعض مجالسه للعامة، فرفعت له رقعة استعطاف لأم رجل مسجون كان ابن أبي عامر حنقا عليه لجرم استعظمه منه، فلما قرأها اشتد غضبه وقال: ذكرتني والله به ! وأخذ القلم يوقع، وأراد أن يكتب: يصلب فكتب: يطلق ورمى الكتاب إلى الوزير، قال: فأخذ أبوك القلم وتناول رقعة وجعل يكتب بمقتضى التوقيع إلى صاحب الشرطة، فقال له ابن أبي عامر: ما هذا الذي تكتب ؟ قال: بإطلاق فلان إلى صاحب الشرطة؛ قال: فحرد وقال: من أمرك بهذا ؟ فناوله التوقيع، فلما رآه قال: وهمت ! والله ليصلبن ! ثم خط على ما كتب؛ وأراد أن يكتب يصلب فكتب يطلق قال: وأخذ والدك الرقعة فلما رأى التوقيع تمادى على ما بدأ به من الأمر بإطلاقه، ونظر إليه المنصور متماديا على الكتابة، فقال: ما تكتب ؟ قال: بإطلاق الرجل، فغضب غضبا شديدا أشد من الأول، وقال: من أمرك بهذا ؟ فناوله الرقعة، فرأى خطه، فخط على ما كتب، وأراد أن يكتب يصلب فكتب يطلق فأخذ والدك الكتاب فنظر ما وقع به، ثم تمادى على ما كان بدأ به، فقال له: ماذا تكتب ؟ قال: بإطلاق الرجل، وهذا الخط ثالثا، فلما رآه عجب وقال: نعم يطلق على رغمي، فمن أراد الله إطلاقه لا أقدر أنا على منعه ! أو كما قال.
عبد الملك بن إدريس الجزيري
عتب عليه المنصور أبو عامر محمد بن عبد الله بن أبي عامر، وكان في الغاية من البيان والخطابة، فصرفه عن الكتابة، ثم أخرجه من قرطبة واعتقله بإحدى القلاع المنيعة بشرق الأندلس، فقال في ذلك:
قالوا جفاه ثلاثا ثم غربه ... فليس يرجو لديه حظوة أبدا
جاروا وما عدلوا في القول بل حكموا ... على المقادير جهلا لا هدوا رشدا
أليس يوقد نصل السيف ضاربه ... قبل الصقال مرارا جمة عددا
حتى إذا ما سقى حديه ريهما ... واهتز لدنا دعاه الصارم الفردا
وما المهذب إلا من تعرقه ... زمانه مخطئا طورا ومعتمدا
من لم يذق طعم بؤساه وشدتها ... لم يدر لذة نعماه ولا وجدا

(1/41)


ودون هذا الذي قالوه أقضية ... لله في حكمه لم يؤتها أحدا
لا بد للقدر المقدور من أمد ... يلقاك فيه على حتم وإن بعدا
وكتب من معتقله قصيدتة المشهورة في الناس وأولها:
ألوى بعزم تجلدي وتصبري ... نأي الأحبة واعتياد تذكر
يقول فيها:
وأعلم بأن العلم أفضل رتبة ... وأجل مكتسب وأسنى مفخر
فاسلك سبيل المقتنين له تسد ... إن السيادة تقتنى بالدفتر
وبضمر الأقلام يبلغ أهلها ... ما ليس يبلغ بالجياد الضمر
وفيها يقول أيضا يصف المعقل الذي حبس فيه:
في رأس أجرد شاهق عالي الذرى ... ما بعده لموحد من معمر
يأوي إليه كل أعور ناعب ... وتهب فيه كل ريح صرصر
ويكاد من يرقى إليه مرة ... في عمره يشكو انقطاع الأبهر
وفي آخرها يخاطب بنيه:
لا تسأموا إحضاره رغباتكم ... فهباته مبسوطة لم تحظر
وعسى رضى المنصور يسفر وجهه ... فيديل من وجه الفراق الأغبر
فرق له المنصور لما سمع هذا البيت، وكان سببا إلى العفو عنه والإحسان إليه.
وقال ابن حيان، وذكر قصة ابن حزم الوزير مع ابن أبي عامر في إدلاله المفضي به إلى إذلاله: وفي مثل هذا السبيل كان غضبه على كاتبه عبد الملك بن إدريس المعروف بالجزيري وإقصاؤه له مرة بعد مرة وتسييره له إلى طرطوشة وكان أكثر من يشركه أعطالا من الآداب العربية لتوفرهم على علم العدد، وانهما كهم في التعاليم الديوانية التي استدروا بها الجباية وحصلوا بها المراتب العالية، فكان الجزيري يزري بهم ويحب الاشتمال على ابن أبي عامر، ويتصور فرط حاجته إليه في الإنشاء، ولم يكن من شأنهم، فسخط عليه المنصور، وأقصاه عن حضرته على فرط حاجته إلى خدمته، وقلد كاتبه على الحشم ديوان الرسائل، فاستجزأ به لذهاب مشيخة كتاب الرسائل في الوقت، ورضي بعد ذلك عن عبد الملك لما حمد حاله في الرياضة، ولم يزل يتولى له ديوان الرسائل إلى أن هلك المنصور.
ويقال: إن المنصور سجنه في مطبق الزاهرة مدة، فاستعطفه من الرسائل والأشعار بما أثمر تسريحه، فكتب إليه:
عجبت من عفو أبي عامر ... لا بد أن تتبعه منه
كذلك الله إذا ما عفا ... عن عبده أدخله الجنه
فسر المنصور بذلك، وأعاده إلى حاله، وأطلق له ما اعتقل من ماله، ثم استوزره بعده المظفر عبد الملك بن محمد بن أبي عامر.
عيسى بن سعيد القطاع
قال ابن حيان: اختلف عيسى إلى الديوان، وصحب محمد بن أبي عامر وقت حركته في دولة الحكم، فبلغ به المنازل الجليلة، وكان مشهورا عنده بيمن النقيبة.
وحكي أن ابن أبي عامر كان في مجالس أنسه بما يعمله من كيده ويبرمه من رأيه أكلف به مما يدار عليه من طيب العقار ويعلل به من سحر الأوتار، ولقد اكثر في ذلك ليلة على كاتبه الأخص عيسى بن سعيد، وكان أول كاتب كتب له قبل ملكه، فكان ينبسط عليه بسالف حرمته وقديم صحبته، فلما باعد بينه وبين شهوته، وقطع به مدة الليلة عن لذته قال: اللهم غفرا ! إما شراب ولذة وإما خدمة ومشقة، فإذا قد عزمت على صلة النهار بالليل، فأسكت المسمعة ولتحضر الخريطة، ثم أمر بما شئت نقم به على الحقيقة، فخلط الجد بالهزل مفسدة، وإنما نستجم بهذه الساعة الضيقه لقطع الأوقات الطويلة ! فضحك المنصور وقال: أضجرنا عيسى، وليس منا في شيء، ومن عدل بالأمر والنهي لذة فقد انتفى من الذكورة ! ثم توفر بقية الوقت على المنادمة.
خلف بن حسين بن حيان

(1/42)


كان من كتاب المنصور ابن أبي عامر، وهو والد أبي مروان حيان بن خلف صاحب التاريخ، وأخبر عن نفسه قال: بكتني المنصور يوما على بعض ما أنكره مني تبكيتا بعث من فزعي ما اضطربت منه، فأشفق علي وخفف عني، وأنفذني للوجه الذي استنكر فيه بطئي، فعدت بتمامه بعد أيام، فاستوقفني وأخلى مجلسه، ثم أدناني فقال: رأيت من ذعرك ما استنكرت، ومن وثق بالله برئ من الحول والقوة لله، وإنما أنا آلة من آلاته، أسطو بقدرته وأعفو عن إذنه، ولا أملك لنفسي إلا ما أملك من نفسي لسواي، فطامن جأشك فإنما أنا ابن امرأة من تميم، طالما تقوتت من غزلها، أغدو به إلى السوق وأنا أفرح الناس بمكانه، ثم جاء من أمر الله ما تراه، ومن أنا عند الله لولا عطفي على المستضعف المظلوم، وقهري للجبار الطاغي ! ذكر هذه الحكاية ابنه أبو مروان في أخبار الدولة العامرية من تأليفه، وفي مناقب المنصور محمد بن أبي عامر وهيبته التي لا يسامح في نقصانها أحدا من ولد ولا ذي خاصة، حتى حشيت أحشاء الناس ذعرا، ثم يأتي من كرم الإعتاب بهذا العجب العجاب.
أحمد بن علي الجرجرائي أبو القاسم
نكبه الحاكم بن العزيز العبيدي صاحب مصر وأمر به فقطعت يداه جميعا لجناية جناها أو تجناها هو عليه، فما ارتاع لما أصابه. وحكي عنه أنه عصب يديه إثر قطعهما وانصرف إلى ديوانه فجلس لخدمته على عادته وقال: إن أمير المؤمنين لم يعزلني وإنما عاقبني لجنايتي ! فجعل الناس يعجبون منه، وكان جلدا حازما ضابطا داهية فصيحا، فلما بلغ ذلك الحاكم استعظمه له، وشرف به لديه، ورق على فظاظته لما نزل به، فرقاه إلى الوزارة، وإنما كان قبل في أحد الدواوين، فوزر له بقية أيامه، ثم لأبنه الظاهر مدة ولايته ثم لأبنه المستنصر ابن الظاهر نحوا من ثماني سنين.
وأراد المعز بن باديس الصنهاجي صاحب القيروان مكايدته، فجعل يكاتبه مستميلا له ومعرضا بالتحدث معه على بني عبيد الله، وكتب له بخطه قطعة يتمثل بها، منها:
وفيك صاحبت قوما لا خلاق لهم ... لولاك ما كنت أدري انهم خلقوا
فقال الجرجرائي: ألا تعجبون من هذا الأمر ؟ هذا صبي مغربي بربري يحب أن يخدع شيخا بغداديا عربيا ! وإنما اتهمه بفعل ذلك ليوقع بين القوم ووزيرهم إن عثر على هذه الرموز؛ ثم قال: والله لا جيشت إليه جيشا، ولا تحملت في إهلاكه نصبا، وأباح للعرب العبور بمجاز النيل من جهة قبائل الأعراب، وكان ذلك محظورا ممنوعا، وجعل لكل عابر منهم فروا ودينارا، فأجاز منهم خلقا عظيما من غير أن يأمرهم بشيء لعلمه أنهم لا يحتاجون إلى وصاة، وأقاموا بناحية برقة وما جاورها، ولم يكن لهم أثر أمدا طويلا، ثم قدم منهم مؤنس بن يحيى الرياحي إلى القيروان فسكنها أعواما، وآل أمرهم إلى أن هزموا المعز بن باديس ثاني عيد الأضحى سنة ثلاث وأربعين وأربع مائة في ثلاثة آلاف فارس، وهو في أعداد عظيمة وجموع كثيفة، وأخربوا القيروان وتغلبوا على نواحيها، وتكاثروا بعد ذلك بإفريقية والمغرب إلى اليوم.
محمد بن سعيد التاكرني أبو عامر
ذكر أبو محمد بن حزم الفقيه أنه كان أحد القادمين مع المهدي محمد ابن هشام بن عبد الجبار على عبد الرحمن بن أبي عامر والساعين عليه؛ قال: ثم ولي عبد العزيز بن عبد الرحمن بلنسية، فكان محمد بن سعيد من أخص الناس به، ومتولي تدبير أموره إلى أن مات.
وقال ابن بسام وذكر أبا عامر هذا في الذخيرة: لما انقرضت الدولة العامرية وانشقت عصاها، وأدارت الفتنة المبيرة رحاها، كان أحد من مرق من ظلمائها، وآوى إلى جبل عصمه من مائها، فاستقر في بلنسية وأميرها حينئذ مظفر ومبارك صاحبه وكانا من عبيد العامرية، فانتظم في سلكهما، وشاركهما في مراتب ملكهما، إلى أن أجابا صوت المنادي، وخلا منهما النادي؛ وأفضى ملكهما وملك من كان بهذا الأفق الشرقي يعني من الأندلس من تلك الطائفة العبدى المجابيب إلى عبد العزيز وهو الملقب بالمنصور، فنهل أبو عامر في دولته وعل، ونهض بأعباء مملكته واستقل.
وحكي أن مجاهدا كتب يوما إلى المنصور عبد العزيز رقعة لم يضمنها غير بيت الحطيئة حيث يقول:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

(1/43)


فلما وردت على المنصور أقامته وأقعدته، وكاد يمرق من إهابه فضلا عن ثيابه، واستحضر أبا عامر التاكرني، فقال له: تطأطأ لخطبك واسمع المراجعة عنه؛ وعنون وبسمل وكتب هذا البيت:
شتمت مواليها عبيد نزارها ... شيم العبيد شتيمة الأحرار
فسلا المنصور عما كان فيه، وألحق أبا عامر بوزرائه، فنال جسيما من دنياه.
أبو عامر أحمد بن عبد الملك بن شهيد
سعي به إلى المعتلي يحيى بن علي بن حمود في خلافته بقرطبة، فنكبه واعتقله، فقال في ذلك ما أورده أبو مروان عبد الملك بن غصن الحجاري في رسالته في صفة السجن والمسجون التي كتب بها إلى المأمون يحيى بن ذي النون يستعطف ابن حمود ويعتذر إليه:
قريب بمحتل الهوان بعيد ... يجود بشكوى حزنه فيجيد
بغى ضره عند الإمام فناله ... عدو لأبناء الكرام حسود
وما ضره إلا مزاح ورقة ... ثنته سفيه الذكر وهو رشيد
جنى ما جنى في قبة الملك غيره ... وطوق منه بالعظيمة جيد
وما بي إلا الشعر أبثثته الهوى ... فسار به في العالمين بريد
أفوه بما لم آته متعرضا ... لحسن المعاني عندهم فأزيد
فإن طار ذكري بالمجون فإنني ... شقي بمنظوم الكلام سعيد
يقول فيها:
إلى المعتلي عاليت همي طالبا ... لكرته إن الكريم يعود
همام أراه جوده سبل العلا ... وعلمه الإحسان كيف يسود
نفى الذم عنه أن طي بروده ... عفاف على سن الشباب وجود
تؤدي إلينا أنه سبط أحمد ... مخايل فيه للهدى وشهود
ومنها:
حنانيك إن الماء قد بلغ الزبى ... وأنحت رزايا ما لهن عديد
ظمئت إلى صافي الهواء وطلقه ... فهل لي يوما في رضاك ورود
ولي حرمة حاشا لمثلك أن يرى ... مضيعا لها وهو الغداة شهيد
فلا يعر من رحماكم من عليكم ... مطارف مما حاكه وبرود
جواهر شعر شاكل المجد درها ... كما شاكلت جيد الفتاة عقود
فصفح عنه وخلى سبيله، فقال من قصيدة يشكره ويهنئه بفتح أولها:
فريق العدا من حد عزمك يفرق ... وبالدهر مما خاف بطشك أولق
تيممته والسعد حولك جحفل ... وقارعته والنصر دونك خندق
يقول فيها:
أدرت رحى الحرب الزبون بساحة ... وغالبته والجو بالبيض يعبق
فلما حوت كفاك رمة أمره ... وشد بكف الحصر منه المخنق
وأسقيته من جمة الأمن صافيا ... إذا ذاقه من ذاقه يتمطق
وكم لك مثلي مسترق مكارم ... بعفوك من رق المنية يعتق
كشفت سماء المجد عنك فلم أجد ... سوى كرم عن طيب خيمك ينطق
وردت رياض العفو منك فجادني ... بأرجائها من مزن نعماك مغدق
فإن أنا لم أشكرك أبيض معرقا ... فلا هزني للمجد أبيض معرق
ثم خدم المستظهر أبا المطرف عبد الرحمن بن هشام المرواني إذ بويع له بالخلافة بقرطبة بعد القاسم بن حمود، وكان من كتابه.
أبو القاسم بن المغربي
أوقع الحاكم العبيدي بوالده وأهل بيته ونذر دم أبي القاسم هذا، فهرب إلى مكة، وكان في الرتبة العالية من الأدب والعلم، ثم صار إلى ميافارقين فتقلد وزارة أميرها، وانغمس في النعيم بعد إظهار الزهد ولبس الصوف وفي ذلك يقول:
تبدل من مرقعة ونسك ... بأنواع الممسك الشفوف
وعن له غزال ليس يحوي ... هواه ولا رضاه بلبس صوف
فعاد أشد ما كان انتهاكا ... كذاك الدهر مختلف الصروف

(1/44)


وبعد هذا راسله صاحب الموصل فصار إليه وتقلد وزارته، ومنها انتقل إلى وزارة بغداد في خلافة القائم بالله أبي جعفر عبد الله بن القادر، وعنه كتب رسالته المشهورة في الرد على اليهود الحبابرة وإلزامهم الجزية؛ ثم خاف من الأتراك فخرج من بغداد مستترا وقد لبس ثيابا رثة، ولف على وجهه منديلا لئلا يمتاز من جملة العامة، وفي ذلك يقول:
تمرست مني العلا بامرئ ... قد علق المجد بأمراسه
أروع لا يرجع عن تيهه ... والسيف مسلول على رأسه
يستنجد النجدة من رأيه ... ويستقل الكثر من بأسه
وسقط إلى الموصل ثانية، ثم لحق بميافارقين وأقام بها إلى أن استدعي من بغداد إلى الوزارة ثانية.
أبو الوليد بن زيدون
قال ابن حيان: كان أبو الوليد من أبناء وجوه الفقهاء بقرطبة في أيام الجماعة والفتنة، وبرع أدبه، وجاد شعره، وعلا شأنه، وانطلق لسانه، فذهب به العجب كل مذهب، وهون عنده كل مطلب، وكان علقه من عبد الله بن أحمد المكوي أحد حكام قرطبة ظفر أحجن أداه إلى السجن، فألقى نفسه يومئذ على أبي الوليد ابن جهور في حياة والده أبي الحزم، فشفع له وانتشله من نكبته، وصيره في صنائعه.
وذكر غيره أنه خاطب ابن جهور من معتقله برسالة يقول فيها: إن سلبتني أعزك الله لباس إنعامك، وعطلتني من حلي إيناسك، وغضضت عني طرف حمياتك، بعد أن نظر الأعمى إلى تأميلي لك، وسمع الأصم ثنائي عليك، وأحس الجماد باستنادي إليك، فلا غرو فقد يغص بالماء شاربه، ويقتل الدواء المستشفي به، ويؤتى الحذر من مأمنه، وإني لأتجلد فأقول: هل أنا إلا يد أدماها سوارها، وجبين عضه إكليله، ومشرفي ألصقه بالأرض صاقله، وسمهري عرضه على النار مثقفه، والعتب محمود عواقبه، والنبوة غمرة ثم تنجلي، والنكبة سحابة صيف عن قريب تقشع، وسيدي وإن أبطأ معذور:
وإن يكن الفعل الذي ساء واحدا ... فأفعاله اللائي سررن ألوف
وليت شعري ما الذنب الذي أذنبت ولم يسعه العفو ! ولا أخلو من أن أكون بريئا فأين العدل ؟ أو مسيئا فأين الفضل ؟ وما أراني إلا لو أمرت بالسجود لآدم فأبيت، وعكفت على العجل، واعتديت في السبت، وتعاطيت فعقرت الناقة، وشربت من النهر الذي ابتلي به جنود طالوت، وقدت الفيل لأبرهة، وعاهدت قريشا على ما في الصحيفة، وتأولت في بيعة العقبة، ونفرت إلى العير ببدر، وانخزلت بثلث الناس يوم أحد، وتخلفت عن صلاة العصر في بني قريظة، وأنفت من إمارة أسامة، وزعمت أن خلافة الصديق فلتة، ورويت رمحي من كتيبة خالد؛ وضحيت بالأشمط الذي عنوان السجود به، لكان فيما جرى علي ما يحتمل أن يسمى نكالا، ويدعى ولو على المجاز عقابا:
وحسبك من حادث بامرئ ... ترى حاسديه له راحمينا
فكيف ولا ذنب إلا نميمة أهداها كاشح، ونبأ جاء به فاسق ! ووالله ما غششتك بعد النصيحة، ولا انحرفت عنك بعد الصاغية، ولا نصبت لك بعد التشيع فيك، ففيم عبث الجفاء بأذمتي، وعاث في مودتي، وأنى غلبني المغلب وفخر علي الضعيف، ولطمتني غير ذات سوار ! مالك لا تمنعني قبل أن أفترس، وتدركني ولما أمزق، وقد زانني اسم خدمتك، وأبليت الجميل في سماطك، وقمت المقام المحمود في بساطك:
ألست الموالي فيك نظم قصائد ... هي الأنجم اقتادت مع الليل أنجما
ويشبه قوله ولا ذنب إلا نميمة ... ما كتب به بعضهم إلى أمير أحس منه تغيرا: ما زال الحاسد لي عليك أيها السيد الأمير ينصب الحبائل، ويطلب الغوائل، حتى انتهز فرصة فأبلغك تشنيعا زخرفه، وكذبا زوره، وكيف الاحتراس ممن يحضر وأغيب، ويقول وأمسك، مرتصد لا يغفل، وماكر لا يفتر، وربما استنصح الغاش، وصدق الكاذب، والحظوة لا تدرك بالحيلة، ولا يجري أكثرها على حسب السبب والوسيلة ؟ فأجابه الأمير معتبا: حضور الثقة بك أعزك الله يغني عن حضورك، وصدق حالك يحتج عنك، وما تقرر عندنا من نيتك وطويتك يغني عن اعتذارك.
وذكر الحصري في زهر الآداب أن ابن المعتز كتب إلى بعض الوزراء بذلك، وبينهما يسير خلاف.
ورسالة ابن زيدون طويلة جليلة، وفي نكبته هذه يقول:
يا للرزايا لقد شافهت منهلها ... غمرا فما أشرب المكروه بالغمر !

(1/45)


لا يهنإ الشامت المرتاح خاطره ... أني معنى الأماني ضائع الخطر
هل الرياح بنجم الأرض عاصفة ... أم الكسوف لغير الشمس والقمر
إن طال في السجن إيداعي فلا عجب ... قد يودع الجفن حد الصارم الذكر
وإن يثبط أبا الحزم الرضا قدر ... عن كشف ضري فلا عتب على القدر
لا تله عني فلم أسألك معتسفا ... رد الصبا غب إيفاء على الكبر
وفيها يقول أيضا من قصيدة فريدة:
لعمر الليالي إن يكن طال نزعها ... لقد قرطست بالنبل في مقتل النبل
تحلت بآدابي وإن مآربي ... لسانحة في عرض أمنية عطل
اخص لفهمي بالقلى وكأنما ... يبيت لذي الفهم الزمان على دخل
وأجفى على نظمي لكل قلادة ... مفصلة السمطين بالمنطق الفصل
ولو أنني أسطيع كي أرضي العدا ... شريت ببعض العلم حظا من الجهل
أبا الحزم إني في عتابك مائل ... إلى جانب تأوي إليه العلا سهل
حمائم شكري صبحتك هوادلا ... تناديك من أفنان آدابي الهدل
جواد إذا استن الجياد إلى مدى ... تمطر فاستولى على أمد الخصل
ثوى صافنا في مربط الهون يشتكي ... بتصهاله ما ناله من أذى الشكل
أإن زعم الواشون ما ليس مزعما ... تعذر في نصري وتعذر في خذلي !
ولم استثر حرب الفجار ولم أطع ... مسيلمة إذ قال: إني من الرسل
وإني لتنهاني نهاي عن الذي ... أشار به الواشي ويعقلني عقلي
هي النعل زلت بي فهل أنت مكذب ... لقيل الأعادي إنها زلة الحسل
ألا إن ظني بين فعليك واقف ... وقوف الهوى بين القطيعة والوصل !
ثم تهيأ له الفرار من السجن إلى أن شفع فيه كما تقدم فظهر ! ولما ولي أمر قرطبة أبو الوليد بن جهور بعد أبيه أبي الحزم نوه به، وأسنى خطته وقدمه في الذين اصطنع لدولته، وأوسع راتبه، وعينه للنظر على أهل الذمة في بعض الأمور المعترضة، وقصره بعد على مكانه من الخاصة والسفارة بينه وبين الرؤساء، فأحسن التصرف في ذلك، وغلب على قلوب الملوك.
واتفق أن عن له مطلب بحضرة إدريس بن يحيى بن علي الحسني بمالقة فأطال الثواء هنالك، واقترب من إدريس خف على نفسه، وأحضره مجالس أنسه، فعتب عليه ابن جهور، وصرفه عن ذلك التصرف قبل قفوله، ثم عاد إلى حسن رأيه فيه.
واجتذبه المعتضد عباد بن محمد، فهاجر عن وطنه إليه، ونزل في كنفه، وصار من خواصه، يجالسه في خلواته، ويسفر له في مهم رسائله، لفضل ما اوتيه من اللسن والعارضة؛ ثم كتب له بعد أبي محمد بن عبد البر فكانت الكتب تفد من إنشائه إلى شرق الأندلس، فيقال: تأتي من إشبيلية كتب هي بالمنظوم أشبه منها بالمنثور ! وهلك المعتضد، فأقره ابنه المعمتد محمد بن عباد على حاله، وزاد في تكرمته، وأعرض عن الساعين به، واستعمل بعد وفاته ابنه أبا بكر محمد بن أبي الوليد.
محمود بن علي بن أبي الرجال
نكبه المعز بن باديس الصنهاجي، وكان هو وأبوه وأهل بيته برامكة إفريقية، وفي علي منهم يقول أبو عبد الله محمد بن شرف:
جاور عليا ولا تحفل بحادثة ... إذا ادرعت فلا تسأل عن الأسل
إسم حكاه المسمى في الفعال فقد ... حاز العليين من قول ومن عمل
فالماجد السيد الحر الكريم له ... كالنعت والعطف والتوكيد والبدل
زان العلا وسواه شانها وكذا ... للشمس حالان في الميزان والحمل
وربما عابه ما يعجزون به ... يشنا من الخصر ما يهوى من الكفل
سل عنه وانطق به وانظر إليه تجد ... ملء المسامع والأفواه والمقل
وتوفي علي مستورا، وكان في حياته ينذر بنكبة ابنه محمود هذا في السن التي نكب فيها، فوافق ذلك ما قال ! ثم قال: شفعت أخت المعز فيه فعفا عنه وخلع عليه وأعطي للوقت بعض ضياع أبيه، وفي هذه النكبة يقول محمود:

(1/46)


وإخوان تخذتهم دروعا ... فكانوها ولكن للأعادي
حسبتهم سهاما صائبات ... فكانوها ولكن في فؤادي
وقالوا قد صفت منا قلوب ... لقد صدقوا ولكن من ودادي
أبو المطرف عبد الرحمن بن أحمد بن مثنى
كتب للمنصور أبي الحسن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن أبي عامر صاحب بلنسية، وكان معه على بلاغته وبيانه وتقدمه في غير ذلك من العلوم كما وصف في رسالته إليه عند انفصاله عنه، يرققه على أهله وأبنائه: ولما تيقنت أن حالي لا ترم، وأن شعثي لا يلم، أبديت العزمة وأكدت الرغبة، وأخلق بمن نبذ نبذ النوى، وطرح طرح القذى، أن يشتد استيحاشه، ولا يطمئن جأشه؛ ووالله لولا اليأس ما تحركت، ولو انقطاع الرجاء لتماسكت، وهو الذي تشهد لي به العقول ويقضي علي به التحصيل، ولن ترى طاردا للحر كالياس.
وقد قال الآخر:
وإنك لن ترى طردا لحر ... كإلصاق به طرف الهوان
وأيم الله لقد صبرت حتى عذرت، وأقمت حتى تهدمت، ومبلغ نفس عذرها مثل منجح، وأنا أستودع مولاي ودائع أقمن بحرمه، واعتصمن بذممه، وأوين إلى ظله، ولبسن أثواب فضله، وأستودعه استيداع من عظم وجده لبعاده، وخلف بين يديه فريقا من فؤاده، وإني حيث خيمت، وأين يممت، لعبد شاكر ومعتقد نعمة ناشر، لا أفتر ولا اني، ولا أرتدع ولا أنثني، وحسبي بما سينهى إلى مولاي عني، وينمى إليه على قرب الدار وبعدها مني، وكذلك يعلم الله حسن ذكري لأكابره الجلة، وخلصائه العلية، وأسأل الله قبل وبعد أن يجزي بالنيات، ويقارض على المقامات، وأقول قول الموجع: بعد الزمن قطع مني عصمتي، وأدال لديك حرمتي؛ وأول هذه الرسالة:
قدر الله وارد ... حين يقضى وروده
فأرد ما يكون إن ... لم يكن ما تريده
ومن فصولها: وغير ذاهب على مولاي جلية حالي وسوء مآلي، وما منيت به من الجد العاثر والتأخر الظاهر، وما قلت إلا بالذي علمت سعد وفي علمه الجلي وفهمه الذكي أن الإناء إذا امتلأ يفيض، وأن الصبر على المعضل يغيض، وأن للاحتمال مدى ثم ينقطع، وللتحمل منتهى ثم يرتفع، ومملوكك لما غلبه جلده، وتناهى بشأنه كمده، وأظلم في عينيه ضوء النهار، وسد عليه طريق الاختيار، لم يجد بدا من مضايقة العسرة من النفار، خجلا من الشمات اللاحق له، وتألما من الخلل الملم به:
وللموت خير من حياة يرى لها ... على المرء ذي العلياء مس هوان
متى يتكلم يلغ حسن كلامه ... وإن لم يقل قالوا عديم بيان
وكان ارتحاله من بلنسية إلى طليطلة، فاستوزره المأمون يحيى بن ذي النون، وألقى إليه بأموره كلها، فشهر اكتفاؤه وشكر غناؤه؛ ولأبن حيان في الثناء عليه إسهاب وإطناب، وأعتبه المنصور في بنيه، فلحقوا به على ما أحب، وتزايدت حظوته عند ابن ذي النون، وظهرت كفايته، فلما توفي المنصور عبد العزيز ببلنسية، وقدم ابنه عبد الله، أنفذه ابن ذي النون مع قائد من خاصته في جيش كثيف أمرهم بالمقام معه، وشد ركنه، فسكنت الدهماء عليه.
عبد الملك بن غصن الحجاري
نكبه المأمون بن ذي النون، واعتقله مع جماعة من النبهاء بوبذة من أعمال حضرة طليطلة، فكتب إليه رسالة في صفة السجن والمسجون، والحزن والمحزون دلت على مكانه من العلم والأدب والحفظ، وأودعها ألف بيت من شعره في الأستعطاف، منها قوله:
أزاح الدهر حلو الماء عني ... على ظمأ وأسقاني زعاقه
وبالمرجو إن أظفر به من ... رضا المأمون يحلي لي مذاقه
وناس لفني بهم شقاء ... ألم فزم في ساقي سباقه
ولم يك لي بذاك العير عير ... ولا بقطيع ذاك الذود ناقه
وربتما استحال السعد نحسا ... فذاق المعتدي مما أذاقه
وأعمى عين أهدى من قطاة ... وشد بمثل مفحصها وثاقه
إذا صار الهلال إلى كمال ... وتم بهاؤه فأرقب محاقه
وإن عبوس هذا الدهر يأتي ... على أثر البشاشة والطلاقه
أضاع الدهر مني علق فهم ... إذا نظر المميز منه راقه
وأي فتى لتقديم الأيادي ... لديه وأي عبد للعتاقه !
وقوله:

(1/47)


وخل يسليني على بعد داره ... ويكشف من كرب المشوق المتيم
ودادي موقوف عليه وخلتي ... وفكري مشغول به وتوهمي
على أنني من ضيق سجني وحيلتي ... بليت كما حدثت عن حفش أيم
أجانب فيه ذكر خلي كرامة ... وأخجل من طيف الخيال المسلم
أرى نوب الدنيا تروح وتغتدي ... فمن فرح ناء وهم مخيم
إذا شئت إسعاف الزمان وعطفه ... فبادر بدار المسرع المتغنم
وناد بيا يحيى يحيك بالمنى ... وثن بإسماعيل تسم وتعظم
بعطفة ذي المجدين أرجو من الردى ... خلاصي ولو ألقيت في شدق أرقم
وقوله:
نحن في حالة لأيسر منها ... يتلظى الردى وتبكي الخطوب
مالنا في وطء البسيطة حظ ... لا ولا في نشق الهواء نصيب
في محل كأنه ظلف شاة ... ليس فيه لذي دبيب دبيب
وكأن الكبل الثقيل إذا ما ... رن في الساق للخطوب خطيب
إن رمتنا يد الخطوب بقوس ... طالما كان سهمها لا يصيب
أو يكن عثر الزمان فمرجو ... لإنعاشنا القريب المجيب
قد أجاب الإله دعوة نوح ... حين نادى بأنه مغلوب
وشفى ذو الجلال علة أيو ... ب وقد شارف الردى أيوب
وانقضى سجن يوسف وقد استي ... أس وارتد مبصرا يعقوب
فرق له المأمون لما وقف على هذه الرسالة وأطلقه وعفا عنه.
أبو محمد بن عبد البر
كتب للمعتضد عباد بن محمد بإشبيلية، وله عنه الرسالة البديعة في قتل ابنه إسماعيل، ويقال إنه كتبها دون روية؛ ثم سعي به إليه حتى غير عليه، فاحتال للخلاص من يديه، سمعت بعض شيوخي يحكي أن أباه الإمام أبا عمر بن عبد البر سار في أمره من مستقره بشرق الأندلس، وهو حينئذ يتردد بين بلنسية وشاطبة، فلأول دخوله على عباد نادى رافعا صوته: ابني يا معتضد ابني يا معتضد: فشفعه فيه، وانصرفا عنه محفوفين بالإكرام، ومكنوفين بالاحترام.
وقال ابن بسام في الذخيرة: لما شأى أبو محمد بالأندلس الحلبة، وتبحبح صدر الرتبة، تهادته الآفاق، وامتدت إليه الأعناق، ففاز به قدح عباد بعد طول خصام والتفاف زحام، فأصاخ أبو محمد لمقاله، وتورط في حباله، وغص أبو الوليد بن زيدون بمقدمه، فجهد زعموا كل جهد في إراقة دمه، ولما رأى أبو محمد أنه قد باء بصفقة خسران، وأن العشاء قد سقط به على سرحان، أدار الحيلة، والتمس على الخلاص الوسيلة؛ زعموا أنه لم يزل نافر النفس منقبض الأنس، فلما استشعر الحذر وأحس بالتغير، ألقى عصا التسيار، وأخذ في اقتناء الضياع والديار، حتى ظن عباد أنه قد رضي جواره، واستوطن داره، فاستنام إليه برسالة إلى بعض خلفائه من رؤساء الجزيرة، فجعل أبو محمد يتفادى منها ويتثاقل عنها؛ قال: ولما انسل من يد عباد انسلال الطيف، ونجا وسله كيف، رجع إلى مستقره من الشرق، وأدار الحيلة على أبي عمر بن الحذاء، فعوضه بضياعه وعقاره، وزين له اللحاق بدار بواره وسوء قراره؛ وقد كان عباد قبل ذلك يستهويه ويستدرجه ويدليه، فلما طلع عليه لم يزد على أن اسره وقصره وأظهر من الزهد فيه أضعاف ما كان يعده ويمنيه، وجعل أبو محمد بعد ذلك يتنقل في الدول، كالبدر يترك منزلا عن منزل، وقد جمع التالد إلى الطارف، وكتب عن أكثر ملوك الطوائف.
أبو بكر محمد بن سليمان بن القصيرة

(1/48)


حكى ابن بسام أنه نشأ في دولة المعتضد؛ قال: وشهر بالعفاف فلزمه، ويسر للعلم فعلمه وعلمه، وكانت له نفس تأبى إلا مزاحمة الأعلام، والخروج على الأيام، وهو دائما يغض من عنانها فتجمح، ويطأطيء من غلوائها فتتطاول وتطمح، ممتنعا من خدمة السلطان، وقاعدا بنفسه عن مرتبة نظرائه من الأعيان، بين عفة تزهده، وهيبة من المعتضد تقعده، وذكر أن ابن زيدون نبه عليه للمعتضد آخر دولته، فتصرف فيها قليلا إلى أن أفضى الأمر إلى المعتمد فأنهضه إلى مثنى الوزارة، وأكثر ما عول عليه في السفارة، فسفر غير ما مرة بينه وبين ملوك الطوائف بالأندلس حتى انصرفت وجوه آمالهم إلى يوسف بن تاشفين أول ظهور اللمتونيين، فسفر بينهما مرارا فكثر صوابه، واشتهر في ذات الله مجيئه وذهابه، واضطر المعتمد إليه قريبا في آخر دولته، فعظمت حاله، واتسع مجاله، واستولى على دولته استيلاء قصر عنه أشكاله، إلى أن كان من خلعه ما كان، وذلك في رجب سنة أربع وثمانين وأربع مائة، فكان أبو بكر أحد من حرب، وفي جملة من نكب، وأقام على تلك الحال نحوا من ثلاثة أحوال، حتى تذكر ابن تاشفين ما كان من حسن خليقته، وسداد طريقته؛ ويقال إن سبب ذلك الذكر كتاب ورد عليه من صاحب مصر لم يكن بد منه في الجواب عنه، فاستدعاه من حينه، وولاه كتب دواوينه، ورفع شأنه وأعلاه، وولي بعده ابنه علي بن يوسف فأقره على ما كان يتولاه.
ابن الوكيل اليابري
كان أبو بكر عيسى بن الوكيل الكاتب مستعملا في غرناطة في الدولة اللمتونية، فحكى نه أنكر عليه مال جليل يبلغ عشرة آلاف دينار، فقبض عليه وأشخص منكوبا إلى مراكش، فلما بلغ الموكلون به مدينة سلا وبها يومئذ بنو القاسم المعروفون ببني العشرة، رباب السماح وأرباب الأمداح ويذكر أن جدهم الأكبر أحمد بن محمد بن المدبر قال قصيدته الشهيرة يمدح القاضي أبا الحسن، ويستجير به، وسأل إيصالها إليه، فبادر عند الوقوف عليها إلى المخاطبة بتضمن المال وتحمله، وسؤال الصفح عنه والإبقاء عليه بإعادته إلى عمله، فصدر جوابه بالإسعاف والإسعاد، وعاد ابن الوكيل إلى غرناطة أنبه معاد، وأول القصيدة:
سل البرق إذ يلتاح من جانب البلقا ... أقرطي سليمى أم فؤادي حكى خفقا
ولم أسبلت تلك الغمامة دمعها ... أريعت لو شك البين أم ذاقت العشقا
يقول فيها:
غريب بأرض الغرب فرق قلبه ... فآوت سلا فرقا ويابرة فرقا
إذا ما بكى أو ناح لم يلف مسعدا ... على شجوه إلا الغمائم والورقا
ومنها في المدح:
حياء يغض الطرف إلا عن العلا ... وعرض كماء المزن في الحزن بل أنقى
وفضل نمير الماء قد خضل الربا ... وعدل منير النجم قد نور الأفقا
بلغنا بنعماك الأماني كلها ... فما بقيت أمنية غير أن تبقى
أبو جعفر أحمد بن عطية

(1/49)


صنيعة الإيالة الحفصية على الحقيقة، ونشأة عنايتها الكريمة وهدايتها العتيقة، بها بهر بهاؤه، واشتهر ابتداؤه وانتهاؤه، حتى ساق الأيام بل الأنام بعصاه، واستوسق له أدنى الشرف وأقصاه، وهو أحد من سودته براعته، ولم توجد بدا من اصطناعه صناعته، وكان في أول أمره قد كتب لإسحق بن علي بن يوسف ابن تاشفين فلما دخلت مراكش عنوة من جهة باب إيلان يوم السبت الثامن عشر لشوال سنة إحدى وأربعين وخمس مائة، وقتل إسحق وطائفة من أصحابه، توارى أبو جعفر ودخل في غمار الناس، وبلغ به الجد في الاستخفاء والاستتار إلى أن ارتسم في المرتزقين من الرماة ليتبلغ بما يجرى عليه، إلى أن ثار الدعي المعروف بالماسي واستفحل أمره، فنهد إليه الأمير المعظم المجاهد المقدس المبارك الأرضى المرحوم أبو حفص ناصر دعاية التوحيد المحفوف الراية بالظهور والتأييد، الذي حبيت بالمضاء صوارمه وصرائمه، وسبيت له من كل ذي كفر وغي كرائمه، فقتله الله على يديه وانهزم أصحابه، وذلك يوم الخميس السادس عشر لذي الحجة سنة اثنتين وأربعين، وأمر رضوان الله عليه بإحضار مخاطب عنه بذلك الفتح العظيم والمنح الجسيم، فنبه على أبي جعفر وقد أخفى نفسه في رماة العسكر، وتنكر جهده وهو المعروف غير المنكر، فدعا به لسعادته، وأوعز إليه بإرادته، فكتب رسالته التي أورثته تشريفا وتكريما، وصيرته أغر محجلا بعد أن كان بهيما، وبسببها أوثر بالكتابة الكلية والوزارة، وهي عادة هذا البيت المعروف البركة والطهارة، ما أعتلق به معتلق إلا أمن من العوادي، ولا ألتفت إلى عجز إلا لحق بالهوادي، لا زالت أبواب معروفة وسماحه لها كظيظ من الزحام، وما يصدر عن صفائحه وصفاحه يعول الأولياء بالإنعام، ويغول الأعداء بالانتقام:
آمين آمين لا أرضى بواحدة ... حتى أضيف إليها ألف آمينا
ومن فصول هذه الرسالة المباركة: كتابنا هذا من وادي ماسة بعد ما تجدد من أمر الله الكريم ونصره المعهود المعلوم " وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم " ، فتح بهر الأنوار إشراقا، وأحدق بنفوس المؤمنين إحداقا، ونبه من الأماني النائمة جفونا وأحداقا، واستغرق غايات الشكر استغراقا، فلا تطيق الألسن لكنه وصفه إدراكا ولا لحاقا، جمع أشتات الطلب والأرب، وتقلب في النعم أكرم منقلب، وملأ دلاء الآمال إلى عقد الكرب:
فتح تفتح أبواب السماء له ... وتبرز الأرض في أثوابها القشب
وقد تقدمت بشارتنا به جملة، حين لم تعط الحال بشرحه مهلة، كان أولئك الضالون المرتدون قد بطروا عدوانا وظلما، واقتطعوا الكفر معنى واسما، وأملى لهم الله ليزدادوا إثما، وكان مقدمهم الشقي قد استمال النفوس بخز عبلاته، واستهوى القلوب بمهولاته، ونصب له الشيطان من حبالاته، فأتته المخاطبات من بعد وكثب، ونسلت إليه الرسل من كل حدب، واعتقدته الخواطر أعجب عجب، وكان الذي قادهم إلى ذلك، وأوردهم تلك المهالك، وصول من كان بتلك السواحل ممن ارتسم برسم الانقطاع عن الناس فيما سلف من الأعوام، واشتغل على زعمه بالقيام والصيام، آناء الليل وأطراف الأيام، لبسوا للناس أثوابا، وتدرعوا للرياء جلبابا، فلم يفتح الله لهم للتوفيق بابا.

(1/50)


ومنها في ذكر الدعي: فصرع بحمد الله لحينه، وبادرت إليه بوادر منونه، وأتته وافدات الخطيات عن يساره ويمينه، وقد كان يدعي أنه بشر بأن المنية في هذه الأعوام لا تصيبه، والنوائب لا تنوبه، ويقول في سواه قولا كثيرا، ويختلق على الله إفكا وزورا، فلما عاينوا هيئة اضطجاعه، ورأوا ما خطته الأسنة على أضلاعه، ونفذ فيه من أمر الله تعالى ما لم يقدروا على استرجاعه، انهزم ما كان لهم من الأحزاب، وتساقطوا على وجوههم تساقط الذباب، واعطوا عن بكرة أبيهم صفحات الرقاب، ولم تقطر كلومهم إلا على الأعقاب، فامتلأت تلك الجهات بأجسادهم، وآذنت الآجال بانقراض آمادهم، وأخذهم الله بكفرهم وفسادهم، فلم يعاين منهم إلا من خر صريعا، وسقى الأرض نجيعا، ولقي من الهنديات أمرا فظيعا، ودعت الضرورة باقيهم إلى الترامي في الوادي، فمن كان يؤمل الفرار منهم ويرتجيه، ويسبح طامعا في الخروج إلى ما ينجيه، اختطفته الأسنة اختطافا، وأذاقته موتا ذعافا، ومن لج في الترامي على لججه، ورام البقاء في ثبجه، قضى نحبه شرقه، وألوى بذقنه غرقه، ودخل الموحدون إلى البقية الكائنة فيه يتناولون قتلهم طعنا وضربا، ويلقونهم بأمر الله هونا عظيما وكربا، حتى انبسطت مراقات الدماء على صفحات الماء، وحكت حمرتها على زرقته حمرة الشفق على زرقة السماء، وظهرت العبرة للمعتبر، في جري الدماء مجاري الأبحر.
كاتب صلاح الدين يوسف بن أيوب
كان على ديوانه كاتب له يعرف بصفي الدين، فسعي به إليه، وقدر عنده أنه أتلف مالا كثيرا، وحمل على محاسبته فأمر بها فكانت سياقة الحساب عليه سبعين ألف دينار، حكى الأصبهاني كاتبه المعروف بالعماد في تاريخ فتوحه الشامية أنه ما طلبها ولا ذكرها؛ قال: ثم لم يرض له العطلة فولاه ديوان جيشه، وأولاه ما دنت له به مجاني جاهه وعيشه !
أبو عبد الله محمد بن عياش
قبض على مخدومه الملقب بالرشيد في سنة أربع وثمانين وخمس مائة، واعتقل برباط الفتح من سلا إلى أن قتل هنالك، واستتر هو مدة ثم صفح عنه، فظهر واستكتب بمراكش، واتصلت نباهته وحظوته أزيد من ثلاثين سنة واستعمل أبناؤه معه وبعده، وكان الداعي بعد نكبته إلى استعماله ما عرف من كفايته واستقلاله، ورسالته في غزو بلاد الروم سنة اثنتين وتسعين هي جذبت بضبعه، وحكمت في نصبه للاشتغال برفعه، حتى رسا في الرياسة أركانا، وسما على أهل عصره مكانا؛ ومن فصولها: وأن تعلموا أن الجيوش وإن كثرت جنودها، وانتشرت ذات اليمين والشمال بنودها، فلا ثقة إلا بالواحد الذي يغلب والكتائب الباغية كثيرة الأعداد، ولا استظهار إلا بسيفه الذي يضرب والسيوف في مضاجع الأغماد، وإلا فما يؤثر الخميس العرمرم إذا لم يكن السعد من نفره، وما يغني شجر القنا إذا لم يكن العون من شريه والفتح من ثمره، وما تفيد عيونه الزرق إذا كان صنع الله محجوبا عن بصره !.
ومنها يصف معقلا: وهو حصن يتلفع بالعنان، ويقتنص الطائر بالسنان، وينفث الشجاعة في روع الجبان الهدان، على طود قد سافر في الجو مغتربا، ولم يرض بالجبال أكفاء ولا بالبسيطة منتسبا، ينظر إلى ما يجاوره نظر الجارح المحلق في السماء، أو الشهاب الراجم في حندس الظلماء، ففتحه الله وحده قبل الخلوص إليه من العروج، والنزول عليه من السروج، فتحا تفاءل به التوحيد فيما يؤمله، وقال أهله: اللهم اجعله مفتاح كل باب نستقبله !.
ومنها: صوبنا على طليطلة قاعدة الصفر وأم بلاد الكفر، وجئناها من جهات أبواب قشتالة وهي الجهات التي كانوا يأمنون من أفقها، ولا يسدون بابا يفضي إلى طرقها، فأخذهم العذاب من حيث لا يشعرون، وعرفوا التخاذل من حيث كانوا ينصرون، واستقبلتهم العبر أفواجا أفواجا، وجاءتهم النذر تأويبا وإدلاجا، إلى أن نزلنا بظاهرها الشمالي وكم لجيوش الإسلام لم توقع بصرا على حدودها، ولا جرت صعدة في صعيدها، فرد ما كان يليها منها نفنفا، وقاعا صفصفا ... ثم تظاهر الموحدون ثاني يوم فيما أعطاهم الله تعالى من قوة العدة والعديد، وفاضوا على أعطافها في بحور الخيل وأمواج الحديد، كل قبيلة في شعارها الموسوم، وعلى مدرجها المرسوم، كأنهم من البحر لج موجه متراكب، أو سحاب خريف زعزعته الجنائب ...

(1/51)


ثم أجازنا وادي تاجو إلى جنابها الإسلامي، وهو منشأ دوحها المائس الأعطاف، وحدائقها الغلب وجناتها الألفاف ... وفيه المنية التي كانت جنة الكافر ومأواه، وحظه من أولاه وأخراه، فكر على الجميع المؤمنون كرة، فكان انجعافه بإذن الله مرة، ولم يكن بين رؤيته في ملاءة الحسن والابتهاج، وتضاؤله في شعر مسودة كالليل الداج، إلا بمقدار ما غير الله نعمته بالبؤس، وبدله من الأمن والخفض بالخوف والجوع وهو شر لبوس ... وطالما كانت حجرا على النوائب، بسلا على الجيوش الكثيفة والكتائب، وها هي اليوم وخيل الله تمرع في شعابها آمنة، ورماح الموحدين تندق في أبوابها طاعنة أسيرة الركب وقعيدة الخطب وضعيفة الحيل، ولقى بين أرجل الخيل، ليس بينها وبين المجاز ناقوس يضرب، ولا صليب ينصب؛ لا إهلال لغير الله، ولا نداء إلا بذكر الله، حتى ينجز الله وعده في سنامها، ويفيض نور الملة المحمدية على ظلامها.
وهذا الغزو الذي يسر في طاغية الروم كل مرام، وعم سرارة أرضه بالسير فيها عاما بعد عام، أهل البيت الحفصي الكريم يتولى، وعن آرائهم المرتضاة وسيوفهم المنتضاة، حل وتجلى، حظ سواهم منه زهيد، وشهيدهم على ما أقول شهيد، لا جرم أن رأيتهم الحمراء نصرت على بني الأصفر السمحة البيضاء هي التي فعلت هناك الأفاعيل، ودمغت بالحق الذي عقدت لإقامته الأباطيل، عادة في الحفاظ عدوية، وشنشنة مخزومية لا أخزمية، وحسب الدول بسلف أربوا على الملوك الأول، يجدون مر المهالك أحلى من العسل، ويعتقدون أعلى الممالك ما بني على الأسل، خلفهم خليفة الله في عباده وبلاده، ومجاهد الكفار والمنافقين فيه حق جهاده، القائم الهادي بالحق الواضح البادي، والعدل المقاص في الحاضر والبادي، فملك البسيطة حزنها وسهلها، وتقلد الإمامة وكان أحق بها وأهلها، مناقب تبهر النجوم الثواقب، وشمائل تفاخر الأواخر والأوائل، استحقت على الأمراء الممادح والمحامد، واسترقت من الشعراء القصائد والمقاصد، فلو أنسئ أبو نواس لما اعتمد سواه بقوله، وإن كان طويل الثناء قاصرا عن طوله:
إذا نحن أثنينا عليك بصالح ... فأنت كما نثني وفوق الذي نثني
وإن جرت الألفاظ يوما بمدحة ... لغيرك سلطانا فأنت الذي نعني
أبو عبد الله بن نخيل
لما أتاح الله صلاح الأمم، وإيضاح الأمم بهذه الإمارة المطاعة، وأباح لإفريقية أن تراح من عذاب الفرقة برحمة الجماعة، قلد ملكها وسلطانها، ليعمر بالهداية أوطانها، ويدحر حزب الغواية وشيطانها، صفوة الأملاك ونكتة الأفلاك، الذي ضحكت الآناء لما اعتدلت بشيمه، وبكت السماء لما أكلت الأرض من كرمه، الأمير المعظم الأعلى المجاهد المقدس الأرضى المطهر المرحوم أبا محمد، سقى الله سحب الرضوان ضريحه، وقدس مثواه المستودع من المجد لبابه ومن الجود صريحه، فدفع كل ضر ورض، وأطلع لمحاورتي سنة وفرض، ومحاولتي بسط وقبض " ذرية بعضها من بعض " ؛ ملوك بهاليل، ليس إلا عمائمهم تيجان وأكاليل، راضون في الله غضاب، كأنهم تحت الحبى هضاب، للقرى والقراع خبهم وإيضاعهم. وبالخطيات، واليراع توقيعهم وإيقاعهم، يبدأون بحق الله ثم النائل، ويحقنون حتى ماء وجه السائل، باء الكملة بالنقص عن كمالاتهم، وجاء ما أدرج حمالة حاتم وحلم قيس بن عاصم من حلومهم وحمالاتهم:
غطاريف من قوم ثوى الملك فيهم ... فلم يبق من بعد الحلول ترحلا
أصولهم منصورة بفروعهم ... إذا قام منهم آخر كان أولا
فما يشهدون الحرب إلا إذا غلت ... ولا يشترون الحمد إلا إذا غلا

(1/52)


جدوا وجادوا، وشدوا كما شاءوا وشادوا، وفعلوا مثل ما فعلت أوائلهم وزادوا، فطفيء جمر الهياج المشبوب، ويجيء عقب المكروه المحبوب، وأصبح الثأي وهو المرءوب، والصنيع وهو المربوب، وذلك من سنة ثلاث وستمائة إلى عامنا هذا الموفي أربعين حجة، وردت فيها السخلة مع الضرغام، وردت شامخات المعاطس حليفة الرغام، إلا برهة غاب عنها منازلو أسد الغاب، ومساجلو البحار والسحاب، بالمنن الرغاب، فبودرت عندها بالحرب والحرب، وغودرت وحشة الساحات والرحب، ثم عاد الرمي إلى النزعة، وفرج الله الضيقة والزلزال بالسعة والدعة، واستوسع بعدها نطاق الملك، وعاد أهل المغرب والأندلس بالنجاة من الهلك، فأرزت إلى هذه الحضرة العلية البلدان، كما يأرز إلى المدينة النبوية الإيمان، وما هي إلا الخلافة حقا، عم إشراق نورها غربا وشرقا، لما أقامت الدين، وقامت بكلمة الموحدين، فانتظمت الأرجاء والآفاق، وحسمت الشقاق والنفاق، وما عدت الإجماع والإصفاق.
وكان ابن نخيل لأول هذه الإيالة المباركة ممن فاز بقدح النباهة المعلى، وعاد بعد العطل من الوجاهة المحلى، نقلته السعادة من ديوان الأعمال إلى ديوان الرسائل، وأعلقته بأعظم الحرمات وأشرف الوسائل، فأجاد الإنشاء وتبوأ من رفيعات المراتب حيث شاء، مفردا لخلوص الحماية وجموحها، ومعتمدا بخصوص العناية وعمومها، لا استثناء عليه في توقيع، ولا اقتصار به على ترفيع، وهذه فصول من رسالته السلطانية في وقيعة شيذو من نواحي سبتة منتصف صفر سنة أربع وستمائة، وقد انتصر الحق من الباطل، ففرق جموعه، وأذهب بسطوته الغالبة ودعوته العالية جميعه، وأيد الله طائفة التوحيد على حزب الشيطان المريد، تأييدا أراق بسيفه القاصل نجيعه، وبين لكل ذي بصر سديد وسمع شهيد أن هذا الأمر هو أمر الله الذي لا يزال نافذ الأقدار في الإيراد والإصدار مطيعه، وأن عدوه وإن تراخى به الأمد فلا بد أن ينزل موعده الصادق منيعه، ويحط رفيعه، والحمد لله على ذلك حمدا يستمد وحي النصر المؤزر والفتح المدخر وسريعه.
ومنها في ذكر الشقي الميورقي: فحشد من قبائل دباب وزغب ونفات، ومن انقاد إليهم من برابر تلك الجهات، من قادهم إليه الحين بزمام الخدع والترهات، وأقبل بمن التف عليه من أولئكم الطغام، وبقايا الاجتياح والاصطلام، يتقرى المنازر والمناهل، ويوهم بكثرة من جمعه من هذه القبائل، وخرج الموحدون إليهم مستعينين بالله وبما عوده من النصر عليهم، فلما حققوا عزمهم وصححوا في التصميم نحوهم علمهم، ورأوا أنهم فوقوا لثغرهم المثغورة أسهمهم، طار بهم الفرار، ونبا بهم القرار، وولوا سراعا لا يستبد بسيرهم دون الليل النهار، والموحدون أعزهم الله ينتظرون الوقت الذي لا يبعد مداه في هلاكهم، ولا يفلتون منه بعد إدراكهم، فلما تراءى الجمعان، وضاق متسع المجال عن الدماء والطعان، وشيمت السيوف كالبوارق الخواطف في اللمعان، وحملت الكتائب على الكتائب كالرعان على الرعان، جرى الموحدون أعزهم الله على عادة صبرهم، فعرفهم الله ما أحبوه من عوائده الكريمة مع أميرهم، فلم يكن إلا لمحة بارق، أو خلسة مسارق، حتى استلحمت السيوف أحزاب الضلال، وتبرأ منهم رجيمهم المغرور تبرؤ من كان وعدهم بالمحال، فقتلوا مئين وعشرات وآحادا، وفر غويهم الشقي جريحا لم يصحبه من ذلك الجم إلا فرادى، وامتلأت الأيدي من غنائمهم فهي تشل في حزن وسهل سوقا وطرادا، وكفلت الموحدين عناية الله تعالى، فلم ينل العدو منهم نيلا، ولم يمل الضرر عليهم ميلا، بل أشوت سهامه، وخاب والحمد لله أمله ومرامه، ولم يبق من هذا العدو إلا ذماء، ولقد ظل بعد هذه الوقيعة لا تحميه مع العرب أرض ولا سماء، فإنه أتى في هذه الحركة منهم بمن لم يطر له قبل بجناب، واستهوى بحبالاته الكاذبة وآماله الذاهبة من عاد لأرضه بجريعة الذقن ولم يعد شاب ولا تاب، وترك الحلائل في المحامل تتوزعها أيدي الناهبين فلا تدركه حفيظة الانتهاب، وطالعناكم بهذه المسرة العظمى والموهبة الكبرى عشي اليوم المشهود والوقت المحمود، لتحمدوا الله بجميع محامده وتشكروه، وتذيعوا بلاءه الجميل لكم ولكافة المسلمين على أيدي أوليائهم الموحدين وتنشروه.

(1/53)


ومن رسالته السلطانية أيضا في الوقيعة الكبرى بوادي أبي موسى سنة ست وستمائة: وإلى ذلكم وصل الله بالنجاح أسباب آمالكم، وختم بالفلاح صحائف أعمالكم، فإن الموحدين أعزهم الله لما قفلوا من حركتهم الأولى إلى ديارهم، وانصرفوا من تمام أغراضهم في اتباع الأعداء وأوطارهم، أقبل هذا العدو الأشقى فيمن التف عليه من غدرة بني رياح كفرة النعمى، يؤمون هذه الجهة الإفريقية حنينا إليها، وصبابة لم تزل تعطف عليها، ظنا منهم أن هذه العصابة المنصورة، والجماعة المحمودة في سبيل الله المشكورة، قد ألقت عصا التسيار، وأخلدت إلى الراحة من طول السفار، وكانت قد تلقتهم بأطراف الزاب جماعة بني مالك مزيدة وجموع دياب، فقوت رجاءهم في الهجوم على البلاد، وصدقت أملهم الكاذب فيما عزموا عليه من الفساد، فأخذ الموحدون أعزهم الله في الحركة إليهم، والورود بحول الله وقوته عليهم، بعزائم لا تثني بالأمل، وحفائظ لا ترضى بالقول دون العمل، حتى نزلوا القيروان، وهي قطب منازل الأعراب ومراد سوامهم عند ازدحامهم في مثل هذه الأحوال الصعاب، والأعداء حينئذ نزلوا بظاهر قفصة يرتقبون ورود بقية دباب من طرابلس إجابة لما قدموه من ندائهم، وإهابة بهم إلى إعادتهم في الفساد وإبدائهم، وأقبلت عصابة التوحيد على استدعاء من ألفته من عوف والشريد، وندبهم إلى أن يأخذوا بحظهم من خدمة هذا الأمر السعيد، وطلبوا بأن يحضروا بالأهل والمال، ليلقوا أكفاءهم في مثل تلكم الهيئة والحال، وللعرب عادات في الرحيل جميعا، لا تعطي الخفوف إلى المقصود سريعا، فسار بهم الموحدون على هيئتهم في التواني سيرا، ولم يذعروا لهم بإخراجهم عن معتادهم طيرا، ولما سمع الأعداء برحيلهم من القيروان رحلوا من قفصة إلى الحمة يبرقون ويرعدون، ويهددون باللقاء ويوعدون، ثم عطفوا من هنالكم على نفزاوة ليتقوتوا من ثمراتها، ويستدروا ريثما تصلهم أمدادهم أخلاف خيراتها، فلما أبطأ رسولهم، وتقلص بطول الانتظار مأمولهم، انصرفوا على أدراجهم إلى زميط فقطعوا حزن دمر مسلمين للدمار، ونزلوا من شعفات الجبال إلى قرار البوار، وعجل الموحدون إليهم فوردوا قابس والأرض تحرق من بأسهم، وذبالات الذوابل أضوأ في سماء العجاج من شمسهم، وعون الله يحقق عندهم في يومهم ما مد لهم من النصرة في أمسهم، فلما تجهزوا منها بجهازهم، واستكملوا ما عليه عولوا من تمييزهم وتفرغوا لنجازهم، ثنوا للأعداء أعنة الجياد، وأقبلوا وهم من صرائم العزائم أمضى من البيض الحداد، وقطعوا لهم المراحل شفعا، لا يذوقون النوم إلا غرارا مثل حسو الطير ماء الثماد، فجعلوا يستدرجون عزائم التوحيد وحادي المنايا يحدوهم إلى مضاجعهم أن انزلوها، ولسان القضاء المقدور يخاطب المشرفيات الذكور، أن حطوا عن منازل الكواهل رءوس رؤساء الباطل واستنزلوها، وكان مرامهم في هذا المطال بالنزال، والوقوف للحتوف أن تنفد أزودة الموحدين وعلوفاتهم، ريثما يلحق بهم من استدعوا ليعودوا من الهرب إلى الطلب، ويحلوا منزلة الفائز بالغلب وحسن المنقلب " ويأبى الله إلا أن يتم نوره " ، ويكمل لأمره العظيم في الأعداء أموره، ولم يعلموا ان لله بهذه العصابة المجاهدة عن حريم البلاد، الكافة أيدي هؤلاء الأحزاب المراد، عناية لا يفتقرون بها إلى الأزواد، ورعاية تحميهم من النوب الشداد، وتؤويهم من فضله وإحسانه إلى أرحب جناب وأرغب عتاد، ولم يزل ذلك دأبهم، وما انفك إعلانهم بالمقابلة بكتم قربهم حتى حلوا بمنهل يعرف بوادي أبي موسى من سفح جبل نفوسة وفيه أتاهم من نفات وآل سليمان وآل سالم وجموع وافرة من الأعراب وأحلافها الأعاجم ما سال أتيهم بالدهم الداهم، وأعجبتهم كثرتهم فلم تغن عنهم شيئا وكأنما اجتمعوا للهزائم، فعاجوا من هنالكم وقد بيتوا بزعمهم ما لا يرضى من القول، وبرئوا لحولهم من القوة والحول، وضمن الغدرة من بني رياح مع شقيهم لقاء عصابة التوحيد، وزعموا له أنهم حديد العرب، ولا يفلح الحديد إلا بالحديد، وتركوا دبابا ومن التف بها لعوف وأحلافها والشريد، وأتوا بربات الخدور في الهوادج كالأزهار في الكمائم وقدموا من حمر النعم وسودها ما صار الدو بتموجها كالبحر المتلاطم، وجاءوا بزهوهم وبأوهم يزفون زفيفا، ويسمعون من رعود الوعيد قصيفا، ومن نيوب الحروب صريفا، واستدعى الموحدون من ربهم

(1/54)


نصره المعهود، واستمدوا طوله المحمود، وعولوا على حوله وقوته لا على العدد والعديد، واستلأموا غدران الدروع تحت جداول المداوس، وتهللت بالنصر وجوههم فكانوا كالأقمار في شموس القوانس، وتنكبوا من أراقم القسي ألدغ على البعد من حيات البسابس، وتأبطوا كل خطار تطرد كعوبه، قد ركب فيه نجم ولكن في ثغر البحار غروبه، وساروا لعدوهم كأنهم بنيان مرصوص، وتيقنوا أن نصر الله بالصابرين المحتسبين مخصوص، وكان يوم ضباب، وشمسه من قوام الغمام في حجاب، فلما تعالت في فلكها، وانقادت في زمام الاستسلام إلى ملكها، ورمقت من خلال غيمها ظهرت كتائب الباطل سودا كقلوب أهلها، وقد مالت الأرض طولا وعرضا بخيلها ورجلها، فحمل الموحدون عليهم حملة أزالتهم عن مصافهم فولى شقيهم منهزما لأول دفعة، ولم يطق وقوفا عندما رأى من بوارق الخوافق لمعة !.ه المعهود، واستمدوا طوله المحمود، وعولوا على حوله وقوته لا على العدد والعديد، واستلأموا غدران الدروع تحت جداول المداوس، وتهللت بالنصر وجوههم فكانوا كالأقمار في شموس القوانس، وتنكبوا من أراقم القسي ألدغ على البعد من حيات البسابس، وتأبطوا كل خطار تطرد كعوبه، قد ركب فيه نجم ولكن في ثغر البحار غروبه، وساروا لعدوهم كأنهم بنيان مرصوص، وتيقنوا أن نصر الله بالصابرين المحتسبين مخصوص، وكان يوم ضباب، وشمسه من قوام الغمام في حجاب، فلما تعالت في فلكها، وانقادت في زمام الاستسلام إلى ملكها، ورمقت من خلال غيمها ظهرت كتائب الباطل سودا كقلوب أهلها، وقد مالت الأرض طولا وعرضا بخيلها ورجلها، فحمل الموحدون عليهم حملة أزالتهم عن مصافهم فولى شقيهم منهزما لأول دفعة، ولم يطق وقوفا عندما رأى من بوارق الخوافق لمعة !.
ومنها: واستحر القتل في كثير من زعمائهم ورؤسائهم، ومات كل مذكور من شجعانهم وحمسائهم، واستحوذت القبائل على أموالهم وولدانهم ونسائهم، ونجا الشقي في نفر قليل إلى جهة الإبل، فاتخذها حصنا، وجعلها لبناء فراره من زلازل الجحافل ركنا، وحف من حف من الموحدين والعرب به فلم يبرحوا يتنسفون ما اعتصم به من النعم نسفا، ويسومونه في نفسه وأصحابه خسفا، ولم يصرفهم عنه إلا إقبال الليل، وما انسحب له على الآفاق من ذيل !.
ومنها: وكانوا قد قدموا الهوادج أمام الآبال، ودبروا أن تكون لهم حمى يرشقون من يريدها من خللها كالنبال، وقد قيل النساء أغلال الرجال، والحريم مظنة الآجال، فكروا عندها مستميتين، ودافعوا عنها للنفوس الدنية منها مفيتين، ولم يزالوا في أثناء انهزامهم يعطفون عند خدورهم، وأنامل العوامل تجذب أرواحهم من صدورهم، وبساط ما قدموه من أموال وعيال يطوى بقبضهم، وجانب الحق يعلو كلما جد الجد في خفضهم، وقبائل الموحدين على راياتهم تركض في آثارهم، حتى أسلموا ما كانوا عنه يدافعون قهرا، وأسالت جداول المناصل من دمائهم نهرا.
ومنها: ولم ينج عدو الله إلا بذمائه، وغادر في المعترك وجوه أهله وقرابته وأصحابه وأحبائه، فما رأى يوما قط أشد منه عليه، ولا انتهى به الأمر مذ كان إلى ما انتهى به الآن إليه، والموحدون على أولهم في طلابه، والولوج عليه حيث يمم من أبوابه !.

(1/55)


وبلغ ابن نخيل ما ليس عليه مزيد من الارتفاع المشيد، وغلب على مشرفه بالاصطناع غلبة جعفر على الرشيد، فنهى وأمر آمنا من التعقب، وأورد وأصدر نائما عن الترقب، وقد فوض إليه في كافة الأمور، وقصرت عليه قصص الخاصة والجمهور، إلى أن كنف بالسعايات الممضة، وقذف باحتجان ما يخرج عن الحسبان من الذهب والفضة، فما أثرت في التقاص ثروته، ولا اعترت على انتقاص حظوته، بل صم عنها المجد الصميم سمعا، وعم المنتسبين إليه والمتجنين عليه قبضا وقمعا، صونا للنعمة المهنأة من تكديرها، وصرفا للظنون السيئة عن تقديرها، حتى أقصر من بغى عليه كما انبغى، واستبصر في مظاهرته لما ظهرت له استحالة ما ابتغى، وكم أسمع بلسان الحلم والاحتمال مناصبيه ولا سنيه من كهل يفيض في حديثه وحدث، جواب المأمون في الحسن بن سهل: الدنيا أقصر أمدا من أن تبلغ برجل منزلة ثم تنقصه منها لغير حدث، وعلى حسن الرأي فيه حمله مدة سلطانه، وبصفايا أياديه أنهض أمله لإبلاغه في تأمل النعم وإمعانه، لا يسامح في أمره مناقشا منافسا، ولا يفاتح بذكره راجيا تغيره إلا أسكته يائسا، إفادة للمحافظة الملوكية على حفظ الحرمة، وزيادة على ما حكى من كرم المشارطة في الصحبة والخدمة ! ذكر أبو جعفر بن النحاس أن علي بن زيد الكاتب استصحبه بعض الملوك فقال علي: أصحبك على ثلاث، قال: وما هي ؟ قال: لا تهتك لي سترا، ولا تشتم لي عرضا، ولا تقبل في قول قائل حتى تستبرأني، قال: هذا لك، فمالي عندك ؟ قال: لا أفشي سرك ولا أؤخر عنك نصيحة ولا أوثر عليك أحدا؛ قال: نعم الصاحب المستصحب أنت ! فأين بواذخ المكرمات من هذه المكرمة الباذخة، والمأثرة اللائحة في الزمان البهيم كالشادخه، كلا لقد أعيت كلا، وأطلعها واحدة في الفضل الواحد فضلا، ولما نزف منه بحر السماحة، ونسف بوفاته رضوان الله عليه طود الرجاحة، فانطوى الكمال المنشور، واستعسر النوال الميسور، أولاه بنوه الأمراء المعظمون المؤيدون المكرمون رضي الله عنهم ما ورثوه من مكارم الأخلاق، وتجافوا له عما جناه وحباه من أخاير الذخائر ونفائس الأعلاق، ولقد أصابه الدهر بما أصابه، وجرعه بعدهم خطبانه وصابه، فأحضر في وقت ستمائة ألف دينار، سوى ما ظهر من حلي وآنية واثاث وكراع وعقار، هذا وسماحهم يستحقر له مقدارها، وتراثهم الكريم لا يبلغ معشارها، أبوا إلا أن يشبهوا أباهم، ورأوا خير ثيابهم ما كان على سواهم:
ذي المعالي فليعلون من تعالى ... هكذا هكذا وإلا فلا لا

(1/56)


وأما الحضرة الإمامية فإعتاب الكتاب شأنها، لا برحت يباري البحر بنانها، ويباهي السحر بيانها، ما شئت من إقالة وإغضاء على بطالة، ومسامحة لحصر في وجازة وهذر في إطالة، لا تحوج أخا الذنب إلى الإعتذار، ولا تبتهج ابتهاجها بالعفو مع الإقتدار، كم حقنت من دم، وصفحت عن ذي ندم، وأخذت بيد في عثرة بقدم، وأرشدت من حيران لا يعرف متأخرا من متقدم، عائدة على المريب بترك التثريب، عود الشباب على المشيب، والرباب على الجديب، وعامدة إلى المليم بعطف الحليم، عمد الحباء إلى العديم، والشفاء إلى السقيم، فلا يأس من روح الله برجائها، ولا أرج للمحاسن ما لم تتضوع من أرجائها، رب جبر من إسجاحها عضده عيان، ولطف لإبقائها بعثه ليان؛ أما وحرمها العتيق وكرمها العريق ما لعدها عديل ولا من فضلها بديل، فكيف لا أهيم برضاها وهو من الشقوة أمان ! وأشيم بارق شيمها وهو للثروة ضمان ! وإذا حكي أن النعمان بن المنذر لقي في يوم بؤسه شابا من العرب رق لكلفه، وقد سأله لقاء ابنة عمه قبل تلفه، فقال: ومن يضمنك ؟ قال: كاتبك هذا، ولم تكن بينهما معرفة؛ فقال النعمان: أتفعل على شريطة القتل إن أخلفك ؟ قال نعم ! فذهب الشاب وأتى في آخر النهار وقال للكاتب قم أبرئك مما ضمنته، ودخلت معي تحته، وأتيا إلى النعمان، فعجب منهما وقال للشاب: ما الذي حملك على الانصراف إليه بعد ما أفلت منه ؟ قال: خشيت أن يقال ذهب الوفاء ! ثم قال للكاتب: وأنت ما حملك على ضمانه على أن أقتلك عنه ؟ قال: خشيت أن يقال ذهب الكرم ! فقال النعمان: وأنا قد عفوت عنه خشية أن يقال ذهب العفو ! وأسقط يوم البؤس فلم يكن له يوم بؤس بعدها ... فمالي لا أرجو إعادة النعيم بعادة الإنعام، وإسقاط الجفوة باقساط الاحترام، لا سيما وعذري إلى مولانا أيده الله عذر الذي استقال وقد مثل بين يدي مثله، وهيهات لا يوجد مثل له، فقال: إن كانت زلتي قد أحاطت بحرمتي فإن عفوك محيط بها، وكرمك موقوف عليها، وأنشد:
إني إليك سلمت كانت رحلتي ... أرجو الإله وصفحك المبذولا
إن كان ذنبي قد أحاط بحرمتي ... فأحط بذنبي عفوك المأمولا
هبني أسأت، نعم أسأت، أقركي ... تعفو ويزداد التطول طولا
أبو الربيع بن سالم

(1/57)


شيخي الذي أورثني هذه الصناعة، ورضي اتخاذها لي بضاعة، وضمن أن لا إضاقة ولا إضاعة، جاعلا قول ابن أبي الخصال شاهدا في الاعتلاق بها والاتصال: من جمع بلاغة وخطا لم يخش في دولة الأفاضل حطا، فاسترجحت حصاته، وأقبلت عليها قابلا وصاته، غير مستبدل بها خطة ولا متبوئ دونها خطة، لكيلا أنقض ما أبرم، وأرتبط خلاف ما استكرم، وكان هو قدس الله أشلاءه، وأجزل من النعيم المقيم جزاءه قد عني بها في شبيبته، فعتب عليه والي بلنسية حينئذ وحجبه رائحا عليه وغاديا، وألزمه مكانا قاصيا، كان به قاضيا، فخاطبه مستعطفا برسالة منها: وبعد فكتب الذي قصر، ثم عاين قصده وأبصر، واقترف فاعترف، واجترح فلم ير أجدى من أن قرع باب المغفرة واستفتح، وفي علم المولى أن العبيد أهل الخطأ ومظنة السعي المستبطأ، إن أعرقوا النزع عن قوس الاجتهاد، وأصابوا شاكلة المراد، فكالسهام في قرطسة مراميها، إصابتها منسوبة إلى راميها، وإن تنكبوا مرتضى السعي الحميد، وتجنبوا مقتضى الرأي السديد، فغير نكر من شيم العبيد، ومتى نوقشوا الحساب على كل زلة، وعوقبوا في كل ضلة، أفناهم العقاب سريعا، وأهلكهم التأديب جميعا، وإنما بقاؤهم بأن يسبل الموالي على هفواتهم ستر الإغضاء، ويقربوا عليهم مدارك الإرضاء، وهو أدب الله تعالى في عباده حين خلقهم نطفا، ثم درجهم في مناقل النشء مكتنفين إحسانا منه ولطفا، حتى إذا سواهم رجالا وأوسع لهم في الدنيا وزخرفها مجالا، أذهلهم شكر النعم عن شكر المنعم، وشغلهم التقلب في نعمائه عن توفية حقه وأدائه، فيمهلهم سبحانه انتظارا لمتابهم، وترقبا لمآبهم، وقصدا منه تعالى لأن يظهر في كل حي أثر رحمته التي وسعت كل شيء، وليهتدي القادرون من عباده إلى فضيلة العفو عند الاقتدار، وجمال الصفح والتجاوز في هذه الدار، ولو يؤاخذهم تبارك وتعالى اسمه بمكسوبهم، ويعاقبهم في بداية ذنوبهم، لوقعت المجازاة منه على عدل بما كانوا يصنعون، ولكنه " يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما يفعلون " ، والعبد أيد الله مولانا من جملة العبيد، " منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون " ، فما أسلف من صواب فببركة مستعمله، وما اقترف من خطإ فمن كسبه وعمله، وقد مد يمين الإقرار، ثم أبدى صفحة الاستغفار لمولى حريص على الصفح يشتمل أثوابه، مصيخ إلى صرخة مكروب يفتح لها أبوابه، ضارعا في أن يراجع سعادته، ويعاود من لثم اليمين الطاهرة واجتلاء لألاء الغرة الباهرة عادته، وإذا كان العفو جليا رائقا في جيد الاقتدار، ورأيا لائقا بذوي الأقدار، ومعنى لاحقا بأفضل مساعي الأبرار، فسيدنا أولانا بنفيسه، وأحراهم بتفريج الكرب وتنفيسه، ذلك بما خوله الله من جوامع الفضل الذي لا تشذ عنه صالحة من الأعمال، ولا يتعذر عنده أمل من الآمال، والعبد متنسم روح القبول، ومتوسم بجميل الثقة بفضل مولاه تسني المأمول، فإن حق تنسمه، وصدق توسمه، فيا طيب محياه، وسعادة دينه ودنياه، وإن تكن الأخرى والعياذ بالله، وحاشا مولانا من ذلك حاشاه، فمن أي مولى سواه نلتمس العفو، وفي أي مورد نتسوغ الصفو:
والله ما ندري إذا ما فاتنا ... طلب إليك من الذي نتطلب
فأصبر لعادتك التي عودتنا ... أو لا فأرشدنا إلى من نذهب
فلما وقف على كتابه، أسعف بإعتابه.
ثم لم يزل في السيادة مشاهد الزيادة إلى أن ختم الله بالشهادة.
ولهذا الشعر قصة ذكرها يستقبل به القبول، وشرحها ليس من العدل عنه العدول: حكى ابن عبد ربه عن الأصمعي قال: قدم على يزيد بن المهلب قوم من قضاعة ثم من بني ضنة وضبط هذا الاسم بالنون المشددة وكسر الضاد المعجمة فقال رجل منهم:
والله ما ندري إذا ما فاتنا ... طلب إليك من الذي نتطلب
ولقد ضربنا في البلاد فلم نجد ... أحدا سواك إلى المكارم ينسب
فأصبر لعادتك التي عودتنا ... أو لا فأرشدنا إلى من نذهب
فأمر له بألف دينار، فلما كان في العام المقبل وفد عليه فقال:
مالي أرى أبوابهم مهجورة ... وكأن بابك مجمع الأسواق
خافوك أم هابوك أم شاموا الندى ... بيديك فاجتمعوا من الآفاق

(1/58)


إني رأيتك للمكارم عاشقا ... والمكرمات قليلة العشاق
فأمر له بعشرة آلاف درهم.
ويقال فيما حكى أبو علي البغدادي في النوادر وغيره إن عبد الملك بن مروان دخل عليه هذا الضني فأنشده الأبيات الثلاثة التي في آخرها:
........................ ... أو لا فأرشدنا إلى من نذهب
فقال عبد الملك: إلي إلي ! وأمر له بألف دينار؛ ثم أتاه في العام المقبل فقال:
يرب الذي يأتي من الخير إنه ... إذا فعل المعروف زاد وتمما
وليس كبان حين تم بناؤه ... تتبعه بالنقض حتى تهدما
فأعطاه ألفي دينار؛ ثم أتاه في العام الثالث فقال:
إذا استمطروا كانوا مغازير في الندى ... يجودون بالمعروف عودا على بدء
فأعطاه ثلاثة آلاف دينار.
خاتمة المؤلف
قال المؤلف: قد أوردت ما أردت من هذه المآثر الكرام، المحفوظة النظام، واقتداء خلفاء الله به جل جلاله في التجاوز عن الذنوب العظام، مما نويت باجتلائه الإلماع، وأعفيت من تشعب أبوابه الأسماع، سوى أشياء لبعض ما يمر نظائر، ليس التدريج إليها ولا التعريج عليها بضائر، وكل ذلك بالنسبة إلى الحلم الإمامي والإسجاح، كالذبالة باهرت أنوار الصبح الوضاح، والصبابة كاثرت تيار اليم الطفاح، يوم ابتز ما كان باليد اللسان، واستفز العجل الذي خلق منه الإنسان، فيالمسرف على نفسه خائف، ومستشرف طوي بالإهمال طي الصحائف، لا جرم أنه تبوأ رتبة مرفعة، فربأ عن إسلامها كهلا بعد إحرازها يفعة، متوقفا عن الانحدار في الوقوف مع الإختيار، ومتوكفا قبول الإعتذار بالبيت السيار:
لا تهني بعد أن أكرمتني ... فشديد عادة منتزعه
فصدر ما أثلج الصدر من إعفاء، وظهر إبقاء أوفى على الأمل أي إيفاء، ثم في صبيحة اليوم الثالث، هجم علي بالكارب الكارث، أصير إلى الإقصاء من التقريب، وأخير بين التشريق والتغريب، ومعاذ الله لا اختيار في خطتى خسف، هذا لو أن جناحا وبالا دون كسر وكسف، فكيف ولا حراك موجود، ولا مستنجد إلا منجود، في هاجم للآمال هادم، وناجم بالأهوال داهم، وعلى ما دفعت إليه من ارتباك، لمتعسف كاب، ومتأسف باك، من ولهى وواله، كل يجد على زواله، ويحد في إعواله، شرعت في المسير، وضرعت إلى الله في التيسير جاليا للجلاء والرحيل أوجها تصلاه، وتاليا من محكم التنزيل " لا تقنطوا من رحمة الله " ، وحسبي السميع البصير، " نعم المولى ونعم النصير " فقل في يوم عصيب، رماني بسهم للفراق مصيب، ولم يدع لي فيما سوى الإضاعة وإزجاء البضاعة من نصيب، أرى ضد ما تمنيت، وشرى بثمن بخس ما اقتنيت، واستشرى في محو ما وحيت، وهدم ما بنيت، حتى عيل الاصطبار وغلب الاستعبار، للتفكر في بث الأشجان وبت الأشطان، والتذكر لولوج الامتحان بالخروج عن الأوطان، أيان سلمها الإسلام آيسا، وتدبرها التثليث آنسا، وخلال ذلك من حسن الظن بالخلال الكرام ما حمل على أن قلت في بدء الحال، وبين يدي العمل على الترحال، مرتقبا خفايا الألطاف، ومقتربا بهدايا الاستعطاف، لاتضاح دلائل الحدب، ونجاح رسائل الأدب:
لمبشري برضاك أن يتحكما ... لا المال أستثني عليه ولا الدما
تالله لا غبن أمرؤ يبتاعه ... بحياته فوجوده أن يعدما
أي المعاذر أرتضي لجناية ... عظمت ولكن ظل عفوك أعظما
ندمي على ما ند مني دائم ... وعلامة الأواب أن يتندما
يا طول بؤسي مبسلا بجريرتي ... إن لم تجزني بالتجاوز منعما
مولاي رحماك التي عودتني ... إني اعتمدتك خاضعا مسترحما
فأحق من تولي الإقالة عاثر ... لم يستحب على الهدى قط العمى
أقصاه عنك تزلف بخطيئة ... خال الصواب خلالها وتوهما
ولقد تحفظ في المقالة جهده ... لكنه نمي الحديث ونمنما
مولاي عبدك ماله من معدل ... عن دار عدلك منذ حل وخيما
لو أنه يجد الحياة كريمة ... في غيرها لرأى المنية أكرما
إن ينتزح ناديك عنه يقترب ... منه وإن لا تحمه يلج الحمى

(1/59)


متهافتا متراميا متطارحا ... متوصلا متوسلا متحرما
قد علمته تجنب الجهل العلا ... يكفيه أن قومته فتقوما
هيهات يصحو أو يواقع سلوة ... من لم يزل برضاك مغرى مغرما
أهون بما لاقاه من هون إذا ... لاقاك مرتاحا له متبسما
وجثا يقبل قبل راحتك الثرى ... غردا بما أوليته مترنما
بمتابة رسخ الهدى أثناءها ... علما وقام الحق فيها معلما
وكتبت إلى النجل الطاهر والقمر الباهر الأمير الأمجد الأسعد الوارث عن آبائه الطاهرين إنجاز ما وعد وإخلاف ما أوعد، أبي عبد الله نصر الله لواءه وحرس مجده المؤثل وعلياءه، وكافأ اهتمامه الكافي طارق الهموم الوافي، بالخصوص من الأفضال والعموم واعتناءه أستشفع بمقامه، وأستدفع انتقام الأيام بإنعامه:
مولاي دامت لك السعود ... أخطأت أخطأت لا أعود
مالي براح ولا انتزاح ... موتي في أرضكم خلود
كن لي شفيعا إلى إمام ... ليس على فضله مزيد
عادته العفو والموالي ... تعفو إذا أخطأ العبيد
وأظل شهر رمضان على ارتماض لفقد المسكن والسكون، وانقباض من تبسط الشجون الجون، فشفعت وتر الاستقالة، وضرعت أثناء الشمل المصدوع بهذه المقالة، أعد قومي البشرى، ولا أستبعد فوزي باليسرى:
بشرى بإسفار صباح النجاح ... عن صفحة الصفح وخفض الجناح
قد آذن المن بحوز المنى ... وأعلن الكدح بفوز القداح
هذا افتتاح الصوم مستقبلا ... عن اختتام بالرضى وافتتاح
إن الإمام الهادي المرتضى ... أكد بالعطف شروط السماح
لين سجايا عاطرات كما ... هز الرياحين هبوب الرياح
وحسن إسجاح يليه الندى ... لذا انفساخ ولذاك انسياح
لو جبل الدهر على حلمه ... لم يك منه للنفوس اكتساح
عفو الإمام الحق عن خاطئ ... أشرف للغايات منه طماح
قد راضه بالكبح تأديبه ... ولم يجاهر عامدا بالجماح
أذنب لكن تاب من فوره ... وفي قبول التوب رفع الجناح
حسبي شفيعا لك في هفوتي ... حب ونصح وثناء صراح
برح بي الشوق إلى حضرة ... ليس لمن وفق عنها براح
وهمت فيها باقتراب فلم ... تثمر لي الأقدار غير انتزاح
لا زلت والزلات شأن الورى ... تهتز للصفح اهتزاز الصفاح
فما راعني غير الأمان تسفر فيه البشراء، والانصاف من الزمان تبشر به السفراء، في وقت زان مطلعه سعيدا، وكان مقدمه قبل العيد عيدا، فقلت مستقصرا سرفي لقصد الإغضاء، ومستحقرا لوامي بشكر اليد البيضاء:
قابلت نعماك بالسجود ... لله من عطفة وجود
ولم أجد للحياة عدما ... وفي وجود الرضى وجودي
قد وصل الأمن والأماني ... بعد المضادة والصدود
فإن أكن قبل في صبوب ... فهأنا اليوم في صعود
نبهت بالعفو عن خمولي ... وكنت للهفو في خمود
هذا ظهوري من التواري ... هذا نشوري من الهمود
لا وحشة للوعيد عندي ... أزاحها الأنس بالوعود
يا مبدئا في العلا معيدا ... أيدت بالمبدئ المعيد
بأي حمد وإن تناهى ... أثني على صنعك الحميد
صفحت عمدا عن الخطايا ... وتلك من عادة العميد
وغير بدع ولا بعيد ... صفح الموالي عن العبيد
أينقص اليأس من رجائي ... وذلك الفضل في مزيد
أي امرئ في الورى شقي ... يأوي إلى أمرك السعيد
ما غرة العيد أجتليها ... يوم رضاك الأغر عيدي
وقلت بعد ذلك مشيدا بالتشفيع، ومشيرا إلى كرم الصنيع:
أيا بشراي قد وضح القبول ... وصح من الرضى أمل وسول

(1/60)


وشفع نجله الأزكى إمام ... لمن صرمت وسائله وصول
فما لسواهما في الصفح عني ... يد عليا ولا من جزيل
أقالني الخليفة من عثاري ... فماذا في إقالته أقول
وكم قبحت ممالأة الليالي ... علي ورأيه الحسن الجميل
أنا العبد الشكور لما حبتني ... به علياه والمجد الأثيل
وإخلاصي به المولى عليم ... وإن لم يأت إجرامي جهول
أذوب إذا أحجب عنه شوقا ... إليه فكيف لو أزف الرحيل
وهذا ما جعلته مسكة الختام ولبثة التمام:
أجار من الخطب الأمير محمد ... فقمت بما أولاه أثني وأحمد
ويوم أتتني بالبشارة رسله ... سجدت وفي التبشير لله يسجد
وأملت بالشكر المزيد من الرضى ... وأية نعمى كالرضى تتزيد
وظائف ما أهملت حينا أداءها ... وبعض شهودي الأمس واليوم والغد
همام كفاني الحادثات اعتناؤه ... وقد عن لي منها مقيم ومقعد
فلا منة إلا له في تخلصي ... بيمن مساعيه الكرام ولا يد
ومن يك فرعا للإمامة والهدى ... فإن جناه الغض مجد وسؤدد
رآني مردود الشرائع كلما ... تقربت بالإخلاص أقصى وأبعد
نصيبي من الآداب حرفتها التي ... شقيت بها جارا لمن بات يسعد
وللحظ لحظ كل دوني خاسئا ... كأني وإياه شعاع وأرمد
فجمع من شملي وشملي مفرق ... ورفه من شربي وشربي مصرد
وصرح بالبقيا وما زال منعما ... له مصدر في الصالحات ومورد
وكانت هوى ألقى إليها بي الهوى ... فخلصني منها معان مؤيد
تشفعت فيها للإمام بنجله ... ونعم شفيع المذنبين محمد !
نجزت الرسالة الموسومة بإعتاب الكتاب، صنعة الإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن أبي بكر القضاعي المعروف بابن الأبار، رحمه الله تعالى ورضي عنه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

(1/61)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية