صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : زهر الآداب وثمر الألباب
المؤلف : الحصري
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وروى عيسى بن دأب قال: أول ما عرف الأحنف بن قيس وقدم أنه وفد على عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وكان أحدث القوم سنا، وأقبحهم منظرا، فتكلم كل رجل من الوفد بحاجته في خاصته، والأحنف ساكت، فقال له عمر: قل يا فتى! فقام فقال: يا أمير المؤمنين، إن العرب نزلت بمساكن طيبة ذات ثمار وأنهار عذاب، وأكنة ظليلة، ومواضع فسيحة، وإنا نزلنا بسبخة نشاشة، ماؤها ملح، وأفنيتها ضيقة، وإنما يأتينا الماء في مثل حلق النعامة فإلا تدركنا يا أمير المؤمنين بحفر نهر يغزر ماؤه، حتى تأتي الأمة فتغرف بجرتها وإنائها أوشك أن نهلك، قال: ثم ماذا؟ قال: تزيد في صاعنا ومدنا، وتثبت من تلاحق في العطاء من ذريتنا. قال: ثم ماذا؟ قال: تخفف عن ضعيفنا، وتنصف قوينا، وتتعاهد ثغورنا، وتجهز بعثنا، قال: ثم ماذا؟ قال: إلى ها هنا انتهت المطالب، ووقف الكلام. قال: أنت رئيس وفدك، وخطيب مصرك، قم عن موضعك الذي أنت فيه. فأدناه حتى أقعده إلى جانبه، ثم سأله عن نسبه، فانتسب له، فقال: أنت سيد تميم، فبقيت له السيادة إلى أن مات.
وهو الأحنف، واسمه الضحاك بن قيس بن معاوية بن حصين بن حصن بن عبادة بن النزال بن مرة بن عبيد بن مقاعس بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم.
وقال بعض بني تميم: حضرت مجلس الأحنف وعنده قوم مجتمعون له في أمر لهم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الكرم منع الحرم، ما أقرب النقمة من أهل البغي، لا خير في لذة تعقب ندما، لم يهلك من اقتصد، ولم يفتقر من زهد، رب هزل قد عاد جدا، من أمن الزمان خانه، ومن تعظم عليه أهانه، دعوا المزاح فإنه يورث الضغائن، وخير القول ما صدقه الفعل، احتملوا لمن أدل عليكم، واقبلوا عذر من اعتذر إليكم، أطع أخاك وإن عصاك، وصله وإن جفاك، أنصف من نفسك قبل أن ينتصف منك، إياكم ومشاورة النساء، واعلم أن كفرا النعم لؤم، وصحبة الجاهل شؤم، ومن الكرم الوفاء بالذمم، ما أقبح القطيعة بعد الصلة، والجفاء بعد اللطف، والعداوة بعد الود، لا تكونن على الإساءة أقوى منك على الإحسان، ولا إلى البخل أسرع منك إلى البذل، واعلم أن لك من دنياك ما أصلحت به مثواك، فأنفق في حق، ولا تكن خازنا لغيرك، وإذا كان الغدر موجودا في الناس فالثقة بكل أحد عجز؛ اعرف الحق لمن عرفه لك، واعلم أن قطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل. قال: فما سمعت كلاما أبلغ منه. فقمت وقد حفظته.
ودخل الأحنف على معاوية، ويزيد بين يديه، وهو ينظر إليه إعجابا، فقال: يا أبا بحر، ما تقول في الولد؟ فعلم ما أراد، فقال: يا أمير المؤمنين، هم عماد ظهورنا، وثمر قلوبنا، وقرة أعيننا، بهم نصول على أعدائنا، وهم الخلف منا بعدنا، فكن لهم أرضا ذليلة، وسماء ظليلة، إن سألوك فأعطهم، وإن استعتبوك فأعتبهم، ولا تمنعهم رفدك فيملوا قربك، ويستثقلوا حياتك، ويتمنوا وفاتك. فقال: لله درك يا أبا بحر، هم كما قلت!.
وزعمت الرواة أنها لم تسمع للأحنف إلا هذين البيتين: المتقارب:
فلو مد سروي بمال كثير ... لجدت وكنت له باذلا
فإن المروءة لا تستطاع ... إذا لم يكن مالها فاضلا
وكان يبخل. وقال لبني تميم: أتزعمون أني بخيل! والله إني لأشير بالرأي قيمته عشرة آلاف درهم! فقالوا: تقويمك لرأيك بخل. وكان الأحنف من الفضلاء الخطباء النساك، وبه يضرب المثل في الحلم.
وقد ذكر للنبي، صلى الله عليه وسلم، فاستغفر له، فقد بعث النبي، صلى الله عليه وسلم، رجلا إلى قومه بني سعد يعرض عليهم الإسلام، فقال الأحنف: إنه يدعوكم إلى خير، ولا أسمع إلا حسنا. فذكر للنبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: " اللهم اغفر للأحنف " . وكان الأحنف يقول: ما شيء أرجى عندي من ذلك.

(1/266)


قال عبد الملك بن عمير: قدم إلينا الأحنف، فما رأينا خصلة تذم في رجل إلا رأيناها فيه، كان أصلع الرأس، متراكب الأسنان، أشدق، مائل الذقن، ناتئ الوجنتين، باخق العينين، خفيف العارضين، أحنف الرجلين، وكانت العين تقتحمه دمامة وقلة رواء، ولكنه إذا تكلم جلى عن نفسه. وهو الذي خطب بالبصرة حين اختلفت الأحياء، وتنازعت القبائل؛ فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: يا معشر الأزد وربيعة، أنتم إخواننا في الدين، وشركاؤنا في الصهر، وأكفاؤنا في النسب، وجيراننا في الدار، ويدنا على العدو، والله لأزد البصرة أحب إلينا من تميم الكوفة، ولأزد الكوفة أحب إلينا من تميم الشام، وفي أموالنا وأحلامنا سعة لنا ولكم.
وقد قام خطباء البصرة في هذا اليوم وتكلموا وأسهبوا، فلما قام الأحنف أصغت القبائل إليه، وانثالت عليه، وقال الناس: هذا أبو بحر، هذا خطيب بني تميم، وحضر ذلك الجمع جارية لآل المهلب، فذهبت تروم النظر إليه، فاعتاص ذلك عليها، فأشرفت عليه من دارها، فلما رأته والأبصار خاشعة لكلامه، ورأت دمامة خلقه، وكثرة آفات جوارحه، قالت: فقدت هذه الخلقة ولو افترت عن فصل الخطاب.
وذكر المدائني أن الأحنف بن قيس وفد على معاوية، رضي الله عنه، مع أهل العراق، فخرج الآذن، فقال: إن أمير المؤمنين يعزم عليكم ألا يتكلم أحد إلا لنفسه. فلما وصلوا إليه قال الأحنف: لولا عزمة أمير المؤمنين لأخبرته أن دافة دفت، ونازلة نزلت، ونابتة نبتت، كلهم بهم حاجة إلى معروف أمير المؤمنين وبره، قال: حسبك يا أبا بحر، فقد كفيت الشاهد والغائب.
ولما عزم معاوية على البيعة ليزيد كتب إلى زياد أن يوجه إليه بوفد أهل العراق، فبعث إليه بوفد البصرة والكوفة، فتكلمت الخطباء في يزيد، والأحنف ساكت، فلما فرغوا قال: قل يا أبا بحر، فإن العيون إليك أشرع منها إلى غيرها، فقام الأحنف فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه، صلى الله عليه وسلم، ثم قال: يا أمير المؤمنين، إنك أعلمنا بيزيد في ليله ونهاره، وإعلانه وإسراره، فإن كنت تعلمه لله رضا فلا تشاور فيه أحدا، ولا تقم له الخطباء والشعراء، وإن كنت تعلم بعده من الله فلا تزوده من الدنيا وترحل أنت إلى الآخرة، فإنك تصير إلى يوم يفر فيه المرء من أخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه. قال: فكأنه أفرغ على معاوية ذنوب ماء بارد. فقال له: اقعد يا أبا بحرة فإن خيرة الله تجري، وقضاء الله يمضي، وأحكام الله تنفذ، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه؛ وإن يزيد فتى قد بلوناه، ولم نجد في قريش فتى هو. أجدر بأن يجتمع عليه منه. فقال: يا أمير المؤمنين، أنت تحكي عن شاهد، ونحن نتكلم على غائب، وإذا أراد الله شيئا كان.
قال ابن الرومي: الكامل:
إن امرأ رفض المكاسب واغتدى ... يتعلم الآداب حتى أحكما
فكسا وحلى كل أروع ماجد ... من حر ما حاك القريض ونظما
ثقة برعي الأكرمين حقوقه ... لأحق ملتمس بألا يحرما
قال أبو العباس أحمد بن عبيد الله بن عمار: ومن نادر شعر أبي الحسن في هذا المعنى - قوله، ووصف إتعاب الشعراء أنفسهم بدؤوبهم في صناعتهم، وما يتصرم من أعمارهم، وأن إلحاحهم في طلب ما في أيدي من أسلفوه مديحهم لو كان رغبة منهم إلى ربهم كان أجدى عليهم، وأقرب من درك بغيتهم، ونجح طلبتهم، ثم انحرف إلى توبيخ من مدحه فحرمه بأحسن عبارة، وأرضى استعارة، فقال: الكامل:
للناس فيما يكلفون مغارم ... عند الكرام لها قضاء ذمام
ومغارم الشعراء في أشعارهم ... إنفاق أعمار وهجر منام
وجفاء لذات ورفض مكاسب ... لو حولفت حرست من الإعدام
وتشاغل عن ذكر رب لم يزل ... حسن الصنائع سابغ الإنعام
من لو بخدمته تشاغل معشر ... خدموكم أجدى على الخدام

(1/267)


أفما لذلك حرمة مرعية ... إن الكرام إذا لغير كرام
لم أحتسب فيك الثواب بمدحتي ... إياك يا ابن أكارم الأقوام
لو كان شعري حسبة لم أكسه ... أحدا أحق به من الأيتام
لا تقبلن المدح ثم تعافه ... فتنام والشعراء غير نيام
واحذر معرتهم إذا دنستهم ... فلهم أشد معرة العرام
واعلم بأنهم إذا لم ينصفوا ... حكموا لأنفسهم على الحكام
وجناية العادي عليهم تنقضي ... وعقابهم يبقى مع الأيام
أبو الطيب المتنبي: الكامل:
ومكايد السفهاء واقعة بهم ... وعداوة الشعراء بئس المقتنى
مات الأحنف بن قيس بالكوفة، فمشى مصعب بن الزبير في جنازته بغير رداء، وقال: اليوم مات سر العرب؛ فلما دفن قامت امرأة على قبره فقالت: لله درك من مجن في جنن، ومدرج في كفن، نسأل الذي فجعنا بموتك، وابتلانا بفقدك، أن يجعل سبيل الخير سبيلك، ودليل الرشد دليلك، وأن يوسع لك في قبرك، ويغفر لك يوم حشرك؛ فوالله لقد كنت في المحافل شريفا، وعلى الأرامل عطوفا، ولقد كنت في الحي مسودا، وإلى الخليفة موفدا، ولقد كانوا لقولك مستمعين، ولرأيك متبعين؛ ثم أقبلت على الناس فقالت: ألا إن أولياء الله في بلاده، شهود على عباده، وإني لقائلة حقا، ومثنية صدقا، وهو أهل لحسن الثناء، وطيب النثا، أما والذي كنت من أجله في عدة، ومن الحياة إلى مدة، ومن المقدار إلى غاية، ومن الإياب إلى نهاية، الذي رفع عملك، لما قضى أجلك، لقد عشت حميدا مودودا، ومت سعيدا مفقودا، ثم انصرفت وهي تقول: الكامل:
لله درك يا أبا بحر ... ماذا تغيب منك في القبر؟
لله درك أي حشو ثرى ... أصبحت من عرف ومن نكر
إن كان دهر فيك جر لنا ... حدثا به وهنت قوى الصبر
فلكم يد أسديتها ويد ... كانت ترد جرائر الدهر
ثم انصرفت فسئل عنها، فإذا هي امرأته وابنة عقه. فقال الناس: ما سمعنا كلام امرأة قط أبلغ ولا أصدق منه.
قال: وكان الأحنف قدم الكوفة في أيام مصعب بن الزبير، فرآه رجل أعور دميما قصيرا أحنف الرجلين، فقال له: يا أبا بحر، بأي شيء بلغت في الناس ما أرى؛ فوالله ما أنت بأشرف قومك، ولا أجودهم؟! فقال: يا ابن أخي، بخلاف ما أنت فيه! قال: وما هو؟ قال: تركي من أمرك ما لا يعنيني، كما عناك من أمري ما لا تتركه.
ترجمة منصور النمري وأخباره
اجتمع الشعراء بباب المعتصم فبعث إليهم: من كان منكم يحسن أن يقول مثل قول منصور النمري في أمير المؤمنين الرشيد: البسيط:
إن المكارم والمعروف أودية ... أحلك الله منها حيث تجتمع
إذا رفعت امرأ فالله رافعه ... ومن وضعت من الأقوام متضع
من لم يكن بأمين الله معتضما ... فليس بالصلوات الخمس ينتفع
إن أخلف الغيث لم تخلف أنامله ... أو ضاق أمر ذكرناه فيتسع
فليدخل، فقال محمد بن وهيب: فينا من يقول خيرا منه، وأنشد: البسيط:
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتهم ... شمس الضحى وأبو إسحاق، والقمر
يحكي أفاعيله في كل نائبة ... الغيث والليث والصمصامة الذكر
فأمر بإدخاله وأحسن صلته.
أخذ معنى البيت الأول من بيتي محمد بن وهيب أبو القاسم محمد بن هانئ الأندلسي: الكامل:
المدنفان من البرية كلها ... قلبي وطرف بابلي أحور
والمشرقات النيرات ثلاثة؛ ... الشمس والقمر المنير وجعفر
وبيت أبي القاسم الأول مأخوذ من قول ابن الرومي: مجزوء الرمل:
يا عليلا جعل العلة مفتاحا لسقمي
ليس في الأرض عليل ... غير جفنيك وجسمي

(1/268)


ومر النمري بالعتابي مغموما فقال: ما لك، أعزك الله؟ فقال: امرأتي تطلق منذ ثلاث ونحن على يأس منها. فقال له العتابي: وإن دواءها منك أقرب من وجهها، قل: هارون الرشيد، فإن الولد يخرج! فقال: شكوت إليك ما بي، فأجبتني بهذا؟ فقال: ما أخذت هذا إلا من قولك: البسيط:
إن أخلف الغيث لم تخلف أنامله ... أو ضاق أمر ذكرناه فيتسع
وأبيات منصور بن سلمة بن الزبرقان النمري التي ذكرها المعتصم من قصيدة له وهي أحسن ما قيل في الشيب أولها: البسيط:
ما تنقضي حسرة ولا جزع ... إذا ذكرت شبابا ليس يرتجع
بان الشباب وفاتتني بغرته ... خطوب دهر وأيام لها خدع
ما كنت أوفي شبابي كنه غرته ... حتى انقضى فإذا الدنيا له تبع
تعجبت أن رأت أسراب دمعته ... في حلبة الخد أجراها حشى وجع
أصبحت لم تطعمي ثكل الشباب ولم ... تشجي بغصته فالعذر لا يقع
لا ألحين فتاتي غير كاذبة ... عين الكذوب فما في ودكم طمع
ما واجه الشيب من عيب وإن ومقت ... إلا لها نبوة عنه ومرتدع
إني لمعترف ما في من أرب ... عند الحسان فما للنفس تنخدع
قد كدت تقضي على فوت الشباب أسى ... لولا تعزيك أن الأمر منقطع
وذكر أن الرشيد لما سمع هذا بكى، وقال: ما خير دنيا لا تخطر فيها ببرد الشباب! وأنشد متمثلا: الوافر:
أتأمل رجعة الدنيا سفاها ... وقد صار الشباب إلى ذهاب
فليت الباكيات بكل أرض ... جمعن لنا فنحن على الشباب
وكان الرشيد يقدم منصورا النمري بجودة شعره، ولما يمت إليه من النسب من العباس بن عبد المطلب، رضي الله عنه، وكانت نثيلة أم العباس من النمر بن قاسط؛ ولما كان يظهر من الميل إلى إمامة العباس وأهله، والمنافرة لآل علي، رضي الله عنه، ويقول: الوافر:
بني حسن وقل لبني حسين ... عليكم بالسداد من الأمور
أميطوا عنكم كذب الأماني ... وأحلاما يعدن عداة زور
تسمون النبي أبا ويأبى ... من الأحزاب سطر في سطور
يريد قول الله تعالى: " ما كان محمد أبا أحد من رجالكم " . وهذا إنما نزل في شأن زيد بن حارثة، وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تبناه، فقال له الرشيد: ما عدوت ما في نفسي، وأمره أن يدخل بيت المال فيأخذ ما أحب.
وكان يضمر غير ما يظهر، ويعتقد الرفض، وله في ذلك شعر كثير لم يظهر إلا بعد موته، وبلغ الرشيد قوله: الكامل:
آل النبي ومن يحبهم ... يتطامنون مخافة القتل
أمن النصارى واليهود ومن ... من أمة التوحيد في أزل
إلا مصالت ينصرونهم ... بظبا الصوارم والقنا الذبل
فأمر الرشيد بقتله وكان حينئذ برأس العين، فمضى الرسول فوجده قد مات فقال الرشيد: لقد هممت أن أنبش عظامه فأحرقها. وكان يلغز في مدحه لهارون، وإنما يريد قول النبي، صلى الله عليه وسلم، لعلي، رضوان الله عليه: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى " . وقال الجاحظ: وكان يذهب أولا مذهب الشراة، فدخل الكوفة وجلس إلى هشام بن الحكم الرافضي وسمع كلامه، فانتقل إلى الرفض، وأخبرني من رآه على قبر الحسين بن علي، رضي الله عنهما، ينشد قصيدته التي يقول فيها: الوافر:
فما وجدت على الأكتاف منهم ... ولا الأقفاء آثار النصول
ولكن الوجوه بها كلوم ... وفوق حجورهم مجرى السيول
أريق دم الحسين ولم يراعوا ... وفي الأحياء أموات العقول
فدت نفسي جبينك من جبين ... جرى دمه عل خد أسيل
أيخلو قلب ذي ورع ودين ... من الأحزان والألم الطويل

(1/269)


وقد شرقت رماح بني زياد ... بري من دماء بني الرسول
بتربة كربلاء لهم ديار ... نيام الأهل دارسة الطلول
فأوصال الحسين ببطن قاع ... ملاعب للدبور وللقبول
تحيات ومغفرة وروح ... على تلك المحلة والحلول
برئنا يا رسول الله ممن ... أصابك بالأذية والذحول
أخبار ابني المعذل
وقال أحمد بن المعذل: الوافر:
أخو دنف رمته فأقصدته ... سهام من جفونك لا تطيش
كئيب إن ترحل عنه جيش ... من البلوى ألم به جيوش
وكان أحمد بن المعذل بن غيلان العبدي في اللغة والبيان والأدب والحلاوة غاية.
قال: دخلت المدينة فتحملت على عبد الملك بن الماجشون برجل ليخصني ويعنى بي، فلما فاتحني قال: ما تحتاج أنت إلى شفيع، معك من الحذاء والسقاء ما تأكل به لب الشجر، وتشرب صفو الماء.
وكان أخوه عبد الصمد يؤذيه ويهجوه، فكتب إليه أحمد: أما بعد، فإن أعظم المكروه ما جاء من حيث يرجى المحبوب، وقد كنت مؤملا مرجوا، حتى شمل شرك، وعم أذاك، فصرت فيك كأبي العاق: إن عاش نغصه، وإن مات نقصه، واعلم لقد خشنت صدر أخ جيبه لك ناصح، والسلام.
وكان يقول له: أنت كالأصبع الزائدة: إن تركت شانت، وإن قطعت آلمت!.
ومثل هذا قول النعمان بن شمر الغساني: الطويل:
وصال أبي برد عناء، وتركه ... بلاء، فما أدري به كيف أصنع
إذا زرته يومين مل زيارتي ... وإن غبت عنه ظلت العين تدمع
وقول الضحاك بن همام الرقاشي: الطويل:
وأنت امرؤ منا خلقت لغيرنا ... حياتك لا ترجى وموتك فاجع
وأنت على ما كان منك ابن حرةوإني لما يرضى به الخصم مانع
وفيك خصال صالحات يشينها ... لديك جفاء عنده الود ضائع
وقال بعض المحدثين: الطويل:
إذا ساءني في القول والفعل جاهدا ... وفي كل حال من أحب وأمحض
فيا ليت شعري ما يعاملني به ... على كل ذنب من أعادي وأبغض
وقال أبو العباس المبرد: وكان أحمد بن المعذل من الأبهة، والتمسك بالمنهاج، والتجنب للعبث، والتعرض للإشفاق لما في أيدي الناس، وإظهار الزهد فيه، والتباعد عنه، على غاية، حتى حمل في فقهاء وأدباء من أهل البصرة، فأخذ الصلة غير ممتنع ولا منكر. ووصله إسحاق بن إبراهيم فقبل، واستدعى اجتباءه إياه، وتحلى له جهده، فقال عبد الصمد: الوافر:
عذيري من أخ قد كان يبدي ... على من لابسر السلطان عتبه
وكان يذمهم في كل يوم ... له بالجهل والهذيان خطبه
فلما أن أتته دريهمات ... من السلطان باع بهن ربه
وقال فيه: مجزوء الخفيف:
لي أخ لا ترى له ... سائلا غير عاتب
أجمع الناس كلهم ... للئيم المذاهب
دون معروف كفه ... لمس بعض الكواكب
ليت لي منك يا أخي ... جارة من محارب
نارها كل شتوة ... مثل نار الحباحب
ذهب إلى قول القطامي، وقول القطامي من خبيث الهجاء، وكان نزل بامرأة من محارب بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر فذم مثواه عندها، فقال. الطويل:
وإني وإن كان المسافر نازلا ... وإن كان ذا حق على الناس واجب
فلا بد أن الضيف يخبر ما رأى ... مخبر أهل أو مخبر صاحب
لمخبرك الأنباء عن أم منزل ... تضيفتها بين العذيب فراسب
تلفعت في طل وريح تلفني ... إلى طرمساء غير ذات كواكب
إلى حيزبون توقد النار بعدما ... تلفعت الظلماء من كل جانب

(1/270)


تصلى بها برد العشاء ولم تكن ... تخال وميض النار يبدو لراكب
فما راعها إلا بغام مطيتي ... تريح بمحسود من الصوت لاغب
فجنت فنونا من دلاث مناخة ... ومن رجل عاري الأشاجع شاحب
سرى في حليك الليل حتى كأنما ... تخزم بالأطراف شوك العقارب
تقول وقد قربت كوري وناقتي ... إليك، فلا تذعر علي ركائبي
فسلمت والتسليم ليس يسرها ... ولكنه حق على كل جانب
فردت سلاما كارها ثم أعرضت ... كما انحاشت الأفعى مخافة ضارب
فلما تنازعنا الحديث سألتها ... من الحي؟ قالت: معشر من محارب
من المشتوين القد مما تراهم ... جياعا وريف الناس ليس بناضب
فلما بدا حرمانها الضيف لم يكن ... علي مبيت السوء ضربة لازب
وقمت إلى مهرية قد تعودت ... يداها ورجلاها حثيث المراكب
ألا إنما نيران قيس إذا شتوا ... لطارق ليل مثل نار الحباحب
ومحارب: قبيلة منسوبة إلى الضعف، وقد ضربت العرب بها المثل. قال الفرزدق لجرير: الطويل:
وما استعهد الأقوام من زوج حرة ... من الناس إلا منك أو من محارب
أي يأخذون العهد عليه أنه ليس من كليب ولا من محارب.
وقال أبو نواس في قصيدته التي فخر فيها باليمانية وهجا قبائل معد: المنسرح:
وقيس عيلان لا أريد لها ... من المخازي سوى محاربها
وكانت أم عبد الصمد بن المعذل طباخة، فكان أحمد يقول إذا بلغه هجاؤه: ما عسيت أن أقول فيمن ألفح بين قدر وتنور، ونشأ بين زق وطنبورا؟ وعبد الصمد شاعر أهل البصرة في وقته، وهو القائل: الطويل:
تكلفني إذلال نفسي لعزها ... وهان عليها أن أهان لتكرما
تقول: سل المعروف يحيى بن أكثم ... فقلت: سليه رب يحيى بن أكثما
قال أبو شراعة القيسي: كنت في مجلس، العتبي مع عبد الصمد بن المعذل، فتذاكرنا أشعار المولدين في الرقيق، فقال عبد الصمد: أنا أشعر الناس فيه وفي غيره، فقلت: أحذق منك والله بالرقيق الذي يقول، وهو راشد بن إسحاق أبو حكيمة الكوفي: الطويل:
ومستوحش لم يمس في دار غربة ... ولكنه ممن يحب غريب
طواه الهوى واستشعر الوصل غيره ... فشطت نواه والمزار قريب
سلام على الدار التي لا أزورها ... وإن حلها شخص إلي حبيب
وإن حجبت عن ناظري ستورها ... هوى تحسن الدنيا به وتطيب
هوى تضحك اللذات عند حضوره ... ويسخن طرف اللهو حين يغيب
تثنى به الأعطاف حتى كأنه ... إذا اهتز من تحت الثياب قضيب
ألم تر صمتي حين يجري حديثه ... وقد كنت أدعى باسمه فأجيب
رضيت بسعي الدهر بيني وبينه ... وإن لم يكن للعين فيه نصيب
أحاذر إن واصلته أن ينالني ... وإياه سهم للفراق مصيب
أرى دون من أهوى عيونا تريبني ... ولا شك أني عندهن مريب
أداري جليسي بالتجلد في الهوى ... ولي حين أخلو زفرة ونحيب
وأخبر عنه بالذي لا أحبه ... فيضحك سني والفؤاد كئيب
مخافة أن تغرى بنا ألسن العدا ... فيطمع فينا كاشح فيعيب
كأن مجال الطرف في كل ناظر ... على حركات العاشقين رقيب
أرى خطرات الشوق يبكين ذا الهوى ... ويصبين عقل المرء وهو لبيب
وكم قد أذل الحب من متمنع ... فأضحى وثوب العز منه سليب

(1/271)


وإن خضوع النفس في طلب الهوى ... لأمر، إذا فكرت فيه، عجيب
فلم ينطق بحرف.
ولأبي شراعة يمدح بني رياح: البسيط:
بني رياح، أعاد الله نعمتكم ... خير المعاد وأسقى ربعكم ديما
فكم به من فتى حلو شمائله ... يكاد ينهل من أعطافه كرما
لم يلبسوا نعمة لله مذ خلقوا ... إلا تلبسها إخوانهم نعما
وفي إبراهيم بن رياح يقول عبد الصمد بن المعذل: الخفيف:
قد تركت الرياح يا ابن رياح ... وهي حسرى إن هب منها نسيم
نهكت مالك الحقوق فأضحى ... لك مال نضو وفعل جسيم
وكان عبد الصمد بن المعذل متصلا بإبراهيم ونبيه، وأفاد منهم أموالا جليلة، واعتقد عقدا نفيسة، فما شكر ذلك ولا أصحبه بما يجب عليه من الثناء عند بكبته، وكان الواثق عزله عن ديوان الضياع، ودفعه إلى عمر بن فرج الرخجي، فحبسه فهجاه عبد الصمد.
قال أبو العباس محمد بن يزيد: وكان عبد الصمد شديد الإقدام على رديء السريرة فيما بينه وبين الناس، خبيث النية، يرصد صديقه بالمكروه، تقديرا أن يعاديه فيسوءه بأمر يعرفه؛ ولا يكاد يسلم لأحد، وكان مشهورا في ذلك الأمر، يلبس عليه، ويحمل على معرفة، عجبا بظرف لسانه، وطيب مجلسه، وأيضا لقبح مسبته، وشائن معرته.
قال أبو العيناء: ولما حبس الواثق إبراهيم بن رياح، وكان لي صديقا، صنعت له هذا الخبر رجاء أن ينتهي إلى أمير المؤمنين فينتفع به، فأخبرني زيد بن علي بن الحسين أنه كان عند الواثق حين قرئ عليه فضحك واستظرفه. وقال: ما صنع هذا كفه أبو العيناء إلا في سبب إبراهيم بن رياح، وأمر بتخليته، والخبر قال: لقيت أعرابيا من بني كلاب فقلت له: ما عندك من خبر هذا العسكر؟ فقال: قتل أرضا عالمها، قال: فقلت: فما عندك من خبر الخليفة؟ قال: بخبخ بعزه، وضرب بجرانه، وأخذ الدرهم من مصره، وأرهف قلم كل كاتب بجبايته. قلت: فما عندك في أحمد بن أبي دواد؟ قال: عضلة لا تطاق، وجندلة لا ترام، ينتحي بالمدى لتحزه فيجور، وتنصب له الحبائل حتى تقول: الآن، ثم يضبر ضبرة الذئب، ويخرج خروج الضب، والخليفة يحنو عليه، والقرآن آخذ بضبعيه. قلت: فما عندك في عمر بن فرج؟ قال: ضخم حضجر، غضوب هزبر، قد أهدفه القوم لبغيهم، وانتضلوا له عن قسيهم، وأحر له بمثل مصرع من يصرع. قلت: فما عندك في خبر ابن الزيات؟ قال: ذلك رجل وسع الورى شره، وبطن بالأمور خيره. فله في كل يوم صريع، لا يظهر فيه أثر ناب ولا مخلب، إلا بتسديد الرأي. قلت: فما عندك في خبر إبراهيم بن رياح! قال: ذاك رجل أوبقه كرمه، وإن يفز للكرام قدح، فأحر بمنجاته، ومعه دعاء لا يخذله، ورب لا يسلمه، وفوقه خليفة لا يظلمه. قلت: فما عندك في خبر نجاح بن سلمة؟ قال: لله دره من ناقض أوتار، يتوقد كأنه شعلة نار، له في الفينة بعد الفينة، عند الخليفة خلسة كخلسة السارق، أو كحسوة الطائر، يقوم عنها وقد أفاد نعما، وأوقع نقما. قلت: فما عندك في خبر ابن الوزير؟ قال: إخاله كبش الزنادقة، ألا ترى أن الخليفة إذا أهمله خضم ورتع، وإذا أمر بتقصيه أمطر فأمرع. قلت: فما عندك من خبر الخصيب أحمد؟ قال: ذاك أحمق، أكل أكلة نهم، فاختلف اختلاف بشم. قلت: فما عندك في خبر المعلى بن أيوب. قال: ذاك رجل قد من صخرة، فصبره صبرها، ومسه مسها، وكل ما فيه بعد فمنها ولها. قلت: فما عندك من خبر أحمد بن إسرائيل؟ قال: كتوم غرور، وجلد صبور، رجل جلده جلد نمر، كلما خرقوا له إهابا، أنشأ الله له إهابا. قلت: فما عندك من خبر الحسن بن وهب؟ قال: ذاك رجل اتخذ السلطان أخا، فاتخذه السلطان عبدا، قال: قلت: فما عندك من خبر أخيه سليمان بن وهب؟ قال: شد ما استوفيت مسألتك أيها الرجل! ذاك حرمة حبست مع صواحباتها في جريرة محرمة، ليس من القوم في ورد ولا صدر، هيهات: الخفيف:
كتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جر الذيول

(1/272)


قال: قلت: فما عندك من خبر عبد الله بن يعقوب؟ قال: أموات غير أحياء، وما يشعرون أيان يبعثون.
قلت: فأين نزلت فأؤمك. قال: ما لي منزل تأمه. أنا أستتر في الليل إذا عسعس، وأنتشر في الصبح إذا تنفس.
؟ابن راشد
ومن مليح شعر راشد بن إسحاق بن راشد، وهو أبو حكيمة، وكان قوي أسر الشعر: الطويل:
تحيرت في أمري وإني لواقف ... أجيل وجوه الرأي فيك وما أدري
أأعزم عزم اليأس فالموت راحة ... أم اقنع بالإعراض والنظر الشزر
وإني وإن أعرضت عنك لمنطو ... على حرق بين الجوانح والصدر
إذا هاج شوقي مثلتك لي المنى ... فألقاك ما بيني وبينك في ستر
فديتك لم أصبر ولي فيك حيلة ... ولكن دعاني اليأس فيك إلى الصبر
تصبرت مغلوبا وإني لموجع ... كما صبر الظمآن في البلد القفر
وقال: الوافر:
عتبت عليك في قطع العتاب ... فما عطفتك ألسنة العتاب
وفيما صرت تظهر لي دليل ... على عتب الضمير المستراب
وما خطرت دواعي الشوق إلا ... هززت إليك أجنحة التصابي
وقال أيضا: الطويل:
ضحكت ولو تدرين ما بي من الهوى ... بكيت لمحزون الفؤاد كئيب
لمن لم ترح عيناه من فيض عبرة ... ولا قلبه من زفرة ونحيب
لمستأنس بالهم في دار وحشة ... غريب الهوى باك لكل غريب
ألا بأبي العيش الذي بان فانقضى ... وما كان من حسن هناك وطيب
ليالي يدعونا الصبا فنجيبه ... ونأخذ من لذاته بنصيب
نردد مستور الأحاديث بيننا ... على غفلة من كاشح ورقيب
إلى أن جرى صرف الحوادث في الهوى ... فبدل منها مشهد بمغيب
وله مذهب استفرغ فيه أكثر شعره، صنت الكتاب عن ذكره.
أخبار عبد الملك بن صالح
دعا الرشيد بعبد الملك بن صالح - وكان معتقلا في حبسه - فلما مثل بين يديه التفت إليه، وكان يحدث يحيى بن خالد بن برمك وزيره، فقال متمثلا: الوافر:
أريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد
ثم قال: يا عبد الملك، كأني أنظر إلى شؤبوبها قد همع، وإلى عارضها قد لمع، وكأني بالوعيد قد أورى، بل أدمى، فأبرز عن براجم بلا معاصم، ورؤوس بلا غلاصم، فمهلا بني هاشم، فبي والله سهل لكم الوعر، وصفا لكم الكدر، وألقت لكم الأمور أثناء أزمتها، فنذار لكم نذرا قبل حلول داهية خبوط باليد والرجل، فقال عبد الملك: أفذا أتكلم أم توأما؟ قال: بل فذا، قال: اتق الله يا أمير المؤمنين فيما ولآك، وأحفظه في رعاياك الذي استرعاك، ولا تجعل الكفر بموضع الشكر، والعقاب بموضع الثواب، فقد، والله، سهلت لك الوعور، وجمعت على خوفك ورجائك الصدور، وشددت أواخي ملكك بأوثق من ركني يلملم، وكنت لك كما قال أخو بني جعفر بن كلاب - يعني لبيدا - : الرمل:
ومقام ضيق فرجته ... بلسان وبيان وجدل
لو يقوم الفيل أو فياله ... زل عن مثل مقامي وزحل
فأعاده إلى محبسه، وقال: لقد نظرت إلى موضع السيف من عاتقه مرارا، فيمنعني عن قتله إبقائي على مثله.
وأراد يحيى بن خالد أن يضع من عبد الملك ليرضي الرشيد، فقال له: يا عبد الملك، بلغني أنك حقود! فقال عبد الملك: أيها الوزير، إن كان الحقد هو بقاء الشر والخير، إنهما لباقيان في قلبي! فقال الرشيد: تالله ما رأيت أحدا احتج للحقد بأحسن مما احتج به عبد الملك.
وقد مدح ابن الرومي الحقد، وأخذ هذا المعنى من قول عبد الملك، وزاد فيه، فقال لعاتب عابه بذلك: الطويل:
لئن كنت في حفظي لما أنا مودع ... من الخير والشر انتحيت على عرضي

(1/273)


لما عبتني إلا بفضل إبانة ... ورب امرئ يزري على خلق محض
ولا عيب أن تجزى القروض بمثلها ... بل العيب أن تدان دينا ولا تقضي
وخير سحيات الرجال سجية ... توفيك ما تسدي من القرض بالقرض
إذا الأرض أدت ريع ما أنت زارع ... من البذر فيها فهي ناهيك من أرض
ولولا الحقود المستكنات لم يكن ... لينقض وترا آخر الدهر ذو نقض
وما الحقد إلا توأم الشكر في الفتى ... وبعض السجايا ينتمين إلى بعض
فحيث ترى حقدا على ذي إساءة ... فثم ترى شكرا على حسن القرض
وقال يرد على نفسه، ويذم ما مدح، توسعا واقتدارا: البسيط:
يا مادح الحقد محتالا له شبها ... لقد سلكت إليه مسلكا وعثا
إن القبيح وإن صنعت ظاهره ... يعود ما لم منه مرة شعثا
كم زخرف القول ذو زور ولبسه ... على القلوب ولكن قل ما لبثا
قد أبرم الله أسباب الأمور معا ... فلن ترى سببا منهن منتكثا
يا دافن الحقد في ضعفي جوانبه ... ساء الدفين الذي أضحت له جدثا
الحقد داء دوي لا دواء له ... يري الصدور إذا ما جمره حرثا
فاستشف منه بصفح أو معاتبة ... فإنما يبرئ المصدور ما نفثا
واجعل طلابك بالأوتار ما عظمت ... ولا تكن بصغير القول مكترثا
فالعفو أقرب للتقوى وإن جرم ... من مجرم جرح الأكباد أو فرثا
يكفيك في العفو أن الله قرظه ... وحيا إلى خير من صلى ومن بعثا
شهدت أنك لو أذنبت ساءك أن ... تلقى أخاك حقودا صدره شرثا
إذا وسرك أن تلقى الذنوب معا ... وأن تصادف منه جانبا دمثا
إني إذا خلط الأقوام صالحهم ... بسيئ الفعل جدا كان أو عبثا
جعلت قلبي كظرف السبك حينئذ ... يستخلص الفضة البيضاء لا الخبثا
ولست أجعله كالحوض أمدحه ... بحفظ ما طاب من ماء وما خبثا
والبيت الذي تمثل به الرشيد هو لعمرو بن معد يكرب يقوله لقيس بن المكشوح المرادي، وقد تمثل به علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، لما رأى عبد الرحمن بن ملجم المرادي فقال له: أنت تخضب هذه من هذه، وأشار إلى لحيته ونقرته. فقيل له: يا أمير المؤمنين، ألا تقتله؟ فقال: كيف يقتل المرء قاتله؟.
وكان بين مسلمة بن عبد الملك وبين العباس بن الوليد تباعد، فبلغ العباس أن مسلمة ينتقصه، فكتب إليه يقول: الوافر:
ألا تقنى الحياء أبا سعيد ... وتقصر عن ملاحاتي وعذلي؟
فلولا أن فرعك حين تنمى ... وأصلك منتهى فرعي وأصلي
وإني إن رميتك هضت عظمي ... ونالتني إذا نالتك نبلي
لقد أنكرتني إنكار خوف ... يضم حشاك عن شتمي وأكلي
فكم من سورة أبطأت عنها ... بنى لك مجدها طلبي وحفلي
ومبهمة عييت بها فأبدى ... عويلي عن مخارجها وفضلي
كقول المرء عمرو في القوافي ... لقيس حين خالف كل عدل
عذيري من خليلي من مراد ... أريد حياته ويريد قتلي
لم يتفق له في القافية كما قال عمرو، فغيره.
وعبد الملك هذا هو ابن صالح بن علي، وكان بليغا جهيرا فاضلا عاقلا.

(1/274)


وقال الجاحظ: قال لي عبد الرحمن مؤدب عبد الملك بن صالح: قال لي عبد الملك، بعد أن خصني وصيرني وزيرا بدلا من قمامة: يا عبد الرحمن، انظر في وجهي؛ فأنا أعرف منك بنفسك ولا تسعدني على ما يقبح؛ دع عنك كيف الأمير، وكيف أصبح الأمير؟ وكيف أمسى؟ واجعل مكان التقريظ حسن الاستماع مني، واعلم أن صواب الاستماع أحسن من صواب القول، وإذا - حدثتك حديثا فلا يفوتنك شيء منه؛ وأرني فهمك في طرفك؛ إني اتخذتك وزيرا بعد أن كنت معلما، وجعلتك جليسا مقربا بعد أن كنت مع الصبيان مبعدا، ومتى لم تعرف نقصان ما خرجت منه لم تعرف رجحان ما صرت إليه.
وساير الرشيد عبد الملك، فقال له قائل: طأطئ من إشرافه، واشدد من شكائمه، وإلا فسد عليك، فقال له الرشيد: ما يقول هذا؟ قال: حاسد نعمة، ونافس رتبة، أغضبه رضاك عني، وباعده قربك مني، وأساءه إحسانك إلي. فقال له الرشيد: انخفض القوم وعلوتهم؛ فتوقدت في قلوبهم جمرة التأسف. فقال عبد الملك: أضرمها الله بالتزيد عندك فقال الرشيد: هذا لك وذاك لهم.
وصعد المنبر، فأرتج عليه فقال: أيها الناس، إن اللسان بضعة من الإنسان تكل بكلاله إذا كل، وتنفسح بانفساحه إذا ارتجل، إن الكلام بعد الإفحام كالإشراق بعد الإظلام، وإنا لا نسكت حصرا، ولا ننطق هذرا؛ بل نسكت مفيدين، وننطق مرشدين، وبعد مقامنا مقام، ووراء أيامنا أيام، بها فصل الخطاب، ومواقع الصواب، وسأعود فأقول، إن شاء الله تعالى.
وقال الأصمعي: كنت عند الرشيد فدعا بعبد الملك بن صالح من حبسه، فقال: يا عبد الملك، أكفرا بالنعمة، وغدرا بالسلطان، ووثوبا على الإمام؟ فقال: يا أمير المؤمنين، بؤت بأعباء الندم، واستحلال الندم واستحلال النقم، وما ذاك إلا من قول حاسد، ناشدتك الله والولاية، ومودة القرابة. فقال الرشيد:، يا عبد الملك، تضع لي لسانك، وترفع لي جنانك، بحيث يحفظ الله لي عليك، ويأخذ لي منك، هذا كاتبك قمامة ينبئ عن غلك، فالتفت عبد الملك إلى قمامة وكان قائما، فقال: أحقا يا قمامة؟ قال: حقا، لقد رمت ختر أمير المؤمنين! فقال عبد الملك: وكيف لا يكذب علي يا أمير المؤمنين في غيبتي من يبهتني في حضرتي. فقال الرشيد: دع قمامة، هذا ابنك عبد الرحمن ينبئ عنك بمثل خبر قمامة، فقال عبد الملك: إن عبد الرحمن مأمور أو عاق؛ فإن كان مأمورا فهو معذور، وإن كان عاقا فما أتوقع من عقوقه أكثر.
بين الرشيد والخارجين من السجن
وقال الرشيد للحسن بن عمران وقد أدخل عليه يوسف في قيوده: وليتك دمشق وهي جنة موثقة، تحيط بها غدر كاللجين، فتكف على رياض كالزرابي، وكانت بيوت أموال فما برح بها التعدي، حتى تركتها أجرد من الصخر، وأوحش من القفر! فقال: يا أمير المؤمنين، ما قصدت لغير التوفيق من جهته، ولكني وليت أقواما ثقل على أعناقهم الحق، فتفرغوا في ميدان التعدي، ورأوا أن المراغمة بترك العمارة أوقع بإضرار السلطان، وأنوه بالشنعة؛ فلا جرم أن موجدة أمير المؤمنين قد أخذت لهم بالحظ الأوفر من مساءتي! فقال عبد الله بن مالك: هذا أجزل كلام سمع لخائف، وهذا ما كنا نسمعه عن الحكماء: " أفضل الأشياء بديهة أمن وردت في مقام خوف " .
ولما رضي الرشيد عن يزيد بن مزيد دخل عليه فقال: الحمد لله الذي سهل لي سبل الكرامة بلقائك، ورد علي النعمة بوجه الرضا منك، وجزاك الله في حال سخطك حق المتثبتين المراقبين، وفي حال رضاك حق المنعمين المتطولين؛ فقد جعلك الله - وله الحمد - تتثبت تحرجا عند الغضب، وتتطول ممتنا بالنعم، وتستبقي المعروف عند الصنائع تفضلا بالعفو.
في باب الرثاء
وفي يزيد بن مزيد يقول مسلم بن الوليد مرثيته، وقد رويت له في يزيد بن أحمد السلمي: الكامل:
قبر ببرذعة أستسر ضريحه ... خطرا تقاصر دونه الأخطار
نفضت بك الأحلاس نفض إقامة ... واسترجعت نزاعها الأمصار

(1/275)


فاذهب كما ذهبت غوادي مزنة ... أثنى عليها السهل والأوعار
سلكت بك العرب السبيل إلى العلا ... حتى إذا سبق الردى بك حاروا
وقال أبو عبد الرحمن محمد بن أبي عطية يرثي أخاه: الكامل:
حنطته يا نصر بالكافور ... وزففته للمنزل المهجور
هلا ببعض خصاله حنطته ... فيصوغ أفق منازل وقبور
والله لو بنسيم أخلاق له ... تعزى إلى التقديس والتطهير
حنطت من وطئ الحصى وعلا الربى ... لتزود بل عدة لنشور
فاذهب كما ذهب الشباب فإنه ... قد كان خير مجاور ومجير
واذهب كما ذهب الوفاء فإنه ... عصفت به ريحا صبا ودبور
والله ما أبنته لأزيده ... شرفا ولكن نفثة المصدور
ومات رجل من العرب كان يعول اثني عشر ألفا، فلما حمل على سريره صر، فقال بعض من حضر: الطويل:
وليس صرير النعش ما تسمعونه ... ولكنه أصلاب قوم تقصف
وليس فتيق المسك ما تجدونه ... ولكنه ذاك الثناء المخلف
وقال عبد الله بن المعتز في عبيد الله بن سليمان بن وهب يرثيه: الخفيف:
يا ابن وهب بالكره مني بقيت ... عجبي يوم مت كيف حييت
إنما طيب الثناء الذي خلفت ... لا مسك نعتك المفتوت
واختصرت الطريق بعدك للمو ... ت فلاقيته ولست أفوت
كيف يبقى على الحوادث حي ... بيد الدهر عوده منحوت
وقال أيضا: المتقارب:
ذكرت ابن وهب فلله ما ... ذكرت وما غيبوا في الكفن
تقطر أقلامه من دم ... ويعلم بالظن ما لم يكن
وظاهر أطرافه ساكن ... وما تحته حركات الفطن
وقال: الطويل:
ذكرت عبيد الله والترب دونه ... فلم تحبس العينان مني بكاهما
وحاشاه من قول سقى الغيث قبره ... يداه تروي قبره من نداهما
وهذا مأخوذ من قول الطائي: الطويل:
سقى الغيث غيثا وارت الأرض شخصه ... وإن لم يكن فيه سحاب ولا قطر
وكيف احتمالي للسحاب صنيعة ... بإسقائها قبرا وفي لحده البحر
وقال ابن المعتز: الخفيف:
لم تمت أنت، إنما مات من لم ... يبق في المجد والمكارم ذكرا
لست مستسقيا لقبرك غيثا ... كيف يظمأ وقد تضمن بحرا؟
والبيت الثاني من هذين من بيت الطائي: وقال: البسيط:
محمد بن حميد أخلقت رممه ... أريق ماء المعالي إذ أريق دمه
رأيته بنجاد السيف محتبيا ... كالبدر حين انجلت عن وجهه ظلمه
في روضة حفها من حولها زهر ... أيقنت عند انتباهي أنها نعمه
فقلت والدمع من وجد ومن حرق ... يجري وقد خدد الخدين منسجمه:
ألم تمت يا سليل المجد من زمن؟ ... فقال لي: لم يمت من لم يمت كرمه
وقال بعض أهل العصر: البسيط:
عمر الفتى ذكره، لا طول مدته ... وموته موته لا موته الداني
فأحي ذكرك بالإحسان تزرعه ... تجمع به لك في الدنيا حياتان
وقال عبد السلام بن رغبان الحمصي: الطويل:
سقى الغيث أرضا ضمنتك وساحة ... لقبرك فعه الغيث والليث والبدر
وما هي أهل إذ أصابتك بالبلى ... لسقيا، ولكن من حوى ذلك القبر
أخذ هذا البيت الأول، الراضي فقال يرثي أباه المقتدر: الطويل:
بنفسي ثرى ضمنت في ساحة البلى ... لقد ضم منك الغيث والليث والبدرا

(1/276)


فلو أن عمري كان طوع مشيئتي ... وأسعدني المقدور قاسمتك العمرا
ولو أن حيا كان قبرا لميت ... لصيرت أحشائي لأعظمه قبرا
هذا البيت ينظر إلى قول المتنبي: الكامل:
حتى أتوا جدثا كأن ضريحه ... في قلب كل موحد محفور
أخبار قطر الندى
لما حملت قطر الندى بنت خمارويه بن أحمد بن طولون إلى المعتضد كتب معها أبوها إليه يذكر بحرمة سلفها بسلفه، ويذكر ما ترد عليه من أبهة الخلافة، وجلالة الخليفة، ويسأل إيناسها وبسطها، فبلغت من قلب المعتضد لما زفت إليه. مبلغا عظيما، وسر بها غاية السرور، وأمر الوزير أبا القاسم عبيد الله بن سليمان بن وهب بالجواب عن الكتاب، فأراد أن يكتبه بخطه، فسأله أبو الحسين بن ثوابة أن يؤثره بذلك ففعل، وغاب أياما وأتى بنسخة يقول في فصل منها: وأما الوديعة فهي بمنزلة شيء انتقل من يمينك إلى شمالك، عناية بها، وحياطة عليها، ورعاية لمودتك فيها. ثم أقبل عبيد الله يعجب من حسن ما وقع له من هذا، وقال: تسميتي لها بالوديعة نصف البلاغة، فقال عبيد الله: ما أقبح هذا تفاءلت لامرأة زفت إلى صاحبها بالوديعة، والوديعة مستردة. وقولك: لا من يمينك إلى شمالك أقبح؛ لأنك جعلت أباها اليمين وأمير المؤمنين الشمال، ولو قلت: وأما الهدية فقد حسن موقعها منا، وجل خطرها عندنا! وهي وإن بعدت عنك، بمنزلة من قربت منك؛ لتفقدنا لها، وأنسنا بها، ولسرورها بما وردت عليه، واغتباطها بما صارت إليه لكان أحسن. فنفذ الكتاب.
وكانت قطر الندى مع جمالها موصوفة بفضل العقل، خلا بها المعتضد يوما للأنس بها في مجلس أفرده لم يحضره غيرها، فأخذت منه الكأس، فنام على فخذها، فلما استثقل وضعت رأسه على وسادة، وخرجت فجلست في ساحة القصر على باب المجلس، فاستيقظ فلم يجدها، فاستشاط غضبا، ونادى بها فأجابته على قرب، فقال: ما هذا؟ أخليتك إكراما لك، ودفعت إليك مهجتي دون سائر حظاياي، فتضعين رأسي على وسادة! فقالت: يا أمير المؤمنين، ما جهلت قدر ما أنعمت به علي، وأحسنت فيه إلي، ولكن فيما أدبني به أبي أن قال لي: لا تنامي مع الجلوس، ولا تجلسي بين النيام.
رجع إلى الرثاء
وفي أبي الحسين بن ثوابة يقول ابن المعتز يرثيه: الخفيف:
ليس شيء لصحة ودوام ... علب الدهر حيلة الآقوام
وتولى أبو الحسين حميدا ... فعلى روحه سلام السلام
حين عاقدته على الحفظ للعه ... د وصافحته بكف الذمام
واصطفته على الأخلاء نفسي ... كاصطفاء الأرواح للأجسام
كان ريحانة الندامى وميزا ... ن القوافي شعرا وبحر كلام
ومكان السهم الذي لا يرى الشك ولا يستغيث بالأوهام
ساحر الوحي في القراطيس لا تحبس عنه أعنة الأقلام
فإذا ما رأيته خلت في خديه صبحا منقبا بظلام
نفس، صبرا لا تجزعي إن هذا ... خلق من خلائق الأيام
ما قالته الشعراء في ريعان الشباب
وأنشد أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب لرجل من بني كلاب: الطويل:
سقى الله دهرا قد توالت غياطله ... وفارقنا إلا الحشاشة باطله
ليالي خدني كل أبيض ماجد ... يطيع هوى الصابي وتعصى عواذله
وفي دهرنا والعيش في ذاك غرة ... ألا ليت ذاك الدهر تثني أوإئله
بما قد غنينا والصبا جل همنا ... يمايلنا ريعانه ونمايله
وجر لنا أذياله الدهر حقبة ... يطاولنا في غيه ونطاوله
فسقيا له من صاحب خذلت بنا ... مطيتنا فيه وولت رواحله
أصد عن البيت الذي فيه قاتلي ... وأهجره حتى كأني قاتله

(1/277)


هذا البيت يناسب قول ذي الرمة، إن لم يكن في هذا المعنى، يصف ظبية وولدها: الطويل:
إذا استودعته صفصفا أو صريمة ... تنخت ونصت جيدها بالمناظر
حذارا على وسنان يصرعه الكرى ... بكل مقيل عن ضعاف فواتر
وتهجره إلا اختلاسا نهارها ... وكم من محب رهبة العين هاجر
وقال أبو حية النميري: الوافر:
أما وأبي الشباب لقد أراه ... جميلا ما يراد به بديل
إذ الأيام مقبلة علينا ... وظل أراكة الدنيا ظليل
وقال علي بن بسام: الوافر:
بشاطئ نهر قبرك فالمصلى ... فما والاهما فالقريتين
معاهد لهونا والعيش غض ... وصرف الدهر مقبوض اليدين
وكان ابن بسام هذا - وهو علي بن محمد بن، منصور بن بسام، مليح المقطعات، كثير الهجاء خبيثه، وليس له حظ التطويل، وهو القائل: الكامل:
كم قد قطعت إليك من ديمومة ... نطف المياه بها سواد الناظر
في ليلة فيها السماء مرذة ... سوداء مظلمة كقلب الكافر
والبرق يخفق من خلال سحابه ... خفق الفؤاد لموعد من زائر
والقطر منهمل يسح كأنه ... دمع المودع إثر إلف سائر
وقال في العباس بن الحسين لما وزر مكتفي: السريع:
وزارة العباس من نحسها ... ستقلع الدولة من أسها
شبهته لما بدا مقبلا ... في خلع يخجل من لبسها
جارية رعناء قد قدرت ... ثياب مولاها على نفسها
وقال في علي بن يحيى المنجم يرثيه: الكامل:
قد زرت قبرك يا علي مسلما ... ولك الزيارة من أقل الواجب
ولو استطعت حملت عنك ترابه ... فلطالما عني حملت نوائبي
وكان مولعا بهجاء أبيه، وفيه يقول وقد ابتنى دارا: الرملي:
شدت دارا خلتها مكرمة ... سلط الله عليها الغرقا
وأرانيك صريعا وسطها ... وأرانيها صعيدا زلقا
وقال أبو العباس بن المعتز يهجوه: المجتث:
من شاء يهجو عليا ... فشعره قد كفاه
لو أنه لأبيه ... ما كان يهجو أباه
من أخبار المأمون ويزيد بن معاوية
وقال المأمون لأحمد بن أبي خالد، وهو يخلف الحسن بن سهل، وقد أشار إليه برأي استرجحه: قد اعتل الحسن ولزم بيته، ووكل الأمر إليك، فأنا إلى راحته وبقائه، أحوج مني إلى إتعابه وفنائه، وقد رأيت أن أستوزرك، فإن الأمر له ما دمت أنت تقوم به، وقد طالعت رأيه في هذا الأمر، فما عداك. فقال: يا أمير المؤمنين، أعفني من التسمي بالوزارة، وطالبني بالواجب فيها، واجعل بيني وبين الغاية ما يرجوني له وليي، ويخافني له عدوي، فما بعد الغايات إلا الآفات. فاستحسن كلامه، وقال: لا بد من ذلك، واستوزره.
ورأى المأمون خط محمد بن داود فقال: يا محمد! إن شاركتنا في اللفظ، فقد فارقناك في الخط، فقال: يا أمير المؤمنين، إن من أعظم آيات النبي،صلى اله عليه وسلم، أنه أدى عن الله سبحانه وتعالى رسالاته، وحفظ عنه وحيه، وهو أمي لا يعرف من فنون الخط فنا، ولا يقرأ من سائره حرفا، فبقي عمود ذلك في أهله، فهم يشرفون بالشبه الكريم في نقص الخط، كما يشرف غيرهم بزيادته؛ وإن أمير المؤمنين أخص الناس برسول الله، صلى اله عليه وسلم، والوارث لموضعه، والمتقلد لأمره ونهيه؛ فعلقت به المشابهة الجليلة، وتناهت إليه الفضيلة، فقال المأمون: يا محمد، لقد تركتني لا آسى على. الكتابة، ولو كنت أميا.
وهذا شبيه بقول سعيد بن المسيب، وقد قيل له: ما بال قريش أضعف العرب شعرا، وهي أشرف العرب بيتا؟ قال: لأن كون رسول الله صلى اله عليه وسلم، منها قطع متن الشعر عنها.

(1/278)


وقال إبراهيم بن الحسن بن سهل: كنا في مجلس المأمون وعمرو بن مسعدة يقرأ عليه الرقاع، فجاءته عطسة، فلوى عنقه فردها، فرآه المأمون فقال: يا عمرو، لا تفعل فإن رد العطسة وتحويل الوجه بها يورثان انقطاعا في العنق. فقال بعض ولد المهدي: ما أحسنها من مولى لعبده، وإمام لرعيته! فقال المأمون: وما في ذلك؟ هذا هشام اضطربت عمامته فأهوى الأبرش الكلبي إلى إصلاحها، فقال هشام: إنا نتخذ الإخوان خولا! فالذي قال هشام أحسن مما قلته. فتمال عمرو: يا أمير المومنين، إن هشاما يتكلف ما طبعت عليه، ويظلم، فيما تعدل فيه، ليس له قرابتك من رسول الله، صلى اله عليه وسلم، ولا قيامك بحق الله، وإنك والملوك لكما قال النابغة الذبياني: الطويل:
ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب
لأنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لما يبد منهن كوكب
أخذ النابغة هذا من قول شاعر قديم من كندة: الطويل:
تكاد تميد الأرض بالناس إن رأوا ... لعمرو بن هند غضبة وهو عاتب
هو الشمس وافت يوم دجن فأفضلت ... على كل ضوء والملوك كواكب
قار يزيد بن معاوية لجميل بن أوس، وكان أكرمه واجتباه: لم كرهت الإفراط في تقديمي، وتطامنت عن الدرجة التي سما بك إليها مكانك مني؟ فقال: أيد الله سلطانك، وأعلى مكانك، إن الذين كانوا قبلنا من أهل العلوم والآداب، والعقول والألباب، كانوا أطول أعمارا منا، وأكثر للزمان صحبة، وأكثر للأيام تجربة، وقد قال الحكيم: بقدر الثواب عند الرضا يكون العقاب عند السخط، وبقدر السمو في الرفعة تكون وجبة الرفعة، ولا خير فيمن لا يسمع الموعظة، ولا يقبل النصيحة، وأنا يا أمير المؤمنين، وإن كنت آمنا من التعرض لسخطك والدنو مما يقرب منه، فلست بآمن من طعن المساوي في الدرجة عندك، وحقر المشارك لي في المنزلة منك، وليس من تقديمك قليل، ولا من تعظيمك يسير، فإن أقل ذلك فيه النباهة، والفخر، والثناء، والذكر، وحسبي مما بذلته من أموالك استحقاقي عندك لإكرامك، وحسبي من تقديمك خالص رضاك، وصفاء ضميرك.
مختار من أقوال الحكماء عند وفاة الإسكندر
لما جعل الإسكندر في تابوت من ذهب تقدم إليه أحدهم فقال: كان الملك يخبأ الذهب، وقد صار الآن الذهب يخبؤه، وتقدم إليه آخر، والناس يبكون ويجزعون، فقال: حركنا بسكونه، أخذه أبو العتاهية فقال: الخفيف:
يا علي بن ثابت بان مني ... صاحب جل فقده يوم بنتا
قد لعمري حكيت لي غصص المو ... ت وحركتني لها وسكنتا
وتقدم إليه آخر فقال: كان الملك يعظنا في حياته، وهو اليوم أوعظ منه أمس. أخذه أبو العتاهية فقال: الوافر:
وكانت في حياتك لي عظات ... وأنت اليوم أوعظ منك حيا
وتقدم إليه آخر فقال: قد طاف الأرضين وتملكها، ثم جعل منها في أربعة أذرع. ووقف عليه آخر فقال: ما لك لا تقل عضوا من أعضائك، وقد كنت تستقل ملك العباد؟ ووقف عليه آخر فقال: انظر إلى حلم النائم كيف انقضى، وإلى ظل الغمام كيف انجلى. وقال آخر: ما لك لا ترغب بنفسك عن ضيق المكان، وقد كنت ترغب بها عن رحب البلاد! وقال آخر: كان الملك غالبا فصار مغلوبا، وآكلا فصار مأكولا. وقال آخر: أمات هذا الميت كثيرا من الناس لئلا يموت، وقد مات الآن. وقال آخر: ما كان أقبح إفراطك في التجبر أمس، مع شدة خضوعك اليوم. وقالت بنت دارا: ما علمت أن غالب أبي يغلب. وقال رئيس الطباخين: قد نضدت النضائد، وألقيت الوسائد، ونصبت الموائد، ولست أرى عميد المجلس!.
جملة من كلام ابن المعتز
في الفصول القصار في ذكر السلطان

(1/279)


أشقى الناس بالسلطان صاحبه، كما أن أقرب الأشياء إلى النار أسرعها احتراقا. لا يدرك الغني بالسلطان إلا نفس خائفة، وجسم تعب، ودين متثلم. إن كان البحر كثير الماء فإنه بعيد المهوى، ومن شارك السلطان في عز الدنيا شاركه في ذل الآخرة. فساد الرعية بلا ملك كفساد الجسم بلا روح، إذا زادك السلطان تأنيسا فزده إجلالا. من صحب السلطان صبر على قسوته كصبر الغواص على ملوحة بحره. الملك بالدين يبقى، والدين بالملك يقوى. من نصح لخدمة نصحته المجازاة. لا تلتبس بالسلطان في وقت اضطراب الأمور عليه؛ فإن البحر لا يكاد يسلم صاحبه في حال سكونه، فكيف عند اختلاف رياحه، واضطراب أمواجه؟.
ومن كلام أهل العصر
وغيرهم في هذا النحو
الأوطان حيث يعدل السلطان. إذا نطق لسان العدل في دار الإمارة، فلها البشرى بالعز والإمارة. آخر بالملك العادل أن يستقل سريره في سرة الأرض، ريح السلطان على قوم سموم، وعلى قوم نسيم. أخلق بدم المستخف بالجبابرة أن يكون جبارا. من غمس يده في مال السلطان فقد مشى بقدمه على دمه. الملك خليفة الله في عباده وبلاده، ولن يستقيم أمر خلافته مع مخالفته. الملك من ينشر أثواب الفضل، ويبسط أنواع العدل. السلطان كالنار: إن باعدتها بطل نفعها، وإن قاربتها عظم ضررها. إقبال السلطان تعب وفتنة، وإعراضه حسرة ومذلة. صاحب السلطان كراكب الأسد يهابه الناس وهو لمركبه أهيب. السلطان إذا قال لعماله: هاتوا، فقد قال لهم: خذوا ثلاثة لا أمان لهم: السلطان، والبحر، والزمان. ليكن السلطان عندك كالنار: لا تدنو منها إلا عند الحاجة إليها، وإن اقتبست منها فعلى حذر. مثل أصحاب السلطان كقوم رقوا جبلا ثم وقعوا منه، فكان أقربهم إلى التلف أبعدهم في المرقى. مثل السلطان كالجبل الصعب الذي فيه كل ثمرة طيبة، وكل سبع حطوم، فالارتقاء إليه شديد، والمقام فيه أشد. لئن عز الملوك في الدنيا بالجور ليذلن في الآخرة بالعدل.
لابن عباد الصاحب: الوافر:
إذا ولاك سلطان فزده ... من التعظيم واحذره وراقب
فما السلطان إلا البحر عظما ... وترب البحر محذور العواقب
ووصف أحمد بن صالح بن شيران جارية كاتبة فقال: كأن خطها أشكال صورتها، وكأن مدادها سواد شعرها، وكأن قرطاسها أديم وجهها، وكأن قلمها بعض أناملها، وكأن بنانها سحر مقلتها، وكأن سكينها غنج لحظها وكأن مقطعها قلب عاشقها.
وقال بعض الكتاب يصف غلاما كاتبا: الكامل:
انظر إلى أثر المداد بخده ... كبنفسج الروض المشوب بورده
ما أخطأت نوناته من صدغه ... شيئا، ولا ألفاته من قده
ألقت أنامله على أقلامه ... شبها أراك فرندها كفرنده
وكأنما أنقاسه من شعره ... وكأنما قرطاسه من خده
وقال أحمد بن أبي سمرة الدارمي فيما ينظر إلى هذا من طرف خفي: الطويل:
سراب الفيافي صادق عند وعدها ... وسم الأفاعي مبرئ عند صدها
رمتني ولم أسعد بأيام وصلها ... بعيني مهاة أنحستني ببعدها
فعلقها قلبي كما تعلقت ... صوالج صدغيها بتفاح خدها
فقلبي لما أضعفته كخصرها ... ودمعي لما نظمته كعقدها
ونيل الثريا ممكن عند وصلها ... وأسرع من برق تناقض وعدها
؟من إنشاء بديع الزمان

(1/280)


رقعة كتبها بديع الزمان إلى ابن العميد يستنجزه: أين تكرم الشيخ العميد أيده الله على مولاه؟ وكيف معدله إلى سواه؟ أيقصر في النعمة، لأني قصرت في الخدمة؟ إذن فقد أساء المعاملة، ولم يحسن المقابلة، وعثر في أذيال السهو، ولم ينعش بيد العفو، أم يقول: إن الدهر بيننا خدع، وفيما بعد متسع، فقد أزف رحيلي، ولا ماء بعد الشط، ولا سطح وراء الخط؛ أم ينتظر سؤالي؟ وإنما سألته، يوم أملته، واستمنحته، يوم مدحته، واقتضيته، يوم أتيته، وانتجعت سحابه، بما قرعت بابه، وليس كل السؤال أعطني، ولا كل الرد أعفني؛ أم يظن - أيده الله تعالى - أني أرد صلته، ولا ألبس خلعته؟ وهذه فراسة المؤمن إلا أنها باطلة، ومخيلة العارف إلا أنها فاسدة؛ أم ليس يجد في مكانا للنعمة يضعها، وأرضا للمنة يزرعها؟ فلا أقل من تجربة دفعة، والمخاطرة بإنفاذ خلعة، ليخرج من ظلمة التخمين، إلى نور اليقين، وينظر أأشكر أم أكفر؛ أم يتوقع - أيده الله - صاعقة تملكني، أو بائقة تهلكني، فلهذا أمل موفر؛ لأن شيخ السوء باق معمر؛ أم يقدر - أيده الله - أني أشكره إذا اصطنع، وأعذره إذا منع، وتالله لو كنت ينبوع المعاذير ما حظي منها بجرعة، فليرحني بسرعة.
وكتب أبو القاسم الهمذاني إلى البديع: قد كتبت لسيدي حاجة إن قضاها وأمضاها، ذاق حلاوة العطاء، وإن أباها وفل شباها لقي مرارة الاستبصاء، فأي الجودين أخف عليه. أجود بالعلق، أم جود بالعرض؟ ونزول عن الطريف، أم عن الخلق الشريف؟.
فأجابه: جعلت فداك هذا طبيخ، كله توبيخ، وثريد، كله وعيد، ولقم، إلا أنها نقم، ولم أر قدرا أكثر منها عظما، ولا آكلا أكثر مني كظما، ولم أر شربة أمر منها طعما، ولا شاربا أتم مني حلما، ما هذه الحاجة؟ ولتكن حاجتك من بعد ألين جوانب، وألطف مطالب، توافق قضاءها وترافق ارتضاءها، إن شاء الله تعالى.
وفي مقامات أبي الفتح الإسكندري من إنشائه، قال: حدثنا عيسى بن هشام قال: أحلني جامع بخارى يوم، وقد انتظمت مع رفقة في سمط الثريا، وحين احتفل الجامع بأهله طلع علينا ذو طمرين، قد أرسل صوانا، واستتلى طفلا، عريانا، يضيق بالضر وسعه، ويأخذه القر ويدعه، لا يملك غير القشرة بردة، ولا يلتقي لحياه رعدة، ووقف الرجل وقال: لا ينظر لهذا الطفل إلا من رحم طفله، ولا يرق لهذا الضر إلا من لا يأمن مثله، يا أصحاب الجدود المفروزة، والأردية المطروزة، والدور المنجدة، والقصور المشيدة، إنكم لن تأمنوا حادثا، ولن تعدموا وارثا، فبادروا الخير ما أمكن، وأحسنوا مع الدهر ما أحسن، فقد والله طعمنا السكباج، وركبنا الهملاج، ولبسنا الديباج، وافترشنا الحشايا بالعشايا، فما راعنا إلا هبوب الدهر بغدره، وانقلاب المجن لظهره، فعاد الهملاج قطوفا، وانقلب الديباج صوفا، وهلم جرا، إلى ما تشاهدون من حالي وزيي؛ فها نحن نرضع من الدهر ثدي عقيم، ونركب من الفقر ظهر بهيم، ولا نرنو إلا بعين اليتيم، ولا نمد إلا يد العديم، فهل من كريم يجلو عنا غياهب هذه البؤوس، ويفل شبا هذه النحوس؟. ثم قعد مرتفقا، وقال للطفل: أنت وشأنك. فقال: وما عسى أن أقول، وهذا الكلام لو لقي الشعر لحلقه، أو الصخر لفلقه، وإن قلبا لم ينضجه ما قلت لنيء! قد سمعتم يا قوم، ما لم تسمعوا قبل اليوم، فليشغل كل منكم بالجود يده، وليذكر غده، واقيا بي ولده، واذكروني أذكركم، وأعطوني أشكركم!.
قال عيسى بن هشام: فما آنسني في وحدتي إلا خاتم ختمت به خنصره، فلما تناوله أنشأ يقول: مجزوء الكامل:
وممنطق من نفسه ... بقلادة الجوزاء حسنا
كمتيم لقي الحبي ... ب فضمه شغفا وحزنا
متألف من غير أس ... رته على الأيام خدنا
علق سني قدره ... لكن من أهداه أسنى
أقسمت لو كان الورى ... في المجد لفظا كنت معنى

(1/281)


قال عيسى بن هشام: فتبعته حتى سفرت الخلوة عن وجهه، فإذا والله شيخنا الإسكندري، وإذا الصبي غلام له، فقلت: المتقارب:
أبا الفتح شبت وشب الغلام ... فأين الكلام، وأين السلام.
فقال:
غريبا إذا جمعتنا الطريق ... أليفا إذا نظمتنا الخيام
فعلمت أنه كره لقائي، فتركته وانصرفت.
؟شعر في وصف فص وخاتم
وقال أبو الفتح كشاجم يصف فصا: الكامل:
ساجل بفصك من أردت وباهه ... فكفى به كمدا لقلب الحاسد
متألق فيه الفرند كأنه ... وجهي غداة ندى وضيف قاصد
لو أن ظمأى منه علت لارتوت ... من ماء جوهره المعين البارد
بهر العيون إضاءة في رقة ... فكأنني مختم بعطارد
وقال بعض المحدثين يصف خاتما: الخفيف:
ووحيد الكيان صيغ بديعا ... فإذا تم صيغ من جوهرين
خلعت خجلة الخدود عليه ... خلعا قد لبسن فوق اللجين
فإذا ما رأيته في بنان ... قد كساها من حسنه حلتين
قلت نجم هوى من الجو ... حتى صار مجرى بروجه في اليدين
وقال البحتري يستهدي المعتز فصا: الطويل:
فهل أنت يا ابن الراشدين مختمي ... بياقوتة تبهى علي وتشرق
يغار احمرار الورد من حسن صبغها ... ويحكيه جادي الرحيق المعتق
إذا برزت والشمس قلت تجارتا ... إلى أمد أو كادت الشمس تسبق
إذا التهبت في اللحظ ضاهى ضياؤها ... جبينك عند الجود إذ يتألق
أسربل منها ثوب فخر معجل ... فيبقى بها ذكر على الدهر مخلق
وعلى ذكر الخاتم قال أبو الفتح كشاجم: الطويل:
عرضن فعرضن القلوب من الهوى ... لأسرع من كي القلوب على الجمر
كأن الشفاه اللعس منها خواتم ... من التبر مختوم بهن على الدر
وقال الناظم:
يروع مناجيه بهاروت لحظه ... ويؤنسه منه بصورة آدم
ترى فيه لاما فردة فوق وردة ... وفضا من الياقوت من فوق خاتم
بين الكلام والصمت
وقال أبو تمام الطائي: تذاكرنا في مجلس سعيد بن عبد العزيز الكلام وفضله، والصمت ونبله، فقال: ليس النجم كالقمر؛ إنك إنما تمدح السكوت بالكلام، ولا تمدح الكلام بالسكوت، وما أنبأ عن شيء فهو أكبر منه.
قال الجاحظ: كيف يكون الصمت أنفع من الكلام، ونفعه لا يكاد يجاوز صاحبه، ونفع الكلام يعتم ويخص، والرواة لم ترو سكوت الصامتين، كما روت كلام الناطقين؛ فبالكلام أرسل الله تعالى أنبياءه لا بالصمت، ومواضع الصمت المحمودة قليلة، ومواطن الكلام المحمودة كثيرة، وبطول الصمت يفسد البيان. وكان يقال: محادثة الرجال تلقيح لألبابها.
وذكر الصمت في مجلس سليمان بن عبد الملك فقال: إن من تكلم فأحسن قدر أن يسكت فيحسن، وليس من سكت فأحسن يتكلم فيحسن.
قال بعض النساك: أسكتتني كلمة ابن مسعود عشرين سنة؛ وهي: من كان كلامه لا يوافق فعله فإنما يوبخ نفسه.
الحنين إلى الوطن
قال أبو عمرو بن العلاء: مما يدل على حرية الرجل وكرم غريزته حنينه إلى أوطانه، وتشوقه إلى متقدم إخوانه، وبكاؤه على ما مضى من زمانه.
وقالوا: الكريم يحن إلى جنابه، كما يحن الأسد إلى غابه.
وقالوا: يشتاق اللبيب إلى وطنه، كما يشتاق النجيب إلى عطنه.
ألفاظ لأهل العصر في ذكر الوطن
بلد لا تؤثر عليه بلدا، ولا تصبر عنه أبدا. هو عشه الذي فيه درج، ومنه خرج. مجمع أسرته، ومقطع سرته. بلد أنشأته تربته، وغذاه هواؤه، ورباه نسيمه، وحلت عنه التمائم فيه.

(1/282)


قالوا: وكان الناس يتشوقون إلى أوطانهم، ولا يفهمون العلة في ذلك، حتى أوضحها علي بن العباس الرومي في قصيدة لسليمان بن عبد الله بن طاهر يستعديه على رجل من التجار، يعرف بابن أبي كامل، أجبره على بيع داره واغتصبه بعض جدرها، بقوله: الطويل:
ولي وطن آليت إلا أبيعه ... وألا أرى غيري له الدهر مالكا
عهدت به شرخ الشباب ونعمة ... كنعمة قوم أصبحوا في ظلالكا
وحبب أوطان الرجال إليهم ... مآرب قضاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم ... عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا
قد ألفته النفس حتى كأنه ... لها جسد إن بان غودر هالكا
يقول له فيها:
وقد عزني فيها لئيم وسامني ... فقال لي أجهد في جهد احتيالكا
وما هو إلا نسجك الشعر ضلة ... وما الشعر إلا ضلة من ضلالكا
بصير بتسآل الملوك، ولم يكن ... بعار على الأحرار مثل سؤالكا
وإني وإن أضحى مدلا بماله ... لآمل أن أضحى مدلا بمالكا
فإن لم تصبني من يمينك نعمة ... فلا تخطئنه نقمة من شمالكا
فكم لقي العافون بدءا وعودة ... نوالك والعادون مر نكالكا
وقال علي بن عبد الكريم النصيبي: أتاني أبو الحسن بن الرومي بقصيدته هذه، وقال: أنصفني، وقل الحق: أيهما أحسن قولي في الوطن أو قول الأعرابي: الطويل:
أحب بلاد الله ما بين منعج ... إلي وسلمى أن يصوب سحابها
بلاد بها نيطت علي تمائمي ... وأول أرض مس جلدي ترابها
فقلت: بل قولك، لأنه ذكر الوطن ومحبته، وأنت ذكرت العلة التي أوجبت ذلك.
وقال ابن الرومي أيضا يتشوق إلى بغداد، وقد طال مقامه بسر من رأى: الكامل:
بلد صحبت به الشبيبة والصبا ... ولبست ثوب العيش وهو جديد
فإذا تمثل في الضمير رأيته ... وعليه أغصان الشباب تميد
وقال أبو العباس: ولما احتفل القائل في هذا المعنى السابق إليه قال:
بلاد بها حل الشباب تمائمي
وقد تقدم. وإذا كانت تمائمه قطعت بأبرق العزاف، وكان التراب الذي مس جلده تراب جزيرة سيراف، وجب أن يحن إليه حنين المتأسفين على غوطة دمشق، وقصور مدينة السلام، ونجف الجزيرة، ومستشرف الخورنق، وجوسق سر من رأى، لما بعد عنها، وطال مقامه بغيرها، كلا، ولكن هذا الرجل علم أن الحنين إلى الأوطان لما تذكر من معاهد اللهو فيها، بحدة الشباب الذي ذكر أن غول سكرته، يغطي على مقدار فضيلته، في قوله: الكامل:
لا تلح من يبكي شبيبته ... إلا إذا لم يبكها بدم
عيب الشبيبة غول سكرتها ... ومقدار ما فيها من النعم
لسنا نراها حق رؤيتها ... إلا أوان الشيب والهرم
كالشمس لا تبدو فضيلتها ... حتى تغشى الأرض بالظلم
ولرب شيء لا يبينه ... وجدانه إلا مع العدم
أخذها هذا من قول الطائي: السريع:
راحت وفود الأرض عن قبره ... فارغة الأيدي ملاء القلوب
قد علمت ما رزئت، إنما ... يعرف فقد الشمس بعد الغروب
وأخذ ابن الرومي قوله في صفة الوطن قول بشار: الطويل:
متى تعرف الدار التي بان أهلها ... بسعدى فإن العهد منك قريب
تذكرك الأهواء إذا أنعت يافع ... لديها فمغناها لديك حبيب
أو من قول بعض الأعراب: الطويل:
ذكرت بلادي فاستهلت مدامعي ... بشوقي إلى عهد الصبا المتقادم
حننت إلى أرض بها اخضر شاربي ... وقطع عني قبل عقد التمائم
وأنشد ثعلب من لرجاء بن هارون العكي: الطويل:

(1/283)


أحن إلى وادي الأراك صبابة ... لعهد الصبا فيه وتذكار أول
كأن نسيم الريح في جنباته ... نسيم حبيب أو لقاء مؤمل
قال أبو بكر الصولي: ولست أشك أنه من قول رجاء أخذ، وبه ألم، وعليه عول؛ لأنه في تناوله المعنى غريب الأخذ، عائر السهم، لا يعارض معنى معروفا إذا أنشد علم الناس أنه معدنه الذي انتحته منه.
وقد اختلس معنى قول ابن الرومي: الطويل:
فقد ألفته النفس حتى كأنه ... لها جسد إن بان غودر هالكا
أخذه علي بن ححمد الإيادي وقال فأحسن الأخذ ولطف في السرقة: السريع:
بالجزع فالخبتين أشلاء دار ... ذات ليال قد تولت قصار
بانوا فماتت أسفا بعدهم ... وإنما الناس نفوس الديار
وقال أعرابي: الطويل:
أيا حبذا نجد وطيب ترابه ... تصافحه أيدي الرياح الغرائب
وعهد صبا فيه ينازعك الهوى ... كذلك أتراب عذاب المشارب
تنال المنى منهن في كل مطلب ... عذاب الثنايا واردات الذوائب
وقال ابن ميادة يخاطب الوليد بن يزيد: الطويل:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بحرة ليلى حيث ربتني أهلي
بلاد بها نيطت علي تمائمي ... وقطعن عني حين أدركني عقلي
فإن كنت عن تلك المواطن مانعي ... فأفش علي الرزق واجمع إذا شملي
وقال سوار بن الصرير، ورويت لمالك بن الريب: الوافر:
سقى الله اليمامة من بلاد ... نوائحها كأرواح الغواني
وجوا زاهرا للريح فيه ... نسيم لا يروع الترب واني
به سقت الشباب إلى زمان ... بقبح عندنا حسن الزمان
وقال: أعرابي: الوافر:
أقول لصاحبي والعيس تخدي ... بنا بين المنيفة فالضمار
تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار
ألا يا حبذا نفحات نجد ... وريا روضه غب القطار
وأهلك إذ يحل القوم نجدا ... وأنت على زمانك غير زار
شهور ينقضين وما شعرنا ... بأنصاف لهن ولا سرار
وهذا البيت كقول الآخر:الطويل:
سقى الله أياما لنا قد تتابعت ... وسقيا لعصر العامرية من عصر
ليالي أعطيت البطالة مقودي ... تمر الليالي والشهور ولا أدري
وتخلف سليمان عن نصرة ابن الرومي، فذاك الذي هاجه على هجائه، فمن ذلك قوله، وقد خرج في بعض الوجوه فرجع مهزوما: السريع:
جاء سليمان بني طاهر ... فاجتاح معتز بني المعتصم
كأن بغداد وقد أبصرت ... طلعته نائحة تلتدم
مستقبل. منه ومستدبر ... وجه بخيل وقفا منهزم
وقال: المنسرح:
قرن سليمان قد أضر به ... شوق إلى وجهه سيتلفه
كم يعد القرن باللقاء وكم ... يكذب في وعده ويخلفه
لا يعرف القرن وجهه ويرى ... قفاه من فرسخ، فيعرفه
وقد أخذ هذا المعنى من قول بعض الخوارج، وقد قال له أبو جعفر المنصور: أخبرني أي أصحابي كان أشد إقداما في مبارزتك، فقال: ما أعرف وجوههم، ولكنني أعرف أقفاءهم، فقل لهم يدبروا أعرفك.
وفي هذه المنازعة يقول ابن الرومي لمواليه بني هاشم وكان ولاؤه لعبيد الله بن عيسى بن جعفر بن المنصور: الطويل:
تخذتكم درعا علي لتدفعوا ... نبال العدى عني فكنتم نصالها
وقد كنت أرجو منكم خير ناصر ... على حين خذلان اليمين شمالها
فإن أنتم لم تحفظوا لمودتي ... ذماما فكونوا لا عليها ولا لها
قفوا موقف المعذور عني بمعزل ... وخلوا نبالي والعدا ونبالها

(1/284)


ألفاظ لأهل العصر
في وصف الأمكنة والأزمنة
بلدة كأنها صورة جنة الخلد، منقوشة في عرض الأرض. بلدة كأن محاسن الدنيا مجموعة فيها، ومحصورة في نواحيها. بلدة كأن ترابها عنبر، وحصباءها عقيق، وهواءها نسيم، وماءها رحيق. بلدة معشوقة السكنى، رحبة المثوى، كوكبها يقظان، وجوها عريان، وحصاها جوهر، ونسيمها معطر، وترابها مسك أذفر، ويومها غداة، وليلها سحر، وطعامها هني، وشرابها مري. بلدة واسعة الرقعة، طيبة البقعة، كأن محاسن الدنيا عليها مفروشة، وصورة الجنة فيها منقوشة، واسطة البلاد وسرتها، ووجهها وغرتها.
ولهم في ضد ذلك: بلد متضايق الحدود والأفنية، متراكب المنازل والأبنية. بلد حرها مؤذ، وماؤها غير مغذ. بلدة وسخة السماء، رمدة الهواء، جوها غبار، وأرضها خبار، وماؤها طين، وترابها سرجين، وحيطانها نزوز، وتشرينها تموز، فكم في شمسها من محترق، وفي ظلها من غرق. بلدة ضيقة الديار، سيئة الجوار، حيطانها أخصاص، وبيوتها أقفاص، وحشوشها مسايل، وطرقها مزابل.
ولهم في صفات الحصون والقلاع: حصن كأنه على مرقب النجم، يحسر دونه الناظر، ويقصر عنه العقاب الكاسر يكاد من علاه يغرق في حوض الغمام. حصن انتطق بالجوزاء، وناجت أبراجه بروج السماء. قلعة حلقت بالجو تناجي السماء بأسرارها. قلعة بعد في السماء مرتقاها، حتى تساوى ثراها مع ثرياها. قلعة تتوشح بالغيوم، وتتحلى بالنجوم. قلعة عالية على المرتقى، صماء عن الرقى، قد جاوزت الجوزاء سمنا، وعزلت السماك الأعزل سمكا، هي متناهية في الحصانة، موثوقة بالوثاقة، ممتنعة على الطلب والطالب، منصوبة على أضيق المسالك وأوعر المناصب، لم تزدها الأيام إلا نبو أعطاف، واستصعاب جوانب وأطراف، قد مل الولاة حصارها، ففارقوها عن طموح منها وشماس، وسئمت الجيوش ظلها، فغادرتها بعد قنوط ويأس، فهي حمى لا يراغ، ومعقل لا يستطاع، كأن الأيام صالحتها على الإعفاء من الحوادث والليالي عاهدتها على التسليم من القوارع. قلعة تحوي من الرفعة قدرا لا تستهان مواقعه، وتلوي في المنعة جيدا لا تستلان أخادعه، ليس للوهم قبل القدوم إليها مسرى، ولا للفكر قبل الخطو نحوها مجرى.
ولهم في صفات القصور والدور: قصر كأن شرفاته بين النسر والعيوق، كأنه يسامي الفرقد، وقد اكتست له الشعرى العبور ثوب الغيور. قصر طال مبناه، وطاب مغناه؟ كأنه في الحصانة جبل منيع، وفي الحسن ربيع مريع. شرفات كالعذارى شددن مناطقها، وتوجن بالأكاليل مفارقها. قصر أقرت له القصور بالقصور، كأنه سحاب في بحو السماء. دار قوراء توسع العين قرة، والنفس مسرة. كأن بانيها استسلف الجنة فعجلت له. دار تخجل منها الدور، وتتقاصر عنها القصور، إن مات صاحبها مغفورا له فقد انتقل من جنة إلى جنة. دار قد اقترن اليمن بيمناها، واليسر بيسراها، الجسوم منها في حضر، والعيون على سفر. دار هي دائرة الميامن، ودارة المحاسن. دار دار بالسعد نجمها، وفاز بالحسن سهمها، دار يخدمها الدهر، ويأويها البدر، ويكنفها النصر، هي مرتع النواظر، ومتنفس الخواطر. دار قد أخذت أدوات الجنان، وضحكت عن العبقري الحسان.
من أدب الميكالي نثرا وشعرا
فصل لأبي الفضل الميكالي إلى بعض إخوانه
ما ابتدأت بمخاطبة سيدي حتى سرت المسرة في نفسي، وقويت أركان بهجتي وأنسي، وحتى أقبلت وجوه الميامن تتهلل إلي، وبدر المساعد تنثال علي، وكيف لا يملكني الجذل والفرح، وكيف لا يهزني النشاط والمرح، وقد زففت ودي إلى كفء كريم، وعرضته لحظ من الجمال جسيم، وأرجو أن يرد منه على حسن قبول وإقبال، ويحظى من ارتياحه له ببرد اشتمال، ويصادف من اهتزازه وإنشائه، وعمارته وإنمائه، وتحصين أطرافه من شوائب الخلل، وشوائن الوهن والميل، وما تستحكم به مرائر الوصال، وتؤمن على قواها عوادي الانتقاض والانحلال.

(1/285)


وله: إذا لم يؤت المرء في شكر المنعم إلا من عظم قدر الإنعام والاصطناع، واستغراقه منه قوى الاستقلال والاضطلاع، فليس عليه في القصور عن كنه واجبه عتب، ولا يلحقه فيه نقيصة ولا عيب. ولئن ظهر عجزي عن حق هذه النعمة فإني أحيل بحسن الثناء على من لا يعجزه حمله، ولا يؤوده ثقله، ولا يزكو الشكر إلا لديه، ولا تصرف الرغبة إلا إليه، والله يبقيه لمجد يقيم أعلامه، وفضل يقضي ذمامه، وعرف يبث أقسامه، وولي يوالي إكرامه، وعدو يديم قمعه وإرغامه.
وله: ولو وفيت هذه النعمة الجسيمة حقها لمشيت إلى حضرته - آنسها الله تعالى - حبوا لا على القدم، ولآثرت فيه خدمة اللسان على خدمة القلم، ولما رضيت له بباعي القصير، وعبارتي الموسومة بالعجز والقصور، حتى أستعير فيه ألسنة تحمل شكرا وثناء، وتوسع نشرا ودعاء، ثم لا أكون بلغت مبلغا كافيا، ولا أبليت عذرا شافيا؛ إلا أن عدم الإذن ثبطني عن مقصود الغرض، وعاقني عن الواجب المفترض؛ فأقمت عاكفا على دعاء أرفعه إلى الله عز وجل مبتهلا، وأواصله مجتهدا في ليلي ونهاري محتفلا.
وله: أحق النعمة بالزيادة نعمة لم تزل العيون إليها مستشرفة، والقلوب إليها متشوفة، والأيام بها واعدة، والأقدار فيها مساعدة، حتى استقرت في نصابها، وألقت عصي اغترابها، فهي للنماء والزيادة مترشحة، وبالعز والسعادة متوشحة، وبالأدعية الصالحة مستدامة مرتهنة، وباتفاق الكلمة والأهواء عليها مرتبطة محصنة.
وله فصل من كتاب تعزية بالأمير ناصر الدين: أقدار الله تعالى في خلقه لم تزل تختلف بين مكروه ومحبوب، وتتصرف بين موهوب ومسلوب، غادية أحكامها مرة بالمصائب والنوائب، رائحة أقسامها تارة بالعطايا والرغائب، ولكن أحسنها في العيون أثرا، وأطيبها في الأسماع خبرا، وأحراها بأن تكسب القلوب عزاء وتصبرا، ما إذا انطوى نشر، وإذا انكسر جبر، وإذا أخذ بيد رد بأخرى، وإذا وهب بيمنى سلب بيسرى، كالمصيبة بفلان التي قرحت الاكباد، وأوهنت الأعضاد، وسودت وجوه المكارم والمعالي، وصورت الأيام في صور الليالي، وغادرت المجد وهو يلبس حداده، والعدل وهو يبكي عماده، والدين وهو يندب جهاده، حتى إذا كاد اليأس يغلب الرجاء، ويرد الظنون مظلمة النواحي والأرجاء، قيض الله تعالى من الأمير الجليل من اجتمعت عليه الأهواء، ورضيت به الدهماء، فأسى به حادث الكلم، وسد بمكانه عظيم الثلم، ورد الآمال والنفوس قد استبدلت بالحيرة قوة وانتصارا، وصارت للدولة المباركة أعوانا وأنصارا.
ومن شعره في تجنيس القوافي، في معان مختلفة: المتقارب:
إذا لم تكن لمقال النصيح ... سميعا ولا عاملا أنت به
ينبهك الدهر من رقدة إل ... ملاهي وإن قلت لا أنتبه
وقال: البسيط:
تفرق الناس في أرزاقهم فرقا ... فلآبس من ثراء المال أو عاري
كذا المعايش في الدنيا وساكنها ... مقسومة بين أوعاث وأوعار
وقال: المتقارب:
حوى القد عمرا فقلت اعتقد ... رضا بالقضاء ولا تحتفد
فإما احتقدت فضاء الإله ... فأقبح بمحتقد تحت قد
وقال: الكامل:
تمت محاسنه فما يزري بها ... مع فضله ونمائه وكماله
إلا قصور وجوده عن جوده ... لا عون للرجل الكريم كماله
انصر أخاك إذا اجتداك فواسه ... وإن استغاثك واثقا بك ماله
وقال أيضا: مخلع البسيط:
إذا تغديت صدر يومي ... ثم تأذيت بالغداء
فقلت إذ مسني أذاه ... أرى غدائي أراغ دائي
وله في هذا الصوغ: مخلع البسيط:
لنا صديق يجيد لقما ... راحتنا في أذى قفاه
ما ذاق من كسبه، ولكن ... أذى قفاه أذاق فاه
وقال يهجو رجلا: المتقارب:

(1/286)


يريد يوسع في بيته ... ويأبى له الضيق في صدره
فتى سخط النصب في قدره ... كما رضي الخفض في قدره
يخدر أوصال أضيافه ... ولا يبرز الخبز من خدره
وقال في غير هذا المذهب يصف كتابا ورد عليه: المديد:
قد أتانا من صديق كلام ... كلآل زانهن نظام
فسرى في القلب مني سرور ... مطرب يعجز عنه المدام
مثل ما يرتاح رب بنات ... حوله من جمعهن زحام
فرعى الله طويلا يرجى ... خلفا من نسله لا يذام
وأتاه بعد يأس بشير ... قال يا بشراي هذا غلام
وقال يصف الشمع: الطويل:
وليل كلون الهجر أو ظلمة الحبر ... نصبنا لراجيه عمودا من التبر
يشق جلابيب الدجى فكأنما ... ترى بين أيدينا عمودا من الفجر
يحاكي رواء العاشقين بلونه ... وذوب حشاه والدموع التي تجري
خلا أن جاري الدمع ينحله قوي ... وعهدي بدمع العين ينحل إذ يجري
تبدى لنا كالغصن قدا وفوقه ... شعاع كأنا منه في ليلة البدر
تحمل نورا حتفه فيه كامن ... وفيه حياة الأنس واللهو لو يدري
إذا ما علته علة جر رأسه ... فيختال في ثوب جديد من العمر
وقال: مجزوء الرجز أو مجزوء السريع:
يا رب غصن نوره ... يزري بنور الشفق
يظل طول عمره ... يبكي بجفن أرق
نار المحب في الحشا ... وناره في المفرق
لاح لنا في مغرب ... فردنا في مشرق
وقال: مجزوء الرمل:
وقضيب من بنات النح ... ل في قد الكعاب
يشبه العاشق في لو ... ن ودمع ذي انسكاب
كسى الباطن منه ... وهو عريان الإهاب
فإذا ما أنعم الأب ... دان ملبوس الثياب
فهو للشقوة منها ... في بلاء وعذاب
وقال كشاجم يصف شمعا أهداها إلى بعض الملوك: الوافر:
وصفر من بنات النحل تكسى ... بواطنها وأظهرها عواري
عذارى يفتضضن من الأعالي ... إذا افتضت من السفل العذاري
وأمست تنتج الأضواء حتى ... تلقح في ذوائبها بنار
كواكب لسن عنك بآفلات ... إذا ما أشرقت شمس العقار
بعثت بها إلى ملك كريم ... شريف الأصل محمود النجار
فأهديت الضياء بها إلى من ... محاسنه تضيء لكل ساري
وقال: الكامل:
يشقى الفتى بخلاف كل معاند ... يؤذيه حتى بالقذى في مائه
يقذى إذا أصغى الإناء لشربه ... ويروغ عنه عند سكب إنائه
وقال: الطويل:
أطالب أيامي بإنجاز موعدي ... وها هي تلوي بالوفاء وتجمح
أقول عساها أن تلين لمطلبي ... قليلا فبعض الشوك بالمن يسمح
وقال: البسيط:
أرى وصالك لا يصفو لآمله ... والهجر يتبعه ركضا على الأثر
كالقوس أقرب سهميها إذا عطفت ... عليه أبعدها من منزع الوتر
أخذ هذا من قول ابن الرومي وذكر رجلا متلونا: الطويل:
رأيتك بينا أنت خل وصاحب ... إذا بك قد وليتنا ثانيا عطفا
وأنك إذ أحنى حنوك موجب ... بعادا لمن بادلتة الود واللطفا
لكالقوس أحنى ما تكون إذا انحنت ... على السهم أنأى ما تكون له قذفا
وله في نحو ذلك: الطويل:
توددت حتى لم أجد متوددا ... وأتعبت أقلامي عتابا مرددا

(1/287)


كأني أستدعي لك ابن حنية ... إذا النزع أدناه من الصدر أبعدا
وذكر عمر بن علي بن محمد المطوعي أبا الفضل الميكالي في كتاب الله في منظومه ومنثوره فقال: قد أصبحت حضرته - لا زالت أرجة الأرجاء بطيب شمائله، راضية الرضا عن صوب أنامله - موسم الآمال، ومحط الرحال؛ وعبدة أحرار الكلام، كما خدمته أحرار الأيام، وأطاعته المعاني والمعالي، كما أطاعه صرف الأيام والليالي، فهو - أدام الله تمكينه - شهاب المجد الذي لا يخبو واقده، وروض الكرم الذي لا يجدب رائده؛ إن أردت البلاغة فهو مالك عنانها، وفارس ميدانها، وناظم درها ومرجانها، وصائغ لجينها وعقيانها؛ وإن أردت السماحة فهو محلها ومكانها، وتاريخها وعنوانها، ويدها ولسانها، وحدقتها وإنسانها، وحديقتها وبستانها؛ وإن أردت شرف الأصل والنسب، والجمع بين الموروث من المجد والمكتسب، فناهيك بأوائله شرفا سابقا، وفضلا باسقا، ومجدا في فلك الفجر سامقا، فهم الجحاجحة الغر، والكواكب الزهر، ومن بهم يفتخر الفخر، ويتشرف الدهر، زحموا مناكب الكواكب من بعد أقدارهم، وصكوا فرق الفرقد وصدر البدر بشرف أخطارهم، فما فيهم إلا قمر فضل دار في فلك علم، وهلال مجد لاح في سماء فهم، توارثوا المجد كابرا عن كابر، وباقيا عن غابر، وسافرت أخبارهم في البعد والقرب. وطارت في أقاصي الشرق والغرب، وسارت مسير الشمس في كل بلد، وهبت هبوب الريح في البر والبحر، فهم كما قال أبو عبادة البحتري في الشاه بن ميكال وأهله فأحسن وأجاد وبلغ ما أراد: الطويل:
بني أحوذي، يغمر الطرف موفيا ... ببسطته والسيف وافي الحمائل
تضيق الدروع الثبعيات منهم ... على كل رحب الباع سبط الأنام
عراعر قوم يسكن الثغر إن مشوا ... على أرضه والثغر جم الزلازل
فكم فيهم من منعم متطول ... بآلائه أو مشرف متطاول
إذا سئلوا جادت سيوف أكفهم ... نظائر جمات التلاع السوائل
خليقون سروا أن تلين أكفهم ... عرائك أحداث الزمان الجلائل
وما زال لحظ الراغبين معلقا ... إلى قمر فيهم رفيع المنازل
وفيه، أو في أبيه، يقول أبو سعيد أحمد بن شبيب: الكامل:
وإلى الأمير ابن الأمير تواهقت ... رزحى الركاب برازحي الركاب
شيم أرق من الهواء بل الهوى ... وألذ من ظفر بعقب ضراب
وعزائم لو كن يوما أسهما ... لنفذن في الأيام غير نواب
مائية الجريان إلا أنها ... نارية الإقدام والإلهاب
يخطرن بين سياسة ورياسة ... ويتهن بين مثوبة وعقاب
ترجمة ابن أبي دواد وأخباره
قال أبو عبد الله بن حمدون النديم: لقد رأيت الملوك في مقاصيرها، ومجامع حفلها، فما رأيت أغزر أدبا من الواثق؛ خرج علينا ذات يوم وهو يقول: لقد عرض عرضة من عرضه لقول الخزاعي، يريد دعبلا: الطويل:
خليلي ماذا أرتجي من غد امرئ ... طوى الكشح عني اليوم وهو مكين
وإن امرأ قد ضن عني بمنطق ... يسد به من خلتي لضنين
فانبرى أحمد بن أبي دواد يسأله كأنما نشط من عقال في رجل من أهل اليمامة فأطنب وأسهب، وذهب في القول كل مذهب؛ فقال الواثق: يا أبا عبد الله، لقد أكثرت في غير كبير، ولا طيب، فقال: يا أمير المؤمنين، إنه صديقي: الطويل:
وأهون ما يعطي الصديق صديقه ... من الهين الموجود أن يتكلما
فقال: وما قدر اليمامي أن يكون صديقك، وإنما أحسبه أن يكون من عرض معارفك؟. قال: يا أمير المؤمنين، إنه شهرني بالاستشفاع إليك، وجعلني بمرأى ومسمع من الرد والإسعاف، فإذا لم أقم له هذا المقام أكون كما قال أمير المؤمنين آنفا:

(1/288)


خليلي ماذا أرتجي من غنى امرئ ... طوى الكشح عني اليوم وهو مكين
فقال الواثق: بالله يا محمد بن عبد الملك إلا عجلت لأبي عبد الله حاجته، ليسلم من هجنة المطل، كما سلم من هجنة الرد.
وكان ابن أبي دواد من أحسن الناس تأتيا، وكان يقول: ربما أردت أن أسأل أمير المؤمنين الحاجة بحضرة ابن الزيات فأؤخر ذلك إلى وقت مغيبه؛ لئلا يتعلم حسن التلطف مني! وكان بينه وبين محمد بن عبد الملك عداوة عظيمة، وأمر الواثق أصحابه أن ينهضوا قياما لأبي جعفر إذا دخل، ولم يرخص في ذلك لأحد، فاشتد الأمر على ابن أبي دواد، ولم يجد لخلاف الواثق سبيلا. فوكل بعض غلمانه بمراقبة موافاته، فإذا أقبل أخبره فنهض يركع، فقال ابن الزيات: الكامل:
صلى الضحى لما استفاد عداوتي ... وأراه ينسك بعدها ويصوم
لا تعدمن عداوة موسومة ... تركتك تقعد بعدها وتقوم
وقال الواثق يوما لابن أبي دواد تضجرا بكثرة حوائجه: قد أخليت بيوت الأموال بطلباتك للائذين بك، والمتوسلين إليك. فقال: يا أمير المؤمنين، نتائج شكرها متصلة بك، وذخائرها موصولة لك، وما لي من ذلك إلا عشق اتصال الألسن بخلود المدح، فقال: والله لا منعناك ما يزيد في عشقك، ويقوي في همتك فينا ولنا؛ وأمر فأخرج له خمسة وثلاثون ألف درهم.
قال أبو العيناء: قلت لابن أبي دواد: إن قوما من أهل البصرة قدموا إلى سر من رأى يدا علي، فقال: يد الله فوق أيديهم. فقلت: إن لهم مكرا، فقال: " ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله " فقلت: إنهم كثير. قال: " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين " ، فقلت: لله در القاضي فهو كما قالت الصموت الكلابية: الكامل:
لله درك أي جنة خائف ... ومتاع دنيا أنت للحدثان
متخمط يطأ الرجال شهامة ... وطء الفنيق مدارج القردان
ويكبهم حتى تظل رؤوسهم ... مأمومة تنحط للغربان
ويفرج الباب الشديد رتاجه ... حتى يصير كأنه بابان
وكانت هذه المجاوبة بين أبي العيناء وبين أبي العلاء المنقري، وكان قد استجاش عليه قوما من أهل البصرة.
قطعة من شعر الأعراب في الغزل
ابن ميادة: الطويل:
ألا ليت شعري هل يحلن أهلنا ... وأهلك روضات ببطن اللوى خضرا
وهل تأتين الريح تدرج موهنا ... برياك تعروري بنا بلدا قفرا
بريح خزامى الرمل بات معانقا ... فروع الأقاحي تنضب الطل والقطرا
ألا ليتني ألقاك يا أم جحدر ... قريبا، فأما الصبر عنك فلا صبرا
وقال: الطويل:
وما روضة بات الربيع يجودها ... على منابها من حنوة وعرار
بأطيب من ريح القرنفل موهنا ... بما التف من درع لها وخمار
وقال آخر: الطويل:
تجالسنا بنت الدلال تعلقت ... عراه بحبات القلوب الهوائم
وبين ما تخفى من الوجد ردها ... غريق الأناسي في الدموع السواجم
جرى الدمع مجرى مائه فكففنه ... بعناب أطراف الأكف النواعم
ورد التحيات الهوى من عيونها ... بيقظان طرف في مخيلة نائم
وقال العلاء بن موسى الجهني: الطويل:
ولما رأتني مخطرا شوكة العدى ... ردى النفس مجتابا إلى غير موعد
جلت داجي الظلماء منها بسنة ... ونحر مشوب لونه بالزبرجد
وبالشذر مسبوكا كأن التهابه ... تلهب جمر الفرقد المتوقد
وجاءت كسل السيف لو مر مشيها ... على البيض أمسى سالما لم يخضد

(1/289)


فبتنا ولم نكذبك لو أن ليلنا ... إلى الحول لم نملل وقلنا له ازدد
نذود النفوس الصاديات عن الهوى ... ذيادا ونسقيهن سقي المصرد
فلما بدا ضوء الصباح وراعنا ... مع الصبح صوت الهاتف المتشهد
نهضنا بشخص واحد في عيونهم ... نطافي حواشي الأتحمي المعضد
إلى جنة منهم وسلمت غاديا ... عليها سلام الباكر المتزود
وولت وأغباش الدجى مرجحنة ... تأطرغصن البانة المتأود
وقال أعرابي من طيئ: الطويل:
وأحور يصطاد القلوب وما له ... من الريش إلا زعفران وإثمد
وما كنت أخشى الفتك ممن سلاحه ... سوار وخلخال وطوق منضد
وأشنب براق الثنايا غروبه ... من البرد الوسمي أصفى وأبرد
خليلي بالله أقعدا فتبينا ... وميضا نرى الظلماء منه تقدد
يكشف أعراض السحاب كأنه ... صفيحة هندي تسل وتغمد
فبت على الأجيال ليلا أشيمه ... أقوم له حتى الصباح وأقعد
هذا في البرق كقول الطرماح في النور:الكامل:
يبدو وتضمره البلاد كأنه ... سيف على شرف يسل ويغمد
وقال بشار: الكامل:
أعددت لي عتبا بحبكم ... يا عبد طال بحبكم عتبي
ولقد تعرض لي خيالكم ... في القرط والخلخال والقلب
فشربت غير مباشر حرجا ... برضاب أشنب بارد عذب
وقال المتنبي: الكامل:
بتنا يناولنا المدام بكفه ... من ليس يخطر أن نراه بباله
نجني الكواكب من قلائد جيده ... وننال عين الشمس من خلخاله
وأول شعر أبي الطيب:
لا الحلم جاد به ولا بمثاله ... لولا ادكار وداعه وزياله
إن المعيد لنا المنام خياله ... كانت إعادته خيال خياله
إني لأبغض طيف من أحببته ... إذ كان يهجرنا زمان وصاله
يقول: التمثيل والتخيل له في اليقظة أعاد خياله في المنام، فكأن الخيال الذي في النوم تصور في اليقظة. وأظهر من هذا قول الطائي: البسيط:
زار الخيال لها لا بل أزاركه ... فكر إذا نام فكر الخلق لم ينم
ظبي تقنصته لما نصبت له ... في آخر الليل أشراكا من الحلم
أما بيته الأول فمن قول جميل: البسيط:
حييت طيفك من طيف ألم به ... حدثت نفسك عنه وهو مشغول
وقال ذو إلى الرمة: الطويل:
نأت دار مي أن تزار، وزورها ... إذا ما دجا الإظلام منا وساوس
إذا نحن عرسنا بأرض سرى لنا ... هوى لبسته بالقلوب اللوابس
وبيته الثاني ألم فيه بقول قيس بن الملوح: الطويل:
وإني لأستغشي وما بي نعسة ... لعل خيالا منك يلقى خياليا
وأخرج من بين الجلوس لعلني ... أحدث عنك النفس في السر خاليا
تقطع أنفاسي لذكرك أنفسا ... يردن فما يرجعن إلا صواديا
وقد قال فيه قيس بن ذريح: الطويل:
وإني لأهوى النوم في غير نعسة ... لعل لقاء في المنام يكون
تخبرني الأحلام أني أراكم ... فيا ليت أحلام المنام يقين
وكان البحتري أكثر الناس إبداعا في الخيال، حتى صار لاشتهاره مثلا يقال له خيال البحتري وفي بعض ذلك يقول: الطويل:
ألمت بنا بعد الهدو، فسحامحت ... بوصل متى تطلبه في الجد تمنع
فما برحت حتى مضى الليل وانقضى ... وأعجلها داعي الصباح الملمع

(1/290)


فولت كأن البين يخلج شخصها ... أوان تولت من حشاي وأضلعي
وقال: الطويل:
سقى الغيث أجزاعا عهدت بجوها ... غزالا تراعيه الجآذر أغيدا
إذا ما الكرى أهدى إلي خياله ... شفى قربه التبريح أو نقع الصدى
فلم نر مثلينا ولا مثل شأننا ... نعذب أيقاظا وتنعم هجدا
وقال: الطويل:
بلى وخيال من أثيلة كلما ... تأوهت من وجدي تعرض يطمع
يري مقلتي ما لا ترى من لقائه ... وتسمع أذني رجع ما ليس تسمع
ويكفيك من حق تخيل باطل ... ترد به نفس اللهيف فترجع
قوله في البيت الأخير من قول الحسين بن الضحاك: المتقارب:
وماذا يفيدك طيف الخيا ... ل والهجر حظك ممن تحب
غناء قليل، ولكنني ... تمليته بقنوع المحب
وللحسين في هذا المعنى وإن لم يكن في ذكر الخيال: الخفيف:
وصف البدر حسن وجهك حتى ... خلت أني، وما أراك، أراكا
وإذا ما تنفس النرجس الغض توهمته نسيم جناكا
خدع للمنى تعللني في ... ك بإشراق ذا ونكهة ذاكا
وأول من طرد الخيال طرفة بن العبد، فقال: الطويل:
فقل لخيال الحنظلية ينقلب ... إليها فإني واصل حبل من وصل
فتبعه جرير في قوله فقال: الكامل:
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... حين الزيارة فارجعي بسلام
قال البحتري، ونفى هذا المعنى بقوله: الكامل:
قد كان مني الوجد غب تذكر ... إذا كان منك الصد غب تناسي
تجري دموعي حين دمعك جامد ... ويلين قلبي حين قلبك قاسي
ما قلت للطيف المسلم لا تعد ... تغشى، ولا نهنهت حامل كاسي
وقال ابن هاني الأندلسي: الطويل:
ألا طرقتنا والنجوم ركود ... وفي الحي أيقاظ ونحن هجود
وقد أعجل الفجر الملمع خطوها ... وفي أخريات الليل منه عمود
سرت عاطلا غضبى على الذر وحده ... فلم يدر نحر ما دهاه وجيد
فما برحت إلا ومن سلك أدمعي ... قلائد في لباتها وعقود
ألم يأتها أنا كبرنا عن الصبا ... وأنا بلينا والزمان جديد؟
وقال علي بن محمد الإيادي: الطويل:
أما إنه لولا الخيال المراجع ... وعاص يرى في النوم وهو مطاوع
لأشفق واستحيا من النوم واله ... يرى بعد روعات الهوى وهو هاجع
وقال أيضا: الكامل:
طيف يزورك من حبيب هاجر ... أهلا به وبطيفه من زائر
شق الدجى وسرى فأمعن في السرى ... حتى ألم فبات بين محاجري
يحدو به هيف القوام المنثني ... نحوي وسالفة الغزال النافر
لله درك من خيال واصل ... أسرى فأنصف من حبيب هاجر
عللت علة قلب صب هائم ... وقضيت ذمة فيض دمع قاطر
وقال عبد الكريم بن إبراهيم: البسيط:
لم أدر مغناك لولا المسك والقطر ... وزورة لملم عهده عفر
سرى يعارض أنفاس الرياح بما ... تحمر الورد منه وانتشى الزهر
يخفي بثوب الدجى مسراه مستترا ... ومن تقنع صبحا كيف يستتر؟
كأن أعين واشيه تراقبه ... فيه فيدمج أخباري فيختصر
قال: الكامل:
أهلا به من زائر معتاد ... والليل يرفل في ثياب حداد
يتجاوز الرايات يخفق ظلها ... ويشق ملتف القنا المنآد

(1/291)


أنى اهتدى في ظل أخضر مغدف ... حتى تيمم بالعراء وسادي
بأرق من كبد المتيم مقدما ... في حيث ينبو الحارث بن عباد
معتادة أمنت نمائم حليها ... والحلي نمام على العواد
وكأنما ياقوتها في نحرها ... متوقد مما يجن فؤاي
؟في مجالس المنصور
خطب صالح بن أبي جعفر المنصور في بعض الأمر فأحسن، فأراد المنصور أن يقرظه ويثني عليه، فلم يجسر أحد على ذلك لمكان المهدي، وكان مرشحا للخلافة، وخافوا ألا يقع الثناء على أخيه بموافقته، فقام عقال بن شبة، فقال: ما رأيت أبين بيانا، ولا أفصح لسانا، ولا أحسن طريقا، ولا أغمض عروقا، من خطيب قام بحضرتك يا أمير المؤمنين، وحق لمن كان أمير المؤمنين أباه، والمهدي أخاه، أن يكون كما قال زهير: البسيط:
يطلب شأو امرأين قدما حسنا ... بزا الملوك وبزا هذه السوقا
هو الجواد فإن يلحق بشأوهما ... على تكاليفه فمثله لحقا
أو يسبقاه على ما كان من مهل ... فبالذي قدما من صالح سبقا
فعجب الناس من حسن تخلصه، فقال أبو جعفر: لا ينصرف التميمي إلا بثلاثين ألفا.
قال أبو عبد الله كاتب المهدي: ما رأيت مثل عقال قط في بلاغته؛ مدح الغلام وأرضى المنصور، وسلم من المهدي: وفي قصيدة زهير هذه يمدح هرم بن سنان بن أبي حارثة المري: البسيط:
قد جعل المبتغون الخير في هرم ... والسائلون إلى أبوابه طرقا
من يلق يوما على علاته هرما ... يلق السماحة منه والندى خلقا
وليس مانع ذي قربى وذي رحم ... يوما ولا معدما من خابط ورقا
ليث بعثر يصطاد الرجال، إذا ... ما الليث كذب عن أقرانه صدقا
يطعنهم ما أرتموا حتى إذا اطعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا
فضل الجواد على الخيل البطاء فلا ... يعطي بذلك ممنونا ولا نزقا
هذا وليس كمن يعيا بحجته ... وسط الندي إذا ما ناطق نطقا
لو نال حي من الدنيا بمكرمة ... أفق السماء لنالت كفه الأفقا
وكان زهير كثير المدح لهرم، ويروى أن بنتا لسنان بن أبي حارثة رأت بنتا لزهير بن أبي سلمى في بعض المحافل، وإذا لها شارة وحال حسنة، فقالت: قد سرني ما أرى من هذه الشارة والنعمة عليك فقالت: إنها منكم. فقالت: بلى والله لك الفضل، أعطيناكم ما يفنى، وأعطيتمونا ما يبقى!.
وقد قيل: إن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال لابنة هرم بن سنان: ما وهب أبوك لزهير؟ قالت: أعطيناه مالا وأثاثا أفناه الدهر. قال: لكن ما أعطاكموه لا تفنيه الدهور. وقد صدق عمر، رضي الله عنه، لقد أبقى زهير لهم ما لا تفنيه الدهور، ولا تخلقه العصور، ولا يزال به ذكر الممدوح ساميا، وشرفه باقيا، فقد صار ذكرهم علما منصوبا، ومثلا مضروبا، قال الطائي، وذكرهم في شعره: البسيط:
مالي ومالك شبة حين أذكره ... إلا زهير وقد أصغى له هرم
وقال يوسف الجوهري يمدح الحسن بن سهل: البسيط:
لو أن عيني زهير أبصرت حسنا ... وكيف يصنع في أمواله الكرم
إذن لقال زهير حين يبصره ... هذا الجواد على العلات لا هرم
وقال آخر، ويدخل في باب تفضيل الشعر: البسيط:
الشعر يحفظ ما أودى الزمان به ... والشعر أفضل ما يجنى من الكرم
لولا مقال زهير في قصائده ... ما كان يعرف جود كان من هرم
وقيل: أعطى هرم العطاء الجزيل قول زهير فيه: الكامل:
تالله قد علمت سراة بني ... ذبيان عام الحبس والأصر
أن نعم حشو الدرع أنت إذا ... دعيت نزال ولج في الذعر

(1/292)


حامي الذمار على محافظة ال ... جلى أمين مغيب الصدر
حدب على المولى الضريك إذا ... ضاقت عليه نوائب الدهر
ومرهق النيران يحمد في ال ... لأواء غير ملعن القدر
والستر دون الفاحشات، وما ... يلقاك دون الخير من ستر
وقال: البسيط:
إن البخيل ملوم حيث كان ول ... كن الجواد على علاته هرم
هو الكريم الذي يعطيك نائله ... عفوا، ويظلم أحيانا فيظلم
وإن أتاه خليل يوم مسألة ... يقول: لا غائب مالي ولا حرم
الخليل: الذي أخل به الفقر؛ إلى غير ذلك من مختار مدحه فيه.
من فضائل الشعر
ولما امتدح نصيب عبد الله بن جعفر، رضي الله عنه، أمر له بإبل وخيل، وثياب ودنانير ودراهم، قال له رجل: أتعطي لمثل هذا العبد الأسود هذا العطاء؟ فقال: إن كان أسود فإن شعره أبيض، وإن كان عبدا فإن ثناءه لحر، ولقد استحق بما قال أكثر مما أعطى وهل أعطيناه إلا ثيابا تبلى، ومالا يفنى، ومطايا تنضى، وأعطانا مديحا يروى، وثناء يبقى؟.
وقال الأخطل يعتد على بني أمية بمدحه لهم: الكامل:
أبني أمية، إن أخذت نوالكم ... فلقد أخذتم من مديحي أكثر
أبني أمية، لي مدائح فيكم ... تنسون إن طال الزمان وتذكر
ولما مدح أبو تمام الطائي محمد بن حسان الضبي بقصيدته التي أولها: الكامل:
أسقى طلولهم أجش هزيم ... وغدت عليهم نضرة ونعيم
وصله بماد كثير، وخلع عليه خلعة نفيسة، فقال يصفها: الخفيف:
قد كسانا من كسوة الصيف خرق ... مكتس من مكارم ومساع
حلة سابرية وكساء ... كسحا القيض أو رداء الشجاع
كالسراب الرقراق في الحسن، إلا ... أنه ليس مثله في الخداع
قصبيا تسترجف الريح متني ... ه بأمر من الهبوب مطاع
رجفانا كأنه الدهر منه ... كبد الصب أو حشا المرتاع
لازما ما يليه تحسبه جز ... ءا من المتنين والأضلاع
كسوة من أغز أروع رحب ال ... صدر رحب الفؤاد رحب الذراع
سوف أكسوك ما يعفي عليها ... من ثناء كالبرد برد الصناع
حسن هاتيك في العيون، وهذا ... حسنه في القلوب والأسماع
فقال: لعنة الله علي إن بقي عندي ثوب أو يصل إلى أبي تمام؛ وأمر بحمل ما في خزائنه إليه.
قال إبراهيم بن العباس الصولي لأبي تمام: أمراء الكلام، يا أبا تمام، رعية لإحسانك، قال: ذاك لأني أستضيء بنورك، وأرد شريعتك.
وكان الطائي مع جودة شعره بليغ الخطاب، حاضر الجواب، وكان يقال: ثنتان قلما يجتمعان: اللسان البليغ، والشعر الجيد.
وقال الحسن بن جنادة الوشاء: انصرف أبو تمام من عند بعض أصحاب السلطان، فوقف علي، فقلت: من أين؟ فقال: كنت عند بعض الملوك فأكلنا طعاما طيبا، وفاكهة فاضلة، وبخرنا وغلفنا؛ فخرجت هاربا من المجلس، نافرا إلى التسلي، وما في منزلي نبيذ فإن كان عندك منه شيء فامنحني، فقلت: ما عندي نبيذ ولكن عندي خمر أريده لبعض الأدوية، فقال: دع اسمه، وأعطنا جسمه، فليس يثنينا عن المدام، ما هجنته به من اسم الحرام.
في المواعيد

(1/293)


قال عبيد الله بن محمد بن صدقة: كنا عند أبي عبيد الله، فدخل عليه أعرابي قد كان له عليه وعد، فقال له: أيها الشيخ السيد، إني والله أتسحب على كرمك، وأستوطئ فراش مجدك، وأستعين على نعمك بقدرك؛ وقد مضى لي موعدان، فاجعل النجح ثالثا، أقد لك الشكر في العرب شادخ الغزة، بادي الأوضاح. فقال أبو عبيد الله: ما وعدتك تغريرا، ولا أخرتك تقصيرا، ولكن الأشغال تقطعني، وتأخد بأوفر الحظ مني، وأنا أبلغ لك جهد الكفاية، ومنتهى الوسع بأوفر مأمول، وأحمد عاقبة، وأقرب أمد، إن شاء الله تعالى.
فقال الأعرابي: يا جلساء الصدق، قد أحصرني التطول، فهل من معين منجد ومساعد منشد؟ فقال بعض أحداث الكتاب لأبي عبيد الله: والله - أصلحك الله - لقد قصدك، وما قصدك حتى أملك، وما أملك إلا بعد أن أجال النظر، فأمن الخطر، وأيقن بالظفر، فحقق له أمله بتهيئة القليل، وتهنئة التعجيل. قال الشاعر: الطويل:
إذا ما اجتلاه المجد عن وعد آمل ... تبلج عن بشر ليستكمل البشرا
ولم يثنه مطل العداة عن التي ... تصون له الحمد الموفر والأجرا
فأحضر أبو عبيد الله للأعرابي عشرة آلاف درهم، وقال الأعرابي للفتى: خذها فأنت سببها. فقال: شكرك أحب إلي منها؟ فقال له أبو عبيد الله: خذها، فقد أمرنا له بمثلها. فقال الأعرابي: الآن كملت النعمة، وتمت المنة.
أخبار معاوية بن يسار
وكان أبو عبيد الله واسع الذرع، سابغ الدرع في الكرم والبلاغة، واسمه معاوية بن يسار.
وكان يقول: إن نخوة الشرف تناسب بطر الغنى، والصبر على حقوق الثروة أشد من الصبر على ألم الحاجة، وذل الفقر يسعى على عز الصبر، وجور الولاية مانع من عدل الإنصاف، إلا من ناسب بعد الهمة، وكان لسلطان عزمه قوة على شهوته.
وكان يقول: لا يكسر رأس صناعة إلا في أخس رتان، وأرذل سلطان، ولا يعيب العلم إلا من انسلخ عنه، وخرج منه.
وكان يقول: حسن البشر علم من أعلام النجاج ورائد من رواد الفلاح، وما أحسن ما قال زهير: الطويل:
تراه إذا ماجئته متهللا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله
وقال له المهدي بعد أن قتل ابنه على الزندقة:، لا يمعنك ما سبق به القضاء في ولدك، من ثلج صدرك وتقديم نصحك؛ فإني لا أعرض لك رأيا على تهمة، ولا أؤخر لك قدما على رتبة، فقال: يا أمير المؤمنين، إنما كان ولدي حسنة من نبت إحسانك أرضه، ومن تفقدك سماؤه، وأنا طاعة أمرك، وعبد نهيك، وبقية رأيك لي أحسن الخلف عندي.
وكان يقول: العالم يمشي البراز آمنا، والجاهل يهبط الغيطان كامنا، ولله در زهير حيث يقول: الكامل:
الستر دون الفاحشات وما ... يلقاك دون الخير من ستر
وقال أبو عبيد الله: ذاكرني المنصور في أمر الحسين بن قحطة، فقال: كان أوثق الناس عندي، وأقربهم من قلبي، فلما لقي أبا حنيفة انتكث، فقلت: إن فسدت نيته فسيضعه الباطل كما رفعه الحق، وتشهد مخايله عليه كما شهدت له، فتعدل في أمره من شك إلى يقين. ثم قال لي: اكتم علي ما ألقيت عليك.

(1/294)


قال عمران بن شهاب: استعنت على أبي عبيد الله في أمر ببعض إخوانه وكان قد تقدم سؤالي إياه فيه. فقال لي: لولا أت حقك لا يجحد ولا يضاع، لحجبت عنك حسن نظري؛ أظننتني أجهل الإحسان حتى أعلمه، ولا أعرف موضع المعروف حتى أعرفه؟ لو كان ينال ما عندي إلا بغيري لكنت مثل البعير الذلول، يحمل عليه الحمل الثقيل، إن قيد انقاد، وإن أنيخ برك، ما يملك من نفسه شيئا، فقلت: معرفتك بموضع الصنائع أثبت معرفة، ولم أجعل فلانا شفيعا إنما جعلته مذكرا. قال: وأي إذكار أبلغ عندي في رعي حقك من مسيرك إليه وتسليمك عليه؟ إنه متى لم يتصفح المأمول أسماء مؤمليه غدوة وروإحا لم يكن للأمل محلا، وجرى عليه المقدار لمؤمليه على يديه بما قدر، وهو غير محمود على ذلك ولا مشكور، وما لي إمام بعد وردي من القرآن إلا أسماء رجال أهل التأميل، حتى أعرضهم على قلبي، فلا تستعن على شريف إلا بشرفه؛ فإنه يرى ذلك عيبا لعرفه؛ وأنشد: الطويل:
وذاك امرؤ إن تأته في عظيمة ... إلى بابه لا تأته بشفيع
ومن توقيعاته: الحق يعقب فلجا أو ظفرا، والباطل يورث كذبا وندما.
وكتب إليه رجل: والنفس مولعة بحب العاجل. فكتب إليه: لكن العقل الذي جعله الله للشهوة زماما وللهوى رباطأ موكل بحب الآجل، ومستصغر لكل كثير زائل.
قال مصعب بن عبد الله الزبيري: وفد زياد الحارثي على المهدي وهو بالري ولي عهد، فأقام سنتين لا يصل إليه شيء من بره، وهو ملازم كاتبه أبا عبيد الله، فلما طال أمره دخل إلى كاتبه فأنشده: البسيط:
ما بعد حولين مرا من مطالبة ... ولا مقام لذي دين وذي حسب
لئن رحلت ولم أظفر بفائدة ... من الأمير لقد أعذرت في الطلب
فوقع أبو عبيد الله: يصنع الله لك فكتب إليه: الخفيف:
ما أردت الدعاء منك لأني ... قد تيقنت أنه لا يجاب
أيجاب الدعاء من مستطيل ... جل تسبيجه الخنا والسباب؟
ألفاظ لأهل العصر
في ذكر الاستطالة والكبر
مع ما يشاكل ذلك من معانيها، ويطرق نواحيها من المساوي والمقابح.
فلان لسانه مقراض للأعراض، لا يأكل خبزه إلا بلحوم الناس، هو غرض يرشق بسهام الغيبة، وعلم يقصد بالوقيعة، قد تناولته الألسن العاذلة، وتناقلت حديثه الأندية الحافلة. قد لزمه عار لا يمحى رسمه، ولزمه شنار لا يزول وسمه، فأصبح نقل كل لسان، وضحكة كل إنسان، وصار دولة الألسن، ومثلة الأعين. وقد عرض عرضه غرضا لسهام الغائبين، وألسنة القاذفين، وقلد نفسه عظيم العار والشنار، والسبة الخالدة على الليل والنهار. قد أسكرته خمرة الكبر، واستغرقته عرة التيه، كأن كسرى حامل غاشيته، وقارون وكيل نفقته، وبلقيس إحدى داياته، وكأن يوسف لم ينظر إلا بطلعته، وداود لم ينطق إلا بنغمته، ولقمان لم يتكلم إلا بحكمته، والشمس لم تطلع إلا من جبينه، والغمام لم يند إلا من يمينه، وكأنه امتطى السماكين، وانتعل الفرقدين، وتناول النيرين بيدين، وملك الخافقين، واستعبد الثقلين وكأن الخضراء له عرشت، والغبراء باسمه فرشت.

(1/295)


فلان له من الطاووس رجله، ومن الورد شوكه، ومن الماء زبده، ومن النار دخانها، ومن الخمر خمارها، قد هبت سمائم نمائمه، ودبت مكايد عقاربه، والنمام يضرب بسيف كليل إلا أنه يقطع، ويضرب بعضد واهن إلا أنه يوجع. هو تمثال الجبن، وصورة الخوف، ومقر الرعب؛ فلو سميت له الشجاعة لخاف لفظها قبل معناها، وذكرها قبل فحواها، وفزع من اسمها دون مسماها، فهو يهلك من تخوفه أضغاث أحلام، فكيف بمسموع الكلام؟ إذا ذكرت السيوف لمس رأسه هل ذهب، ومس جبينه هل ثقب؟ كأنه أسلم في كتاب الجبن صبيا، ولقن كتاب الفشل أعجميا. وعده برق خلب، وروغان ثعلب. غيم وعده جهام، وحد سيفه كهام. حصلت منه على مواعيد عرقوبية، وأحزان يعقوبية، قد حرمني ثمر الوعد، وجرني على شوك المطل. فتى له وعد أخذ من البرق الخلب خلقا، وقد تناول من العارض الجهام طبعا، وتركني أرعى رياض رجاء لا ينبت، وأجني ثمار أمل لا يورق؛ فأنا في ضمان الانتظار، وإسار عدة ضمار. هو يرسل برقه، ولا يسيل ودقه، ويقدم رعده، فلا يمطر بعده. وعده الرقم على بساط الهواء، والخط في بسيط الماء.
حل هذا من قول أبي الفضل بن العميد: الكامل:
لا أستفيق من الغرام، ولا أرى ... خلوا من الأشجان والبرحاء
وصروف أيام أقمن قيامتي ... بنوى الخليط وفرقة القرناء
وجفاء خل كنت أحسب أنه ... عوني على السراء والضراء
ثبت العزيمة في العقوق، ووده ... متنقل كتنقل الأحياء
ذي خلة يأتيك أثبت عهده ... كالخط يرسم في بسيط الماء
أردت هذا البيت.
هو صخرة خلقاء، لا يستجيب للمرتقى، وحية صماء لا تسمع للرقى، كأني أستنفر بالجو رعدا، وأهز منه بالدعاء طودا، هو ثابت العطف نابي العطف، عاجز القوة، قاصر المنة، يتعلق بأذناب المعاذير، ويحيل على ذنوب المقادير. هو كالنعامة تكون جملا إذا قيل لها طيري، وطائرا إذا قيل لها سيري. يفاض له بذل، ولا يفوض إليه شغل، ويملأ له وطب، ولا يدفع به خطب، قد وفر همه على مطعم يجوده، وملبس يجوده، ومرقد يمهده، وبنيان يشيده.
هذا كقول الحطيئة: البسيط:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
قلب نغل، وصدر دغل، وطولة معلولة، وعقيدة مدخولة، صفوه رنق، وبره ملق، قد ملئ قلبه رينا، وشحن صدره مينا يدعي الفضل وهو فيه دعي، دأبه بث الخدائع، والنفث في عقد المكايد، ضميره خبث، ويمينه حنث، وعهده نكث. هو سحابة صيف، وطارق ضيف، قوته غنيمة، والظفر به هزيمة. هو العود المركوب، والوتر المضروب، يطؤه الخف والحافر، ويستضيمه الوارد والصادر. يغمض عن الذكر ويصغر عن الفكر. ذاته لا يوسم أغفالها، وصفته لا تنفرج أقفالها. هو أقل من تبنة في لبنة، ومن قلامة في قمامة. وهو بيذق الشطرنج في القيمة والقامة، جهله كثيف، وعقله سخيف، لا يستتر من العقل بسجف، ولا يشتمل إلا على سخف. يمد يد الجنون فيعرك بها أذن الحزم، ويفتح جراب السخف فيصفع به قفا العقل. لا تزال الأخبار تورد سفائح جهله وخرقه، والأنباء تنقل نتائج سخفه وحمقه، قد ظل يتعثر في فضول جهله، ويتساقط في ذيول عقله. هو سمين المال مهزول النوال. ثروة في الثريا وهمة في الثرى.

(1/296)


وجهه كهول المطلع، وزوال النعمة، وقضاء السوء وموت الفجاءة. هو قذى العين، وشجى الصدر، وأذى القلب، وحمى الروح، وجهه كآخر الصك، وظلم الشك، كأن النحس يطلع من جبينه، والخل يقطر من وجنته. وجهه طلعة الهجر، ولفظه قطع الصخر. وجهه كحضور الغريم، ووصول الرقيب، وكتاب العزل، وفراق الحبيب. له من الدينار نضرته، ومن الوزد صفرته، ومن السحاب ظلمته، ومن الأسد نكهته. وهو عصارة لؤم في قرارة خبث. ألأم مهجة في أسقط جثة. حديث النعمة، خبيث الطعمة، خبيث المركب، لئيم المنتسب، يكاد من لؤمه يعدي من جلس إلى جنبه، أو تسمى باسمه. قد أرضع بلبان اللؤم، وربي في حجر الشؤم، وطم عن ثدي الخير، ونشأ في عرصة الخبث، وطلق الكرم ثلاثا لم ينطق فيه استثناء، وأعتق المجد بتاتا لم يستوجب عليه ولاء. هو حمار مبطن بثور مفروز بتيس، مطرز بطرر، أتى من اللءم بنادر، لم تهتد له قصة مادر. هو قصير الشبر، صغير القدر، ضيق الصدر، رد إلى قيمة مثله في خبث أصله، وفرط جهله، لا أمس ليومه، ولا قديم لقومه، سائله محروم، وماله مكتوم، لا يحين إنفاقه، ولا يحل خناقه، خيره كالعنقاء تسمع بها ولا ترى. خبزه في حالق، وإدامه في شاهق، غناه فقر، ومطبخه قفر، يملأ بطنه والجار جائع، ويحفظ ماله والعرض ضائع، قد أطاع سلطان البخل،وانخرط كيف شاء في سلكه. هو ممن لا يبض حجره، ولا يثمر شجره، سكيت الحلبة، وساقة الكتيبة، وآخر الجريدة. لعنة العائب، وعرضة الشاهد والغائب. هو عيبة العيوب، وذنوب الذنوب. وقال أبو الفضل الميكالي: الرجز:
وطلعة بقبحها قد شهرت ... تحكي زوال نعمة ما شكرت
كأنها عن لحمها قد قشرت ... أقبح بها صحيفة قد نشرت
عنوانها إذا الوحوش حشرت ... يلعنها ما قد قدمت وأخرت
صاحبها ذو عورة لو سترت ... إن سار يوما فالجبال سيرت
أو رام أكلا فالجحيم سعرت
ويختص بهذه الأنواع رسالة بديع الزمان إلى القاضي علي بن أحمد يشكو أبا بكر الحيري القاضي ويذمه - وقد أطلت عنان الاختيار فيها لصحة مبانيها، وارتباط ألفاظها بمعانيها:

(1/297)


الظلامة - أطال الله بقاء القاضي - إذا أتت من مجلس القضاء، لم ترق إلا إلى سيد القضاة. وما كنت لأقصر سيادته على الحكام، دون سائر الأنام، لولا اتصالهم بسببه، واتسامهم بلقبه، وهبهم مطفلين على قسمه، مغيرين على اسمه، ألهم في الصحة أديم كأديمه، أو قديم في الشرف كقديمه، أو حديث في الكرم كطريفه؟ فهنيئا لهم الأسماء، وله المعاني، ولا زالت لهم الظواهر، وله الجواهر. ولا غزو أن يسموا قضاة، فما كل مائع ماء، ولا كل سقف سماء، ولا كل سيرة عدل العمرين، ولا كل قاض قاضي الحرمين، ويا لثارات القضاء! ما أرخص ما بيع، وأسرع ما أضيع! والسنة الإنذار، قيل خلو الديار، وموت الخيار، ألا يغار لحلى الحسناء، على السواد، ومركب أولي السياسة، تحت الساسة، ومجلس الأنبياء، من تصدر الأغبياء، وحمى البزاة من صيد البغاث، ومرتع الذكور من تسلط الإناث؟ ويا للرجال، وأين الرجال! ولي القضاء من لا يملك من آلاته غير السبال، ولا يعرف من أدواته غير الاعتزال، ولا يتوجه في أحكامه إلا إلى الاستحلال، ولا يرى التفرقة إلا في العيال ولا يحسن من الفقه غير جمع المال، ولا يتقن من الفرائض إلا قاة الاحتفال، وكثرة الافتعال، ولا يدرس من أبواب الجدال إلا قبيح الفعال، وزور المقال، ذاك أبو بكر القاضي، أضاعه الله كما أضاع أمانته، وخان خزانته، ولا حاطه من قاض في صولة جندي، وسبلة كردي... إلى أن قال: أيكفي أن يصبح المرء بين الزق والعود، ويمسي بين موجبات الحدود، حتى يكمل شبابه، وتشيب أترابه. ثم يلبس دنته، ليخلع دينته، ويسوي طيلسانه، ليحرف يده ولسانه، ويقصر سباله، ليطيل حباله، ويظهر شقاشقه، ليستر مخارقه، ويبيض لحيته، ليسود صحيفته، ويبدي رعه، ليخفي طمعه، ويغشى محرابه، ليملأ جرابه، ويكثر دعاؤه، ليحشو وعاءه، ثم يخدم بالنهار أمعاؤه، ويعالج بالليل وجعاءه، ويرجو أن يخرج من بين هذه الأحوال عالما، ويقعد حاكما؟ هذا إذا المجد كالوه بقفزان وباعوه في سوق الخسران! هيهات حتى ينسى الشهوات، ويجوب الفلوات، ويعتضد المحابر، ويحتضن الدفاتر، وينتج الخواطر، ويحالف الأسفار، ويعتاد القفار، ويصل الليلة باليوم، ويعتاض السهر من النوم، ويحمل على الروح، ويجني على العين، وينفق من العيش، ويخزن في القلب، ولا يستريح من النظر إلا إلى التحديق، ولا من التحقيق إلا إلى التعليق، وحامل هذه الكلف إن أخطأه رائد التوفيق، فقد ضل سواء الطريق، وهذا الحيري رجل قد شغله طلب الرياسة عن تحصيل آلاتها، وأعجله حصول الأمنية عن تمحل أدواتها: مجزوء كامل:
والكلب أحسن حالة ... وهو النهاية في الخساسه
ممن تصدى للريا ... سة قبل إبان الرياسه

(1/298)


فولي المظالم وهو لا يعرف أسرارها، وحمل الأمانة وهو لا يدري مقدارها؛ والأمانة عند الفاسق خفيفة المحمل على العاتق، تشفق منها الجبال، ويحملها الجهال، وقعد مقعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بين حديثه يروى، وكتاب الله يتلى، وبين البينة والدعوى، فقبحه الله تعالى من حاكم لا شاهد عنده أعدل من السلة والجام، يدلى بهما إلى حكام، ولا مزكى أصدق لديه من الصفر، ترقص على الظفر، ولا وثيقة أحب إليه من غمزات الخصوم، على الكيس المختوم، ولا كفيل أوقع بوفاقه من خبيئة الذيل، وحمال الليل، ولا وكيل أعز عليه من المنديل والطبق، في وقت الغسق والفلق، ولا حكومة أبغض إليه من حكومة المجلس، ولا خصومة أوحش لديه من خصومة المفلس، ثم الويل للفقير إذا ظلم، فيما يغنيه موقف الحكم إلا بالقتل من الظلم، ولا يجيره مجلس القضاء بالنار من الرمضاء. وأقسم لو أن اليتيم وقف بين أنياب الأسود، بل الحيات السود، لكانت سلامته منهما أرجى من سلامته إذا وقع من هذا القاضي بين عقاربه وأقاربه؛ وما ظن القاضي بقوم يحملون الأمانة على متونهم، ويكألون النار في بطونهم، حتى تغلظ قصراتهم من مال اليتامى، وتسمن أكفالهم من مال الأيامى، وما رأيه في دار، عمارتها خراب الدور، وعطلة القدور، وخلاء البيوت، من الكسوة والقوت، وما قوله في رجل يعادي الله في الفلس، ويبيع الدين بالثمن البخس، وفي حاكم يبرز في ظاهر أهل السمت، وباطن أصحاب السبت، فعله الظلم البحت، وأكله الحرام السحت. وما قوله في سوس لا يقع إلا على صوف الأيتام؛ وجراد لا يقع إلا على الزرع الحرام، ولص لا ينقب إلا خزانة الأوقاف، وكردي لا يغير إلا على الضعاف، وليث لا يفترس عباد الله إلا بين الركوع والسجود، وخارب لا ينهب مال الله إلا بين العهود والشهود.
وذكر في هذه الرسالة فصلا في ذكر العلم - وهو مستطرف البلاغة، مستعذب البراعة - قال: والعلم - أطال الله بقاء القاضي - شيء كما تعرفه، بعيد المرام، لا يصاد بالسهام، ولا يقسم بالأزلام؛ ولا يرى في المنام ولا يضبط باللجام، ولا يورث عن الأعمام ولا يكتب للئام، وزرع لا يزكو حتى يصادف من الحزم ثرى طيبا، ومن التوفيق مطرا صيبا؛ ومن الطبع جوا صافيا، ومن الجهد روحا دائما، ومن الصبر سقيا نافعا، والعلم علق لا يباع ممن زاد، وصيد لا يألف الأوغاد، وشيء لا يدرك إلا بنزع الروح، وعون الملائكة والروح، وغرض لا يصاب إلا بافتراش المدر، واتساد الحجر، ورد الضجر، وركوب الخطر، وإدمان السهر، واصطحاب السفر، وكثرة النظر، وإعمال الفكر، ثم هو معتاص إلا على من زكا زرعه، وخلا ذرعه، وكرم أصله وفرعه، ووعى بصره وسمعه، وصفا ذهنه وطبعه، فكيف يناله من أنفق صباه على الفحشاء؛ وشبابه على الأحشاء، وشغل نهاره بالجمع، وليله بالجماع، وقطع. سلوته بالغنى، وخلوته بالغناء، وأفرغ جده على الكيس، وهزله في الكأس؛ والعلم ثمر لا يصلح إلا للغرس، ولا يغرس إلا في النفس، وصيد لا يقع إلا في الندر، ولا ينشب إلا في الصدر، وطائر لا يخدعه إلا قنص اللفظ، ولا يعلقه إلا شرك الحفظ ولا ينشب إلا في الصدر، وبحر لا يخوضه الملاح، ولا تطيقه الألواح، ولا تهيجه الرياح، وجبل لا يتسم إلا بخطا الفكر، وسماء لا يصعد إلا بمعراج الفهم، ونخم لا يلمس إلا بيد المجد.
ومن مفردات الأبيات
في المعايب والمقابح
قول أبي تمام: الوافر:
مساو لو قسمن على الغواني ... لما أمهرن إلا بالطلاق
آخر: البسيط:
قوم إذا جرجان منهم أمنوا ... من لؤم أحسابهم أن يقتلوا قودا
البحتري: الطويل:
نبا في يدي، وابن اللئيمة واجد ... وينبو الخبيث الطبح وهو صقيل
ابن الرومي في رجل يعرف بابن رمضان: الوافر:
رأيتك تدعي رمضان دعوى ... وأنت نظير يوم الشك فيه
وله في أعمى: الخفيف:
كيف يرجو الحياء منه صديق ... ومكان الحياء منه خراب؟
غيره: الطويل:

(1/299)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية