صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : كتاب التشبيهات من أشعار أهل الأندلس
المؤلف : محمد بن الكتاني الطبيب
المحقق : إحسان عباس
الطبعة : 2 ، 1981 م
الناشر : دار الشروق
عنوان الناشر : بيروت - القاهرة
الطبعة الثانية مزيدة ومنقحة
مصدر الكتاب : الوراق

[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الطبعة الثانية (1)
صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب " كتاب التشبيهات من أشعار الأندلس " سنة 1966، وعلى ضوء ما قدمه من حقائق جديدة حول الشعر الأندلسي في العصر الأموي والعامري استطعت أن أجري تعديلات هامة وأورد نماذج جديدة في الطبعة الثانية من كتابي " تاريخ الأدب الأندلسي ؟ عصر سيادة قرطبة " (1969). وفي هذه السنة نفسها ظهرت طبعة أخرى لكتاب التشبيهات، مكتوبة بخط اليد ومصدرة بمقدمة ألمانية، وقد قام بذلك كله الأستاذ عبد الستار محمد إبراهيم حسنين (الذي أرمز له في هذه الطبعة بالحرف ح إن لم أذكر اسمه كاملا، طلبا للاختصار). ويظهر من الصفحة الأولى أن الأستاذ المذكور قد نال على تحقيق هذا الكتاب شهادة الدكتوراه من جامعة كيل، وكان أستاذه المشرف هو المستشرق الألماني الأستاذ هوينرباخ؛ ثم علمت أن الأستاذ " هوينرباخ " قد ترجم هذا الكتاب إلى الألمانية اعتمادا على تحقيق تلميذه، فيما يقول.
دعني أقر قبل الاسترسال في الحديث، والحديث ذو شجون، أنه ليس لدينا من كتاب التشبيهات حتى اليوم سوى نسخة وحيدة هي تلك التي تحمل رقم: 4602 بمكتبة إسماعيل صائب بأنقرة، وأن الشعر الذي تحتويه هذه النسخة ليس كثير الدوران في المصادر، وأن النسخة سيئة أو بالغة السوء إن شئت، تحريفا، وخطأ في الضبط، وقلة إعجام، وأن طرحها بين يدي تلميذ يتمرن
__________
(1) أقر أن في هذه المقدمة خروجا على منهج التزمته في التحقيق، وهو عدم التصدي للمماحكات والتهجميات. ولكن الدعوى في هذا الميدان قد استعر أوارها في السنوات الأخيرة، وأصبح الصمت مظنة ضعف أو إقرار بالخطأ؛ فلهذا أحببت أن أتحدث عن بعض الأوليات التي كنت أظن أنها ليست بحاجة إلى توضيح.

(1/1)


على التحقيق هو نوع من التعجيز، لهذا لا أستكثر أن يكون السيد حسنين قد صرف فيها قبل سنوات طوالا وهو يحاول أن يفك معمياتها، وليس السيد حسنين بملوم حين قبل هذا التكليف، فلعله كان يشعر أنه أقدر على التحقيق منه على البحث والكتابة بلغة ألمانية ؟ وهو لا يتقنها ؟ ولكن ما بال أستاذ مرموق مثل هوينرباخ يرضى أن يكلف تلميذا مبتدئا في التحقيق العمل على نسخة وحيدة؟ بل كيف يرضى أن يكون تحقيق مخطوطة محكا لتدريب طالب على البحث العملي؟ أكبر الظن أنه رضي بكل ذلك ليقطف ثمرة ذلك الجهد من بعد فيترجم الكتاب إلى الألمانية.
ولكن أي جهد؟ تشاء الأقدار أن تقع المخطوطة في يدي، وأنا ؟ علم الله ؟ لا أعرف أنها موضع تحقيق من شخص آخر، وأن أنشرها، وأن يصل الكتاب المنشور إلى الأستاذ حسنين، وهو يعد رسالته، فيمضي في إعدادها مستفيدا من القراءات والتوجيهات التي قمت بها، ولقد سيطر عليه التحقيق الذي قمت به حتى لقد تابعني في بعض أخطائي (1) ، ولكنه ؟ وهو إنسان مخلص ؟ أحس بالحرج الشديد إزاء الطبعة التي أصدرتها، فأخذ يحاول جاهدا أن يتفرد بالقراءة، ليحقق لنفسه شيئا من التميز، وأن يسهب في بعض تعليقاته ليرد ردا مواربا على بعض ما يعده خطأ من قراءتي، وبالجملة يمكن أن يقال إن الطبعة المذكورة قد أوجدت نوعا من " العقدة " في نفسه؛ إلا أنه بين الشعور بالضرورة والحرج مضى في عمله حتى استغلظت الرسالة واستوت على سوقها بعد أن أعياه أمرها زمنا طويلا. وأبادر فأقول: إنني أسامح الأستاذ حسنين حين ضم جهودي إلى جهوده، وأعد ذلك " صدقة " علمية، لا بد من أن يؤديها المرء منا بين الحين والحين، ولكني أعجب ؟ مرة أخرى ؟ لأستاذه كيف رضي له بذلك.
والله يعلم أني أسفت كل الأسف حين وجدت السيد المذكور مضطرا إلى إيراد تلك المقدمة الاعتذارية (2) ، محاولا أن يسوغ بها ؟ لنفسه ولأستاذه ؟ إصراره
__________
(1) مثال ذلك (ص: 277 من طبعة بيوت) قد كان يخشى مسها فيما مضى، وفي أصل النسخة " يخشن " والأصل هو الصواب، وقد غيره أيضا الأستاذ حسنين، متابعة لطبعة بيروت، وهناك أمثلة أخرى لا مجال لتعدادها.
(2) صدرت نشرة الأستاذ حسنين سنة 1969، وفيها المقدمة التي أشير إليها في ثماني صفحات.

(1/2)


على المضي في عمل، فما كنت أحب له الوقوع في الحرج. ولكن ماذا يورد الأستاذ حسنين من أسباب تجعله يمضي في عمله ؟ عمله الذي يؤهله لنيل الدكتوراه؟ يقول في ما مجمله: أنني أخطأت في بعض القراءات ولم أهتد إلى بعض التخريجات التي اهتدى إليها (وهذان أمران طبيعيان يستوي فيهما جميع المحققين دون استثناء). وثالثة الأثافي أنه غير راض عن طريقتي ومنهجي في التحقيق لأني أغير النص في المتن ولا أشير إلى ذلك التغيير في الحاشية. وهذه " الكبائر " الثلاث تستحق جميعا مقالا من عشر صفحات أو عشرين يعقب به على كتابي، ولكنها لا تصلح أن تكون أساسا لرسالة ينال بها الدكتوراه، ثم يقوم بنشرها، من دون أن يبرز في مقابل ذلك نسبة التصويبات والتخريجات التي أخذها سائغة من غير تعب، وقال له أستاذه وهو يأخذها: هنيئا مريئا.
وأنا أترك الحديث عن الكبيرتين الأوليين، وأتناول الثالثة أعني تغيير بعض القراءات في المتن دون الإشارة إليها في الهامش، فأتساءل: أي القراءات هي التي أغيرها؟ لنأخذ نموذجا مما نعقبه الأستاذ حسنين، جاء على الصفحة الثالثة والثلاثين من الطبعة البيروتية:
تبدوا به شعث تطير أمامها ... شعل تطير لها القلوب فتذعر
ألا هل رأت عيناك إيماض بارق ... بدا موهنا في الجو بين سحابه
كأن التي من أرضها لاح وكلت ... به بخلها في جيه وذهابه فقرت " تبدو " (وحذفت الألف)، ثم قرأت " شعب " لأن " شعث " هنا لا معنى لها؛ وقرأت موهنا (بفتح الميم)؛ وقرأت " جيئه " بإثبات الهمزة.
وهذه الأخطاء تمثل:
(1) خطأ إملائيا (تبدوا) في النسخة، وهذا مما لا يستوقف المحقق، إذ قد جرت القاعدة على تحويل الإملاء في المخطوطات إلى طريقة الإملاء الحديث، والإشارة إلى ذلك إن شاء الله المحقق في المقدمة، في سطور، لئلا يظل المحقق يقف عند كل إملاء مغاير فيحشو هوامشه بأمور لا قيمة لها. وهذا النوع

(1/3)


من الأمانة والسذاجة هو الذي جعل الأستاذ حسنين يشير في ما لا يقل عن أربعين موضعا في الحواشي إلى أن لفظة " الدجى " كتبت في المخطوطة بالألف الطويلة ومثل ذلك: العدا والظبا، والضنا... الخ، إلى عشرات من الألفاظ التي توقف عندها لاختلاف الإملاء، ولو أشار إليها في المقدمة لوفر على نفسه عناء كثيرا في تلك الحواشي المثقلة بما حملها من أعباء.
(2) خطأ في الأعجام (شعث أصبحت شعب)، ومثل هذا الخطأ أشرت إليه في الحواشي عشرات المرات، فلماذا لم أشر إلى الأصل عندما أثبت قراءة " شعب " ؟ لأني لا أثبت أية مقارنة لا تفيد معنى، ونما ألتزم بالإشارة إلى كل أصل يتحمل قراءة مخالفة لقراءتي، فأما ما لا يحتمل إلا وجها واحدا من القراءة فأنا أرى أن الإشارة إليه لا ضرورة لها. وهذا التشبث المتعسف لدى حسنين هو الذي جعله يثبت صورا لألفاظ لا تعطي معنى مثل يرجيه (خ: يرحيه) تزجي (خ: ترحي) باطن (خ: باطر) نقنق (خ: لفنق) مناظر (خ: مناظو).
ويلحق بهذا النوع ويقترب منه انعدام الاعجام. ترى ماذا كان الدكتور حسنين صانعا لو أنه وجد مخطوطة لا تلتزم الاعجام (مثل مخطوطة أنساب السمعاني بخط السخاوي). أكان يثبت كل لفظة لم تعجم، ليقول إلى جانبها " وردت غير معجمة في الأصل " ؟! هذا أيضا مما يشار إليه في المقدمة، ولا ضرورة إلى التوقف عنده إلا حيث يكون لصورة الكلمة الواحدة قراءات أخرى محتملة، وهذا شيء يتصل بالقرينة، فالقرينة قد تكون حاسمة في اعتماد وجه واحد من القراءة وقد تكون غير ذلك؛ وبعبارة موجزة: كل نقص واضطراب في الاعجام لا يثير لبسا فليس من الضروري الإشارة إليه، ومثال ذلك على نحو حاسم: كجمر الغضا في لونه المتوقد (وهي في الأصل: كحمر، وليس لها وجه ثان إلا كجمر ؟ بالجيم - )
حركات أيد بالسلام لطاف (في خ: حوكات أسد ؟ دون إعجام الكلمة الثانية) وليس من وجه آخر لها سوى سوى ما ثبت مصححا.
فأظنه النهر الذي لم يستطع (خ: تستطع) والضمير عائد للنهر قطعا بحسب القرينة، فما معنى إثبات ما في النسخة الأصلية؟

(1/4)


وأنا أعذر الأستاذ حسنين في سذاجته، لا أمانته، فهو متدرب مبتدئ والطريقة التي اتبعها تدل على المغالاة في إبراز الجهد، أو على قلة ثقة في النفس لما تفرضه بدايات الأشياء من تهيب، أو أنه فعل ذلك نزولا على رأي الأستاذ المشرف، وأرجح هذا الفرض الأخير، لأن هذه الطريقة كانت نموذجا يحتذيه بعض المستشرقين في القرن التاسع عشر وأوائل العشرين، عجزا منهم عن تبين وجه حاسم للصواب.
(3) خطأ في الشكل (موهنا أصبحت موهنا) وهذا من قبيل " الخطأ " الإملائي، يشار إليه في المقدمة وحسب؛ فالشكل في المخطوطة ليس ملزما للمحقق، إلا إذا كانت نسخة عالم مرموق أو قرئت على عالم مشهور، أما في مخطوطة كتاب التشبيهات التي لا يعرف ناسخها ولا تاريخ نسخها، وفي أمثالها، فصواب اللفظ هو ما صوبه المعجم لا غير.
(4) مشكلة كتابة الهمزة (جيه أصبحت جيئه) وهذا من باب الإملاء أيضا، وليس هو خطأن إذ لم تكن للهمزة قاعدة مضبوطة عند النساخ، وما تزال كتابتها في الإملاء الحديث محط اختلاف كثير، فأنا أكتب يقرأون " بهمزة فوق الألف " وغيري يكتبها يقرؤون؛ والمطبعة المصرية تكتب: " شئون " و " رءوس " وغيرها يكتب " شؤون " و " رؤوس " ، وكان أحد أساتذتنا في جامعة القاهرة يكتب " يأيها " وأنا لا أستطيع أن أقرأها إلا إذا كتبتها " يا أيها " والأستاذ حسنين يكتب " هأنذا " وأنا أصر على أن أكتبها كما ألفظها " ها أنا ذا " .
يتخلص من كل ذلك أن التغييرات الأساسية أو المواطن التي تتحمل قراءة أخرى أو عددا من القراءات هي التي يشار إليها في الحواشي، ومن أمثلة ذلك:
(1) يكاد وجه من يراه: الوزن مكسور، فإذا غيرت " من " وجعلتها " الذي " استقام الوزن، ولابد الإشارة إلى ذلك، لأنه تغيير تام لصورة الأصل.
(2) هوت للعذل في أهل التصابي بهن: " هوت " لا معنى لها وقد قدرت أن تكون " يموت العذل... " وأثبت الأصل، لأنه قد تكون هناك قراءة أخرى محتملة، وقد صح التقدير إذ قرأها الأستاذ حسنين " يهون " ولا تزال " يموت "

(1/5)


في نظري أقرب إلى المعنى لأن التتمة " فما لأهل العشق لاح " وانعدام اللواحي يدل على موت العذل أكثر من الدلالة على هوانه؛ ومع ذلك أرى أن " يهون " قراءة جيدة.
(3) وقد قطفت شهدا مدمة ثغره: قرأتها " وقد قطبت " بمعنى " مزجت " وأشرت إلى الأصل، لأني أخشى أن تكون " قطبت " محض تحكم، إذ إن في " قطفت " رائحة ولو يسير من معنى.
ذلك ما أرتئيه ؟ بوجه عام ؟ لأني أعتقد أن الاقتصاد في الحواشي، وهي اشمل اختلاف القراءات والتخريجات والتعليقات وأحيانا التعريف بالأعلام والأماكن، قاعدة ضرورية في التحقيق، وربما لم ينصح المبتدئ بالحسم البات في وجوه القراءة من أول الشوط، فكثيرا ما رأينا أساتذة ممن يعدون كبارا يخطئون في الأوليات، وإني لأذكر أستاذا كبيرا حقق كتابا فقرأ " كحمر الغضا " بدلا من " كجمر الغضا " وشرح ذلك في الحاشية؛ وهذا جهل لا يقاس عليه. ولكن ليس من جحق ذلك المبتدئ أن يفرش أوليات التحقيق على غير المبتدئين.
وبعد، فهذه هي الطبعة الثانية (1) مزودة بتصحيحات ضرورية وتعليقات وتخريجات جديدة، أفادنيها إطلاعي على ما جد ظهوره من مصادر. وقد أفدت فيها أيضا من قراءات الأستاذ حسنين، فقد كان دقيقا في التحري، حتى لقد حاسبني على الأخطاء المطبعية، وحسنا فعل، لأنه نبهني إليها لأتداركها في هذه الطبعة؛ وبالجملة يدل عمله على أنه كان محققا واعدا، وأن معرفته باللغة معرفة جيدة وهذا ما يجعلني أتساءل: أين هو الأستاذ حسنين؟ أين ما كان ينبئ به عمله من اهتمام بالتراث تحقيقا وضبطا؟ لماذا اختفى من دنيا العلم؟ لماذا كانت
__________
(1) بين ظهور الطبعة الأولى والثانية فجعت بفقد صديقي العلامة الأستاذ محمد بن ثاويت الطنجي باستانبول (سنة 1973). وفجع العالم العربي والإسلامي بعالم من خيرة العلماء والمحققين. لقد كان تحقيقي لهذا الكتاب بحافز منه، فهو الذي أهداني منه ميكروفيلم - كما ذكرت ذلك في مقدمة الطبعة الأولى - فقد كان سمحا سخيا يخدم التراث في صمت ونزاهة نفس، طيب الله ثراه.

(1/6)


هذه الرسالة يتيمة أو كما يقال أحيانا " بيضة الديك " ؟ خناك إبهام الأمر، وإن كنت أقول بعد ذلك: لعل له عذرا....
ومهما يكن من شيء، فإن إيماني بما يمثله كتاب التشبيهات من قيمة بالغة لدارسي الأدب الأندلسي ؟ وخاصة في الفترة الأموية والعامرية ؟ وهو الذي دفعني إلى إعادة النظر فيه، وبعثه من جديد، بعد أن ترامت المسافة الزمنية به، فأبعدني عنه، وإني لأرجو أن يجد فيه الدارسون معينا يسعف على استئناف نظرهم في الأدب الأندلسي وتصورهم لأبعاده، وأن يكون حافظا لدراسات جديدة في هذا الميدان، والله الموفق.
بيروت في كانون الثاني (يناير) 1981 إحسان عباس

(1/7)


مقدمة الطبعة الأولى (1)
1 - ؟ من هو مؤلف الكتاب؟:
على الورقة الأولى من المخطوطة أنه الشيخ أبو عبد الله محمد بتن الكتاني الطبيب، ولم يذكر هنا اسم أبيه، وقد ترجم القاضي صاعد لمن كنيته أبو عبد الله واسمه محمد وشهرته ابن الكتاني فذكر أن أباه هو " الحسين " وقال في ترجمته (2) : " كان أخذ الطب من عمه محمد بن الحسين (3) وطبقته، وخدم به المنصور محمد ابن أبي عامر وابنه المظفر، ثم انتقل في صدر الفتنة إلى مدينة سرقسطة واستطونها؛ وكان بصيرا بالطب متقدما فيه ذا حظ من المنطق والنجوم وكثير من علوم الفلسفة. أخبرني عنه الوزير أبو المطرف عبد الرحمن بن محمد بن عبد الكبير بن وافد اللخمي أنه كان دقيق الذهن ذكي الخاطر جيد الفهم حسن التوليد والتنتيج (4) ، وكان ذا ثروة وغنى واسع وتوفي قريبا من سنة عشرين وأربعمائة، وقد قارب ثمانين سنة. وقرأت في بعض تآليفه قال: أخذت صناعة المنطق عن محمد بن عبدون الجبلي (5) وعمر بن يونس بن أحمد الحراني (6) وأحمد بن حفصون الفيلسوف (7) وأبي عبد الله محمد بن ابراهيم القاضي النحوي وأبي محمد عبد الله
__________
(1) قد عدلت في هذه المقدمة - في الطبعة الثانية - فأضفت إليها، وغيرت شيئا في ترتيبها، فلم تعد هذه المقدمة الأولى نفسها.
(2) طبقات صاعد: 82.
(3) هو أبو الوليد محمد بن الحسين كان عالما بطالب حسن العلاج لطيف المعاناة سريا محببا إلى الناس وخدم الناصر والمستنصر (صاعد: 80 وابن جلجل: 109 وابن أبي أصيبعة 2: 45).
(4) ابن أبي أصيبعة: حسن التوحيد والتسبيح.
(5) ترجمة في طبقات صاعد: 81 وابن جلجل: 115 وابن أبي أصيبعة 3: 46 والتكملة: 367.
(6) صاعد: 80 وابن جلجل: 112 وابن أبي أصيبعة 2: 42.
(7) صاعد: 80 وابن جلجل: 110 وابن أبي أصيبعة 2: 46.

(1/8)


ابن مسعود البجاني (1) ومحمد بن ميمون المعروف بمركوش (2) وأبي القاسم فيد بن نجم وسعيد بن فتحون السرقسطي المعروف بالحمار (3) وأبي الحارث الأسقف تلميذ ربيع بن زيد الأسقف الفيلسوف (4) وأبي مروان البجاني (5) ومسلمة بن أحمد المرجيطي (6) " .
وهذه الترجمة التي أوردها صاعد نقلها ابن أبي أصيبعة (7) وعن ابن أبي أصيبعة نقلها الصفدي في الوافي بالوفيات (8) .
وقد كان من الممكن أن نقف عند هذا الحد في تعيين المؤلف لولا أن الحميدي ترجم لرجل آخر كنيته أبو عبد الله وشهرهته " ابن الكتاني " واسمه " محمد " ولكن أباه اسمه " الحسن " وهو منسوب إلى مذحج فيقال فيه " المذحجي " وهذا نص ما قاله (9) : " محمد بن الحسن أبو عبد الله المذحجي يعرف بابن الكتاني، له مشاركة قوية في علم الأدب والشعر وله تقدم في علوم الطب والمنطق وكلام في الحكم ورسائل في كل ذلك وكتب معروفة. أخبرنا عنه أبو محمد علي بن أحمد (10) قال: سمعته يقول لي ولغيري: إن من العجب من يبقى في العالم دون تعاون على مصلحة، أما يرى الحراث يحرث له والبناء يبني له والخراز يخرز له، وسائر الناس كل يتولى شغلا له في مصلحة وبه إليه ضرورة، أما يستحي أن يبقى عيالا على كل من العالم؟ ألا يعين هو أيضا بشيء من المصلحة؟ قال لنا أبو محمد: ولعمري إن كلامه هذا لصحيح حسن وقد نبه الله تعالى عليه بقوله
__________
(1) الذخيرة 1 / 2: 562 - 567.
(2) ابن أبي أصيبعة: مركوس، انظر الجذوة: 86 وبغية الملتمس رقم: 284.
(3) صاعد: 67 والجذوة: 316 وبغية الملتمس (رقم: 831).
(4) ربيع الأسقف: له ذكر في دولة الناصر ويبدو أنه وفد من المشرق (انظر أزهار الرياض 2: 270).
(5) ابن أبي أصيبعة: وأبي مرين، والصفدي: مدين البجاني.
(6) صاعد: 69 وابن أبي أصيبعة: 39.
(7) انظر ابن أبي أصيبعة 2: 45.
(8) انظر ج؟ 3: 16 (والترجمة رقم: 873).
(9) جذوة المقتبس: 45 - 46.
(10) هو الفقيه ابن حزم.

(1/9)


(وتعاونوا على البر والتقوى) فكل ما لمخلوق فيه مصلحة في دينه أو فيما لا غنى به عنه في دنياه فهو بر وتقوى. قال لي أبو محمد: وله كتاب سماه كتاب " محمد وسعدى " مليح في معناه وعاش بعد الأربعمائة بمدة؛ ومن شعره:... الخ.
وقد نقل الصفدي هذه الترجمة في الوافي أيضا عن الحميدي (1) . وهكذا اجتمع في كتاب الصفدي ترجمتان من مصدرين مختلفين إحداهما لمحمد بن الحسين والثانية لمحمد بن الحسن؛ ويكاد أن لا يكون بينهما اختلاف إلا في اسم الأب حيث الخطأ سهل الوقوع:
1 - ؟ فهما يتفقان في الاسم والكنية والشهرة.
2 - ؟ وفي شهرتهما بالطب والمنطق والنجوم وكثير من علوم الفلسفة.
3 - ؟ وقد عاشا في وقت واحد، والنص على تاريخ الوفاة عند صاعد أدق.
4 - ؟ وأضاف الحميدي إلى شخصه ابن الكتاني نشاطا لم يشر إليه صاعد وهو " مشاركته القوية في علم الأدب والشعر " وذلك شيء ربما لم يكن يهم صاعدا وهو يتحدث عن النشاط الفلسفي والطبي لدى الأندلسيين.
5 - ؟ وزاد الحميدي نسبة " المذحجي " إلى ابن الكتاني محمد بن الحسن ولعل فقدان هذه النسبة عند صاعد أمر ثانوي القمية.
فهل الترجمتان لشخص واحد أو لشخصين مختلفين؟: لقد حل كل من ابن الأبار وابن عبد الملك المراكشي هذا اللبس حين ترجما (2) لمن اسمه: محمد ابن الحسن بن الحسين المذحجي أبو عد الله الكتاني، فأوردا ما قاله صاعد عن محمد بن الحسين، وما قاله الحميدي عن محمد بن الحسن، وبذلك أثبتا أن الترجمتين لشخص واحد، وأن الصفدي في تكرار الترجمة كان ضحية النقل عن مصدرين مختلفين.
__________
(1) انظر الجزء 2: 348 (رقم الترجمة: 807).
(2) التكملة: 383 والذيل والتكملة 6: 160.

(1/10)


فأبو عبد الله الكتاني المتطبب إذن هو محمد بن الحسن بن الحسين صاحب كتاب التشبيهات، وهو مؤلف " محمد وسعدى " ، وعذا من باب مشاركته في النواحي الأدبية، كذلك كانت له مؤلفات أخرى في الطب والمنطق ورسائل في ذلك معروفة لدى الأندلسيين، ولكن صاعدا وهو أحق الناس بذكرها تجاوز عن ذلك لشهرتها. وهذا الرجل هو أستاذ ابن حزم في المنطق، فقد ذكره بعض كتبه وأثنى عليه بأنه من أهل التمكين في علوم الأوائل وأن كلامه في هذه الأمور كلام من يقتدى به (1) . وذكر الذهبي في ترجمة ابن حزم أنه أخذ المنطق عن محمد بن الحسن المذحجي وأمعن فيه فبقي فيه قسط من نحلة الحكماء (2) .
والكتاب الذي بين أيدينا يدل على أن مؤلفه لم يتجاوز عام 420، إذ إن جميع الشعراء الذي ساق لهم شعرا في كتابه هذا ينتمون إلى الفترة الأموية والعامرية، وأبعدهم وفاة مثل ابن دراج وعبادة ويونس بن عبد الله (توفي سنة 429) إنما نالوا الشهرة الأدبية في الفترة نفسها.
وهذا أمر لا يختل في الكتاب إلا مرة واحدة وذلك حيث جاء على الصفحة 236 " وقال أبو إسحاق الخفاجي في الشمعة " فإذا كان أبو إسحاق الخفاجي هو ابن خفاجة شاعر الطبيعة المشهور، فمعنى ذلك أن المؤلف لا يمكن أن يكون قد توفي في الحدود التي قدرتها، لأن ابن خفاجة ينتمي إلى عصري ملوك الطوائف والمرابطين. ولكن أود أن يتنبه القارئ للحائق الآتية:
(1) أن الباب الذي وردت فيه أوصاف الشمعة باب مضطرب، ووصف الشمعة فيه دخيل على الباب لأن العنوان المثبت له هو " باب في المذبة والمروحة ولم يعودنا المؤلف على مثل هذا الخلط الذي عرض في هذا المقام.
(2) إن الناسخ نبه مرة إلى أنه يدرج في المتن شعرا ليس من " الأم " ، (انظر ص 260) وهذا يجعلنا نعتقد بأن النسخة تعرضت في هوامشها لبعض الزيادات،
__________
(1) الأصول والفروع: 8.
(2) تذكرة الحفاظ: 1147.

(1/11)


ولا أستبعد أن تكون أبيات الخفاجي منها وإن عدم التنويه بذلك سهو من الناسخ، وأن اضطراب الباب الذي وردت فيه أوصاف الشمعة قد يقوي القول بوجود زيادات لم ينتبه لها الناسخ المذكور.
(3) لعل أبا إسحاق الخفاجي شاعر غير ابن خفاجة وإن كنا لا نملك له ترجمة فيما بين ايدينا من مصادر، ثم إن القطعة التي أوردها ابن الكتاني له غير واردة في ديوان ابن خفاجة مما يثير شكا في النسبة والاسم معا.
(4) ليس من المعقول أن يدرك المؤلف عصر ابن خفاجة ويهمل جميع شعراء عصر الطوائف من أمثال ابن عبدون وابن زيدون وان عمار وعشرات غيرهم بل أن يهمل شاعرا أقرب من هؤلاء عهدا هو ابن شهيد وهو ذو باع طويل في التشبيهات.
ولهذا أعتقد أن مؤلف الكتاب هو محمد بن الحسن الكتاني، وأن قطعة الخفاجي ؟ إن كانت لابن خفاجة ؟ تمثل عنصرا دخيلا على الكتاب، ومثل هذا الزيادات التي تلحق الكتب مع الزمن أمر معروف لكل من تمرس بالتحقيق.
[وقد ذكر ابن بسام في الذخيرة (1) من كنيته أبو عبد الله وجرفته الطب وسماه محمد بن الكتاني، وكل هذه الخصائص تلتقي مع مؤلف هذا الكتاب بل صرح بأنه هو نفسه محمد بن الحسن المذحجي أستاذ ابن حزم، ولكنه أورد بعد ذلك ما يدل على أنه كان صاحب قيان وأنه كان " فرد أوانه، وباقعة زمانه، منفقا لسوق قيانه، يعلمهن الكتاب والأعراب وغير ذلك من فنون الآداب " ووصفه بالتحيل واستعمال ضروب من الكذب وزور المقال، وأنه كان ربما أنشأ رسائل ينحلها القيان ليبيعهن بأغلى الأثمان، وقد باع لابن رزين قينة بثلاثة آلاف دينار. وأورد له رقعة في تعليم القيام يقول فيها: " واعتبر ذلك بأن في ملكي الآن أربع روميات، كن بالأمس جاهلات، وهن الآن عالمات حكيمات منطقيات فلسفيات هندسيات موسيقاويات اسطرلابيات معدلات نجوميات
__________
(1) الذخيرة 3 / 1: 112، 318 - 320.

(1/12)


نحويات عروضيات أديبات خطاطيات، تدل على ذلك لمن جهلهن الدواوين الكبار التي ظهرت بخطوطهن في معاني القرآن وغريبه ذلك من فنونه، وعلوم العرب من الأنواء والأعاريض والأنحاء، وكتب المنطق والهندسة وسائر أنواع الفلسفة... " ثم يتبجح مفتخرا بعرض تجربته ويقول: ولا تطمع أن تظفر بعالم مثلي أو متفرغ فضولي شبهي " .]
[وقد توقفت طويلا عند هذا الفصل وتشككت في أن يكون الشخصان واحدان وإنما حملني على ذلك مبلغ ما يوليه ابن حزم لأستاذه من تقدير علمي وأخلاقي يبعد عنه صفة التحيل وركوب الكذب ومقالة الزور. ولكن بعد التأمل لاح لي وجه آخر، فهذا هو ابن الكتاني المذحجي أستاذ ابن حزم، وقد نقلت عنه حكاية من تعليقات ابن حزم نفسه تدل على اتجاره بالجواري، إذ تصوره ذات يوم في منطقة الشمال في مجلس العلجة بنت شانجة ملك البشكنس، وفي المجلس فتيات مسلمات أسيرات منهن ابنة الشاعر سليمان بن مهران السرقسطي، وأنها غنت بأبيات وبكت فلما سئلت عن سبب بكائها ذكرت أن الأبيات لأبيها (1) وقد ساء ابن بسام أن أبي الكتاني لم يمتعض لتلك الجارية، بعدما عرف نسبتها، ولم يحاول افتكاكها من الأسر، وأنه اكتفى بإظهار جزعه على حالها].
[وهذا هو سياق ما أورده ابن بسام مجملا، وهو يدل على أن ابن الكتاني المتطبب كان يحترف تجارة الرقيق، وقد تبدو هذه المسألة في نظرنا اليوم مخلة بمكانة من يزاولها، خصوصا وأن النخاسين أصحاب القيان لم يكونوا يرتفعون عن الشبهات في تسهيل " المودات " ؛ وقد سكت ابن حزم عن حرفة أستاذه لسبب لاندريه، ولكن لا أظن أن سكوته كان استنكارا لذكر مثل تلك الحرفة، بل لعله ؟ وإن سكت عنها ؟ كان يعدها من مزاياه، إذ كان يقدم للمجتمع الأندلسي فتيات " مثقفات " ؛ وكان جزء من تلك الثقافة هو ما عرف به ابن الكتاني من مهارة في المنطق والفلسفة وسائر علوم الأوائل].
[وما وصفه بالتحيل والكذب وقول الزور، فإنه صادر عن ابن حيان،
__________
(1) المصدر نفسه: 318 - 319.

(1/13)


وهو مؤرخ لا يتعفف كثيرا حين يثلب؛ وقد ضاع الجانب الإيجابي مما نقدر أنه قاله في ابن الكتاني بضياع معظم الأجزاء من كتبه؛ وأما هذه الرسالة وما فيها من تفاخر توحي بأنها كتبت لتعبر عن الجانب الهزلي لدى الرجل، ويجب أن تؤخذ مأخذ الفكاهة، ولا تحمل على محمل الجد].
[ولكل هذه الأسباب يظل ابن الكتاني تاجر الرقيق هو نفسه مؤلف كتاب التشبيهات، وفي ما أورده ابن بسام توضيح لجانب لم يكن معروفا دلينا من شخصيته] (1)
3 - ؟ كتاب ابن الكتاني [عرض وتقييم]
لعل مقطع القول في تبيان قيمة هذا الكتاب أنه أوفى مجموعة شعرية وصلتنا تمثل عصر بني أمية والعامريين حتى أواخر الفتنة البربرية في تاريخ الأدب الأندلسي، فهذه الفترة لم تصلنا دواوين شعرائها وكل ما نملكه من الشعر الأندلسي الذي يمثلها قطع مبثوثة في كتب التاريخ والتراجم، وقطعة لعدد من الشعراء أوردها الثعالبي في اليتيمة، فهو على أنه نماذج مختارة في موضوعات مختلفة يسعف على معاودة النظر في شعر ذلك العصر، ويصحح كثيرا من الأحكام التي أجراها عليه الدارسون، ويوسع من حدود المجال الشعري والفني في تلك الفترة.
وقد قسم الكتاب على ستة وستين بابا تناول كل باب موضوعا، فأول الأبواب يحتوي نماذج من التشبيهات في السماء والنجوم والقمرين والثاني في انبلاج الصبح والثالث في البرق والرعد، وهكذا تستمر الأبواب حتى نهاية الثاني عشر في إيراد الصور المتصلة بالطبيعة ومظاهرها المتنوعة؛ وبالثالث عشر يبدأ باب في الخمر، وفي هذا الموضوع أبواب ثلاثة. ثم يبدأ السادس عشر بالقيان والغنين وتأتي أبواب في أدوات الغناء وفي مادة الغناء، أي الشعر، وبذلك ينتهي الجزء الأول وفيه ؟ كما ترى ؟ ترتيب متعمد، لموضوعات ذات علاقة فيما بينها متدرجة.
__________
(1) ما بين معقفين في هذا النص من أوله إلى آخره مزيد على مقدمة الطبعة الأولى.

(1/14)


ويفتتح الكتاب الثاني بالباب التاسع عشر، حيث تتعلق الصفات بذكر الجمال الإنساني أو الحسن. ومن الطبيعي أن تجيء الأبواب التالية في الشعر وأصداغ القيان والغلمان والوجه والخدود والعيون والثغور والنهود والقدود، ويقطع هذا الترتيب المتدرج في تبيان جمال الأعضاء الباب (27) فيتحدث فيه عن طيب الحديث، ثم يعود إلى ذكر الخصور والأرداف، وبعد ذلك ينتقل إلى المواقف العاطفية كالعناق والوداع والبكاء والسهر ومراعاة النجوم وزيارة الطيف والنحول والوقوف على الديار والتياح النيران. وبهذا تنتهي الأبواب لمتصلة بموضوعين كبيرين: الجمال والحب؛ ويبدأ الكتاب في الباب السابع والثلاثين بالتحول إلى وجهة أخرى فتتناول أبوابه مادتين:
(أ) الصراع بين الإنسان والطبيعة من شتاء وصقيع وقطع للمفاوز والبحار وصيد الحيوان، ومواجهة الحيات.
(ب) الصراع بين الإنسان والإنسان أي الحرب وما يتعلق بها وبالآئها المختلفة وما ينجم عنها من قتل وصلب وخوف... الخ. وهكذا نرى أن الكتاب الثاني أيضا على انقسامه في موضوعين كبيرين قد جعل الموضوعات الإنسانية في السكون والحركة هي مجاله الكبير.
أما الجزء الثالث الذي يبدأ بالباب الثاني والخمسين فإنه يتناول الكتابة وأدواتها وبعض الآلات الحضارية الأخرى كالمذبة والمروحة ولكنه ينتقل فجأة من هذا المهيع الحضاري إلى الحديث في الأخلاق من وجود وبخل وفي أصناف من الناس كالطفيليين والثقلاء، وتنحو أشعار الباب هنا نحو الهجاء والسخرية ليتلوها أبواب في الاعتبار بالفناء وفي الشيب والهرم وذكر الموت، ثم يختم الكتاب بباب عنوانه " باب شواذ تقل نظائرها " ويبدو في الجزء الثالث أن المؤلف قد أعياه الالتزام بشيء من الترتيب المتدرج الذي التزمه في الجزءين السابقين وأنه حشد في الجزء الثالث أبوابا متفرقة كما حشد في الباب الأخير موضوعات متفرقة أيضا تأبى على التقسيم.
[والكتاب يقع في سلسلة من الكتب ألفت ف الموضوع نفسه، في المشرق، منها كتاب لحمزة الأصفهاني وآخر لابن أبي عون، وعند مقارنة هذا الثاني

(1/15)


بكتاب ابن الكتاني نجد شبها كبيرا في عناوين الأبواب، مما قد يشير في هذه الناحية إلى تأثير المؤلف الأندلسي بالمشرقي، وقد كان كثير من مؤلفي الأندلس ؟ وبخاصة ابتداء من عهد الحكم المستنصر ؟ يضعون نصب أعينهم عند التأليف في أحد الموضوعات مؤلفا مشرقيا؛ فنحن نعلم أن كتاب الحدائق لابن فرج إنما كان محاكاة لكتاب " الزهرة " لابن داود الأصفهاني، وأن كتاب ربيعة وعقيل من تأليف حسان ابن أبي عبدة إنما ألف على مثال كتاب لأبي السري سهل بن أبي غالب ألفه لهارون الرشيد (1) وأن كتاب العقد لابن عبد ربه يترسم خطى كتاب عيون الأخبار لابن قتيبة، بل لا نبعد في الظن إذا قدرنا أن كتاب " محمد وسعدى " (2) لابن الكتاني نفسه إنما نسج على منوال كتب الأسمار المشرقية. وقد جاء في آخر نسخة التيمورية ونسخة المدينة تشبيهات ابن أبي عون " وهذه التشبيهات قد عورضت بتشبيهات [مغربية] أندلسية " ويبدو أن الإشارة هنا إنما تعني كتاب ابن الكتاني هذا، فهو كتاب أندلسي، حفظت مخطوطته بالمشرق، بخط مشرقي، فكأنه كان محط اهتمام من المشراقة فظل معروفا لديهم، ولم نعثر له حتى اليوم على نسخة بخط مغربي أو أندلسي].
[ومن بين الأبواب التي تبلغ ستة وستين لدى ابن الكتاني نجد خمسين منها مشتركة في عناوينها مع كتاب ابن أبي عون، على أن نتذكر أن أبي الكتاني يدرج بابين أحيانا من تقسيمات ابن أبي عون في باب واحد من تقسيماته، وهذا واضح في الباب رقم: 21 الذي يتناول التشبيهات في أصداغ القيان وعذر الغلمان فإنه قد ضم البابين 55، 56 لدى ابن أبي عون؛ والباب 35 عند الأول يمثل البابين 32، 33 عند الثاني، والباب: 58 وهو في هجو النساء والمغنيات يضم البابين 23، 24 عند ابن أبي عون، والباب: 60 في اللحى هو جماع البابين 81، 88 عند المؤلف المشرقي، وهذا جدول غير استقصائي للمقارنة بين عنوانات الكتابين:
__________
(1) الجذوة: 184.
(2) الجذوة: 46.

(1/16)


رقم الفصل عند ابن الكتاني - رقمه عند أبي عون
1 2 -
2 3 -
4 9 -
8 85 -
9 37 -
10 57 -
20 17 -
23 14 -
25 21 -
34 10 -
36 38 -
39 11 -
50 05 -
والباب الأخير عند المؤلف الأندلسي يقابل الباب الأخير (رقم: 91) عند ابن أبي عون، وهذا وحده يدل على الاحتذاء، لأن الباب نفسه باب تحشد فيه تشبيهات في موضوعات لا يجمع بينها ربط].
ومهما يكن من شيء فإن المؤلف قد حاول أن يعرض المجالات التي اتصلت بها ملكة التصوير عند الأندلسيين سواء أخضعت لترتيب موضوعي أو لم تخضع، وأنه قد أطلعنا من خلال هذه المختارات على مبلغ ما بذله الشعر الأندلسي من عناية بالصورة في دور مبكر من تاريخه، حتى أصبح طلب الصورة فيه غاية كبرى بل أصبح بعد زمن أكبر غاية، ومن الطبيعي أن يكون هذا الكتاب مصدرا جديدا ؟ بل أوسع مصدر حتى الآن ؟ لدراسة الشعر الأندلسي حتى أواخر القرن الرابع، ومن الطبيعي أن يكون لدى دارسي الأدب الأندلسي وثيقة جديدة ذات دلالة واضحة لخصائص لم تكن قبل ذلك واضحة في ذلك الأدب.

(1/17)


كتابان أندلسيان آخران في التشبيهات:
لم تذكر المصادر ؟ فيما توصل إليه إطلاعي ؟ كتاب ابن الكتاني في التشبيهات ولكنها ذكرت كتابا آخر " في التشبيهات من أشعار أهل الأندلس " لأبي الحسن علي بن محمد بن أبي الحسين الكاتب. فقد قال فيه الحميدي: " مشهور بالأدب والشعر وله كتاب في التشبيهات من أشعار أهل الأندلس، كان في الدولة العامرية وعاش أيام الفتنة " (1) وزاد ابن عبد الملك في التعريف به قوله " وكان أديبا بليغا مشاركا في النحو حافظا للغات ذاكرا للآداب... وتوفي قريبا من الثلاثين وأربعمائة " وعد جماعة ممن أخذ عنهم.
ويتضح من هذه الأخبار عن ابن أبي الحسين أنه كان معاصرا لابن الكتاني فهل توفر على الموضوع الواحد مؤلفان؟ وإذا كان ذلك فما مدى الصلة بين الكتابين؟
ينقل ابن الأبار في ثلاثة مواضع من كتابه " الحلة السيراء " عن كتاب ابن أبي الحسين ويسميه " الفرائد في اتشبيه من الأشعار الأندلسية " فيورد في الموضع الأول (2) يتبين لمروان بن عبد الرحمن أبي عبد الملك الملقب بالطليق وهما يمثلان القطعة رقم 39 في كتاب ابن الكتاني؛ ثم يورد في الموضع الثاني (3) بيتين للب ابن عبيد الله فيوافقان القطعة 79 في هذا الكتاب، أما القطعة الثالثة (4) للمصحفي فإنها لم ترد في كتاب ابن الكتاني. وليس من المستغرب اتحاد الكتابين في إيراد مختارات متشابهة ما داما متعاصرين، ولكن لو سكتت المصادر سكوتا تاما عن كتاب ابن الكتاني، هل من الممكن ؟ وفي النسخة التي بين أيدينا خلل ؟ أن تفترض بأن الكتابين إنما هما كتاب واحد؟ استبعد هذا، خصوصا إذا عرفنا أن ابن الكتاني قد أورد شعرا لمن اسمه علي بن أبي الحسين، فإذا صح أنه هو صاحب " الفرائد " فنحن نملك كتابين في التشبيهات لا كتابا واحدا.
__________
(1) الجذوة: 290 والذيل والتكملة 5: 316 وبغية الملتمس رقم: 1193.
(2) الحلة 1: 224.
(3) الحلة 1: 232.
(4) الحلة 1: 260.

(1/18)


وبعد ما يزيد على قرن من الزمان نجد أندلسيا آخر يعود إلى موضوع التشبيهات فيفرد فيه كتابا خاصا، ذلك هو أبو عامر السالمي محمد بن أحمد ابن عامر (المتوفى سنة 559) صاحب المؤلفات الكثيرة المفيدة، وكان أديبا فصيحا تاريخيا حافظا، ومؤلفه الذي أشير إليه هو " كتاب حلية اللسان وبغية الإنسان في الأوصاف والتشبيهات والأشعار السائرات " (1) ولا نعلم إن كان هذا الكتاب خاصا بتشبيهات الأندلسيين أو أنه في التشبيهات عامة.
5 - ؟ نسخة التشبيهات والمنهج في التحقيق:
هي نسخة وحيدة لا أعرف لها ثانية محفوظة بمكتبة إسماعيل صائب بأنقرة تحت رقم 4602، وقد أهداني فيلما صغيرا منها (ميكروفيلم) صديقي العالم المحقق الأستاذ محمد بن تاويت الطنجي، فظهور هذا الكتاب محققا إنما يعزى إلى فضله قبل كل شيء، فله الشكر على ما أسدى، حفظه الله ورعاه.
وتقع هذه النسخة حسب ترقيم صفحاتها في 201 صفحة، في كل صفحة 15 سطرا، وهي مكتوبة بخط مشرقي مشكول، ولكن فيها أخطاء نسخية كثيرة، واضطراب في الإعجام، أو عدم التقيد به أحيانا، كما أن الشكل فيها يشذ عن الصواب في كثير من المواضع.
والكتاب حسب تقسيمات الأصل في ثلاثة أجزاء تضم كلها مقطعات لواحد وتسعين شاعرا؛ ويبدو أن الكتاب كان ضمن مجموعة من الكتب، إذ كتب على الورقة الأولى منه:
1 - يتلوه جزء من أجناس التجنيس لأبي منصور الثعالبي.
2 - ؟ [...] اختيارات في التجنيس من لمح الملح للشيخ أبي الحسن علي بن أبي الغنائم المصري، رحمة الله عليهما.
__________
(1) الذيل والتكملة 6: 8.

(1/19)


3 - ويتلوه إن شاء الله كتاب تذكرة الألباب في أصول الأنساب جمع الوزير الكاتب أبي جعفر أحمد بن عبد العزيز بن عبد الولي البتي.
4 - ؟ ويتلوه كتاب ما تلحن فيه العامة للعلامة أبي طالب المفضل بن سلمة رحمة الله عليه ورضوانه.
ومن التملكات على الورقة الأولى أن الكتاب كتب " لخزانة المولى الفقيه الأجل المكين عز الدين عبد العزيز بن عبد الله المصري عمرها الله... " وفي موضع آخر أنه من كتب يوسف بن عمر بن علي بن يكنول عفا الله عنه.
[ولما كانت النسخة كما وصفت، من حيث ضبطها، كانت قراءاتي لكثير من المواضع فيها اجتهادية، وقد أبحث لنفسي أن أغير الإملاء فيها إلى صورة الإملاء الحديث، وأن لا أشير إلى الأخطاء في الشكل، وأن لا أثبت في الحواشي من أصل النسخة إلا ما غيرت قراءته وكان يتحمل وجها آخر ممكنا من القراءة، ورقمت الأبواب والقطع الشعرية بأرقام متسلسلة].
[وقد راجعتها على المصادر، التي تهتم بإيراد نماذج من الشعر الأندلسي، مما أتاح لي تخريج بعض المقطوعات، واثبت هذه التخريجات في الحواشي؛ وأما الشعراء فقد تتبعت تراجمهم في مظانها، وخصصت لكل منهم دراسة موجزة تقع عند نهاية الكتاب، وقرنت بكل منهم أرقام المقطوعات الخاصة به، ولم تسعفني المصادر على الترجمة لبعضهم].
إن غبطتي بإخراج هذا الكتاب لتفوق شعوري بالعجز عن حل معميات النسخة الوحيدة التي اعتمدتها في تحقيقه، غير أني لم أوفر جهدا في سبيل ضبطه وتحريره، وإن كان ذلك جهد المقل العاجز، ولي في توجيه المحققين والدارسين ما يسدد الخطى ويحقق جانب الإصابة، والله ولي كل توفيق.
بيروت في غرة أيار (مايو) 1966 إحسان عباس

(1/20)


بسم الله الرحمن الرحيم
وبه أستعين
قال أبو عبد الله محمد بن الكتاني الطبيب:
التشبيهات لأهل الأندلس
1 - باب من التشبيهات في السماء والنجوم والقمرين
- 1 -
قال عبادة بن ماء السماء الأنصاري
كأن السماء قبة من زمرد ... وفيها الدراري من عقيق مسامر - 2 -
وقال عباس بن ناصح يصف مغيب الشمس
وشمس النهار قد هوت لمغيبها ... كعذراء تبغي في الحجال التواريا - 3 -
وقال سعيد بن عمرو في الهلال (1)
والبدر في جو السماء قد انطوى ... طرفاه حتى عاد مثل الزورق
فتراه من تحت المحاق (2) كأنما ... غرق (3) الجميع وبعضه لم يغرق
__________
(1) ورد البيتان في اليتيمة 2: 54 والنفح 3: 591 والمغرب 1: 193 وحلبة الكميت: 298 لسعيد بن محمد المرواني، وهما شخص واحد. انظر التراجم في آخر الكتاب.
(2) اليتيمة: كأنه.
(3) المغرب والنفح واليتيمة: الكثير.

(1/27)


- 4 -
وقال محمد بن خطاب النحوي
رب ليل جبته في فتية ... كسيوف الهند أو زهر النجوم
طلع البدر به في صورة ... تشبه التاج على الشعر البهيم - 5 -
وقال يحيى بن هذيل في الهلال
يحكي من الحاجب المقرون شقرته (1) ... فانظر إليه فما أخطا ولا كادوا
لو القتى لحكى حجلا ولو قطعوا ... من دارة الحجل ما أربى ولا زادا - 6 -
وقال جعفر بن عثمان في الثريا (2)
سألت نجوم الليل هل ينقضي الدجى ... فخطت جوابا بالثريا كخط " لا "
وما عن (3) جوى سامرتها غير أنني ... أنافسها المجرى إلى رتب (4) العلا
__________
(1) شقرته: هي كذلك في الأصل وجعلها الأستاذ حسنين " شفرته " وما أراه صوابا، ولعل الصواب " صورته " أو شيئا مماثلا.
(2) البيتان في الحلة 1: 259 وبينهما بيت، انظر النفح 1: 604 (وهو ينقل عن كتاب " بدائع التشبيهات " ). وسرور النفس: 34 (ف: 97).
(3) الحلة والنفح: هوى.
(4) النفح: طرق.

(1/28)


- 7 -
وقال عبادة
رب ليل سهرت في قمر ... مد من فرعه عليه حلى
والثريا كأنها سئلت ... فأجابت عن الحبيب بلا - 8 -
وقال جعفر بن عثمان
صف الثريا بمثلها صفة ... فقلت: قرط فصوله العنبر
سماؤها في اعتدال خضرتها ... (1) زمرد والنجوم فالجوهر - 9 -
وقال أيضا
وكأن أثناء الثريا إذ بدت ... قرط طريح في بساط زمرد
وكأنما لبس السماء ملاءة ... خضراء ترصف من جمال العسجد (2) - 10 -
وقال عيسى بن قرلمان، وكان القمر على الجوزاء
أرى رجل الجوزاء غير بوارح ... وأيدي الثريا كالسقيم صحيحها
وهمت ولم تمض السبيل كأنها ... من الأين صرعى أثخنتها جروحها
وللبدر إشراق عليها كأنه ... رقيب على ألا يتم جنوحها
__________
(1) فالجوهر: كذا في الأصل، وله وجه مقبول وقد كتب تحته: أي وأما النجوم، ولعل الأصوب: " كالجوهر " .
(2) يقترح حسنين أن تقرأ: من جمان عسجدي، وهي قراءة لا بأس بها.

(1/29)


- 11 -
وقال محمد بن الحسين
والجو أزرق والنجوم كأنها ... ذهب تسربل (1) لازوردا أزرقا
وكأنما الجوزاء فيه تقلدت ... سيفا، حمائله المجرة، معرقا - 12 -
وقال طاهر بن محمد يذكر جملة من النجوم
وليل بت أكلؤه بهيم ... (2) كأن على مفارقه غرابا
كأن سماءه بحر خضم ... كساه الموج ملطما حبابا
كأن نجومه الزهر الهوادي ... وجوه أخضلت تبغي الثوابا
كأن المستسرة في ذراه ... كمائن غارة رقبت نهابا
كأن النجم معترضا وشاة ... تسارق فيه لحظا مسترابا
كأن كواكب الجوزاء شرب ... (3) تعاطيهم ولائدهم شرابا
كأن الفرقدين ذوا عتاب ... أجلا طول ليلهما العتابا
كأن المشتري لما تعالى ... طليعة عسكر خنسوا ارتقابا (4)
كأن الأحمر المريخ مغض ... على حنق يشب به شهابا
كأن بقية القمر المولي ... كئيب مدنف يشكو اجتنابا
__________
(1) في هامش النسخة: تسربل الرجل أي لبس القميص.
(2) أكلؤه: أرعاه.
(3) الولائد: الإماء والجواري.
(4) ص: حبسوا ارتعابا.

(1/30)


- 13 -
وقال يوسف بن هارون
وآنسني فيك لنجوم برعيها ... فدريها خلي وبدر الدجى إلفي
كأن سماء الأرض نطع زمرد ... وقد فرشت فيه الدنانير للصرف (1) - 14 -
وقال المهزله
وكأنما زهر النجوم كواعب ... حسرت فأبدت في الشعور بياضها
وكأنما فيها الخفية أعين ... نظرت (2) وسابق فتحها إغماضها - 15 -
وقال محمد بن إبراهيم بن [أبي] الحسين
وسعى علينا بالكؤوس منطق ... أجرى دمي فأعاض راحا من دم
حتى بدا لي المشتري وقرينه ال ... (3) مريخ يرفل في غلالة عندم
قال النديم فصفها قلت: استمع ... رمحان في كفي كمي معلم
تبع الكمي بذا فأخطا طعنه ... وأصابه هذا فقيه دم الكمي - 16 -
وقال ابن هذيل
وكأن المقاتل اغتاظ حتى ... أنفذ الصبح بالتقحم طعنا (4)
__________
(1) نهاية الأرب 1: 33.
(2) ص: قطرت.
(3) العندم: صبغ أحمر وقيل هو دم الغزال أو دم الأخوين.
(4) المقاتل هنا: صفة لنجم ولعله السماك الرامح، أو هو سهيل كما صوره المعري من بعد :مستبد كأنه الفارس المعلم " .

(1/31)


والسهى في بنات نعش ضمير (1) ... بين أضلاعها تبوأ كنا السهى: الكوكب الخفي في بنات نعش
- 17 -
وقال سعيد بن عمرون في النجوم
وكأنها في الحسن روضة نرجس ... تفتر في روض من النمام
وكأنما أعلى البروج هياكل ... محفوفة بمصابح الإظلام
وكأنما صغرى النجوم يواقت ... يجري بهن عباب بحر طام - 18 -
وقال أحمد بن دراج (2)
وقد حومت زهر النجوم كأنها ... كواعب في خضر الحدائق حور
ودارت نجوم القطب حتى كأنها ... (3) كؤوس مها وافى بهن مدير
وقد خيلت زهر المجرة أنها ... (4) على مفرق الليل البهيم قتير - 19 -
وقال سعيد بن عمرون
والليل في لون الغراب كأنه ... متدرع بمدارع من قار
__________
(1) ص: صهير.
(2) ديوان ابن دراج: 300 والأبيات من رائيته التي اشتهرت عند المشارقة وفيها يعارض أبا نواس، ومطلعها:
دعي عزمات المستضام تسير ... فتنجد في عرض الفلا وتغور وفي تخريج الأبيات انظر الديوان، وفيه قراء مختلفة في بعض المواضع.
(3) المها: البلور.
(4) القتير: الشيب.

(1/32)


وكأنما ذات الخضاب وقد هوت ... (1) رامشنة رصدت من النوار
وكأنما الشعرى العبور وراءها ... ذهب تدحرج فهو كالدينار
وكأنما أشخاصها قد أفرغت ... (2) في الماء ياقوتا على بلار 2 ؟ باب في انبلاج (3) الصبح
- 20 -
قال يوسف بن هارون (4)
وكم ليلة قد جمعتنا وأدبرت ... تنوح على تفريقنا وتلهف
إلى أن بدا وجه الصبح كأنما ... (5) تحمل لقمان وأقبل يوسف - 21 -
وقال المهند
وكأن وجه الفجر وسط سمائه ... من سود أردية الظلام أعاضها
خود ألم بها الأسى في أزرق ... برزت فشقق حزنها فضفاضها
__________
(1) الرامشنة: ورقة آس لها رأسان.
(2) البلار: أراه لغة في البلور ولم يثبته صاحب اللسان.
(3) ص: إبلاج.
(4) لعل البيتين من قصيدته " على كمدي تهمي السحاب وتذرف " وهي من قصائد السجن، انظر المطمح: 73 والنفح 4: 39.
(5) ذكر لقمان لطول العمر والسواد فشبه بذلك الليل، وذكر يوسف لجماله وقرن به طلوع الصبح؛ وهذا البيت في تشبيهات ابن أبي عون: 15 وقبله:
وليلة أنس قد أنرنا ظلامها ... بأنجم راح تستنير فترشف

(1/33)


- 22 -
وقال علي بن أبي الحسين
لاحظ ظلام الدجى والصبح يحفزه ... كأنه جيس روم يهزم الحبشا - 23 -
وقال حبيب بن أحمد
قد اغتدي والظلام منتشر ... على جميع البلاد عسكره
والصبح حيران فيه مستتر ... كمجرم همه تستره - 24 -
وقال يوسف بن هارون
بدا الصبح من تحت الظلام كأنه خوافي (1) جناحي هيقل (2) بات حاضنا
وإلا فكالثوب السماوي معلما شقيقا بدا في أسفل الثوب يائنا
- 25 -
وقال أحمد بن عبد ربه
حتى إذا ما الليل قوض راحلا عند الغلس (3) ...
وبدا الصبح كغرة ... تبدو على وجه الفرس
__________
(1) ص: مخافي.
(2) ص: هيق - وهو ساكن الياء - ولا يصح به الوزن، والهيقل كالهيق: وهو ذكر النعام.
(3) ديوانه: 94 عن كتاب التشبيهات.

(1/34)


- 26 -
وقال عباس بن فرناس
فبتنا وأنواع النعيم ابتذالنا ... ولا غير عينيها وعيني كالي (1)
إلى أن بدا وجه الصباح كأنه ... (2) جبين فتاة لاح بين حجال 3 ؟ باب الريح
- 27 -
قال محمد بن وهيب البديهي (3)
وريح (4) جربياء صابحتنا ... لها في الوجه رشق كالنبال
تغوص على البراقع والحشايا ... كغوص الطيف في ستر الحجال - 28 -
وقال الحسن بن حسان (5)
فجبت بساط الأرض لم أك سامعا ... به غير (6) شدو الجن هتفا إلى هتف
__________
(1) كالي: مراع مراقب.
(2) الحجال: جمع حجلة وهي مثل القبة للعروس.
(3) ص: وهيب بن البديهي وفي اليتيمة (2: 69) شاعر اسمه محمد بن وهيب البدسمي، والبدسمي مصحفة عن البديهي فيما أعتقد، ولمحمد بن وهيب البديهي ترجمة في الوافي 5: 180.
(4) ص: حربتا، والجريباء: الريح التي تهب بين الجنوب والصبا، وقيل هي الشمال وقيل هي النكباء التي تجري بين الشمال والديور.
(5) البيتان في سرور النفس: 323 (ف: 970).
(6) ص وسرور النفس: عند؛ وهي من تصويبات ح.

(1/35)


كأن حنين الريح في جنباته ... حنين المثاني والمثالث في العزف - 29 -
وقال ابن هذيل أيضا
ودنت في هبوبها مشية النشوان حيران بالمدام الشمول ... لصقت بالثرى كما يضخع العاشق ذلا إلى الحبيب المطول ... ولقد خلت أن بينهما عشقا فصارا للضم والتقبيل ... واختفت عن فواطن (1) الخلق حتى شبهوها ضآلة بنحول (2) ... - 30 -
وقال ابن هذيل
للصبا منة على الروض هادته بطيب الحبيب أي ذمام ... وجرت بينه رواحا ليرتاح ويبقى على رضى والتئام ... كالشفيق الذي يؤلف ما بين حبيبين بعد قطع الكلام ... - 31 -
وقال أيضا
ومرنة بعد الرواح كأنما ... في نحرها صوت القريع الهادر
قربت من الأسماع وهي بعيدة ... منها وغابت في الهبوب الحاضر
فإذا اتقى جمهورها في دوحة ... فكأن فيها كل ليث هاصر
__________
(1) ص: قواطن، وعند ح: نواظر، وهي أصوب.
(2) كذا ولعله: بنحيل.

(1/36)


وإذا استقل (1) قتامها فكأنما ... فيه التفاف عساكر بعساكر القريع: الفحل من الإبل، والقريع أيضا سيد القوم
- 32 -
وقال علي بن أبي الحسين
حليلي ما لي كلما هبت الصبا ... أحن إلى الأفق الذي تتيمم
أكلفها حمل السلام إليكم ... فإن خطرت يوما عليكم فسلموا
كأن الصبا عندي رسول مبلغ ... أبوح بأسراري إليه فيكتم
إذا كدت أن أسلو أجد صبابتي ... كتاب حبيب أو خيال مسلم - 33 -
وقال أيضا
عزتنا المزن والرايات دجن ... بأجناد عليها قائدان
شمال قد تباريها قبول ... كأنهما معا فرسا رهان - 34 -
وقال أحمد بن فرج (2)
وربت ريح امتزجت بنفسي ... مزاج الماء بالراح الزلال
وجدت لها وبي للشوق ما بي ... (3) كما وجد المهجر بالظلال
وبات ثرى العقيق ينم عنها ... (4) إلي بمثل أنفاس الغوالي
__________
(1) ص: قيامها، والقتام: الغبار.
(2) ص: فرح - بالمهملة - وأبيات أحمد بن فرج في سرور النفس: 319 (ف: 955).
(3) المهجر: الذي يسير في الهاجرة.
(4) الغوالي: جمع غالية وهي نوع من الطيب مركب من أخلاط.

(1/37)


فقل في نشوة من نفح ريح ... سقيت بها الشمول من الشمال (1)
سرت (2) في نار أشواقي سراها ... إلى جدب الثرى بحيا العزالي (3) 4 ؟ باب في البرق والرعد
- 35 -
وقال أحمد بن فرج (4)
وليلتنا بالغور أومض بارق ... حثيث الجناح مثل ما نبض العرق
سرى مثلما يسرى الهوى في جوانحي ... بثنتين (5) من أحواله النار والخفق
ولاح كأمثال البرى خطمت به ... من الغيم في ليل السرى أينق ورق
وباتت دياجي الليل منه كأنها ... أحابيش في أيديهم الأسل الزرق البرى: جمع برة، وهي الحلقة التي تجعل من الوبر أو من الجلد (6) ، يقال أبرى البعير يبريه إبراء وهو بعير مبرى، والبرى أيضا: الخلاخل، واحدتها برة، وتجمع برين وبرين (7) . والورق: جمع أورق، وهو لون بين الخضرة والسواد، يقال: جمل أورق بين لورقة، وهو أتم ألوان الإبل عند العرب وأطيبها لحما.
- 36 -
وقال سليمان بن بطال المتلمس (8)
وأرى خلال الليل مبسم بارق ... كالزند يقدح أو ضرام العرفج
__________
(1) الشمول: الخمر.
(2) ص: سرى، والتصويب عن سرور النفس.
(3) الحيا: المطر؛ العزالي: جمع عزلاء وهي فم المزادة من أسفلها.
(4) الأبيات في سرور النفس: 255 (ف: 741).
(5) سرور: تبين.
(6) ص: في الوترة من.
(7) أي بصم الباء وكسرها.
(8) الأبيات من قصيدة له في الجذوة: 206 والبغية رقم: 762.

(1/38)


فكأنه من أضلعي متوقد ... في الجو إلا أنه لم يوهج
وكأن محبوبي تبسم فوقه ... ليزيد بالإيماض في شجو الشجي - 37 -
وقال يوسف بن هارون (1)
كأن اندفاع البرق بين رعوده ... تطاير نار لاصطكاك جنادل
أو أسد الشرى في مذهبات سلاسل ... إذا هي دارت (2) نهنهت في السلاسل (3)
كأن بنات (4) الزنج فيها مشيرة ... إلى الأرض عن أكمام حمر الغلائل - 38 -
وقال أحمد بن دراج (5)
يحدو ويبسم برقه فتخاله ... ملكا سطا بالوعد والإيعاد
تمري البوارق وبله فكأنها ... شطر ثاني
رشق أصيب به ذوو إمراد (6)
- 39 -
وقال مروان بن عبد الرحمن (7)
فكأن الغمام صب عميد ... أن بالرعد حرقه واشتكاء
__________
(1) الأول والثاني من أبيات الرمادي في سرور النفس: 257 (ف: 754) وشعر الرمادي: 105.
(2) سرور: زارت (أي زأرت).
(3) نهنهت: زجرت وصيح بها.
(4) ص: الريح.
(5) لم يردا في ديوانه.
(6) ص: دوأ مراد.
(7) ص: عبد الملك، وهو خطأ، ومروان بن عبد الرحمن هو الملقب بالطليق، انظر التعليقات والبيتان في الحلة 1: 224 نقلا عن كتاب التشبيهات لابن أبي الحسين، وحلبة الكميت: 291.

(1/39)


وكأن البروق نار جواه ... والحيا دمعه يسيل بكاء - 40 -
وقال المهند
أقلوب العشاق ذاك الوميض ... أم عروق يجول فيها نبوض
أم جنود دكن السرابيل سلت ... للقاء فيها سيوف بيض
نشأت مثلما جرى الماء من شت ... ى فغصت ؟ لما تلاقى - الأروض (1)
وأضاءت والرعد فيها كما أج ... لب موج فلاح فيه وميض - 41 -
وقال ابن هذيل (2)
ولقد شفني فأسهر طرفي ... لمع برق يرف (3) في لمعانه
شمته والظلام يفتر عنه ... كافترار الزنجي عن أسنانه - 42 -
وقال أيضا (4)
كلفتها طول السهاد فراقبت ... برقا يلوح وتارة يتستر
وكأن ليلي فارس في كفه ... رمح يقلبه، عليه مغفر
تبدو له شعب، تطير أمامها ... شعل، تطير لها القلوب وتذعر
__________
(1) شتى: يعني مصادر شتى، إلا أن تكون الكلمة مصحفة؛ الأروض: جمع أرض.
(2) البيتان في اليتيمة 2: 14 من قطعة فيها سبعة أبيات، وفي سرور النفس: 255 (ف: 743).
(3) اليتيمة: يزف.
(4) الأبيات في سرور النفس: 256 (ف: 744).

(1/40)


ويروغ عن قبض السحاب وميضه ... فكأنه فرس معار أشقر يقال: أعرت الفرس فهو معار إذا سمنته، ويقال: أعرت الشيء فهو معار، من العارية.
- 43 -
وقال حبيب بن أحمد
ألا هل رأت عيناك إيماض بارق ... بدا موهنا في الجو بين سحابه
كما قلب القين الحسام ورده ... على عجل في جفنه وقرابه
كأن التي من أرضها لاح وكلت ... به بخلها في جيئه وذهابه - 44 -
وقال المهند
تكشف كالأبلق الطافر ... وهمهم كالبازل الهادر
كأن فؤادي في خفقه ... وعيني في غينه (1) الماطر - 45 -
وقال ابن الخطيب
يا هل ترى البرق بدا كالمنصل ... هزته بالخبرة كف الصيقل ... أو كسنان في عجاج (2) القسطل ... أو كضرام جمر نار المصطلي ... أضرمها في جمح ليل أليل ...
__________
(1) ص: عينه؛ والغين لغة في الغيم.
(2) ص: حجاج.

(1/41)


أو مثل ما لوحت بالسجنجل (1) ... مقابلا للشمس غير موتل (2) ... أو كابتسام لكعاب عيطل (3) ... عن واضح أشنب عذب المنهل ... أو مثلها في جيدها من الحلي ... أو نحرها (4) لاح لعين (5) المجتلي ... بدا ينير كشهاب مشعل ... 5 ؟ باب في السحاب والمطر
- 46 -
قال يوسف بن هارون
وسفع كأكباد العدا أو كأنها ... (6) كتائب زنج كلهم فوق أدهم
كأن سلوك الغيث عند اتصاله ... باسفل من أعلى سدى غير ملحم سلوك كذوب الدر تعنى بفتلها الرياح ولكن فتلها غير مبرم ...
__________
(1) السجنجل: المرآة.
(2) غير مؤتل: غير مقصر.
(3) العيطل: المرأة الطويلة أو الطويلة العنق الحسنة الجسم.
(4) ص: نحوها.
(5) ص: لغير.
(6) السفع: يشير إلى لون السحائب.

(1/42)


- 47 -
وقال عبد الرحمن بن المنذر في الطل (1)
ألست ترى حسن الزمان وما يبدي ... وحسن انتثار الطل في ورق الورد
كأن حباب الماء في جنباته ... تناثر دمع جال في صفحة الخد - 48 -
وقال يوسف بن هارون (2)
نور وغيث مسبل ... وقهوة تسلسل
فالغيث (3) من سحابه ... طل ضعيف ينزل
كأنه برادة ... من فضة (4) تغربل - 49 -
وقال أيضا في سحابة (5)
ومشتمة للأرض حتى كأنها ... تقص محولا في البطاح (6) المواحل (7)
__________
(1) البيتان في حلبة الكميت: 206 دون نسبة.
(2) الأبيات في النفح 4: 74.
(3) النفح: والأفق.
(4) النفح: كأنه من فضة / برادة.
(5) البيتان الخامس والسادس في سرور النفس: 286 (ف: 854).
(6) ص: النقاح؛ وربما قرئت " البقاع " فهي أقرب للأصل كما في ح.
(7) المشتمة: التي تشم الأرض أي دانية تكاد تلامسها؛ تقص: تتبع الأثر.

(1/43)


فجنت كما جن الظلام وأفرغت ... (1) علينا كإفراغ الدلاء الحوافل
أطلت غديرا في الهواء كأنه ... هو البحر يجري بالسفين الحوامل
فلو أنها صبت جميعا لغرقت ... ولكنما (2) أرواحها كالمناخل
كأن غدير الماء بين حبابه ... وبين (3) شخوص قمن مثل الأنامل
مسامير (4) در تعتلي برءوسها ... مرارا، وطورا تعتلي بالأسافل - 50 -
وقال المهند
وسارية طوع إعصارها ... محملة ثقل أوقارها
مخايلها (5) بالحيا جمة ... فإظهارها مثل إضمارها
طوت صفة (6) الأرض أحشاؤها ... كطي الجفون لأبصارها
نأى غيمها ودنا غيثها ... دنو الشموس بأنوارها
__________
(1) الحوافل: الممتلئة.
(2) ص: ولكنها.
(3) سرور: وفيه.
(4) ص: تبر.
(5) ص: محايلها.
(6) ص: صعة، وقرئت في ح " ضيعة " ولا معنى له.

(1/44)


- 51 -
وقال ابن هذيل
وحنانة في الجو كدراء أقبلت ... تبسم عن ومض من البرق خاطف
تزف بها ريح الصبا، غير أنها ... تهادى تهادي الخود بين الوصائف - 52 -
وقال محمد بن مطرف بن شخيص
فكأن السحاب في الأفق ركب ... (1) زم أحداجه وصف قطاره
يذكر الغيث والرعود حجيجا ... (2) عج أصواته وبث جماره - 53 -
وقال يوسف بن هارون
وجارية جري السفين تسوقها الرياح ولكن في الهواء غديرها ...
رأيت بأحشاء البحور سفينها ... وتلك سفين في حشاها حورها - 54 -
وقال أيضا (3)
وسارية كالليل لكن نجومها ... على إثر ما يطلعن فيها غوائر
فلما استدارت في الهواء كأنها ... عقاب متى ما يخفق البرق كاسر
__________
(1) الاحداج: جمع حدج وهو الجمل عليه هودج، والقطار: قافلة الإبل.
(2) ص: ولث خماره.
(3) في المرقصات والمطربات: 14 منها البيت الرابع والثالث والخامس؛ وانظر مسالك الأبصار 11: 176 والدرة المضيئة 6: 575 (نقلا عن المرقصات).

(1/45)


وشمت (1) دوانيها الربى بأنوفها ... كما شم أكفال العذارى (2) الضفائر
هوت مثلما تهوي العقاب كأنها ... تخاف فوات المحل فهي تبادر
كأن انتشار القطر فيه ضوابط ... (3) تدار على الغدران منه دوائر - 55 -
وقال أحمد بن فرج
يا غيم أكبر حاجتي ... سقي الحمى إن كنت تسعف
رشف صداه فطالما ... روى الصدى فيه الترشف
واخلع عليه من الربي ... ع ووشيه ثوبا مصنف
حتى ترى (4) أنهاءه ... وكأنها أعشار مصحف
وتخال مرفض الندى ... في روضه شكلا وأحرف الإنهاء: جمع نهي ويقال نهي ؟ بالكسر ؟
6 - ؟ باب في الربيع والزهر
- 56 -
قال مازن بن عمرو (5)
وروضة تدمار (6) يروقك حسنها ... عليها رياط الوشي والحلل الصفر
__________
(1) المرقص: تشم.
(2) المرقص: أذيال العروس.
(3) المرقص: انتشار القطر منها... تدور؛ قال ابن سعيد: اسم البيكار عند أهل الأندلس " الضابط " .
(4) في ص: أزهاره، وهو لا يوافق شرحه بعد الأبيات للفظة " الأنهاء " .
(5) ص: مارق بن عمرو، وهو من شعراء اليتيمة واسمه مازن بن عمرو بن مروان بن محمد بن عاصم (اليتيمة 2: 30).
(6) كذا في ص، ولعله اسم موصع؛ وقرئت في ح: ندمان.

(1/46)


ترى زهرات النور فيها كأنها ... عيون أجالتها بها الخرد الخفر - 57 -
وقال عبد الملك بن نظيف (1)
في ليلة كملاء الوشي يمنتها ... تحت النبات وثاب الغر والجون (2)
حث النسيم عليها فانثنت مرحا ... (3) مثل النساء بتغريد وتفنين
تظل ذات ابتسام نحو لامحها ... عن نورها (4) كابتسام الخرد العين - 58 -
وقال أيضا
في روضة رشفت لعاب غمامة ... حتى ارتوت، رشف الصدي الحران
طلعت عليها الشمس فابتسامت لنا ... عن مثل نظم الدر والمرجان
وتبسمت ريح الصبا فتعانقت ... أغصانها كتعانق الولدان
__________
(1) ص: لطيف، والتصويب عن الجذوة: 268.
(2) كذا وأظن صوابه:
في ليلة كملاء الوسي نمنمها ... تحت النبات ذهاب الغر والجون ونمنمها: نقطها، والذهاب: الأمطار، والغر والجون: صفة للسحب؛ وقد جاء البيت على نحو غريب في ح، فالشطر الثاني جاء: تحم النبات وبل الغر والجون؛ ولا معنى لتحم وكأنه ظنه من الثياب الاتحمية؛ ولا معنى ل؟ " بل " واللفظتان بعيدتان عن الأصل، ولا أدري كيف يجوز هذا.
(3) التفنين: الاضطراب والتمايل كالفنن.
(4) ص: فورها.

(1/47)


وتقابلت أحداقها فكأنها ... حدق شكت وجدا على الكتمان - 59 -
وقال سليمان بن بطال المتلمس (1)
تبدلت لنا الأرض مزهوة ... علينا ببهجة أثوابها
كأن أزاهرها أكؤس ... حوتها (2) أنامل شرابها
كأن الغصون لها أذرع ... تناولها بعض أصحابها
ترى خمرها من رضاب الهوى ... لآلئ في عين مرتابها
كأن تعانقها في الجنوب ... تعانق خود لأترابها
كأن ترقرق أجفانها ... بكاها لفرقة أحبابها - 60 -
وقال يوسف بن هارون (3)
بكت السحاب على الرياض فحسنت ... منها غروسا من دموع ثكول
فكأنها والطل يشرق فوقها ... وشي بلؤلؤ مفصول
__________
(1) أوردها الحميري في البديع في وصف الربيع: 14 ما عدا الرابع فقد ورد في مكانه بيت آخر هو:
وقد أعجب النور فيها الذباب ... فيهزج من فرط إعجابها (2) البديع: حدتها.
(3) عما من قصيدته التي قالها في مدح القالي ومطلعها: " من حاكم بيني وبين عذولي " ؛ انظر شعر الرمادي: 116 وهما البيتان 43، 44 وانظر البديع للحميري: 11.

(1/48)


- 61 -
وقال أيضا (1)
كأن الربيع الطلق أقبل مهديا ... لطلعة معشوق إلى عين مغرم
تعجبت من غوص الحيا في حشا الثرى ... فأفشى الذي فيه ولم يتكلم
كأن الذي يسقى الثرى (2) صرف قهوة ... تنم عليه بالضمير المكتم - 62 -
وقال أيضا (3)
كأن السحاب (4) الجون أعرس بالثرى ... فلا[ح] شوار (5) الأرض في كل موضع
كأن سرور الأرض حزن سحابها ... إذا ما بكت لاحت لنا في تصنع
حبائب لا يسمحن إلا بلحظة ... (6) وشمة أنف كالحبيب الممنع
__________
(1) من قصيدة له أمأى فيها (أي بلغ المائة) يمدح فيها ابن القرشية عبد العزيز بن المنذر بن عبد الرحمن الناصر، انظر شعر الرمادي: 122 - 123 والحلة السيراء 1: 210 - 211 والبديع: 12 - 13.
(2) الأصل: صوب.
(3) من قصيدة له مدحية، انظر شعر الرمادي: 85 (وهي الأبيات 4، 6، 7) وانظر البديع: 9.
(4) الأصل: الجود.
(5) ص: سرار؛ والشوار: اللباس والهيئة؛ والشوار أيضا متاع البيت.
(6) البديع: للمحب الممتع.

(1/49)


- 63 -
وقال إسماعيل بن إسحاق المعروف بالمنادي
وحاكت له الأنداء وشيا (1) منمنما ... كأن نظمه (2) من فاخر التبر والدر
تخال به نور الربيع كواعبا ... (3) عليها أكاليل اليواقيت فالشذر
إذا [ما] نسيم الريح هبت بصحنه ... فملن كما مال النزيف من السكر
يعانق بعض بعضهن تأودا ... تعانق معشوقين كانا على هجر
ويسقين دمعا من عيون كأنها ... عيون مها يرعدن من شدة الذعر - 64 -
وقال عبيد الله بن يحيى بن إدريس الوزير
يغازل عين الشمس حتى ترى لها ... إليه حنين المستكين (4) من الوجد
إذا اشتهت الأنفاس طيب نسيمه ... أتاها به من نافحات الصبا مهد
فإن مجال العين في رونق الضحى ... عليه مجال اللحظ في زهر الخد
إذا ما جنينا الورد منه حكى لنا ... تورده ما في الخدود من الورد
__________
(1) ص: مثمنا.
(2) ص: كان نظما.
(3) الشذر: صغار اللؤلؤ، أو قطع من الذهب.
(4) ص: المشتكين؛ وله وجه مقبول.

(1/50)


- 65 -
وقال أبو بكر ابن هذيل في قضبان الرياض
وهبوب الرياح عليها
هبت لنا ريح الصبا فتعانقت ... فذكرت جيدك في العناق وجيدي
وإذا تألف في أعاليها الندى ... مالت بأعناق ولطف قدود
وإذا التفت بالريح لم تبصر بها ... إلا خدودا تلتقي بخدود
فكأن عذرة بينها تحكي لنا ... (1) صفة الخضوع وحالة المعمود
تيجانها طل وفي أعناقها ... منه نظام قلائد وعقود
وترشني منه الصبا فكأنه ... من ماء ورد ليس للتصعيد
فكأنما فيها لطيمة عاطر ... (2) فتثير نارا في مجامر عود
شغلت بها الأنداء حتى خلتها ... (3) يبسطن أندية بها للصيد
وتجلببت زهرا فخلت (4) بأنها ... فوقي نثائر (5) نادف مجهود ثم وصف ذباب الروض فقال
وتمتعت بذبابها فرياضها ... لبست كمثل المرتع المورود
غنى فأسمعني (6) وغاب فلم تقع ... عيني عليه في الكلا المنضود
فكأن وتر الموصلي ومعبد ... بيديه فهو يصوغ كل نشيد
__________
(1) عذرة: يعني قبيلة عذرة المنسوب إليها الحب العذري؛ المعمود: الذي عمده الحب أي أنحله وأمرضه.
(2) اللطيمة: العطر.
(3) الصيد: جمع أصيد وهو التياه والأصل فيه أن عنقه مائلة تيها ويوصف بذلك الملوك والسادة؛ ولعل الصواب " للعيد " وكلمة " أندية " لها وجه في القرينة، وقد تقرأ " أردية " .
(4) ص: لخلت.
(5) ص: بشائر.
(6) ص: فاستغنى.

(1/51)


يرقى إلى ورق الكلا وكأنما ... حيزومه من لمة المولود
فكأنه متشهد أو حاسب ... فنك (1) بعقد حسابه المكدود - 66 -
وقال عبيد الله بن إدريس الوزير
قد حليت بأزاهر من صوغها ... نور حكين لآلئا بنحور
وأرتك أعين خرد مرموقة ... خجلت وأعين آنسات حور
بيضاء ترفل في ملابس خضرة ... نظمت بأحسن نورها الممطور
فكأنها عذراء في إجلائها ... تهدى إلى جذل بها مسرور
وكأنما صبغ الحيا أثوابها ... صبغ الحياء الخد بالتخفير - 67 -
وقال يونس بن عبد الله صاحب الرد
جادت ثغور السحاب بالريق ... فأتبعت خلبا بتصديق
فارتشفته الرياض باكرة ... ناظرة نحوه بتحديق
كأنما الروض إذ تعلله ... بالريق صب خلا بمعشوق
تبسم عن نوره كما ابتسمت ... وامقة بشرت بموموق - 68 -
وقال ابن عبد ربه (2)
وجه ربيع أتاك باكره ... يرفل في حليه وفي حلله
__________
(1) ص: فنكا، والفنك اللجوج الماضي في أمره لا يتوقف.
(2) من قصيدة له في مدح الناصر عند فتح ليلة (304)؛ انظر المقتبس 5: 129 وشعر ابن عبد ربه: 147.

(1/52)


كأن أيامه ملبسه ... أثواب غض الشباب (1) مقتبله - 69 -
وقال علي بن أبي الحسين
علام أغدو خليا ... من شدو عود وراح
وذا زمان ربيع ... يدعو إلى الاصطباح
كأنما الروض هيفا ... في حلة ووشاح
تشير غمزا علينا ... بنرجس وأقاح
تقول من عاف وصلي ... فماله من فلاح
فخذ فديتك كأسا ... ودع كلام اللواحي - 70 -
وقال أيضا
ألست ترى حسن الربيع وما أبدى (2) ... فقد أذكرتنا زهر أيامه الخلدا
تصد عن الروض الأريض نزاهة ... كأنك قد ىثرت من بيننا الزهدا
تأمل ترى قضب الزمرد، فوقها ... يواقيت حمر نحو أقداحنا تهدى
وقد نثرت فيه السحائب طلها ... كما رش ماء الورد بالعنم الخدا
__________
(1) المقتبس: الزمان.
(2) انظر القطعة: 47 حيث مطلعها " ألست ترى حسن الزمان وما يبدي " .

(1/53)


- 71 -
وقال أيضا
قد وطئنا درانك الروض حتى ... (1) بليت بالصبوح بعد الغبوق
وكأن النوار يشرق حسنا ... فصرفناه في عداد الخلوق
وكأن الرياض جسم حبيب ... كاد يفنى بالضم والتعنيق - 72 -
وقال مروان بن عبد الرحمن
رب يوم قد ظل فيه نديمي ... يتغنى بروضة غناء
وكأن الرياض حسنا حبيب ... عاطر سامه المحب لقاء
ضربت سحبه رواقا علينا ... وارتدينا من الغمام رداء
قد تحلى بزهره (2) وتبدى ... ماثلا في غلالة خضراء
فأرتنا الرياض منها نجوما ... وارانا سنا العقار ذكاء
فكأنا بها شربنا سناها ... وحللنا بما حللنا السماء - 73 -
وأنشد عبادة لأبيه في روضة
وتمايلت أغصانها ميادة ... مثل انمياد الخود حل خمارها
وتضوعت ريح الجنوب خلالها ... فحكى لك المسك الذكي بهارها (3)
__________
(1) ذرانك: جمع درنوك وهو البساط.
(2) ص: زهره وتبوى.
(3) ص: نهارها.

(1/54)


وكأن شدو ذبابها وغناءه ... عزف القيان تناوحت أوتارها - 74 -
وقال يحيى بن هذيل
بمحلة خضراء أفرغ حليها الذهبي صاغة قطرها المسكوب ...
بسقت (1) على شرف البلاد كأنما ... قامت إلى ما تحتها بخطيب
والروض قد ألف الندى فكأنه ... عين توقف دمعها لرقيب
متخالف الألوان بجمع شمله ... ريحان ريح صبا وريح جنوب فكأنما الصفراء إذ تومي إلى البيضاء صب جانح (2) لحبيب ... - 75 -
وقال المهند
وكأن السماء تنشر للار ... ض وتبدي طرائف الأنماط
وكأن الملوك أهدوا إليها ... غب إروائها نفيس الرياط
وكأن الجواهر أنتجعتها ... (3) رغبة عن بواطن الأسفاط
في جميم كأنه (4) جمم بي ... ن جعاد ممشوطة وسباط
فلها أسطر من الروض فاتت ... باعتدال أنامل الخطاط
وحروف قد نقط الزهر منها ... كل مستعجم على النقاط
__________
(1) ص: شقت (دون إعجام للقاف).
(2) ص: جامع.
(3) الاسفاط: جمع سفط وهو ما تصون فيه المرأة جواهرها؛ وفي الأصل: الإسقاط.
(4) ص: حميم كأنه حمم، والجميم: النبت إذا استطال.

(1/55)


- 76 -
وقال محمد بن شخيص في المستنصر بالله (1)
أظن جنان الخلد حنت (2) صبابة ... إليه فدارت حين طال انتظارها
إذا ابتهل الحجاج بالشعب من منى ... وقد حان عن رمي الجمار انحدارها
حكى هزج الأطيار ليلا عجيجها ... ومستتر النوار صبحا جمارها 7 ؟ باب في الورد
- 77 -
قال عبد الرحمن بن عثمان الأصم
شكرت لنيسان صنيعة منعم ... لما حاك عندي من صنوف البدائع
درانيك أفواف تجلت رقومها ... (3) بأحمر قان بين أصفر فاقع
ورود تباهي الشمس في رونق الضحى ... بمطلعات كالنجوم الطوالع
مضرجة أبشارهن كأنها ... خدود تجلت عن حسور البراقع - 78 -
وقال عبد الملك بن إدريس (4)
أهدى إليك تحية من عنده ... زمن الربيع اطلق باكر ورده
يحكي الحبيب سرى لوعد محبه ... في طيب نفحته وحمرة خده
__________
(1) هو الخليفة الحكم بن عبد الرحمن الناصر (350 - 366).
(2) هي كذلك في الأصل، وهي صواب، وقد قرأتها في الطبعة الأولى " جنت " وهي قراءة مقبولة أيضا.
(3) درانيك: بسط؛ أفواف: ضرب من عصب البرود، ينعت به وقد يجر على الإضافة.
(4) هو الجزيري الكاتب المشهور، انظر البديع: 121.

(1/56)


- 79 -
وقال لب بن عبيد الله (1)
صابحتها والروض يسطع مسكه ... فكأنه بالليل بات مغلفا
والورد يبدو في الغصون كأنما ... أضحى يقارف من نداه قرقفا - 80 -
قال يوسف بن هارون يفضل الورد على سائر الأنوار (2)
للآس والسوسن والياسمين الغض والخيري فضل شديد ...
سادت به الروض ومن بينها ... وبين فضل الورد بون (3) بعيد
هل لك في الآس سوى شمة ... تطرحه من بعدها في الوقود
والورد إن يذبل ففي مائه ... نسيم ضم الإلف (4) بعد الصدود
والسوء في السوسن عام وفي ... ساعة سوء قد تزار اللحود
والياسمين (5) الياس في بدئه ... فهو لمن يطمع هم عتيد
أخل بالخيري خلق كخل ... ق اللص يستيقظ بعد الهجود
فالورد مولى الروض لكنه ... في قدره عبد لورد الخدود
__________
(1) ص: عبد الله، والتصويب عن الحلة: 230 وكذلك ورد اسم أبيه عبيد الله بن أمية ابن الشالية في المقتبس: 9 (نشر أنطونية) وورد الشاعر أيضا ص: 10، وسيذكر بعد صفحات باسم " لب بن عبيد الله " انظر القطعة: 110؛ والبيتان في الحلة 1: 232.
(2) شعر الرمادي: 62 عن كتاب التشبيهات وحده.
(3) ص: نور.
(4) ص: الأنف.
(5) ص: والياس.

(1/57)


- 81 -
وقال محمد بن شخيص
كأن انتثار الطل في الورد أدمع ... تبدى على زهر الخدود انتثارها
كأن جني الأقحوان بروضها ... ثغور العذارى حين راق اثغارها - 82 -
وقال (1)
واها لمتبول الفؤاد متيم ... جد الغرام به وكان مزاحا - 83 -
وقال أحمد بن فرج في السفرجل
أوالف أغصان تركن فروعها ... ليقصدن أزكى أفرعا وأصولا
حكت من حلى العشاق لونا وخالفت ... بنعمتها منهم ضنى (2) ونحولا 8 ؟ باب في تغريد الطير في الرياض ووصف الحمام
- 84 -
قال محمد بن إسماعيل النحوي
وهاج عليك الشوق نوح حمائم ... فواقد ألاف أجابت حمائما
__________
(1) هنا اختلاف، فالباب في الورد وهذه القطعة والتي تليها خرجنا عن مدلول الباب.
(2) ص: صبا.

(1/58)


لهن عجيج بالنشيج كأنها ... مآتم أملاك تلاقت مآتما - 85 -
وقال ابن بطال المتلمس
ألا ربما سليت نفسي فردها ... إلى الذكر ورق في الغصون شواد
يرجعن تحنين الرنين كأنما ... لهن كود قطعت بكباد
ويبرزن في زي الثكالى كأنما ... عليهن من وجد ثياب حداد الكباد: داء يصيب الكبد، وكثير من الأدواء يأتي على فعال بضم افاء، مثل السكات والدوار والعطاس والهيام والخمار والصفار ونحوها يقال: عطش عطشا فإذا كان يعتريه كثيرا قيل له عطاش.
- 86 -
وقال يوسف بن هارون (1)
خطافة سبحت الله ... (2) بعجمة يفهم معناها
مديدة الصوت إذا ما انتهت ... لكنها تدمج مبداها
كقارئ إن تأته وقفة ... مد بها الصوت وجلاها - 87 -
وقال أيضا في حمامة
أذات الطوق في التغريد أشهى ... إلى أذني من الوتر الفصيح
إذا هتفت على غصن رفيع ... (3) بنوح أو على غصن مريح
__________
(1) المقطعات: 86، 87، 88 في شعر الرمادي: 134، 62، 77 عن كتاب التشبيهات.
(2) الخطافة: مؤنث الخطاف وهو طائر.
(3) الغصن المريح: الذي أصابته الريح.

(1/59)


تضم عليه منقارا ونحرا ... كما خر الفجيع على الضريح - 88 -
وقال أيضا في أم الحسن (1)
مسمعة من غير أوتار ... إلا ارتجالا فوق أشجار
يقترح الناس عليها وما ... يقترح الناس على الطاري (2)
تبدل إن قيل لها بدلي ... طائعة من غير إصغار
كأنها في حين تبديلها ... تأخذ في أهزاج أشعار
عاشقة النوار ما أقبلت ... إلا بها آثار نوار - 89 -
وقال في أم الحسن أيضا (3)
وخرساء إلا في الربيع فإنها ... نظيرة قس في العصور الذواهب
أتت تمدح النوار فوق غصونها ... كما يمدح العشاق حسن الحبائب
تبدل ألحانا إذا قيل بدلي ... كما بدلت ضربا أكف الضوارب
تغني علينا في عروضين شعرها ... ولكن شعرا في قواف غرائب
إذا ابتدأت تنشدك رجزا وإن تقل ... لها بدلي تنشدك في المتقارب
وليس لها تيه الطراة بصوتها ... ولكن تغني كل صاح وشارب
__________
(1) أم الحسن: أنثى الطائر الذي يسميه المشارقة " الحسون " ويسميه أهل الأندلس " أبا الحسن " .
(2) ص: الطار؛ والطاري هو الطارئ أي الغريب، وقد كرر هذا ف القطعة التالية فقال " وليس لها تيه الطراة بصوتها " ؛ ولعل الرمادي يغمز بهذا المغنين الوافدين على الأندلس من أمثال زرياب وأبنائه وبناته في عصر سابق.
(3) الأبيات (1 - 3) في سرور النفس: 98 (ف: 334) وذكر أن الأبيات في الهزار.

(1/60)


- 90 -
وقال أحمد بن عبد ربه (1)
وإن ارتياحي من بكاء حمامة ... كذي شجن داويته بشجون
كأن حمام الأيك حين (2) جاوبت ... حزين بكى من رحمة لحزين - 91 -
وقال أيضا (3)
ولرب نائحة على فنن ... تشجي الخلي وما به شجو
وتغردت في غصن أيكتها ... فكأنما تغريدها شدو - 92 -
وقال عبادة في قمري
مطوق جود في شدوه ... كأنما طوق إذ جودا
مال على الخوط فشبهته ... بشارب لما انتشى عربدا (4)
كأنما الطل على طوقه ... (5) دمع على عقد فتاة بدا
__________
(1) انظر ديوان ابن عبد ربه: 165 وهما من قصيدة له في العقد: 397 واليتيمة 2: 82 ونهاية الأرب 2: 234، 264 وسرور النفس: 98 (ف: 333).
(2) العقد واليتيمة والسرور: لما.
(3) ديوان ابن عبد ربه: 175 عن كتاب التشبيهات.
(4) الخوط: الغصن.
(5) ص: سدا.

(1/61)


- 93 -
وقال ابن هذيل في الحمام
غنى وفوق جناحيه سقيط ندى ... (1) والغيم ينجز للحوذان ما وعدا
يهفو به خوط ريحان تغازله ... في الجو ريح فتلوي متنه أودا
إذا استقل ومس الأرض تحسبه ... مصليا إن تلقى سجدة سجدا
له ثلاثة ألوان تخال بها ... زمردا وعقيقا جاروا بردا - 94 -
وقال أيضا
مطوقة يغدو الندى في جناحها ... لآلئ ليست من نظام ولا سلك
إذا انتقلت عن أيكها فكأنما ... قوادمها أجفان والهة تبكي - 95 -
وقال أيضا
قل لهذا الحمام إن جهل الحب أنا واقف على عرفانه ...
لم تصبه النوى بفقدان خل ... فيرى باكيا على فقدانه فشدا في قضيب أيك يعليه ويدنيه أرضه من ليانه ... وكأن الرذاذ فوق جناحيه جمان يروق عند اقترانه ...
__________
(1) الحوذان: نوع من الزهر.

(1/62)


- 96 -
وقال أيضا
ترى قطرات الطل كالدر فوقها ... إذا انتفضت في الأيك تنثره نثرا
إذا فرقته ألف الغيم غيره ... عليها فقد شبهتها قينة سكرى
تزاحم أخرى مثلها بعقودها ... ولم ترض باسترجاع منثورها كبرا - 97 -
وقال أيضا
وقفت على الغصن الجديد كأنما ... تلهو به في الغيم أو يلهو بها
وتسترت في سروة ملتفة ... حجبت عن الأبصار شخص رقيبها
فكأنما ريح الجنوب تغايرت ... ألا ترى إلا لوقت هبوبها
باتت تغازلها فلما أصبحت ... برزت لنا كالشمس قبل غروبها - 98 -
وقال أيضا في القمري
قد اختفى بين أغصان وأوراق ... وحن حنة مشغوف ومشتاق
كأنما خاف عذلا فهو مستتر ... أو خاف واشية أودت بميثاق - 99 -
وقال محمد بن الحسين الطبني
قمرية دعت الهوى فكأنما ... نطقت وليس لها لسان ناطق
غنت فحببت الأراك كأنما ... فوق الغصون حبابة ومخارق

(1/63)


- 100 -
وقال حسين بن الوليد
وساجع هاج لي الأحزان إذ سجعا ... إذ انتهى غاية في سجعه رجعا
مخضب بخضاب لا نصول له ... (1) كأنه في دموعي للنوى انتقعا - 101 -
وقال ابن محامس الكاتب
الطير في ذروة أشجارها ... تشدو بشجو الطرب الشائق
من ذي تراجيع فصاح وذي ... نبر (2) كنجوى الدنف العاشق - 102 -
وقال محمد بن الحسين
لعمري إني للحمائم في الضحى ... إذا غردت فوق الغصون لوامق
وأسعدني منها صديقة أيكة ... كما يسعد الإلف الصديق المصادق - 103 -
وقال زيادة الله بن علي الطبني
أدنت إلي صباباتي مغردة ... أذكى الجوى بين أضلاعي ترنمها
كأنما مكثت في عشها زمنا ... (3) علية بنت زرياب تعلمها
__________
(1) ص: انتفعا.
(2) ص: نير.
(3) زرياب هو علي بن نافع أبو الحسن شيخ الغناء بالأندلس، وفد عليها في أيام عبد الرحمن بن هشام الأموي، وقد علم أبناءه وبناته الغناء، ومن بناته علية وحمدونة وكلهم غنى ومارس الصناعة، وكانت حمدونة متقدمة في الغناء على أختها، ولكن عمر علية طال بعد أختها حمدونة ولم يبق من أهل بيتها غيرها، فكانت مرجعا لمتعلمي الغناء، (انظر النفح 3: 129 - 131).

(1/64)


- 104 -
وقال محمد بن الحسين
تغنت على الأغصان يوما حمائم ... كما يتغنين القيان الأوانس
يظن الذي يصغي إليهن معبدا ... أو ابن سريج في ذرى الأيك جالس 9 - باب في الأنهار والجداول
والمياه الجارية والأواجن
- 105 -
قال أحمد بن عبد ربه (1)
رب بقيع طامس المنهاج (2) ... رضيع كل أوطف ثجاج (3) ... حبابه كالنفخ في الزجاج ... - 106 -
وقال ابن هذيل
والأرض عاطرة النواحي غضة ... خضراء في ثوب أغر جديد
والماء تدفعه إليك مثاعب ... شتى من الميثاء والجلمود
صاف على صفة المها ومذاقه ... (4) شهد فخذ من طيب وبرود
__________
(1) ديوان ابن عبد ربه: 42 عن كتاب التشبيهات.
(2) البقيع: موضع منخفض فيه شجر؛ الطامس: الدارس؛ المنهاج: الطريق.
(3) الأوطف: السحاب الذي استرخت نواحيه، ثجاج: كثير الصب.
(4) المها: البلور، وقد مر.

(1/65)


ملأ التلاع فأقبلت وكأنها ... (1) هجمات حيات ذوات حقود
تنحو إلى حال الفطيط وربما ... زأرت فتسمعها زئير أسود
وتثير طافية الحصى فكأنها ... دلت على الساعات فهم بليد المثاعب: الغدران، والميثاء: التلعة تكون مثل نصف الوادي أو ثلثيه.
- 107 -
وقال أيضا
وماء كمثل الراح جار يزيدني ... نشاطا فيجري كل معنى على ذهني
يمر على حصبائه فكأنه ... صفا الدمع في عقد الفتاة التي أعني - 108 -
وقال محمد بن الحسين الطاري (2)
وكأن مجرى الماء بين سطوحه ... مجرى مياه الوصل في كبد الصدي
في مثل (3) أصراح الزجاج (4) مرخم ... (5) ومسطح يحكي احمرار المجسد
__________
(1) التلاع: المرتفعات، واحدتها تلعة.
(2) ص: الحسن المطاري.
(3) ص: اصراج.
(4) ص: مزحم.
(5) المجسد: أي الثوب المجسد، وهو المصبوغ بالزعفران.

(1/66)


- 109 -
وقال محمد بن الحسين (1)
والنهر مكسو غلالة فضة ... فإذا جرى سيلا (2) فثوب نضار
وإذا استقام رأيت رونق منصل ... وإذا رأيت عطف سوار - 110 -
وقال لب بن عبيد الله يصف ماء آجنا
ذرني وجوب القفر آنس وسطه ... (3) دون الأنام بكل أغبس أطلس
وأبل عصب الريق فيه بآجن ... كالغسل سور قطا وأطحل عسعس (4) يقال: ماء أجن وآجن، وقد يأجن أجونا إذا أروح وتغير، والغسل: الخطمي والخطمي أيضا ؟ بالكسر - .
- 111 -
وقال علي ابن أبي الحسين يصف أسدا
يقذف الماء في صهريج ويصف الصهريج وأشخاص الكواكب
__________
(1) البيتان في النفح 1: 499 ونهاية الأرب 1: 272 وحلبة الكميت: 249 وسمى الشاعر: محمد بن المحسن.
(2) الأصل والحلبة والنهاية: سيل.
(3) الأغبس الأطلس: صفتان للذئب، فالأغبس: ما فيه وهي لون الرماد، والأطلس: ما فيه غبرة إلى سواد، أو هو الذي سقط شعره من الذئاب.
(4) عصب الريق: أي الريق العاصب، الذي جف، سؤر: بقية أي قليل من ماء تركه القطا، والأطحل: الذئب، والعسعس: الخفيف من كل شيء.

(1/67)


وهزبر هادر في غابة ... (1) يردع اللامح عنه بالزود
فاغر فاه فما يغلقه ... (2) سائل الريق مشيح ذي لبد
لا يرى منتقلا من موضع ... (3) لا ولا مفترسا سرب نقد
ريقه في حياة للورى ... (4) والثرى من فيض جدواه ثئد
نووه يغنيك عن كل حيا ... هل ترى أغزر عن نوء الأسد
فاض منه زاخر ملتطم ... هو بحر من لهاتيه يمد
فإذا هبت به ريح الصبا ... خلت في أعلاه وشيا أو زرد
وإذا بت عليه في الدجى ... كنت للأفلاك فيه ممتهد
وكأن الأنجم الزهر به ... زهر بدد في أرض بدد - 112 -
وقال أحمد بن دراج (5)
فكأن ذاك الماء ذوب رخامها ... ورخامها متجسد من مائها - 113 -
وقال عبادة
كأن أديم الماء در مذابه ... يصافح من خضر الرياض زمردا
__________
(1) الزؤد: الذعر والفزع.
(2) المشيح: الحذر.
(3) ص: يفد، والنقد: صغار الغنم.
(4) ص تيد، والثرى الثئد: هو المبتل الندي.
(5) لم يرد في ديوانه.

(1/68)


10 - ؟ باب في القصور والبساتين والصهاريج والأشجار
- 114 -
قال مؤمن بن سعيد (1)
مجالس يرضي العين إفراط حسنها ... كأن حناياها حواجب خرد
على عمد للدر أبشار بعضها ... وأبشار بعض حسنها للزبرجد
وأخرى مقاناة البياض بحمرة ... (2) كجمر الغضا في لونه المتوقد
ولابسة وشيا كأن رقيقه ... رقيق (3) الهشامي العتيق المسرد - 115 -
وقال ابن هذيل
مرأى بديع في مصانع مجلس ذلت إليه مجالس الأشراف (4)
متألق وكأنه متعلق النجم دون قوادم وخواف
ثم ذكر الصفصاف فقال:
وكأن وصائف برزت إلى المنصور عن كلل من الصفصاف ...
قامت إليك كأنما أعناقها ... (5) أعناق نافرة من الأخشاف
ريح الصبا من روحها فغصونها ... حركات أيد بالسلام لطاف
وتعلقت أوراقها وتدافعت ... إن السوالف ملعب الأسياف
__________
(1) من قصيدة له في المقتبس (تحقيق الدكتور مكي / بيروت): 237 واعتمد على كتاب التشبيهات في تكملة البيتين الأولين. والثالث جاء رابعا.
(2) مقاناة: موافقة، أي قوني بياضها بحمرة.
(3) ص: دقيقه دقيق وكذلك في المقتبس، والهشامي هنا: نوع من الثياب.
(4) المصانع: الأبنية.
(5) الأخشاف: جمع خشف وهو ابن الظبية.

(1/69)


عرضت عليك زمردا وتحولت ... فأرتك لونا كاللجين الصافي
وكأنما قد أسبلت من نفسها ... سترا على ذي ريبة وخلاف
وأظنه (1) النهر الذي لم يستطع ... (2) يحكيك في إرهامك الوكاف - 116 -
وقال أحمد بن دراج يصف دار السرور بالزاهرة (3)
دار السرور المعتلي شرفاتها ... فوق النجوم الزهر في استعلائها
وكأن غر المزن لما جادها ... نشرت عليها من نفيس ملائها
وكأنما أيدي السعود تضمنت ... إبداعها فبنت على أهوائها
وكأن ريحان الحياة وروحها ... مستنشق من نافحات هوائها
فكأنما اصطفيت طلاقة بشرها ... من أوجه الأحباب يوم لقائها
قامت على عمد الرخام كمثل ما ... نسقت نجوم النظم في جوزائها
بمقابل من ملتقى أرواحها ... ومشاكه من سفلها وعلائها
ككتيبتي رجل وركب وافقت ... يوم الوغى مثلين من أكفائها
وكأنما أختار السرور مكانها ... وطنا فحل مخيما بفنائها
وكأنما لمعت بوارق مزنة ... حلل الرياض الحو من عصرائها (4)
وكأنما أيدي (5) الصياقل بينها ... هزت سيوف الهند يوم جلائها
__________
(1) ص: فأظنه.
(2) الارهام: المطر، الوكاف: المنسكب.
(3) لم ترد هذه القصيدة في ديوانه.
(4) العصراء: السحابة المعصرة أي التي تصب الماء.
(5) ص: الصبا قل؛ وقرئت صحيحة في ح.

(1/70)


وكأنها لما اعتزت في حمير ... نشرت عليها من كريم ثنائها (1) - 118 -
وقال عبد السلام (2) في المباني بالزاهرة
كأنما الوحي يأتيه برسمها ... من الجنان فلا يعدو الذي أمره
كأنما عمد الأبهاء (3) إذ برزت ... سوق تبدت من الأثواب (4) منحسره
كأنما طرر الأقباء ماثلة ... غيد لوى الحسن في لباتها طرره - 118 -
وقال عبد الله (5)
محاريب لو يبدو لبلقيس صرحها ... لما كشفت ساقا لصرح ممرد
على عمد يحكي طلى الغيد حسنها ... (6) كأن حناياها أهلة أسعد
تزان بأقباء يغرد بينها ... صداها كتغريد الحمام المغرد
إذا خفض الشادي بها فكأنما ... يؤدي إلى الأسماع قاصف مرعد
كأن السطوح الحمر بين صحونها ... شقائق نعمان غذاها الثرى الندي
__________
(1) حمير: أي الذين ينتسب لهم المنصور بن أبي عامر.
(2) ص: عبد السلم (حيثما وقع).
(3) ص: الأنهار.
(4) ص: الأنوار؛ وفي ح: الأزار، وهي قراءة مفارقة لصورة الكلمة.
(5) كذا ورد هذا الاسم.
(6) الطلى: الأعناق.

(1/71)


- 119 -
وقال عباس بن فرناس (1)
حنايا كأمثال الأهلة ركبت ... على عمد تعتد في جوهر البدر
كأن من الياقوت قيست رؤوسها ... (2) على كل مسنون مقيض من السدر
ترى الباسقات الناشرات فروعها ... (3) موائس فيها من مداولة الوقر
كأن (4) صناعا صاغ بين غصونها ... من الذهب الناري (5) عراجين (6) من تمر
نشت لؤلؤا ثم استحالت زمردا ... يؤول إلى العقيان قبل جنى (7) البسر - 120 -
وقال محمد بن الحسين الطاري
عقدت أهلة بهوه فكأنها ... عقد الشنوف على خدود الخرد
__________
(1) من قصيدة له في المقتبس (تحقيق مكي / بيروت) 228 - 234 وقد ضاع كثير من أبياتها.
(2) مسنون: مخروط مصقول؛ مقيض: منقعر، أي قطع من منابته واتخذ للبناء.
(3) الوقر: الحمل الثقيل، وعم بعضهم به الخفيف والثقيل؛ والمداولة: تداول الحمل؛ وقرئت في ح: مزاولة وكذلك في المقتبس (وفي المقتبس: الوفر).
(4) ص: صباغا؛ المقتبس: صياغا.
(5) كذلك قرأها محقق المقتبس وح.
(6) ص: مزاحين.
(7) المقتبس: يعود... بعد جنى.

(1/72)


من تحتها عمد كأن فريدها ... من جوهر ولآلئ وزبرجد
تحكي الحسان قدودها لكنها ... في خلقها ليست بذات تأود
وكأنما قضبانه اللاتي سمت ... تبغي مناجاة النجوم الوقد - 121 -
وقال يوسف بن هارون (1)
فيها مجالس مثل الحور قد فرشت ... فيها الرياض ولم يحلل بها مطر
إلى سطوح ترى (2) إفريزها شرقا ... مثل المرائي يرى في مائها الصور (3)
كأنما خفرت من طول ما لحظت ... فقد تعدى إلى أبهائها (4) الخفر
وقبة (5) ما لها في حسنها ثمن ... لو أنه بيع ، (6) فيها العز والعمر
كأنما فرشت بالورد متصلا ... في الفرش فاتخذت (6) منه لها أزر
__________
(1) شعر الرمادي: 70 عن كتاب التشبيهات.
(2) ص: افرندها؛ والأفريز: الطنف.
(3) شرقا: بمعنى شارقا أي ساطعا.
(4) ص: أدمائها.
(5) وقبة (على الرفع) عطفا على " فيها مجالس " .
(6) ص: بيغ.
(6) ص: بيغ.

(1/73)


كأنما ذعرت من خوف سقطتها ... في بحرها فبدا في لونها الذعر
بحر تفجر من ليثين ملتطم ... يا من رأى البحر من ليثين ينفجر الخفر: شدة الحياء، والذعر: الفزع، وحرك للضرورة.
- 122 -
وقال ابن عبد ربه في البستان (1)
تحف به جنات دنيا تعطفت ... لصائفه (2) في الحلي شاتبة عطلى
مطبقة الأفنان طيبة الثرى ... محملة ما لا تطيق له حملا
عناقدها دهم تنوط بينها ... (3) وقد أشرقت علوا كما أظلمت سفلا
كأن بني حام تدلت خلالها ... فوافق منها شكلها ذلك الشكلا
إن عصرت مجت رضابا كأنها ... جنى النحل من طيب وما تعرف النحلا
__________
(1) ديوان ابن عبد ربه: 130 عن كتاب التشبيهات.
(2) ص: لصانعه.
(3) تنوط: تعلق.

(1/74)


ومحجوبة (1) حجم الثدي نواهد ... تميس بها الأغصان منادة ثقلا
كأن مذاق الطعم منها وطعمها ... لثات (2) عذارى ريقها الشهد أو أحلى - 123 -
وقال ابن شخيص يصف الزهراء
هذي مباني أمير المؤمنين غدت ... يزري بها آخر الدنيا على الأول
كذا الدراري وجدنا الشمس أعظمها ... قدرا وإن قصرت في العلو عن زحل
لقد جلا مصنع الزهراء عن أثر ... موحد (3) القدر عن مثل وعن مثل
فاتت محاسنها مجهود واصفها ... فالقول كالسكت والإيجاز كالخطل
بل فضلها في مباني الأرض أجمعها ... كفضل دولة بانيها على الدول
__________
(1) هكذا هي في ص، وقرئت في ح: ومحجومة، وهي قراءة جيدة.
(2) ص: لثاب.
(3) كذا في ص، وله معنى مقبول، ولعلها: مرجب أي معظم.

(1/75)


كادت قسي الحنايا أن تضارعها ... أهلة السعد لولا وصمة الأفل
تألفت فغدا نقصانها كملا ... وربما تنقص الأشياء بالكمل
أوفى سناها على أعلى مفارقها ... من لؤلؤ حاليات الخلق بالعطل
كم عاشقين من الأطيار ما فتئا ... فيها يرودان من روض إلى غلل
إذا تهادى حباب الحوض حثهما ... على التنقل من نهل إلى علل
كأنما أفرغت ألواح مرمره ... من ماء عصراء لم يجمد ولم يسل
أو قد من صفحات الجو يوم صفا ... ورق من أجل كون الشمس في الحمل
يزري برقة أبشار الخدود جرى ... ماء الحياء بها في ساعة الخجل
إذا استوت فوقه زهر النجوم غدت ... تثور من مائه نار بلا شعل
وإن حداه نسيم الريح تحسبه ... صفيحة السيف هزتها يد البطل

(1/76)


- 124 -
وقال ابن هذيل في مباني الزاهرة (1) وبساتينها
قصور إذا قامت ترى كل قائم ... على الأرض يستخذي لها ثم يخشع (2)
كأن خطيبا مشرفا من سموكها ... وشم الربى من تحتها تتسمع
ترى نورها من كل باب كأنما ... سنا الشمس من أبوابها يتقطع
ومن واقفات فوقهن أهلة ... حنايا هي التيجان أو هي أبدع
على عمد يدعوك ماء صفائها ... إليه فلولا جمدها كنت تكرع
تبوح بأسرار الحديث كأنها ... وشاة بتنقيل الأحاديث تولع
كأن الدكاكين التي اتصلت بها ... صفائح كافور تضيء وتسطع
كأن الصهاريج التي من أمامها ... بحار ولكن جود كفيك أوسع
__________
(1) ص: الزهرة.
(2) ص: يجمع؛ وقرئت في ح: يخنع.

(1/77)


كأن الأسود العامرية فوقها ... تهم بمكروه إليك فتفزع
كأن خرير الماء من لهواتها ... تبدد در (1) ذاب لو يتجمع
أعدت لإحياء البساتين كلما ... سقت موضعا منها تأكد موضع
دعتها بصوب الماء فانتبهت له ... عيون كأمثال الدنانير تلمع
فلما نشا النوار فيها ظننتها ... قبابك يا منصور حين ترفع
ولما اكتست أغصانها خلت أنها ... قيان بزي أخضر تتقنع
ولما تناهى طيبها وتمايلت ... علينا حسبناها حبيبا يودع - 125 -
وقال أيضا في الزهراء
كأن حناياها جناحا مصفق ... إذا ألهبته الشمس أرخاهما نشرا
__________
(1) ص: تبر ودر.

(1/78)


كأن سواريها شكت فترة الضنى ... فباتت هضيمات الحشا نحلا صفرا
كأن الذي زان البياض نحورها ... يعذبها (1) هجرا ويقطعها كبرا
كأن النخيل الباسقات إلى العلا ... عذارى حجال رجلت لمما شقرا
كأن غصون الآس والريح بينها ... متون نشاوى (2) كلما اضطربت سكرا
كأن (3) جني الجلنار وورده ... عشيقان لما استجمعا أظهرا خفرا - 126 -
وقال الحسن بن حسان
مقاصير تحتج السماء وتدعي ... على الأرض فيها باحتجاج موكد
ومن غرف فيها حنايا كأنها ... مثاني عبير فوق أصداغ خرد
ومن عمد تزهى بماء محاسن ... يصوب عنها كل طرف مصعد
__________
(1) ص: تعد بها.
(2) غير منقوطة في الأصل.
(3) ص: جناء.

(1/79)


حكت حمرها الياقوت والدر بيضها ... ومن خضرها اشتق اخضرار الزبرجد
يجول السنا فيها مجال الشعاع في ... صفيحة سيف الصيقل المتقلد
أيبأى (1) سليمان بصرح ممرد ... وقصرك فيه كل صرح ممرد
رشيق (2) ومعشوق وبهو وزاهر ... (3) إلى كامل في حسنه ومجدد
وعليه تدعى المنيف كأنما ... ذوائبها نيطت بنسر وفرقد
مجالس طالت في السماء وأشرقت ... متى تبد للأبصار تقرب وتبعد
كأن صدى الأنفاس بين صحونها ... أهازيج ترنيم الحمام المغرد
كأن الهوى قد شفها وكأنما ... صداها شهيق في جواب التنهد
__________
(1) ص: ايت أي (بدون إعجام)؛ وببأى: يفخر.
(2) ص: عشيق.
(3) الرشيق والمعشوق والزاهر والكامل والمجدد أسماء قصور (النح 1: 464) ولم يذكر بينها " البهو " .

(1/80)


- 127 -
وقال ابن شخيص
ولما امترى في جنة الخلد بعضهم ... أقام لأبصار الجميع مثالها
فللعين أنوار البساتين حولها ... وللسمع تفجير المياه خلالها
كأن يواقيتا أذيبت فأشربت ... سطوح المباني صبغها وصقالها
كأنحناياها الأهلة وافقت ... سعود المجاري فاسترددت كمالها 11 ؟ باب في الناعورة والرحى
- 128 -
وقال محمد بن الحسين الطاري
لحنينها حن الفؤاد التائق ... وبكى الكئيب المستهام الوامق
أنت أنين مغرب عن إلفه ... ودموعها مثل الجمان سوابق
تبكي ويضحك تحت سيل دموعها ... زهر تبسم نوره وشقائق يقال: ضحك ضحكا وضحكا [بفتح الضاد وكسرها]
- 129 -
وقال أيضا
دمعها وابل كدفق العزالي ... من جفون ليست ترى بشحاح فلك دائر البروج فما ينفك فيه سماكه من سباح ...

(1/81)


- 130 -
وقال يوسف بن هارون في الناعورتين والنهر بينهما (1)
كيف لا يبرد الهواء لنهر ... بين غرافتين كالديمتين ليستا فوقه من الرش والطش على حالة بمنكفين ... وصفا الماء منهما إذ هما للماء بالجري كالغربلتين ...
فهو رشا در تساقط نثرا ... وهو طشا برادة من لجين حسن الوجه شفه ألم الحر فقد صار بين مروحتين ... - 131 -
وقال أيضا ابن هذيل في الناعورتين
وأنت ابتدعت لناعورتين بدائع أعيت فما توصف ... هما ضرتان كمثل يديك إذا جادتا والحيا مغدف (2) ... كأنهما طلعتا مزنتين تكدهما شمال حرجف (3) ...
كأنهما منكبا يذبل ... ولكن يذبل لا يدلف
كأنهما هيبة في العيون ... منك فتغضي ولا تطرف
كأنهما صاحبا غلظة ... وبينهما عاشق ملطف
فمن هذه صولة تستراب ... ومن هذه يحلم الأحنف
كأن الشفانين (4) والمفصحات ... من الطير فوقهما تهتف
__________
(1) شعر الرمادي: 133 عن كتاب التشبيهات.
(2) معدف: مقبل مسترسل.
(3) حرجف: ريح باردة.
(4) ص: الشقابين.

(1/82)


وخافت على محدثات الثمار ... إذ النهر عن سقيها يضعف
فمدت إلى أرضها ثديها ... مع السد فهو الذي يرشف
وبينهما مجلس للملوك ... به من عزازته يحلف
على قاعه لجة من رخام ... (1) يغرق فيها ولا يتلف
يلذون من طلها برشاش ... يفيق به الهائم المدنف
ويبطئ عن بعضه بعضه ... ولكن مع الريث لا يخلف
يرفرف كالطائر المستدير ... عليهم ولكنه يكنف
فليس يشكون من لينه ... بأن نثائره تندف - 132 -
وقال أيضا في الرحى
وسخية تعطيك أقصى جهدها ... وبفعل خادمها الخؤون تلومها
قد أهملت في (2) حلبة من خلقها ... فإذا جرت رفع العجاج هشيمها
وكأنما تعنى ليدرك بعضها ... بعضا فليس يخونها تدويمها - 133 -
وقال أيضا في الناعورة
وثقيلة الأوصال تحسب أنها ... فلك، يضيق بصبرها (3) حيزومها
تجري إلى خلف كأن أمامها ... (4) ملك يلازم كبحها ويسميها
__________
(1) ص: تتلف؛ والمعنى: ولا يتلف ما يغرق.
(2) ص: خلية.
(3) ص: بعبوها - دون إعجام، وقرئت في ح: بعبئها، وهي قراءة جيدة، لولا أن الناسخ لم يعودنا رسم حرف بدلا عن الهمزة.
(4) ص: ونسيمها.

(1/83)


وإذا تدلت خلت أن غمامة ... سوداء مقبلة عليك غيومها - 134 -
وقال المرادي
وحاملة للماء محمولة به ... مقصرة وصف البليغ المحبر
تحن حنين العود في نغماته ... (1) وتزأر أحيانا زئير المزعفر
فيبعث هذا كل لهو مروح ... (2) ويبعث هذا كل لهو مصبر
هي الفلك الموصوف في دورانه ... وإسباله صوب الحيا المتفجر
ولا فضل إلا أن هذي تصوب في ... ترق، وهذا صيب في تحدر
فتسقي الرياض المعجز الوصف كنهها ... بأنجع من صوب السماء وأعزر - 135 -
ولعبد السلام (3) يصف الرحى والناعورة والسد
يا رب طائرة في حجر دائرة ... قد قدرت فغدت في خلق (4) مقتدره
يكسو الغبار وجوه الصانعين كما ... يكسو وجوعه العدا يوم الوغى غبره
__________
(1) المزعفر: الأسد الورد.
(2) ص: مصير.
(3) ص: ولعبد السلم.
(4) ص: حلق.

(1/84)


وتعرك الدهر عركا أكرم الثمره ... كعرك هيجائه في المعرك الفجره
كأنما قد غدت فينا معاقبة ... (1) لفعلها بأبينا آدم لتره
كأن ناعرة النهر التي نعرت ... (2) أعارها الفلك الأعلى به نعره
دارت فأبدت لنا منها استدارتها ... أنين صب إذا ما إلفه غدره
كأنما السد إذ ألوى بجريته ... عن حدها برزخ البحر الذي قصره
أو عاشق (3) راغ منه عند رحلته ... معشوقه فانتحاه متبعا نظره 12 ؟ باب في المأكولات من الفواكه وغيرها
- 136 -
قال أحمد بن عبد ربه في عنب أبيض وأسود (4)
أهديت بيضا وسودا في تلونها ... كأنها من بنات الروم والحبش
__________
(1) الترة: الثأر.
(2) النعرة: الخيلاء.
(3) ص: راع، وقرئت في ح: زاغ.
(4) ديوان ابن عبد ربه: 96 عن كتاب التشبيهات، وانظر العقد 6: 285 وقال: ومن قولنا في هذا المعنى وقد أهديت سلي عنب.

(1/85)


عذراء توكل أحيانا وتشرب أحيانا فتعصم من جوع ومن عطش ... - 137 -
وقال ابن هذيل في العنب
وبسل فيه العنب الغض شبيه العناب في الاحمرار ... رق منه أديمه فهو كالياقوت يستام بين أيدي التجار ... وغذته الأيام فهو أنابيب طوال على جفان قصار (1) ... - 138 -
وقال علي بن أبي الحسين في التوث (2)
أبدى لنا التوث أصنافا من الحبش ... جعد الشعور من الأطباق في فرش
كأن أحمرها من بين أسودها ... بقية الشفق البادي مع الغبش - 139 -
وقال أحمد بن فرج في زمان (3)
ولابسة صدفا (4) أصفرا ... أتتك وقد ملئت جوهرا
كأنك فاتح حق لطيف ... تضمن مرجانها (5) الأحمرا
حبوبا كمثل لثاث الحبيب ... رضابا إذا شئت أو منظرا
__________
(1) الجفان: جمع جفن وهو قضيب العنب، ويعني هنا أصله.
(2) التوث - بالثاء - لغة في التوت.
(3) من أبيات له في النفح 1: 468.
(4) النفح: أحمرا.
(5) النفح: مرجانه.

(1/86)


- 140 -
وقال في مثله
ثمر أتاك جناه في غلف ... كالجوهر المكنون في الصدف - 141 -
وقال ابن هذيل في خوخة
في نصفها من خجلها حمرة ... وبينها طرق (1) لطاف دقاق
كأنها في بعضها عاشق ... زاحمها للثم أو للعناق - 142 -
وقال أحمد بن عد ربه في نعته سمكا (2)
أهديت أزرق مقرونا بزرقاء ... كالماء لم يغذها شيء سوى الماء
ذكاتها الأخذ لا تنفك (3) طاهرة ... (4) في البر والبحر أمواتا كأحياء - 143 -
وقال محمد بن شخيص
إن حسن الرياض صاغ لها الظل برودا من ناضر (5) الأقحوان ... من مجال الأكف في سفرة (6) تحوي صنوف الحيتان والخرفان ... وكأن الثريد والحمص المنثور تاج مكلل بجمان ...
__________
(1) ص: طرف.
(2) البيتان في العقد 6: 285 وديوانه: 16.
(3) الأصل: ظاهرة.
(4) الذكاة: الذبح، والمعنى أنها - وهي سمك - لا تحتاج ذبحا، فذبحها هو أخذها.
(5) ص: ناظر.
(6) ص: سقرة.

(1/87)


وتخال الزيتون في قصع الصين صدورا نقطن بالخيلان ... - 144 -
وقال ابن هذيل
ومما يقطع الحيزوم عندي ... (1) مروري بالشواء على الخوان
وتندى بردتي خلفي إذا ما ... نظرت إلى الهرائس في الجفان
كأن الزيت والعسل المصفى ... عبير خالص في دهن بان
وباذنجان مثل كرات ضرب ... (3) مضمنها (2) لباب الجلجلان
وقد وقف الصيام على فراغ ... ونفسي سوف تفرغ بالأماني - 145 -
وقال أحمد بن فرج في بعثه فاكهة
بعثت بها أشباه أخلاقك الزهر ... بحظين من طيب المذاقة والنشر
ملونة لونين تحكيهما معا ... بتلك الأيادي البيض والنعم الخضر - 146 -
وقال أيضا في بعثه كمثرى
جنيت من القضب النواضر ... فأتتك كالغيد العواطر
يلبسن من برد النعيم ... ملابسا غض المكاسر
ما بين مخضر الربي ... ع وبين مصفر الأزاهر
وكأن أصغرها دقا ... ق كواكب في عين ناظر
__________
(1) الحيزوم: الصدر، وهو كقولهم " ومما يفطر القلب " .
(2) ص: تضمنها.
(3) الجلجلان: ثمرة الكزبرة، وهو أيضا السمسم في قشره.

(1/88)


أو مثل صفراء المدا ... مة في أكياس أصاغر
متنفسات في الأنو ... ف بمثل أنفاس المجامر
حلو ضمائرها كما ... يحلو الهوى لك في الضمائر
أو مثلما تحلو القوا ... في من لسان فيك شاكر
وكأنما هي منك في ... حسن المخابر والمناظر
وكأنها من شكرها ... تملا (1) البطون إلى الحناجر - 147 -
وقال عبد الله بن مغيث المعروف بابن الصفار في قبارة (2)
بعثت بقبارة ضخمة ... كأنما أرؤسها أرؤس
ظاهرها شوك ولكنه ... للموز في باطنها محبس
من آثر الراح بإحضارها ... نقلا لمن يشربها يسلس 13 ؟ باب في الشراب وأوصاف الخمر
- 148 -
قال أحمد بن عبد ربه
ورادعة بأنفاس العبير ... (3) مقنعة المفارق بالقتير
جلتها الكاس فاطلعت علينا ... طلوع البكر في حلل الحرير
__________
(1) ص: ملئ، ولعلها: ملء.
(2) ص: بقيارة، وفي ح: قبارة، واورده ابن البيطار في مادة كبر(4: 45) وقال: شجيرة مشوكة منبسطة على الأرض باستدارة وشوكتها معقفة، ولها ثمر شبيه بالزيتون، يؤكل ثمره مع خل وعسل أو مع خل وزيت ويتخذ كامخا، وتؤكل قضبانه حين تكون طرية.
(3) رادعة: ملمعة بالطيب؛ المفارق: الرؤوس؛ القتير: الشيب، وهو كناية عما يعلو الخمر من زبد.

(1/89)


كأن كؤوسها يحملن منها ... شموسا ألبست خلع البدور
كأن مزاجها لما تجلت ... بصحن زجاجها نار بنور
كأن أديمها ذهب عليه ... أكاليل من الدر النثير - 149 -
وقال عبد الله بن حسين بن عاصم
راح حكاها في صبيب مجاجها ... نجم هوى فاحتل في كاساتها
رقت فلولا أنها في كاسها ... لون لأعدمها ذوو إثباتها
راح تراها في الكؤوس حليمة ... والجهل بالألباب من عاداتها - 150 -
وقال العتبي
وعاتكة (1) كعين الديك بكر ... تقضت في الدنان لها دهور
ترى بين المزاج لها حبابا ... كأن نثيره الدر النثير
تخال كؤوسها والليل داج ... كواكب بين أيدينا تدور - 151 -
وقال محمد بن إسماعيل النحوي
فتبسمت (2) منه إليك مدامة ... كالبرق لاح بظلمة فأنارها
وكأنها لما زهت بحبابها ... خود (3) تريك عقودها وسوارها
__________
(1) ص: وعاتكة؛ وقد كنت جعلتها في الطبعة الأولى " وعانكة " بالنون، وهما سيان، فالعاتكة الشديدة الحمرة والعانكة كذلك، وشبهها بعين الديك لصفائها.
(2) ص: فتقسمت.
(3) ص: جود.

(1/90)


- 152 -
وقال محمد بن خطاب النحوي
كأس تجلي الهموم سورتها ... شاربها في الندي كالملك
كأنها والأكف تحملها ... نجوم ليل تدور في الفلك - 153 -
وقال جعفر بن عثمان (1)
صفراء تطرق في الزجاج فإن سرت ... في الجسم هبت هب (2) صل لادغ
خفيت على شرابها فكأنما ... يجدون ريا من إناء فارغ - 154 -
وقال ابن بطال المتلمس
وصهباء في جسم الهواء وثوبها ... سنا الشمس يبغي سدفة الليل بالذحل (3)
صببنا عليها شكلها فتعانقا ... تعانق معشوقين عادا إلى الوصل
__________
(1) البيتان في مطمح الأنفس: 5 والحلة 1: 263 واليتيمة 1: 311 والنفح 1 : 594، 604، 5: 600 وديوان المعاني 1: 310 والثاني في المرقص: 18 والدرة المضيئة 6: 576 والمسالك 11: 175.
(2) المطمح والحلة: دبت مثل.
(3) الذحل: الثأر.

(1/91)


فكان لها بعلا وكانت حليلة ... وكان سرور الشاربين من النسل - 155 -
وقال أيضا
يا صاحبي خذها (1) هوائية ... فيها هوى كل فتى ماجد
تأخذ هواء سائلا جسمه ... جوف هواء ساكن راكد
كالآل في الرقة لكنها ... تنقع منها غلة الوارد
أو عندما (2) تعهد في كاسها ... (3) قانية مثل دم العاند
كالذهب الذائب في قالب ... من اللجين المفرغ الجامد - 156 -
وقال عبد الملك بن إدريس
انظر إلى الكاسين: كاس المها ... والراح في راحة ساقيها
تنظر إلى نار سنا نورها ... يحملها، والماء (4) يحويها
كأنها نار الهوى في الحشا ... يلهبها الدمع ويذكيها
صديقة النفس ولكنها ... تصرعها صرع أعاديها
إذا دنا الإبريق من كاسها ... لصبها قلت: يناجيها
يودعها الأسرار شرابها ... وشأنها الغدر فتفشيها
__________
(1) ص: هوابية؛ والمعنى شفافة كالهواء.
(2) ص: غيرها.
(3) العاند: العرق الذي يسيل دمه ولا يرقأ.
(4) ص: فالماء.

(1/92)


- 157 -
وقال يوسف بن هارون (1)
ألا اشربها على الناقوس صرفا ... فذاك موذن الدين القديم
وصرت إلى الخلاء فأدركتني ... به الأكواس في عدد النجوم
كأن الكوس إذ حثت بإثري ... كواكب إثر شيطان رجيم - 158 -
وقال أحمد بن عبد ربه (2)
ومدامة صلى الملوك لوجهها ... من كثرة التبجيل والتعظيم
رقت حشاشتها ورق أديمها ... (3) فكأنها شيبت من التسنيم
وكأن عين السلسبيل تفجرت ... لك عن رحيق الجنة المختوم
راح إذا (4) اقترنت عليك كؤوسها ... خلت النجوم تقارنت بنجوم
تجري بأكناف الرياض وما لها ... فلك سوى كفي وكف نديمي
حتى تخال الشمس يكسف نورها ... والأرض ترعد رعدة المحموم - 159 -
وقال أيضا
موردة إذا دارت ثلاثا ... يفتح وردها ورد الخدود
فإن مزجت تخال الشمس فيها ... مطبقة على قمر السعود
__________
(1) شعر الرمادي: 125 عن كتاب التشبيهات.
(2) ديوان ابن عبد ربه: 156 عن كتاب التشبيهات.
(3) شيبت: خلطت؛ التسنيم: شراب أهل الجنة.
(4) ص: افترقت.

(1/93)


- 160 -
وقال إسماعيل بن بدر
تعاطينا على الريحان راحا ... وواصلنا المساء بها الصباحا
هببنا (1) أن زقا ديك صدوح ... وصفق بالجناح لنا جناحا
كأن مناديا نادى علينا ... ألا حيوا على الكاس الفلاحا
فبادرت الأكف سنا نجوم ... أنار بها الظلام لنا ولاحا
ودبت في مفاصلنا دبيبا ... يقتلنا وما نشكو جراحا
كأن (2) نوافجا فتقت علينا ... فنم نسيمها فينا وفاحا - 161 ؟
وقال مروان بن عبد الرحمن (3)
ظلت أسقيها رشا في لحظه ... سنة تورث عيني أرقا
خفيت للعين حتى خلتها ... تتقي من لحظه ما يتقى
أشرقت في ناصع من كفه ... كشعاع الشمس لاقى الفلقا
فكأن الكاس في أنمله ... صفرة النرجس تعلو الورقا - 163 -
وقال المهند
إذا (4) انجلت في إناء خلتها عرضا ... في جوهر، أو زلالا حابسا وهجا
__________
(1) ص: هنينا.
(2) النافجة: وعاء الطيب.
(3) الأبيات في اليتيمة 2: 61 والذخيرة 1 / 1: 565 والحلة 1: 223 والمطرب: 72 وانظر بعضها في الدرة المضيئة 6: 575 والمرقص: 16 والمسالك 11: 176؛ والنص هنا مطابق لما في الحلة، وفي المصادر الأخرى بعض اختلافات في الرواية.
(4) ص: اجتلت.

(1/94)


رقت فكاد هواء الجو يخطفها ... لطفا وضاءت فكادت تخطف السرجا
كأنما اقتبست نور العيون فلم ... تبصره أو يضرب الديجور منبلجا
يروعها الماء في الياقوت بارزة ... فيبرز التبر منها منظرا بهجا
كأنها خد خود فاض مدمعها ... من روعة فكسا بالصفرة الضرجا - 163 -
وكتب ابن هذيل إلى بعض إخوانه ببعثه مصطار حلوا (1)
من بنات الكروم ليس لها خمس ليال بكر من الأبكار ... يتغنى نشيشها في الرواطيم (2) فتنسيك نغمة الأوتار ... واستهلت رفقا كما يقع الطل على الورد في دجى الأسحار ... تبدى من حبها وهي صفرا كبدو الخيري في الاصفرار (3) ... ثم سلسلتها إلى جسد ميت فأحيته فاعتبر باعتباري ... بات بعد الخشوع مستند الظهر حطيئا (4) إلى أساس الجدار ...
__________
(1) ص: مصطار حلو؛ والمصطار: الخمر التي اعتصرت حديثا، ويقال بالسين أيضا.
(2) هذه اللفظة من استعمال الأندلسيين؛ وكنت قرأتها الرواقيد، وهي من استدراكات ح: 55؛ وأصاب في ذلك؛ وفي شعر مؤمن بن سعيد (المغرب 1: 133):
تصبح أبا حفص على أسر هاشم ... ثلاث زجاجات وخمس رواطم (3) الحب: الخابية أو الدن الضخم.
(4) ص: حطينا، وخطيئا: صريعا، وفي ح: بطينا.

(1/95)


ذو عكاكين ركبت كعكاكين بطون الأوانس الأحرار (1) ... وشددنا (2) ختاقه فهو كالعصم ريان في شداد السوار ... - 164 -
وقال جعفر بن عثمان في الثمل من الشراب
عجبت لقوم ضيعوا كل لذة ... ولاموا ظريفا شاطرا في طرائقه
إذا ما شكا في الثمل سرهم ... وكم قائل قولا بغير حقائقه
وإنا لنشكوها إليها كما شكا ... مشوق على الإعجاب عضة شائقه - 165 -
وقال ابن هذيل
مالت على يده فملت (3) لها ... سكرى معربدة في كف سكران
لها هدير إذا نصت (4) فتحسبها ... تخاصم الشرب عن إفك وبهتان - 166 -
وقال في الشراب الأبيض
لعبت بأيام الزمان وطاولت ... مدد الليالي فهي جرم (5) صاف
فإذا استقرت في الكؤوس حسبتها ... منها، لرقة جرمها المتكافي
__________
(1) العكاكين: التثنيات.
(2) ص: وسددنا.
(3) ص: فقلت.
(4) نصت: غير منقوطة في الأصل.
(5) ص: فهو جوم.

(1/96)


عصرت كأن من اللآلئ ذوبت ... فشرابها من كل ضر شاف
قد أوهمت حكم الحدود فظنها (1) ... ماء، وقد حكمت بحكم خاف - 167 -
وقال علي بن أبي الحسين
وسقيمة الألحاظ مرهفة الحشا ... نبهتها ورواق ليلي منزل
فكأنها والكاس (2) تلثم ثغرها ... قمر يقبله السماك الأعزل - 168 -
وقال محمد بن إبراهيم
ومدامة حمراء نصرانية ... زهراء جاء بها نديم أزهر
صبوا عليها الماء حتى خلتها ... لما أتتهم مسلما (3) يتطهر
حمراء ترجع ضدها بمزاجها ... فكأن فيها عاشقا يتستر - 169 -
وقال ابن الخطيب
ليالي تبدو الراح في أفق راحنا ... نجوما كسوناها غلائلها الزرقا
إذا شجها الساقي رأيت بكفه ... ضرام (4) شهاب ليس يشكو له حرقا
أروح وأغدو بين كاس وقينة ... ضجيعا لها أو من مدامتها ملقى
__________
(1) ص: حكم الخدود فطبها.
(2) ص: يلثم.
(3) ص: مسلم.
(4) ص: صرام.

(1/97)


14 - باب في صفات الكؤوس والأقداح
- 170 -
قال يوسف بن هارون (1)
لنا (2) حنتم فيها المدام كأنها ... بدور داج من الليل أسفع
بدور متى تطلع كوامل محقت ... بزهر دراري على الراح طلع - 171 -
وقال إسماعيل بن بدر
ما خر إبريقهم لكاسهم ... إلا صبا جمعهم وإن حلموا
كأنه ناطق بحاجته ... سرا وإن كان شانه البكم - 172 -
وقال عباس بن فرناس في كوز
ومعمم لم يبق في جثمانه ... إلا حشاشة مهجة لم تزهق
حنيت على كشحيه من برحائه (3) ... عضدان فهو كموثق لم يطلق
حلت عمامة رأسه فتضوعت ... منه مفارقه بمثل الزنبق - 173 -
وقال أحمد بن عبد ربه (4)
ترى الأباريق والأكواس ماثلة ... وكل طاس من الإبريز ممتثل
__________
(1) شعر الرمادي: 84 عن كتاب التشبيهات.
(2) ص: تنم، والحنتم: جرار خضر.
(3) ص: مسجية من ترقاته، والكشحان: الخاصرتان؛ وفي ح: من نزقاته، وهي أقرب إلى صورة الأصل، ولكن النزق يتطلب قوة، وهو قد قال في البيت الأول إنه لم يبق فيه حشاشة مهجة.
(4) ديوانه: 136 عن كتاب التشبيهات.

(1/98)


كأنها أنجم يجري بها فلك ... للراح لا أسد فيها ولا حمل - 174 -
وقال محمد بن عبد العزيز
ومفدم (1) أرج النقاب كأنما ... أوفى عليه من العبير نقاب
فافتر عن شمس النهار وقد طوى ... شمس النهار من الظلام حجاب - 175 -
وقال يحيى بن هذيل
عقيقة في مهاة في يدي ساقي ... أضوا من البدر إشراقا بإشراق (2)
إذا تطاطا له الإبريق تحسبه ... مصليا خر إعظاما لخلاق
قد نفخت فيه روحا فهو مرتحل ... من الندامى إذا ما أمسك الساقي - 176 -
وقال علي بن أبي الحسين
بأبي من زارني مكتتما ... مخفي الحسن وما كان وعد
فتناولت نجوما من مها ... حشوها الشمس من النور تقد
لم أزل أطلعها في راحتي ... وهي فيه غرب حتى سجد
فتغنيت له مرتجلا ... أنجزت عينا بخيل ما وعد
فتثنى وتراخى مائلا ... كقضيب في كثيب ملتبد
ثم أومى والثريا يده ... وسهيل في سناها يتقد
كلما حيا بكأس قلت: زد ... فإذا عاودني قلت: أعد
__________
(1) ص: ومقدم أزج.
(2) المهاة: كاس البلور.

(1/99)


- 177 -
وقال أيضا
وكم ليلة دارت علي كؤوسها ... بكف غزال ما يذم على العهد
سقاني بعينيه وثنى بكفه ... فسكر على سكر ووجد على وجد
جعلت مكان النقل تقبيل خده ... ورشف ثناياهن أحلى من الشهد
وإبريقنا ما يبرح الدهر راكعا ... كأن قد جنى ذنبا فمال إلى الزهد
وبت ضجيع البدر والبدر غائب ... كأني من اللذات قد بت في الخلد
يذكرني حفظ العهود وكفه ... وسادي وقد أبدى من الوجد ما أبدي - 178 -
وقال صاعد بن الحسن يصف كاس بلور فيه شراب (1) أصفر
جلوت لنا قشرا من الصبح مترعا ... من الشمس يعشى (2) دونها المتوسم
فأعيننا سكرى لفرط شعاعه ... وشاربها من شدة السكر مفحم
__________
(1) ص: سوار.
(2) ص: يغشى.

(1/100)


15 - ؟ باب في السقاة والندامى
- 179 -
قال عبد الله بن الشمر
يا حبذا ليلة نعمت بها ... بين رياض وبين بستان
في قبة أحدق السرور بنا ... فيها وغابت نحوس كيوان
بكف ساق رخص أنامله ... مثل الغزال المروع الراني
فلي من الكاس واستدارتها ... سكر ومن مقلتيه سكران
حسبت بهرام فوق راحته ... لما أتاني به فحياني - 180 -
وقال أحمد بن عبد ربه (1)
يسعى بها شادن أنامله ... ضربان منها العناب والعنم
تنسى به العين طرفها عجبا ... ويدرك الوهم عنده الوهم
كأنما لاحظت به صنما ... يعبده من بهائه الصنم - 181 -
وقال أيضا
بل رب مذهبة المزاج ومذهب ... راحا براحة ريمه وغزاله
وكأن كف مديرها ومديره ... فلك يدور بشمسه وهلاله
__________
(1) القطع 180 - 183 في ديوانه: 162، 142، 177، 168 عن كتاب التشبيهات.

(1/101)


- 182 -
وردية يحملها شادن ... في مشرب الحمرة وردي
كأنه والكاس في كفه ... بدر دجى يسعى بدري - 183 -
وقال أيضا
أهدت إليك حمياها بكاسين ... شمس تدبرتها بالكف والعين
يسعى بتلك وهذي شادن غنج ... كأنه قمر يسعى بنجمين
كأنه حين يمشي في تأوده ... قضيب بان تثنى بين ريحين - 184 -
وقال محمد بن إبراهيم بن أبي الحسين (1)
كم ليلة دارت علي كواكب ... للخمر تطلع ثم تغرب في فمي
قبلتها من (2) كف من يسعى بها ... (3) وخلطت قبلتها بقلة معصم
وكأن حسن بنانه مع كاسه ... (4) غيم تنشب فيه بعض الأنجم
__________
(1) وردت في النفح 4: 73 منسوبة لأبي بكر ابن المنخل الشلبي، وإنما حدث هذا الوهم فيما يبدو لأن هذا أيضا اسمه محمد بن إبراهيم، ولكنه توفي في عشر الستين وخمسمائة، وهو من شعراء زاد المسافر، انظر ترجمته في المغرب 1: 387 والوافي 2: 7 وزاد المسافر: 78 والتكملة: 496.
(2) النفح: في.
(3) ص: معصمي.
(4) النفح: غيم يشير لنا ببعض الأنجم.

(1/102)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية