صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب
المؤلف / لسان الدين بن الخطيب
دار النشر / مكتبة الخانجي - القاهرة - 1980م
عدد الأجزاء / 2
الطبعة : الأولى
تحقيق : محمد عبد الله عنان

وبحسب ذلك حدث من يعنى بالأخبار ينقلها والحكم يصقلها والأسمار بنتقيها والآثار يخلدها ويبغيها والمجالس يأخذ صدورها والآفاق يشيم شموسها وبدورها والحلل يصرف دورها ويأكل قدورها والطرف يهديها والخفيات يبينها وقد جرى ذكر تفضيل البلدان وذكر القاصي والدان ومزايا الأماكن وخصائص المنازل والمساكن والمقابح والمحاسن والطيب والآسن قال ضمني الليل وقد سدل المسيح راهبه وأشهب قرصة الشمس من يد الأمس ناهبه وذلفت جيوشه الحبشية وكتائبه وفتحت الأزهار شط المجرة كواكبه وجنحت الطيور إلى وكونها وانتشرت الطوافات بعد سكونها وعويت الذئاب فوق هضابها ولوحت البروق بفيض عضابها وباحت الكف الخضيب بخضابها وتسللت اللصوص لانتهاز فرصها وخرجت الليوث إلى قسمها وحصصها في مناخ رحب المنطلق وثيق الغلق سامي السور كفيل بحفظ الميسور يأمن به الذعر خائفه وتدفع معرة السما سقائفه يشتمل على مأوى الطريد ومحراب المريد ومرابط خيل البريد ومكاسع الشيطان المريد ذي قيم كثير البشاشة لطيف الحشاشة قانع بالمشاشة يروح ويمشي ويقف على رتب الأعيان وأعيان الرتب فلا يشي بر فأكثر ومهد ودثر وأذفا ودثر ورقى بسوار استنزاله فأثر فلما أرحت الكافة واقضمت جواده العلفة وأعجبتني من رفقاء المرفق الألفة رمقت في بعض السقائف أمنا في
زي خائف وشيخا طاف منه بالأرض طائف وسكن حتى اليمامة والطائف حنيب عكاز ومثير ركاز قل حظه بسلاحه لسان ذلو السفرة ومثير شيب أثبت الوفرة وقسى ضلوع توثر بالزفرة حكم له بياض الشيبة بالهيبة وقد دار بذراعه للسبحة الرقطاء حنش كما اختلط روم وحبش وإلى يمينه دلو فامق وعن يساره تلميذ مراهق وأمامه حمار ناهق وهو يقول
هم أسكنونا في ظلال بيوتهم
ظلال بيوت أدفأت وأكنت
أبوا أن يملونا ولو أن أمنا
تلاقي الذي لاقوه منا لملت
حتى إذا اطمأن حلوله وأصحب ذلوله وتودد إلى قيم الحنان زغلوله واستكبر لما جاء بما يهواه رسوله استجمع قوته واستحشد ورفع عقيرته وأنشد

(2/271)


أشكو إلى الله ذهاب الشباب
كم حسرة أورثتني واكئياب
سد عن اللذات باب الصبا
فزادت الأشجان من كل باب
وغربة طالت فما تنتهي
موصولة اليوم بيوم الحساب
وشر نفس كلما هملجت
في الغي لم تقبل خطام المتاب
يا رب شفع في شيبي ولا
تحرمني الزلفى وحسن المآب
ثم أن والليل قد جن فلم يبق في القوم إلا من أشفق وحن وقد هزته أريحية على الدنيا سلام وتحية فلقد نلنا الأوطار وحلبنا الأشطار وركبنا الأخطار وأبعدنا المطار واخترقنا الأقطار فقال فتاه وقد افترت عن الدر شفتاه مستثيرا لشجونه ومطلعا نجوم همه من دجونه ومدلا عليه بمجونه وماذا بلغ الشيخ من أمرها أو رفع من عمرها حتى يقضى منه عجب أو يجلى منه محتجب فأخذته حمية الحفاظ لهذه الألفاظ وقال أي بني مثلي من الأقطاب يخاطب بهذا الخطاب وأيم الله لقد عقدت الحلق

(2/272)


ولبست من الدهر الجديد والخلق وفككت العلق وأبعدت في الصفوة الطلق وخضت المنون وصدت الضب والنون وحذقت الفنون وقهرت بعد سليمان الجنون وقضيت الديون ومرضت لمرض العيون وركبت الهمالج وتوسدت الرذائل والدمالج وركضت الفاره واقتحمت المكاره وجبت البلاد وحضرت الجلاد وأقمت الفصح والميلاد فعدت من بلاد الهند والصين بالعقل الرصين وحذقت بدار قسنطين علم اللطين ودست مدارس أصحاب الرواق ورأيت غار الأرواح وشجر الوقواق وشريت حلل اليمن ببخس الثمن وحللت من عدن حلول الروح من البدن ونظرت إلى قرن الغزالة لما شرق وأزمعت على العراقين بسرى العين وشربت من ماء الرافدين باليدين وصليت بمحراب الدملى ركعتين وتركت الأثر للعين ووقفت حيث وقف الحكمان وتقابل التركمان وأخذت بالقدس عن الحبر الندس وركبت الولايا إلى بلاد العلايا بعد أن طفت بالبيت الشريف وحصلت بطيبة على الخصب والريف في فصل الخريف وقرأت بأخميم علم التصريف وأشرعت في الانحطاط إلى الفسطاط والمصر الرحب الاختطاط وسكنت مدينة الإسكندرية ثغر الرباط وعجلت بالمرور إلى التكرور فبعت الظل بالحرور ووقفت بأشبانية إلى الهيكل المزور وحصلت بإفريقية على الرفد غير المنزور وانحدرت إلى المغرب انحدار الشمس إلى المغرب وصممت تصميم الحسام الماضي المضرب ورابطت بالأندلس ثغر الإسلام وأعلمت بما تحت ظلال الأعلام فآها والله على عمر مضى وخلف مضضا وزمن انقضى وشمل قضى الله من تفرقه بما قضى ثم أجهش ببكائه وأعلن باشتكائه وأنشد
لبسنا فلم نبل الزمان وأبلانا
نتابع أخرانا على الغي أولانا
ونغتر بالآمال والعمر ينقضي
فما كان بالرجعي إلى الله أولانا
وماذا عسى أن ينظر الدهر ما عسا
فما انقاد بالزجر الحثيث ولا لانا
جزينا صنيع الله شر جزائه
فلم نرع ما من سابق الفضل أولانا
فيا رب عاملنا بما أنت أهله
من العفو واجبر صدعنا أنت مولانا
ثم قال
لقد مات إخواني الصالحون
فما لي صديق ولا لي عماد

(2/273)


إذا أقبل الصبح ولى السرور
وإن أقبل الليل ولى الرقاد
فتملكتني له رقة وهزة للتماسك مسترقة فهجمت على مضجعه هجوما أنكره وراع صفوه وعكره وغطى بفضل ردنه سكره فقلت على رسلك أيها الشيخ ناب حنت إلى خوار وغريب أنس بجوار وحائر اهتدى بنار ومقرور قصد إلى ضوء نار وطارق لا يفضح عيبا ولا يثلم ولا يهمل شيبا ولا بمنع سيبا ومنتاب يكسو الحلة ويحسن الخلة ويفرغ الغلة ويملأ القلة
أجارتنا إنا غريبان هاهنا
وكل غريب للغريب نسيب
فلما وقم الهواجس وكبتها وتأمل المخيلة واستثبتها تبسم لما توهم وسمع بعد ما جمح فهاج عقب ما فتر ووصل ما بتر وأظهر ما خبأ تحت ثوبه وستر وماج منه البحر الزاخر وأتى بما لا تستطيعه الأوائل والأواخر وقال وقد ركضى الفنون وأجالها وعدد الحكم ورجالها وفجر للأحاديث أنهارها وذكر البلدان وأخبارها
ولقد سهمت مآربي فكان أطيبها حديث
إلا الحديث فإنه مثل اسمه أبدا حديث

(2/274)


قلت ذهب الخجل والوجل وطال المروى والمرتجل وتوسط الواقع وتشوفت للنجوم المواقع وتوردت الخدود البواقع قلت أيها الحبر واللج الذي لا يناله السبر لاحجبك قبل عمر النهاية القبر وأعقب كسر أعداد عمرك المقابلة بالقبول والجبر كأن الليل قد أظهر لوشك الرحيل الهلع والغرب الجشع لنجومه قد ابتلع ومفرق الأحباب وهو الصبح قد طلع فأولني عارفة من معارفك اقتنيها واهزز لي أفنان رحكمك اجتنبها فقال أمل ميسر ومجمل يحتاج أن يفسر فأوضح الملغز وأبن الطلا من البرغز وسل عما بدا لك فهو أجدى لك وأقسم لا تسلنى عن غامض وحلو أو حامض إلا أوسعته علما وبيانا وأريتك الحق عيانا قلت صف لي البلاد وصفا لا يظلم مثقالا ولا يعمل في غير الصدق وخدا ولا أرقالا وإذا قلتم فأعدلو ومن أحسن من الله مقالا قلت انفض لي البلاد الأندلسية من أطرافها وميز بميزان الحق بين اعتدالها وانحرافها ثم اتلها بالبلاد المرينية نسقا واجل بنور بيانك غسقا وهات ما تقول في جبل الفتح قال فاتحة الكتاب من مصحف ذلك الإقليم ولطيفة السميع العليم وقصص المهارق وأفق البارق ومتحف هذا الوطن المباين للأرض المفارق بأهل العقيق وبارق ومحط طارقها بالفتح طارق وارم البلاد التى لم يخلق مثلها فيها وذو المناقب التى لا تحصرها الألسنة ولا توفيها حجره البحر حتى لم يبق إلا خصر فلا يناله من غير تلك الفرصة منيق ولا حصر وأطل بأعلاه قصر وأظله فتح من الله ونصر ساوى سورة البحر فأعياه قد تهلل بالكلس محياه واستقبل الثغر الغريب فحياه واطرد صنع الله فيه من عدو يكفيه ولطف يخفيه وداء عضال يشفيه فهو خلوة العباد ومقام العاكف والباد ومسلحة من وراءه من العباد وشقة القلوب المسلمة والأكباد هواه صحيح وثراه بالخزين سحيح ونجر الرباط فيه ربيح وحماه للمال والحرم غير مبيح ووضعه الحسن لا يشان بتقبيح

(2/275)


إلا أنه والله يقيه مما يتقيه بعيد الأقطار هماز بالقطار كثير الرياح والأمطار مكتنف بالرمل المخلف والجوار المتلف قليل المرافق معدوم المشاكل والمرافق هزل الكراع لعدم الأزدراع حاسر الذراع للقراع مرتزق من ظل الشراع كورة دبر ومعتكف أزل وصبر وساكنه حي في قبر
هو الباب إن كان التزاور للقيا
وغوث وغيث للضريح وللسقيا
فإن تطرق الأيام فيه بحادث
وأعزز به قلنا السلام على الدنيا
قلت فأسطبونه قال عفا رسمها وبقى اسمها وكانت مظنة النعم الغزيرة قبل حادثة الجزيرة قلت فمربلة قال بلد التاذين على السرذين ومحل الدعاء والتأمين لمطعم الحوت السمين وحد ذاتها مفرس العنب القديم الفرس إلى قبة أرين إلا أن مرساها غير أمين وعقارها غير ثمين ومعقلها تركبه الأرض من عن شمال ويمين قلت فسهيل قال حصن حصين يضيق عن مثله هند وصين ويقضي بفضله كل ذي عقل رصين سبب عزه متين ومادة قوته شعير وتين قد علم أهله مشربهم وأمنوا مهربهم وأسهلت بين يديه قراه ماثلة بحيث يراه وجاد بالسمك واديه وبالحب ثراه وعرف شأنه بأرض النوبة ومنه يظهر سهيل من كواكب الجنوب إلا أن سواحله فل الغارة البحرية ومهبط السرية غير السرية الخليقة بالحذر الحرية مسرح السايمة الأميرية وخدامها كما علمت أولئك هم شر البرية قلت فمدينة مالقة قال وما القول في الدرة الوسيطة وفردوس هذه البسيطة أشهد لو كانت سورة لغرقت بها حدقة الإطعام أو يوما لكانت

(2/276)


عيدا في العام تبعت لها بالسلام مدينة السلام وتلقي لها يد الاستسلام محاسن بلاد الإسلام إلى دار وقطب مدار وهالة إبدار وكنز تحت جدار قصبتها مضاعفة الأسوار مصاحبة للسنين مخالفة للأدوار قد برزت في أكمل الأوضاع وأجمل الأطوار كرسي ملك عتيق ومدرج مسك فتيق وإيوان أكاسرة ومرقب عقاب كاسرة ومجلى فاتنة حاسرة وصفقة غير خاسرة فحماها منيع حريز وديوانها ذهب إبريز ومذهب فخار هاله على لآماكن تبريز إلى مدينة تبريز وحلل بدائعها بالبدائع ذات تطريز اضطبنت دار الأسطول وساويت البحر بالطول واسندت إلى جبل الرحمة ظهرها واستقبلت ملعبها ونهرها ونشقت وردها الأرج وزهرها وعرفت قدرها فأغلت مهرها وفتحت جفنها على الجفن غير الغضيض والعالم الثاني ما بين الأوج إلى الحضض دار العجائب المصنوعة والفواكه غير المقطوعة والممنوعة حيث الأواني تلقى لها يد الغلب ضائع حلب والحلل التي تلج صنعا فيها بالطلب وتدعو إلى الجلب إلى الدست الرهيف ذي الورق الهيف وكفى برمانها حقاق ياقوت وأمير فوت وزائرا غير ممقوت إلى المؤاساة وتعددت الأساة وإطعام الجائع والمساهمة في الفجائع وأي خلق أسرى من استخلاص الأسرى تبرز منهم المخدرة حسرى سامحة بسواريها ولو كانا سواري كسرى إلى المقبرة التي تسرح بها العين ويستهان في ترويض روضاتها العين إلى غللها المحكمة البنيان الماثلة كنجوم السما للعيان وافتراض سكناها أوان العصر على الأعيان ووفور أولى المعارف والأديان
وأحسن الشعر مما أنت قائله
بيت يقال إذا أنشدته صدقا
وعلى ذلك فطينها يشقى به فطينها وأزبالها تحيي بها سبالها وسروبها يستمد

(2/277)


منها مشروبها فسحبها متغيرة وكواكب أذمانها النيرة متحيرة وأقطارها جد شاسعة وأزقتها حرجة غير واسعة وآبارها تفسدها أدبارها وطعامها لا يقبل الاختزان ولا يحفظ الوزان وفقيرها لا يفارق الأحزان وجوعها ينفي به هجوعها تحث على الأمواج أقواتها وتعلو على الموازين غير القسط أصواتها وأرحيتها تطرقها النوائب وتصيب أهدافها السهام الصوائب وتعدلها الجنايب وتستخدم فيها الصبا والجنايب وديارها الآهلة قد صم بالنزائل صداها وأصبحت بلاقع بما كسبت يداها وعين أعيانها أثر ورسم مجادتها قد دثر والدهر لا يقول لها لمن عثر ولا ينظم شملا إذا انتثر وكيف لا يتعلق الذام ببلد يكثر به الجذام علة بلواه آهلة والنفوس بمعرة عدواه جاهلة ثم تبسم عن انشراح صدر وذكر قصة الزبرقان بن بدر
تقول هذا مجاج النحل تمدحه
وإن ذممت فقل فيى ء الزنابير
مدح وذم وعين الشي واحدة
إن البيان يرى الظلماء في النور
قلت فبلش قال جادها المطر الصيب فنعم البلد الطيب حلى ونحر وبر وبحر ولوز وتين وسبت من الأمن متين وبلد أمين وعقار ثمين وفواكه من عن شمال ويمين وفلاحة مدعي إنجابها لا يمين إلا أن التشاجر بها أقمى من الشجر والقلوب أقسى من الحجر ونفوس أهلها بينة الحسد والضجر وشأنها غيبة ونممة وخبث ما بها على ما سوخ الله من آلائها ثميمة قلت فقمارش قال مودع الوفر ومحط السفر ومزاحم الفرقد والقفر حيث الماء المعين والقوت المعين لا تخامر قلب الثائر به خطوة وجله إلا من أجله طالما فزعت إليه النفوس الملوك الأخاير بالذخاير وشقت

(2/278)


عليه أكواس المرائر في الضرائر وبه الأعناب التي راق بها الجناب والزياتين واللوز والتين والحرث الذي له التمكين والمكان المكين إلا أنه عدم سهله وعظم جهله فلا يصلح فيه إلا أهله قلت فالمنكب قال مرفأ السفن ومحطها ومنزل عباد المسيح ومختطها بلدة معقلها منيع وبردها صقيع ومحاسنها غير ذات تقنيع القصر المفتح الطيقان المحكم الإتقان والمسجد المشرف المكان والأثر المنبي عن كان وكان كأنه مبرد واقف أو عمود في يد مثاقف قد أخذ من الدهر الأمان وتشبه بصرح هامان وأرهفت جوانبه بالصخر المنحوت وكاد أن يصل ما بين الحوت والحوت غصت بقصب السكر أرضها واستوعب بها طولها وعرضها زبيبها فائق وجنابها رائق وقدمت إليها جبل الشوار بنسب الجوار فنشأ الأسطول فوعدها غير ممطول وأمده لا يحتاج إلى الطول إلا أن اسمها مظنة طيرة تشتنف والتنكيب عنها يوتنف وطريقها يمنع شر سلوكها من تودد ملوكها وهواؤها فاسد ووبأها مستأسد وجارها حاسد فإذا التهبت السماء وتغيرت بالسمائم المسميات والأسماء فأهلها من أجداث بيوتهم يخرجون وإلى جبالها يعرجون والودك إليها مجلوب والقمح بين أهلها مقلوب والصبر إن لم يبعثه البحر مغلوب والحر ما يعراها والحر بدم الغريب مطلوب قلت فشلوبانية قال أختها الصغرى ولدتها التي يشغل بها المسافر ويعزى حصانه معقل وموقب متوقل وغاية طائر وممتنع ثائر ومتنزه زائر تركب برها الجداول المرفوعة وتخترق وجهاتها المذانب المنفردة

(2/279)


والمشفوعة ففي المصيف تلعب بالعقل الحصيف وفي الخريف يسفر عن الخصب والريف وحوت هذه السواحل أغزر من رمله تغرى القوافل إلى البلاد بحمله إلى الخضر الباكرة والنعم الحامدة للمرء الشاكرة وكفى بمترايل من بسيطها محلة مشهورة وعقيلة ممهورة ووادعة في غير السهل مبهورة جامعها حافل وفي حلة الحسن رافل إلا أن أرضها مستخلص السلطان بين الأوطان ورعيتها عديمة الأعيان مروعة على الأحيان وتختص شلوبانية بمزية البنيان ولكنها غاب الحيات الحميات غير أمينة على الافتيات ولا وسيمة الفتيان والفتيات قلت فبرجة قال تصحيف وتحريف وتغيير في تعريف ما هي إلا بهجة ناظر وشرك خاطر ونتيجة عارض ماطر ودارة نفس عاطر عقارها ثمين وحرمها أمين وحسها باد وكمين عقود أعنابها قد قرطت أذان الميس والحور وعقائل أدواحها مبتسمة عن ثغور النور وبسيطها متواضع عن النجد مترفع عن الغور وعينها سلسالة وسنابك المذانب منها مسالة تحمل إلى كل جهة رسالة ودروها في العرا مبثوثة وركائب النواسم بينها محثوثة لا تشكو بضيق الجوار واستكشاف العوار وتزاحم الزوار مياه وظلال وشجر وحلال وخلق دمث كثراها ومحاسن متعددة كقراها ولطافة كنواسمها عند مسراها وأعيان ووجوه نجل العيون بيض الوجوه غلتهم الحرير ومجادتهم غنية عن التقرير إلا أن متبوأها بسيط مطروق وقاعدتها فروق ووتدها مطروق ومعقلها خرب كأنه أحدب جرب إن لم ينقل إليه الماء برح به الظمأ ولله در صاحبنا إذ يقول
يا بسيطا بمعاني برجة
أصبح الحسن بها مشتهرا
لا تحرك بفخار مقولا
فلقد ألقمت منها حجرا

(2/280)


والبر بها ندر الوجود واللحم تلوه وهما طيبتا الوجود والحرف بها ذواية العود والمسلك إليها بعيد الصعود قلت فدلاية قال خير رعاية وولاية حرير ترفع عن الثمن وملح يستفاد على مر الزمن ومسرح معروف وأرض ينبت بها جبن وخروف إلا أنها كسرايا العدو البحري مجر العوالي ومحل الفتكات على التوالي فطريقها صور ومشاهد والعارف بها زاهد قلت فمدينة ألمرية قال ألمرية هنية مرية بحرية برية أصيلة سرية معقل الشيوخ والإباية ومعدن المال وعنصر الجباية وجندة الأسطول غير المعلل ولا الممطول ومحط التجار وكرم النجار ورعى الجار ما شئت من أخلاق معسولة وسيوف من الجفون السود مسلولة وتكك محلولة وحضارة تعبق طيبا وتتأود دوحا رطيبا ووجوه لا تعرف تقطيبا لم تزل مع الظرف دار نساك وخلوة اعتكاف وإمساك أرغم أهلها أنف الصليب لما عجم منها بالعود الصليب وألف لامها وألفها حكم التغليب فانقلب منها آيسا عند التقليب
يسائل عن أهل المرية سائل
وكيف ثبات القوم والردع ياسر
قطا دارج في الرمل في يوم لدة
ولهو ويوم الروع فتح كواسر
بحرها مرفأ السفن الكبار وكرسيها هو العزيز عند الاعتبار وقصبتها سلوة الحزين وفلك المتنزهين وهي محل الفلل المجدية والأندية المشفوعة الأردية ولواديها المزية على الأودية حجة الناظر المفتون المكسو الحصور

(2/281)


والمتون بالأعناب والزيتون بلد الخام والرخام والذمم الضخام وحمتها بديعة الوصف محكمة الرصف مقصودة العلاج والقصف حرها شديد وذكرها طويل مديد وأثرها على البلاد جديد إلا أن مغارمها ثقيلة وصفحة جوها في المحول صقيلة وسماؤها بخيلة وبروقها لا تصدق منها مخيلة دبلالة النطية منزورة الطية وسعرها ليس من الأسعار الوطية ومعشوق البر بها قليل الوصال وحمل البحر صعب الفصال وهي متوقعة إلا أن يقي الله طلوع النصال دعاة النصال قلت فطيرنش من شرقها قال حاضرة البلاد الشرقية وثنية البارقة الأفقية ماشئت من تنجيد بيت وعصير وزيت وإحياء أنس ميت وحمام طيب وشعاب شرفيه دنانير أبي الطيب إلا أنها محيلة الغيوث عادية الليوث متحزبة بالأحزاب شرهة الأعزاب ولو شكر الغيث شعيرها أخصب البلاد عيرها قلت فبيرة قال بلدة صافية الجو رحيبة الدو يسرح بها البعير ويحجم بها الشعير ويقصدها من مرسية وأحوازها العير فساكنها بين تجر وابتغاء أجر وواديها نيلى الفيوض والمدود مصري التخوم والحدود إن بلغ إلى الحد المحدود فليس رزقها بالمحصور ولا بالمعدود إلا أنها قليلة المطر مقيمة على الخطر مثلومة الأعراض والأسوار مهطعة لداعي البوار خليقة الحسن المغلوب معللة بالماء المحلوب آخذة بأكظام القلوب خاملة الدور قليلة الوجوه والصدور كثيرة المشاجرة والشرور برها أنذر من برها في المعتمر والبور وزهد أهلها في الصلاة شائع في الجمهور وسوء ملكة الأسرى بها من الذائع بها والمشهور
ما قام خيرك يا زمان بشره
أولى لنا ما قل منك وما كفا

(2/282)


قلت فمحاقر قال حصن جديد وخير مديد وبحر ما على إفادته مزيد وخصب ثابت ويزيد ساكنه قد قضى الحج أكثره وظهر عين الخير فيه وأثره إلا أنه لا تلقى به للماء بلالة ولا يستشف للجود علالة قلت فقتورية قال يسار يمينها وغبار كمينها ومعمول يمينها يجود بها الجبن والعسل وفي دونها الأسل وأما الخبر فلا تسل وإن كانت أحسن شكلا فأقل شربا وأكلا وأحما أهلا وآسد جملا وأعدم علا ونهلا وأهلها شرار أضلعهم بالظمإ حرار لا تلفى بها نبعة ماء ولا تعدم مشقة ظمإ ولا تتوج أفقها إلا في الندرة قرعة سما قلت فبرشانة قال حصن مانع وجناب يانع أهلها أولو عداوة لأخلاق البداوة وعلى وجوههم نضرة وفي أيديهم نداوة يدادون بالسلافة على الخلافة ويؤثرون لذة التخلف على لذة الخلافة فأصبح ربعهم ظرفا قد ملى ء ظرفا فللمجون بها سوق وللعيون ألف سوق تشمر به الأذيال عن سوق وهي تلين بعض بيان من أعيان وعلى وجوه نسوانها طلاقة وفي ألسنتهن ذلاقة ولهن بالسفارة من الفقراء علاقة إلا أن جفنها ليس ندي سور يقيه مما يتقيه ودعدها يتكلم على فيه وحليها يشقى بالسفيه ومحياها تسكن حية الجور فيه قلت فأورية قال الجبن والعسل والهوا الذي يذهب به الكسل وأما عن الماء البرود فلا تسل أدامه الصيد الذي لا يتعذر وقوته الشعير الذي يبذر إلا أنه بادي الوحشة والانقطاع والإجابة لداعي المخالفة والإهطاع وحيش الجناب عرى من شجرات النخل والأعناب حقيقة لمعرة العدو بالاجتناب قلت فبلش قال نفر قصي وقياد على الأمان عصي ويتيم ليس عليه

(2/283)


غير العد وصي ماؤه معين وصوره عين وخلوته على النسك وسواه تعين وبه الحمام والعطف الجمام ولأهله بالصيادة اهتمام وعسله إذا لطفت العسول إمام إلا أنها بلدة منقطعة باينة وبأحواز العدو كائنة ولحدود لورقة فتحها الله مشاهدة معاينة وبرها الزهيد القليل يتحف به العليل وسبيل لأن إليها غير سبيل ومرعاها لسوء الجوار وبيل قلت فمدينة بسطة قال وما بسطة بلد خصيب ومدينة لها من اسمها نصيب دوحها متهدل وطيب هوائها غير متبدل وناهيك من بلد اختص أهلها بالمران في معالجة الزعفران وامتازوا به عن غيرهم من الجيران عمت أرضها السقيا فلا تخلف وشملتها البركة تختص من يشاء الله ويزلف يتخلل مدينتها الجدول المتدافع والناقح للغلال النافع ثياب أهلها بالعبير تتأرج وحورها تتجلى وتتبرج وولدانها في شط أنهارها المتعددة تتفرج ولها الفحص الذي يسافر فيه الطرف سعيا ولا تعدم السائمة بدريا ولا رعيا ولله در القائل
في بلدة عودت نفسي بها
إذ في أسماطه وياسين
ألجأني الدهر إلى عالم
يؤخذ عنه العلم والدين
إلا أن تربها تفصح البنا فإن صحبه الاعتنا فأسواره تسجد عند الإقامة وخندقها لإكسارها تلقامه فهي لذلك غير دار المقامة ورياحها عاصفة ورعودها قاصفة وحاميتها تنظر إلى الهياج من خلف سياج والعدو فيها شديد الفتكات معمل الحركات وساكنها دائم الشكاة وحدها فليل وأعيانها قليل وعزيزها المتوقع المكروه ذليل قلت فأشكر قال نعم البسيط المديد والرزق الجديد والسقي العديد

(2/284)


والصيد والقديد تركب الجداول فحصها ويأبى الكمال نقصها ويلازم ظل الخصب شخصها مسرح للبهائم ومعدن للربيع الدائم إلا أن معقلها لا يمنع ومكانها يحوم عليه الحادث الأشنع ونفوس أهلها مستسلمة لما الله يصنع قلت فأندرش قال عنصر جباية ووطن بهم أولى باية حريرها ذهب وتربها تبر منتهب وماؤها سلسل وهواؤها لا يلفي معه كسل إلا أنها ضيقة الأحواز والجهات كثيرة المعابر والفوهات عديمة الفرج والمتنزهات كثيرة المغارم مستباحة المحارم أغرابها أولو استطالة وأنباء مترفيها كثير البطالة فلا يعدم ذو الضرع والزرع عدوانا ولا يفقد عين الشر نزقانا وطريقها غير سوي وشأنها ضعيف يشكو من قوى قلت فقنالش قال معدن حرير خلصت سنابكه وأثرى بزازه وحابكه وتهدلت حجاله وتمهدت أرائكه وجبايته سهل اقتضاؤها وجمت بيضاؤها إلا أنه وطن عدم إدامه وبليت ظهر اهتدامه وفقدت به حيل التعيش وأسبابه ومحل لا هيم فيه إلا أربابه قلت فمدينة وادي آش قال مدينة الوطن ومناخ من غبر أو قطن للناس ما بدا والله ما بطن وضع سديد وبأس شديد ومعدن حديد ومحل

(2/285)


عدة وعديد وبلد لا يعتل منه إلا النسيم ومرأى يخجل منه الصباح الوسيم كثيرة الجداول والمذانب مخضرة الجوانب إلى الفواكه الكثيرة والكروم الأثيرة والسقى الذي يسد الخلة ويضاعف العلة وسندها معدن الحديد والحرير ومعقلها أهل للتاج والسرير وهي دار أحساب وإرث وإكتساب وآداب وحساب وماؤها مجاج الجليد وهواؤها يذكى طبع البليد إلا أن ضعيفها يضيق عليه المعاش وتافهها يتعذر عليه الانتعاش وشيخها يسطو على عصبه الارتعاش فهي ذات برد وعكس وطرد ماشئت من لحي راعد ومقرور على الخمر قاعد ونفس صاعد وفتنة يعد بها واعد وشرور تسل الخناجر وفاخر يسطو بفاجر وكلف يهاجر واغتمام تبلغ به القلوب الحناجر وزمهرير تجمد له المياه في شهر ناجر وعلى ذلك فدرتها أسمح للحالب ونشيدها أقرب للطالب ومحاسنها أغلب والحكم للغالب قلت ففنيانة قال مدينة وللخير خدينة ما شئت من ظبى غزير وعصب طرير وغلة حرير وماء نمير ودوام للخزين وتعمير إلا أن بردها كثير ووقودها نثير وشرارها لهم في الخيار تأثير قلت فمدينة غرناطة قال حضرة سنية والشمس عن مدح المادح غنية كبرت عن قيل وقال وحلت عرقا من وقال وقيدت العقل بعقال وأمنت لحال حسنها من انتقال لو خيرت في حسن الوضع لما زادت وصفا ولا أحكمت رصفا ولا أخرجت أرضها ريحانا ولا عصفا ولا أخذت بأشتات المذاهب وأصناف المواهب حدا والنبي قولوا لو وورولو ولا قصفا كرسيها ظاهر الإشراف مطل على الأطراف

(2/286)


وديوانها مكتوب بآيات الأنفال والأعراف وهواؤها صاف وللأنفاس مصاف حجبت الجنوب عنها الجبال فأمنت الوبا والوبال وأصبح ساكنها غير مبال وفي جنة من النبال وانفسحت للشمال واستوفت شروط الكمال وانحدر منها مجاج الجليد على الرمال وانبسط بين يديها المرج الذي نضرة النعيم لا تفارقه ومدرار النسيم تعلن بها مفارقه ريع من واديه ثعبان مبين أن لدغ ثلول شطه ثلها للجبين وولد حيات المذانب عن الشمال واليمين وقلد منها اللبات سلوكا تأتى من الحصباء بكل در ثمين وترك الأرض مخضرة تغير من خضراء السماء ضرة الأزهار مفترة والحياة الدنيا بزخرفها مغترة
أي واد أفاض من عرفات
فوق حمرائها أتم إفاضة
ثم لما استقل بالسهل يجري
شق منها بحلة فضفاضة
كلما انساب كان غصنا صقيلا
وإذا ما استدار كان نفاضة
فتعددت القرى والجنات وحفت بالأناث منها البنات ورف النبات وتدبجت الجنبات وتقلدت اللبات وطابت بالنواسم الهبات ودارت الأسوار دور السوار للمنى والمستخلصات ونصبت للروض المنصات وقعد سلطان الربيع لعرض القصات وخطب بلبل الدوح فوجب الإنصات وتمرجت الأعناب واستنجر بكل عذب لجنانها الجناب وزينت السماء الدنيا من الأبراج العديدة بأبراج ذوات دقائق وأدراج وتنفست الريح عن أراج أذكرت الجنة كل أمل عند الله وراج وتبرجت بحمرائها القصور مبتسمة عن بيض الشرفات سافرة عن صفحات القباب المزخرافات تقذف بالنهار من بعد المرتقى فيوض بحارها الرزق وتناغى أذكار المآذن بأسحارها نغمات الورق وكم أطلقت من أقمار وأهلة وربت من ملوك جلة إلى بحر التمدن

(2/287)


المحيط الاستدارة الصادع عن الأحكام والإدارة ذي المحاسن عير المعارة المعجزة لسان الكتابة والاستعارة حيث المساجد العتيقة القديمة والميازب المحافظة للري المديحة والجسور العريقة والعوائد المقررة تقرير الفريضة والأسواق المرقومة الإطراق بنفائس الأذواق والوجوه الزهر والبشرات الرفاق والزي الذي فاق زي الأوان وملأ قلوب المؤمنين بالإشفاق
بلد جللها الله سناء وسنا
وأجر السعد منحل لديها رسنا
قد أجرت سكرا احما ورزقا حسنا
أعجزت عن منتهى الفخر البعيد اللسنا
يروقك في أطراقها حسن الصورة وجمالها وطرف الصنايع وكمالها والفعلة وأعمالها حتى الأطلال وانهمالها والسؤال وأسمائها
كل عليه من المحاسن لمحة
في كل طور للوجود تطورا
كالروض يعجب في ابتدانباته
وإذا استجم به النبات ونورا
وإذا الجمال المطلق استشهدته
ألغيت ما انتحل الخيال وزورا
ثم قال أي أمري عري عن مخافة وأي حصافة لا تقابلها سخافة ولكل شيء آفة لكنها والله بردها يطفى ء حر الحياة ويمنع الشفاه عن رد التحيات وأسعارها يشمر معيارها بالترهات وعدوها يعاطي كؤوس الحرب بهاك وهات إلى السكك التي بان خمولها ولم يقبل الموضوع محمولها والكرب الذي يجده الإنسان فيها صادف إضافة أو ترفيها والمكوس التي تطرد البركة وتلقيها إلى سوء الجوار وجفاء الزوار ونزالة الديار وغلاء الخشب والجيار وكساد المعايش عند الاضطرار وامعان المقابر وهي دار القرار وقصر الأعمار
واستحلال الغيبة والأسحار واحتقار أولى الفضل والوقار والتنافس في العقار والشح في الدرهم والدينار باليم والنار ثم قال اللهم غفرا وإن لم نقل كفرا إن الله لا يغفر أن يشرك به وبغفر ما دون ذلك لمن يشاء ولله در أبي العتاهية إذ يقول
أصبحت الديار لنا فتنة
والحمد لله على ذلكا
اجتمع الناس على ذمها
وما نرى منهم لها تاركا

(2/288)


قلت فالحمة قال أجل الصيد والحجل والصحة وإن كان المعتبر الأجل وتورد الخدود وإن لم يطرقها الخجل والحصانة عند الهرب من الريب والبر كأنه قطع الذهب والحامة التي حوضها يفهق بالنعيم مبذولة للخامل والزعيم تحت ثنيتها بالنسب إلى ثنية التنعيم قد ملأها الله اعتدالا فلا تجد الخلق اعتياضا ولا استبدالا وأنيط صخرتها الصماء عذبا زلالا قد اعتزل الكور اعتزالا لكن مزارعها لا ترويها الجداول ولا ينجدها إلا الجود المزاول فإن أخصب العام أعيي الطعام وإن أخلف الإنعام هلكت الناس والأنعام والفواكه يطرف بها الجلب وتزر عليها العلب وعصيرها لا يليق لا بالأكل ولا يصلح للحلب وبردها شديد وإن لم يقض به المنقلب قلت فصالحة قال لولا أنها مناخ لم تذكر فليست مما يذم ولا يشكر وإن كان ماؤها فضيا ووجه جوها وضيا وعصيرها مرضيا ورزقها أرضيا وفضلها ذاتيا لا عرضيا فهي مهب نسف ودار خسف وأهلها بهم ليس لأحد منهم فهم قلت فإلبيرة ومنتفريد قال بلدا ارتفاق بإجماع وإصفاق معدن البر

(2/289)


الذكى والصيد الذكي وهما ذا شاهق ومصرخ ناهق ومعدن بر فائق إن لم يعق من عدو القلعة عائق قلت فلوشة قال مرأى بهيج ومنظر يروق ويهيج ونهر سيال وغصن مياد ميال وجنات وعيون ولذات لا تمطل بها ديون وجداول تنضح بها الجوانح ومحاسن يشغل بها من وكره السايح ونعم يذكر بها المائع المانح ما شئت من رحى تدور ونطف تشفى بها الصدور وصيد ووقود وإعنات كلما زانت اللبات عقود وأرانب تحسبهم أيقاظا وهم رقود إلى معدن الملح ومعصر الزيت والخضر المتكلفة بخصب البيت والمرافق التي لا تحصر إلا بعد الكيت والخارج الذي عضد مسحة الملاحة بجدوى الفلاحة إلا أن داخلها حرج الأزقة أحول أهلها مائلة إلى الرقة وأزقتها قذرة وأسباب التصرف فيها متعذرة ومنازلها لترامل الجند نازلة وعيون العدو لثغرها الشنيب مغازلة قلت فأرجدونه قال شر دار وطلل لم يبق منه غير جدار ومقام يرجع البصر عنه إليه وهو حاسر وعورة ساكنها لعدم الما مستأسر وقومها ذو بطر وأشر وشيوخها تيوس في مسالح بشر طغام من يقوت منهم أو يعول التيوس والوعول وحرثها مقل وخلقها حسد وغل قلت فأنتقيرة قال محل الحرث والإنعام ومبذر الطعام والمرآة التي يتجلى فيها وجوه العام الرحب والسهل والثبات الطفل والمنسم والكهل والوطن والأهل ساحتها الجداول في فحصها الأفيح وسالت وانسابت حياة المذانب في سقيها الرحب الجوانب وانسالت لا تشكو من نبو ساحة ولا تسفر

(2/290)


إلا عن ملاحة ولا تضاهي في جدوى فلاحة إلا أنها جرداء الخارج فل مارد ومارج وشدة فرجها بارج لا تصطبنها المسلحة للاتساع الذرع الوساع قليلة الفواكه عديمة الملاطف والفاكه أهلها أولو سرور وغرور وسلاح مشهور وقاهر ومقهور لا تقبل غريبا ولا تعدم من العدو تثريبا قلت فذكوان قال روض وغدير وفواكه جلت عن تقدير وخورنق وسدير ومائدة لا تفوتها فائدة دارت على الطحن الغرير أحجارها والتفت أشجارها وطاب هواؤها وخفق بالمحاسن لواؤها إلا أنها ضالة ساقطة وحية ترتقب لاقطة لا تدفع عن قرطها وسوارها بأسوارها ولا تمنع نزع صدارها بجدارها قضت بقلة أعيانها حداثة بنيانها قلت فقرطمة قال الكرك الذي يؤمن عليه الدرك وإن عظم المعترك جوها صاف في مبشتى ومصطاف وتربها للبر مصاف وعصيرها بالكثرة ذو اتصاف إلا أن الماء بمعقلها مخزون وعتاد موزون وأهلها في الشدائد لا يجزون أيديهم بالبخل مغلولة وسيوف تشاجرهم مسلولة قلت فمدينة رندة قال أم جنات وحصون وشجرة ذات غصون وجناب خصيب وحمى مصون بلد زرع وضرع وأهل وفرع مخازنها بالبر مالية وأقواتها جديدة وبالية ونعمها بجوار الجبل متوالية وهو بلد أعيان وصدور وشموس وبدور ودور أي دور وماء واديها يتوصل إليه في حدور بحكم مقدور وفي أهلها فضاضة وغضاضة ما في الكلف بها غضاضة تلبس نساؤها الموق على الأملد المرموق ويسفرن عن الخد المعشوق وينعشن قلب المشوق بالطيب المنشوق إلا أن العدو طوى ذيل برودها

(2/291)


وغصب بنياتها وكيف السبيل إلى ردها وأضاق خارجها وخفض معارجها وأعلى طائرها ودارجها فلما بلغ هذا الحد قال هل اكتفيت فقد شرحت صدرك وشفيت وبما طلبت مني قد وفيت يا بني كأني بالصباح السافر وأدهم الظلام النافر قد أحفل أمام منتبه الوافر وترك من الهلال نعل الحافر ونفسي مطيتي وقد بلغت الليلة طيتي وأجزلت عطيتي فلنجم بالحمض ونلم بالغمض وأنا بعد نزيلك أن سرني جزيلك وعديلك أن ضحك إلى منديلك وسميرك إن رواني نميرك فبادرت البدرة والصرة فافتضفتها والعيبة فنفضتها والمعادن فأفضتها فقال بوركت من مراس وأنشد قول أبي نواس
ما من يد في الناس واحدة
كيد أبو العباس أولاها
نام الثقات على مضاجعهم
وسرى إلى نفسي فأحياها
ثم قال نم في أمان من خطوب الزمان وقم في ضمان من وقاية الرحمن فلعمري وما عمري علي بهين ولا الحلف لدي بمتعين لو كان الجود ثمرا لكنت لبابة أو عمرا لكنت شبابه أو منزلا لكنت بابه فما هو إلا أن كحلت جفني بميل الرقاد وقد سلس المقاد وقام فيم الخان إلى عادة الافتقاد وبادر سراجه الإيقاد ونظرت إلى مضجع الشيخ ليس فيه إلا أن يبر أطماره وروت حماره فخرجت لإيثاره مقتفيا لآثاره فكأن العلك لفه في مداره أو خسفت الأرض به وبداره وسرت وفي قلبي لبينة وذهاب أثره وعينه حرقة وقلت متأسيا لكل اجتماع من حبيبين فرقة

(2/292)


المجلس الثاني
قال المخبر فلما اندمل جرح الفراق بعد طول وزمان مطول ومحى رسم التذكر تكرر فصول ونصول خطاب وخطاب نصول بينا أنا ذات يوم في بعض أسواق الغبار أسرح طرف الاعتبار في أمم تنسل من كل حدب وتنتدب من كل منتدى ما بين مشتمل الصماء يلويها ولائث العمامة لا يسويها وصاعد من غور ومتظلم من جور وممسك بذنب عير أو رفق ثور يموجون ومن الأجداث يخرجون كأنهم النمل نشرها وقد برزت إلى الشمس من منظر الأمس يشيرون بأجنحة الأكسية ويتساقطون على ثمار القلب وأستار الأحسية وقد اصطف ذابحوا الجزور وبايعوا اللبوب والبذور ولصق بالأملياء حللة العقد وشهادة الزور ونظرت في ذلك المجتمع الهائل المرائي والمستمع إلى درسة غي وطهاة عي ورقاة جنون بضروب من القول وفنون وفهم كهل قد استظل بقيطون وسل سيف الأطون وتحدى برقية لديغ ومداواة سبطين قد اشتمل بسمل غباره وبين يديه عيار في جلد فاره وطعن من إطعام كفاره وأمامه تلميذ قد شمر الأكمام والتفت الخلف والأمام وصرف لوحي لحظه الاهتمام وهو يأسو ويجرح ويتحكم بلسان القوم ثم يشرح ويقيد من حضره بقيد العزيمة فلا يبرح ويقول أيها البهم السارح والحزب المسرور بما لديه الفارح والسرب الذي تقتاته الولاة البغي الجوارح ضرفتهم غروب اعتنايكم لنسائكم وأبنائكم وذهلتم عمن جعلتم بفنائكم وجعلتم تطمعون وتجمعون إنما يستجيب الذين يسمعون من وقعت علي منكم عينه فقد رأى فاتح أقفال الأسمار ومثبت الفرار ومصمت الإفك الصرار ومقدر مياه الآبار بسير الغبار ومخرج الأضمار في المضمار ومذهب المس وطارد

(2/293)


العمار أنا قاطع الدما إذا نزفت وكاشف الغما إذا انكشفت أما الإبل فلا تجري وأحط حول الحمى فلا تدنو السباع ولا تقرب وأذخر بها فلا تتسلل الحية ولا تدب العقرب وإن تغيب الشمس لوقت محدود طمس فيه نورها وإن وعدت الأرض برى محمود فار تنورها وإن كتبت لعقد النكاح انحلت وإن عقدت خطى الضالة وقفت حيث حلت وإن زجرت الجنون تركت وخلت وإن انتثرت الدفائن ألقت الأرض ما فيها وتخلت أنا جردت البيضة الشعراء أنا زوجت الفتى الشرقي من الجارية العذراء أنا صافحت الملك ورصدت الفلك ومزجت بسر الحكمة الضياء والحلك فاحتقرت وما ملك دعوت علم الطباع فأطاع وقطعت شكوك الهينة بالشكل اقتطاع وقلت بالقدر والاستطاع وسبقت في صناعة البرهان يوم الرهان ورضت صعاب الرياضيات حتى ذل قيادها وسهل انقيادها وعدلت الكواكب واختبرت القلوب البابانية والمناكب وبشرت عند رجوع خنسها بالغيوث السواكب ورهبت بالامتحان على صناعة الألحان وقرأت ما بعد الطبيعة وناظرت قسيس البيعة وأعملت في فن الأصول مرهفة النصول وأحكمت أمزجة الطباع وطبائع الفصول وامتزت بالبروع في الفروع وقمت في العهد الحديث بالحديث وحزت في علم اللسان درجة الإحسان وحققت قسمة الفروض وعدلت الشعر بميزان العروض وعبرت حلم النوم ولبست الخرقة بشروط القوم ولزمت خلوة الذكر ومعتكف الصوم وأما معرفتي بالأخبار وذرع الأرض بالأشبار ما بين جليقية إلى الأنبار وأوصاف المدن الكبار فقد ثبت بالاعتبار قال فأثار قديمي وأذكرنى بنديمي فقلت الله أكبر ووضح الخبر

(2/294)


والمخبر فخضت القدس بيني وبينه وهم بحر زاخر وأول ليس له آخر وبهم يسخر منه الساخر ما بين كبش مجتر وعجل ناخر وقلت أيها الحبر ضالتي قريب أمدها ومعروف معتمدها وعلى ذلك فالشكر ممنوح والرفد طوفان نوح فألان العريكة وسلم النطع والأريكة وقال إجل أعرض وانزل السؤال وأقرض فقلت بي إلى تعرف البلدان جنوح وجنون والجنون فنون وقد ظفرت قبلك بنقاب وعود احتقاب وبسارب نقاب حصل به من طلى الشكر وبك يتم السطر ويعظم الخطر فقال الناس متهم ومنجد وخاذل ومنجد ولا تجود يد بما تجد والله المرشد وجعل ينشد
إذا المشكلات تصدين لي
كشفت غوامضها بالنظر
ولست بائقة في الرجال
أسائل هذا وذا ما الخبر
ولكنني مدرب الأصفرين
أبين مع ما مضى ما غبر
ثم قال هات أمن عقدك الشبهات قلت ما تقول في باديس قال بدأت بحمدلة الرقعة وبركة البقعة ومدفن الولي ومظهر النور الجلى والنحر غير العاطل ولا الخلي من الحلى بلد السراوة والشجاعة والإيثار على فرض الجماعة والنفوس الأوابة إلى الله الرجاعة حيث البر والحوت والخشب الذي ينشأ منها كل منحوت والبأس والإقدام والفاكهة الطيبة والإدام ورب الجبال وفضل المدافعة لصب السبال إلا أنها موحشة الخارج وعرة المعارج مجاورة من غمارة بالمارد المارج فهم ذو دبيب في مدارج تلك الغرابيب وكيدهم ببركة الشيخ في تثبيت قلت فمدينة سبتة قال عروس تلك المجلى وتنية الصباح الأجلى تبرجت تبرج العقيلة ونظرت وجهها من البحر في المرآة الصقيلة واختص

(2/295)


ميزان حسناتها بالأعمال الثقيلة وإذا قامت بيض أسوارها مقام سوارها وكان جبل بنيونس شماتة أزهارها والمنارة منارة سوارها كيف لا ترغب النفوس في جوارها وتخيم الخواطر بين أنجادها وأغوارها إلى الميناء الغالية والمراقي الفلكية والمركبة الزكية غير المنزورة ولا البكية حيث الوقود الجزل المعد للأزل والقصور المقصورة على الجد والهزل والوجوه الزهر السحن المضنون بها عن المحن دار الناشية والحامية المضرمة للحرب المناشية والأسطول المرهوب المحذور الألهوب والسلاح المكتوب المحسوب والأمر المعروف المنسوب كرسي الأمراء والأشراف والوسيطة لخامس أقاليم البسيطة فلا حظ لها في الانحراف بصرت علوم اللسان وصنعاء الحلل الحسان وثمرة قوله أن الله يأمر بالعدل والإحسان الأمينة على الاختزان القويمة الميكيال والميزان محشر أنواع الحيتان ومحط قوافل العصير والحرير والكتان وكفاها السكنى ببنيونش في فصول الزمان ووجود المساكن النبيهة بأرخص الأثمان والمدفن الموهوم غير المزحوم وخزانة كتب العلوم والآثار المنبية عن أصالة الحلوم إلا أنها فاغرة أفواه الجنوب للغيث المصبوب عرضة للرياح ذات الهبوب عديمة الحرث فقيرة من الحبوب ثغر تنبو فيه المضاجع بالجنوب وناهيك من حسنة تعد من الذنوب فأحوال أهلها رقيقة وتكلفهم ظاهر مهما عرضت وليمة أو عقيقة واقتصادهم لا تلتبس منه طريقة وأنساب نفقاتهم في تقدير الأرزاق عريقة فهم يمحصون البلالة مص المحاجم بالشر الهاجم ويجعلون الخبز في الولائم بعدد الجماجم وفتنتهم في بلدهم فتنة الواجم بالبشر المناجم وراعى الحدث بالمطر الساجم فلا يفضلون على مدينتهم

(2/296)


مدينة الشك عندي في مكة والمدينة قلت فطنجة قال المدينة المعادية والبقعة التي ليست بالخبيثة ولا بالردية إليها بالأندلس كانت نسبة المغاربة والكتاب المحاربة والرفق السابحة في الأرض الضاربة سورها ليس بمثلوم وساكنها غير ملوم وفضلها معلوم ودارها ليست بدار لوم ميدان أفراس كبير ومعدن ضد وذكير مثلت بين المنار والقالة وحكماها في التفضيل فأشكل الحكم وتعذرت المقالة ولم يصح البيع ولا وجبت الإقالة هذي سماء بروج وهذي أزهار مروج وكلاهما مركب سرور وسروج ومسمع فروج ومطعم غدير ومروج وديارها نبيهة وعلى الجملة فأحوالها بأحوال جارتها شبيهة لكن رملها يحشو العين بالذرور عند المرور ويدخل الدور ويفسد القدور ورياحها لا تسكن إلا في الندور وظلمة جوها متسببة عما وراها من مغرب الشموس والبدور وعين فرقان أعذب عيونها مشهور بتواليد الهرج قرآن عند الناس غير ذي عوج ويذكر أن سليمان اختصها بسخر مودة الجن فيعثر على أواني ملئت ريحا تثير تبريحا ويسندون لذلك إفكا صحيحا قلت فقصر كتامة فقال مغرد عندليب وعنصر بر وحليب ومرعى سائمة غائبة ومسرح بهيمة في الجحيم هائمة ومسقط مزنة عائمة وديمة دائمة وبه التفاح النفاح ترتاح إلى شمه الأرواح يقذف إليها المسا والصباح ويتفنن فيه الحرام والمباح والسمك كما جردت الصفاح إذا استنجز الكفاح وطريقه مسلك القافلة وببابه الشئون الحافلة ينسل إليها من غمارة قرود وفهود وأمة صالح وهود ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود إلا أنه قدر قد تهدم ودار الندوة لام ملدم ومثير الهائج الموار وثائر الدم

(2/297)


جثم الهوا الخبيث في بطيحته وربض وانبسط وما انقبض وجبر ليله عسكر البعوض الهاجم دربة بمص المحاجم وأما وحله فلا يعبر ولا يسبر وإن أسهبت العبارة والأمر أكبر قلت فأصيلا قال كثيرة المرافق رافعة في الخصب اللواء الخافق العصير الأثير والحوت الكثير والبر الغزير والإدام الذي يرمي به من حكم عليه بالتعزير والسفن المترددة وفيها الملد الأبازير إلا أن حصنها من المنعة برى وساكنها بربرى وجارها من غمارة جرى قلت فمدينة سلا قال العقيلة المفضلة والبطيحة المخضلة والقاعدة الموصلة والسدرة المفصلة ذات الوسامة والنضارة والجامعة بين البداوة والحضارة معدن القطن والكنان والمدرسة والمارستان و الزاوية كأنها البستان والوادي المتعدد الأجفان والقطر الآمن الرجفان والعصير العظيم الشأن والأسواق المحازة حتى برقيق الحيتان اكتنفها المسرح والخصب الذي لا يبرح والبحر الذي يأسو ويجرح وشقها الوادي يتمم محاسنها ويشرح وقابلها الرباط الذي ظهر به من المنصور الاغتباط حيث القصبة والساباط ووقع منه بنظرة الاعتباط فاتسع الخرق وعظم الاشتطاط وبعد الكمال يكون الانحطاط إلى شامة مرعى الذمم ونتيجة الهمم وشمخ الأنوف ذوات الشمم وعنوان الذمم حيث الحسنات المكتتبة والأرزاق المرتبة والقباب كالأزهار مجودة بذكر الله آناء الليل وأطراف النهار وطلل حسان المثل في الاشتهار وهي على الجملة من غيرها أوفق ومغارمها لاحترام الملوك الكرام أرفق
ومقبرتها المنضدة عجب في الانتظام معدودة في المرافق العظام وتتأتى بها للعباد الخلوة ويوجد عندها للهموم الشلوة كما قال ابن الخطيب
وصلت حثيث السير فيمن فلا الفلى
فلا خاطرت لما نأى وانجلى انجلا
ولا نسخت كربي بقلبي سلوة
فلما سرى فيها نسيم سلا سلى

(2/298)


وكفى بالشابل رزقا طريا وسمكا بالتفضيل حريا يبرز عدد قطر الديم ويباع ببخس القيم ويعم حتى المجاشر النائية والديم إلا أن ماءها لا يروى به وارد لا كريم ولا بارد وإلفها شارد والخزين بها فاسد وبعوضها مستأسد راضع غير مفطوم خالع للعذار غير محطوم واسع للحد والخرطوم تصغى لرنته الأذان ويفتك بوخز اللسان كالقوس تصمى الرمايا وهي مرنان وديارها في الماء دار عثمان وطواحنها عالية الأثمان وكثبانها تلوث بيض الثياب طي العياب وعابر واديها إلى مأرب أكيد في تنكيد إلى غلبة الإمساك وخوض النساك وكثرة أرباب الخطط والإغيا في الشطط تذود عن جناتها للأسد جنان فلا يلتذ بقطف العنقود منها بنان وفي أهلها خفة وميزانها لا تعتدل منها كفة قلت فانقا قال جون الحط والاقلاع ومجلب السلاع تهوى إليها النفس شارعة وتبتدر مسارعة تصارف برها الذهبي بالذهب الإبريز وتراوح برها وتفاديه بالتبريز
يكثر الطير حيث ينتشر
الحب وتغشى منازل الكرماء
وخارجها يفضل كل خارج وقنيصها يجمع بين طائر ودارج وفواكهها طيبة وأمطارها صيبة وكيلها وافر وسعرها عن وجه الرخاء سافر وميرتها لا ينقطع لها خف ولا حافر لكن ماؤها وهواؤها عديما الصحة والعرب عليها في الفتن ملحة والأمراض عليها تعيث وتعبث والخزين لا يلبث

(2/299)


قلت فأزمور قال جار واد وريف وعروس ربيع وخريف وذو وضع شريف أطلت على واديه المنارة والمراقب كأنهما النجوم الثواقب وجلت عن خصبه المناقب وقمين المرافق نهره المجاور وبحره المصاقب بلد يخزن الأقوات ويملأ اللهوات باطنه الخير وأمامه اللحم والطير وساكنه رفيه ولباسه يتخذ فيه ومسكنه نبيه وصوته الشابل ليس له شبيه لكن أهله إنما حرثهم وحصادهم اقتصادهم فلا يعرفون إرضاخا ولا وردا نضاحا يترامون على حبة الخردل بالجندل ويتضاربون بالسيوف على الأثمان والزيوف بربري لسانهم كثير حسانهم قليل إحسانهم يكثر بينهم بالعرض الافتخار ويعدم ببلدهم الماء والملح والفخار قلت فتيط قال معدن تقصير وبلد بين مجرى وماء وعصير للأولياء به اغتباط ومسجدها يضيق عنه المداين منارا عاليا وبقلادة الأحكام حاليا إلا أن خارجها يروق عين المقيم والمسافر ولا يشوق بحسن مسافر ومؤمنة تشقى بصداع كافر وحماه عدو كل خف وحافر فلولا ساكنها لم يلبس يوم فخر ولم ينبت أي صخر قلت فرباط آسفي قال لطف خفي وجناب حفي ووعد وفي ودين ظاهره مالكي وباطنه حنفي الدماثة والجمال والصبر والاحتمال والزهد والمال والجمال والسذاجة والجلال قليلة الإخوان صابرة على الاختزان وافية المكيال والميزان رافعة اللواء بصحة الهواء بلد موصوف برفيع ثياب الصوف وبه تربة الشيخ أبي محمد صالح وهو خاتمة المراحل المسورات من ذلك الساحل لكن ماؤه قليل وعزيره لغاديه من يواليه من الأعراب ذليل قلت فمدينة مراكش قال فتنفس الصعدا وأسمع البعدا وقال درج

(2/300)


الحلى وبرج النور الجلي وتربة الولي وحضرة الملك الأولى وصرح الناصر الولي ذات المقاصر والقصور وغابة الأسد الهصور وسدة الناصر والمنصور بعدت من المركز دارتها وسحرت العيون شارتها وتعبد الإيماءة إشارتها وخاضت البحر الخضم بدارتها وبشارتها اقتعدت البسيط المديد واستظهرت بتشييد الأسوار وأبراج الحديد وبكى الجبل من خشيتها بعيون العيون فسالت المذانب كصفاح القيول وقيدت طرف الناظر المفتون أدواح الشجر بها وغابات الزيتون ما شئت من انفساح السكك وامتداد الباع في ميدان الانطباع وتجويد فنون المجون بالمد والإشباع زيتها للمزمن يعصر وخيرها يمد ولا يقصر وفواكهها لا تحصر فإذا تنافس الحر والبرد وتبسم الزهر وخجل الورد وكسا غدرانها الحائرة الخلق السرد قلت انجز للمتقين من الجنة الوعد وساعد السعد وما قلت إلا بالذي عملت سعد ومنارها العلم في الفلاة ومنزلته في المآذن منزلة والى الولاة إلا أن هواها محكم في الجباه والجنوب يحمى عليها بكر الجنوب وحمياتها كلفة بالجسوم طالبة ديونها بالرسوم وعقاربها كثيرة الدبيب منغصة مضاجع الحبيب وحزابها موحش هائل وبعد الأخطار عن كثير من الأوطار بها مائل وعدوها ينتهب في الفتق أقرانها وجرذان المقابر تأكل أمواتها وكانت أولى المنازل بالأعياد لو أنها اليوم معدودة في الأحياء قلت فأغمات قال بلدة لحسنها اشتهار وجنة تجري من تحتها الأنهار وشمامة تتضوع منها الأزهار متعددة البساتين طامية بحار الزياتين كثيرة الفواكه والعنب والتين خارجها فسيح المذانب فيه تميح وهواؤها صحيح وقبولها بالغريب شحيح وماؤها نمير وما وردها ممد للبلاد وممير إلا أن أهلها

(2/301)


يوصفون بنوك وذهول بين شبان كهول وخرابها يهول وعدوها تضيق لكثرته السهول فأموالها لعدم المنعة في غير ضمان ونفوسها لا تعرف طعم أمان قلت فمدينة مكناسة قال مدينة أصلية وشعب للمحاسن وفصيلة فضلها الله ورعاها وأخرج منها ماءها ومرعاها فجانبها مريع وخيرها سريع ووضعها له في فقه الفضائل تفريع عدل فيها الزمان وانسدل الأمان وفاقت الفواكه فواكهها ولا سيما الرمان وحفظ أقواتها الاختزان ولطفت فيها الأواني والكيزان واعتدل الجسوم للوزان ودنا من الحضرة جوارها وكثر قصادها من الوزراء وزوارها وبها المدارس والفقهاء ولقصبتها الأبهة والبهاء والمقاصر والأبهاء إلا أن طينها ضحضاح لذي الطرف فيه افتضاح وأزقتها لا يفارقها القذر وأسواقها يكثر بها الهذر وعقاربها لا تبقي ولا تذر ومقبرتها لا يحتج عن إهمالها ولا يعتذر قلت فمدينة فاس قال رعى الله أرضا تربها ينبت الفنا وآفاقها ظل على الناس ممدود نعم العرين لأسود بني مرين ودار العبادة التي يشهد بها مطرح الجنة ومسجد الصابرين وأم القرى ومأم السرى وموقد نار الدعا ونارء القرا ومقر العز الذي لا يهضم وكرسي الخلافة الأعظم والجزية التي شقها ثعبان الوادي فما ارتاعت والأبية التي ما أذعنت إذعانها للإيالة المرينية ولا أطاعت أي كاف وكلف وخلف عن سلف ومحاباة وزلف وقضيم وعلف إنما الدنيا أبو دلف سألت عن العالم الثاني ومحراب السبع المثاني ومغني المغاني ويرقص النادب والغاني وأرمم المباني ومصلى القاصي والداني هي الحشر الأول والقطب الذي عليه المعول والكتاب الذي لا يتأول بل المدارك والمدارس والمشايخ والفهارس وديوان الراجل والفارس والباب الجامع من موطإ المرافق

(2/302)


وبدأ الملك الخافق وتنور الماء الدافق ومحشر المؤمن والمنافق وسوق الكاسد والنافق حيث البنا الذي نظر إليها عطارد واستجفاها وخاف عليها الوجود أن يصيبها بعينه الحسود فسترها بالغور وأخفاها والأسواق التي ثمرات كل شيء إليها قد حبيت والموارد التي اختصت بالخصر وجبلت والمنارة المخطوبة وصفح الحلج المشطوبة والغدر التي منها أبو طوبة
بلد أعارته الحمامة طوقها
وكسا ريش جناحه الطاووس
فكأنما الأنهار فيه مدامة
وكأن ساحات الديار كؤوس
اجتمع بها ما أولده سام وحام وعظم الالتآم والالتحام فلا يعدم في مساكنها رخام فأحجارها طاحنة ومخابزها ساخنة وألسنتها باللغات المختلفة لاحنة ومكاتبها سابحة ورحابها متمالحة وأوقافها جارية الهمم فيها إلى الحسنات واضدادها متبارية بلد نكاح وأكل وضرب وركل وامتياز من النسا بحسن زي وشكل ينتبه بها للباءة وتسل الجباه وتوجد للأزواج الأشباه وفور النشب وكثرة الخشب ووجود الرفيق وطيب الدقيق وإمكان الإدام وتعدد الخدام وعمران المساجد والجوامع وإدامة ذكر الله في المآذن والصوامع وأما مدينة الملك فبيضاء كالصباح أفق للغرر الصباح يحتقر لإيوانها إبوان كسرى وترجع العين حسرى ومقاعد الحرس وملاعب الليث المفترس ومنابت الروح المفترس ومدشر من درس أو درس ومجالس الحكم للفصل وسقايف الترس والنصل وأهداف الناشبة أولى الخصل وأواوين الكتاب وخزاين محمولات الإقتاب وكراسي الحجاب وعنصر الأمر العجاب إلى
الناعورة التي ملكت من الفلك الدوار مثالا وأوحى الماء إلى كل سماء منها أمرها فأجزت امتثالا ومحبة البرود سلسالا وألفت أكوارها الترفة والترف فإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى
وقورا من قوس الغمام ابتغوا لها
مثالا أداروها عليه بلا شك
قس الثريا والترا سد جرمها
وللباك الدوار قد أصبحت تحك
تصوغ لجين النهر في الروض دائما
وزاهم نور قد خلص من الشك
وترسل شهباتها ذا ذؤابة
تبتغي استراق السمع عن حوزة الملك

(2/303)


تذكرت العهد الذي اخترعت به
وحنت فما تنفك ساجعة تبك
إلا أن حر هذه الميدنة يذيب وساكنها ذيب ومسالكها وعرة وظهايرها مستعرة وطينها هايل ورخامها حرب وابل إن نشد الجفا ناشد فهي ضالته المنشودة أو حشد إضافة حاشد فهي كتيبته المحشودة إلى بعد الأقطار وعياث الميازب أوقات الأمطار والاشتراك في المساكن والديار عن الموافقة والاختيار وتجهم الوجوه للغريب ذي الطرف المريب وغفلة الأملس عن الجريب ودبيب العقارب إرسالا كالقطار الغارب وأهلها يرون لأنفسهم مزية الفضل ويدينون في مكافأة الصنائع البالغة بالعضل يلقى الرجل أبا منواه فلا يدعوه لبيته ولا يسمح له ببقله ولا زيته فلا يطرق الطيف حماهم ولا يعرف اسمهم ولا مسامهم إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم ومقبرتهم غير نابهة وأجداثها غير متشابهة منشبة حيوان ومشبعة جرذان غير وان ثم قال في أمر سلوين قال واد عجيب وبلد لداعي الإيناع مجيب مخضر الوهاد والمتون كثير شجرات الجوز والزيتون كنفته الجبال الشم وحنث عليه الطود كما تحنو على الولد الأم فهواؤها ملائم والعنب على الفصول دائم

(2/304)


إلا أن الشمس لا تطرقه سمال ولا ترمقه إلا وقت زوال قد باء بالحظ الموكوس وانكمش تحت إبط الظل المنكوس فجوه عديم الطلاوة وعنبه للبرد قليل الحلاوة قلت فسجلماسة فقال تلك كورة وقاعدة مذكورة ومدينة محمودة مشكورة كانت ذات تقديم ودار ملك قديم وبلد تبر وأديم ومنتهى تجر ومكسب عديم معدن التمر بحكمة صاحب الخلق والأمر تتعدد أنواعه فتعيي الحساب وتجم بها فوائدها فتحسب الاقتناء والاكتساب قد استدار بها لحلو السور والأمر العجاب والقطر الذي تحار في ساحته النجاب فيضرب منه على عذاريها الحجاب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب تحيط بها مرحلة راكب ويصيرها سماء مخطرة ذات كواكب فمنازلها لا تنال بهوان وفدانها ودمنها تحت صوان ونخلها تطل من خلفه الجدار وتتبوأ الإيمان والديار وحللها مبتوتة بين الدمن وضياعها تمتلك على مر الزمن وسوائمها تالعة للسمن موجودة بنزر الثمن وفواكهها جميمة ونعمها عميمة وسورها يعجز عن مثله معتصم ورشيد وسقيها يخص دار الملك بحظ معلوم ويرجع إلى وال يكف كل مظلوم وهي أم البلاد المجاورة لحدود السودان فتقصدها بالتبر القوافل وتهدي إلى محرابها النوافل والرفاهة بها فاشية والنساء في الحلة ناشية لكنها معركة غبار وقتيل عقربها جبار ولباسها خامل والجفا بها شامل والجو يسفر عن الوجه القطوب والمطر معدود من الخطوب لبناء جدرانها بالطوب والقرع برؤوس أهلها عابث والعمش لجفونهم لابث والحصا يصيبهم ويتوفر منه نصيبهم

(2/305)


قلت فتازى فقال بلد امتناع وكشف قناع ومحل ربع وإيناع ووطن طاب ماؤه وصح هواؤه وبان إشرافه واعتلاؤه وجلت فيه مواهب الله وآلاؤه عصيره مثل وأمر الخصب به ممتثل وفواكهه لا تحصى بمائها لأقصى وحبوبه تدوم على الخزن وفخاره آية في لطافة الجرم وخفة الوزن إلا أن ريحه عاصف وبرده لا يصف واصف وأهله في وبال من معرة أهل الجبال وليوثه مفترسة وأخلاق أهله شرسة قلت فغساسة قال فريسة وأكيلة وحشف وشر كيلة إلا أنها مرسى مطروق بكل ما يروق ومرفأ جارية بحرية ومحط جباية تجرية ثم لما وصل إلى هذا الحد نظر إلى حاج السوق وقد أفاض ومزاده أعمل فيه الإنفاض وعلو الأصوات به قد صار إلى الانخفاض فقال وجب اعتناء بالرحيل واهتمام وكل شيء فإلى تمام ومددت يدي إلى الدعاء فحزمته وإلى العين فأرقته فقلت لا حكمتك من كرائم بني الأصقر في العدد الأوفر ماثلة في اللباس المزعفر فلما خضب كفه بجنابها وحصلت النفس على استغنائها استدناني وشبك بنانه ببناني وقال لا حبط الله عملك ولا خاب أملك ولا عدم المرعى الخصب هملك فلنعم فعلي البضائع وحافظ الفضل الضائع ومقتنى الفوائد ومعود العوائد واستثبت مخيلته فإذا الشيخ وتلميذه وحماره ونبيذه وقد تنكر بالخضاب المموه والزي المنوه وعاث نخده الشعر المشوه فقلت هيه أبت المعارف أن تتنكر والصباح أن يجحد أو ينكر كيف الحال بعدي وما اعتذارك عن إخلاف وعدي فقال
خذ من زمانك ما تيسر
واترك بجهدك ما تعسر
فلرب مجمل حالة
موصى بها ما لم تفسر
والدهر ليس بدائم
لابد أن سيسوء أن سر
واكتم حديثك جاهدا
شمت المحدث أو تحسر
والناس آنية الزجاج
إذا عثرت به تكسر
لا تعدم التقوى فمن عدم
التقى في الناس أعسر
وإذا امرء خسر الإله
فليس شيء منه أخسر
ثم ضرب جنب الحمار واختلط في الغمار وتركني اتقرى الآثار وكل نظم فإلى انتثار

ومن ذلك ما صدر عني في السياسة وكان إملاؤها في ليلة واحدة

(2/306)


حدث من امتاز باعتبار الأخبار وحاز درجة الاشتهار بنقل حوادث الليل والنهار وولج بين الكمائم والأزهار وتلطف لخجل الورد من تبسم البهار
قال سهر الرشيد ليلة وقد مال في هجر النبيذ ميلة وجهد ندماؤه في جلب راحته وإلمام النوم بساحته فشحت عهادهم ولم يغن اجتهادهم فقال اذهبوا إلى طرق سماها ورسمها وأمهات قسمها فمن عثرتم عليه من طارق ليل أو غثاء سيل أو ساحب ذيل فبلغوه والأمنة سوغوه واستدعوه ولا تدعوه فطاروا عجالا وتفرقوا ركبانا ورجالا فلم يكن إلا ارتداد طرف أو فواق حرف وأتوا بالغنيمة التي اكتسحوها والبضاعة التي ربحوها يتوسطهم الأشعث الأغبر واللج الذي لا يعير شيخ طويل القامة ظاهر الاستقامة سبلته مشمطة وعلى أنفه من القبح مطة وعليه ثوب مرقوع لطير الخرق عليه وقوع يهينم بذكر مسموع وينبي عن وقت مجموع فلما مثل سلم وما نبس بعدها ولا تكلم فأشار إليه فقعد بعد أن انشمر وابتعد وجلس فما استرق النظر ولا اختلس إنما حركة فكره معقودة بزمام ذكره ولحظات اعتباره في تفاصيل أخباره فابتدره الرشيد سائلا وانحرف إليه مائلا وقال ممن الرجل فقال فارسي الأصل أعجمي الجنس عربي الفصل قال بلدك وأهلك وولدك قال أما الولد فولد الديوان وأما البلد فمدينة الإيوان قال النحلة وما أعملت إليه الرحلة قال أما الرحلة فالاعتبار وأما النحلة فالأمور الكبار قال فنك الذي اشتمل علية دنك فقال الحكمة فني الذي جعلته أثيرا وأضجعت منه فراشا وثيرا وسبحان الذي يقول ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما سوى ذلك فتبيع ولي فيه مصطاف وتربيع قال فتعاضد جذل الرشيد وتوفر وكأنما غشى وجهه قطعة

(2/307)


من الصبح إذا أسفر وقال ما رأيت كالليلة أجمع لأمل شارد وأنعم بمؤانسة وارد يا هذا إني سائلك ولن تخيب بعد وسائلك فأخبرني بما عندك في هذا الأمر الذي بلينا بحمل أعبائه ومنينا بمراوضة آبائه فقال هذا الأمر قلادة ثقيلة ومن خطة العجز مستقيلة ومفتقرة لسعة الذرع وربط السياسة المدنية بالشرع يفسدها الحلم في غير محله ويكون ذريعة إلى حله ويصلحها مقابلة الشكل بشكله
ومن لم يكن سبعا آكلا
تداعت سباع إلى أكله
فقال الملك أجملت ففصل وبريت فنصل وكلت فأوصل وانثر الحب لمن يحوصل واقسم السياسة فنونا واجعل لكل لقب قانونا وابدأ بالرعية وشروطها المرعية فقال رعيتك ودائع الله قبلك ومرآة العدل الذي عليه جبلك ولا تصل إلى ضبطهم إلا بإعانته التي وهب لك وأفضل ما استدعيت به عونك فيهم وكفايته التي تكفيهم تقويم نفسك عند قصد تقويمهم ورضاك بالسهر لتنويمهم وحراسة كهلهم ورضيعهم والترفع عن تضيعهم وأخذ كل طبقة بما عليها ومالها أخذا يحوط مالها ويحفظ عليها كمالها وبقصر عن غير الواجب آمالها حتى تستشعر عليها رأفتك وحنانك وتعرف أوساطها في النصب امتنانك وتحذر سفلتها سنانك وحظر على كل طبقة منها أن تتعدى طورها أو تخالف دورها أو تجاوز بأمر طاعتك فورها وسد فيها سبل الذريعة واقصر جميعها على خدمة الملك بموجب الشريعة

(2/308)


وامنع أغنياءها من البطر والبطالة والنظر في شبهات الدين بالتمشدق والإطالة وليقل فيما شجر بين السلف كلامها وترفض ما ينبز به أعلامها فإن ذلك يسقط الحقوق ويرتب العقوق وامنعهم من فحش الحرص والشره وتعاهدهم بالمواعظ التي تجلوا البصائر من الموه واحملهم من الاجتهاد في العمارة على أحسن المذاهب وانههم عن التحاسد على المواهب ورضهم على الإنفاق بقدر الحال والتعزى عن الفائت فرده من المحال وحذر البخل على أهل اليسار والسخاء على أولى الإعسار وخذهم من الشريعة بالواضح الظاهر وامنعهم من تأويلها منع القاهر ولا تطلق لهم التجمع على من أنكروا أمره في نواديهم وكف عنهم أكف تعديهم ولا تبح لهم تغيير ما كرهوه بأيديهم ولتكن غايتهم فيما توجهت إليه إبايتهم ونكصت عن الموافقة عليه رايتهم انهاؤه إلى من وكلته بمصالحهم من ثقاتك المحافظين على أوقاتك وقدم منهم من أمنت عليهم مكره وحمدت على الإنصاف شكره ومن كثر حياؤه مع التأنيب وقابل الهفوة باستقالة المنيب ومن لا يتخطى عندك محله الذي حله فربما عمد إلى المبرم فحله وحسن النية لهم بجهد الاستطاعة واغتفر المكاره في جنب حسن الطاعة وإن ثار جرادهم واختلف في طاعتك مرادهم فتحصن لثورتهم واثبت لفورتهم فإذا سألوا وسلوا وتفرقوا وانسلوا فاحتقر كثرتهم ولا تقل عثرتهم واجعلهم لما بين أيديهم وما خلفهم نكالا ولا تترك لهم على حلمك اتكالا

(2/309)


ثم قال و الوزير الصالح أفضل عددك وأوصل مددك فهو الذي يصونك عن الابتذال ومباشرة الأنذال ويثب لك على الفرصة وينوب في تجرع الغصة واستجلاء القصة ويستحضر ما نسيته من أمورك ويغلب فيه الرأي بموافقة مأمورك ولا يسعه ما تمكنك المسامحة فيه حتى يستوفيه واحذر مصادمة تياره والتجوز في اختياره وقدم استخارة الله في إيثاره وارسل عيون الملاحظة في آثاره وليكن معروف الإخلاص لدولتك معقود الرضاء والغضب برضاك وصولتك زاهدا عما في يديك مؤثرا كل ما يزلف لديك بعيد الهمة راعيا للأذمة كامل الآلة محيطا بالإيالة رحب الصدر رفيع القدر معروف البيت نبيه الحي والميت مؤثرا للعدل والإصلاح دربا بحمل السلاح ذا خبرة بدخل المملكة وخرجها وظهرها وسرجها صحيح العقد متحرزا من النقد جادا عند لهوك متيقظا في حال سهوك يلين عند غضبك ويصل الإسهاب بمقتضبك قلقا من شكره دونك وحمده ناسبا لك الأصالة بعمده وإن أعيا عليك وجود أكثر هذه الخلال وسبق إلى نقيضها شيء من الاختلال فاطلب منه سكون النفس وهدوئها وأن لا يرى منك رتبة إلا رأى قدره دونها وتقوى الله تفضل شرف الانتساب وهي للفضائل فذلكة الحساب وساو في حفظ غيبه بين قربه ونأيه واجعل حظه من نعمتك موازيا لحظك من حسن رأيه واجتنب منهم من يرى في نفسه إلى الملك سبيلا أو يقود من عيصه للاستظهار عليك قبيلا أو من كاثر مالك ماله أو من تقدم لعدوك استعماله أو من سمت لسواك آماله أو من يعظم عليه إعراض

(2/310)


وجهك ويهمه نادرة نهجك أو من يداخل غير أحبابك أو من ينافس أحدا ببابك ( وأما الجند ) فاصرف التقويم منهم للمقاتلة والمكايدة المخاتلة واستوف عليهم شرائط الخدمة و خذهم بالثبات للصدمة ووف ما أوجبت لهم من الجراية والنعمة وتعاهدهم عند الغناء بالعلف والطعمة ولا تكرم منهم إلا من أكرمه غناؤه وطاب في الذب عن ملتك ثناؤه ودل عليهم النبهاء من خيارهم واجتهد في صرفهم عن الافتنان بأهلهم وديارهم ولا توطئهم الدعة مهادا وقدمهم على حفظك وبعوثك متى أردت جهادا ولا تلن لهم في الإغماض عن حسن طاعتك قيادا وعودهم حسن المواساة بأنفسهم اعتيادا ولا تسمح لأحد منهم في إغفال شيء من سلاح استظهاره أو عدة اشتهاره وليكن ما فضل عن شبعهم وريهم مصروفا إلى سلاحهم وزيهم والتزيد في مراكبهم و غلمانهم من غير اعتبار لأثمانهم وامنعهم من المستغلات والمتاجر وما يتكسب منه غير المشاجر وليكن من الغزو اكتسابهم و على المغانم حسابهم كالجوارح التي تفسد باعتيادها أن تطعم من غير اصطيادها واعلم أنها لا تبذل نفوسها من عالم الإنسان إلا لمن يملك قلوبها بالإحسان وفضل اللسان ويملك حركاتها بالتقويم ورتبها بالميزان القويم ومن تثق بإشفاقها على أولادها وتشتري رضا الله

(2/311)


بصبرها على طاعته وجلادها فإذا استشعرت لها هذه الخلال تقدمتك إلى مواقف التلف مطيعة دواعي الكلف واثقة منك بحسن الخلف واستبق إلى تمييزهم استباقا وطبقهم طباقا أعلاها من تأملت منه في المحاربة عنك إحظارا وأبعدهم في مرضاتك مطارا واضبطهم لما تحت يدك من رجالك حزما ووقارا واستهانة بالعظايم واحتقارا وأحسنهم لمن تقلده أمرك من الرعية جوارا إذا أجدت اختيارا وأشدهم على مماطلة من مارسه من الخوارج عليك اصطبارا ومن بلى في الذب عنك إحلاء وإمرارا ولحقه الضر في معارك الدفاع عنك مرارا وبعده من كانت محبته لك أكثر من نجدته وموقع رأيه أصدق من موقع صعدته وبعده من حسن انقياده لأمرائك وإحماده لآرائك ومن جعل نفسه من الأمر حيث جعلته وكان صبره على ما عراه أكثر من اعتداده بما فعله واحذر منهم من كان عند نفسه أكبر من موقعه في الانتفاع ولم يستح من التزيد بأضعاف ما بذله من الدفاع وشكى البخس فيما تعذر عليه من فوائدك وقاس بين عوائد عدوك وعوائدك وتوعد بانتقاله عنك وارتحاله وأظهر الكراهية لحاله ( وأما العمال ) فانهم يبينون عن مذهبك وحالهم في الغالب شديدة الشبه بك فعرفهم في أمانتك السعادة وألزمهم في رعيتك العادة وأنزلهم من كرامتك بحسب منازلهم في والإتصاف بالعدل وأحله من الحفاية

(2/312)


بنسبة مراتبهم من الأمانة والكفاية وقفهم عند تقليد الأرجاء مواقف الخوف والرجاء وقرر في نفوسهم أن أعظم ما به إليك تقربوا وفيه تدربوا وفي سبيله أعجموا و أعربوا إقامة حق و دحض باطل حتى لا يشكو غريم مطل ماطل وهو آثر لديك من كل رباب هاطل وكفهم من الرزق الموافق عن التصدي لدني المرافق واصطنع منهم من تيسرت كلفته وقويت للرعايا ألفته ومن زاد على تأميله صبره وأربى على خبره خبره وكانت رغبته في حسن الذكر تشف على غيرها من بنات الفكر واجتنب منهم من غلب عليه التخرق في الإنفاق وعدم الإشفاق والتنافس في الاكتساب وسهل عليه سوء الحساب وكانت ذريعته المصانعة بالنفاية دون التقصي والكفاية ومن كان منشؤه خاملا ولأعباء الدناءة حاملا وابغ من يكون الاعتذار في أعماله أوضح من الاعتذار في أقواله ولا يفتننك من قلدته اجتلاب الحظ المطمع والتنفق بالسعي المسمع ومخالفة السنن المرعية واتباعه رضاك بسخط الرعية فانه قد غشك من حيث بلك ورشك وجعل من يمينك في شمالك حاضر مالك ولا تضمن عاملا مال عمله وحل بينه فيه وبين أمله فانك تميت رسومك بمحياه وتخرجه من خدمتك فيه إلا أن تملكه إياه ولا تجمع له في الأعمال فيسقط استظهارك ببلد على بلد والاحتجاج على والد بولد واحرص على أن تكون في الولاية غريبا ومتنقله منك قريبا ورهينة لا يزال معها مريبا

(2/313)


ولا تقبل مصالحته على شيء اختانه واو برغيبة فتانه فتتقبل المصانعة في أمانتك وتكون مشاركا في خيانتك ولا تطل مدة العمل وتعاهد كشف الأمور ممن يرعى الهمل ويبلغ الأمل ( وأما الولد ) فاحسن آدابهم واجعل الخير دأبهم وخف عليهم من إشفاقك وحنانك أكثر من غلظة جنانك واكتم عنهم ميلك وأفض عليهم جودك ونيلك ولا تستغرق بالكلف بهم يومك ولا ليلك وأثبهم على حسن الجواب وسبق إليهم خوف الجزاء على رجاء الثواب وعلمهم الصبر على الضرائر والمهلة عند استخفاف الجرائر وخذ لهم بحسن السرائر وحبب إليهم مراس الأمور الصعبة المراس وحصن الاصطناع والاغتراس والاستكثار من أولى المراتب والعلوم والسياسات والحلوم والمقام المعلوم وكره إليهم مجالسة الملهين ومصاحبة الساهين وجاهد أهواءهم عن عقولهم واحذر الكذب على مقولهم ورشحهم إذا أنست منهم رشدا أو هديا وأرضعهم من المؤازرة والمشاورة ثديا لتمرنهم على الاعتياد وتحملهم على الازدياد ورضهم رياضة الجياد واحذر عليهم الشهوات فهي داؤهم وأعدؤك في الحقيقة وأعداؤهم وتدارك الخلق الذميمة كلما نجمت واقذعها إذا هجمت
قبل أن يظهر تضعيفها ويقوي ضعيفها فان أعجزتك قي صغرهم الحيل عظم الميل
إن الغصون إذا قومتها اعتدلت
ولن تلين إذا قومتها الخشب

(2/314)


وإذا قدروا على التدبير وتشوفوا للمحل الكبير فلا توطنهم في مكانك جهد إمكانك وفرقهم في بلدانك تفريق عبدانك واستعملهم في بعوث جهادك والنيابة عنك في سبيل اجتهادك فان حضرتك تشغلهم بالتحاسد والتباري والتفاسد وانظر إليهم بأعين الثقات فان عين الثقة تبصر مالا تبصر عين المحبة والمقة ( وأما الخدم ) فإنهم بمنزلة الجوارح التي تفرق بها وتجمع وتبصر وتسمع فرضهم بالصدق والأمانة وصنهم صون الجفانة وخذهم بحسن الانقياد إلى ما آثرته والتقليل مما استكثرته واحذر منهم من قويت شهواته وضاقت عن هواه لهواته فان الشهوات تنازعك في استرقاقه وتشاركك في استحقاقه وخيرهم من ستر ذلك عليك بلطف الحيلة وآداب للفساد مخيلة وأشرب قلوبهم أن الحق في كل ما حاولته واستنزلته وأن الباطل في كل ما جانبته واعتزلته وأن من تصفح منهم أمورك فقد أذنب وباين الأدب وتجنب وأعط من أكددته وأضقت منهم ملكه وشددته روحة يشتغل فيها

(2/315)


بما يغنيه على حسب صعوبة ما يعانيه تغبطهم فيها بمسارحهم وتجم كليلة جوارحهم ولتكن عطاياك فيهم بالمقدار الذي لا يبطر أعلامهم ولا يؤسف الأصاغر فيفسد أحلامهم ولا ترم محسنهم بالغاية من إحسانك واترك لمزيدهم فضلة من رفدك ولسانك وحذر عليهم مخالفتك ولو في صلاحك بحد سلاحك وامنعهم من التواثب والتشاجر ولا تحمد لهم شيم التقاطع والتهاجر واستخلص منهم لسرك من قلت في الإفشاء ذنوبه وكان أصبرهم على ما ينوبه ولودائعك من كانت رغبته في وظيفة لسانك أكثر من رغبته في إحسانك وضبطه لما تقلده من وديعتك أحب إليه من حسن صنيعك وللسفارة عنك من حلا الصدق في فمه وآثره ولو بإخطار دمه واستوفى لك وعليك فهم ما تحمله وعني بلفظه حتى لا يهمله ولمن تودعه أعداء دولتك من كان مقصور الأمل قليل القول صادق العمل ومن كانت قسوته زائدة على رحمته وعظمه في مرضاتك آثر من شحمته ورأيه في الحذر سديد وتحرزه من الحيل شديد ولخدمتك في ليلك ونهارك من لانت طباعه وامتد في حسن السجية باعه وآمن كيده وغدره وسلم من الحقد صدره ورأى المطامع فما طمع واستثقل إعادة ما سمع وكان بريا من الملال والبشر عليه أغلب الخلال ولا تؤنسهم منك بقبيح فعل ولا قول ولا تؤسهم من طول ومكن في نفوسهم أن أقوى شفعائهم وأقرب إلى الإجابة من دعائهم إصابة الغرض فيما به وكلوا وعليه شكلوا فانك لا تعدم بهم انتفاعا ولا يعدمون لديك ارتفاعا

(2/316)


( وأما الحرم ) فهم مغارس الولد ورياحين الخلد وراحة القلب الذي أجهدته الأفكار والنفس التي تقسمها الإحماد إلى المساعي والإنكار فاطلب منهن من غلب عليهن من حسن الشيم المترفعة عن القيم ما لا يسوءك في خلدك أن يكون في ولدك واحذر أن تجعل لفكر بشر دون بصر إليهن سبيلا وانصب دون ذلك عذابا وبيلا وارعهن من النساء العجز من فاقت في الديانة والأمانة سبيله وقويت غيرته ونبله وخذهن بسلامة النيات والشيم السنيات وحسن الاسترسال والخلق السلسال وحظر عليهن التغامز والتغاير والتنافس والتخاير وآس بينهن في الأغراض والتصامم عن الأعراض والمحاباة بالإعراض وأقلل من مخالطتهن فهو أبقى لهمتك وأسبل لحرمتك ولتكن عشرتك لهن عند الكلال والملال وضيق الاحتمال بكثرة الأعمال وعند الغضب والنوم والفراغ من نصب اليوم واجعل مبيتك بينهن تنم بركاتك وتستقر حركاتك وأفصل من ولدت منهن إلى مسكن يختبر فيه استقلالها ويعتبر بالتفرد خلالها ولا تطلق لحرمة شفاعة ولا تدبيرا ولا تنط بها من الأمر صغيرا ولا كبيرا واحذر أن يظهر على خدمهن في خروجهن عن القصور وبروزهن من أجمة الأسد الهصور زي مفارع ولاطيب للأنوف مسارع وأخصص بذلك من طعن في السن ويئس من الإنس

(2/317)


والجن ومن توفر النزوع إلى الخيرات قبله وقصر عن جمال الصورة ووسم بالبله ثم لما بلغ إلى هذا الحد حمى وطيس استجفاره وختم حزبه باستغفاره ثم صمت مليا واستعاد كلاما أوليا ثم قال واعلم يا أمير المؤمنين سدد الله سهمك لأغراض خلافته وعصمك من الزمان وآفته أنك في مجلس الفصل ومباشرة الفرع من ملكك والأصل في طائفة من عز الله تذب عنك حماتها وتدافع عن حوزتك كماتها فاحذر أن يعدل بك غضبك عن عدل تزرى منه ببضاعة أو يهجم بك رضاك على إضاعة ولتكن قدرتك وقفا على الاتصاف بالعدل والإنصاف واحكم بالسوية واجنح بتدبيرك إلى حسن الروية وخف أن تقعد بك أناتك عن حزم تعين أو تستفزك العجلة في أمر لم يتبين وأطع الحجة ما توجهت عليك ولا تحفل بها إذا كانت إليك فانقيادك أليها أحسن من ظفرك والحق أجدى من نفرك ولا تردن النصيحة في وجه ولا تقابل عليها بنجه فتمنها إذا استدعيتها وتحجب عنك إذا استوعيتها ولا تستدعها من غير أهلها فيشغبك أولو الأغراض بجهلها واحرص على أن لا ينقضي مجلس جلسته أو زمن اختلسته إلا وقد أحرزت فضيلة زائدة أو وثقت منه في معادك بفائدة ولا يزهدنك في المال كثرته فتقل في نفسك أثرته وقس الشاهد بالغائب واذكر وقوع ما لا يحتسب من النوائب فالمال المصون أمنع الحصون ومن قل ماله قصرت آماله وتهاون بيمينه شماله والملك

(2/318)


إذا فقد خزينه أنحى على أهل الجدة التي تزينه وعاد على رعيته بالإجحاف وعلى جبايته بالإلحاف وساء معتاد عيشه وصغر في عيون جيشه ومنوا عليه بنصره وأنفوا من الاقتصار على قصره وفي المال قوة سماوية تصرف الناس لصاحبه وتربط آمال أهل السلاح به والمال نعمة الله تعالى فلا تجعله ذريعة إلى خلافه فتجمع بالشهوات بين إتلافك وإتلافه واستأنس بحسن جوارها واصرف في حقوق الله بعض أطوارها فان فضل المال عن الأجل فأجل ولم يضر ما تلف منه بين يدي الله عز وجل وما ينفق في سبيل الشريعة وسد الذريعة مأمول خلفه وما سواه فمستيقن تلفه واستخلص لحضور نواديك الغاصة ومجالسك العامة والخاصة من يليق بولوج عتبها والعروج لرتبها أما العامية فمن عظم عند الناس قدره وانشرح بالعلم صدره أو ظهر يساره وكان لله إخباته وانكساره ومن كان للفتيا منتصبا وبتاج المشورة معتصبا وأما الخاصية فمن رقت طباعه وامتد فيما يليق بتلك المجالس باعه ومن تبحر في سير الحكماء وأخلاق الكرماء ومن له فضل سافر وطبع للدنية منافر ولديه من كل ما تستتر به الملوك عن العوام حظ وافر وصف ألبابهم بمحصول خيرك وسكن قلوبهم بيمن طيرك وأغنهم ما قدرت عن غيرك واعلم بأن مواقع العلماء من ملكك مواقع المشاعل المتألقة والمصابيح

(2/319)


المتعلقة وعلى قدر تعاهدها تبذل من الضياء وتجلو بنورها صور الأشياء وفرعها لتحبير ما يزين مدتك ويحسن من بعد البلى جدتك وبعناية الأواخر ذكرت الأوائل وإذا محيت المفاخر خربت الدول واعلم أن بقاء الذكر مشروط بعمارة البلدان وتخليد الآثار الباقية في القاصي منها والدان فاحرص على ما يوضح في الدهر سبلك ويحوز المزية لك على من قبلك وإن خير الملوك من ينطق بالحجة وهو قادر على القهر ويبذل الإنصاف في السر والجهر مع التمكن من المال والظهر ويسار الرعية جمال للملك وشرف وفاقتهم من ذلك طرف فغلب أينق الحالين بمحلك وأولاهما بظعنك وحلك واعلم أن كرامة الجور دائرة وكرامة العدل مكاثرة والغلبة بالخير سيادة وبالشر هوادة واعلم أن حسن القيام بالشريعة يحسم عنك نكاية الخوارج ويسمو بك إلى المعارج فإنها تقصد أنواع الخدع وتوري بتغيير البدع واطلق على عدوك أيدي الأقوياء من الأكفاء وألسنة اللفيف من الضعفاء واستشعر عند نكثه شعار الوفاء ولتكن ثقتك بالله أكثر من ثقتك بقوة تجدها وكتيبة تنجدها فان الإخلاص يمنحك قوى لا تكتسب ويهديك مع الأوقات نصرا

(2/320)


لا يحتسب والتمس سلم من سالمك بنفس ما في يدك وفضل حاصل يومك على منتظر غدك فان أبى وضحت محجتك وقامت عليه للناس حجتك فللنفوس على الباغين ميل ولها من جانبه نيل واستمد كل يوم سيرة من يناويك واجتهد أن لا يباريك في خير ولا يساويك وأكذب بالخير ما يشنعه من مساويك ولا تقبل من الإطراء إلا ما كان فيك فضل عن إطالته وجد يزري ببطالته ولا تلق المذنب بحميتك وسبك وذكر عند حمية الغضب ذنوبك إلى ربك ولا تنس أن ذنب المذنب أجلسك مجلس الفصل وجعل من قبضتك رياش النصل وتشاغل في هدنة الأيام بالاستعداد واعلم أن التراخي منذر بالاشتداد ولا تهمل عرض ديوانك واختبار أعوانك وتحصين معاقلك وقلاعك وعم إيالتك بحسن اضطلاعك ولا تشغل زمن الهدنة بلذاتك فتجني في الشدة على ذاتك لا تطلق في دولتك ألسنة الكهانة والإرجاف ومطاردة الآمال العجاف فإنه يبعث سوء القول ويفتح باب الغول وحذر على المدرسين والمعلمين والعلماء والمتكلمين حمل الأحدث على الشكوك الخالجة والزلات الوالجة فإنه يفسد طباعهم ويغري سباعهم ويمد في مخالفة الملة باعهم وسد سبل الشفاعات فإنها تفسد عليك حسن الاختيار

(2/321)


ونفوس الخيار وابذل في الأسرى من حسن ملكتك ما يرضي من ملكك رقابها وقلدك ثوابها وعقابها وتلق بدء نهارك بذكر الله في ترفعك وابتذالك واختم اليوم بمثل ذلك واعلم أنك مع كثرة حجابك وكثافة حجابك بمنزلة الظاهر للعيون المطالب بالديون لشدة البحث عن أمورك وتعرف السر الخفي بين آمرك ومأمورك فاعمل في سرك ما لا تستقبح أن يكون ظاهرا ولا تأنف أن تكون به مجاهرا واحكم بريك في الله ونحتك وخف من فوقك يخفك من تحتك واعلم أن عدوك من أتباعك من تناسيت حسن قرضه أو زادت مؤونته على نصيبه منك وفرضه فاصمت للحجج وتوق اللجج واسترب بالأمل ولا يحملنك انتظام الأمور على الاستهانة بالعمل ولا تحقرن صغير الفساد فيأخذ في الاستئساد واحبس الألسنة عن التحالي باغتيابك والتشبث بأذيال ثيابك فان سوء الطاعة ينتقل من الأعين الباصرة إلى الألسن القاصرة ثم إلى الأيدي المتناصرة ولا تثق بنفسك في قتال عدو ناوأك حتى تظفر بعدو غضبك وهواك وليكن خوفك من سوء تدبيرك أكثر من عدوك الساعي في تتبيرك وإذا استنزلت ناجما أو أمنت ثائرا هاجما فلا تقلده البلد الذي فيه نجم وهما عارضه فيه وانسجم يعظم عليك القدح في اختيارك والغض من إيثارك واحترز من كيده في حوزك ومأمك فانك أكبر همه وليس بأكبر همك وجمل المملكة بتامين الفلوات وتسهيل الأقوات وتجويد ما يتعامل به من

(2/322)


الصرف في البياعات وإجراء العوائد مع الأيام والساعات ولا تبخس عيار قيم البضاعات ولتكن يدك عن أموال الناس محجورة وفي احترامها إلا عن الثلاثة مأجورة مال من عدا طوره وطور أهله وتجاوز في الملابس والزينة وفضول المدينة يروم معارضتك بحمله ومن باطن أعداك وأمن اعتداك ومن أساء جوار رعيتك بإخساره وبذل الإذاية فيهم بيمينه ويساره وأضر ما منيت به التعادي بين عبدانك أوفي بلد من بلدانك فسد فيه الباب وآسأل عن الأسباب وانقلهم بوساطة أولي الألباب إلى حالة الأحباب ولا تطوق الأعلام أطواق المنون بهواجس الظنون فهو أمر لا يقف عند حد ولا ينتهي إلى عد واجعل ولدك في احتراسك وصدق مراسك حتى لا يطمع في افتراسك ثم لما رأى الليل قد كاد ينتصف وعموده يريد أن ينقصف ومجال الوصايا أكثر مما يصف قال يا أمير المؤمنين بحر السياسة زاخر وعمر التمتع بناديك العزيز مستأخر فإن أذنت في فن من فنون الأنس يجذب بالمقاد إلى راحة الرقاد ويعتق النفس بقدرة ذي الجلال من ملكة الكلال فقال أما والله قد استحسنا ما سردت فشأنك وما أردت فاستدعى عودا فأصلحه حتى أحمده وأبعد في اختياره أمده ثم حرك فمه وأطال الحسن ثمه ثم تغنى بصوت يستدعي الإنصات ويصدع الحصاة ويستفز الحليم عن وقاره ويستوقف الطير ورزق بنيه في منقاره وقال
صاح ما أعطر القبول بنمه
أتراها أطالت البث ثمه
هي دار الهوى منى النفس فيها
أبد الدهر والأماني جمه
إن يكن ما تأرج الجو منها
واستفاد الشذا وإلا فممه
من بطرفي بنظرة ولأنفي
في رباها وفي ثراها بشمه
ذكر العهد فانتفضت كأني
طرقتني من الملائك لمه
وطن قد نضيت فيه شبابا
لم تدنس منه البرود مذمه
بنت عنه والنفس من أجل من
خلفته في جلاله مغتمه
كان حلما فويح من أمل
الدهر وأعماه جهله وأصمه
تأمل العيش بعد أن أخلق
الجسم وبنيانه عسير المرمه
وغدت وفرة الشبيبة بالشيب
على رغم أنفها معتمه
فلقد فاز مالك جعل الله
إلى الله قصده ومأمه

(2/323)


من يبت من غرور دنيا بهم
يلدغ القلب أكثر الله همه
ثم أحال اللحن إلى لون التنويم فأخذ كل في النعاس والتهويم وأطال الجس في الثقيل عاكفا عكوف الضاحي في المقيل فخاط عيون القوم بخيوط النوم وعمر بهم المراقد كأنما أدار عليهم الفراقد ثم انصرف فما علم به أحد ولا عرف ولما أفاق الرشيد جد في طلبه فلم يعلم بمنقلبه فأسف للفراق وأمر بتخليد حكمه في بطون الأوراق فهي إلى اليوم تروى وتنقل وتجلى القلوب بها وتصقل والحمد لله رب العالمين

ومن ذلك كتاب الإشارة إلى أدب الوزارة في السياسة

(2/324)


أما بعد حمد الله الذي جل ملكه أن يوازره الوزير وعز أمره أن يدبره المدير أو يؤيده الظهير والاستعانة به على الوظايف التي يضطر إليها ويعتمد عليها فهو الولي النصير والصلاة على سيدنا ومولانا محمد الذي له القدر الرفيع والفخر الكبير والرضا عن آله وعشيرته فحبذا الآل والعشير فان من دعا إلى الله أيها الوزير الصالح السعيد بعصمة يضفي عليك لباسها وعزة يصدق عليك قياسها وأيام تروض لديك شامها ويدفع بيمن نقيبتك بأسها فإنما دعا للدولة بتأييدها وللملة بتمهيدها وللمملكة بتجديدها فقد ظهر من عنايته بك اختيارك ومن حسن أثره في نصرك وإيثارك وهو الكفيل لك بالمزيد من آلائه وموصول نعمائه وأني لما رأيت برك دينا يجب علي قضاؤه ولا يجمل بي إلقاؤه تخيرت لك في الهدايا ما يملأ اليد ويصاحب الأمد وينجب العقب والولد فلم أجد أجدى من حديث الحكمة التي من أوتيها قدف أوتي خيرا كثيرا ومن أمل لرتبتها السامية فقد أحل محلا كبيرا والوصاة التي تنفعك من حيث كنت وزيرا والموعظة التي تفيدك تبنيها من الغفلة وتذكيرا فاخترعت لك وضعا غريبا وغرضا قريبا أن لقيت ما جمح من أخلاقك قولك وألانه وأنهج لك الصواب وأبانه جانحا إلى الاختصار عادلا إلى الإكثار منسوبا إلى بعض الحيوان على عادة الأول ممن صنف في السياسة قبلي أو ذهب لما ذهبت إليه من فعلي فقلت وبالله العون والقوة ومنه يلتمس السعادة المرجوة حكى من يكلف برعي الآداب السوايم ويعنى باستنزال الحكم الحوايم ويقيد المعاني الساردة على ألسنة البهايم أن نمرا يكنى أبا فروة ويعرف

(2/325)


بالمرقط كأنه بالنجوم منقط شثن الكفين بعيد ما بعد العينين كأن ذؤابة ذوابة كوكب أوجد ملة مركب وكأن المجرة أورثته غديرها والثريا نثرت عليه دنانيرها عظيم الوثوب والطفور حديد الناب والأطفور جن نجد وغور وكرة حور وكور وجرم ثور في مسلاح سنور استوزره ملك الوحوش وقلده تدبير الملك وعرض الجيوش فحل من ذلك الأسد محل الروح من الجسد وكفاه ما وراء بابه ودافع الأعدا من جنابه ووفر من جبايته وأجرى رسوم عزه وإبايته وأخلص الله عقيدة نصحه وتبرأ من شين الغش وقبحه حتى عمت الهيبة وخصت وشرفته الأعداء وغصت وعرفت الوحوش أقدارها وألفت السياسة مدارها وأمنت السبل والمسالك وخاف المملوك سطوة المالك وحسنت الأخبار عن سيرته وشهدت بالعدل ألسن جيرته لما أسن واستن فأنكر من قوته ما عرف وقارب من مدى العمر الطرف فمال مزاجه وانحرف وكع عن الملاذ وانصرف فأصبح متنه هزيلا وجسمه ضئيلا ونشاطه قليلا ورأى عبء الوزارة ثقيلا إن الحق أقوم قيلا دخل على الأسد خلوة مشورته وصرح له عن ضرورته وأقام له الحق في صورته وقال أيها الملك السعيد عشت ما بدا لك وحفظت ميزان الطبايع عليك اعتدالك ولازلت مرهوب السطا بعين الخطا فإنما في مهاد الدعة أمن القطا وهن من عبدك العظم وضعف الافتراس وساء الهضم وكاد ينثر النظم وبان في آلة خدمتك الكلال واستولى الهم والاضمحلال وأربأ لملكك عن تقصير يجنيه ضعفي وإن عظم لفراق سدتك لهفي فسوغنى التفرغ لمعادي والنظر في بعد طريقي وقلة زادي واستكف من يقوم بهمتك ويبوء بعبء خدمتك فما على استحثاث الأجل من قرار وما بعد العشية من عوار
من عاش أخلقت الأيام جدته
وخانه نقشاه السمع والبصر

(2/326)


وقد علم الله الذي بيده النواصي وعلمه المحيط بالأداني والأقاصي وستره قد شمل المطيع والعاصي أنني ما خنت أمانته بخون أمانتك ولا آليت جهدا في إغاثتك ولا اقتحمت بأمرك حدا من حدود ديانتك ولا تعمدت جلب ضر ولا خلطت حلو النصيحة بمر ولا استفسدت لك قلب حر ولا استأثرت لك بمال ولا كنت يوما لضدك بميال ولا تلقيت مهمك بإهمال ولا ضاق لي عن خلقك ذرع احتمال ولا أعملت في غير رضاك وطاعتك حركة يمين ولا شمال فقال له الأسد أيها الوزير الصالح حسن جزاؤك كما وضح للحق اعتزازك ولحقت بالعوالم الشريفة مقوماتك المفضلة وأخلاقك قلت صوابا واستوجبت منا ومن المعبود ثوابا ولو كان شيء في وسع ملكنا جبره لبذلنا لك العزيز وهان علينا أمره لكن التحليل على عالم التركيب محتوم والمصير معلوم والفراق وانى الألقاب والرسوم
أسمع فقد أسمعك الصوت
إن لم تبادر فهو الموت
نل كلما شيت وعش ناعما
آخر هذا كله الموت
وقد أمرنا لولدك ونقلنا الوزارة من يدك ورجونا أن لا نعدم حسن مقصدك من ثقة نفسك وسليل جسدك وكان النمر جرد قد استكمل الوقوف واتصف بالانقطاع على الحكمة و العكوف مختار الأمانة والفراسة صادقة فيه أحكام النجابة ومخايل الفراسة كلف بالنظر والدراسة كريم الطبع رحيب الذرع طيب الأصل سامي الفرع لا تورده المعضلات ولا تواقف

(2/327)


فطنته المشكلات ولا تجاذبه الشهوات ولا تطرق كماله الهفوات حان على الرعية دفعته لشروط السياسة المرعية قد أفرغ في قوالب الكمال جوهره وتطابق مخبره ومظهره وتفتق عن كمال العفاف وحسن الأوصاف زهره فاتخذ الملك صنيعا تفض له الأطراف واستقدم الأشراف واستدعى قومه للجهاد وطوائف النساك والزهاد واحتفل الوليمة وأفاض النعم العميمة واستحضر النمر وقد تحلى بحلية متماسك وبذل فروة الوزير بعروة الناسك فأعلن في المجتمع برضاه عن سيرته واعترف بنصح جيبه وفضل سريرته وأعلن بتسويغ أوبته وقرب القربان بين يدي توبته وحفت به أرباب الديانة ونساكها وقومة الشريعة الذين في أيديهم ملاكها فرفعوه على رءوسهم وأكتادهم حذو معتادهم وجهروا حوله بصحفهم المحفوظة وأدعيتهم الملفوظة ونسكهم المجدودة المحظوظة حتى أتوا به هيكل العبادة ومحل أصل النسك والزهادة وخدمة الكواكب السادة والمتشوقين إلى السعادة والمنسلخين عن كدرات سوء العادة وقصده ولده يستفتح بدعاته العمل ويستدلى بوصاياه الأمل فلما فرغ النمر من استقبال محرابه وقد تجرد من العلائق تجرد السيف من قرابه جيء الولد لديه ثم سجد بين يديه وقال بعد ما أطرق وطرفه من الرقة اغرورق أيها المولى الذي قرنت بحق الباري حقوقه فما في المنعمين من يفوقه أوضحت لعلة إيجادي مذهبا وكنت لنفسي الجزية باتصال العقل الكلي سببا ثم تغلبت وكفيت وعند تقاصر الطباع وفيت ثم داويت من مرض الجهل وشفيت وحملت على أفضل العادة وأظفرت اليد بعروة السعادة وأنا إلى وصاتك اليوم فقير ورأيي في جنب رأيك حقير ودعاؤك لي ولي ونصير وللحظك في تصرفاتي القاصرة ناقد وبصير فأقبل عليه بوجه بيضه الشيب والنسك وأخلاق تضوع من أنفاسه المسك وتبسم تبسم الذهب

(2/328)


الإبريز خلصه السبك وقال يا ولدي الذي رجوته لخلف شخصي وتتميم نقصي وفضل الحكمة عنى وستر الجزء الأرضي مني طالما ابتهلت إلى الله في سدادك بعد تخير دعاء ولادك واستدعيت حكماء الهياكل المقدسة لإرشادك فلو استغنى أحد عن موعظة توقظ من نوم أو سداد رأي يعصم من لوم أو استشعار مناصحة تجرثنا قوم واستعراض تجربة تعلى من سوم لكنت بذلك خليقا ومن أسر الافتقار طليقا لكن الإنسان لما نزيده ذو فاقة ومتصف بافتقار إلى غيره وإضاقة وليس له بالانفراد مع كونه مدنيا من طاقة ومتى ظن بنفسه غير ذلك فهي حماقة وبحسب ما يحاوله أو يحاوره يكون افتقاره لمن يفاوضه أو يشاوره وقد ندبت من الوزارة إلى منزلة لا تطمين بمن نبذ طاعة الحق وتقواه ورضي عن نفسه واتبع هواه فان قهرت من الشهودة المردية عدوك وبلغت من مسكة الهوى مرجوك وألفت قرارك في ظل الحكمة وهدوك تذلل لك امتطاؤها وتهنأ لك عطاؤها وطاب فيها خبرك وحسن عليها أثرك والله يذرك وإلا فلست بأول من هوى ورمد بعد ما شوى وأنا موصيك والله يبعدك من الخطل ويقصيك ويبين لك قدر هذه الرتبة بين الأقدار ثم جالت بعض شروع الاختيار ثم خلص للوصاة بحسب الإمكان في ستة أركان وأسل العالم بفاقتي إلى سداد قولك وفعلك الغنى عن قدرتك وحولك أن يجمع لك من مواهب توفيقه التي لا تحصر بالعد ولا تنال بالكد ما يتكفل برضاه عنك حتى تحب ما أحبه لك وتكره ماكرهه منك وأن يختم مدتك المتناهية بأسعد ما انتهت إليه آمالك وتطاول نحوه سؤالك فهو حسبي ونعم الوكيل
باب بيان قدر رتبة الوزارة في الأقدار وبعض شروط الاختيار

(2/329)


اعلم يا ولدي أن هذه الرتبة لمن فهم وعقل مشتقة من الوزير وهو الثقل لأنها تحمل من عبء الملك وثقله ما تعجز الجبال عن حمله وهي الآلة التي بها يعمل وبحسب تباينها يتباين منها الأنقص والأكمل وعصاه التي بها يهش ويحتطب ويحش ويلتقم ويمش ويجمع ويفش ومخلبه الذي به يزق الفرخ ويحرس العش ومنجله الذي يعرف به من يناصح ومن يغش ومرآته التي يرى بها محاسن وجهه وعيوبه وسمعه الذي يتوصل بحاسته لمعرفة الأشخاص المحجوبة وإذا فسد الملك وصلح الوزير ربما نفعت السياسة واستقام التدبير وصلاح الأمر بعكس هذه الحال محسوب من المحال لأن الواسطة القريبة ونكتة السياسة الغريبة وموقعه من الملك موقع اليدين من الجسد اللتين في القبض والبسط عليهما يعتمد وقالوا الملك طبيب والرعية مرضى والوزير تعرض عليه شكاياتهم عرضا والنجاح مرتبط بسداد عقله وصحة نقله فان اختل السفير بطل التدبير وإذا تقرر وجوب الإمامة ونصبها وعقدها وعصبها وكانت ضرورتها إلى الوزارة هذه هي ومنزلتها هذه الصورة وفي الواجب شرط ولا يستقيم له بغيرها ضبط كيف لا يكون قدرها خطيرا ومحلها أثيرا وقول النبي {صلى الله عليه وسلم} الذي اصطفاه برسالته وبكلامه واختصه بخصيصتي الكرامة مع كونه معصوما بعصمة ربه غنيا بدفاعه متأنسا بقربه واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري دليل على محلها من سد القواعد وإجراء العوايد وإقامة الشواهد

(2/330)


واستدرار الفوايد ومدافعة المكايد إلى غير ذلك من الآثار المجلوة والمحاسن المتلوة والإشعار بأن المنصب منصب الأخوة فصل واعلم أن الأولين من حكماء يونان في سالف الزمان كانوا يعرفون وصل هذه ويجعلون تعظيمها من الشرائع والسنن ويتحققون نجباءها في المعادن الشريفة والبيوت العتيقة والأحساب المنيفة ويختبرون نصب الموالد في أبناء أهل الترشيح ويعنون فيها بالنظر الصحيح فمن قامت على صلوحه الشواهد وشهدت بأهليته الموالد عين في الأرزاق قسمه وأثبت عند الثقات اسمه ثم يؤخذون بالتعليم والدراسة ويتعاهدون بالآداب تعاهد الفراسة ثم يعرضون عند الترعرع على أهل الفراسة فمتى تأكد القول ورجح وبان في أحدهم الفضل ووضح طرح ودرب ومرن وجرب ثم استعمل وقرب فصل وكان الوزرا يختارون من الجواري للمباضعة من ظهر منها فضل التمييز وأخلصها الاختيار خلوص الذهب الإبريز ولا يغشوهن في سكر مسقط ولا فرح مفرط ولا كسل مقعد ولا حزب مفسد ولا غضب مبرق موعد وإذا هم بطلب الولد استفتى الكاهن في اختيار الوقت الرامق فلا يطلق له ذلك إلا في الأوقات المختارة والنصب الخليقة بتلك الإنارة وبعده إصلاح القمر والشمس والكواكب الخمس واستحضار الهيئات النابهة والأشكال المتنافسة المتشابهة وتقريب القرابين بين يدي الآلهة ثم يلقى الجارية وكلاهما يقول قولا منقولا عن الصحف الموصوفة والكتب المقدسة المعروفة معناه يا من قصرت الألباب عن كنهه وعنت الوجوه لوجهه قد

(2/331)


اجتمعنا على مزج مواد لا نعرف ما تحدثه منها ولا ما تظهره عنها وتلقينا وتلقينا توفيقك من سعينا بمقدار المجهود وأنت ملاذ الوجوه ومفيض السجود وليس تضرعنا لك بالمسألة وابتهالنا في رحمتك المستنزلة تنبيها لأقدارك المصيبة للسداد الجارية بمصالح العباد إنما هو بحسب ما نحرز به فضل الرغبة إليك والسؤال لما لديك ونحن بحسن اختيارك أوفق منا بارائنا وقضاؤك السابق من ورائنا فلك الحمد على قضائك والشكر على نعمائك فصل وكان الوزير فيهم يشترط فيه أن يكون قديم النعمة بعيد الهمة مكين الرأفة والرحمة كريم العيب نقي الجيب مسدد السهم ثاقب الفهم واثبا عند الفرصة واصفا للقصة مريحا في الفصة موفور الأمانة أصيل الديانة قاهر للهوى مستشعرا للتقوى مشمرا عن الساعد الأقوى جليل القدر رحيب الصدر مشهور العفة معتدل الكفة حذرا من النقد صحيح العقد راعيا للهمل نشطا للعمل واصلا للذمم شاكرا للنعم خبيرا بسر الأمم ذا حنكة بالدخل والخرج عفيف اللسان والفرج غير مغتاب ولا غيابة ولا ملق ولا هيابة مجتزئا بالبلاغ مشتغلا عند الفراغ مؤثرا للصدق صادعا بالحق حافظا للأسرار مؤثرا للأبرار مباينا بطبعه لخلق الأشرار وقد فاق قدر هذه الرتبة بين الأقران وأعطى وزانها والحمد لله حقه عند الاعتبار ونحن نذكر بعد أركان الوصاة ونفرغ لذكر حكمها المحصاة وخصولها المستقضاة الركن الأول وهو العقد الذي عليه المعول فيما يستشعر الوزير بينه وبين نفسه ويجعله هجيراه في يومه وأمسه واعلم أن المملكة البشرية الخليقة بالافتقار الحرية لما كان راعيها مركبا من أضداد متغايرة وأركان متفاسدة

(2/332)


متضارة ويجذبه كل منها إلى طبعه أخذا برجاه مدافعا بضبعه لم يكمل حراسة ما وكل إليه ولا وفت بضم منتثرها آلات حسه فاحتاج إلى وزير من جنسه ينوب مهما غاب عن شخصه ويضطلع بتتميم نقصه ويتيقظ في سهره ويجد عند لهوه فيحتاج من اتصف بهذه الصفة إلى كمال في الفضل ورجاحة في المعرفة يعدل بها ما عاصى الملك من أمور ملكه ويوفي ما عجز عنه من نظم سلكه حتى تبرز المملكة في أتم صورتها وتبلغ الكمال الأخير بمقتضى ضرورتها وتقوى الله عز وجل أول ما قدمته ثم تذليل بيتك لمن خدمته ومقابلة ثقته بك بالوفاء الذى سددت إن التزمته وحمل الخاصة والعامة على حكم الشرع فإن لم تبن على ذلك هدمته وأفضل ما وهب لك فيما قلدته من قلادة وعودته من عادة وسيادة شمول الأمن وعموم الرضا وظهور الأمانة والصدق في كل غرض مقتضى وحسن النية وطهارة الطوبة ورعاية الإحسان وإفاضة الرأفة في عالم الإنسان وزيادة الكفاية بحسب الإمكان واعلم أن من لا يضبط نفسه وهي واحدة لا يضبط أمر الكثير من الناس على تباين الأغراض وتعدد الأجناس فاربأ بنفسك عما تجره الشهوات من النقص وازجرها عن كلف الحرص وألن يجانبك لمن ظهر كماله وقصرت به عنه حاله واعلم أن بقاء النعم على كتدك مقصرون ببقائها من يدك وجريان الأمور على مذهبك بحسب استقامتها بسببك وقل أن يتهنأ في هذا العالم عمل عار من الملامة أو سالم من التجاوز كل السلامة فليكن خطأك في الإحسان للإنسان لا في الإساءة بالفعل واللسان فقليل الخير ربما تمازقت ثمرته وأتت أكلها ضعفين شجرته وإذا هممت بزوال نعمة عن جان فاذكر كم تنال تلك النعمة من مكان وفيها من لم يستوجب عقابا

(2/333)


ولا كشف في شر نقابا وقد قالوا الأشراف تعاقب بالبجران ولا تعاقب بالحرمان وربما قالت حراركن إليها ولم تعلم ثم تأوه لفقد معروفها وتألم فاجعل هذه الذرائع مشفعا في بقائها ودواعي لإجرائها يتكفل لك بارئك بإحراز السلامة ورفع الملامة والمثوبة في القيامة واستعمل التواضع في هبوب ريحك وتجاف عن الخسة والنجمة بتعريضك وتصريحك فربما خشن جواب لا يغسل طبعه ولا يوجد من يرقعه ولا يزيله عقاب قابله ولا يرفعه سيما فيمن استحق الموت أو يتقن الفوت واصبر على ذوي الفاقة وأهل الإضافة ولتسل الإضافة بجهد الطاقة وإياك والضجر فإنه يكدر الصفو ويذهب العفو ويبقي الفلتة الشنيعة ويفسد الصنيعة وقد ركل أبو عباد الوزير رجلا برجله فرفع إلى الخليفة من أجله
قل للخليفة يا ابن عم محمد
إشكل وزيرك أنه ركال
إشكله عن ركل الرجال وإن
ترد مالا فعند وزيرك الأموال
وتركها مثلا يذكر وقلتة تنكر فصل وإذا باشر عيوبا فتبع عيوبه دون فصوله وأبوابه دون فصوله ولا تشتغل بفروعه المتشعبة عن أصوله ثم اصمد بعد إليها واعطف عليها ولا تعن بتفضيله عن جملته فيضيع سائره قبل أناة الوقت ومهلته ولا ترفض عملا عن وقت يسرده وينصه فإن لكل وقت عملا يخصه وأقل ما يلحق من ازدحام الأعمال تطرق الفساد إليها والاحتلال عند الاستحثاث إليها

(2/334)


والاستعجال وضيق المجال وتهيب العمل مطيل الزمان منب عن ضيق الجنان ولا تركن في الاستخدام إلى شفاعة غير نفاعة ما لم تكن شفاعة الكفاية والأمانة والرعاية واعلم بأن من ظهر حسن صبره على انتظام أمره حسن صبره على شدائده في حوادث الدهر ومكائده فالصبر قدر مشترك فيمن أخذ وترك والنفس لا تنفك من معترك واعلم أن الراحة عند الحاجة إلى الحركة تهدى التعب الضروري لمن أخذه فيها وتركه ولا تغفلن شيئا تقلدته بعد ما حسبته من وظائفك وعددته فيظن بك من الخروج عن طبعك الذي جبلت عليه بمقدار ما خرج إليه ولا تحتجب عن الناس يفشو بغضك ويضعف من السياسة فرصك وتكتمك النصيحة سماؤك وأرضك ولله در القايل
كم من فتى تحمد أخلاقه
وتسكن الأحرار في ذمته
قد كثر الحاجب أعداءه
وسلط الذم على نعمته
ولا يعجبنك ما يظن من مساويك ولتكن معرفتك بعيب نفسك أوثق عندك من مدح أبناء جنسك وانقض عن العامة ومن يلابسها وامتنع عن التكبر بمن يجانسها ففي طباعها إهانة الملتبس بإشياعها وتنقص من اتصل برعاعها واعلم بأن إحسانك للحر يحركه على المكافآت المختلفة وإحسانك إلى الوغد يحمله على معاودة المسألة وضع إحسانك ولسانك حيث وضعهما الرأي الصحيح والاختيار الصريح هذه أرشدك الله نقطة من يم وقافة من جم وحصاة من نثير وقليل من كثير والنبيل من قاس الشيء بنظيره واستدل على الكثير بيسيره وحسبنا الله ونعم الوكيل الركن الثاني فيما يستشعره الوزير مع الملك ليأمن عادية الأمر المرتبك وإذا خدمت ملكا زاد رأيك على رأيه وفضل سعيك في التدبير حسن سعيه فإره الاستعانة بمد يدك واقصر من إشراف جيدك واظهر التعجب مما فضل عليك به وسر من الحزم على مذهبه ولا تتبجح بتجاوز ما لأهل طبقتك

(2/335)


وإذا أنفقت عنده الكفاية فاقصد في نفقتك فإنه لا يحسن منه موقع قولك أو عملك ويرى أن تعزرك به أكثر من تحملك فيشرع في كسرك ويثيره إلى قسرك وإذا تعارض عندك العجز في مروتك وديانتك وكفايتك وأمانتك فبزه الكفاية عنده عما يشير وارض بالنقص في المروة لا في الدين فهو عليه أسهل وفرق ما بين الحالين لا يجمل وإياك أن يأنس بك فيها إخلالا أو يرى منك فيها إهمالا واحذر الإضرار لديه بالناس في سبيل النصيحة أو التوفير عليه كما توفر العامة على أنفسها الشحيحة وابتغ له قلوب الخلق بمسامحتهم فيما قصروا فيه عن يسير الحق فإنك تسترخص له بذلك تملك الأحرار وتحسين الآثار واترك لشئونه الخاصة شئونك وحرك من أحسنت إليه على شكره دونك ليقف على أن سعيك له أكثر من سعيك لنفسك في يومك وأمسك ولا حظ لك فيما لا تمسك وإياك أن تحيا بمثل تحيته أو تلقى بمثل ما يلقى به عند رؤيته أو ترفع بالسلام عليك الأصوات أو يسبق الناس بابك قبل باب الملك بالغدوات فكم جلب ذلك من الآفات وغير من الصفات وإذا دعاك إلى لهوه أو شرابه وخصك بمزيد اقترابه فليكن الإعظام على الالتذاذ غالبا والفكر للحذر مراقبا واجعل التحرز منه في أوقات انبساطه إليك واجبا ولا تستهز من ذلك بما ليس يبين وإياك أن تنم بك اسرة وجه أو نظرة عين واجتنب لباس ثوبه وركوب مركبه واستخدام جميع ما يتزين به فمن خدم السلطان لنباهة الذكر ولباس العزة لم يضره تقصير الرياش ولا تعود البزة ومن صحبه للذة والترف كان سريع المنصرف مسلوب الشرف فصل وإذا خصك بمشورته وطلب رأيك لضرورته فلا تخاطبه مخاطبة المرشد لمن استهداه وأره حاجتك لما أبداه وإذا اعترف بخطإ يواقعه في بعض أنظاره أو أعلن

(2/336)


يوما بسوء اختياره فأجل فكرك في التماس عذره وتوجيه عاره واحتل بفطنتك في رمه واحذر أن توافقه على ذمه وذلل نيتك لكلامك واصرف إلى ترك التجاوز جل اهتمامك فالكلام إذا طابق نية المتكلم حرك نية السامع وإذا صدر عن القلب أخذ من القلب بالمجامع وإذا توجه إليك عتبه لشبهة في أمرك عرضت أو ظنة تعرضت فلا تقبل رضاه عنك تمويها ما لم تقم حجتك فيها ولا تسام إلا لامة وأره أنك لا تؤثر الحياة دون براءة الساحة حتى ترتفع الظنة رأسا ولا تخشى من تبعة الإحنة بأسا ويكون ذلك عنده شاهدا بفضلك وزايدا له في محلك ولن له إذا غضب واتق الكريهة دونه إن رهب واصرف لحظك عنه إن أكل أو شرب وسد بينك وبينه باب العتاب بالمشافهة أو الكتاب ولا تخف من طاعة الملك إلا ما وافق من طاعة ربه يضع الله تجلتك في ذاته واذكر قول الوزير المتقدم وقد أمره الملك المسلط بقتل رجل وتلطف فسبق له عن ذنبه بما جر عظيم إنكاره وقطيع عتبه أيها الملك السعيد لو كنت مالكي وحدك لأنفذت من غير مهلة أمرك وشرحت بالامتثال صدرك ولكنك تملك ظاهري وحده ولى من يملكه وما بعده وإذا انفذت عهدك نكثت عهده وإذا خرجت من يدك دخلت في يده التي لا تمنع فكيف أصنع وله الأمر أجمع وأنا لك في طاعته من شراك نعلك أطوع فبكى الملك الجاهل لصدق حجته وحمل الرجلين من لعفو على أوضح محجته وهذا القدر كاف لأولي الألباب في هذا الباب الركن الثالث فيما يحذره من تقدم الملك عليه في الأمر الذي أسند إليه وجعل زمامه في يديه واعلم أن من العار بارتياضك وسداد أغراضك أن يتقدمك الملك بخلق هي أولى بك وادخل في حسابك من الصبر على الملاهي

(2/337)


والانقياد للأوامر الدينية والنواهي وهجر الدعة في الضيق والسعة وشدة اليقظة والذكر الذي يعنى به الحفظة من ذكر إقطاع أو مقدار ارتفاع أواسم مرتزق أو حصر عمل مفترق أو التفكير في مصلحة المملكة فإنه إن راض ذلك دونك وعلكه ونهجه منفردا وسلكه وتميز فيه بالملكة وسامحك في التقصير والباع القصير وسره سبقه إياك وتقدمه عليك فيما ولاك فهو مما يحط لديه أمرك ويوهن قدرك وإن كان غرك ويرى أنه لا موازرك فيما نابه ولا كافي فيما عرا بابه وأمل منايه واجتهد أن يراك شديد الحرص آنفا من النقص ولا يحس منك في وظيفتك بتقصير ولا يشعر منك فيه برأي قصير فصل واحذر أن تسول لك قدرة الإمكان ودالة السلطان الزيادة في الاستكثار من الضياع والعقار والجواهر النفيسة والأحجار وغير ذلك من الاحتجان والاحتكار وما تدعو إليه جلالة المحل ونباهة المقدار فيتقسم فكرك وشغلك ويضيع سعيك وفضلك ويحصيه عليك من يضمر لك الافتراس ولا يمكنك من كيده الاحتراس ممن حروم حظه أو وكس معناه أو لفظه ومتطلع إلى أوفى من وزانه متسام إلى ما وراء إمكانه أقصرت به السياسة عن شانه فأضرم الحسد ناره وأذكى إوراه وأعظم صغيرك وأثاره ويتشوف إلى مناهضتك من كان عنها مقصرا ويجهر من كان مستترا ويستدعي الارتياب ما جلبه الحظ إليك والاستظهار به عليك وطمع الحاسد فيما لديك واحرز مع الملك السلغة التي تقيك وتوسدك مهاد الفضلة وتنميك وترفع كلك وتشمل أهلك حتى يعلم أنك بقليل ما يجريه لك العدل لديه أغنى منه بالكثير في يديه واجتنب الانهماك في الاستكثار من الولد والحشم أولى العدد والأذيال التي ثبتت في أقطار البلد فإن الحاسد يراهم بذخا ونعمه وإنما هم

(2/338)


مؤونة ونقمة وداعية إلى استهلاك عتاد أو تدبير مستفاد وإثارة حساد لهم ورد جاهك وعليك صدره ولهم نفع كدحك وعليك ضرره والاقتصاد في أمرك أدوم لسلامتك وأرفع لملامتك واغض لطرف حاسدك واصدق لفوائدك وأروح لقلبك وأخلص فيما بينك وبين ربك وفيما عثرت عليه التجارب ووضحت منه المذاهب أن المتقلل من الوزراء طويل عمره ناجح أمره مظفر بأعدائه وأضداده قريب من الحال المرضية في معاده ولتكن همتك مصروفة إلى استبراء حال المملكة واعتبارها وتأمل أفكارها وما عليه كل جزء من أجزاءها من سداد ثغورها ودفاع أعدائها ونقصان ارتفاعها واختلال أوضاعها أو تدبير مصلحة يبقى لك ذكرها وخبرها ويحسن بك أثرها وخف مصارع الدالة فهي أدوأ دائك وأكبر أعدائك واعلم أن الاقتصاد مع إمكان التوسعة والتنزل مع الرتبة المرتفعة ينبئ عن قوة رأيك وصحة عزمك واستقامة سعيك والرغبة في الترف والميل إلى الشرف دالة على غلبة الهوى على الشرف وأجل ما جملت به زمانك ورفعت شأنك خدمة الشريعة وإحياء رسومها وقمع البدع وإزالة شومها يذع لك الحمد ويتخلد لك المجد وتول ذلك متى أمكنك بنفسك ولا تكله إلى غيرك من أبناء جنسك حتى إذا وفقت به على غميرة يجب تغييرها ويتعين نكيرها فارفع إلى الملك عينها وقبح عنده شينها ثم حل بينه وبينها وأظهر للناس أن قلقه بها أهمك أكثر من قلقك وخلقه لإنكارها متقدمة لخلقك تهدي إليه بذلك ما يزيد في مكانتك ويغبط بأمانتك ويشهد بمؤازرتك وإعانتك وحسبنا الله ونعم الوكيل الركن الرابع في تصنيف أخلاق الملوك للسير بمقتضاها والسلوك واعلم أن للملوك أخلاقا يفطن الملاطف من خدامها إلى استعمالها فيجعلها أسا

(2/339)


للسياسة وأحكامها وهي أن الملك لا يخلو أن يكون سخيا وباذلا أو ممسكا باخلا وقويا على تدبيره أو ضعيفا يلقى المقادة إلى وزيره أو سيا ظنه أو من الاسترسال فيه أو حسن البشر عند الافتراض أو منقبضا عن الأعراض وإذا تركبت هذه الخلال تركيبا طبيعيا وترتبت ترتيبا وضعيا وتقابل امتزاجها بلغ إلى ستة عشر ازدواجها وتأتي للحكيم من الوزراء علاجها وربما انحرفت هذه الخلق أو توسطت وربما أفرطت وعلى هذا الترتيب ارتبطت وإن كان سخيا آثر درور الشكر على توفير قوافل المال وكاف يحسن الذكر في جميع الأحوال وإن كان بخيلا فبضد هذه الحال وإن غلبت عليه قوة التدبير استدعاك إلى المشاركة في سعيك وأحرز بذلك عليك الحجة في رعيك وإن غلب عليه الضعف ركن إلى تدبيرك وفوض إليك الأمر في قليلك وكثيرك وخلاك ومالا يحمد من عواقب أمورك وإن كان حسن الظن تمكنت من إحكام تدبيرك لدولته وبلغت منها أقاصي مصلحته وإن كان سيء الظن شغلك عن الإخلاص بكلف الخلاص وبإحراز الحجة عليه عن التفرغ الكثير ما يحتاج إليه وإن كان البشر عليه غالبا كان لنشاطك جالبا فاجعل هذه الأخلاق أصولا ورعيك لها موصلوا وصاحبه على خلقه وعقله وانقل منها بالتلطف ما قدرت على نقله واعط صورة من تخدمة ما ينافس تأليفها ويرفع تكليفها وانفق ما ينفق عندها وجار أخلاقه واجتنب ضدها يحسن أثرك ويعظم شأنك وينفذ لك سلطانك الركن الخامس في سيرته مع من يتطلع لهضبته ويحسده على رتبته واعلم أنه لا يخلو من حل محلك من علو القدر وعزة الأمر عن قرين يعانده

(2/340)


لا حاسد يكايده أو متطلع يمت إلى الملك بقربى أو يمحل إثافه في اللطافة وأربى يتوهم أن وسيلته تبلغه ما يتطاول إليه من منزلتك وتلبسه لباس تحلتك أو ذي همة جامحة ولأعنان الشرف طامحة يرى أن خطه منحوسا وأن مثله لا يكون مرءوسا وآخر ذاك فيها مفترا فيما أثرت فيه رضى من حكم يفضلك وحسن الإبقا في المملكة يعدلك واحتمل المدافعة حسن موقعك وجلالة محلك فظن تراخيك لإخلال في التدبير وإساءة في التقدير وكلهم ينظر إلى الملك من أصغر جوانبه ويخفى عنه أكثر مما يظهر مذاهبه ولطف المحل والتقدم في العلم والفضل وان كان يغير من حل محلك وناهض فضلك ليس من الاضطرار أن يكون لمنزلته أسبابا ولا لطلبه أبوابا والحق أن تجاهده الجماعة وتقمع منها الطماعة بالزيادة في فضائلك الذاتية والتحرز من ملابسة الدنية والمناصحة لمن خصك بالمزية ولا تكشف في المجادة وجها ولا تبد فيهم غيبة ولا نجها واكسر سورة حسدهم بإحسانك وسوغهم المعروف من وجهك ولسانك واصطنع أضدادهم ممن ضلع عليهم ومثل لديهم تحرس منهم غيبك وتدافع عيبك وتجلو ريبك من غير أن يحس منك لهذا الغرض بفاقة ولا يشعر بإضافة فإنك تنشر معايبهم المطوية وترميهم من أشكالهم بالبلية ثم تتلقى بعد ذلك فوارطهم بحسن الإقالة وتتغمد سقطاتهم بالجلالة وتكر بكرم العفو على سوآتهم السوالف وتخليهم وما بقلوبهم من الحسايف فإن تسلط الجاهل على نفسه قصر عنه من عدل أو أخطأ نيله من فضل أعز على حرمانه من ظفر أعدائه ولا تركن إلى من وترته ولا إلى من حركت حسده وأثرته وخذ حاشيتك يترك التعالي والتضامن لذوي الشرف العالي والإقصار من المطامع وإدالتك في المسامع ولتتخط العدل في الناس إلى الفضل والبشر إلى البذل

(2/341)


والقول الصالح إلى الفعل واختر من تصطنعه لخدمتك وتنصبه مظهرا لنعمتك بنسبة ما شرط في الاختيار في رتبتك فإن إحسان الصنيعة يرد عنك سوء القالة وقبح الإدالة ويصون عرضك من الإذالة الركن السادس فيما تساس به الخاصة والبطانة وذوو الدالة والمكانة واعلم أن من الخاصة مربض لشدائد الدولة ومهماتها ومتسم من ألقاب الغنا بأكرم سماتها فهو يرى لنفسه اليد واليوم والغد وآخر متعلق بقرابة من الملك وحرمه أو وكيد ميل وذمة ولبست حظوظهم من الملك على حسب قوة أسبابهم ووزن ما في حسابهم فإن أطعت فهم الملك ظلمت المملكة حقها وإن عدلت خالفت موافقة الملك وباينت طرقها والصواب التمسك بالترتيب على الإطلاق ووضع الناس من المملكة موضع الاستحقاق واستعمال إرضاء الملك في تفصيل من أثره بحسن العطية وباين بين أصناف الشفوف وأنواع المزية واعلم أن ميل الأعلام إلى رفعة المنزلة أعظم منها إلى الصلة وراع أمر الجماعة فتمم ما وقع بالمستحق من التقصير بكرم المواعيد وإلغاء المعاذير وأصلح قلوبهم للملك بكل ما يتكفل بجبر الكسير واجذبها إلى طاعته بحسن أوصافك وصحة رأيك في القليل والكثير وانحله فضايلك من غير شوب باطن ولا تكدير تصف لك سريرة صدره ويأتمنك على جميع أمره واحذر انصباب القوم عليك وإخلالها بمراكزها من داره وانصرافها إليك والتحامها بك وتمسكها دون الملك بأسبابك اعتمادا على نصرة جنابك وقيامك بأمرها وحسن منابك وخف وضعها إياك من قلوبها وعيونها وكافة شئونها لا يؤثر الملك رضاه ولا يحمد مقتضاه فربما زرع لك في قلبه سوء الطوية وأثبت لك الحقد وخبث النية وخبأ لك وأنت لا تعلم أعظم البلية ولتمكن النفوس أن رضاك برضاه معقود وأنك لا تعمل إلا ما رآه ولا تؤثر إلا

(2/342)


ما ارتضاه وأن لك منه منزلة محمودة ودرجة معقودة من زادك عليها ظلمك وجلب ألمك وأن في قبولك لها وإيثارك ما يزري على فضل اختبارك وعامل الملك في ولده بحفظ الغيب والسلامة من الريب واحفظ له الرسم واستبقه واجعل حقهم دون حقه وإذا دعوت لهم فاشرط السعادة بخدمته وطاعته واجعل رضاه من الولد رأس بضاعته واحذر من إهمال هذا العرض وإضاعته وإياك أن تفضل ولدك ولده ولا عدتك عدده ولا تناقشه في شيء قصده ولا تظهر حاشيتك على حاشيته ولا تتشبه غاشيتك بغاشيته ولا تنازعه تجلته ولا تفخر منزلته ولا تحل محله من جيشه ولا تغر عليه في نباهة بناية وفضل عيشه وتفقد نفسك فانزل عن الرقى اختيارا قبل أن ينزلك اضطرارا فصل وإذا انصرفت إليك من إحدى حرمه رغبة أو تأكدت في مهم قربه أو بدرت إليك شفاعة أو توجهت في حاجة طاعة فلا تسمع رسالتها ولا تعتبر مقالتها إلا من لسان إنسان موصوف عند الملك بإحسان حال من يقنه بمكان واحترز في محاورتها من فلتات اللسان وهفواته وراجع خطابها مراجعة الأخ إلى أكرم إخواته أو الإبن الأبر أمهاته ولا تصغ في مخاطبتها إلى خضوع كلام ورقة تحية وسلام وانفر من ذلك نفرتك من السموم الوحية والمهالك الردية واسدل دون الولد والحرم جناح التقية واكتم سره عن أبناء جنسك لا بل عن نفسك واجعل قلبك له قبرا وأوسعه صيانة وصبرا فإن تزاحم عليك تزاحما تخاف عليه معرة النسيان وإغفال ذكرها على الأحيان فاتخذ لها رمزا يفردك بعلمها ولا تبح لسواك شيئا من حكمها ولا تغفل

(2/343)


مع الأحيان ما جرى به رسمك من عرض كتاب وارد أو خبر وافد أو بريد قاصد واستأمره فيما جرت به العوايد وإن خصت لديه منزلتك ولطفت منه محلتك فلا تترك أن يمر ذلك على سمعه معتنيا لرعيه وأذقه حلاوة الاستبداد بأمره ونهيه واترك له منفذا يحتج له بابه عند مغيبك كما تحببه العدل من نصيبك ولازم سدته مع الأحيان وإياك أن تجتمع معه على فراغ فيبقى الملك مضيعا بمقدار ذلك الزمان وإذا انصرفت إلى منزلتك فاختل بعمالك وكتابك وذوي الرأي والنصيحة من أصحابك على إحكام حال الملك الذي ناطها بك فإذا أمسيت فاشغل طايفة من ليلك بمدارسة شيء من حكم الدين وأخبار الفضلاء المهتدين واجل صدا نفسك بالبراهين ومجالسة العلماء والصالحين واختم سعيك ببعض صحف النبيين وأدعية المرسلين والمتألهين لتختم يومك بالطهارة والعفة والحلم والرأفة واعتدال الكفة وليهون عليك النصب والوصب والعمر المغتصب إنك مهتد بهدي ربك الذي يرعاك وينجح مسعاك ويثيبك على ما إليه دعاك قال فلما استوفى النمر مقاله وأحرز الشبل سؤاله وقرر حاله انصرف متجها إلى خدمته وصرف النمر إلى العبادة وجه همته ثم لحق بعد ذلك بجوار ربه ورحمته وقيد الحاكي ما أفادته هذه المحاورة لتلفى رسما يقتضي وحلما به يهتدي إذا ذهب الأثر وعفا وحسبنا الله ونعم الوكيل

(2/344)



ومن ذلك ما صدر عني في مفاخرة بين مالقة وسلا
ما نصه سألتني عرفك الله عوارف السعد المقيم وحملني وإياك على الصراط المستقيم المفاضلة بين مدينتي مالقة وسلا صان الله من بهما من النسم وحباهما من فضله بأوفر القسم بعد أن رضيت بحكمي قاضيا وبفضلي الخطة سيفا ماضيا لاختصاصي بسكني البلدين وتركي فيهما الأثر للعين على أن التفضيل إنما يقع بين ما تشابه وتقارب أو تشاكل وتناسب وإلا فمتى يقع التفضيل بين الناس والنسناس والملك والخناس وقرد الجبال وظبي الكناس مالقة أرفع قدرا وأشهر ذكرا وأجل شأنا واعز مكانا وأكرم ناسا وأبعد التماسا من أن تفاخر أو تطاول أو تعارض أو تصاول أو تراجع أو تعادل ولكني سأنتهى إلى غرضك وأبين ربع مغترضك وأباين جوهرك وعرضك فبقول الأمور التي تتفاضل بها البلدان وتتفاخر منها به الإخوان وتعرفه حتى الولائد والولدان هي المنعة والصنعة والبقعة والشنعة والمساكن والحضارة والعمارة والإثارة والنضارة فإما المنعة فلمالقة حرسها الله فضل الارتفاع ومزية الامتناع أما مقبثها فاقتعدت الجبل كرسيا ورفعها الله مكانا عليا بعد أن ضوعفت أسوارها وأقوارها وسما بسنام الجبل المبارك منارها وقرت أبراجها وصوعدت أدراجها وحصنت أبوابها وحسن جنابها ودار ببلدها السور والجسور والخندق المحفور فقلهراتها مداين بذاتها وأبوابها المغشاة بالصفايح شاهدة بمهارة بناتها وهمم أمرائها وولاتها كأنها لبست الصباح سربالا

(2/345)


أو غاصت في نهر الفلق بهاء وجمالا أمنت من جهة البحر التقية وأدار بها من جهة البر الحفير والسلوقية لا تجد العين بها عورة تتقى ولا ثلما منه يرتقي إلى الربضين اللذين كل واحد منهما مدينة حافلة وعقلية في حلى المحاسن رافلة وسلا كما علمت سور حقير وثور إلى التنجيد والتشييد فقير إطام خاملة وللروم آملة وقصبتها بالبلد متصلة ومن دعوى الحصانة منتقلة سورها مفرد لا سلوقية نقية وبابها تقصد لا ساتر تحميه والماء بها معدوم وليس له جب معلوم ولا بير بالعذوبة موسوم وفي عهد قريب استباحتها الروم في اليوم الشامس ولم ترد يد لامس من غير منجنيق نصب ولا تاج ملك عليه عصب قلة سلاح وعدم فلاح وخمول سور واختلال أمور وقد سقطت دعوى المنعة فلترجع إلى قيم الصنعة فنقول مالقة حرسها الله طراز الديباج المذهب ومعدن صنايع الجلد المنتخب ومذهب الفخار المجلوب منها إلى الأقطار ومقصر المتاع المشدود ومضرب الدست المضروب وصنعا صنايع الثياب ومحج التجار إلى الإياب لإفعام العباب بشهادة الحس والجن والإنس ولا ينكر طلوع الشمس وأي صناعة في سلا يقصد إليها ويعول عليها أو يطرف بها قطر بعيد أو يتجمل بها في عيد ومنذ سقطت مزية الصنعة فلنرجع إلى مزية البقعة فنقول خص الله مالقة بما افترق في سواها ونشر بها المحاسن التي طواها إذ جمعت بين دمث الرمال وخصب الجبال وقارة الفلاحة المخصوصة بالاعتدال والبحر القديم الصداع الميسرة مراسيه للحط والإقلاع والصيد العميم الانتفاع جبالها لوز وتين وسهلها قصور وبساتين وبحرها حيتان مرتزقة في كل حين ومزارعها المغلة عند استبداد السنين وكفى بفحص قافره صادع بالبرهان المبين وواديها الكبير عذب فرات وادواح مثحرات وميدان ارتكاض بين بحر ورياض

(2/346)


وسلا بلد الرجال ومراعي الجمال بطيحة لا تنجب السنابل وإن عرفت المطر الوابل جرد الخارج وبحرها مكفوف بالقتب والمدارج وواديها ملح المذاق مستمد من الأجاج الزلاق قاطع بالرفاق من الآفاق إلى بعد الإنفاق وتوقع الإغراق وشابلها مقصور على فصل وكم الشوكة من شانصل عديمة الفاكهة والمتنزهات النابهة وإذ بان مصل النفعة فلنلم بذكر الشنعة وهو مما يحتمل فيه النزاع ولا تعطى الأبصار وتطمس الأسماع إذ مالقه دار ملك في الروم ومثوى المصاعب والقروم تشهد بذلك كتب الفتح المعلوم وذات ملك في الإسلام عديد الجيوش خافق الأعلام غني بالشهرة عن الإعلام سكنها ملوك الأدارسة الكرام والصناهجة الأعلام ثم بنو نصر أنصار الإسلام وجيشها اليوم مشهور الإقدام متعدد المين على مر الأيام وتجارها تعقد لواء خافقا وتقيم للجهاد سوقا نافقا وتركض الخيول السانحة وتعامل الله على الصفقة الرابحة وكفاها أنها أم للعدة من الثغور والحصون والمدن ذات الحمى المصون وشجرة الفروع الكثيرة والغصون وما منها إلا معقل سام وبلد بالخيل والرجل مترام وغيد حام يحتوي بها ملك اذخ ونسيق فيها للسلطان فخر باذخ واين سلامن هذه المزية والشنعة العلية أين الجنود والبنود والحصون تزور منها الوفود وإن كان بعض الملوك اتخذها دارا واستطانها من أجل الأندلس قرارا فلقد تم وما أتم وطلبه تم ولنقل في الحضارة بمقتضى الشواهد المختارة ولا كالحلي والطيب والحلل الديباجية والجلاليب والبساتين ذات المرأى العجيب والقصور المبتناة بسفوح الجبال والجنات الوارفة الظلال والبرك الناطقة بالعذب الزلال والملابس المختالة في أفنان الجمال والأعراس الدالة على سعة الأحوال والشروات المقدرة بالآلاف من الأموال وأما سلا فأحوال رقيقة وثياب في غالب الأمر خليقة وذمم منحطة

(2/347)


فقيرة وقيسارية حقيرة وزيت مجلوب وحلى غير معروف ولا منسوب تملأ مسجدها الفذ العدد والأكسية وتعدم فيها أو تقل الطيالس والأردية وتندر البغال وتشهد بالسجية البربرية الأصوات واللغات والأقوال والأفعال وأما العمارة فأين يذهب رايدها وعلام يعول شاهدها وما دار عليه السور متراكم متراكب منسحبة مبانيه كما تفعل العناكب فناديقه كثيرة ومساجده أثيرة وأرباضه حافلة وفي حلل الدوح رافلة وسككه غاصة وأسواقه بالدكاكين متراصة أقسم لربض من أرباضها أعمر من مدينة سلا وأبعد عن وجود الخلا وأملي مهما ذكر الملا بلد منخرق منقطع مفترق ثلثه مقبرة خالية وثلثه خرب بالية وبعضه أخصاص وأقفاص ومعاطن وقلاص وأواري بقر تحلب ومعاطن سايمة تجلب وأما الإمارة فمالقة القدح المعلى والتاج المحلى وهي على كل حال بالفضل أولى حيث مناهل المختص والخارج الأفيح الفحص وسلا لا تأكل إلا من غزرة حالب لا من فلاحة كاسب ومالقة مجتزية بنفسها في الغالب محتبسة من شرقها وغربها بطلب الطالب وأما النضارة فمن ادعى أنه ليس في الأرض مدينة أخطر منها جنابا ولا أغزر منها غروسا وأعنابا ولا أرج أزهارا ولا أضوأ أنهارا لم تكذب دعواه ولا أزرى به هواه انما هي كلها روض وجابية وحوض بساتين قد رقمتها الأنهار وترنمت بها الأطيار وسلا بلد عديم الظلال أجرد التلال إذا ذهب زمن الربيع والخصب المريع صار هشيما وأضحى ماؤها حميما وانقلب الفصل عذابا أليما أما المساكن فحسبك ما بمالقة من قصور بيض وملك طويل عريض جنة السيد وما أدريك بها من جنة دانية القطوف سامية السقوف ظاهرة المزية والشفوف إلى

(2/348)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية