صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : زهر الأكم في الأمثال و الحكم
المؤلف : اليوسي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

و تمثل صاحب التشرف بهذا الشعر حين ذكر أن أبا الفضل أبن النحوي دخل فأسا، فلما ظهر أصلب القاضي أبن دبوس منه غيرة وآذاه. فلما أزمع أبو الفضل الخروج قطع تلك الليلة التي يخرج في صبيحتها بسجدة دعا في آخرها وقال: اللهم عليك بابي دبوس! فأصبح القاضي ميتا. وقال الآخر وهو معنى رشيق، وكان عتب على الصمت:
قالت الضفدعة قولا ... فسرته الحكماء
في فمي ماء وهل ينطق ... من في فيه ماء؟
و قال ذي الرمة:
أما النبيذ فلا يذعرك شاربه ... و احفظ ثيلبك ممن يشرب الماء
قوم يرون عما في صدورهم ... حتى إذا استحكموا كانوا هم الداء
يشمرون إلى انصاف سوقهم ... هم اللصوص وقد يدعون قراء
و لهذا الشعر قصة وهي أن ذا الرمة اجتمع هو وإسحاق بن سويد العدوي في مجلس. فأتيا بطعام فطعما، وأتيا بنبيذ فشرب ذو الرمة وأبى إسحاق أن يشرب. فقال ذو الرمة: أما النبيذ فلا يذعرك شاربه الأبيات. وقال إسحاق مجيبا له:
أما النبيذ فقد يزري بشاربه ... و لن ترى شاربا أزرى به الماء
الماء فيه حياة الناس كلهم ... و في النبيذ إذا عاقرته الداء
يقال هذا نبيذي يعاقره ... فيه عن البر والخيرات إبطاء
وفيه إن قيل مهلا عن مصممة ... و فيه عند ركوب الإثم إغضاء
و مثل قول أبن الرومي قول الآخر وبنسب لابن الرومي في الفقهاء:
أذيابا بدت لنا ... في ثياب ملونة
إحلالا وجتم ... أكلنا في المدونه
و قوله أيضا:
إلا إنما الدنيا ميتة ... و طلابها مثل الكلاب الموامس
وأعظمهم ذما لها وأشدهم ... لها شغفا قوم طوال القلانس
و مثل قول إسحاق بن سويد في النبيذيين قول الآخر:
بلوت النبيذيين في كل بلدة ... فليس لأصحاب النبيذ حفاظ
إذا أخذوها ثم أغنوك بالمنى ... و إن فقدوها فالوجوه غلاظ
عكاظية لا قدس الله روحها ... و ما ذكرت في الصالحين عكاظ
و سيأتي كل من الأمرين مستوفي إن شاء الله تعالى. وقال الآخر:
إذا انقطع الرجا من كل حي ... ففي الله الكفاية والرجاء
سيغنيني الذي أغناك عني ... فلا فقر يدوم ولا غناء
و قد جمع بين الممدوح وهو الرجاء وبين مد المقصور وهو الغناء بكسر الأول ضد الفقر.
وقال عدي بن الرقاع:
وإذا نظرت إلى أميري زادني ... ضنا به نظري إلى الفقراء
بل ما رأيت جبال أرض تستوي ... فيما عسيت ولا نجوم السماء
كالغيم فيه وابل متتابع ... غدق وآخر لا يجود بماء
والحر يورث مجده أبناءه ... و يموت آخر وهو في الأحياء
و مثل البيت الأول قول الحماسي:
ولما أبى إلا جماحا فؤاده ... ولم يسل عن ليلى بمال ولا اهل
تسلى بأخرى غيرها فإذا التي ... تسلى بها تغري بليلى ولا تسلي
و قال الآخر:
لم ألق بعدهم حيا فأخبرهم ... إلا يزيدهم حبا الي هم
و قال الحماسي عدي بن الرعلاء:
ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء
إنما الميت من يعيش كئيا ... كاسفا باله قليل الرجاء
و قال الآخر:
يوما بحزوي ويوما بالعقيق ... وبالعذيب يوما ويوما بالخليصاء
و قال الحماسي قيس بن الخطيم الأنصاري:
وما بعض الإقامة في ديار ... يهان بها الفتى إلا عناء
وبعض خرئق الأقوام داء ... كداء البطن ليس له دواء
يريد المرء أن يعطي مناه ... و يأبى الله إلا ما يشاء
وكل شديدة نزلت بقوم ... سيأتي بعد شدتها رخاء
فلا يعطي الحريص غنى لحرص ... و قد ينمى على الجود الثراء
غني النفس ما عمرت غني ... و فقر النفس ما عمرت شقاء
وليس بنافع ذا البخل مال ... و لا مزر بصاحبه السخاء
وبعض الداء ملتمس شفاه ... و داء النوك ليس له شفاء
و قال الآخر من شعراء الحماسة:
وأرض عن مطامع قد أراها ... وأتركها وفي بطني انطواء
فلا وأبيك ما في العيش خير ... و لا الدنيا إذا ذهب الحياء
يعيش المرء ما استحيى بخير ... و يبقى العود ما بقى اللحاء

(1/65)


و قلت أنا في أمر حدث:
تعلم أن شر الأصدقاء ... صديق لا يدوم على الإخاء
متى ما تلقيه أرضاك بشرا ... و ليس إذا تغيبت ذا وفاء
لعمرك ما الوداد سوى وداد ... يدوم على التداني والتنائي
وفي الأتراب والترب المجلي ... أخاك وفي المسرة والبلاء
وليس أخوك من يبدي ودادا ... بوجهك طاويا مكنون داء
فإن أدبرت أتبعك أعتضاضا ... بنابيه وعاد من العداء
و قال الآخر:
إن الذي وهو مثر لا يجود حر ... بفاقة تعتريه بعد إثراء
قوله: وهو مثر جملة حالية فصل بها بين الموصول وصلته وذلك قيل؛ والمثري: الغني. وقال الحماسي قيس بن الخطيم الأنصاري:
وكنت أمرء لا أسمع الدهر سبه ... أسب بها إلا كشفت غطاءها
متى يأت هذا الموت لا تلف حاجة ... لنفسي إلا قد قضيت قضاءها
يريد: إلا قضيتها قضاء فأوقع القلب كما ترى. وقال الآخر:
أقول لمقلتي لما التقينا ... وقد شرقت مآقيها بماء
خذن اليوم من نظري بحظ ... فسوف تكونين إلى البكاء
و مثله قول الآخر:
ترفق بدمعك فاستبقه ... فبين يديك بكاء طويل
و قال البحتري بن المغيرة بن أبي صفرة وكان المهلب بن أبي صفرة قد استعمل يزيد على حرب خراسان والمغيرة على خراجها ولم يوله هو شيئا. فكتب إليه:
أقرأ السلام على الأمير وقل له: ... إن المقام على الهوان بلاء
أصل الغدو إلى الرواح وإنما ... أذني وأذن الأبعدين سواء
أجفى ويدعى من ورائي جالسا ... ما بالكرامة والهوان خفاء
فلما بلغ المهرب ذلك وجد عليه وألزمه بيته فكتب إليه:
جفاني الأمير والمغيرة قد جفا ... و أمسى يريد لي قد أزور جانبه
وكلهم قد نال شبعا لبطنه ... و شبع الفتى ليسؤم إذا جاع صاحبه
فيا عم مهلا واتخذني لنوبة ... تلوم فإن الدهر جم نوائبه
أنا السيف إلا أن للسيف نبوة ... و مثلي لا تنبو عليك مضاربه
فرضي عنه وعزل المغيرة وولاه. وقال خالد الكاتب:
أعان طرفي على جسمي وأحشائي ... بنظرة وقفت جسمي على داء
وكنت غرا بما يجنى على بدني ... لا علم لي أن بعضي بعض أدواء
و أخذه من قول إبراهيم بن المهدي:
إذا كلمتني بالعيون الفواتر ... رددت عليها بالدموع البوادر
فلم يعلم الواشون ما بيننا ... و قد قضيت حاجاتنا بالضمائر
أقاتلتي ظلما بأسهم لحظها ... أما حكم يقضي على طرف جائر
فلو كان للعشاق قاض من الهوى ... إذا لقضى بين الفؤاد وناظري
و مثله قول الآخر:
والله يا طرفي الجاني على بدني ... لتطفئن بدمعي لوعة الحزن

(1/66)


ولهذا الشعر قصة طريفة: حكي عن بعض المغنين قال قدم علي فتى حسن الوجه عليه اثر السقم وقال: لي عندك حاجة! قلت: وما هي؟ فأخرج ثلاثمائة دينار وقال: اقبلها مني واصنع لي لحنا في بيتين وغنني بها. فقلت: نعم! حبا وكرامة فأنشد البيتين المذكورين. قال: فصنعت لحنا شجيا ثم غنيته إياه. فأغمي عليه حتى ظننته قد مات ثم أفاق وكأنما نشر من قبر. فقال: أعد علي! فناشدته الله في نفسه وقلت: أخشى والله أن تموت. فقال: ليت ذلك قد كان فأستريح! وجعل يتضرع لي حتى رحمته فأعدت الصوت. فصعق صعقة ظننت أن نفسه زهقت فيها. فجعلت أنضح وجهه بالماء. فلما أفاق وضعت دنانيره بين يديه وقلت: انصرف عني فإني لا أحب أن أشرك في دمك. فقال: لا حاجة لي بها ولك عندي مثلها. وأخرج ثلاثمائة أخرى وقال: أعد علي الصوت مرة أخرى وأنا أنصرف عنك. فشرهت نفسي إلى الدنانير وقلت:أفعل على ثلاث شروط. قال: وما هي؟ قال: الأول أن تأكل من الطعام ما تتقوى به؛ والثاني أن تشرب أقداحا من النبيذ تمسك قلبك والثالث أن تحدثني بقصتك فلعل ذلك ينفعك. فقال: نعم. فدعوت بالطعام فأصاب منه ودعوت بالشراب فشرب أقداحا وأنا أغنيه ما يحضرني. فلما رأيت النبيذ شد قلبه غنيت الصوت فطرب وأعته عليه مرارا رضي وسكن. فقلت: حدثني. فقال. أنا رجل من أهل المدينة خرجت متنزها وقد سال العقيق مع أصحاب لي. فخرج فتيات لمثل ما خرجنا إليه. فنظرت إلى فتاة منهن كأنها غصن بان، فعلقتها من وقتي وأطلت إليها وأبصرت هي ذلك مني. فلما تفرق الناس وجدت بقلبي جرحا ولم أعرف لها ولا لصواحبها خبرا. فمرضت لذلك حتى يئس مني أهلي. فخلت بي ظئري وسألتني عن ضري وضمنت لي كتمان السر والسعي فيما يصلح. فأخبرتها خبري، فقالت: لا بأس عليك سيعود المطر ويسيل العقيق فتخرج معك. فإذا رأيتها عرفتني بها فلا أفارقها حتى تقف على موضعها وأوصلك إليها وأسعى في تزوجها. فسكنت نفسي لقولها ولم نلبث أن جاء المطر وسال العقيق. فخرجت مع أصحابي ومعي ظئري وجلسنا مجلسنا الأول بعينه وإذا بالنسوة وفيهن صاحبتي. فأومأت إلى ظئري حتى عرفتها وقلت لها: انطلقي وقولي: يقول لك الفتى: والله لقد أحسن الذي يقول:
رمتني بسهم أقصد القلب وانثنت ... و قد غادرت جرحا به وندوبا
فمضت وقالت لها ذلك. فقالت: قولي له: لقد احسن القائل واحسن الذي يقول:
بنا مثل ما يشكو فصبرا لعلنا ... نرى فرجا يشفي الفؤاد قريبا
قال: فلما انصرفنا، تبعتها حتى عرفت مكانها، فتلطفت حتى جمعت بيننا على مخالسة، فظهر ما بيننا فحجبت عني ولم أقدر على لقائها. فبلغ ذلك أبي فخطبها من أبيها فقال: لو كان هذا قبل اشتهار حديثها لأسعفته؛ وأما الآن فلا أحقق مقالة الناس فيها بتزويجها منه. فيئست منها ومن نفسي، فخرجت هائما حتى بلغتك. قال المعني المذكور: ثم إنني حضرت مجلس جعفر بن يحيى، فغنيته بشعر الفتى، فقال: ويحكم! ما هذا الصوت وما قصته؟ فقلت: قصة أظرف منه. ثم حدثته بحديث الفتى، فأمر بإحضاره وسأله، فأعاد عليه الحديث كما حدثته فقال له: أنا ضامن لك تزويجها، فطابت نفسه. ثم ركب جعفر إلى الرشيد وحدثه الحديث. فاستظرفه وأمر بإحضارنا جميعا،و سأل الفتى عن حديثه فحدثه وقال لي: غن الصوت فغنيته وطرب له وشرب عليه، وأمر بالكتب إلى عامل الحجاز بأشخاص الرجل وأهله وولده مكرمين. فلما حضروا عنده أعطى الرجل ألف دينار وأمره بتزويج الجارية من الفتى، وأعطى الفتى ألفي دينار، وأمر لي بألف دينار.
وقال أبو تمام حبيب بن أوس الطائي، من قصيدة:
انظر وإياك الهوى لا تمكنن ... شيطانه من مقلة شوشاء
و قال أيضا، من هذه القصيدة، يخاطب خالد بن يزيد:
لو سيرت لالتقت الضلوع على أسى ... كلف قليل السلم للأحشاء
ولجف نوار الكلام وقلما ... يبقى بهاء الغرس بعد الماء
و قال أيضا، من أخرى:
لا تسقيني ماء الملام فإنني ... صب قد استعذبت ما بكائي

(1/67)


و في إضافة الماء للملام، غرابه أوجبت بعض الهجنة والبرودة في الكلام يحكى إنه عيب عليه ذلك حتى تحدث أن بعض عصرييه أرسل إليه إن ابعث إلي بشربة من ماء الملام. فقال: حتى تبعث إلي بريشة من جناح الذل. وهذه خطيئة أبشع من الأولى، فإن الاستعارة في جناح الذل مأنوسة الاستعمال قديما وحديثا، ومدركا حسنها وفصاحتها بالذوق دون ماء الملام. وقد وقع له في هذه القصيدة نفسها ما يقرب من هذا، حيث قال:
رأي لو استسقيت ماء نصيحة ... لجعلته رأيا من الآراء
غير إن هذا، وإن كان غريبا، يحسنه أن الرأي والنصيحة تحيا بهما النفوس كما تحيا بالماء الأبدان، ولا كذلك الملام. وقال أبو الطيب أحمد بن حسين المتنبي:
عذل العواذل حول قلبي التائه ... و هوى الأحبة منه في سودائه
و تقدم هذا المنزع وما فيه قبل. وقال أيضا:
أنا صخرة الوادي إذا ما زوحمت ... فإذا انطلقت فأني الجوزاء
وإذا خفيت على الغبي فعاذر ... ألا تراني مقلة عمياء
و قال الآخر:
إن الحديث جانب من القرى ... ثم المنام بعد ذلك في الذرى
و قال الآخر:
إذا القوم قالوا من لعظيمة ... فما كلهم يدعى ولكنه الفتى
و قال الآخر:
ضاع سعيي وخبت وخابت أعاديك ... و من يبتغي لك الأسواء
واحتملت الحرمان والنقص والأبعاد ... و الذل والعنا والجفاء
وتحملت واصطبرت فلم يبق ... على عوادي الزمان لحاء
أعلى هذه المصيبة صبر ... لا ولو كنت صخرة صماء
و مثله في التشكي قول الآخر:
أسجنا وقيد واشتياق وغربة ... و نأي الحبيب إن ذاك عظيم!
وإن أمرءا تبقى مواثيق عقده ... على مثل ما لاقيته لكريم
و قول الآخر:
ولقد أردت الصبر عنك فأعاقني ... علق بقلبي من هواك قديم
يبقى على حادث الزمان وريبه ... و على جفائك إنه لكريم
و قال الآخر:
قال لي: كيف أنت؟ قلت: عليل ... سهر دائم وحزن طويل
و قال الآخر:
وإذا ما الصديق صار عدوا ... كان في الشر أكبر الأعداء
و قال الآخر:
لا تعدن للزمان صديقا ... و اعد الزمان للأصدقاء
و مثله قول الآخر:
ليس بالمنكر انقلاب صديق ... ربما غص شارب بالشراب
لا تصيع مودة من صديق ... فانقلاب الصديق شر انقلاب
و قول منصور الفقيه:
أحذر عدوك مرة ... و أحذر صديقك ألف مرة
فلربما انقلب الصديق ... فكان أعرف بالمضره
و قوله:
أحذر مودة ماذق ... مزج المرارة بالحلاوة
يحصي الذنوب عليك ... أيام الصداقة للعداوة
و قول الآخر:
كن من صديقك خائفا فلربما ... حال الصديق فصار غير الصديق
و قول أبن الرومي:
عدوك من صديقك مستفاد ... فأقلل ما استطعت من الصحاب
فإن الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب
و قول الآخر:
دار الصديق إذا استشاط تغيظا ... فالغيظ يخرج من كامن الأحقاد
قول أبن الخالدي:
وأخ رخصت عليه حتى ملني ... والشيء مملول إذا ما يرخص
ما في زمانك ما يعز جوده ... إن رمته إلا صديق مخلص
و قول المنصور أيضا:
إذا تخلفت عن صديق ... و لم يعاتبك في التخلف
فلا تعد بعدها إليه ... فإنما وده تكلف
و قول الأنصاري:
إلا رب من تدعو صديقا ولو ترى ... مقالته ساءك ما يفري
لسان له كالشاهد مادت حاضرا ... و بالمغيب مطرور على ثغرة النحر
و قول أبي الطيب:
ومن نكد الدنيا على المرء إن يرى ... عدوا له ما من صداقته بد
و ما يحكى إن كسرى قال يوما لمرازبته: من أي شيء انتم اشد حذرا؟ قالوا: من العدو الفاجر، والصديق الغادر. وقول موسى بن جعفر: اتق العدو وكن من الصديق على حذر، فإن القلوب سميت قلوب لتقلبها. وسيأتي كثير من هذا النمط بعد إن شاء الله تعالى. وقال أبو الطيب:
وهبني قلت هذا الصبح ليل ... أ يعمى العالمون عن الضياء
و قال أيضا مادحا:
وإذا مدحت فلا لتكسب رفعة ... للشاكرين على الإله ثناء
وإذا مطرت فلا لأنك مجدب ... يسقى الخصيب وتمطر الادماء

(1/68)


و الادماء:البحر. وقال أيضا:
إنما التهنئات للأكفاء ... و لمن يدني من البعداء
وأنا منك لا يهنئ عضو ... بالمسرات سائر الأعضاء
و قال أيضا من هذه القصيدة يمدح كافورا وكان أسود:
إنما الجلد ملبس وابيضاض ... النفس خير من ابيضاض القباء
و قال أيضا:
وما كل من قال قولا وفى ... و لا كل من سيم خسفا أبى
و قال:
ولا بد للقلب من آلة ... ورأي يصدع صم الصفا
و قال:
فكان على قربنا بيننا ... مهامه من جهله والعمى
و قال:
وماذا بمصر من المضحكات ... و لكنه ضحك كالبكا
و قال:
ومن جهلت نفسه قدره ... رأى غيره منه ما لا يرى
و قال الحماسي محرز الضبي يهجو بني عدي بن جندب، من أبيات:
وإني لراجيكم على بطئ سعيكم ... كما في بطون الحاملات رجاء
واخبر من لاقيت أن قد وفيتم ... و لو شئت قال المخبرون أساءوا
و قال القاسم بن حنبل في بني سنان:
لهم شمس النهار إذا استقلت ... و نور ما يغيره العماء
هم حلوا من الشرف المعلى ... و من حسن العشيرة حيث شاءوا
بناة مكارم وأساء كلم ... دماؤهم من الكلب الشفاء
و إنما قال ذلك لما يزعمون من أن من أصابه الكلب، وهو شبه جنون يصيب من عضه الكلب، ثم سقي دم ملك أو شريف برئ، ومثله قول زهير:
وإن يقتلوا فيشتفى بدمائهم ... و كانوا قديما من مناياهم القتل
و قول الآخر:
أحلامكم لسقام الجهل شافية ... كما دماؤكم من الكلب
و قال الحسين بن مطير الأسدي يصف برقا وسحابا:
مستضحك بلوامع مستعبر ... بمدامع لم تمرها الأقذاء
فله بلا حزن ولا بمسرة ... ضحك يراوح بيننا وبكاء
كثرت ككثرة ودقه أطباؤه ... فإذا تحلب فاضت الأطباء
وكأن عارضها حريق يلتقي ... أشب عليه وعرفج وآلاء
لو كان من لجج السواحل ماؤه ... لو يبق في لجج السواحل ماء
و للعرب فمن بعدهم في وصف السحاب والبرق والرعد إكثار وإطناب لا يأتي عليه الحصر ولكنا نذكر جملة من مستحسن ذلك ومما كان منه حسن إن يتمثل به. فمن ذلك قول امرئ القيس:
اصاح ترى برقها وميضه ... كلمع اليدين في حبي مكلل
يضيء سناه أو مصابيح راهب ... آمال السليط في الذبال المفتل
و قوله:
اعني على برق أراه وميض ... يضيء حبيا في شماريخ بيض
ويهدأ تارات سناه وتارة ... ينوء كتغتاب الكسير المهيض
وتخرج منه لامعات كأنها ... اكف تلقى الفوز عند المفيض
و قوله:
ديمة هطلاء فيها وطف ... طبق الأرض تحرى وتدر
تخرج الود إذا ما اشجذت ... و تواريه إذا ما تستكر
و هي قطعة أبيات في هذا. وأشجذت: أقلعت. وقوله:
يساجل التؤم اليشكري ... و أواخر الأنصاف للتؤم
و قوله:
أحار ترى بريقا هب وهنا ... كنار مجوس تستعر استعارا
أرقت له ونام أبو شريح ... إذا ما قلت قد هدأ استطارا
كأن هزيره بوراء غيب ... عشار وله لاقت عشارا
فلما أن دنا لقفا أضاح ... و هت أعجاز ريقه فحارا
فلم يترك بذات السر ظبيا ... و لم يترك بجلهتها حمارا
و قال عبيد أبن الأبرص:
يا من لبق أبيت الليل ارقبه ... في عارض كمضي الصبح لماح
دان مسف فويق الأرض هيدبه ... يكاد يدفعه من قام بالراح
كأن ريقه لما علا شطبا ... اقراب ابلق ينفي الخيل رماح
ينزع جلد الحصى أجش مبترك ... كأنه فاحص أو لاعب داح
فمن بنجوته كمن بعقوته ... و المستكن كمن يمشي بقرواح
كأن فيه عشار جلة شرفا ... شعثا لهاميم قد همت بارشاح
هدلا مشافرها بحا حناجرها ... تزجا مرابعها في صحصح ضاح
و قول كثير:
فالمستكن ومن يمشي بمروته ... سيان فيه ومن بالسهل والجبل
و قول الحماني:
دمن كأن رياضها ... يسبيان أعلام المطارف
وكأنما غدرانها ... فيها عشور في مصاحف
وكأنما أنهارها ... يهتز بالريح العواصف
طرر الوصائف يلتقين ... بها إلى طرر الوصائف

(1/69)


باتت سواريها تمخض ... في رواعدها القواصف
ثم انبرت سحا ... كباكية بأربعة ذوارف
وكأن لمع بروقها ... في الجو أسياف المثاقب
و قول عبيد:
سقى الرباع مجلجل ... الأكناف لمع بروقه
جون تكفكفه الصبا ... و هنا تمريه خريقه
مري العسيف عشاره ... حتى إذا درت عروقه
ودنا يضيء ربابه ... غبا يضرمه حريقه
حتى إذا ما ذرعه ... بالماء ضاق فما يطيقه
هبت له من خلفه ... ريح الشماسية تسوقه
حلت عزاليه الجنوب ... فثج واهيه خروقه
و قال كثير:
تسمع الرعد في المخيلة منها ... مثل هزم القرون في الاشوال
وترى البرق عارضا مستطيرا ... مرح البلق جلن في الإجلال
أو مصابيح راهب في يفاع ... سغم الزيت ساطعات الذبال
و قوله:
اهاجك برق آخر الليل واصب ... تضمنه فرش الحيا فالمسارب
يجر ويستأني نشاطا كأنه ... بغيقه حاد جلجل الصوت جالب
تألق واحمومى وخيم بالربى ... احم الذرى ذو هيدب متراكب
كما اومضت بالعين ثم تبسمت ... خريع بدا منها جبين وحاجب
و قول عبد الله بن المعتز:
ومزنة جاد في أجفانها مطر ... فالروض منتظم والقطر منتثر
ترى مواقعه في الأرض لائحة ... مثل الدراهم تبدو ثم تستتر
و قوله أيضا:
كأن رباب الجون والفجر ساطع ... دخان حريق لا يضيء له جمر
و قول أبي الغمر:
نسجته الجنوب وهو صناع ... فترقى كأنه حبشى
و قول الآخر:
ما ترى نعمة السماء على الار ... ض وشكر الرياض على الأمطار
و قول الآخر:
وموقرة بثقل الماء جاءت ... تهادي فوق أعناق الرياح
فجاءت ليلها سحا ووبلا ... و هطلا مثل أفواه الجراح
و قول الآخر:
بدا البرق من نحو الحجاز فشاقني ... و كل حجازي له البرق شائق
سرى مثل نبض العرق والليل دونه ... و أعلام أبلى كلها والاسالق
و قول الطائي ومنه اخذ:
إليك سرى بالمدح ركب كأنهم ... على العيس حيات اللصاب النضانض
تشيم بروقا من نداك كأنها ... و قد لاح أولاها عروق نوابض
و قول الآخر:
أرقت لبرق آخر الليل يلمع ... سرى دائبا منها يهب ويهجع
سرى كإقتداء الصبر والليل ضارب ... بأوراق والصبح قد كاد يسطع
و قول الآخر:
أرقت لبرق سرى موهنا ... خفي كغمزك بالحاجب
كأن تألقه في السماء ... يدا حاسب أو يدا كاتب
و قول أبن المعتز:
رأيت فيها برقها منذ بدت ... كمثل طرف العين أو قلب يجب
ثم حدت بها الصبا حتى بدا ... فيها من البرق كأمثال الشهب
تحسبه فيها إذا ما انصدعت ... أحشاؤها عنه شجاعة يضرب
وتارة تحسبه كأنه ... ابلق مال جله حين وثب
حتى إذا ما رفع اليوم الضحى ... حسبته سلاسلا من الذهب
؟؟و قول الآخر:
نار تجدد للعيدان نضرتها ... و النار تلفح عيدان فتحترق
و قول الطائي:
يا سهم للبرق الذي استطارا ... ثاب على رغم الدجى نهارا
آض لنا ماء وكان نارا
وقول عبد الله بن عبد الله بن طاهر:
أما ترى البرق قد رقت حواشيه ... و قد دعاك إلى اللذات داعيه؟
وجاد بالقطر حتى خلت إن له ... إلفا ناه فما ينفك يبكيه
و مثله قول الآخر:
كأن سحاب الغر غيبن تحتها ... حبيبا فما ترقى لهن مدامع
و تتبع الشعر في هذا يطيل فلنمسك العنان. وقال أبو الأسود الدؤلي:
وما طلب المعيشة بالتمني ... و لكن القي دلوك في الدلاء
تجيء بملئها طورا وطورا ... تجيء بحماة وقليل ماء
و سيأتي إتمام هذا المنزع بعد إن شاء الله تعالى. وقال أبن نقطة:
لا تظهرن لعاذل أو عاذر ... حاليك في الضراء والسراء
فلرحمة المتوجعين مرارة ... في القلب مثل شماتة الأعداء
و قال أبو سعيد الخوارزمي في أبي بكر الخوارزمي الشاعر:
أبو بكر له أدب فضل ... و لكن لا يدوم على الوفاء
مودته إذا دامت لخل ... فمن وقت الصباح إلى المساء

(1/70)


و قال عبد الله بن رواحة الأنصاري يوم خرجوا إلى مؤتة وأمره النبي صلى الله عليه وسلم بعد زيد وجعفر رضي الله عنهم أجمعين:
إذا بلغتني وحملت رحلي ... مسيرة أربع بعد الحساء
فشأنك فانعمي وخلاك ذم ... و لا ارجع إلى أهلي وراء
قوله: فشأنك فانعمي يريد إنه قضى الوطر من ركوبها ولم تبق له تباعة على ظهرها وهي كناية على إنه لا يحب المرجع ولا يشتهي مذهبا على ذلك الموضع. ومن ثم قال: ولا ارجع إلى أهلي بجزم الفعل قصدا للدعاء كأنه يقول: اللهم لا ترجعني إلى أهلي وأستشهدني! وما ذكره في الناقة قد تداوله الشعراء كثيرا فمن ذلك قول الشامخ في عرابة الأوسي:
رأيت عرابة الأوسي يسمو ... إلى الخيرات منقطع القرين
إذا ما راية رفعة لمجد ... تلقاها عرابة باليمين
إذا بلغتني وحملت رحلي ... إليه فاشرقي بدم الوتين
ومثل سراة قومك لم يجاروا ... إلى ربع الرهان ولا الثمين
و كان الشماخ قدم المدينة فقال له عرابة: ما أقدمك؟ فقال: قدمت لأمتار. فملأ له عرابة رواحله تمرا وبرا وأعطاه غير ذلك فقال فيه ما تقدم. وقول ذي الرمة يمدح بلال بن أبي رباح:
إذا أبن أبي موسى بلالا بلغته ... فقام بفأس بين وصليك جازر
غي إنه يعاب على هذين الشاعرين أن جعلا جزاء الراحلة التي بلغتهما ذلك المأمول العظيم والمطلب الخطير شرا، وما كان ينبغي لهما أن ينظرا لها عند الاستغناء عنها ويكافئها خيرا بما قضيا منها كما أشار إليه أبلغ البلغاء وأحكم الحكماء صلى الله عليه وسلم حيث وردت المرأة راكبة على ناقته فقالت: إني نذرت إن نجوت عليها أن أنحرها. فقال صلى الله عليه وسلم : بئس ما جزيتها! لا نذر في معصية الله ولا نذر للإنسان في غير ماله. أو كما قال صلى الله عليه وسلم وعلى هذا المنزع العجيب النبوي كان قول أبن رواحة السابق. وقول أبي نواس في محمد الأمين بن هارون الرشيد، وأوضح هذا المعنى:
وإذا المطي بنا بلغنا محمدا ... فظهورهن على الرجال حرام
قربننا من خير من وطئ الثرى ... فلها عينا حرمة وذمام
و قول الفرزدق:
متى تردى الرصافة تستريحي ... من التهجيري والدبر الدوامي
و لهذا الشعر قصة تذكر بعد إن شاء الله تعالى. والعذر للأولين أن الدعاء عليها في نحو ذلك أبلغ في التنبيه على الاستغناء عنها وعدم الالتفات إليها. وليس هذا المعنى ملحوظا في قصة المرأة فليس يقاس عليه. ومن هذا الباب قول السلامي:
إليك طوى عرض البسيطة جاعل ... قصار المطايا أن يلوح لها القصر
و لعل السابق إلى هذا المعنى الأعشى القيسي في قصيدته التي توجه بها إلى النبيصلى الله عليه وسلم حيث يقول:
متى ما تناخي عند باب أبن هاشم ... تراحي وتلقي من فواضله يدا
فضمن لها عند النزول بابن هاشم صلى الله عليه وسلم أن يخلي عن ظهرها ويريحها من كد الأسفار إذ لا مطلب ورائه ولا حاجة إلى أحد سواه. وقال أبو بكر بن دريد في مقصورته:
والناس كالنبت: فمنهم رائق ... غض نضير عوده مر الجنى
ومنه ما تقتحم العين فإن ... ذقت جناه انساغ عذبا في اللهى
و هذا المقصورة جلها أمثال وحكم، وهي مشهورة لا حاجة إلى ذكرها. وقال الآخر:
يقولون هذه أم عمرو قريبة ... نأت بك ارض نحوها وسماء
ألا إنما قرب الحبيب وبعده ... إذا هو لم يوصل إليه سواء
و قال صالح بن جناح:
إذا قل ماء الوجه قل حياؤه ... و لا خير في وجه إذا قل ماؤه
و قال الآخر:
ورب دنية ما حال بيني ... و بين ركوبها إلا الحياء
إذا رزق الفتى وجها وقاحا ... تقلب في الأمور كما يشاء
و تقدم شيء من هذا في قولهم: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت. وقال الآخر:
إذا جار الأمير وكاتباه ... و قاضي الأرض داهن في القضاء
فويل ثم ويل ثم ويل ... لقاضي الأرض من قاضي السماء!
و قال زهير:
وإن الحق مقطعه ثلاث ... يمين أو نفار أو جلاء
و يروى أن عمر رضي الله عنه لما سمع هذا البيت جعل يردده استحسانا له وتعجبا من معرفته بالحقوق وإبانته أحكامها وإقامته أقسامها. وقال الآخر:

(1/71)


خير ما ورث الرجال بينهم ... أدب صالح وحسن ثناء
و قال سابق البربري:
موت التقي حياة لا انقطاع لها ... قد مات قوم وهم في الناس أحياء
و مثله قول الآخر:
أخو العلم حي خالد بعد موته ... و أوصاله تحت التراب رميم
وذو الجهل ميت وهو يمشي على الثرى ... يعد من الأحياء وهو عديم
و قال أبن الرومي:
إن لله بالبرية لطفا ... سبق الأمهات والأباء
و قال أيضا:
أنت عيني وليس من حق عيني ... غض أجفانها على الأقذاء
و قال لبيد:
كانت قناتي لا تلين لغامز ... فألانها الإصباح والامساء
و قال عبد الله بن عيينة:
كل المصائب قد تمر على الفتى ... فتهون غير شماتة الأعداء
و مثله في ذكر الشماتة قول الآخر:
إذا ما الدهر جر على أناس ... بكلكله أناخ بآخرينا
فقل للشامتين بنا: أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا
و قال عدي بن زيد:
أيها الشامت المعير بالدهر ... أأنت المبرأ الموفور؟
أم لديك العهد الوثيق من الأيام ... بل أنت جاهل مغرور
من رأيت المنون خلدن أم من ... ذا عليه من أن يضام خفير
و قال منصور الفقيه:
يا من يسر بموتي ... إذا أتاه البشير
أليس من كان بمثلي ... إلى مصيري يصير
و تمثل الشافعي رضي الله عنه، حين بلغه دعاء من دعا عليه بالموت ببيتي الشاعر:
تمنى رجال أن أموت فإن أمت ... فتلك طريق لست فيها بأوحد
فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى ... تهيأ لأخرى مثلها فكأن قد
و قال الحماس في الملح:
وما العيش إلا أكلة وتشرق ... و تمر كأكباد الجراد وماء
التشرق بالراء: القعود للشمس، والتمر الذي كأكباد الجراء: الصيحاني. وقال الآخر:
من فاته العلم واخطاه الغنى ... فذاك والكلب على حد سوا
و لنقتصر على هذا القدر من هذا الباب، فإن فيه كفاية إن شاء الله تعالى. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
باب الباء
بحث عن حتفه بظلفه
البحث: التفتيش. والحتف: الهلاك. والظلف بكسر الظاء للشاة والبقرة والظبي بمنزلة القدم لنا. واستعاره عمرو بن معدي كرب للخيل في قوله: وخيل تطأكم بأظلافها.
يضرب هذا المثل في الحاجة تؤدي صاحبها إلى التلف وجناية الإنسان على نفسه. وأصله أن ما عزة لبعض العرب كانوا أرادوا ذبحها، فلم يجدوا شفرة يذبحونها بها فجعلت تنبش برجلها في الأرض حتى استخرجت بنبشها شفرة كانت ضاعت لهم في الأرض، فذبحوها بها وقالوا: بحثت عن حتفها بظلفها. فذهبت مثلا. وقال الفرزدق في ذلك:
وكان يجير الناس من سيف مالك ... فأصبح يبغي نفسه من يجيرها
وكان كعنز السوء قامت بظلفها ... إلى مدية تحت الثرى تستثيرها
و قال أبو الأسود:
فلا تك مثل التي استخرجت ... بأظلافها مدية أو بفيها
فقام إليها بها ذابح ... و من تدع يوما شعوب يجيها
أبخر من الأسد.
البخر بفتح الخاء المعجمة: نتن الفم وغيرها. يقال: بخير بالكسر، فهو أبخر وهي بخراء. وعلى هذا فالقياس أن لا يصاغ التفضيل من لفظه، بل يقال: أشد بخرا. فإن صح ورود لفظ المثل عنهم كان من الشواذ: وإلا فهو لحن. والأسد معروف، وهو مشهور ببخر الفم وبه يضرب المثل فيه ومن ثم قال البلغاء: لو قيل: جاء أسد، وأريد رجل أبخر، كان استعارة صحيحة، غير إنها لا تكون مقبولة لعدم استعمالها: فإن الوجه فيها يشترط أن يكون بينا، ولا يكون بحيث يجعلها كاللغز. ومن الأمثال المشهورة للعامة قولهم: من يستطيع إن يقول للأسد أنت أبخر الفم؟ يضربونه عندما يرون عيب أو أذى ممن لا يقدر أن يذكر له ذلك وينبهه عليه ويقبح له، أو تصدر كلمة باطلة مما لا يقدر أن ترد عليه. وكان من أصل ذلك مثل آخر لهم وهو قولهم: يبرأ الجرح السوء، ولا يبرأ الكلام السوء. وسيأتي.
أبخر من صقر
البخر: تقدم. والصقر، بفتح الصاد المهملة وسكون القاف: كل شيء يصيد من البزاة والشواهين. جمعه صقر بالضم، وأصقر وصقور وصقورة وصقار وصقارة. ويقال تصقر الرجل: صاد بالصقر وهو أيضا مما يوصف ببخر الفم. قال الشاعر:
فله لحية تيس ... و له منقار نسر

(1/72)


وله نكهة ليث ... خالطت نكهة نسر
و النكهة: رائحة الفم.
البدل أعور
بدل الشيء بفتحتين والدال المهملة، وبدله بالكسر وبديله: خلفه والأعور معروف. يضرب هذا المثل في سوء الخلف والرجل المذموم يخلف بعد الرجل المحمود. وأصله أن يزيد بن المهلب كان على خراسان ثم عزل عنها وولي مكانه قتيبة بن مسلم الباهلي وكان شيخا أعور شحيحا، فقال الناس: هذا بل أعور! فذهب مثلا لكل ما لا يرضى بدلا. وفي ذلك قال بعض الشعراء:
كانت خراسان أرضا إذ يزيد بها ... وكل باب من الخيرات مفتوح
حتى أتانا أبو حفص بأسرته ... كأنما وجهه بالخل منضوح
و فيه قال أبن همام السلولي:
أقتيب قد قلنا غداة أتيتنا ... بدل لعمرك من يزيد أعور
قلت: ويظهر لي أن المثل قديم ويد على ذلك ما نسبه أهل السيرة لدحية بن خليفة إنه قال حيث أتى قيصر:
ألا هل أتاها على نأيها ... بأني قدمت على قيصر
فغررته بصلاة المسيح ... و كانت من الجوهر الأحمر
وتدبير ربك أمر السماء ... و الأرض فأغضى ولم ينكر
وقلت تقر ببشرى المسيح ... فقال سأنظر قلت أنظر
فكاد يقر بأمر الرسول ... فمال إلى البدل الأعور
فشك وجاشت له نفسه ... و جاشت نفوس بني الأصفر
على وضعه بيديه الكتاب ... على الرأس والمنخر
فأصبح قيصر من أمره ... بمنزلة الفرس الأشقر
و الله اعلم.
برح الخفاء
يقال: برح الرجل مكانه بالكسر إذا زال عنه. وأكثر استعماله مع النفي ونحوه، كقوله:
وما برحت أقدامنا من مكاننا ... ثلاثتنا حتى أزيروا المنائيا
و قد يحذف لفظا كقول الآخر:
وأبرح ما أدام الله قومي ... بحمد الله منتطقا مجيدا
والنتطق: ذو السلاح، والمجيد بالضم: صاحب الجواد من الخيل. ومن هذا قولهم لا براح قال:
من صد عن نيرانها ... فأنا أبن قيس لا براح
و يقال للأسد والرجل الشجاع حبيل براح، بمعنى أن كل منهما كأنه شد بالحبال فلا يبرح مكانه ولا يزول. ويقال : برح الخفاء بالكسر ومعناه وضح الأمر. قال بعض اللغويين: معناه ظهر الأمر وصار كأنه في براح وهو المكان المستوي من الأرض. ويقال: البراح من الأرض ما كان ظاهرا مكشوفا؛ ولذا قيل للشمس براح، وهو اسم معدول مكسور قال الراجز:
هذا مقام قدمي رباح ... غدوة حتى دلكت براح
و رباح اسم ساق كان يسقي لإبله. يريد إنه أقامعاى السقي حتى دلكت الشمس أي مالت. وقيل: برح الخفاء أي ذهب السر وظهر. والخفاء هنا: السر. وقيل: الخفاء المتطأطئ من الأرض والبراح والمرتفع منها الظاهر. فإذا قيل: برح الخفاء فكأنه قيل أرتفع المتطأطئ حتى صار كالمرتفع الظاهر. وقال بعضهم: الخفاء ما غاب عنك. وقال بعض الأئمة: يقال: برح الشيء يبرحه إذا انتحى وذهب وبرح الخفاء: ذهب؛ وأبرحته أنا: أذهبته. قال أبن دريد: وأول من قاله شق الكاهن. وقال حسان رضي الله عنه:
ألا أبلغ أبا سفيان عني ... مغلغلة فقد برح الخفاء
أبرد من حبقر.
أبرد: من البرودة وهي معروفة وحبقر أصله حب قر والحب: حب الغمام، والقر: البرد. ويقال : أبرد من حب قر وأبرد من عبقر ومن عب قر. والعب من أسماء البرد.
بر الكريم طبع، وبر البخيل دفع.
البر: الحسان والفضل. ولا شك أن الكريم ينبعث منه البذل طيبة به نفسه، بل يجد في ذلك أعظم اللذات، والبخيل لا يصدر عنه عطاء إلا عناء ومقاساة من نفسه حتى لا يكاد تسمع نفسه بالعطاء إلا عن رغبة أو رهبة كتوقي الأذى في النفس والمال والعرض. وهذا المنى بين مشروح في أبواب الكرن والبخل، مشهور لا حاجة إلى ذكره وما قيل فيه.

(1/73)


ومن الشديد الصعب في هذا المقام ما ذكره صاحب التشوق رحمه الله تعالى في مناقب الشيخ أبي العباس السبتي رضي الله عنه عن أبي زيد عبد الرحمن بن يوسف الحسني قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله أريد أن أراك في النوم كل ليلة. فقال: هذا لا يمكن فإني مطلوب في المشرق والمغرب. فشكوت له حالتي فقري، فقال لي: البخل أضر بك. قال: فمر بنا أحمد بن دوناس، وهو رجل صالح من الأولياء الأخفياء من أهل أغمات، لا يمسك شيئا وربما تجرد عن أثوابه فيؤثر بها ويستتر بالأبواب. فسلم علينا وانصرف. فقلت: يا رسول الله وهذا؟ فقال: البخل اضر به. فقلت: يا رسول الله بين لي ما هذا البخل. فقال لي: لأقولن لك فيه قولا ينقله إليكم علماؤكم، إذا خطر لأحدكم خاطر بالعطاء ثم عقبه خاطر آخر بالمنع فالتردد في الخاطر الأول بخل. قال : فسألته عن أبي العباس السبتي، وكنت سيئ الاعتقاد فيه فتبسم ثم قال لي: هو من السباق. فقلت له: بين لي. فقال لي: هو ممن يمر على الصراط كالبرق. قال: فأصبحت وخرجت فلقيت أبى العباس السبتي فقال: ما سمعت وما رأيت؟ فقلت له: دعني. فقال: والله لا تركتك حتى تعرفني. فذهبت معه إلى حانوت أبن مساعد، فأنشأت أحدثه إلى أن قلت له: التردد في الخاطر الأول بخل. فصاح وغشي عليه، ثم قال: كلمت الصفا من المصطفى، وصار متى يذكر هذا الكلام يغشى عليه. انتهى ملخصا. فليعتبر العاقل بهذه القصة وهذا الكلام ولينظر في أحوال نفسه وأحوال غيره كيف يلقى من نفسه عندما يهم بخير غاية التردد والمنازعة والعناء، حتى إذا أعطى قليلا واكدى أهمته نفسه أنه جواد كريم رؤوف رحيم. وليته عرف مقامه وتقصيره فيتوب أو يستغفر وينكسر، عسى أن يتخلص مما ورد على البخل من الوعيد الشديد والذم الأكيد! والله المستعان.
أبر من هرة.
البر يطلق على الخير وعلى الاتساع في الإحسان كما مر، وعلى الصلة وعلى الجنة وعلى الطاعة وعلى الصدق وعلى ضد العقوق وهو المراد هنا. يقال منه: بررته بكسر الراء وفتحها برا ومبرة، أبره، فأنا بار، وهو مبرور. والهرة بكسر الهاء معروفة وهي الأنثى؛ والذكر هر. وإنما وصفت الهرة بالبر لأنها تؤكل أولادها محبة لهن، كما قال الشاعر:
أما ترى الدهر وهذا الورى ... كهرة تأكل أولادها
و هي أيضا توصف بالعقوق، وسيأتي.
بالرفاء والبنين.
الرفاء بكسر الراء والمد على مثال كساء: الاتفاق والالتئام. ويستعمل عند تهنئة المتزوج والدعاء له بأن يرزق اجتماع الشمل ويرزق الأولاد. والرفاء مأخوذ من قولك: رفأت الثوب ورفوته يهمز ولا يهمز. ومعناه لأمته وضممت بعضه إلى بعض. يقال: من اغتاب خرق، ومن استغفر رفأ؛ وقال أبن هرمة:
بدلت من حد الشبيبة ... و الإبدال ثوب المشيب أردؤها
ملاءة غير جد واسعة ... أخيطها مرة وأرفؤها
و استعمل الرفاء والمرافات في الموافقة. قال الآخر:
ولما أن رأيت أبا رويم ... يراعيني ويكره أن يلاما
و بعض اللغويين يجعل هذا المعنى أصلا للمثل المذكور. وقيل هو دعاء بالسكون والطمأنينة أخذا من قولهم: رفوت الرجل أي سكنته من الرعب. قال أبو خراش:
رفوني وقالوا: يا خويلد لا ترع ... فقلت وأنكرت الوجوه هم هم
و يقال: رفأت الرجل ترفيئا: قلت له بالرفاء والبنين وتزوج عقيل بن أبي طالب امرأة فقيل: بالرفاء والبنين. فقال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا رفأ أحدكم أخاه فليقل: بارك الله لك وبارك عليك!
برق لمن لا يعرفك.
يقال : برق الرجل وبرق وأبرق إذا أوعد وتهدد. ويقال أيضا : رعد وبرق وأرعد وأبرق. قال أبن أحمر:
يا جل ما بعدت عليك بلادنا ... فأبرق بأرضك ما بدا لك وأرعد!
و قال الكميت:
أبرق وأرعد يا يزيد ... فما وعيدك لي بضائر!
و قال المتلمس:
إذا جاوزت من ذات عرق ثنية ... فقل لأبي قابوس ما شئت فارعد!

(1/74)


و أنكر الأصمعي أبرق وأرعد رباعيا. ذكر القالي في نوادره عن أبي حاتم قال : قلت للأصمعي: أتقول في التهدد أبرق وأرعد؟ قال: لا لست أقول ذلك إلا أن أرى البرق أو اسمع الرعد. قلت: فقد قال الكميت أبرق وأرعد، البيت فقال، الكميت جرمقاني من أهل الموصل ليس بحجة؛ والحجة الذي يقول: إذا جاوزت من ذات عرق، البيت. فأتيت أبا يزيد فقلت له: كيف تقول من الرعد والبرق فعلت السماء؟ قال : رعدت وبرقت أو أرعدت وأبرقت من الرعد والبرق قلت: فمن التهدد؟ قال : رعد وبرق، وأرعد وأبرق، فأجار اللغتين جميعا.و أقبل إعرابي محرم فأردت أن أسأله، فقال لي أبو زيد: دعني فأنا أعرف بسؤاله. فقال أبو زيد: يا إعرابي، كيف تقول: رعدت السماء وبرقت أو أرعدت وأبرقت؟ فقال: رعدت وبرقت. فقال أبو زيد فكيف تقول للرجل من هذا؟ فقال: أمن الجخيف تريد؟ يعني التهدد. قال : نعم. فقال: أقول: رعد وبرق وأرعد وأبرق. ومعنى المثل: برق وتهدد على من لا يعرف موقع وعيدك ومنتهى تهديدك! وأما أنا فقد عرفتك. يضرب عند جواب الجبان إذا جعل يخوف ويتهدد. قد ذكر في ه المثل الآخر، وهو قولهم: برق ورعد، فلا حاجة إلى إعادته.
أبرما قرونا.
البرم بفتحتين: من لا يدخل مع القوم في الميسر وهو ذم عند العرب غاية؛ كما أن الدخول فيه مدح. قال متمم:
ولا برم تهدى النساء لعرسه ... إذا القشع من برد الشتاء تقعقعا
هلا سألت بني ذبيان ما حسبي ... إذا الدخان تغشى الأشمط البرما؟
يقول إنه يغشى مستوقد القوم ليصيب مما نحروا، لأنه برم لا تسخو نفسه بالأخذ مع القوم والخول معهم؛ وجمعه أبرام. قال دريد بن الصمة:
إذا عقب القدور عددن مالا ... أحب حلائل الأبرام عرسي
و عقب القدور: ما يبقى في أسفلها فاضلا ولا تعد مالا إلا عند اشتداد الأمر؛ وحينئذ تبقى زوجات الأبرام لا مرقة عندهن فيحببن عرسي لما عندها من المرق والخير. وبرم الرجل بالكسر، يبرم. قال النابغة:
لا يبرمون إذا ما الأفق جلله ... برد الشتاء من الامحال كالأدم
و يقال في ضده: يسر الرجل ييسر أي ضرب بالقداح. قال علقمة:
وقد يسرت إذا ما الجوع كلفه ... معقب من قداح النبع مقروم
و رجل يسر والجمع أيسار قال الشاعر:
وراحلة نحرت لشرب صدق ... وما ناديت أيسار الجزور
وقال الحماسي:
هينون لينون أيسار ذوو كرم ... سواس مكرمة أبناء أيسار
من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم ... مثل النجوم التي يسري بها الساري
و قال عنترة في معناه:
ومشك سابغة هتكت فروجها ... بالسيف عن حامي الحقيقة معلم
ربذ يداه بالقداح إذا شتا ... هناك غايات التاجر ملوم
و اربذ المسرع. يريد إنه يسرع إلى ضرب القداح إذا شتا؛ والتجار: باعة الخمر. ويريد إنه مع ذلك يشرب الخمر ويسقيها في ثمنها حتى يعطي غاية ما يطلبه التاجر،و هو معنى هتك غاياتهم.

(1/75)


وقلت عجوز أعرابية لثلاث بنات لها: لتصف لها كل منكن من تحب من الرجال! فقالت الكبرى: أريده أورع بساما أحذ مجذاما سيد ناديه وثمال عافيه ومحسب راجيه فناؤه رحب وقياده صعب. وقالت الوسطى: أريده عاي السناء، مصمم المضاء، عظيم نار، متمم أيسار، يفيد ويبيد ويبدئ ويعيد، في الأهل صبي وفي الجيش كمي، تستعبده الحليلة وتسوده الفضيلة. وقالت الصغرى: أريده بازل عام، كامهند الصمصام، قرانه حبور، ولقاؤه سرور، إن ضم قضقض، وإن دس أغمض وإن أخل أحمض. فقالت أمها: فض فوك! لقد فررت لي شرة الشباب جذعة. والأورع: الكريم وقيل الجميل. والأحذ: الخفيف السريع. والمجذام: القاطع للأمور من الجذم وهو القطع. والنادي: المجلس. والثمال: الغياث. والعافي والمعتفي: من جاء طالبا للمعروف. والفناء: الرحب الواسع. وصعب القياد من الرجال: العزيز الممتنع، وأصله في الدابة. والسناء بالمد: الشرف؛ والمصمم: الماضي في الأمور لا يثنيه شيء. والأيسار جمع يسر كما مر. والكمي: الشجاع. وحليلة الرجل: زوجه. والفصيلة: رهط الرجال المقربون. وبازل عام: التام الشباب، وأصله في الإبل، وستذكر بعد أسنانها إن شاء الله تعالى. وقضقض: كما يقضقض الأسد فريسته وهو أن يحطمها فيسمع لعظامها صوت؛ ودس الشيء: دفعه؛ والاخلال والأحماض: مثل، وسيأتي تفسير ذلك بعد أن شاء الله تعالى؛ والقرون فعول من قرن للمبالغة: يقال: قرن بين أحدين إذا جمع بينهما، فهو قارن وقرون وقرآن.
وأصل المثل أن رجلا كان برما فدخل على امرأته فوجدها تأكل لحما فجعل يأكل بضعتين. فقالت له: أبرما قرونا، فذهبت مثلا. والمعنى أن تكون برما قرونا، فتجمع بين مذمتي البخل والنهم. ولم يذكر في الصحاح أصل هذا المثل وقال : معناه هو برم ويأكل مع ذلك تمرتين انتهى. فجعل القرآن. وهو يحتمل أن يكون أصله أو من مضاربه وهو صحيح. ومثله في القاموس إلا إنه فسر البرم في المثل بالثقل. ولا شك أن البرم يطلق على السأم والضجر. يقال: برم به إذا ضجر وأبرمه: أضجره. قال الشاعر في ثقيل:
مشتمل بالبغض لا تنثني ... إليه طوعا لحظة الرامق
يظل في مجلسنا مبرما ... أثقل من واش على عاشق
و يقال: كتب الأعمش نقشا في خاتمه: يا مقيت، أبرمت فقم! فإذا استقبل جليسا ناوله إياه.
أبصر من عقاب.
البصر: حس العين. يقال: بصر بالشيء، بالضم والكسر بصارة وبصرا، صار مبصرا له؛ وتبصره: نظر هل يبصره؛ وهو أبصر منه، أي أقوى إدراكا. والعقاب: الطائر المعروف، جمعه أعقب، لأنه مؤنث. قال امرؤ القيس:
كأن دثارا حلقت بلبونه ... عقاب تنوفى لا عقاب القواعل
و العقاب توصف بحدة البصر.
أبصر من غراب.
البصر معروف. والغراب جمعه غربان وأغربة وغرابين وغرب، ويوصف أيضا بحدة البصر. وزعموا أنه يرى من تحت الأرض مقدار منقاره. وذكر بعض اللغويين أن العرب تسمي الغراب أعور، ويزعمون أنه يغمض أبدا إحدى عينيه، ويقتصر على النظر بواحدة من قوة بصره. وقيل سموه أعور من حدة بصره على طريق التفائل، كما قال بشار بن برد:
وقد ظلموه حين سموه سيدا ... كما ظلم الناس الغراب بأعورا
و قال أبن اللبانة:
لما تناهيت علما ظل ينقصني ... عند الكمال خضيب النير السرر
وفي الغراب إذا فكرت مغربة ... من فرط إبصاره يعزى إلى العور
أبصر من فرس.
الفرس معروف للذكر والأنثى. ويوصف أيضا بحدة البصر، وهو صحيح مجرب، بحيث إن الفارس قد يرخي عنانه في الطريق غير الواضح، والظلام معتكر، فيسير به ويتخطى المهاوي والجراثيم التي لا شعور للراكب بها ولا إحساس.
أبصر من المائح باست الماتح.
المائح: الذي ينول البئر ليملأ الدلو بيده إذا قل الماء فيها، وقد ماح يميح. قال الراجز:
يا أيها المائح داوي دونكا ... إني رأيت الناس يحمدونكا
و قال الآخر:
فآنس سرب قطا قارب ... جبى منهل لم تمحه الدلا
والماتح:المستقي النازع للدلو على جبى البئر. قال علقمة:
كأن ذراعيها على الخل بعد ما ... ونين ذراعا ماتح متجرد
و قال ذو الرمة:
كأمه دلو بئر جد ما تحها ... حتى إذا ما رآها خانها الكرب

(1/76)


و من المعلوم أن المائح الذي تحته يبصر عورته ويكون بصيرا باسته إن لم يتسرول؛ فلذلك قالوا ما تقدم. وقال بعض الأدباء:
يا مائح العين عدمت الرقى ... من حرص هذي العين لم يستقي
من شيمة الماء انحدار فلم ... ما جفوني أبا يرتقي؟
أبصر من هدهد
الهدهد معروف، ويقال له أيضا هداهد بالضم والجمع هداهد بالفتح، ويوصف بحدة البصر أيضا. وزعموا أنه يبصر الماء من تحت الأرض، وأن الأرض كانت له كالزجاج. وقالوا إنه كان دليل نبي الله سليمان عليه السلام على الماء، وإنه إنما غضب عليه وحلف ليعذبنه لكونه نزل على غير ماء. وحضرت الصلاة، فسأل الإنس والجن والطير على الماء فلم يجد عندهم علما، فتفقد الهدهد فلم يجده فغضب عليه وفي ذلك قصة طويلة. وتقدم من كلام أبن عبالس وأن نافعا سأل لم اعتنى سليمان مع ما خوله الله تعالى من الملك بالهدهد مع صغره؟ فقال: أنه احتاج إلى الماء والهدهد كانت له الأرض كالزجاج وأن أبن الأزرق قال لابن عباس: قف يا وقاف! كيف يبصر الماء من تحت الأرض ولا يرى الفخ إذا غطي له بمقدار إصبع من تراب؟ فقال أبن عباس: إذا نزل القضاء عمي البصر!
أبصر من وطواط بالليل.
الوطواط: الخفاش وهو معروف.
بصبصن إذ حدين بالأذناب
يقال: بصبص الكلب والفحل وغيرهما إذا حرك ذنبه. وحدين: سقن من الحداء الذي يبعث به نشاط الإبل وهو بالدال المهملة. ويروى حذين بالذال المعجمة، من المحاذاة. يضرب هذا المثل في فرار الجبان وخضوعه واستكانته، وكأنه شطر بيت.
بضرب خباب وريش المقعد
خباب: قين بمكة كان يضرب السيوف؛ والمقعد كان يريش السهام. فتكالم الزبير وعثمان فقال الزبير: إن شئت تقاذفنا، قال: أبالبعر، يا أبا عبد الله؟ فقال الزبير: بل بضرب خباب وريش المقعد، أي نتقاذف بالسيف والسهام.
أبطأت بالجواب، حتى فات الصواب.
قاله قصير لجذامة الأبرش في قصة طويلة. وملخصها على ما ذكر الأخباريون يزيد بعضهم عن بعض ويدخل حديث بعضهم في بعض، إن جذيمة هذا وهو جذيمة بالذال المعجمة المكسورة أبن مالك بن فهم بن الأوس بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن يشرب بن يعرب بن قحطان. وقد قيل إنه من العرب الأولى من إياد بن أميم وكان بياض. فكرهت العرب أن تقول أبرص فقالت له أبرش والواضح. وقيل: الصواب أن الواضح غير هذا. وقيل: سمي الأبرش لأنه أصابه حر ونار فبقي فيه نقطا سوداء وحمراء. كان ملك الحيرة وما حولها ستين سنة، وكان زمان ملوك الطوائف وكان يغير على من حوله من الملوك حتى غلبهم على كثير مما في أيديهم. وهو أول من أوقد له الشمع ونصب المجانيق للحرب. ثم إن جذيمة غزا الحضر وهي مدينة بين دخلة والفرات. وإياه عنى عدي بن زيد العبادي بقوله:
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجلة ... تجبى إليه والخابور
شاده مركرا وجلله كلسا ... فللطير في ذراه وكور
و كان صاحب الحضر إذ ذاك عمرو بن الظرب، وهو أبو الزباء كان ملك على الحضر، فظفر به جذيمة وقتله. وذهبت بنته الزباء مطرودة نحو الروم، وكانت من أجمل نساء زمانها، وكان لها شعر إذا أرسلته غطى بدنها وبذلك لقبت بالزباء وهي تأنيث الأزب أي الكثير الشعر. وعلى هذا فاسمها ممدود. وقال البكري: الزباء ألفها مقصورة. قال: وقد رد العلماء فيه المد لأنه تأنيث زبان الاسم المستعمل. فأما الزباء ممدودا فإنما هو تأنيث أزب، لم يستعمل اسما وإنما هو صفة للكثير شعر البدن. قال: والشاهد لما قلناه قول عدي بن زيد:
فأضحت في مدائنها كأن لم ... تكن زبا لحاملة جنينا

(1/77)


قلت: وما أراه إلا وهما وغلطا، وذلك إن فعاى بالقصر إنما تأتي تأنيث فعلان، كعطشان وسكران. وزبان الذي هو اسم إنما هو فعال أصيل النون من مادة الزبن والمزابنة لا فعلان. ومادة زبب لم يرد منه إلا زبان لصاحب الزبيب، وأزب للكثير الشعر. والأول لا يرد منه فعلى بالقصر كما من عشاب وبقال وحمار. وكذا الثاني، إنما يرد منه فعلاء بالمد كأحمر وأشهب وأوطف وأجرد ومؤنثه حمراء ووطفاء وجرداء وكذا أزب وزباء وهذا أمر واضح. وأما قوله: إن الأزب لم يستعمل اسما فغير بين فإن الأزب من أسماء الشياطين. وفي حديث العقبة هو شيطان اسمه أزب العقبة. والزباء اسم لبلد على الفرات ولفرس الأصيدف الطائي ولماء لبني سليط وآخر لطهية ولعين باليمامة. والزباء أيضا اسم من أسماء الأست، والدهية الشديدة. فلم يصح قوله إنه لم يستعمل اسما. ولم يمتنع أن يكون اسما للملكة المذكورة وإن كان وصفها في أصله بل لو لم يكن اسما في غيرها لم يمتنع أن يكون اسما فيها على أنه ليس اسما لها بادئ بدء. وإنما لقبت به لكثرة شعرها كما قلنا أولا فغلب عليها. واسمها فارعة وقيل نائلة وقيل ميسور. وأما البيت الذي استشهد به، فليس وحده بناهض في الاحتجاج لصحة قصر الممدود. والمعروف عند اللغويين إن الزباء بالمد كما نطق به الإمام أبو بكر بن دريد في مقصورته حيث قال:
فاستنزل الزباء قسرا وهي من ... عقاب لوح الجو أعلى منتهى

(1/78)


و هو الموافق للقياس. ومد المقصور أضعف من قصر الممدود. ثم إن الزباء جمعت الأموال والأجناد وتوقفت وكانت نبيلة علقلة. فعادت إلى دياره أبيها وأزالت جذيمة عنها وملكت. فكانت تعد من ملوك الطوائف وحرمت الرجال على نفسها فهي بتول. وكان بينها وبين جذيمة مهادنة بعد حروب جرت. فلما همت بالقيام بثأر أبيها أرسلت إليه تخطبه على نفسها وترغبه في أن يتصل ملكه بملكها، فأحب ذلك. وقيل هو الذي حدثته نفسه بخطبتها فشاور خاصته فوافقوه كلهم إلا قصيرا. وهو قصير بكسر الصاد أبن سعد وكان عاقلا نبيلا وهو أبن عم جذيمة وصاحب أمره وعهده. قالوا ولم يكن قصيرا وإنما سمي به فقط. قال له: أبيت اللعن أيها الملك! إن الزباء حرمت الرجال فهي بتول عذراء لا ترغب في مال ولا جمال ولها عندك ثأر والدم لا ينام؛ وإنما هي تاركتك رهبة وحذارا والحقد دفين في سويداء القلب له كمون ككمون النار في الحجر إن اقتدحته أورى إن تركته توارى وللملك في بنات الملوك متسع. وقد رفع الله قدرك عن الطمع فيما هو دونك وعظم الرب شأنك فما أحد فوقك. فقال جذيمة: يا قصير الرأي ما رأيت ولكن النفس تواقة وإلى ما تحب مشتاقة ولكل امرئ قدر لا مفر منه ولا وزر! ثم وجه جذيمة إليها خاطبا وأمره أن يظهر لها ما ترغب به وتميل فلما جاءها الخاطب أجابت وأظهرت فرحا كبيرا وغبطة عظيمة وقالت: لولا أن المسير في هذا أجمل بالرجال سرت إليه فوجهت الخاطب وبعثت معه إلى جذيمة بهدية سنية فيها من الإماء والكراع والسلاح والأموال والبقر والغنم وغير ذلك من الجواهر الرفيعة والطرف العجيبة ما يبهر الناظرين. فلما بصر جذيمة بذلك أعجبه مع ما بلغه من حسن جوابها وطيب كلامها وظن أن ذلك كان رغبة منه فيه زوجا. فخرج إليها من فوره مع خاصته وفيهم قصير واستخلف على مملكته أبن أخيه عمرو بن عدي اللخمي وسيأتي ذكره بعد إن شاء الله تعالى. فسار حتى بلغ موضعا يقال بقعة فأكل وشرب وأعاد المشوار فاستصوبوا أيضا ما أراد إلا قيصرا فانه قال : أيه الملك كل عزم لا يؤيد بجزم فإلى أفن يكون كونه. فلا تثق بزخرف قول لا محصول له ولا تقذف الرأي بالهوى فيفسد لا الحزم بالمنى فيبعد! والرأي عندي للملك أن يتعقب أمره بالتثبت ويأخذ حذره بالتيقظ. ولولا أن الأمور تجري بالمقدور لعزمت على الملك عزما بتا أن لا يفعل. فقال جذيمة: الرأي مع الجماعة. فقال قصير: أرى القدر سائق الحذر لا يطاع لقصير أمر أو رأي. فأرسلها مثلا. ثم سار جذيم حتى قرب من ديار الزباء فأرسل إليها يعلمها بمجيئه. فلما جاءها الرسول أظهرت السرور والرغبة، وأمرت بحمل الضيافة إليه وقالت لأجنادها وخاصتها: تلقوا سيدكم ومالك دولتكم!و عاد الرسول بالجواب إليه وأخبره بما رأى وسمع. فلما أراد جذيمة أن يسير دعا قصيرا فقال له: أنت على رأيك؟ قال: نعم! وقد زادت بصيرتي فيه. أف أنت على عزمك؟ قال: نعم! وقد زادت رغبتي فيه. فقال قصير: ليس للدهر بصاحب من لم ينظر في العواقب. فأرسلها مثلا. ثم قال له: وقد نذرتك الأمر قبل فواته وفي يد الملك بقية هو بها قادر على استدراك الصواب؛ فإن وثقت بأنك ذو ملك وسلطان وعشيرة فقد نزعت يدك من سلطانك وفارقت عشيرتك وألقيتها في يد من لست آمن عليك مكره وغدره. فإن كنت فاعلا ولا بد فإنهم غدا يلقونك ويقومون لك صفين حتى إذا توسطهم أحدقوا بك؛ فهذه العصا لا يشق غبارها وهو أول من قاله. وكانت العصا فرسا لجذيمة لا تدرك فهي ناجية بك إن ملكت ظهرها وناصيتها. ويروى أنه قال له: انهم غدا إن لقولك فترجلوا وحيوك فتقدموا، فقد كذب ظني، وإن رأيتهم حيوك فطافوا بك، فإني اعرض لك العصا. فسمع جذيمة كلامه فلم يرد عليه جوابا.ثم سار جذيمة، وقصير عن يمينه، فقامت الزباء وبعث وقالت لهم: سيروا حتى إذا لقيتموه فقوموا صفين عن يمينه وشماله، فإذا توسطكم فانقضوا عليه اجمع، وإياكم أن يفوتكم! فلما أحاطوا به وعلم أنهم ملكوه أقبل على قصير، وكان مسايره، فقال له: صدقت يا قصير! فقال قصير: أبطأت بالجواب، حتى فات الصواب! فأرسلها مثلا. فقال جذيمة: فكيف الرأي؟ فقال: تركت الرأي ببقة! فأرسلها مثلا. ويروى إنه قال له: هذه العصا فدونكها لعلك تنجو عليها! فأنك من ذلك. وقيل إنه عرضها له فشغل عنها، فركبها قصير فنجا. فلما نظر إليه جذيمة وهو عليها ينقطع دونه السراب

(1/79)


قال: ما ذل من جرت به العصا! فأرسلها مثلا. ويروى إنه قال، حين نظر إليه على ظهرها: ويل أمه حزما على ظهر العصا! فأرسلها مثلا. ثم سارت الجيوش بجذيمة، فتطلعت عليه الزباء من قصرها فقالت: ما احسنك من عروس تجلى علي وتزف إلي! حتى دخلوا به عليها في قصرها وحولها جواريها. وكانت قد ربت شعر عانتها سنة وضفرته. فلما دخل عليها تكشفت له فقالت: أ شوار عروس ترى؟ فقال: بل شوار أمة بظراء. فقالت: أما إنه ليس من عدم المواسي، ولا من قلة الأواسي، ولكنه شيمة ما أقاسي فأمرت به فأجلس على نطع وقطعت رواهشه. ويروى في طست من ذهب تفاؤلا أن يذهب دمه هدرا. وكان قد قيل لها: تحفظي بدمه، فإنه إن وقعت قطرة منه على الأرض طلبت بثأره. فلما صعفت يده سقطت، فقطر منه في غير الطست شيء، فقالت: لا تضيعوا دم الملك! فقال: دعوا دما ضيعه أهله! ومات. وقيل إنه قد قال: لا يحزنكم دم أراقه أهله! فقالت: والله ما وفى دمك، ولا شفى قتلك، ولكنه غيض من فيض فأرسلها مثلا. فلما قضى أمرت به فدفن. وكان عمرو بن عدي يخرج إلى ظهر الحيرة يستشرف خبر خاله. فبينما هو ذات يوم ينظر إذ رأى العصا تهوي بقصير، فقال عمرو: أما الفرس ففرس جذيمة، وأما الراكب فكالبهية، لأمر جاءت العصا. فأرسلها مثلا. فإذا هو بقصير قد اقبل، فقالوا: ما وراءك؟ فقال: سعى القدر بالملك إلى حتفه، على الرغم من انفي وانفه! وسيأتي تتمة القصة بعد هذا في خير فصير حيث قام بثأر جذيمة إن شاء الله تعالى. وفي تقل جذيمة قال الشاعر:
وقددت الأديم لراهشيه ... و ألفي قولها كذبا ومينا
و قال سويد بن أبي كاهل:
وأبو ملك الملك الذي ... قتلته بنت عمرو بالخذع
أبطأ من غراب نوح.
زعموا أن نبي الله نوح عليه السلام بعث الغراب لينظر له هل غرقت البلاد ويأتيه بخبرها. فذهب فوجد جيفة طافية على وجه الماء، فأشتغل بها وبقي ولم يأته بالخبر. فدعا عليه فغلت رجلاه وخاف من الناس. وأعلم أن البطء ثلاثي ورباعي: يقال بطؤ بضم الطاء، وبطئا وبطاء بالكسر، وأبطأ: ضد أسرع. ويقال: هو أبطأ منه. وهو إن كان صوغه من الثلاثي فمقيس اتفاقا؛ وإن كان من الرباعي فهو جائز أيضا عند سيبويه في هذا الوزن.
أبطأ من فند.
البطء: مر. وفند بكسر الفاء وسكون النون بعدها دال مهملة: اسم رجل. وهو مولى لعائشة بنت سعد بن أبي وقاص، بعثته يأتيها بنار. فلما خرج وجد قوما يريدون مصر، فصحبهم وأقام بمصر سنة، ثم رجع فأتاها بالنار؛ وجاء يشتد فعثر وتبدد الجمر فقال: تعست العجلة! فضرب به المثل في البطء.
البطنة، تذهب الفطنة.

(1/80)


هذا من الأمثال الحكيمة. والبطنة بالكسر: امتلاء البطن طعاما. والفطنة بكسر الفاء: الذكاء والحذق. يقال: فطن إليه، وفطن له، بضم الطاء وكسرها وفتحها، يفطن بالضم والفتح فطنا وفطانة. وفي الأثر يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: " ما احل الله حلالا أبغض من بطن يملأ طعاما " . وقال عليه الصلاة والسلام: " ما ملأ أبن آدم وعاء شرا من بطنه، بحسب أبن آدم أكل أو لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث للطعام، وثلث للشراب، وثلث للنفس " . وعن عمر رضي الله عنه: أيها الناس، إياكم والبطنة، فأنها مكسلة عن الصلاة، مفسدة للجسد، مورثة للسقم. وعن علي كرم الله وجهه: إياكم والبطنة، فإنها مفسدة للقلب. وقال الحارث بن كلدة: أربعة أشياء يهرمن البدن: الغشيان عن البطنة، ودخول الحمام على الامتلاء، وأكل القديد، ومجامعة العجوز. ويقال أقلل طعاما، تقلل سقاما. ويقال: النهم لؤم، والرغب شؤم. وقيل: أكبر الدواء، تقليل الغذاء. وجمع الرشيد أربعة من الأطباء العارفين: هنديا وروميا وفارسيا وعربيا، وقال لهم: ليصف لي كل واحد منكم الدواء الذي لا داء فيه. فقال الهندي: الدواء الذي لا داء فيه الأهليلج الأسود. وقال الرومي: هو حب الرشاد الأبيض. وقال الفارسي: هو عندي الماء الحار. فقال العربي، وكان أعلمهم: الأهليلج يعفص المعدة وذلك داء، وحب الرشاد يرق المعدة وذلك داء؛ والماء الحار يرخي المعدة، وذلك داء. فقالوا له: وما الدواء الذي لا داء فيه عندك؟ قال: إن تضع يدك في الطعام وأنت تشتهيه، وترفع يدك منه وأنت تشتهيه. فقالوا: صدقت! وسلموا له. ويروى حديثا: المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء، وأصل كل داء البردة: والبردة: النخمة. ويقال إن مالكا، رضي الله عنه، لما وادع يحيى بن يحيى قال له: أوصيكم بأربع كلمات: الأولى أجمع لك فيها فقه الفقهاء، إذا سئلت عن شيء لا تعرفه فقل لا ادري، والثانية أجمع لك فيها حكمة الحكماء، إذا جالست قوما فكن أصمتهم، فإن أصابوا أصبت معهم، وإن أخطئوا سلمت، والثالثة أجمع لك فيها طب الأطباء، أن تضع يدك في الطعام وأنت تشتهيه، وترفع يدك وأنت تشتهيه؛ فإنك إذا فعلت ذلك لم يصبك مرض إلا مرض الموت. وفي الحكمة: إذا امتلأت المعدة، نامت الفكرة، ورقدت الأعضاء عن العبادة. وقال حاتم بن عبد الله الطائي:
أكف يدي عن أن ينال التماسها ... أكف صحابي حين حاجتنا معا
أ بيت هضيم الكشح منطوي الحشا ... من الجوع أخشى الذم أن أتضلعا
وإني لأستحيي رفيقي أن يرى ... مكان يدي من جانب الزاد أقرعا
وانك إن أعطيت بطنك سؤله ... و فرجك نالا منتهى الذم أجمعا
و قد اكثر الحكماء من هذا النمط نثرا وشعرا، وفيما ذكرناه كفاية إن شاء الله تعالى.
بطني وعطري، وسائري ذري!
البطن: خلاف الظهر، وهو مذكر، جمعه أبطن، وبطون، وبطنان؛ ويقال أيضا لما دون القبيلة من الناس بطن كما قيل:
وإن كلابا هذه عشر أبطن ... و أنت بريء من قبائلها العشر
و المراد هنا الأول: والعطر، بكسر العين: الطيب. ويقال: منه عطرت المرأة، بالكسر، فهي عطرة؛ ويقال عطرت الرجل تعطيرا: طيبته والسائر: الباقي، وهو من السؤر، وهو البقية مهموز. يقال: أسأر الشيء وسأره إذا أبقاه، فهو سئار، وقياسه مسئر، وهو جائز أيضا. وذهب كثير من الناس إلى أن السائر يكون أيضا بمعنى الجميع، وأنكره آخرون: وذري معناه اتركي يقال: ذره أي أتركه. وأصل الماضي منه. وذره بالكسر يذره كوسعه يسع، لكن لم يستعمل منه ماض ولا مصدر. وأصل المثل أن أعرابيا ضاف قوما، فأمروه جارية لهم أن تطيبه فقال: بطني عطري، وسائري ذري! ومعناه ظاهر. وإضافة التعطير إلى البطن في نحو هذا يكون من المشاكلة، وهي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته، كقوله:
قالوا: أقترح شيئا نجد لك طبخه ... فقلت: اطبخوا أي جبة وقميصا!

(1/81)


أراد أن يقول: خيطوا لي جبة! فقال: اطبخوا! لصحبته للطبخ تحقيقا. وكقوله تعالى: ) وجزاء سيئة سيئة مثلها(، وقوله تعالى: ) فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم(. أطلقت السيئة والاعتداء على جزاء السيئة وجزاء الاعتداء عدلا لأجل المصاحبة، وإن لم يكن الجزاء سيئة ولا اعتداء. وقوله تعالى: ) تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك(. وهو كثير. وكقول أبن كلثوم:
ألا لا يجهلن أحد علينا، ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
و قد يتقدم المشاكل فتراعى صحبة المتأخر، كقول أبي تمام:
من مبلغ أفناء يعرب كلها ... إني ابتنيت الجار قبل المنزل؟
و الافناء بالفاء: جماعة من الناس. ومن هذا أيضا عند بعضهم قولهم:
لا تسقني ماء الملام فإنني ... صب قد استعذبت ماء بكائي
و من هذا القسم لفظ المثل، لأن المراعي هو قوله: وسائري ذري! أي لا تعطري شيئا من سائر بدني: ويحتمل إن يكون قائله لم يعتبر هذا، وإنما اعتبر قولهم للجارية عطريه، فيكون من القسم الأول. ويحتمل أن يكون راعي فعل الجارية وما همت به من التعطير، فتكون المصاحبة إنما وقعت تقديرا، كقوله تعالى: ) صبغة الله، ومن أحسن من الله صبغة( عبر الله عن تطهير الله بالإيمان، لوقوع ذلك في صحبة الصبغ الواقع للنصارى بغمسهم أولادهم في ماء اصفر تقديرا، لأن سبب النزول دل على ذلك. ومثله لمن يغرس أشجارا: غرس كما يغرس فلان! تريد رجلا يصطنع المعروف إلى الكرام.
تتمة: وقع في اللفظ الوارد على المشاكلة إشكال من حيث إنه لا يكون حقيقة، إذ ليس موضوعا لذلك المعنى، ولا مجاز أيضا لعدم العلاقة، فإن إطلاق اللفظ على المعنى لأجل الصحبة في المشاكلة صحيح، سواء وجد هنالك شيء مما يكون من العلاقات، كإطلاق السيئة على الجزاء المتسبب عنها في الآية السابقة، أو لم يوجد كإطلاق طبخ الجبة على خياطتها. قال سعد الدين التفتازاني في شرح المفتاح: ولا محيص سوى التزام قسم ثالث في الاستعمال الصحيح بأن يجعل نفس الوقوع في الصحبة مصححا لاستعمال لفظ المصاحب عليه، أو القول بأن هذا النوع من العلاقة فيكون مجازا. انتهى.
أبعد من بيض الأنوق.
البعد معروف؛ يقال: بعد بالضم والكسر؛ وقد يستعمل البعد بمعنى الموت والهلاك. قالت الشاعرة:
لا يبعدن قومي الذين هم ... سم العداة وآفة الجزر
و الأنوق بفتح الهمزة، على مثال صبور: الرخمة، وهو طائر أسود أصلع الرأس أصفر المنقار. وهي تجعل بيضها حيث لا ينال، فتتخذ أوكارها في قنن الجبال الصعبة، فيضرب المثل ببيضها في البعد وعزة المنال، كما قيل:
وكنت إذا استودعت سرا كتمته ... كبيض الأنوق لا ينال لها وكر
و قال الآخر:
وأجازها قذفات كل تنوفة ... وكر العقاب بها وبيت الأعصم
فوطئن أوكار الأنوق ... و روعت منها وبات المهر ضيف الهيثم
و زعموا أن رجلا أتى معاوية رضي الله عنه فقال له: زوجني هند! يعني أمه. فقال: لا أرب لها في زوج. قال: فولني كذا! فأنشد معاوية:
طلب الأباق العقوق ... فلما لم يجده أراد بيض الأنوق
و الأبلق العقوق: الذكر الحامل وسيأتي وهو محال. فكأنه يقول طلب أمرا محالا، فلما أعجزه طلب أمرا بعيدا لا يناله. واعترضت الحكاية بأن أم معاوية ماتت سنة أربع عشرة، فكيف يطلب تزويجها يوم الولاية؟ وحكيت على وجه آخر يصح وهو أن رجلا أتاه فقال له: افرض لي شيئا! قال: نعم! فقال: ولولدي؟ قال: لا! قال: ولعشيرتي؟ فأنشد البيت.
قلت: وعلى كلا الوجهين لم يقع الانتقال موقعه لأنه إنما يحسن عندما يكون من الأضعف إلى الأقوى ولم يوجد ذلك في البيت على شيء من المجهين: فانه في أحدهما من المحال إلى الممكن البعيد وفي الآخر: من البعيد إلى البعد ضرورة أن الفرض للعشيرة أبعد من الفرض للولد وإن كان السائل يغتر بشبهة أنه لما فرض له أغنى ذلك عن الولد فلم يبق له استحقاق الفرض وكانت العشيرة أولى منه ولذا سأل لها بعده. ومن اللغويين من قال: إن الأنوق الذكر من الرخم ووجدان البض له محال. ولا إشكال حينئذ إذ القصد النداء على ضلال السائل وحيويته حيث جعل ينتقل من محال إلى محال. ومنهم من قال: الأنوق يطلق على الذكر والأنثى والله أعلم.

(1/82)


فائدة: قيل وفي الرخمة عشر خصال: تحضن بيضها وتمنع فرخها ولا تمكن من نفسها غير زوجها وتقطع في أول القواطع وترجع في أول الرواجع وتألف ولدها.
هي مع ذلك تحمق كما قيل:
وذات اسمين والألوان شتى ... تحمق وهي كيسة الحويل
أي الحيلة. والرخمة أحد لئام الطير وهي: الرخمة والغراب والبوم.
أبعدي عني ظلك، أحمل حملي وحملك!
هذا من الأمثال الموضوعات على ألسنة العجماوات. زعموا أن النخلة قالت ذلك لجارتها بمعنى أنها إذا تباعدتا حملت كل واحدة منها مثل ما تحملان معا. والحمل إذا أطلق على ما يحمل من الأمتعة على ظهر أو رأس فهو بكسر الحاء؛ وإذا أطلق على ما في بطن الأنثى فهو بالفتح؛ وإذا أطلق على ثمر الشجر فهو بالوجهين لما له من الشبه بالأمرين. هكذا قال بعض اللغويين وقال: ما بطن من الثمار فبالفتح وما ظهر فبالكسر. وقيل إن الثمر كله بالفتح كما في البطن. وقيل إن الثمر بالكسر ما لم يكثر ويعظم فإذا كثر فبالفتح. وجمع الحمل حمال ومنه: هذا الحمال لا حمال خيبر.
بعض الشر أهون من بعض.
هذا مثل مشهور وظاهر المعنى. ويوافق من أمثال العامة قولهم: نصف الخسارة ولا الخسارة كلها. وقال طرفة بن العبد لما حبس:
أبا منذر كانت غرورا صحيفتي ... ولم أعطيك في الطوع مالى ولا عرضي
أبا منذر أفنيت فأستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض
و قال أبو خراش الهذلي:
حمدت إلا هي بعد عروة إذ نجا ... خراش وبعض الشر أهون من بعض
و بعده:
فوا لله ما أنسى قتيلا رزئته ... بجانب قوسيما مشيت على الأرض
على أنها تعفو الكلوم وإتما ... نوكل بالأذى وإن جل ما يمضي
ولم أدر من ألقى عليه رداءه ... على أنه قد سل عن ماجد محض
ولم يك مثلوج الفؤاد مبهجا ... أضاع الشباب في الريبة والخفض
ولكنه قد لوحته مخامص ... على أنه ذو مرة صادق النهض
كأنهم يشبثون بطائر ... خفيف المشاش عظمه غير ذي نحض
يبادر قرب الليل فهو مهابذ ... يحث الجناح بالتبسط والقبض
و ذكر صاحب القلائد أن الظافر بن المعتمد لما قام عليه أبن عكاشة وأتباعه بقرطبة ودافعهم حتى قتل وجرد من ثيابه وكان ليلا مر به أحد المغلسين إلى الجامع فألقى ثوبا ولم يعرف من فعل ذلك. فكان أبوه المعتمد بن عباد إذا تذكر ذلك رفع عقيرته وأنشد: ولم أدار من ألقى عليه رداءه. ومن أظرف الاتفاق ما يحكى أبن الخطيب من قول بعضهم في طبيب يسمى نعمان ويكنى أبا المنذر:
أقول لنعمان وقد ساق طبه ... نفوسا نفيسات إلى باطن الأرض
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض
و مما قيل في الطبيب الجاهل قول الآخر:
يا ملك الموت وأن زهر ... جاوزتما الحكمة والنهاية!
ترفقا بالورى قليلا ... في واحد منكما الكفاية!
و قوله:
أعمى وأفنى ذا الطبيب بطبه ... و بكحله الأحياء والبصراء
فإذا نظرت رأيت من عميانها ... أمما على أمواته قراء
و قول الآخر:
قال حمار الطبيب تومي ... لم أنصفوني لكنت أركب
لأنني جاهل بسيط ... و صاحبي جاهل مركب
بعلة الورشان يأكل رطب المشان.
الورشان بفتحتين: طائر وهو ساق حر. وأنشدوا عن الأصمعي:
أيها البلبل المغرد في النخل ... غريبا من أهله حيرانا
أفراقا تشكوه أم ظلت تدعو ... فوق أفنان نخلك الورشانا؟
هاج لي شجوك الغرد شجوا ... رب صوت يهيج الأحزانا
و المشان بضم الميم وكسرها على مثال غراب وكتاب والشين معجمة: نوع من الرطب طيب؛ ورطب المشان في لفظ المثل بالإضافة ولا يقال الرطب المشان وأصل المثل أن قوما استحفوا غلاما لهم رطب نخلهم فكان يأكله وإذا سئل عن ذلك وعوتب عليه قال: أكله الورشان، فقالوا ذلك. يضرب ذلك لمن يظهر شيئا والقصد شيء آخر.
البغاث بأرضنا يستنسر.
تقدم معنى هذا المثل في الباب الأول.
أبلعني ريقي.
يقال: بلعت الشيء بكسر اللام وابتلعته بمعنى وأبلعته غيري: أمكنته أن يبلعه: والريق: ماء الفم ما دام لم ينفصل عنه فإذا انفصل فهو بزاق؛ والبعض منه ريقة. قال النابغة:

(1/83)


زعم الهمام ولم أذقه أنه ... يشفي بريا ريقها العطش الصدي
و قال الآخر:
يسقي امتياحا ندى المسواك ريقها ... كما تضمن ماء المزنة الرصف
و يقال: أبلغني ريقي أي أمهلني ساعة مقدار ما أبلعه ولا تعجل علي! يضرب عند الاستمهال في مقام المحاورة والإكثار من السؤال واستدعاء الجواب حتى يعوق الاشتغال بالجواب عن بلع الريق. والقصد التأخير والتنفيس. قال شاس بن عبدة:
حلفت بما ضم الحجيج إلى منى ... وما ثج من نحر الهدى المقلد
لئن أنت عافيت الذنوب التي ترى ... و أبلغت ريقي وأنظرتني غدي
لأستعتبن مما يسؤك بعدها ... و إن سبني ذو لكنة بين أعب
و يحكى أن عبد الملك بن مروان رحمه الله تعالى قال يوما لحاجبه: هات بدرة! فأتى بها، فوضعها بين يديه وقال لمن حضر من وجوه العرب: أيكم أنشدني صدر هذا البيت: والعود أحمد، فله هذه البدرة! فلم يكن فيهم من يعرفه. فقال للحاجب: اخرج وانظر من بالباب من العرب، وقل: من ينشدني صدر البيت: والعود أحمد، فله جائزة!فخرج الحاجب وقال ذلك. فقام فتى من القوم فقال: أنا. قال الحاجب: فأنشدني!قال: لا!إلا أن أشافه أمير المؤمنين. فدخل الحاجب فأخبره فقال عبد الملك: هذا رجل طال مقامه بالباب وله حاجة. والله لئن دخل علي ولم ينشدني لأعاقبنه. أدخله! فلما دخل وسلم قال له عبد الملك أنشدنا صدر بيتنا! فقال: يا أمير المؤمنين، حاجتي! قال: وما هي؟ قال: بنو عم لي باعوا ضيعتهم بالسواد فأدخلوا ضيعتي في ضيعتهم فقال عبد الملك: فإن أمير المؤمنين قد رد عليك ضيعتك فأنشدنا صدر بينتا! قال: نعم يا أمير المؤمنين! قالت تميم إنه بيتها. قال أوس بن حجر:
جزينا بني شيبان صاعا بصاعهم ... وعدنا بمثل البدء والعود أحمد
قال: أخطأت! قال: يا أمير المؤمنين، أبلعني ريقي! قال: قد أبلعتك قال: قالت اليمن أنه بيتها. قال امرؤ القيس:
فإن كنت قد ساءتك مني خليقة ... فعودي كما نهواك والعود أحمد
قال: أخطأت! قال: يا أمير المؤمنين، قالت ربيعة إنه بيتها. قال المرقش:
وأحسن فيما كان بيني وبينها ... و إن عاد بالإحسان فالعود أحمد
قال: أصبت، وإنك لظريف. فمن أنت؟ قال أنا زيد بن عمرو. قال: ممن؟ قال من حي جانب عجرفية قيس، وعنعنة تميم، وكسكسة ربيعة وصأصأة اليمن وتأنيث كنانة: أنا امرؤ من عذرة. فأمر له بالبدرة. وكان بين أبي العباس بن سريج الفقيه الشافعي، وبين أبي بكر محمد بن داود الظاهري مناظرات. فقال له أبو بكر يوما: أبلعني ريقي! قال أبلعتك دجلة! وقال له مرة أخرى أمهلني ساعة! قال: أمهلتك إلى قيام الساعة! وقال له أخرى: أجيئك من الرجل، وتجيئني من الرأس، قال: هكذا شأن البقر: إذا حفيت أظلافها، دهنت قرونها. واجتمعا في مجلس الوزير أبي الحسن بن الجراح فتناظرا في مسألة من الأبلاء، فقال له أبن سريج: أنت بكتاب الزهرة اعرف منك بهذا الفن، حيث تقول فيه: ومن كثرت لحظاته، دامت مسراته. فقال أبو بكر: والله انك لا تحسن أن تقرأه، وإنه لأحد مناقبي حيث أقول:
أنزه في روض المحاسن مقلتي ... و أمنع نفسي أن تنال محرما
وأحمل من ثقل الهوى ما لو أنه ... يصب على الصخر الأصم تهدما
وينطق طرفي عن مترجم خاطري ... و لو اختلاسي رده لتكلما
رأيت الهوى دعوى من الناس كلهم ... فلست أرى حبا صحيحا مسلما
فقال أبن سريج: أو علي تفخر بهذا وأنا القائل، ولو شئت لقلت:
ومسافر بالغنج من لحظاته ... قد بت أمنعه لذيذ سناته
صبا بحسن حديثه وغنائه ... و أردد اللحظات في وجناته
حتى إذا ما الصبح لاح عموده ... ولى بخاتم ربه وبراته
فقال أبو بكر: يا وزير، إنه قد أقر: فعليه إقامة البينة أنه بخاتم ربه وبراته، وإلا أقمنا عليه الحد! فقال أبن سريج: هذا لا يلزمني: فإن مذهبي أن من أقر بأمر وناطه بصفة، فان إقراره لا يلزمه إلا منوطا بتلك الصفة. وقيل: بل قال له: يلزمني في ذلك ما يلزمك في قولك:
أنزل في روض المحاسن مقلتي ... و أمنع نفسي أن تنال محرما
فضحك الوزير وقال: لقد جمعتما أو ملئتما علما وظرفا ولطفا! ويحكى أيضا أن الحجاج لما قال لأبي عمرو بن العلاء البصري ما وجه بياض.

(1/84)


يبلغ الخضم بالقضم.
بلوغ الشيء معروف. والخضم، بالخاء والضاد المعجمتين الأكل بجميع الفم، أو بأقصى الأضراس. وقيل خاص بالشيء الرطب كالقثاء؛ يقال منه: خضمت الشيء بكسر الضاد وفتحها أخضمه كذلك بالكسر والفتح. والقضم، بالقاف والضاد المعجمة: الأكل بأطراف الأسنان؛ يقال قضمت الشيء بكسر الضاد أقضمه. وفي الحديث أيترك يده في فيك تقضمها كما يقضم الفحل؟ ودخل إعرابي على أبن عم له بمكة فقال: إن هذه بلاد مقضم، وليست ببلاد مخضم. وقلت أنا زمن الصبا، من أبيات:
لو كان لي تجارة غيرها ... أو كنت بين الخال والعم
أو كنت في وسع لقيل اكتفى ... من ذاك بالقضم عن الخضم
و معنى المثل أن الخضم الذي هو الآكل الكثير يدرك وينال بسبب القضم الذي هو الأكل الضعيف، فالشبعة قد تدرك بالأكل بأطراف الفم. والمقصود من ذلك أن الغاية البعيدة تدرك بالرفق. قال الشاعر:
تبلغ بإخلاف الثياب جديدها ... و بالقضم حتى تدرك الخضم بالقضم
و للعامة في نحو هذا المعنى أمثال كثيرة، منها قولهم:المهمل يبلغ وقولهم: الراحة تنزل شيئا فشيئا. واصله في المريض. وقولهم: لا يجيء دفعة إلا الموت؛ وقولهم: قطرة إلى قطرة فيسيل النهر؛ وقولهم: امش بالنعلين حتى تجد السباط، أي الخفين.
بلغ السكين العظم.
السكين بفتح السين وتشديدها معروف يذكر ويؤنث. قال في الصحاح: والغالب عليه التذكير. وأنشد:
يرى ناصحا فيما بدا فإذا خلا ... فذلك سكين على الحلق حاذق
و يقال: سكين وسكينة والعظم معروف وبلوغ السكين العظم في القطع كناية عن بلوغ الأمر في الشدة نهاية وفي الصعوبة غاية كما قيل:
وكم ذدت عني من تحامل حادث ... و سورة أيام حززن إلى العظم
بلغ السيل الزبى.
السيل مصدر يقال: سال الماء يسيل سيلا وسيلانا. فإذا قيل للماء سيل فمعناه سائل وضع المصدر مكان الصفة. ويستعمل السيل في الماء الكثير السائل والزبى بالزاي جمع زبية وهي حفرة تتخذ للأسد في الموضع العالي ويغطى بشيء ويجعل عليها لحم. فإذا تناوله الأسد سقط فيه. هكذا ذكر بعضهم. ويقال تزبيتها: اتخذتها. قال الراجز:
وكنت بالأمر الذي قد كيدا ... كالذي تزبى زبية فاصطيدا
و هي في كتابة اللغة: إن الزبية تطلق على المكان المرتفع لا يصل إليه الماء ومنه المثل وعلى حفرة الأسد. وقال الطرماح:
ياطيء السهل والأجبال موعدكم ... كمبتغي الصيد أعلى زبية الأسد
نعم قال في الصحاح: إنما سميت حفرة الأسد بذلك لأنهم كانوا يحفرونها في الموضع العالي. فأصل الزبية الموضع العالي. والسيل لا يصل إليه وإن وصله كان جارفا مفراطا مجحفا. فإذا قيل: بلغ السيل الزبى، فمعناه أن الأمر قد بلغ غايته والهول أدرك نهايته كما قال الراجز: قد بلغ السيل الزبى فلا غير. أي قد عظم الأمر عن أن يغير ويصلح. وكتب أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه أيام حصير إلى أبي الحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أما بعد فقد بلغ السيل الزبى وجاوز الحزام الطبيين وطمع في من لا يدفع عن نفسه ولم يفخر عليك كضعيف ولم يغلبك مثل مغلب فأقبل إلي على أي أمريك أحببت:
فأما كنت مأكولا فكن خير آكل ... و إلا فداركني ولما أمزق
و هذه أمثال أخرى سيأتي كل منها في موضعه إن شاء الله تعالى. وقال أبو بكر بن دريد رحمه الله:
لست إذا ما بهضتني غمرة ... ممن يقول: بلغ السيل الزبى
و من أبلغ ما جاء في وصف قوة السيل قول امرئ القيس:
كأن ذرى رأس المجيمر غدمة ... من السيل والغثاء فلكة مغزل
والقى بصحراء الغبيط بعاه ... نزول اليماني ذي العياب المخول
كأن اسودا فيها غرقى غدية ... بأرجائها القصوى أنابيش عنصل
و المحيمر: جبل وذراه أعالي وفلكة المغزل التي يدور بها معرفة. يريد إن السيل قد أحاط بهذا الجبل، فكأنه يدور فلذا شبهه بفلك المغزل فهو من التخيلات. والغرقى جمع غرق والأرجاء: النواحي والقصوى: البعيدة والعنصل: البصل البري المعروف. والأنالبيش جمع انباش والأنباش جمع نبش وهو أصل المنبوش. يريد إن هذا السيل لكثر أغراق السياع فصارت طافية فوق الماء كأنها انبش العنصل يقتلعها السيل.
بلغ الشظاظ الوركين.

(1/85)


الشظاظ بكسر الشين وبظاءين مشالتين بينهما ألف: عويد يجعل في عروة الجوالق. قال الراجز:
أين الشظاظين وأين المربعة ... و أين سقف الناقة الجلنفعة
يقال شظظت الجوالق: شددت عليه شظاظه وأشظظته: جعلت له شظاظا والورك على وزن كتف: ما فوق الفخذين ويقال أيضا ورك بسكون الراء مع فتح الواو وكسرها. قال الراجز: ما بين وركيها ذراعا عرضا. وبلوغ الشظاظ الوركين كناية عن اشتداد الأمر: من معنى الذي قبله.
بلغ الله بك اكلا العمر.
يقال: كلات الرجل بالهمز كمنعته أكلؤه كلاء وكلاءة بالكسر: حرسته وحفظته؛ وكلا الدين: تأخر والكالئ النسيئة. قال الراجز: وعينه كالكالئ المضمار. وفي الحديث النهي عن بيع الكالئ بالكالئ. وهو يصح من كلأ إذا تأخر أو من كلاته: حفظته أي بيع المكلؤ لأن كلأ لصاحب شيئا. قيل وكان الأصمعي لا يهز الكالئ وينشد:
إذا تباشرك الهموم ... فإنها كال وناجز
وه المثل يقال في الدعاء فقيل: معناه بلغ الله بك أحفظ العمر كما يقال: كلأه الله أي حفظه. قال الشاعر:
كلاك الله حيث عزمت وجها ... و حاطك في المبيت وفي الرحيل
و قيل: الصواب أن معناه الدعاء بطول العمر أي بلغ الله بك أنسأ العمر أي أبعده من كلأ بمعنى تأخر كما مر.
بلغ من العلم اطوريه.
الطور بفتح فسكون: الحد ومنه قولهم: تعدى فلان طوره وملك الدار بطورها وطورها وأطوارها بمعنى. ويقال: هذا الدار أطور من هذه أي أوسع حدودا. فإذا قيل: بلغ من الأمر أطوريه فهو بكسر الراء جمع أطور أي بلغ منه أي أقصى حدوده. هكذا قاله أبو زيد بكسر الراء. وقال غيره: بلغ أطوريه بفتح الراء وهو تثنيه أطور أي بلغ منه حدثني الطول والعرض. فيضرب في الانتهاء إلى غاية العلم.
ابله من ضب.
يقال: بله بكسر اللام يبله أو بلاهة فهو أبله والبلة: الغفلة وقيل: الغفلة عن الشر خاصة وقيل: الحمق بلا تمييز. وقيل الأبله: المأمون الشر؛ وقيل: من غلبت عليه سلامة الصدر. والضب بالضاد المعجمة: الدويبة المعروفة والأنثى: ضبة وهو يضرب به المثل في أمور كثيرة مثل البله والعوق والخديعة وغير ذلك. وسيأتي الكل إن شاء الله تعالى. وإنما ضرب به المثل في البله والذهول لما يزعمون من أن في طبعه الحيرة والنسيان وعدم الهداية. قالوا: ولذلك يحفر بيته في كدية وموضع مرتفع لئلا يضل عنه إذا خرج لابتغاء الطعم ورجع والله اعلم.
ابنك أبن ايرك، ليس بذي أب غيرك.
الأير بفتح الهمزة وسكون الياء: الذكر. والمعنى أن ابنك الذي يكون لاحقا بك وناصرا ومعينا هو الذي نشأ من نطفتك ولم ينتسب إلى غيرك. يضرب في تبني الرجل أو المرأة غير ولديهما.
ابنك أبن بوحك.
هذا كالذي قبله في المعنى والمضروب. وبوح في هذا المثل بضم الباء الموحدة قيل هو الذكر وقيل النفس وقيل الوطء. وهو يطلق على الكل في اللغة ومرجعها إلى معنى واحد. ويقال أيضا في هذا المثل: ابنك أبن بوحك الذي يشرب من صبوحك. قيل: وأول من نطق بهذا المثل الأحزن بن عوف العبدي وذلك إنه كانت عنده امرأة فطلقها وذهبت بولد فتزوجها عجل بن لجيم بن بكر بن وائل فقالت لعجل حين تزوجها: أحفظ علي ولدي! وسماه عجل سعدا. وشب الغلام فخرج به عجل ليدفعه إلى الأحزن بن عوف أبيه. وأقبل حنيفة بن لجم أخو عجل فتلقاه بنو أخيه فلم ير فيهم سعدا فسألهم فقالوا: انطلق به أبونا إلى أبيه. فذهب حنيفة في طلبه فلقيه راجعا قد وضع الغلام في يد أبيه. فجمع حنيفة بني أخيه إليه وسار إلى الأحزن ليأخذ سعدا فوجده مع أبيه ومولى له فاقتتلوا. فقال الأحزن لسعد: يا بني! إلا تعينني على حنيفة؟ فكع الغلام عنه، فقال الأحزن حينئذ: ابنك أبن بوحك الذي يشرب من صبوحك فذهبت مثلا. وضرب حنيفة الأحزن بالسيف فجذمه فسمي جذيمة. وضرب الأحزن حنيف على رجله فحنفها فسمي حنيف وكان اسمه اثال بن لجيم. فأخذ حنيف سعدا فرده إلى عجل. وقال بعضهم: الباحة وسط الدار وجمعها بوح. ومن كلامهم: ابنك أبن بوحك الذي يشرب من صبوحك. انتهى. فجعله في باحة الدار.
ابنك من دمى عقبيك

(1/86)


الدم اصله الدمي. تقول: دمي الشيء بالكسر يدمى فهو دم ودام وأدميته أنا ودميته تدمية. وهذا المثل كالذي قبله. قيل: وقائله امرأة الطفيل بن ملك بن جعفر بن كلاب. وكانت من بلقين وولدت للطفيل عقيل بن الطفيل فتبنته ضرتها كبش بنت عروة بن جعفر بن كلاب. ثم إن عقيلا ذات يوم ضربته أمه فجاءت كبشة فمنعتها وقالت أبني! أبني! فقالت لها البلقينية ابنك من دمي عقبيك وهو بكسر الكافين مخطبة بها أي: ابنك هو الذي نفست به حتى ادمى النفاس عقبيك لا الذي تتبنينه ولم تلديه. ولما قالت البلقينية هذا الكلام لكبشة انقلبت عنها مغمومة منكسرة إذ لم يكن لها ولد وتعظمت عليها ضرتها بولدها فأشتملت كبشة على عامر بن الطفيل في تلك الليلة فجاءت اسود أهل زمانه وأنجد أهل زمانه وأفرس أهل زمانه حتى كان مناديه ينادي بعكاظ: هل من راجل فأحمله أو من خائف فأؤمنه؟.
به لا بظبي.
الظبي معروف جمعه ظباء وأظبي وظبي. وهذا المثل يقال عند الدعاء على أحد المصائب والموبقات وأن لا يعدلن عنه عند الشماتة به. والمعنى: جعل الله ما أصابت لازماله! قال الفرزدق لما مات زياد وكان مسكين الدرامي رثاه بقوله:
رأيت زيادة الإسلام ولت ... جهارا حين فارقها زياد
فقال الفرزدق يرد على مسكين:
امسكين أبكى الله عبنه إنما ... جرى في ضلال دمعها فتحدرا
فبكيت امرءا فظا غليظا مبغضا ... ككسرى على أعدائه وكقيصرا
أقول له لما أتاني نعيته ... به لا بظبي بالصريمة اعفرا
و قال أبو تمام في قصيدة له:
قتلته سرا ثم قالت جهرة ... قول الفرزدق لا بظبي اعفرا
باءت عرار بكحل.
يقال: باء إليه يبوء إذا رجع إليه وانقطع؛ وباء بذنبه بواء إذا احتمله أو اعترف به؛ وباء دمه بدمه: عدل به؛ وباء فلان بفلان إذا قتل به فقاومه. ومنه قول مهلهل البكري الذي قتله: بؤ بشسع نعل كليب! وقول الشاعر:
فقلت له: بؤ بامرئ لست مثله ... وإن منت قنعانا لمن يطلب الدما!
و عرار على وزن رقاش. وكحل بفتح الكاف وسكون الحاء: بقرتان وكانتا قد انتطحتا فماتتا معا فقيل: باءت عرار بكحل أي باءت هذه بهذه. يضرب إذا قتل القاتل بمقتوله. ويضرب لكل متكافئين متساويين.
بال حمار فاستبال أحمرة.
البول معروف. يقال: بال، يبول، بولا. والحمار معروف. ومعنى استبال أحمرة: حملهن على البول لما بال. وأما قول الفرزدق:
وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي ... كساع إلى أسد الشري يستبيلها
فقالوا: معناها في يده. ولا يبعد أن يكون معناه: يحملها أن تبول عليه، ويتعرض لذلك أي يتعرض لهجومي كما قال الآخر:
تعرضت بياض لأهجوها ... كما تعرض لاست الخاريء الحجر
و المثل المذكور يضرب في تعاون القوم على المكروه وتنافسهم في الشر.
بالت عليه الثعالب.
الثعالب جمع ثعلب. يضرب هذا المثل للشر الواقع بين القوم وفساد ما بينهم.
فقط حميد بن ثور:
ألم تر ما بيني وبين محارب ... من الود قد بالت عليه الثعالب
وأصبح باقي الود بيني وبينه ... كأن لم يكن والدهر فيه عجائب
بات فلان بليلة ابن المنذر.
هو النعمان بن المنذر أي بليلة شديدة.
باتت المرأة بليلة حرة.
أي إذا لم يقدر الزوج على افتضاضها ليلة هدائها. ويقال ليلة حرة بالوصف وهي أول ليلة من الشهر. قال النابغة:
شمس موانع كل ليلة حرة ... يخلقن ظن الفاحش المغيار
باتت بليلة شيباء.
يقال: ليلة شيباء بالإضافة وليلة الشيباء وهي آخر ليلة من الشهر. ويقال ذلك إذا غلبت على نفسها عكس الذي قبله.
باتت بليلة أنقد.
الأنقد بالدال المهملة على مثل أحمر: القنقذ وهو يبيت الليل كله لا ينام، فيقال لمن بات غير نائم: بات بليل أنقد. وذكر في الصحاح أن لفظ أنقد معروفة كأسامة للأسد. وجوز غيره أن تدخل عليه الألف واللام.
بيدي لا بيد عمرو.

(1/87)


قالته الزباء الملكة السابق ذكرها. وعمرو هذا هو عمرو بن عدي بن نصر اللخمي ابن أخت جذيمة. وسبب ذلك أن الزباء لما قتلت جذيمة كما مر رجع قصير إلى عمرو بن عدي فقال له: قم بثأر خالك من الزباء! فقال عمرو: كيف لي بها وهي أمنع من عقاب الجو؟ فأرسلها مثلا. فقال قصير: اطلب الأثر وخلاك ذم! فذهبت مثلا. فقال له إني والله لا أنام على طلب دمه ما لاح نجم أو طلعت شمس حتى أدركه أو تخترم نفسي دونه! ثم قال قصير لعمرو: اجدع أنفي، واقطع أذني واضرب ظهري حتى تؤثر فيه، وخلني وإياها! ففعل عمرو ذلك. وقيل إن عمرا أبى عليه ففعل هو ذلك بنفسه فقالت العرب: لأمر ما جدع قصير أنفه فذهبت مثلا. قال المتلمس:
ومن طلب الأوتار ما حز أنفه ... قصير وخاض الموت بالسيف بيهس
ثم إن قصيرا ذهب فلحق الزباء فقالت له: ما أتى بك إلينا يا قصير وبيننا وبينك دم عظيم الخطر؟ فقال لها: يا ابنة الملوك العظام قد كان دم الملك يعني أباها يطلب جذيمة حتى أدركه؛ وقد أتيتك فيما فيه مثلي مثلك مستجيرا من عمرو، فانه اتهمني بقتل خاله وفعل بي ما ترين. وقد حال بيني وبين أهلي وولدي وخشيت على نفسي فأتيتك. فأعطته الجوار وأنزلته مكرما مخدما. فأقام مدة لا يكلمها وهو يتطلب لها الحيل ويتأمل الفرص. ثم قال لها يوما: إن لي بالعراق أموالا كثيرة وذخائر نفيسة مما يصلح بالملوك. فإن أذنت لي في الخروج إلى العراق وأعطيتني شيئا اتعلل به تجارة وأتخذه وصلة إليها أتيتك بما أمكنني منها. فأعطته مالا، فرجع إليها بأرباح كثيرة وطرائف خطيرة. فلما رأت ذلك أعجبها وعظمت منزلته عندها ورغبت فيه. ولم يزل يتلطف إليها ويتقرب حتى أعادته مرة أخرى إلى العراق، فأضعف لها الأموال، وأتاها من الجواهر والخز والبز والديباج بشيء عظيم، فازدادت منزلته عندها. ويقال إنه رجع مرة ثالثة فأتاها بأكثر من الأوليين. فبلغ منها مكانة عظيمة حتى إنها كانت تستعين به في مهماتها. وكان لبيبا أديبا. وكانت ابتنت على الفرات مدينتين عظيمتين واتخذت بينهما نفقا. فإذا أوجست شرا دخلت النفق.فلما بلغ قصير من مدخلها ما بلغ، عرف النفق وعرف الطريق إليه. فعند ذلك رجع مرة أخرى للتجارة. ويقال إنها هي التي قالت له: أريد أن أغزو بلد كذا من أرض الشام، فاخرج إلى العراق فأتني بكذا وكذا من السلاح والكراع والعبيد والثياب! فقال قصير: ولي في بلد عمرو بن عدي ألف بعير وخزانة من السلاح فيها كذا وكذا وما لعمرو به علم. ولو قد علمه لاستعان به على حرب الملكة وقد كنت أتربص به المنون وها أنا أخرج متنكرا من حيث لا يعلم فأتي الملكة بذلك مع الذي سألت فأعطته من المال ما أراد. ويذكر أنها قالت له إذ ذاك: يا قيصر! الملك يصلح لمثلك وعلى يد مثلك يصلح أمره. ولقد بلغني أن أمر جذيمة كان إيراده وإصداره إليك. وما يقصر بك عن شيء تناله يدي ولا يقعد بك حال ينهض بي فسمع كلامها رجل من خاصة قومها فقال: أسد خادر وليث ثائر قد تحفز للوثوب! فلما سمع قصير كلامها وعلم ما بلغ من قلبها قال: الآن تمكن الخداع! وخرج من عندها فأتى عمرا فقال له: قد أصبحت الفرصة. قال له عمرو: قل أسمع ومر أقبل فأنت طبيب هذه القرحة! قال: الرجال والأموال فقال عمرو: حكمك مسلط فينا عندي!فعمدا إلى ألفي رجل من فتاك قومه فحملهم على ألفي بعير في الغرائر السود. ويقال انه اتخذ الجوالق وهو أول من اتخذها وحمل فيها الرجال وجعل ربطها من داخل. فأتى بها وأخذ غير الطريق وجعل يسير الليل ويكمن النهار. وجاء عمرو معه. وكان عمرو قد صور للزباء قاعدا وقائما وراكبا. فلما عمي عنها خبر قصير سألت عنه فقيل لها إنه أخذ على طريق الغور فقالت: عسى الغوير أبؤسا. فذهبت مثلا، وسيأتي. فلما قربوا تقدم قصير ودخل على الزباء فقال لها: قفي فانظري إلى العير! فرقبت سطحا وجعلت تنظر إلى الإبل تحمل الرجال. فقالت: يا قصير:
ما للجمال مشيها وئيدا ... أجندلا يحملن أم حديدا؟
أم صرفانا باردا شديدا ... أم الرجال جثما قعودا؟

(1/88)


و يقال إن الزباء كان وشي لها بقصير فلما رأت مشية الأجمال ازدادت الريبة في قلبها فقالت ذلك. فلما دخلت العير القصر وعلى الباب بوابون من النبط وفيهم رجل بيده مخصرة فطعن بها جوالقا فأصابت المخصرة رجلا فضرط فقال البواب بالنبطية: بشتا! بشتا! أى الشر! الشر! فاستل قصير السيف فقتل النبطي فدخل عمرو وكان وراء الإبل. فبركت الإبل وخرج الرجال وذهب عمرو فوقف على فم النفق وكان قد وصفه له قصير وعرفه به. فجاءت الزباء نحو النفق. فلما رأت عمرا عرفته بما صور لها فمصت خاتما كان في يدها مسموما وقالت: بيدي لا بيد عمرو فماتت. ويقال إنه هو قتلها بالسيف واستباح بلادها. ومعنى المثل ومضربه واضح.
بيدين ما أوردها زائدة.
اليد تطلق على الجارحة وعلى القوة الناشئة عنها. ويثنى بالمعنى الثاني أيضا كما يثنى بالمعنى الأول الحقيقي. قال تعالى: )لما خلقت بيدي(. وقال عروة بن حزام:
فقالوا شفاك الله والله مالنا ... بما حملت منك الضلوع يدان
و اليد في المثل إن كانت بالمعنى الحقيقي فهي كناية عن الجد والشدة والقوة لأن العامل عملا بكلتا يديه يكون عليه أقوى وأشد من الذي يعمله بيد واحدة؛ وإن كان بالمعنى الثاني فواضح وثنيت للمبالغة. والمثل يضرب للجلادة والقوة في العمل
بيض القطا يحضنه الأجدل.
القطا: الطير المعروف، واحدته قطاة، وتقدم إنها تعد في الحمام. وتبيض ولا تزيد غالبا على ثلاث بيضات، ومن ثم يقال للقطا أم ثلاث. قال الشاعر:
وأم ثلاث شببن عققنها ... و إن متن كان الصبر منها على صبر
و حضانة الأولاد معروفة، وأصل الحضن جعل الشيء تحت الإبط. والاجدل هو الصقر، مشتق من جدل وهو القوة، وغلبت عليه الصفة. وهذا المثل يضرب في الضعيف يستند إلى القوي ويأوي إليه.
بين الصبح لذي عينين.
معناه أن الليل لا ظلامه يستوي فيه البصير والأعمى، فإذا أقبل الصبح تبينت الأشياء لكل ذي بصر فأدركها. أو معناه أن الصبح لظهوره يدركه كل ذي بصر لا يمتري فيه ولا يلتبس عليه. يضرب في الشيء يتضح وينجلي بحيث لا يتطرق إليه التباس. ويقال أيضا: وضح الصبح لذي عينين. وأصل المثل لقيس بن زهير العبسي صاحب الحروب بين عبس وذبيان بسبب الفرسين داحس والغبراء. وسنشرح ذلك في موضوعه إن شاء الله تعالى. وكان قيس داهية من دهاة العرب، يضرب به المثل في ذلك كما سيأتي. فحكي أن رجلا مر بحي الاحوص، فلما دنا من الحي نزل عن راحلته فعمد إلى شجرة فعلق عليها سقاء من لبن، وجعل بعض أغصانها حنظلة، ووضع صرة من تراب وصرة من شوك، ثم أستوى على راحلته وانطلق. فنظر القوم إلى ذلك فعمي عليهم أمره، فأرسلوا إلى قيس بن زهير، فلما جاءهم قال له الأحوص: المثل تخبرني أنه لا يرد عليك أمر إلا عرفت مأتاه؟ قال: ما ذلك؟ فأراه ذلك، فقال: وضح الصبح لذي عينين. فأرسلها مثلا، ثم قال: هذا رجل أسره جيش " قاصد " إليكم، ثم أنطلق بعد أن أخذ عليه العهد والميثاق أن لا ينذركم، فعرض لكم بما ترون. أما الصرة من التراب فأنه يزعم أنه أتاكم عدد كثير؛ وأما الحنظلة فإنه يزعم أن بني حنظلة قد غزتكم، وأما الشوك فيخبر إن لهم شوكة، وأما اللبن فإنه دليل على قرب القوم أو بعدهم إن كان حلوا أو حامضا. فأشتد القوم فكان كما قال.
ومما يتلحق بهذا الباب قولك مثلا. أبرد من الثلج، وابرد من قرة، ونحو ذلك وهذا النحو من الأمثال لا يختص بنوع ولا ينحصر في شيء، إذ ما من شيء اتصف بصفة وامتاز بميزة من برودة أو بله أو بطئ أو إبصار أو غير ذلك من الأوصاف، إلا ولك أن تضرب به المثل، إما تفصيلا أو تشبيها. وهكذا في باب؛ غير إن ما اشتهر من ذلك يثبت في الكتاب، وما سواه فسائغ استعماله، غير محذور ارتكابه.
وقولهم: بفلان تقرن الصعبة.
يقال للرجل إذا كان نافذا في أمور قويا عليها ناهضا بها.
وقولهم: بعد اللتيا والتي.
في الأمر يكون بعد معاناة الكد ورؤية الشدة.
وقولهم: هو ابن زوملتها
أي عالم بها .
وقولهم: هو بين سمع الأرض وبصرها

(1/89)


إذا لم يدرك أين توجه. أو يراد به إنه بأرض خالية لا يسمعه ولا يبصره إلا الأرض. وقيل أريد بسمع الأرض وبصرها طولها وعرضها. وضمن هذا المثل أبو محمد بن عبدون رحمه الله! في قصيدته التي يرثي بها بني المظفر، فقال:
وانفذ في كليب حكمها ورمت ... مهلهلا بين سمع الأرض والبصر
و من أمثال العامة في هذا الباب قولهم: يبر الجرح السوء، ولا يبرا الكلام السوء. وأصله يزعمون أن شخصا أداة تطوافه إلى إن سقط في مغارة الأسد منكسرا، فوجد أشباله فلاذ بها. فلما دخل عليه الأسد ورآه على تلك الحال، رق له وجعل يأتيه باللحم ويقدمه إليه ويرفق به حتى برئ وذهب إلى أهله. فبينما هو يحدثهم ذات يوم بقصته مع الأسد، إذ جاء الأسد فأستمع من وراء البيت، وسمعه يقول لهام: ما رأيت في الأسد من عيب إلا بخرا في فيه، يدنو مني فيؤذيني غاية الإيذاء. فلما سمع الأسد كلامه أحفظه. فبينما ذلك الشخص يوما في موضع إذ وجده ذلك الأسد وعرفه، فقال له الأسد: أما كان لي عليك حق وجزاء لنعمتي ورفقي وإحساني بك؟ أو نحو هذا. قال نعم! قال له: فإني أسألك أن تضربني بهذا الفأس ضربة بين عيني منكرة، فأبى عليه، وألح عليه الأسد حتى ضربه. فذهب، ومكث زمانا حتى برئت تلك الضرب وذهب أثرها. فرجع إليه حتى لقيه فقال له:أنظر هل ترى لضربتك التي ضربتني أثرا! قال: لا! فقال له حينئذ: يبرؤ جرح السوء، ولا يبرؤ كلام السوء. يعني قوله فيه إنه كان أبخر، وافترسه. ولنحو هذا يقول العامة في مثل آخر: من ذا يقدر إن يقول للأسد: فوك أبخر؟
و قولهم: البركات في الحركات.
وقد ورد في مدح السفر والحضر على التحول والتحرك لنيل الأوطار كلام كثير. قال صلى الله عليه وسلم: " سافروا تصحوا، وأغزو تستغنموا! " . ويروى: " سافروا تصحوا وتغنموا! " . وقال: " الأرض أرض الله والعباد عباد الله: فحيث وجد أحدكم رزقه، فليتق الله وليقم " . وقال: " ما مات ميت بأرض غربة إلا قيس به من مسقط رأسه إلى منقطع أثره في الجنة " . وقال: " موت الغريب شهادة " .و قال: " من مات غريبا مات شهيدا " . وفي التوراة: أبن أدم، احدث سفرا احدث لك رزقا. وفيها أيضا: ابد آدم، خلقت من الحركة إلى الحركة: فتحرك وأنا معك!. وفي بعض الكتب: امدد يدك إلى باب من العمل، أفتح لك بابا من الرزق! وقال صلى الله عليه وسلم لوفد من قيس: ما المروءة فيكم؟ قالوا: العفة والحرفة. وقال موسى بن عمران عليه السلام: لا تلوموا السفر! فإني أدركت فيه ما لم يدرك أحد، يريد أن الله كلمه. ونظمه أبو تمام بقوله:
فإن موسى صلى على روحه ... الله صلاة كثيرة القدس
صار نبيا وعظم بغيته ... في جذوة للصلاة أو قبس
قيل: وقد قال رجل لمعروف الكرخي: يا أبا محفوظ، أتحرك لطلب الرزق أمثال اجلس ؟ قال: بل تحرك، فإنه أصلح لك! فقال له: أتقول هذا؟ قال: ما أنا قلته، ولكن عز وجل أمر به حين قال: )و هزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا(، ولو شاء أن ينزله عليها فعل. وفي هذا أنشد الثعالبي:
ألم تر أن الله أوحى لمريم ... فهزي إليك الجذع تساقط الرطب
ولو شاء أن تجنيه من غير هزها ... جنته ولكن كل شيء له سبب
وقال المأمون: لا شيء ألذ من السفر في كفاية، لأنك تحل يوم محلة لم تحللها، وتعاشر قوما لم تعاشرهم. وقالوا: ربما أسفر السفر، عن الظفر. وقالوا: إن من فضائل السفر أن صاحبه يرى من عجائب الأمصار، ومحاسن الآثار، وأمثال يزيد علما بقدرة الله، ويدعو إلى شكر نعمته. وقالوا: السفر يشد الأبدان، وينشط الكسلان، ويسلي الثكلان، ويشهي الطعام، إذ ليس بينك وبين بلد نسب، فخير البلاد ما حمل. وكتب أبن رشيق إلى بعض إخوانه: مثل الرجل القاعد، أعزك الله! كمثل الماء الراكد، وإن ترك تغير، وإن حرك تكدر؛ ومثل المسافر كالسحاب الماطر، هؤلاء يدعونه نقمة، وهؤلاء يدعونه نعمة. فإذا اتصلت أيامه، ثقل مقامة، وكثر لوامه. فاجمع لنفسك فرجة الغيبة، وفرحة الأوبة! وقالوا: المسافر يسمع العجائب، ويكشف التجارب، ويحلب المكاسب. أوحش أهلك إذا كان انسك في إيحاشهم، واهجر وطنك إذا نبت عنك نفسك! وقيل لأعشى بكر: إلى كم ذا الاغتراب؟ أما ترضى بالدعة؟ فقال: لو دامت الشمس يوما عليكم لمللتموها. وأخذ أبو تمام فقال:

(1/90)


وطول مقام المرء في الحي مخلق ... لديباجته فأغترب تتجدد
فإني رأيت الشمس زيدت محبة ... إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد
و قال الحكماء: لا تنال الراحة إلا بالتعب، ولا تدرك الدعة إلا بالنصب. وقال أبو تمام:
ولكني لم أحو وفرا مجمعا ... ففزت به إلا بشمل مبدد
ولم تعطني الأيام يوما مسكنا ... ألذ به إلا بنوم مشرد
و قال لنابغة الجعدي في هذا المعنى الذي نحن فيه:
إذا المرء لم يطلب معاشا لنفسه ... شكا الفقر أو لام الصديق فأكثرا
فسر في بلاد الله والتمس الغنى ... تعش ذا الديار أو تموت فتعذرا
و قال أبن صارة:
سافر فأن الفتى من بات مفتتحا ... قفل النجاح بمفتاح من السفر
إن شئت خضرتها يا أبن الرجاء فكن ... في طي غبر الفيافي ثاني الخضر
ولا يصدنك عن وجه تصعبه ... قد ينبغ الكوثر السلسال من حجر
و قال الآخر:
تخوفي طول السفار وإنني ... لتقبيل كف العامري سفير
ذريني أرد ماء المفاوز آجنا ... إلى حيث ماء المكرمات نمير
وإن خطيرات المهالك ضمن ... لراكبها أن الجزاء خطير
و قال الآخر:
لا يمنعنك خفض العيش في دعة ... نزوع نفس إلى أهل وأوطان
تلقى بكل بلاد أنت ساكنها ... أهلا بأهل وجيرانا بجيران
و قال البحتري:
وإذا الزمان كساك حلة معدم ... فليس له حلل النوى وتغرب
و قال الآخر:
ليس ارتحالك ترداد لغنى سفرا ... بك المقام على خسف هو السفر
و قال أبو الفتح البستي:
فالحر حر عزيز النفس حيث ثوى ... و الشمس في كل برج ذات أنوار
و قال ديك الجن:
وليس المرء ذو العزمات إلا ... فتى تلقاه كل غد بلاد
و قال الآخر:
يقيم الرجال الأغنياء بأرضهم ... و ترمي النوى بالمقترنين المراميا
و قال البحتري:
وإذا ما تنكرت لي بلاد ... أو صديق فإنني بالخيار
و قال أبو الطيب:
إذا لم أجد في بلدة ما أريده ... فعندي لأخرى عزمة وركاب
و قال:
ما بلد الإنسان غير الموافق ... و لا أهله الأدنون غير الأصادق
و قال الآخر:
غب عن بلادك وارج حسن مغبة ... إن كنت حقا تشتكي الإقلالا
فالبدر لم يحجب به إبداره ... إلا بغير يطلب الإقبالا
و قلت أنا من جملة قصيدة:
لا يكسك الوطن الأليف مذلة ... أن كنت تكتسب العلى بتغرب
فالجار من يدنو إليك مواتيا ... في كل أرض بالجوار الأطيب
ومن احتبك مودة ونصيحة ... في حالتيك فذاك خير الأقرب
و هذا باب لا يحصى. وقد أكثروا في عكس هذا المقصد، وهو مدح الإقامة والإخلاد إلى الراحة وانتظار الفرج واستمطار الرجاء. قال الأعشى:
ومن يغترب عن قومه لا يزل يرى ... مصارع مظلوم مجرا ومسحبا
وتدفن منه الصالحات وإن يسئ ... يكن ما أساء النار في رأس كبكبا
و قال زهير:
فقري في بلادك إن قوما ... متى يدعوا بلادهم يهنوا
و قال الآخر:
لقرب الدار في الاقتدار خير ... من العيش الموسع في اغتراب
وقال الآخر:
وما زلت أقطع عرض البلا ... د من المشرقين إلى المغربين
وأدرع الخوف تحت الرجا ... و استصحب الجدي والفرقدين
واطوي وانشر ثوب الهمو ... م إلى أن رجغت بخفي حنين
و قال الآخر:
يعطي الفتى فينال في دعة ... ما لم ينل بالكد والتعب
فأطلب لنفسك فضل راحتها ... إذ ليست الأشياء بالطلب
إن كان لأرزق بلا سبب ... فرجاء ربك أعظم السبب
و قال الآخر:
قد يرزق الخافض المقيم وما ... شد لعنس رحلا ولا قتبا
ويحرم المال ذو المطية والر ... حل ومن لا يزال مغتربا
و قال الآخر:
قد يرزق المرء لم تتعب رواحله ... و يحرم الرزق بالأسفار والتعب
إني وعمرك لا أحصي ذوي حمق ... الرزق اغرى بهم من لاصق الجرب
و قال الآخر:
إلا رب باغي حاجة لا ينالها ... و آخر قد تقضى له وهو جالس
و قال الآخر:
قد يرزق المرء لا من حسن حيلته ... و يصرف الرزق عن ذي الحيلة الداهي

(1/91)


ما مسني من غنى يوم ولا عدم ... إلا وقولي فيه الحمد لله
و قلت أنا من جملة قصيدة:
لا ولا بالحجى تنال الأماني ... لا ولا الجهل رائد الحرمان
فالغنى بالحظاء لا بالتعني ... و الثمى بالقضاء لا بالتواني
كم لبيب ذي نجدة مات هزلا ... و غبي يحفه ألف هان
وكريم اذيل بعد اعتزاز ... و وضيع يسمو على كيوان
قسمة قدرات وأحكم مبن ... اها قضاء المهيمن الديان
و لنرجع إلى المقصود خشية الطول.
وقولهم: بأضدادها تتبين الأشياء. ونظمه أبو الطيب حيث قال:
من يظلم اللؤماء في تكليفهم ... إن يصبحوا وهم له أكفاء
ويذمهم وبهم عرفنا فضله ... و بضدها تتبين الأشياء
و نحوه قول أبي تمام:
كثرة السفر يمنة وشمالا ... أضعفت في نفيسة العقيان
و نحوه قول المعري:
والشيء لا يكثر مداحه ... إلا إذا قيس إلى ضده
لو لا غضا نجدي وقلامه ... لم يئن بالطيب على رنده
و قد يعاب الامتداح بنحو هذا بتبه امتداح بكمال إضافي، وقلما يخلو شيء من نحو هذا الكمال. والجواب أن القصد إلى بيان كون الكمال إضافي لا حقيقيا، بل إلى بيان أن الكمال اتضح غاية الاتضاح وإن سبب اتضاحه كذا. والشيء قد يكون في غاية الكمال والفضل ويخفى لشدة ظهوره ولا يعرف إلى بالقياس لغيره. فلو لم يخلق الله المرض لم يعرف حسن الصحة؛ وكذا الفقر والغنى والمرارة والحلاوة ونحو ذلك. ولو لم يخلق الليل لما عرفت فائدة النهار كما قال حبيب:
بين البين فقدها قلما ... تعرف فقدا للشمس حتى تغيبا
و لهذا ورد في الخير إنه يرى المؤمن النار وما أبدله به الجنة؛ وكذا الكافر بالعكس. وشاع في ألسنة العامة قولهم: لا تمدحني حتى تجرب غيري، كما قال حبيب:
وإساءات ذي الإساءة يذكر ... نك يوما إحسان ذي الإحسان
و قال أيضا:
إساءة دهر اذكرت حسن فعله ... إلي ولولا الشري لم يعرف الشهد
و أما قول أبي الطيب:
زانت الليل غرة القمر الطا ... لع فيه ولم يشنها سواده
فمراده به المبالغة في الثناء، وإن طلعة الممدوح تكشف الظلماء مع غلبتها الأنوار، وأو أضاف إشراق طلعته إلى النهار لم يكن لذلك كبير فضل، من حيث إن الشيء يظهر بالنهار ولو ضعيفا. ولم يعتبر هو ما مر، وإنما اعتبر ما اعتبره النابغة حيث اعترض على حسان قوله: يلمعن بالضحى. وكان النابغة تضرب له قبة بسوق عكاظ، فيعرض عليه الشعراء أشعارهم. فدخل عليه يوما حسان بن ثابت وعنده الأعشى، وقد كان أنشده شعرا له فاستحسنه، وإذا بالخنساء فأنشدت:
يا صخر وراد ماء قد تناذره ... أهل المياه وما في ورده عار
مشي السبنتى إلى هيجاء معضلة ... لها سلاحان: أنياب وأظفار
فما عجول على بو تحن له ... لها حنينان: إعلان وإسرار
ترتع ما غفلت حتى إذا ذكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار
يوما بأوجع مني يوم فارقني ... صخر والدهر إحلاء وإمرار
وإن صخرا لوالينا وسيدنا ... و إن صخرا إذا نشتو لنحار
وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
جواب قاصية جزار ناصية ... عقاد ألوية للعيش جرار
حامي الحقيقة محمود الخليقة ... مهدي الطريقة نقاع وضرار
لم تره جارة يمشي بساحتها ... لريبة حين يخلى بيته الجار
فقال لها النابغة: لو لا أن أبا بصير يعني الأعشى أنشدني قبلك لقلت أنك أشعر الإنس والجن فقال حسان: أنا اشعر منك ومنها ومن أبي بصير، حيث أقول:
لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... و أسيافنا يقطرن من نسجه دما
وليدنا بني العنقاء وأبن محرق ... فاكرم بنا خالا واكرم بنا أبنما!
فقال له النابغة: انك لشاعر لو لا انك قلت الجفنات فقللت العدد ولو قلت الجفان كان اكثر؛ وقلت يلمعن بالضحى، ولو قلت يشرقن بالدجى كان ابلغ وقلت يقطرن ولو قلت يجرين كان ابلغ؛ وفخرت بما ولدت ولم تفغر بمن ولدك على انك يا بني لا تحسن أن تقول:
فانك كالليل الذي هو مدركي ... و إن خلت أن المنتآى عنك واسع
فقام حسان خجلا منكسرا.

(1/92)


فائدتان: الأولى قول النابغة: أشعر الإنس والجن أو الجن والإنس خطأ في العربية. فإن المعطوف في حكم المعطوف عليه واسم التفضيل إنما يضاف على ما هم بعض منه، غير إنه إن كانت الرواية تأخير الجن أمكن أن يستسهل في التابع ما لا يسوغ في المتبوع.
الثاني: بيت النابغة الذي تبجح به وفخر به على حسان هو من جيد الشعر، وقد اعترضه الأصمعي في انتصاره للرشيد على البرامكة. فإن النهار سواء هو والليل في الإدراك واللحاق ولا مزية لليل حتى يخص بالذكر. وقصة محاضرتهم مشهورة. قلت: وأنت إذا علمت وأنصفت عرفت أن ليس لحاق النهار كلحاق الليل الذي تنقطع الحركات لإقباله ويستكن كل أحد لغشيانه، ويخضع تحت أطنابه: فتشبيه الملك به أحق. وليتنبه الأديب إلى كلام النابغة وانتقاداته ليعرف مبلغ شعراء الجاهلية في معرفة الشعر والغوص على المعاني ويقدرهم حق قدرهم في هذا الباب ويعرف أن البلاغة طوع إيمانهم وإنها تدب على ألسنتهم دبيب النمل، وتجري منهم مجرى الدم وتسري في أفكارهم سريان العذب السلسال، حتى يعرف مقدار من تحداهم رب العزة بكلامه فأعجزهم، وأنهم لأمر ما عجزوا وأذعنوا. فلا يغتر الفتى الجاهل اليوم ويتوهم إذا سمع شقاشق أهل إعصاره أن أولائك أغمار. وقولهم للإنسان غير المستوطن: بيته على ظهره. وأصله في السلحفاة. ومثله قول الشاعر:
حيثما كنت لا أخلف رحلا ... من رآني فقد رآني ورحلي
و قد آن أن أذكر ما يتيسر من الأمثال الشعرية في هذا الباب وما يجري على نمطها. وينخرط في سفطها. قالوا:
ومن يكن الغراب له دليلا ... يدل به على جيف الكلاب
يريدون أن من اتخذ الدنيء مرتادا واللئيم قوادا فهو يسوقه إلى سخفه أو يقع به إلى حتفه. وقال الآخر:
ومن لم يكن عقربا يتقى ... مشت بين أثوابه العقرب
و هو مثل قول العامة: من لم يكن ذئبا أكلته الذئاب. وقول أبن دريد:
من ظلم الناس تحاموا ظلمه ... و عز فيهم جانباه واحتمى
وهم لمن لان جانبه ... أظلم من حيات أنباث السفا
و قال مسكين الدارمي:
رب مهزول سمين عرضه ... و سمين الجسم مهزول النسب
أي رب وهزول البدن والجسم كريم الأب رفيع النسب صين الحسب، وبالعكس. وقال رجل من مذحج:
إن السوية إن إذا استغنيتم ... و أمنتم فأنا البعيد الأجنب
وإذا تكون كريهة ادعى لها ... و إذا يحاس الحيس يدعى جندب
هذا وجدكم الصغار بعينه ... لا أم لي إن كان ذاك ولا أب!
و المثل هو البيت الوسط وفي معناه مثل من أمثال النساء يقلن: الطرية للهاتي، والقسية لأخواتي. وقال النابغة:
ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب؟
و مثله قول الآخر:
وإن كنت لم تصحب سوى ذي كمالة ... فأين من الأخوان من هو كامل؟
و قولي من قصيدة:
وإذا تبتغي صديقا بلا ذا ... مر فعش مفردا عن الخلان
و قال أبو عبد الله بن شرف في معنى بيت النابغة:
ولا تعتب على نقص الطباع أخا ... فإن بدر الدجى لم يعط تكميلا
و قال لبيد:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... و بقيت في خلف كجلد الأجرب
و قال أبن شرف في معناه:
كم خانني الدهر في أوفى الورى فمضى ... به وخلف مرذولا فمرذولا
و قال الآخر:
ألا إنما الدنيا غضارة أيكة ... إذا اخضر منها جانب جف جانب
الغضارة: الطين اللازب الأخضر وتطلق أيضا على الخصب والنعمة.
وقال أبن شرف في معنى البيت:
ولم يزل ثمر الدنيا لقاطفه ... رطبا ويبسا وماجوجا ومعسولا
و قال الآخر:
وإن امرئ قد سار تسعين حجة ... على منهل من ورده لقريب
و قال الآخر:
وأجرا من رأيت بظهر غيب ... على عيب الرجال ذوو العيوب
و قال أبن شرف في معناه:
ولم تجد قط عيابا ومفتخرا ... إلا على العيب والعوراء مجبولا
و قيل للأحنف بن قيس: دلني على رجل كثير العيوب! فقال: اطلبه عيابا فانه لا يعيب الناس إلا بفضل ما فيه! وقال امروء القيس:
وانك لم يفخر عليك كفاخر ... ضعيف ولم يغلبك مثل مغلب
و في البيت مثلان سيأتيان إن شاء الله تعالى. ومثله أبي تمام:

(1/93)


وضعيفة فإذا أصابت قدرة ... قتلت: كذلك قدرة الضعفاء
و قال الآخر:
راحت مشرقة ورحت مغربا: ... شتان بين مشرق ومغرب!
و مثله ما انشد الأصمعي من قول الشاعر:
أذكرك مجالس بني أسد ... بعدوان فنحن إليهم القلب
الشرق منزلهم ومنزلنا ... غرب: وأين الشرق والغرب؟
من كل أبيض جل زينته ... مسك أحم وصارم عضب
مدجج يدعى بشكته ... و عقيره بفنائه تحبو
و قال أبو تمام حبيب بن أوس الطائي:
السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والريب
والعلم في شهب الأرماح لامعة ... بين الخميسين في السبعة الشهب
و قال أيضا:
إذا المرء لم يستخلص الحزم نفسه ... فذروته للحادثات وغاربه
أعذلتنا ما أخشن الليل مركبا ... و أخشن منه في الملمات راكبه
دعيني وأهوال الزمان أفانها ... فأهواله العظمى تليها رغائبه
فإن نحن الحسام الهندواني إنما ... خشونته ما لم تفلل مضاربه
و قال:
لأمر عليهم أن تتم صدوره ... و ليس عليهم أن تتم عواقبه
و قال أيضا:
سلي هل عمرت القفر وهو سباسب ... و أدرت ربعي من ركابي سباسبا
وغربت حتى لم أجد ذكر مشرق ... و شرقت حتى قد نسيت المغاربا
خطوب إذا لاقيتهم رددني ... جريحا كأني قد لقيت الكتائبا
ومن لم يسلم للذنوب أصبحت ... خلائقه طرا عليه نوائبا
وقد يكهم السيف المسمى منية ... و قد يرجع المرء المظفر خائبا
فآفة ذا ألا يصادف مضربا ... و آفة ذا ألا يصادف ضاربا
و قال أيضا:
كانت لنا ملعب نلهو بزخرفه ... و قد ينفس عن جد الفتى اللعب
وعاذل هاج لي بالعذل مأربة ... باتت عليه هموم الصدر تصطخب
لما أطال ارتجال العذل قلت له: ... الحزم يثني خطوب الدهر لا الخطب
و قال:
مالي أرى جلبا فعما وليست أرى ... سوقا ومالي أرى سوقا ولا جلب؟
أرض بها عشب جرف وليس بها ... ماء وأخرى بها ماء ولا عشب
و قال أيضا في أبي دلف:
يرى اقبح الأشياء أوبة آمل ... كسته يد المأمول حلة خائب
وأحسن من نور تفتحه الصبا ... بياض العطايا في سواد المآرب
وقال:
ولو كان يفني الشعر أفناه ما قرت ... حياضك منه في العصور الذواهب
ولكنه صوب العقول إذا انجلت ... سحائب منه أعقبت بسحائب
وقال أيضا:
وما الأسد الضرغام يوما بعاكس ... ريمته إن أن أو بصبص الكلب
وقال أيضا:
لو رأى الله أن للشبيب فضلا ... جاورته الأبرار في الخلد شيبا
وقال أيضا:
والحظ يعطاه غير طالبه ... و يحز الدر غير محتلبه
وقال أيضا:
فاض اللئام وغاضت الاحساب ... و اجتثت العلياء والآداب
فكأن يوم البعث فاجأهم فلا ... أنسب بينهم ولا أسباب
وقال:
ما إن سمعت ولا أراني سامعا ... أبدا بصحراء عليها باب
من كل مفقود الحياء فوجه ... من غير بواب له بواب
ما زال وسواسي لعقلي خادعا ... حتى رجا مطرا وليس سحاب
ما كنت ادري لا دريت بأنه ... يجري بأفنية البيوت سراب
و قال أيضا يهجو يوسف السراج:
سمعت بكل داهية نآد ... و لم اسمع بسراج أديب
أما لو إن جهلك عاد علما ... إذا لنفذت في علم الغيوب
ومالك بالغريب يد ولكن ... تعاطيك الغريب من الغريب
فلو نشر المقابر عن زهير ... لصرح بالعويل وبالنحيب
متى كانت قوافيه عيالا ... على تسفير بقراط الطبيب؟
و قال أيضا:
هو الدهر لا يشوي وهن المصائب ... و اكثر آمال الرجال كواذب
و قال:
وقلت: أخي قالوا: أخ ذو قرابة ... فقلت لهم: إن الشكول اقرب
نسيبي في عزمي ورأيي ومذهبي ... و إن باعدتنا في الأصول المناسب
و قال:
على إنها الأيام قد صرن كلها ... عجائب حتى ليس فيها عجائب
و قال أيضا:
إن ريب الزمان يحسن إن يهدي ... الرزايا إلى ذوي الاحساب

(1/94)


فلهذا يجف بعد اخضرار ... قبل روض الوهاد روض الروابي
و قال أيضا:
ومن يكن طيبا فلا عجب ... إن يأكل الناس من أطيابه
و قال أيضا:
غير مستأنس بشيء إذا غبت ... سوى ذكرك الذي لا يغيب
أنت دون الجلاس انسي وإن كنت ... بعيدا فالأنس منك قريب
و قال أيضا:
لعمر مع الرمضاء والنار تلتظي ... ارق وأحفى منك في ساعة الكرب
متى ابتغي النصف من قلب صاحب ... إذا لم يكن قلبي شفيقا على قلب
و قال أيضا يعاتب أبا دلف:
أقمت شهورا في فنائك خمسة ... لقى حيث لا تهمي علي جنوب
فإن نلت ما أملت فيك فإنني ... جدير وإلا فالرحيل قادب
و قال أيضا:
يا أيها الملك النائي برؤيته ... وجوده لمراعي جوده كثب
ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا ... إن السماء ترجى حين تحتجب
و قال أيضا:
لعمرك لليأس غير المريب ... خير من الطعم الكاذب
وللريث تحفزه بالنجاح ... خير من الأمل الخائب
و قال أيضا يصف غيثا:
لم أر عيرا جمة الدؤوب ... تواصل التهجير بالنأويب
ابعد من أين ومن لغوب ... منها غداة الشار والمهضوب
نجائب ولين من نجيب ... شبائه الأعناق بالعجوب
كالليل أو كاللوب أو كالنوب ... منقادة لعارض غريب
كالشمعة التفت على النقيب ... آخذة بطاعة الجنوب
ناقصة لمرر الخطوب ... تكف غرب الزمان العصيب
محاءة للأزمة اللزوب ... محو استلام الركن للذنوب
لما دنت الأرض من قريب ... تشوفت لوبلها السكوب
تشوف المريض للطبيب ... و طرب المحب للحبيب
وفرحة الأديب بالأديب ... و خيمت صادقة الشؤبوب
وقالم فيها الرعد كالخطيب ... و حنت الريح حنين النيب
فالشمس ذات حاجب محجوب ... قد أغربت من غير ما غروب
والأرض في ردائها القشيب ... في زاهر من نبتها رطيب
بعد اشتهاب الثلج والضريب ... كالكهل بعد السن والتنحيب
تبدل الشباب بالمشيب ... كم أنست من جانب غريب
وغلبت من الثرى المغلوب ... و نفست من بأرض مكرب
وسكنت من نافر الجبوب ... و أقنعت من بلد رغيب
يحفظ عهد الغيث بالمغيب ... لذيذة الريق والصبيب
كأنها تهفي على القلوب.
وتقدم استيفاء هذا المعنى في الباب الأول.
وقال أيضا:
الصبر كاس وبطن الكف عارية ... و العقل عار إذا لم يكس بالنشب
وما أضيع العقل إن لم يرع ضيعته ... و فر وأي رحى دارت بلا قطب
و قال:
بأي وخد قلاص واجتناب فلا ... إدراك رزق إذا ما كان في هرب
و قال:
إذا قصدت لشلو خلت إني قد ... أدركته ادركتني حرفة الأدب
و إنما قال ذلك لما يزعم من إن حرفة الأدب مشؤومة حليفة الفقر حتى قال قائلهم:
الضب والنون قد يرجى اجتماعهما ... و لا يرجى اجتماع المال والأدب
و ستأتي في هذا الباب حكايات ظريفة في هذا المعنى للأدباء.
وقال أيضا:
إن الأسود اسود الغاب همتها ... يوم الكريهة في المسلوب السلب
و كانوا يرون الفضيلة عند اللقاء إنما هي في الاهتمام بضرب الهام دون جمع الحطام. ومنه قول عنترة:
هلا سألت القوم يا أبنت معبد ... إن كنت جاهل بما لم تعلم
إذ لا أزال على رحالت سابح ... نهد تعاوره الكماة معلم
طورا يعرض للطعان وتارة ... يأوي إلى حصد القسي عرمرم
يخبرك من شهد الوقيعة إنني ... أغشى الوغى واعف عند المغنم
و هذا المعنى هو الذي نبه عليه الأول وأوضحه. وقد أكثر الشعراء في هذا المعنى. ولما سيق إلى المعتصم المازيار أسيرا فأمر بصلبه قال له: من علي ولك أموال جليلة الخطر! فأبى وانشد:
إن الأسود اسود الغاب همتها ... يوم الكريهة في المسلوب السلب
و قال أيضا:
إذا ما شبت حسن الدين ... منك بصالح الأدب
فمن شئت كن فلقد ... فلجت بأكرم النسب
فنفسك قط أصلحها ... و دعني من قديم آب
اصله قوله تعالى: إن أكرمكم عند الله اتقاكم. وقال أبو الطيب:

(1/95)


ومن سر أهل الأرض ثم بكى أسى ... بكى بعيون سرها وقلوب
و قال:
وقد فارق الناس الأحبة قبلنا ... و أعيى دواء الموت كل طبيب
سبقنا إلى الدنيا فلو عاش أهلها ... منعنا بها من جيئة وذهوب
تملكها الآتي تملك سالب ... و فارقها الماضي قراق سليب
ولا فضل فيها للشجاعة والندى ... و صبر الفتى لولا لقاء شعوب
وأوفى حياة الغابرين لصاحب ... حياة امرئ خانته بعد مشيب
و قال:
وما كل وجه أبيض بمبارك ... ولا كل جفن ضيق بنجيب
و قال:
كأن الردى عاد على كل ماجد ... إذا لم يعوذ مجده بعيوب
وأولا أيادي الدهر في الجمع بيننا ... غفلنا فلم نشعر له بذنوب
وللترك للاحسان خير لمحسن ... إذا جعل الإحسان غير ربيب
و قلا:
فرب كئيب ليس تندى جفونه ... و رب كثير الدمع غير كئيب
و قال:
إذا استقبلت نفس الكريم مصابها ... بخبث ثنت فاستدبرته بطيب
وللواحد المكروب من زفراته ... سكون عزاء أو سكون لغوب
و قال:
وفي تعب من يحسد الشمس نورها ... و يجهد أن يأتي لها بضريب
و قال أيضا يمدح سيف الدولة:
وكيف عرفنا رسم من يدع لنا ... فؤادا لعرفان الرسوم ولا لبا؟
نزلنا عن الأوكار نمشي كرامة ... لمن بان عنه أن نلم به ركبا
و تمثل به أحد الفضلاء حيث أقبل على المدينة المشرفة على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى السلام! وقال:
ومن صحب الدنيا طويلا تقلبت ... على عينه حتى يرى صدقها كذبا
و قال:
ومن تكن الأس الضواري جدوده ... يكن ليله صباحا ومطعمه غصبا
ولست أبالي بعد إدراكي العلا ... أكان تراثا ما تناولت أم كسبا
و قال:
تهاب سيوف الهند وهي حدائد ... فكيف إذا كانت نزارية عربا؟
ويرهب ناب الليث والليث وحده ... فكيف إذا كان الليوث له صحبا؟
ويخشى عباب البحر وهو مكانه ... فكيف بمن يغشى البلاد إذا عبا؟
و قال:
أرى كلنا يبغي الحياة لنفسه ... حريصا عليها مستهاما بها صبا
فحب الجبان النفس أورده التقى ... و حب الشجاع النفس اورده الحربا
ويختلف الرزقان والفعل واحد ... إلى أن ترى إحسان هذا لذا ذنبا
و قال أيضا:
وإن كان ذنبي كل ذنب فانه ... محا الذنب كل المحو من جاء تائبا
و قال أيضا يستعطف سيف الدولة على بني كلاب:
ترفق أيها المولى عليهم ... فإن الرفق بالجاني عتاب
وانهم عبيدك حيث كانوا ... إذا تدعو لنائبة أجابوا
و كأنه من قول أبن أبي عيينة:
جلبنا الخيل من بغداد شعثا ... عرائس تحمل الأسد الغضابا
بكل فتى أغر مهلبي ... تخال بضوء صوته شهابا
ومن قحطان كل أخي حفاظ ... إذا يدعي لنائبة أجابا
و قال أيضا:
بأخوالي وأعمامي أقامت ... قريش ملكها وبها تهاب
متى ما أذاع أخوالي لحرب ... و أعمامي لنائبة أجابوا
و قال:
وعين المخطئين هم وليسوا ... بأول معشر خطئوا فتابوا
وكم ذنب مولده دلال ... و كم بعد مولده اقتراب
وجرم جره سفهاء قوم ... و حل بغير جارمه العذاب
و قال:
ومن في كفه منهم قناة ... كمن في كفه منهم جضاب
و هو معنى قول الآخر:
فلا يمنعك من أرب لحاهم ... سواء ذو العمامة والخمار
و قال أيضا:
وإن تكن تغلب الغلباء عنصرها ... فإن في الخمر معنى ليس في العنب
و قال:
فلا تنلك الليالي إن أيديها ... إذا ضربن كسرن النبع بلالغرب
ولا يعن عدوا أنت قاهره ... فإنهن يصدن الصقر بالخرب
وإن سررن بمحبوب فجعن به ... و قد أتينك في الحالين بالعجب
وربما احتسب الإحسان غايتها ... و فاجأته بأمر غير محتسب
وما قضى أحد منها لبانته ... و لا انتهى أرب إلا إلى أرب
تخالف الناس حتى لا اتفاق لهم ... إلا على شجب والخلف في الشجب
فقيل تخلص نفس المرء سالمة ... و قيل تشك جسم المرء في العطب

(1/96)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية