صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ صبح الأعشى في صناعة الإنشا - القلقشندي ]
الكتاب : صبح الأعشى في صناعة الإنشا
المؤلف : أحمد بن علي القلقشندي
الناشر : دار الفكر - دمشق
الطبعة الأولى ، 1987
تحقيق : د.يوسف علي طويل
عدد الأجزاء : 14

لقرطبة إلى أن افتتحها عنوة سنة ثلاث وأربعمائة وقتلوا المؤيد هشاما
ثم جاء علي بن حمود وأخوه قاسم من الأدارسة ملوك الغرب في عساكر من البربر فملكوا قرطبة سنة سبع وأربعمائة وقتلوا المستعين وأزالوا ملك بني أمية من الأندلس واتصل ذلك في خلفهم سبع سنين
ثم غلب علي بن حمود المرتضي بالله عبد الرحمن بن محمد بن عبد الملك ابن المرتضي عبد الرحمن بن الناصر أمير المؤمنين
ثم اجتمعوا على رد الأمر لبني أمية ثم ولي بعد ذلك المستظهر بالله عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار في رمضان سنة أربع عشرة وأربعمائة
ثم غلب عليه المستكفي بالله محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن عبد الرحمن الناصر أمير المؤمنين
ثم رجع الأمر إلى يحيى بن علي بن حمود سنة ست عشرة وأربعمائة
ثم بويع للمعتمد بالله هشام بن محمد أخي المرتضي من بني أمية سنة ثمان عشرة وأربعمائة
وتوفي بها سنة ثمان وعشرين وانقطعت دولة الأموية من الأندلس والله وارث الأرض ومن عليها
الطبقة السابعة ملوك بني حمود من الأدارسة ملوك الغرب
كان في جملة جماعة المستعين سليمان بن الحكم الاموي المتقدم ذكره القاسم بن وعلي ابنا حمود بن ميمون بن أحمد بن علي بن عبيد الله ابن عمر بن إدريس بعد انقراض دولتهم بفاس وانتقالهم إلى غمارة وقيام رياستهم بها فعقد المستعين للقاسم على الجزيرة الخضراء من الأندلس ولعلي على طنجة وعملها من بر العدوة وطمعت نفس علي بن حمود صاحب طنجة في الخلافة وزعم أن المؤيد هشاما من بني أمية عند حصارهم إياه كتب له بعهد

(5/237)


الخلافة فبايعوه بالخلافة وأجاز إلى مالقة فملكها ودخل قرطبة سنة سبع وأربعمائة وتلقب بالناصر لدين الله واتصلت دولته إلى أن قتله صقالبته بالحمام سنة ثمان وأربعمائة
فولي مكانه أخوه القاسم بن حمود الذي كان بطنجة وتلقب بالمأمون
ثم غلبه على ذلك يحيى ابن أخيه علي وزحف إلى قرطبة فملكها سنة ثنتي عشرة وأربعمائة وتلقب بالمعتلي وكانت له وقائع كان اخرها أن اتفقوا على تسليم المدائن والحصون له فعلا سلطانه واشتد أمره وأخذ في حصار ابن عباد بإشبيلية فكبا به فرسه وقتل وانقطعت دولة بني حمود بقرطبة
ثم استدعى قومه أخاه إدريس بن علي بن حمود من سبته وطنجة فبايعوه على أن يولي سبتة حسن ابن أخيه يحيى فتم له الأمر بمالقة وتلقب بالمتأيد بالله وبايعه أهل المرية وأعمالها ورندة والجزيرة ومات سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة
وبايع البربر بعده حسن بن يحيى المعتلي ولقبوه المستنصر وبايعته غرناطة وجملة من بلاد الأندلس ومات مسموما سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة
وكان إدريس بن يحيى المعتلي معتقلا فأخرج وبويع له سنة تسع وثلاثين وأربعمائة وأطاعته غرناطة وقرمونة وما بينهما ولقب العالي ثم قتل محمدا وحسنا ابني عمه إدريس فثار السودان بدعوة أخيهما محمد بمالقة فأسلموه

(5/238)


وبويع محمد بن إدريس المتأيد بمالقة سنة ثمان وثلاثين وتلقب بالمهدي وأقام بمالقة وأطاعته غرناطة وجيان وأعمالها ومات سنة أربع وأربعين وأربعمائة
وبويع إدريس بن يحيى بن إدريس المتأيد ولقب الموفق ولم يخطب له وزحف إليه إدريس المخلوع الملقب بالعالي ابن يحيى المعتلي من قمارش فبويع له بمالقة إلى أن هلك سنة سبع وأربعين
وبويع محمد الأصغر ابن إدريس المتأيد ولقب المستعلي وخطب له بمالقة والمرية ورندة وهلك سنة ستين وأربعمائة
وكان محمد بن القاسم بن حمود قد لحق بالجزيرة الخضراء سنة أربع عشرة وأربعمائة فملكها وتلقب بالمعتصم وبقي بها إلى أن مات سنة أربعين وأربعمائة
ثم ملكها من بعده ابنه القاسم ولقب الواثق وهلك سنة خمسين وصارت الجزيرة الخضراء للمعتضد بن عباد وانقرضت دولة بني حمود بالأندلس
الطبقة الثامنة ملوك الطوائف بالأندلس
لما اضمحل أمر الخلافة من بني أمية وبني حمود بعدهم بالأندلس وثب الأمراء على الجهات وتفرق ملك الأندلس في طوائف من الموالي والوزراء وكبار العرب والبربر وقام كل منهم بأمر ناحية وتغلب بعضهم على بعض

(5/239)


وضعف أمرهم حتى أعطوا الإتاوة لملوك الفرنجة من بني أدفونش حتى أدركهم الله بأمير السلمين يوسف بن تاشفين
فأما إشبيلية وغرب الأندلس فاستولى عليهما بنو عباد
كان أولهم القاضي أبو القاسم محمد بن ذي الوزارتين أبي الوليد ابن إسماعيل بن قريش بن عباد بن عمرو بن أسلم بن عمرو بن عطاف ابن نعيم اللخمي واستبد بإشبيلية بعد فرار القاسم بن حمود عن قرطبة انتزعها من أبي زيري وكان واليا عليها من جهة القاسم بن حمود المذكور وبقي بها إلى أن مات سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة
ولما مات قام بأمره ابنه عباد وتلقب المعتضد وطالت أيامه وتغلب على أكثر الممالك بغرب الأندلس وبقي حتى مات سنة إحدى وستين وأربعمائة
وولي مكانه ابنه أبو القاسم محمد الملقب بالمعتمد فجرى على سنن أبيه واستولى على دار الخلافة بقرطبة من يد ابن جهور وفرق أبناءه على قواعد الملك واستفحل ملكه بغرب الأندلس وغلب على من كان هناك من ملوك الطوائف وبقي حتى غلب أمير المسلمين يوسف بن تاشفين على الأندلس فقبض عليه ونقله إلى أغمات قرية من قرى مراكش سنة أربع وثمانين وأربعمائة واعتقله بها إلى أن هلك سنة ثمان وثمانين وأربعمائة

(5/240)


وأما قرطبة فاستولى عليها بنو جهور
وكان رئيس الجماعة بقرطبة أيام فتنة بني أمية أبو الحزم جهور بن محمد بن جهور بن عبد الله بن محمد بن الغمر بن يحيى بن أبي المعافر بن أبي عبيدة الكلبي وأبو عبيدة هذا هو الداخل إلى الأندلس وكانت لهم وزارة بقرطبة بالدولة العامرية
ولما خلع الجند المقتدر بالله اخر خلفاء بني أميه بالأندلس استبد جهور بالأمر واستولى على المملكة بقرطبة سنة ثنتين وعشرين وأربعمائة وكان على سنن أهل الفضل فأسندوا أمرهم إليه إلى أن يوجد خليفة ثم اقتصروا عليه فدبر أمرهم إلى أن هلك في المحرم سنة خمس وثلاثين وأربعمائة
وولي مكانه ابنه أبو الوليد محمد بن جهور فخلعه أهل قرطبة سنة إحدى وستين وأربعمائة وأخرجوه ثم فوض التدبير إلى ابنه عبد الملك بن أبي الوليد فأساء السيرة فأخرجوه عن قرطبة فاعتقل بشلطيلش إلى أن مات سنة ثنتين وستين
وولي ابن عباد على قرطبة ابنه سراج الدولة وقتله ابن عكاشة سنة سبع وستين ودعا لابن ذي النون يحيى بن إسماعيل وقدمها ابن ذي النون من بلنسية وقتل بها مسموما
وزحف المعتمد بن عباد بعد مهلكه إلى قرطبة فملكها سنة أربع وثمانين وأربعمائة

(5/241)


وأما بطليوس فكان بها عند فتنة بني أمية بالاندلس أبو محمد عبد الله بن مسلمة التجيبي المعروف بابن الأفطس واستبد بها سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة ثم هلك
فولي من بعده ابنه المظفر أبو بكر وعظم ملكه
وكان من أعظم ملوك الطوائف ومات سنة ستين وأربعمائة
وولي بعده ابنه المتوكل أبو حفص عمر بن محمد المعروف بساجة ولم يزل بها إلى أن قتله يوسف بن تاشفين سنة تسع وثمانين وأربعمائة بإغراء ابن عباد به
وأما غرناطة فملكها أيام الفتنة زاري بن زيري بن مياد ثم ارتحل إلى القيروان واستخلف على غرناطة ابنه فبدا لأهل غرناطة أن بعثوا إلى ابن أخيه حيوس بن ماكس بن زيري من بعض الحصون فوصل وملك غرناطة واستبد بها وتوفي سنة تسع وعشرين وأربعمائة
وولي مكانه ابنه باديس وكانت بينه وبين بني عباد حروب وتوفي سنة سبع وستين وأربعمائة
وولي حافده المظفر أبو محمد عبد الله بن بلكين بن باديس وولى أخاه تميما بمالقة بعهده جده إلى أن خلعهما يوسف بن تاشفين سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة

(5/242)


وأما طليطلة فاستولى عليها بنو ذي النون
وذلك أن الظافر إسماعيل بن عبد الرحمن بن ذي النون الهواري تغلب أيام الفتنة على حصن أفلنتين سنة تسع وأربعمائة وكانت طليطلة ليعيش بن محمد بن يعيش وليها في أول الفتنة فلما مات سنة سبع وعشرين مضى إسماعيل الظافر إلى طليطلة فملكها وامتد ملكه إلى جنجالة من عمل مرسية ولم يزل بها إلى أن هلك سنة تسع وعشرين
فولي مكانه ابنه المأمون أبو الحسن يحيى فاستفحل ملكه وعظم بين ملوك الطوائف سلطانه ثم غلب على بلنسية وقرطبة ومات مسموما سنة سبع وستين وأربعمائة
وولي بعده طليطلة حافده القادر يحيى بن إسماعيل بن المأمون يحيى بن ذي النون
وكان الطاغية أدفونش ملك الفرنج بالأندلس قد استفحل أمره عند وقوع الفتنة بين ملوك الأندلس فضايق ابن النون حتى تغلب على طليطلة وخرج له عنها القادر يحيى سنة ثمان وسبعين وأربعمائة وشرط عليه أن يظاهره على أخذ بلنسية فقبل شرطه وتسلمها الأدفونش ملك الفرنج وبقيت معه إلى الان أعادها الله تعالى إلى نطاق الإسلام
وأما شاطبة وما معها من شرق الأندلس فاستولى عليها العامريون
بويع للمنصور عبد العزيز بن الناصر عبد الرحمن بن أبي عامر بشاطبة سنة إحدى عشرة وأربعمائة أقامه الموالي العامريون عند الفتنة البربرية في زمن بني أمية فاستبد بها ثم ثار عليه أهل شاطبة فترك شاطبة ولحق يبلنسية فملكها وفوض أمره للموالي

(5/243)


وكان خيران العامري من مواليهم قد تغلب قبل ذلك على أربونة سنة أربع وأربعمائة ثم ملك مرسية سنة سبع ثم جيان والمرية سنة تسع وبايعوا جميعا للمنصور عبد العزيز
ثم انتقض خيران على المنصور وسار إلى مرسية وأقام بها ابن عمه أبا عامر محمد بن المظفر بن المنصور بن أبي عامر وجمع الموالي على طاعته وسماه المؤتمن ثم المعتصم ثم أخرج منها ثم هلك خيران سنة تسع عشرة وأربعمائة
وقام بأمره بعده الأمير عميد الدولة أبو القاسم زهير العامري وزحف إلى غرناطة فبرز إليه باديس بن حيوس فقتله بظاهرها سنة تسع وعشرين وأربعمائة وصار ملكه للمنصور عبد العزيز صاحب بلنسية
وكان قائده صمادح وابنه معن يتوليان حروبه مع مجاهد العامري صاحب دانية فولى على المرية معن بن صمادح سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة وغزا الموالي العامريين بشاطبه فغلبهم عليها
وولى على بلنسية ابنه عبد الملك فقام بأمره وجاهد المأمون بن ذي النون فغلبه على بلنسية وانتزعها منه سنة سبع وخمسين

(5/244)


ولما مات المأمون وولي حافده القادر على ما تقدم ذكره ولى على بلنسية أبا بكر بن عبد العزيز بقية وزراء ابن أبي عامر فحسن له ابن هود الانتقاض على القادر ففعل واستبد بها سنة ثمان وستين وأربعمائة حين تغلب المقتدر على دانية ثم هلك لسنة ثمان وسبعين لعشر سنين من ولايته
وولي ابنه القاضي عثمان فلما سلم القادر بن ذي النون طليطلة للأدفونش وزحف إلى بلنسية خلعوا القاضي عثمان خوفا من استيلاء ملك الفرنج عليها
ثم ثار على القادر سنة ثلاث وثمانين القاضي جعفر بن عبد الله بن حجاف فقتله واستبد بها ثم تغلب النصارى عليها سنة تسع وثمانين وقتلوه ثم جاءهم يوسف بن تاشفين
وأما معن بن صمادح قائد عبد العزيز بن أبي عامر فإنه أقام بالمرية لما ولاه المنصور سنة ثلاث وثلاثين وتسمى ذا الوزارتين ثم خلعه
وولى ابنه المعتصم أبا يحيى محمد بن معن بن صمادح سنة أربع وأربعين ولم يزل بها أميرا إلى أن مات سنة ثمانين وأربعمائة
وولي ابنه أحمد وبقي حتى خلعه يوسف بن تاشفين

(5/245)


وأما سرقسطة والثغر فاستولى عليهما بقية بني هود إذ كان منذر بن يحيى بن مطرف بن عبد الرحمن بن محمد بن هاشم التجيبي صاحب الثغر الأعلى بالأندلس وكانت دار إمارته سرقسطة
ولما وقعت فتنة البربر اخر أيام بني أمية استقل منذر هذا بسرقسطة والثغر وتلقب بالمنصور ومات سنة أربع عشرة وأربعمائة
وولي مكانه ابنه يحيى وتلقب بالمظفر
وكان أبو أيوب سليمان بن محمد بن هود بن عبد الله بن موسى مولى أبي حذيفة الجذامي من أهل نسبهم مستقلا بمدينة تطيلة و لاردة من اول الفتنة
وجدهم هود هو الداخل إلى الأندلس فتغلب سليمان المذكور على المظفر يحيى ابن المنذر وقتله سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة وملك سرقسطة والثغر من أيديهم وتحول إليها وتلقب بالمستعين واستفحل ملكه ثم ملك بلنسية ودانية
وولي على لاردة ابنه أحمد المقتدر ومات سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة
فولي ابنه أحمد الملقب بالمقتدر سرقسطة وسائر الثغر الأعلى وولى ابنه يوسف الملقب بالمظفر لاردة
ومات أحمد المقتدر سنة أربع وسبعين لتسع وثلاثين سنة من ملكه
فولي بعده ابنه يوسف المؤتمن وكان له اليد الطولى في العلوم الرياضية وألف فيها التاليف الفائقة مثل المناظر والاستكمال وغيرهما ومات سنة ثمان وسبعين وأربعمائة
وولي بعده ابنه أحمد الملقب بالمستعين ولم يزل أميرا بسرقسطة إلى أن مات شهيدا سنة ثلاث وخمسمائة في زحف ملك الفرنج إليها
وولي بعده ابنه عبد الملك وتلقب عماد الدولة وزحف إليه الطاغية أدفونش ملك الفرنج فملك منه سرقسطة وأخرجه منها واستولى عليها سنة ثنتي عشرة وخمسمائة ومات سنة ثلاث عشرة

(5/246)


وولي ابنه أحمد وتلقب سيف الدولة والمستنصر وبالغ في النكاية في الطاغية ملك الفرنج ومات سنة ست وثلاثين وخمسمائة
وكان من ممالك بني هود هؤلاء طرطوشة وقد كان ملكها مقاتل أحد الموالي العامريين سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة ومات سنة خمس وأربعين
وملكها بعده نبيل أحدهم إلى أن نزل عنها لعماد الدولة أحمد بن المستعين سنة ثنتين وخمسين وأربعمائة فلم تزل في يده ويد بنيه بعده إلى أن غلب عليها العدو المخذول فيما غلب عليه من شرق الأندلس
وأما دانية وميورقة فاستولى عليهما مجاهد بن علي بن يوسف مولى المنصور بن أبي عامر وذلك أنه بعد الفتنة كان قد ملك طرطوشة ثم تركها وسار إلى دانية واستقر بها وملك ميورقة ومنورقة وبياسة واستقل بملكها سنة ثلاث عشرة وأربعمائة وولى عليها ابن أخيه عبد الله ثم ولى عليها بعد ابن أخيه مولاه الأغلب سنة ثمان وعشرين وأربعمائة
وهلك مجاهد سنة ست وثلاثين وأربعمائة
وولي ابنه علي وتلقب إقبال الدولة ودام ملكه ثلاثا وثلاثين سنة ثم غلبه المقتدر بن هود على دانية سنة ثمان وستين وأربعمائة ونقله إلى سرقسطة فمات قريبا من وفاة المقتدر سنة أربع وسبعين وأربعمائة وبقي الأغلب مولى مجاهد على ميورقة وكان كثير الغزو في البحر فاستأذن علي بن مجاهد في الغزو واستخلف على ميورقة صهره سليمان بن مشكيان نائبا عنه فأقام سليمان خمس سنين ثم مات فولى علي بن مجاهد مكانه مبشرا وتسمى ناصر الدولة فأقام

(5/247)


خمس سنين وانقرض ملك علي بن مجاهد وتغلب عليه المقتدر بن هود فاستقل مبشر بميورقة ولم يزل يردد الغزو إلى بلاد العدو حتى جمع له طاغية برشلونة وحاصره بميورقة عشرة أشهر ثم اقتلعها منه واستباحها سنة ثمان وخمسمائة وكان مبشر قد بعه بالصريخ إلى علي بن يوسف صاحب المغرب فلم يواف أسطوله بالمدد إلا بعد تغلب العدو عليها وموت مبشر فلما وصل العساكر والأسطول دفعوا عنها العدو وولى على بن يوسف عليها من قبه وانود بن أبي بكر اللمتوني ثم عسف بهم فولى عليها يحيى بن علي بن إسحاق ابن غانية صاحب غرب الأندلس فبعث إليها أخاه محمد بن علي فأقام في ولايتها عشر سنين إلى أن هلك أخوه يحيى وسلطانهم علي بن يوسف واستقرت ميورقة في ملك بني غانية وكانت لهم بها دولة ثم ملكها الموحدون وانقرض أمر بني غانية وبقيت في أيدي الموحدين حتى ملكها الفرنج من أيديهم اخر دولتهم
وأما غرناطة فاستولى عليها زاري بن زيري بن مياد الصنهاجي ثم عن له أن قدم على المعز بن باديس صاحب أفريقية وهو حفيد أخيه بلكين فقدم عليه واستخلف مكانه بغرناطة ابنا له فأساء السيرة فيهم فأرسلوا إلى ابن عمه حيوس بن ماكس بن زيري فحضر إليهم فبايعوه وعظم فيها سلطانه إلى أن مات سنة تسع وعشرين وأربعمائة
وولي من بعده ابنه باديس بن حيوس وتلقب بالمظفر وهو الذي مصر غرناطة واختط قصبتها وشيد قصورها وحصن أسوارها ومات سنة سبع وسبعين وأربعمائة وقد ظهر أمر المرابطين بالمغرب
وولي من بعده حافده عبد الله بن بلكين بن باديس فبقي بها إلى أن أجاز

(5/248)


يوسف بن تاشفين إلى الأندلس ونزل بغرناطة سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة فقبض على عبد الله المذكور
الطائفة التاسعة ملوك المرابطين من لمتونة ملوك الغرب المتغلبين على الأندلس
لما غلب أمير المسلمين يوسف بن تاشفين أمير المرابطين على بلاد المغرب واستولى عليها وكان الأندلس قد تقسم بأيدي ملوك الطوائف كما تقدم وكان الطاغية ابن الأدفونش ملك الجلالقة قد طمع في بلاد الأندلس بعث أهل الأندلس إلى أمير المسلمين يستصرخون به فلبى دعوتهم وسار إلى الأندلس
ونزل الجزيرة الخضراء في سنة تسع وسبعين وأربعمائة ودفع الأدفونش وسار تارة ببلاد المغرب وتارة ببلاد الأندلس وملك إشبيلية وبلنسية واستقل عبد الله بن بلكين عن غرناطة وأخاه تميما عن مالقة وغلب المعتمد بن عباد على جميع عمله واستنزل ابنه المأمون عن قرطبة وابنه الراضي عن رندة وقرمونة وانتزع بطليوس من صاحبها عمر بن الأفطس وانتزع عامة حصون الأندلس من أيدي ملوك الطوائف ولم يبق منها إلا سرقسطة في يد المستعين بن هود وانتظمت بلاد الأندلس في ملكه وانقرض ملك الطوائف أجمع منها واستولى على العدوتين وخاطب المستظهر الخلفية العباسي ببغداد في زمنه فعقد له على المغرب والأندلس وكتب له بذلك عهدا وأرسله إليه ولم يزل الأمر على ذلك حتى توفي سنة خمسمائة
وقام بالأمر بعده ابنه علي بن يوسف وفي أيامه تغلب الأدفونش على سرقسطة واستولى عليها

(5/249)


وعقد علي بن يوسف لولده تاشفين على غرب الأندلس سنة ست وعشرين وخمسمائة وأنزله قرطبة وإشبيلية وعقد لأبي بكر بن إبراهيم على شرق الأندلس وأنزله بلنسية وعقد لابن غانية على الجزائر الشرقية دانية وميورقة ومنورقة
وبقي الأمر على ذلك إلى أن غلب الموحدون على بلاد المغرب وانتزعوها من يد تاشفين بن علي في سنة إحدى وخمسين وملكوها
ثم عقد عبد المؤمن أمير الموحدين لابنه أبي يعقوب على إشبيلية ولابنه أبي سعيد على غرناطة ثم كانت أيام يوسف بن عبد المؤمن فغزا الأندلس ثم رجع إلى إشبيلية سنة ثمان وستين وولى عمه يوسف على بلنسية وعقد لأخيه أبي سعيد على غرناطة وعقد على قرطبة لأخيه الحسن وعلى إشبيلية لأخيه علي
ثم عقد لأبي زيد ابن أخيه أبي حفص على غرناطة ولابن أخيه أبي محمد عبد الله بن أبي حفص على مالقة
ثم عقد لابنه أبي إسحاق على إشبيلية ولابنه يحيى على قرطبة ولابنه أبي يزيد على غرناطة ولابنه أبي عبد الله على مرسية
وقتل في قتال النصارى في صفر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة
وولي ابنه أبو يعقوب ورغب ابن أدفونش في مهادنته فهادنه
وعقد على إشبيلية للسيد أبي زيد بن الخليفة وعلى بطليوس لأبي الربيع بن أبي حفص وعلى غرب الأندلس لأبي عبد الله بن أبي حفص
ورجع إلى مراكش سنة أربع وتسعين وخمسمائة ومات بعدها
وولي ابنه الناصر محمد بن المنصور ونزل إشبيلية وذلك في صفر سنة تسع وستمائة ثم رجع إلى مراكش فمات بها
وولي بعده ابنه المستنصر يوسف وكان الوالي بمرسية أبا محمد عبد الله بن المنصور فدعا لنفسه وتسمى بالعادل وكان إخوته أبو العلاء صاحب قرطبة وأبو الحسن صاحب غرناطة وأبو موسى صاحب مالقة فبايعوه سرا وخرج من مرسية إلى إشبيلية فدخلها وبعث إليه الموحدون بالبيعة ودخل مراكش فكانت

(5/250)


بالأندلس فتن اخرها أن ثار ابن هود على الأندلس واستولى عليه وأخرج منه الموحدين
الطائفة العاشرة بنو الأحمر ملوك الأندلس إلى زماننا هذا
وقد تعرض القاضي شهاب الدين بن فضل الله إلى الذي كان في زمانه منهم وهو يوسف ولم ينسبه غير أنه قال إنه من ولد قيس بن سعد بن عبادة
ثم ذكر أنه فاضل له يد في الموشحات
واعلم أن بني الأحمر هؤلاء أصلهم من ارجونة من حصون قرطبة وينتسبون إلى سعد بن عبادة سيد الخزرج ولم أقف على نسبهم إليه ويعرفون ببني نصر وكان كبيرهم اخر دولة الموحدين الشيخ أبو دبوس محمد بن يوسف بن نصر المعروف بابن الأحمر وأخوه إسماعيل وكان لهما وجاهة ورياسة في تلك الناحية
ولما ضعف أمر الموحدين بالأندلس واستقل بالأمر محمد بن يوسف بن هود الثائر بمرسية وقام بدعوة العباسية بالأندلس وتغلب على جميع شرق الأندلس ثار محمد بن يوسف بن نصر جد بني الأحمر على محمد بن يوسف بن هود وبويع له سنة تسع وعشرين وستمائة على الدعاء للأمير أبي زكريا يحيى صاحب أفريقية من بقية الموحدين وأطاعته جيان وشريش في السنة الثانية من مبايعته
ثم بايع لابن هود سنة إحدى وثلاثين عند وصول تقليد الخليفة من بغداد لابن هود
ثم تغلب على إشبيلية سنة اثنتين وثلاثين واستعيدت منه بعد شهر ورجعت لابن هود ثم تغلب على غرناطة سنة خمس وثلاثين وبايعوه وهو بجيان فقدم إليها ونزلها وابتنى بها حصن الحمراء منزلا له وهو المعبر عنه بالقصبة الحمراء وهي القلعة ثم تغلب على مالقة وأخذها من يد عبد الله بن زنون الثائر بها بعد

(5/251)


مهلك ابن هود ثم أخذ المرية من يد محمد بن الرميمي وزير ابن هود الثائر بها سنة ثلاث وأربعين
ثم بايعه أهل لورقة سنة ثلاث وستين وانتزعها ممن كانت بيده
وفي أيامه وأيام ابن هود الثائر استعاد العدو المخذول من المسلمين أكثر بلاد الأندلس وحصونه وهي بيدهم إلى الان فإنا لله وإنا إليه راجعون
وبقي حتى مات سنة إحدى وسبعين وستمائة
وقام بأمره من بعده ابنه الفقيه محمد ابن الشيخ محمد بن يوسف واستجاش بني مرين ملوك المغرب على أهل الكفر فلبوه بالإجابة وكان لهم مع طاغية الكفر وقائع أبلغت فيهم التأثير وبلغت فيهم حد النكاية وبقي حتى هلك سنة إحدى وسبعمائة
وولي من بعده ابنه محمد المخلوع ابن محمد الفقيه
ثم غلب عليه أخوه أبو الجيوش نصر بن محمد الفقيه واعتقله سنة ثمان وسبعمائة واستولى على مملكته فأساء السيرة في الرعية والصحبة لمن عنده من غزاة بني مرين
فبايعوا أبا الوليد إسماعيل ابن الرئيس أبي سعيد فرج بن إسماعيل بن يوسف بن نصر وزحف من مالقة إلى غرناطة فهزم عساكر أبي الجيوش فصالحه على الخروج إلى وادياش ولحق بها فجدد له بها ملكا إلى أن مات سنة ثنتين وعشرين وسبعمائة فدخل أبو الوليد إلى غرناطة وملكها وكان بينه وبين ملك قشتالة من ملوك النصارى واقعة بظاهر غرناطة ظهرت فيها معجزة من معجزات الدين لغلبة المسلمين مع قلتهم المشركين مع العدد الكثير وغدر به بعض قرابته من بني نصر فطعنه عندما انفض مجلسه بباب داره فقتله
وبويع لابنه محمد بن أبي الوليد إسماعيل فاستولى عليه وزيره محمد ابن المحروق وغلب عليه حتى قتله بمجلسه غدرا في سنة تسع وعشرين وسبعمائة واستبد بأمر ملكه واستجاش بني مرين على طاغية الكفر حتى

(5/252)


استرجع جبل الفتح من أيديهم سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة وغدروا به بعد رجوعه من الجبل المذكور إلى غرناطة فقتلوه بالرماح
وقدموا مكانه أخاه أبا الحجاج يوسف بن أبي الوليد إسماعيل وهو الذي ذكر في التعريف أنه كان في زمانه
وفي أيامه تغلب النصارى على الجزيرة الخضراء وأخذوها وأخذوا صلحا سنة ثلاث وأربعين بعد حروب عظيمة قتل ولد السلطان أبي الحسن المريني في بعضها وكان هو بنفسه في بعضها
ولم يزل حتى مات يوم الفطر سنة خمس وخمسين وسبعمائة طعن في سجوده في صلاة العيد وقتل للحين قاتله
وولي مكانه ابنه محمد بن يوسف وقام بأمره مولاهم رضوان الحاجب فغلبه عليه وحجبه
وكان أخوه إسماعيل ببعض قصور الحمراء وكانت له ذمة وصهر من محمد بن عبد الله بن إسماعيل بن محمد ابن الرئيس أبي سعيد فسلط محمد هذا بعض الزعانفة فتسور حصن الحمراء على الحاجب فقتله وأخرج صهره إسماعيل ونصبه للملك وخلع أخاه السلطان محمدا وكان بروضة خارج الحمراء ففر إلى السلطان أبي سالم بن أبي الحسن المريني ملك المغرب فأحسن نزله وأكرمه
واستقل أخوه إسماعيل بن يوسف بالملك في ليلة سبع وعشرين من شهر رمضان المعظم قدره سنة ستين وسبعمائة وأقام السلطان إسماعيل في الملك بالأندلس إلى أن مات أول سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة
وأقيم مكانه أبو الحجاج يوسف بن إسماعيل وبايعه الناس ومات سنة أربع وتسعين وسبعمائة

(5/253)


وبويع ابنه محمد وهو محمد بن يوسف بن محمد المخلوع بن يوسف بن إسماعيل ابن الرئيس أبي سعيد فرج بن إسماعيل بن يوسف بن نصر وقام بأمره محمد الخصاصي القائد من جماعة أبيه وقد شغل الله طاغية الكفر بما وقع بينه وبين أخيه من الفتن المستأصلة فامتنع صاحب الأندلس عما كان يؤديه من الإتاوة للنصارى في كل سنة وامتنع ذلك من استقبال سنة ثنتين وسبعين وسبعمائة وإلى هذا الوقت
( ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال )
واعلم أنه لما افتتح المسلمون الأندلس أجفلت أمم النصرانية أمامهم إلى سيف البحر من جانب الجوف وتجاوزوا الدروب من وراء قشتالة واجتمعوا بجليقية وملكوا عليهم بلاية بن قاقلة فأقام في الملك تسع عشرة سنة وهلك سنة ثلاث وثلاثين ومائة من الهجرة
وولي ابنه قاقلة سنتين ثم هلك فولوا عليهم بعده أدفونش بن بطرة من الجلالقة أو القوط واتصل الملك في عقبه إلى الان فجمعهم أدفونش المذكور على حماية ما بقي من أرضهم بعد ما ملك المسلمون عامتها وانتهوا إلى جليقية وهلك سنة ثنتين وأربعين ومائة لثمان عشرة سنة من ملكه
وولي بعده ابنه فرويلة إحدى عشرة سنة قوي فيها سلطانه وقارنه اشتغال عبد الرحمن الداخل أول خلفاء بني أمية بتمهيد أمره فاسترجع مدينة لك وبرتقال وسمورة وسلمنقة وشقوبية وقشتالة بعد أن فتحها المسلمون وصارت في مملكتهم وهلك سنة ثنتين وخمسين
وولي ابنه أور بن فرويلة ست سنين وهلك سنة ثمان وخمسين

(5/254)


وولي ابنه شبلون عشر سنين وهلك سنة ثمان وستين
فولوا من بني أدفونش مكانه رجلا اسمه أدفونش فوثب عليه مورفاط فقتله وملك مكانه سبع سنين
ثم ولي منهم اخر اسمه أدفونش ثنتين وخمسين سنة وهلك سنة سبع وعشرين ومائتين
فولي ابنه ردمير واتصل الملك في عقبه على التوالي إلى أن ولي منهم ردمير بن أردون اخر ملوكهم المستبدين بأمرهم
قال ابن حيان في تاريخ الأندلس وكانت ولايته بعد ترهب أخيه أدفونش الملك قبله وذلك سنة تسع عشرة وثلثمائة في زمن الناصر الأموي الخليفة بالأندلس وتهيأ للناصر الظهور عليه إلى أن كانت وقعة الخندق سنة سبع وثلاثين وثلثمائة وحصل للمسلمين فيها الابتلاء العظيم وهلك ردمير سنة تسع وثلاثين وثلثمائة
وولي أخوه شانجة وكان معجبا تياها فوهن ملكه وضعف سلطانه ووثب عليه قوامس دولته وهم ولاة الأعمال من قبل الملك الأعظم فلم ينتظم لبني أدفونش بعدها ملك مستقل في الجلالقة إلا بعد حين وصاروا كملوك الطوائف
قال ابن حيان وذلك أن فردلند قومس ألية والقلاع وكان أعظم القوامس انتقض على شانجة المتقدم ذكره ونصب للملك مكانه ابن عمه أردون بن أدفونش واستبد عليه فمالت النصرانية عن شانجة إليه وظاهرهم ملك البشكنس على شانجة ووفد شانجة على الناصر الأموي بقرطبة صريخا فجهز معه عساكر واستولى على سمورة فملكها وأنزل المسلمين بها واتصلت الحرب بين شانجة وفردلند القومس
وفي خلال ذلك ولي الحكم المستنصر الأموي ثم هلك شانجة بن أدفونش ببطليوس
وقام بأمرهم بعده ابنه ردمير وهلك أيضا فردلند قومس ألية والقلاع

(5/255)


وقام بأمره بعده ابنه غريسة ومات الحكم المستنصر فقوي سلطان ردمير وعظمت نكايته في المسلمين إلى أن قيض الله لهم المنصور بن أبي عامر حاجب هشام فأثحن في عمل ردمير وغزاه مرارا وحاصره وافتتح شنت مانكس وخربها فتشاءمت الجلالقة بردمير ورجع إلى طاعة المنصور سنة أربع وسبعين وثلثمائة وهلك على أثرها فأطاعت أمه
واتفقت الجلالقة على برمند بن أردون فعقد له المنصور على سمورة وليون وما اتصل بهما من أعمال غليسية إلى البحر الأخضر فقبل ثم انتقض فغزاه المنصور سنة ثمان وسبعين وثلثمائة فافتتح ليون وسمورة ولم يبق بعدها للجلالقة إلا حصون يسيرة بالجبل الحاجز بينهم وبين البحر الأخضر ولم يزل المنصور به حتى ضرب عليه الجزية وأنزل المسلمين مدينة سمورة سنة تسع وثمانين وثلثمائة وولى عليها أبا الأحوص معن بن عبد العزيز التجيبي وسار إلى غرسية بن فردلند صاحب ألية فملك عليه لشبونة قاعدة غليسية وخربها وهلك غرسية
وفولي ابنه شانجة فضرب عليه الجزية وصارت الجلالقة بأجمعهم في طاعة المنصور وهم كالعمال له
ثم انتقض برمند بن أردون فغزاه المنصور حتى بلغ شنت ياقب مكان حج النصارى ومدفن يعقوب الحواري من أقصى غليسية فأصابها خالية فهدمها ونقل أبوابها إلى قرطبة فجعلها في نصف الزيادة التي أضافها إلى المسجد الأعظم
ثم افتتح قاعدتهم شنتمرية سنة خمس وثمانين وثلثمائة ثم هلك برمند بن أردون ملك بني أدفونش
وولي ابنه أدفونش وهو سبط غرسية بن فردلند صاحب ألية وكان صغيرا فكفله منند بن غند شلب قومس غليسية إلى أن قتل منند غلية سنة ثمان

(5/256)


وتسعين وثلثمائة فاستقل أدفونش بأمره وطلب القواميس المتعذرين على أبيه وعلى من سلف من قومه مثل بني أرغومس وبني فردلند المتقدم ذكرهم بالطاعة فأطاعوا ودخلوا تحت أمره
ثم جاءت الفتنة البربرية على رأس المائة الرابعة فضعف أمر المسلمين وتغلب النصارى على ما كان المنصور تغلب عليه بقشتالة وجليقية ولم يزل أدفونش بن برمند ملكا على جليقية وأعمالها ثم كان الملك من بعده في عقبه إلى أن كان ملوك الطوائف وتغلب المرابطون ملوك الغرب من لمتونة على ملوك الطوائف بالأندلس على ما سيأتي في الكلام على مكاتبة ابن الأحمر ملك المسلمين بالأندلس
وفي بعض التواريخ أن ملك قشتالة الذي ضرب الجزية على ملوك الطوائف في سني خمسين وأربعمائة هو البيطبين وأنه لما هلك قام بأمره بنوه فردلند وغرسية وردمير
وولي أمرهم فردلند ثم هلك وخلف شانجة وغرسية والفنش فتنازعوا ثم خلص الملك للفنش واستولى على طليطلة سنة ثمان وسبعين وأربعمائة وعلى بلنسية سنة تسع وثمانين وأربعمائة ثم ارتجعها المرابطون من يده حتى استعادها النصارى سنة ست وثلاثين وستمائة
وهلك الفنش سنة إحدى وخمسمائة
وقام بأمر الجلالقة بنته وتزوجت ردمير ثم فارقته وتزوجت بعده قمطا من أقماطها فأتت منه بولد كانوا يسمونه السليطين
وأوقع ابن ردمير بابن هود سنة ثلاث وخمسمائة الواقعة التي استشهد فيها وملك منه سرقسطة
وفي بعض التواريخ أن النصارى في زمن المنصور أبي يعقوب ابن امير المؤمنين يوسف بن عبد المؤمن كان دائرا بين ثلاثة من ملوكهم الفنش والبيبوح وابن الزند وكبيرهم الفنش

(5/257)


ولما فشلت ريح بني عبد المؤمن في زمن المستنصر بن الناصر استولى الفنش على جميع ما فتحه المسلمون من معاقل الأندلس ثم هلك الفنش
وولي ابنه هراندة وكان أحول وبذلك يلقب فارتجع قرطبة وإشبيلية من أيدي المسلمين
وزحف ملك أرغون في زمنه فاستولى على ماردة وشاطبة ودانية وبلنسية وسرقسطة والزهراء والزاهرة وسائر القواعد والثغور الشرقية وانحاز المسلمون إلى سيف البحر وملكوا عليهم ابن الأحمر بعد ولاية ابن هود
وكان استرجاع الطاغية ماردة سنة ست وعشرين وستمائة وميورقة سنة سبع وعشرين وبلنسية سنة ست وثلاثين وسرقسطة وشاطبة قبل ذلك بزمن طويل
ثم هلك هراندة وولي ابنه شانجة ثم هلك سنة ثلاث وتسعين
وولي ابنه هراندة وكان بينه وبين عساكر يعقوب بن عبد الحق سلطان الغرب الواصلة إلى الأندلس حروب متصلة الغلب فيها لعساكر ابن عبد الحق ثم خرج على هراندة هذا ابنه شانجة فوفد هراندة على السلطان يعقوب بن عبد الحق فقبل يده واستجاشه على ولده شانجة فقبل وفادته وأمده بالمال والعساكر ورهن عنده على المال التاج المعروف من ذخائر سلفهم فهو عند بني عبد الحق إلى الان
ثم هلك هراندة سنة ثلاث وثلاثين وستمائة واستقل ابنه شانجة بالملك ووفد على يوسف بن يعقوب بالجزيرة الخضراء بعد مهلك أبيه يعقوب ابن عبد الحق وعقد معه الهدنة ثم نقض واستولى على مدينة طريف سنة ثلاث وتسعين وستمائة ثم هلك سنة ثنتي عشرة وسبعمائة

(5/258)


فولي ابنه بطرة صغيرا وكفله عمه جوان وهلكا جميعا على غرناطة عند زحفهما إليها سنة ثمان عشرة وسبعمائة
فولي ابنه الهنشة بن بطرة صغيرا وكفله زعماء دولته ثم استقل بأمره وهلك محاصرا جبل الفتح سنة إحدى وخمسين وسبعمائة في الطاعون الجارف
وولي ابنه بطرة وفر ابنه القمط إلى برشلونة فاستجاش صاحبها على أخيه بطرة فأجابه وزحف إليه بطرة فاستولى على كثير من بلاده ثم كان الغلب للقمط سنة ثمان وستين وسبعمائة واستولى على بلاد قشتالة وزحفت إليهم أمم النصرانية ولحق بطرة بأمم الفرنج الذين وراء قشتالة في الجوف بجهات الليمانية وبرطانية إلى ساحل البحر الأخضر وجزائره فزوج بنته من ابن ملكهم الأعظم المعروف بالبنس غالس وأمده بأمم لا تحصى فملك قشتالة والقرنتيرة واتصلت الحرب بعد ذلك بين بطرة وأخيه القمط إلى أن غلبه القمط وقتله سنة ثنتين وسبعين وسبعمائة واستولى القمط على ملك بني أدفونش أجمعه واستقام له أمره قشتالة ونازعه البنس غالس ملك الإفرنجة بابنه الذي هو من بنت بطرة وطلب له الملك على عادتهم في تمليك ابن البنت واتصلت الحرب بينهما وشغله ذلك عن المسلمين فامتنعوا عن أداء الإتاوة التي كانوا يؤدونها إلى من كان قبله وهلك القمط سنة إحدى وثمانين وسبعمائة
فولي ابنه دن جوان وفر أخوه غريس ولحق بالبرتغال واستجاش على أخيه بجموع كثيرة ثم رجع إليه واصطلح عليه ثم هلك دن جوان سنة إحدى وتسعين وسبعمائة ونصب قومه في الملك ابنه بطرة صبيا صغيرا لم يبلغ الحلم وقام بكفالته وتدبير دولته اليركيش خال جده القمط بن الهنشه والأمر على ذلك إلى الان وفتنهم مع البنس غالس ومع الفرنج متصلة وأيديهم عن المسلمين مكفوفة

(5/259)


( والله من ورائهم محيط )
قلت والممالك القائمة بجزيرة الأندلس الان من ممالك النصرانية أربع ممالك
المملكة الأولى مملكة قشتالة
التي عليها سياقة الحديث إلى أن صارت إلى بطرة بن دن جوان المتقدم ذكره
وهي مملكة عظيمة وعمالات متسعة تشتمل على طيطلة واشبيلية وقشتالة وغليسية والقرنبيرة وهي بسط من الغرب إلى الشرق ويقال لملكها الأدفونش والعامة تسميه الفنش
المملكة الثانية مملكة البرتغال
وهي في الجانب الغربي من قشتالة وهي عمالة صغيرة تشتمل على أشبونة وغرب الأندلس وهي الان من أعمال جليقية إلا أن صاحبها متميز بسمته وملكه
المملكة الثالثة مملكة برشلونة
وهي بجهة شرق الاندلس وهي مملكة كبيرة وعمالات واسعة تشتمل على برشلونة وأرغون وشاطبة وسرقسطة وبلنسية وجزيرة دانية وميورقة وكان ملكهم بعد العشرين والسبعمائة اسمه بطرة وطال عمره وهلك سنة سبع وثمانين وسبعمائة وانفرد أخوه الدك بملك سرقسطة مقاسما لأخيه ثم سار بعد

(5/260)


ذلك في أسطول فملك جزيرة صقلية من أيدي أهلها وصارت داخلة في أعمالهم
المملكة الرابعة مملكة نبرة مما يلي قشتالة من جهة الشرق فاصلا بين عمالات ملك قشتالة وعمالات ملك برشلونة
وهي عمالة صغيرة وقاعدتها مدينة ينبلونة وملكها ملك البشكنس
أما ما وراء الأندلس من الفرنج فأمم لا تحصى وسيأتي الكلام على ذكر ملكهم الأكبر ريدفرنس فيما بعد إن شاء الله تعالى
الجملة السادسة في ترتيب هذه المملكة
أما مملكة المسلمين فلا يخفى أنها في معنى بلاد المغرب
وفي كثير من الأوقات يملكهم ملوك المغرب الأقصى فبالضرورة إن ترتيبهم جار على ترتيب بلاد الغرب
وقد ذكر في مسالك الأبصار أن أهل الأندلس في الجملة لا يتعممون بل يتعهدون شعورهم بالتنظيف والحناء ما لم يغلب الشيب ويتطيلسون فيلقون الطيلسان على الكتف أو الكتفين مطويا طيا ظريفا والمتع مم فيهم قليل ويلبسون الثياب الرفيعة الملونة من الصوف والكتان ونحو ذلك وأكثر لباسهم في الشتاء الجوخ وفي الصيف البياض
قال وأرزاق الجند به ذهب بحسب مراتبهم وأكثرهم من بر العدوة من بني مرين وبني عبد الواد وغيرهم
والسلطان مسكنه القصور الرفيعة ويقعد السلطان للناس بدار العدل في مكان يعرف بالسبيكة من القصبة الحمراء التي هي القلعة يوم الاثنين ويوم الخميس صباحا ويحضر معه المجلس الرؤساء من أقاربه ونحوهم ويقرأ بمجلسه عشر من القران وشيء من الحديث النبوي ويأخذ الوزير القصص من الناس فتقرأ عليه
وأما

(5/261)


الحرب فإنهم فيها سجال تارة لهم وتارة عليهم والنصر في الأغلب للمسلمين على قلتهم وكثرة عدوهم بقوة الله تعالى
وبالبلاد البحرية أسطول الحراريق المفرق في البحر الشامي يركبها الأنجاد من الرماة والرؤساء المهرة فيقاتلون العدو على ظهر البحر وهم الظافرون في الغالب ويغيرون على بلاد النصارى بالساحل وما هو بقربه فيأسرون أهلها ذكورهم وإناثهم ويأتون بهم بلاد المسلمين فيبرزون بهم ويحملونهم إلى غرناطة إلى السلطان فيأخذ منهم ما يشاء ويهدي ويبيع
وقد كانت لهم وقيعة في الإفرنج سنة تسع عشرة وسبعمائة على مرج غرناطة قتل فيها من الإفرنج أكثر من ستين ألفا وملكان وهما بطرة وجوان عمه ففديت جيفة جوان بأموال عظيمة
وحملت جثة بطرة إلى غرناطة فعلقت على باب قلعتها في تابوت واستمرت معلقة هناك وحاز المسلمون غنيمة من أموالهم قلما يذكر مثلها في تاريخ ( وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم )
وقد تقدم في المقالة الأولى في الكلام على النوع الرابع مما يحتاج إليه الكاتب وهو حفظ كتاب الله تعالى أن بعض ملوك الفرنج إلى ابن الأحمر صاحب غرناطة كتابا يهدده فيه فكان جوابه أن قلبه وكتب على ظهره ( ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون )
وأما ملوك الفرنج به فعلى ترتيب سائر ممالك الفرنج مما هو غير معلوم لنا

(5/262)


الفصل الثالث من المقالة الثانية في الجهة الجنوبية عن مملكة الديار المصرية من مصر والشام والحجاز ومضافاتها مما هو واقع في الثاني والثالث والرابع من الأقاليم السبعة
اعلم أنه قد دخل في جهتي الشرق والغرب المتقدمتين ذكر أماكن مما هو في جهة الجنوب على مملكة الديار المصرية ومضافاتها انساق الكلام إليها استطرادا واستتباعا كأطراف اليمن والهند والصين الجنوبية الخارجة عن الإقليم الثاني إلى جهة الجنوب مما استتبعته ممالك الشرق والمقصود الان الكلام على ما عدا ذلك وهو بلاد السودان
وهي بلاد متسعة الارجاء رحبة الجوانب حدها من الغرب البحر المحيط الغربي ومن الجنوب الخراب مما يلي خط الاستواء ومن الشرق بحر القلزم مما يقابل بلاد اليمن والأمكنة المجهولة الحال شرقي بلاد الزنج في جنوبي البحر الهندي ومن الشمال البراري الممتدة فيما بين الديار المصرية وأرض برقة وبلاد البربر من جنوبي المغرب إلى البحر المحيط
والمشهور منها ست مماليك
المملكة الأولى بلاد البجا
والبجا بضم الباء الموحدة وفتح الجيم وألف في الاخر
وهم من أصفى السودان لونا
قال ابن سعيد وهم مسلمون ونصارى وأصحاب أوثان ومواطنهم

(5/263)


في جنوبي صعيد مصر مما يلي الشرق فيما بين بحر القلزم وبين نهر النيل على القرب من الديار المصرية
وقاعدتهم سواكن بفتح السين المهملة والواو وكسر الكاف ونون في الاخر
وقال في تقويم البلدان في الكلام على بحر القلزم وهي بليدة للسودان حيث الطول ثمان وخمسون درجة والعرض إحدى وعشرون درجة
قلت وقد أخبرني من راها أنها جزيرة على طرف بحر القلزم من جهته الغربية قريبة من البر يسكنها التجار
وصاحبها الان من العرب المعروفين بالحداربة بالحاء والدال المهملتين المفتوحتين وألف ثم راء مهملة وباء موحدة مفتوحة وهاء في الاخر وله مكاتبة عن الأبواب السلطانية بالديار المصرية ويقال في تعريفه الحدربي بضم الحاء وسكون الدال وضم الراء على ما سيأتي ذكره في الكلام على المكاتبات في المقالة الرابعة فيما بعد إن شاء الله تعالى
وقد عد في تقويم البلدان من مدن البجا العلاقي بفتح العين المهملة واللام المشددة ثم ألف وقاف مكسورة ثم ياء مثناة من تحت
من اخر الإقليم الأول من الأقاليم السبعة
قال في الأطوال حيث الطول ثمان وخمسون درجة والعرض ست وعشرون درجة
قال في تقويم البلدان وهي بالقرب من بحر القلزم ولها مغاص ليس بالجيد وبجبلها معدن ذهب يتحصل منه بقدر ما ينفق في استخراجه
قال المهلبي إذا أخذت من أسوان في سمت المشرق تصل إلى العلاقي بعد اثنتى عشرة مرحلة
قال وبين العلاقي وعيذاب ثمان مراحل ومن العلاقي يدخل إلى بلاد البجا
المملكة الثانية بلاد النوبة
بضم النون وسكون الواو وفتح الباء الموحدة وهاء في الاخر
ولون بعضهم يميل إلى الصفاء وبعضهم شديد السواد
قال في مسالك الأبصار وبلادهم مما يلي مصر في نهاية جنوبيها ممايلي المغرب على ضفتي النيل الجاري

(5/264)


إلى مصر
قال في تقويم البلدان في الكلام على الجانب الجنوبي وبينها وبين بلاد النوبة جبال منيعة
وقاعدتها مدينة دنقلة
قال في تقويم البلدان الظاهر أنها بضم الدال المهلمة وسكون النون وقاف مضمومة ولام مفتوحة وهاء في الاخر
وما قاله هو الجاري على ألسنة أهل الديار المصرية ورأيتها في الروض المعطار مكتوبة دمقلة بإبدال النون ميما مضبوطة بفتح الدال وباقي الضبط على ما تقدم
وأنشد بيت شعر شاهدا لذلك
وموقعها في الإقليم الأول من الأقاليم السبعة
قال ابن سعيد حيث الطول ثمان وخمسون درجة وعشر دقائق والعرض أربع عشرة درجة وخمس عشرة دقيقة
قال وفي جنوبيها وغربيها مجالات زنج النوبة الذين قاعدتهم كوشة خلف الخط وفي غربي دنقلة وشماليها مدنهم المذكورة في الكتب
قال الأدريسي وهي في غربي النيل على ضفته وشرب أهلها منه
قال وأهلها سودان لكنهم أحسن السودان وجوها وأجملهم شكلا وطعامهم الشعير والذرة والتمر يجلب إليهم
واللحوم التي يستعملونها لحوم الإبل طرية ومقددة ومطبوخة
وفي بلادهم الفيلة والزراريف والغزلان
قال في مسالك الأبصار ومدنها أشبه بالقرى والضياع من المدن قليلة الخير والخصب يابسة الهواء
قال وحدثني غير واحد ممن دخل النوبة أن مدينة دنقلة ممتدة على النيل وأهلها في شظف من العيش والحبوب عندهم قليلة إلا الذرة وإنما تكثر عندهم اللحوم والألبان والسمك وأفخر أطبختهم أن تطبخ اللوبيا في مرق اللحم ويثرد ويصف اللحم واللوبيا على وجه الثريد
وربما عملت اللوبيا بورقها وعروقها
قال ولهم انهماك على السكر بالمزر وميل عظيم إلى الطرب

(5/265)


ولما خاف بنو أيوب نور الدين الشهيد صاحب الشام على أنفسهم حين هم بقصدهم بعث السلطان صلاح الدين أخاه شمس الدولة إلى النوبة ليأخذها لتكون موئلا لهم إذا قصدهم فرأوها لا تصلح لمثلهم فعدلوا إلى اليمن واستولوا عليها وجعلوها كالمعقل لهم
قال ابن سعيد ودين أهل هذه البلاد النصرانية
قال في مسالك الأبصار ومن هذه البلاد نجم لقمان الحكيم ثم سكن مدينة أيلة ثم دخل إلى بيت المقدس ومنها أيضا ذو النون المصري الزاهد المشهور وإنما سمي المصري لأنه سكن مصر فنسب إليها
وكان ملوكها في الزمن القديم وسائر أهلها على دين النصرانية فلما فتح عمرو بن العاص رضي الله عنه مصر غزاهم
قال في الروض المعطار فراهم يرمون الحدق بالنبل فكف عنهم وقرر عليهم إتاوة في كل سنة
قال صاحب العبر وعلى ذلك جرى ملوك مصر بعده وربما كانوا يماطلون بذلك ويمتنعون من أدائه فتغزوهم عساكر المسلمين من مصر حتى يطيعوا إلى أن كان ملكهم في أيام الظاهر بيبرس رحمه الله رجلا اسمه مرقشنكز وكان له ابن أخ اسمه داود فتغلب عليه وانتزع الملك من يده واستفحل ملكه بها وتجاوز حدود مملكته قريب أسوان من اخر صعيد الديار المصرية فقدم مرقشنكز المذكور على الظاهر بيبرس بالديار المصرية واستنجده على ابن أخيه داود المذكور فجهز معه العساكر إلى بلاد النوبة فانهزم داود ولحق بمملكة الأبواب من بلاد السودان فقبض عليه ملكها وبعث به مقيدا إلى الظاهر بيبرس

(5/266)


فاعتقل بالقلعة حتى مات واستقر مرقشنكز في ملك النوبة على جزية يؤديها في كل سنة إلى أن كانت دولة المنصور قلاوون ثم استقر بمملكة دنقلة في الدولة المنصورية قلاوون رجل اسمه سيمامون وغزته عساكر قلاوون سنة ثمانين وستمائة
ثم ملكهم في أيام الناصر محمد بن قلاوون رجل اسمه أمي وبقي حتى توفي سنة ست عشرة وسبعمائة
وملك بعد دنقلة أخوه كرنبس
ثم خرج من بيت الملك منهم رجل اسمه نشلى فهاجر إلى مصر وأسلم وحسن إسلامه وأقام بمصر بالأبواب السلطانية وأجرى عليه السلطان الملك الناصر رزقا ولم يزل حتى امتنع كرنبس من أداء الجزية سنة ست عشرة وسبعمائة فجهز إليه السلطان العساكر مع نشلى المقدم ذكره وقد تسمى عبد الله ففر كرنبس إلى بلاد الأبواب فاستقر عبد الله نشلى في ملك دنقلة على دين الإسلام ورجعت العساكر إلى مصر وبعث الملك الناصر إلى ملك الإبواب في أمر كرنبس فبعث به إليه فأسلم وأقام بباب السلطان وبقي نشلى في الملك حتى قتله أهل مملكته سنة تسع عشرة وسبعمائة فبعث السلطان كرنبس إليهم فملكهم وانقطعت الجزية عنهم من حين أسلم ملوكهم
قال في العبر ثم انتشرت احياء جهينة من العرب في بلادهم واستوطنوها وعاثو فسادا وعجز ملوك النوبة عن مدافعتهم فصاهروهم مصانعة لهم وتفرق بسبب ذلك ملكهم حتى صار لبعض جهينة من أمهاتهم على رأي العجم في تمليك الأخت وابن الأخت فتمزق ملكهم واستولت جهينة على بلادهم ولم يحسنوا سياسة الملك ولم ينقد بعضهم إلى بعض فصاروا شيعا ولم يبق لهم رسم ملك وصاروا رحالة بادية

(5/267)


على عادة العرب إلى هذا الزمان
وذكر في مسالك الأبصار أن ملكها الان مسلم من أولاد كنز الدولة قال وأولاد الكنز هؤلاء أهل بيت ثارت لهم ثوائر مرات
فيحتمل أن أولاد الكنز من جهينة أيضا جميعا بين المقالتين
وقد ذكر في مسالك الأبصار أن سلطانهم كواحد من العامة وأنه تأوي الغرباء إلى جامع دنقلة فيرسل إليهم فيأتونه فيضيفهم وينعم عليهم هو وأمراؤه وأن غالب عطائهم الدكاديك وهي أكسية غلاظ غالبها سود وربما أعطوا عبدا أو جارية
وقد ذكر في الروض المعطار أن عمرو بن العاص رضي الله عنه قصد قتال النوبة فراهم يرمون الحدق بالنبل فكف عنهم وقرر عليهم إتاوة من الرقيق في كل سنة ولم تزل ملوك مصر تأخذ منهم هذه الإتاوة في أكثر الأوقات حتى ذكر في مسالك الأبصار أنه كان عليهم في زمنه مقرر لصاحب مصر في كل سنة من العبيد والإماء والحراب والوحوش النوبية
قلت أما الان فقد انقطع ذلك
( وربك يخلق ما يشاء ويختار )
المملكة الثالثة بلاد البرنو
وبلاد البرنو بفتح الباء الموحدة وسكون الراء المهملة وضم النون وسكون الواو
وهم مسلمون والغالب على ألوانهم السواد قال في التعريف وبلاده تحد بلاد التكرور من الشرق ثم يكون حدها من الشمال بلاد أفريقية ومن الجنوب الهمج

(5/268)


وقاعدتهم مدينة كاكا بكافين بعد كل منهما ألف فيما ذكر لي رسول سلطانهم الواصل إلى الديار المصرية صحبة الحجيج في الدولة الظاهرية برقوق
وقد تعرض إليها في مسالك الأبصار في تحديد مملكة مالي على ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى
ومن مدنهم أيضا مدينة كتنسكي بكاف مضمومة وتاء مثناة فوقية ساكنة ونون مكسورة وسين مهملة ساكنة وكاف مكسورة بعدها ياء مثناة تحتية
وهي شرقي كاكا على مسيرة يوم واحد منها
قلت وقد وصل كتاب ملك البرنو في أواخر الدولة الظاهرية برقوق يذكر فيه أنه من ذرية سيف بن ذي يزن إلا أنه لم يحقق النسب فذكر أنه من قريش وهو غلط منهم فإن سيف بن ذي يزن من أعقاب تبابعة اليمن من حمير
على ما يأتي ذكره في الكلام على المكاتبات في المقالة الرابعة فيما بعد إن شاء الله تعالى
ولصاحب البرنو هذا مكاتبة عن الأبواب السلطانية بالديار المصرية يأتي ذكرها هناك إن شاء الله تعالى
المملكة الرابعة بلاد الكانم
والكانم بكاف بعدها ألف ثم نون مكسورة وميم في الاخر
وهم مسلمون أيضا والغالب على ألوانهم السواد
قال في مسالك الأبصار وبلادهم بين

(5/269)


أفريقية وبرقة ممتدة في الجنوب إلى سمت الغرب الأوسط
قال وهي بلاد قحط وشظف وسوء مزاج مستول عليها
وغالب عيشهم الأرز والقمح والذرة وببلادهم التين والليمون واللفت والباذنجان والرطب
وذكر عن أبي عبد الله السلايحي عن الشيخ عثمان الكانمي وغيره أن الأرز ينبت عندهم من غير بذر
ومعاملتهم بقماش ينسج عندهم اسمه دندي طول كل ثوب عشرة أذرع فأكثر
قال ويتعاملون أيضا بالودع والخرز والنحاس المكسور والورق لكنه جميعه يسعر بذلك القماش
وذكر ابن سعيد أن في جنوبيها صحارى فيها أشخاص متوحشة كالغول أقرب الحيوانات إلى الشكل الادمي تؤذي بني ادم ولا يلحقها الفارس
وذكر أبو عبد الله المراكشي في كتابه التكملة عن أبي اسحاق إبراهيم الكانمي الأديب الشاعر أنه يظهر ببلاد الكانم في الليل أمام الماشي بالقرب منه قلل نار تضيء فإذا مشى بعدت منه فلا يصل إليها ولو جرى بل لا تزال أمامه
وربما رماها بحجر فأصابها فيتشظى منها شرارات
قال في مسالك الأبصا وأحوالها وأحوال أهلها حسنة وربما كان فيهم من أخذ في التعليم ونظر من الأدب نظرة النجوم فقال إني سقيم فما يزال يداوي عليل فهمه ويداري جامح علمه حتى تشرق عليه أشعتها ويطرز بديباجه أمتعتها
وقاعدتها مدينة جيمي
قال في تقويم البلدان بكسر الجيم وبالياء المثناة تحت الساكنة وكسر الميم ثم ياء مثناة تحتية في الاخر
حسب ما هو في خط ابن سعيد
وموقعها في الإقليم الأول من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد حيث الطول ثلاث وخمسون درجة والعرض تسع درج وبها مقرة سلطانهم
قال في مسالك الأبصار ومبدأ هذه المملكة من جهة مصر بلدة اسمها دلا واخرها طولا بلدة يقال لها كاكا وبينهما نحو ثلاثة أشهر
وقد تقدم أن كاكا هي قاعدة سلطان البرنو
وبينها وبين جيمي أربعون ميلا
قال وبها فواكه لا تشبه فواكه بلادنا وبها الرمان والخوخ وقصب السكر
قال في مسالك الأبصار

(5/270)


وسلطان هذه البلاد رجل مسلم
قال في تقويم البلدان وهو من ولد سيف بن ذي يزن
قال في مسالك الأبصار وأول من بث الإسلام فيهم الهادي العثماني ادعى أنه ولد عثمان بن عفان رضي الله عنه وملكها ثم صارت بعده لليزنيين
وذكر في التعريف أن سلطان الكانم من بيت قديم في الإسلام وقد جاء منهم من ادعى النسب العلوي في بني الحسن
ثم قال وتمذهب بمذهب الشافعي رضي الله عنه
قال في مسالك الأبصار وملكهم على حقارة سلطانه وسوء بقعة مكانه في غاية لا تدرك من الكبرياء يمسح برأسه عنان السماء مع ضعف أجناد وقلة متحصل بلاد لا يراه أحد إلا في يوم العيدين بكرة وعند العصر
أما في سائر السنة فلا يكلمه أحد ولو كان أميرا إلا من وراء حجاب
قال والعدل قائم في بلادهم ويتمذهبون بمذهب الإمام مالك رضي الله عنه وهم ذوو اختصار في اللباس يابسون في الدين وعسكرهم يتلثمون وقد بنوا مدرسة للمالكية بالفسطاط ينزل بها وفودهم
المملكة الخامسة بلاد مالي ومضافاتها
ومالي بفتح الميم وألف بعدها لام مشددة مفخمة وياء مثناة تحت في الاخر
وهي المعروفة عند العامة ببلاد التكرور
قال في مسالك الأبصار وهذه المملكة في جنوب المغرب متصلة بالبحر المحيط
قال في التعريف وحدها في الغرب البحر المحيط وفي الشرق بلاد البرنو وفي الشمال جبال البربر وفي الجنوب الهمج
ونقل عن الشيخ سعيد الدكالي أنها تقع في جنوب مراكش ودواخل بر العدوة جنوبا بغرب إلى البحر المحيط
قال في مسالك الأبصار وهي شديدة الحر قشفة المعيشة قليلة أنواع الأقوات وأهلها طوال

(5/271)


في غاية السواد وتفلفل الشعور وغالب طول أهلها من سوقهم لا من هياكل أبدانهم
قال ابن سعيد والتكرور قسمان قسم حضر يسكنون المدن وقسم رحالة في البوادي
وقد حكى في مسالك الأبصار عن الشيخ سعيد الدكالي أن هذه المملكة مربعة طولها أربعة أشهر أو أزيد وعرضها مثل ذلك
وجميعها مسكونة إلا ما قل وهذه المملكة هي أعظم ممالك السودان المسلمين
وتشتمل على ثمان جمل
الجملة الأولى في ذكر أقاليمها ومدنها
وقد ذكر صاحب العبر أنها تشتمل على خمسة أقاليم كل إقليم منها مملكة بذاتها
الإقليم الأول مالي
وقد تقدم ضبطه
وهو إقليم واسطة الأقاليم السبعة الداخلة في هذه المملكة واقع بين إقليم صوصو وإقليم كوكو صوصو من غربيه وكوكو من شرقيه
وقاعدته على ما ذكره في مسالك الأبصار مدينة بني قال في مسالك الأبصار بالباء الموحدة والنون ثم الباء الموحدة ايضا
قال وهي ممتدة تقدير طول بريد في عرض مثل ذلك ومبانيها متفرقة وبناؤها بالبالستا
وهو أنه يبنى بالطين بقدر ثلثي ذراع ثم يترك حتى يجف ثم يبنى عليه مثله وكذلك حتى

(5/272)


ينتهي وسقوفها بالخشب والقصب وغالبها قباب أو جملونات كالأقباء وأرضها تراب مرمل وليس لها سور بل يستدير بها عدة فروع من النيل من جهاتها الأربع بعضها يخاض في أيام قلة الماء وبعضها لا يعبر فيه إلا في السفن
وللملك عدة قصور يدور بها سور واحد
الإقليم الثاني صوصو
بصادين مهملتين مضمومتين بعد كل منهما واو ساكنة
وربما أبدلوا الصاد سينا مهملة سمي بذلك باسم سكانه
قال في العبر وهم يسمونها الانكارية
وهو في الغرب عن إقليم مالي المقدم ذكره فيما ذكره في العبر عن بعض البقلة
الإقليم الثالث بلاد غانة
بفتح الغين المعجمة وألف ثم نون مفتوحة وهاء في الاخر
وهي غربي إقليم صوصو المقدم ذكره تجاور البحر المحيط الغربي
وقاعدته مدينة غانة التي قد أضيف إليها
قال في تقويم البلدان وموقعها خارج الإقليم الأول من الأقاليم السبعة إلى الجنوب
قال ابن سعيد حيث الطول تسع وعشرون درجة والعرض عشر درج
قال في تقويم البلدان وهي محل سلطان بلاد غانة
وقد حكى ابن سعيد أن لغانة نيلا شقيق نيل مصر يصب في البحر المحيط الغربي عند طول عشر درج ونصف وعرض أربع عشرة
وإليها تسير التجار المغاربة من سجلماسة في بر مقفر ومفاوز عظيمة في جنوب الغرب نحو خمسين يوما فيكون بين غانة وبين مصبه نحو أربع درج
وهي مبينة على ضفتي

(5/273)


نيلها هذا
قال في العبر وكان أهلها قد أسلموا في أول الفتح الإسلامي
وقد ذكر في تقويم البلدان أنها مدينتان على ضفتي نيلها إحداهما يسكنها المسلمون والثانية يسكنها الكفار
وقد ذكر في الروض المعطار أن لصاحب غانة معلفين من ذهب يربط عليهما فرسان له أيام مقعده
الإقليم الرابع بلاد كوكو
وهي شرقي إقليم مالي المقدم ذكره
قال في الروض المعطار وملكها قائم بنفسه له حشم وقواد وأجناد وزي كامل وهم يركبون الخيل والجمال ولهم بأس وقهر لمن جاورهم من الأمم
قال وبها ينبت عود الحية وهو عود يشبه العاقر قرحا إلا أنه أسود من خاصته أنه إذا وضع على جحر الحية خرجت إليه بسرعة ومن أمسكه بيده أخذ من الحيات ما شاء من غير جزع يدركه أو يقع في نفسه
ثم قال والصحيح عند أهل المغرب الأقصى أن هذا العود إذا أمسكه ممسك بيده أو علقه في عنقه لم تقربه حية البتة
وقاعدته مدينة كوكو بفتح الكاف وسكون الواو وفتح الكاف الثانية وسكون الواو بعدها
وموقعها في الجنوب عن الإقليم الأول قال ابن سعيد حيث الطول أربع وأربعون درجة والعرض عشر درج
قال وهي مقر صاحب تلك البلاد
قال وهو كافر يقاتل من غربيه من مسلمي غانة ومن شرقيه من مسلمي الكانم
وذكر المهلبي في العزيزي أنهم مسلمون وبينهما وبين مدينة غانة مسيرة شهر ونصف
قال في الروض المعطار وهي مدينة كبيرة على ضفة نهر يخرج من ناحية الشمال يمر بها ويجاوزها بأيام كثيرة ثم يغوص في الصحراء في رمال كما يغوص الفرات في بطائح العراق
قال ابن سعيد وكوكو في شرقي النهر ولباس عامة أهلها الجلود يسترون بها عوراتهم وتجارهم يلبسون الأكسية وعلى

(5/274)


رؤوسهم الكرازين ولبس خواصهم الأزرق
قال في مسالك الأبصار وسكانها قبائل يرنان من السودان
الإقليم الخامس بلاد تكرور
وهي شرقي إقليم كوكو المقدم ذكره ويليه من جهة الغرب مملكة البرنو المتقدمة الذكر وبها عرفت هذه المملكة على كبرها واشتهرت
وقاعدتها مدينة تكرور بفتح التاء المثناة فوق وسكون الكاف وضم الراء المهملة وسكون الواو وراء مهملة في الاخر
قال في الروض المعطار وهي مدينة على النيل على القرب من ضفافه أكبر من مدينة سلا من بلاد المغرب وطعام أهلها السمك والذرة والألبان وأكثر مواشيهم الجمال والمعز ولباس عامة أهلها الصوف وعلى رؤوسهم كرازين صوف ولباس خاصتهم القطن والمازر
قال وبينها وبين سجلماسة من بلاد المغرب أربعون يوما بسير القوافل وأقرب البلاد إليها من بلاد لمتونة بالصحراء اسفي بينهما خمس وعشرون مرحلة
قال وأكثر ما يسافر به تجار الغرب الأقصى إليها الصوف والنحاس والخرز ويخرجون منها بالتبر والخدم
قلت وذكر في مسالك الأبصار أن هذه المملكة تشتمل على أربعة عشر إقليما وهي غانة وزافون وترنكا وتكرور وسنغانة وبانبغو وزرنطابنا وبيترا ودمورا وزاغا وكابرا وبراغودي وكوكو ومالي
فذكر أربعة من الأقاليم الخمسة المتقدمة الذكر وأسقط إقليم صوصو وكأنها قد اضمحلت وزاد باقي ذلك فيحتمل انها انضافت إلى صاحبها يومئذ بالفتح والاستيلاء عليها
قال في مسالك الأبصار وفي شمالي بلاد مالي قبائل من البربر بيض تحت حكم سلطانها وهم نيتصر ونيتغراس ومدوسة ولمتونة ولهم أشياخ تحكم عليهم إلا نيتصر فإنهم يتداولهم ملوك منهم تحت حكم صاحب مالي
قال وكذلك في طاعته قوم من الكفار بعضهم يأكل لحم الادميين
ونقل عن

(5/275)


الشيخ سعيد الدكالي أن في طاعة سلطانها بلاد مغارة الذهب
وهم بلاد همج وعليهم إتاوة من التبر تحمل إليه في كل سنة ولو شاء أخذهم ولكن ملوك هذه المملكة قد جربوا أنه ما فتحت مدينة من هذه المدن وفشا بها الإسلام ونطق بها داعي الأذان إلا قل بها وجود الذهب ثم يتلاشى حتى يعدم ويزداد فيما يليه من بلاد الكفار فرضوا منهم ببذل الطاعة وحمل قرر عليهم
وذكر نحو ذلك في التعريف في الكلام على غانة
الجملة الثانية في الموجود بهذه المملكة
قد ذكر في مسالك الأبصار عن الشيخ سعيد الدكالي أن بها الخيل من نوع الأكاديش التترية
قال وتجلب الخيل العراب إلى ملوكهم يتغالون في أثمانها وكذلك عندهم البغال والحمير والبقر والغنم ولكنها كلها صغيرة الجثة وتلد الواحدة من المعز عندهم السبعة والثمانية ولا مرعى لمواشيهم إنما هي جلالة على القمامات والمزابل
وبها من الوحوش الفيلة والاساد والنمورة وكلها لا تؤذي من بني ادم إلا من تعرض لها
وعندهم وحش يسمى ترمي بضم التاء المثناة والراء المهملة وتشديد الميم في قدر الذئب يتولد بين الذئب والضبع لا يكون إلا خنثى له ذكر وفرج متى وجد في الليل ادميا صغيرا أو مراهقا أكله
ولا يتعرض إلى أحد في النهار وهو ينعر كالثور وأسنانه متداخلة
وعندهم تماسيح عظام منها ما يكون طوله عشرة أذرع وأكثر ومرارته عندهم سم قاتل تحمل إلى خزانة ملكهم
وعندهم بقر الوحش وحمير الوحش والغزلان
وفيما يسامت سجلماسة من بلادهم جواميس متوحشة تصاد كما يصاد الوحش
وبها من الطيور الدواجن الإوز والدجاج والحمام
وبها من الحبوب الأرز والغوثي وهو دق مزغب يدرس فيخرج منه حب أبيض شبيه بالخردل في المقدار

(5/276)


أو أصغر منه فيغسل ثم يطحن ويعمل منه الخبز وهذا الحب هو والأرز هما غالب قوتهم وعندهم الذرة وهي أكثر حبوبهم ومنها قوتهم وعليق خيولهم ودوابهم وعندهم الحنطة على قلة فيها أما الشعير فلا وجود له عندهم البتة وعندهم من الفواكه البستانية الجميز وهو كثير لديهم وعندهم أشجار برية ذوات ثمار مأكولة مستطابة منها شجر يسمى تادموت يحمل شيئا مثل القواديس كبرا في داخلها شيء شبيه بدقيق الحنطة ساطع البياض طعمه مز لذيذ يأكلون منه وإذا جف جعلوه على الحناء فيسوده كالنوشادر ومنها شجر يسمى زبيزور تخرج ثمرته مثل قرون الخروب فيخرج منها شيء شبيه بدقيق الترمس حلو لذيذ الطعم له نوى
ومنها شجر يسمى قومي يحمل شبيه السفرجل لذيذ الطعم يشبه طعم الموز وله نوى شبيه بغضروف العظم يأكله بعضهم معه
ومنها شجر اسمه فاريتي حمله شبيه بالليمون وطعمه يشبه طعم الكمثرى بداخله نوى ملحم يؤخذ ذلك النوى وهو طري فيطحن فيخرج منه شيء شبيه بالسمن يجمد وتبيض به البيوت وتوقد منه السرج ويعمل منه الصابون وإذا قصد أكله وضع في قدر على نار لينة ويسقى الماء حتى يقوى غليانه وهو مغطى الرأس ويسارق كشف الغطاء في افتقاده فإنه متى كشف القدر فار ولحق بالسقف
وربما انعقد منه نار فأحرق البيت فإذا نضج برد وجعل في ظروف القرع وصار يستعمل في المأكل كالسمن
ومتى جعل في غير ظروف القرع من الانية خرقها
ويوجد بها من الثمرات البرية ما هو شبيه بكل الفواكه البستانية على اختلاف أنواعها ولكنها حريفة لا تستطاب يأكلها الهمج من السودان وهي قوت كثير منهم
وبها من الخضراوات اللوبياء واللفت والثوم والبصل والباذنجان والكرنب أما الملوخية فلا تطلع عندهم إلا برية والقرع عندهم بكثرة
وعندهم شيء شبيه بالقلقاس إلا أنه ألذ من القلقاس يزرع في الخلاء فإن سرق منه

(5/277)


سارق قطع الملك رأسه وعلقه مكان ما قطع منه عادة عندهم يتوارثونها خلفا عن سلف لا توجد فيها رخصة ولا تنفع فيها شفاعة
وجبالها ذوات أشجار مشتبكة غليظة السوق إلى الغابة تظل الواحدة منها خمسمائة فارس
وفيها بغانة وما وراءها في الجنوب من بلاد السودان الهمج معادن الذهب
وقد حكى في مسالك الأبصار عن الأمير أبي الحسن علي بن أمير حاجب عن السلطان منسا موسى سلطان هذه المملكة أنه سأله عند قدومه الديار المصرية حاجا عن معادن الذهب عندهم فقال توجد على نوعين نوع في زمان الربيع ينبت في الصحراء له ورق شبيه بالنجيل أصوله التبر
والثاني يوجد في أماكن معروفة على ضفات مجاري النيل تحفر هناك حفائر فيوجد فيها الذهب كالحجارة والحصى فيؤخذ
قال وكلاهما هو المسمى بالتبر
ثم قال والأول أفحل في العيار وأفضل في القيمة
وذكر في التعريف نحوه
وذكر عن الشيخ عيسى الزواوي عن السلطان منسا موسى المقدم ذكره أيضا انه يحفر في معادن الذهب كل حفيرة عمق قامة أو ما يقاربها فيوجد الذهب في جنباتها
وربما وجد مجتمعا في سفل الحفيرة وأن في مملكته أمما من الكفار لا يأخذ منهم جزية إنما يستعملهم في إخراج الذهب من معادنه
ثم قد ذكر في مسالك الأبصار أن النوع الأول من الذهب يوجد في زمن الربيع عقيب الأمطار ينبت في مواقعها والثاني يوجد في جميع السنة في ضفات مجاري النيل
وذكر في التعريف أن نبات الذهب بهذه البلاد يبدأ في شهر

(5/278)


أغشت حيث سلطان الشمس قاهر وذلك عند أخذ النيل في الارتفاع والزيادة
فإذا انحط النيل تتبع حيث ركب عليه من الأرض فيوجد منه ما هو نبات يشبه النجيل وليس به
ومنه ما يوجد كالحصى
فجعل الجميع مما يحدث في هذا الزمن في أماكن النيل خاصة وفيه مخالفة لما تقدم
بل قد قال إن شهر أغشت الذي يطلع فيه الذهب وهو من شهور الروم ويقع والله أعلم أنه يركب من تموز واب يعني من شهور السريان وهذا غلط فاحش
فقد تقدم في المقالة الأولى أن شهور الروم منطبقة على شهور السريان في الابتداء والانتهاء دون ابتداء أول السنة وشهر أغشت من شهور الروم هو شهر اب من شهور السريان بعينه
ثم قد حكى في مسالك الأبصار عن والي مصر عن منسا موسى المقدم ذكره أن الذهب ببلاده حمى له يجمع له متحصله كالقطيعة إلا ما يأخذه أهل تلك البلاد منه على سبيل السرقة
وحكي عن الشيخ سعيد الدكالي أنه إنما يهادي بشيء منه كالمصانعة وأنه يتكسب عليهم في المبيعات لأن بلادهم لا شيء بها ثم قال وكلام الدكالي أثبت وعليه ينطبق كلامه في التعريف حيث ذكر غانة
ثم قال وله عليها إتاوة مقررة تحمل إليه في كل سنة
وبهذه البلاد أيضا معدن نحاس وليس يوجد في السودان إلا عندهم
قال الشيخ عيسى الزواوي قال لي السلطان موسى إن عنده في مدينة اسمها نكوا معدن نحاس أحمر يجلب منه قضبان إلى مدينة بنبى قاعدة مالي فيبعث منه إلى بلاد السودان الكفار فيباع وزن مثقال بثلثي وزنه من الذهب يباع كل مائة مثقال من هذا النحاس بستة وستين مثقالا وثلثي مثقال من الذهب
وبهذه البلاد معدن ملح وليس في شيء من السودان الوالجين في الجنوب والمسامتين لسجلماسة وما وراءها ملح سواه
قال المقر الشهابي بن

(5/279)


فضل الله حدثني أبو عبد الله بن الصائغ أن الملح معدوم في داخل بلاد السودان فمن الناس من يغرر ويصل به إلى أناس منهم يبذلون نظير كل صبرة ملح مثله من الذهب
قال ابن الصائغ وحدثت أن من أمم السودان الداخلة من لا يظهر لهم بل إذا جاء التجار بالملح وضعوه ثم غابوا فيجيء السودان فيضعون إزاءه الذهب فإذا أخذ التجار الذهب أخذ السودان الملح
قال في مسالك الأبصار قال لي الدكالي وأهل هذه المملكة كثير فيهم السحر ولهم به عناية حتى إنهم في بلاد الكفار منهم يصيدون الفيل بالسحر حقيقة لا مجازا وفي كل وقت يتحاكمون عند ملكهم بسببه ويقول أحدهم إن فلانا قتل أخي أو ولدي بالسحر والسلطان يحكم على القاتل بالقصاص وقتل الساحر
وحكى عنه أيضا أن السموم بهذه المملكة كثيرة فإن عندهم حشائش وحيوانات يركبون منها السموم القتالة ولا سيما من سمك يوجد عندهم
قال الشيخ سعيد الدكالي ومن خصيصة هذه البلاد أن يسرع فيها فساد المدخرات لا سيما السمن فإنه يفسد وينتن فيها في يومين
الجملة الثالثة في معاملة هذه المملكة
ذكر في مسالك الأبصار عن ابن أمير حاجب أن المعاملة عندهم بالودع وأن التجار تجلبه إليهم كثيرا فتربح فيه الربح الكثير
وكأن هذا في المعاملات النازلة من مثل الماكل وما في معناها وإلا فالذهب عندهم على ما تقدم من الكثرة

(5/280)


الجملة الرابعة في ذكر ملوك هذه المملكة
قد تقدم أن هذه المملكة قد اجتمع بها خمسة أقاليم وهي إقليم مالي وإقليم صوصو وإقليم غانة من الجانب الغربي عن مالي وإقليم كوكو وإقليم تكرور في الجانب الشرقي عن مالي وأن كل إقليم من هذه الخمسة كان مملكة مستقلة ثم اجتمع الكل في مملكة صاحب هذه المملكة وأن مالي هي أصل مملكته
قال في مسالك الأبصار وهو وإن غلب عليه عند أهل مصر اسم سلطان التكرور فإنه لو سمع هذا أنف منه لأن التكرور إنما هو إقليم من أقاليم مملكته والأحب إليه أن يقال صاحب مالي لأنه الإقليم الأكبر وهو به أشهر
ونقل عن الشيخ سعيد الدكالي أنه ليس بمملكته من يطلق عليه اسم ملك إلا صاحب غانة وهو كالنائب له وإن كان ملكا وكأنه إنما بقي اسم الملك على صاحب غانة دون غيره لعدم انتزاعها منه والاستيلاء عليها استيلاء كليا
فقد قال في التعريف وأما غانة فإنه لا يملكها وكأنه مالكها يتركها عن قدرة عليها لأن بها وبما وراءها جنوبا منابت الذهب
وذكر ما تقدم من أن بلاد منابت الذهب متى فشا فيها الإسلام والأذان عدم فيها نبات الذهب وصاحب مالي يتركها لذلك لأنه مسلم وله عليها إتاوة كبيرة مقررة تحمل إليه في كل سنة
وقد ذكر صاحب العبر أن هذه الممالك كانت بيد ملوك متفرقة وكان من أعظمها مملكة غانة
فلما أسلم الملثمون من البربر تسلطوا عليهم بالغزو حتى دان كثير منهم بالإسلام وأعطى الجزية اخرون وضعف بذلك ملك غانة واضمحل فتغلب عليهم أهل صوصو المجاورون لهم وملكوا غانة من أيدي أهلها
وكان ملوك مالي قد دخلوا في الإسلام من زمن قديم

(5/281)


قال ويقال إن أول من أسلم منهم ملك اسمه برمندانة بباء موحدة وراء مهملة مفتوحتين وميم مكسورة ونون ساكنة ودال مهملة بعدها ألف ثم نون مشددة مفتوحة وهاء في الاخر فيما ضبطه بعض علمائهم
ثم حج بعد إسلامه فاقتفى سننه في الحج ملوكهم من بعده
ثم جاء منهم ملك اسمه ماري جاظة ومعنى ماري الأمير الذي يكون من نسل السلطان ومعنى جاظة الأسد فقوي ملكه وغلب على صوصو وانتزع ما كان بأيديهم من ملكهم القديم وملك غانة الذي يليه إلى البحر المحيط
ويقال إنه ملك عليهم خمسا وعشرين سنة
ثم ملك بعده ابنه منساولي ومعنى منسا بلغتهم السلطان ومعنى ولي علي وكان من أعظم ملوكهم وحج أيام الظاهر بيبرس صاحب مصر
ثم ملك من بعده أخوه والي
ثم ملك من بعده أخوه خليفة وكان أحمق يغلب عليه الحمق فيرمي الناس بالسهام فيقتلهم فوثب به أهل مملكته فقتلوه
وملك بعده سبط من أسباط ماري جاظة المقدم ذكره اسمه أبو بكر على قاعدة العجم في تمليك البنت وابن البنت
ثم تغلب على الملك مولى من مواليهم اسمه ساكبورة
ويقال سيكره فاتسع نطاق مملكته وغلب على البلاد المجاورة له وفتح بلاد كوكو واستضافها إلى مملكته واتصل ملكه من البحر المحيط الغربي إلى بلاد التكرور فقوي سلطانه وهابه أمم السودان ورحل إليه التجار من بلاد الغرب وأفريقية
وحج أيام السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون ورجع فقتل في أثر عوده
وملك بعده قو ابن السلطان ماري جاظة

(5/282)


ثم ملك من بعده محمد بن قو ثم انتقل الملك من ولد ماري جاظة إلى ولد أخيه أبي بكر
فولي منهم منسا موسى بن أبي بكر
قال في العبر وكان رجلا صالحا وملكا عظيما له أخبار في العدل تؤثر عنه وعظمت المملكة في أيامه إلى الغاية وافتتح الكثير من البلاد
قال في مسالك الأبصار حكى ابن أمير حاجب والي مصر عنه أنه فتح بسيفه وحده أربعا وعشرين مدينة من مدن السودان ذوات أعمال وقرى وضياع
قال في مسالك الأبصار قال ابن أمير حاجب سألته عن سبب انتقال الملك إليه فقال إن الذي قبلي كان يظن أن البحر المحيط له غاية تدرك فجهز مئين سفن وشحنها بالرجال والأزواد التي تكفيهم سنين وأمر من فيها أن لا يرجعوا حتى يبلغوا نهايته أو تنفد أزوادهم فغابوا مدة طويلة ثم عاد منهم سفينة واحدة وحضر مقدمها فسأله عن أمرهم
فقال سارت السفن زمانا طويلا حتى عرض لها في البحر في وسط اللجة واد له جرية عظيمة فابتلع تلك المراكب وكنت اخر القوم فرجعت بسفينتي فلم يصدقه فجهز ألفي سفينة ألفا للرجال وألفا للأزواد واستخلفني وسافر بنفسه ليعلم حقيقة ذلك فكان اخر العهد به وبمن معه
قال في العبر وكان حجه في سنة أربع وعشرين وسبعمائة في الأيام الناصرية محمد بن قلاوون
قال في مسالك الأبصار قال لي المهمندار خرجت لملتقاه من جهة السلطان فأكرمني إكراما عظيما وعاملني بأجمل الاداب ولكنه كان لا يحدثني إلا بترجمان مع إجادته اللسان العربي
قال ولما قدم قدم للخزانة السلطانية حملا من التبر ولم يترك أميرا ولا رب وظيفة سلطانية إلا وبعث إليه بالذهب
وكنت أحاوله في طلوع القلعة للاجتماع بالسلطان حسب الأوامر السلطانية فيأبى خشية تقبيل الأرض للسلطان ويقول جئت للحج لا لغيره ولم أزل به حتى وافق على ذلك

(5/283)


فلما صار إلى الخصرة السلطانية
قيل له قبل الأرض فتوقف وأبى إباء ظاهرا
وقال كيف يجوز هذا فأسر إليه رجل كان إلى جانبه كلاما فقال أنا أسجد لله الذي خلقني وفطرني ثم سجد وتقدم إلى السلطان فقام له بعض القيام وأجلسه إلى جانبه وتحدثا طويلا ثم قام السلطان موسى فبعث إليه السلطان بالخلع الكاملة له ولأصحابه وخيلا مسرجة ملجمة
وكانت خلعته طرد وحش بقصب كثير بسنجاب مقندس مطرز بزركش على مفرج إسكندري وكلوتة زركش وكلاليب ذهب وشاش بحرير ورقم خليفتي ومنطقة ذهب مرصعة وسيف محلى ومنديل مذهب خز وفرسين مسرجين ملجمين بمراكب بغل محلاة وأعلام وأجرى عليه الأنزال والإقامات الوافرة مدة مقامه
ولما ان أوان الحج بعث إليه بمبلغ كبير من الدراهم وهجن جليلة كاملة الأكوار والعدة لمركبه وهجن أتباع لأصحابه وأزواد جمة وركز له العليق في الطرق وأمر أمير الركب بإكرامه واحترامه
ولما عاد بعث إلى السلطان من هدية الحجاز تبركا فبعث إليه بالخلع الكاملة له ولأصحابه والتحف والألطاف من البز السكندري والأمتعة الفاخرة وعاد إلى بلاده
وذكر عن ابن أمير حاجب والي مصر أنه كان معه مائة حمل ذهبا أنفقها في سفرته تلك على من بطريقه إلى مصر من القبائل ثم بمصر ثم من مصر إلى الحجاز توجها وعودا حتى احتاج إلى القرض فاستدان على ذمته من تجار مصر بمالهم عليه فيه المكاسب الكثيرة بحيث يحصل لأحدهم في كل ثلثمائة دينار سبعمائة دينار ربحا وبعث إليهم بذلك بعد توجهه إلى بلاده
قال في العبر ويقال إنه كان يحمل الته اثنا عشر ألف وصيفة لابسات أقبية الديباج

(5/284)


قال في مسالك الأبصار وذكر لي عنه ابن أمير حاجب أنه حكى له أن من عادة أهل مملكته أنه إذا نشأ لأحد منهم بنت حسناء قدمها له أمة موطوءة فيملكها بغير تزويج مثل ملك اليمن فقلت له إن هذا لا يحل لمسلم شرعا فقال ولا للملوك فقلت ولا للملوك واسأل العلماء
فقال والله ما كنت أعلم ذلك وقد تركته من الان
قال في العبر ودام ملكه عليهم خمسا وعشرين سنة ومات
فملك بعده ابنه منسا مغا ومعنى مغا عندهم محمد يعنون السلطان محمدا ومات لأربع سنين من ولايته
وملك بعده أخوه منسا سليمان بن أبي بكر وهو أخو منسا موسى المقدم ذكره
قال في مسالك الأبصار واجتمع له ما كان أخوه افتتحه من بلاد السودان وأضافه إلى يد الإسلام وبنى به المساجد والجوامع والمنارات وأقام به الجمع والجماعات والأذان وجلب إلى بلاده الفقهاء من مذهب الإمام مالك رضي الله عنه وتفقه في الدين
قال في العبر ودام ملكه أربعا وعشرين سنة ثم مات
وولي بعده ابنه قنبتا بن سليمان ومات لتسعة أشهر من ملكه
وملك بعده ماري جاظه بن منسا مغا بن منسا موسى فأقام أربع عشرة سنة أساء فيها السيرة وأفسد ملكهم وأتلف ذخائرهم بسرفه وتبذيره حتى انتهى به الحال في السرف أنه كان بخزائنهم حجر ذهب زنته عشرون قنطارا منقولا من المعدن من غير سبك ولا علاج بالنار
وكانوا يرونه من أنفس ذخائرهم لندور وجود مثله في المعدن فباعه على تجار مصر المترددين إليه بأبخس ثمن وصرف ذلك كله في الفسوق وكان اخر أمره أن أصابته علة النوم وهو مرض كثيرا ما يصيب أهل تلك البلاد لا سيما الرؤساء منهم يأخذ أحدهم النوم حتى لا يكاد يفيق

(5/285)


فأقام به سنتين حتى مات سنة خمس وسبعين وسبعمائة
وملك بعده ابنه موسى فنكب عن طريق أبيه وأقبل على العدل وحسن السيرة
وتغلب على دولته وزيره ماري جاظه فحجره وقام بتدبير الدولة وكان له فيها أحسن تدبير وبقي منسا موسى حتى مات سنة تسع وثمانين وسبعمائة
وملك بعده أخوه منسا مغا وقتل بعده بسنة أو نحوها
وملك بعده صندكي زوج أم موسى المقدم ذكره ومعنى صندكي الوزير ووثب عليه بعد أشهر رجل من بيت ماري جاظة
ثم خرج من ورائهم من بلاد الكفرة رجل اسمه محمود ينسب إلى منساقو بن منسا ولي بن ماري جاظة ولقبه منسا مغا وغلب على الملك في سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة
قال في التعريف وصاحب التكرور هذا يدعي نسبا إلى عبد الله بن صالح بن الحسن بن علي بن أبي طالب كرم الله وجوههم
قلت هو صالح ابن عبد الله بن موسى بن عبد الله أبي الكرام بن موسى الجون بن عبد الله بن حسن المثنى ابن الحسن السبط ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه
وقد ذكر في تقويم البلدان أن سلطان غانة يدعي النسب إلى الحسن ابن علي عليهما السلام فيحتمل أنه أراد صاحب هذه المملكة لأن من جملة من هو في طاعته غانة أو من كان بها في الزمن القديم قبل استيلاء أهل الكفر عليها
الجملة الخامسة في أرباب الوظائف بهذه المملكة
وقد ذكر في مسالك الأبصار أن بهذه المملكة الوزراء والقضاة والكتاب والدواوين وأن السلطان لا يكتب شيئا في الغالب بل يكل كل أمر

(5/286)


إلى صاحب وظيفته من هؤلاء فيفصلة
وكتابتهم بالخط العربي على طريقة المغاربة
الجملة السادسة في عساكر سلطان هذه المملكة وأرزاقهم
أما مقدار العساكر فقد ذكر الشيخ سعيد الدكالي أن مقدار عسكره مائة ألف نفر منهم خيالة نحو عشرة الاف فارس وباقيهم رجالة لا خيل لهم
وأما الإقطاعات لأمراء هذا السلطان وجنده والإنعامات عليهم فقد قال الدكالي إن من أكابرهم من يبلغ جملة ماله على الملك في كل سنة خمسين ألف مثقال من الذهب وأنه يتفقدهم مع ذلك بالخيل والقماش وإن همته كلها في تجميل زيهم وتمصير مدنهم
الجملة السابعة في زي أهل هذه المملكة
قال الدكالي لباسهم عمائم بحنك مثل الغرب وقماشهم بياض من ثياب قطن تنسج عندهم في نهاية الرقة واللطف تسمى الكمصيا ولبسهم شبيه بلبس المغاربة جباب ودراريع بلا تفريج والأبطال من فرسانهم تلبس أساور من ذهب فمن زادت فروسيته لبس معها أطواقا من ذهب فإن زادت لبس مع ذلك خلاخل من ذهب وكلما زادت فروسية البطل ألبسه الملك سراويل متسعة وسراويلاتهم ضيقة أكمام الساقين متسعة الشرج وأهل هذه المملكة يركبون بالسروج وهم في غالب أحوالهم في الركوب كأنهم من العرب إلا أن هؤلاء يبدأون في الركوب بأرجلهم اليمنى بخلاف غيرهم من سائر الناس جميعا ولا يعرف عندهم ركوب جمل بكور

(5/287)


الجملة الثامنة في ترتيب هذه المملكة
أما جلوس السلطان في قصره فإنه يجلس على مصطبه كبيرة على دكة كبيرة من ابنوس كالتخت على قدر المجلس العظيم المتسع عليها أنياب الفيلة في جميع جوانبها الناب إلى الناب وعنده سلاح له من ذهب كله سيف ومزراق وقوس وتركاش ونشاب وعليه سراويل كبير مفصل من نحو عشرين نصفية لايلبس مثله أحد منهم بل هو من خصوصيته ويقف خلفه نحو ثلاثين مملوكا من الترك وغيرهم ممن تبتاع له من مصر بيد واحد منهم جتر من حرير عليه قبة وطائر من ذهب صفة بازي يحمل على يساره وأمراؤه جلوس حوله يمنيا وشمالا ثم دونهم أعيان من فرسان عسكره جلوس وبين يديه شخص يغني له وهو سيافه واخر سفير بينه وبين الناس يسمى الشاعر وتنهى إليه الشكاوى والمظالم فيفصلها بنفسه ولا يكتب شيئا في الغالب بل يأمر بالقول بلسانه وحوله أناس بأيديهم طبول يدقون بها وأناس يرقصون وهو يضحك منهم وخلفه صنجقان منشوران وأمامه فرسان مشدودان محصلان لركوبه متى أحب ومن عطس في مجلسه ضرب ضربا مؤلما لا يسامح أحد في مثل ذلك فإن بغت أحدا منهم العطاس انبطح في الأرض وعطس حتى لا يعلم به
أما الملك فإنه إذا عطس ضرب الحاضرون بأيديهم على صدورهم
ولا يدخل أحد دار السلطان منتعلا كائنا من كان ومن لم يخلع نعليه قتل بلا عفو عامدا كان أو ساهيا وإذا قدم عليه أحد من أمرائه أو غيرهم وقف أمامه زمانا ثم يومي القادم بيده اليمنى مثل من يضرب الجوك ببلاد توران وإيران من بلاد المشرق
وصفة ذلك أن يكشف مقدم رأسه ويرفع الذي يضرب الجوك يده اليمنى إلى قريب أذنه ثم يضعها وهي قائمة منتصبة ويلقيها بيده اليسرى فوق فخذه واليد اليسرى مبسوطة الكف لتلقي مرفق اليمنى مبسوطة الكف مضمومة الأصابع بعضها إلى جانب بعض كالمشط تماس شحمة الأذن
قال ابن أمير حاجب وقد رأيت هذا عند خدمتهم للسلطان موسى لما قدم الديار المصرية
فإذا أنعم على أحد بإنعام أو وعده وعدا

(5/288)


جميلا أو شكره على فعل تمرغ المنعم عليه بين يديه من أول المكان إلى اخره فإذا وصل إلى اخر المكان أخذ غلمان المنعم عليه أو من هو من أصحابه من رماد يكون موضوعا في اخر مجلس الملك معدا لهذا الشأن فيذر في رأس المنعم عليه ثم يعود ويتمرغ إلى أن يصل بين يدي الملك ويضرب جوكا اخر بيده ثم يقوم
وأما في الركوب فقد جرت عادة سلطان هذه المملكة أنه إذا قدم من سفر أن يحمل على رأسه الجتر راكب وينشر على رأسه علم وتضرب أمامه الطبول والطنابير والبوقات بقرون لهم فيها صناعة محكمة
قال ابن أمير حاجب وشعار هذا السلطان أعلام وألوية كبار جدا ورنكه أصفر في أرض حمراء
وأما غير ذلك من سائر أموره فقد ذكر الشيخ سعيد الدكالي أن من عادة هذا السلطان أنه إذا عاد إليه أحد ممن بعثه في شغل له أو أمر مهم أن يسأله عن كل ما حدث له من حين مفارقته له وإلى حين عوده مفصلا
قال ابن أمير حاجب وقد رأيت السلطان موسى وهو بمصر لا يأكل إلا منفردا وحده لا يحضره عند الأكل أحد البتة
المملكة السادسة من ممالك بلاد السودان مملكة الحبشة
بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة والشين المعجمة وهاء في الاخر
وهي مملكة عظيمة جليلة المقدار متسعة الأرجاء فسيحة الجوانب
قال في مسالك الأبصار وأرضها صعبة المسلك لكثرة جبالها الشامخة وعظم أشجارها واشتباك بعضها ببعض حتى إن ملكها إذا أراد الخروج إلى جهة من جهاتها تقدمه قوم مرصدون لإصلاح الطرق بالات لقطع الأشجار وإحراقها بالنار

(5/289)


قال وهم قوم كثير عددهم ولم يملك بلادهم غيرهم من النوع الإنساني لأنهم أجبر بني حام وأخبر بالتوغل في القتال والاقتحام طول زمنهم في الأسفار وصيد الوحش وقتالهم إنما يكون عريا من غير لأمه تدفع عنهم ولا عن خيلهم
ثم وصفهم بعد ذلك بأوصاف لولا ما هم عليه من الشرك لكانوا في الرتبة العليا من مراتب بني ادم فذكر أن المشهور عنهم مع ما هم عليه من المجاعة أنهم يقبلون الحسب ويصفحون عن الجرائم
ومن عادتهم أن من رمى سلاحه في القتال حرم قتاله ويكرمون الضيف ولا ينقض الصديق منهم عهد صديقه وإذا أحبوا أظهروا المحبة وإذا أبغضوا أظهروا البغض والغالب عليهم الذكاء والفطنة وصدق الحدس ولهم علوم وصناعات خاصة بهم ولهم قلم يكتبون به من اليمين إلى الشمال كما في العربي عدة حروفه ستة عشر حرفا لكل حرف منها سبعة فروع فيكون عدتها مائة واثنين وثمانين حرفا سوى حروف اخر مستقلة بذاتها لا تفتقر إلى حرف من الحروف المذكورة مضبوطة بحركات نحوية متصلة بالخط لا منفصلة عنه
ومع كونهم جنسا واحدا فلغاتهم تزيد على خمسين لسانا ويميل الكثير من ألوانهم إلى الصفاء ولكل طائفة منهم وسم في وجوهم يعبر عنه بالتلعيط بعضهم يسم في الخدين وسما خفيفا وأمحرا يسمون في الخدين والجبهة إلى الأنف خطوطا طوالا
ويقال إن أول بلادهم من الجهة الغربية بلاد التكرور مما يلي جهة اليمن وأولها من الجهة الشرقية المائلة إلى بعض الجهة الشمالية بحر الهند واليمن وفيها يمر النهر المسمى سيحون الذي يرفد منه نيل مصر
وقد عد منها أحد عشر إقليما من جهة الغرب بمفازة بمكان يسمى وادي بركة يتوصل منه إلى إقليم يسمى سحرت ويسمى قديما تكراي وكان به في الزمن القديم مدينة اسمها احسرم بلغة أخرى من لغاتهم وتسمى أيضا زرفرتا
بها كان كرسي ملك النجاشي وكان مستوليا على أقاليم الحبشة
ويليه من جهة الشرق إقليم أمحرا الذي به الان مدينة المملكة ثم

(5/290)


إقليم شاوة ثم إقليم داموت ثم إقليم لامنان ثم إقليم السيهو ثم إقليم الزلح ثم إقليم عدل الأمراء ثم إقليم حماسا ثم إقليم باريا ثم إقليم الطراز الإسلامي
قال وبها أقاليم كثيرة العدد مجهولة الأسماء غير مشهورة ولا معلومة
ثم هي على قسمين
القسم الأول بلاد النصرانية
وهي القسم الأوفر عددا الأوسع مجالا وهو الذي يملكه ملك أمحرا بفتح الألف وسكون الميم وفتح الحاء والراء المهملتين وألف في الاخر
وهم جنس من الحبشة
ويشتمل على ست جمل
الجملة الأولى في ذكر قواعدها
وقاعدتها مدينة مرعدي بفتح الميم وكسر الراء وسكون العين وكسر الدال المهملتين وياء مثناة تحت في الاخر
وهي مدينة بإقليم امحرا المقدم ذكره فيما ذكره في مسالك الأبصار إلا أنه لم يذكر صفتها والذي ذكره في تقويم البلدان أن قاعدة الحبشة مدينة جرمي بالجيم المفتوحة والراء المهملة الساكنة ثم ميم مكسورة ثم ياء مثناة تحتية في الاخر كما ضبطه ابن سعيد
وموقعها في الإقليم الأول من الأقاليم السبعة
قال في الأطوال حيث الطول خمس وخمسون درجة والعرض تسع درج وثلاثون دقيقة
قال في تقويم البلدان وهي مدينة ذكرها أكثر المصنفين في كتب المسالك والممالك والأطوال والعروض وأنها كرسي مملكة الحبشة وقاعدتهم ولم يزد على ذلك فيحتمل أنها قاعدة قديمة ويحتمل أنها القاعدة المستقرة

(5/291)


الجملة الثانية في الموجود بها
قد ذكر في مسالك الأبصار أن بها من المواشي ذوات الأربع الخيل والبغال والبقر والغنم وما في معناها وأغنامهم تشبه أغنام عيذاب واليمن
ومن الوحوش الأسد والنمر والفهد والفيل والزرافة والغزال وبقر الوحش وحمار الوحش والقردة وغيرها من الوحوش
وبها من الطيور الجوية الصقورة والبزاة بكثرة والنسور البيض والسود والغراب والحجل وطير الواجب بجملته والحمام والعصفور وغير ذلك مما لم يوجد بالديار المصرية
ومن الطيور البرية دجاج الحبش وأمثالها
ومن الطيور المائية البط وعندهم بنهرهم سمك يشبه البوري وسمك يشبه الثعبان يطول إلى مقدار ذراعين ونصف ويغلظ إلى مقدار كبار الخشب وبنهرهم أيضا التمساح وفرس البحر وغير ذلك
وبها من الحبوب الحنطة والشعير والحمص والعدس والبسلا والذرة وبعض الباقلا وحبوب أخرى غير ذلك منها حب يسمى قنابهول يستعملونه قوتا كالحنطة
والحنطة عندهم على مثال الحنطة الشامية والشعير حبه عندهم أكبر من حب الشعير المصرية والشامية ومنه ضرب يسمى طمجة
ولون الحمص عندهم إلى الحمرة
والباسلا عندهم عزيز الوجود في أكثر البلاد ولكنهم لا يفتقرون إليه للعلف لكثرة المراعي ببلادهم
وعندهم حب يسمى طافي على قدر الخردل ولونه إلى الحمرة ومكسرة إلى السواد يتخذون منه الخبز
وعندهم ببعض الأقاليم حب شبيه بالحنطة إلا أن له قشرين ينزع قشره بالهرس كالأرز ويتخذون منه طعاما يكون مغنيا عن الحنطة
وعندهم بزر الكتان وحب الرشاد وهم يزرعون على المطر في كل سنة مرتين مرة في الصيف ومرة في الشتاء تتحصل في كل مرة الغلات

(5/292)


ونقل البطرك بنيامين أنه يقع عندهم المطر الكثير وتحصل مع المطر الصواعق العظيمة
وعندهم من أصناف المقاثيء القرع وفي بعض الأقاليم بطيخ صغير
وعندهم من البقول الثوم والبصل والكزبرة الخضراء ومن الرياحين الريحان والقرنفل ونبات أبيض يسمى بعتران
وعندهم الياسمين البري ولكنه ليس بمشموم لهم
وعندهم من الفواكه العنب الأسود على قلة والتين الوزيري وأصناف الحوامض خلا النارنج
وعندهم شجر يسمى جان بجيم بين الجيم والشين لا ثمر له وإنما له قلوب تشبه قلوب النارنج تؤكل فتزيد في الذكاء والفهم وتفرح إلا أنها تقلل الأكل والنوم والجماع
وعنايتهم به عناية أهل الهند بالتنبل وإن كان بينهما مباينة
وأي نفع فيما فائدته تقليل النوم والأكل والجماع اللاتي هي لذات الدنيا حتى يحكى أنه وصف لبعض ملوك اليمن فقال أنا لا يذهب متحصل ملكي إلا على هذه الثلاث فكيف أسعى في ذهابها بأكل هذا
ومن أشجارهم الزيتون والصنوبر والجميز وفي بعض بلادهم الابنوس وفي بعضها المقل وفي بعضها القنا المجوف والمسدود
ومأكلهم شحوم البقر والمعز وبعض شحوم الضأن ومشروبهم اللبن البقري وفي ضعفهم يتداوون باللبن المداف بالماء وسمن البقر
وعندهم عسل النحل بكثرة في جميع الأقاليم تختلف ألوانه باختلاف المراعي منه ما يوجد في الجبال فيؤخذ من غير حجر على أخذه
ومنه ماله خلايا

(5/293)


من خشب منقورة له ملاك يختصون به
ووقود مصابيحهم شحوم البقر
أما الزيت الطيب فيجلب إليهم
وادهانهم بالسمن
وأواني طعامهم فخار مدهون أسود
واغتسالهم بالماء البارد وربما استعملوا الحار منه
وحكى البطرك بنيامين أن عندهم من المعادن معدن الذهب ومعدن الحديد
وحكي عن الشريف عز الدين التاجر أن في بعض بلادهم يوجد معدن الفضة
ومصاغهم الذهب والفضة والنحاس والرصاص كل أحد منهم بحبسه
الجملة الثالثة في ذكر معاملاتهم وأسعار بلادهم
أما معاملاتهم ذكر في المسالك الأبصار أن معاملتهم مقايضة بالأبقار والأغنام والحبوب وغير ذلك
وأما الأسعار فالقمح والشعير اللذان هما أصل المطعومات ليس لهما عندهم قيمة تذكر لاستغنائهم عن ذلك باللحم واللبن
وسيأتي ذكر معاملة الطراز الإسلامي فيما بعد إن شاء الله تعالى
الجملة الرابعة في ذكر زيهم وسلاحهم
أما زيهم فقد ذكر في مسالك أن لباسهم في الشتاء والصيف واحد لكل واحد منهم ثوبان غير مخيطين أحدهما يشد به وسطه والاخر يلتحف به ولا يعرفون لبس المخيط جملة إلا أن الخواص والأجناد يفضلون في اللبس فيلبسون الحرير والأبراد اليمنية والعوام يلبسون ثياب القطن على ما تقدم
وأما سلاح المقاتلة منهم فالسيوف والحراب والمزاريق والقسي يرمون عنها بالنبل وهو نشاب صغير وربما رمى بعضهم بالنبل عن قوس طويل يشبه قوس البندق ولهم درق مدورة ودراق طوال يتقون بها

(5/294)


الجملة الخامسة في ذكر بطاركة الإسكندرية الذين عن توليتهم تنشأ ولاية ملوك الحبشة
اعلم أنه قد تقدم في المقالة الأولى في الكلام على ما يحتاج إليه الكاتب عند ذكر النحل والملل أن البطاركة عند النصارى عبارة عن خلفاء الحواريين الذين هم أصحاب المسيح عليه السلام وأنه كان لهم في القديم أربعة كراسي كرسي برومية قاعدة الروم وكرسي بالإسكندرية من الديار المصرية وكرسي بأنطاكية قاعدة العواصم من بلاد الشام وكرسي ببيت المقدس
وأن كرسي روميه قد صار لطائفة الملكانية وبه بطركهم المعبر عنه بالبابا إلى الان
وكرسي الإسكندرية قد صار اخرا لبطرك اليعاقبة تحت ذمة المسلمين بالديار المصرية من لدن الفتح الإسلامي وهلم جرا إلى زماننا
وأن كرسي بيت المقدس وكرسي أنطاكية قد بطلا باستيلاء دين الإسلام عليهما
ثم كرسي الإسكندرية بعد مصيره إلى اليعاقبة قد تبع البطرك القائم به على مذهب اليعاقبة الحبشة والنوبة وسائر متنصرة السودان وصار لديهم كالخليفة على دين النصرانية عندهم يتصرف فيهم بالولاية والعزل لا تصح ولاية ملك منهم إلا بتوليته حتى قال في التعريف في الكلام على مكاتبة ملك الحبشة ولولا أن معتقد دين النصرانية لطائفة اليعاقبة أنه لا يصح تعمد معمودي إلا باتصال من البطريرك وأن كرسي البطريرك كنسية الإسكندرية فيحتاج إلى أخذ مطران بعد مطران من عنده وإلا كان شمخ بأنفه على المكاتبة لكنه مضطر إلى ذلك
قال ولأوامر البطريرك عنده ما لشريعته من الحرمة وإذا كتب إليه كتابا فأتى ذلك الكتاب إلى أول مملكته خرج عميد تلك الأرض فحمل الكتاب على رأس علم ولا يزال يحمله بيده حتى يخرجه من أرضه وأرباب الدولة في تلك الأرض كالقسوس والشمامسة حوله مشاة بالأدخنة فإذا خرجوا من حد أرضهم تلقاهم من يليهم أبدا كذلك في كل أرض

(5/295)


بعد أرض حتى يصلوا إلى أمحرا فيخرج صاحبها بنفسه ويفعل مثل ذلك الفعل الأول إلا أن المطران هو الذي يحمل الكتاب لعظمته لا لتأبي الملك ثم لا يتصرف الملك في أمر ولا نهي ولا قليل ولا كثير حتى ينادى للكتاب ويجمع له يوم الأحد في الكنيسة ويقرأ والملك واقف ثم لا يجلس مجلسه حتى ينفذ ما أمره به
ولما تعذر الوقوف على معرفة تواريخ ملوكهم اكتفينا بذكر البطاركة الذين عنهم تنشأ ولاياتهم فكانوا هم ملوكهم حقيقة
اعلم أن أول من ولي من البطاركة كنسية الإسكندرية مرقص الإنجيلي تلميذ بطرس الحواري الذي أرسله المسيح عليه السلام إلى رومية
وإنما سمي بمرقص الإنجيلي لأن بطرس الحواري حين كتب إنجيله كتبه بالرومية ونسبه إلى مرقص المذكور فتقلب بالإنجيلي وأقام مرقص المذكور في بطركية الإسكندرية سبع سنين يدعو إلى النصرانية بالإسكندرية ومصر وبرقة والمغرب ثم قتله نيرون قيصر بن اقليوديش قيصر سادس القياصرة
وولي مكانة حنانيا ويسمى بالعبرانية أنانيو ثم مات لسبع وثمانين سنة للمسيح
وولي مكانه فلبو فأقام ثلاث عشرة سنة ثم مات
فولي مكانة كرتيانو ومات لإحدى عشرة سنة من ولايته في أيام طرنبش قيصر
وولي مكانة إيريمو ثنتي عشرة سنة
ثم ولي بعده نسطس في أيام أندريانوس قيصر وكان حكيما فاضلا فأقام في البطركية إحدى عشرة سنة ثم مات
وولي مكانه أرمانيون إحدى عشرة سنة أيضا ومات في أيام أندريانوس قيصر أيضا
وولي بعده موقيانو فلبث تسع سنين ومات في أيام أنطونيس قيصر

(5/296)


في الخامسة من ملكه
وولي بعده كلوتيانو فأقام أربع عشرة سنة في أيام انطونيس قيصر ومات
وولي بعده أغريتوس فبقي اثنتي عشرة سنة ومات
فولي بعده يليانس في أيام أوراليانس قيصر فلبث عشر سنين ومات
فولي مكانه في أيام أوراليانس ديمتريوس فأقام ثلاثا وثلاثين سنة
وولي بعده تاوكلا فأقام ستة عشرة سنة ومات
وولي بعده دونوشيوش فلبث تسع عشرة سنة ومات
وولي مكانه مكسيموس فأقام ثنتي عشرة سنة ومات
وولي مكانه ثاونا فلبث عشر سنين ومات وكان النصارى إذ ذاك يقيمون الدين خفية فلما صار بطركا صانع الروم ولا طفهم بالهدايا فأذنوا له في بناء كنيسة مريم وأعلنوا فيها بالصلاة
ثم ولي بعده بطرس فلبث عشر سنين وقتله ديقلاديانوس قيصر
وولى مكانه تلميذه اسكندروس وكان كبير تلامذته فلبث ثلاثا وعشرين سنة
وقيل ثنتين وعشرين سنة وقيل ست عشرة سنة وكسر صنم النحاس الذي كان في هيكل زحل بالإسكندرية وبنى مكانه كنيسة وبقيت حتى هدمها العبيديون عند ملكهم الإسكندرية ومات لإحدى وعشرين سنة من ملك قسطنطين ملك الروم
وولي مكانه تلميذه ايناسيوس ووثب عليه أهل إسكندرية ليقتلوه لانتحاله مذهبا غير مذهبهم فهرب
وتولى مكانه لوقيوش ثم رد ايناسيوس المتقدم ذكره إلى كرسيه بعد

(5/297)


خمسة أشهر وطرد لوقيوس وأقام ايناسيوس بطركا إلى أن مات
فتولى بعده تلميذه بطرس سنتين ووثب عليه أصحاب لوقيوس فهرب ورد لوقيوس إلى كرسيه فأقام ثلاث سنين ثم وثبوا عليه وردوا بطرس ومات لسنة من إعادته وقيل أنه حبس وأقيم مكانه أريوس من أهل سميساط
ثم ولي طيماناواس أخو بطرس فلبث فيهم سبع سنين ومات
ويقال إن ايناسيوس المتقدم ذكره رد إلى كرسيه ثم مات
فولي مكانه كاتبه تاوفينا فأقام سبعا وعشرين سنة ومات
وتولى مكانه كيرلس ابن أخته فأقام اثنتين وثلاثين سنة ومات
فولي مكانه ديسقرس فأحدث بدعة في الأمانة التي يعتقدونها فأجمعوا على نفيه
وولوا مكانه برطارس وافترقت النصارى من حينئذ إلى يعقوبية وملكانية ووثب أهل الإسكندرية على برطارس البطرك فقتلوه لست سنين من ولايته وأقاموا مكانه طيماناوس وكان يعقوبيا وهو أول من ولي البطركية من اليعاقبة بالإسكندرية فأقام فيها ثلاث سنين ثم جاء قائد من القسطنطينية فنفاه وأقام مكانه سوريس من الملكية فأقام تسع سنين
ثم عاد طيماناوس المتقدم ذكره إلى كرسيه بأمر لاون قيصر
ويقال أنه بقي في البطركية اثنتين وعشرين سنة ومات
فولي مكانه بطرس وهلك بعد ثمان سنين
وولي مكانه اثناسيوس وهلك لسبع سنين وكان قيما ببعض البيع في بطركية بطرس ومات

(5/298)


فولي مكانه يوحنا وكان يعقوبيا ومات بعد سبع سنين
وولي مكانه يوحنا الحبيس ومات بعد إحدى عشرة سنة
فولي مكانه ديسقرس الجديد ومات بعد سنتين ونصف
ثم ولي مكانه طيماناوس وكان يعقوبيا فمكث فيهم ثلاث سنين وقيل سبع عشرة سنة ثم نفي
وولي مكانه بولص وكان ملكيا فلم تقبله اليعاقبة وأقام على ذلك سنتين
ثم ولي قيصر قائدا من قواده اسمه اثوليناريوس فدخل الكنيسة على زي الجند ثم لبس زي البطاركة وحملهم على رأي اليعقوبية وقتل من امتنع وكانوا مائتين ومات لسبع عشرة سنة من ولايته
وولي مكانه يوحنا وهلك لثلاث سنين
وانفرد اليعاقبة بالإسكندرية وكان أكثرهم القبط وقدموا عليهم طودوشيوش بطركا فمكث فيهم ثنتين وثلاثين سنة
ثم جعل الملكية بطركهم داقيانوس وطردوا طودوشيوش عن كرسيه ستة أشهر ثم أمر قيصر بأن يعاد فأعيد ثم نفاه بعد ذلك
وولي مكانه بولس التنيسي فلم يقبله أهل الإسكندرية ولا ما جاء به ثم مات وغلقت كنائس القبط اليعقوبية ولقوا شدة من الملكية ومات طودوشيوش الذي كان قد نفي
وتولى البطركية بطرس ومات بعد سنتين
وولي مكانه داميانو فمكث ستا وثلاثين سنة وخربت الديرة في أيامه
ثم ولي على الملكية بالإسكندرية ومصر يوحنا الرحوم وهو الذي عمل البيمارستان للمرضى بالإسكندرية ولما سمع بمسير الفرس إلى مصر هرب إلى

(5/299)


قبرس فمات بها لعشر سنين من ولايته وخلا كرسي الملكية بعده بالإسكندرية سبع سنين
وكانت اليعاقبة بالإسكندرية قدموا عليهم انسطانيوس فمكث فيهم ثنتي عشرة سنة واسترد ما كانت الملكية استولوا عليه من كنائس اليعقوبية ومات
ثم ولي اندرانيكون بطركا على اليعاقبة فأقام ست سنين خربت فيها الديرة ثم مات
وولي مكانه لأول الهجرة بنيامين فمكث تسعا وثلاثين سنة
وفي خلال أيامه غلب هرقل ملك الروم على مصر وملكها
وولي أخاه منانيا بطركا على الاسكندرية وواليا وكان ملكيا
ورأى بنيامين البطرك في نومه من يأمره بالاختفاء فاختفى ثم غضب هرقل على أخيه منانيا لمعتقد في الدين فأحرقه بالنار ثم رمى بجثته في البحر وبقي بنيامين مختفيا إلى أن فتح المسلمون الإسكندرية فكتب له عمرو بن العاص بالأمان فرجع إلى الإسكندرية بعد أن غاب عن كرسيه ثلاث عشرة سنة وبقي حتى مات في سنة تسع وثلاثين من الهجرة واستمرت البطركية بعده في اليعقوبية بمفردهم وغلبوا على مصر وأقاموا بجميع كراسيهم أساقفة يعاقبة وأرسلوا أساقفتهم إلى النوبة والحبشة فصاروا يعاقبة
وخلفه في مكانه أغاثوا فمكث سبع عشرة سنة ثم مات في سنة ست وخمسين من الهجرة وهو الذي في أيامه قد انتزعت كنائس الملكية من اليعاقبة وولي عليهم بطرك بعد أن أقاموا من لدن خلافة عمر بغير بطرك نحوا من مائة سنة ورياسة البطرك لليعاقبة وهم الذين يبعثون الأساقفة إلى النواحي
ومن هنا

(5/300)


صارت النوبة ومن وراءهم من الحبشة يعاقبة وهو الذي بنى كنيسة مرقص وبقيت حتى هدمت أيام العادل أبي بكر بن أيوب
وولي مكانه بطرك اسمه يوحنا
ثم ولي البطركية بعده ايساك فأقام سنتين وأحد عشر شهرا ومات
وكانت تقدمته في الثامنة عشرة ليوشطيان ملك الروم وتقرر أن لا يقدم بطرك إلا يوم الأحد
وقدم عوضه سيمون السرياني فأقام سبع سنين ونصفا ومات في الرابع والعشرين من أبيب سنة أربعمائة وست عشرة للشهداء في خلافة عبد الملك بن مروان
ويقال إنه وصل إليه رسول من الهند يطلب منه أن يقدم لهم أسقفا وقسوسا فامتنع إلى أن يأمره صاحب مصر فمضى إلى غيره ففعل له ذلك
وقدم بعده في البطركية الاسكندروس في سنة إحدى وثمانين من الهجرة في يوم عيد مرقص الإنجيلي سنة أربعمائة وعشرين للشهداء فمكث أربعا وعشرين سنة ونصفا وقيل خمسا وعشرين سنة وقاسى شدة عظيمة وصودر دفعتين أخذ منه في كل دفعة ثلاثة الاف دينار ومات في سنة ثمان ومائة وكانت وفاته بالإسكندرية
وقدم عوضه قسيما فأقام خمسة عشر شهرا ومات
فقدم مكانه تادرس في سنة تسع ومائة فأقام إحدى عشرة سنة ومات

(5/301)


فقدم مكانه ميخائيل في سنة عشرين ومائة وفأقام ثلاثا وعشرين سنة ولقي شدائد من عبد الملك بن موسى نائب مروان الجعدي على مصر ثم من مروان لما دخل إلى مصر إلى أن قتل في أبي صير وأطلق البطرك والنصارى نائب أبي العباس السفاح
وفي سنة إحدى وثلاثين ومائة رسم بإعادة ما استولى عليه اليعاقبة من كنائس الملكية بالديار المصرية إليهم فأعيدت وأقيم لهم بطرك وكانت الملكية قد أقاموا بغير بطرك سبعا وتسعين سنة من خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين الفتح الإسلامي إلى خلافة هشام بن عبد الملك
وفي سنة سبع وأربعين ومائة صرف أبو جعفر المنصور ميخائيل بطرك اليعاقبة وأقام عوضه مينا فأقام تسع سنين ومات في خلافة الهادي محمد بن المهدي
وقدم مكانه يوحنا فاقام ثلاثا وعشرين سنة ومات سادس عشر طوبة سنة خمسمائة وخمس عشرة للشهداء
ثم في سنة اثنتين وسبعين ومائة في خلافة الرشيد قدم في البطركية مرقص الجديد فأقام عشرين سنة وسبعين يوما
وفي أيامه رسم الرشيد بإعادة كنائس الملكية التي استولى عليها اليعاقبة ثانيا إليهم وثارت العربان والمغاربة وخربوا الديرة بوادي هبيب ولم يبق فيها من الرهبان إلا اليسير ثم مات في سنة إحدى عشرة ومائتين
وقدم عوضه في البطركية يعقوب قيل في السنة الثالثة من خلافة المأمون
وفي أيامه عمرت الديارات وعادت الرهبان إليها ومات في سنة اثنتين وعشرين ومائتين

(5/302)


وقدم عوضه سيماون في السنة المذكورة في خلافة المعتصم فأقام سنة واحدة
وقيل سبعة شهور وستة عشر يوما
وخلا الكرسي بعده سنة واحدة وتسعة وعشرين يوما
وفي سنة سبع وعشرين ومائتين قدم في البطركية بطرس ويقال يوساب وكانت تقدمته في دير يومقار بوادي هبيب حادي عشري هاتور سنة خمسمائة وسبعة وأربعين للشهداء
وقيل إنه قدم في أيام المأمون وإنه أقام ثماني عشرة سنة وسير أساقفة إلى أفريقية والقيروان ومات سنة اثنتين وأربعين ومائتين وخلا الكرسي بعده ثلاثين يوما
وقدم عوضه جاتيل في السنة العاشرة من خلافة المتوكل
ويقال إنه كان قسا بدير بوحنس فأقام سنة واحدة وخمسة أشهر ثم مات ودفن بدير بومقار وهو أول من دفن فيه من البطاركة
وخلا الكرسي بعده أحدا وثمانين يوما
وقدم عوضه قسيما في سنة أربع وأربعين ومائتين من الهجرة وهي الثانية عشرة من خلافة المتوكل وكان شماسا بدير بومقار فأقام سبع سنين وخمسة شهور ثم مات ودفن بدنوشر وخلا الكرسي بعده أحدا وخمسين يوما
وقدم مكانه بطرك اسمه اساسو ويقال سالوسو في أول سنة من خلافة

(5/303)


المعتز وأحمد بن طولون بمصر فأقام إحدى عشرة سنة وثلاثة أشهر ومات وهو الذي علم مجاري المياه التي تجري تحت الأرض من خليج الإسكندرية إلى ادرها
ولما مات قدم مكانه ميخائيل في خلافة المعتمد في سنة ثلاث وستين ومائتين فأقام خمسا وعشرون سنة
وصادره أحمد بن طولون في عشرين ألف دينار فباع في المصادرة رباع الكنائس بالإسكندرية وبركة الحبش بظاهر مصر ومات
فبقي الكرسي بعده أربع عشرة سنة شاغرا إلى سنة ثلثمائة
وفي يوم الاثنين ثالث شوال سنة ثلثمائة احترقت الكنيسة العظمى بالإسكندرية التي كانت بنتها كلابطره ملكة مصر هيكلا لزحل
ثم قدم البطرك غبريال في السنة السابعة من خلافة المقتدر وهي سنة أحدى وثلثمائه فأقام إحدى عشرة سنة ومات
فقدم مكانه البطرك قسيما فأقام اثنتي عشرة سنة ومات
وفي السنة الأخيرة من رياسته وهي سنة ثلاث عشرة وثلثمائة أحرق المسلمون كنيسة مريم بدمشق ونهبوا ما فيها وتتبعوا كنائس اليعاقبة والنساطرة

(5/304)


ولما مات قسيما المذكور قدموا عليهم بطركا لم أقف على اسمه فأقام عشرين سنة ثم مات
وقدم في البطركية تاوفانيوس من أهل اسكندرية في السنة الحادية عشرة من خلافة المطيع فأقام أربع سنين وستة أشهر ومات مقتولا في سنة ثمان وأربعين وثلثمائة
وقدم مكانه البطرك مينا في السنة الخامسة عشرة من خلافة المطيع والأخشيد نائب بمصر فأقام إحدى عشرة سنة ثم مات
وخلا كرسي اليعاقبة بعد موته سنة واحدة
ثم قدم مكانه بطرك اسمه افراهام السرياني في سنة ست وستين وثلثمائة فأقام ثلاث سنين وستة أشهر ومات في أيام العزيز الفاطمي بمصر مسموما من بعض كتاب النصارى لإنكاره عليه التسري وقطعت يد ذلك الكاتب بعد موته ومات لوقته
وخلا الكرسي بعده ستة أشهر
وقدم عوضه بطرك اسمه فيلاياوس في سنة تسع وستين وثلثمائة
وقيل في السنة الخامسة للعزيز الفاطمي فأقام أربعا وعشرين سنة وسبعة أشهر ومات
وقدم بعده بطرك اسمه دخريس في سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة في أيام الحاكم الفاطمي فأقام ثمانا وعشرين سنة ثم مات ودفن ببركة الحبش
وخلا كرسي اليعاقبة بعده أربعة وسبعين يوما
ثم قدم اليعاقبة بعده سابونين بطركا في سنة إحدى وعشرين وأربعمائة فأقام خمس عشرة سنة ومات فخلا الكرسي

(5/305)


بعده سنة وخمسة أشهر
ثم قدم بعده بطرك اسمه اخرسطوديس في سنة سبع وثلاثين وأربعمائة في خلافة المستنصر الفاطمي فأقام ثلاثين سنة ومات في السنة الحادية والأربعين من خلافة المستنصر المذكور بالكنيسة المعلقة بمصر
وهو الذي جعل كنيسة بومرقورة بمصر وكنيسة السيدة بحارة الروم بطركية
وخلا الكرسي بعده اثنين وسبعين يوما
ثم قدم بعده البطرك كيرلص فأقام أربع عشرة سنة وثلاثة أشهر ونصفا ومات بكنيسة المختارة بجزيرة مصر سلخ ربيع الاخر سنة خمس وثمانين وأربعمائة
وخلا الكرسي بعده مائة وأربعة وعشرين يوما
وقدم عوضه بطرك اسمه ميخائيل في سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة في أيام المستنصر الفاطمي صاحب مصر وكان قبل ذلك حبيسا بسنجار فأقام تسع سنين وثمانية أشهر ومات في المعلقة بمصر
وقدموا عوضه بطركا اسمه مقاري سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة بدير بومقار ثم كمل بالإسكندرية وعاد إلى مصر وقدس بدير بومقار ثم في الكنيسة المعلقة
وفي أيامه هدم الأفضل بن أمير الجيوش كنيسة بجزيرة مصر كانت في بستان اشتراه
ولما مات قدم عوضه بطرك اسمه غبريال أبو العلا صاعد سنة خمس وعشرين وخمسمائة في أيام الحافظ الفاطمي وكان قبل ذلك شماسا بكنيسة بومرقورة فقدم بالمعلقة وكمل بالإسكندرية فأقام أربع عشرة سنة ومات بكنيسة بومرقورة
وخلا الكرسي بعده ثلاثة أشهر
وقدم بعده بطرك اسمه ميخائيل بن التقدوسي في السنة الخامسة عشرة من

(5/306)


خلافة الحافظ أيضا وكان قبل ذلك راهبا بقلاية دنشري قدم بالمعلقة وكمل بالإسكندرية ومات بدير بومقار في رابع شوال سنة إحدى وأربعين وخمسمائة وخلا الكرسي بعده سنة واحدة وسبعين يوما
وقدم عوضه بطرك اسمه يونس بن أبي الفتح بالمعلقة بمصر وكمل بالإسكندرية فأقام تسع عشرة سنة ومات في السابع والعشرين من جمادى الأخرة سنة إحدى وخمسين وخمسمائة
وخلا الكرسي بعده ثلاثة وأربعين يوما
وقدم بعده بطرك اسمه مرقص أبو الفرج بن زرعة في سنة إحدى وستين وخمسمائة بمصر وكمل بالإسكندرية فأقام اثنتين وعشرين سنة وستة أشهر وخمسة وعشرين يوما وفي أيامه أحرقت كنيسة بومرقورة بمصر ثم مات
وخلا الكرسي بعده سبعة وعشرين يوما
وقدم بعده بطرك اسمه يونس بن أبي غالب في عاشر ذي الحجة سنة أربع وثمانين وخمسمائة بمصر وكمل بالإسكندرية وأقام ستا وعشرين سنة وأحد عشر شهرا وثلاثة عشر يوما ومات في رابع عشر رمضان المعظم قدره سنة اثنتي عشرة وستمائة بالمعلقة بمصر ودفن ببركة الحبش
وقدم بعده بطرك اسمه داود بن يوحنا ويعرف بابن لقلق بأمر العادل بن الكامل فلم يوافق عليه المصريون فأبطلت بطركيته وبقي الكرسي بغير بطرك تسع عشرة سنة
ثم قدم بطرك اسمه كيرلس داود بن لقلق في التاسع والعشرين من رمضان المعظم سنة ثلاث وثلاثين وستمائة فأقام سبع سنين وتسعة أشهر وعشرة أيام ومات في السابع عشر من رمضان المعظم سنة أربعين وستمائة ودفن بدير الشمع بالجيزة
وخلا الكرسي بعده سبع سنين وستة أشهر وستة وعشرين يوما
وقدم بعده بطرك اسمه سيوس بن القس أبي المكارم في رابع رجب سنة ثمان وأربعين وستمائة وكمل بالإسكندرية وأقام إحدى عشرة سنة وخمسة

(5/307)


وخمسين يوما ومات في ثالث المحرم سنة ستين وستمائة
وخلا الكرسي من بعده خمسة وثلاثين يوما
ثم قدم بعده في الدولة الناصرية محمد بن قلاوون البطرك بنيامين وهو الذي كان معاصرا للمقر الشهابي بن فضل الله ونقل عنه بعض أخبار الحبشة
ثم قدم بعده المؤتمن جرجس بن القس مفضل في شهور سنة أربع وستين وسبعمائة
ثم قدم بعده البطرك متى وطالت مدته في البطركية ثم مات في شهور سنة اثنتي عشرة وثمانمائة
واستقر بعده الشيخ الأمجد رفائيل في أواخر السنة المذكورة وهو القائم بها إلى الان
أما ملوكهم القائمون ببلادهم فلم يتصل بنا تفاصيل أخبارهم غير أن المشهور أن ملكهم في الزمن المتقدم كان يلقب النجاشي سمة لكل من ملك عليهم إلى أن كان اخرهم النجاشي الذي كان في زمن النبي وأسلم وكتب إليه بإسلامه ومات وصلى عليه صلاة الغائب وكان اسمه بالحبشيه أصحمة ويقال صحمة ومعناه بالعربية عطية
وقد ذكر المقر الشهابي بن فضل الله مسالك الأبصار أن الملك الأكبر الحاكم على جميع أقطارهم يسمى بلغتهم الحطي بفتح الحاء المهملة وتشديد الطاء المهملة المكسورة وياء مثناة تحت في الاخر
ومعناه السلطان اسما موضوعا لكل من قام عليهم ملكا كبيرا
ثم قال ويقال إن تحت يده تسعة وتسعين ملكا وهو لهم تمام المائة
وذكر أن الملك القائم بمملكتهم في زمانه

(5/308)


اسمه عمدسيون ومعناه ركن صهيون
قال وصهيون بيعة قديمة البناء بالإسكندرية معظمة عندهم
قال ويقال إنه من الشجاعة على أوفر قسم وإنه حسن السيرة عادل في رعيته
قال في التعريف وقد بلغنا أن الملك القائم عليهم أسلم سرا واستمر على إظهار دين النصرانية إبقاء لملكه
فيحتمل أنه عمدسيون المقدم ذكره ويحتمل أنه غيره
قال في التعريف ومدبر دولته رجل يقرب إلى بني الأرشي الأطباء بدمشق
قال في مسالك الأبصار ومع ما هم عليه من سعة البلاد وكثرة الخلق والأجناد مفتقرون إلى العناية والملاحظة من صاحب مصر
لأن المطران الذي هو حاكم شريعتهم في جميع بلادهم من أهل النصرانية لا يقام إلا من الأقباط اليعاقبة بالديار المصرية بحيث تخرج الأوامر السلطانية من مصر للبطرك المذكور بإرسال مطران إليهم
وذلك بعد تقدم سؤال ملك الحبشة الذي هو الحطي وإرسال رسله وهداياه
قال وهم يدعون أنهم يحفظون مجاري النيل المنحدر إلى مصر ويساعدون على إصلاح سلوكه تقربا لصاحب مصر
وقد ذكر ابن العميد مؤرخ النصارى في تاريخه أنه لما توقف النيل في زمن المستنصر بالله الفاطمي كان ذلك بسبب فساد مجاريه من بلادهم وأن المستنصر أرسل البطرك الذي كان في زمانه إلى الحبشة حتى أصلحوه وأستقامت مجاريه
لكن قد تقدم في الكلام على النيل عند ذكر مملكة الديار المصرية من هذه المقالة ما يخالف ذلك
الجملة السادسة في ترتيب مملكتهم
قال في مسالك الأبصار يقال إن الحطي المذكور وجيشه لهم خيام

(5/309)


ينقلونها معهم في الأسفار والتنزهات وإنه إذا جلس الملك يجلس على كرسي ويجلس حول كرسيه أمراء مملكته وكبراؤها على كراسي من حديد منها ما هو مطعم بالذهب ومنها ما هو ساذج على قدر مراتبهم
قال ويقال إن الملك مع نفاذ أمره فيهم يتثبت في أحكامه
ولم يزد في ترتيب مملكتهم على ذلك
ولملك الحبشة هذا مكاتبة عن الأبواب السلطانية بالديار المصرية يأتي ذكرها في الكلام على المكاتبات في المقالة الرابعة إن شاء الله تعالى
القسم الثاني من بلاد الحبشة ما بيد مسلمي الحبشة
وهي البلاد المقابلة لبر اليمن على أعالي بحر القلزم وما يتصل به من بحر الهند ويعبر عنها بالطراز الإسلامي لأنها على جانب البحر كالطراز له
قال في مسالك الأبصار وهي البلاد التي يقال لها بمصر والشام بلاد الزيلع
قال والزيلع إنما هي قرية من قراها وجزيرة من جزائرها غلب عليها اسمها
قال الشيخ عبد المؤمن الزيلعي الفقيه وطولها برا وبحرا خاصا بها نحو شهرين وعرضها يمتد أكثر من ذلك لكن الغالب في عرضها أنه مقفر أما مقدار العمارة فهو ثلاثة وأربعون يوما طولا وأربعون يوما عرضا
قال في مسالك الأبصار وبيوتهم من طين وأحجار وأخشاب مسقفة بجملونات وقباب وليست بذوات أسوار ولا لها فخامة بناء ومع ذلك فلها الجوامع والمساجد وتقام بها الخطب والجمع والجماعات وعند أهلها محافظة على الدين إلا أنه لا تعرف عندهم مدرسة ولا خانقاه ولا رباط ولا زاوية
وهي بلاد شديدة الحر وألوان أهلها إلى الصفاء وليست شعورهم في غاية التفلفل كما في أهل مالي وما يليها من جنوب المغرب وفطنهم أنبه من غيرهم من السودان وفطرهم أذكى وفيهم الزهاد والأبرار والفقهاء والعلماء ويتمذهبون بمذهب أبي حنيفة خلا وفات فإن ملكها وغالب أهلها شافعية

(5/310)


وتشتمل على ست جمل
الجملة الأولى فيما اشتملت عليه من القواعد والأعمال
مقتضى ما ذكره في مسالك الأبصار والتعريف أن هذه البلاد تشتمل على سبع قواعد كل قاعدة منها مملكة مستقلة بها ملك مستقل
القاعدة الأولى وفات
قال في تقويم البلدان بالواو المفتوحة والفاء ثم ألف وتاء مثناة فوق في الاخر والعامة تسميها أوفات
ويقال لها أيضا جبرة بفتح الجيم والباء الموحدة والراء المهملة ثم هاء في الاخر والنسبة إلى جبرة جبرتي
وموقعها بين الإقليم الأول وخط الاستواء
قال في تقويم البلدان والقياس أنها حيث الطول سبع وخمسون درجة والعرض ثمان درج
قال وعن بعض المسافرين أنها من أكبر مدن الحبشة
وهي على نشز من الأرض وعمارتها متفرقة ودار الملك فيها على تل والقلعة على تل ولها واد فيه نهر صغير وتمطر في الليل غالبا مطرا كثيرا وبها قصب السكر
قال في مسالك الأبصار وقال الشيخ عبد الله الزيلعي وطول مملكتها خمسة عشر يوما وعرضها عشرون يوما بالسير المعتاد
قال وكلها عامرة اهلة بقرى متصلة وهي أقرب أخواتها إلى الديار المصرية وإلى السواحل المسامتة لليمن وهي أوسع الممالك السبع أرضا والإجلاب إليها اكثر لقربها من البلاد
قال في مسالك الأبصار وعسكرها خمسة عشر ألفا من الفرسان ويتبعهم عشرون ألفا فأكثر من الرجالة وسيأتي الكلام على سائر أحوالها عند ذكر أحوال سائر أخواتها فيما بعد إن شاء الله تعالى
ومن مضافاتها زيلع
قال في تقويم البلدان الظاهر أنها بفتح الزاي العجمة وسكون الياء المثناة التحتية وفتح اللام ثم عين مهملة في الاخر

(5/311)


وهي فرضة من فرض هذه البلاد وموقعها بين الإقليم الأول وخط الاستواء
قال في القانون حيث الطول إحدى وستون درجة والعرض ثمان درج
قال في تقويم البلدان وهي في جهة الشرق عن وفات وبينهما نحو عشرين مرحلة
قال ابن سعيد وهي مدينة مشهورة وأهلها مسلمون وهي على ركن من البحر في وطاءة من الأرض
قال في تقويم البلدان وعن بعض من رآها أنها مدينة صغيرة نحو عيذاب في القدر وهي على الساحل والتجار تنزل عندهم فيضيفونهم ويبتاعون لهم
قال ابن سعيد وهي شديدة الحر وماؤها عذيبي من جفارات وليس لهم بساتين ولا يعرفون الفواكه
قال في القانون وفيها مغاص لؤلؤ
وقد ذكر في مسالك الأبصار أنها تلي في مملكة صاحب أوفات
وذكر في تقويم البلدان عن بعض من راها أن فيها شيوخا يحكمون بين أهلها وقال إن بينها وبين عدن من اليمن في البحر ثلاث مجار وهي عن عدن في جهة الغرب بميلة إلى الجنوب
القاعدة الثانية دوارو
بفتح الدال المهملة وواو ثم ألف وراء مهملة وواو وهي مدينة ذكرها في مسالك الأبصار والتعريف
ولم يتعرض لصفتها
وذكر في مسالك الأبصار أنها أوفات المقدمة الذكر وأن مملكتها طولها خمسة أيام وعرضها يومان
ثم قال وهي على هذا الضيق ذات عسكر جم نظير عسكر أوفات في الفارس والراجل
وسيأتي الكلام على تفصيل أحوالها مع أخواتها فيما بعد إن شاء الله تعالى

(5/312)


القاعدة الثالثة أرابيني
وهي مدينة ذكرها في المسالك والتعريف أيضا ولم يذكر شيئا من صفتها
ثم ذكر أن مملكتها مربعة طولها أربعة أيام وعرضها كذلك وعسكرها يقارب عشرة الاف فارس
اما الرجالة فكثيرة للغاية
القاعدة الرابعة هدية
قال في تقويم البلدان بالهاء والدال المهملة والياء المثناة التحتية ثم هاء في الاخر على ما ذكره بعض من راها
وموقعها بين الإقليم الأول من الأقاليم السبعة وبين خط الاستواء
قال والقياس أنها حيث الطول سبع وخمسون درجة والعرض سبع درج
وذكر عن بعض المسافرين أنها جنوبي وفات
قال في مسالك الأبصار وهي تلي أرابيني المقدم ذكرها وطول مملكتها ثمانية أيام وعرضها تسعة أيام وصاحبها أقوى إخوانه من ملوك هذه الممالك السبعة وأكثر خيلا ورجالا وأشد بأسا على ضيق بلاده عن مقدار أوفات
قال ولملكها من العسكر نحو أربعين ألف فارس سوى الرجالة فإنهم خلق كثير مثل الفرسان مرتين أو أكثر
قال في تقويم البلدان ومنها تجلب الخدام وذكر أنهم يخصونهم بقرية قريبة منها
وذكر في مسالك الأبصار أن الخدام تجلب إليها من بلاد الكفار
ثم حكى عن الحاج فرج الفوي التاجر انه حدثه أن ملك امحرا يمنع من خصي العبيد وينكر ذلك ويشدد فيه
وإنما السراق تقصد بهم مدينة اسمها وشلو بفتح الواو والشين المعجمة واللام أهلها همج لادين عندهم فتخصى بها العبيد لا يقدم على هذا في جميع بلاد الحبشة سواهم
قال ولذلك التجار إذا اشتروا العبيد يخرجون بهم إلى وشلو فيخصونهم بها لأجل زيادة الثمن ثم يحمل من خصي منهم إلى مدينة هدية لقربها من وشلو فتعاد عليهم الموسى مرة ثانية لينفتح مجرى البول لأنه يكون قد استد عند الخصي

(5/313)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية