صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : سمط اللآلي
المؤلف : الميمني
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

إذا رآني قد أتيت قرطبا ... وجال في جحاشه وطرطبا
وأنشد أبو علي " 1 - 65،65 " لذي الرمة:
ظلت تفالي وظل الجون مصطخما ... كأنه بتناهي الروض محجوم
ع وبعده:
حتى إذا حان من خضر قوادمه ... ذي جدتين يكف الطرف تغييم
خلي لها سرب أولاها وهيجها ... من خلفها لاحق الصقلين همهيم
يعني العير والأتن. ورواية أبي العباس:
وظل الجأب مكتئبا ... كأنه عن سرار الأرض محجوم
ظلت تفالي يفلي بعضها بعضا، والحمار مكتئب لأنها تضرحه من أجل أنها حوامل. وسرار الأرض أكرمها وأخلقها للنبات. يقول منعه إفراط العطش أن يأكل لأنه إنما يأكل اليبيس فصار بمنزلة المحجوم من الإبل وهو المكموم الفم. وخضر قوادمه: يعني الليل والأخضر الأسود عند العرب، قال سبحانه في صفة الجنتين بشدة الخضرة: " مدهامتان " . وقوادمه: أوائله. والجدة: طريقة ممتدة مثل الطرة. وجعل إلباس الليل الأرض بمنزلة الغيم. خلي لها سرب أولاها: أي خلاها تتبع أواخرها سوابقها لما أرادت من الورد. وهيجها: حثها لطلب الماء. وهمهيم: ذو هماهم يرددها في صدره. والتناهي في رواية أبي علي جمع تنهية وهي مواضع تنهبط ويجتمع إليها ماء السيل.
وأنشد أبو علي " 1 - 65،65 " :
قوم إذا اشتجر القنا ... جعلوا القلوب لها مسالك
اللابسين قلوبهم ... فوق الدروع لدفع ذلك
هذه إشارة إلى أنهم يقدمون المدافعة بجنن الرأي والسياسة قبل المدافعة بجنن السلاح والبزة لما كان الحزم والتدبير وصحة النظر في الأمور إنما تكون بالعقل والقلب هو الذي يعقل به كما قال الله سبحانه: " أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها " وقد بين هذا المعنى ابن نباتة بقوله:
لبسوا القلوب على الدروع حزامة ... منهم فليس تقلم الأظفار
وقال أبو تمام:
من كل أروع ترتاح المنون له ... إذا تجرد لا نكس ولا جحد
إذا رأوا للمنايا عارضا لبسوا ... من اليقين دروعا مالها زرد
فاليقين هنا بإزاء الحزامة في قول ابن نباتة والرأي هو المقدم في الحروب كما قال أبو الطيب:
الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني
فإذا هما اجتمعا لنفس مرة ... بلغت من العلياء كل مكان
وقول ابن نباتة:
فليس تقلم الأظفار
يعني لا يفل لهم حد ولا تخضد لهم شوكة كما قال الذبياني:
وبنو فزارة لا محالة أنهم ... آتوك غير مقلمي الأظفار
وقال معن بن أوس:
وذي رحم قلمت أظفار ضغنه ... بحلمي عنه وهو ليس له حلم
وذكر أبو علي " 1 - 66،66 " خبر الأصمعي قال: بينا أنا بحمى ضرية إذ وقف علي غلام من بني أسد إلى آخره.
ع قال بعض الرواة: ضرية التي نسب إليها الحمى ضرية بنت نزار بن معد بن عدنان. وقيل هي خندف زوج اليأس بن مضر وأم طابخة ومدركة وقمعة. وخندف: لقب. والخندفة مشية الذي يقلب قدميه كأنه يعزف بهما ولتلقيبهما خبر، والصحيح أن اسم خندف ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة. وقوله حريقيص: الحرقوص دويبة مجذعة تشبه بها أطراف السياط، يقال لمن يضرب أخذته الحراقيص وقيل الحرقوص شبيه بالبرغوث وربما نبت له جناحان فطار. وقال أبو عمر المطرز وهي دويبة تألف أرحام الأبكار. قال الراجز في ذلك:
ويلك يا حرقوص مهلا مهلا ... أإبلا أعطتني أم نخلا
وقال آخر:
مالقي الأبكار من حرقوص ... من مارد لص من اللصوص
يدخل بين الغلق المرصوص ... من غير مهر غال أو رخيص
والحرقوص أيضا: نواة البسرة الخضراء، والحرقوص أيضا: طرف السوط، يقال للمضروب أخذته الحراقيص، وبكل ذلك يحتمل أن يسمي الرجل. وقال محمد بن يزيد: كان اسم ذي الثدية الذي أنذر به النبي صلى الله عليه وسلم وقتله علي رضي الله عنه حرقوصا، وأنشد للرهين المرادي الخارجي:
وأسأل الله بيع النفس محتسبا ... حتى ألاقي في الفردوس حرقوصا
وفي الخبر: أنشدك لمرارنا، قد تقدم ذكر المرارين وهو الأسدي منهم وهو الفقعسي وفي الشعر:

(1/66)


سكنوا شبيثا والأحص وأصبحت ... نزلت منازلهم بنو ذبيان
وفيه:
وإذا فلان مات عن أكرومة ... رقعوا معاوز فقده بفلان
هذا مثل قول نهشل بن حري:
وليس يهلك منا سيد أبدا ... إلا افتلينا غلاما سيدا فينا
وقول أوس بن حجر:
إذا مقرم منا ذرى حد نابه ... تخمط فينا ناب آخر مقرم
وقول أبي الطمحان:
وإني من القوم الذين همو همو ... إذا مات منهم سيد قام صاحبه
" قلت وقول السموأل:
إذا سيد منا خلا قام سيد ... قؤول لما قال الكرام فعول "
وأنشد أبو علي " 1 - 66،66 " للأعشى:
زنادك خير زناد الملوك ... صادف منهن مرخ عفارا
ع بعده:
فإن يقدحوا يجدوا عندها ... زنادهمو كابيات قصارا
ولو رمت تقدح في ليلة ... حصاة بنبع لأوريت نارا
يقال في المثل: " أرخ يديك واسترخ إن الزناد من مرخ " يضرب لمن طلب حاجة فيؤمن أن لا يلح فيها فإن صاحبه كريم. والكابية من الزناد التي لا توري. وروى أبو عبيدة:
ولو بت تقدح في ظلمة صفاة بنبع ... والصفا لا توري وكذلك النبع.
قال أبو علي: الأعلى زند والأسفل زندة.
وقد جعل أمية ابن أبي الصلت الزندة طروقة فقال:
والأرض نوخها الإله طروقة ... للماء حتى كل زند مسفد
وأنشد أبو علي " 1 - 67،66 " للعجاج:
عاين حيا كالحراج نعمه
وقبله قال وذكر جيشا غزاهم:
بات يقاسي أمره أمبرمه ... أعصمه أم السحيل أعصمه
حتى إذا الليل تجلت ظلمه ... عاين حيا كالحراج نعمه
يكون أقصى شله محر نجمه
المبرم المفتول. والسحيل خيط واحد غير مفتول، يقول بات يقاسي أن يشن الغارة عليهم ولا يتمكث ولا ينظر وهو السحيل أو يمكث وهو المبرم. وقد فسر أبو علي باقيه. ومثله لزهير:
إذا شل رعيان الجميع مخافة ... نقول جهارا ويحكم لا تنفروا
على رسلكم إنا سنعدي وراءكم ... وتمنعكم أرماحنا أو سنعذر
يعني نعدي خيلنا.
وذكر أبو علي " 1 - 67،67 "
خبر حضرمي بن عامر وابن عمه جزء
ومن الرواة من يقول حصن بن عامر، كذلك قال ابن الأعرابي. فأما جزء فهو جزء من فاتك الأسدي.
وأنشد أبو علي " 1 - 68،68 " ليزيد بن الحكم الثقفي:
تكاشرني كرها كأنك ناصح ... وعينك تبدي أن صدرك لي دو
القصيدة إلى آخرها.
ع هو يزيد بن الحكم بن عثمان ابن أبي العاص الثقفي وعثمان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا نسبه ابن الأعرابي. وقال غيره إنه يزيد بن الحكم ابن أبي العاص وأن عثمان الصاحب عمه ويكنى يزيد أبا خالد. وقوله: أن صدرك لي دو هو فعل من الدوي وهو المرض، وليس من لفظ الداء لأن الفعل من الداء داء يداء داء فهو داء مثل قولك كبش صاف. وقال الشاعر في الدوي الذي هو المرض:
باض النعام به فبقر أهله ... إلا المقيم على الدوي المتأفن
وللكاشرة المضاحكة ومنه قول أبي الدرداء: إنا لنكشر في وجوه قوم وإن قلوبنا لتقليهم. وقوله: فليت كفافا كان خيرك كله البيت: قال ابن جني في المسائل الحلبيات يريد فليته أو فليتك. وقوله كفافا خبر كان وهذا كما قال:
إن من يدخل الكنيسة يوما ... يلق فيها جآذرا وظباء
قال ويروى البيت برفع الماء ورفع الشر ونصبه، فإذا نصب شرك رفع الماء. ومرتو أيضا مرفوع لأنه خبر شرك المنصوب بليت والماء مرفوع على هذا بفعله الذي هو ارتوى: أي ما ارتوى شارب الماء. وإذا رفع شرك عطفه على قوله خيرك، ورفعه بكان ونصب مرتو: أي ليتك كان شرك عني مرتويا أي مقلعا فيستغني عنه كما تقول رويت رويت من كذا أي انصرفت عنه وزالت حاجتي إليه، فينتصب هنا على أنه خبر كان كما ارتفع هناك على أنه خبر ليت والماء مرفوع أيضا بفعله كالوجه الأول. وأما ما ارتوى الماء مرتو بنصب الماء ورفع مرتو فلا نظر فيه. قوله ما ارتوى الماء مرتو. يقال روى الرجل لأهله وارتوى إذا استقى لهم الماء. وروى غير أبي علي بعد قوله:
فكل مجتو قرب مجتو
لعلك أن تنأى بأرضك نية ... وإلا فإني غير أرضك منتو

(1/67)


وقوله:
وكم موطن لولاي طحت كما هوى ... بأجرامه من قلة النيق منهو
لا يجيز المبرد لولاي ولولاك، ولا يجوز عنده إلا على الانفصال لولا أنا، ولولا أنت، وسيبويه يجيز فيه الاتصال، وزعم أن الكاف في موضع جر، وإذا أظهرت كان ما بعد لولا مرفوعا. وقال ابن كيسان: الكاف في موضع رفع لا جر قال: والضمير إذا علم موضعه ساغ فيه ذلك، ألا ترى أنك تقول أنا كأنت فأنت وهو ضمير رفع في موضع خفض، فكذلك يكون ضمير الخفض في موضع رفع إذا امن فيه اللبس. وقوله أو أخو مغلة لو: يقال لوى يلوي لوى، وهو أن يلتوي مصرانه فلا يحدث. وقوله: فياشر من يدحو الدحو البسط، يقال دحا يدحو ويدحي، والمدحاة خشبة يدحى بها. وقوله كما كتمت داء ابنها أم مدو: فسره أبو علي تفسيرا غير مقنع وأي نسبة بين دواية اللبن واللجام في اللفظ أو في المعنىوما يجعل ذلك إلى هذا وإنما أرادت أمه أن تلبس على أم خطبه وتوهما أنه أراد بقوله أدوي أخرج إلى الدوية، فأجابته على هذا المعنى تعلمه موضع اللجام ليرى أنه صاحب ركوب وصيد، وفهم الغلام غرض أمه فاستمر لما لحنت له به. وهذا من المعارض الحسنة. وروى قتادة عن مطرف عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " في المعارض مندوحة عن الكذب " ومن أحسن ما ورد في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي طلائع المشركين وهو في نفر يسير من أصحابه. فقال المشركون ممن أنتم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نحن من ماء من المياه، فنظر بعضهم إلى بعض وقال: أحياء البادية كثير وانصرفوا. أراد النبي عليه السلام قول الله عز وجل: " فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق " . ودخل بعض الزهاد على بعض الجبابرة فأحضر له اللهو والمغنين، فجعل الزاهد يقول للمغني كلما فرغ من غناء أحسنت ليرفع عن نفسه شر ذلك الجبار. فلما خرج الزاهد قيل له في ذلك. فقال إنما كنت أقول أحسنت إذا سكت. وأراد رجل الوصول إلى المأمون في ظلامة فلم يصل إليه، فقال على الباب: أنا أحمد النبي المبعوث، فكتب بذلك صاحب الخبر يذكر أن رجلا تنبأ فأدخل على المأمون فقال له ما تقول فذكر ظلامته. فقال له ما تقول فيما حكى عنك؟ قال وما هو؟ قال ذكروا أنك تقول إنك نبي قال معاذ الله إنما قلت إني أحمد النبي المبعوث أفلست يا أمير المؤمنين ممن يحمده قال نعم، واستظرفه ونظر في أمره.
وأراد بعض الأمراء أن يولي إبراهيم النخعي القضاء وعلم أنه لا يتخلص منه بالإباء من ذلك فقال له: والله ما أبصر إلا ما بصرني غيري يعني الله تبارك وتعالى يوهمه العمى فتخلص منه. وخرج شريح من عند زياد وهو يجود بنفسه، فقيل له كيف تركت الأمير؟ قال: تركته يأمر وينهي يوهمهم أنه لا بأس عليه فلم يلبثوا أن نعى لهم، فقيل له في ذلك فقال: نعم تركته يأمر بالوصية وينهى عن البكاء.
وقال أبو علي " 1 - 69،69 " دخل الأحوص على يزيد بن عبد الملك فقال له يزيد: لو لم تمت إلينا بحرمة، ولا جددت لنا مدحا غير أنك مقتصر على بيتيك لاستوجبت عندنا جزيل الصلة ثم أنشد يزيد:
وإني لأستحييكمو أن يقودني ... إلى غيركم من سائر الناس مطمع
وأن أجتدي للنفع غيرك منهم ... وأنت إمام للبرية مقنع
ع قد تقدم ذكر الأحوص 19، وإنما قال هذا الشعر في عمر بن عبد العزيز لا في يزيد بن عبد الملك. ونظم أبو تمام هذا المعنى في أحسن نظام فقال:
رأيت رجائي فيك وحدك همة ... ولكنه في سائر الناس مطمع
وقال آخر وأظنه إبراهيم بن العباس:
إذا طمع يوما غزاني منحته ... كتائب يأس كرها وطرادها
سوى طمع يدني إليك فإنه ... يبلغ أسباب العلا من أرادها
وقال الخريمي في نحوه:
عطاؤك زين لامرئ إن أصبته ... بخير وما كل العطاء يزين
وليس بعار بامرئ بذل وجهه ... إليك كما بعض السؤال يشين
وقال أبو الطيب:
وقبض نواله شرف وعز ... وقبض نوال بعض الناس ذام
وأنشد أبو علي " 1 - 69،69 " :
إني رأيتك كالورقاء يوحشها ... قرب الأليف وتغشاه إذا نحرا

(1/68)


ع فسر أبو علي معناه ولم يبينه. وقال الورقاء: ذئبة تنفر من الذئب وهو حي، وتغشاه إذا رأت به الدم. وأنشد ثعلب عن ابن الأعرابي قول العجاج في مثله:
ولا تكوني يا ابنة الأشم ... ورقاء دمي ذئبها المدمي
قال ابن الأعرابي قال لي أبو المكارم: إن الذئاب إذا رأت ذئبا قد عقر وظهر دمه أكبت عليه تقطعه وتمزقه وأنثاه معها، فيقول هذا لامرأته لا تكوني إذا رأيت الناس قد ظلموني علي معهم فتكوني كهذه الذئبة، وهذا هو التفسير الصحيح لا ما ذكره أبو علي من أن الذئبة تنفر من الذئب وهي حي، وهذا خلاف المعهود المعقول، وكيف يسمى أليفا من يوحش قربه وإنما الأليف من يوحش بعده ويؤنس قربه. ومثل هذا قول الفرزدق:
وكنت كذئب السوء لما رأى دما ... بصاحبه يوما أحال على الدم
وقول العجير:
فتى ليس لابن العم كالذئب إن رأى ... بصاحبه يوما دما فهو آكله
وأنشد أبو علي " 1 - 69،70 " لأبي حية النميري:
بدا يوم رحنا
وأول القصيدة على ما أنشده جماعة من الرواة أثبتها لجودتها:
ألا يا غراب البين فيم تصيح ... فصوتك مشنوء إلي قبيح
وكل غداة تنتحي لك تنتحي ... إلي فتلقاني وأنت مشيح
تخبرني أن لست لاقي نعمة ... بعدت ولا أمسي لديك نصيح
وإن لم تهجني ذات يوم فإنه ... ستغنيك ورقاء السراة صدوح
تذكرت والذكرى شعوف لذي الهوى ... وهن بصحرا الخبيت جنوح
حبيبا عداك النأي عنه فأسلبت ... على النحر عين بالدموع سفوح
إذا هي أفنت ماءها اليوم أصبحت ... غدا وهي ريا المئقيين نضوح
لعيناك يوم البين أسرع واكفا ... من الفتن الممطور وهو مروح
ونسوة شحشاح غيور يهبنه ... أخي حذر يلهون وهو مشيح
ظللت وقد ولوا بليل وقلصت ... بهم جلة فتل المرافق روح
فلاقيتهم يوما على قطرية ... وللعيس مما في الخدور دليح
فقلن ولم يشعرن أني سمعته ... وهن بأبواب الخدور جنوح
أهذا الذي غنى بسمراء حقبة ... أتاح له منها السقام متيح
وقائلة أولينه البخل إنه ... لما شاء من ذرو الكلام فصيح
وقائلة لولا الهوى ما تجشمت ... به نحوكم عبر السفار طليح
جرى يوم سرنا عامدين لأرضنا. على التوالي إلى قوله وقالوا دم. المشيح والشحشاح والشحشحان: المواظب على الشيء المجد فيه. وكذلك رواه غير أبي علي: من ذرو الكلام: أي شئ تسمعه خفي. وقطرية: إبل منسوبة إلى قطر وهي بالبحرين. ودليح: ثقيل يقال مر يدلح إذا مر متثاقلا. وقوله أو لينه البخل: هذه النون هي نون جمع المؤنث كما تقول ارمينه يا نسوة. وعقاب بإعقاب: بالكسر بخط أبي علي. وقوله: ودام لنا حلو الصفاء صريح: حلو الصفاء: هو نعت لشيء محذوف ولولا ذلك مانعته بعد بصريح كأنه عهد حلو الصفاء أو ود.
وأبو حية: هو الهيثم بن الربيع بن كثير بن جناب النميري من شعراء الدولتين وهو شاعر محسن على لوثة كانت فيه.
وأنشد أبو علي " 1 - 70،70 " لابن أبي فنن:
ولما أبت عيناي أن تملكا البكا ... وأن تحبسا سح الدموع السواكب
تثاءبت كي لا ينكر الدمع منكر ... ولكن قليلا ما بقاء التثاؤب
هو أحمد ابن أبي فنن، واسم أبي فنن صالح مولى للربيع بن يونس، يكنى أحمد أبا عبد الله وكان أسود، وهو شاعر مجيد من شعراء بغداد وكانت له أغراض مستطرفة ومعان مستحكمة منها قوله:
وحياة هجرك غير معتمد ... إلا رجاء الحنث في الحلف
ما أنت أحسن ما رأيت ولا ... كلفي بحبك منتهى كلفي
أراد أنها أحسن من رأى وأن كلفه بها فوق كل كلف، فأقسم بحياة هجرها وتوخي الخلاف في الجواب لعل الهجر يموت وإن كان ابن المعتز قد أشار إلى هذا المعنى بقوله:
وحياة عاذلتي لقد صارمته ... وكذبت بل واصلته وحياته

(1/69)


إلا أن ذلك أحسن وقائله أقدم والفضل للمتقدم لأن ابن أبي فنن إنما شهر بالشعر في أيام المتوكل، واستفرغ شعره في الفتح بن خاقان.
وأنشد أبو علي " 1 - 70،70 " متصلا بما ذكرنا شعرا أوله:
يقولون ليلى بالمغيب أمينة ... له وهو راع سرها وأمينها
فإن تك ليلى استودعتني أمانة ... فلا وأبى أعدائها لا أخونها
ع هذا قسم إن كان على مذهب ابن أبي فنن فإنه سيخونها وإن كان على حقيقة القسم فأي حق لأبي أعدائها. وقد قال بعضهم إن حي الشاعر كانوا حربا لحي المرأة وأبو أعدائها أبو حي الشاعر نفسه.
قال أبو علي " 71،71 " في قول إسحاق:
إن ترى شيبا علاني فإني ... مع ذاك الشيب حلو مزير
وفيه قول رابع قيل إذا كان الرجل شديد القلب رابط الجأش فهو مزير. وهذا التبيين أوقع هنا لقوله بعده:
قد يفل السيف وهو جراز ... ويصول الليث وهو عقير
وأنشد أبو علي " 1 - 71،71 " للجعدي:
يصمم وهو مأثور جراز ... إذا جمعت لقائمه اليدان
ع قبله:
وقد أبقت صروف الدهر مني ... كما يبقي من السيف اليماني
يصمم. وبعده:
مضى عصر وما يشرى بمال ... ولو سيقت به مائتا هجان
ورواية أبي علي عن إبراهيم بن محمد بن عرفة: تحسر وهو مأثور جراز. كذا نقلته من خط أبي علي. وقوله تحسر أي نحل ورقت حديدته. مأثور فيه أثر والأثر الفرند. وقوله إذا جمعت بقائمه اليدان: يريد اليد العضو والأيد القوة فثنى على الأخف. فقال اليدان لأن اليد لا تغني إلا بالشدة.
قال:
وترى الحسام على جرآءة حدهمثل الجبان بكف كل جبان
وقال أبو الطيب:
وما السيف إلا بزغاد لزينة ... إذا لم يكن أمضى من السيف حامله
وقال أبو تمام:
وقد يكهم السيف المسمى منية ... وقد يرجع المرء المظفر خائبا
فآفة ذا أن لا يصادف مضربا ... وآفة ذا أن لا يصادف ضاربا
وما يشري: أي لا يباع. ويشرى يكون أيضا بمعنى يشتري وكذلك بعت يكون بالمعنيين. مائتا هجان: يعني الإبل الكرام البيض. وهجان يقع على الواحد والجميع.
والنابغة هذا هو قيس بن عبد الله بن عدس بن ربيعة بن جعدة يكنى أبا ليلى صحب النبي صلى الله عليه وسلم وروى عنه ومدحه ودعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعض ما استحسنه من شعره وهو قوله:
ولا خير في حلم إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
فقال لا يفضض الله فاك فعاش مائتين وعشرين سنة لم تنقض له ثنية أي لم تتحرك عاش ثلاثة قرون والقرن ثمانون سنة وقال في ذلك:
صحبت أناسا فأفنيتهم ... وأفنيت بعد أناس أناسا
ثلاثة أهلين أفنيتهم ... وكان الإله هو المستآسا
وتحنف في الجاهلية وهجر الأوثان والأزلام وكان يصوم ويستغفر قال:
الحمد لله لا شريك له ... من لم يقلها فنفسه ظلما
وأنشد أبو علي " 1 - 71،71 " للأسود بن يعفر:
وكنت إذا ما قرب الزاد مولعا ... بكل كميت جلده لم يوسف
ع قال الأسود يهجو عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع وكان عقال قد أضاف طهويا فنحر له وجعل ذلك اللحم خزيرا فأكثر عقال من الأكل فعيره الأسود ذلك فقال:
ليبك عقالا كل كسر مؤرب ... مذاخره للآكل المتحيف
فتجعل أيد في حناجر أقنعت ... لعادتها من الخزير المغرف
وكنت إذا ما قرب الزاد مولعا
هكذا الرواية في أمالي أبي علي وكنت بالضم وكذلك الرواية في شعر الأسود يصف نفسه أنه يكتفي في زاده بالتمر عن الخزير وعن أكسار البعير يقال كسر مؤرب أي عظيم تام لحمه. وقد رواه قوم بفتح التاء.
وهو الأسود بن يعفر ويقال يعفر بضم الياء والعين هكذا مختار بعض اللغويين ابن عبد الأسود بن جندل بن نهشل بن دارم شاعر جاهلي يكنى أبا نهشل.
وأنشد أبو علي " 1 - 72،71 " لهدبة بن خشرم:
طربت وأنت أحيانا طروب ... وكيف وقد تعلاك المشيب

(1/70)


يجد النأي ذكرك في فؤادي ... إذا ذهلت عن النأي القلوب
ع عن هنا بمعنى من أجل. وفيها:
ألا ليت الرياح مسخرات ... بحاجتنا تباكر أو تؤوب
وبخط أبي علي تصبح أو تؤوب. وقوله:
فإنا قد حللنا دار بلوى
هذا الشعر وغيره يقوله في سجن عثمان بالمدينة لأنه أصاب دم رجل من قومه يقال له زيادة بن زيد وكان لزيادة ابن صغير يسمى المسور، فلم يزل هدبة مسجونا حتى أدرك المسور فبذل له أشراف أهل المدينة عشر ديات في أبيه ليخلصوا هدبة فأبى إلا القود، وكان زيادة أبوه كلما نازع هدبة فيما كان بينهما قال:
سأجزيكمو ما دمت حيا فإن أمت ... فيوم لكم نحس إذا شب مسور
فكان كما قال قتله مسور صبرا. قال ابن المسيب هدبة أول مصبور بالمدينة بعد عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهم خبر طويل. وهو هدبة بن خشرم بن كرز بن حجير من سعد هذيم وهو سعد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة.
وأنشد أبو علي " 1 - 72،72 " للمتلمس:
ألم تر أن الجون أصبح راسيا
صلته:
وما الناس إلا ما رأوا وتحدثوا ... وما العجز إلا أن يضاموا فيجلسوا
ألم تر أن الجون أصبح راسيا ... تطيف به الأيام ما يتأيس
عصى تبعا أيام أهلكت القرى ... يطان عليه بالصفيح ويكلس
الجون: حصن اليمامة سمي بذلك للونه، ويزعمون أن تبعا لما غزا القرى أعياه هذا الحصن. وروى الأصمعي:
يطان على صم الصفيح ويكلس
يقول فالناس على خلاف ذلك ليسوا حجارة، فلا ينبغي لهم قبول الضيم رجاء الحياة.
واسم المتلمس جرير بن عبد المسيح بن عبد الله من بني ضبيعة بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان. ولقب المتلمس ببيت قاله في هذا الشعر وهو:
فهذا أوان العرض حي ذبابه ... زنابيره والأزرق المتلمس
وأنشد أبو علي " 1 - 72،72 " للطريف العنبري:
إن قناتي لنبع ما يؤيسها ... عض الثقاف ولا دهن ولا نار
ع وبعده:
وإن جاري لا يرضى لمنعته ... بأن يكون له من غيرنا جار
وهو طريف بن تميم العنبري يكنى أبا عمرو فارس من فرسان بني تميم شاعر مقل جاهلي قتله حمصيصة الشيباني بشراحيل الشيباني من بني أبي ربيعة.
وقال أبو علي " 1 - 73،72 " اجتمع طريف بن العاصي الدوسي وهو جد طفيل ذي النور ابن عمرو بن طريف والحارث بن سفيان بن لجإ بن منهب عند بعض مقاول حمير فتفاخرا، فقال الملك للحارث: يا حار ألا تخبرني بالسبب الذي أخرجكم عن قومكم وذكر الحديث إلى آخره.
ع هو الطفيل بن عمرو بن طريف بن العاصي بن ثعلبة بن سليم بن فهم الدوسي وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: إن قومي غلب عليهم الزنا فادع الله عليهم. فقال: اللهم اهد دوسا. فقال يا رسول الله: اجعل لي آية يهتدون بها. فقال: اللهم نور له: فسطع نور بين عينيه. فقال: يا رب أخاف أن يقولوا مثلة، فتحول إلى طرف سوطه، فلما وفد على قومه بالسراة جعلوا يقولون إن الجبل ليلتهب نارا، وكان أبو هريرة ممن اهتدى بتلك العلامة في بعض الحديث. وفيه: " واسم صاحبهم عنقش " عنقش النون فيه زائدة، يقال عقشت بالشيء: جمعته، وعقشت العود: ثنيته، فجمعت طرفيه وأنكر الخليل عنقشا وقال: إنه مصنوع. وأنشد في الخبر:
وإن كلام المرء في غير كنهه ... كالنبل تهوي ليس فيها نصالها
إذا لم يكن عليها نصال طاشت فلم تقرطس وعارت يمينا وشمالا. فضرب ذلك مثلا للكلام في غير كنهه كما قال المتوكل:
الشعر لب المرء يعرضه ... والقول مثل مواقع النبل
منها المقصر عن رميته ... ونوافذ يذهبن بالخصل
" ومثل هذا قول الآخر:
وإنما الشعر لب المرء يعرضه ... على المجالس إن كيسا وإن حمقا "
وأنشد أبو علي " 1 - 75،75 " للبيد:
رعى خرزات الملك عشرين حجة
وصلته:
وغسان زلت يوم جلق زلة ... بسيدها والأريحي الحلاحل
رعى خرزات الملك عشرين حجة ... وعشرين حتى فاد والشعب شامل
فأضحى كأحلام النيام نعيمهم ... وأي نعيم خلته لا يزايل

(1/71)


ويروى وسيدها. قوله: رعى خرزات الملك: يريد تاج الملك أي ساس الملك أربعين سنة. وذكر أبو عبيدة أن الملك كان إذا مضى لملكه عام زاد في تاجه خرزة فكان يعلم سنو ملكه بعدد خرزاته. وقوله:
وأي نعيم خلته لا يزايل
هذا كقوله في استفتاح القصيدة:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل
وأنشد أبو علي " 76،75 " للأعشى:
جيادك في الصيف في نعمة ... تصان الجلال وتنطي الشعيرا
ع وبعده:
سواهم جذعانها كاجلام ... أقرح منها القياد النسورا
ينازعن أرسانهن الرواة ... شعثا إذا ما علون الثغورا
قال ثعلب في قوله: جيادك في الصيف يضعف هذا البيت من شعر الأعشى ويستهجن وهو يمدح به هوذة بن علي أحد الملوك المتوجين وقد كتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كتب إلى الملوك. ونظيره في الهجنة قول النابغة الذبياني يمدح النعمان:
ويأمر لليحموم كل عشية ... بقت وتعليق وقد كاد يسنق
والجلام: تيوس من الظباء. والرواة: الخدام الذين يشدون بالأروية.
وأنشد أبو علي " 1 - 76،75 " :
الباغي الحرب يسعى نحوها ترعا ... حتى إذا ذاق منها جاحما بردا
قوله برد: معناه ثبت، ومنه قولهم برد فلان كذا: أي ثبت. قال الراجز:
اليوم يوم بارد سمومه ... من جزع اليوم فلا ألومه
أي ثابت حره وشدته.
وأنشد أبو علي " 1 - 76،76 " للأعشى أيضا:
حتى إذا لمع الدليل بثوبه
ع قبله:
طال القياد لها فلم تر تابعا ... للخيل ذا رسن ولا أعطى لها
وسمعت أكثر ما يقال لها اقدمي ... والنص والإيجاف كان صقالها
حتى إذا لمع الدليل بثوبه ... سقيت وصب رواتها أشوالها
يقول بعدت الغارة حتى أزحفت الخيل فرسنوا منها ما يطمعون في انقياده وعطلوا بقيتها، فربما تبع المرسنون وربما قام فترك. وقوله والنص والإيجاف كان صقالها هذا مثل قول علقمة:
تراد على دمن الحياض فإن أبت ... فإن المندى رحلة وركوب
ثم قال: فلما لمع الربيء وساروا إلى الغارة سقوا خيلهم ثم صبوا بقية الماء ليقاتلوا على ماء القوم كما فعل قيس بن عاصم يوم مسلحة.
وأنشد أبو علي " 1 - 76،76 " لذي الرمة:
يقطع موضوع الحديث ابتسامها
ع صلته:
من الواضحات البيض تجري عقودها ... على ظبية من رمل فاردة بكر
تبسم إيماض الغمامة جنها ... رواق من الظلماء في منطق نزر
يقطع موضوع الحديث ابتسامها ... تقطع ماء المزن في نزف الخمر
يريد على ظبية بكر من رمل فاردة أي رملة انقطعت من معظم الرمل. وقوله: تبسم إيماض الغمامة: يقول كأن ابتسامها لمع برق في غمامة. وجنها رواق من الظلماء: أي ألبسها يعني لعس شفتيها ولمى لثاتها كما قال ابن المعتز:
لما تفرى أفق الضياء ... مثل ابتسام الشفة اللمياء
فجعل الشفة بإزاء الليل، واللعس بإزاء الصبح، وكأن ابن المعتز إنما أخذ هذا من قول أبي تمام في المديح بثبات الجنان في الحرب فنقله إلى النسيب:
أنسى ابتسامك والألوان كاسفة ... تبسم الصبح في داج من الظلم
وقوله في منطق نزر: كأنه مع قلة كلام كما قال في أخرى:
لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رخيم الحواشي لا هواء ولا نزر
وقال ابن أحمر:
تضع الحديث على مواضعه ... وكلامها من بعد ذا نزر
موضوع الحديث: مخفوضه. يقول: تبسم في خلال حديثها، فيقطع ذلك التبسم حديثها فشبه طيب حديثها بطيب ماء السماء ممزوجا بالخمر، والخمر إذا شجت بالماء تقطعت وعلاها حباب ثم سكنت.
وأنشد أبو علي " 1 - 77،76 " لأبي ذؤيب:
يقولون لما جشت البئر أوردوا
ع قال أبو ذؤيب يصف القبر وما يؤول إليه أمره من إيراده إياه:
وقد بعثوا فراطهم فتأثلوا ... قليبا سفاها كالإماء القواعد
يقولون لما جشت البئر أوردوا ... وليس بها أدنى ذفاف لوارد
فكنت ذنوب البئر لما تبسلت ... وسربلت أكفاني ووسدت ساعدي

(1/72)


شبه الذين يتقدمون لحر قبره بالفراط الذين يتقدمون لإصلاح الحياض والدلاء، وجعل القبر كالقليب الذي ينبط وهو البئر، والتذكير في القليب أعرف. وسفاها: مدرها. وجعلها كالإماء القواعد لأنهن مستوفزات للخدمة لسن بمطمئنات ولذلك خص الإماء. وجشت: كبست وأصلحت. ثم كان هو ذنوب تلك البئر التي تورد فيها. وتبسلت: كره منظرها. والذفاف: البلل اليسير السريع الجفوف، وأصل الذف السرعة.
وأنشد أبو علي " 1 - 77،76 " لسوار بن حبان المنقري:
ونحن حفزنا الحوافزان بطعنة ... كسته نجيعا من دم الجوف أحمرا
ع هذا وهم من أبي علي أو ممن أنشده البيت، وإنما هو من دم الجوف أشكلا.
وبعده:
وحمران قيس أنزلته رماحنا ... فعالج غلا في ذراعيه مقفلا
قضى الله أنا يوم نقتسم العلا ... أحق بها منكم فأعطى وأفضلا
وهو سوار بن حبان المنقري شاعر جاهلي إسلامي. وحمران الذي ذكر هو حمران بن عبد عمرو بن بشر بن عمرو بن مرثد. يقول هذا الشعر في يوم جدود.
وأنشد أبو علي " 1 - 77،76 " للكميت:
وجاءت حوادث في مثلها.
ع صلته:
فهذا لهذا ولما رأت ... أن ليس عن رحلة مزحل
وجاءت حوادث في مثلها ... يقال لمثلي ويها فل
جعلت المطي دواء الهموم ... وذو الطب يعلم ما يجعل
يقول هذا الكلام لما أنبأتك به. وفل أراد يا فلان فحذف الألف والنون وترك ما بقي اسما على حياله يعمل فيه الإعراب قال الراجز:
في لجة أمسك فلانا عن فل
ولو كان قول الكميت على الترخيم لقال فلا لأنك إذا رخمت اسما قبل آخر حرف منه ياء ساكنة أو واو ساكنة أو ألف حذفتها مع آخر حرف منه إذا كان ما يبقى على ثلاثة أحرف أو أكثر، فإن كان ما يبقي حرفين لم تحذفها تقول في عباد يا عبا وفي زياد يا زيا وفي ثمود يا ثمو وفي سعيد يا سعي.
وأنشد أبو علي " 1 - 77،77 " :
واها لريا ثم واها واها ... يا ليت عينيها لنا وفاها
ع وتمامه:
بثمن نرضي به أباها
وأنشد أبو علي " 1 - 77،77 " للعجاج:
عف فلا لاص ولا ملصي
ع وقبله:
إني امرؤ عن جارتي كفي ... عن الأذى إن الأذى مقلي
وعن تبغي سرها غني ... عف فلا لاص ولا ملصي
كفي: أي غني يقول لا أوذيها لأن الأذى مقلي. وعن تبغي سرها: السر النكاح ويكبون ما استسر به أي لا أطلب أخبارها. لا لاص ولا ملصي: يقول لست بشاتم ولا مشتوم.
أنشد أبو علي " 1 - 78،77 " لرجل من بني كلاب شعرا فيه:
أصد عن البيت الذي فيه قاتلي ... وأهجره حتى كأني قاتله
ع ومثل هذا قول ابن الدمينة:
وإنك من بيت إلي لمعجب ... وأحسن في عيني من البيت عامره
أصد حياء أن يلج بي الهوى ... وفيك المنى لولا عدو أحاذره
وقال آخر:
أمر مجنبا عن بيت ليلى ... ولم ألمم به وبي الغليل
أمر مجنبا وهواي فيه ... فطرفي عنه منكسر كليل
وقلبي فيه معتقل فهل لي ... إلى قلبي وساكنه سبيل
وأحسن ما ورد في هذا المعنى قول الأحوص:
يا بيت عاتكة الذي أتعزل ... حذر العدا وبه الفؤاد موكل
إني لأمنحك الصدود وإنني ... قسما إليك مع الصدود لأميل
يعني عاتكة بنت عبد الله بن معاوية ابن أبي سفيان وعبد الله هو الذي يلقب بمنقث.

(1/73)


وكانت عاتكة هذه عند يزيد بن عبد الملك بن مروان. وأم يزيد هذا عاتكة بنت يزيد بن معاوية ابن أبي سفيان. ولهذا البيت الأول خبر طريف يدخل في باب التعريض اللطيف واللحن الخفي الظريف. وذلك أن المنصور أبا جعفر لما أتى البصرة اختار رجلا من أهلها أديبا فصيحا عالما بأهلها وأخبارهم ليقفه على دور أشراف أهل البصرة ويعلمه أخبارهم، فكان يركب معه البصري ليلا، فإذا مر المنصور بدار فسأل عن صاحبها قال يا أمير المؤمنين هذه دار فلان، وكان من خبره كذا وكذا وكان من أمره كذا، وكان البصري لأدبه لا يبدؤه بلفظ حتى يكون جوابا لسؤاله، فأمر له المنصور في بعض تلك الليالي بصلة فتعقب عليها فيها المأمور بها وهو الربيع بن يونس وقال لابد من معاودته فأمسك البصري عن ذلك وتمادى على حاله من مسايرة المنصور ومسامرته. فمر في بعض تلك الليالي بدار عاتكة. فقال مبتدئا: يا أمير المؤمنين وهذه دار عاتكة التي يقول فيها الأحوص:
يا دار عاتكة التي أتعزل
وسلم وانصرف. فأنكر المنصور هذا من حاله ومن ابتدائه بذكره وفكر في أمره، فعرض الشعر على نفسه فإذا فيه يمدح عمر بن عبد العزيز:
وأراك تفعل ما تقول وبعضهم ... مذق الحديث يقول مالا يفعل
قال يا ربيع أدفعت إلى الرجل ما أمرنا له به. فقال لا يا أمير المؤمنين. قال: فليدفع إليه مضاعفا، وهذا من تعريض هذا البصري كقول الشاعر:
ألا رب من أطنبت في ذم غيره ... لديه على فعل أتاه على عمد
ليعلم عند الفكر في ذاك أنني ... نصحت له فيما أتيت به جهدي
وأنشد أبو علي " 1 - 78،77 " لزهير:
كما استغاث بسيء فزغيطلة ... خاف العيون فلم ينظر به الحشك
ع وقبله. قال وذكر القطاة:
حتى استغاثت بماء لا رشاء له ... من الأباطح في حافاته البرك
مكلل بأصول النبت تنسجه ... ريح خريق لضاحي مائه حبك
كما استغاث بسيء فزغيطلة ... خاف العيون فلم ينظر به الحشك
السيء: ما كان من اللبن قبل أن تدر الناقة. والحشك: الناقة بلبنها فحرك الشين ضرورة. يقول يخاف الفصيل أن ينظر إليه الراعي فلا يدعه يشرب فانتهز فرصته.
وهو زهير ابن أبي سلمى واسم أبي سلمى ربيعة بن رياح المزني من مزينة مضر وزهير شاعر جاهلي يكنى أبا بجير. وأكثر الناس يقول إنه أشعر الشعراء.
وأنشد أبو علي " 1 - 78،78 " لأيمن بن خريم:
وصهباء جرجانية لم يطف بها ... حنيف ولم تنغر بها ساعة قدر
قال المؤلف: والصحيح أن هذا الشعر للأقيشر كذلك قال ابن قتيبة وغيره وهو ثابت في ديوان شعره.
والأقيشر: لقب غلب عليه لأنه كان أحمر أقشر. واسمه المغيرة بن أسود بن وهب من بني أسد بن خزيمة يكنى أبا معرض ويقال أبا معرض مخفف شاعر إسلامي.
فأما أيمن فهو أيمن بن خريم بن فاتك الأسدي وخريم له صحبة وهو ممن اعتزل الجمل وصفين وما بعدهما من الأحداث وهو منسوب إلى جده الأعلى لأنه خريم بن الأخرم بن شداد بن عمرو بن فاتك، وكان أيمن فارسا شريفا، وكان يتشيع، وكان به وضح، وقوله فيها:
أتاني بها يحيى وقد نمت نومة ... وقد غابت الشعرى وقد جنح النسر
روى غيره وقد غابت الشعرى وقد طلع النسر، وهو الصحيح لأن الشعرى العبور إذا كانت في أفق المغرب كان النسر الواقع طالعا من أفق المشرق على نحو سبع درجات وكان النسر الطائر لم يطلع، وإذا كانت الشعرى الغميصاء في أفق المغرب كان النسر الواقع حينئذ غير مكبد فكيف أن يكون جانحا، وكان النسر الطائر حينئذ في أفق المشرق طالعا على نحو سبع درجات أيضا، فرواية أبي علي لا تصح عند التدبر ألبتة، فكأن النسر الواقع نظير للشعرى العبور. قال الشاعر:
وإني وعبد الله بعد اجتماعنا ... لكالنسر والشعرى بشرق ومغرب
يلوح إذا غابت من الشرق شخصهوإن تلح الشعرى له يتغيب
وقال أبو نواس:
وخمارة نبهتها بعد هجعة ... وقد لاحت الجوزاء وانغمس النسر
فقالت من الطراق قلت عصابة ... خفاف الأداوي يبتغي لهم الخمر
والشعرى سابقة في الطلوع للجوزاء ولذلك سميت كلب الجبار والجبار اسم للجوزاء. ويروى:

(1/74)


وقد لاحت الشعرى وقد جنح النسر.
وقوله:
ولم يحضر القس المهينم نارها.
الهينمة، والهتملة: الكلام الخفي. قالت الكميت:
ولا أشهد الهجر والقائليه ... إذا هم بهينمة هتملوا
وقوله:
فدعه ولا تنفس عليه الذي ارتأى ... وإن مد أسباب الحياة له العمر
يقال نفست عليه الشيء أنفسه نفاسة، ونفست عليه به إذا لم تره أهلا له، ومثل هذا المعنى قول الأعور الشني:
إذا ما المرء قصر ثم مرتعليه الأربعون من الرجال
ويروى من الخوالي.
ولم يلحق بصالحهم فدعه ... فليس بلاحق أخرى الليالي
ويروى هذا الشعر ليزيد بن خذاق.
وأنشد أبو علي " 1 - 79،78 " لابن الدمينة شعرا فيه:
وكم لائم لولا نفاسة حبها ... عليك لما باليت أنك خابره
ع يحتمل أن يريد لولا نفاسة حبها لصرت إلى ما يدعوني إليه من هجرها حتى أختبر ذلك ويحتمل أن يريد لولا نفاسة حبها ما كنت أبالي أن يراها فيهيم بها ويعذرني في حبها، ولكني أنفس عليه ذلك فيكون كقول بعض المحدثين وهو ابن وكيع:
أبصره عاذلي عليه ... ولم يكن قبل ذا رآه
فقال لي لو هويت هذا ... ما لامك الناس في هواه
قل لي إلى من عدلت عنه ... فليس أهل الهوى سواه
فصار من حيث ليس يدري ... يأمر بالحب من بهاه
وينظر إلى هذا المعنى قول القائل وهو علي بن عبد الله الجعفري من ولد جعفر ابن أبي طالب:
ولما بدا لي أنها لا تودني ... وأن هواها ليس عني بمنجل
تمنيت أن تبلى بغيري لعلها ... تذوق حرارات الهوى فترق لي
وهذا مذهب مهجور فيه ما فيه. ويروى بيت ابن الدمينة وكم قائل فيكون الضمير على هذا في قوله خابره عائدا على حبها، والمعنى لولا أنك تنفس حبها على نفسك إن جادت لك بالوصال لما باليت أن تنال لذتك منها، ويقوي هذا التأويل وهذه الرواية قوله موصولا بالبيت:
أحبك يا ليلى على غير ريبة ... وما خير حب لا تعف سرائره
وفيه:
فماذا الذي يشفي من الحب بعدما ... تشربه بطن الفؤاد وظاهره
هذا مثل قول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود:
شققت القلب ثم ذررت فيه ... هواك فليم فالتأم الفطور
وابن الدمينة هو عبد الله بن عبيد الله أحد بني عامر بن تميم الله وأمه الدمينة بنت حذيفة السلولية شاعر متقدم من شعراء الدولة الأموية.
وأنشد أبو علي " 1 - 79،79 " لأبي الطريف:
أتهجرون فتى أغرى بكم تيها
ع هو أبو الطريف علي بن سليمان السلمي اليمامي شاعر مطبوع وبخط أبي علي شيعتهم فاسترابوا بي بالباء و يعلو كذا صعدا وصعدا معا و " قلت التنفس للإدلاج نحوكمو " و " ماء عيني جار " هذا كله بخطه. وهذا الشعر الذي نسبه إلى أبي الطريف هو ثابت في ديوان شعر خالد الكاتب وأوله هناك:
زموا المطي غداة البين وارتحلوا ... وخلفوني على الأطلال أبكيها
وأنشد أبو علي " 1 - 79،79 " لأبي بكر ابن دريد:
قلب تقطع فاستحال نجيعا ... فجرى فصار مع الدموع دموعا
ع قد كرر هذا المعنى فقال:
لا تحسبي دمعي تحدر إنما ... نفسي جرت في دمعي المتحدر
وأول من سبق إلى هذا المعنى أبو حية النميري قال:
نظرت كأني من وراء زجاجة ... إلى الدار من ماء الصبابة أنظر
فعيناي طورا تغرقان من البكا ... فأعشى وطورا تحسران فأبصر
وليس الذي يهمي من العين دمعها ... ولكنه نفس تذوب فتقطر
وفيه:
عجبا لنار ضرمت في صدره ... فاستنبطت من جفنه ينبوعا
نبهه على هذا المعنى أبو تمام بقوله في صفة برق:
يا سهم للبرق الذي استطارا ... ثاب على رغم الدجى نهارا
آض لنا ماء وكان نارا ... أرضى الثرى وأسخط الغبارا
وأصحاب المعاني ينشدون في مثله:
نار تجدد للعيدان نضرتها ... والنار تلفح عيدانا فتحترق
وسيأتي هذا الشعر بكماله إن شاء الله " 1 - 183،180 " .
وأنشد أبو علي " 1 - 80،79 " :
نسى الأمانة من مخافة لقح

(1/75)


وهو للراعي وقد مضى ذكره. وقبل البيت قال يشكو إلى عبد الملك بن مروان المصدقين:
إن الذين أمرتهم أن يعدلوا ... لم يفعلوا مما أمرت فتيلا
أخذوا المخاض من العشار غلبة ... ظلما وتكتب للأمير أفيلا
أخذوا العريف فقطعوا حيزومه ... بالأصبحية قائما مغلولا
حتى إذا لم يتركوا لعظامه ... لحما ولا لفؤاده معقولا
نسي الأمانة من مخافة لقح ... شمس تركن بضيعه مجزولا
وأنشد أبو علي " 1 - 81،81 " :
تربعت في حرض وحمض
ع هو لأبي محمد الفقعسي وقد مضى ذكره وبعدها أو بعد أشطار منها:
كأن صوت شخبها المرفض ... كشيش أفعى أجمعت لعض
فهي تحك بعضها البعض
يصف غزرها وصوت شخبها لكثرة لبنها بكشيش الأفعى وكشيشها بجلدها وفحيحها بفيها.
وأنشد أبو علي " 1 - 82،81 " لسلمى بن ربيعة:
حلت تماضر غربة فاحتلت ... فلجا وأهلك باللوى فالحلة
ع هكذا رواه أبو علي سلمى ولم يختلف الرواة أنه سلمي بضم السين وتشديد الياء وهو سلمي بن ربيعة بن زبان بن عامر من بني ضبة شاعر جاهلي، وابناه أبي وغوية شاعران. وفلج: واد بطريق البصرة إلى مكة. والحلة: بفتح الحاء موضع حزن وصخور متصل رمل بجلد في بلاد بني ضبة. وقوله:
وكأن في العينين حب قرنفل ... كحلت به أو سنبلا فانهلت
هكذا رواه أبو تمام وهي أحسن من رواية أبي علي، لأنه يلزمه على روايته أن يقول كحلت بهما وقال كحلت به ولم يقل كحلتا ولا انهلتا لأن الشيئين إذا اصطحبا وقام كل واحد منها مقام صاحبه جرى كثيرا عليهما ما يجري على الواحد كما قال:
لمن زحلوفة زل ... بها العينان تنهل
ولم يقل تنهلان. وقال الفرزدق:
ولو بخلت يداي بها وضنت ... لكان علي للقدر الخيار
وقوله:
يسدد أبينوها الأصاغر خلتي
إنما أضاف الخلة إلى نفسه لأنه كان يسدها وقوله:
تربت يداك وهل رأيت لقومه ... مثلي على يسري وحين تعلتي
رجلا إذا ما النائبات غشينه
قوله مثلي يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون مفعول رأيت فينتصب رجلا حينئذ على التمييز كقولك: لي مثله عبدا تقديره وهل رأيت مثلي من الرجال الذين إذا غشوا كفوا، والآخر أن يكون أراد هل رأيت رجلامثلي، فلما قدم مثلي وهو نكرة نصب على الحال. واللام في قوله: له معلقة بنفس رأيت كقولك: رأيت لبني فلان نعما. ومناخ نازلة: يعني الأضياف. والجمى والمطا: عرق في الظهر. وقوله: واستعجلت هزم القدور فملت، وروى غير أبي علي نصب القدور، والمعنى أنها للجوع لم تنتظر الطبيخ فملت اللحم على النار. واللتيا والتي: كناية عن الداهية. والتزم هذا الشاعر اللام قبل التاء من هذه الأبيات وليست بواجبة لأن الروي إنما هو التاء، وقد يلتزم المدل مالا يجب عليه ثقة بنفسه وشجاعة في لفظه، وذلك موجود كثير.
وأنشد أبو علي " 1 - 83،82 " للأعشى:
غير ميل ولا عواوير في الهيجا
ع قبله:
جندك التالد العتيق من السادات ... أهل القباب والآكال
غير ميل ولا عواوير في الهيجا ... ولا عزل ولا أكفال
ودروع من نسج داود في الحي ... وسوقا يحملن فوق الجبال
يمدح بهذا الشعر الأسود بن المنذر. وذكر أبو علي الأكشف والأميل ولم يذكر الذي لا رمح له وهو الأجم، ولا الذي لا قوس معه وهو الأنكب، ويروى في الهيجا وسوقا، والوسوق: الأحمال واحدها وسق.
وأنشد أبو علي " 1 - 83،83 " شعرا منه:
إذا قيل أين المشتفي بدمائهم ... وأين الروابي والفروع المعاقل
المشتفي بدمائهم فيه معنيان أحدهما: أنه من أصاب منهم واحدا بثأره فهو له شفاء ولقتيله بواء، والدم الكريم هو الثأر المنيم كما قال الشاعر أنشده الأشنانداني:
لا يشربون دماءهم بأكفهم ... إن الدماء الشافيات تكال
يقول إذا قتل منهم قتيل لم يأخذوا ديته إبلا فيشربوا ألبانها. وقوله:
إن الدماء الشافيات تكال

(1/76)


يقول لا يرضى فيها إلا بالمكايلة وأخذ دم كما قال الآخر وهو أبو قيس ابن الأسلت الأنصاري:
لا نألم القتل ونجزى به ال ... أعداء كيل الصاع بالصاع
والمعنى الآخر: أنهم كانوا يرون أن الرجل إذا عضه الكلب الكلب ففصد له شريف القوم نفسه وشرب من دمه شفي كما قال الشاعر وهو الحطئة:
بناة مكارم وأساة كلم ... دماؤهم من الكلب الشفاء
وقال الفرزدق في ذلك:
ولو شرب الكلمى المراض دماءنا ... شفتها وذو الداء الذي هو أدنف
وفيها قبل هذا:
وإذ لا ترود العين عنا لبغية ... ولا يتخطانا المروع الموائل
يقال فلان يوائل من كذا: أي ينجو منه. قال الشماخ:
توائل من مصك أنصبته ... حوالب أسهريه بالذنين
وفيه:
فأصبحت مثل النسر تحت جناحه ... قوادم صارتها إليه الحبائل
صارتها: أي أمالتها وضمتها. قال الله سبحانه: " فصرهن إليك " وفيه:
ولكن قومي عزهم سفهاؤهم ... على الرأي حتى ليس للرأي حامل
هذا كقول الأفوه:
لا يصلح القوم فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا
وقال أبو فراس الحمداني فأحسن:
كيف يرجى الفلاح من أمر قوم ... ضيعوا الحزم فيه أي مضاع
بمطاع المقال غير سديد ... وسديد المقال غير مطاع
وأنشد أبو علي " 1 - 84،83 " :
تود عدوي ثم تزعم أنني ... صديقك إن الرأي منك لعازب
وليس أخي من ودني رأي عينه ... ولكن أخي من ودني وهو غائب
ع قد نسب هذان البيتان إلى بشار وما أحسن قول الآخر في معناهما:
أخوك الذي إن سرك الأمر سره ... وإن غبت عنه ظل وهو حزين
يقرب من قربت من ذي مودة ... ويقصي الذي أقصيته ويهين
وقال آخر:
وإن معشر دبت إليك عداوة ... عقاربهم دبت إليهم عقاربي
وقال ابن المعتز:
لم يبق مما فاتني كسبه ... إلا فتى يسلم لي قلبه
ينأى فلا يذهله نأيه ... عني ولا يفسده قربه
يكون حسبي من جميع الورى ... في كل حال وأنا حسبه
وقال آخر:
فإن من الخلان من تشحط النوى ... به وهو راع للحفاظ أمين
ومنهم كعبد القين أما لقاؤه ... فحلو وأما غيبه فظنون
وقال آخر:
علي لأخداني رقيب من الصفا ... تبيد الليالي وهو ليس يبيد
وإني لأستحي أخي أن أبره ... قريبا وأن أجفوه وهو بعيد
وقال المغيرة بن حبناء:
أخوك الذي لا ينقض الدهر عهده ... ولا عند صرف الدهر يزور جانبه
وليس الذي يلقاك بالبشر والرضى ... وإن غبت عنه لسعتك عقاربه
وأنشد أبو علي " 1 - 84،83 " :
أحب بلاد الله ما بين منعج ... إلي وسلمى أن يصوب سحابها
ع وهما لامرأة من طئ وقبلهما:
ألم تعلمي يا دار بلجاء أنني ... إذا أخصبت أو كان جدبا جنابها
أحب بلاد الله
وتقدير الكلام في هذين البيتين أحب صوب سحاب بلاد الله إلى سحاب بلاد بها عق الشباب تمائمي ما بين سلمى ومنعج: يريد وسط سلمى ومنعج. فأحب ابتداء وأن يصوب بدل منه، وما بين ظرف وبلاد خبر الابتداء. ورواية أبي علي حل الشباب تمائمي. ورواه غيره: عق الشباب تمائمي. وقال ابن ميادة في معناهما فأحسن:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بحرة حزوى حيث ربتني أهلي
بلاد بها نيطت علي تمائمي ... وحللن عني حين أدركني عقلي
وأنشد أبو علي " 1 - 84،84 " :
منعمة يحار الطرف فيها ... كأن حديثها سكر الشباب
يريد أنها تصبي بحديثها فيحدث لسامعه من التصابي والجذل مثل سكر الشباب، لأن الشباب في بلهنية. وفيه:
من المتصديات لغير سوء ... تسيل إذا مشت سيل الحباب
ع ويروى الحباب بفتح الحاء، وكان أبو القاسم ابن الإفليلي يأبى إلا ضمها.
وتشبيه المشي بالحباب حباب الماء أفشى وأعرف. قال امرؤ القيس:

(1/77)


سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالا على حال
وقال ابن الرومي:
قضيت ذلك من قولي إلى فنق ... تلهو بمكتحل طورا ومختضب
جاءت تدافع في وشى لها حسن ... تدافع الماء في وشى من الحبب
وقال الراجز:
مالك لا تذكر أو تزور ... بيضاء بين حاجبيها نور
تمشي كما يطرد الغدير
وقال ابن أبي ربيعة في مشية الحباب الحية:
فلما فقدت الصوت منهم وأطفئت ... مصابيح شبت بالعشاء وأنور
وغاب قمير كنت أرجو غيوبه ... وروح رعيان ونوم سمر
وخفض عني الصوت أقبلت مشية ... الحباب وركني خيفة القوم أزور
هكذا نقلته من كتاب أبي علي الذي بخط ابن سعدان، وفي الطرة: " الحباب الحية " وأنشد أبو علي " 1 - 84،84 " :
حديث لو أن الميت يوحي ببعضه ... لأصبح حيا بعد ما ضمه القبر
هذا من قول توبة بن الحمير، وقد تقدم إنشاده وخبره " ص 31 " :
ولو أن ليلى الأخيلية سلمت
ومن قول الأعشى. وقال العلماء: إنه أكذب بيت قالته العرب:
لو أسندت ميتا إلى صدرها ... عاش ولم ينقل إلى قابر
حتى يقول الناس مما رأوا ... يا عجبا للميت الناشر
وأنشد أبو علي " 1 - 84،84 " :
وحديثها كالقطر يسمعه ... راعي سنين تتابعت جدبا
ع ورواية أبي علي: تتايعت بالياء وهي رواية جيدة لأن التتايع أخص بالشر.
وأنشد أبو علي " 1 - 85،84 " لابن الرومي شعرا منه:
شرك العقول ونزهة ما مثلها ... للمطمئن وعقلة المستوفز
ع روى غيره ونهزة ما مثلها.
وأنشد أبو علي " 1 - 85،84 " لبشار:
وكأن رفض حديثها ... قطع الرياض كسين زهرا
ع كان بشار قد وعدته هوى له أن تزوره ليلة فأخلفته فكتب إليها:
يا ليلتي تزداد نكرا ... من حب من أحببت بكرا
حوراء إن نظرت إليك ... سقتك بالعينين خمرا
وكأن رفض حديثها
ورفض حديثها: قطعه ومتفرقه. ورفوض الناس فرقهم. قال الراجز:
من أسد أو من رفوض الناس
وروى غير أبي علي:
وكأن نبذ حديثها.
وأنشد أبو علي " 1 - 85،85 " لأبي علي البصير:
غناؤك عندي يميت الطرب ... وضربك للعود يحيي الكرب
ع أبو علي البصير: هو الفضل بن جعفر بن الفضل شاعر ظريف محسن من شعراء الدولة الهاشمية وبليغ مفتن. وقال بعض الشعراء في مثل هذا المعنى:
ومغن كلما غناك ... صوتا قلت أشرك
فحزنا إذ تغني ... وطربنا حين أمسك
ومثل قوله:
ولو مازج النار في حرها ... حديثك أطفأ منها اللهب
ما أنشده عبد الصمد الكوفي. قال أنشدني الصنوبري:
إذا جواريك غنوا ... فاطرح علينا دثارا
واريتهم وحقيق ... لقبحهم أن يوارى
قد قلت إذ قال صحبي ... لم يضربون ستارا
" لو اطلعت عليهم ... وليت منهم فرارا "
وقال كشاجم:
غناء فريج بأرض الحجاز ... يطيب وأما بحمص فلا
لبرد الغناء وبرد الهواء ... فإن جمعا خفت أن يقتلا
وقال ابن الرومي:
غنى فلم يبق لنا جبة ... محشوة إلا لبسناها
فلو ترانا لو نرى جمرة ... من شدة البرد أكلناها
وقال أبان اللاحقي في قيان أبي النضير
قيان أبي النضير مثلجات ... غناء مثل شعر أبي النضير
فإن رمت الغناء لديه فاصبر ... إذا ما جئته للزمهرير
وأنشد أبو علي " 1 - 86،85 " للأشتر النخعي:
بقيت وفري وانحرفت عن العلا ... ولقيت أضيافي بوجه عبوس
ع الأشتر: اسمه مالك بن الحارث بن عبد يغوث فارس شاعر أدرك الجاهلية والإسلام وهو أحد أصحاب علي رضي الله عنه وذوي النصرة والحمية. واتفق العلماء أن هذا الاستفتاح أحسن قسم أقسم به شاعر وبعده قول الآخر في رواية من ينشده كما أنا ذاكره:
وإذا تأمل شخص ضيف مقبل ... متسربلا أثواب محل أغبر

(1/78)


أومي إلى الكوماء هذا طارق ... فعقرت ركن المجد إن لم تعقري
ورواية أبي علي " 1 - 45،43 " :
نحرتني الأعداء إن تنحري
وقد تقدم فيما سلف من الكتاب ومن حسن القسم في النسيب قول ابن الرومي:
لا وألحاظ العيون الساهره ... بين أهداب الجفون الفاتره
ما تولى آل وهب دولة ... فرآها الله إلا ظاهره
وقول البحتري وهو أبو عبادة الوليد بن عبيد بن يحيى بن عبيد من بحتر بن عتود بن عنيز بن سلامان بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن جلهمة وهو طئ سمي بذلك لأنه أول من طوى المناهل:
أما وضحكتها عن واضح رتل ... تنبي عوارضه عن بارد شبم
لقد كتمت هواها لو يطاوعني ... دمع لجوج ووجد غير منكتم
ومن القسم في الهجاء قول دعبل فأفرط وتعدى:
أيشتمني من حي كلب عبيدها ... وحي كلاب تقطع الصلوات
فإن أنا لم أعلم كلابا بأنها ... كلاب وأن الموت من نقماتي
فكان إذن من قيس عيلان والدي ... وأمي إذن من نسوة الحبطات
وأنشد أبو علي " 1 - 86،86 " :
ولكن عبد الله لما حوى الغنى ... وصار له من بين أخوته مال
ع قال الأصبهاني: إنهما لإبراهيم بن العباس الصولي يقولهما في عبد الله أخيه، وكان قاسمه ماله.
وذكر أبو علي " 1 - 86،86 " عن مولى لعنبسة بن سعيد بن العاصي
حديث ليلى الأخيلية مع الحجاج.
ع هو عنبسة بن سعيد بن العاصي بن سعيد بن العاصي بن أمية بن عبد شمس، وكان آثر الناس عند الحجاج، وطلع له ابن فسماه الحجاج باسمه، وكان على جانب من البخل عظيم، وله فيه أخبار طريفة. دخل به على الحجاج وهو طفل فأعطاه دراهم، فسأله أن يشدها بخيط، فكلما شدها سأله المبالغة في الشد حتى عقد اثنتي عشرة عقدة، فعجب الناس من شأنه. ثم دخل عليه عنبسة فأخبره بما رأى من ابنه. فقال له عنبسة: إن رأيته أيها الأمير فاسأله ما صنع بالدراهم، فأرسل فيه الحجاج وقال: ما صنعت بالدراهم التي أعطيتك. قال: عمدت إلى أغمض بيت في الدار فحفرت فيه حفيرة ثم دفنتها فيها، وملأت البيت تبنا وقلت لها: هذا آخر عهدك بالدنيا. قال: فما أردت بملء البيت تبنا. قال: إن أرادها اللصوص لم يفرغوا بإخراج التبن حتى يدركهم الصباح فيفضحهم، فازداد الحجاج عجبا من ضبطه وسربه ووهب له مالا. ومر بالحجاج بن عنبسة رجل في يوم صر وهو يرعد، فقال: ما الذي أخرجك من بيتك في مثل هذا اليوم؟ قال: خرجت أشتري لزوجتي بردا. قال: لا كسا الله عريها، أما لها برد؟ قال: نعم ولكنه خلق. قال: ارقعه مادام فيه مستمتع، فإذا لم تبق فيه بقية فماطلها أربعة أشهر وعشراعدة المتوفي عنها زوجها. وروى في حديث ليلى مع الحجاج قاسم بن ثابت: قال إسماعيل الآمدي عن محمد بن حاتم النحوي عن الهيثم بن عدي عن أبي عمرة الأنصاري عن الشعبي أنه شهدها عند الحجاج وفيه " وقال الحجاج: ما جاء بك؟ قالت إخلاف النجوم وكثرة الغروم " . وقول ليلى:
أعد لهم مسمومة فارسية ... بأيدي رجال يحلبون صراها
تعني نصال الرماح والسهام كأنها مسقية سما من أصابته لم ينج منها، وقيل إنها أرادت بمسمومة الدروع أي ضيقة الحلق دقيقة النسج من سم الخياط. وهذا التفسير يبطله عجز البيت وقول توبة:
لنفسي تقاها أو عليها فجورها
أو هنا بمعنى الواو وقد مضت أمثلته وقولها:
لتبك العذارى من خفاجة نسوة
نسوة تبيين وارتفاعه بفعل مضمر كأنها قالت تبكيه نسوة. وقولها:
كأن فتى الفتيان توبة لم ينخ ... قلائص يفحصن الحصا بالكراكر
إنما يفعلن ذلك من شدة الحر يطلبن برد الأرض لينلنه. وفي الحديث " 1 - 89،89 " وكان محصن الفقعسي من جلساء الحجاج. المحصن: هو المكتل وهو الزبيل الصغير سمي به. وفيه وكانت ليلى تهجوه ويهجوها، كانا يتهاجيان وقد غلبت عليه، وكان سبب تهاجيهما أن الجعدي كان يذكر يومي رحرحان وهو يهاجي سوار بن أوفى بن سبرة ويفخر عليه بأيام بني جعدة في قوله:
هلا سألت بيومي رحرحان وقد ... ظننت هوازن أن العز قد زالا
تلك المكارم لاقعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
فقالت ليلى:

(1/79)


وما كنت لو قاذفت جل عشيرتي ... لأذكر وطبي حازر قد تمثلا
تريد قد تجنب. فلما أتى النابغة أبيات ليلى قال:
ألا حييا ليلى وقولا لها هلا ... فقد ركبت أيرا أغر محجلا
بريذينة بل البراذين ثفرها ... وقد شربت في آخر الصيف إيلا
فأجابته ليلى:
أنابغ لم تنبغ ولم تك أولا ... وكنت صنيا بين صدين مجهلا
أعيرتني داء بأمك مثله ... وأي جواد لا يقال له هلا
قوله هلا: زجر للخيل، وإنما أراد به النابغة زجر الحجر إذا لم تقر للفحل. وقوله: وقد شربت: يعني البراذين في آخر الصيف أيلا يعني لبن إيل، ويقال إن من شرب ألبانها اغتلم. قال جرير:
أجعثن لو لا قيت عمران شاربا ... على الحبة الخضراء ألبان أيل
ويقال له أيضا أيل بالضم سمي بذلك لأنه يؤول إلى الجبال يتحصن فيها. وقال قطرب: الأيل من اللبن الذي قد أخذ في الخثورة وتغير طعمه عن طعم الحليب. وأنشد بيت النابغة هذا. وقال الخليل: آل الشيء يؤول أولا فهو آئل أي خثر، وبول آئل: أي خاثر وجمعه أيل كصائم وصيم، وكان الأصل أول وصوم ولكن قد يجمع الشيء على لفظه ولا ينظر إلى أصله. فمن تأول في البيت أنه أراد خائر اللبن فإنما هو على هذا التفسير أيل بضم الهمزة. ونقله قطرب إيل بكسر الهمزة. والصدان: ناحيتا الجبل أو الوادي والواحد صد. وقوله: " فماتت بقومس ويقال بحلوان " .
ع وقال أبو عمرو ابن العلاء ماتت بساوة. قال أبو الفرج: وهذا غلط والصحيح ما رواه المدائني أنها أقبلت من سفر و معها زوجها وهي في هودج فقالت والله لا أبرح حتى أسلم على توبة، فجعل الزوج يمنعها وهي تأبى إلا أن تلم به، فصعدت أكمة فيها قبر توبة فقالت: السلام عليك يا توبة، ثم حولت وجهها إلى القوم فقالت: ما عرفته كذب قط قبل هذه. قيل وكيف؟ قالت أليس القائل:
ولو أن ليلى الأخيلية سلمت ... علي ودوني تربة وصفائح
لسلمت تسليم البشاشة أو زقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح
وكانت في جانب القبر بومة كامنة فلما رأت الهودج واضطرابه نفرت فطارت في وجه الجمل فرمى بليلى على رأسها فماتت. وقد تقدم هذا الخبر " ص 31 " بمعناه على ما رواه أبو عبيدة، وهذا الذي أوردته هي رواية أبي الفرج الأصبهاني عن رجاله عن المدائني. وهي ليلى بنت عبد الله بن الرحال وهو شداد بن كعب بن معاوية وهو الأخيل من بني ربيعة بن عامر بن صعصعة.
وأنشد أبو علي " 1 - 90،90 " للأعشى:
رب رفد هرقته ذلك اليوم
ع كان الأسود بن المنذر وقيل المنذر بن الأسود قد غزا الحليفين أسدا وذبيان ثم أغار على الطف فأصاب نعما وسبي من بني ضبيعة بن قيس بن ثعلبة والأعشى غائب، فلما قدم وجد الحي مباحا فأتاه فأنشده وسأله أن يهب له الأسرى ويحملهم ففعل، فأنشده الأعشى قصيدته التي أولها:
ما بكاء الكبير بالأطلال ... وسؤالي فما يرد سؤالي
وفيها:
رب رفد هرقته ذلك اليو ... م وأسرى من معشر أقتال
وشيوخ حربي بشطي أريك ... ونساء كأنهن السعالي
وشريكين في كثير من الما ... ل وكانا محالفي إقلال
يقول استقت إبله فذهب ما كان يحلبه في الرفد فتلك إراقته. وهذا كقول امرئ القيس في أحد الأقوال:
فأفلتهن علباء جريضا ... ولو ألفينه صفر الوطاب
وحربي: جمع حريب وهو الذي قد حرب ماله. وروى أبو عبيدة: وشيوخ صرعى.
وقوله:
وشريكين في كثير من المال
يقول كانا فقيرين فلما غزوا معك استغنيا وأنشد أبو علي " 1 - 91،91 " للنمر شاهدا على قولهم: " ماله سعنة ولا معنة " على أن المعن اليسير الهين والسعن الكثير:
ولا ضيعته فألام فيه
صلته:
يلوم أخي على إهلاك مالي ... وما إن غاله ظهري وبطني
ولا ضيعته فألام فيه ... فإن ضياع مالك غير معن
ولكن كل مختبط فقير ... يقول ألا استمع أنبئك شأني

(1/80)


وفي كتاب العين ما يخلف قول أبي علي في السعن والمعن قال: السعن شيء يتخذ من الآدم شبه دلو إلا أنه مستطيل مستدير ربما جعلت له قوائم ينبذ فيه، وقد يكون على تلك الخلقة من الدلاء صغير يسمى السعن والجمع السعنة والأسعان، والسعن ظلة يتخذها أهل عمان فوق سطوحهم من جل الندى والومد والجمع السعون والسعن الودك والمعن العروف. ابن الأعرابي في قوله:
فإن ضياع مالك غير معن
أي غير حزم من قولك أمعن لي بحقي أي أقربه وانقاد. وأمعن الماء إذا جرى وهو النمر بن تولب بن أقيش من عكل واسم عكل عوف بن عبد مناة بن أد بن طابخة بن اليأس بن مضر شاعر جاهلي إسلامي، وكان يسمى الكيس لجودة شعره، ووفد على النبي صلى الله عليه وسلم وحسن إسلامه، وكتب له كتابا كان في أيدي أهله. وروى عنه أنه قال: صوم شهر الصبر، وصوم ثلاثة أيام من كل شهر يذهبن كثيرا من وحر الصدر.
وأنشد أبو علي " 1 - 91،91 " لزهير:
والستر دون الفاحشات ولا
ع قبله:
أثنى عليك بما علمت وما ... سلفت في النجدات والذكر
والستر دون الفاحشات ولا ... يلقاك دون الخير من ستر
النجعدات جمع نجدة: وهي الشدائد، وكالبيت الآخر قول الحكيم، وقد سئل المروءة؟ فقال: أن لا تعمل في السر عملا تستحي منه في العلانية. وقول الشاعر:
وإذا أظهرت أمرا حسنا ... فليكن أحسن منه ما تسر
فمسر الخير موسوم به ... ومسر الشر موسوم بشر
وقال آخر:
فإن الله لا يخفى عليه ... علانية تراد ولا سرار
وأنشد أبو علي " 1 - 92،91 " لرجل من بني تميم:
ولما رأين بني عاصم ... دعون الذي كن أنسيته
فأبدين ما كن حسرنه ... وسترن ما كن يبدينه
ع هذا التميمي هو ذو الخرق الطهوي وإنما أنشده العلماء
ذكرن الذي كن أنسينه
وهذه الرواية أشبه بتفسير أبي علي يصف نساء سبين فأنسين الحياء. وقوله: فلما رأين بني عاصم استيقن أنهن قد استنقذن فراجعن حياءهن. وفيها مع ذلك الصناعة التي تسمى المطابقة، ولا يدخل الدعاء هنا ولا هناك مدعو. ومثله في المعنى قول الآخر وهو باعث بن صريم اليشكري:
وخمار غانية شددت برأسها ... أصلا وكان منشرا بشمالها
فلمثل ما منتك نفسك خاليا ... منحتك يشكر أهلها وفصالها
وقول رجل من بني عجل:
ويوم يبيل النساء الدما ... جعلت رداءك فيه خمارا
ففرجت عنهن ما يتقين ... وكنت المحامي والمستجارا
الرداء: السيف. يقول استنقذهن بسيفه فكأنه قد وضع به خمرا على رؤسهن لأنهن كن مكشفات الرؤس. ويبيل الدما: أي يسقط الحبالى أجنتهن فيبيل الدماء يسيلها وأنشد ثعلب في مثله:
تركنا بالعويند من حسين ... نساء الحي يلقطن الجمانا
حسين: جبل. يقول فزع النساء من الغارة فهربن فانقطع الجمان، فلما جئنا وأغثناهن رجعن فلقطن الجمان الذي سقط لهن في الفزع.
وأنشد أبو علي " 1 - 93،92 " في خبر مرثد الخير مع الرجلين من قومه:
إذا ما علوا قالوا أبونا وأمنا ... وليس لهم عالين أم ولا أب
ع يقول إذا ما غلبوا وعلوا استنصروا بنا واستنجدونا وذكرونا الآباء والأمهات أ والأرحام والأواصر، وإذا كانوا هم الغالبين العالين نسوا تلك الأواصر وتركوا الصلة وقطعوا تلك الأرحام فصاروا كمن لا يجمعنا بهم أم ولا أب. وعالين حال من الضمير في قوله لهم. ومثله قول رجل من بني عبد مناة بن كنانة:
هل في القضية أن إذا استغنيتم ... وأمنتم فأنا البعيد الأجنب
وإذا الشدائد بالشدائد مرة ... أشجتكمو فأنا الحبيب الأقرب
عجبا لتلك قضية وإقامتي ... فيكم على تلك القضية أعجب
فإذا تكون شديدة أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب
ذا كم وجدكم الصغار بعينه ... لا أم لي إن كان ذاك ولا أب
ومثله قول عطية بن عمرو العنبري من أصحاب المهلب:
يدعى رجال للعطاء وإنما ... يدعى عطية للطعان الأجرد

(1/81)


ومثله قول جرير لجده الخطفي وقسم ماله على ولده وقصر لجرير فسأله أن يلحقه بهم فلم يفعل فقال:
وقائلة والدمع يحدر كحلها ... أبعد جرير تكرمون المواليا
فأنت أبي ما لم تكن لي حاجة ... فإن عرضت يوما فلست أباليا
وإني لأستحي أخي أن أرى له ... علي من الحق الذي لا يرى ليا
وأنشد أبو علي " 1 - 93،93 " في ذلك الخبر:
لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب
ع هو لحرثان بن السموأل الملقب ذا الإصبع العدواني لقب بذلك لأن حية لسعت إصبعه فقطعها. قال لابن عم له يسمى عمرا:
يا عمرو إن لا تدع شتمي ومنقصتي ... أضربك حيث تقول الهامة اسقوني
لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب ... عني ولا أنت دياني فتخزوني
ولا تقوت عيالي يوم مسغبة ... ولا بنفسك في العزاء تكفيني
قال الأصمعي العرب تقول العطش في الرأس وأنشد:
قد علمت أني مروي هامها ... ومذهب الغليل من أوامها
إذا جعلت الدلو في خطامها
وقال آخر:
فيا رب إن أهلك ولم ترو هامتي ... بليلي أمت لا قبر أعطش من قبري
والمعنى إن لا تدع شتمي أضربك على هامتك حيث تعطش. وقوله لاه ابن عمك يريد الله ابن عمك، ورواه أحمد بن عبيد لاه ابن عمك بالخفض وقال هو قسم كقولك رب ابن عمك. ويروى لا أفضلت في حسب ولا أفضلت في خلق ومعناه لم تفضل ولا تأتي مع الأفعال الماضية بمعنى لم كثيرا قال الله عز وجل: " فلا اقتحم العقبة " وفي الحديث " أرأيت من لا شرب ولا أكل ولا صاح فاستهل أليس ذلك بطل " . والديان: القائم بالأمور. وقوله تخزوني: يريد تسوسني يقال خزاه يخزوه إذا ساسه ودبر أمره يقول له أنت لا تفضلني في حسب ولست بالقائم بأمري ولا السائس لي، ولا تقوت عيالي في جهد ولا تكفيني بنفسك في شدة وضيق، فما يحملك على إصغاري وشتمي وتنقصي.
وأنشد أبو علي " 1 - 94،93و2 - 18،16 " لأوس بن حجر في تفسير غريب الخبر المذكور:
غني تأوي بأولادها ... لتهلك جذم تميم بن مر
ع هو أوس بن حجر بن معبد بن حزم أحد بني أسيد بن عمرو بن تميم يكنى أبا شريح شاعر جاهلي. يقول هذا الشعر في حرب كانت بينهم وبين أسد وغنى وبعد البيت:
وخندف أقرب بأنسابهم ... ولكننا أهل بيت كثر
فإن تصلونا نواصلكمو ... وإن تصرمونا فإنا صبر
ويروى غنى تعاوى: يريد تجتمع. وقوله:
ولكننا أهل بيت كثر
يقول:
ما أقرب أنسابنا ولكننا كثرنا فتقاطعنا.
وأنشد أبو علي " 1 - 94،93 " عن يعقوب:
وخطيب قوم قدموه أمامهم ... ثقة به متخمط تياح
يعني نفسه وأنشد أبو علي " 1 - 94،94 " لنصيب:
وقلت لركب قافلين لقيتهم ... قفا ذات أوشال ومولاك قارب
ع نصيب: يكنى أبا الحجناء وكان عبدا أسود لرجل من أهل القرى فكاتب على نفسه، ثم أتى عبد العزيز بن مروان فمدحه فوصله عبد العزيز وأدى عنه ما كاتب به فصار له ولاؤه. وقال قوم إنه من بلي من قضاعة وكانت أمه أمة سوداء فوقع بها سيدها فأولدها نصيبا فاستعبده عمه بعد موت أبيه وباعه من عبد العزيز بن مروان. وخبر هذا الشعر أن الفرزدق دخل على سليمان بن عبد الملك وهو ولي عهد ونصيب عنده، فقال سليمان: أنشدني يا أبا فراس، وإنما أراد أن ينشده بعض ما امتدحه به فأنشده يفخر:
وركب كأن الريح تطلب عندهم ... لها ترة من جذبها بالعصائب
سروا يخبطون الريح وهي تلفهم ... إلى شعب الأكوار ذات الحقائب
إذا أبصروا نارا يقولون ليتها ... وقد خصرت أيديهم نار غالب
فغضب سليمان وأقبل على نصيب فقال: أنشد مولاك يا نصيب فأنشده:
أقول لركب صادرين لقيتهم ... قفا ذات أوشال ومولاك قارب
فقال سليمان أحسنت، ثم أقبل على الفرزدق فقال ما تقول في هذا؟ فقال هو أشعر أهل جلدته وأمر سليمان لنصيب بصلة ولم يصل الفرزدق فخرج وهو يقول:
خير الشعر أشرفه رجالا ... وشر الشعر ما قال العبيد
هكذا روى محمد بن يزيد. وقيل إن صاحب هذه المقالة في نصيب أيمن بن خريم بين يدي عبد الملك بن مروان.

(1/82)


وقال أبو علي " 1 - 94،94 " : الهوة الجوبة.
ع والجوبة كل منفتق بين جبلين والهوة والمهواة واحد قال ذو الرمة:
وبيت بمهواة هتكت سماءه ... إلى كوكب يزوي له الوجه شاربه
يعني بالبيت بيت العنكبوت هتكه بالدلو إلى كوكب الماء وهو معظمه.
وأنشد أبو علي " 1 - 94،94 " لجرير:
فلا توبسوا بيني وبينكم الثرى
ع هو جرير بن عطية بن الخطفي وهو حذيفة بن بدر أحد بني يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم. وإنما سمي جده الخطفي بقوله يصف إبلا:
يرفعن بالليل إذا ما أسدفا ... أعناق جنان وهاما رجفا
وعنقا باقي الرسيم خيطفي
وكان الخطفي من النسابين العالمين بأيام العرب ويكنى جرير أبا حرزة. وقبل البيت:
أثعلب أولى حلفة ما ذكرتكم ... بسوء ولكني عتبت على بكر
أثعلب إني لم أزل مذ عرفتكم ... أرى لكم سترا فلا تهتكوا ستري
" فلا توبسوا بيني وبينكم الثرى " ... فإن الذي بيني وبينكم مثري
يعني ثعلبة بن سعد بن ضبة وبكر بن سعد بن ضبة، وقال الفرزدق في هذا المعنى:
وكان الثرى المعروف بيني وبينكم ... قديما فأمسى لا يبل ولا يثرى
وقال أبو نخيلة:
فانزع وكل وادع لم يجهد ... والشرب صاف والثرى جعد ند
وأنشد أبو علي " 1 - 95،94 " لابن مقبل:
وثروة من رجال لو رأيتهم
ع وقبله:
نحن المقيمون لم تشخص ظعائننا ... لا نستجير ومن يحلل بنا يجر
منا ببادية الأعراب كر كرة ... إلى كراكر بالأمصار والحضر
وثروة من رجال لو رأيتهمو ... لقلت إحدى حراج الجر من أقر
كراكر جماعات يقال للقوم إذا كانوا كثيرا كر كرة. والحرجة: الشجر الكثير الملتف. والجر: أسفل الجبل إذا كان كثير الصخور و إلا فليس بجر. وأقر: اسم جبل بين مكة والطائف.
وأنشد أبو علي " 1 - 95،95 " :
كيف نومي على الفراش ولما ... تشمل الشأم غارة شعواء
ع الشعر لعبيد الله بن قيس بن شريح أحد بني عمرو بن عامر بن لؤي المعروف بابن قيس الرقيات، وإنما نسب إلى الرقيات لأنه كان يشبب بثلاث نسوة اسم كل واحدة منهن رقية، ويكنى عبيد الله أبا هاشم وأبا هشام. وهذا البيت من شعر له يمدح به مصعب بن الزبير وقبله:
إنما مصعب شهاب من الله ... تجلت عن وجهه الظلماء
ملكه ملك رحمة ليس فيه ... جبروت ولا له كبرياء
يتقي الله في الأمور وقد أفلح ... من كان همه الإتقاء
كيف نومي على الفراش ولما ... تشمل الشأم غارة شعواء
وكان مع مصعب، وله فيه أشعار كثيرة وكان عبد الملك قد جعل على قتله جعلا بعد أن قتل مصعب فهرب عبيد الله بن قيس فلحق بعبد الله بن جعفر وأنشده شعرا منه:
تقدت بي الشهباء نحو ابن جعفر ... سواء عليها ليلها ونهارها
فوالله لولا أن تزور ابن جعفر ... لكان قليلا في دمشق قرارها
فقال له عبد الله بن جعفر إذا دخلت معي على عبد الملك فكل أكلا يستشنعه ففعل فقال عبد الملك من هذا يا أبا جعفر؟ قال هذا أكذب الناس إن قيل. قال ومن هو؟ قال الذي يقول:
ما نقموا من بني أمية إلا ... أنهم يحلمون إن غضبوا
وأنهم معدن الملوك فما ... تصلح إلا عليهم العرب
فقال عبد الملك قد عفونا عنه ولا يأخذ مع المسلمين عطاء أبدا. فكان عبد الله بن جعفر إذا خرج عطاؤه أعطاه إياه. وهذان البيتان من شعر يمدح به عبد الملك، ولما أنشده إياه فبلغ إلى قوله:
إن الفنيق الذي أبوه أبو العا ... صي عليه الوقار والحجب
يعتدل التاج فوق مفرقه ... على جبين كأنه الذهب
قال له أتقول لمصعب:
إنما مصعب شهاب من الله ... تجلت عن وجهه الظلماء
وتقول لي:
يعتدل التاج فوق مفرقه ... على جبين كأنه الذهب
وأنشد أبو علي " 1 - 95،95 " للبعيث:
إذا قاسها الآسي النطاسي أدبرت ... غثيثتها وازداد وهيا هزومها

(1/83)


ع البعيث اسمه خداش بن بشر بن خالد من بني مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم. وإنما سمي البعيث بقوله:
تبعث مني ما تبعث بعد ما ... أمرت قواي واستمر عزيمي
وهو شاعر إسلامي. قال يهجو جريرا:
تعرضت لي حتى صككتك صكة ... على الرأس يكبو لليدين أميمها
إذا قاسها الآسي النطاسي أرعشت ... أنامل آسيها وجاشت هزومها
هكذا رواه أبو يوسف عن أبي عبيدة. والأميم: المأموم وهو الذي وصلت الضربة إلى أم دماغه وهي الجلدة الرقيقة التي ألبست الدماغ. والآسي: المداوي ويقال للدواء الإساء. والنطاسي: العالم وأصله من التنطس وهو المبالغة في الأمور والتأنق فيها قال العجاج:
ولهوة اللاهي ولو تنطسا
والهزوم: الصدوع ويقال تهزمت القربة إذا تكسرت ومنه اشتقاق الهزيمة، وفي الحديث إن زمزم هزمة جبرئيل: أي ضرب برجله فنبع الماء.
وأنشد أبو علي " 1 - 95،95 " للبيد:
تطير عدائد الأشراك شفعا
ع وقبله:
وأيقنت التفرق يوم قالوا ... تقسم مال أربد بالسهام
تطير عدائد الأشراك شفعا ... ووترا والزعامة للغلام
العديدة: النصيب مأخوذ من العدد. والزعامة: الرئاسة. يريد أن المال من الميراث بين الرجال والنساء شفع للذكر ووتر للأنثى، والرئاسة للرجل دونهن ينفرد بها. وقال أبو عمرو: الزعامة الدرع. ورواية أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي:
تطير غدائر الأشراك شفعا
بالغين معجمة وقال: الغديرة هي الحصة. وقال غيره هي الفضلة. وهذا الشعر يرثي به لبيد أربد أخاه لأمه وهو أربد بن قيس بن جزء بن خالد بن جعفر بن كلاب ويكنى أبا المغوار. وقال ابن دريد يكنى أبا الحزاز وأمهما فاطمة بنت زهير بن جعونة، وقيل أسماء بنت زهير سباها قيس فولدت له أربد، ثم تزوجها ربيعة فولدت له لبيدا وحراما. وكان من حديثه أنه خرج مع عامر بن الطفيل في وفد بني عامر يريدون النبي صلى الله عليه وسلم. فقال عامر لأربد: لقد كنت آليت أن لا أنتهي حتى تطأ العرب عقبي أو أطأ عقب هذا الفتى من قريش فإذا قدمنا على الرجل فإني شاغله عنك فاعله أنت بالسيف. فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل عامر يقول: يا محمد خالني ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا والله حتى تؤمن بالله وحده. وجعل يكلمه وينتظر من أربد ما كان أمر به وأربد لا يجير شيئا، فلما أبى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له عامر: والله لأملأنها عليك خيلا جردا ورجالا مردا، فدعا عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال عامر لإربد: ويلك أين ما كنت أمرتك به؟ فقال: والله ما هممت بذلك إلا دخلت بيني وبين الرجل حتى لا أرى غيرك، أفأضربك بالسيف. ثم انصرفوا فأما عامر فأصابه الطاعون وهو نازل في حي من بني سلول، فجعل يقول: أغدة كغدة البعير، وموتا في بيت سلولية وأما أربد فأصابته في طريقه صاعقة قتلته، ففي ذلك يقول لبيد:
أخشى على أربد الحتوف ولا ... أرهب نوء السماك والأسد
فجعني الرعد والصواعق بال ... فارس يوم الكريهة النجد
وأنشد أبو علي " 1 - 95،95 " لذي الرمة:
فيا لك من خد أسيل ومنطق
وصلته:
تراءى لنا من بين سجفين لمحة ... غزال أحم العين بيض ترائبه
إذا نازعتك القول مية أو بدا ... لك الوجه منها أو نضا الدرع سالبه
فيا لك من خد أسيل ومنطق ... رخيم ومن خلق تعلل جادبه
ألا لا أرى مثل الهوى داء مسلم ... كريم ولا مثل الهوى ليم صاحبه
وأنشد أبو علي " 1 - 95،95 " لمهلهل:
نبئت أن النار بعدك أوقدت ... واستب بعدك يا كليب المجلس
صلته:
ذهب الخيار من المعاشر كلهم ... واستب بعدك يا كليب المجلس
وتنازعوا في أمر كل عظيمة ... لو كنت شاهد أمرهم لم ينبسوا
أبني ربيعة من يقوم مقامه ... أم ن يرد على الضريك ويحبس
هكذا رواه يعقوب بن السكيت ويروى في كل أمر عظيمة. ومعنى:
نبئت أن النار بعدك أوقدت

(1/84)


أنه كان لا توقد بحضرته نار لعظم ناره وعمومه بطعامه وقيل إنه أراد نار الحرب التي كانت ثارت بينهم بقتل كليب فركدت أحقابا: وأنشد أبو علي " 1 - 96،96 " :
إذا تخازرت وما بي من خزر
ع هذا الرجز لأرطاة بن سهية وهو أرطاة بن زفر بن جزء بن شداد أحد بني مرة بن نشبة بن غيظ بن مرة. وأمه سهية كلبية، وكانت أخيذة غلبت عليه، وهو شاعر إسلامي. قال الشعر زمن معاوية ابن أبي سفيان وبقي إلى زمن سليمان أو بعده. ويلي قوله ألفيتني ألوى:
ذا نهمة في المصمئلات الكبر ... أبذى إذا بوذيت من كلب ذكر
أعقر بوال يغذى في الشجر ... حمال ما حملت من خير وشر
حية واد بين قف وحجر
وبعض الناس يرويها لأبي غطفان الصادري ومن قال إنها لعمرو بن العاصي فقد أخطأ وإنما قالها عمرو متمثلا.
وأنشد أبو علي " 1 - 97،96 " للكميت:
أبرق وأرعد يا يزي ... د فما وعيدك لي بضائر
ع وبعده:
هل أنت إلا الفقع فق ... ع القاع للحجل النوافر
أنشأت تنطق في الأمو ... ر كوافد الرخم المداور
إن قيل يا رخم انطقي ... في الطير إنك شر طائر
هي من القواطع.
فأتت بما هي أهله ... والعي من شلل المحاضر
هذا البيت أوهم الجاحظ فقال في صدر كتابه: العرب تقول: لاعيا ولا شللا. وذكر ذلك في باب العي وما اتصل به وإنما المثل من العرب " لا عمي ولا شللا " تقوله للرامي إذا أصاب لأن الرمي بيديه والإصابة ببصره، فتدعو له أن لا تشل يداه ولا يعمى بصره.
وقوله كوافد الرخم: الرخم من قواطع الطير. وروى ابن قتيبة كوافد الرخم الدوائر وقال هي التي تدور إذا حلقت. وقوله إن قيل يا رخم انطقي: أراد قول الناس إنك من طير الله فانطقي. قال وصير العي كالشلل.
وأنشد أبو علي " 1 - 97،96 " :
إذا جاوزت من ذات عرق ثنية ... فقل لأبي قابوس ما شئت فارعد
ع ونسبه غير واحد للمتلمس. والمحفوظ للمتلمس إنما هو قوله:
إن الخيانة والمغالة والخنا ... والغدر أتركه ببلدة مفسد
ملك يلاعب أمه وقطينها ... رخو المفاصل أيره كالمرود
فإذا حللت ودون بيتي ساوة ... فابرق بأرضك ما بدا لك وارعد
يهجو بهذا الشعر عمرو بن هند الملك وكان ينادمه هو وطرفة فهجواه، فكتب لهما إلى عامله بالبحرين كتابين أوهمهما أنه أمر لهما فيهما بجوائز، وهو قد أمره فيهما بقتلهما، فخرجا إذا كانا بالنحف إذا هما بشيخ على يسار الطريق وهو يحدث ويأكل من خبز في يده ويتناول القمل من ثيابه فيقصعه. فقال المتلمس: ما رأيت كاليوم شيخا أحمق. فقال الشيخ: ما رأيت من حمقى؟ أخرج الداء وآكل الدواء وأقتل الأعداء، أحمق والله مني من يحمل حتفه بيده. فاستراب المتلمس بقوله، واطلع عليهما غلام حيري. فقال المتلمس: أتقرأ يا غلام؟ قال: نعم. ففك الصحيفة ودفعها إليه فإذا فيها " أما بعد فإذا أتاك المتلمس فاقطع يديه ورجليه وادفنه حيا " فقال لطرفة ادفع إليه صحيفتك فإن فيها مثل الذي في صحيفتي. فقال طرفة: كلا ما كن ليجتريء علي فقذف المتلمس بصحيفته في نهر الحيرة وقال:
قذفت بها في النهر من جنب كافر ... كذلك أقنو كل قط مضلل
رضيت لها لما رأيت مدادها ... يسيل بها التيار في كل جدول
فضرب المثل بصحيفة المتلمس. وأخذ نحو الشأم، وأخذ طرفة نحو البحرين فقتل وخير في القتل، فاختار أن يسقى الخمر وتفصد أكحلاه ففعل به ذلك حتى مات نزفا وقال البحتري:
وكذاك طرفة حين أوجس ضربة ... في الرأس هان عليه فصد الأكحل
وهلك المتلمس ببصري في الجاهلية، وكان له ابن شاعر يسمى عبد المنان أدرك الإسلام. وكافر اسم نهر الحيرة، وقد مضى ذكر المتلمس ونسبه.
وأنشد أبو علي " 1 - 97،97 " :
فما شبه عمرو غير أغثم فاجر ... أبى مذ دجا الإسلام لا يتحنف

(1/85)


ع هذا البيت لكبشة أخت عمرو بن معدي كرب تقوله لأخيها عمرو. والأغثم هنا الذي غلب بياض شيبه على سواد شعره، ويروى غير أغتم بالتاء معجمة باثنتين من الغتمة وهي الجهالة. وأصل التحنف: الميل والعدول، وإنما سمي المسلم حنيفا لعدوله من دين إلى دين، وسميت الحنيفية لأنها مالت عن اليهودية والنصرانية. والحنف في القدمين أن تميل كل واحدة منهما بإبهامها على صاحبتها. ولما خرج عتبة بن ربيعة لينصر عير قريش كنت تخرج خوالف قريش في الليل إلى أبي قبيس، فسمعوا في الليلة التي أوقع رسول الله صلى الله عليه وسلم في صبيحتها بأهل بدر صائحا يقول:
أزار الحنيفيون بدرا وقيعة ... سينقض منها ركن كسرى وقيصرا
أبادت رجالا من قريش وجردت ... خرائد يلطمن الترائب حسرا
أيا ويل من أمسي عدو محمد ... لقد جار عن قصد الهدى وتحيرا
فقالوا ما الحنيفيون؟ فقال بعضهم: إن محمدا يقول جئت بالدين الحنيف دين إبراهيم عليه السلام، فأرخوا تلك الليلة فإذا هي الليلة التي ذكرنا. وكانت كبشة قد أنكرت على عمرو أخذ دية أخيهما عبد الله ولها في ذلك أشعار منها قولها:
أرسل عبد الله إذ حان يومه ... إلى قومه لا تتركوا لهم دمي
ولا تأخذوا منهم إفالا وأبكرا ... وأترك في بيت بصعدة مظلم
ودع عنك عمرا إن عمرا مسالم ... وهل بطن عمرو غير شبر لمطعم
وقد أنشده أبو علي كاملا بعد هذا " 3 - 194،190 " .
هنا تم الثلث الأول من تجزئة مؤلفه والله يعين على التمام وأنشد أبو علي " 1 - 98،97 " :
خليلي إن الدار غفر لذي الهوى
نسب يعقوب هذا البيت إلى الهذلي ولا أعلمه في أشعار هذيل، وقد جمعت منها كل رواية إلا أن يكون في شعر أبي خراش الذي أوله:
أرقت لحزن ضافني بعد هجعة ... على خالد فالعين دائمة السجم
وقال الأصمعي بل قالها خراش قال وهي في رواية بعضهم سبعة أبيات، وبعضهم يجعلها قصيدتين. فلعل هذا البيت الشاهد في القصيدة الساقطة. وهذه القصيدة التي ذكرت أولها ليست فيما رواه أبو علي هي رواية السكري. وقد روى أبو علي لأبي خراش قصيدة أخرى على هذا الروي والعروض أولها:
لقد علمت أم الأديبر أنني ... أقول لها هذي ولا تذخري لحمى
وأنشد أبو علي " 1 - 98،98 " :
فهي الأليلة إن قتلت خؤولتي ... وهي الأليلة إن هم لم يقتلوا
وهو لحجل بن نضلة وقبله:
تحتي الأغر وفوق جلدي نثرة ... زغف ترد السيف وهو مفلل
ومقارب الكعبين أسمر عاتر ... فيه سنان كالقدامى منجل
ومهند في متنه حرجية ... عضب إذا مس الضريبة مقصل
حرجية: آثار دقاق جدا.
ع هذا الشاعر لا يجد كفؤا يثأر به إلا خؤولته يقول فإن لم أدرك بثأري فثكل، وإن أثأرت فثكل على ثكل. والأليلة أيضا في غير هذا صرخة النفساء عند الطلق. ومثل هذا البيت في المعنى قول قيس بن زهير:
شفيت النفس من حمل بن بدر ... وسيفي من حذيفة قد شفاني
فإن أك قد بردت بهم غليلي ... فلم أقطع بهم إلا بناني
ومثل قول الحرث بن وعلة وكانت بنو شيبان قتلت أخاه:
قومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي
فلئن عفوت لأعفون جللا ... ولئن سطوت لأوهنن عظمي
وأنشد أبو علي " 1 - 98،98 " لابن ميادة:
وقولا لها ما تأمرين بعاشق
ع ابن ميادة هو الرماح بن أبرد بن ثريان بن سراقة من بني مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان وأمه ميادة غلبت عليه. وشعراء غطفان في الإسلام المنسوبون إلى أمهاتهم ثلاثة هذا أحدهم وشبيب بن البرصاء وأبوه يزيد وأرطاة بن سهية وأبوه زفر. ويكنى ابن ميادة أبا حرملة وهو شاعر إسلامي قال:
خليلي سيرا واذكرا الله ترشدا ... وسيرا ببطن النسع حيث يسيل
وقولا لها ما تأمرين لوامق ... له بعد نومات العيون أليل
تبدلت والإبدال واف وناقص ... ومالك عندي قد علمت بديل
قال أبو علي " 1 - 98،98 " : سمعت خرير الماء وأليله وقسيبه أي صوت جريه.

(1/86)


ع وقال غيره لا يكون القسيب إلا صوته تحت ورق أو قماش. وقال آخرون تحت شجر أو حشيش وأنشدوا لعبيد:
أو جدول في ظلال نخل ... للماء من تحته قسيب
والغقيق: صوته إذا كان في مضيق.
وأنشد أبو علي " 1 - 98،98 " لابن أحمر:
أزاحمهم بالباب إذ يدفعونني ... وبالظهر مني من قرا الباب عاذر
وهو عمرو بن أحمر بن فراص بن معن باهلي شاعر إسلامي يكنى أبا الخطاب قال:
فجئت وقد قام الخصوم كأنهم ... قروم تسامى بينهن الحناجر
فما زلت حتى أدحض الخصم حجتي ... وقد مس ظهري من قرى الباب عاذر
هكذا رواه غير واحد. وقرى الباب: ظهره كأنه أطبق عليه. وأدحض: أي أغرب وأزهق. ويريد بالحناجر الكلام لأنه منها يكون. وتسامى: أي ارتفع وعلا. وكان خاصم في حمالة كانت بينهم فصولحوا عليها. ومن العاذر الأثر قولهم:
إن اللئيم بفعله معذور
أي موسوم وقال أبو علي " 1 - 99،98 " : ومكشم مقطوع.
ع أكثر ما يقع الكشم في اللغة على قطع الأنف والأذن يقال رجل أكشم إذا كان مقطوع الأنف أو الأذن. فأما الذي يخص الأذن فالصلم، والذي يخص الأنف الجدع، والذي يخص اليد الجذم.
أنش أبو علي " 1 - 99،98 " لأبي العميثل:
لقيت ابنة السهمي زينب عن عفر ... ونحن حرام مسى عاشرة العشر
ع قال أبو علي اسم أبي العميثل عبد الله بن خالد وقال أبو بكر الصولي اسمه خويلد بن خالد وهو مولى لبني العباس. قال دعبل: وكان أعرابيا فصيحا وهو شاعر مكثر وبعد البيتين:
فكلمتها ثنتين كالثلج منهما ... على اللوح والأخرى أحر من الجمر
اللوح: العطش. ويروى على القلب يعني السلام في أول اللقاء والسلام عند الوداع وقال أبو العباس: " مغذ وذو فتر " : يرفق بها لأنها امرأة ويسرع بي لأني رجل.
وأنشد أبو علي " 1 - 99،99 " لحندج بن حندج:
في ليل صول تناهي العرض والطول
ع حندج هذا مري شاعر مقل إسلامي والحندج ما تراكب من الرمل وقيل: الحندجة رملة طيبة تنبت ألوانا من النبات. وقوله بالسوط مقتول: إنما أراد أن ضرب السوط لا يجهز على الحية فهو يضطرب ويتململ وإن كان لا ترجى له حياة، ومن لم ترج له حياة فهو مقتول.
وأنشد أبو علي " 1 - 100،99 " لبشار:
خليلي ما بال الدجى لا تزحزح ... وما لعمود الصبح لا يتوضح
أضل؟ النهار المستنير طريقه ... أم الدهر ليل كله ليس يبرح
وطال علي الليل حتى كأنه ... بليلين موصول فما يتزحزح
ع وتمام الشعر وهو كله مختار:
كأن الدجى زادت وما زادت الدجى ... ولكن أطال الليل هم مبرح
لقد هاج دمعي نازح بنزوحه ... ونومي إذا ما نوم الناس أنزح
وأنشد أبو علي " 1 - 100،100 " لعدي بن الرقاع:
وكأن ليلي حين تغرب شمسه ... بسواد آخر غيره موصول
هو عدي بن زيد بن مالك بن عثمان بن الرقاع بن عاملة. وعاملة اسمه الحارث. وقد اختلف في نسب عاملة فقيل هو من زيد بن كهلان بن سبأ، وقيل هو من قضاعة، وقيل من ربيعة. وعدي شاعر إسلامي يكنى أبا داود وبعد البيت:
أرعى النجوم إذا تغيب كوكب ... أبصرت آخر كالسراج يجول
وأنشد أبو علي " 1 - 100،100 " لبشار:
لم يطل ليلي ولكن لم أنم ... ونفي عني الكرى طيف ألم
هذا أول الأبيات وبعده:
وإذا قلت لها جودي لنا ... حرجت بالصمت عن لا ونعم
ختم الحب لها في عنقي ... موضع الخاتم من أهل الذمم
خففي عنا قليلا واعلمي ... أننا يا هند من لحم ودم
ويروى أن مروان ابن أبي حفصة قال قلت لبشار وقد أنشدني هذا الشعر: هلا قلت خرست بالصمت عن لا ونعم! فقال لي: لو كنت في عقلك لقلته أتطير على من أحبه بالخرس؟ وسأل بعض الرواة أبا عمر وابن العلاء من أبدع الناس بيتا؟ قال الذي يقول:
لم يطل ليلي ولكن لم أنم ... ونفي عني الكرى طيف ألم
قلت: فمن أمدح الناس؟ قال الذي يقول:
لمست بكفي كفه أبتغي الغنى ... ولم أدر أن الجود من كفه يعدى

(1/87)


فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى ... أفدت وأعداني فأتلفت ما عندي
قال: فمن أهجى الناس؟ قال الذي يقول:
رأيت السهيلين استوى الجود فيهما ... على بعد ذا من ذاك في حكم حاكم
سهيل بن عثمان يجود بما له ... كما جاد بالوجعا سهيل بن حاتم
وهذه كلها لبشار على اختلاف في بيتي المدح فإنها قد رويت لابن الخياط في المهدي.
وأنشد أبو علي " 1 - 101،100 " لبشار أيضا:
لا أظلم الليل ولا أدعى ... أن نجوم الليل ليست تغور
ليلي كما شاءت فإن لم تجد ... طال وإن جادت فليلي قصير
ع وبعدهما بيت ثالث لا يقصر عنهما وهو:
تصرف الليل على حكمها ... فهو على ما صرفته يدور
وأنشد أبو علي " 1 - 101،100 " لخالد الكاتب:
رقدت ولم ترث للساهر ... وليل المحب بلا آخر
هو خالد بن يزيد يكنى أبا الهيثم خراساني الدار بغدادي المنشأ، وكان يهاجي أبا تمام وكان أحد كتاب الجيش. وأما سعيد بن حميد فقد مضى ذكره. ومن حسن ما ورد في طول الليل قول الوليد بن يزيد: حدث إسحاق بن إبراهيم. قال: دخلت على الرشيد وهو مستلق على قفاه وهو يقول: أحسن والله فتى قريش وظريفها وشاعرها. قلت: فيم ذلك يا أمير المؤمنين. قال في قوله:
لا أسأل الله تغييرا لما فعلت ... نامت وقد أسهرت عيني عيناها
فالليل أطول شيء حين أفقدها ... والليل أقصر شيء حين ألقاها
ثم قال: أتعرفه؟ فقلت بصوت ضعيف: لا. فقال: بحقي عليك. قلت: نعم هو الوليد بن يزيد. فقال لي: استر ما سمعت مني وإنه ليستحق أكثر مما وصفته به. ومثله قول سليمان ابن أبي دباكل، وقد نسب إلى غيره:
وقالوا لا يضيرك نأي شهر ... فقلت لصاحبي فما يضير
يطول اليوم لا ألقاك فيه ... وحول نلتقي فيه قصير
وأنشد أبو علي " 1 - 102،101 " للأعشى:
أهوى لها ضابئ في الأرض مفتحص
ع وقبله:
كأنها بعد ما جد النجاء بها ... بالشيطين مهاة تبتغي ذرعا
أهوى لها ضابئ في الأرض مفتحص ... للحم قد ما خفي الشخص قد خشعا
فظل يخدعها عن نفس واحدها ... في أرض قي بفعل مثله خدعا
كأنها يعني ناقته. والشيطان واديان بني بكر بن حنظلة. ومهاة بقرة. والذرع ولدها لأنه يذرع في المشي ليلحق أمه. ومفتحص متخذ أفحوصا. وقي أرض ملساء قفر لا شئ فيها.
وأنشد أبو علي " 1 - 102،101 " للعباس بن الأحنف:
أيها الراقدون حولي أعينوني
هو العباس بن الأحنف بن الأسود بن قدامة من بني عدي بن حنيفة وقيل من بني الديل بن حنيفة يكنى أبا الفضل والشاهد أنه حنفي قوله.
فإن تقتلوني لا تفوتوا بمهجتي ... مصاليت قومي من حنيفة أو عجل
وهو شاعر غزل من شعراء الدولة الهاشمية ولم يكن يتجاوز النسيب إلى مديح ولا هجاء. وقوله وائتجارا: هو افتعال من الأجر وفي حديث عمر رحم الله من ائتجر على يتيم بفقده يريد بفقده مؤدبا له.
وأنشد أبو علي " 1 - 102،101 " لسويد ابن أبي كاهل:
وإذا ما قلت ليل قد مضى ... عطف الأول منه فرجع
ع اختلف في اسم أبي كاهل فقيل اسمه شبيب وقيل غطيف وهو ابن حارثة بن حسل من يشكر ويكنى سويد أبا سعد قال:
أنا أبو سعد إذا الليل دجا ... دخلت في سرباله ثم النجا
وهو شاعر جاهلي إسلامي. وقوله:
مغرب اللون إذا الليل انقشع
يعني الصبح، وإنما شبه بالمغرب من الخيل وهو الذي تتسع غرته في وجهه حتى تجاوز عينيه. ولذلك قال ابن المعتز:
والصبح قد أسفر أو لم يسفر ... حتى بدا في ثوبه المعصفر
كأنه غرة مهر أشقر
وقال ذو الرمة في نحوه:
وقد لاح للساري الذي كمل السرى ... على أخريات الليل فتق مشهر
كمثل الحصان الأنبط البطن قائما ... تمايل عنه الجل واللون أشقر
ذكر أبو علي " 1 - 102،102 "
حديث الأوس والخزرج

(1/88)


ع وهما ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر مزيقياء ابن عامر ماء السماء ابن حارثة الغطريف ابن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد. فولد مالك بن أوس بعد هذا الحديث خمسة: عمرا وعوفا ومرة وجشم وامرأ القيس، وأمهم هند بنت الخزرج.
قال أبو علي " 1 - 103،102 " : ومن أيمانهم: لا والذي شقهن خمسا ع وزاد غير أبي علي " وألهمهن لمسا " قال: ويقولون لا والذي أخرج قائبة من قوب، يعنون فرخا من بيضة.
ع قلب أبو علي قول العرب وإنما يقولون قوبا من قائبة أي فرخا من بيضة. كذا حكاه الخليل. وقال ابن دريد: يقال تخلصت قائبة من قوب أي بيضة من فرخ، فعبارتهما سواء وهذا هو الصحيح. وأصله من تقوب الشيء إذا تقلع وقوبته تقويبا ومنه اشتقاق القوباء لتقلع الجلد عنها. وإنما لبس على أبي علي قولهم " تخلصت قائبة من قوب " وهو مثل من أمثالهم أي تخلصت بيضة من فرخ.
وأنشد أبو علي " 1 - 103،103 " بيتا لأبي ذؤيب قد تقدم موصولا مفسرا " ص 62 " قال أبو علي: المقتف الآخذ بعجلة ومنه سمي القفاف.
ع وقال غيره: الاقتفاف في الطعام مثل الاشتفاف في الشراب، وهو أن يستقصي ما في الإناء حتى لا يترك فيه شيئا فإذا استأصل ما على الخوان فهو الاحتفاف. فأما القفاف فهو الذي يقف أي يسرق وآخر ينظر إليه والذي يقف لا يشعر به ذكر ذلك إبراهيم بن السري في كتاب فعلت وأفعلت. وقال غيره: القفاف الذي يختان الدراهم بين أصابعه.
وأنشد أبو علي " 1 - 103،103 " للبيد:
نعلهم كلما ينمي لهم سلف ... بالمشرفي ولولا ذاك قد أمروا
ع وبعده:
والنيب إن تعر مني رمة خلقا ... بعد الممات فإني كنت أتئر
وقوله: نعلهم يريد نعاودهم بالقتل، جعله مثل العلل في الشرب الذي هو بعد النهل. وقوله: والنيب إن تعر مني رمة خلقا قال أصحاب المعاني: إن الإبل لا تصيب عظما إلا لاكته تتملح بالعظم ومن أمثالهم: " لولا أن يضيع الفتيان الذمة لخبرتها بما تجد الإبل في الرمة " يقول فإن لاكت الإبل عظمي بعد موتي فإني كنت أنحرها وأطعمها وأعملها في طلب المكارم وأجهدها. والاتئار لا يكون إلا بعد وقوع الشيء فجاء به مقدما قبل وجوبه لعلمه أنه لابد من كونه. وقيل المعنى إن أصبحت ميتا فبما كنت أتئر في أعدائي وأدركه من المطالب. ويقال أتئر بالتاء وأثئر كما يقال يطلم ويظلم.
وأنشد أبو علي " 1 - 104،103 " : أم جوار ضنؤها غير أمر ع قال ابن الأعرابي: قال أعرابي يصف عجوزا:
أم جوار ضنؤها غير أمر ... صهصلق الصوت بعينيها صبر
شائلة أصداغها ما تختمر ... تبادر الضيف بعود مشفتر
تعدو عليهن بعود منكسر ... حتى يفر أهلها كل مفر
لو نحرت في بيتها عشر جزر ... لأصبحت من لحمهن تعتذر
بحلف سح ودمع منهمر
قوله صهصلق: أي صلبة الصوت شديدته، وقال صهصلق صخابة وفي صوتها بحة من إتعابها له. بعينيها صبر: قال ابن الأعرابي: هي عمشاء، وقال غيره تتمارض عليه وتطلى حول عينيها صبرا. وقوله: شائلة أصداغها يقول: مما تهارش وتقاتل وتناصى جاراتها كما قال الآخر:
شائلة الأصداغ يهفو طاقها ... كأنما ساق غراب ساقها
والطاق: الطيلسان. يهفو: يسقط ههنا وههنا من شغلها بالشر. وقوله بعود مشفتر: أي منكسر من كثرة ما تضرب به وتقاتل. وقوله عليهن: يريد على صواحبها. وقال ابن الأعرابي أنشدني أبو المكارم: أم جواز ضنؤها غير أمر بكسر الضاد أي أصلها غير كريم.
وأنشد أبو علي " 1 - 104،103 " :
والإثم من شر ما يصال به ... والبر كالغيث نبته أمر
قال أبو علي " 1 - 104،103 " : قال الله عز وجل: " وإذا أردنا أن نهلك قرية آمرنا مترفيها " بالمد أي كثرنا. وقال أبو عبيدة: " خير المال سكة مأبورة أو مهرة مأمورة " والمأمورة الكثيرة الولد من آمرها: أي كثرها. وكان ينبغي أن يكون مؤمرة ولكنه أتبع مأبورة. والسكة: السطر من النخل. والمأبورة: المصلحة، وقد قرئ أمرنا على مثال فعلنا.

(1/89)


ع هذا كلام من يعتقد أن القراءة المشهورة آمرنا بالمد ولا اختلاف بين السبعة الأئمة في أنها أمرنا بالقصر، وهذه هي القراءة المقدمة والأصل. ويقال في غيرها من الشواذ: " وقد قرئ بكذا " ومعناها أمرناهم بالطاعة ففسقوا كما تقول: أمرتك فعصيتني، وقد علم أن الله تعالى لا يأمر إلا بالعدل والإحسان كما قال في محكم كتابه. وقيل معنى أمرنا وآمرنا واحد: أي كثرنا، والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: " خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة " وهذا الحديث نسبه أبو علي إلى أبي عبيدة وهو للنبي عليه السلام ولا ينبغي لعالم أن يجهل هذا، وقراءة الجماعة هي المروية عن الصحابة والتابعين إلا الحسن فإنه قرأ آمرنا بالمد، وكذلك قرأ الأعرج وإلا أبا العالية الرياحي فإنه قرأ أمرنا بالتشديد وقد رويت عن علي بن أبي طالب، وهذه القراءة تحتمل وجهين أحدهما: أن يكون المعنى جعلنا لهم إمرة وسلطانا، والآخر: أن يكون المعنى كثرنا فتكون بمعنى آمرنا وبمعنى أمرنا على أحد الوجهين. وقال الكسائي: ويحتمل أن يكون أمرنا بالتخفيف غير ممدود بمعنى أمرنا بالتشديد من الإمارة. فكانت هذه القراءة الاختيار لما اجتمعت فيها المعاني الثلاثة. ومترفوها فساقها، وقيل جبابرتها.
وأنشد أبو علي " 1 - 104،104 " لطرفة:
فالهبيت لا فؤاد له
ع صلته:
لا ترى إلا فتى بطلا ... آخذا قرنا فملتزمه
فالهبيت لا فؤاد له ... واللبيب ثبته نقمه
للفتى لب يعيش به ... حيث تهدي ساقه قدمه
قال أبو عمرو: الهبيت: المهبوت وهو المبهوت سواء. ويروى والثبيت ثبته نقمه. يقول من ثبت فقد انتقم، يريد أنه لا يقدر على أكثر من الثبوت وهو مثل ضربه لشدة الحرب، ومن روى ثبته فهمه يريد أن فهمه يثبت عقله، ومن روى ثبته قيمه يريد قوامه وملاك أمره. ويروى قلبه قيمه. ثم قال: من كان لبيبا فتى متصرفا عاش حيثما نقلته قدمه من أرض غربة أو غيرها.
وهو طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل شاعر جاهلي يكنى أبا عمرو، وهو المعروف بابن العشرين لأنه قتل وهو ابن عشرين عاما. وقد تقدم ذكر مقتله عند ذكر المتلمس ص 72 وأنشد أبو علي " 1 - 105،104 " لطفيل:
وراكضة ما تستجن بجنة ... بعير حلال غادرته مجعفل
ع وبعده:
فقلنا لها لما رأينا الذي بها ... من الشر لا تستوهلي وتأملي
هذا الشعر قاله في يوم حرس يذكر بلاء قومه بني جعفر ويعاتبهم. والراكضة التي عنى هي بنت طفيل بن مالك فارس قرزل، وذلك أنها خرجت عريانة مذعورة فاعرورت بعيرا لها لتهرب عليه وغادرت حلالها مطروحا وهو مركب من مراكب النساء فلم ترحله للعجلة والذعر. وقوله لا تستوهلي: أي لا تفزعي، والوهل: الفزع. وتأملي من يحميك: يعني قومه.
وأنشد أبو علي " 1 - 105،104 " للبيد:
فلم أر يوما كان أكثر باكيا
ع هذا الشعر يذكر فيه من هلك من آبائه وأهل بيته فقال يذكر أباه ربيعة:
وأن ربيع المقترين رزئته ... بذي علق فاقني حياءك واصبري
ثم قال:
فلم أر يوما كان أكثر باكيا ... وحسناء قامت عن طراف مجور
تبل خموش الوجه كل كريمة ... عوان وبكر تحت قر مخدر
ربيعة قتلته بنو أسد يوم ثنية ذي علق. وقوله عن طراف مجور: كان السيد إذا قتل فيهم لم يبق لقومه بيت إلا هتك، ولما قتل بسطام بن قيس لم يبق في بكر بن وائل بيت إلا هجم أي هدم. والطراف لا يكون إلا من أدم. ولما جاء نعي الحسين رحمه الله ومن كان معه. قال مروان: " يوم بيوم الحفض المجور " أي يوم بيوم عثمان، ثم تمثل بقول الأسدي:
عجت نساء بني زبيد عجة ... كعجيج نسوتنا غداة الأرنب
وهذا يوم كان بين بني أسد وبين بني الحارث بن كعب ونهد وجرم فانتفجت يومئذ لبني الحارث أرنب فتفاءلوا بها وقالوا ظفرنا بهم. والقر: الهودج. والمخدر الذي وضع عليه الخدر: أي ستر. هذا قول محمد بن حبيب في بيت الأسدي وسيأتي فيه غير هذا " ص 87 " وأنشد أبو علي " 1 - 105،104 " لابن قيس الرقيات:
كالشارب النشوان قطره ... سمل الزقاق تسيل عبرتيه
ع وقبله:

(1/90)


إن المصائب بالمدينة قد ... أوجعنني وقرعن مروتيه
وأتى كتاب من يزيد وقد ... شد الحزام بسرج بغلتيه
ينعى أسامة لي وأخوته ... فظللت مستكا مسامعيه
كالشارب النشوان قطره ... سمل الزقاق تفيض عبرتيه
يرثي به سعدا وأسامة ابني أخيه قتلا يوم الحرة.
وأنشد أبو علي " 1 - 105،105 " لرؤبة:
ومن غمزنا عزه تبركعا
صلته:
ومن همزنا عظمه تلعلعا ... ومن أبحنا عزه تبركعا
على استه زوبعة أو زوبعا ... زحفي مزاحيف وصرعى خفعا
تلعلع إذا ضعف من مرض أو تعب. وقال عبد الرحمن عن عمه تلعلع: تكسر واضطرب. وقال: الزوبعة داء يأخذ الفصال، فكأنه يريد صرع قال ويقال زوبعة: قصر في العرقوب هكذا أورده بالزاي كما رواه القالي. وقال ابن دريد في الاشتقاق: الروبع بالراء المهملة: الرجل الضعيف واستشهد بهذا الرجز. وقال ثعلب في المجالس: الروبع وجع يأخذ في القوائم فيقعد. وقال غيره الروبع: الفصيل الذي لا ينبعث. والمعروف في الزوبعة بالزاي أنها ريح تدور في الأرض لا تقصد وجها واحدا وتحمل الغبار. والتزبع: سوء الخلق وقلة الاستقامة ومنه اشتق زنباع. ويقال انخفع الرجل على فراشه إذا اعتراه كالغشي من الضعف.
وأنشد أبو علي " 1 - 105،105 " لرؤبة أيضا:
لواحق الأقراب فيها كالمقق
ع قال رؤبة يصف:
قب من التعداء حقب في سوق ... لواحق الأقراب فيها كالمقق
سوى مساحيهن تقطيط الحقق ... تفليل ما قارعن من سمر الطرق
قب: ضمر من العدو، وكذلك لواحق الأقراب: وهي الخواصر. وقوله فيها كالمقق: الكاف زائدة كما قال أمية ابن أبي عائذ:
وإني بليلى والديار التي أرى ... كالمبتلي المعنى بشوق موكل
أراد للمبتلي المعنى: وذهب أبو الحسن الأخفش في قول الله سبحانه: " أو كالذي مر على قرية " إلى زيادة الكاف. ومساحيهن: حوافرهن لأنهن يسحين بها الأرض أي يقشرنها وسكن الياء ضرورة وقد مضت أمثلته. وأراد بتقطيط الحقق: أي كما تقط فلما سقط حرف الجر انتصب الفعل. والتفليل: هو الذي سواها. والطرق: جمع طرقة فأراد من شداد الأرض بعضها فوق بعض.
وذكر أبو علي " 1 - 105،105 "
خبر أبي جويرية مع خالد بن عبد الله
ع هو أبو جويرية عيسى بن أوس العبدي أحد بني عبد الله بن مالك بن عامر بن الحارث بن أنمار بن عامر بن ربيعة بن نزار شاعر محسن. وجنيد الممدوح هو الجنيد بن عبد الرحمن بن عمرو من ولد سنان ابن أبي حارثة المري. والشعر ثلاثة أبيات آخرها:
لم تزل غاية الكرام فلما ... مت مات الندى ومات الكرام
وقوله:
لو كان يقعد فوق النجم من كرم ... قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا
اهتدمه ابن أبي حفصة فقال:
لو كان يعقد فوق النجم من كرم ... قوم لقيل اقعدوا يا آل عباس
وقول أبي جويرية:
لو خلد الجود أقواما ذوي حسب ... فيما يحاول من آجالهم خلدوا
أراد فيما يحاول من إتيان آجالهم وأخذه من قول زهير:
فلو أن مجدا يخلد المرء لم يمت ... ولكن مجد المرء ليس بمخلد
فأما قوله:
جن إذا فزعوا إنس إذا أمنوا
فقد تقدم القول فيه وفي أمثلته 54 وأنشد أبو علي " 1 - 106،106 " للشماخ:
أعاش ما لأهلك لا أراهم
ع قد فسر أبو علي معناهما وقال الفارسي في كتاب الحجة أن لا في قوله: لا أراهم زائدة. فالمعنى على هذا أن الشاعر ابتدأ المرأة بهذا المقال وليس بجواب فغيرها إضاعة أهلها المال وتفريطهم في إصلاحه. وزعم ابن الأعرابي أن عائشة هذه هي بنت عثمان بن عفان كان الشماخ يأتيها فيحدثها فربما وجد عندها من لا يقدر على محادثتها من أجله فكنى بالهجان هنا عن عائشة فقال: مالي لا أرى أهلك يضيعونك؟ أي لا يغفلونك، ثم قال متعجبا! وكيف يضيع مضيع مالا يضيع إن أغفله كهذه الإبل التي هذه صفتها فهي إن أغفلها صاحبها لم تستضر بالصقيع وشدة الزمان الذي يهلك الهزلي في مثله، يعني أن هذه المرأة كريمة فكرمها حافظ لها من أن تأتي سوءا وإن لم يكن لها حفيظ.

(1/91)


وقال أبو علي " 1 - 106،106 " إن أصل المثل في قولهم: " سبق السيف العذل " للحارث بن ظالم وهذا وهم. وإنما أصله لضبة بن أد والمقتول الحارث بن كعب، وكان لضبة ابنان سعد وسعيد فخرجا في بغاء إبل فكان ضبة كلما رأى شخصا قال " أسعد أم سعيد " فرجع سعد ولم يرجع سعيد، فبينا ضبة يسير مع الحارث بن كعب في الشهر الحرام إذ قال له قتلت في هذا المكان فتى من هيئته كذا، قال ناولني سيفه فناوله فقال: " الحديث ذو شجون " وضربه حتى قتله فليم على قتله في الشهر الحرام فقال: " سبق السيف العذل " وقال الفرزدق:
فلا تأمنن الحرب إن استعارها ... كضبة إذ قال الحديث شجون
فضبة كلها ترجع إلى سعد. وكان لضبة ابن ثالث يسمى باسلا وهو أبو الديلم وقال جرير فنظم هذا المثل:
تكلفني رد العواقب بعدما ... سبقن كسبق السيف ما قال عاذله
وأنشد أبو علي " 1 - 107،107 " للشماخ:
إذا ما استافهن ضربن منه ... مكان الرمح من أنف القدوع
وأنشد أبو علي " 1 - 107،107 " لعبد الصمد بن المعذل في أخيه أحمد بعد أن كتب إليه أحمد كتابا ذكره:
أطاع الفريضة والسنة ... فتاه على الإنس والجنة
هما ابنا المعذل بن غيلان بن الحكم عبدي من بني عبد القيس وهما شاعران من شعراء الدولة الهاشمية وعبد الصمد أشعر وأحمد فقيه مالكي وله كتاب سماه بكتاب العلة ينصر فيه مذهب مالك. وذكر علي بن الحسين أنه كان معتزليا، ويكنى أحمد أبا الفضل ويكنى عبد الصمد أبا القاسم. ويروى في كتاب أحمد زيادة بعد قوله: وعم أذاك: " وصرت كالإصبع الزائدة إن قطعت آلمت، وإن تركت شانت، وصرت كأبي العاق " . وبلغ أحمد عن أخيه شيء غمه وأوجعه. فقال: ما عسيت أن أقول في من لفح بين قدر وتنور، وربي بين زق وطنبور. وكانت أم عبد الصمد طباخة.
وأنشد أبو علي " 1 - 107،107 " للأضبط:
لكم هم من الهموم سعه ... والمسي والصبح لا فلاح معه
ع هو الأضبط بن قريع بن عوف بن كعب بن سعد رهط الزبر قان بن بدر جاهلي قديم، وهو الذي أساء قومه مجاورته فانتقل عنهم إلى آخرين ففعلوا مثل ذلك فقال: " أينما أوجه ألق سعدا " . وقال: " بكل واد بنو سعد " . وقال أبو الفرج: أنشد أبو عبيدة وخلف الأحمر شعر الأضبط هذا فلم يعرفا منه إلا قوله:
واقنع من الدهر ما أتاك به ... من قر عينا بعيشه نفعه
وعجز بيت آخر وهو قوله:
يا قوم من عاذري من الخدعة
والخدعة قوم من سعد بن زيد مناة بن تميم. وفيه:
وصل حبال البعيد إن وصل ... الحبل وأقص القريب إن قطعه
قال أبو علي: قال أبوالعباس ثعلب وكان الأصمعي ينشده:
فصلن البعيد إن وصل الحبل
ع هذا الإنشاد الذي نسبه إلى الأصمعي لا يجوز لأن البيت يكون حينئذ من العروض الخفيف والشعر من المنسرح والأصمعي لا يجهل هذا. ويروى في هذا الشعر بيت زائد وهو:
قد يرقع الثوب غير لابسه ... ويلبس الثوب غير من رقعه
والفلاح في قوله لا فلاح معه: البقاء والعيش قال عبيد بن الأبرص:
أفلح بما شئت فقد يد ... رك بالضعف وقد يخدع الأريب
والفلاح: الفوز ومنه قولهم في الأذان حي على الفلاح. وقوله:
وصل حبال البعيد إن وصل ... الحبل وأقص القريب إن قطعه
أخذه الأعشى فقال:
ولا تدن وصلا من أخ متباعد ... ولا تنأ عن ذي بغضة إن تقربا
فإن القريب من يقرب نفسه ... لعمر أبيك الخير لا من تنسبا
وأنشد أبو علي " 1 - 108،108 " لأبي النجم:
أغد لعنا في الرهان نرسله
ع وصلته:
فقلت للسائس قده أعجله ... واغد لعنا في الرهان نرسله
فظل مجنوبا وظل جمله ... بين شعيبين وزاد يزمله
أغر في البرقوع باد حجله ... تعلو به الحزن وما يسهله
قوله أعجله: أراد أعجله فلما وقف على الهاء فسكنها ألقى حركتها على اللام. وقوله فظل مجنوبا: لا يركب. وجمله يزمل: أي يحمل الزاد والعلف. واسم أبي النجم الفضل بن قدامة بن عبيد الله عجلي من بني عجل بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل.
وأنشد أبو علي " 1 - 108،108 " لمحمود الوراق:

(1/92)


فاجاك من وفد الشباب نذير ... والدهر من أخلاقه التغيير
هو محمود بن الحسن الوراق البغدادي مولى بني زهرة يكنى أبا حسن، شاعر كثير الشعر جيده وعامته في الحكم والمواعظ والزهد.
أنشد أبو علي " 1 - 108،108 " لداود بن جهوة:
أقاسي البلى لا أستريح إلى غد ... فيأتي غد إلا بكيت على أمس
هكذا ثبت عن أبي علي ابن جهوة وأنشد ابن الجراح وغيره هذا الشعر لداود بن جمهور لم يختلفوا في ذلك، ولم أر جهوة اسما إلا هذا فإن كان معلوما فهي من أجهى الطريق إذا استبان والجهوة والجهوة: الدبر لغة يمانية يقال فتح الله جهوته. قال الراجز:
شر قرين للكبير نعلته ... تولغ كلبا سؤره أو تكفته
وتدفع الشيخ فتبدو جهوته
وأخذ ابن الرومي معنى قول الشاعر:
وأنكرت شمس الشيب في ليل لمتي ... لعمري لليلى كان أحسن من شمسي
فقال:
وجار على ليل الشباب فضامه ... نهار مشيب سرمد ليس ينفد
وعزاك عن ليل الشباب معاشر ... وقالوا نهار الشيب أهدى وأرشد
وكان نهار المرء أهدى لرشده ... ولكن ظل الليل أندى وأبرد
وهذه القصيدة كثيرة النوادر قليلة الحشو على طولها وينتهي عدد أبياتها إلى أربعمائة بيت يمدح فيها صاعدا ويذكر الموفق وصاحب الزنج. فمن النادر فيها قوله يصف الدنيا:
لما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد
وإلا فما يبكيه منها وإنها ... لأوسع مما كان فيه وأرغد
إذا أبصر الدنيا استهل كأنه ... بما سوف يلقى من أذاها يهدد
ومن ذلك قوله في المديح:
تراه عن الحرب العوان بمعزل ... وآراؤه فيها وإن غاب شهد
كما احتجب المقدار والحكم حكمه ... على الناس طرا ليس عنه معرد
فتى روحه ضوء بسيط كيانه ... ومسكن ذاك الروح نور مجسد
صفا ونفى عنه القذى فكأنه ... إذا ما استكفته العقول مصعد
كأن أباه حين سماه صاعدا ... رأى كيف يرقى في المعالي ويصعد
وأنشد أبو علي " 1 - 109،109 " للعكوك:
جلال مشيب نزل ... وأنس شباب رحل
ع هو علي بن جبلة بن عبد الرحمن الأبناوي من أبناء الشيعة الخراسانية يكنى أبا الحسن، والأصمعي لقبه بالعكوك بين يدي الرشيد، وذلك أن عليا دخل على الرشيد فأنشده شعرا حسنا فحسده الأصمعي لما رأى من إقبال الرشيد عليه فقال له: إيه يا عكوك. فقال له على في مجلس أمير المؤمنين: تلقب الناس يا ابن راعي الضأن العشرين ألست من باهلة. والعكوك في كلام العرب: الغليظ السمين. وكان على إذا ذكر الأصمعي بمحضره سبه. وكان العكوك ضريرا أبرص. وكان شاعرا مطبوعا عذب اللفظ جزله.
وأنشد أبو علي " 1 - 109،109 " لأبي دلف:
نظرت إلي بعين من لم يعدل ... لما تمكن طرفها من مقتلي
ع أبو دلف هو القاسم بن عيسى بن إدريس أحد بني عجل بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر، وهو ممن جمع إلى محله الشامخ في الشجاعة وعظيم الغناء في المشاهد حسن الأدب وجودة الشعر ومحض الجود. ومن مختار شعره في الشيب أيضا قوله:
في كل يوم أرى بيضاء قد طلعت ... كأنما طلعت في ناظر البصر
لئن قصصتك بالمقراض عن بصري ... لما قرضتك عن همي ولا فكري
ومن مختار ما ورد في قرض طلائع المشيب قول كشاجم:
نظرت إلى المرآة فروعتني ... طلائع شيبتين ألمتا بي
فأما شيبة ففزعت منها ... إلى المقراض من حب التصابي
وأما شيبة فعفوت عنها ... لتشهد بالبراءة من خضابي
فيالك من مشيب قد تبدي ... أقمت به الدليل على شبابي
وأنشد أبو علي " 1 - 109،110 " :
حنتني حانيات الدهر حتى ... كأني خاتل أدنو لصيد

(1/93)


ع هذا الشعر لأبي الطمحان وهو حنظلة بن الشرقي أحد بني القين بن جسر من قضاعة وهو شاعر جاهلي إسلامي وكان نديما للزبير بن عبد المطلب وتربا له، وكان خبيث الدين جيد الشعر. ومثل هذا المعنى قول سلمى بن غوية بن سلمي بن ربيعة الضبي:
هزئت زنيبة أن رأت ثرمى ... وأن انحنى لتقادم ظهري
حتى كأني خاتل قنصا ... والمرء بعد تمامه يحري
وقول ربيعة بن مقروم:
ودلفت من كبر كأني خاتل ... قنصا يدب لصيد وحش مختل
والعرب تقول لمن انحنى ظهره من الكبر " قد قاد العنز " و " رقع الشن " .
" وحمل رميح أبي سعد " قال راجزهم:
يا ويح هذا الرأس كيف اهتزا ... وحيص موقاه وقاد العنزا
يقول ضعف بصره فإذا أراد أن ينظر خرز عينيه فكأنهما مخيطتان.
وأنشد أبو علي " 1 - 109،110 " غير منسوب:
وعائب عابني بشيب ... لم يعد لما ألم وقته
ع وهما لمحمد بن عبد الملك الزيات وزير الواثق ذكر ذلك الصولي وغيره. أخذه من قول يونس النحوي وقد لقيه رجل كان يتهم مودته ويونس قد كبر وهو يهادي بين رجلين. فقال له: يا أبا عبد الرحمن أبلغت ما أرى. قال: هو ما ترى فلا بلغته.
وأنشد أبو علي " 1 - 110،110 " لدعبل:
أهلا وسهلا بالمشيب فإنه ... سمة العفيف وحلية المتحرج
ع هو دعبل بن علي بن رزين بن سليمان خزاعي يكنى أبا علي كوفي شاعر مبرز من شعراء الدولة الهاشمية. ومن مختار شعره في المشيب وهو مضاد لهذا في المعنى قوله:
أين الشباب وأية سلكا ... لا أين يطلب ضل بل هلكا
لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى
قد كان يضحك في شبيبته ... فأتى المشيب فقلما ضحكا
وأحسن ما ورد في الترحيب بالشيب على مذهب الشعر الأول قول أحمد بن زياد الكاتب:
ولما رأيت الشيب حل بياضه ... بمفرق رأسي قلت للشيب مرحبا
ولو خلت أني إن كففت تحيتي ... تنكب عني رمت أن يتنكبا
ولكن إذا ما حل كره فسامحت ... به النفس يوما كان للكره أذهبا
وقال مسلم بن الوليد في نحوه:
الشيب كره وكره أن يفارقني ... أعجب بشيء على البغضاء مودود
يمضي الشباب وقد يأتي له خلف ... والشيب يذهب مفقودا لمفقود
وأنشد أبو علي " 1 - 110،111 " لأبي هفان:
تعجبت در من شيبي فقلت لها ... لا تعجبي فبياض الصبح في السدف
أبو هفان هو عبد الله بن أحمد بن حرب المهزمي العبدي، راوية عالم بالشعر والغريب وشعره جيد إلا أنه مقل، وهو من شعراء الدولة الهاشمية ومثل قوله:
وزادها عجبا أن رحت في سمل ... وما درت در أن الدر في الصدف
قوله أيضا:
لعمري لئن بيعت في دار غربة ... ثيابي أن ضاقت علي المآكل
فما أنا إلا السيف يأكل جفنه ... له حلية من نفسه وهو عاطل
وأنشد أبو علي " 1 - 111،111 " لرجل من خزاعة:
قد كنت أرتاع للبيضاء أبصرها ... من شعر رأسي فقد أيقنت بالبلق
ع هذا الشعر لأبي الأسود الدؤلي كذلك قال محمد بن يزيد وغيره وهو ثابت في ديوان شعر أبي الأسود. ورواه محمد:
قد كنت أرتاع للبيضاء في حلك ... فالآن أرتاع للسوداء في يقق
وهذه هي الرواية الجيدة التي لا يجهل فضلها منتقد. أخذ هذا المعنى أبو تمام فقال:
شاب رأسي وما رأيت مشيب ال ... رأس إلا من فضل شيب الفؤاد
طال إنكاري البياض وإن عم ... رت شيئا أنكرت لون السواد
وحسنه أبو الطيب فقال:
راعتك رائعة البياض بعارضي ... و لو أنها الأولى لراع الأسحم
لو كان يمكنني سفرت عن الصبي ... فالشيب من قبل الأوان تلثم
وفيه:
شيب تغيبه عمن تغر به ... كبيعك الثوب مطويا على خرق
ظاهره أنه غير صحيح المقابلة، وصحة مقابلة التشبيه فيه أن يقول كطيك الثوب على خرق عند البيع. وتوجيه ذلك أنه لما كان البيع سببا لطيه على الخرق وقع التشبيه عليه.

(1/94)


وأنشد أبو علي " 1 - 112،112 " لمنصور النمري:
ما واجه الشيب من عين وإن ومقت ... إلا لها نبوة عنه ومرتدع
ع لم ينشد أبو علي غيره وبعده:
ما كنت أوفى شبابي كنه غرته ... حتى انقضى فإذا الدنيا له تبع
وهو منصور بن سلمة بن الزبرقان بن شريك من النمر بن قاسط، وهو تلميذ كلثوم العتابي وراويته وبمذهبه تشبه في الشعر. وشعره هذا من أحسن ما بكى به الشباب. ومن أحسن ما قيل في ذلك أيضا قول محمد بن حازم الباهلي:
لا تكذبن! فما الدنيا بأجمعها ... من الشباب بيوم واحد بدل
كفاك بالشيب ذنبا عند غانية ... وبالشباب شفيعا أيها الرجل
وأبكى بيت ورد في فقد الشباب قول أبي الغصن الأسدي أو غيره:
أتأمل رجعة الدنيا سفاها ... وقد صار الشباب إلى ذهاب
فليت الباكيات بكل أرض ... جمعن لنا فنحن على الشباب
وأنشد أبو علي " 1 - 112،112 " :
والشيب إن يحلل فإن وراءه ... عمرا يكون خلاله متنفس
ع قال الأصمعي: دخلت على الرشيد وهو ينظر إلى شيبه في مرآة فأنشدته، وذكر هذين البيتين فقال: ما صنع شيئا إنما أخذه من قول امرئ القيس:
ألا إن بعد العدم للمرء قنوة ... وبعد المشيب طول عمر وملبسا
ومن جيد ما ورد في هذا المعنى قول ابن مقبل:
وتنكرت شيبي فقلت لها ... ليس المشيب بناقص عمري
سيان شيبي والشباب إذا ... ما كنت من أجلي على قدر
فهذا مذهب من لم يحفل بحلوله. وقال رجل من الأزد في ذلك:
ولقد أقول لشيبة أبصرتها ... في مفرقي فمنحتها إعراضي
عني إليك! فلست منتهيا ولو ... عممت منك مفارقي ببياض
هل لي سوى عشرين عاما قد مضت ... مع ستة في إثرهن مواض
ولقلما أرتاع منك وإنني ... فيما هويت وإن وزعت لماض
فعليك ما اسطعت الظهور بلمتي ... وعلي أن ألقاك بالمقراض
وقال أبو نواس:
وإذا عددت سني كم هي لم أجد ... للشيب عذرا أن يلم براسي
وقال إبراهيم بن المهدي ونسبها أبو تمام إلى ابن مفرغ:
يقولون هل بعد الثلاثين ملعب ... فقلت وهل قبل الثلاثين ملعب
لقد جل قدر الشيب إن كان كلما ... بدت شيبة يعرى من اللهو مركب
وقال حفص العليمي:
أقول لحلمي لا تزعني عن الصبى ... وللشيب لا تذعر علي الغوانيا
طلبت الهوى العذري حتى وجدته ... وسيرت في نجديه ما كفانيا
وقول أبي الطيب في الشيب حكمة بالغة:
مشب الذي يبكي الشباب مشيبه ... فكيف توقيه وبانيه هادمه
وتكملة العيش الصبى وعقيبه ... وغائب لون العارضين وقادمه
وما خضب الناس البياض لأنه ... قبيح ولكن أحسن الشعر فاحمه
وأنشد أبو علي " 1 - 112،113 " :
وليس صرير النعش ما تسمعونه ... ولكنه أصلاب قوم تقصف
ع هذا الشعر للعطوي أبي عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن عطية الكناني مولى لهم بصرى. قال أبو يعقوب توفي أحمد ابن أبي دؤاد. فقال العطوى يرثيه من قصيدة ارتجلها وأنشد البيتين: وأنشد أبو علي " 1 - 112،113 " لبعض العرب:
دببت للمجد والساعون قد بلغوا ... جهد النفوس وألقوا دونه الأزرا
ع هذا الشعر لحوط بن رئاب الأسدي شاعر إسلامي وأحسبه أدرك الجاهلية. ورواية ابن الأعرابي دببت للمجد: يعني نفسه كذلك نقلته من نوادره بخط الحامض أبي موسى أصل أبي علي. وقوله:
وألقوا دونه الأزرا
يعني دون أن يبلغوه تخففا للجري فلم ينالوه. وبخط أبي علي في الكتب التي أملى منها النوادر فكابدوا المجد بالفاء.
قال أبو علي " 1 - 113،113 " : أنشدني غير واحد من أصحاب أبي العباس قال: أنشدنا أبو العباس المبرد لابن المعذل:
سألنا عن ثمالة كل حي ... فقال القائلون ومن ثماله
فقلت محمد بن يزيد منهم ... فقالوا زدتنا بهم جهاله

(1/95)


ع المبرد هو محمد بن يزيد بن عبد الأكبر بن عمير بن حسان ثمالي وثمالة هو أسلم بن أحجن بن كعب بن حارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد يكنى أبا العباس. وقال أبو بكر ابن أبي الأزهر كان أبو العباس من العلم وغزارة الأدب وكثرة الحفظ وفصاحة اللسان وبراعة البيان وملوكية المجالسة وكرم المعاشرة وبلاغة المكاتبة وحلاوة المخاطبة وعذوبة المنطق وصحة النظر وحسن الخط على ما ليس عليه أحد ممن تقدمه أو تأخر عنه. قال علي بن حمزة: كان أبو العباس يروي ما هجى به من مثل هذا وشبهه ليثبت نسبه في ثمالة.
وأنشد أبو علي " 1 - 113،113 " :
فلو أبصرت دارك في محل ... يحل الحزن فيه والسرور
ع هما لسليمان ابن أبي دباكل الخزاعي. وقد تقدم له من هذا الشعر أبيات " ص 74 "
وذكر أبو علي " 1 - 113،113 "
خبر الأعرابي المسترفد
ع ومن فصيح ما ورد لهم في ذلك ما رواه ابن الأعرابي. قال: وفد أعرابي فقال: يا أهل الغضارة حقب السحاب، وانقشع الرباب، واستأسدت الذئاب، وزرم الثمر، وباد الولد وكنت كثير العفاة، صخب السقاة، عظيم الدلاة، لا أتضاءل إلى الزمان، ولا أحفل بالحدثان، حي حلال، وعدد ومال، ثم تقرقنا أيدي سبا، بعد فقد الآباء والأبناء، وكنت حسن الشارة، خصيب الدارة، سليم الجارة. وكان محلى حمى، وفرسي أسا، قضى الله ولا رجعان لما قضى سواف المال، وشتات الرجال، وتغير الحال، فأعينوا من شخصه شاهده، وفقره سائقه وقائده.
وأنشد أبو علي " 1 - 114،114 " للتغلبي:
خلع الملوك وسار تحت لوائه
ع هو مهلهل بن ربيعة وقد زعم بعضهم أنه لشرحبيل بن مالك أحد بني عصم ذكر ذلك يعقوب، وقد رأيته منسوبا إلى عمرو بن الأيهم التغلبي. وقد تقدم ذكر مهلهل " ص 29 " وذكر ابن الأيهم " ص 46 " وقبل البيت:
وأغر من ولد الأراقم ماجد ... صلت الجبين معاود الإقدام
خلع الملوك وسار تحت لوائه ... شجر العرى وعراعر الأقوام
وهذه كناية عن شداد الرجال الصابرين على اللأواء ومضض الحروب، ويروى: وعراعر بالفتح وهو جمع عراعر: يعني سادة القوم وأعلامهم مأخوذ من عرعرة الجبل. والأراقم: هم جشم ومالك وعمرو وثعلبة والحارث ومعاوية بنو بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل. ومر كاهن بأمهم وهم ستة في قطيفة لها فقالت له: انظر إلي بني هؤلاء فنظر وقال: لكأنما رموني بعيون الأراقم. وأمهم مارية بنت حمار من بني عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان.
وأنشد أبو علي " 1 - 114،114 " لرؤبة:
أو كاحتلاق النورة الجموش
ع قال يصف سنة جدب:
حصا تنقى المال بالتحويش ... دقا كرفش الوضم المرفوش
أو كاحتلاق النورة الجموش
حصا: تحص المال أي تحلقه. والتحويش: التنقص. والوضم: اسم من أسماء الخوان ثم سمي به كل ما طرح عليه اللحم. والرفش: كل ما يؤكل على الخوان، وأصله حطم الأكل.
وأنشد أبو علي " 1 - 114،114 " :
عداني أن أزورك أن بهمي ... عجايا كلها إلا قليلا
قد رأيت هذا البيت منسوبا إلى أرطاة بن سهية المري.
وأنشد أبو علي " 1 - 114،115 " :
قريب ثراه لا ينال عدوه ... له نبطا عند الهوان قطوب
ع هذا البيت لكعب بن سعد الغنوي. وقد أنشد أبو علي القصيدة بكاملها " 2 - 150،148 " والصحيح آبي الهوان قطوب لأنه إذا قال عند الهوان يكون قد أثبت أنه مهان مذال وإنما يقطب عند نزول ذلك به، وهم يقولون في المديح: فلان آبى الضيم وآبى الهوان وآبى الظلم، ومن هذا قولهم: رجل أبي. وقال معبد بن علقمة:
فقل لزهير إن شتمت سراتنا ... فلسنا بشتامين للمتشتم
ولكننا نأبى الظلام ونعتصي ... بكل رقيق الشفرتين مصمم
وتجهل أيدينا ويحلم رأينا ... ونشتم بالأفعال لا بالتكلم
وأنشد أبو علي " 1 - 115،115 " :
إذا جعجعوا بين الإناخة والحبس
ع اختلف في عزو هذا البيت فقيل هو لعمرو بن معدي كرب، وقيل هو لأوس بن حجر. فمن عزاه إلى أوس أنشده:
أجاعلة أم الحصين خزاية ... علي فراري أن لقيت بني عبس
ورهط بني عمرو وعمرو بن عامر ... وتيما فجاشت من لقائهم نفسي

(1/96)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية