صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : محاضرات الأدباء
المؤلف : الراغب الأصفهاني
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

قيل: لايميل إلى الجلبة واللجاج إلا من عجز عن الغلبة بالحجاج. وقال المأمون لهاشمي حضر مجلسه فناظره وشغب:
لاترفعن صوتك يا عبد الصمد ... إن الصواب في الأسد لا الأشد
وقال عمر بن عبد العزيز لرجل كان يكثر الصياح والجلبة: اخفض الصوت، فلو نيل خير برفع الصوت لأدركه الحمير والكلاب. وكان أحمد بن الخضيب إذا ناظر شغب وجلب، وربما رفس من يناظره فقال فيه بعض المحدثين يخاطب الخليفة المنتصر:
قل للخليفة: يا ابن عم محمد، ... أشكل وزيرك إنه ركال
قد نال من أعراضنا بلسانه ... ولرجله عند الصدور مجال
وهذا يقارب ما روي أنه شكا إلى المأمون من بعض قضاته أنه يعض الخصوم فوقع: ليشنق!وأنشد الأصمعي:
حديث بني قرط إذا ما لقيتهم ... كنز والدبا في العرفج المتقارب
مسلم ابن عباس:
كأن بني رالان إذا جاء جمعهم ... فراريج يلقى بينهن سويق
الحث على المخالفة ودفع الصواب بالخطأ:
قالت أعرابية لابنها: إذا جلست مع القوم فإن أحسنت أن تقول كما يقولون وإلا فخالف تذكر، ولو كان بتعليق أير حمار في عنقك. وقال أعرابي: إذا لم يكن لك في الخير اسم فارفع لك في الشر علما. وقال بعضهم: خالف تذكر. فقالوا: إنما هو تنكر، فقال: هذا أول الخلاف.
ذم مخالف ألد في كل صواب:
قال الله تعالى: " لتنذر به قوما لدا " . وقال تعالى: " بل هم قوم خصمون " . وقال تعالى: " فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد " . وقال الشاعر:
رقيع خصيم في الصواب كأنه ... برد على أهل الصواب موكل
وقال ديمقراطس: عالم معاند خير من جاهل منصف. فقال تلميذه: الجاهل لايكون منصفا، والعالم لايكون معاندا. وقيل: كثرة الخلاف حرب، وكثرة الموافقة غش.
المستأذن في سؤال مسألة:
قال ابن شبرمة لإياس بن معاوية: أتأذن لي في مسألة ألقيها عليك؟ فقال إياس: استربت بك حين اسأذنت، فإن كنت لا تسوء جليسا ولا تشين مسؤولا فهاتها. وقال أبو العيناء لعبيد الله: أسأل أم أسكت؟ فقال: إن سألت أفدت، وإن سكت كفيت.
شروط المناظرة:
اجتمع متكلمان فقال أحدهما: هل لك في المناظرة؟ فقال: على شرائط، أن لا تغضب، ولا تعجب، ولا تشغب، ولا تحكم، ولا تقبل على غيري وأنا أكلمك، ولا تجعل الدعوى دليلا، ولا تجوز لنفسك تأويل آية على مذهبك إلا جوزت إلى تأويل مثلها على مذهبي، وعلى أن تؤثر التصادق وتنقاد للتعارف، وعلى أن كلا منا يبني مناظرته على أن الحق ضالته والرشد غايته. وقال أبو يعقوب الخطابي لجلسائه: إنما اجتمعتم للأدب لا بجوار ولا نسب، فوفوه حقه ولا تثلبوا أحدا، فمن ثلب ثلب، وإياكم والمراء في الأديان فإنها مفسدة بين الإخوان ونقص عند أهل الزمان، وعليكم بالأصول ولاتكثروا فتملوا، واستريحوا إلى ما يوافق من الأدب فإنه غض أبدا غير مملول، ولا تتجاوزوا في النحو قدر الحاجة فغاية الحاذق فيه معروفة. وقيل: كان يعقوب الخطابي إذا جلس إليه أصحابه يقول: اعفونا من ثلاث وخوضوا بعد فيما شئتم: من ذكر السلف، وأن تقولوا فلان خير من فلان، ومن ذكر القدر.
مدح الجواب الحاضر: قال مسلمة بن عبد الملك: ما أوتي العبد بعد الايمان بالله شيئا أحب إلي من جواب حاضر، لان الجواب اذا كان بعد نظر وتفكر لم يكن بشيء. ألم تسمع قوله تعالى: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك؟ إلى قوله: فبهت الذي كفر. وقال عمرو بن العاص: ما اتقيت جواب أحد من الناس غير جواب ابن عباس رضي الله عنه لبداهته. وقال الحجاج: من لم يخف الجواب تكلم، ومن خافه تبكم.
قال الشاعر:
ما أحر الكلام يرحمك الله ولكن أحر منه الجواب!
اضجاع القسى والاعتماد عليها في الخطاب: وما جاء من الأجوبة فهي مذكورة في أمكنتها المختصة بها. كانت العرب إذا اجتمعت للمناظرة والمفاخرة يضجعون قسيهم ويعتمدون عليها.
وقال الحطيئة في مرثية:
أمن يخصم مضجعين قسيهم ... صفر خدودهم عظام المنخر
وقال:
إذا اقتسم الناس فضل الفخار ... أطلنا على الأرض ميل العصا
مما جاء في وصف الشعر والشعراء
الرخصة في نسج الشعر وإنشاده:

(1/30)


قال النبي صلى الله عليه وسلم: لحسان بن ثابت: أهجهم وروح القدس معك! وقد مدحه غير شاعر فحباه وأجازه. وكان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما شاعرين وعلي رضي عنه أشعر منهما، ولما قال الجعدي فيه صلى الله عليه وسلم:
بلغنا السما عن جدنا وجدودنا ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
قال له النبي صلى الله عليه وسلم: إلى أين؟ فقال: إلى الجنة يا رسول الله! قال صلى الله عليه وسلم: لا فض فوك! وروى أبو الغطريف الأسدي عن جده قال: عدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: في مرضه الذي مات فيه، فسمعته يقول: لا باس بالشعر لمن أراد انتصافا من ظلم، واستغناء من فقر وشكرا على إحسان. وعاب بعض الناس الشعر عند ابن عباس وكان قد قام إلى الصلاة فقال:
إن يصدق الطير ننك لميسا
ثم قال عقيبه: الله أكبر، ودخل في الصلاة. وقال أبو بكر رضي الله عنه: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم: وشاعره عنده ينشده، فقلت له: أشعر وقرآن؟ فقال: هذا مرة وهذا مرة.
جواز إجازة الشعراء:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: إعطاء الشعراء من بر الوالدين. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: في شاعر مدحه وعاتبه في بعض ما فعله: اقطعوا لسانه! يعني بالعطية، وأعطى الزهري شاعرا، فقيل له في ذلك فقال: إن من الخير اتقاء الشر. وحرم الشعراء الحجاج في أول مقدمه العراق فكتب إليه عبد الملك: أجز الشعراء فانهم يجتبون مكارم الأخلاق ويحرضون على البر والسخاء.
قال الشاعر:
صونوا القريض فإنه ... مثل المياسم في المواسم
الشعر جامعة المفا ... خر والمحاسن والمكارم
منفعة الشعر:
قال الحجاج للمساور بن هند: لم تقول الشعر؟ فقال: أسقي به الماء، وأرعى به الكلأ، وتقضى لي به الحاجة، وإن كفيتني تركه. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الشعر يسكن به الغيظ، وتطفأ به النائرة، ويتبلغ القوم، ويعطى به السائل، وقال: نعم الهدية للرجل الشريف الأبيات يقدمها بين يدي الحاجة، يستعطف بها الكريم ويستنزل به اللئيم؟ وقال عبد الملك: تعلموا الشعر ففيه محاسن تبتغي ومساوىء تنقى.
ابن الرومي:
وما المجد لولا الشعر إلا معاهد ... وما الناس إلا أعظم نخرات
وقال أبو تمام الطائي:
ولولا خلال سنها الشعر ما درت ... بغاة العلا من أين تؤتى المكارم؟
؟ذم نسجه والتكسب به:
قال الله تعالى: " والشعراء يتبعهم الغاوون " ! و " لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلىء شعرا! وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " شر الناس من أكرمه الناس اتقاء لسانه! وقيل: لا تؤاخ شاعرا فإنه يمدحك بثمن، ويهجوك مجانا. وسئل بعضهم عن حوك الشعر فقال: هو أسرى مروءة الدنيء، وأدنى مروءة السري. وسئل عوف بن أمية السكوتي عن نسج الشعر فقال: إن جددت كذبت، وإن هزلت أضحكت، فأنت بين كذب وإضحاك! وقيل للبيد: لم لا تقول الشعر؟ فقال: في سورة البقرة وآل عمران شغل عن الشعر.
الكلب والشاعر في منزل ... فليت أني لم أكن شاعرا!
هل هو إلا باسط كفه ... يستطعم الوارد والصادرا!
وقال:ما أجد آكلا للسحت ولا أوضع ولا أطمع وأطبع وأقل نفسا من شاعر متكسب بشعره!وقال الحسن رضي الله عنه في الفرزدق حين أوعده بالهجاء:هذا الذي جعل إحدى يديه سطحا والأخرى سلحا، فقال: إن أصلحتم سطحي، وإلا رميتكم بسلحي. ولما حبس عمر بن الخطاب رضي الله عنه الحطيئة بسبب الزبرقان ثم عفا عنه قال: إياك والشعر! فأخرج لسانه وقال: ما لأولادي كاسب غيره! قال عمر: فلا تهجهم. فقال: إن لم أهجهم لم يفرقوني فلا يعطوني. قال: فاذهب فبئس الكسب كسبك!
تعظيم الشعر:
مر الفرزدق بمؤدب، وكان ينشد عليه صبي قول الشاعر:
وجلا السيول عن الطلول كأنها ... زبر تجد متونها أقلامها
فنزل وسجد. فقال المعلم: ما هذا؟ فقال: هذه سجدة الأشعار نعرفها كما تعرفون سجدة القرآن. ولما قدم أبو تمام على الحسن بن رجاء، فأنشده قصيدته فيه حتى إنتهى إلى قوله:
لا تنكري عطل الكريم من الغنى ... فالسيل حرب للمكان العالي ؟

(1/31)


قام قائما، وقال: والله ما سمعتها إلا وأنا قائم لما تداخله من الأريحية، فلما فرغ قال: ما أحسن ما جلوت هذه العروس! فقال أبو تمام: لو أنها من الحور العين لكان قيامك أوفى مهر لها.
ما استحبه الأكابرمن فرص الشعر:
قال معاوية لعبد الرحمن بن الحكم: إنك قد لهجت بالشعر، فإياك والتشبيب بالنساء فتعر شريفة والهجاء فتهجن كريما أو تثير لئيما، وإياك والمدح فهو كسب الأنذال، ولكن أفخر بمآثر قومك، وقل من الأمثال ما تزين به نفسك وتؤدب به غيرك، وإن لم تجد من المدح بدا فكن كالملك المرادي حين مدح فجمع في المدح بين نفسه وبين الممدوح فقال:
أحللت رحلي في بني ثعل ... إن الكريم للكريم محل
قال الشاعر:
أشغل قريضك بالنسيب ... وبالفكاهة والمزاح
يا مادح القوم اللئا ... م، وطالبا نيل السماح!
مدح جماعة من الشعراء وتفضيل بعضهم على بعض:
ذكر امرؤ القيس عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ذاك رجل مذكور في الدنيا منسي في الآخرة، يجيء يوم القيامة وبيده لواء الشعراء يقودهم إلى النار!قال الأصمعي:مارأيت خمسة من العلماء قط إلا وأربعة منهم يقدمون امرأ القيس، ولا أربعة إلا وثلاثة منهم يقدمونه. وسئل بعضهم: من أشعر العرب؟ فقال: امرؤ القيس إذا ركب، والأعشى إذا طرب، وزهير إذا رغب، والنابغة إذا رهب. وكان أبو عمرو يكثر وصف النابغة الدبياني وطبعه وحسن ديباجته ويقدمه بعد امرىء القيس. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: قال لي عمر رضي الله عنه وأنا أسايره أنشدني لأشعر شعرائكم، فقلت: من هو؟ فقال: هو زهير، إنه لا يعاطل بين الكلام ولا يتبع حوشيه، ولا يمدح الرجل إلا بما يكون في الرجال؛ قال ابن سلام، لم يبق في وصف الشعر شيئا إلا أتى به في هذا الكلام. وكان معاوية يسمى الأعشى صناجة العرب، يعني أنه يطرب أطرابها. وقال محمد بن سلام: سألت عمر بن معاذ التميمي عن أشعر الناس فقال: أوس بن حجر وأبو ذؤيب فقلت: أليس النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يجيء امرؤ القيس يوم القيامة وبيده لواء الشعراء! فقال: اللواء إنما يكون مع دون الأمير. وذكر قوم جرير أو الفرزدق فقال بعضهم: جرير كان أنسبهما وأسهبهما. وسئل آخر عنهما فقال: جرير يغرف من بحر، والفرزدق ينحت من صخر! فقال: الذي يغرف من بحر أشعر. وقال مروان بن أبي حفصة:
ذهب الفرزدق والفخار، وإنما ... حلو الكلام ومره لجرير
ولقد هجا فأمض أخطل تغلب ... وحوى اللهى بمديحه المشهور
كل الثلاثة قد أبر بمدحه ... وهجاؤه قد سار كل مسير
الممدوح بإجادة نسجه والتمدح بذلك والحث عليه:
ذكر عند أبي بكر رضي الله عنه الشعراء فقال: أشعر الناس النابغة أحسنهم شعرا وأعذبهم بحرا وأبعدهم غورا. وقول عمر رضي الله عنه في زهير من هذا الباب، وقد تقدم آنفا. وقيل: فلان إذا قال أسرع، وإذا مدح رفع، وإذا هجا وضع. وسئل البحتري عن أبي تمام فقال: مداحة نواحة! عدي بن الرقاع:
وقصيدة قد بت أجمع بينها ... حتى أقوم ميلها وسنادها
نظر المثقف في كعوب قناته ... حتى يقيم ثقافة منآدها
وقال يزيد بن الحكم متهكما بحمزة بن بيض: إنك لأستاذ الشعر! فقال: إني لأدق الغزل، وأصفق النسج، وأرق الحاشية. ويقال: شعر مخشوب إذا كان جديدا لم يثقف. وقال ابن مقبل: إني لأرسل القوافي عوجا فتأتيني وقد ثقفتها. وقيل: استجيدوا القوافي فإنها جراز الأشعار.
الموصوف بالسلامة من الشعر:
أبو تمام:
يود ودادا أن أعضاء جسمه ... إذا أنشدت شوقا إليه المسامع
إبراهيم بن رجاء:
يطيب بأفواه الرماة سماعها
الناشىء:
إنما الشعر من تحصل من قبل ظهور الأقوال في الأذكار
فأتى لفظه يطابق معنا ... ه بحسن الإيراد والإصدار
مطمع مؤيس قريب إلى الفهم بعيد الأغوار ضاحي القرار
وقيل لمعتوه: ما أجود الشعر؟ فقال: ما دل صدره على عجزه، ولم يحجبه شيء دون بلوغه.
شاعر رديء النسج:

(1/32)


أنشد رجل شعرا فقال لصاحبه: كيف تراه؟ فقال: سكر لا حلاوة له. وأنشد عمارة شعر أبي العتاهية فمجه سمعه وقال: هو أملس المتون قليل العيون، وما كان مثله من الشعر يسمى مغسولا. وأنشد رجل أعرابيا شعرا وقال: هل تراني مطبوعا؟ فقال: نعم على قلبك! وأنشد رجل الفرزدق شعرا وقال: كيف تراه؟ فقال: لقد طاف إبليس بهذا الشعر في الناس فلم يجد أحمق يقبله سواك! شاعر:
وأبو الدفاتر لا يزال يجيئنا ... بقصيدة قد قالها من دفتر
وآخر:
وبات يدرس علما لا قران له ... قد كان ثقفه حولا فما زادا
ابن أبي عيينة:
أقمت حولا على بيت تقومه ... فلم تصب وسطا منه ولا طرفا
شعر رديء النسج:
أنشد ابن الأعرابي:
وشعر كبعر الكبش فرق بينه ... لسان دعي في القريض دخيل
وقال العجاج في ابنه أنه يقول الشعر وابن عمه. وفي مثل هذا الشعر قال بعضهم:
وبعض قريض الشعر أولاد علة ... يكد لسان الناطق المتحفظ
ابن الحجاج:
فمن كان يحوي العطر دكان شعره ... فشعري بيتا مستراح ومخرج
الجماز:
كأن أشعاره إذا انتقدت ... أنصاف كتب ليست بمؤتلفة
نهي المسيء عن نسجه:
قيل لابن المقفع: لم لا تقول الشعر؟ قال: لأن الذي أرتضيه لا يجيبني والذي يجيبني لا أرتضيه. وعرض رجل على أديب شعرا فقال: أخبأه كما تخبأ الهرة خرءها.
شاعر:
لا تعرضن الشعر ما لم يكن ... علمك في أبحره بحرا
فلا يزال المرء في فسحة ... من عقله، ما لم يقل شعرا
الوائلي:
وحاطب ليل في القريض زجرته ... وقلت له قول الفصيح المجامل:
إذا أنت لم تقدر على در لجة ... فدعه ولا تعرض لحصباء ساحل
مفاضلة البديهة والروية ومدح الطبع:
قال ابن الرومي في الحكم بينهما:
نار الروية نار غير منضجة ... وللبديهة نار ذات تلويح
وقد يفضلها قوم لعاجلها ... لكنه عاجل يمضي مع الريح
وقال معاوية لا بن العاص: أنا آدب منك! فقال: أنا للبديهة وأنت للروية وبينهما بون. ومما يؤكد تفضيل البديهة قول العبدي في وصف البلاغة: أن تصيب فلا تخطىء وتعجل ولا تبطىء قيل: خير الفقه ما حاضرت به.
وقال الحطيئة:
فهذا بداية لا كتحبير قائل ... إذا ما أراد القول زوره شهرا
واجتمع ابن منادر وأبو العتاهية، فقال أبو العتاهية: كم بيتا تقول في اليوم؟ قال: مقدار عشرة أبيات. فقال أبو العتاهية: فأنا أقول مائتين. فقال: فإنك تقبل من شيطانك نحو:
ألا يا عتبة الساعه ... أموت الساعة الساعه
ولو أني أقول مثل ذلك لقلت ألوفا.
المتنبي:
أبلغ ما يطلب النجاح به ... الطبع وعند المتعمق الزلل
المعتذر لرفض طريقة من النسج:
قيل لنصيب: إنك لا تحسن الهجاء. فقال: من ذا الذي لا يحسن مكان عافاه الله أخزاه الله؟ ولكني رأيت الناس ثلاثة رجال: رجلا لم أسأله فلا ينبغي أن أهجو، ورجلا سألته فمنحني وهو الممدوح، ورجلا سألته فلم يعط فنفسي أحق بالهجاء إذ سولت لي أن أساله؟ وقال عبد الملك للعجاج: بلغني أنك لا تحسن أن تهجو. فقال: من يقدر على تشييد أمكنة يمكنه إخرابها. فقال: ما يمنعك من ذلك؟ قال: أن لنا عزا يمنع من أن نظلم، وحلما يمنع من أن نظلم، فعلام الهجاء؟ فقال: كلامك أشعر من شعرك! قال جرير: ما عشقت قط ولو عشقت لشببت، فإذا سمعت العجوز بكت على ما فات من شبابها، وإني لأرى الرجز مثل آثار الخيل في الثرى، ولولا أن سبق إليه غيري لأكثرت منه. وقيل لأبي يعقوب: شعرك في مرائي الحسن ليس كشعرك في مدحه. فقال: أين شعر الوفاء من شعر الرجاء؟
المهجو بأنه ينتحل الأشعار:
أبو هفان:
إذا أنشدكم شعرا ... فقولوا: أحسن الناس!

(1/33)


ونظر أبو تمام إلى سليمان بن وهب وقد كتب كتابا فقال: كلامك ذوب شعري. وعرض رجل على ابن الجلاب قصيدة للمتنبي وادعى أنه قالها. فقال ابن الجلاب: هذه للمتنبي. فقال الرجل: هي قصيدتي ومسودتها عندي. فقال ابن الجلاب: فمبيضتها للمتنبي عندي. وقال الصاحب لرجل عرض عليه شعرا: لو حللت عقاله لحق بأربابه. وقال أبو محمد بن المنجم: أنشدت أبا القاسم الزعفراني قول الصاحب:
رق الزجاج وراقت الخمر
البيتين. فقال: لعن الله قائلهما فقد سرقهما من أبي نواس! فقلت: هما للصاحب. فقال: لعن الله أبا نواس فقد سرقهما من مولانا الصاحب، فقلت: كيف سرق أبو نواس من مولانا الصاحب؟ فقال: دعنا من هذا ما سرق إلا منه.
السالب غيره شعرا قهرا:
وقف الفرزدق على الشمردل فاستنشده شعرا فأنشده:
وما بين من لم يعط سمعا وطاعة ... وبين تميم غير جز الغلاصم
فقال: والله لتتركن لي هذا البيت أو لتتركن عرضك! فقال: خذه لا بارك الله لك فيه! وقال رؤية: خرجت مع أبي فقال في الطريق: أبوك راجز وجدك وأنت مفحم، فأنشدته:
كم قد خسرنا من عذرة عنس
حتى أتيت على آخرها. فقال: اسكت فض الله فاك! فلما انتهينا إلى سليمان أنشده إياها فأمر له بعشرة آلاف درهم. فقلت له في ذلك فقال: سر فأنت أرجز الناس! فسألته أن يجعل لي نصيبا مما أعطي فأبى. ودخل ابن زهير على معاوية فأنشده:
لعمرك ما أدري وإني لأوجل ... على أينا تعدو المنية أول " الأبيات "
وهي في الحماسة. فقال له معاوية: عهدي بك لا تشعر، فما لبث أن دخل معن فأنشده هذه الأبيات، فالتفت معاوية إلى ابن زهير فقال: كيف انتحلتها؟ فقال: إن معنا أخي من الرضاع وأن أحق بهذا الشعر منه!
التوراة في الشعر وادعاء ذلك:
التوارد أن يتفق الشاعران في معنى من غير أن يسمع أحدهما بمقالة الآخر. وسئل أبو عمر وبن العلاء رحمه الله تعالى: كيف يتفق الشاعران؟ فقال: عقول رجال توافت على ألسنتها. ولأحمد بن أبي طاهر يعتذر لشعر ادعى البحتري أنه سرقه منه:
الشعر ظهر طريق أنت راكبه ... فمنه منشعب أو غير منشعب
وربما ضم بين الركب منهجه ... وألصق الطنب العالي إلى الطنب
وقال آخر وقد أتى سلطانا يمدحه فحرمه وزعم أنه مسروق:
وهبني سرقت الشعر ثم مدحته ... أما كان يؤتيني عليه جزائيا؟
وقال أبو المضاء:
لو أن جريرا جاءه في زمانه ... وأنشده شعرا لقال: تنحلا!
وقال أبو تمام في مدح شعر غير مسروق:
منزهة عن السرق المورى ... مكرمة عن المعنى المعار
شعر أعاده قائله في غير الممدوح:
أنشد أبو القاسم بن أبي العلاء يوما شعرا كاتب به رئيسا، وكنا سمعناه منه قبل، فعوتب في ذلك فقال: أنا نظمته أقلد به من أشاء، وكان قد وقع إلى أبي الفضل بن العميد قصيدة المتنبي التي أولها:
أغالب فيك الشوق والشوق أغلب
فلما ورد عليه مدحه بها وبدل قوله:
أبا المسك هل في الكاس فضل أناله ... فإني أغني منذ حين وأشرب
فجعله أبا الفضل. فلما أنشدها استطال وتكبر وأظهر إعجابا بها. فقال أبو الفضل لبعض ندمائه: أخرج هذه القصيدة لينخفض، فلما رآها تبسم وخجل.
؟؟شعر يدل على همة قائله وحاله:
قال المأمون يوما لمن حضره: أنشدوني بيتا لملك يدل عليه بيته وإن لم يعرف، فأنشد:
أمن أجل أعرابية حل أهلها ... جيوب الفلا عيناك تبتدران؟
فقال: ما يدل هذا على أنه لملك بل يجوز أن يكون هذا لسوقة من أهل الحضر، ثم قال: الدال على ذلك قول يزيد بن عبد الملك:
إسقني من سلاف ريق سليمي ... واسق هذا النديم كاسا عقارا
فأشارته إلى النديم تؤذن بأنه ملك. وقوله لي المحض من ودهم. ويغمرهم نائلي. وقال صالح بن حسان للهيثم بن عدي: أعلمت أن النابغة الذبياني كان مخنثا فقال: ما علمت ولا سمعت! قال: فكيف قلت قال لقوله:
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه " البيتين "
والله ما يحسن هذه الإشارة إلا مخنث، فسمع ذلك الرجل من قيس فقال: بل صاحبك الأعشى هو المخنث حيث يقول:
قالت هريرة لما جئت زائرها: ... ويلي عليك، وويلي منك يا رجل!

(1/34)


النابغ في الشعر بعد أن كان مكديا:
قال السيد الحميري: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام كأنه في حديقة سجنه فيها نخل طوال، ويجنبها أرض كأنها كافورة ليس فيها أشجار. فقال لي: أتدري لمن هذه النخيل؟ فقلت: لا. فقال: لامرىء القيس: فأقلعها وأغرسها في هذه. ففعلت، فما أصبحت أتيت ابن سيرين فقصصت رؤياي عليه فقال: أتقول الشعر؟ قلت: لا. فقال: أما أنك ستقول مثل شعر امرىء القيس، إلا إنك تقوله في قوم طهرة، فما انصرفت إلا وأنا أقول الشعر، والنابغتان سميا بذلك لأنهما عاشا دهرا لا يقولون شعرا ثم نبغا فيه.
تسهيل قول الشعر على ذي آلته:
عمل سقراط بيتين فقيل له: ما أحسن ما قلت. فقال: إن حفر بئر بقرب قناة يجري منها الماء. سهل البديهي:
وأرى القوافي لا تصير مطيعة ... إلا إلى المثرين من أدواتها
والطبع ليس بمقنع إلا إذا ... حصلت إضافته إلى آلاتها
آخر:
وما الطبع مغن وحده في نظامه ... ولا العلم من حد الطباع بنائب
إذا لم تكن مجموعة أدواته ... فأيسر مبناه كنسج العناكب
وقيل: أصح الشعر وأسهله ما يقوله من بعثه أنف أو دخله كلف.
من تداخله لسماعه الأنفة والحمية:
كان بالمدينة فتى يتعشق امرأة، فوعدته يوما فلما اجتمعا غنت مغنية بهذا الصوت:
من الخفرات لم تفضح أخاها ... ولم ترفع لوالدها شنارا
فأبت إلا الخروج، فرجعت إلى منزلها وبعثت إلى الرجل ألف دينار وقالت: إن رغبت في فاجعل هذا مهري واخطبني من أبي. ودخل رجل على أبي دلف فاستماعه فقال له: أتسأل وجدك يقول:
ومن يفتقر منا يعش بحسامه ... ومن يفتقر من سائر الناس يسأل
فقال: نعم وتضجر، فلقي وكيلا لأبي دلف يأتي بمال فسلبه واتصل الخبر بأبي دلف فقال: أنا الذي علمته هذا فدعوه. وهذا الباب من جنس منفعة الشعر.
شعر سائر:
أبو العتاهية:
في كل أرض قرى من منطقي مثلا ... بين المشاهد أو يبكي به وتر
الطرمي:
لقد سار لي شرقا وغربا قصائد ... تغبر حسنا في وجوه القصائد
المتنبي:
أبقى على كنف الأيام من كنفي ... رضوى وأسير في الآفاق من مثل
الكندي:
يقصر عن مداها الريح جريا ... وتعجز عن مواقعها السهام
تناهب حسنها حاد وشاد ... فحث بها المطابا والمدام
المسيب:
ترد المياه فلا تزال غريبة ... في القوم بين تمثل وسماع
النابغة:
أوابد كالسلام إذا استمرت ... فليس يرد فدفدها التمني
شعر أثر في المقول فيه فرفعه أو وضعه:
كان بنو قريع متى قيل لهم أنف الناقة أستحيوا حتى قال فيهم الحطيئة:
قوم هم الأنف والأذئاب غيرهم ... ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا
فصاروا بعد ذلك يتبجحون به ويقولون: نحن من أنف الناقة، وغير كانوا يتبجحون باسمهم حتى قال فيهم الشاعر:
فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
فكانوا بعد إذا سئلوا قالوا من بني عامر. وقال جرير:
والتغلبي إذا تنحنح للقرى ... حك أسته وتمثل الأمثالا!
فقالوا: لو طعنوا بعد هذا في أستاههم ما حكوها!
مفاضلة قصار الشعر وطواله:
قيل لعقيل: لم لا تطيل الشعر؟ فقال: يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق! وقيل لآخر ذلك فقال: يكون أحوك وعلى أفواه الرواة أعلق. وقالت مليكة بنت الحطيئة: يا أبت كنت ترغب عن القصار فصرت ترغب فيها. فقال: لأنها في الآذان أولج، وعلى الفكر أروج، والناس إليها أحوج. وقيل لآخر مثل ذلك فقال: حسبك غرة لائحة وسمة واضحة. وقال آخر: إذا مدحتم فاقصروا، وإذا هجوتم فأطيلوا، فالشر لا يمل. وقال الصاحب أن عبدان إذا أطال قصر وإذا قصر لم يقصر
إعتذار من أكدى في شعره أو نادرته:
قال عبد الملك لعدي بن أرطاة: لم لا تقول الشعر؟ فقال: كيف أقوله وأنا لا أشرب ولا أطرب ولا أغضب؟ وقال الفرزدق: ربما أتت علي ساعة وقلع ضرس أهون علي من قول بيت. وقال عبيد: حال الجريض دون القريض. واستأذن الغالبي على عباد فأذن له فأنشده:

(1/35)


لما انحنا بالوزير ركابنا ... مستعصمين بجوده أعطانا
من لم يزل للناس غيثا ممرعا ... متخرقا في جوده... " وأنسى القافية "
فجعل يردد فقال عباد: قل كشحانا أو قرنانا وخلصني، فتذكر وقال: في جوده معوانا. وتبع رجل جماعة من الشعراء دخلوا على سلطان فلما أنشدوه قال للرجل: ما عندك؟ قال: أنا من الغاوين. فقال: ما معنى ذلك؟ فقال الله تعالى: " والشعراء يتبعهم الغاوون " ! فأنا غاو تبعتهم، فضحك منه وأعطاه.
اشتمال الشعر على نقاية ونفاية:
قال أبو عمر بن العلاء: شعر بشار سباطة الملوك، فيها قطعة ذهب وما شئت من رماد، والسباطة الكساحة. وأنشد بعضهم:
يا عائب الشعر؛ مهلا ... فعيبك الشعر عيب!
الشعر كالشعر فيه ... مع الشبيبة شيب!
وقال بعضهم في وصف شاعر: ثوب بواف ومطرف بآلاف. وقال شداد الأعرابي: مثل الشعر مثل الإبل فيها الكرام والخساس، يسد بعضها خصاص بعض. وقيل لجرير: ما تقول في الجعدي؟ فقال: سوق خلقان ترى ثوبا يروعك وثوبا تستهجنه عينك؛ وقيل: إذا كان الكلام كله منقى لم تبن فيه اللمعة والنكتة، ولذلك لم يستعذب الناس شعر صالح بن عبد القدوس لما كان كله حكما.
المتنبي:
وفي الشعر ما تهوى النفوس استماعه ... وفي الشعر ما قد ضمه حبل حاطب
ضن الشاعر برديء شعره:
قال عبد الله بن طاهر: آفة الشاعر البخل لأنه يقول خمسين بيتا وفيها بيت رديء، فلا يحتمل قلبه أن يسقطه. وقيل: الشاعر كالصير في يجتهد في أن يروج ما في كيسه من الزيوف.
اعتذار من قصر عن مساجلة:
العتابي:
ولا عار إن قصرت دون مبرز ... شأى الناس قبلي سعيه وشآني
وإني كمن جارى جوادا بمقرف ... قوائمه مشكولة بحران
ومما يحسن أن يتمثل به هنا قول الدارمي:
كلانا شاعر من قول صدق ... ولكن الرحى فوق التفال
قائل شعر ذكر أنه استعاره من المقول فيه:
أحمد بن أبي الخصيب:
وإني وإن أحسنت في القول مرة ... فمنك ومن إحسانك امتارها جسي
تعلمت مما قلته وفعلته ... فأهديت حلوا من جناي لغارس
ابن طباطبا:
لا تنكرن اهداءنا لك منطقا ... منك استفدنا حسنه ونظامه
فالله عز وجل يشكر فعل من ... يتلو عليه وحيه وكلامه
وحكي أن الصاحب دخل على عضد الدولة بهمدان، وعضد الدولة مكب على دفتر يقراه، فقال: يا أبا القاسم هذه رسالة لك في بعض فتوحنا، نحن نأخذها بأسيافنا وأنت تجملها بأقلامك. فقال: المعنى مستفاد من مولانا وإن كانت الألفاظ لخادمه، ثم أنشده:
وأنت أكتب مني في الفتوح وما ... تجري مجيبا إلى شأوي ولا أمدي
فقال: لمن البيت؟ فقال: لعبدك أبي اسحق الصابىء محبوسا ببغداد، فأمر بالإفراج عنه والخلعة عليه، فكان ذلك سبب خلاصه وتقدمه.
كلام نثر صار شعرا من غير قصد:
كتب عقال بن شهبة:
للأمير المسيب بن زهير ... من عقال ابن شبة بن عقال
فاتفق منه شعر. وحضر الصاحب الحسن بن سعد فرأى على عنوان كتاب: أبو الحسين أحمد ابن سعد: فقال: هذا شعر ثم قال، قل:
إلى الهمام الأريحي الفرد ... أبي الحسين أحمد بن سعد
فقال أبو الحسين: علمت بعد ثمانين سنة أن كنيتي واسمي واسم أبي شعر، وعلى ذلك كتب عبد الله الخازن على عنوان كتابه:
حضرة الصاحب الجليل أبي القا ... سم كافي الكفاة اسماعيلا
وقال رجل لمناد: يا صاحب المسح تبيع المسحا. فقال صاحبه: تعال إن كنت تريد الربحا. فسمع أبو العتاهية ذلك فقال: قد قالا شعرا وهما لا يدريان.
ما جاء من لفظ القرآن والخبر موزونا:
من ذلك قوله تعالى: " تبت يدا أبي لهب وتب " . وجفان كالجوابي. وقدور راسيات. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أنا النبي لا أكذب. أنا ابن عبد المطلب " . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحرض أصحابه على حفر الخندق ويقول: " والله لولا الله ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا، فأنزلن سكينة علينا، وثبت الأقدام إن لاقينا " . وكان أصحابه يجيبونه إنك لولا أنت ما اهتدينا.

(1/36)


متناه في مدح أو هجو أول من ضده:
مدح أعرابي نبطيا فقال:
إن أبا الهيجاء أريحي ... للريح في أثوابه دوي
فقال النبطي: عني أني أقسو! فقال الأصمعي: انظروا كيف ضاع هذا البيت؟ وسمع بعضهم قول الحطيئة:
يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل
فقال: هذا بيت قواد! وأنشد قول الأخطل:
وإني لقوام مقاوم لم يكن ... جرير ولا مولى جرير يقومها
فقال جرير: صدق ما قمنا بين يدي قس لأخذ قربان ولا لإداء جزية بين يدي سلطان.
شعر لا يدري أمدح هو أم هجاء:
دفع أعرابي ثوبا إلى خياط فقال الخياط: لأخيطنه خياطة لا تدري أقباء هو أم دواج. فقال: لأقولن فيك شعرا لا تدري أمدح هو أم هجاء، وكان الخياط أعور، ثم أنشده:
خاط لي زيد قبا ... ليت عينيه سوا!
فلم يدر أدعاء له أم دعاء عليه. ولما أنشد النابغة النعمان قوله:
تخف الأرض إما غبت عنها ... ويبقى ما بقيت به ثقيلا
غضب وقال: لا أدري أمدحني أما هجاني؟ فأتى زهيرا فأخبره فقال: حق له أن يغضب، ولكن قل بعده هذا البيت:
أظنك مستقر العز منها ... فتمنع جانبيها أن تزولا
فأتاه فأنشده ذلك فرضي وقال: أما الآن فنعم!
من قصد مديحا فاتفق منه هجو:
جاء شعرور إلى زبيدة فمدحها فقال:
أزبيدة بنة جعفر ... طوبى لزائرك المثاب!
تعطين من رجليك ما ... تعطي الأكف من الرغاب
فوثب إليه الخدم ليضربوه فمنعتهم وقالت: إنه قصد مدحا وأراد أن يقول الناس شمالك أجود من يمينه، فظن أنه إذا ذكر الرجل كان أبلغ، وقد حمدنا ما نواه وإن أساء فيما أتاه. ومدح شاعرا أميرا فقال:
أنت الهمام ابن الهما ... م الواسع ابن الواسعه
فقال: من أين عرفتها؟ قال: قد جربتها! فقال: أسوأ من شعرك ما أتيت به من عذرك!
شاعر مغلوب بشعر ركيك:
أتى أبو الشمقمق بشارا فقال: يا أبا معاذ، أعطنا شيئا وصل إليك من السلطان، فقال: أتسألني وأنا شاعر؟ فقال: نعم إني مررت بالصبيان وهم يقولون:
إنما بشار فينا ... مثل تيس في سفينه
رفع مصلاه عن ثمانمائة درهم وأعطاها له وقال له: لا تكن راوية للصبيان بعد هذا! وقال دعبل: وردت قم وكان لي على أهلها رسم، فاتفق أن جاءني شعرور فأخذ يتأكدني ويؤذيني، فازدريت به وزجرته فذهب وهجاني فقال:
في أست دعبل بلابل ... ليس يشفى لقابل
ليس يشفيه منه غير ... أير بغل بكابل
فلهج الصبيان بذلك وصاروا يصيحون خلفي إذا رأوني، ففررت من قم استحياء وما عاودتها بعد!
معرفة نقد الشعر:
قال أبو عمرو: انتقاد الشعر أشد من نظمه، واختيار الرجل الشعر قطعة من عقله. وقيل: إنما يعرف الشعر من دفع إلى مضايقه. وقيل: كن على معرفة الشعر أحرص منك على عقله. وقيل: إنما يعرف الشعر من دفع إلى مضايقة. وقيل: كن على معرفة الشعر أحرص منك على حوكه. وقال الفرزدق: لا يكون الشاعر متقدما حتى يكون باختيار الشعر أحذق منه بعمله. أبو أحمد بن المنجم:
رب شعر نقدته مثل ما ينقد رأس الصيارف الدينارا
الأهوازي:
ويزعم أنه نقاد شعر ... هو الحادي، وليس له بعير!
آخر:
قد عرفناك باختيارك إذا كا ... ن دليلا على اللبيب اختياره
عذر من يعرف الشعر ولا يصوغه:
قيل لابن المقفع: لم لا تقول الشعر؟ فقال: أنا المسن أسن الحديد ولا أقطع! وقيل لأديب: أشاعر أنت؟ فقال: لا ولكني بهم خابر. وقال شاعر:
وقد يقرض الشعر البكي لسانه ... وتعيي القوافي المرء، هو خطيب
وقيل لأبي عبيدة: لم لا تقول الشعر مع غزارة علمك وجودة فهمك؟ فقال: لأن الذي يجيبني لا أرتضيه وما أرتضيه لا يجيبني. ولبعضهم في المعنى:
أبى الشعر إلا أن يفيء ردئيه ... علي ويأبى منه ما كان محكما
فيا ليتني إذ لم أجدحوك وشيه ... ولم أك من فرسانه كنت مفحما
مذاهب الناس في نقده:

(1/37)


مذاهب الناس في ذلك مختلفة، فمنهم من يميل إلى ما سهل فيقول: خير الشعر ما لا يحجبه شيء عن الفهم. وقال آخر: خير الشعر ما معناه إلى قلبك أسرع من لفظه إلى سمعك. ومنهم من يقول: ما كان مطابقا للصدق وموافقا للوصف كما قيل:
وإن أحسن بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته: صدقا!
وسئل ذو الرمة عن أشعر الناس فقال: من خبث جيده وطاب رديئه. ومنهم من يميل إلى ما انغلق معناه وصعب استخراجه، كشعر ابن مقبل والفرزدق، وكثير من النحويين لا يميلون من الشعر إلى ما فيه إعراب مستغرب ومعنى مستصعب. وقال يزدان المتطبب: إن أبا العتاهية أشعر الناس لقوله:
فتنفست ثم قلت نعم حبا ... جرى في العروق عرقا فعرقا
فقال له بعض الأدباء: إنما صار أشعر الناس عندك من طريق المجسة والعروق!
مراتب الشعراء والشعر:
قال الجاحظ: يقال للمجيد فحل، ولمن دونه مفلق ثم شاعر ثم شويعر ثم شعرور. وقيل: أقسام الشعر أربعة: ضرب حسن لفظه ومعناه، وإذا نثر لم يفقد حسنه وذلك نحو:
في كفه خيزران ريحه عبق ... من كف أروع في عرنينه شمم
يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فم يكلم إلا حين يبتسم
وضرب حسن لفظه وحلا معناه نحو:
ولما قضينا من منى من كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح
أخذنا بأطراف الحديث بيننا ... وسالت بأعناق المطي الأباطح
وضرب جاد معناه وقصر لفظه نحو:
خطاطيف حجن في حبال متينة ... تمد بها أيد إليك نوازع
وضرب قصر معناه ولفظه نحو:
إن محلا وإن مرتحلا ... وإن للسفر ما مضى مهلا
وقيل: الأشياء كلها ثلاث طبقات، جيد ووسط ورديء، فالوسط من كل شيء أجود من الرديء عند الناس، إلا الشعر فإن رديئه خير من وسطه، ومتى قيل شعر وسط فهو عبارة عن الرديء. وقيل: الشعر ثلاثة أصناف: شعر يكتب ويروى، وشعر يسمع ويكتب، وشعر لا يكتب ولا يوعى.
كثرة الشعر في الناس:
قال إبراهيم الموصلي: لولا أني أعلم أن الشعر من شر الكلام لقلت الشعر أكثر من النثر. أبو تمام:
ولو كان يفنى الشعر أفناه ما قرت ... حياضك منه في العصور الذواهب
ولكنه صوب العقول إذا انجلت ... سحائب منه أعقبت بسحائب
وقيل: الشعر أكثر من الكلام البليغ، فقد تجد عشرة آلاف شاعر ولا تجد خطيبا
المستحسن الإنشاد:
دخل أبو تمام على إسحق المصعبي فقال له: رأيت المخزومي آنفا وهو ينشد شعرا فقال: أيها الأمير، نشيد المخزومي يطرق بين يدي شعره، وشعري يطرق بين يدي نشيدي. ومدح رجل آخر بحسن الإنشاد فقال: هو صناجة الشعر، وقال الفرزدق لعباد العنبري: حسن إنشادك يزين الشعر في فهمي. وقيل: إذا أنشدت المديح ففخم، أو المرائي فحزن، أو من النسيب فأخضع، أو من الهجاء فسدد وبالغ.
المستقبح الإنشاد:
عبد الله بن معاوية:
يزين الشعر أفواه إذا نطقت ... بالشعر يوما، وقد يزرى بأفواه
أبو خليفة:
كأن الشعر من فيه إذا تمت قوافيه كنيف قد خري فيه!
مما جاء في الكتاب والكتابة
واضعوا اللغات والخط: قيل: اللغات توقيفية لقوله تعالى " وعلم آدم الأسماء كلها " . وقيل: أول ذلك اصطلاح ثم يجوز أن يكون الباقي توقيفا. وقال الكلبي: وضع الخط ثلاثة نفر: مرامر بن مرة بن ذروة، وأسلم بن شدرة، وعامر بن حدرة، فرامر وضع الصورة، وأسلم فصل ووصل، وعامر أعجم وأشكل. وقيل: وضعه قوم من طسم وهم: أبجد وهوز وحطي وكلمن وسعفص وقرشت على أسمائهم، ثم وجدوا حروفا أخر وسموها الروادف وهي ثخذ ضظع، ولها أربعة حروف لا يعونها في أبي جاد، وتلك حروف المد واللين ونون الغنة في نحو منذر وجندل. وأول من خاطب بأطال الله بقاءك عمر بن الخطاب؛ قاله لعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما. وأول من قال جعلني الله فداءك، عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. وأول من قال جعلت فداءك، علي عليه السلام. وأول من كتب في صدر الكتاب، مراسلة أن يصلى على محمد، يحيى بن خالد البرمكي.
اتفاق الحروف مع النجوم:

(1/38)


عدد الحروف العربية عدد منازل القمر ثمانية وعشرون، وغاية مبلغ الكلمة مع الزيادة سبعة على عدد النجوم السبعة، وصورة الزوائد اثنا عشر على عدد البروج، وأربعة عشر تندرج مع لام التعريف مثل منازل القمر التي تستتر تحت الأرض، وأربعة عشر فوقها، وهذا اتفاق صحيح.
أسامى المترجمين:
نقل ديوان الفارسية إلى العربية صالح بن عبد الرحمن، فقال له رجل من الفرس: كيف تكتب دهيوده وبنجيوده؟ فقال: عشير ونصف عشير، فقال: وكيف تكتب أندى؟ قال: أيضا، فقال: قطع الله أصلك من الدنيا كما قطعت أصل الفارسية! وقال لقومه: اطلبوا مكسبا غيره.
وممن نقل العلوم الكبار:
ان بطريق وبان ناعمة وأبو فروة وابن المقفع وارسطو طاليس وأفلاطون، من متقدمي الحكماء ومستخرجي العلوم.
أجناس الكتابة:
قال الكلبي: كتابة الأمم نوعان: أحدهما يبتدىء باليمين وهي العربية والعبرانية، والثاني من اليسار وهو اليونانية والرومية، وكل كتابة من اليسار فهي مفصولة، وكتابة الصين نقوش تصور. وحكي أن ملك الروم قال: ما حسدت العرب على شيء كالحسد على أشكال خطوطهم.
موافق الخط:
قيل: الخط لسان اليد وهو الطلسم الأكبر. وقيل: الخط هندسة روحانية ظهرت بآلة جسمانية وقيل: العلم شجر والخط ثمر. وفضل بعضهم الخط على اللفظ فقال: الخط للقريب والبعيد، واللفظ للقريب فقط. وفضل جالينوس اللفظ فقال: الخط كلام ميت واللفظ كلام حي.
اختلاف الخطوط وتشابهها:
قيل: من أعجوبة الخطوط كثرة اختلافها مع اتفاق أصولها، كاختلاف الأشخاص مع اتفاقها فيا لصنعة. وعجب بعض الكتاب من الحاق القافة بالولد بالشبه فقال له قائف: أعجب من هذا ما يبلغنا من تمييزكم الخطوط وإلحاق كل بصاحبه! وحكي أن رجلا ادعى على آخر بخط، له معه، فجحد المدعى عليه خطه، فتحاكما إلى سليمان بن وهب، فأحضر الخط وأملى على الرجل كتابا طويلا ردد فيه الحروف، فتصنع الرجل في كتابته فأبت سجيته في أحرف إلا أن تأتي كما جرت به عادته، فتبين لسليمان كذبه، فاستقصى عليه حتى اعترف بخطه.
مدج الكتابة:
جعل الله تعالى كتبة الملائكة كراما كاتبين حيث يقول: " كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون " . وقال تعالى: " بأيدي سفرة كرام بررة " . وقيل: بلغت الكتابة بقوم مبلغ الملوك، وأعطتهم أزمة الخلافة، ونال الخلافة اربعة من الكتاب: عثمان وعلي ومعاوية وعبد الملك. وسأل أعرابي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فذكروا له حتى انتهوا إلى ذكر معاوية، فقالوا كان كاتب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: فلح ورب الكعبة، فإن الأمور بيد الكتاب! قال الشاعر:
ما الناس إلا الكتبه ... هم فضة في ذهبه
قد أحرزوا دنياهم ... بشعبة من قصبه
وقال ابن الحجاج:
وشمول كأنما اعتصروهما ... من معاني شمائل الكتاب
وقيل: كل صناعة تحتاج إلى ذكاء إلى الكتابة فإنها تحتاج إلى ذكاءين: جمع المعاني بالقلب، والحروف بالقلم؛ ولذلك قيل بالفارسية ديبر أي له ذكآن. وقال الجاحظ: لم أر مثل طريقة الكتاب، فإنهم اختاروا من الألفاظ ما لم يكن وحشيا ولا ساقطا سوقيا. وقال: إنما عذب شعر النابغة لأنه كان كاتبا وكذلك زهير.
ذم الكتاب:
قال الجاحظ في ذمهم: ما قولك في قوم أول من كتب منهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالفه في كتابه: فأنزل الله فيه آيات، فهرب إلى جزيرة العرب فمات كافرا؟ ثم استكتب معاوية فكان أول من غدر وحاول نقض عرى الإسلام في أيامه، ثم كتب عثمان لأبي بكر مع طهارة أخلاقه فلم يمت حتى أداه عرق الكتابة إلى ذم من ذمه من أوليائه، ثم كتب لعمر رضي الله عنه زياد بن أمية فانعكس شر مولود، وكتب لعثمان رضي الله عنه مروان بن الحكم فخانه في خاتمه، وأشعل حربا في مملكته. وقال بعضهم وقد جلس في ديوان: أخلاق حلوة وشمائل معشوقة ووقار أهل العلم، وظرف أهل الفهم، وإذا سبكتهم وجدتهم كالزبد يذهب جفاء لايستندون إلى وثيقة ولا يدينون بحقيقة، فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون! كشاجم:
بأبي وأمي أنت من مستجمع ... تيه القيان ورقة الكتاب
ابن المعتز: وما كاتب بالكف إلا كشارط
ذم عجزة الكتاب:
الحجاج الأهوازي يهجو الكتاب:

(1/39)


تعس الزمان لقد أتى بعجاب ... ومحا رسوم الظرف والآداب!
وأتى بكتاب لو انبسطت يدي ... فيهم، رددتهم إلى الكتاب!
وقال آخر:
دعي في الكتابة يدعيها ... كدعوة آل حرب في زياد
ولما ولي الفضل بن مروان ديوان الخراج، وموسى بن عبد الملك ديوان الضياع، قال محمد بن يزيد المراعي:
أرى التدبير ليس له نظام ... وأمر الناس ليس بمستقيم
فديوان الضياع بفتح ضاد ... وديوان الخراج بغير جيم!
وذم رجل آخر فقال: فيه من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم: عدم الكتابة والعجز عن تقويم الشعر.
من يسد كتابه مسد السلاح والعساكر:
ابن الرومي:
في كفه قلم ناهيك من قلم ... نيلا وناهيك من كف به اتشحا!
يمحو ويكتب أزراق العباد به ... فما المقادير الا ما محا ووحى
المتنبي:
يا من اذا ورد البلاد كتابه ... قبل الجيوش ثنى الجيوش ثحيرا
ورسائل قطع العداة سحاءها ... فرأوا قنا وأسنة وسنورا
وفي وصف القلم باب يجري هذا المجرى.
ومما هو كالمضاد لهذا الباب:
ماروي أن عكلا أغارت على إبل لبني حنظلة، فاستغاثوا باسحاق بن إبراهيم، فكتب إلى عامل كتابا فخرج صاحب الكتاب وخرق الكتاب وقال:
جعلتم قراطيس العراق سيوفكم ... ولن يقطع القرطاس رأس المكابر
وقلتم: خذوا البر التقي فإنه ... أقل امتناعا، واتركوا كل فاجر!
فرحنا بقرطاس طويل وطينة، ... وراحت بنو أعمامنا بالأباعر!
البحتري:
فلا غرني من بعده عز كاتب ... إذا هو لم يأخذ بحجزة رامح
ذم الكتابة إذا تولاها النساء.
قال عمر رضي الله عنه: جنبوهن الكتابة. وقال دقنس الفيلسوف وقد رأى جارية تتعلم الكتابة: تسقى سهما سما لترميك به يوما. وقال السامي:
ما للنساء وللكتا ... بة والعمالة والخطابة؟
هذا لنا ولهن منا ... أن يتبين على جنابه
سمع جرير شعرا فسأل عن قائله فقيل: امرأة فلان. فقال: إذا زقت الدجاجة زقاء الديك فاذبحوها.
شكوى التأخر في الكتابة:
حتام لا انفك حارس سلة ... أدعى فأسمع مذعنا وأطيع؟
وأكلف العبء الثقيل، وإنما ... يبلى به الأتباع لا المتبوع
فعليهم ثقل الأمور وحملها ... وعلى الرئيس الختم والتوقيع
ذم الأمي وفضله:
قال أمي: كان النبي صلى الله عليه وسلم أميا، فقيل له: أما علمت أنه كان له منقبة ولك مثلبة؟ وقال المأمون لأحمد بن يوسف: وددت أن يكون لي خط كخطك! فقال: يا أمير المؤمنين لو كان في الخط حظ ما أحرمه الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم. وكانت أم سلمة تقرأ ولا تكتب، ومحمد بن الوليد المازني يكتب ولا يقرأ، وكان يتنافس فيما يكتب بيده. وولي عمر بن هبيرة العراق فكان يحفظ جمل حسابها ولا يكتب.
كتاب الرجل منبىء عن عقله:
قال زياد: ما قرأت كتابا قط لرجل إلا عرفت مقدار عقله فيه. وقال طريح بن اسماعيل: عقول الرجال في أطراف أقلامها. وقال يزيد بن المهلب لابنه حين استخلفه على خراسان: إذا كتبت كتابا فأكثر النظر فيه، فإنما هو عقلك تضع عليه طابعك، وإن كتاب الرجل موضع عقله، ورسوله موضع رأيه.
بقاء الخط:
قال بعض الشعراء:
وما من كاتب إلا ستبقى ... كتابته، وإن فنيت يداه
فلا تكتب بخطك غير شيء ... يسرك في القيامة أن تراه
الخليل:
كتبت بخطي ما ترى في دفاتري ... عن الناس في عصري وعن كل غابر
ولولا عزائي أنني غير خالد ... على الأرض لاستودعته في المقابر
فضل الخط المستحسن:
قيل في قوله تعالى: " يزيد في الخلق ما يشاء " إنه الخط الحسن. قال الشاعر:
أضحكت قرطاسك عن جنة ... أشجارها من حكم مثمره
مسودة سطحها، ومبيضة ... أرضا، كمثل الليلة المقمرة

(1/40)


ونظر الحسن بن رجاء إلى خط حسن فقال: متنزه الألحاظ ومجتنى الألفاظ فلان فصيح القلم. ونظر أعرابي إلى إسماعيل وهو يكتب بين يدي المأمون فقال: ما رأيت أطيش من قلمه وأثبت من حكمه! ابن المعتز:
إذا أخذ القرطاس خلت يمينه ... تفتح نورا أو تنظم جوهرا
وقيل لبعضهم: كيف ترى إبراهيم الصولي؟ فقال:
يولد اللؤلؤ المنثور منطقه ... وينظم الدر بالأقلام في الكتب
وتحاكم إلى الحسن بن سهل صبيان في خطيهما فقال لأحدهما: خط تبر مسبوك! وقال للآخر: خطك وشي محوك! وقد تسابقتما إلى غاية فوافيتما في نهاية.
من حسن خطه وخده:
وصل أحمد بن أبي خالد جارية كاتبة فقال: كأن خطها أشكال صورتها، ومدادها سواد شعرها، وقرطاسها أديم وجهها، وقلمها بعض أناملها، وبيانها سحر مقلتها.
قال:
بخط كأن الله قال لحسنه ... تشبه بمن قد خطك اليوم فائتمر!
وقال الصاحب:
غزال يفتن الناس ... مليح الخد والخط
فهذا النمل في العاج ... وهذا الدر في السمط
ذم الخط القبيح:
قيل: رداءة الخط إحدى الزمانتين: الحسن المغربي:
جزعت من قبح خطي ... وفيه وضعي وحطي
رجعت من بعد حذقي ... إلى كتابة حطي
علي بن محمد العلوي:
أشكو إلى الله خطا لا يبلغني ... خط البليغ ولا حظ المرجينا
يحيى بن علي:
مع خط كأنه أرجل البط أو الشرط في طلى الفتيان
وقال ابن المستنير وقد سأل عن خط وزير ليس بالجيد فقال: رأيت حظه أحسن من خطه!
الخط الدقيق والجليل:
كتب رجل لصاحبه كتابا دقيقا فقال: ما خاطبتني ولكن عودتني! الناشي:
كتبت إليكم أشتكي حرقة الهوى ... بخط ضعيف والخطوط فنون
فقال خليلي: ما لخطك هكذا ... دقيقا ضئيلا ما يكاد يبين؟
فقلت: حكاني في نحول ودقة ... كذاك خطوط العاشقين تكون!
ورأى محمد بن سعيد كتابا بخط دقيق فقال: هذا كتاب من يئس من طول حياته!
التثبت في الكتابة والإسراع فيها:
قيل: التثبت في الابتداء بلاغة وبعده عي وبلادة. وكان ابن المقفع كثيرا ما يقف إذا كتب، فقيل له في ذلك فقال: إن الكلام يزدحم في صدري فأقف لتخيره! وقيل: سرعة اليد محمودة ما أمنت نقصا أو سقطا.
حمد الشكل وذمه:
قيل: حلوا عواطل الكتب بالتقييد، وحصنوها من شبه التصحيف والتحريف، وقيل: إعجام الكتاب يمنع من استعجامه، وشكله يمنع من إشكاله.
قال الشاعر:
وكان أحرف خطه شجر ... والشكل في إضعافه ثمر
وقال أبوتمام وقد ضرب بعضهم المثل في هذا الباب بقوله:
إذا ما قيدت رتكت وليست ... إذا ما أطلقت ذات انطلاق
وعرض خط على عبد الله بن طاهر فقال: ما أحسنه لولا أنه أكثر شونيزه! ونظر محمد بن عباد إلى أبي عبيد وهو يقيد باسم الله فقال: لو عرفته ما شكلته.
الوصية بتقويم حروف في الكتابة:
قال الحسن: من كتب اسم الله فحسنه أحسن الله إليه. وكان يزيد بن ثابت يكره أن يكتب باسم الله من غير السين، فإذا رآه كذلك محاه. ورأى محمد بن عيسى كاتبا كتب عيسى ورد الياء إلى خلف فقال: لا تكتب كذا فأيسر ما فيه أن الياء إذ كان إلى قدام كان إقبالا وإذا كان إلى خلف كان إدبارا. وقيل: ارخوا ذوائب الخطوط يعني ما كان نحو من الياء والنون. وقيل: المد في حرفين سوء التقدير. وقيل: إذا اجتمع واوان وجب الفصل، والفصول حلى الكتاب، وجودة القراطيس شفاء القلم. وقال أمير المؤمنين عليه السلام: ألقي دواتك، وأطل سن قلمك، وفرج بين السطور، وقرمط بين الحروف.
معرفة كتابة بإشارة:

(1/41)


روي أن هشام بن عبد الملك كان يسايره أعرابي فقال له: أنظر ما على ذلك الميل. فجاء الأعرابي وتأمله وقال: رأيت شيئا كرأس المحجن متصلا بحلقة يتبعها ثلاث كأطباء الكلبة، كأنها رأس قطاة بلا منقار، فعرف أن هشام أنه يصفه. وأضل رجل بعيرا فقال لأعرابي: هل رأيت بعيرا سمته جعفر؟ فقال: ما أعرف جعفرا ولكن رأيت بعيرا سمته محجن وسابورة وحلقة وهلال متصل بعضه ببعض، فقال: ها هو ذا. وقال مشمشة المخنث للصولي: أكتب مشمشة يقرأ عليك السلام. فقال: قد كتبت. فقال: أرنيه فإن في إسمي دخالة الأذن قال: فعجبت من جودة تشبيهه.
؟تشبيهات بعض حروف المعجم:
دعا أبا النجم بعض أصدقائه فعاد عنه سكران فقال:
أقبلت من عند زياد كالخرف ... تخط رجلاي بخط مختلف
كأنما يكتتبان لام الألف
عبد السلام الحمصي:
كأن قافا أديرت فوق وجنته ... واختط كاتبها من فوقها ألفا
أبو نواس في حباب الكأس:
خلته في حببات ال ... كاس واوات صغارا
وقال بعضهم في وصف بخيل: كان جلمان من حيث جئته وجدت لا. وفي تشبيهه الشارب قال: فجاء كنصف الصاد من خط كاتب.
تتريب الكتب:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: أتربوا الكتب فإنه أنجح للحوائج. وكان الفرزدق كتب وصية وأعتق عبدا عن دبر فترب الكتاب العبد، فقال: استنجحت الحاجة واستعجلت المنية لي يا ابن الفاعلة، احذفوا اسمه من الوصية! رفع رجل قصة إلى عبد الله بن طاهر وقد أكثر عليها من التراب، فوقع فيها. إن ضمن من الصابون من ينقي ثيابنا من تراب كتابه، ضمنا له قضاء حاجته.
الكتابة في الإنصاف والظهر:
قال الشاعر:
أنت لما ابتدأت تكتب في الإن ... صاف خفنا من قلة الإنصاف
وكتب أحمد بن يوسف إلى صديق له: كتبت إليك في الظهر تفاؤلا بأن يظهرك الله على من ناوأك، ويجعلك ظهرا لمن ولاك.
قال الشاعر:
العذر في الظهر عند الحر منبسط ... إذا رأى سطوات الدهر بالنعم
لو كان يصلح خدي ما جرى قلمي ... إلا عليه على المداد دمي
وقال آخر:
كتبت القراطيس لذي حشمة ... وكتب ما بالظهر للناس
المكتوب على الحواشي:
بعضهم: اطلبوا النكت في الفواشي والحواشي. وقيل: التعليق في الحواشي كالشنوف في آذان الأبكار.
الحك:
قيل: من كثر شكه جاد حكه. وقال علي بن عيسى لجماعة من الكتاب رأى في كتابتهم حكا كثيرا: ما زلتم تغلطون وتحكون حتى حذقتم بالحك. ورأى الصاحب حكا كثيرا في حساب دفع إليه فقال: أرى فيه تأثير السكين أكثر من تأثير القلم.
قال الشاعر:
حذقك بالحك دليل على ... أنك في الكتب كثير الخطأ
النظر في كتاب الغير:
قال الفضل بن الربيع: كنت أقرأ في كتاب وإلى جانبي رجل من أهل المدينة، فجعل ينظر فيه فلمحته وقلت: ما تصنع ويحك؟ قال: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من نظر في كتاب أخيه بغير إذنه، فإنما يتطلع في النار، ولنا أشياخ قد تقدموا فقلت لعلي أرى أعظمهم. وكتب بعض الكتاب كتابا وإلى جنبه رجل يتطلع فكتب فيه: ولولا أن ابن الزانية فلانا يتطلع علي فيما أكتبه لشرحت كثيرا مما في قلبي! فقال الرجل: يا سيدي ما كنت أتطلع عليك! فقال: يا بغيض، فإذا من أين علمت ما كتبت فيه؟
ترشش المداد على الثوب:
محمد بن مهران:
لا تجزعن من المداد ولطخه ... إن المداد خلوق ثوب الكاتب
الحسن بن وهب:
وما شيء بأحسن من ثياب ... على حافاتها سمة المداد
آخر في نقيض هذا:
يدل على أنه كاتب ... سواد بأظفاره راسب
فإن كان هذا دليلا لنا ... فإسكافنا كاتب حاسب
التاريخ:
كان الرسم أن يؤرخ بكل وقت تحدث فيه حادثة ظاهرة مشهورة، فالروم كانت تؤرخ بملك ذي القرنين وهو الإسكندر، والفرس كانت تؤرخ بأعدل ملك كان يتفق لهم إلى أن باد ملكهم يزدجرد فهم يؤرخون منه، والعرب بمشاهير الحوادث كنزول إسماعيل مكة، وعام الفيل، وهجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وعليها استقر الحكم إلى الآن، وأول من أرخ بذلك في الإسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
العنوان:

(1/42)


الرسم أن يكتب اسم الكاتب ضئيلا، والمكتوب إليه فحلا جسيما. ورأى طاهر بن الحسين رقعة لابنه إلى المأمون وعليه عبده عبد الله فقال: يا بني أبدل هذه اللفظة شيئا آخر، فإني سميتك عبد الله فلا تشرك معه في ملكه غيره. ووقع المهدي في كتاب رجل كتب عليه عبده: لا أعلمن أحدا ينسب نفسه إلى مخلوق مثله على عنوان فإنه ملق كاذب، لا يقبله إلا مفتون أو مأفون!
الختم:
قيل في قوله تعالى في كتاب مكنون: أي مختوم، وفي قوله تعالى، إني ألقي إلي كتاب كريم: أي مختوم. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: الكتاب بلا ختم يسمى أقلف، وهو استهانة بالمكتوب إليه. وقال عمر رضي الله عنه: طينة خير من ظنة. وقيل: الختم حتم. وقيل: التصفح قبل الختم والختم بعد العنوان. وسأل بعض الأدباء رئيسا أن يختم كتابه فقال:
يا أيها الملك المنفذ أمره شرقا وغربا
امنن بختم صحيفتي ... ما دام هذا الطين رطبا
واعلم بأن جفافه ... مما يعيد السهل صعبا
وكتب بعضهم إلى رئيس: تختم كتبك لأنه مطايا البر، وأنا لا أختمها لأنها حوامل شكر.
القصة والتوقيع:
قال الصاحب لرجل رفع إليه قصة وهو يكثر الكلام: هذا رفع القصص لا رفع القصص. وجاء رجل يطلب منه توقيعا بالجواز فقال: يكتب جواز لحيته على طريق فقحته. وقيل: التوقيع إلى ذوي الأقدار موق.
مدح الوراقين وذمهم:
قيل: لا تقعدن في السوق إلا على وزاق أو زراد فهما مباينان للأوغاد. وقال عبدوس الحكيم: لا تكونن وراقا لآلئيا، فإن الدفاتر للعلماء والجواهر للملوك، وهذان الصنفان في الناس قليل. وقال الجاحظ في ذمهم: لم أر شرا من الوراقين مع أن صناعتهم نسخ الأخبار لذوي الآداب والألباب، ووراق المصاحف شر. وقال: نبئت أن شيخا منهم خثر عليه الحبر، فبال في المحبرة وكتب به المصحف والماء منه غير بعيد. وقال: وراق عرضي أرق من الزجاج ومجالي في طلب الرزق أضيق من المحبرة، ووجهي في الناس أشد سوادا من الحبر. وقيل لوراق: ما تشتهي؟ فقال: قلما مشاقا وحبرا براقا وجلودا رقاقا، والله سبحانه أعلم.
مما جاء في التصحيفات
النهي عن أخذ العلم من الصحفي:
قيل: لا تأخذوا من صحفي، ولا القرآن من مصحفي. وهجا بعضهم أبا حاتم فقال:
إذا أسند القوم أخبارهم ... فإسناده الصحف والهاجس
وقال أبو نواس في مرثية، خلف:
أودى جماع العلم مذ أودى خلف ... فليذم من العياليم الخسف
رواية لا يجتنى من الصحف
المهجو بكثرة الصحيف:
قيل: كيسان يمسخ على لسانه العلم ثلاث مرات، فإنه يكتب في الواحة خلاف ما يسمع، وينقل من الواحة إلى الدفتر خلاف من يكتب، ثم يقرأ من الدفتر خلاف ما يكتب.
شاعر:
ولم يسمع النحو لكنه ... قرأ منه شيئا وقد صحفه
تصحيفات متوالية إلى ما لا معنى له:
وجد معلم يلقن صبيا:
عفت الديار محلها فمقامها ... بمنى بأبد غولها فرجامها
وإنما هو:
عفت الديار محلها فمقامها ... بمنى تأبد غولها فرجامها
قال الجاحظ: ومررت بمعلم وهو يلقن صبيا:
يا أبا الفياش جثا ... أخرج الفتيان غثا
لبش في الأرض أباس ... شزنوا أيلج مثا
فقلت: بالعبرانية هذا؟ قال: لا هو بالعربية، فلما تأملته إذا هو مكتوب:
يا أبا العباس حبي ... أخرج الفتيان عنا
ليس في الأرض أناس ... شربوا أملح منا
فقلت: أيها المعلم إنك ضائع بهذا البلد، قال: نعم قدور ومزاريق. ورؤي صبي يقرأ على معلم:
والشيخ لا يبرك أجلافه ... حتى يوارى في ثرى دمسه
فإذا هو:
والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يوارى في ثرى رمسه
تصحيفات في القرآن مستهجنة:

(1/43)


سمع رجل يقرأ ربنا إنك من تدخل النار فقد أخذيته، بالراء، فقال بعضهم: أخراه ولكن بلفظ أحسن من هذا. وقال رجل في مجلس الشافعي رضي الله عنه: كيف يقرأ بشوال يعجنك أو بشوال يعجبك؟ فقيل: ليس في القرآن شيء من ذلك. فقال الشافعي: دعوه لي إنما هو " بسؤال نعجتك " . وقال الجاحظ: سمعت من يقرأ " ض والقرآن " وقرأ آخر " وفرش مرقوعة " وقرأ آخر " إن السموات والأرض كانتا ريقا " وقال آخر " نبية من ربكم " وقال آخر " ومريم ابنة عمران التي أخصيت فرجها " .
تصحيفات في الحديث مستقبحة:
قرأ بعضهم أن النبي صلى الله عليه وسلم بلع قديدا، وإنما هو بلغ قديدا. وقرأ آخر: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره النوم إلا في القدر، وإنما هو الثوم. وقرأ آخر: على القباب المحدث لا يدخل الجنة قباب، فقال أعيذني بالله إنما هو قتات، فقدم القارىء إليه وعرك أذنه وقال: ما صنع المسكين حتى لا يدخل الجنة؟ وقرأ آخر: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب العسل يوم الجمعة، وإنما هو الغسل. وقرأ آخر: غم الرجل ضيق أبيه، وإنما هو عم الرجل صنو أبيه. وقرأ آخر: لا يرث جميل إلا بثينة، وإنما هو لا يرث حمل إلا ببينة. وقرأ آخر إن أردت أن تنعظ فادخل المقابر، وإنما هو تتعظ. وقال أبو بكر أحمد بن كامل: حضرت شيخا فقال عن رسول الله عن جبريل عن الله عن رجل فقلت: من هذا الذي يصلح أن يكون شيخ الله يروى عنه؟ فإذا هو عز وجل. وقرأ محدث: كان النبي صلى الله عليه وسلم يغسل خصي الحمار، فقيل له: وما أراد بذلك؟ فقال: التواضع وإنما هو حصي الجمار.
من صحف وتأول برقاعته:
قرأ بعضهم: فأوجس في نفسه جيفة، فقيل هو خيفة، فقال: لا بل لأنه توضأ ولم يغسل أسته. وقرأ آخر في روضة يخبزون. فقال: أخشكار أم جواري؟ فقال: ما أرادوا ففيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين. وقرأ آخر فاسأل به جبيرا. فقال: من جبير؟ فقال: والد سعيد. وقرأ رجل على محمد بن حبيب من شعر الراعي:
تعود ثعالب السرقين منه
فقال: إنما هو ثعالب الشرفين منه. فقال: إن الثعالب أولع شيء بالسرقين، فقال: أتصحيف وتفسير؟
تصحيف فيه نادرة:
قرأ رجل على ابن مجاهد " بل عجنت ويسجرون " قال: أحسنت فمع العجين سجر التنور. وقرأ صبي على معلم: إني أريد أن أنكحك، فقال: هذا إذا قرأت على أمك! وقرأ آخر: وأما الآخر فتصلب. فقال: هذا إذا قرأت على أبيك الكشحان. وغنى رجل:
خليلي هبا نصطبح بسماد
فقال: اصطبح به وحدك، إنما هو بسواد.
تصحيف أفضى إلى مضرة:
كتب الوليد بن عبد الملك إلى والي المدينة: أحص من قبلك من المخنثين، فونم الذباب على الحاء فقرأ الكاتب أخص، فقال العامل: لعله أحص، فقال الكاتب: على الحاء نقطة كسهيل فخصى جماعة منهم، ولكل واحدة نادرة. وكتب صاحب بأصبهان إلى محمد بن عبد الله بن طاهرأن فلانا، يعني قائدا كبيرا، له خزلجية ويجلس مع النساء. فكتب إلى العامل: ابعث إلي فلانا وخزلجيته، فقرأ الكاتب، وجز لحيته، فأخذه وحلق لحيته وأشخصه، فلما أبصره رأى آية فضحك وخلاه. وكان حيان بن بشير يملي أن عرفجة أصيب يوم الكلاب وكان مستمليه يعرف ملحه فقال: إنما هو الكلاب بالضم، وحبست أنا من أجله.
تصحيف أفضى إلى فائدة:
كان نعيم بن زيد واليا على الهند، وفي حبسه رجل يقال له حبيش، فجاءت أمه إلى الفرزدق وسألته أن يتشفع فيه، فكتب إليه كتابا فلم يدر أخنيش أو حبيش، فأمر أن يطلق كل محبوس اسمه شيء من ذلك، فأطلق بذلك عدة. وأنشد الرجل الأصمعي: كليني لهم يا أميمة باضت. فقال له الأصمعي: أما علمت أن كل ناجمة الأذنين تحيض وكل سكائن الأذنين تبيض؟ فقال أبو الحسين الكوفي: لم أر تصحيفا أجلب للفائدة منه. وغنت جارية للرشيد:
أظلوم أن مصابكم رجلا ... أهدى السلام تحية ظلم
فقال الكسائي: إنما هو مصابكم رجل. فقالت الجارية: إني أخذت هذا الشعر عن أنحى الناس وآدابهم أبي عثمان المازني بالبصرة هكذا، فقال الرشيد: ليكتب إلى العامل بالبصرة بإطلاق نفقة المازني وأشخاصه، فلما أشخص ودخل إلى الرشيد سأله عن حاله، ألك ولد؟ قال: نعم بنية. فقال: وما قالت لك؟ قال: أنشدتني:
أيا أبتاه لا ترم عندنا ... فأنا بخير إذا لم ترم
قال: وبماذا أجبتها؟ قال، قلت:

(1/44)


ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنجاح
فسأله عن البيت المغنى به فقال: إنما هو رجلا وخبران إنما هو ظلم، فقال: أجدت وأصبت: فأعطاه مالا وأكرمه ورده إلى البصرة مكرما.
ادعاء تصحيف أدى إلى خلاص:
أتى عبد الملك بخارجي فأمر بقتله. وقال: ألست القائل: ؟ومنا حصين والبطين وقعنب ومنا أمير المؤمنين شبيب فقال: إنما قلت أمير المؤمنين أي يا أمير المؤمنين، فأطلقه. وأحضر جعفر بن سليمان الهاشمي خطابي المقدم الهذيلي وفيه:
يا ابن الزواني من بني معاوية ... أنت لعمري منهم ابن الزانية؟
فقال: إنما قلت يا ابن الرواثي، وأنت ابن الراثية أي اللواتي ينحن على موتاهم. وحكى أن علوية الشاعر اجتمع عليه الصوفية وقالوا له أنت أنشدت:
طاب لنا الرفض بغير حشمه
فقال: إنما قلت طاب لنا الرقص، فرضوا عنه وانصرفوا.
؟تعبير كتابة قليلة يغير بها المعنى:
خرج توقيع عن الرشيد، إلى بعض أوليائه بأقطام مائة ألف وألف دينار إلى الري، فدفع إلى معين لنسخه وطلب رسما من صاحبه، فامتنع فزاد المعين ألفا وجعله أو ألف دينار، فلما أخرج وأوصله إلى العامل قال لك ما فيه توفير السلطان من أحد هاذين. فقال: إنما أمر لي بهما فاسترجع التوقيع وعاد به إلى الحضرة، فلما رآه الرشيد ضحك وقال: لعلك لم ترضي الكاتب فأصلحه. وعلق ستر على باب أم جعفر، وكان قد أمر أن يكتب عليه السيدة الميمونة المباركة، فأغفل المطرز الراء، فدخل الرشيد فرآه وقرآه مناكة، فضحك وأمر أن يمزق. وقال الصاحب: لا ينبغي أن يخاطب النساء بحراستها ونظرها ولا عقلها، لأنه لا يؤمن أن يصحف بحراستها وبظرها وعقلها. ودفع المعروف بصخرة دبير قصة إلى الصاحب يستوهب منه شيئا وفي آخر القصة: فعل إن شاء الله. فزاد الصاحب فيه ألفا وجعله إفعل إن شاء الله. وقال: خذها فقد وقعت لك، فأخذ صخرة دبير القصة فتأملها فلم ير توقيعا، فراجعه مرتين، كل ذلك يقول: قد وقعت فيه حتى آراه الصاحب ما أثبته من الألف.
من صحف عند رئيس بما أضحك:
قرأ بعضهم عند رئيس جاضرجي وإنما هو حاضرجي. وحضر أحمد بن أبي خالد وزير المأمون يتتيع القصص، فأخذ قصة فقرأ أحمد الثريدي، وإنما هو البريدي، فقال المأمون: يا غلام أحضر لأبي العباس طعاما فإنه جائع، وعزم عليه ليأكل، فأكل ثم عاد فمر بقصة فيها فلان الحمصي فقرأ الخبيصي، فقال المأمون: يا غلام أظن أن طعامه كان مبتورا عن الحلواء أحضره خبيصا، فأتى بجام فامتنع فقال: عزمت عليك لنأكلن، فأكل ثم لم يعثر بعد والذي قرأ: وأنا فداؤك من الشوكله إنما هو من السوء كله، والذي قرأ على أمير المؤمنين الخليفة أتعظ علي أمير المؤمنين إنما هو أبعط أي أبعد. وقال بعضهم: حضرت مجلس قاضي أو قضاة عبد الجبار فقال له بعض العلوية الكبار: ما هذا الذي يقول النحار في كتبه الكس بالكسب؟ أراد الكسب، فضحك كل من عنده فأنشد فيه:
إذا الغصن لم يثمر وإن كان شعبة ... من المثمرات اعتده الناس في الحطب
تصحيفات مستحسنة:
قرأ الأصمعي على أبي عمرو هذا البيت:
وعذرتني وزعمت ... إنك لا تني بالضيف تأمر
وإنما هو لابن بالصيف تامر
فقال أبو عمر: وإنك في التصحيف أشعر من الحطيئة. وكان حماد الراوية لا يحسن القرآن ققيل له: لو قرأت القرآن. فأخذ المصحف وقرأ فلم يزل إلا في أربعة مواضع قال: عذابي أصيب به من أساء، وقوله وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها أباه. ومن الشجر ومما يغرسون. بل الذين كفروا في غرة وشقاق.
من عجم حرفا عمد إلى تصحيفه:
دفع رجل إلى محمد بن عبد الله قصة عليها حريت بن الغراس فعجمه. وقال خريت في الفراش ووقع تحته بئسما فعل! ووجه إلى المأمون رجل. وقيل سابق الحاج. وكتب أبو تمام رقعة إلى عبد الملك بن صالح وعليها حبيت، فنقطه وجعله جنبت.
من هجا أو مح بادعاء تصحيف:
هجا أبو نواس أبان اللاحقي فقال:
صحفت أمك إذ سمتك في المهد أبانا
قد علمنا ما أرادت. لم ترد إلا أتانا وقال آخر يهجو:
رأى الصيف مكتوبا فظن بأنه ... لتصحيفه ضيفا فقام يواثبه
المتنبي:
جرى الخلف إلا فيك إنك واحد ... وإنك ليث والملوك ذئاب

(1/45)


وإنك لو قويست صحف قاري ... ذئابا، ولم يخطىء فقال ذباب
كلمات تعسر قراءتها ويعسر تصحيفها:
استؤمر عبد الله طاهر في ابتناء موضع يقال له لبنا فوقع له لبنا لبنا لبنا لبنا لبنا، ووقع في رقعة بسبب عزير بن نوح عزير غرير عزيز علينا ومن عزيز. ووقع أيضا معاوية ابن معاوية ليحيى ليحيا خراج جراح فقد فقد. ووقع علي بن رستم لرجل غرك فصار قصار ذلك دلك فاخش فاحش فعلك فعلك نهذا بهذا والسلام.
مما جاء في آلات الكتابة
فضل القلم ووصفه:
بأنه مثبت الحكم؛ قال الله تعالى: " والقلم وما يسطرون " . وقال تعالى: " علم بالقلم " . وقيل: كما من مآثر بنتها الأقلام فلم تطمع في دروسها الأيام. وقيل: القلم قيم الحكم. ونظر المأمون إلى مؤامرة بخط حسن فقال: لله در القلم كيف يزين وشي المملكة! وقيل: القلم في حساب الجمل نفاع وذلك أن حروفه مائتان وواحد، وعدد نفاع مثله في الحساب، وهذا اتفاق ظريف.
وصف قلم ممدوح بأنه يجدي ويردي:
شاعر:
قلم يمج على العداة سمامه ... لكنه للمرتجين سماء
كم قد أسلت به لعبدك ريقة ... سوداء فيها نعمة بيضاء؟
ابن طباطبا:
إذا انتضى قلما ليخطب ... خلت في يمناه نصلا
كم رد عادية الخطو ... ب وكم أعز وكم أذلا؟
يجري فيؤمن خائفا ... ويصب في الأعداء نبلا
وفي وصفه: شجاع يمج السم والعسل. ولابن ثوابة في وصفه:
كالنار يعطيك من نور ومن حرق ... والدهر يعطيك من هم ومن جزل
وقال أبو الفياض الصابىء في الصاحب بن عباد:
أقال الله للأقدار سيري ... وفي أقلام إسمعيل صيري
تفضيل القلم على السيف:
قال محمد بن علي يمدح:
في كفه صارم لانت مضاربه ... يسوسنا رغبا إن شاء أو رهبا
السيف والرمح خدام له أبدا ... لا يبلغان به جدا ولا لعبا
فما رأينا مدادا قبل ذاك دما ... ولا رأينا حساما قبل ذا قصبا
ابن الرومي:
كذا قضى الله للأقلام مذ بريت ... إن السيوف لها مذ أرهفت خدم
تفضيله على القلم:
فاخر السيف فقال القلم: أنا أقتل بلا غرر، وأنت تقتل على خطر، فقال السيف: القلم خادم السيف إن نبل مراده، وإلا فإلى السيف معاده.
البحتري:
وعادة السيف إن يستخدم القلما
المتنبي:
حتى رجعت وأقلامي قوائل لي: ... المجد للسيف ليس المجد للقلم
أكتب بنا أبدا بعد الكتاب به ... فإنما نحن للأسياف كالخدم
وصف بأنه يكشف عن الضمائر:
قال بعضهم: القلم يزف بنات القلوب إلي خدور الكتب. وقال ابن المعتز: القلم يخدم الإرادة، ولا يمل الاستزادة، يسكت واقفا، وينطق سائرا. وقال الشاعر:
ومكشف السر الضمير بلا معاناة السؤال
آخر:
نواطق إلا أنهن سواكت ... يترجمن عما في الضمير مكتما
وفي وصفه:
عجبت لذي سنين والماء نبته ... له أثر في كل مصر ومعمر
وقال ابن المقفع: القلم يريد القلب، يخب بالخبر وينظر بلا بصر، وقال ابن أبي داود: القلم سفير العقل ورسول الفكر وترجمان الذهن.
وصف بأنه أخرس ناطق:
شاعر:
وأخرس ناطق أعمى بصير ... بليغ عند منطقه عيي
متى ترعف مناخره سوادا ... يخبر عنك بالمعنى المضي
محمد العلوي:
أخرس ينبيك بأطرافه ... عن كل ما شئت من الأمر
يذري على قرطاسه دمعة ... يبدي بها السر وما يدري
كعاشق يخفي هواه، وقد ... نمت عليه عبرة تجري
لغز في وصف القلم:
شاعر:
وبيت بعلياء الفلاة بنيته ... باسمي مشقوق الخياشيم يرعف
آخر:
وأجوف يمشي على رأسه ... يطير حثيثا على أملس
فهمت بآثاره ما مضى ... وما هو آت ولم يلبس
وصف دواة وقلم:
شاعر:
وزنجية لم تلدها الأناث ... وفي جوفها من سواها ولد
وكتب ابن طباطبا إلى ابن أبي البغل، وبعث إليه فلما أسود وآخر أبيض، وسبعة سمرا:

(1/46)


هذا ابن سام وبنت حام ... شعبهما اليوم ذو التئام
قد أظهرا في الورى ازدواجا ... فامتزج النور بالظلام
وأنسلا صبية صغارا ... سبعا يوافين في نظام
هن مدى الدهر مرضعات ... يشتقن ريا إلى النظام
اختبار قلة الأقلام:
قال الصولي لغلام: ليكن قلمك صلبا بين الرقة والغلظ، ولا تبره عند عقدة فإن فيه تعقد الأمور، ولا تجعلن في أنبوبة أنبوبة، ولا تكتبن بقلم ملتو ولا بذي شق غير مستو.
أدب بري القلم والاستنكاف منه:
قيل: ليكن مقطك إذا قططت صلبا لئلا يتشظى القلم. وقال عبد الحميد الكاتب: أطل جلفة قلمك وأسمنها، وحرف قطتك وأيمنها. وقيل: تبطين القلم شؤم، وحرفه حرف. وقيل: لا قلم المحرف للرجل المحارف. وأوصى بعضهم كاتبا فقال: أجد قلمك فالقلم الرديء كالولد العاق! وقيل: إذا لم تسمع لقطتك صوتا كصوت القسي، ووقعا كوقع المشرفي فأعد القط. وقال الصاحب لكاتب في مجلسه: ليس لك في مجلس إلا اللقط فقط.
التمدح يبري القلم والاستنكاف منه:
شاعر:
دخيل في الكتابة ليس منها ... فما يدري دبيرا من قبيل
إذا ما رام للأنبوب بريا ... تنكب عاجزا قصد السبيل
كشاجم:
لم ترني قط باريا قلما ... في بريه كل مهنة وضعه
ما كل من يحمل الحسام لكي ... يردي به سنه ولا طبعه
وقال أبو الحسن بن سعد: كنت عند علي بن سعد، فرأيت له أقلاما رديئة البري فأخذتها وأحسنت بربها، فقال: يا أبا الحسن، عليك بالكتابة فإن هذه تجارة.
السكين:
قيل: السكين من الأقلام تشحذها إذا كلت، وتلمها إذا تشعثت، وأحسن السكاكين ما عرض صدره وأرهف حده، ولم يفضل عن القبضة نصابه. وقيل لكاتب: سكينك ليس بقاطع! فقال: هو أقطع من البين. ولأبي حفص الوراق كتبه على سكين:
سكيننا من يره سيعجبه ... وقاه ربي شر من يستوهبه
وكيد من يسرقه ويغصبه ... ما أظلم الليل ولاح كوكبه
ابن نباتة:
مرهفة تعجز وصف البيان ... للسيف معنى ولها معنيان
يحكي سويداء القلوب إذا رمت ... فيها لواحظ شادن بسهام
وإنضاف محراك إليه كأنما ... أخذوه قد الصارم الصمصام
أبو الحسن المشطب الهمذاني:
إنني منفذ إليك مقطا ... سهرديزا كاير عير مري
سابغا طوله شديدا قواه ... فاتخذه كنانة لقسي
استهداء المداد واهداؤه:
كتب بعضهم إلى صديق يستمد منه مدادا:
أنا أشكو إليك أن دواتي ... هي عوني وعدتي وعنادي
عطلت من مدادها فاستعاضت ... يقق اللون من حلوك السواد
لم تزل من بنات حام فجاءت ... من بني يافث بغير ولاد
أنت للحادثات عد صدق ... فترى أن تمدها بمداد
عبدان:
هل لك في أن تحوز محمدة ... أنفس من فضة ومن ذهب؟
زود فتاة أتتك رائقة ... بدرة الفحم لابنة القصب
الحبر:
قال بعض الأدباء: بالحبر تنصاغ حكم الأخبار وبسواده تنضح شبه الآثار. وقيل لوراق: أخف رداءة خطك بجودة حبرك. وقيل: عطروا كتب علومكم بالحبر، فالحبر غالية والكتاب غانية.
شاعر:
وأكرم بحبر بها لجة ... جواهرها حكم تنثر
كشاجم في من أعطاه محبرة:
محبرة جاد لي بها قمر ... مستحسن الخلق مرتضى الخلق
كأنما حبرها إذا نثرت ... أقلامنا طله على الورق
كحل مرته الجفون من مقل ... نجل فأوفت به على يقق
خرساء لكنها تكون لنا ... عونا على علم أفصح النطق
لوح الحساب:
كشاجم:
نعم المعين على الآداب والحكم ... صحائف حلك الألوان كالظلم
جفت وخفت فلم يدنس لحاملها ... ثوب ولم يخش فيها نبوة القلم
لو كن ألواح موسى حين أغضبه ... هارون، خوفا من الندم
لوح الهندسة:
كشاجم:
وقلم مداده تراب ... في صحف سطورها حساب

(1/47)


يكثر فيها المحور والإضراب ... من غير أن يسود الكتاب
حتى يبين الحق والصواب ... وليس إعجام ولا إعراب
فيه ولا شك ولا ارتياب
مرفع الدواة:
شاعر:
قرب البعد مرفع لدواة ... ملجم من حليه بلجام
كخوان الطعام سهل للآ ... كل منه ما كان صعب المرام
الاصطرلاب " الببغاء " :
ومستدير معجم التقسيم ... منتسب الأشكال والرسوم
دبره فكر امرىء حكيم ... فصاغه في صغر التجسيم
مساويا للفلك العظيم ... مقتطعا لسائر النجوم
وكتب الصابىء إلى بعض أصدقائه وقد أهدى له اصطرلاب:
لم يرض بالأرض يهديها إليك وقد ... أهدى لك الفلك الأعلى وما فيه
نفع الكتب وكونها ذات أنس:
ذكر الجاحظ الكتب فقال: نعم الذخر والعدة، والطيس والعقدة، والمستغل والحرفة، ونعم القرين والدخيل، والوزير والنزيل! والكتاب هو الجليس الذي لا يطريك، والصديق الذي لا يغريك، يطيل امتاعك ويشحذ طباعك. وقال ابن المقفع: كل مصحوب ذو هفوات والكتاب مأمون العثرات. وقال الرفاء:
اجعل جليسك دفترا في نشره ... للميت من حكم العلوم نشور
ومفيد آداب ومؤنس وحشة ... وإذا انفردت فصاحب وسمير
وأنشد أبو محمد الخازن لنفسه:
فدفتري روضتي ومبحبرتي ... غدير علمي وصارمي قلمي
وراحتي في قرار صومعتي ... تعلمني كيف موقع القسم
التمدح بالإنفاق على الكتب والحث عليه:
قيل لابن دراج، وقد أخرج شعر أبي الشمقمق في جلود كوفية ودفتين طائفتين: لقد ضيع دراهمه من يجود لشعر أبي الشمقمق! فقال: لا جرم أن العلم يعطيكم على قدر ما تعطونه، ولو استطعت أن أكتبه في سواد عيني أو سويداء قلبي لفعلت! وقيل: إذا حويت الكتب فقد أحرزت الأدب والنشب.
وقال الشاعر:
تحرض على تجويد كتبك إنها ... مناهل وراد الحجى والفوائد
وقيل: إنفاق المال على كتب الأدب يخلفك عليه لباب الألباب.
ذم من يجمع الكتب ولم يحفظها:
محمد بن بشر:
أما لو أعي كل ما أسمع ... وأحفظ من ذاك ما أجمع
ولم أستفد غير ما قد جمعت ... لقيل: هو العالم المصقع!
ولكني نفسي إلى كل شيء ... من العلم تسمعه تنزع
فلا أنا أحفظ ما قد جمعت ... ولا أنا من جمعه أشبع
ومن يك في دهره هكذا ... يكن دهره القهقرى يرجع
مدح ملازمة الكتب:
قال أبو عمر: وما رأيت أحدا في يده دفتر، وصاحبه فارغ اليد، إلا اعتقدت أنه أعقل وأفضل من صاحبه. وكان عبد الله بن عبد العزيز يلزم أبدا المقابر ومعه شيء من الدفاتر، فقيل له في ذلك فقال: لم أر أوعظ من كتاب وأسلم من الإنفراد. ونظر المأمون إلى بعض أولاده وفي يده كتاب فقال: ماهذا؟ قال: بعض ما يشحذ الفطنة ويؤنس الوحشة. فقال: الحمد لله الذي جعل في أولادي من ينظر إليه بأدبه أكثر مما ينظر إليه بحسبه.
أحوال إعارة الكتب واستعارتها:
بعض الشعراء:
إني حلفت برب البيت والحرم ... هل فوقها حلفة ترجى لذي قسم؟
أن لا أعير كتابا فيه لي أرب ... إلا أخا ثقة عندي وذا كرم
وقال بعضهم معتذرا عن امتناع إعارته:
لضيق فؤادي منذ عشرين حجة ... وصقيل ذهني والمفرج من همي
يعز على مثلي إعارة مثله ... وآلية أن لا يفارقه كمي
وقال الشيخ أبو القاسم رحمه الله: كتبت إلى أبي القاسم بن أبي العلاء أبياتا أستعير منه شعر عمران بن حطان، وضمنتها أبياتا لبعض من امتنع من إعارة الكتب إلا بالرهن، وأبياتا عارضها بها أبو العلي بن أبي العلاء في مناقضته فقلت:
يا ذا الذي بفضله ... أضحى الورى مفتخره
أصبحت يدعوني إلى ... شعر ابن حطان شره
فليعطنيه منعما ... عارية لأشكره
مقتفيا والده ... ألبس ثوب المغفره
عارض من أنشده ... إذ رام منه دفتره
هذا كتاب حسن ... قدمت فيه المعذره

(1/48)


حلفت بالله الذي ... أطلب منه المغفره
أن لا أعير أحدا ... إلا بأخذ التذكره
بنكتة لطيفة ... أبلغ منها لم أره
فقال والقول الذي ... قد قاله وحبره:
من لم يعر دفتره ... ضاقت عليه المعذره
يقبح في الذكر وفي السماع أخذ التذكره
ما قال ذاك الشعر ... إلا ماضغ للعذره
فامنن به مصطفيا ... سلوك طرق البرره
فأجابني بأبيات منها:
حبر شعرا خلتني ... أنشر منه خبره
يريدني فيه على ... خليقة مستنكره
مستنزل عن عادة ... عودتها مشتهره
لا أقبل الرهن ولا ... تذكر عندي تذكره
ولو حوت كفي بها ... فضل الرضا والمغفره
كان لشيخي مذهب ... من مذهبي أن أهجره
خالفت فيه رسمه ... معفيا ما أثره
ولو أتاني والدي ... من بيته في المقبره
يروم سطرا لم يجد ... ما رامه وسطره
والغرض في ذلك ما قاله أبو القاسم لا ما خاطبته به، أعوذ بالله أن أكون ممن يزري بعقله بتضمين مصنفاته شعر نفسه.
معاتبة حابس دفتر:
كتب كشاجم إلى صديق له:
غدرت بحبس دفترنا ... وعهدي بالأديب ثقه
ولست أحب للأدبا ... ء أن يتأدبوا سرقه!
وكتب بعض الأدباء إلى صديق له يطالبه برد دفتره:
ما بالي كتبي في يديك رهينه ... حبست على مر الزمان الأطول؟
إئذن لها في الإنصراف فإنها ... كنز عليه افتقرت معولي!
ولقد تغنت حين طال ثواؤها: ... طال الوقوف على رسوم المنزل
وقال أبو العبر في سخفيات له: حدثني لحيان عن موسى الفهاد عن رجل من أهل جرجرايا عن شيخ من بادرويا أن السفلة من إذا استعار كتابا لم يرده.
الشريف ابن طباطبا:
إذا فجع الدهر امرأ بخليله ... تسلى ولا يسلى لفجع الدفاتر
وقال بعضهم في وصف كتاب كليلة ودمنة:
إذا افتخر الرجال بفضل علم ... ومدت فيه ألسنة طويلة
ففاخر ما استطعت بما حوته ... بطون كتاب دمنة مع كليله
كتاب يغرق البلغاء فيه ... وألباب الورى منه كليله
وكم فيه عجائب كامنات ... على دنيا وآخرة دليله
وكم حكم على أفواه طير ... وآداب وأمثال مقوله
يراها الجاهل المأفون هزلا ... وحسبكها لعالمها فضيله
مما جاء في الصدق والكذب
الممدوح بالصدق:
فلان أصدق من أبي ذر، وأصدق من قطاة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر. وقال الجاحظ: أخبرني فلان، وهو والكذب لا يجتمعان في طريق، ولا يقشعر من الكذب.
التنوخي:
وألسنهم وقف على الصدق والوفا ... وأيمانهم وقف على القصد والنعمى
وقال جحظة البرمكي:
وكان صديق الورى ... بالحق ينطق عن لسانه
وفي المثل: لا يكذب الرائد أهله لأنه كذبه يجتث أصله.
معيب بالكذب:
قال رجل لكذاب: مرحبا بأبي المنذر! فقال: ليس هذا كنيتي. فقال: قد علمت، إنما هو كنية مسيلمة، ولكنها صفتك، يعرض بأنه كذاب. وقيل لرجل: ما تقول في فلان؟ فقال: أنا لا أذم مسيلمة. وذم رجل آخر فقال: الكذب أحسن ما فيه، وهذا غاية الذنب. وقال رجل لأبي حنيفة رضي الله عنه: ما كذبت قط! فقال: أما أنا فقد شهدت عليك بهذه. وقال رجل: أنا لا أكذب كذبة بألف. فقال صاحبه: أما هذه فواحدة بلا درهم. وقيل: أكذب من يلمع أي السراب.
شاعر:
أكثر ما يجري على فيه الكذب

(1/49)


وقال بعضهم: أسأت نظرا فأطرفت خبرا. وقال: جاء فلان نزهات البسابس، وجاء بالحطب الرطب أي بمحض الكذب. وقال الرشيد للفضل بن الربيع: كذبت! فقال: يا أمير المؤمنين وجه الكذاب لا يقابلك، ولسانه لا يخاطبك؛ يعرض به لأن الإنسان لا يقابل نفسه ولا يخاطبها، فاستحسن تعريضه فأولاه وما جفاه. وقيل: فلان فيه روغان الثعلب وطبيعة العقعق ولمعان البرق أي الحيلة والسرقة والكذب.
شاعر:
كلام أبي مالك كله ... صياح الفواخت جاء الرطب
النهي عن الكذب وذمه:
قال الله تعالى: " قتل الخراصون " . وقال: " ويل لكل أفاك أثيم " . وقال: " إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله " . وقيل: الكذب جماع النفاق. وقيل: الكذب عار لازم، وذل دائم. وقيل: الكذب والحسد والنفاق أثافي.
شاعر:
لا يكذب المرء إلا من مهانته ... أو عادة السوء أو من قلة الورع
وقيل: ما عز ذو كذب ولو أخذ القمر بيديه، ولا ذل ذو صدق ولو اتفق العالم عليه. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: حقيق على الله أن لا يرفع الكاذب درجة ولا يثبت له حجة. وقال سليمان بن سعد: لو صحبني رجل وقال لا تشترط علي إلا شرطا واحدا لقلت لا تكذبني.
النهي عن رواية الكذب:
قيل: من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين، وقيل أحد الشاتمين. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من قال على ما لم أقله أو رد شيئا مما قلته، فليتبوأ مقعده من النار. وقيل: إياك أن تكون للكذب راويا أو واعيا.
النهي عن رواية ما هو بعرض التكذيب:
قيل: من صفات العاقل أن يحدث بما لا يستطاع تكذيبه. وقيل: إياك وحكاية ما يستبعد، فيجد عدوك سبيلا إلى تكذيبك.
ترك الكذب صعب:
قيل: ما استحلى الكذب عسر عليه فطام نفسه عنه. وقيل لرجل: أترك الكذب، فقال: والله لو تغرغرت به وتطعمت حلاوته لما صبرت عنه. وقال يحيى بن خالد: قد رأينا شارب خمر أقلع، ولصا نزع، ولم نر كذابا رجع. وقيل: كل ذنب يرجى تركه إما بتوبة أو إنابة ما خلا الكذب، فإن صاحبه يزداد به ولوعا على الكبر.
مضرة الكذب:
قيل: دع الكذب فإنه يضرك حيث ترى أنه ينفعك، وعليك بالصدق فإنه ينفعك حيث ترى أنه يضرك. وقيل: الحق أبلج والباطل لجلج. إذا كذب السفير بطل التدبير. إذا كذب الرائد هلك الوارد. الصدق عز والباطل ذل.
من آثر الصدق في مواضع طلبا لجواز كذبه:
قال خالد بن صفوان: أصدق في صغار ما يضرك ليجوز لك الكذب فيما كبار ما ينفعك. وقيل: ما عرف بالصدق جاز كذبه، ومن عرف بالكذب لم يجز صدقه.
حث الكاذب على التحفظ:
قيل: إذا كنت كذوبا فكن ذكورا. وذكر عثمان البني عكرمة فقيل له: ما كان يكذب، فقال: كان أحمق من الحسن الكذب، إن الكذوب من يكون متحفظا.
النهي عن سماع الكذب:
قيل: اجعل قول الكذاب ريحا لتستريح. وقال أبو تمام:
ومن يأذن إلى الواشين تسلق ... مسامعه بألسنة حداد
وقالوا: نزه سمعك عن سماع الكذب كما تنزه لسانك عن التفوه به.
ما أجيز فيه الكذب:
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: كل كذب مكتوب إلا كذب الرجل في الحرب فإنها خدعة، أو كذب المرء بين الرجلين ليصلح بينهما، أو كذبه لامرأته ليرضيها. وقيل لفيلسوف: من يحمد الكذب؟ قال: إذا قرب بين المتقاطعين، قيل: فمتى يذم الصدق؟ قال: إذا كان غيبة. أتى معاوية بلص فقال زياد: أصدق. فقال الأحنف: الصدق أحيانا معجزة.
شاعر:
الصدق أفضل ما نطقت به ... ولربما نفع الفتى كذبه
آخر:
طلبنا النفع بالباطل ... إذا لم ينفع الصدق
جواز التعويض:
أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم مردفا أبا بكر عام الهجرة، فقيل لأبي بكر: من هذا قدامك؟ قال: رجل يهديني السبيل تعريضا بأنه يهديني سبيل الحق. وقال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي سأله ممن أنت فقال: من ماء. وما حكى الله من قول إبراهيم عليه السلام إني سقيم وقوله فعله كبيرهم هذا فاسألوهم، وما روي عنه أنه قال عن امرأته هذه أختي، كل ذلك تعريض. وقيل في قوله تعالى: " لا تؤاخذني بما نسيت " من معاريض الكلام ولم يكن قد نسي ما عهد عليه. وقال عمر: في المعاريض مندوحة عن الكذب.
المعترف بالتزيد والتكذيب:

(1/50)


قال خالد بن صفوان: إني لا أسمع الحديث فلا أحدث به حتى أتوبله وأفلفله وأسعتره. وقال: إني لأسمع الحديث مجردا فأكسوه وممرطا فأريشه. وقيل لحيان: إنك لتكذب في الحديث! فقال: ما يضرك كذبه ولا ينفعك صدقه، وما يدور إلا على لفظ جيد ومعنى حسن، ولو أردته لتلجلج لسانك وذهب بيانك.
المعتذر منه:
بعضهم: ونصرة الحق أفضت بي إلى الكذب شاعر:
وزعمت أني قد كذبتك مرة ... بعض الحديث وما صدقتك أكثر
وفي المثل: عند النوى يكذبك الصادق.
المتأهب في الكذب:
تشاجر رجلان في سواد تراءى من سطح فقال أحدهما: غراب! وقال الآخر: خف! وحلف كل منهما على صدق ما قاله، فدنوا منه فطار فقال صاحب الغراب: كيف ترى؟ فقال الآخر: امرأته طالق ثلاثا إن كان إلا خفا ولو بلغ مكة طيرانا. وقال بعضهم لابنه: اكذب على الأموات وباهت مع الأحياء. وقيل لأعرابي: بما غلبت؟ فقال: أبهت بالكذب وأستشهد الموتى.
صعوبة سماع الكذب:
قيل لبعض ندماء السلطان: ما حالكم معه؟ قال: نحن كمال قال الله تعالى: " سماعون للكذب أكالون للسحت " . وكان رجل يكثر الكذب وله غلام يخالفه ويكذبه فقال له يوما: كنت في ضيعة لي في حصاد زرع فرميت طيرا فوجدت في حوصلته رطبة لم ينضج نصفها، فقال الغلام: استدع السوط ولا تهذ! متى يجتمع الحصاد والرطب يا أحمق؟
ما يجوز أن يكذب المرء فيه:
في كتاب جاويزان فروخ محرم: على السامع تكذيب القائل إلا في ثلاث: صبر الجاهل على مضض المصيبة، وعاقل أبغض من أحسن إليه، وحماة أحبت كنة! وقيل: إذا أردت أن تعرف عقل الرجل فحدثه في خلال حديثك بما لا يكون، فإن أنكره فهو عاقل، وإن صدقه فهو أحمق. وقيل: كذب بالمحالات، وأقر بالواجبات، وتوقف عن الممكنات.
ذكر أكاذيب متناهية:
تكاذب أعرابيان فقال أحدهما: خرجت مرة على فرس فإذا أنا بظلمة فيممتها حتى وصلت إليها، فإذا قطعة من الليل فأنبهتها، فما زلت أحمل عليها حتى اصطدتها! وقال الآخر: رميت مرة ظبيا بسهم فعدل الظبي فعدل السهم خلفه، فعلا الظبي ثم انحدر فانحدر السهم حتى أصابه! وقال رجل لرؤبة: إن حدثتني بحديث لم أصدقك عليه فلك عندي جارية فقال: أبق لي غلام يوما، فاشتريت يوما بطيخة، فلما قطعتها وجدته فيها، فقال قد علمت! فقال: دبر لي فرس فعالجته بقشور الرمان فنبت على ظهره شجرة رمان تثمر كل سنة، فقال قد علمت، فقال لما مات أبوك كان لي عليه ألف دينار، فقال: كذبت يا ابن الفاعلة! فأخذ الجارية. وقال بعضهم: كان لأبي منقاش اشتراه بعشرين ألف درهم، فقيل له:إذا كان من جواهر أو مكللا، فقال: ولكن كان إذا نتف به شعرة بيضاء عادت سوداء وقال رجل: كان أبي زرع سنة السلجم وكان يبلغ مساحة كل شجرة جريب أرض! فقال الآخر: كان أبي اتخذ مرجلا في بعض السنين، وكان يعمل فيه خمسون أستاذا لا يسمع كل واحد منهم صوت مطرقة الآخر! فقال صاحبه: ما أكذبك! أي شيء كان يطبخ في ذلك المرجل؟ فقال: السلجم الذي زرعه أبوك! وقالت ليلى لأبيها: أرأيت قول أبيك:
بجيش تضل البلق في حجراته ... بيثرب أخراه وبالشأم قادمه
كم كنتم يومئذ؟ فقال: حضرتها وكنت أنا وابني ومعنا اثنان!
مما جاء في السر
المنع من إظهار السر قبل تمامه:
قيل: استعينوا على قضاء الحوائج بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود. وقيل: من وهى الأمر إعلامه قبل إحكامه. وقيل: من حصن سره أمن ضره.
الحث على حفظ السر:
قيل: من لم يكتم السر فقد استكمل الجهل. وسمع ابن المقفع قول الشاعر:
إذا جاوز الاثنين سر فإنه ... ببث وتكثير الحديث قمين
فقال: أراد بالاثنين الشفتين، ويدل على ذلك قول الآخر:
فلا تفش سرك إلا إليك ... فإن لكل نصيح نصيحا
وفي المثل: اجعل هذا في وعاء غير ذي سرب، سرك من دمك فانظر أين تريقه. وقيل: من أفشى سره كثر المتآمرون عليه، الصلتان، وسر الثلاثة غير الخفي.
المستوخم عاقبة إفشاء السر:

(1/51)


لما ولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قدامة بن مظعون، بذل المغيرة أمره أن لا يخبر أحدا، فلم يكن له زاد فتوجهت امرأته إلى دار المغيرة فقالت: أقرضونا زادا لراكب، فإن أمير المؤمنين ولى زوجي الكوفة، فأخبرت امرأة المغيرة زوجها، فجاء إلى عمر رضي الله عنه واستأذن عليه، وقال: يا أمير المؤمنين وليت قدامة الكوفة، وهو رجل قوي أمين! فقال: ومن أخبرك؟ قال: نساء المدينة يتحدثن به. فقال: اذهب وخذ منه العهد.
المتبجح بحظ السر:
قيل لرجل: كيف كتمانك السر؟ قال: قلبي قبره وصدري حبسه.
الأحوص:
ومستخبر عن سر ريا رددته ... بعمياء من ريا بغير يقين
أبو تمام: منيع تواحى السر منه حصينها المتنبي:
وللسر مني موضع لا يناله ... نديم ولا يفضي إليه شراب
ابن نباتة:
أكاتم قلبي رأي عيني، وإنه ... ليكتم مني سر كل خليل
الممدوح بحفظه:
الأحوص:
كريم يميت السر حتى كأنه ... عم بنواحي أمره وهو خابر
قيس بن الحطيم:
كتوم لأسرار الخليل أمينها ... يرى أن بث السر قاصمة الظهر
كشاجم:
ويكاتم الأسرار حتى إنه ... ليصونها عن أن تمر بخاطره
مدح كتمان السر:
قال قتادة رضي الله تعالى عنه: إذا تكلمت بالنهار فانظر من عندك، وبالليل فاخفض صوتك،وقد نظمه الشاعر بقوله:
اخفض الصوت إن نطقت بليل ... والتفت بالنهار قبل الكلام
ودنا رجل من آخر فكلمه فقال: ليس ها هنا أحد، فقال: من حق السر التداني.
صعوبة حفظ السر:
قيل: أصبر الناس من صبر على كتمان سره فلم يبده لصديقه، الصبر على التهاب النار أهون من الصبر على كتمان السر.
عيب من لا يحفظ سره ويستحفظه غيره:
شاعر:
إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه ... فصدر الذي يستودع السر أضيق
بشار:
تبوح بسرك ضيقا به ... وتبغي لسرك من يكتم
دعامة بن يزيد الطائي:
إذا ما جعلت السر عند مضيع ... فإنك ممن ضيع السر أذنب
ذم مفش سره:
قيل: فلان أنم من النسيم على الرياض ومن العين منها الصفو والكدر. وقيل: وهو أضيع للأسرار من الغربال للماء. قال شاعر:
أغربالا إذا استودعت سرا ... وكانونا على المتكلمينا؟
وقال آخر:
أمنت على السر امرأ غير حازم ... ولكنه في النصح غير مريب
أذاع به في الناس حتى كأنه ... بعلياء نار أوقدت بثقوب
ابن الرومي:
كان سري في أحشائه لهب ... فما تطيق له طيا حواشيها
الأحوال التي يفشو فيها السر:
قال يحيى بن خالد: الرجل ينبىء عن نفسه في ثلاثة مواضع: إذا اضطجع على فراه، وإذا خلا بعرسه، وإذا استوى على سرجه. وقيل: إذا أردت أن تنزل الرجل عن سره فتوصل إليه في حال سكره،
فالسكر يظهر سره المكتوما
كتم ما لا يتكتم:
شاعر:
وليس الذي فيه خفاء لأمره ... كمن دب يستخفي وفي العنق جلجل
زهير: مخاز لا يدب لها الخفاء وفي المثل: وهل يخفى على الناس النهار؟ أبو نواس يصف الخمر:
نحن نخفيها ويأبى طيب ريح وفيوح
المساررة في المحافل:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث. وكان مالك بن مسمع إذا ساره إنسان يقول: أظهره فلو كان خيرا لم يكن مكتوما. وهذا من قول زهير:
والستر دون الفاحشات ولا ... يلقاك دون الخير من ستر
الخيزارزي:
إذا أنت ساررت في مجلس ... فإنك في أهله متهم
فهذا يقول قد اغتابني! ... وذا يستريب وذا يتهم
الرخصة في إفشاء السر إلى الصديق:
ليم بعضهم في إفشاء السر فقال: المصدور إذا لم ينفث جوى، والمهجور إذا لم يشك ورى.
شاعر:
ولا بد للشكوى إلى ذي حفيظة ... إذا جعلت أسرار نفسي تطلع
محمود الوراق:
إذا كتم الصديق أخاه سرا ... فما فضل الصديق على العدو؟
وقيل: لا يزال المرء في كربة ووحشة ما لم يجد من يشكو إليه. وقال الشاعر:
لا تكتمن داءك الطبيبا ... ولا الصديق سرك الهجوبا

(1/52)


وسارر المهدي وكيلا له والعباس بن محمد حاضر فقال: أسر دوني ولم هجم في نصحك على تلفي لما تركته؟ وأنشد:
بمثلي فاشهد النجوى وعالن ... بي الأعداء والقوم الغضابا
وكتب أبو الفضل بن العبيد: من كتم طبيبه داءه، وستر عنه ظمأه، بعيد عليه أن يبل من علله، ويعل من غلله.
المتبجح باظهار أسرار أصدقائه:
قال الشاعر:
ولا أكتم الأسرار لكن أنمها ... ولا أترك الأسرار تغلي على قلبي
وإن قليل العقل من بات ليلة ... تقلبه الأسرار جنبا إلى جنب
وقال رجل لصديق له: أكتم سري الذي أفشيته! فقال: كلا لست أشغل قلبي بنجواك، ولا أجعل صدري خزانة شكواك، فيقلقني ما أقلقك، ويؤرقني ما أرقك، فتبيت بإفشائه مستريحا ويبيت بحره قلبي جريحا.
شاعر:
ولا تودع الأسرار قلبي فإنما ... تصبن ماء في إناء مثلم
مما جاء في النصح
فضل النصح والحث عليه:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: الدين النصيحة. وقال صلى الله عليه وسلم: من غشنا فليس منا. وقال صلى الله عليه وسلم: دعوا الناس يصيب بعضهم من بعض، فإذا استنصحك أخوك فانصحه. وقال أوس:
وإن قال لي: ماذا ترى يستشيرني ... فلم يك عندي غير نصح وإرشاد
الحث على قبول النصح وإن كان مرا:
قيل: من أحبك نهاك، ومن أبغضك أغراك. وقال بعض الحكماء: من أوجرك المر لتبرأ أشفق عليك ممن أوجرك الحلو لتسقم. وقيل: النصيحة أمن الفضيحة.
معاتبة من لم يقبله:
من لم يقبل رأي أصحابه وإن حزنوه، عاد ضرره عليه، كالمريض الذي يترك ما يصف له الطبيب ويعمد لما يشتهيه فيهلك. قال الله تعالى حكاية عن صالح: لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين. وقال أبو ساسان:
أمرتك أمرا جازما فعصيتني ... فأصبحت مسلوب العبارة نادما
آخر:
لو كنت تقبل نصحي غير متهم ... ملأت سمعك من وعظ وإنذار
العرجي:
عرضت نصيحة مني ليحيى ... فقال: غششتني، والنصح مر!
ضياع النصح لمن لا يقبله:
قال الشاعر:
وما خير نصح قيل لا يتقبل
الخيزارزي:
إن كان حمدي ضاع في نصحكم ... فإن أجري ليس بالضائع
وقيل: أخذ رجل ذئبا فجعل يعظه ويقول: إياك وأخذ أغنام الناس فيعاقبك الله، والذئب يقول: خفف واختصر فقدامي قطيع من الغنم لئلا يفوتني.
قال شاعر:
لددتهم النصيحة أي لد ... فمجوا النصح ثم ثنوا وفاؤوا
معاتبة من يستنصح الناس ويستغش الناصح:
عبد الله بن همام:
ألا رب من تغتشه لك ناصح ... ومؤتمن بالغيب غير أمين
وله:
وقد يستغش المرء من لا يغشه ... ويأمن بالغيب امرأ غير ناصح
يزيد بن الحكم:
تصافح من لاقيته ذا عداوة ... صفاحا، وحقد بين عينيك منزو
آخر:
ألا رب نصح يغلق الباب دونه ... وغش إلى جنب السرير مقرب
آخر:
نصحت فلم أفلح، وخانوا فأفلحوا ... فأنزلني نصحي بشر مكان
الحث على الغش إذا نصحت فلم يقبل منك فتقرب إلى الله بغشه.
قال الشاعر:
أغش إذا النصح لا يتقبل
وأنشد الثوري:
تنحلت آرائي فسقت نصيحتي ... إلى غير طلق للنصيح ولا هش
فلما أبى نصحي سلكت طريقه ... وأوسعته من قول زور ومن غش
كون الناصح متهما:
قيل في المثل: المبالغة في النصيحة تهجم بك علة عظيم الظنة. وقال:
وقد يستفيد الظنة المنتصح
وشاور المأمون يحيى بن الحكم فكان الرأي مخالفا لهوى المأمون فقال يحيى: ما أحد بالغ في نصيحة الملوك إلا استغشوه! قال: ولم يا يحيى؟ قال: لصرفه لهم عما يحبون إلى ما لعلهم يكرهون في الوقت،والهوى إله معبود.
وصف غاش في نصحه:

(1/53)


قيل: فلان شولة الناصح وشولة أمة كانت ترى أن تنصح مواليها وهي تسعى في إهلاكهم. وقال معاوية يوما لعمرو بن العاص: عل غششتني منذ استنصحتك؟ قال: لا. فقال: ولا يوم أشرت علي بمبارزة علي وأنت تعلم من هو؟ فقال: كيف وقد دعاك رجل عظيم الخطر كنت من مبارزته إلى إحدى الحسنيين، إن قتلته فزت بالملك وازددت شرفا إلى شرف، وإن قتلك تعجلت من الله تعالى ملاقاة الشهداء والصديقين! فقال: وهذا أشد من الأول! فقال: أو كنت من جهادك في شك؟ فقال: دعني من هذا.
النابغة:
يخبركم أنه ناصح ... وفي نصحه ذنب العقرب
الموسوي:
يروم نصحي أقوام رأوا كيدي ... والعجز أن تجعل الموتور منتصحا
هذا من قول حارثة بن بدر:
أهان وأقصى ثم تستنصحوني ... وأي امرئ يعطي نصيحته قسرا؟
وقال لمن يرد نصيحته:
أعاذل إن نصحك لي عناء ... فحسبك قد سمعت وقد عصيت
مما جاء في الوعظ والمتعظين
والآمرين بالمعروف والقصاص والمفتين
نهي من لا يتعظ عن الوعظ:
قال رجل لأمير المؤمنين عليه السلام: عظني وأوجز. فقال: توق ما تعيب. وقال أيضا: لا تأت ما تعيب ولا تعب ما تأتي. وجاء رجل إلى ابن عباس رضي الله عنه فقال: إني أريد أن أعظ. فقال: أو بلغت ذلك إن لم تخش أن تفتضح بثلاث آيات من كتاب الله تعالى فافعل، قال: ما هي؟ قال: قول الله تعالى: " أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم " . وقوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون " . وقول العبد الصالح شعيب: " ما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه " . أحكمت هذه الآيات؟ قال: لا. قال: فابدأ إذا بنفسك.
ابن كناسة:
يا واعظ الناس قد أصبحت متهما ... إذ عبت منهم أمورا أنت تأتيها
كمن كسا الناس من عري، وعورته ... للناس بادية، ما إن يواريها
الحث على الوعظ بالفعال دون المقال:
قال بقراط: لا تحث غيرك على فعل الفضائل ما لم تستكمل فيك، فأفعالك تحث على المحاسن أكثر من مقالك. وقال أبو جعفر النيسابوري: ليس الحكيم الذي يلقنك الحكمة تلقينا، إنما الحكيم الذي يعمل العمل فتقتدي به. وقال أبو هاشم: أخذ المرء نفسه بحسن الأدب تأديب أهله، ومن هذا قول محمود الوراق:
رأيت صلاح المرء يصلح أهله ... ويعديهم داء الفساد إذا فسد
وقال عدي:
ونفسك فاحفظها من الغي والردى ... متى تغوها تغو الذي بك يقتدي
التلطف والملاينة في الوعظ:
قيل: تصدى رجل للرشيد فقال: إني أريد أن أغلظ عليك لي في المقال، فهل أنت محتمل؟ قال: لا، لأن الله تعالى أرسل من هو خير منك إلى من كان شرا مني! فقال: فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى؟ وقيل: الواجب لمن يعظ أن لا يعنف، ولمن يوعظ أن لا يأنف
الحث على الاتعاظ:
قيل: من قل اعتباره قل استظهاره، من لم يتعظ بغيره وعظ الله به غيره. وقال حكيم: السعيد من وعظ بغيره، والشقي من وعظ به غيره. وقيل: يا لها من موعظة لو وافقت في القلوب حياة!
النهي عن وعظ من لا يتعظ:
قيل: وعظ من لا يرعيك سمعه ولا يشحذ وعظك طبعه كمن وضع مائدة لأهل القبور، ورام بخرقة تليين الصخور. وقيل: فلان في وعظه كنافخ في قفص وقاص في مقبرة. وقيل: لا ينجع الوعظ في القلوب القاسية كما لا يزكو البذر في الأرض الجاسية. وقيل: صقلك سيفا ليس له سنخ تعب، وبذرك أرضا سبخة نصب. وقيل: من استثقل سماع الحق فهو للعمل به أكثر استثقالا.
الحث على قبول وعظ من ليس بمتعظ:
قال بعضهم: لا يمنعنكم سوء ما تعلمون منا إن تعلموا بأحسن ما تسمعون منا. ووقف رجل على ابن عيينة وهو يعظ الناس فأنشده:
وغير تقي يأمر الناس بالتقى ... طبيب يداوي والطبيب مريض
فأنشده ابن عيينة:
اعمل بعلمي وإن قصرت في عملي ... ينفعك علمي ولا يضررك تقصيري
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به، وانهوا عن المنكر وإن لم تنتهوا عنه. وما أحسن ما قال يوسف بن الحسين الرازي في دعائه: اللهم إنك تعلم أني نصحت للناس قولا وخنت نفسي، فهب خيانتي لنفسي لنصيحتي للناس!.

(1/54)


النهي عن الاقتداء بذوي الزلات:
قال المعتمر بن سليمان: إياك والاقتداء بزلات أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فتقول: فلان شرب النبيذ، وفلان سمع الغناء، وفلان لعب بالشطرنج، فيخرج منك فاسق تام. وقيل: من أخذ برخصة كل فقيه خرج منه فاسق.
كراهية تولي الفتيا والجلوس للناس:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار. وقال صلى الله عليه وسلم: من أفتى بغير علم لعنته ملائكة السماء والأرض. وقيل لحاتم الأصم: ألا تجلس لنا في الجامع؟ فقال: لا يجلس في الجامع إلا جامع أو جاهل، ولست بجامع ولا أحب أن أكون جاهلا؛ وفي أخرى: لا يتصدى إلا فائق أو مائق ولست بالفائق. وقال الحسن رضي الله عنه: إن خفق النعال خلف الرجال لا يثبت قلوب الحمقى. ونظر عمر رضي الله عنه إلى أبي بن كعب وقد تبعه قوم، فعلاه بالدرة وقال: إنها فتنة للمتبوع ومذلة للتابع. قال ابن المبارك، قلت لسفيان: من الناس؟ قال: العلماء. قلت: فمن الملوك؟ قال: الزهاد. قلت: فمن الغوغاء؟ قال: القصاص.
الحث على الأمر بالمعروف:
قال الله تعالى: " ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون " . وقال أبو بكر رضي الله عنه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن النسا إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يده، عمهم الله بعقابه. وقال النبي صلى الله عليه وسلم من رأى منكرا فاستطاع أن يغيره بيده فليفعل، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان. وقال خالد بن عبد الله في كلام له: حق على المسلمين التواضع والتناهي عن المعاصي.
الموضع الذي يجوز فيه ترك الأمر بالمعروف:
قال الله تعالى: " يا أيها الذي آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم " . وقال أبو أمية الشعباني: سألت أبا ثعلبة الخشنى عنها، قال سألت عنها خبيرا. قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، وإذا رأيت شيخا مطاعا وإعجاب كل امرئ برأيه، فعليك بنفسك ودع أمر العوام. وقال أكثر المتكلمين: لا يجوز ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل موضع، لكن من علم أو ظن أنه ينفذ قوله ولا يناله مكروه إذا قاله أو فعله، فعليه أن يفعل ذلك، ومتى خاف على نفسه فعليه أن ينكر المنكر بقلبه دون لسانه.
من هزأ بالناس من القصاص:
كان عيار يقص فأقبل جماعة من المرد فقال: هاهو قد جاء العدو أمنوا اللهم امنحنا أكنافهم وكبهم على وجوههم، وولنا أدبارهم وأرنا عورتهم، وسلط رماحنا عليهم، والناس يؤمنون ولا يدرون. وكان قاص بالغداة يسخر بالناس ويشرب بالعشى، فقيل له في ذلك، فقال: أنا بالغداة قاص وبالعشي ماص. وكان قاص يقال له شعيب يقول: ها أنا أبو شعيب قليل العيب، هاتوا ما في الجيب أخبركم بما في الغيب. وجاء رجل فقال: ما المحبة؟ فقال: هاك سؤالك، جاءني في جبه بلحية كالمذبه، ورأس مثل الدبة وعقل لا يساوي حبة، يسألني عن المحبة!
الهازون من القصاص:

(1/55)


ألقي إلى أبي مسلم القاص خاتم بلا فص فقال: صاحب هذا الخاتم يعطى في الجنة غرفة بلا سقف! وقال قاص: ما من قطرة تسقط من السماء إلا ومعها ملك يضعها في موضعها ثم يصعد! فقيل: فالقطرة التي تقع في الكنيف يدخل معها الملك؟ فقال: إن في الملائكة كناسين كما في الناس وذوي دناءة وخسة. وقال أبو عقيل: الرعد ملك أصغر من نحلة وأعظم من زنبور! فقيل: لعلك تريد أصغر من زنبور وأعظم من نحلة! فقال: لو كان كذا لم يكن بعجب. وقرأ رجل في مجلس سيفويه قوله تعالى: " وراودته التي هو في بيتها عن نفسه " فقال: دعنا من قرآن الحماشين وهات قرآن طرسوس، يعني الجهاد. وقال قاص: يا قوم اشكروا إذا لم يكن للملائكة نجاسة، فكانوا يخرون علينا ويلطخون ثيابنا! وقال يوما احذروا الله فإنه ماء تحت التبن! فقيل له: كيف؟ فقال: أهلك عالما في سبب ناقة قيمتها مائتا درهم، وقتل ابن النبي فلم ينتطح فيه عنزان، ربما يأخذ بالقليل ويعفو عن الكثير. وقال آخر: من صلى ركعتين فله بيت في الجنة. فقال نبطي: إن صليت خمسين ركعة هل يجعل لي بيت. فقال: لا يا ماص إن ذلك لبني هاشم، فأما أنت فيبنى لك جدح بعكر! وقال بعضهم: كان موسى عليه السلام فضوليا. قيل: وكيف؟ قال: قيل له وما تلك بيمينك يا موسى؟ فكان الجواب أن يقول، عصا، فقال: هي عصاي " الآية " فأخذ فيما لا يعنيه.
أدعيتهم:
دعا بعض القصاص فقال: اللهم جازفنا ولا تفتش عن ذنوبنا فتفضحنا. وكان بعضهم يقول: اللهم اغفر لنا كل نعمة وحسنة، واحشرنا في جملة سيدي أبو عبد الله بن حنبل، ولا تغفر للرافضة.
من أفتى في مسألة برقاعة:
ترك طبيب طبه وقعد فقيها فقيل له: ما تقول في من زعف في صلاته؟ فقال: يحتجم. قيل: فمن قلس في صلاته. فقال: يتناول حب أيارج. قيل: ذا طب وليس بفقه. وقيل لآخر: ما تقول في من خصى نفسه؟ قال: إن قصد الإضرار بامرأته حد. وقيل لبعضهم: إن نصرانيا قال: لا إله إلا الله. فقال: يؤخذ بنصف الإسلام، وإن مات دفن بين مقابر المسلمين ومقابر النصارى. وقيل لسيفويه: ما تقول في الأضحية؟ فقال: على الخبير سقطت، سألت عنها شيخا بنصيبين فلم يكن عنده فيها شيء. وقيل له: أتروي عن شريك شيئا؟ فقال: نعم حديثا واحدا. قيل: ما هو؟ قال: حدثنا شريك بن مغيرة عن إبراهيم مثله. قيل: مثل أي شيء؟ قال: ما أدري هكذا سمعته!.
من استغنى فيما لا يعرفه فانفصل عنه بحيلة:
قالت امرأة لرجل: إذا كان مكوك دقيق بدرهم ودانق كم يكون بأربعة دراهم؟ فلم يعرف جوابها. فقال: ممن اشتريت؟ قالت: من فلان. قال: اقنعي بما يعطيك فإنه ثقة. وسأل رجل في الجامع أبا عقيل مسألة في الحيض فلم يعرفها. فقال: يا أحمق اخرج هذه القاذورات والنجاسات من الجامع حتى تخرج منه! وكان بعض القصاص في حديث قتلى بدر فسئل عن النملة إذا ماتت في الماء هل يجوز شربه؟ فقال: ما لنا وهذا نحن في النوق لسنا العنوق أي نتكلم في الكبار فلا نخوض في الصغار.
من استفتاء أحمق فأجابه بنادرة:
قال شامي لحمرة بن بيض: لم يرفع الكلب رجله إذا بال؟ قال: مخافة أن ينس سراويله. وسأل رجل الشعبي: كم أمهر ابليس امرأته؟ قال: ذاك أملاك لم أشهده. وقال له انسان: هل آكل الذباب؟ قال: إن اشتهيت فكل! وقيل لآخر: إذا دخلت النهر لأغتسل ففي أي جانب أفضل أن أقف؟ فقال: في الجانب الذي فيه ثيابك لئلا تسرق. وقيل لآخر: ما تقول في من نام وأيره قائم، فجاءت امرأة وقعدت عليه؟ فقال: لا أدري ما أقول، ولكن كان أيرا مرزوقا! وقال أبو حازم: جاء رجل إلى أبي، فقال: بأي رجل يجب أن يبدأ من يدخل المسجد؟ فقال: ما هذا مما يسأل عنه ولكن قد قيل للعروس ضعي رجلك اليمنى على المال والبنين. وقال رجل لمفت بالبصرة: أسلمت ثوبا إلى الحائك فالدقيق على من يجب؟ فقال: الدقيق ولعنة الله على الحائك.
من استفتى في سخف فأجاب بمقتضاه:
قيل لعالم: ما بال عانة المرأة تنبت أكثف؟ فقال: لقربها من السماد وتسقى من عسل. وقيل: ما بال استاههن لا شعر عليها وعلى أستاء الرجال الشعر؟ فقال: لأن أستاه الرجال حمى وأستاه النساء مرعى. وقال عبادة عند المأمون ليحيى بن أكثم: علمني فرائض الصلب فإني أشتهيها. فقال المأمون وتبسم: ما تقول في مسألة؟ فقال: قد أخطأ، أما كان يجب أن يسأل عن هذا في الصبا؟ أما سمع قول الشاعر:

(1/56)


فإن من أدبته في الصبا ... كالعود يسقى الماء في غرسه
إنما يعلم الحديث بشرط أن يكون وضيئا زكيا سهل الأخلاق، فإن كان له ابن بهذا الشرط علمناه. فقال عبادة: لو دخلت في صناعتنا لم يقربك أحد. فقال يحيى: وأنا خارج منها وما بأحد على قوة واستفتى ابن فريعة في رجل دخل الحمام وقعد في الحوض فضرط فيه، فتحول الماء زيتا فكتب: أخلق بذلك أن يكون عبثا باطلا وكذبا ماحلا، والجواب وبالله التوفيق: إن لصاحب الحمام نصف الزيت لأجل مائه، وللضارط النصف لحط وجعائه، وعليهما أن يعلما المبتاع بنجاسة منشئه وقذر مبدئه، ليستعمله في أسرجته دون أطعمته. والسلام.
مما جاء في الخطبة وقراءة القرآن
ما يحتاج إليه في الخطبة:
قيل: يجب أن يكون الخطيب رابط الجأش ساكن الجوارح، قليل اللحظ متخير اللفظ، جهير الصوت، وأن يضع في صدر كل خطبة من النكاح والعيد والصلح ما يدل علة عجزها، وأن يكون فيها آيات وإلا كانت شوهاء ولذلك قال عمران بن حطان: أول خطبة خطبتها عند زياد فقال هذا الفتى أخطب الناس لو كان في خطبته شيء من القرآن، وليس من السنة التمثل فيها بالشعر. وقال الجاحظ: يجب أن يفرق بين صدر خطبة النكاح وخطبة العيد وخطبة الصلح. وكانوا يحمدون الجهير الصوت ويذمون ضئيله.
صعوبة توليها:
قيل لعبد الملك: أسرع إليك الشيب. فقال: كيف لا وأنا أعرض عقلي في كل جمعة على الناس. وقيل: نعم الشيء الإمارة لولا قعقعة البريد وصعوبة المنبر! وقيل: إياك والخطبة فإنها مشوار كثير العثار. وقيل: لا يقدم على الخطبة إلا فائق أو مائق. وقال عبد الله القسري: هو مقام لا يقومه إلا أهوج أو قليل الحياء. وقال عمر رضي الله عنه: لا يتصعدني شيء كما تتصعدني خطبة النكاح. وقيل: إنما صعب عليه لقرب الوجوه من الوجوه، ومن صعد المنبر رأى نفسه أرفع فيكون أجسر، وقيل: إنه لا يجد من تزكية الخاطب بدا فذلك كرهه.
من ارتج عليه فيها فاعتذر بعذر حسن:
ارتج على عثمان رضي الله عنه فقال: إنكم إلى أمير فعال أحوج منكم إلى أمير قوال. وارتج على يزيد بن المهلب فلما نزل قال:
فإن لا أكن فيكم خطيبا فإنني ... لسيفي، إذا جد الوغا، الخطيب
فقيل: لو قلت هذا على المنبر لكنت أخطب العرب! وصعد خالد بن عبد الله القسري المنبر فارتج عليه فقال: إن هذا الكلام يجيء أحيانا ويعسر أحيانا، وربما طلب فأبى وكوبر فعتا، والتأني لمجيئه أيسر من التعاطي لأبيه. وقد يختلط من الجريء جنانه وينقطع من الذرب لسانه وسأعود فأقول. وارتج على أبي العباس السفاح لما صعد المنبر فنزل ثم صعد وقال: أيها الناس إن اللسان بضعة من الإنسان يكل بكلاله إذا كل، ويرتجل لارتجاله إذا ارتجل، ونحن أمراء الكلام، بنا تفرعت فروعه وعلينا تهدلت غصونه، ألا وأنا لا نتكلم هذرا بل نسكت معتبرين وننطق مرشدين!
من اعتذر بخوافة أو نادرة:
حضر عبد الله بن عامر على منبر البصرة فاشتد جزعه فقيل: إن هذا مقام صعب فامتحن فيه غيرك، فأمر وازع بن مسعود أن يصعد ويخطب، فلما ابتدأ الكلام حضر فقال: لا أدري ما أقول لكم، ولكنني أشهدكم أن امرأتي طالق، فهي التي أكرهتني على حضور الصلاة. ثم أمر آخر فصعد المنبر فارتج ونظر إلى الصلع فقال: اللهم العن هذه الصلعة. وصعد عتاب بن ورقاء منبر أصبهان يوم النحر فحصر فقال: لا أجمع عليكم عيا ونجلا، ادخلوا سوق الغنم فمن أخذ منكم شاة فهي له وعلي ثمنها.
الأمر بالإغضاء عنه لئلا يدهش:
صعد أعرابي المنبر، فلما رأى الناس يرمقونه صعب عليه الكلام فقال: رحم الله عبدا قصر من لفظه ورشق الأرض بلحظه، ووعى القول بحفظه. وصعد روح بن حاتم المنبر، فلما رفع الناس أبصارهم قال لهم: نكسوا رؤوسكم وغضوا أبصاركم، فإن أول موكب صعب. وصف خطيب مصقع طلحة:
ركوب المنابر وثائبها ... معن بخطبته مصقع
قيس بن عاصم:
خطباء حين يقول قائلهم ... بيض الوجوه مصاقع لسن
آخر:
يرمون بالخطب الطوال، وتارة ... وحي الملاحظ خيفة الرقباء
جماعة من مشاهير الخطباء:

(1/57)


منهم: قس بن ساعدة، ولقيط بن معبد، وزيد بن جندب، وصعصعة بن صوحان، وقطري بن الفجاءة، وعمران بن حطان. وتكلمت الخطباء يوما عند معاوية. فقال: والله لأرمينهم بالخطيب الأشدق! قم يا زيد فتكلم. ومن الخطباء القدماء كعب بن لؤي، وكان يخطب على العرب كافة، فلما مات أكبروا موته وأرخوا بموته إلى عام الفيل. ومن خطباء اليمن حمير بن الصباح. وكان المفضل بن عيسى الرقاشي من أخطب الناس، وكان متكلما قاصا يقعد إليه عمرو بن عبيد.
المعتذر بعجزه عن الخطبة:
كعب الأسدي:
فإن لا أكن في الأرض أخطب قائما ... فإني على ظهر الكميت خطيب
وإن لا أكن فيكم خطيبا فإنني ... بسمر القنا والسيف جد خطيب
لبيد:
إذا اقتسم الناس فضل الفخار ... أطلنا على الأرض ميل العصا
وله:
ما إن أهاب إذا السرادق غمه ... قرع القسي وأرعش الرعديد
ومن السنة أن يتناول الخطيب سيفا أو قوسا يمسك به نفسه، وقد تقدم شيء من هذا الباب.
ذم خطيب:
وائلة الدوسي:
لقد صبرت للدل أعواد منبر ... يقوم عليها في يديك خطيب
بكى المنبر الشرقي لما علوته ... وكادت مسامير الحديد تذوب
منصور بن ماذان:
أقول غداة العيد والقوم شهد ... ومنبرنا عالي البناء رفيع
لعمري لأن أضحى رفيعا فإنه ... لمن يرتقي أعواده لوضيع
آخر:
سلي ببهر والتفات وسعلة ... ومسحة عثنون وفتل الأصابع
المصيصي في خطيب:
ينشي لنا كل جمعة عظة ... يشلي علينا بها الشياطينا
فضل قراءة القرآن:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا حسد إلا في اثنين: رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل والنهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه في السر والإجهار. وقال صلى الله عليه وسلم: خيركم من تعلم القرآن وعلمه. ولبعضهم: إن الله تعالى جعل القرآن سراجا لا تطفأ مصابيحه، وشهابا لا يخبو زنده ونورا لا يتغير ذكاؤه، ومن قرأه وتبعه دله على المكارم وصده عن المحارم، وشفع له يوم القيامة، قال الله تعالى: " وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون " . وقال تعالى: " ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر؟ وقال صلى الله عليه وسلم: من بلغه القرآن فكأنما شافهته لقوله تعالى: " لأنذركم به ومن بلغ " . وقد ذكرنا أحوال القرآن في باب الديانة مستقصاة.
نوادر العرب فيما سمعوه من القرآن:
قيل لأعرابي: إقرأ قل يا أيها الكافرون. فقال: أدخلت يدك في الجراب فأخرجت شيئا فيه صعود وهبوط، هات غيرها. وقيل لآخر: ما تقرأ في صلاتك؟ قال: أم القرآن ونسبة الرب وهجاء أبي لهب. وقيل لآخر: ما قرأ أمامكم البارحة في صلاته؟ فقال: أوقع بين موسى وهارون شراشر. وسمع آخر رجلا يقرأ " الأعراب أشد كفرا ونفاقا " فقال: لقد هجانا، ثم سمعه يقرأ بعده: ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر، فقال: لا بأس هجاء ومدح، هذا كما قال الشاعر:
هجوت زهيرا ثم إني مدحته ... وما زالت الأشراف تهجى وتمدح
وسمع آخر قوله تعالى: " وفي السماء رزقكم وما توعدون " ، فقال: وأين السلم إليه؟ وسرق أعرابي غاشية سرج فدخل مسجدا فقرأ الإمام: " هل أتاك حديث الغاشية " ؟ فقال: اسكت قد أخذت في الفضول، فقرأ الإمام: " وجوه يومئذ خاشعة " . فقال: ها هي غاشيتكم فلا تخشعوا وجهي.
من غير حرفا من القرآن فأتى بنادرة لما روجع:
قال الحجاج لامرأة من الخوارج: اقرئي شيئا من القرآن، فقرأت: إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يخرجون من دين الله أفواجا! فقال: ويحك يدخلون! قالت: قد دخلوا وأنت تخرجهم. وقرأ أعرابي: إنا بعثنا نوحا إلى قومه. فقيل: إنما هو أرسلنا. فقلنا: ما بينهما إلا لجاجك. وقرأ آخر: فمن يعمل مثقال ذرة شرا يره ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. فقالوا له: قد غيرت. فقال:
خذوا أنف هرشي أو قفاها فإنه ... كلا جانبي هرشي لهن طريق
بعض ما جعلته العرب قرآنا:
قرأ أعرابي في صلاته الفيل: وما أدراك ما الفيل، له ذنب طويل، ومشفر وئيل، وإنه من خلق ربنا لقليل الله أكبر! وقرأ آخر:

(1/58)


ويوسف إذ دلاه أولاد علة ... فأصبح في قعر الركية ثاويا
وصلى آخر بقوم فقرأ:
أفلح من هينم في صلاته ... وأخرج الواجب من زكاته
وأطعم المسكين من مخلاته
فضحك القوم فالتفت إليهم وقال: أشهد أني أخذته من في مسيلمة. وشهد أعرابي عند أمير فقال المشهود عليه: كيف تقبل شهادته وهو لا يحسن شيئا من القرآن؟ فالتفت إليه وقال، اقرأ، فقال:
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد
من ذكر مثلا فاعتقد أنه من القرآن:
خطب أبو الفرزدق فقال: قال الله تعالى لن يعجز القوم إذا تعاونوا. وخطب عتاب بن ورقاء فقال: إن الله تعالى يقول إنما يتفاضل الناس بأعمالهم، فقيل: ليس هذا قرآنا. فقال: ما أظنها إلا آية. وقال بعض الناس: ما أحسن ما قال الله تعالى، اقتلوا السفلة حيث وجدتموهم! فقيل: ليس هذا بقرآن. فقال: ألحقوها به فإنها آية حسنة. وغضب أبو عباد الكاتب على بعض كتابه فرماه بدواة، فبلغ المأمون فقال له: لم فعلت ذلك؟ فقال: أنا ممن قال الله تعالى فيه " وإذا ما غضبوا هم يستغفرون " فقال: ويلك لا تحسن آية؟ فقال: نعم إني أقرأ من سورة ألف آية.
ذم من قبح قراءته:
قرأ رجل بحضرة الصاحب رحمه الله والعاديات بأقبح قراءة، فتناوم الصاحب تبرما به، فضرط القارىء ضرطة ففتح الصاحب عينيه وقال: نومتني بالعاديات ونبهتني بالمرسلات! المصيصبي:
نحن في أنكر عيش ... من قراءة ابن حبيش
يقرأ الحمد فتى في ... حلقه كنة خيش
آخر:
وكأنما في الحلق منه مجسة ... أو دبة في سلم تتدحرج
وصلى رجل يقال له يحيى بأربعة نفر، فأكثر اللحن في قل هو الله أحد، فلما فرغ قال أحدهم:
أكثر يحيى غلطا ... في قل هو الله أحد
فقال الثاني:
قلم يصلي قاعدا ... حتى إذا أعيا قعد
فقال الثالث:
كأنما لسانه ... شد بحبل من مسد
فقال الرابع:
يزحر في محرابه ... زحير حبلى بولد
ذم من ارتج عليه في القراءة ونوادره:
قام رجل يصلي خلف إمام، فلما افتتح الصلاة ارتج عليه في الإستعاذة من الشيطان، فأخذ يكرر الإستعاذة فقال له رجل: إنك لا تحسن القرآن فما ذنب الشيطان يا بارد؟ وقرأ إمام سورة إذا الشمس كورت، فلما بلغ قوله فأين تذهبون، أرتج عليه، فأخذ يكرره وخلفه أعرابي فأخذ جمشكه وصفعه فقال: أما أنا فأريد كلواذاء وهؤلاء الكشاخنة لا أعرف مقصدهم. وصلى رجل بقوم فأخذ يردد قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي، فقال أعرابي: أهلكك الله وحدك! وقرأ الرشيد ليلة: وما لي لا أعبد الذي فطرني، فارتج عليه وأخذ يردده وابن أبي مريم بقربه في الفراش فقال: لا أدري والله لم لا تعبده؟ فضحك الرشيد وقطع صلاته.
مما جاء في الفراسة والتراطن والطيرة والفأل
صحة الفراسة:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: اتقوا فراسة المؤمن. وقال صلى الله عليه وسلم: المؤمن ينظر بنور الله.
ابن الرومي:
وخبي الفؤاد يعلمه العا ... قل قبل السماع بالإيماء
وظنون الذكي أنفذ في الحق سهاما من رؤية الأغبياء
آخر:
لا تسأل المرء عن خلائقه ... في وجهه شاهد من الخبر
وقال آخر: وفي بعض القلوب ترى عيون البحتري:
وإذا صحت الروية يوما ... فسواء ظن امرىء وعيانه
الممدوح بصحة الفراسة:
قيل: فلان ألمعي.
أوس:
نجيح مليح أخو ماقط ... نقاب يخبر بالغائب
أبو تمام:
يرى الحادث المستعجم الخطب معجما ... لديه، ومشكولا وإن كان مشكلا
آخر:
يخبر ظهر الغيب ما أنت فاعل
آخر:
يخاطبه من كل أمر عواقبه
من تفرس في صبي أمرا وكان كما ظن:
رأى بكير بن الأخنس المهلب وهو غلام فقال: خذوني به إن لم يفق سراتهم ويبرع حتى لا يكون له مثل! وكان كما قال. ونظر رجل إلى معاوية وكان صغيرا فقال: إني أظن هذا الغلام سيسود قومه! فقالت هند: ثكلته أمه إن كان لا يسود إلا قومه. ورأى رجل ابن السكيت وهو صغير يسأل فيجيب فقال: إن هذا الغلام ينال خيرا. وقد تقدم في الحزم والتعلم مثل هذا.
كلمات من الرطانة:

(1/59)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية