صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : زهر الأكم في الأمثال و الحكم
المؤلف : اليوسي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

العير: الحمار؛ والتغمير: أن يشرب دون ري. يقول: لست بخارج من بيت جاري مريبا ألتفت وأتحير خشية أن أرى كالعير المزعج عن الماء قبل أن يروي أو لا أخرج متلفتا عاملا على العود إلى الريبة مرة أخرى كالعير المتلفت إلى الماء لبقاء العطش. وقال قيس بن كلثوم:
قد يخطم الفحل قسرا بعد عزته ... وقد يرد على مكروهه الأسد
الخطم: أن يشد على البعير خطامه فيملك بذلك. وقال تأبط شرا:
وإنك لو أصلحت ما أنت مفسد ... توددت الأقصى الذي تتودد
وكان لك أبن العم يحمي ذمامه ... ويمنعه حين الفرائص ترعد
أخوك الذي إن تدعه لملمة ... يجبك لها والمستعدون رقد
وقال الفرزدق:
وفي الأرض عن ذي الجود منأى ومبعد ... وكل بلاد أوطنت كبلاد
وماذا عسى الحجاج يبلغ جهده ... إذا نحن خلفنا حفير زياد؟
وقال غسان بن وعلة:
إذا كنت في سعد وأمك منهم ... غريبا فلا يغررك خالك من سعد
فإن أبن أخت القوم مصغى إناؤه ... إذا لم يزاحم خاله بأب جلد
وقال شبيل الفزاري:
وما عن ذلة غلبوا ولكن ... كذلك الأسد تفرسها الأسود
وقال دريد بن الصمة:
صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه ... فلما علاه قال للباطل: ابعد
و كان الأصمعي يقول: هذا أحسن بيت قالته العرب! ومنها:
وهون وجدي إنما هو فارط ... أمامي وأني هامة اليوم أو غد
وقال عبد الله بن ثعلبة:
لكل أناس مقبر بفنائهم ... فهم ينقصون والقبور تزيد
وما إن يزال رسم دار قد أخلقت ... وعهد لميت بالفناء جديد
فهم جيرة الأحياء أما محلهم ... فدان وأما الملتقى فبعيد
وقال الآخر في أبن له:
ألام على تبكيه ... وألمسه فلا أجده
وكيف يلام محزون ... كبير فاته ولده؟
وقال رجل من خثعم:
خلت الديار فسدت غير مسود ... ومن الشقاء تفردي بالسؤدد
و هذا مثل مشهور. روي أن حارثة بن الغداني خرج ومعه كعب مولاه. فجعل لا يمر بمجلس من بني تميم إلا قالوا: مرحبا بسيدنا! فقال كعب: ما سمعت قط كلاما أقر لعيني من هذا! فقال حارثة: ما سمعت كلاما أكره إلي منه! وتمثل بالبيت.
ويروى أيضا أن أمة مرت بابن جريج أحد علماء المدينة وهو يصلي وقد خط خطا بين يديه. فقالت: وا عجبا لهذا الشيخ وجهله بالسنة! فأشار إليها أن قفي! فلما أن قضى صلاته قال: ما رأيت من جهلي؟ فقالت: إنك تخط خطا تصلي عليه وقد حدثتني مولاتي عن أمها عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال: الخط الباطل لأن العبد إذا كبر تكبيرة الاحرام سدت ما بين السماء والأرض. فسألها أن تقفوه لمولاتها. ففعلت فحدثته بذلك وقالت: أتجهل وأنت من علماء المدينة؟ فقال عند ذلك: خلت الديار فسدت غير مسود .......البيت وقال الآخر:
إن المساءة للمسرة موعد ... أختان رهن للعشية أو غد
فإذا سمعت بهالك فيتقنن ... إن السبيل سبيله فتزود
وقال رجل من بني قريع:
متى ما ير الناس الغني وجاره ... فقير يقولوا: عاجز وجليد
وليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ... ولكن أحاط قسمت وجدود
إذا المرء أعيته المروءة ناشئا ... فمطلبها كهلا عليه شديد
وكائن رأينا من غني مذمم ... وصعلوك قوم مات وهو حميد
وقال المقنع الكندي:
يعاتبني في الدين قومي وإنما ... ديوني في أشياء تكسبهم حمدا
ألم ير قومي كيف أوسر مرة ... وأعسر حتى تبلغ العسرة الجهدا
فما زادني الاقتدار منهم تقربا ... ولا زادني فضل الغنى منهم بعدا
أسد به ما قد أخلوا وضيعوا ... ثغور حقوق ما أطلقوا لها سدا
ومنها:
وإن الذي بيني وبين بني أبي ... وبين بني عمي لمختلف جدا
أراهم إلى نصري بطاء وإن هم ... دعوني إلى نصر أتيت لهم شدا
إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن يهدوموا مجدي بنيت لهم مجدا
وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم ... وإن هم هووا غيي هويت لهم رشدا
وإن رجزوا طيرا بنحس تمر بي ... زجرت لهم طيرا تمر بهم سعدا
ولا أحمل الحقد القديم عليهم ... وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا

(1/254)


لهم جل مالي إن تتابع لي غنى ... وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا
وإني لعبد الضعيف ما دام نازلا ... وما شيمة لي غيرها تشبه العبدا
وقال محمد بن أبي شحاذ الضبي:
إذا أنت أعطيت الغنى ثم لم تجد ... بفضل الغنى ألفيت مالك حامد
إذا أنت لم تعرك بجنبك بعض ما ... يريب من الأدنى رماك الأباعد
إذا الحلم لم يغلب لك الجهل لم تزل ... عليك بروق جمة ورواعد
إذا العزم لم يفرج لك الشك لم تزل ... جنيبا كما استتلى الجنيبة قائد
وقل غناء عنك مال جمعته ... إذا صار ميراثا وواراك لاحد
إذا أنت لم تترك طعاما تحبه ... ولا مجلس تدعى إليه الولائد
تجللت عارا لا يزال يشبه ... سباب الرجال نثرهم والقصائد
وقال أعرابي قتل أخوه ابنا له فقرب إليه ليقتنص منه فألقى السيف من يده وقال:
أقول للنفس تأساء وتعزية: ... إحدى يدي أصابتني ولم ترد
كلاهما خلف من فقد صاحبه: ... هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي
وقال أحد بني فقعس:
وذوي ضباب مظهرين عداوة ... قرحى القلوب معاودي الأفناد
ناسيتهم بغضاءهم وتركتهم ... وهم إذا ذكر الصديق أعادي
كيما أعدهم لأبعد منهم ... ولقد يجاء إلى ذوي الأحقاد
الضباب: جمع ضب هو الحقد.
وقال الآخر:
تمنى لي الموت المعجل خالد ... ولا خير فيمن ليس يعرف حاسده
وقال الآخر:
وانك لا تدري إذا جاء سائل ... أ أنت بما تعطيه أم هو أسعد؟
عسى سائل ذو حاجة إن منعته ... من اليوم سؤلا أن يكون له غد
وفي كثرة الأيدي على الجهل زاجر ... وللحلم أبقى للرجال وأعود
وقال شبيب بن البرصاء:
إذا المرء أعراه الصديق بدا له ... بأرض الأعادي بعض ألوانه الربد
أعراه: انفرد به وأفضى به العراء. يقول: إذا أنفرد الرجل بمن يعتده صديقا وصار معه في بلاد العدو فاحتاج إلى نصرته ومشورته أنكشف له أمره وبان له حينئذ أنه عدو له أم صديق. والربد الغبر المظلمة. ضربه مثلا لما يخى من الصداقة والعداوة. وقال الحسن بن المطير:
كنت أذود العين أن ترد البكا ... فقد وردت ما كنت عنه أذودها
خليلي ما بالعيش عتب لو أننا ... وجدنا لأيام الحمى من يعيدها
وقال الآخر:
هل الحب إلا زفرة بعد زفرة ... وحر على الأحشاء ليس له برد؟
غيره:
وما كل ما في النفس للناس مظهر ... ولا كل مالا تستطيع تذود
وقال آخر من الحارث بن كعب:
منى إن تكن حقا تكن أحسن المنى ... وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا
وقال حطائط أخو الأسود بن يعفر:
أريني جوادا مات هزلا لعلني ... أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا
وقال يزيد الحارثي:
وإذا الفتى لاقى الحمام رأيته ... لولا الثناء كأنه لم يولد
وقال آخر وتروى لقيس بن عاصم رضي الله عنه:
أيا ابنة عبد الله وابنة مالك ... ويا ابنة ذي البردين والفرس الورد
إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له ... أكيلا فإني لست آكله وحدي
أخا طارقا أو جار بيت فإنني ... أخاف مذمات الأحاديث من بعدي
وكيف يسيغ المرء زادا وجاره ... خفيف المعي بادي الخصاصة والجهد؟
وللموت خير من زيارة باخل ... يلاحظ أطراف الأكيل على عمد
وإني بعد الضيف ما دمت ثاويا ... وما في إلا تلك من شيمة العبد
وقال الآخر:
ونبئت ركبان الطريق تناذروا ... عقيلا إذا حلوا الذناب فصر خدا
فتى يجعل المحض الصريح لبطنه ... شعارا ويقري الضيف عضبا مهندا
وقال الآخر:
وأنا لنجفو الضيف من غير علة ... مخافة أن يغري بنا فيعود
غري: كلف.
وقال الأسود بن يعفر:
ولقد علمت لو إن علمي نافع ... إن السبيل سبيل ذي الأعواد
ماذا أؤمل بعد آل محرق؟ ... تركوا منازلهم وبعد إياد
أرض الخورنق والسدير وبارق ... والقصر ذو الشرفات من سنداد
جرت الرياح على محل ديارهم ... فكأنهم كانوا على ميعاد
ولقد غنوا فيها بأكرم غنية ... في ظل ملك ثابت الأوتاد
فإذا النعيم وكل ما يلهى به ... يوما يصير إلى بلى ونفاذ

(1/255)


و تقدم بعض هذا الشعر. وذو الأعواد رجل أسمه غوي بن سلامة أو سلامة بن غوي وقيل غير ذلك. وكان له خراج على مضر. فلما شاخ وضعف كان يحمل على سرير ويطاف به على مياه العرب فيجيبها. وقيل هو جد لأكثم بن صيفي الحكيم المعروف. وكان أعز أهل زمانه فكان لا يأتي سريره خائف إلا أمن وجائع إلا شبع. ومثل هذا الشعر ما روي إنه وجد في حفير رجل عليه خفان وعند رأسه لوح فيه مكتوب: أنا عبد المسيح بن حيان بن نفيلة:
حلبت الدهر أشطره حياتي ... ونلت من المنى فوق المزيد
وكافحت الأمور وكافحتني ... ولم أخضع لمعضلة كؤود
وكدت أنال بالشرف الثريا ... ولكن لا سبيل إلى الخلود
و دخل أرطأة بن سهيل على عبد الملك: كيف حالك؟ وكان قد أسن فقال: ضعف حالي وقل مالي وكثر مني ما كنت أحب أن يقل وقل مني ما كنت أحب أن يكثر قال: فكيف أنت في شعرك؟ قال: والله ما أغضب ولا أطرب ولا أرهب. وما الشعر إلا من نتائج هذه على إنني القائل:
رأيت المرء تأكله الليالي ... كأكل الأرض ساقطة الحديد
وما تبقى المية حين تأتي ... على نفس أبن آدم من مزيد
وأعلم أنها عمال قليل ... ستوفي نذراها بأبي الوليد
فارتاع عبد الملك ثم قال: بل توفي نذرها بك ويلك مالي ولك؟ فقال: يا أمير المؤمنين لا ترع والله ما عنيت إلا نفسي فقال: أما والله لتلمن بي وأبو الوليد كنية لعبد الملك وكنية لأرطأ أيضا. وقال الآخر:
لنا عز ومرمانا قريب ... ومولى لا يدب مع القراد
و قوله لا يدب مع القراد أشار به إلى رجل من العرب كان يخرج ومعه شنة فيها قردان فيشدهما في ذنب بعير من الإبل فإذا قرصته القردان نفر فنفرت الإبل لقعقة الشن. فإذا نفرت أستل منها بعيرا فذهب به.
وقال الآخر:
ستبكي المخاض الجرب إن مات هيثم ... وكل البواكي غيرهن جمود
يقول إنه كان بخيلا يستبقينه وينحرهن: فهن يبكين عليه إن مات لما أحسن إليهن ولا يبكي عليه أحد من الناس لعدم خيره وإحسانه. وهذا من أقبح الهجو غير أن في قوله جمود مغمزا. وضد هذا من المدح قول الآخر:
قتيلان لا تبكي المخاض عليهما ... إذا شعبت من قرمل وأفان
و الأفاني جمع افانية والأفانية والقرمل نبتان يرعيان. وقال الآخر:
إذا جاوزت من ذات عرق ثنية ... فقل لأبي قابوس ما شئت فارعد
و نحوه قول الفرزدق السابق:
وماذا عسى الحجاج يبلغ جهده ... إذا نحن جاوزنا حفير زياد؟
و تقدم تفسير رعد وبرق بما أغنى عن إعادته. ونحوه قال الآخر:
يا جل ما بعدت عليك بلدنا ... فابرق بأرضك ما بدا لك وأرعد
وقال الآخر:
ما قام عمرو في الولاية ... قائما حتى قعد
و سبب هذا أن بعض الوزراء قلد أبن حجاج ولاة فخرج إليها يوم الخميس وتبعه عزله يوم الأحد فقال فيه:
يا من إذا نظر الهلال ... إلى محاسنه سجد
وإذا رأته الشمس كادت ... أن تموت من الحسد
يوم الخميس بعثتني ... وصرفتني يوم الأحد
والناس قد غنوا علي ... كما خرجت من البلد
ما قام عمرو........ البيت وقال جميل:
فأقسم طرفي بينهن فيسوى ... وفي الصدر بينهن بعيد
وقال أيضا:
يموت الهوى مني إذا ما لقيتها ... ويحيى إذا فارقتها فيعود
وهذان البيتان من قصيدة لجميل يقول فيها:
إلا ليت أيام الصفاء جديد ... ودهرا تولى يا بثين يعود
فتغنى كما كنا نكون وأنتم ... صديق وإذ ما تبذلين زهيد!
وما أنس من أشياء لا أنس قولها ... وقد قربت نضوي أمصر تريد؟
ولا قولها: لولا العيون التي ترى ... أتيتك فاعذرني فدتك جدود!
خليلي ما أخفي من الوجد ظاهر ... ودمعي بما أخفي الغداة شهيد
ألا قد رأى الله أن رب عبرة ... إذا الدار شطت بيننا ستزيد
إذا قلت: ما بي يا بثينة قاتلي ... من الحب قالت: ثابت ويزيد
وإن قلت: ردي بعض عقلي أعش به ... مع الناس قالت: ذاك منك بعيد
فلا أنا مردود بما جئت طالبا ... ولا حبها فيما يبيد يبيد،
جزتك الجوازي يا بثين ملامة ... إذا ما خليل بان وهو حميد

(1/256)


وقلت لها: بيني وبينك فأعلمي ... من الله ميثاق له وعهود
وقد كان حبيكم طريفا وتالدا ... وما الحب إلا طارف وتليد
وإن عروض الوصل بيني وبينها ... وإن سهلته بالمنى لصعود
فأفنيت عيشي بانتظاري نوالها ... وأبلت بذاك الدهر وهو جديد
فليت وشاة الناس بيني وبينها ... يدوف لهم سما طماطم سود
وليت لهم في كل ممسى وشارق ... تصاعق أكباد لهم وقيود!
ويحسب نسوان من الجهل أنني ... إذا جئت إياهن كنت أريد
وبعده:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بواد القرى إني إذا لسعيد!
وهل أهبطن أرضا تظل رياحها ... لها بالثنايا القاويات وئيد
وهل ألقين سعدي من الدهر مرة ... ومارث من حبل الصفاء جديد؟
وهل تلتقي الأهواء من بعد يأسة ... وقد تطلب الحاجات وهي بعيد؟
وهل أزجرن حرفا علاة شملة ... بخرق تباريها سواهم سود
على ظهر مرهوب كأن ستوره ... إذا جاز هلاك الطريق رقود
سبتني بعيني جؤذر وسط ربرب ... وصدر كفاثور اللجين وجيد
تزيف كما زافت إلى سلفاتها ... مباهية طي الوشاح ميود
إذا جئتها يوما من الدهر زائرا ... تعرض منقوصا اليدين صدود
يصد ويغضي عن هواي ويجتني ... ذنوبا علينا إنه لعنود
فأصرمها خوفا كأني مجانب ... ويغفل عنا مرة فنعود
فمن يعط في الدنيا قرينا كمثلها ... فذاك في عيش الحياة رشيد!
وبعده:
يقولون: جاهد يا جميل بغزوة! ... وأي جهاد غيرهن أريد؟
لكل حديث بينهن بشاشة ... وكل قتيل بينهن شهيد
فمن كان في حبي بثينة يمتري ... فبرقاء ذي ضال علي شهيد
ألم تعلمي يا أم ذي الودع أنني ... أضاحك ذكراكم وأنت صلود؟
وقال الآخر:
إذا كنت تهوي الحمد والمجد مولعا ... بأفعال ذي غي فلست براشد
ولست وإن أغيى أباك مجادة ... إذا لم ترم ما أسلفاه بماجد
و قوله: اباك، أي أبواك، فثني لفظ الأب من غير إن يرد لأمه. وقال الآخر:
شريت بردا ولولا ما تكنفني ... من الحوادث ما فارقته أبدا!
وقال الآخر:
أتعجب أن رأيت علي دنيا؟
وقال الأشهب بن رحيلة:
أسود شرى لاقت أسود خيفة ... تساقت على حرد دماء الأساود
وقال الآخر:
إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا ... فحسبك والضحاك سيف مهند!
وقال أعرابي في السجن:
أيا واليي سجن اليمامة أشرفا ... بي القصر أنظر نظرة هل أري ونجدا!
فقال اليمانيان لما تبينا ... سوابق دمع ما ملكت لها ردا:
أمن أجل أعرابية ذات بردة ... تبكي على نجد وتبلى كذا وجدا؟
لعمري لأعرابية في عباءة ... تحل دماثا من سوقية أو فردا
أحب إلى القلب الذي لج في الهوى ... من اللأبسات الريط يظهرن كيدا
وقال الآخر، ويقال الشافعي، رضي الله عنه:
تمنى رجال أن أموت فأن أمت ... فتلك طريق لست فيها بأوحد!
يقال: لست في هذا الأمر بأوحد، أي لا أخص به: وقال الآخر، ويقال هو هاتف سمع لما ولي عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه:
من الآن قد طابت وقر قرارها ... على عمد المهدي قام عمودها
وقال يزيد بن الصقيل العقيلي، وكان يسرق الإبل ثم تاب:
ألا قل لأرباب المخائض أهملوا ... فقد تاب عما تعلمون يزيد
وإن أمرءا ينجو من النار بعدما ... تزود من أعمالها لسعيد!
و تقدم هذا الثاني. والإهمال ترك الإبل بلا راع. وقال الآخر:
تمنيتم مائتي فارس ... فردكم فارس واحد
و قبلها:
فليت لها بارتباط الخيول ... ضأنا لها حالب قاعد!
ألا هل أتاها على نأيها ... بما فضحت قومها غامد؟
وغامد أبو قبيلة، وهو غامد بين نصر بن الأزد بن الغوث، فهاجم هذا الشاعر. وقال حاتم:
وإن الكريم من تلفت حوله ... وإن اللئيم دائم الطرف أقود
وقال نبهان العبشمي:
يقر بعيني إن أرى من مكانه ... ذرى عقدات الأبرق المتقاود
وأن أرد الماء الذي شربت به ... سليمى وقد مل السرى كل واخد

(1/257)


وأخلط أحشائي ببرد ترابه ... وإن كان مخلوطا بسم الأساود!
و العقدات واحد العقدة - بكسر القاف وفتحها وهو ما تراكم من الرمل وانعقد؛ والأبرق حجارة يخالطها رمل أو طين؛ والنتقاود: المنقاد المستقيم؛ الأساود جمع أسود، وهو الأسود السالخ. وقال أبو الحسن بن أبي الطيب:
لا تنكري يا عز إن ذل الفتى ... ذو الأصل واستعلى خسيس المتحد
إن البزاة رؤوسهن عواطل ... والتاج معقود برأس الهدهد
وقال الحارث بن كلدة:
ولقد رأيت معاشرا ... جمعوا لهم مالا وولدا
وهم زباب حائر ... لا تسمع الآذان رعدا
الناس وجهالهم الحائرين. وقوله: لا تسمع الآذان رعدا، أي لا تسمع آذانهم صوت الرعد لصممهم، فأقام الألف واللام مقام ضمير وقال الآخر:
فأثنوا علينا لا أبا لأبيكم ... بأفعالنا إن الثناء هو الخلد!
و مثله قول الآخر:
فإذا باغتم أرضكم فتحدثوا ... ومن الحديث مثالب وخلود!
و تقدم ذكر هذا المعنى. وقال: أبن اللبانة يمدح المعتمد:
لقد ضم أمر الملك حتى كأنه ... نطاق بخصر أو سوار على زند
وحسن طعم العيش حتى أعاده ... ألذ من الإغفاء في عقب السهد
وحسب الليالي إنها في زمانه ... بمنزله الخيلان في صفحة الخد
توقد عن نارين للحرب والقرى ... وقام على طودين للحلم والمجد
وجاءت به الأيام تاجر سؤدد ... يبيع نفيسات المواهب بالحمد
يغيث في محل يعينك في ردى ... يروعك في درع يروق في برد
جمال وإجمال وسبق وصولة ... كشمس الضحى كالمزن كالبرق كالرعد!
وقال أيضا:
إليه وإلا قيودا قدم السرى ... وفيه وإلا أخرسوا ألسن الحمد
وعنه أفيضوا، إنه مشعر الهدى ... وحوليه طوفوا: إنه كعبة القصد
وألغوا حديث البحر عند حديثه: ... فكم بين ذي جزر وكم بين ذي مد!
وقال الآخر:
قلدتني منك الجميل قلائد ... ورحمتي حتى سبتك والدا
والله لو جاز السجود لمحسن ... ما كنت إلا راكعا لك ساجدا!
وقال أبو جعفر البطروني:
وما زلت أجني منك والدهر ممحل ... ولا ثمر يجنى ولا زرع يحصد
ثمار أياد دانيات قطوفها ... لأغصانها ظل علينا ممدد
ترى جاريا ماء المكارم تحتها ... وأطيار شكري لا تزال تغرد
وقال أبن اللبانة أيضا:
وهو صبح وربيع وحيا ... ويجتلى أو يجتنى أو يجتدى
وهو طود وشهاب ولظى ... مارسا أو ماسرى أو ماعدا
وقال بكر بن النطاح:
ملأت يدي من الدنيا مرارا ... فما طمع العواذل في قيادي
وما وجبت علي زكاة مال ... وهل تجب الزكاة على الجواد؟
وقال الآخر:
بفعالي عرفت لا بمقالي ... وبذاتي شرفت لا بجدود
إن رأيي ورأيت بلغاني ... غايتي هذه بحكم السعود
وقال أبن الخطيب:
تعجلت وخط الشيب في زمن الصبا ... لخوضي غمار الهم في طلب المجد
فمهما رأيتهم شيبة فوق مفرقي ... فلا تنكروها إنها شيبة الحمد!
وقال أبن الحداد، وللشعر حكاية:
شقيقك غيب في لحده ... وتطلع يا بدر من بعده
فهلا خسفت فكان الخسوف ... حدادا لبست على فقده؟
وقال آخر في التعزية:
لابد من فقد ومن فاقد ... هيهات ما في الناس من خالد
كن المعزي لا المعزى به ... إن كان لابد من الواحد!
وقال الوزير المهلبي:
خليلي إني للثريا لحاسد ... وإني على ريب الزمان لواجد
أيبقى جميعا شملها وهي سبعة ... وأفقد من أحببته وهو واحد؟
وقال الآخر:
دهى الله مصرا وسكانها ... وفتت أكبادهم وبالحسد!
متى يرتجي مفلس عندهم ... غنى وعلى كل فلس أسد؟
وقال الآخر:
ما للمعيل وللسفار وإنما ... يجلى بوصل البيد من هو فارد
فالشمس تجتاب السماء فريدة ... وأبو بنات النعش فيها راكد
وقال أبن سكرة:
قيل: ما أعددت للبرد ... وقد جاء بشده؟
قلت: دراعة عري ... تحتها جبة رعده
وقال الآخر:
بين اللثام وصدغه المعقود ... خمران: من ريق ومن عنقود

(1/258)


يلوى على زرد العذار دلاله: ... كم فتنة بين اللوى وزرود!
وقال الآخر:
أهلا بطيفك زائرا أو عائد ... تفديك نفسي غائبا أو شاهدا!
يا من على طيف الخيال أحالني ... أتظن طرفي مثل طرفك راقدا؟
ما نمت لكن الخيال يلم بي ... فيجله طرفي فيطرق ساجدا
وقال الراضي بن عباد:
مروا بنا أصلا من غير ميعاد ... وأوقدوا نار قلبي أي إيقاد
لا غزو إن زاد في قلبي مرورهم ... فرؤية الماء تذكي غلة الصاد!
وقال الآخر:
قالوا: خسرت القلب حين علقته ... وربحت فيه شماتة الحساد
فأجابهم: لا تعذلوني إنني ... صانعته عن مهجتي بفؤاد!
وقال بعض المشارقة:
ألحاظكم تجرحنا في الحشا ... ولحظنا يجرحكم في الخدود
جرح بجرح فاحسبوا ذابذا ... فما الذي أوجب جرح الصدود؟
وقال أبو العباس بن الفياض:
قم اسقني بين الناي والعود ... ولا تبع طيب مفقود بموجود
نحن الشهود وصوت العود خاطبنا ... فزوج أبن غمام بنت عنقود!
وقال أبو البركات في غرناطة:
رعى الله من غرناطة متبوءا ... يسر كئيبا أو يجير طريدا!
تبرم منها صاحبي عندما رأى ... مسارحها بالبرد عدن جليدا
هي الثغر صان الله من أهله به ... وما خير ثغر لا يكون برودا
وقال أبن الحجاج في صاحب وليمة أبطأ بالطعام فيها.
يا جائيا في داره ذاهبا ... لغير معنى لا ولا فائدة
قد جن أصحابك من جوعهم ... فأقرا عليهم سورة المائدة!
و تقدم بعضه. وقال الآخر:
مال أبن دارة دونه لعفاته ... خرط القتاد والتماس الفرقد
مال لزوم الجيمع يمنع صرفه ... في راحة مثل المنادى المفرد
وقال الآخر:
فأكثر من الإخوان للدهر عدة: ... فكثرة در العقد من شرف العقد
وعظم صغير القوم وأبدا بحقه: ... فمن خنصري كفيك تبدأ في العد!
وقال الآخر:
ألا! إنه كلنا بائد ... وأي بني آدم خالد؟
وبدؤهم كان من وبهم ... وكل إلى ربه عائد
فيا عجبا كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد
ولله في كل تحريكة ... وتسكينة أبدا شاهد
وفي كل شيء له آية ... تدل على إنه واحد
وقال البستاني:
أبوك حوى العليا وأنت مبرز ... عليه إذا نازعته قصب المجد
وللخمر معنى ليس في الكرم مثله ... وللنار نور ليس يوجد في الزند
وقال أبو القاسم الاصبهاني:
أصبحت صبا دنفا ... بين عناء وكمد
أعوذ من شر الهوى ... بقل هو الله أحد!
وقال ابن الجهم:
انفس حرة ونحن عبيد ... إن رق الهوى لرق شديد
لي حبيب نأى الهجر عني ... وأشد الهوى القريب البعيد
وقال الآخر:
وكم ليلة بت من حبكم ... تطول على طرفي الساهد
كأن نجوم الدجى في الدجى ... صوار تفرقن عن صائد
وقال أبن الرومي:
لما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد
وإلا فما يبكه منها وإنها ... لأوسع مما كان فيه وأرغد؟
وقال الآخر في التورية:
تقول سليمى إذ رأت شيب لمتي: ... لقد حال من ذلك الشباب سواده
وما تنر الحسناء من خط كاتب ... إذا ابيض من طول الكتاب مداده
وقال كثير:
فإن تسل عنك النفس أو تدع الهوى ... فباليأس تسلو عنك لا بالتجلد!
وكل خليل زارني فهو قائل: ... من أجلك هذا هامة اليوم أو غد!
و تقدم أن بن عبد الملك تمثل به على قبر جاريته حبابة لما ماتت: وقال أبو جعفر المنصور العباسي، وله قصة ستأتي في اللام:
إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة: ... فإن فساد الرأي إن يترددا
ولا تمهل الأعداء يوما بقدرة ... وحاذرهم أن يملكوا مثلها غدا!
و سبب ذلك أن جارية له أهدت إليه تفاحة بعد إن طيبتها، وكتبت عليها:
هدية مني إلى المهدي ... تفاحة تقطف من خدي
محمرة مصفرة طيبت ... كأنها من جنة الخلد!
وقال عروة بن أذينة، رضي الله عنه:
إذا وجدت أوار الحب في كبدي ... أقبلت نحو سقاء القوم ابترد

(1/259)


هبني بردت ببرد الماء ظاهرة ... فمن لنار على الأحشاء تتقد؟
وقال الإمام الشافعي، رضي الله عنه، فيما زعموا:
خذوا بدمي ذلك الغزال فانه ... رماني بسهمي مقلتيه على عمد
ولا تقتلوه أنني أنا عبيده ... وفي مذهبي لا يقتل الحر بالعبد!
وقال القاضي عبد الوهاب بن نصر المالكي، رحمه الله:
ونائمة قبلتها فتنبهت ... وقالت: تعالوا فاطلبوا اللص بالحد!
فقلت لها: إني لثمتك غاضبا ... وما حكموا في غاضب بسوى الرد
خذيها وكفي لي عن إثم ظلامتي ... وإن أنت لم ترضي فألفا من العد
فقالت: قصاص يشهد العقل إنه ... على كبد الجاني ألذ من الشهد
فباتت يميني وهي هيمان خصرها ... وباتت يساري وهي واسطة العقد
وقالت: ألم أخبر بأنك زاهد؟ ... فقلت: بلى ما زلت أزهد في الزهد
وقال مسكين الدارمي:
قل للملحة في الخمار الأسود: ... ماذا فعلت بزاهد متعبد؟
قد كان شمر للصلاة إزاره ... حتى قعدت له بباب المسجد
ردي عليه صلاته وصيامه ... لا تفتنيه بحق جاه محمد!
و زعموا إنه كان مشتهرا بالمجون، فنسك ولزم المسجد، وصار من العباد. فورد بعض تجار العراق على المدينة، على سكانها الصلاة والسلام، بسلة فيها خمر مختلفة الألوان. فباعها جميعا إلا الأسود من الخمر. فتحير في أمرها وجاء نحو المسجد وسلأل عن من به من أهل الخير. فدل على مسكن الدارمي المذكور. فجاء وشكا إليه أمره وسأله الدعاء بتيسير بيع اللون فدفعها له وقال له: غن بها حيثما أمكنك فإنها لى! فذهب يغني بها في سكك المدينة فظن الناس إنه ترك التنسك وعاد إلى المجون ولامه أصحابه في ذلك فقال: ولتعلمن نبأه بعد حين! وشاع في المدينه أن الدارمي تعشق صاحبة الخمار الأسود فبيعت بذلك خمر التاجر وعاد الدارمي إلى نسكه.
وهو القائل:
وسميت مسكينا وما بي حاجة ... وإني لمسكين إلى الله راغب
وإني امرؤ لا اسأل الناس ما لهم ... بشعر ولا تعيي على المكاسب
و ينسب إلى القاضي التنوخي في معارضة أبيات الخمار المذكورة:
قل للمليحة في الخمار المذهب: ... أفسدت نسك أخي التقي المترهب
نور الخمار ونور خدك تحته ... عجبا لوجهك كيف لم يتلهب!
وجمعت بين المذهبين فلم يكن ... للحسن عن نهجيهما من مذهب
و إذا أتت عين اتسرق نظرة ... قال الشعاع لها اذهبي لا تذهبي!
وقال الفرزدق:
وخير الشعر أشرفه رجالا ... وشر الشعر ما قال العبيد
و سبب قوله ذلك إنه اجتمع مع نصيب الشاعر الأسدي في مجلس سليمان بن عبد المكل فقال الفرزدق شعرا يفخر فيه بأبيه ومنه:
وركب كأن الريح تطلب عندهم ... لهاترة من جذبها بالعصائب
سروا يخبطون الريح وهي تلفهم ... إلى شعب الأكوار ذات الحقائب
إذا آنسوا نارا يقولون ليتها ... وقد خصرت أيديهم نار غالب!
فأعرض سليمان كالمغضب ففطن له نصيب فقال له: أيأذن أمير المؤمنين أن أقول؟ قال: قل! فقال نصيب:
أقول لركب صادرين لقيتهم ... قفا ذات أوشال ومولاك قارب
قفوا خبروني عن سليمان إنني ... لمعروفه من أهل ودان طالب
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
وقالوا: تركناه وفي كل ليلة ... يطوف به من طالب العرف راغب
فلو كان فوق الناس حي فعاله ... كفعلك أو في الفضل منك يقارب
لقلنا له شبه ولكن تعذرت ... سواك على المستشفعين المطالب
هو البدر والناس الكواكب حوله ... وهل تسبه البدر المنير الكواكب
فطرب سليمان وأمر لنصيب بعسرة آلاف. ثم التفت إلى الفرزدق فقال: كيف ترى يا أبا فراس؟ فقال: هو أشعر أهل جلدته. فقال سليمان: وأهل جلدتك! فغضب الفرزدق وقال:
وخير الشعر أشرفه رجالا ... وشر الشعر ما قال العبيد!
و عن دعبل قال: نودي بالنفير فخرجت مع الناس فإذا فتى يجر رمحه بين يدي فقال: يا دعبل اسمع مني! وأنشد:
أنا في أمري رشاد ... بين حب وجهاد
بدني يغزو عدوي ... والهوى يغزو فؤادي!

(1/260)


ثم قال: كيف ترى؟ قلت: جيد والله! فقال: ما خرجت إلا هاربا من الحب! ثم قاتل حتى قتل.
وقالت فاطمة بنت عبد الملك بن مروان تخاطب زوجها عمر بن عمر بن عبد العزيز حيث اشتغل بأمور الخلافة ولم يتفرغ لها:
ألا يا أيها الملك الذي قد ... سبى عقلي وهام به فؤادي
أراك وسعت كل الناس عدلا ... وجرت علي من بين العباد
وأعطيت الرعية كل فضل ... وما أعطيتني غير السهاد
وقال الآخر:
نحن قوم تذيبنا الأعين النجل ... على أننا نذيب الحديدا
نقتل الأسد ثم تقتلنا البيض ... المصروفات أوجها وخدودا
وتراني لدى الكريمة أحرارا ... وفي السلم للحسان عبيدا
و زعموا أن العلوي قائل هذا الشعر حاصر قلعة حتى كاد يقتحمها. وكانت فيها امرأة ذات حسن وجمال فقالت لأهلها: أنا أكفيكم أمره! فتبرقعت وخرجت نحو العسكر وقالت: أبلغوني إلى الأمير! فأبلغوها إليه فقالت: أنت القائل:
نحن قوم تذيبنا الأعين
فقال: نعم! فنزعت البرقع عن وجهها وقالت: أحسنا ترى أم قبيحا؟ فقال: والله ما أرى إلا حسنا! فقالت: ما حق المولى على عبده؟ فقال: السمع والطاعة. فقالت: فأرحل عنا وانصرف راشدا قال: نعم: وأمر بالرحيل. فقال له أهل العسكر:إن المدينة بأيدينا. فقال: لا سبيل إلى الإقامة ساعة واحدة. ثم خطب تلك المرأة وتزوجها، فكانت عنده أحظى نسائه.
وقال الآخر في الثقلاء:
إلمام كل ثقيل قد أضر بنا ... نروم نقصهم والشيء يزداد
ومن يخف علينا لا يلم بنا ... وللثقيل على الساعات ترداد
وقال الآخر:
إذا هز الكريم يزيد خيرا ... وإن هو اللئيم فلا يزيد
و روي أن أعرابيا وقف على مروان بن الحكم، وهو يفرض العطاء بالمدينة، فقال له: أفرض لي! فقال: قد طوي الكتاب! فقال له الأعرابي: أما علمت إني القائل: إذا هز الكريم؟ فقال: نشدتك الله، وأنت القائل له؟ قال: نعم! فقال مروان: افرضوا عليه ما يرضيه! وقال الآخر:
لا يوجد الخير إلا في معادنه ... والشر حيث طلبت الشر موجود
و يحكى عن جعفر بن يحيى إنه في بعض أسفاره عرض عليه مماليك رجل جفاه السلطان، وفيهم غلام جميل. قال: فقلت له: ما اسمك؟ قال: ماهر. قلت وما صنعتك؟ قال: الأدب والشعر والغناء، وما شئت من بعد. فسألت عن ثمنه فقيل خمسمائة دينار على الضرورة. فوزنت ثمنه وسألته إن يسمعني شيئا من غنائه. فأخذ العود واندفع يغني:
حملتم جبال الحب فوقي وإنني ... لأعجز عن حمل القميص وأضعف
ظفرتم بكتمان اللسان فمن لكم ... بكتمان عين دمعها الدهر يذرف؟
فأطربني غناؤه وشجاني، فأجرته وخلعت عليه، وأمرته بمعادلتي. فلما أجزت منزل مولاه بمقدار ميل أنشأ يقول:
وما كنت أخشى معبدا أن يبيعني ... بشيء ولو أضحت أنامله صفرا
أخوهم ومولاهم وحامل سيرهم ... ومن قد ثوى فيهم وعاشرهم دهرا
أشوق ولما يمض لي غير ساعة ... فكيف إذا سار المطي بنا شهرا؟
فقلت له: يا غلام، أتعرف منزل مولاك من هنا؟ فقال: وهل تخفى معالم الحب؟ فقالت: أذهب فأنت حر لوجه الله! ووهبت له ألف دينار. فقال لي زميلي: أمثل هذا يعتق؟ فقلت له ويحك! وهل مثله يملك؟ فأنطلق وهو يقول:
لا يوجد الخير إلا في معادنه
وقال محمد بن عبد الملك الزيات:
وأي امرئ سمى بها قط نفسه ... ففارقها حتى يغيب في اللحد؟
وكان سبب ذلك أن إبراهيم بن المهدي اقترض من التجار أموالا كثيرة ببغداد. فيها لعبد الملك الزيات عشرة آلاف دينار. فلما لم يتم لها أمر الخلافة لوى التجار أموالهم. فصنع محمد أبن عبد الملك قصيدة يخاطب المأمون، وهذا صغير، منها:
تذكر أمير المؤمنين قيامة ... بإيمائه في الهزل منه وفي الجد
ووالله ما من توبة نزعت به ... إليك ولا ميل إليك ولا ود
ومن صك تسليم الخلافة سمعه ... ينادي به بين السماطين عن بعد؟
وأي امرئ سمى بها قط نفسه
وعرضها على إبراهيم وقال له: إما أنصفت أبي، وإما أنشدتها المأمون! فأذى إلى أبيه ماله دون سائر التجار، واستحلفه على كتمانها، فحلف له، وهذا من فوائد الشعر. وقال أبن الرومي يمدح النرجس:

(1/261)


للنرجس الفضل المبين وإن أبى ... آب وحاد عن طريقة حائد
وللنرجس احتاز الملاحة كلها ... وله فضائل جمة وفوائد
ومنها:
شتان بين اصنين: هذا موعد ... بتسلب الدنيا وهذا واعد!
و سيأتي تتمة هذا الشعر وما عورض به وما قيل في ذلك، إن شاء الله.
وقال الآخر:
وتحت البراقع مقلوبها ... تدب على ورد خد ندي
وقال الآخر:
إذا أنت وليت الخؤون أمانة ... فأنك قد أسندتها شر مسند!
وقال الآخر يصف الكتب:
لنا جلساء لا يمل حديثهم ... ألباء مأمونون غيبا ومشهدا
ويفيدوننا من علمهم علم من مضى ... وعقلا وتأديبا ورأيا مسددا
فلا فتنة تخشى ولا سوء عشرة ... ولا تتقي منهم لسانا ولا يدا
فإن قلت: أموات فلست بكاذب ... وإن قلت: أحياء فلست مفندا!
وقال الآخر:
علي لأخواني رقيب من الصفا ... تبيد الليالي وهو ليس يبيد
يذكرنيهم في مغيب ومشهد ... فسيان منهم غائب وشهيد
وإني لأستحيي أخي أن أبره ... قريبا وأن أجفوه وهو بعيد
وقال الآخر:
رأيت صلاح المرء يصلح حاله ... ويعيدهم داء الفساد إذا فسد
ويعظم في الدنيا بفضل صلاحه ... ويحفظ بعد الموت في الأهل والولد
وقال الآخر:
أرى صاحب النسوان يسحب أنها ... سواء، وبون بينهن بعيد
فمنهن جنات تفيء ظلالها ... ومنهن نيران لهن وقود !
و قريب من هذا قول الأعرابي:
وإن من النسوان من هي روضة ... تهيج الرياض دونها وتصوح
غيره:
وكل أخس عند الهواينا ملاطف ... ولكنما الأخوان عند الشداد!
غيره:
ما خطب من حرم الإرادة وادعا ... مثل الذي حر الإرادة جاهدا
غيره:
ولقد أصرف الفؤاد عن الشيء ... حياء وحبة في السواد
غيره:
عود لسانك قول الصدق تحظ به ... إن اللسان لما عودت معتاد
موكل بتقاضي ما سننت له ... في الخير والشر فأنظر كيف ترتاد!
وقال أبو الفتح البستي:
تكلم وسدد ما استطعت فإنما ... كلامك حي والسكوت جماد!
فإن لم تجد قولا سديدا تقوله ... فصمتك عن غير السداد سداد
وقال أبن الرومي. وقد سمع رجلا يثني عن آخر مبالغا:
إذا ما وصفت أمرءا لامرئ ... فلا تغل في وصفه وأقصد
فإنك إن تغل تغل، الظنون ... فيه إلى الآمد الأبعد
غيره:
ألم تر أن الدهر من سوء فعله ... يكدر ما أعطى ويسلب ما أسدى
فمن سره ألا يرى ما يسوءه ... فلا يتخذ شيئا يخاف له فقدا
غيره:
إنما الدنيا هبات ... وعوار مستردة
شدة بعد رخاء ... ورخاء بعد شدة
غيره:
لو إن ما انتم فيه يدوم لكم ... ظننت ما أنا فيه دائما أبدا!
لكنني عالم إني وأنكم ... سنستجد خلاف الحالتين غدا
غيره:
صل من دنا وتناس من بعدا ... لا تكرهن على الهوى أحدا
قد أكثرت حواء إذ ولدت ... إذا جفا ولد فخذ ولدا!
غيره:
إذا اجتمع الناس في واحدس ... وخالقهم في الرضى واحد
فقد دل إجماعهم دونه ... على عقله أنه فاسد
غيره:
وإخوان اتخذتهم درعا ... فكانوا ولكن للأعادي
وخلتهم سهاما صائبات ... فكانوها ولكن في فؤادي
وقالوا: قد صفت منا قلوب ... لقد صدقوا ولكن من ودادي
وقالوا: قد سعينا لك سعي ... لقد صدقوا ولكن في فسادي!
وقال أبو محمد الحريري:
ولما تعامى الدهر وهو أبو الورى ... عن الرشد في أنحائه ومقاصده
تعامت حتى قيل إني أخو عمى ... ولا غرو أن يحذو الفتى حذو والده!
و له: والشبل في البخر مثل الأسد وله أيضا:
من ضامه أو ضاره دهره ... فليقصد القاضي في صعده
سماحه أزرى بمن قبله ... وعدله أتعب من بعده
و له أيضا:
خذها إليك وصية ... لم يوصها قبلي أحد
غراء حاوية خلاصات ... المعاني والزبد
نقحتها تنقيح من ... محض النصيحة واجتهد
واعمل بما مثلته ... عمل اللبيب أخي الرشد
حتى يقول الناس هذا ... الشبل من ذاك الأسد

(1/262)


وقال أبن الساعاتي:
حددت بجفنيها على رشف ريقها ... ومن شرب الصهباء يلزم بالحد
وقال شرف الدين الحموي:
ونحن معاشر نأبى الدنيا ... ونلبس من صوان العرض بردا
نعانق من رماح الخط بانا ... وننشق من سيوف الهند وردا
وقال المتلمس:
إن الهمان حمار الذل يألفه ... والحر ينكره والفيل والأسد
ولا يقيم بدار الذل يألفها ... إلا الأذلان: عير الحي والوتد
هذا على الخسف مربوط برمته ... وذا يشج فلا يرثي له أحد
وقال أبن قلاقس:
إن مقام المرء في بيته ... مثل مقام الميت في لحده
فواصل الرحلة نحو الغنى ... فالسيف لا يقطع في غمده
والنار لا يحرق مشبوبها ... إلا إذا ما طار عن زنده
غيره:
قد تعففت وارتضيت بترفيع ... زماني وقلت إني وحدي
لا لأني أنفت مع ذا من الكد ... ية أين الكرام حتى أكدي
وقال أبو دلف:
أطيب الطيبات قتل الأعادي ... واختيالي على متون الجياد
ورسول يأتي بوعد حبيب ... وحبيب يأتي بلا ميعادي
و سببه أنه قد قيل لأعرابي: ما أمتع لذات الدنيا؟ فقال: بيضاء رعبوبة بالشحم مكروبة بالمسك مشبوبة. وسئل الأعشى فقال: صهباء صافية يمزجها ساقية من صوب غادية. وسئل طرفة عن ذلك فقال: مركب وطي وثوب بهي وطعام شهي. قال بعضهم: فحدثت بذلك أبا دلف فقال: أطيب الطيبات . . البيتين وقال: وحدثت بذلك حميدا الطوسي فقال:
فلولا ثلاث هن من عيشة الفتى ... وجدك لم أحفل متى قام عودي
فمنهن سبق العاذلات بشربة ... كميت متى ما تعل بالماء تزبد
وكري إذا نادى المضاف مجنبا ... كسيد الغضى نبهته المتورد
وتقصير يوم الدجن والدجن معجب ... ببهكنة تحت الطرف النعمد
قال: وحدثت بذلك الزبير بن عبد الله فقال: ما أدري ما أقول ولكني أقول:
فاقبل من الدهر ما أتاك به ... من قر عينا بعيشه نفعه
قلت: والأبيات الأربعة التي أنشدها حميد ليست له وإنما تمثل بها وهي لطرفة بن العبد من قصيدته الدالية المشهورة؛و كذا البيت الذي أنشده الزبير هو لشاعر قديم وسيأتي ذكره مع غيره في موضعه. وشيع طرفة في ذكر الثلاث جماعة من الفضلاء. فمن ذلك قول عز الدين بن هبة الله المعتزلي معارضا:
لولا ثلاث لم أخف صرعتي ... ليست كما قال فتى العبد
أن أنصر التوحيد والعدل في ... كل مكان باذلا جهدي
وأن أناجي الله مستمتعا ... بخلوة أحلى من الشهد
وإن أتيه الدهر كبرا على ... لئيم " بياض " الخد
لذلك أهوى لا فتاة ولا ... خمرا ولا ذا ميعة نهد
و قول الآخر:
لولا ثلاث هن والله من ... أكبر آمالي في الدنيا
حج لبيت الله أرجو به ... أن يقبل التوبة والسعيا
والعلم تحصيلا ونشرا لما ... رويت أو سعت الورى ريا
وأهل ود أسأل الله أن ... يمتع بالبقيا إلى اللقيا
ما كنت أخشى الموت أني أتى ... بل لم أكن التذ بالمحيا
وقال اثير الدين:
أما إنه لولا ثلاث أحبها ... تمنيت أني لا أعد من الأحيا
فمنهن صوني النفس عن كل جاهل ... لئيم فلا أمشي إلى بابه مشيا
ومنها رجائي أن أفوز بتوبة ... تكفر لي ذنبا وتنجح لي سعيا
أتترك نصا للرسول وتقتدي ... بشخص لقد بدلت بالرشد الغيا؟
و قول الصفدي:
لولا ثلاث هن أقصى المنى ... لم أهب الموت الذي يردي
تكميل ذاتي بالعلوم التي ... تنفعني أن صرت في لحدي
والعي في رد الحقوق التي ... أصاحبي نلت بها قصدي
وأن أرى الأعداء في صرعة ... لقيتها في جمعهم وحدي
فبعدها اليوم الذي حم لي ... عندي استوى في القرب والبعد
و قولي أنا من هذا الباب:
لولا ثلاث فوائد ترجى لما ... أحببت تنفيس الحياة إلى مدا
قرب من المولى وعلم نافع ... وأج يؤازرني ويشفع لي غدا

(1/263)


و ذكر الجاحظ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنشده رجل قول طرفة المذكور فقال: لولا أن أسير في سبيل الله وأضع جبهتي لله وأجالس أقواما ينتقون أطايب الحديث كما ينتقون أطايب الثمار لم أبال أن أكون قد مت. قال: عامر بن عبد الله القيسي: ما آسى من العراق إلا على ثلاث: على ظمأ الهواجر وتجاوب المؤذنين وإخوان لي منهم الأسود بن كلثوم. وقال إعرابي:
لولا ثلاث هن عيش الدهر: ... الماء والنوم وأم عمرو
لما خشيت من مضيق القبر وقال الآخر:
صنت نفسي عما يليق بمثلي ... وتحصنت بالجفاء الشديد
ما يساوي قضاء حق الموالي ... ما يقاس من سوء خلق العبيد
وقال البحتري:
ولست ترى شوك القتادة خائفا ... سموم الرياح الآخذات من الرند
ولا كلب محوما وإن طال عمره ... ألا إنما الحمى على الأسد الورد
غيره:
لقد كسدت سوق الفضائل كلها ... وللهزل أحظى في الزمان من الجد
فلست أرى إلا كريما يفر من ... لئيم وحرا يشتكي الضيم من عبد
غيره:
وما زال هذا الدهر يلحن في الورى: ... فيرفع مجرورا ويخفض مبتدا
وقال أبن سناء الملك:
أبى الدهر إلا ضد ما أنا طالب ... فيا ليت مني مكن الله ضده
يعد الفتى إخوانه لزمانه ... وأعدا له من خوفه من أعده
غيره:
تحفظ من ثيابك ثم صنها ... ة إلا سوف تلبسها حدادا
وميز عن زمانك كل حين ... ونافر أهله تسد العبادا
وضن بسائر الأجناس خيرا ... وأما جنس آدم فالبعادا
أرادوني بجمعهم فردوا ... على الأعقاب قد نكصوا فرادى
وعادوا بعد ذا إخوان صدق ... كبعض عقارب رجعوا جدادا
وقال الأرجواني:
أرى بين أيامي وشعري قد بدا ... لتعجيل أتلافى خلافا يجدد
فقد أصبحت سودا وشعري أبيضا ... وعهدي بها بيضا وشعري اسود
وقال بعض أهل المجون:
تعشقته شيخا كأن مشيبه ... على وجنتيه ياسمين على ورد
أخا العقل يدري ما يراد من النهى ... أمنت عليه من رقيب ومن ضد
غيره:
لام العواذل إذ عشقت فتى له ... سبعون عاما غير عام واحد
لا تعذلوني في هواه فإنني ... عاينت فيه لمحة من والدي
قيل لبعض أهل المجون: لم لا تميل الذي النسوان؟ قال: أذكر أمي فاستحي. فقيل له: لم لا تذكر بالذكور أباك؟ وعكس هذا الشاعر ذلك المعنى. ومن هذا النمط قول بهاء الدين بن النحاس:
قالوا: حبيبك قد تبدى شيبه ... فإلام قلبك في هواه يهيم؟
قال: اقصروا فالآن تم جماله ... وبدا سفاه فتى عليه يلزم
الصبح عرته وشعر عذراه ... ليل ونبت الشيب فيه نجوم
و قول أبن الوكيل وهو لطيف لولا عيب القافية:
شب وجدي بشائب ... من سنا البدر أوجه
كلما شاب ينحني ... بيض الله وجهه
وقال الصفدي:
عشقت شيخا بديع حسن ... لام على حبه العذول
كأن ياقوت وجنتيه ... لا شيب فيها جبال لولو
أي لؤلؤ. وقال الآخر:
شمس الضحى يعشى العيون ضياؤها ... إلا إذا روقت بعين واحدة
فلذاك تاه العور واحتقروا الورى ... فاعرف قضيتهم وخذها فائدة
نقصان جارحة أعانت أختها ... فكأنها قويت بعين زائدة
وقال أبو نواس:
إني وما جمعت من صفد ... وحويت من سبد ومن لبد
همم تصرفت الخطوب بها ... فنزعت من بلد إلى بلد
يا ويح مذ حسمت قناعته ... سبب المطامع عن غد فغد
لو لم يكن لله متهما ... لم يمس محتاجا إلى أحد
وقال محمد بن كنانة الأسدي:
ومن عجب الدنيا تيقنك البلا ... وأنك فيها للبقاء مريد
إذا اعتادت النفس الرضاع من الهوى ... فإن فطام النفس عنه شديد
وقال الإمام البوصيري رحمه الله تعالى يمدح الشيخ أبا العباس المرسي رحمه الله تعالى ونفع به:
قل للذين تكلفوا زي التقى ... وتخيروا للدرس ألف مجلد:
لا تحسبوا كحل الجفون بحيلة ... إن المهى لم تكتحل بالاثمد!

(1/264)


الكحل بفتحتين أن يعلو منابت الأشفار سواد خلقة أو أن تسود مواضع الكحل. يقال: كحلت بالكسر فهي حكلاء وهو أكحل. وهذا مثل قول الآخر: ليس التكحل في العينين كالكحل وسيأتي. وقال الآخر:
وكنا كزوج من قطا في مفازة ... لدى خفض عيش معجب مونق رغد
أصابها ريب الزمان فأفردا ... ولم نر شيئا قط أوحش من فرد
حكي عن أبي الموءل قال: دخلت منزل نخاس في شراء جارية فسمعت في بيت بإزاء البيت الذي فيه صوت جارية وهي تقول: وكنا كزوج . . " البيتين " فقلت للنخاس: اعرض علي هذه المنشدة! فقال: إنها شعثة مرهاء حزينة. فقلت: ولم ذاك؟ قال: اشتريتها من ميراث فهي باكية على مولاها. ثم لم ألبث أن أنشدت:
وكنا كغصني بانة وسط روضة ... نشم جنى الرضات في عيشة رغد
فأفرد هذا الغصن من ذاك قاطع ... فيا فردة باتت تحن إلى فرد
قال أبو السموءل: فكتبت إلى عبد الله بن طاهر أخبره بخبرها فكتب إلي أن ألق هذا البيت عليها فإن أجابت فاشتريها ولو بخراج خراسان! والبيت هو:
قريب صد بعيد وصل ... جعلته منه لي ملاذا
قال: فألقيته فقالت في سرعة:
فعاتبوه فذاب شوقا ... ومات عشقا فكان ماذا؟
قال: فاشتريتها وحملتها إليه فماتت في الطريق فكانت إحدى الحسرات.
وقال عمرو بن معدي كرب:
أريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد
و هذا مثل مشهور كان علي كرم الله وجهه فيما يروون يتمثل به عندما يرى ابن ملجم. وتمثل به غيره أيضا كما في حرف الهمزة. والعذير: العاذر والحال التي تحاولها لتعذر عليها. والعرب يقولون: عذريك من فلان وينصبونه بعامل لا يظهر. والمعنى: هلم من يعذرك من فلان فيلومه ولا يلومك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : من يعذرني من أناس أبنو أهلي في حديث الافك. وقال زيد الخيل:
أمرتحل قومي المشارق غدوة ... وأترك في بيت بفردة منجد؟
إلا رب يوم لو مرضت لعادني ... عوائد من لم يبر منهن يجهد
فليت اللواتي عدنني لم يعدنني ... وليت اللواتي غبن عني شهدي!
وقال أعرابي:
إذا وجدت أوار الحب في كبدي ... أقبلت نحو سقاء القوم أبترد
هبني بردت ببرد الماء ظاهره ... فمن لنار على الأحشاء تتقد
وقال الآخر:
ما لعيني كحلت بالسهاد ... ولجنبي نائيا عن وسادي؟
لا أذوق النوم إلا غرارا ... مثل حسو الطير ماء التماد
ابتغي إصلاح سعدى بجهد ... وهي تسعى جهدها في فسادي
فتتاركنا على غير شيء ... ربما أفسد طول التمادي
وقال المعتد بن عباد في باب الغزل:
أباح لطيفي طيفها الخد والنهدا ... فعض به تفاحة واجتنى وردا
ولو قدرت زارت على حال يقظة ... ولكن حجاب البين ما بيننا مدا
أما وجدت عنا الشجون معرسا ... ولا وجدت منا خطوب النوى بدا؟
سقى الله صوب القطر أم عبيدة ... كما قد سقت قلبي على حرة بردا
هي الظبي جيدا والغزالة مقلة ... وروض الربا عرفا وغصن النقى قدا
وقال الرئيس أبو مروان بن رزين:
وروض كساه الطل وشيا مجددا ... فأضحى مقيما للنفس ومقعدا
إذا صافحته الريح خلت غصونه ... رواقص في خضر من العشب ميدا
إذا ما انسكب الماء عاينت خلته ... وقد كسرته راحة الريح مبردا
وإن سكنت عنه حسبت صفاءه ... حساما صقيلا صافي المتن جردا
وغنت به ورق الحمائم بيننا ... غناء ينسيك الغريض ومعبدا
فلا تجفون الدهر ما دام مستعدا ... ومد إلى ما قد حباك به يدا
وخذها مداما من غزال كأنه ... إذا ما سقى بدر يحمل فرقدا
وقال أبو بكر بن عمار من قصيدة:
وما هذه الأشعار إلا مجامر ... تضوع فيها للنوى قطع الند
وقال أيضا:
تبرعت بالمعروف قبل سؤاله ... وعدت بما أوليت والعود أحمد
وقال أبو الحسن بن الحاج اللورقي يتغزل في معذر:
وقد كان ينبت زهر الرياض ... فأصبح ينبت شوك القتاد
أين لي متى كان بدر التمام ... يدرك بالكون أو بالفساد
وهل كنت في الملك من عبد شمس ... فأخفى عليك ظهور السواد؟

(1/265)


وقال أبو محمد بن عبد البر في مجذوم:
مات من كنا نراه أبدا ... سالم العقل سقيم الجسد
بحر سقم ماج في أعضائه ... فرمي في جلده بالزبد
كان مثل السيف إلا أنه ... حسد الدهر عليه فصدي
وقال أبو بكر بن الملح:
والروض يبعث بالنسيم كأنما ... أهداه يضرب لاصطباحك موعدا
سكران من ماء النعيم فكلما ... غناه طائره وأطرب رددا
يأوي إلى زهر كأن عيونه ... رقباء تعقد للأحبة مرصدا
زهر يبوح به اخضرار ذباته ... كالزهر أسرجها الظلام وأوقدا
ويبيت في فنن توهم ظله ... بالصبح في عين القرارة مرودا
قد خف موقعه عليه وربما ... مسح النسيم بعطفه فتأودا
وقال الفقيه أبو الحسن بن زنباع:
ومن يطفي بنزر الماء نارا ... فليس يزيدها إلا اتقادا
وقال أبو جعفر التطيلي:
تنافس الناس في الدنيا وقد علموا ... أن سوف تقتلهم لذاتها بددا
تبادروها وقد آذتهم فشلا ... وكلثروها وقد أحصتهم عددا
قل للمحدث عن لقمان اة لبد ... لم يترك الموت لقمانا ولا لبدا
ولا الذي همه البنيان يرفعه ... إن الردى لم يغادر في الشرى اسدا
ما لابن آدم لا تفنى مطالبه ... يرجو غدا وعسى إلا يعيش غدا؟
وقال الآخر:
باح مجنون عامر بهواه ... وكتمت الهوى فمت بوجدي
فإذا كان في القيامة نودي: ... من قتيل الهوى؟ تقدمت وحدي!
وقال الآخر:
يقولون: إن الحب كالنار في الحشى ... لقد كذبوا فالنار تذكو وتخمد
وما هو إلا جذوة مس عودها ... تسعر قلبا للمشوق وتوقد!
وقال الآخر:
أمسك ملامك عني إنني كمد ... إذ لم تجد في الهوى يوما كما أجد
إن لم تصدق دموعي في الذي شهدت ... فأنظر إلى جسدي إن كان لي جسد
يا ويح أهل الهوى إني لأرحمهم ... تبلى الجسوم وأثواب الهوى جدد
لولا ترحمهم أيقنت انهم ... يشقون دهرهم أضعاف ما سعدوا!
وقال الآخر:
كفى حزنا إني مقيم بلذة ... وأحباب قلبي نازحون بعيد
أقلب طرفي في الديار فلا أرى ... وجوها لأحبابي الذين أريد!
و قد قلت في غرض الباب قصيدة، فرأيت إن أثبتها هنا، وإن كان فيها بعض ول، وهي:
أبى الدهر إلا أن يجوز على القصد ... وأن يعكس الآمال في كل ما يبدي
ويبسط بين الفرقدين يد النوى ... ويدني الثريا من سهيل على بعد
ويسمو بالوهد الحضيض على الذرى ... ويسفل بالطود السمي على الوهد
ويستبدل البردي في الطعن بالقنا ... وغصن النفى الأملود بالصارم الهندي
وأن يجعل العقبان في الجو طعمة ... لورقاء والضبعان مفترس الأسد
ويهدي بالضب القطاة ركية ... على العشر والسمع النتائف بالخلد
ويرفع أقدار اللئام على الألى ... لهم فدم في المجد والشرف العد
ويلوي تدبير الورى كل مائق ... وفضل الغنى كل امرئ شكس نكد
أجل إنها الأحداث تجري مدارة ... مقاليدها في قبضة الصمد الفرد!
مقادير منه أبرمت عن مشيئة ... قديما وعن علم محيط وعن قصد
وعدل وأحكام مبين وحكمة ... تحار النهي في نيل فياضها المد
وليست بما تهوى النفوس صروفها ... ولا حذر المحتال في صرفها يجدي
ولا يحرم الوفر الفتى بجهالة ... وعجز ولا يحظى بعقل ولا كد
ولكنها الأرزاق أعددن للفتى ... قديما على قدر الشقاوة والجد
فكائن رأينا من حليم مفتر ... عليه وغمر بات في عيشة رغد
أراني عروفا بالزمان فمن يكن ... كمثلي لم يصبح على الدهر ذا نقد
ولم يبتئس إن مسه بمضوفة ... ولم يزه بالدنيا إذا فاز بالوجد
وقد قرعتني الحادثات فلم تلن ... قناتي لغمز من شابها ولا لهد
وما رسنني حتى نزعن عن امرئ ... بعيد الهوى ثبت الحشا حازم جلد
إذا ظفرت كفاه لو يزه فاخرا ... وإن نيل لم يضرع ولم يمس ذا وجد
فأصبحت لا آسى على فقد هالك ... ولا يعتريني بين غانية رأد
ولا أبتغي امرئ عن تكلف ... وإن كان حسن العهد ديني لذي ود

(1/266)


ولو ملني من الدهر معصمي ... لفارقته طوعا ولم يشكه عضدي
ورب غبي يزدريني إن رأى ... شحوبي من حادث آونة لد
ولم يدر أن الأجرد النهد فضله ... بإحضاره لا باللجام ولا اللبد
وأن الحسام الهندواني إنما ... بمضربه يعتام لا جده الغمد
وأن وراء الوهم لن يبق عزة ... عليه إذا ما قاده أصغر الولد
الوهم: الجمل العظيم الذلول، ورواؤه: منظره.
وإن برا الهدهد التاج وهو لم ... يفز بالذي للباز والنسر من مجد
وإن بهار الدفل كالورد منظرا ... وحسنا وبعد الخبر محمدة الورد
وغمر جهول يرتجي نيل منصبي ... رجاء حضيض أن سيرقي إلى النجد
يصبو إلى ما نلته مثل ما صبا ... حصور إلى ما نيل من عذر الخرد
ويسعى إلى إدراك شأوي كما سعت ... أتان خريع خلف صافنة جرد
وغرته مني لينة وبشاشة ... كما غر غمرا كشرة الأسد الورد
ومن مد للبدر المنير يمينه ... ليمسكه فيلبسن ضيعة المد!
وذي ثروة يستأمني بلعاعة ... ليقتادني قود الوديق إلى الورد
ولم يدر إني أجتوي الأري شابه ... هوان وأستحلي بعز جنى الهبد
وأن لست للباغي ضيما بمصحب ... ولا باذل ماء وجهي على شكد
وإني لو أرتاد ما ضاق مذهبي ... بحول ولم يصلد لمفلقة زندي
ولكن صون النفس عن كل مورد ... تهان به أحظى بعزته عندي
وإني لفضاض السجايا دميثها ... لالفي ونشاب إذا شئت اللغد
وأن لساني الصبر ما لم أزمه ... وإن كان أحلى للودود من الشهد
وإني لو هاجيت دان أبن غالب ... لأمري ولم يعرض لسيلي فتى العبد
ولو ثلاث هن أجررن مقولي ... عن الشر وائتمت به جدد الجد:
فمنها تحاشى أن يمر به الخنا ... فإن الخنا من شيمة الدانيء الهد
ومنها تجافي أن أناصب معشرا ... لئاما فمن لؤم مناصبة الوغد
ومنها التحامي عن وعيد التي إلى ... مداها جميع العالمين على وخد
وما المرء إلا حيث حل برحله ... فكن نازلا بالنفس في يفع الحمد
وكن رابئا عن كل ورد دنية ... بنفسك تغشاه مع الشرع الورد
وحم بجانب الورد إن كنت صاديا ... فإن تسرب فلتوله صفحة الصد
كما أعرضت كدر عن الماء عندما ... توجسن ذعرا فانثنين على جهد
ولا تك كالعير الوديق يؤمه ... فيحلأ عنه بالهراوى وباللكد!
فإن حايض العز تغشى سخينة ... وإن حايض الذل تقلى على برد
وما ضيم غير الفقع يوطأ بمنسم ... على قرقر من غير نكر ولا رد
وغير تريك بيضة بلدية ... وغير أتان الحي تعصى أو الود
وكن حافظا بالغيب والسخط والرضى ... لعهد مصافيك الهوى دائم الود!
ألم بنا إلمامة بعد هداة ... من الليل طيف من أميمة أو هند
سرى ورواق من دجى الليل منطب ... بما لو سرته الريح ضلت من البعد
فلم أر مثل الطيف جواب لاحب ... بلا سائق يحدو ولا سابق يهدي
ولا والجا لا يغلق الباب دونه ... ولا يتلقى منه بسرور ولا سد
وأمن من لحظ الرقيب وريبه ... إذا زار ونه الرقيب على رصد!
فهيج أشجانا من القلب وانثنى بلا طائل منها عتيد ولا وعد
بأسرع من لحظ الجفون إذا رنا ... إليك وبالبرق والوميض من الرعد
فيا ليت شعري والحوادث جمة ... وعهد الغواني كالسراب على صلد!
أقامت على ما بيننا من صبابة ... أميمة أم غيت مودتها بعدي؟
فخال من الأخدان كل مساعد ... على أي حال خضته صادق العهد
حليم غضيض الطرف عما يربيه ... سليم الحشا من هاجس الضغن والحقد!
فإن وداد المرء كالظل زائل ... إذا لم يكن بين الجوانح عن عقد
وإن حبال الوصل منقوضة العرى ... إذا لم تكن في القلب محكمة المسد
وإن بناء شدته وأشتده ... لواه إذا لم يرس عن ثابت العمد
وإن ركيا ردته ووردته ... لغور إذا لم يزك من باطن المد
فهل تستوي عادية بخميلة ... بها الماء عد دائم بحسى ثمد؟

(1/267)


وإن أليف المرء إلف مشاكل ... وأحسن شيء ضمك الند للند
ولا تطمعن من غير شكل مودة ... تودم ويجني الود فيها على الود!
فإن السجايا في الأنام سوية ... وشتى وبدع صحبة الضد للضد
وانك ما أبصرت أسدا أليفة ... لحمر وغربانا تحن إلى العفد
وما المرء إلا أبن الثرى فمراحه ... وإن عاش أزمانا إلى ذلك المهد
وعمر الفتى المضمار بينا جواده ... يباري مداه إذ هوى في هوى اللحد
وبينا الفتى يزهو بمال وأسرة ... إذا هو يشجى بالرزايا وبالفقد
إذا ما سمعت الدهر عولة حائر ... فكن حائر فكن راصد أمثالها إنها تعدي
و قلت أيضا:
أستغفر الله قد ضيعت نحوكم ... خطا وذلك من أخطائي السددا
سلكت فيها خبارا بل وطئت بها ... شوك القتاد ولم أسلك بها جددا
لو كنت أعلم ما ألقى ببابكم ... جعلت تصفيد رجلي دونكم صفدا
وقال الآخر:
إن وصفوني فناحل الجسد ... أو فتشوني فأبيض الكبد
أضعف وجدي وزاد في سقمي ... أنا لست أشكو الهوى إلى أحد
أه من الحب أه من كبدي ... إن لم أمت في غد فبعد غد
جعلت كفي على فؤادي من ... حر الهوى وانطويت فوق يدي
كأن قلبي إذا ذكرتكم ... فريسة بين ساعدي أسد!
وقال الآخر:
تغرب أمري فانفردت بغربة ... فصرت فريدا في البرية أوحدا
تسرمد وقتي فكيف فهو مسرمد ... وأفنيت عني فصرت مجددا
وقال الآخر:
لو كنت املك طرفي ما نظرت به ... من بعد فرقتكم يوما إلى أحد
ولست أعتده من بعدكم نظرا ... لأنه نظر من ناظري رمد
وقال الآخر:
تزود من الدنيا النقاخ ولن ترى ... بوادي الغضا ماء نقاخا ولا وردا
ونل من نسيم ألبان والرند نفحة ... وهيهات واد ينبت ألبان والرندا!
وكرر إلى تجد بطرفك أنه ... متى تغد لا تنظر عقيقا ولا نجدا!
وقال الآخر:
أكلف القلب أن يهوى وألزمه ... صبرا وذلك جمع بين أضداد
وأكتم الركب أوطاري وأسأله ... حاجات نفسي لقد أتعبت روادي
هل مخبر عنده من منكر خبر ... وكيف يعلم حال الرائح الغادي؟
فإن رويت أحاديث الذين مضوا ... فعن نسيم الصبا والبرق إسنادي
وقال الآخر:
زعموا أن من تباعد يسلو ... ولقد زادني التباعد وجدا
إن وجدي بكم وإن طال عهدي ... وجد يعقوب حين فارق عهدا
خليلي إن الجزع أضحى ترابه ... من الطيب كافورا وأغصانه رندا
وأصبح ماء البحر خمرا وأصبحت ... حجارة درا وأوراقه وردا
وما ذاك إلا إن مشت بجانبه ... أميمة أو جرت بتربته بردا
و هذا الشعر يتمثل به السادات في انخراق العوائد واستحالة الأشياء ببركة من جاورها ومسها أو استدعاها من الصالحين.
وذكر صاحب التشوف رحمه الله تعالى عن بعض الناس قال: كنت أتوضأ في البحر على قرب من الشيخ أبي عبد الله الصنهاجي، المعروف بابن أمغار. قال: وكان أبو عبد الله شرع في الوضوء من البحر، فتطعمت ماء البحر فوجدته حلوا، فقلت له: يا أبا عبد الله، إن ماء هذا البحر حلو! فقال لي: هو كما قلت! وقال بعض الناس: كنت بالحرم الشريف مكة، فخرجت وقت السحر لأشرب من زمزم، فوجدت شيخا قد أخذ الدلو فشرب وأفضل، فوجدت الماء أحلى من العسل والسكر. فلما كان الغد، خرجت في ذلك الوقت أيضا إلى زمزم، فوجدت صاحبي. فلما شرب، أخذت الفضلة، فتعلقت به وقلت: سألتك بالله إلا أخبرتني من أنت! قال: أنا سفيان الثوري، واستر علي!

(1/268)


وحدث صاحب التشوف أيضا عن بعضهم قال: مررت بالشيخ أبي موسى الدكالي السلاوي المشهور، وهو يأكل عسلوجا من عسالج الكلخ. فناولنيه فأكلته فوجدته طيبا. وعن أبي الحسن الأنصاري، المعروف بابن الصائغ، قال: زرت الشيخ أبا يعزى، فلما كان غروب الشمس خرجت للضوء مع جماعة، فبعدنا عن القرية، فحال الأسد بيننا وبين القرية. فقيل للشيخ أبي عز: حال الأسد بين أصحابك وبين القرية. فأخذ الشيخ عصاه بيده وجعل يضرب الأسد، ففر أمامه وقربنا منه، فجعل يأكل عيون الدفلى، فقال لترجمانه: قل لأبي الحسن: ما تقولون انتم معشر الفقهاء فيمن يأكل الدفلى؟ فقلت له: قل له: يقولون: من أكل الدفلى طرد الأسد! فأعلمه الترجمان بقولي، فرأيته يبتسم.
ومن هذا ما حدثني به بعض الثقات، وإن بساحل حاحة، عند ضريح الشيخ أبي العباس أحمد الهشتوكي، المعروف بالسائح، تلميذ الشيخ سيدي سعيد بن عبد المنعم المناني. قال: حدثني فلان وكان أصحاب أبي العباس قال: جئت مع أبي العباس عند هبوطه إلى هذا الساحل، فأتينا على مصلى الشيخ محمد بن سليمان الجزولي، وكان مصلاه معروفا هناك بشاطئ البحر يزار. قال: فأقمنا في المصلى يومين أوقال ثلاثة. واحسبه قال - قال: لا نطعم شيئا حتى أحسست بجوع شديد. فقال لي أبو العباس: قم إلى الضرو فخذ لنا من أوراقه! والضرو شجر معروف أوراقه أمر شيء. قال فقمت إلى الشجرة منها، فملأت حجري من الورق، وجئت به إليه فطرحته أمامه وأحسبه قال - قال: فحركه، فعاد زبيبا ولوز. قال: فأكلنا حتى اكتفينا. فلما قمنا من ذلك الموضع ومررنا على قرب من موضع الشجرة، تركت الشيخ حتى أدبر، فانسللت منه وأتيت الشجرة، فاقتطفت قبضة من أوراقها وجعلتها في فمي ومضغتها، فوجدتها أمر شيء، فمججتها، واتبعت الشيخ فأدركته يتوضأ في شعب هنالك. فلما رآني جعل يبتسم وقال لي: أفعلت كيت وكيت؟ قلت نعم! فقال لي ما معناه: أفتحسب أن لا اله إلا الله في أفواه الرجل سواء؟ وقد وقع مثل هذا لإبراهيم بن أدهم. وحكايات الصالحين في نحو هذا لا تنحصر، وإنما أردنا أن نتبرك ببعض ذلك، نفعنا الله بمحبتهم وحشرنا في زمرتهم! وهذا القدر يكفي، والله تعالى يقول الحق وهو يهدي السبيل.
باب الذال المعجمة
الذئب يغبط بذي بطنه.
الذئب معروف، مهموز، ويترك همزه تخفيفا؛ والأنثى ذيبة. والغبطة: المسرة، وتكون للحسد تارة، وهو أن يتمنى إن يعطى ما للغير من النعمة مع زوالها عن الغير وهو مذموم، وتارة لا مع محبة زوالها عن الغير وهو المحمود. والغبطة بهذا المعنى خلاف الحسد. ويقال: غبطة يغبطه كضربة يضربه، وغبطة يغبطه كسمعة يسمعة؛ غبطة. والبطن معروف وذو البطن: صاحب البطن، وهو ما فيه.
ومعنى المثل إن الذئب يضن به أبدا الشبع والبطنة لما يروى من عدوه على الناس والمواشي، ولا يظن به الجوع، وإن كان مجهودا من الجوع. فيضرب للرجل يتهم بالمال ولا مال له.
ومثل هذا قول الشاعر:
ومن يسكن البحرين يعظم طحاله ... و يغبط بما في بطنه وهو جائع
و نحو هذا في أمثال العامة قولهم: من رأى الجمل الأبيض ظنه كله شحما.
ذياب في ثياب.
الثياب جمع ثوب. وهذا المثل مشهور في ذم الناس وانهم كالذياب مكرا وخداعا وإن كانوا في الصورة خلافها.
وروي إنه لما ولد عبد الله بن الزبير، رضي الله عنهن نظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال: هو، هو! فلما سمعت بذلك أمه أسماء، رضي الله عنها، أمسكت عن إرضاعه. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: أرضعيه ولو بماء عينيك، كبش بين ذياب، وذياب عليها ثياب، ليمنعن البيت أو ليقتلن دونه! انتهى. وفي حديث آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذم علماء السوء إنه أوحى الله تعالى إلى بعض الأنبياء: قل للذين يتفقهون لغير العمل، ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة يلبسون الكباش وقلوبهم كقلوب الذياب، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، إياي يخدعون، وبي يستهزئون، لأتيحن لهم فتنة تدع الحليم فيهم حيران. انتهى.
قال الشاعر:
وأنت كجرو الذيب ليس بآلف ... أبى الذيب إلا إن يخون ويظلما!
الذيب يكنى أبا جعدة.

(1/269)


الذيب مر، والكنية والكنوة بضم الكاف وكسرها فيهما: الاسم. وكنيت الرجل أبا فلان، وكنيته بالتضعيف، وأكنيته، كنيته بالكسر والضم سميته به. وكنيته بابي فلان أيضا. وأبو جعدة: كنية الذيب. ويقال: أبو جعادة أيضا. قال الشاعر:
فقالت له: يا أبا جعادة إن تمت ... تمت سيئ الأخلاق لا تتنقل
و كني الذيب أبا جعدة، وإن لم تكن له بنت تسمى بذلك. ومن ثم قال الكميت يصفه:
ومستطعم يكنى بغير بناته ... جعلت له حظا من الزاد أوفرا
و الجعدة يكون وصفا للمؤنث، من الجعودة في الشعر، ضد البسوطة، والمذكر جعد. والجعد أيضا الثرى الندي. وقول امرئ القيس:
ويأكلن بهمى جعدة حبشية ... و يشربن برد الماء في السبرات
أراد به الندية، أي بهمى ندية حبشية، أي شديدة الخضرة تضرب إلى السواد. ورجل جعد: كريم أو بخيل. وجعد اليدين: بخيل. والجعدة أيضا نبت ينبت على شاطئ الأنهار، وهو المراد في المثل. ويقال إنه نبت طيب الريح، ينبت في الربيع ويجف سريعا. والجعدة أيضا: الشاة. فقيل كني الذئب بها لكثرة افتراسه إياها، وقيل: كني أبا جعدة لأنه بخيل يقال له الجعد كما مر. وانشدوا: أخشى أبا جعد وأم العمر يعني الذيب. وقيل من النبت السابق.
ومعنى المثل أن الذيب كنيته حسنة وفعله خبيث منكر. يضرب للرجل يظهر لك إكراما وهو يريد بك غائلة.
ويروى هذا المثل أيضا: هي الخمر تكنى الطلاء كما الذيب بكنى أبا جعدة.
ويحكى إنه لعبيد بن الأبرص لما هم المنذر بن ماء السماء بقتله قال له عبيد: وقالوا:
هي الخمر تكنى الطلا ... كما الذيب يكنى أبا جعدة
ويروى:
هي الخمر يكنوها بالطلا ... كما الذيب يكنى أبا جعدة
أي إنه يظهر لي الإكرام وهو يريد قتلي، كما إن الخمر وإن سموها الطلاء وحسنوا أسمها ففعلها قبيح. وكذا الذئب وإن كان اسمه حسنا فإن فعله قبيح. ويحكى عن أبن الزبير سئل عن المتعة فقال: الذيب يكنى أبا جعدة. والمعنى أن المتعة حسنة الاسم قبيحة المعنى، لأنها طلاق، كما أن الذئب حسن الاسم قبيح المعنى.
ذكرتني الطعن وكنت ناسيا.
الذكر والتذاكر: الحفظ للشيء، وذكره وتذكره إياه بالتضعيف، وأذكرته. وما زال مني على ذكر بالضم والكسر أي تذكر. والطعن: الضرب بالرمح أو نحوه، والوخز به، طعنه بالفتح يطعنه بالفتح والضم طعنا: ضربه، فهو مطعون وطعين، والنسيان ضد الحفظ، نسي الأمر بالكسر ينساه، نسيا ونسيانا ونساوة بكسر الثلاثة ونسوة بالفتح: ضد حفظه؟ وهذا المثل يضرب في ذكر الشيء بغيره، وفي الرجل يسمع كلمة فيتذكر بها شيئا. وأصله فيما يقال إن رجلا حمل على آخر ليقتله، وكان مع المحمول عليه الرمح، فنسيه دهشا، فقال له الحامل: ألق الرمح! فقال عند ذاك: ذكرتني الطعن وكنت ناسيا أي ذكرتني ما اطعن به: أو ذكرتني الطعن بتذكير الرمح الذي أطعن به فذهبت مثلا. ثم كر عليه فهزمه.
ويقال إن الحامل في هذا القصة هو صخر لن عمرو بن الشريد، والمحمول عليه هو يزيد أبن الصعق. وقد ذكر ذلك أبو عبيد، إلا إنه قال: فكر عليه فقتله أو هزمه على الشك فوهمه البكري بما ثبت من أن صخرا إنما مات بطعنة ربيعة بن ثور الأسدي. وسيأتي لنا ذكر قصته، إن شاء الله تعالى.
ويروى أيضا إن رهيم بن حزم الهلالي عرج بأهله وماله يريد النقلة في بلاد من أرض إلى أرض. فبينما هو يسير إذ لقيه ثلاثون رجلا من تغلب، فقال لهم: يا بني تغلب، شأنكم بالمال وخلوا الظعينة! فقالوا: قد رضينا إن ألقيت الرمح! فقال: وإن لرمحي لمعي! فقتل رجلا وصرع آخر وقال ذلك.
ذكر ما فات يكدر الأوقات.
وهذا مثل مصنوع فيما أظن، وهو ظاهر المعنى، وقريب من قولهم: ذكر أيام الجفاء في أيام الصفاء جفاء.
مذكية تقاس بالجذاع.
المذكي من الخيل: المسن الذي جاوز القراح بعام، كما مر في الجيم. والجذاع جمع جذعة وهو الصغير السن، والقياس: اعتبار الشيء بالشيء وإلحاقه به في أمر. وهذا المثل يضرب عند الخطأ في التشبيه وقياس الكبير بالصغير. واشتهر في هذا المعنى على ألسنه الناس قولهم:
قياس البيض على الباذنجان.

(1/270)


وزعموا إن أصله رجلا كان ساق إلى آخر باذنجانا أو نحوه، فوجد مسكنه مغلقا ولم يجد صاحبه هناك، فلم يمكنه إن يدخل إلى المسكن ما أتى به. فلما جاء صاحبه قال له: إذا جئت بشيء من ذلك فأرمه من الخوخة إلى البيت قم إنه يوما اتفق لهذا أن جاء ببيض فرماه من الخوخة، عملا بوصية صاحبه وظن إن البيض والباذنجان سوء. فوقع البيض وانكسر وفسد، وذهب ذلك مثلا.
أذكى من إياس.
الذكاء سرعة الفطنة: يقال ذكي الرجل يذكى كرضي يرضى، وذكى يذكى كسعى يسعى، وذكو يذكو ككرم يكرم ذكاء بالمد فهو ذكي.و إياس بوزن كتاب هو إياس بن معاوية بن قرة، قاضي البصرة. كان أعجوبة الزمان في الذكاء وسرعة الجواب. ومن ثم قال أبو تمام.
إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس
ولذكاء إياس وفراسته وفطنته أخبار عجيبة وحكايات غريبة. ومن أول ما كان يعرف به من ذكائه إنه دخل الشام وهو صغير ونازع رجلا في أمر وقدمه إلى القاضي عبد الملك بن مروان، وكان القاضي يعرف الرجل فقال لإياس: أما تستحي إن تقود شيخا كبيرا؟ فقال: الحق اكبر منه! قال القاضي: اسكت! قال إياس: فمن يتكلم بحجتي إذا سكت؟ فقال له القاضي ما أظنك تتكلم بحق حتى تقوم. قال إياس: أشهد أن لا إله إلا الله وإن محمد رسول الله! فوثب القاضي قائما ودخل على عبد الملك فأخبره خبره. فقال له عبد الملك أقض حاجته! وأصرفه عن الشام لا يفسد علينا الناس! ثم ولي القضاء في خلافة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وكان سبب ذلك إن عمر بعث رجلا من أهل الشام فقال له: اجمع بين القاسم وربيعة وإياس، فول القضاء أيهما انفذ! فجمع بينهما وتمنع كل منهما. فقال إياس للشامي وعن القاسم فقيهي المصر:الحسن وأبن سيرين! فعلم القاسم إنه إن سألهما أشارا به. فقال للشامي: لا تسل! فوالله الذي لا إله إلا هو إن إياس لأفضل مني وأعلم بالقضاء. فإن كنت ممن يصدق فينبغي لك إن تصدق قولي، وإن كنت كاذبا فما يحل لك أن توليني القضاء وأنا كاذب! فقال إياس للشامي: إنك جئت رجل فأقمته على شفير جهنم، فافتدى نفسه من النار بيمين كاذب سيستغفر الله غز وجل منها وينجو من النار. فقال الشامي: أما إذ فطنت لها فأنا أوليك القضاء. فاستقضاه. وكان إياس قيل له: إن فيك عيبين: إعجابا بقولك وعجلة في الجواب. فقال: أما الإعجاب، أليس يعجبكم ما أقول؟ قالوا: بلى! قال: فأنا أحق بالإعجاب بقولي، وأما العجلة، فكم هذه؟ وأمد أصابع يده فقالوا: خمس قال: عجلتم الجواب ولم تعدوها إصبعا، إصبعا. قالوا: وكيف نعد ما نعلم؟ قال: كذلك أنا في الحكم! وسيأتي شيء من أخباره وفراسته بعد، إن شاء الله تعالى.
ذليل عاذ بقرملة.
الذل ضد العز، ذل الرجل يذل فهو ذليل، والعياذ: الالتجاء، ويقول: عاذ به يعوذ بذال معجمة عوذا وعياذا ومعاذا ومعاذة. والقرملة شجرة ضعيفة لا شوك لها، تنفتح إذا وطئت، والجمع قرمل. قال الشاعر:
قتيلان لا تبكي المخاض عليهما: ... إذا شبعت من قرمل وأفان
و هذا المثل يضرب في الضعيف يلتجئ إلى أضعف منه أو مثله، والذليل يأوى إلى أذل منه. قال جرير:
كان الفرزدق إذ يعوذ بخاله ... مثل الذليل يعوذ تحت القرمل
و يقال أيضا في المثل:
ضعيف عاد بقرملة.
ومثله قول العامة: أستند المريض إلى المريض.
أذل من بيضة البلد.
الذل مر، والبيضة معروفة واحدة البيض؛ والبلد بفتحتين أدحي النعام، وهو حفرة يتخذها في الأرض لبيضه. قال علقمة يصف الظليم:
حتى توافى وقرن الشمس مرتفع ... أدحي عريسين في البيض مركوم
و بيضة البلد يقال بيضته التي يتركها فيه، ضرب بها المثل في الذلة لأنها لا تمتنع من كل من ظفر بها، كما قيل: فقع القرقر، على ما يأتي. قال الشاعر:
لو كنت من أحد يهجى هجوتكم ... يا بن الرقاع ولكن لست من أحد
تأبى قضاعة أن تدري لكم نسبا ... و ابنا نزار فأنتم بيضة البلد
و جوز أبو عبيدة في قولهم: كان فلان بيضة البلد أن يراد به المدح على ما قيل في بيضة القعر، كما سيأتي. وزعم البكري إنه قد ضرب هذا ثلا للمنفرد عن أهله وأسرته، فلا يكون مدحا ولا ذما، وانشده:
لو كان حوض حمار ما شربت به ... إلا بأذن حمار أخر الأبد

(1/271)


لكنه حوض من أودى بأخوته ... ريب الزمان فأضحى بيضة البلد!
و فيه نظر: لأن الشاعر يخبر بأنه قد هان وذل بذهاب اخوته وأنصاره، لا بمجرد فقد الأنصار وإنه منفرد.
أذل من حمار.
الحمار معروف، وهو يوصف بالذلة والهوان، كما يوصف بالجهل والبلادة. قال الشاعر:
ولا يقيم على الضيم يراد به ... إلا الأذلان: عير الحي والوتد
هذا على الخسف مربوط برمته ... و ذا يشج فلا يرثي له أحد
و الخسف: الهوان، كما قيل:
حراجيح ما تنفك إلا مناخة ... على النفس أو نرمي بها بلدا قفرا
و الزمة: القطعة من الحبل. وقوله في الوتد، يشج أي يضرب على رأسه، فلا يرثي له أحد، أي لا يرق له أحد ولا يحمه، ومثله قول عبد الرحمان بن حسان بن ثابت الأنصاري يهاجي عبد الرحمن بن الحكم بن العاصي الأموي:
فأما قولك: الخلفاء منا ... فهم منعوا وريدك من وداج
ولولاهم لكنت كركب بحر ... هوى في مظلم الغمرات داج
وكنت أذل من وتد بقاع ... يشج رأسه بالفهر واج
و لما وقع هذا بينهم كتب معاوية، رضي الله عنه، إلى مروان بن الحكم إن يؤد بهما، وكانا قد تقاذفا. فضرب عبد الرحمن بن حسان ثمانين، وضرب أخاه عشرين. فقيل لعبد الرحمن بن حسان: قد أمكنك في مروان ما تريد، فشنع أمره وارفعه إلى معاوية! فقال: إذا، والله، لا أفعل، وقد حدني كما يحد الرجال الأحرار، وجعل أخاه كنصف عبد، فأوجعه بهذا الكلام.
أذل من حمار قبان.
ويقال: عير قبان دويبة صغيرة من دواب الأرض؛ وقبان بفتح القاف والباء المشددة، على وزن فعلان، من قب، وكأنه من القبب وهو ضمور البطن. قال الشاعر:
يمشين مشي قطا البطاح تأود ... قب البطون رواجح الأكفال
و ذلك لضمور بطنه. والدليل على إنه فعلان منع الصرف فيه. قال الشاعر:
يا عجبا لقد رأيت عجبا: ... حمار قبان يسوق أرنبا
خالطها يمنعها أن تذهبا ... فقال: أردفيني! قالت: مرحبا!
و لو كان فعلا لصرفه إلا أن يلاحظ فيه تركيبا.
أذل من السقبان بين الحلائب.
السقبان بالضم جمع سقب بفتح فسكون، وهو ولد الناقة مطلقا أو ساعة يولد. قال علقمة:
رغا فوقهم سقب السماء فداحص ... بشكته لم يستلب وسليب
أراد أبن ناقة ثمود والأنثى سقبة. وقيل: السقب مخصوص بالذكر ولا يقال للأنثى سقبة وإنما يقال لها حائل وأمها أم حائل كما مر. وجمع السقب: أسقب وسقوب وسقاب وسقبان. وناقة مسقاب إذا كانت عادتها أن تلد السقبان. قال الراجز: غراء مسقاب لفحل أسقب.
والحلائب جمع حلوبة والحلوبة من النوق المحلبة. قال الشاعر يرثي رجلا:
يبيت الندى يا أم عمرو ضجيعه ... إذا لم يكن في المنقيات حلوب
و جمع الحلوب والحلوبة الحلائب. وضربوا المثل بالسقبان بين الحلائب أي بين النوق التي تحلب لأنها تقبض وتردد وتدفع وتشدد فينالها الهوان والصغار.
أذل من فراش.
الفراش بفتح الفاء وتقدم في حرف الخاء.
أذل من فقع بقرقرة.
الفقع بفتح فسكون الكمأة البضاء الرخوة وتكسر الفاء. وجمع الكل فقعة كعنبة قاله الجوهري. والقرقرة والقرقر:الأرض المطمئنة اللينة فيقال للذليل أذل من فقع بقرقرة وهو فقع بقرقرلأنه لا يتمنع على من يجتنبه أو لأنه يوطأ بارجل الناس والبهائم ويمتهن. وينسب للنابغة بهجو النعمان بن المنذر:
حدثوني بني الشقيقة ما ... يمنع فقعا بقرقر أن يزولا؟
وقال بعض العرب لقوم: ما أنتم إلى ريف فتأكلوه، ولا إلى فلاة فتعصموه ولا إلى وزر فينجيكم! فأنتم نهزة لمن رامكم ولعقة لمن قصدكم وغرض لمن رماكم كالفقعة الشرباخ يشدخها الواطئ ويذريها السافي. الشراخ الفاسدة المسترخية.
ذهبوا أيادي سبأ.

(1/272)


الذهاب معروف يقال: ذهب بالفتح يذهب ذهابا والأيادي جمع أيد والأيدي جمع يد وهو بمعنى الجارحة وبمعنى النعمة وبمعنى الطريق. وسبأ قيل أبو قبائل اليمن وهو لقب وأسمه عبد شمس بن يشجب بن يعرب وسمي سبأ قيل لأنه أول من سبى السبي. وقيل سبأ اسم أمهم وتسمى البلدة سبأ باسم سكانها وكانت أخصب بلاد الله كما الله تعالى: )جنتان عن يمين وشمال(. قيل: وكانت مسافة شهر في شهر للراكب المجد يسير الماشي في الجنان من أولها إلى آخرها لا يفارقه الظل، مع تدفق الماء وصفاء الهواء واتساع الفضاء. فمكثوا مدة في أمن لا يعاني ملك إلا قصموه. وكانت في بدء الأمر تركبها السيول فجمع ملك حمير أهل مملكته وشاورهم فاتخذوا سدا في بدء جريان الماء ورصفوه بالحجارة والحديد وجعلوا فيه مخارق للماء. فإذا جاءت السيول انقسمت على وجه يعمهم نفعه في الجنات والمزروعات. ويقال بانيه لقمان بن عاد ووقع في شعر الأعشى أن حميرا هو بناه حيث قال:
رخام بنته لهم حمير ... إذا جاء ماؤها لم يرم
فلما كفرو نعم الله تعالى ورأوا ملكهم لا يبيده شيء وعبدوا الشمس سلط الله على سدهم فأرة فخرقته وأرسل عليهم السيل فمزقهم الله كل ممزق وأباد خضراءهم كما قال في القرآن.
فحكي أنه لما انتهى الملك إلى عمرو بن عامر المعروف بمزيقياء وسمي بذلك لأنه كان يلبس حلة حتى إذا أمسى مزقها أنفة من أن تعاد عليه أو يلبسها غيره أو لأنه مزق الأزد في البلاد. وكان أخوه عمران كاهنا فأتته كاهنة وأخبرته بدنو فساد السد وفيض السيل وأنذرته فقال لها: وما آية ذلك: فقالت: إذا رأيت جرذا يكثر بيده الحفر ويقلب برجليه الصخر فاعلم أنه قد اقترب الأمر. قال: وما الأمر؟ قالت: وعد من الله ينزل فيغيرك يا عمرو! ثم إن عمرا يوما نظر في السد فرأى جرذا يقلب صخرة ما يقلبها خمسون رجلا. فرجع وهو يقول:
أبصرت أمرا هاج لي برح السقم ... من جرذ كفحل خنزير أجم
له مخاليب وأنياب قضم
فأجمع على الخروج منها. واحتال في بيع ماله وإن لا ينكر الناس عليه. فقال لابنه: إني صانع طعاما وداع إليه أهل مأرب، فأردد على كلامي إذا تكلمت! ففعل ورد عليه ابنه أقبح الرد، فتغاضب عمرو وصاح: واذلاه! يجيبني صبي! وحلف ألا يقيم ببلد فيه ضيم فيه. فجعل يبيع أمواله وقومه يقولون بعضهم لبعض: اغتنموا غضبة عمرو قبل إن يرضى! واشتروا منه. فلما باع واجتمعت له أمواله أخبرهم خبر السد والسيل، وأجمعوا على الجلاء، فقال لهم عمران: إني أصف لكم بلدانا، فاختاروا أيها شئتم، من كان منكم ذا غنم بعيد، وجمل غير شرود، فليلحق بالشرود، فليلحق بالشعب من كؤود! فلحق به همدان. ثم قال: ومن كان منكم ذا سياسة وصبر، على أزمات الدهر، فليلحق ببطن مر! فلحق به خزاعة. قال: ومن منكم يريد الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل، فليلحق بيثرب ذات النخل! فنزلها الاوس والخزرج. قال: ومن كان يريد الخمر والخمير، والأمر والتأمير، فليلحق ببصرى وسدير! وهي أرض الشام. فلحق بها غسان. قال: ومن كان منكم يريد الثياب والرقاق والخيل العتاق، والذهب والأوراق، فليلحق بالعراق فلق بها ملك بن فهم الأزدي. وتخلف مالك اليماني في قومه حتى أخرجهم السيل منها، فنزلوا نجران وانتسبوا في مذحج، ودخلت جماعة منهم على معد، فأخرجتهم معد بعد حروب، ونزلوا بجبل السراة، على تخوم الشام. فلما تفرقت قبائل سبأ هذا التفرق، وتمزقوا هذا التمزق، ضربت العرب بهم المثل فقالوا: ذهب القوم أيدي سبأ وأيادي سبأ، أي تفرقوا في كل طريق ووجهة، إما على أن اليد بمعنى الجارحة، لأنهم كانوا، إذ كانوا مجتمعين، يدا واحدة. فلما تفرقوا صارت اليد أيادي كثيرة؛ أو بمعنى النعمة، أي تفرقوا تفرق نعم سبأ، أو كائنين كنعم أهل سبأ، أو بمعنى الطريق، أي تفرقوا في كل طريق أهل سبا، حيث تمزقوا، وأيدي سبأ جعل اسما مركبا كمعدي كرب وسكنت الياء تخفيفا وإن انتصب.
ذهبوا تحت كوكب.
هذا كالذي قبله في المعنى أيضا، وهو التفرق، وألفاظه ظاهرة.
ذهب دمه أدراج الرياح.

(1/273)


الذهاب مر، وكذلك الدم، والأدراج جمع درج بفتحتين وهو الطريق تقول رجعت أدراجي أي في الطريق الذي جئت فيه. والرياح جمع ريح، قلبت الواو ياء في المفرد والجمع لانكسار ما قبلها. وهذا المثل يقال في بطلان الشيء. فإذا قيل:ذهب دمه أدراج الرياح، أريد إنه ذهب هدرا. والمعنى إنه مسالك الرياح الذاهبة أو كان في مسالكها فنسفته وأذهبته. وكذا في غير الدم.
ذهبت هيف لأديانها.
الذهاب مر، والهيف بالفتح ريح حارة تهب من نحو اليمن نكباء بين الجنوب والدبورز قال ذو الرمة: هيف اليمانية في مرها نكب وهي تيبس ما مرت به وتعطش الحيوان. الهيف أيضا شدة العطش، والأول المراد والأديان جمع دين بكسر الدال وله معان كثيرة: منها العادة، وهو المراد هنا. قال امرؤ القيس:
كدينك من أم الحويرث قبلها ... و جارتها أم الرباب بمأسل
أي كعادتك. ويروي كدابك، بمعناه. وقال الآخر:
تقول إذا درأت لها وضيني: ... أهذا دينه أبدا وديني؟
و معنى ذهبت هيف لأديانها: ذهبت لعدتها، لأنها تجفف كل شيء. فيضرب عند تفرق القوم ليس لشأنه، أو لمن يلزم عادته. وقال أبو عبيد: يضرب في نظر الرجل لنفسه وإقباله على شهوته وهواه. وقيل إنه يضرب الشيء إذا انقضى.
الذود إلى الذود ابل.
الذود بفتح الذال وسكون الواو بعدها دال مهملة، من الإبل ما بين الثلاث والعشر، مؤنث ولا واحد له، والجمع أذواد. قال النابغة:
لعمرك ما خشيت على يزيد ... من الفخر المضلل ما أتاني
كأن التاج معصوبا عليه ... لأذواد أصبن بذي أبان
وقال امرؤ القيس:
أرى المرء ذا الأذواد محرضا ... كإحراض بكر في الديار مريض
و الإبل معروف، لا واحد له، وقد تسكن الباء. قال:
ألبان إبل تعله بن مسافر ... ما دام يملكها علي حرام
و الجمع آبال.
والمعنى أن الذود وهي القليلة العدد مجموعة إلى ذود أخرى تكون إبلا. أو إلى بمعنى مع، أي الذود مع الذود. يضرب عند اجتماع القليل إلى القليل، وإنه يكون كثيرا. وتقدم مثله.
ذلك الفحل لا يقدح انفه.
ذلك: إشارة إلى البعيد، شخصا كان أو مكانا. وأصله ذوي، أو ذيي، وعلى الخلاف المعروف في علم النحو؛ والفحل من الإبل معروف، ويكون في غيرها، والجمع فحول وفحال وفحالة. قال: فحالة تطرد عن شوالها والقدع بالدال المهملة: الكف والضرب. تقول: قدعت الفرس إذا كبحته؛ وقدعتالفحل إذا ضربت أنفه بالرمح حتى يرجع وذلك إذا كان غير كريم فيريد أن يطرق الناقة الكريمة فيضرب حتى يرجع. قال الشماخ:
إذا ما استافهن ضربن منه ... مكان الرمح من أنف القدوع
يصف حمارا يستاف أتنا أي يشمهن لأن الاستياف والسوف هو الشم كما قال امرؤ القيس:
على لاحب لا يهتدي بمناره ... إذا سافه العود النباطي جرجرا
ومن ذلك سميت المسافة من الأرض لأن الدليل يشم التراب ليعرف أين هو. وقوله: وكان الرمح أي المكان الذي يصيبه الرمح من أنف القدوع. والقدوع: المقدوع وهذا البناء يكون بمعنى مفعول أو بمعنى فاعل أيضا. فمن الأول قولهم: دابة ركوب وناقة حلوب وحوار رغوث وفحل قدوع أي مركوبة ومحلوبة ومرغث ومقدوع؛ ومن الثاني قولهم: قدوع وركوب للدوابو ناقة رغوث أي قادع وراكب ومرغث. وقال الحجاج في خطبة له: أيها الناس اقدعوا هذه الأنفس فإنها أسأل شيء إذا أعطيت وأمنع شيء إذا سئلت. فرحم الله امرءا جعل لنفسه خطاما وزماما فقادها إلى طاعة الله وعطفها بزمامها عن معصية الله! فإني رأيت الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذابه.
وهذا المثل قاله ورقة بن نوفل بن خويلد لما قيل له إن محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم خطب خديجة بنت خويلد فقال ورقة: ذلك الفحل لا يقدع أنفه أي كريم يروم كريمة فلا سبيل إلى التعرض له دونها وصده عنها وهو أشرف أكفائها. ويقال إنه تمثل به فقط. ويقال: تمثل به أبو سفيان ن حرب لما خطب النبي صلى الله عليه وسلم ابنته أم حبيبة بنت أبي سفيان. فقيل له إن محمدا تزوج ابنتك وأبو سفيان يومئذ مشرك فقال ذلك؛ غير أن اللفظ المروي من كلام أبي سفيان هو: الفحل لا يقدع أنفه والله أعلم.
ومن هذا الباب قولهم:
ذهب دمه خضرا مضرا.
بكسرها وسكون الضاد المعجمة أي هدرا.

(1/274)


وقولهم:
لأذهبن فإما هلك وإما ملك.
ومعناه قول امرئ القيس:
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه ... و أيقن أنا لاحقان بقيصرا
فقلت له: لا تبك عينك إنما ... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا!
و قولك:
أذهل من صب.
والذهول: الغفلة والنسيان والصب: العاشق ذو الصبابة وهو لما به يغلب عليه ذلك.
ومما يجري على ألسنة القراء تمثلا قول الله تعالى إخبارا عن نبيه موسى عليه السلام:
ذلك ما كنا نبغ.
وينبغي أن يكون المتمثل بشيء نحو هذا أن يلاحظ فيه ما يلاحظ عند الاقتباس ليكون أحفظ للأدب وأبعد عن الإسفاف والتبذل وترك كله أحوط وأسلم.
وقوله صلى الله عليه وسلم :
ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها.
ويحكى أنه لما نصب معاوية رضي الله عنه ابنه يزيد لولاية العهد أقعده في قبة حمراء. فجعل الناس يسلمون على معاوية ويميلون إلى يزيد حتى جاء رجل ففعل ذلك. ثم رجع إلى معاوية فقال له: يا أمير المؤمنين اعلم أنك لو لم تول هذا أمر المسلمين لأضعتها. وكان الأحنف بن قيس جالسا فقال له معاوية: مالك لا تقول يا أبا بحر؟ وهي كنية الأحنف. فقال الأحنف: أخاف الله إن كذبت وأخافكم إن صدقت. فقال معاوية: جزاك الله عن الطاعة خيرا! وأمر له بألوف. فلما خرج الأحنف لقيه ذلك الرجل بالباب فقال له: يا أبا بحر إني لأعلم إن شر من خلق الله هذا وابنه ولكنهم استوثقوا من هذه الأموال بالأبواب والأقفال. فلسنا نطمع في استرجاعها إلا بما سمعت! فقال له الأحنف: يا هذا أمسك! فإن المجهين خليق أن لا يكون عند الله وجسها.
وقول عمر رضي الله عنه:
ذلك الظن بك يا أبا إسحاق!
وهو سعد بن أبي وقاص أحد العشرة رضي الله عنه لما شكاه أهل الكوفة فقال له عمر رضي الله عنه: إنهم شكوك في كل شيء حتى الصلاة! فقال: إني أفعل ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعل أركد في الأولين وأحذف في الأخيرين. فقال عمر: ذلك الظن بك! وأما الشعر، فقال ضابئ:
لكل جديد لذة غير إنني ... وجدت جديد الموت غير لذيذ!
وقال الآخر:
طلبت الجميع ففات الجميع ... فمن طول حرصك لا ذا وذا!
غيره:
ما زال جيش الحب يغزو قلبه ... حتى وهى وتقطعت أفلاذه!
وقال الصابئ:
والعمر مثل الكأس ير ... سب في أواخره القذا
و منه قول أبن النبيه:
خذ من زمانك ما أعطاك مغتبطا ... و أنت ناه لهذا الدهر آمره
فالعمر كالكأس تستحلى أوائله ... لكنه ربما مجت أواخره!
و يقال إنه لما سمع أبن التعاويذي قول الصابئ، قال:
من شبه العمر كأسا يقر ... قذاه ويرسب في أسفله
فإني رأيت القذى طافيا ... على صفحة الكأس من أوله!
و من ذلك قول الفاضل:
إليك بعد انقضاء اللهو واللعب ... عني فلم أربي ما يقتضي أربي
فالعمر كالكأس والأيام تمزجه ... و الشيب فيه موضع الحبب
أقول إذ فاض فيض فضته: ... يا وحشة لشباب ذاهب الذهب!
و قول الخالدي:
لقد فرحت بما عاينت من عدم ... خوف القبيحين من كبر ومن بطر
وربما الأعمى بحالته ... لأنه قد نجا من طيرة العور
ولست أبكي على شيء منيت به ... يبكي على الشيب من يأسى على العمر
وما بكيت زماني وهو يصعدني ... فكيف أشكره في حال منحدر؟
وقال الشيخ أبن فارض، رحمه الله:
أهوى رشا هواه للروح غذا ... ما أحسن فعله ولو كان أذى
لم أنس وقد قلت له الوصل متى ... مولاي إذا مت أسى قال إذا
وقال أبو نواس في مجونه، عفا الله عنا وعنه!
وقائل: هل تريد الحج قلت له: ... نعم إذا فنيت لذات بغداد
وكيف بالحج لي ما دمت منغمسا ... في بيت قوادة أو بيت نباذ؟
و مثله قول الآخر:
ألم ترني وبشار حججنا ... و كان الحج من خير التجارة؟
خرجنا طالبي سفر بعيد ... فمال بنا الطريق إلى زرارة
فآب الناس قد حجوا وبروا ... و أبنا موقرين من الخسارة!
و نحوه ما يحكى أن موسى بن داود الهاشمي عزم على الحج، فقال لأبي دلامة:

(1/275)


احجج معي ولك عشرة آلاف درهم! فقال له: هاتها! فدفعها إليه فقبضها وهرب إلى السواد، فجعل ينفقها هنالك في شرب الخمر. فطلبه موسى فلم يجده وخشي فوت الحج فخرج. فلما شارف القادسية إذا هو بأبي دلامة خارجا من قرية إلى أخرى سكران. فأمر به فأخذوه وقيد وطرح في محمل بين يديه. فلما سار غير بعيد اقبل على موسى وقال:
يا أيها الناس قولوا أجمعون معا: ... صلى الإله على موسى بن داود
كأن ديباجتي خديه من ذهب ... إذا بذلك في أثوابه السود
إني أعوذ بداود وأعظمه ... من أن أكلف حجا يا أبن داود
خبرت أن طريق الحج معطشة ... من الشراب وما بتصريد
والله ما في من أجر فتطلبه ... و لا الثناء على ديني بمحمود!
فقال موسى: ألقوه على المحمل، لعنه الله! فألقي به إلى قصفة بالسواد حتى أنفق المال. وقد قلت أنا قصيدة أكثرها يتعلق بالباب، فأثبت هنا، وهي:
هام الفؤاد بسعدي بعدما نزحت ... و أصبح الصبر عنها وهو مجذوذ
والعين منها سوابق الدموع على ... ميدان خد رديات مهابيذ
وأصبحت في الحشى من بينها حرق ... يصلى بها لن جراحات مغاذيذ
كأنما القلب إذ بانت ركائبها ... من الجوى صلب في النار محنوذ
وكنت قدما بها في روضة أنف ... من الوداد ثراها الدهر مرذوذ
أيام ورد المنى عذب مشاربه ... و غصن الود مهصور ومجبوذ
وإذ غفت مقل الأحداث وابتسمت ... سن المنى ولنا في الدهر تلميد
فلم يدم والغواني عهد وصلتها ... آل: من أغتر منه فهو موقوذ
لو إنها أحكمت حبل الوصال مسا ... لم يأته الصبح إلا وهو مهذوذ
وما يمنين من جدوى ومن صلة ... خضراء في الحزن مرعاها معاويذ
إن الهوى لجة سهل مشارعها ... لكن يعز بها ناج ومنقوذ
وما الفتى غير خلو عن عمايته ... ذو همة ذيله للجد مشموذ
عاط كؤوس رشاد لا كؤوس الهوى ... فالغي مطرح والرشاد مأخوذ
سام إلى كل ما يعلى مزاوله ... كما سما عن حضيض الأرض خنذيذ
فالعون مورده مر مذاقته ... و إن حلا وأجاج العز ملذوذ
وما المنى بالهوى يجرين بل بمنى ... ما أحد كل ما يرجوه مفلوذ
والدهر مخلوجة أحداثه تركت ... فكر اللبيب لديها وهو مبذوذ
دجى حوالك لا يجلو مغالقها ... إلا فطين ذكي القلب خنذيذ
وللمفكر آيات تبصره ... لا يقطع السيف إلا وهو مشحوذ
والناس في الحب أخياف وأكثرهم ... و إن بدا منهم ود ملاويذ
بور مناكيس لا يزكوا معاشرهم ... جريب يعادون عرا كلما حوذوا
فلا منوح نوالا إن هم سئلوا ... في الجهل عندهم التحقيق منبوذ
سبحان إن ليس يحز وفر الغنى حصير ... و باقل عندهم إن جد خنذيذ
فلا تثق إن هم ذموا وإن مدحوا: ... فهم عن الرشد عمي أو مماليذ
والصدق أشرف خيم أنت لابسه ... و خير ما يحتلي الصيد المشاويذ
وخير ذخر الفتى دهر قناعته ... فذاك أوثق ما عض النواجيذ
وعفة وندى يحمي مسارحه ... إن تتحاماه ألسن ملاجيذ
والمرء يمضي ويبقي بعده نبأ ... مدح يخلد أو نيل منافيذ
والموت حتم لديه الكل مرتهن ... إذا أتى الحتم لم تجد التعاويذ
و قلت أيضا:
تحل بسبط الخلق واحتمل الأذى ... من الناس إن عاشرتهم ودع البذا
وكن مغضيا عما يريبك باذلا ... نداك ولا تغلل يديك فتنبذا
فإن بني الدنيا بنو الحاج ما أجتنوا ... من العود إلا مثمرا غصنه غذا
وإني رأيت الحوض يغشى إذا صفا ... و يلقى إذا كان المشوب أو الوذا
وللنحل فضلا دون كل ذبابة ... و للمسك والكافور عم كل ذي شذا
على أن هذا الجيل آساد بيشة ... ملاذك منهم للحسام مشحذا
متى تعتلق أظفارهم كاهل أمرئ ... أصاروه رهنا للبلايا وللأذا
وإن يعلقوا قلبا أعاروه حيرة ... و إن يركبوا ظهرا تفتا أو ارتذا
فمن يستطع عنهم نوى فليجافهم ... بعاد ومن ألفى معاذا تعوذا
فإن البحار الخضر تحمى ظهورها ... زخورا وتعلوها مع الركدة الشذا

(1/276)


وتعدوا على الشاء الذياب بلا حمى ... و أكبادها من مربض الليث تهتذا
وما ذل إلا الفقع يوطأ بقرقر ... و إلا حمار الحي إن رمته خذا
وذو الهمة العلياء من ليس جاعلا ... مقادته للجاهل النذل مأخذا
ولا تارك الأقذار تعلوا ذيولته ... إليه ولا في عرضه الناس لجذا
و لنكتف بهذا المقدار. من هذا المضمار، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل!
باب الراء
أراك بشرا، ما أحار مشفر.
الرؤية: الإبصار. تقول: رأيت الشيء أراه. وأصله أرءاه، فألقيت حركة الهمزة على الراء وحذفت الهمزة. والعرب يلتزمون النقل في هذه الكلمة إلا تيم اللات. قال شاعرهم:
أري عيني ما لم ترءياه: ... كلانا عالم بالترهات
و البشر بفتحتين: الإنسان، وظاهر الجلد كالبشرة، وهو المراد. والحور. الرجوع، وأحارة: رده، وتقول: طحنت فمما أحارت شيئا، أي فما ردت شيئا من الدقيق. والمشفر بوزن منبر، ويفتح للبعير بمنزلة الشفة للإنسان.
ومعنى المثل أن رؤية الظاهر تغنيك عن رؤية الباطن. وأصله في البعير، وانك إذا رأيت بشرته وجسمه دلك ما به من سمن أو هزال، على ما احار مشفره، أي على كيفية أكله.
أريها السهى وتريني القمر!
الرؤية مرث، والسهى بالضم والقصر نجم خفي في بنات نعش الصغرى. والقمر معروف وجمع بينه وبين السهى لما بين وصفيهما من المقابلة بالتضاد، لأن القمر غاية الظهور، والسهى في غاية الخفاء. فضرب بهما المثل في الأمر الجلي والخفي.
وهذا المثل يصح لك إن تضربه من ترمز له وتشير وهو يفصح، أو في من تنحو به منحى اللطائف والدقائق وهو يتبع الظواهر، أو من تأتيه بالأمر المستغرب العزيز ويأتيك بالأمر المبتذل المطروق، ونحو ذلك، والله اعلم!
رأي الشيخ خير من مشهد الغلام.
الرأي: الاعتقاد، والجمع آراء ورئى. والشيخ والغلام معروفان. وهذا الكلام يحكي عن علي، كرم الله وجهه، وهو تفضيل للسن، في ملاقاة الخطوب، على الشباب.
وللعرب في هذا مذهبان: تارة يمتدحون بالسن والتجريب، وتارة بالشباب والقوة. فمن الأول كلام علي المذكور، وقول الشاعر وهو زهير بن مسعود:
فلم أرقه إن ينج منها، وإن يمت ... فطعنة لاغس ولا بمغمر
الغس: اللئيم والمغمر: الذي لا تجريب له ولا سن. وقول إلي الطيب:
سأطلب حقي بالقنا ومشائخ ... كأنهم من طول ما التمثوا مرد
و من ذلك قول حارثة بن سراقة الكندي، حين منعوه الزكاة أيام الردة: يمنعها شيخ بخديه شيب، لا يحذر الريب. ومن الثاني قول عامر بن الطفيل يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم: والله لأمنعنها عليك خيلا جردا ورجالا مردا! وذلك لحالتين مختلفتين: فأنهم إذا أرادوا الحزم وحسن الذي رأي والتدبير والتأني والثبات إذا اشتدت الخطوب، فالشيوخ أولى؛ وإذا أرادوا الجلادة والقوة، فالشباب أولى، مع أن كلا من الأمرين قد يوجد في كل من الطرفين: فانه كما لا خير في رأي الشباب الغمر الجاهل، لا خير في رأي الشيخ الخرف. ومن ثم قيل في الحكمة: إياك ومشاورة شاب معجب برأيه، أو كبير قد أخذ الدهر من عقله كما أخذ من جسمه! وأما قول قطري بن الفجاءة:
ولقد أراني للرمح دريئة ... من عن يميني مرة وأمامي
حتى خضبت بما تحدر من دمي ... أحناء سرجي أو عنان لجامي
ثم انصرفت وقد أصبت ولم أصب ... جذع البصيرة قارح الأقدام
فقد فسر بمعنين: أحدهما وهو الظاهر من العبارة إنه يقول: انصرفت وقد أصبت من أعدائي ما أحب من القتل والفتك والكناية، ولم أصب أنا منهم، بل انصرفت سالما وأنا جذع البصيرة، أي قويها، كامل المريرة، لم يضعف عزمي ولا هنت بنيتي بما أصاب جسمي من الجراحة، وأنا أيضا قارح الأقداح أي كامله شديده لأن القارح من الخيل الذي تناهت سنه وكملت قوته.
والثاني هي الخفي أنه يقول: أصبت من الأعداء وانصرفت عنهم وأنا لم أصب أي لم أوجد جذع البصيرة قارح الأقدام بل وجدت قارح البصيرة جذع الأقدام؛ لأن بصيرة القارح المجرب هي التي لا تضطرب ولا تستحيل وبصيرة الجذع أي الصغير لا تثبت ولا تدوم وإقدام الجذع قوي ماض لأنه لا ينثني ولا يردعه شيء.

(1/277)


واستظهار هذا التفسير الثاني الذي امتدح فيه بالسن على الأول الجلي إنه يستحيل أن يقول: انصرفت ولم أصب من أعدائي بشيء. وكيف وهو يقول قبله: حتى خصبت بما تحذر من دمي: أحناء سرجي؟ فهذا اعتراف بأنه أصيب بالجرح. فكيف ينقض كلاوه؟ وأجيب من قبل أهل المذهب الأول بأنه أراد بقوله: لم اصب لم أقتل. يقال: فلان أصيب أي قتل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في أمرئه: أميركم زيد: فإن أصيب فجعفر فإن أصيب فعبد الله بن رواحة. فقتلوا كلهم.
وقال أصحاب الرأي الثاني: كيف يحسن منه أن يقول: أقتل وهو ينشدهم الشعر والمصيبة تطلق على أعم من القتل؟ قال تعالى: )الذين أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإن إليه راجعون(.
قلت: وهذا الكلام ضعيف إذ لا مانع من أن يقول افتخارا: قتلتهم وأهلكتهم ولم يقتلوني. وأما عموم المصيبة فغير مانع من التخصيص بقرينة المقام وسياق الكلام مع أن استنكافه من يكون إقدامه قارح ورضاه بإقدام الجذع مخول فإن العرب ما زالت تفضل القارح على الجذع كما قال زهير:
يفضله إذا اجتهدا عليها ... تمام السن منه والذكاء
و لذلك قيل في المثل: مذكية تقاس بالجذاع. وقيل أيضا: جري المذكيات غلاب، ة قد تقدم في هذا الكتاب معا.
وقول زهير بن مسعود السابق: فلم أرقه إن ينج منها يريد الطعنة التي طعن.
وقبل البيت:
عشية غادرت الجليس كأنما ... على النحر منه لون برد محبر
جمعت له كفي بلدن يزينه ... سنان كمصباح الدجى المستعر
فلم أرقه " البيت " وإنما قال هذا لأن العرب كانت تزعم أن المطعون يبرأ إذا نفث عليه الطاعن ورقاه. قال عنترة:
فإن يبرأ فلم أنفث عليه ... و إن يفقد فحق له الفقد
وقال عمرو بن ثعلب الشيباني:
أتبعته طعنة مرة ... يسيل على النحر منها صبيب
فإن ينج منها فلم أرقه ... و إن قتلته فجرح رعيب
ترى الفتيان كالنخل وما يدريك ما الدخل؟
الفتيان جمع فتى. ودخل الرجل بالفتح والكسر: نيته ومذهبه من جميع أمره. وكذا دخيله ودخلله ودخيلاؤه.
ومعنى المثل أنك قد ترى الرجال حسان الظواهر والزي ولا تعرف حقيقة أمرهم وحال باطنهم. يضرب لمن له منظر حسن ولا خير عنده.

(1/278)


قيل: وأول من نطق به غنمة أو عثمة بنت مطرود البجلية وكانت امرأة عاقلة ذات رأي مسموع في قومها. وكانت لها أخت يقال لها خود ذات جمال وكمال. فقدم عليهم ذات مرة خمسة أخوة من غامد بطن من أزد يخطبون أختها خودا وهم في زي مونق لابسو الحلل اليمانية على النجائب المهرية والرحال العلافية مكسوة بالثياب العبقرية. فأنزلهم أبوها وأكرمهم. ثم غدوا عليه خاطبين معهم الشعثاء كاهنة لهم. فقال لهم مطرود: أقيموا حتى نرى رأينا. ثم دخل على بنته فقال: ما ترين؟ فقالت: أنكحني على قدري ولا تشطط في وهري: فإن تخط أحلامهم لا تخط أحسابهم. لعلي أصيب ولدا وأكثر عددا! فخرج إليهم وقال لهم: اخبروني عن أفضلكم؟ فقالت له الشعثاء: اسمع أخبرك عنهم! هم أخوة كلهم أسوة. أما الكبير فعمرو بحر غمر، سيد صقر يقصر دونه الفخر؛ وأما الذي يليه فعاصم صلد صارم أبي حازم جيشه غانم وجاره سالم؛ وأما الذي يليه فوثاب ليث غاب سريع الجواب عتيد الصواب كريم النصاب؛ وأما الذي يليه فمدرك بذول لما يملك عزوف عما يترك يغني ويهلك؛ وأما الذي يليه فجندل مقل لما يحمل يعطي ويبذل لا يخيم ولا ينكل. فأبلغها أباها ذلك فشاورت أختها غنمة فيهم فقالت: ترى الفتيان كالنخل وما يدريك ما الدخل؟ اسمعي كلمة ناصحة: إن شر الغريبة يعلن وخيرها يدفن فأنكحي في القرباء ولا تغررك أجسام الغرباء! فلم تقبل منها وأرسلت إلى أبيها: أنكحني مدركا. فأنكحها منه على مائة بعير برعاتها. فحملها مدرك فلم يلبث معها إلا قليلا حتى أغار على غامد فوارس من بني كنانة فاقتتلوا ساعة ثم انكشف زوجها وقومه فسباها بنو مالك أبن كنانة فيمن سبوا وجعلت تبكي. فقيل لها: وما يبكيك؟ أعلى فراق زوجك؟ قالت: قبحه الله! قالوا: لقد كان جميلا. قالت: قبح الله جماله لا منعة معه! إنما أبكي على عصياني أختي. وأخبرتهم خبرها. فقال رجل منهم يقال له أبو نواي وكان أسود أفوه مضطرب الخلق: أترضين بي على أن أمنعك من ذؤبان العرب؟ فقالت لأصحابه: أن كذلك هو؟ قالوا: نعم! إنه مع ما ترين ليمنع الخليلة وينقب القبيلة. قالت: هذا أجمل جمالا وأكمل كمالا قد رضيت إياه. وقال الشاعر:
ترى الفتيان كالنخل ... و ما يدريك ما الدخل؟
وكل في الهوى ليث ... و ما في نلبه فسل
وليس الشأن في الوصل ... و لكن أن يرى الفضل!
وقالت الأخرى:
وقالت قولة أخني ... و حجوا لها عقل
ترى الفتيان كالنخل ... و ما يدرك ما الدخل؟
أرى القدر، سابق الحذر
هذا المثل ظاهر المعنى وهو من كلام جذيمة الأبرش وسبق في شرح قصته مع الزباء.
أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى.
يضرب عند التردد في الأمر. وأصله أن الرجل مثلا إذا قام ليذهب إلى جهة ثم يبدو له ويتحير فتارة يريد الذهاب فيقدم وتارة لا يريد فيؤخر. وهذا ظاهر في المقصود لكن قولهم: يقدم رجلا ويؤخر أخرى يحتمل باعتبار دلالة عبارته في أصلها أربعة أمور: إحداها أن يكون المعنى أنه يقف في مكانه ويحرك إحدى رجليه: فتارة يقدمها لأرادة الذهاب وتارة يؤخرها رجوعا عن الذهاب حتى توازي أختها مكا كانت أولا. وعلى هذا فلفظ الأخرى فيه تجوز بأن يجعل الشخص الواحد متعددا حالتيه ولفظ التأخير أيضا لم يصح فيه إلا بالنسبة.
الثاني أن يكون المعنى أنه يقدم رجلا لأرادة الذهاب ثم يبدو له أن لا يذهب فيبقى واقفا على تلك الحال إحدى رجليه متقدمة والأخرى متأخرة عنها. وعلى هذا ففي لفظ التأخير تجوز إذ معناه إبقاؤها متأخرة نحو: يا أيها الذين آمنوا آمنوا على وجه.
الثالث أن يكون المعنى أنه يقدم إحدى رجليه إلى القدام ويؤخر الخرى إلى الوراء. وهذا ظاهر اللفظ ولكن لا وجه له ولا وجود من خارج.
الرابع أن يكون المعنى أنه يقدم إحدى رجليه وتبقى الأخرى متأخرة ثم يقدم هذه وتبقى الأخرى وهكذا. وهذا أيضا ظاهر من اللفظ لكن لا يصح أيضا هنا لأنه حالة الماشي لا الوقوف المتردد. فقد علمت أن في العبارة عند تفتيشها تجوزا وخفاء مع وضوح المراد.
أراك الكواكب بالنهار.
الكواكب: النجوم. وهي لا ترى عادة بالنهار لغلبة ضوء الشمس عليها فضرب المثل برؤيتها نهارا عند اشتداد الأمر وملاقاة ما لم يعتد ويضن أو غلبة الهم والحزن.

(1/279)


وأصل ذلك أن الحرب إذا اشتدت ارتفع النقع وتراكم في الجو وسد الأفق واستحدث الظلام فربما ستر ضوء الشمس إذا كانت في أحد الجانبين فتظهر النجوم من الجانب البعيد عنها.
وزعموا أن النجوم ظهرت يوم حليمة فضرب ذلك مثلا. قال طرفة بن العبد:
إن تنوله فقد تمنعه ... و تريه النجم يجري في الظهر
وقال الأعشى:
رجعت بما رمت مستحسرا ... ترى للكواكب ظهرا وميضا
و للفرزدق:
لعمري لقد سار أبن شيبة سيرة ... أرتك نجوم الليل واضحة تجري
فأصبحت قد صبحت على ظهر خالد ... شآبيب لم يرسلن من سبل القطر
و هذا المثل باق اليوم في ألسنة العوام يقولون: أراني فلان النجوم في السماء أو النجوم في النهار إذا أراه شدة ومكرا وأناله من المكروه ما لم يعهد به ذكرا.
لأرينك لمحا باصرا!
ويقال أيضا: دون ذلك لمح باصر. يضرب في التهدد والايعاد. واللمح: النظر. فقيل: المعنى نظر مفزع وقيل هو النظر بتحديق شديد. وقيل: المعنى لأرينك نظرا صادقا! وقال البكري: معنى المثل: لأرينك من أعادي لك أمرا واضحا جليا. وباصر في تأويل عيشة راضية أي مرضية وماء دافق أي مدفوق. وكذلك سر كاتم. انتهى.
وهو ظاهر لكن إذا تؤول الباصر فلا بد أن يتناول اللمح أيضا. وكأنه لذلك فسر بالأمر الجلي الواضح ولا إشكال أنه يبصر.
الرأي مع الجماعة.
هذا أيضا من كلام جذيمة في قصته السابقة كما مر وهو ظاهر.
أرى الموت في الغرائر السود.
الغرائر جمع غرارة بكسر الغين وهي الجوالق. والسود جمع سوداء.
وهذا الكلام للزباء حين رأت إبل قصير وعمرو موقرة بالرجال في الجوالق.
وتقدمت القصة مشروحة فلتراجع! وأطلقت الموت على سببه الفاعلي وهم الرجال القاتلون مجازا.
أرنيها نمرة أركها مطرة.
يقال: نمر السحاب بالكسر ينمر كفرح يفرح إذا صار أرقط على لون النمر وقولهم نمرة وصف للسحاب. وقياسه نمراء والمذكر أنمر كحمراء وأحمر كما قالوا للفرس أنمر إذا صار على لون النمر. وبكنهم جاءوا به على فعل نحو قوله تعالى: )فأخرجنا منه خضرا( أي أخضر. والمطر: ماء السحاب؛ ومطرتهم السحاب: أصابتهم بمطر؛ ويوم ممطر ومطر بوزن كتف: ذو مطر. ومعنى المثل: تكفل لي بوجود السحاب الأرقط وأنا أتكفل لك بالمطر حينئذ. يضرب لما يتيقن وقوعه إذا ظهرت مخائله ولاحت إمارته.
رب أخ لم تلده أمك!
رب حرف جار يدل على الكثرة والقلة معا أو على إحداهما فقط أو أكثر أو لا يدل على شيء منهما إلا بالقرائن خلاف شهير في النحو لا نطيل بذكره ولا بشواهده، والأخ معروف وفيه لغات معروفة.
وأصل المثل أن لقمان بن عاد رأى مع امرأة رجلا يلاعبها وتلاعبه خاليين ومعهما صبي صغير يبكي وهما مقبلان على شأنهما لا يكترثان به. فقال لها: من الرجل؟ قالت: أخي فقال حينئذ: رب أخ لم تلده أمك! تكذيبا لها في دعواها. يقال: إنه أخوك في الصداقة والمودة لا بالقرابة والنسب.
وقريب من هذه الحكاية ما حكي عن بعضهم أنه دخل عليه رجل نصراني ومعه فتى وسيم من أهل ملته فقال له: من هذا الفتى؟ فقال: بعض إخواني. فأنشد حينئذ:
دعتني أخاها أم عمرو ولم أكن ... أخاها ولم أرضع لها بلبان
دعتني أخاها بعد ما كان بيننا ... من الأمر ما لا يصنع الأخوان
وقال أيضا في معنى هذا المثل:رب بعيد أقرب من قريب. وقالوا: القريب من قرب نفعه. وقالوا: القريب من تقرب لا من تنسب. وقال حبيب:
ولقد سبرت الناس ثم خبرتهم ... وبلوت ما وصفوا من الأسباب
فإذا القرابة لا تقرب قاطعا ... و إذا المودة أقرب الأنساب
وقال أبن هرمة في نحو هذا:
هش إذا نزل الوفود ببابه ... سهل الحجاب مؤدب الخدام
فإذا رأيت شقيقه وصديقه ... لم تدر أيهما أخو الأرحام
غيره:
ذو الود مني وذو القربى بمنزلة ... و إخواني أسوة عندي لخلاني
أحبة جاورت آدابهم أدبي ... فهم وإن فرقوا في الأرض جيراني
أرواحنا في مكان واحد وغدت ... أجسامنا بعراق أو خراسان
وقال حبيب أيضا:
أو نفترق نسبا يؤلف بيننا ... أدب أقمناه مقام الوالد

(1/280)


و تقدم هذا وما يشبه وسيأتي أيضا منه إن شاء الله تعالى
رب أكلة منعت أكلات
الأكل معروف؛ والأكلة بالفتح: المرة منه وبالضم: شيء يؤكل وما يجعله الأكل في فيه.
والمعنى أن الإنسان ربما أكل شيئا فأداه إلى ترك الأكل مدة بهيضة وتخمة أو مرض مثلا. قال أبي هرمة:
وربت أكلة منعت أخاها ... بلذة ساعة أكلات دهر
وكم من طالب يسعى لشيء ... و فيه هلاكه لو كان يدري!
و يضرب في كل من اقتحم شيئا يفوت عليه بسببه ما هو أكثر منه أو أشرف كمن رضي من عرض الدنيا الفاني بما فوت عليه من الآخرة ونعيمها المقيم عياذا بالله!
رب رمية من غير رام.
الرمية فعلة من الرمي. يقال: رمى يرمي رميا ورمية ورمى السهم عن القوي وعلى القوس أيضا رميا ورمية بالكسر ولا تقل: رميت بالقوس. ورماه مراماة ورماء؛ وارتمى القوم وتراموا.
ومعنى المثل أن الغرض قد يصيبه من ليس من أهل الرماية. فيضرب عندما يتفق الشيء لمن ليس من شأنه أن يصدر منه. وقد يحذف رب فيقال: رمية من غير رام.
ويذكر أن المثل لحكيم بن عبد يغوث المنقري وكان من أرمى الناس. فحلف يوما ليعقرن الصيد حتما. فخرج بقوسه فرمى فلم يعقر شيئا فبات ليله بأسوأ حال وفعل في اليوم الثاني كذلك فلم يعقر شيئا فلما أصبح قال لقومه: ما أنتم صانعون؟ فإني قاتل اليوم نفسي إن لم أعقر مهاة! فقال له ابنه: يا أبت احملني معك أرفدك! فانطلقا فإذا هما بمهاة فرماها فأخطئها. ثم تعرضت له أخرى فقال له ابنه: يا أبت ناولني القوس! فغضب حكيم وهم أن يعلوه بها. فقال له ابنه: أحمد بحمدك فإن سهمي سهمك! فناوله القوس فرماها الابن فلم يخطئ. فقال عند ذلك حكيم:رب رمية من غير رام! وإلى هذه القصة أشار بعضهم بقوله:
رماها مطعم من غير علم ... بمس القوس لم يخطئ صلاها
وكان أبوه قد آلي عليها ... فلم يبرر أليته مهاها
و مطعم هو أبن حكيم المذكور. وقال أبن ظفر: هذا مثل عامي وأصله قولهم: مع الخواطئ سهم صائب.
رب ساع لقاعد.
الساعي: الكاسب سعى يسعى سعيا والقاعد ضده مجازا من القعود الذي لزوم الأرض. ومعنى المثل أن المرء ربما سعى في جمع المال أو إدراك الحاجة حتى إذا تهيأ ذلك رزقه بعض من لم يسعى فيه دون الساعي. فيضرب في اكتساب المرء ما لغيره من المال ونحوه.
وأول من قاله النابغة الذبياني وكان وفد على النعمان بن المنذر في وفود العرب ومنهم رجل من عبس يقال له شقيق فمات عنده. فلما حبا الوفود بعث إلى أهل شقيق مثل ما حبا به الوفود فقال النابغة:رب ساع لقاعد. وقال في يخاطب النعمان:
أبقيت للعبسي فضلا ونعمة ... و محمدة من باقيات المحامد
أنى أهله منه حباء ونعمة ... ورب امرئ يسعى لآخر قاعد
و قيل: أول من قاله معاوية وذلك أنه قال يوماص لابنه يزيد بن معاوية: هل بقى في نفسك. من الدنيا؟ قال: نعم أم خالد! وهي امرأة عبد الله بن عامر بن كريز عامل معاوية على البصرة. فأمر عمرو بن العاصي أن يكتب إليه يشير عليه بالوفادة على أمير المؤمنين معاوية لعله يعمل له في تزويج بنته هند بنت معاوية. فخف لذلك أبن عامر حتى وصل إليه فأزلفه معاوية وقربه ثم غفل عنه. فساء ذلك عبد الله واشتكى إلى عمرو بن العاصي فقال عمرو إنه كره أن يدخل بنته على ضرة فطلق أم خالد وأقام أياما. فقال معاوية: إن أهل البصرة تواترت كتبهم يذكرون اضطرابا في البلد! وأمره بالعود إلى عمله ووعده بإنفاذ ما ابتدأه فانصرف أبن عامر. فلما انقضت عدة أم خالد بعث معاوية أبا هريرة إلى المدينة يخطبها على يزيد. فلما دخل المدينة بدأ بالمسجد فصلى وألم بالقبر فسلم ودعا ثم مال إلى حلقة الحسن والحسين فسلم وقعد فسألوه فأخبرهم فقال له الحسن: اذكرني لها! فذهب حتى استأذن على أم خالد وخبرها بما بعث له وبما أوصاه به الحسن. فقالت: بأيهما تشير يا عماه؟ قال: أرددت الأمر إلي؟ قالت: نعم! قال: فأرى إلا تؤثري أحدا على من رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتح فاه ويلثم ثناياه يعني الحسن رضي الله عنه وبلغ الخبر معاوية فقال:رب ساع لقاعد واعلمي أم خالد. وكأنه شعر من مجزر الخفيف. ونحوه قول الشاعر:

(1/281)


وما الناس إلا جامع لمضيع ... و ذو تعب يسعى لآخر نائم!
رب سامع خبري لم يسمع عذري
يضرب في العذر يكون لك ولا يمكنك أن تبديه. وهو ظاهر مادة وصورة. ومثل ذلك في المعنى قول منصور النمري:
لعل له عذرا وأنت تلوم: ... و كم من ملوم وهو غير مليم
يقال ألام يليم فهو مليم إذا أتى بما يلام عليه وليم فهو ملوم إذا عتب وعذل.
رب سامع عذري لم يسمع قفوتي.
العذر بالكسر العذر كما مر في الهمزة. والقفوة: القذف. يقال: قفاه يقفوه قفوا إذا رماه بفجور. وفي الحديث: لا حدثني إلا في القفو البين قاله في الصحاح. وقفاه أيضا: رماه بقبيح. والاسم من ذلك كله قفوة بالكسر كما في المثل.
يضرب عند اعتذار المرء من شيء لم يعلم منه بعد فيكون ذلك الاعتذار تسميعا بنفسه. ويمكن أن يرد أحد المثلين إلى الآخر فيكون واحدا.
رب شد في الكرز!
الشد بالفتح: العدو وكذا الاشتداد. قال الراجز:
هذا أوان الشد ... فاشتدي زيم!
و الكرز على مثل قفل: خرج الراعي ويسمى الكبش الذي يحمله الراعي علية الكراز. قال الراجز:
يا ليت أني وسبيعا في غنم ... و الخروج منها فوق كراز أجم!
و لا يكون الكراز فيما يزعمون إلا أجم لأن الأقرن يشتغل بالنطاح عن حمله.
وذكر ابن علي القالي في النوادر أن الكرز الجوالق والأول هو المعروف.
وأصل المثل أن رجلا خرج يركض فرسا فألقت مهرا فأخذه وجعله في كرز بين يديه. فقال له رجل: لم تحمله؟ وما تصنع به؟ فقال: رب شد في الكرز! أي رب عدو وسبق واشتداد في هذا المهر الذي في الكرز كما قد كان ذلك في أمه! فذهبت مثلا يضرب في الرجل ونحوه يحتقر عندك وله مخبر تعلم به أنت. وإنما جعل الشد في الكرز على طريق الكنانة لأن ذا الشد فيه كما قال الأول:
إن السماحة والمروءة والندى ... في قبة ضربت على أبن الحشرج
و الآخر:
إن السماحة والمروءة ضمنا ... قبرا بمرؤ على الطريق الواضح
رب صلف تحت الراعدة.
الصلف: قلة النزل في الطعام وقلة الماء. يقال: سحاب صلف على مثل كتف: كثير الرعد قليل الماء؛ والراعدة: السحاب ذات الرعد.
والمعنى أن السحاب ربما رعدت ولم يكن منها خير. يضرب للبخيل مع سعة ذات اليد. وقيل للرجل يكثر الكلام والمدح لنفسه ولا خير عنده. وقيل لمن يتوعد ثم لا يقوم به وهو صالح للكل. وقد اعترض على قائل الأول بان السحاب إذا كثر فيها الماء لم يقل لها صلف.
قلت: يعني فلا يشبه بها الرجل الكثير المال لبخله. ويجاب بأن قلة الماء المسمى بالصلف إنما هو باعتبار النزول إلى الأرض. فصح تشبيه البخيل بذلك وإن مثر ماله باعتبار قلة ما يخرج من يده. وإن أريد بالصلف أن لا يكون ماء في السحابة نفسها أصلا فالمراد حينئذ التشبيه باعتبار ما فيها من أصوات الرعد والبرق فإنه مظنة السقي؛ كما أن كثرة المال مظنة النفع. وضمن هذا المثل أبن الشبل البغدادي ذا يقول:
صحة المرء للسقام طريق ... و طريق الفنا هو البقاء
بالذي نغتذي نموت ونحيى ... أقتل الداء للنفس الدواء
ما لقينا من غدر دنيا فلا كا ... نت ولا كان أخذها والعطاء
صلف تحت راعد وسحاب ... كرعت منه مومس خرقاء
راجع جودها عليها فمهما ... يهب الصبح يسترد المساء
ليت شعري حلم تمر به الأيام ... أم ليس تعقل الأشياء
من فساد يكون في عالم الكون ... فما للنفوس منها اتقاء
وقليلا ما تصحب المهجة الجسم ... ففيم الشقا وفيم العناء
قبح اله لذة لشقانا ... نالها الأمهات والآباء
نحن لولا المجود لم نألم الفقد ... فإجادها علينا بلاء
و ضمنته أنا أيضا في قصيدة يأتي في هذا الباب فقلت:
ولرب ذي رعد على صلف ... و مهدر في العنة الحجر
رب طمع يهدي إلى طبع.
الطمع: الحرص طمع فيه بالكسر طمعا وطماعا وطماعية، والطبع بفتحتين: الدنس والوسخ الشديد والشين والعيب.
والمعنى أن الطمع لا يزال بصاحبه حتى يتلطخ بكل ريب ويتلوث بكل عيب. قال: الشاعر:
لا خير في طمع يهدي إلى طبع ... و غفة من قوام العيش تكفيني

(1/282)


الغفة بضم الغين المعجمة بعدها فاء: البلغة من العيش. ويقال للفأر أيضا لأنه بلغة للسنور. وأما العفة بالعين المهملة المضمومة فهي بقية اللبن في الضرع ومعناه صحيح في البيت أيضا. وسيأتي ما في ذم الطمع والحرص مستوفي إن شاء الله تعالى.
رب عجلة تهب ريثا.
العجلة معروفة. يقال: عجل بالكسر يعجل عجلا وعجلة فهو عجل بالكسر وعجلان؛ والهبة: العطية. وهب الشيء يهبه بالفتح فيهما هبة. والريث بالمثلثة: البطء. يقال: راث ريثا. أي رب عجلة منك تعطيك ريثا وتهب لك بطئا.
والمعنى أن الرجل ربما عجل في أمر ليفعله سريعا فأداه عجله إلى البطء وذلك بسبب تضييع ما ينبغي أن يحافظ عليه فيضطر إلى العودة إليه ثانيا. وعبر بلفظ الهبة مجازا لما كان ذلك سببا لذلك.
ويقال في المثل: رب عجلة وهبت ريثا وتهب ريثا بلفظ الماضي والمضارع والمعنى واحد.
ورأيت في نسخة عتيقة من نوادر أبي علي القالي: تهب ريثا مضموم الهاء مشدد الباء بضبط القلم على إنه من الهبوب. وهو يفيد المعنى غير أن الأول أوضح في المقصد وكأن هذا تصحيف والله اعلم. وهذا المثل في ألسنة العوام اليوم موجود معناة يقولون: من عجل أبطأ.
رب قول أشد من صول.
القول معروف والصول: القهر والسطوة والاستطالة. صال عليه يصول صولا. والمعنى إنه رب كلام يعاب به الإنسان هو أشد عليه من الصولة. وهذا من كلام أكثم بن صيفي.
ويحكى في مثله عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه لما هجاه المشركون قال لحسان رضي الله عنه: اهجهم، فهجاؤك اشد عليهم من وقع السهام في غبش الظلام! ومثله قول الشاعر: القول ينفذ من مالا تنفذ الإبر وقول الآخر:
وقد يرجى لجرح السيف برء ... و جرح الدهر ما جرح اللسان
وقالوا: اللسان، أجرح جوارح الإنسان.
وقال الصاحب: حفظ اللسان، راحة الإنسان، فحفظه حفظ الشكر للإحسان، فآفة الإنسان في اللسان! وقال امرؤ القيس:
إذا المرء لم يحزن عليه لسانه ... فليس على شيء سواه بخزان
رب مملول لا يستطيع فراقه.
الملل معروف. وهذا من كلام أبي الأسود، وكان دخل في ثوب خلق على بعض أصدقائه. فلما رآه قال له: يا أبا الأسود آن لهذا الثوب أن يبدل؟ فقال أبو الأسود: رب مملول . . الخ. ثم أرسل إليه بعد ذلك أثوابا. فقال أبو الأسود يمدحه:
كساك ولم تستكسه فشكرته ... أخ لك يعطيك الجزيل وياصر
وإن أحق الناس إن كنت شاكرا ... بشكرك من أعطاك والوجه وافر
الرباح، مع السماح.
الرباح والربح واحد. قال الشاعر:
رأيت التقى والجود خير تجارة ... رباحا إذا ما المرء أصبح ثاقلا
و السماح والسماحة: والجود والكرم.
والمعنى إن السماح يربح. ويأتي إن شاء الله ما في هذا المعنى.
أربع على ظلعك!
يقال: ربع يربع إذا وقف وتحبس. ويقال أربع على نفسك، أي ارفق. وفي الحديث: أربعوا على أنفسهم! والظلع بالظاء المشالة في البعير ونحوه: غمزة برجله في مشيته. يقال: ظلع البير بالفتح يظلع.
قال أبو ذؤيب يذكر فرسا:
يعدوا به نهش المشاش كأنه ... صدع سليم رجعه لا يظلع
فهو ظالع والأنثى ظالعة.
وقول النابغة الذبياني:
أتوعد عبدا لم يخنك أمانة ... و تترك عبدا ظالما وهو ظالع
يروى بالمشالة وفسر بالجائر المذنب، من الظالع في البعير، وهو غمز برجله لداء يصيبه، وبالضاد المعجمة، وهو الجائر المائل عن الحق.
ومعنى المثل انك ظالع، فأرفق بنفسك في مشيتك لأجل ما بك من الظلع! فيضرب للضعيف، وإنه ينبغي له أن ينتهي عما لا يطيق.

(1/283)


وحكى أبو علي إنه اجتمع طريف بن العاصي الدوسي والحارث بن ذبيان عند بعض مقاول حمير فتفاخر، فقال الملك للحارث: يا حار، ألا تخبرني بالسبب الذي أخرجكم من قومكم حتى لحقتم بالنمر بن عثمان؟ فقال: أخبرك أيها الملك: خرج هيجان منا يرعيان غنما لهما، فتشاولا بسيفهما، فأصاب صاحبهم عقب صاحبنا، فعاث فيه السيف فنزف فمات. فسألونا أخذ دية صاحبنا دية الهجين، وهي نصف دية الصريح، فأبى قومي، وكان لنا رباء عليهم، فأبينا إلا دية الصريح، وأبوا إلا دية الهجين. وكان اسم هجيننا بن زبراء صاحبهم عنقش بن مهيرة، وهي سوداء أيضا. فتفاقم الأمرين الحيين، فقال رجل منا:
حلومكم يا قوم لا تعزبنها ... و لا تقطعوا أرحامكم بالتدابر
وأودى إلى الأقوام عقل أبن عمهم ... و لا ترهقونهم سبة في العشائر
فإن أبن زبراء الذي فاد لم يكن ... بدون حليف أو أسيد بن جابر
فإن لم تعطوا الحق فالسيف بيننا ... و بينكم والسيف أجور جائر
فتضافروا علينا حسدا، فأجمع ذوو الحجا منا أن نلحق بطن من الأزد، فلحقنا بالنمر بن عثمان. فوالله ما فت في أعضادنا نأينا عنهم، ولقد أثارنا بصاحبنا وهم رأغمون، فوثب طريف بن العاصي من مجلسه، فجلس بازاء الحارث ثم قال: تالله ما سمعت كاليوم قولا أبعد من الصواب، ولا اقرب من خطل، ولا أجلب لقذع، من قول هذا. والله، أيها الملك، ما قتلوا بهجينهم بذجا، ولا رموا ودجا، ولا أنطوا به عقلا، ولا اجتفروا به خشلا. ولقد أخرجهم الحق عن أصلهم، وأجلاهم عن محلهم، حتى الإزعاج، ولجئوا إلى ضيق الولاج، قلا وذلا! فقال الحارث: أتسمع يا طريف؟ وإني والله ما أخالك كافا غرب لسانك، ولا منهنها شرة نزوانك، حتى أسطو بك سطوة تكف طماحك، وترد جماحك، وتكبت تترعك، وتقمع تسرعك! فقال طريف: مهلا يا حار، لا تعرض لطمحة استناني، وذرب سناني شبابي، وميسم سبابي، فتكون كالأظل الموطوء، والعجب الموجوء! فقال الحارث: إياي تخاطب بهذا القول؟ فوالله لو وطئتك لأسختك، ولو وهطتك لآوهطك، ولو نفحتك لأفدتك! فقال طريف متمثلا:
وإن كلام المرء في غير كنهه ... لكالنبل تهوي ليس فيها نصالها!
أما والأصنام المحجوبة، والأنصاب المنصوبة، لئن لم تربع على ظلع وتقف عند قدرك، لأدعن حزنك سهلا، وغمرك ضحلا، وصفاك وحلا! فقال الحارث: أما والله لورمت ذلك لمرغت بالحضيض، وأعصصت بالجريض، وضاقت عليك الرحاب، وتقطعت بك الأسباب، ولألفيت لقنى تهاداه الروامس، بالسهب الطامس فقال طريف: دون ما ناجتك به نفسك مقارعة أبطال، وحياض أهوال، وحفز إعجال، يمنع معه تطأ من الإمهال! فقال الملك: أيها عنكما، فما رأيت كاليوم نقال رجلين لم يقصبا ولم يثلبا، ولم يلصوا ولم يقفوا! انتهى.
قوله: مقاول، والمقاول: الملوك دون الملك الأعظم؛ وكذا الأقيال والأقوال. وقال امرؤ القيس:
وماذا عليه إن ذكرت أوانسا ... كغزلان رمل في محاريب أقوال؟
و تشاولا: تضاربا؛ وعاث السيف: افسد: ونزف: سال دمه حتى ضعف. والهجين من الناس: الذي أبوه عربي وأمه غير عربية؛ والمقرف عكسه؛ والصريح: الخالص الطرفين، والرباء: زيادة العقل: الدية وأرهقه: كلفته، وفاد: مات. قال لبيد:
رعى خزرات المكل عشرين حجة ... و عشرين حتى فاد والشيب شامل
و فت: أوهى وأضعف، وأثارنا: افتعلنا، من الثأر، والخطل: الخطأ، والقذع: الكلام القبيح، والبذج: الخروف، الفارسي معرب، وأنطوا: أعطوا. قال الأعشى:
جياد في الصيف في نعمة ... تصان الجلال وتنطى الشعيرا

(1/284)


و اجتفؤوا: صرعوا، يقال: جفاه إذا صرعه، والخشل مسكنا ومحركا شجر المقل الواحد خشلة، والقل: القلة والذل: الذلة، والنزوالن: الوثوب: والتترع: التسرع إلى الشر، يقال: تترع تترعا إذا كان سريعا إلى الشر، وطمحة السيل: دفعته، والذرب: الحدة، والأظل: اسفل خف البعير، والعجب: أصل الذئب، وهصته: كسرته؛ وأوهطته: صرعته؛ وتربع: تكف وترفق، كما مر، والظلع: الغمز؛ والضحل: الماء القليل، والضيض: القرار الأسفل، والروامس: الرياح، ترمس، أي تدفن. والحفر: الدفع. وقول الملك: يقصبا، أي يشتما، والقصب: القطع ويلصوا: يقذا، يقال: لصا إليه إذا أنضم إليه لريبة، ولصا المرأة يلصوها: قذفها، ويقفوا: يرميا بالقبيح، قفوته أقفوه: رميته بالقبيح أو قذفته.
وذكر الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في الأحياء إن عمر بن هبيرة دعا بفقهاء أهل البصرة وأهل الكوفة وأهل المدينة وأهل الشام وقرائها، فجعل يسألهم، وكلهم عامراص الشعبي، فجعل لا يسأله عن شيء إلا وجد عنده فيه علما. ثم أقبل على الحسن البصري، فسأله ثم قال: هما هذان: هذا رجل أهل الكوفة يعني الشعبي وهذا رجل أهل البصرة يعني الحسن. فأمر الحاجب، فأخرج الناس وخلا بالشعبي والحسن. فأقبل على الشعبي وقال: يا أبا عمرو، إني أمين أمير المؤمنين على العراق وعامله عليها ورجل مأمور على الطاعة ابتليت بالرعية ولزمني حقهم، فأنا احب حفظهم وتعهد ما يصلحهم من النصيحة لهم. وقد يبلغني عن العصابة من أهل الديار الأمر أخذ عليهم فأقبض طائفة فأضعه في بيت المال ومن نيتي إني رد عليهم، فيبلغ أمير المؤمنين إني قبضته على ذلك من النحو، فيكتب إلي أن لا ترده، فلا أستطيع رد أمره ولا إنفاذ كتابه، وإنما أنا رجل مأمور على الطاعة، فهل علي في هذا تبعة وفي أشباهه من الأمور، والنية فيها على ما ذكرت؟ قال الشعبي: فقلت، أصلح الله الأمير، إنما السلطان والدي يخطئ ويصيب. قال: فسر بقولي وأعجب له ورأيت البشر في وجهه، قال: فلله الحمد! ثم أقبل على الحسن فقال: ما تقول يا أبا سعيد؟ قد سمعت قول الأمير يقول إنه أمين أمير المؤمنين على العراق وعامله عليه ورجل مأمور على الطاعة أبتليت بالرعية ولزمني حقهم والنصيحة لهم والتعهد لما يصلحهم، وحق الرعية لازم لك وحق أن تحوطهم بالنصيحة. وإني سمعت عبد الرحمان ب سمرة القرشي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من استرعي رعية فلم يحفظها بالنصيحة حرم عليه الجنة. وتقول إنما قبضت من عطاياهم إرادة صلاحهم واستبطالهم وإن يرجعوا إلى طاعتهم، فيبلغ أمير المؤمنين إني قبضتها على ذلك النحوا فيكتب إلي إن لا ترده، فلا أستطيع رد أمره ولا أستطيع إنفاذ كتابه، وحق الله ألزم من حق أمير المؤمنين، والله أحق أن تطيع ولا طاعة في معصية الله. فاعرض كتاب أمير المؤمنين على كتاب الله غز وجل، فإن وجدته موافقا لكتاب الله عز وجل فأنفذه! يا أبن هبيرة، واتق الله، فأنه يوشك إن يأتيك رسول من رب العلمين يزيلك عن سريرك، ويخرجك عن سعة قصرك إلى مضيق فبرك، فتدع سلطانك ودينك خلف ظهرك، وتقدم على ربك وتنزل على عملك! يا أبن هبيرة وإن الله يمنعك من يزيد، وإن يزيد لا يمنعك من الله، وإن أمر الله فوق كل أمر، وإنه لا طاعة في معصية الله، وإني أحذرك بأس الله الذي لا يرده عن القوم المجرمين. فقال أبن هبيرة: أربع على ظلعك أيها الشيخ عن ذكر أمير المؤمنين! فإن أمير المؤمنين صاحب العلم وصاحب الحلم وصاحب الفضل؛ وإنما ولاه الله ولاية هذه الأمة لعلمه به وما يعلم من فضله ونيته. قال الحسن، يا أبن هبيرة، الحساب من ورائك سوطا بسوط، وعصا بعصا، والله بالمرصاد. يا أبن هبيرة انك أن تلقى من ينصح لك في دينك ويحملك على أمر أخرتك خير من أن تلفى رجلا يغرك ويمنيك!

(1/285)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية