صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب
المؤلف / لسان الدين بن الخطيب
دار النشر / مكتبة الخانجي - القاهرة - 1980م
عدد الأجزاء / 2
الطبعة : الأولى
تحقيق : محمد عبد الله عنان

تركته حين يجر حبل مفرق
ثم إن المرغب قد ذهب والدهر قد استرجع ما وهب والعارض قد اشتهب
وأدات الاكتساب مرجوحة مرفوضة وأسماؤه على الجوار مخفوضة والنية مع الله على الزهد فيما بأيدي خلقه معقودة والتوبة بفضل الله عز وجل شروطها غير معترضة ولا منقودة والمعاملة سامرية ودروع الصبر سابرية والاقتصاد قد قرت العين بصحبته والله قد عوض حب الدنيا بمحبته فإذا راجعها مثلي من بعد الفراق وقد رقى لدغتها ألف راق وجمعتني بها الحجرة ما الذي تكون الأجرة جل شأني وإن رضى الوامق أو سخط الشاني إنني إلى الله مهاجر وللعرض الأدنى هاجر ولأظعان السري زاجر لأحد إنشاء الله وحاجر لكني دعاني إلى الهدي إلى المولى المنعم هوى خلعت نعلى الوجود وما خلعته وشوق أمرني فأطعته وغالب والله صبري فما استطعته والحال والله أغلب وعسى أن لا يخيب المطلب فإن يسره رضاه فأمل كمل وراحل احتمل وحاد أشجى الناقة والجمل وإن كان خلاف ذلك فالزمن جم العوائق والتسليم بمقامي لائق
ما بين طرفه عين وانتباهتها
يقلب الأمر من حال إلى حال
وأما تفضيله هذا الوطن على غيره ليمن طيره وعموم خيره وبركة جهاده وعمران رباه ووهاده بأشلاء زهاده حتى لا يفضله إلا أحد الحرمين فحق برى من المين لكني للحرمين جنحت وفي جو الشوق إليها سرحت وقد أفضت إلى طريق قصدي محجته ونصرتني والمنة لله حجته وقصد سيدي أسنى قصد توخاه الشكر والحمد ومعروف عرف به النكر والآمال من فضل الله بعد تمتار والله يخلق ما يشاء ويختار ودعاؤه بظهر الغيب مدد وعدة وعدد
وبره حالي الإقامة والظعن معتمل معتمد ومجال المعرفة يفضله لا يحصره أمد والسلام الكريم من محبه المثنى على كماله فلان
ومن ذلك في مراجعة قاضي الجماعة عن رسالة في شأن نخلة خارج الحمراء
مزايا النخل يوم الفخر مما
تساوى الشيخ فيه والغلام
وحق بطيبة للنخل طيب
على حجرات ساكنها السلام
فيا قاضي القضاة فدتك نفسي
أقر الخصم فارتفع الكلام

(2/198)


وأنت أيتها الطارقة طروق الولهان المنافرة في الفخر إلى الكهان المسابقة يوم الرهان المنتصرة من امتهان غير المهان حياك الله من أبية حنيم وبارقة غيم وراعية جار ومشيدة نجار وملحقة من قل في أمس ويوم ووجود سوم بسراة قوم مع البراءة من لؤم أو لوم حتى جزت بأنسابه العرب وقارعة النبع بالغرب بين الشعوب والقبائل والبطون والفضائل متلفعة ببرود لبردى البكر والأصايل متى أطلت صحبة كميل واستفدت ما لدى النضر بن شميل متى وردت بغير ثماد من معرفة الأصمعي وحماد حتى رددت كلا إلى نسبه وجبرت على اللقيط لقطة حسبه ورفعت بالأصباع عن ذهدة اللوم وسبرت غابرة الكلوم ورددت المجهول إلى المعلوم وكم مر قبلك من حان وفاعل فوق ناهق وصاهل وسهى وعد ووعيد وطالب مرام بعيد ومبدي في اللغو ومعيد وبارز إلى مصلى عيد وفارس صنديد وأسراب عباديد يمتون إلى تلك الغريبة بالوسائل القريبة ويعترفون لسخبها

(2/199)


بطيب الضريبة وينظرون إليها مع ذلك بالعيون المريبة ويجتنبونها اجتناب الحريبة وهي العمة ولها الحقوق الجمة والرفع والضمة دعنا من إطراء ذاتها والامتعاض لأذاتها والنظر في آلامها ولذاتها ولنعتبر مزية أصلها وصعدة نصلها وبركة فصلها وتفد الجس إلى جنسها عن فضلها أليست قسيمة آدم أبي البرية في طيبة البشرية أليس جذعها المخصوص بالمعجزة السنية لما انثال على البتول بالرطب الجنية بأمر رب هذه البنية وحن إلى الرسول الخاتم واهتز وابتز الشوق من تماسكه ما ابتز إلى ما ورد في الذكر من تكميل لبرها وتتميم وتخصيص من بعد تعميم فما العذر في الإغفال والتباس الهوادي بالأكفال وعدم الاحتفاء والاحتفال وكاد أن يرضخ لها من الأنفال وأن تستعد لتجنبك الأطفال وتوسم بها الموائد الأغفال وتحاط خزائنها إذا كملت جرايتها بالأقفال وينال من ضلعها التقريع والعتب السريع ويعلم بها ذلك الريع ويستدعى لها العيش المريع ويدار بها سياج السلامة ويتاحف من سقيطها ولو بالقلامة ويرفع ببرها عن بني أخيها وترتب الملامة ويجعل للأصول الغريبة كالعلامة لكن ربما أجاب منهم منتدب محتسب وجذب إلى الأنصار منتسب فقال ما لنا وللبر المضاع والعتب المقرر الأوضاع ولم يخف علم الله رحما ولا أنكرناه عيصا ملحما وفوجا ملتحما فما كل نسب يرعى ولا كل ولد يرث أباه شرعا وربما أنكر الأصل فرعا وما كالسعدان كل مرعى وفي التفرقة بين نوح وبين سليله ما يتكفل لهذا القبول بتعليله وتكثير قليله إذ يقول سبحانه وقد جعله ممن يهلك يا نوح

(2/200)


إنه ليس من أهلك وهذا السبيل الذي عفم منه النسل قيل في الحقيقة وحايد عن الطريقة العريقة خلع في السخف الرسن ولم ينبته الله النبات الحسن وأدرك بادس الملك وما سكن فما أطرق بتمره اللسان ولا أطلق بفضله اللسن أغفل الشكر على المعروف وعدل عن الأسماء للحروف ونظر عن الظرف المظروف واتصف مع الأصل الشريف بصفة المشروف بعد أن أكتب من مقر العز جواره وكنفته من معقل الملك أسواره فما عدم ماء يستدعي نماء وآثاره تحفظ منه ذما يحيا عند افتتاح الباب ويبيا وينظر عن يمين المحيا قد رفع علما بباب الشريعة ومنارا بهضب الروضة المريعة يهدي الطارق ويصافح البارق ويشيع الغارب ويستقبل الشارق فأخلف ذلك الخلف الوعد وأثر في الزمن البسط خلقه الجعد أما عموده فقصير وإن طال منه العمر وأما ثمره فمعدوم وإن جادت التمر وأما جديده فغير نافع لمن يريده قد أمكن أهل السبت من ناصيته وأبلغ مرتادهم إلى قاصيته والسمح للكافر بكفراه فما أحقه باللوم وأحراه فاستضافة الكدبة على الغرير ومالوا إليه عن الغير فدان بدينهم واتسم بسمة خدينهم وظهرت عليه الغلة وضربت المسكنة والذلة وحكمهم في مفرقه يعلونه بالأنامل إلى أن يبلغوا منه أمل الآمل وأما من مكائد مستسر في مظنة بر إذا أخبر العبور والتلمود المستور بعيد إسرائيل تهلل وإن باكره التكبير والذكر الجميل تذلل وبالصغار في عين الخشوع تجلل فأقسم بمن حرم الفسوق ووصف الطلع والمبسوق ونفق منها السوق إني ليغلب على ظني وبعض الظن إثم وفوق كل ذي علم عليم وعلى أن نواته المجتلبة على النوى والغربة

(2/201)


الهادية من التخوم الثابتة إلى هذه القربة كان من خمرة خبير اكتسابها وفي بني النظير أو بني قريظة انتسابها وأن بركة بي الحقيق ظهرت على ذلك العذيق فلذلك ما تألفت الأشكال وحق النكال وإلا فما للنخيل وشيم البخيل وأكذاب المخيل والنسب الدخيل إنما هي ممن غل يده العقال ولعن بما قال فليعد ذلك العذق بالملامة على نفسه فهضمه لا يعود على جنسه ومعرة اليوم مرتفعة عن أمسه أمر وعلى ذلك فجواره القريب الذي لا يهمل وعيته بعد وصاة قاضي القضاة لا تسمل بل تكنف إن شاء الله بالرعى وتسمل وتتلقى بالتي هي أجمل فالله قد زكى بنظره الشهود لما وفى النصح المجهود وأدخل في الدين الحنيف على يده النصارى واليهود فالخبر يبارك وسيدي في الرد إلى الحق يشارك والقس يصلب والله عز وجل بسعيه القلوب يقلب حتى أكثرت المهاجرة وبرت القسم الفاجرة ولعل هذه النخلة الإسرائيلية تكون بليته ممن أسلم وأسدى وتعلم وأبل بعد ما تألم وانطلق لسانه بالعز وتكلم حتى يجود غمامها وتحمل بالرطب أكمامها ويعود إلى الملامسة عودها وتنجز بالأزهاء وعودها ويرتفع جمودها الذي شان وخمودها وتيأس اليهود من جناها المحبور وحماها الشاكي بالحبور كما يسر الكفار من أصحاب القبور وإن تمادى الاهويا في مبعث أهل السبت ووقع عليه الكتب بالكبت فعدله أبقاه الله يجبر اليهود على جبره ويرعى ما أبداه من تماسكه على دينهم وصبره وبحكم التوراة في مواراة وصله والزبور وليكلف الحبر أن يعامله معاملة ولده لصلبه وإلا فليجعله جذعا لصلبه وإذا كان كذلك فيرجى أن تنشأ له في أهل الكتاب ناشية وتتعلق به أحاديث فاشية ويجعل الله برأسه من التمر
المضفر شاشية وحفظ أهل الذمة لا ينكر على هذه الأمة والله يبقى سيدي مشيرا للهمة بالأمور المهمة ومحييا للرمة وراعيا للوسائل والأذمة بحول الله
ومن ذلك وقد تكررت حركة السلطان أيده الله تعالى إلى سكنى قصبة المنكب فكثرت بيني وبين الأولاد والأحباب المكاتبة

(2/202)


بحق ما بيننا يا ساكني القصبة
ردوا على حياتي فهي مغتصبة
ماذا جنيتم على نفسي ببعدكم
وأنتم الأمل والأحباب والعصبة
لمن المشتكي بالبطيحة التي هواؤها مثل مائها أجن وقدرها ساجن وساكنها الأصلي جلال داجن وبحرها متلاعب متماجن والمشاهق مثل جارك الناهق مقفر من أنيسه فاغرة حلوق دماميسه والأثر الماثل سيفا فردا لا بل مفردا ينحت جوانب الأعمار ويذود راعيه قطائع الليل والنهار فلقد عوضتني من من النعيم ببوسي وحجبت عني أقماري وشموسي وليت شعري لمن تنافرها الحضرة من الكنهان مستعدية بسبب الامتهان أما المزية التي أحلتها هذا المكان حتى تترك وهي المفداة وتفضل حاضرتها ما سكنته البداه نستغفر الله فالقبح والحسن على الشرع موقوفان والعقل معزول عن هذا العرفان ومولانا أبقاه الله حجة وبحر إدراكه لا يقاس به لجة وحسبنا أن نسل الله إمتاعه بما اختاره فإن يجري وفق غرضه أقداره وإن تشوفتم إلى الحال فمقبول المرض بعد جاثم والشيخ في الشكر على ما ساء وسر آثم واللفظ لجب ووجه الحق محتجب ففرجوا بعض الكرب برقى رقاعكم وبادروا السهو عن مكاتبتي بأرقاعكم
ولا تغفلوا عن مؤانسة من وجوده وحشة لولاكم صانكم الله وتولاكم وشملكم بالعافية وأوردكم في الحل والترحال مواردها الصافية والسلام
ومن ذلك ما كتبت إليهم في المعنى
يا ساكني مرفا الشواني
شوقي من بعدكم شواني
ولاعج الشوق قد هواني
من بعدكم واقتضى هواني
لقد كفاني لقد كفاني
باقي ذما ناهبا كفاني
كأنه مالكا عناني
أنموذج من أبي عناني
منوا على الشوق بالأمالي
فأنتم جملة الأماني

(2/203)


إلى أي كاهن أتنافر وفي أي ملعب أتجاول وأتظافر وبين يدي أي حاكم أتظالم فلا أتفاخر مع هذا الجبل الذي هو في الحقيقة جمل حف به من الدور همل سنامه التامك أجرد وذنبه قد سال كأنه مطرد وعنقه إلى مورد البحر يتعرج ويتعرد وكأنما البنية بأعلاه خدر فاتنة أو برق غمامة هاتنة استأثر غير ما مرة بأنسي وصارت عينه الحمئة مغرب شمسي حتى كان هذا للشكل من خدر وبعير وإن كان مجاز مستعير ليتضمن شكوى البين ويفرق بين المحبين
ما فرق الأحباب بعد الله إلا الإبل
والناس يلحون غراب البين لما جهل
وما على ظهر غراب البين تقضى الرحل
ولا إذا صاح غراب في الديار ارتحل
وما غراب البين إلا ناقة أو جمل
فأقسم لولا أن الله تعالى ذكر الإبل في الكتاب الذي أنزل وأعظم العناية
بها وأجزل لسللت عليها سلاح الدعاء وأغريت بهجرها نفوس الرعاء وقلت أراني الله إكسارك من بعير فوق سعير ولا سمحت عقبة الأندر والشعير بتبن ولا شعير
دعوت عليك لما عيل صبري
وقلبي قائل يا رب لا لا
نستغفر الله وأي ذنب لذي ذنب شامل وليث مائل بإزاء لج هائل يتعاوده الوعد والوعيد فلا يبدي ولا يعيد وتمر الجمعة والعيد فلا يستزيد ولا يستعيد إنما الذنب لدهر يرى المجتمع فيغار ويشن منه على الشمل العار ونفوس على هذا الغرض تساعده وتعينه ليبطش ساعده وتقاربه فيما يريد فلا تباعده
ولقد علمت فلا تكن متجنيا
أن الفراق هو الحمام الأول
حسب الأحبة أن يفرق بينهم
رب المنون فما لنا نستعجل
لكن المحب حبيب ولغرض المحبوب منيب
ويحسن الفعل إن جاء منكم
كما طاب عرف العود وهو دخان

(2/204)


وقد قنعت برسالة تبلغ الأنة وتدخل بعد ذلك الصراط الجنة ويعبر لسانها عن شوقي من دون عقله وتنظر عيني من بياض طرسها وسواد نفسها بمقلة فإن كان الجواب فهو الأجر والثواب ولم أر قبل شوقي من نار تخمد بطرس يلقى على أوارها فيأمن عادية جوارها لكنها نار الخليل ربما تمسكت من المعجزة بأثر وعثرت على آثاره مع من عثر جمع الله من الشمل بكم ما انتثر وأنسى بالعين الأثر وحرس على الكل من مشوق وشائق وموحش ورائق سر القلوب ومناخ الهوى المجلوب ومثار الأمل المطلوب ولا زالت العصمة
تنسدل فوق مثواه قبابها والسعود يحمد في أمره العالي مثابها فالمحبوب إليه حبيب وإن أساء وأوحش الصباح والمسا
إن كان ما ساءني مما يسركم
فعذبوا فقد استعدبت تعذيبي
والسلام عليكم ما حن مشوق وتأود لليراع في رياض الرقاع قصب ممشوق ورحمة الله وبركاته
ومن ذلك وقد أجابني الفقيه أبو عبد الله بن زمرك وإبناي عبد الله وعلى فراجعت الثلاثة بما نصه
أكرم بها من بنا بنان
أرسخ في الفصل من أبان
أجنا لديها الرضا حنان
من المعاني جنا جنان
أي جبى للأكف وأن
مما للمباري به يدان
أقسم بالذكر والمثان
مالك فبما سمعت ثان
مدامة بزت الأواني
تنشط للقول كل دان
تقول أوضاعها الغواني
با العلم عن زينة الغوان
يارب بارك لمن بنان
في الفكر والقلب والبنان
هكذا هكذا وبعين الحسود القذا تتناثر الدرر الكامنة وتهاج القرائح لنائمة الآمنة وتقضى الديون من الطباع الضامنة
أعيذها بالخمس من ولايد
قد قلدت بنخب القلايد غيره
أعيذها بالخمس من حبايب
يغذين بالمراضع الأطايب غيره
أعيذها بالخمس من وجوه
يصونها الله من المكروه

(2/205)


ويامانح قلب القلوب أوريت وصدق مانويت البير بيرك وذو حفرت وذو طويت وما رميت إذ رميت ولو علمنا السرائر لأعددنا لهذا المكيل الغرائر ولو تحققنا إجابة السؤال والنسيج على هذا المنوال لفسحنا الظروف لهذا النوال ساجلنا الغيوث فشححنا وبارزنا الليوث فاقتضحنا وصلينا والحمد لله على السلامة بما قدحنا لا بل التمسنا نقبة وأقطعنا تنورا واقتبسنا جذوة فأقبستنا نورا
ملك الثلاث الآنسات عناني
وحللن من قلبي بكل مكان
هذا الهلال وتلك بنت المشتري
حسنا وهذي أخت غصن البان
متى كان أفق المنكب مطلعا لهذا الكوكب وأجمة تلك الساحل الماحل من معاهد الدمر الحلاحل ومورد الجمل البادية الغر مقاصا لمثل هذا الدر إلا أن يكون كنز هذا المرام المستدعي الكلف والغرام من مستودعات تلك الأهواء والأهرام دمنة الملك الغضاب بعد أن قدست الأنصاب وأقفى الأثر فلا يصاب أو تكون الأنوار هنالك تتجسم والحظوظ تعين وتقسم والحقائق تحد وترسم أو تتوالد بتلك المغارات يوسانيا وروسم ظننت بأن تثور من أجم الأقلام أسود وتعبث بالسويداوات من نتائج اليراع والدواة لحاظ سود من قال في الإنسان عالما صغيرا فقد ظلمه كيف والله بالقلم علمه ورفع في العوالم علمه لقد ذرت حلمات تلك الأحلام من رسل غرير وما كان فحل تلك الأقلام بزير ولا سلطان تلك الطباع المديدة الباع ليستظهر بوزير إنما هي مشاكي أعمال أوقدها الله وأسرجها وملكات في القوة رجمها مرجح القدرة فأبرزها إلى العقل وأخرجها وأحرى بها أن تحط بذور

(2/206)


المدارك الإلهية رحالها وتترك إلى الواجب الحق مجالها فتجاوز أوحالها مستنيرة بما أوحي لها إيه بنية أقسم برب البنية وقاسم الحظوظ السنية لقد فزت من نجابتكم عند التماح إجابتكم بالأمنية فما أبالي بعد بالمنية وقاه الله عين الكمال من كمال وصان سروجه من السمال واكتنفه بالمزيد من عز يمين وشمال كما سوغ الفقير مثلي إلى فقرها زكاة حجال لا زكاة جمال ولعمري وما عمري علي بهين ولا الحلف في مقطع الحق بمتعين لقد زحفت منها إلى ثلاث كتائب قادها النصر جنائب ألفاتها العصي ونوناتها القسي وغاياتها المرام العصي ورقومها الخلق وجيادها قد فشى فيها البلق بحيث لا استظهار للشيخ إلا بشعب ولا افتراس إلا لمن قد قدر ودريد هذا الفن يحمل في خدر
سلت على سيوفها أجفانه
فلقيتهن من المنيب بمغفر
فلولا تقدم العلم بالسلم لخيف من كلمها وقوع الكلم أما أحداهن ذات القيام والدلج بالإعتام المستمد سوادها الأعظم من مسك الختام فعالت فريضتها بالزيادة وعلت يدها بمنشور السيادة ورسم شنشتها المعروفة أخزم وجادها من الطبع المعين السماك والمرزم وظفر أسجاعها المظفرة لزوم ما لا يلزم
خدم اليراع بها فدلجها
وسألت مجتهدا عن الفرض
فعلمت أن الصلح مقصده
لتزول بعض عداوة الربض
وأما أختها التالية ولدتها الحانية فنؤوم مكسال ريقها برود مسلسال ومن دونها موارد وكسال وذيب عسال وإن عالت بنقض في النظم فقد أخذت من البدائع بالكظم وامتكت المعالي امتكاك العظم وأما الثالثة فكاعب حسنها
بالعقول متلاعب بنت لبون لا بنت حرب زبون حياها الله وبياها فما أعظم رياها
تشم أنفاس نجد من ثيابهم
عند القدوم لقرب العهد بالدار

(2/207)


ولو قصرت لتغمد تقصيرها وكثر بالحق نصيرها فكيف وقد أجابت وصابت غمامتها وجادت وقد شكرت على الجملة والتفصيل وعرفت منه الباذل وجهد الفصيل وطالعت مسائل البيان والتحصيل وقابلت مفضض الضحى بمذهب الأصيل وأثرت يدي وكانت إلى تلك الفقر الفقيرة ونبهت في عيني الدنيا وكانت حقيرة ورجوت أن لا تعدم هذه الأسواق مديرا ولا تفقد هذه الآفاق روضة وغديرا وسألت لجملتكم المحوطة الشمل الملحوظة بعين الستر الجميل عزا أثيرا وخيرا كثيرا وأمنا تحمدون منه فراشا وثيرا وعذرا أيها الأحباب والصفو اللباب عن كدح سن وكبره وفل استرجاع وعبرة استرقته ولج الشغب طام ذو التظام والخلق فراش يكبون منى على حطام ورسل الفرنج قد غشى المنازل منثالها ونتجتها بالعشى أمثالها والمراجعات تشكو البث والجفاة تستشعر المكيدة والحيف
ولو كان هما واحدا لبكيته
ولكنه هم وثان وثالث
والله عز وجل يمتع بأنسكم من عدم الاستمتاع بسواه وتصر عليه متشعب هواه ويبقى بركة المولى الذي هو قطب مدار هذه الأقمار والأهلة لا بل مركز فلك الملة وسجل حقوقها المستقلة والسلام عليكم ما حنت النيب إلى الفصال وتعللت أنفس المحبين بذكر أزمنة الوصال وكرت البكر على الآصال ورحمة الله وبركاته

ومن ذلك وقد صدرت بين فاضلين من الأصحاب مكاتبة مفتتحة بأبيات وصرفا إلى التحكيم وجعلا لنظري التفضيل فكتبت
بارك عليها بذكر الله من قصص
واذكر بها ما أتي في سورة القصص
حيث اغتدى بسحر يلهو بالعقول وقد
أجال بين حبال كبده وعص
عقائل العقل والسحر الحلال ثوت
من كافل الصون بعد الكون حجروص
وأقبلت تتهادى كالبدور إذا
سجن من فلك التدوير في حصص
من للبدور وربات الخدور بها
المثل غير مطيع والمثال عص
ما قرصة الشمس والشمس المنيرة إن
قيست بهن سوى من جملة الفرص
تالله ما حكمها يوما بمنتقض
كلا ولا بدورها يوما بمنتقص
إن قال حكمى فيها بالسواء فقد
أمنت ما يحذر القاضي من الغصص
أو كنت أرخصت في الترجيح مجتهدا

(2/208)


لم يقبل الورع الفتيا من الرخص
يا مدلج ليل الترجيح قف فقد جفيت الكواكب ويا قافي طرق التحسين والتقبيح تساوت والحمد لله المناكب ويا مستوكف خبر الوقيعة من وراء قتام القيعة تصالحت المواكب حصحص الحق فارتفع اللجاج وتعارضت الأدلة فسقط اللجاج وطاف نحل الأقلام بأزهار الأحلام فطاب المجاج وقل لفرعون البيان وإن تأله وبلد العقول وبله ودل بالغرور
ودله أوسع الكناس نثلا ودونك أيدا شلا وشجرا جثلا لاخمطا ولا أثلا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى وإن أثرت أدب الحليم مع قصة الحكيم فقل لمجيل جياد التعاليم وواضع حفر أبيار الأقاليم أندلسنا كما علمت بلد الأجم لا سود العجم ومداحض السقوط على شوك قتاد القوط ولم ندر أن محل ذات العجايب والأسرار التي تضرب بها أباط النجايب في غير الإقليم الأول وهذا الوطن بشهادة القلب الحول إنما هو رسم دارس ليس عليه من معول فهنالك يتكلم الجن لبعضهم ويفهم ويرد المدد على النفوس الحزينة من مطالع الأضواء الكلية فيحدث ويلهم وعود خازن الأمدار على المتوسل لوسيلة الاستعداد فيقطع ويسهم وأما أقليمنا الرابع والخامس بعد أن تكافأت المناظر والملابس وتناصف الليل الدامس واليوم الشامس ذاعتدال ربيعي ومجرى طبيعي وذكى وبليد ومعاش وتوليد وطريف في البداوة وتليد ليس به مرماة ولا هرم يخدم بها ذرى يخترم ويشب لغربانه ضرم فيفيد روحانيا يتصرف وربيا يتعرض ويتعرف كلما استنزل صاب وأعمل الانتصاب وعلم الجواب وفهم الصواب ولو فرضنا هذه المدارك ذوات أمثال أو مسبوقة بمثال لتلقينا منشور الفضايل بامتثال لأننا نخاف أن نميل بعض الميل فنجنى بذلك بخس الجرى وارضاء الزميل وتجر تنابح الزهري مع الصميل فمن خير حير ومن حكم ازدرى به وتحكم فما سل سيوف الخوارج في الزمن الدارج إلا التحكيم حتى جهل الحكيم وخلع الخطام ونزع الشكيم فأضر

(2/209)


بالخلق نافع وذهب الطفل لجراه واليافع وذم الذمام ورد الشافع وقطر سيف قطره بكل نجيع طرى وزار لشبيب الأسد الهصور وصلت الغزالة بمسجد الثقفي وهو محصور وانتهبت المقاصير والقصور إلا أن مستاهل الوظيفة الشرعية عند الضرورة تحير والمنتدب للبر يجبى عند الله ويحير واجعلني على خزاين الأرض وهو الأصح الأشهر فيما به يستظهر وأنا وإن حكت على التعجيل فغير مشهد على نفسي بالتسجيل إنما هو تلفيق يرضي وتطفيل يعتب عليه من يصدع بالحق ويمضي إلا أن يقضي ورأيي فيها المراضات وإلا فالسلاح والركاب الطلاح والصلح خير وما استدفع بمثل التسامح ضير ومن وقف عليه واعتبر ما لديه فليعلم أني قد صدعت وقطعت والحق أطعت وإن أريد إلا الإصلاح ما استطعت والسلام
ومن ذلك ما خاطبت به أبا الحسن القرموني من حذام الخطيب أبي عبد الله بن مرزوق ولها حكاية تظهر من الرسالة حملني أعزك الله على قصدك وتحقيق رصدك ما حدثوا بتونس عن يوم فصدك وأن العاقل ود يومئذ أن يكون حجاما ولم يعرف إسراجا في ابتغاء الفضايل ولا إلجاما ولا يعرف امتيازا بالفضايل ولا اختصاصا إلى ليلاتك التي فضحت الظلم وأنست ليالي ذي سلم وأضحت لشهرتها نارا على علم إذ بانت العيدان مصطفة اصطفاف الهدى أخذة ما بين رأس السرطان إلى رأس الجدي وقلت نفسي لا تدين بالإمساك ولا تليق لوعظ النساك لابد تحت هذه السفرة من نفاضة وحول هذه الزبرة من قراضة فلما رأيتك رأيت مخيلة
رجولة في طلعة مقبولة وعلمت أن اختصاص سيدنا باستعمالك وعدم إهمالك قبول الشهادة مزكيك وبيان يرفع التشكيك فاستعنت بقربك وطعنك وضربك وقد بلغني جميل بلائك وإن كان ضعيفا لكن الله سبحانه وله المثل الأعلى يقبل رغيفا والشكر واجب والعمل الصالح لا يحجبه عن الرقى حاجب فخاطبتك شاكرا وبفضل ما صدر عنك ذاكرا والسلام
ومن ذلك ما كتبت فيما يظهر من الرسالة لأحد الفضلاء بما نصه
تعرفت قرب الدار ممن أحبه
فكنت أجد السير لولا ضروره

(2/210)


فأتلوا من أبي المحاسن سورة
وأبصر من شخص المكارم صوره
كنت أبقاك الله لاغتباطي بولائك وسروري بلقائك أود أن أطوي إليك هذه المرحلة وأجدد العمر بلقياك المؤملة فمنع مانع ولا ندري في الآتي ما الله صانع وعلى كل حال فشأني قد وضح منه سبيل مسلوك وعلمه مالك ومملوك واعتقادي أكثر مما تسعه العبارة والألفاظ المستعارة وموصلها ينوب عني في شكر تلك الذات المستكملة شروط الوزارة المتصفة بالعفاف والطهارة والسلام
ومن ذلك ما صدر عني مما خاطبت من بعض الفضلاء
يا حفيد الولي يا وارث الفضل
الذي نال في مقام وحال
لك يا أحمد بن يوسف حبا
كل ثغر يعنى أكف الرجال
أبقاك الله مثابة انتفاع ونورا على يفاع ومتضعا على علو وارتفاع ترى الوتر في أشفاع وتقابل الوهم بطراد من الحقيقة ووضاع ان حثت على لقاء الأعلام شهرتهم فلك الشهرة وأنت العلم والشهاب الذي تجلى به الظلم

(2/211)


ورباط جدك بالمغرب الركن المستلم فإلى أين يذهب عن جنابك الذاهب وقد وضحت المذاهب والله المانع والواهب وإلي من لدن اجتليت غرتك التي تلوح عليها سيما الولاية إرثا واكتسابا وانتماء إلى جانب الله وانتسابا أؤمل التوسل والتقرب وأخطب منك الأنس الذي أنسى به التغرب إلى أن تهيأ بفضل الله وتيسر وتبين مجمل الشوق وتفسر وشتان ما بين أثرى وأعسر وأنا الآن والحمد لله قد حططت بمثوى الولاية رحلي وعثرت بأثر أسرار الأبرار نحلى وأخذت من الدهر ذحلى وحللت من رباط الشيخ أبي محمد صالح بالحرم الأمين فظفرت من ود حافده بالذخر الثمين فيا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين عرفتك أبقاك الله بقصدي وحركة رصدي لتعلم أن هذه الوجهة لقاؤك أقوى دواعيها وأنجح مساعيها وبركة الشيخ نفع الله به تلاحظها وتراعيها فما استبعد المرام من قصد الكرام وما فقد الإيناس من أمل الناس وتنخل الأفراد وتخطى الأجناس وترك للنصر القياس وتملك المنى لما أحرز الرياس وسيدي بعد وما يظهر له من تأنيس غربته وإزاحة كربته ووعى وسيلته وقربته وإتحاف باجتلا حمى نزور وتربة والله عز وجل يبقيه مقصودا على بعد المكان مرجحا في الفضل طرف الإمكان مطمين الفؤاد بذكر الله رطب اللسان من رجا في الوصول إليه مقام الإسلام والإيمان والإحسان والسلام

ومن ذلك ما خاطبت به أحد الفضلاء
إن كانت الآداب أضحت جنة
فقد غدا جنانها الجنان
أقلامه القصب اللدان بروحها
والزهر ما رقمته منه بنان

(2/212)


ما كنت أيها الفاضل الذي زار وتفقد وضاء كوكبه الدري وتوقد فأنسى سناه الفرقد أظن هذا البلد يشتمل على مثل درتك درجة ولا يشرف بمثل نيرك برجه ولا يشمخ بمثل بطلك سرجه حتى اجتليت منك معارف شتى وغاية فضل لا تحد بحتي فعلمت أن البلدان بخيارها لا بتعدد ديارها والأماكن بأربابها لا بتعدد أبوابها وقد علمت أي ضيف وقراي خفيف لا قديد ولا ضعيف إنما هو أنس يبذل ونفس في الانقباض تعذل ومذاكرة يهز دوجها وينشق روحها فإن أردت أن تعدد ما أفردت وتعيد من دول الفضايل ما أوردت أفدت شكرا لا يجر ذكرا واغتنمت حمدا وشكرا والسلام الكريم ورحمة الله وبركاته
ومن ذلك ما خاطبت به قائد الأسطول أهنيه بطلوع ولده أبقاك الله أيها القائد الذي بأسه ضرم وشأنه شجاعة وكرم ومحل ولايته من العدو حرم لا تسل عن شوقي لقربك وعكوفي على حبك وضراعتي في سعادتك إلى الله ربي وربك وبلغني الطالع لديك والوارد من حضرة المواهب الآلهية عليك جعله الله أسعد مولود على والد ووقفك لما يرضيه من مقام الشاكر الحامد وأقر عينك منه بالقائد بن القائد ابن القائد بن القائد وقد كنت أعدك منه تفاؤلا واستفتاحا وسؤالا من الله واستمناحا فالحمد لله الذي صدق الزجر ووضح الفجر وقد نظمت له أبياتا إن أدركته بعدها حياتي بر وشكر أو كانت الأخرى ترحم وذكر وهي
أرفع قسى الشتات بوعده
واستنجز النصر العزيز لوعده
وانظر إليه تلح إليك بوجهه
سمة الشجاعة من أبيه وجده
لله من سيف لنصرك صارم
ينساب ماء الحسن فوق فرنده
صدرت إليك بشارتي وتفاؤلي
بالأمر قبل بروزه من غمده
يستبشر الأسطول منه بقائد
كالبدر تحت شراعه أو بنده
والبحر يفخر منه يوم ولاده
بملنده ابن ملنده ابن ملنده

(2/213)



ومن ذلك ما صدر عني لما استدعى مني الإجازة وكتبت ما نصه أما بعد حمد الله الذي جعل الفضائل بذرا تنبت زرعا وأصلا يخلف فرعا فإن أهمل الأصل فهو من الاستعادة الفصل وإن نرك الزرع ضاق بالحاجة الضرع فحفظها لهذا السبب حفظ الأنواع وأغرى بها سكيمة الفكر وكريمة الطباع فاضطرت العناية واستمرت وانثالت ودرت ونجحت الأعمال وانبعثت الآمال وتعديت شروط الوجوب إلى شروط الكمال والصلاة على سيدنا ومولانا محمد رسوله الذي فضلت ملته الملل وشفت هدايته العلل فكان مما انفردت به رواية السلف عن السلف وتلافى الفوائد من قبل التلف والرضى عن آله الطيبين وصحابته المنتخبين فإني لما استدعاني السيد الكبير الحبر الإمام صاحب القلم الأعلى والطريقة المثلى والذات الفضلى ريحانة الأندلس الذي تضوع فيها المغرب وتغنى بحديث فضلها الحادي المطرب وفخر الأفق الجهادي وبيتا معمورا بالوزراء الأخيار والصلحاء الأبرار ونسبا في ذروة الأنصار من بني النجار وحسبك بخؤولة المختار وعفافا طاهر الثوب ضافى الإزار إلى الوجه المبشر بالسعادة وبيمن النقيبة في الإبداء والإعادة والمحيا الذي نضر الوجه وراق البشرة والذات التي لا تعرف

(2/214)


الخسرة والعلم المملك من أزمة الفنون المسلم له في الإبكار منه والعون أبو فلان لإجازة ولده الأسعد الأمجد وارث رتبته الشماء بعد تملي الحياة وطول البقاء وتتمة عين المجادة والعلياء أبي فلان وابن أخيه الفاضل الصدر الرفيع القدر أبي الفضل وهو الولد الأسعد أبو فلان شمل الله الجميع بستره وعصمته ووصل لهم ما عودهم من نعمته وشغلهم بالعلم النافع وخدمته وأعلقهم بوسائل العرفان وأذمته تضاءلت علم الله إجلالا لمحله من التبحر في المعارف واستظلاله بظلها الوارف لكن قدمت امتثالا وحذوت من أمره مثالا وبادرت اعتمادا على إغضايه واتكالا فقلت أجزت للوزير المذكور فيما يصح لي أن أجيز فيه من رواية أشرك هذا الفاضل في بعضها وأسهم بتافه من فرضها ونظم ونثر هذا المكتتب من بعض فنيه وتأليف ينبه عليه ككتاب الإحاطة في تاريخ غرناطة في سبعة أسفار و عايد الصلة في سفرين و عمل من طب لمن حب في سفر و الكتاب اليوسفي في سفرين و طرفة العصر في ثلاثة والصيب والجهام في سفرين و نفاخة الجراب في ثلاثة و الأراحيز الخمس من تطمى بمدينة سلا في أصول الفقه و التاريخ الإسلامي والسياسة والعلاج والأغذية إلى غير ذلك مما هو بهرج يفتقر إلى إغضاء العارف وزيف يحتاج إلى مسامحة أمام الصيارف إجازة تامة على شرطها المعتبر وسننها الواضح الأثر والله يعدل بنا إلى ما ينفع ويزكى ويرفع فلقد ذهب العمر الأطيب في السعي الأخيب وانصرف الزمن الأبدع في السراب الذي يخدع اللهم لا تطردنا من بابك ولا تقطع بنا عن جنابك وكتب العبد الغافل الراجي الآمل فلان في كذا

ومن ذلك ما خاطبت به المقام السلطاني بما يظهر من الغرض
أبقاك ظلا للعباد وملجأ
وأعانك الرحمن من سلطان
قد زين الدنيا بنور جماله
فلذلك ما يدعى أبا زيان

(2/215)


مولاي سلطان المسلمين والإسلام مختار الملك العلام المستخلص رحمة لعباد الله من أيدي عباد الأصنام الذي أحسن خلقه وسوغه بارئه من وراء البحار الزاخرة والأمم الكافرة وأورثه حقه المولى الهمام الخليفة الإمام أبو زيان ابن مولانا ولي العهد وفارع هضبة المجد المقدس المطهر المعلم بشيم الكرم المشهر أبي عبد الرحمن ابن مولانا كبير الملوك وإمامها وعلم أعلامها الإمام الخليفة الشهير - المعظم المقدس أبي الحسن ابن موالينا الأئمة المهتدين والخلفاء من بني مرين أبقاه الله ممتعا بالملك الذي ألبسه حلته وشفا به علته وجعله في عقبه باقيا وكان له فيها حافظا وافيا عبدكم الذي أمن عدوان الدهر في ظلكم ونشق نسيم الرحمة من جانب فضلكم وتعرف من ضروب نعمكم الكريمة الأنواع والأجناس واستضاء من حبكم وطاعتكم بنور يمشي به في الناس ما أوجب أن يتمثل بقول أبي نواس
علقت بحبل من حبال محمد
أمنت به من طارق الحدثان
تغطيت من دهر بظل جناحه
فعيني ترى دهري وليس يران
فلو تسل الأيام ما اسمي ما درت
وأين مكاني ما عرفن مكاني
يسلم على المقام المولوي سلام العبودية الثابتة الرسم ويتطارح على تقبيل ذلك البساط بالروح قبل الجسم ويسل الله لكم ونور الحظ من السعادة والقسم ويطالع بأنه انصرف بنية الرحيل إلى مراكش إلى وأهم الأغراض أن يلتمس الدعاء بمقام الأبوة من المشاهدة المشهورة بقبول السؤال المتكفلة ببلوغ الآمال فلما توسط تامسنا شعر بالضعف عن الحركة وأحس بأسباب

(2/216)


المرض منفردة ومشتركة فانكفأ راجعا مستعينا بالله وببركة المولى الذي عرفت رحمته وغمرت في الظعن والإقامة نعمته خوفا من ألم يتحكم أو مرض يسري في هذه البنية الضعيفة ويلحم ونرجو الله أن يقتضي لكم الدعاء من هذا الولي الذي من الله بجواره وجعله من بركات هذا البلد وآثاره إلى أن يتيح نشاطا مستأنفا للحركة التي كان قد أزمعها وييسر الأعانة ويسوغ مشرعها وقد كان العبد عني برحلة تصف المراحل والمنازل والحادي والنازل والجاد والهازل مطرزة باسمكم السعيد مشرقة باسمكم الحميد حسبما يتضمنه أفذاذ بعث العبد شيئا من فصولها وفروعها وأصولها تقرر أن الحركة والسكنة بالخدمة معمورة والنفس مسخرة في التماس رضاء المولى أيده الله ومأمورة وهو جل وتعالى المعين على لازم العبودية بجلالتكم المولوية والسلام الكريم المبارك العميم ورحمة الله تعالى وبركاته
كتب الدعابات والفكاهات
فمن ذلك ما خاطبت به أبا زيد بن خلدون وقد اشترى بكرا من بنات الروم مولدة اسمها هند وأعرس بها
أوصيك بالشيخ أبا بكرة
لا تأمنين في حالة مكره
واجتنب الشك إذا جئته
جنبك الرحمن ما تكره

(2/217)


سيدي لا زلت تتصف بالوالج بين الخلاخل والدمالج وتركض فوقها ركض الهمالج أخبرني كيف كانت الحال وهل حطت بالقاع من خير البقاع الرحال وأحكم بمروود المراودة الاكتحال وارتفع بالسقيا الإمحال وصح الانتحال وحصحص الحق فذهب المحال وقد طولعت بكل بشرى وبشر وزفت هند منك إلى بشر فلله من عشية تمتعت من الربيع بفرش موشية وابتذلت منها إلى وساد وحشية وقد أقبل ظبى الكناس من الديماس ومطوق الحمام من الحمام وقد حسنت الوجه الجميل النظرية وأزيلت عن الفرع الأثيت الأبرية وصقلت الخدود فهي كأنها الأترية وسلط الدلك على الجلود وأعزيت النورة بالشعر المولود وعادت الأعضاء يزنق عنها اللمس ولا تنالها البنات الخمس والسحنة يجول في صفحتها الفضية ماء النعيم والمسراك يلبي من ثنية التنعيم والقلب يرمى من الكف الرقيم بالمقعد المقيم وينظر إلى نجوم الوشم فيقول إني سقيم وقد تفتح ورد الخفر وحكم لزنجي الظفيرة بالظفر واتصف أمير الحسن بالصدود المغتفر ورش بماء الطيب ثم أعلق به دخان العود الرطيب وأقبلت الغادة يهديها اليمن وتزفها السعادة تمشي على استحياء وقد ماع طيب الريا وراق حسن المحيا حتى إذا نزع الخف وقبلت الأكف وصخب الزمر وتجاوب الدف وذاع الأرج وارتفع الحرج
وتجوزوا اللوا والمنعرج ونزل على بشر بزيارة هند الفرج اهتزت أرضه وربت وعوصيت الطباع البشرية فأبت ولله در القائل
ومرت وقالت متى نلتقي
فهش اشتياقا إليها الخبيث
وكاد يمزق سرباله فقلت
إليك يساق الحديث
فلما انسدل جنح الظلام وانتصفت من غريم العشاء الأخيرة فريضة الإسلام وخاطت خيوط المنام عيون الأنام تأتى دنو الجلسة ومسارقة الخلسة ثم عض النهد وقبلت الفم والخد وارسال اليد من النجد إلى الوهد ثم كانت الإمالة قليلا قبل المد ثم الإفاضة فيما يغبط ويرغب ثم الإماطة لما يشوش ويشغب ثم إعمال المسير إلى السرير
وسرنا إلى الحسنى ورق كلامنا
ورضت فذلت صعبة أى إذلال

(2/218)


فاستقرت على موطإ مالكها وأصبهانى مسالكها ومقتضى فذالكها بعد منازعة للأطواق يسيرة يراها الغيد من السيرة ثم شرع في حل التكة ونزع السكة وتبينت الأرض العوار عمل السكة ثم وقع الوحى والاستعجال وحمى الوطيس والمجال وعاك الجزء الخفيف وتضافرت الخصور الهيف وتشاطر الطبع العفيف ثم تواتر التقبيل ثم كان الأخذ الوبيل وامتاز الأنوك من النبيل ومنها جائر وعلى الله قصد السبيل فيالها من نعم متداركة ونفوس في سبيل القحة متهالكة ونفس يقطع حروف الحلق وسبحان الذى يزيد في الخلق وعظمت المانعة وكثرت باليد عن الموضع المعتمد المصانعة وطال التراوغ والتزاور وشكى التجاور واشتد القلق والتضاور فهنالك تختلف الأحوال وتعظم الأهوال وتخسر أو تربح الأموال فمن عصا عسطوس تنقلب ثعبانا مبينا وبدنه تصير تنينا وبطل لم يهله المعترك الهايل والوهم
الزايل ولا حال بينه وبين قرية الحايل فتعدى فتكه السليك إلى فتكة الفراض وتقلد مذهب الأزارقة من الخوارج في الأعتراض واتصف بصفة الساخط وهو الراضى ولوح في ميدان السرير بالحسام الطرير ولف في ملعب الأوطار بالقنا الخطار ثم شق الصف وقد خضب السيف والكف بعد ما كاد يصيب البرين بطعنته ويبوء بمقته ولعنته طعنت ابن عبد القيس طعنة ثاير لها نفذ لولا الشعاع أضاها وهنالك هدأ القتال وسكن الخيال ووقع المتوقع فاستراح البال وتشوف إلى مذهب التنويه من لم يكن ليمر له التوحيد ببال وكثر السؤال عن المبال بها فقال
وإن تعددت اللذات واطردت
فليس يعدل شيء لذة الظفر
ولم يجربوا للحروب صريعا أشفق من صريع السرير على من صرعه نصب اليد الذايل وشرعه حتى أضرعه فيكثر ما ينشد ونفسه قد خلت وقواه قد انجلت ونظرة عينيه قد اختلت
خليلي هل أبصرتما أو سمعتما
قتيلا بكى من حب قاتله مثلى
ويقول وقد نظر إلى دمه يسيل على قدمه
أنى له عن دمي المسفوك معتذر
أقول حملته في سفكه تعبا

(2/219)


ومن سنان غادره عند الحاجة عنانا وشجاع صار مدانا جبانا كلما شابته رايبة شيبة أدخل يده في جيبه فانحجرت الحية وماتت الغريزة والحية فكأنه سلحفاة أغمدت ورأسها جحدت فكأنه يزيغ البصر ويخذل المنتصر وتسلم الأجر ويغلب الحصر ويجف اللعاب ويخفق الفؤاد ويكبو الجواد
ويسيل العرق وتجري في غير محله المرق ويعظم الكرب ويشتد الأرق وينشأ في محل الأمن الفرق ويدرك فرعون الغرق ويقوي اللجاج ويعظم الخرق فلا يزيد الحال إلا شدة ولا تعرف تلك الجارحة المومنة إلا ردة
إذا لم يكن عون من الله للفتى
فأكثر ما يجني عليه اجتهاده
فكم مغري بطول اللبث وهو من الكيد والخبث يؤمل الكرة ليزيل المعرة ويستنجز الوعد ليستأنف السعد ويستنفر الخيال ويعمل باليد الاحتيال
إنك لا تشكو إلى مصمت
فاصبر على الحمل الثقيل أو مت
ومكثر اللثم والضم والعض والشم يدعو في خلل هامد ويضرب في حديد بارد
لقد ناديت لو أسمعت حيا
ولكن لا حياة لمن تنادي
وكم معتذر بمرض أصابه جرعه أوصابه ووجع طرقه جلب أرقه ومغضب يقلد للمانعة الذنب ويطوقها العتب وخطيب أرتج عليه أحيانا فقال سيحدث الله بعد عسر يسرا وبعد عي بيانا اللهم إنا نعوذ بك من فضايح الفروج إذ استغلقت أقفالها ولم تتسم بالنسيم أغفالها ومن معرات الأقدار والنكول عن الأبكار ومن النزول عن البطون والسرر والجوارح الحسان العزر قبل ثقب الدرر ومن سواد الوجه إذا بكرت الوجوه ونالت النفوس من إطراء العادين والمهنين ما ترجوه ولا تجعلنا ممن يستحي من البكر بالغداة ويعلم منه كلال الجد وضعف الأداة هذا مجال فضح فيه رجال وفراش تنكبت فيه أوجال وأعملت روية وارتحال فمن قايل
أرفعه طورا على أصبعي
ورأسه مضطرب أسفله
كالحنش المقتول يلقى على
عود لكي يطرح في مزبله
وقال
عدمت من إيرى قوي حسه
يا حسرة المرء على نفسه
تراه قد مال على أصله
كحائط خر على أسه
وقائل
أيحسدني إبليس فأين أصبحا
برجلي ورأسي دملا وزكاما
فليتهما كانا به وأزيده

(2/220)


رخاوة أير لا يطيق قياما
إذا نهضت للنيك أرباب معشر
توسد إحدى خصيتيه وناما
وقال
أقول لا يرى وهو يرقب فتكه به
خبت من أير وغالتك داهية
إذا لم يكن للأير بخت نعذرت
عليه وجوه من كل ناحية
وقائل
تعقب فوق الخصيتين كأنه
رشا إلى جنب الركية ملتف
كفرخ ابن ذي يومين يرفع رأسه
إلى أبويه ثم يدركه الضعف
وقائل
تكرش أيري بعد ما كان أملسا
وكان غنيا من قواه فأفلسا
وصار جوابي للمها أن مررن بي
مضى الوصل إلا منية تبعث الأسا
وقائل
بنفسي من حييته فاستخف بي
ولم يخطر الهجران يوما على بال
وقابلني بالهزء والنجه بعد ما
حططت به رجلي وجردت سربال
وما ارتجى من موسر فوق دكة
عرضت له شيئا من الحشف البال
هموم لا تزال تبكي وعلل على الدهر تشكى وأحاديث تقص وتحكى فإن ذلك العضو على شهرته وعظم قدرته يستمد من الميرة وحركته لا تقوم إلا بالمؤن الكثيرة من حيا يرتفع وبلادة بها في الغالب ينتفع وفكر يعقد وشبق على اصله يعقد ورياح تنفخ ورطوبة ترضخ وعضل شديد وعمر جديد ومزاج في عرض الجو طويل مديد وهو غير مطاوع للإرادة
ولا معط للقادة خبيث وقاح شامت نضاح كم نقض من وقت وجلب من مقت لا يستصلح بالتعليم ولا يرد عن مرتكبه الذميم بالقول الأليم ولا يغلب إلا بمقام الرضا والتسليم
حكموا فلا أحلى من التسليم
وأدر رحيق فؤادي المختوم
مبرد به الأحشاء من نار الجوى
وانضح لهيب فؤادك المكلوم
ما قابل التسليم نار صبابة
إلا إلا انثنت في حال برد نعيم

(2/221)


فإن كنت أعزك الله من النمط الأول فقد جنيت الثمر واستطبت الثمر وتلوت أول وردك اقتربت الساعة وانشق القمر فاستدع الأبواق من أقصى المدينة واخرج على قومك في لباس الزينة واستعد كرسي القعود والقبقاب من المدهون المشهود واستبشر بالوفود وعرف المسمع عارفة الجود وتبجح بصلابة العود وإنجاز الوعود واستمتع بالشهود واجن رمان النهود من أغصان القدود وانس من الشعور السود عباسية البنود واقتطف ببنان اللثم أفاح الثغور وورد الخدود وإن كانت الأخرى فأخف الكمد وارض بالثمد وانتظر الأمد واكذب التوسم واستعمل التبسم واستكتم النسوة وأفض فيهن الرشوة أو تقلد المغالطة وارتكب وجيء على قميصك بدم كذب واستنجد الرحمن واستعن على أمرك بالكتمان
لا تظهرن لعاذل أو عاذر
حاليك في السراء والضراء
فلرحمة المتفجعين مرارة
في القلب مثل شماتة الأعداء
وانتشق الأرج وارتقب من جانب الفرج الفرج فكم غمام طبق وما هما وما رميت إذ رميت ولكن الله رما وأملك بعدها عنان نفسك حتى
تمكنك الفرصة وترفع إليك الغصة وتثقب الفرصة ولا تشره إلى عمل لا تفي منه بتمام وخذ عن إمام ولله در عروة بن حزام
الله يعلم ما تركت قتالهم
حتى رموا مهري بأشقر مزبد
وعلمت أني إن أقابل دونهم
أقتل ولا يضرر عدوي مشهد
ففررت عنهم والأحبة فيهم
طمعا لهم بعقاب يوم مفسد
واللبانات تلين وتجمع المآرب تدنو وتنزح وتخور ثم تسمح وكم من شجاع خام ويقظ نام ودليل أخطأ الطريق وأضل الفريق والله عز وجل يجعلها خلة موصولة وشملا أكنافه بالخير مشمولة وبنية أركانها لركاب اليمن مأمولة حتى تكثر خدم سيدي وجواريه وأسرته وسراريه وتصفو عليه نعمة باريه ما طورد قنيص واقتحم عيص وأدرك مرام عويص وأعطى زاهد وحرم حريص ورحمة الله وبركاته

(2/222)



ومن ذلك في هذا الغرض مما خاطبت به أبا إسحاق ابن الحاج على لسان قاضي الحضرة أبي الحسن سيدي جعل الله أكوار العمائم تتضاءل لكور عمامتك والنفوس الطامحة الهمم على اختلاف الأمم تقر بوجوب إمامتك وسر الإسلام باتصال سلامتك وتبرأ الملا من ملامتك وصلتني رسالتك التي أخبت في ميدان البلاغة فأوضعت وأخلاف الفنون ارتضعت وعلى ارتفاع القدر اتضعت ووضعت الحكمة المشرقية بنت ساعة والله أعلم بما وضعت لكنها تنافست الجوارح كما غصت بنعمها المسارح وتعارض السائح والبارح والرامز والسارح في صلت الإذن على المغنا وأنجبت من اللفظ البديع بأعذب المنا واستولت العين من الخط على الحسن البعيد الشط ونتيجة ما أودع الباري بين مقدمتي البري والقط وعظمت حسرة الخلق إذ بقي بابه مسدودا وأصبح سلكه من المسالك المنافذة معدودا

(2/223)


واشتد أسف الضرس إذا أصبحت أرضى طواحنه عاطلة وسحاب الدين عليها غير هاطلة ومذاهبها باطلة ومواعيد بالمضغ ماطلة وماضر سيدي والله يقيه الضر ويحفظ منصبه الحر وبحره الذي يقذف الدر أن لو ضاعت الطول وجمع الفعل والقول فوجه من الكتان ما يثقل ظهر الأتان ومن الزيت ما يملأ ركن البيت ومن الدجاج والعسل المجاج ما يتكفل بصلاح المزاج ومن الأترج والليم ما يخل بحلم الحليم فجانب الورع عن هدية سيدي لا يضيق فهو الرفيق الشقيق والعدل الذي وضح من فضله الطريق وأما أن لا يكون حظ وليه إلا نقر لا تدفع فقرا وألفاظ لا تذهب وقرا وحلة يجوع من حل بها ويعري وبحر لا يجد الغائص له قعرا فأمر ينكر على المجادة التميمية والمثابة الحكمية مع أن الإقليم لم تزل ترفد هذه الخطة كلما وصلت وتصلح صلاتها إذا سهت ولا مرفقتها ما أمرت ولا نهدت ولا أكلت ما اشتهت فليراجع سيدي عادة الكرم ولا يحسب الشحم في الورم والله يطلع من تلقائه على الأدقة التي تضيق عن أحمالها عراض الأزقة والعسول المتكفلة بالسول والزبيب الذي يسر قلب الحبيب والأجبان التي تشجع قلب الجبان والجدبان التي تردي بالخبر عن العيان والبيض الذي تشهد بالفيض والزيت الذي يخلف حياة الميت والله يبقي سيدي للقضاة زيتا وفي العلماء عينا ويفضي بجودك على الدهر الذي سمح بجوده دينا والسلام عليه ما استمح جواد وأطرف بالفكاهة فؤاد ورحمة الله تعالى وبركاته
ومن ذلك ما صدر عني في مخاطبته أيضا إذ هو اليوم فارس الميدان وصدر هذا الشأن
يا قاضي العدل الذي لم تزل
تمتاز شهب الفضل من شمسك
قعدت للإنصاف بين الورى
فاطلب لنا بالإنصاف من نفسك

(2/224)


ما للقاضي أبقاه الله ضاق ذرع عدله الرحب عن الصحب وصم عن العتب وضن على صديقه حتى بالكتب ابن المدونة الكبرى ارتكب هذا التخريج أم من المبسوطة ذهب إلى هذا الأمر المريج أم من الواضحة امتنع عن الإلمام برفع الوفا والتعريج ومن أمثالهم إذا ولى أخوك فاقنع بعشروده وقد قنعنا نحن والحمد لله بحبة من مده وإيثارة من درجه وبده وساعة معتدلة من زمان بلوغ اشده فما باله يمطل مع الغنا ويحوج إلى العنا مع قرب الجنا المرحلة مرحلة طالع وخامع ومطمع طامع ومرأى راء وسمع سامع والكنف واسع والمكان لاناء ولا شاسع والضرع حافل والذرع كاف كافل والقريحة وارية الزند والإمامة خافقة البند وهب البخل يقع بما في الخوان على الإخوان فما باله يقع بالبنان أعيذ سيدي من ارتكاب رأي ذميم يؤيد بيت القطافي تميم ويعضد معناه بتشميم وهلا تلا حاميم وعهدي بالسيادة القاضوية قد نامت في مهاد الترف نوم أهل الكهف ولم تبل بمدد الويل واللهف أو شربت لحفظ الصحة بختجا ودقت لإعادة الشبيبة عفصا ورد وردسختجا وغطت على الصبح بالليل إذا سجا ومدت على ضاحي البياض ظلا سجسجا وردت سوسن العارض بنفسجا ولبس بحرها الزاخر ثوبا من طحلب البر منشجا وأحكم العمامة وصديق المرأة ينصح ويرشد وينظر في المحاسن وينشد حتى حسنت الدارة وصحت الاستدارة وأعجبه الوجه الجميل والقد الذي يميل في دكة الدار ويميل فاعرى السواك التتميم والتكميل ووشج بين شفري سيدي الميل وقيل لوضاح اليمن خاب فيك التأميل وامتد جناح برنس الشرق واحتفل الغصن الرطيب في ناضر الورق ورش الورد

(2/225)


ماؤه عن رشح العرق وتهيأ للمنطلق وقرأت عليه نساء أعوانه وكتبة ديوانه سورة العلق من بعد ما أوقف الأملين الحجاب على أقدامهم وكفهم الخذلان عن أقدامهم فمثلوا واصطفوا وتألفوا والتفوا وداروا وحفوا وما تسللوا ولا خفوا كأنما أسمعتهم صيحة النشر أو خرجوا الأول الحشر فعيونهم بملتقى المصراع معقودة وأذهانهم لمكان الهيبة وحفالاتهم قبل الطلب بها منقودة فعندما فرش الوساد وارتفع بالنفاق الكساد وذاع الكبا وتارج الجساد واستقام الكون وارتفع الفساد وأرجعت أرداجها الأجساد جاءت السيادة فجلست وتنعمت الأحداق بالنظر الذي اختلست وسمحت الأكف حتى أفلست وزانت الشمس ذلك الفلك وجلت الأنوار الحلك فتحت الأبواب وقالت هيت لك ووقفت الأعيان سماطين ومثلوا خفين وتشكلوا مجرة تنتهي إلى البطين يعلنون بالتفدية ويجهرون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون من كل شهب ثاقب وطايف غاسق واقب وملاحظ مراقب كميش الإزار بعيد المزار حامل للأوزار خصيم مبين ووارث سوفسطها عن رنين مطلع بفقه البير وحريمها فضلا عن تلقين الخصوم وتعليمها أسهم العريف المقرب والمقدم المدرب والمشافه المباشر والنابح الكاشر والمنهج العاشر الذي يقتضي خلاص العقد ويقطع في الكاي والنقد ويزكى ويجرح ويمسك المثبت أو يطرح ويجمل ويشرح والمسيطر الذي بيده ميزان الورق وجمع الأجر المفترق وكفه قابلة رحم الدواة الفاغرة ورشا بلالة الصدور الواغرة فإذا وقف الخصمان بأقصى مطرح الشعاع وأفأى مجمع الرعاع واعلنا الندا وطلب الأعدا وصاحا جعل الله أنفسنا لك الفدا ورفع الأمر إلى مقطع الحق والأولى بالمثابة الأحق أخذتهما الأيدي دفعا

(2/226)


في القفى ورفعا لستر اللطف الخفي وإمساكا بالحجر والأكمام ومنعا للمباشرة والإلمام واستنطاقا عند الأخذ بالكلام وإسكاتا عند صريف الأقلام فإذا أدلى بحجته من أدلى وسعهما دينه عدلا وحق القول واستقر الهول ووجبت اليمين أو الأداء الذي يفوت له الذخر الثمين أو الرهن أو الضمين أو الاعتقال الذي هو على أحدهما الأمين نهش الصل الذي سليمه لايبل ولسبت العقارب الذي لا يفلتها الهارب ولا تنجى منها المسارب وكم تحت الظلام من غرارة يحملها غر وحرة ريح فيها صر وسهد في انتظار قلة شهد وكبش يجر تارة بروقيه ويدفع بعد رفع ساقيه ومعزى وجدي وقلايد هدى وسرب دجاج ذوات لجاج يقضحن الطارق ويشيعن المفارق فمتى يستفيق سيدي مع هذا اللغط العايد بالصلة واللهى المتصلة أو تتفرع يده البيضاء لأعمال ارتياض وخط سواد في بياض أو حنين لدوح أو رياض أو إمتاع طرف باكتئاب حرف أو إعمال عدل لرسول في صرف أو حشو طرب يتحفه ظرف شأنه أشد استغراقا وميوله أكثر طراقا من ذكر حبيب ومنزل وأم معزل وكيف يستخدم القلم الذي يصارف ماء الحبر يذوب التبر في ترهات عدم جناها وأقطع جانب الخيبة لفظها ومعناها اللهم إلا أن تحصل النفس على كفاية تختم لها الصرر وتشام من خلالها للجين الغرر أو تحن النفس إلى الفكاهة والأنس وينفق لديها ذمام الإبقاء على الجنس فربما تقع المخاطبة المنزورة وتبيح هذا المرتكب الصعب للضرورة والمرغوب من سيدي القاضي أن يذكر بؤسنا بالإغفال عند نعيمه ولا يخيب آمالنا المتعلقة بأذيال زعيمه ويسهمنا حظا من فوايد حظه لا من فوايد خطته ويجعل لنا كفلا من فضل بريته وفطنته لا من فضل بعره وقطته فقد غنينا عن الحلاوات

(2/227)


بحلاوة لفظه وعن الطرف المجموعة بفنون حفظه وعن قصب السكر بقصب أقلامه وعن جنى الدوم بداومه وبهديه عن جديه وبمحاجته عن دجاجته وبدر لجه عن أترجه وعن البر ببره وعن الحب بحبه ولا نأمل إلا طلوع بطاقته وقد رضينا بجهد طاقته وإلا فلا بد أن نحشد جيش الكلام إلى عتبه ونوالي الكتايب حتى يتقي بضريبة كتبه والسلام
ومن ذلك ما صدر عني في سبيل الدعابة فيمن تزوج قينته كتبت أغبطك أعزك الله بتسويغ اللذات وتسنى طيب الحياة ولباس خلع الخلاعة ولو قامت الساعة فإنما الإنسان بيومه لا بقومه وبوقته لا بالمبالات بمقته وأدعو الله أن يجزك أجرتك ويتقبل هجرتك ويؤمن من الشروط حجرتك ويعطف على محلك قلوب الفتيان ويدعو بهم للإتيان ويقطع بشهرة قينتك حظوظ القيان ويسلبك الغيرة التي تفسد العشرة وتكشف القشرة وكأني بك أعزك الله وقد ظهر بوجهك سعفة النبيذ وتفطر لها وجهك تفطر الجدي الحنيذ وأصابت أسنانك الحضر وريحك البخر وعينك الستر وشعرك الحزاز ويدك الكزاز وأصبحت مخمورا منهيا عن عيالك مأمورا وقد أغلقت عمامتك بسروالك وسدلت القشرة البيضاء على أسمالك وقعدت بركة بابك تتلقف العيادة وتعترض السيادة وتعين للوقت الزيادة فإذا اقتضيت النقد من الخرج ودللت الفحول على المرج وخطبت لمشاهدة الرقص والدرج نهضت لشرامون فحولك وما يتكل بسولك من طرواة تصقل العشرة وتنقيها ولخلخلة يستر رائحة الإبط وتخفيها وسنون يطيب الفم ويوافق الشم وضماد يشد الثدي إذا ذبل وبرزجة تمنع الحمل وحشوت جيبك أوتارا وأعددت دستانا ثانيا وحمارا وشاركت على المرابحة خمارا

(2/228)


وبسطت نطع القعود واعددت لإيداع الفتوح غشا العود وترددت إلى الباب توقعا لإخلاف الوعود فأقسم عليك يا سيدي أن لا تغفلنا من بالك ولا تنسنا من حرامك المصحف أو حلالك وأسهمنا في فضل تجارتك وعيى جعالتك وإجارتك واضرب لنا بخط عند قسم ما في طنجارتك والسلام
ومن ذلك في مخاطبة بعض الأطباء بما يظهر من الغرض أبثك يا أحب الأحباء أطرف الأنباء من حديث الأطباء وذلك أن لي أياما ثلاثة أعاني ما أعاني من الألم الذي شريني وأرتعاني فأما قوتي فواهية في درجات الضعف متناهية وأما أفكاري فمتبلدة متناهية وأما آلام الفؤاد فما أدريك ماهية فإذا دخل القوم حيو وقعدوا وصوبوا في الهذر وصعدوا وربما امتدوا طوع تعديهم إلى تناول الرقاع والكراريس بأيديهم يدرسون أسطارها سرا ويكفون ويكبون عليها إكبابا مستمرا فإذا ملوا نهضوا على جادة أخرى واستقلوا فأفاضوا في التوراة والزبور والتلمود والعبور وغير ذلك من فصول الأمور ولقد أتحامل الخلا والضعف ظاهر الاستيلا ومجالس السهل مترادفة الولا فيذهلون عما ألاقيه من العفا إلى أن ينتصف اليوم وبريبهم التثاؤب والنوم فحينئذ يتحرك القوم ووالله ما أعملوا في العلاج قولا ولا نظروا خرا ولا بولا ولا قعدوا ولا شعروا هل أنا مريض أم لا وما ضر لو أشار منهم المشير بعلاج أو أخذوا للمذاكرة في نتاج حتى يقيموا رسم الصناعة ويأنفوا لها من طريق الإضاعة أو يعدلوا هواء

(2/229)


أو يبدلوا سبيلا سواء أو يجلب أحدهم من الخزانة السلطانية دواء إنما هي عادة الأيام وعدم الاهتمام وتعدي طرق الكرام فإذا وقعت الهفوة عتبوا وشافهوا وكتبوا كأني لست موضوعا إلا لشكوى دهر وتعزير صخر أو تمر أو بكاء هم أو السباحة للفضول في يم وإن قالوا قدرك سنى ء وأنت عن نظرنا غنى فأنا عن الزيارة مني إلى العلاج وعن الأصالة الخارقة للسياج مني لصلاح المزاج قدرت لك عذري لتقوم فيه بحجتي وإيضاح محجتي لا زلت متحليا من الإنصاف بأجمل الأوصاف والسلام المتعاهد بالألطاف والرحمات الدانيات القطاف يخصك ورحمة الله وبركاته
ومن ذلك ما صدر عني في مخاطبة ابن جبور الوالي بمكناسة في بعض الأغراض شاع أعزك الله على ألسنة أصحابك ممن عرف نبله وعقله وصح في الأخبار نقله أنك جواد الوقت الآمن المقت وأنك مجلى التخت ومفيد البخت ومأوى الضيف في الشتاء والصيف وأنا ما علمت ضيف الكرام حيث حللت ونزيل الأجواد متى نزلت أرحل عنهم والثياب تضيق بها العباب والجياد يجنبها القياد والصرر قد أشرقت منها الغرر حرصا على ثناء يخلد ومعنى يقلد ودولة تجلى بالمكارم ومروة تحل عليها ضرب المغارم فبت بجوارك ليلتين أكلت فيهما من زادي وشربت من ماء الوادي وجعلت الأرض مهادي وطال لأجل البراغيث سهادي ولقد سألني الوزير أبقاه الله عن طريقي ورفيقي وفريقي وأجملت المفسر وألممت من الكذب بما تيسر وقلت علم استدعاؤك إياي واستقدامي من مثواي فسائر الناس بجملتهم هواي وأماني الإياب بعد أن بدأت البيت وأوليت ما أوليت فالأمر أكبر

(2/230)


والخبر لا يفي به الخبر فخاطبتك أعزك الله مخاطبة من يغار على شهرة جودك والحكم لك بالثنا قبل وجودك فإما أن يقع الصلح على ضريبة قريبة ويرتفع عن وجه المجادة نقاب الريبة أو يكذب النقل ويكون قرى ضيفك الماء والبقل اللهم إلا أن يكون قبولك خاصا بمن راق خده وحسن قده وتبلبلت نظرته وأخجلت البدو غرته فحظنا لديك الخيبة ولو قصدناك من قلة وطيبة وموصله يقرر المطلب ويجبر منك البارق والخلب والقصد المشاركة فيما أمر بشرائه ومحاولة نقله بما يستخف من كرايه وأنا أرتقب وصوله وأنتظر حصوله وعلى كل حال فشكري لشكر الخلق فيك تبع وإن لم يقع في جوارك ري ولا شبع وثنائي جميل وإن لم يقض من برك نأميل وما ألممت به إنما هو دعابة تخف على أهل النبل ومن يسلك من التظرف أوضح السبل والله يمتع بعد بلقائك ويجلي غرر الفضل من تلقائك والسلام
ومن ذلك ما صدر عني مما خاطبت به الوزير أبا بكر بن الحكيم
ألام على أخذ القليل وإنما
أعامل أقواما أقل من الذر
فإن أنا لم آخذ منهم فقدته
ولا بد من شيء يعين على الدهر
سيدي أطلق الله يدك بما تملك وفتر عن مخنقك البخل لئلا تهلك كنت قد هومت وزجرني القلق فتلومت ونومي ما علمت سني الخلال عزيز الوصال يمطل غريمه ديني ويعافه طيري ورد نمر عيني وإذا بالباب يدق بحجر دقا ينبه عن ضجر وجار الجنب يؤخذ بالذنب فقمت مبادرا وجزعت وإن كان الجزع مني نادرا واستفهمت من وراء الفلق عن سبب

(2/231)


هذا القلق واستعذت برب الفلق فقالت امرأة من سكان السواد ورابطة الفؤاد يا قوم رسول خير بأيمن طير وقرع إدلال لا قرع إذلال حطو شعار الحرب والحرب وقد ظفرتم ببلوغ الأرب فتأخرت عن الإقدام وانهدت إليه مجن عمر ابن أبي ربيعة ممن كان بالدار من الخدام وأسفرت الوقيعة عن سلام وسلم ولم يرزأ أحد منا بكلم ونظرت إلى رجل قرطبي الطلعة والأخلاق جاو على الإطلاق تنهد قبل أن سلم وارتمض لما ذهب من الشبيبة وتألم شنشنة معروفة وعن تلك الجهة معاذ الله مصروفة وقد حملته سيادتكم من المبرة ضروبا شتى وتجاوزت في السراوة غاية حتى ولم نذع عضوا من جسده فضلا عن منكبه ويده إلا أعلقته وعاء ثقيلا وناطت به زنبيلا وصييره مضاعف البر سفينة من سفن البر فأناخ كالجمل إذا برك واستلقى كالكمى ترك المعترك وعلت حوله تلك الأثقال وتعاورها الانتقال وكثر بالزقاق القيل والقال فلما تحصلت بالدار وسترت معرتها بالجدار وتناولها الاختبار الفاضح وبان قصورها الواضح تلاشت بعد ما جاشت واضمحلت بعد ما حلت ونظرت إلى قعب من التبن المذوق الذي لا يستعمل في البيوت ولا يباع في السوق أذكرني قول الشاعر
تلك المكارم لا قعبان من لبن
شيبا بماء فعاد أبعد أبوالا
أما زبده فرفع وأما زيته فانتيت به وانتفع وأما من أنف من بعثه من فضلاء الخدام فرفع وكأني به قد ألح فصفع والتفت إلى قفة قد خيطت وبعنق ذلك البائس قد نيطت رمس فيها أفراخ من الحمائم وقلدت بلبته كما يتقلد بالعمائم وشد حبلها بمخنقه وألزم منها في العاجلة طائره في عنقه هذا بعد ما ذبحت وأما حشوتها فربحت ولو سلكتم الطريقة المثلى لحفظتم جثتها من العفن بما تحظ به جثث القتلى وأظنكم لم تغفلوا هذا الغرض
ولا أهملتم هذا المهم الذي عرض فإني رميت منها للبر رمى المختبر فكلح من مرارة الصبر ولما أخرجتها من كفن القفة واستدعيت لمواراتها من حضر من الأصحاب أهل الصفة تمثلت تمثل لبيب بقول حبيب
هن الحمام فإن كسرت عناقه

(2/232)


من حايهين فإنهن حمام
ولولا أن أحد الدجاجتين لاحت عليها مخيلة سرو وكانت من بقايا ديوك مرو بعث بها جلالك جلاله وأهدى منها لفساد مزاجي آله لم يكن في الهدية ما يذكر ولكانت مما ينكر وأستغفر الله فلو لم تكن التحفة إلا تلك الأكولة العاطرة والغمامة الماطرة حتى أحسبت الأمل الأقصى وتجاوزت المنن التي لا تحصى للزم الشكر ووجب وبرز من حر المدح ما تيسر واحتجب والمكارم وإن تغيرت أنسابها وادعى إرثها واكتسابها إليكم تشير أيديها ولفئتكم تميل بهواديها وبساحتكم يسيل واديها وعلى أرضكم تسح غواديها ومثلى أعزكم الله لا يفض من قدر تحفكم الحافلة ولا يقعد من شكرها عن فريضة ولا نافلة ولكنها دعابة معتادة وفكاهة أصدرتها وداده ولا أشك أنكم بما جبلتم عليه من محبتي قديما وحديثا وأثاري الذي صيرتموه سمرا وحديثا تهدرون جفاي في جنب وفائي وتغضون وتتجلون وبقول الشاعر تتمثلون
وأسمع من ألفاظه اللغة التي
يلذ بها سمعي وإن ضمنت شتمي
وهي طويلة
ومن ذلك ما صدر عني مما خاطبت بها أبا عبد الله اليتيم بما نصه يا سيدي الذي إذا رفعت راية ثنائه تلقيتها باليدين وإذا قسمت سهام وداده على ذوي اعتقاده كنت صاحب الفريضة والدين وأم بقاؤك لطرفة

(2/233)


تبديها وغريبة تردفها بأخرى تليها وعقيلة بان تجتليها ونفس أخذ الحزن بكظمها وكلف الدهر بشت نظمها تونسها وتسليها لم أزل أعزك الله أشد على بدائعك يد الضنين وأقتني درر كلامك ونفثات أقلامك اقتناء الدر الثمين والأيام بلقاك تعد ولا تسعد وفي هذه الأيام انثالت على سماؤك بعد قحط وتوالت لدى آلاؤك على شحط وزارتني من عقائل بنانك كل فاتنة الطرف عاطرة العرف رافلة في حلل البيان والطرف لو ضربت بيوتها بالحجاز لأقرت لها العرب العاربة بالإعجاز ماشيت من رصف المبنى ومطاوعة اللفظ المعنى وطيب الأسلوب والتشبث بالقلوب غير أن سيدي أفرط في التنزل وخلط المخاطبة بالتغزل وراجع الالتفات ورام استدراك ما فات يرحم الله شاعر المعرة فلقد أجاد في قوله وأنكر مناجاة الشوق بعد انصرام حوله فقال
أبعد حول تناجى النفس ناجية
هلا ونحن على عشر من العشر
وقد تجاوزت في الأمد وأنسيت أخبار صاحبك عبد الصمد فأقسم بألفات القدود وهمزات الجفون السود وحاملي الأرواح مع الألواح بالغدو والرواح لولا بعد مزارك ما أمنت غائلة ما تحت إزارك ثم إني حققت الغرض وبحثت عن المشكل الذي عرض فقلت للخواطر انتقال ولكل مقام مقال وتختلف الحوائج باختلاف الأوقات ثم رفع اللبس خبر الثقات ومنها وتعرفت ما كان من مراجعة سيدي لحرفة التكتيب والتعليم والحنين إلى العهد القديم فسررت باستقامة حاله وفضل ماله وإن لاحظ الملاحظ ما قال الجاحظ فاعتراض لا يرد وقياس لا يضطرد حبذا والله عيش أهل التأديب فلا بالضنك ولا بالجديب معاهدة الإحسان ومشاهدة الصور الحسان يمينا إن

(2/234)


المعلمين لسادة المسلمين وإني لأنظرهم كلما خطرت على المكاتب أمراء فوق المراتب من كل مسطر الدرة متقطب الأسرة متنمر للوارد تنمر الهرة يغدو إلى مكتبه كالأمير في موكبه حتى إذا استقر في فرشه واستوى على عرشه وترنم بتلاوة قالوته وورشه أظهر للخلق احتقارا وأزرى بالجبال وقارا ورفعت إليه الخصوم ووقف بين يديه الظالم والمظلوم فتقول كسرى في إيوانه أو الرشيد في زمانه أو الحجاج بين أعوانه فإذا استولى على البدر السرار وتبين للشهر الفرار تحرك للخروج تحرك القرد إلى الفرج استغفر الله مما يشق على سيدي سماعه وتشمئز من ذكره طباعة شيم اللسان خلط الإساءة بالإحسان والغفلة من صفات الإنسان وأي عيش كهذا العيش وكيف حال أمير هذا الجيش طاعة معروفة ووجوه إليه مصروفة فإن أشار بالإنصات لتحقيق الغصات فكأنما طمس على الأفواه ولاءم بين الشفاه وإن أمر بالإفصاح وتلاوة الألواح علا الضجيج والعجيج وحف به كما حف بالبيت الحجيج وكم بين ذلك من رشوة تدس وغمرة لا تحس ووعد يستنجز وحاجة تستعجل وتجهز هنأ الله سيدي ما خوله وأنساه بطيب آخره أوله وقد بعثت بدعابتي هذه مع إجلال قدره والثقة بسعة صدره فليتلقها بيمينه ويفسح لها في المجلس بينه وبين خدينه ويفرغ لمراجعتها وقتا من أوقاته عملا بمقتضى دينه وفضل يقينه والسلام الكريم ورحمة الله وبركاته
ومن ذلك ما خاطبت به أحد المنتحلين لصنعة الحجامة يا أحمد أبقاك الله لذكر تعظه وورم تبطه ودم تسيله ورأس سما به الكبر تميله حتى يتبين لديك حال الثروة ويجتمع بين يديك من الشعور مثل ما يجتمع بين الصفا والمروة ما هذه الغيبة التي أسالت من صبيتك

(2/235)


القوارب وأطالت من معامليك اللمم والشوارب وتركت من كان يحوم على دكانك وينفق سلعته في مكانك كأسد السوق يعيد العهد بالفسوق إثن من عنانك وألن لمن خلقك قاسي جنانك وارث لخدود كنت حاصد نباتها ومتفيى ء جناتها فقد طغى بها الآس على الورد ولبست من خلعات العذار كل محكمة السرد فبلطافة شمائلك وطيب حمائلك ألا ما أخذت في الإياب وأدلجت إدلاج الذياب فقد طال الأمد وعظم على حملتك العاشقة الكمد واستصحب ما رسمت لك من الفخار وغيره وخذ في القدوم وحث من سيره وإنه سلامي من استسقيت سحب خيره وتيمنت لله مادة طيره وصل الله علاءه وأجزل لديه آلاءه والسلام
ومن ذلك في مخاطبة أبي جعفر بن سليمان القرشي وقد عرض عليه عقد إيجابه يا محل الولد هذا رأي ما فيه والحمد لله وهي ونظر معتبر يرجحه كتاب وخبر وحسبك بها من صلة رحم وعصابة فضل تزدحم فإلى أين يذهب المحتار عما يذب إليه المختار كتب الله لكم السعد حليف هذا النقد ولا زال نقده وكاليه آمنين من النقد وجعل حصول الأنبا بالأبناء عن الرفاء ورفكم فيه عوارف اليمن والأمان وجعل حكمة سعادته مما فهمها الله - والدكم سليمان بفضله وكرمه
المقامات
فمن ذلك ما صدر عنى للسلطان الجليل المعظم الكبير أبي عنان فارس رحمه الله من سبتة بين يدي ركوب البحر وفي كل كلمة منها سين
سقت ساريات السحب ساحة فاس
سواحب تكسو السرح حسن لباس
وسارت بتسليمي لسدة فارس
نسيم سرى للسلسبيل بكاس
منها في ذكر السلطان أبي عنان
أنست بمسرى سبتة وتأنست
بساحته نفسي وأسعد ناس
ويسرت لليسرى ويسر مرسلي
وسدد سهمي واستقام قياس

(2/236)


باسم السلام أستمنح مسبل الإسعاد وأبلس أنفس الحساد وبإرسال التسليم لسيد المرسلين أسد أسراب الفساد وألتمس لسفري سلامة النفوس والأجساد سلام وسيم تستعير نفس مسراه البساتين ويحسده الآس والياسمين ويستمده النرجس الساجي والنسرين يسى ر لمجلس مستخلف القدوس السلام سبحانه ويستبق لسدة سلطان المسلمين سل السعد حسامه وسدد سهامه سيف السنة السمحاء سحابة سماء السخا أسد المراس ملبس المفسدين لباس الباس ميسر الحسنة للناس يعسوب الخميس مسرح سوائم التسجيع والتنسيم والتجنيس سند السنة أسد الأسنة الباسل السيد السني المسدد السامي السني سلطان السلاطين الساطي بأسه بالساطين مستند الإسلام فارس سدلت لسيرته الحسنة الملابس واستنار بابتسام سعده المسري العابس حسبك باسم ومسمى ونفس نفيسة سكنت الإسلام جسما وأسنت لسعادة المسلمين قسما ينسى السحايب الساكنة لمسنتي السنين وتخرس ألسن محاسنه اللسنين ويستعبد إحسانه إحسان المحسنين سما مجلسه وسعد ملتمسه وتسنت سلامته وحرست سبل السنة استقامته وسدد سهمه وسنى السعادة للناس بأسه وسلمه فسبحان ميسر العسير ومسدي الكسير

(2/237)


ومسهل الإكسير ومسنى سلطانه يستوعب محاسن السبعة المستخلفين استيعاب التيسير فسهلت المسالك العسيرة وحسنت السيرة ليستبين سر الاستخلاف ويتيسر سبب الاستيلاف ويستجد ملابس سلطنة الأسلاف وسيطهر سيفه مساجد المسلمين بالأندلس سالبا دنس الناقوس ويلبس إبليس باستنقاذها لباس البؤس ويستفتح القدس بتيسير القدوس رسمه بسبته حرست ساحتها واتسعت باليسر مساحتها مسترق إحسانه ومستعبد سلطانه السعيد السفارة والرسالة بسببه المتوسل بالوسائل الحسنة لحسبه سمى الرسول سليل سعيد المنتسب لسلمان ليس بسلمان الفارسي حسبما استوعبه سفر الأنساب تيسرت لسراة المسلمين برسالته الأسباب سطره لسلطانكم السامى وسفر السفين تيسر وسور التسهيل والتيسر تفسر والسمراء ونسبتها استوعبها الإيساق ولسوابق المرسى استباق ولمحاسن السلطنة الفارسية اتساق وسكنها مستملككم تسعة بسبب نسيم استباد مسراه واستتبع سراه ينتسب لسمت الإسكندرية ويسخر بالسفن السفرية والساعة استعجلت السفر مستننما سكون نفسه وسهو حرسه واستتبتت لاستصحاب الحسنة الفارسية لساحل البلس ميسورا من سكانه يسمى بحسين وينسب لسالم استنجاحا بسمته الحسن والسلامة سلكت للتسهيل سواء السبيل وسقت الناس سلاف المسرة بكأس السلسبيل ومسترق المجلس الفارسي مجلس السنا والقدس مسافر بالجسم مستوطن بالنفس ولسانه بإحسانكم سيف مسلول ولنفسه بتسنى سعادتكم سول فبسعادتكم يستصبح وببسملة محاسنكم يستفتح وسلطانكم ليس ينسى وسيلة متوسل وسبل الحسنات من سما سيرتكم مسترسل واستوعبها سينية وبسين اسمكم سعيدة سنية خلسة مجلس ووسع مفلس وسمحكم مسئول ومستعيذ سلطانكم أسعد رسول نسل السلام تقدس اسمه بتسني سعادتكم سرور المسلمين ويسنى بسببكم سنة سيد المرسلين ورسم تاسع مستفتح سنة ست وخمسين وسبعمائة

(2/238)


نحمد الله حمد معترف بحقه ونشكره على عوائد فضله ورفقه الذي جعل لنا الأرض ذلولا نمشي في مناكبها ونأكل من رزقه ونصلي على سيدنا ومولانا محمد خيرته من خلفه ونستوهب للمقام المولوي اليوسفي النصري سعدا يتلألأ نور أفقه ونصرا يتلى بغرب المعمور وشرقه
وقابلة صف لي فديتك رحلة
عنيت بها يا شقة القلب من بعد
فقلت خذيها من لسان بلاغة
كما نظم الياقوت والدر في عقد
لما وقع العزم الذي وقفه الله على مصالح هذه الجزيرة والقصد المعرب عن كريم القصيدة وفضل السريرة على تفقد بلادها وأقطارها وتمهيد أوطانها وتيسير أوطارها رأى في قلده الله أمورها ووكل إلى حمايته ثغورها مولانا وعصمة ديننا ودنيانا أمير المسلمين وظل الله على العالمين أبو الحجاج ابن مولانا أمير المسلمين وكبير الملوك المجاهدين الصالحين أبي الوليد إسماعيل ابن مولانا الهمام الأعلى الذي تروى مفاخره وتتلى أبي سعيد حفظ الله منه على الأيام بحر الندا وبدر المنتدا وسابق الفخر البعيد المدا وشمله برواق عصمته كلما راح واغتدا أن يباشرها بنفسه ويجعل آفاقها مظلة شمسه نظرا للإسلام وقياما بحقه وعملا على ما يقربه ممن استخلفه على خلفه في وجهة حالفها الغمام المستجم ونصبة قضى لها بالسعد من لا ينجم فكان البروز إليها يوم الأحد سابع عشر شهر محرم فاتح عام ثمانية وأربعين وسبعمائة خرجنا وصفحة الأفق بالغيم متنفسة وأدمع السحب لوداعنا منسكبة نتبع من الراية الحمراء دليلا هاديا ونثق بوعد الله سبحانه في قوله ولا يقطعون واديا وسلكنا جادة الماء المفروش نسرح اللحاظ بين تلك العروش ونبتذل ما نحلته
عروس الربيع من تلك الفروش ومن له بالحضرة حرسها الله شوق حثيث وهوى قديم وحديث يكثر الالتفات ويتذكر لما فات ويبوح بشجنه وينشر مشيرا إلى مسكنه
يوم أزمعت عنك طي البعاد
وعدتني عن البعاد العوادي
قال صحبي وقد أطلت التفاني
أي شيء تركت قلت فؤادي

(2/239)


وربما غلبته لواعج أشواقه وشبت زفراته عن أطواقه فعبر عن وجده وخاطب الحضرة معربا عن حسن عهده
ألا عم صباحا أيها الربع واسلم
ودم في جوار الله غير مذمم
ولا عدمت أرجاؤك النور إنها
مطالع أقماري وآفاق أنجم
إذا نسى الناس العهود وأغفلوا
فعهدك في قلبي وذكرك في فم
وإني وإن أزمعت عنك لطية
وفوضت رحلي عنك دون تلوم
فقلبي لك البيت العتيق مقامه
وشوقي إحرامي ودمعي زمزم
ثم استقلت بنا الحمول وكان بوادي فرذش النزول منزل خصيب ومحل له من الحسن نصيب ولما ابتسم ثغر الصباح وبشرت بمقدمه نسمات الرياح ألفينا عمل السراج إلى إلإسراج وشرعنا في السير الدائب وصرفنا إلى وادي أنس صروف الركائب واجتزنا بوادي حمتها وقد متع النهار وتأرجت الأزهار فشاهدنا به معالم الأعلام وحيينا دار حمدة بالسلام وتذاكرنا عمارة نواديها وتناشدنا قولها في واديها
أباح الشوق أسراري بوادي
له في الحسن آثار بوادي
فمن واد يطوف بكل روض
ومن روض يطوف بكل وادي
ومن بين الظبي مهاة تضرسبت
قلبي وقد ملكت فؤادي
لها لحظ ترقده لأمر وذاك
الأمر يمنعني رقادي
واستقبلنا البلدة حرسها الله في تبريز سلب الأعياد احتفالها وغصبها حسنها وجمالها نادى بأهل المدينة موعدكم يوم الزينة فسمحت الحجال برباتها والقلوب بحباتها والمقاصر بحورها والمنازل ببدورها فرأينا تزاحم الكواكب بالمناكب وتدافع البدور بالصدور بيضاء كأسراب الحمام متنقبات تنقب الأزهار بالكمايم حتى إذا قضى القوم من سلامهم على إمامهم فرضا استوفينا أعيانهم تمييزا وعرضا خيمنا ببعض رباها المطلة وسرحنا العيون في تلك العمالة المغلة والزروع المستغلة فحياها الله من بلدة أنيقة الساحة رحبة المساحة نهرها مضطرد وطائرها غرد تبكي السحاب فيضحك نورها ويدندن النسيم فترقص حورها
بلد أعارته الحمامة طوقها
وكساه ريش جناحه الطاؤوس
فكأنما الأنهار فيه مدامة
وكأن ساحات الديار كؤوس

(2/240)


معقلها بادي الجهامة تلوح عليه سمة الشهامة نفقت سوق النفاق دهرا وخطبتها الملوك فلم ترض إلا النفوس مهرا طالما تعرقت وتنكرت وحجتها نعم الإيالة النصرية فأنكرت ومسها طائف من الشيطان ثم تذكرت فالحمد الذي هداها بعد أن ثبت يداها فجف من قنتها ما نبع وانقادت إلى الحق والحق أحق أن يتبع وتنافس أهلها في البر الكفيل والقرى الحقيل فبتنا نثني على مكارمهم الوافية ونواضلهم الكافية ولم نحفل بقول ابن أبي العافية
إذا ما مررت بوادي الأشا
فقل رب من لدغته مسلم
وكيف السلامة في منزل
عصبة من بني الأرقم
ولما فاض نهر الصباح على البطاح ونادى منادي الصلاة حي على الفلاح قمنا للرواحل لارتياد منزل وأقمنا عن اتباع آثارها بمعزل نظرا للمدينة في
مهمات الأمور وكان اللحاق بغور من بعض تلك الثغور أتيناها والنفوس مستبشرة والقباب لأهلها منتظرة فحمدنا الله على كمال العافية وقلنا في غرض تجنيس القافية
ولما اجتلينا من نجوم قبابنا
سنى كل خفاق الرواق بغور
زرينا على شهب السماء بشهبها
متى شئت يا زهر الثواقب غور
أظلتنا بها ليلة شاتية وألحفتنا أنواء للأرض مؤاتية فلما شاب مفرق الليل وشمرت الآفاق من بزتها العباسية فصول الذيل بكرنا نغتنم أيام التشريق وندوس بأرجلنا حبات الطريق وجزنا في كنف اليمن والقبول بحصن الببول حسنة الدولة اليوسفية وإحدى اللطائف الخفية تكفل للرفاق بمأمنها وفضح سرية العدو في مكمنها من أبيض كالفازة ضمن الفوز في تلك المفازة فحييناه بأيمن طير وتمثلنا عنده بقول زهير
وسكنتها حتى إذا هبت الصبا
بنعمان لم تهتز في الأيك أغصبان
ولم يك فيها مقلة تعرف الكرى
فلو زارها طيف مضى وهو غضبان

(2/241)


وكان ملقى الحران منابت الزعفران بسطة حرسها الله وما يبسطه محل خصيب وبلدة لها من اسمها نصيب بحر الطعام وينبوع العيون المتعددة بتعدد أيام العام ومعدن ما زين للناس حبه من الحرث والأنعام يا لها من عقيلة صفحتها صقيلة وخريدة محاسنها فريدة وعشيقة نزعاتها رشيقة لبست حلة الديباج الموشى مفضضة بلجين الضحى مذهبة بنضار العشي وسفرت عن المنظر البهي وتبسمت عن الشنب الشهي وتباهت بحصونها مباهاة الشجرة الشماء بغصونها فوقع النفير وتسابق إلى لقائنا الجم الغفير مثل الفرسان صفاء وانتثر الرحل جناحا ملتفا واختلط الولدان بالولائد والتمائم بالرئد في حفل سلب
النها وجمع البدر والسها والضراغم والمها وألف بين القاني والفاقع وسد بالمحاجر كؤوس البراقع فلا أقسم بهذا البلد وحسن منظره الذي يشفى من الكمد لو نظر الشاعر إلى نوره المتألق لآثرها بقوله في صفة بلاد جلق
بلاد بها الحصباء در وتربها
عبير وأنفاس الرياح شمول
تسلسل منها ماؤها وهو مطلق
وصح نسيم الروض وهو عليل

(2/242)


رمت إلى غرض الفخر بالسهم المصيب وأخذت من اقتسام الفضل بأوفى نصيب وكفاها بمسجد الجنة دليلا على البركة وبباب المسك عنوانا على الطيب يغمر من القرى موج كموج البحر إلا أن الرياح لاعبتنا ملاعبة الصراع وكدرت القرى بالقراع ولقينا من الريح ما يلقاه قلب المتيم من التبريح وكلما شكت إليها المضارب شكوى الجريح تركتها بين المائل والطريح ولما توسط الواقع والتقمت أنجم العرب المواقع صدقت الريح الكرة وجادتنا الغمام كل عين تره حتى جهلت الأوقات واستراب الثقات فتستر الفجر بنقابه وانحجر السرحان في غابه وكان أداء الواجب بحد خروج الحاجب وارتحلنا وقد أذن الله للسماء فأصحت وللغيوم فسحت وللريح فلانت بعد ما ألحت وساعد التيسير وكان على طريق قنالش المسير كبرى بناتها وشبيهتها في جداولها وجناتها ما شئت من أدواح توشحت بالنور وتنوجت وغدران زرع هبت عليها الصبا فتموجت سفربها الشقيق الأرجواني عن خدود الغواني فأجلنا العيون في رياض وتذكرنا قول القاضي عياض
انظر إلى الزرع وخاماته يحكى
وقد ماس أمام الرياح
كتيبته خضرا مهزومة شقائق
النعمان فيها جراح
مثل أهله فسلموا ومن عدم النزول بهم تألموا وأتينا فحص الأبصار
فتجددت له ملابس المجادة وتذكر عهود من حل به عند الفتح الأول من السادة لما خفقت به راية سعد بن عبادة ولم تزل الركايب تغلى الفلاة فرى الأديم وأهله السنابك صيرها السير كالعرجون القديم حتى ألحفتنا شجراته المضبر بشذاها العنبر وراقتنا بحسن ذلك المنظر سوار مصفوفة وأعلام خضر ملفوفة ونخل يانعة البسوق وعذارى كشفت حللها الخضر عن السوق كأنها شمرت الأذيال لتعبر الوادي على عادة نسا البوادي ينساب بينها الزلال المروق ويغني فوقها الحمام المطوق فتهيج الجوى وتجدد عهود النوى صبحتنا بها أصوات تلك الغمارى وأذكرتنا قول أبي حصن الحجاري
وما راعى إلا ابن ورقاء هاتف
على فنن بين الجزيرة والنهر
أدار على الياقوت أجفان لؤلؤ

(2/243)


وصاغ على المرجان طوفا من التبر
حدير شبا المنقار داج كأنه
شبا قلم من فضة مد في تبر
توسد من فوق الأراك أريكة
ومال على طي الجناح مع الصدر
ولما رأى دمعي مراقا أرابه
بكائي فاستولى على الغصن النضر
وحث جناحيه وصفق طائرا
فطار بقلبي حيث طار ولا أدري
ونزلنا بظاهر حصن شيرون وقد ترعرع شباب اليوم وطالبنا عزيم الظهيرة بمنكسر فرض للنوم حصن أشم ومناخ لا يذم نزلنا الهضبة بإزائه وغمرنا من بره ما عجزنا عن جزائه وعثرنا بين المضارب ببعض العقارب سود الروس متوجة بأذنابها في شكل الطاووس فتلقينا ذلك بسعة الصدر ومكنا العقرب من منازل البدر ودخلنا بمثل تلك الصورة نلتحف ظلال وادي المنصورة سمر الأندية وسلطان الأودية يالها من أرائك مهدلة السجوف وجنات دانية القطوف ينساب بينها للعذب الزلال أرقم سريع الانسلال

(2/244)


وصارم يغمد في جفون الظلال يتلاعب بين أيدينا شمالا ويمينا فطورا تنقلب عصاه ثعبانا وآونة تنعطف صولجانا وتارة تستدير أفلاكا وربما نسجت منه أيدي الرياح شباكا وأم حسن فيه ذات لسن تبعث فيه بنغماتها لواعج الشؤون وتقيم دين ولدها في الخلاعة المجون وسرنا ودر الحصى بساط لأرجل ركابنا ودنانير أبي الطيب تنشر فوق أثوابنا ترقب نجوم القلاع والحصون من خلال سحاب الغصون والنسوان إلى مشاهدة التبريز قد خفت وبشاطي الوادي قد صفت قد أخذن السنايا وسددن سهام المنايا عن حواجب كالحنايا يشغلن الفتى عن شئونه ويسلبن الروض لين غصونه هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه وطالعنا برشانة حرسها الله فحيتنا ببواكر الورد ونضت عنا برود البرد وشملتنا بالهواء المعتدل وأظلتنا برواقها المنسدل بلد أعيان وصدور ومطلع نجوم وبدور وقلعة سامية الجلال مختمة بالكواكب متوجة بالهلال حللناها في التبريز الحفيل والمشهد الجامع بين الذرة والفيل حشر أهلها بين دان ونازح ومثل حاميتها من نايل ورامح فكان ذاك المجتمع عيدا وموسما سعيدا وبتنا في ليلة للأنس جامعة ولداعي السرور سامعة حتى إذا الفجر تبلج والصبح من باب المشرق تولج سرنا وتوفيق الله قائد ولنا من عنايته صلة وعائد تتلقى ركابنا الأفواج وتحيينا الهضاب والعجاج إلى قتورية فناهيك من مرحلة قصيرة كأيام الوصال قريبة البكر من الآصال كان المبيت بإزاء قلعتها السامية الارتفاع الشهيرة الامتناع وقد برز أهلها في العديد والعدة والاحتفال الذي قدم به العهد على طول المدة صفوفا بتلك البقعة خيلا ورجلا كشطرنج

(2/245)


الرقعة لم يتخلف ولد عن والد وركب قاضيها ابن أبي خالد وقد شهرته النزعة الحجازية ولبس من حسن الحجازية وأرخى من البياض طيلسانا وصبغ لحيته بالحناء والكتم ولاث عمامته واختتم والبداوة تسمه على الخرطوم وطبع الماء والهواء يقوده قود الجمل المحظوم فداعبته مداعبة الأديب للأديب وخيرته بين خصلتي الذيب وقلت نظمت مقطوعتين إحداهما مدح والأخرى قدح فإن همت ديمتك وكرمت شيمتك فللذين أحسنوا الحسنى وزيادة وإلا فالمثل الأدنى فقال أنشدني لأرى على أي الأمرين أثب وأفرق بين ما أجتنى وما أجتنب فقلت
قالوا وقد عظمت مبرة خالد
قاري الضيوف بطارف في وبتالد
ماذا تمت به فجئت بحجة
قطعت بكل مجادل ومجالد
أن يفترق نسب يؤلف بيننا
أدب أقمناه مقام الوالد
وأما الثانية فيكف من البارق شعاعه وحسبك من شر سماعه ويسير التنبيه كاف للنبيه فقال لست إلى قراي بذي حاجة وإذا عزمت فأصالحك على دجاجة فقلت ضريبة غريبة ومؤتة قريبة عجل ولا تؤجل وإن انصرم أمد النهار فأسجل فلم يكن إلا كلا ولا وأعوانه من القلعة تنحدر والبشير منهم بقدومها يبتدر يزفونها كالعرس فوق الرءوس فمن قال أمها البجائية وقائل أخوها الخصي الموجه إلى الحضرة العلية وأدنوا مربطها من المضرب عند صلاة المغرب وألحفوا في السؤال وتشططوا في طلب النوال فقلت يا بني اللكيعة ولو جئتم ببازي بماذا كنت أجازي فانصرفوا وما كادوا يفعلون وأقبل بعضهم على بعض يتلاومون حتى إذا سلت لذكاتها المدا وبلغ من عمرها المدا قلت يا قوم ظفرتم بقرة العين وابشروا باقتراب اللقا فقد ذبحت لكم غراب البين وكانت البلاد الشرقية قد أخلفتها الغيوث وعدت عليها للعدو الليوث

(2/246)


فحيتنا على السجط وشكت إلى سعادة مقدمنا معرة القحط فظهرت مخيلة السعد فأذن الله في إنجاز الوعد وقربت غريم الغمام في المقام أعوان الرعد فاعترف وسمح وانقاد لحكم القضا بعد ما جمح ولم يلم بكيف ولا حتى وقضاها الدين في دفع شتى هذا وإن كان إنما كان غرم وأمده كاد أن ينصرم فبمنفعته يحول الله كبرى وفيه مآرب أخرى فتنفس صدر الجو وزفر وقطب وجهه بعد ما سفر وهما الغمام وانسكب وارتكب من إيراطنا ما ارتكب فلم تجف له قطرة ولا خطرت بباله للصحو خطرة فسبحنا ذلك العارض الهطال وسهرنا الليل وقد طال وما راعنا والصبح قد نم من خلف الحجاب وقضيته قد انتقلت من النفي إلى الإيجاب والغمام لا يفتر انسكابه إلا السلطان مدار قل ركابه فضربنا بالقباب وجه الصعيد واستقبلنا طية الغرض البعيد نهيم في ذلك الوادي ونكرع من أطواقنا في غدران العوادي وقد تهدلت القروع وخضلت بالغيث تلك الزروع كأنما أخلفتها الريح فترامت وسقتها كؤوس السحب حتى سكرت ونامت والمذانب أمثال الصلال قد تفرعت وكأنما رعناها فانسابت أمامنا وأسرعت ومخيلة الصحو لا تتوسم والجو نستضحكه بشأننا فلا يبتسم ومررنا بوادي المنصورة التي ينسب الوادي إليها وعرضت مراكب تياره بين يديها وأطلالها بالية وبيوتها خاوية خالية ومسجدها بادي الاستكانة خاضع للبلى على سمو المكانة فعبرنا واعتبرنا وأبصرنا فاستبصرنا وقول أبي الطيب تذكرنا
أين الذي الهرمان من بنيانه
ما قومه ما يومه ما المصرع
فتخلف الآثار عن أصحابها
حينا ويدركا البلى فتتبع
ثم نبذنا ذلك الوادي بالعراء واستقبلنا أرضا شبيهة بالصحراء ملاعب

(2/247)


للريح ومنابت للسدد والشيح سحبت علينا بها السحائب فضول الذيل وطفف الغمام في الكيل وغار النور وفار التنور وفاضت السماء والتقى الماء بالركائب تسبح سبح الأساطيل والأرجل تزهق زهوق الأباطيل والمبارك تعرى والأدلة لا تمتري واللباس قد غير الطين من شكله والإنسان قد رجع من الماء والجماء إلى أصله وخيمنا من بيرة حرسها الله بالثغر الأقصى ومحل الرباط الذي أجر ساكنه لا يحصى بلدة عددها متعقب وساكنها خائف مترقب مسرحة بعير ومزرعة شعير إذا شكرت الوابل أنبتت حبها سبع سنابل ونجادها بالهشم قد شابت وزروعها قد دعا بها الفضل فما ارتابت وندا وآنواحقه يوم حصاده أجابت أرحنا بها يوما صحا فيه الجو من سكرته وأفاق من خمرته فقيل للنفوس شأنك وذماك ويا أرض ابلعي مائك وتجلت عقيلة الشمس معتذرة عن مغيبها مغتنمة غفلة رقيبها ورحلنا من الغد وشمل الأنواء غير مجتمع والجو قد أنصت كأنه يستمع يعد أن تمحض الرأي عن زبدته واستدعى من الأذلاء من وثق بنجدته وكثر المستشار ووقع على طريق ينشر الاختيار وانتدب من الفريق إلى دلالة تلك الطريق رجل ذو احتيال يعرف بابن هلال استقبل بنا شعبا مقفلا ومسلكا مغفلا وسلما في الدرج سامي المنعرج تزلق الذر في حافاته وتراع القلوب لآفاته ويتمثل الصراط عند صفاته أو عار لا يتخلص منها الأوعال ولا تغني السنابك فيها ولا النعال قطعنا بياض اليوم في تسنم جبالها والتخبط في جبالها نهوى من شاهق إلى وهد ونخوض كل مشقة وجهد كأننا في حلم محموم أو أفكار مغموم أو برسام بوم وطال مرام العروج إلى جو السماء ذات البروج قلت يا قوم انظروا لأنفسكم فيما أصبحتم فيه واعلموا أن دليلكم ابن هلال عزم
على اللحاق بأبيه ثم أخذنا في الانحدار بأسرع الابتدار نهوى إلى المرقب السامي الذري ونهبط من الثريا إلى الثرى ونتمثل في ذلك المسلك الواعر بقول الشاعر
بطريق بيرة أجبل وعقاب
لا يرتجى فيها النجاة عقاب
فكأنما الماشي عليها مذنب

(2/248)


وكأنما تلك العقاب عقاب
ولما أصبح استقبلنا الفحص الأفيح بساطه ممدود الصرح يعجز عن وصفه لسان الشرح طاردنا قنيصه على طول صحبته للأمان من حوادث الزمان يأثرنا كل ذلق المسامع ناء عن إدراك المطامع كثير النفار مصطبر على سكنى القفار يختال في الفروة اللدنة الحواشي وينسب إلى الطائر والماشي تغلبناه على نفسه وسلطنا عليه آفة من جنسه وحللنا مقادة كل طويل الباع رحب الذراع بادي التحول طالب بالدخول كأنه لفرط النحول عاشق أو نون أجادها ماشق أوهلال سرار أو حنية أسرار رميناه منه بأجله على عجله وقطعنا به عن أمله فأصبح رهين هوان مطوفا بأرجوان ووصلنا الخطا بين جاثم الأرانب وأفاحيص القطا في سهل يتلقى السائر بترحيب واهن إلى اسكوذر حللناها واليوم غض الشبيبة والجو يختال من مذهب سناه في الحلى العجيبة واستقبلنا ألمرية عصمها الله في يوم سطعت أشعة سعده وتكفل للدهر بإنجاز وعده مثل أهلها بجمعهم في صعيد سعيد ويدعوهم عيد عهدهم به بعيد فلم يبق حجاب إلا رفع ولا عذر إلا دفع ولا فرد إلا شفع في يوم نادى بالجمهور إلى الموقف المشهور وأذن الله

(2/249)


لشهره بالظهور على ما تقدمه من الشهور رمت البلدة فيه بأفلاذها وقذفت بثباتها وأفذاذها وبرز أهلها حتى غص بهم سهلها وقد أخذهم الترتيب ونظمهم المصف العجيب تقدمها مراكب الأشياخ الجلة والفقهاء الذين هم سراج الملة وخفقت أصناف البنود المطلة واتسقت الجموع الذي لا توتى بحول الله من القلة وتعددت بمناكب البدور أشكال الأهلة في جموع تسد مهاب الصبا وتكثر رحل الدبا صفوفا كصفوف الشطرنج على أعناقهم قسى الفرنج وقد نشروا البنود الشهيرة الألوان واستشعروا في يوم السلم شعار الحرب العوان يتسابقون من الاحتفال إلى غاية ويرجع كل منهم إلى شعار وإلى راية وقد أحسنوا بالمشيخة الاقتدا ورفعوا بالسلام الندا وامتاز خدام الأساطيل المنصورة في أحسن الصورة بين أيديهم الطبول والأبواق تروح أصواتها وتهول وتألق من تجار الروم من استخلص العدل هواه وتساوى سره ونجواه في طروق من البر ابتدعوها وأبواب من الاحتفاء شرعوها فرفعوا فوق الركاب المولوي على عمد الساج مظلة من الديباج كانت على قمر العلياء غمامة وعلى خصر المجد كمامة فراقتنا بحسن المعاني وأذكرنا قول أبي القاسم بن هاني
وعلى أمير المسلمين غمامة
نشأت تظلل تاجه تظليلا
نهضت بعبء الدر ضوعف
نسجه وجرت عليه عسجدا محلولا
إلى غير ذلك من أروقة عقدوها وكرامة أعدوها وطلعت في سماء البحر أهلة الشواني كأنها حواجب الغواني دالكة الأديم متسربلة بالليل البهيم تتزاحم وفودها على الشط كما تتداخل النونات في الخط فياله من منظر بديع الجمال أخذ بعنان الكمال بكر الزمان وآية من آيات الرحمن حتى إذا هالت القبة استدارت وبالغمر السعد من وجه السلطان أيده الله أنارت مثلوا فسلموا وطافوا بركن مقامه واستلموا وأجهروا بالتلبية ونظروا من

(2/250)


وجهه الجميل إلى سعد الأخبية وتزاحم من النساء الأفواج كما تتدافع الأمواج فرفع الجناح وخفض الجناح ومهد لهن سبيل العطف وشملهن كنف الإشفاق والعطف ولما أرحنا واسترحنا والعيون في تلك البلدة سرحنا رأينا قيد البصر والمحاسن التي ترمي اللسان بالحصر حضرة يستقل بها الملك ومربع يلتقي به القطار والفلك رفعت راية الشرف القديم وحازت على نظراتها مزية التقديم ما شئت من ساحة طيبة الأديم رحيبة كصدر الحليم متناسبة الوضع بتقدير العزيز العليم تبرجت تبرج العقيلة ونظرت وجهها من البحر في المرآة الصقيلة وركب السلطان أيده الله ثالث يوم وروده إلى مشاهدة قلعتها الشماء المتعلقة بعنان السماء فقدح سكانها زناد البارق المتألق وتلعب صبيتها على جناح الطائر المحلق وعلى سمو مكانها وجلالة شأنها فدولابها شجي المضمار ومياهها في انهمار وخزائنها تستغرق بطوال الأعمار وعددها كفيلة بحماية الذمار فعوذناها من كل خطب فادح وحيينا بها بهو خيران وقصر ابن صمادح ونظرنا إلى تلك الآثار الكبار والمشاهد التي تغني عن الأخبار أشرقت العدو بريقه وسطت بفريقه وأخذت عليه فيها يد الله ثنايا طريقه وخص المولى أيده الله فأيدها بتشريفه وترفيعه وتناول بيده الكريمة من صنيعه في مجلس احتفى واحتفل وفي حلل الكمال رفل وأخذت مجالسها الخاصة والكبرا وأنشدت الشعرا فكان مقاما جليلا وعلى الهمم العربية والشيم الملوكية دليلا وكان الرحيل عن تلك المدينة لا عن ملال ولا ذم خلال ولكن مقام بلغ أمد ورحلة انتهت إلى أمد
أقمنا بها يوما ويوما وثالثا
ويوم له يوم الترحل خامس

(2/251)


فيالها من خمسة علقها الدهر تميمة على نحره وأثبتها معوذة في قران فخره كانت لياليها معطرة النواسم وأيامها كأيام المواسم وثنينا الأعنة إلى الإياب وصرفنا إلى أوطاننا صدور الركاب فكم من قلب لرحيلنا وجب لما استقل ووجب ودمع لوداعنا عظم انسكابه لما رمت للبين ركابه وصبر أصبح من قبيل المحال عند ذم الرحال وإلف أنشد بلسان النطق والحال
ومضى وخلف في فؤادي
لوعة تركته موقوفا على أوجاعه
لم استتم سلامه لقدومه
حتى ابتدأت عناقه لوداعه
وانصرفنا وعروشها تتعلق بأذيالنا ومخاضة واديها تعترض صدور رجالنا ورياحها تتدافع عن المسير ومعاملها تقنع من إلماحنا ولو باليسير واستقبلنا وادي بجانة وما أدراك ما هو النهر السيال والغصن المياد الميال والإفياء والظلال المسك مافت في جنباته والسندس ما حاكته يد جناته نعمه واسعة ومساجده جامعة أزرت بالغوطتين زياتينه وأعنابه وسخرت بشعب بوان شعابه بحيث لا تبدو للشمس أياه ولا تتأتى للحرباء حياه والريح تلوى أعطاف غصون البان على أردان الكثبان وتجاذب عن أنس الخمائل فضول الغلائل إلى برشانة وهي الكوكب الأعلى والأشهب المحلي والصباح إذا تجلى والعروس على المنصة تحلى وبها حلت الغيوم سموطها ومدت على السحاب خيوطها وعيون المزن باكية والمنازل من توقع فراقنا شاكية واستقبلنا الوادي نجعله دليل تلك الطريق ونتبعه في السعة والمضيق فكم مخاضة منه عبرنا وعلى مشقتها صبرنا حتى قطرت الأذيال والأردان

(2/252)


وشكت أذى الماء الأبدان وتوفرت دواعي الضجر لملازمة الماء والحجر ونسينا بمعاناة ألم البعاد وذكرنا بترديده وإعادته مثلهم في الحديث المعاد اللهم غفرا فضله مديد ومنظره في الحسن فريد وقد راق شأنه وتصاف على الشط سكانه فرأينا الحور تحت سماط الحور والنور فوق بساط النور ولما كاد عمر اليوم ينتصف وقد بلونا من بعد المشقة ما لا تصف وتخلصنا من ذاك الكمد شارقنا دار مية بالعلياء فالسند واستقبلنا عبلة ولورسانة وأنخنا الركاب بظاهر فنيانة بقعة حظها من النعم موفور وبلدة طيبة ورب غفور حللناها ومنافسي العجماء يعرب والشمس يراودها المغرب وقد عظم الهياط والمياط وسطا الكلال بالنشاط وبتنا والشيح وسائد مضاجعنا وشكوى التعب حلم هاجعنا واستقبلنا النهج الأمثل والسهل الذي يضرب به المثل بساط ممدود ومن البحار الأرضية معدود ولم يكن إلا كخطفة بارق أو خلسة سارق حتى تقلص الظل وطوى منشوره طي السجل واستقبلنا مدينة وادي آش حرسها الله وقد راجعت الالتفات واستدركت ما فات فتجلت المخدرات وقذفت من اشتملت عليه الجذرات وتنافس أهلها في العدة والعديد واتخاذ شكك الحديد فضاق رحب المجال واختلطت النساء بالرجال والتف أرباب الحجا برباب الحجال فلم نفرق بين السلاح والعيون الملاح ولا بين حمر البنود من حمر الخدود وبتنا بإزائها ونعم الله كافلة ونفوسنا في حلل السرور رافلة حتى إذا ظل الليل تقلص وحمام الصبح من مخالب غرابه قد تخلص سرنا وعناية الله ضافية ونعمه وافية فنزلنا بوادي فرذش منازلنا المعتادة وقلنا رجع الحديث إلى قتادة
وبها تلاحقت وفود التهاني وسفرت وجوه الأماني فنزلنا منه بالمروج فتفتحت بها أزهار القباب البيض في بساطه العريض وخطرت ببالي مقطوعة في مخاطبة المولى انجح الله عمله ويسر من فضله أمله أثبتت على حكم الاستعجال وأوجفت على بيوتها خيل الارتجال
إذا سرت سار النور حيث تعوج
كأنك بدر والبلاد بروج
لك الله من بدر على أفق العلى

(2/253)


يلوح وبحر بالنوال يموج
تفقدت أحوال الثغور بنية
لها نحو أسباب السماء عروج
وسكنتها بالقرب منك ولم
تزل تهيم هوى من قبله وتهيج
مررت على وعد من الغيث بينها
فمنظرها بعد العبوس بهيج
فكم قلعة قد كلل النور تاجها
ورف عليها للثبات نسيج
ولا نجد إلا روضة وحديقة
ولا غور إلا جدول وخليج
أيوسف دم للدين تحمي ذماره
إذا كان للخطب الأبي ولوج
بفتية صدق إن دجا ليل حادث
فهم سرج آفاقهن سروج
بقيت قرير العين ما ذر شارق
وما طاف بالبيت العتيق حجيج
وبتنا نتعلق بأنوار الحضرة العاطرة ونستظل بسمايها الماطرة ونعلق الاستبشار ونحن إلى الأهل حنين العشار
وأقرب ما يكون الشوق يوما
إذا دنت الديار من الديار
فلما تبسم زنجي الليل عن ثغر الفجر وشب وليد الصباح عن عقد الحجر ولحظتنا ذكا بطرفها الرمد وقد ترك الليل فيه بقية الأثمد استقبلنا الحضرة حرسها الله فأنست النفوس بعد اغترابها واكتحلت العيون بإثمد ترابها واجتلينا من فحصها الكريم الساحة الرحباء المساحة ما يبهر العين جمالا ويقيد الطرف يمينا وشمالا أم البلاد والقواعد وملجأ الأقارب والأباعد
قعدت مقعد الوقار ونظرت إلى الأرض بعين الاحتقار ومدت إليها البلاد أكف الافتقار نصبت من الجبل منصة قعدت عليها وقامت وصادف الفريق في ذلك البساط بين يديها فمن ذا يدانيها أو يداريها أو يناهضها في الفخار ويجاريها وهي غاب الأسود والأفق الذي نشأت فيه سحاب الجود وطلعت به من الأمراء السعود أنجم السعود سيدة الأمصار ودار الملوك من أبناء الأنصار ومصرع الطواغيت والكفار والغمد الذي استودع بسيوف الله دامية الشفار ولله در بعض شيوخنا فقد عبر عنها ببيانه واعتذر عن بروها في أوانه حيث يقول
رعى الله من غرناطة متبوأ
يسر كئيبا أو يجير طريدا
تبرم منها صاحبي عند ما رأى
مسالكها بالبرد عدن جليدا
هي الثغر صان الله من أهلت به
وما خير ثغر لا يكون برودا

(2/254)


وصلناها والجو مصقول كالفرند والسماء كأنها لصفائها مرآة الهند في بروز أخرج الحلى من الأحقاق وعقد أزرار الحلل على الأعناق وأطلع أقمار الحسن على الآفاق وأثبت فخر الحضرة بالإجماع والإصفاق على دمشق الشام وبغداد العراق حتى إذا بلغنا قصور الملك وانتهينا إلى واسطة السلك وقفنا مهنئين ومسلمين وقلنا ادخلوها بسلام آمنين وألقت عصاها واستقرت بها النوى كما قر عينا بالإياب المسافر
ومن ذلك كلام في السرحلة لما خف عيد مقامه صحبة وفد طاعته ومقدم سنة أمره العزيز وجماعته باذلا في البدار جهد استطاعته طائرا بجناح الحب الأول أمر الإمكان وساعته فرأى السرير قد استقل به عاصبه والملك قد تقررت مناصبه فأدى الغرض
وقرض فأحسن القرض وعرض كتائب المدح فاستوعب الغرض وملأ بها الأرض وصدر قافلا في ثياب العز رافلا واقتضى من إذنه في زيارة البلاد المراكشية ما يبدي لمن ناب عنه خلال كماله ويهني العباد بتمام الأمر ونجح مآله ويلتمس بركة الضريح الذي بحسب الراغب بآماله وظهر له أن يدون رحلة وجهته المنسوبة إلى عناية أمره ويفتق كمامة فخرها عن زهره مستعينا بالله في سره وجهره فقال خرجنا من أم القرى ومجمع الورى وكعبة السير والسرى مدينة فاس دار الملك الأصيل والعز المشرف الثليل حيث القصور البيض والملك الطويل العريض والأبواب المحروسة والبساتين المغروسة والمياه المتدفقة والجنود المرتزقة والمباني العظيمة والرباع المترفعة عن القيمة والدين والدنيا من غير شرط ولا ثنيا حرسها الله وكلأها ووفر وقد فعل ملأها نلتفت إلى معاهدة السادة وعلق الودادة ومراتب أولى الجود والإفادة
همو اسكنونا في ظلال بيوتهم
ظلال بيوت أدفأت وأكنت
أبوا أن يملونا ولو أن أمنا
تلاقى الذي لا قوه منا لملت
وشعينا ممن كرم ذمامه وعرف برفع الوفاء إلمامه جملة من الصدور والشموس والبدور تذكرت عند وداعهم المهيج الشكاة والمدامع المشتبكات قول شيخنا أبي البركات
يا من إذا رمت توديعه

(2/255)


ودعت قلبي قبل ذاك الوداع
وبت ليلى ساهرا حائرا
أخادع النفس ببعض الخداع
يا محنة النفس بمألوفها
من أجله قد جاء هذا الصداع
وقرض فأحسن القرض وعرض كتائب المدح فاستوعب الغرض وملأ بها الأرض وصدر قافلا في ثياب العز رافلا واقتضى من إذنه في زيارة البلاد المراكشية ما يبدي لمن ناب عنه خلال كماله ويهني العباد بتمام الأمر ونجح مآله ويلتمس بركة الضريح الذي بحسب الراغب بآماله وظهر له أن يدون رحلة وجهته المنسوبة إلى عناية أمره ويفتق كمامة فخرها عن زهره مستعينا بالله في سره وجهره فقال خرجنا من أم القرى ومجمع الورى وكعبة السير والسرى مدينة فاس دار الملك الأصيل والعز المشرف الثليل حيث القصور البيض والملك الطويل العريض والأبواب المحروسة والبساتين المغروسة والمياه المتدفقة والجنود المرتزقة والمباني العظيمة والرباع المترفعة عن القيمة والدين والدنيا من غير شرط ولا ثنيا حرسها الله وكلأها ووفر وقد فعل ملأها نلتفت إلى معاهدة السادة وعلق الودادة ومراتب أولى الجود والإفادة
همو اسكنونا في ظلال بيوتهم
ظلال بيوت أدفأت وأكنت
أبوا أن يملونا ولو أن أمنا
تلاقى الذي لا قوه منا لملت
وشعينا ممن كرم ذمامه وعرف برفع الوفاء إلمامه جملة من الصدور والشموس والبدور تذكرت عند وداعهم المهيج الشكاة والمدامع المشتبكات قول شيخنا أبي البركات
يا من إذا رمت توديعه
ودعت قلبي قبل ذاك الوداع
وبت ليلى ساهرا حائرا
أخادع النفس ببعض الخداع
يا محنة النفس بمألوفها
من أجله قد جاء هذا الصداع

(2/256)


وكان المبيت بدشار البوير من أحوازها دشار نشعت الطريق بلالة أهله وأعدم الله المروءة من فتاه وكهله ومن الغد قطعنا للرحلة الآهلة والطريق الطاعمة الناهلة حيث السهل الممدود والماء المورود والجسور المحنية والدشر السنية والآثار المدينية إلى مدينة مكناسة ومنها بعد كثير حتى إذا الشمس همت بتسلق الجدرات وقادت أهلها من وراء الحجرات وطفق عسجدها يذهب لجين الضحا ومرساها الموشية تجلو خد الأرض بعدما التحا قمنا نستشعر التجلد للبين وهو يفصح ويجمل حكم الوجد والدمع يشرح فودعنا الخليط المصاحب وسلكنا الطريق غير اللاحب وقد طبق ضباب له على الأرض أكباب حجب الجهات ولابس بين الأمهات وضللنا لولا أن هدانا وسرنا والحفنا السحاب وردانا والنبت قد أطلع ولدانا ونواحل الطلول قد عادت بدانا ثم إن مرآة الأفق جلت الغزالة صداها وأتت كل نفس هداها فحمدت السراة مغداها واقتحمنا الرمل الذى أقدح الله مرعاه وحشر غليهم فحضرت مدعاه ما بين خيام ورعاة غير ليام وبيوت شعر ومعاطن وبقر وغنم تملت بها الأرض وبقر ضاق بها الطول والعرض وعجائز يئسن من المحيص مهدية قرب المحيض وقد اضطربت في الفحص الأفيح محلة الساعي ناجحة منه المساعي والأذواد تعد والنطايع تمد والعاملون عليها حجتهم لا ترد ولم تكن الشمس تقتعد سنام خط الزوال وتسدل من رؤوس القوائم ذوائب الظلال حتى نزلنا بعين الشعرا وانتبذنا عن حصنه إلى العرا حصن مثلوم مهدوم موجود الأنس به معدوم إلا أنه كثير الوفود ومناخ مقصود ومعدن الحديد وباب الوطن العريض المديد خيمنا بظاهره خيفة برغوته ولم تخف من سباعه التي تزأر حولنا وليوثه فكانت للوقاية النادرة وأمنت والمن لله البادرة

(2/257)


وبلونا من وإليه مبرة وما فقدنا من اللطف مثقال ذرة وعند الصباح شرعنا في الارتحال وعين الشمس بحر الضباب مفتقرة إلى الاكتمال فسلكنا خندقها خندق هارون وفحص خواز ماز بن براز ومظان احتراز إلى دشار مكول وهو إلى الفنا موكول وبرحل الخراب من الأعراب موكول ولما رأينا جنابه غير مأنوس وقد امتاز بلبوس البوس جزناه إلى ماغوس دشار الزاوية ومركز الحظوظ المتساوية ومناخ الرفق السارية وحاضرة تامسنا حيث مجلس قاضيها وتشاجر ساخطها وراضيها وحمام متوضيها دشار كبير يأكل من هوى ويشرب من بير فقد النضارة وعدم مرافق الحضارة إلا أنه على الاختزان أمين ولحفظ الحبوب ضمين ما لم تعث شمال للفساد ويمين قد اتخذ به مسجد شان النقص من مناره لقصور درهمه ودنيره فمنظره شنيع وحماه غير منيع بتنا به في كنف شاهده العدل فصم عن العذل وترفع عن خلق البدل وأنشدته من الغد
ماذا لقينا بماغوس من اللفظ
ليلا من خرس الأجراس والشرط
ومن رداة ماء لا يسوغ لنا
شراب جرعته إلا على الشطط
ومن لغات حوالينا مبربرة
كأننا ببلاد الزنج والنبط
جرد إلا شجرات نستظل بها
ولا أنس يربح النفس من قنط
منارها قعد الباني لنصبته
فلا تشير إليه كف مغتبط
كأنه قيشة جاءوا لفلقها
بخاتن قط منها النصف عن غلط
لكن فاضل كتاب الشروط بها
بحي أبر فتى للفضل مشترط
أحيا بها الأنس يحيى بعد وحشتها
وناب عن حلة من ذلك النمط
ورحلنا من الغد عن شكر لقراه وصرف الركب إلى محلة سفيان سراه

(2/258)


فسرنا نؤم حلة سفيان وملاعب الرعيان بين خيام قد استدارت كالرذائل واشتملت على الولائد والعقائل ودثر ركبت الهضاب بأخصاصها ومالت الوهاد بنهمها وخلاصها يسمح أهلها باللبن الحامض بعد ما نزع جبنه وزبده وترجح للراغب فيه زهده ووجدنا الطاعون في بيوتهم قد نزل واحتجز منهم الكثير إلى القبور واعتزل وبقر وبزل واحتجن واختزل فلا تبصر إلا ميتا يخرج وصراخا يرفع وعويلا بحيث لا ينفع فعفنا الهجوم وألفنا الوجوم وتراوغنا عن العمران وسألنا الله السلامة من معرة ذلك القران وركضنا نبغي اللحاق بالفرج حيث مخيم شيخ القبيلة ونروم المبيت بالمنزلة غير الوبيلة وقلت
ترى لهذا السير من منتهى
بناء أعضاء من به قدوها
قالوا نريد البرح قلت ارجعوا
عن سهوكم قد جرت براح السها
فزالت الشمس ومالت ثم سالت وانهارت في حجر المغرب وانهالت وبعد لأي ما بلغنا ومن الكد فرغنا ومنحة الراحة تسوغنا ونزلنا بإزاء خيام استدارت في سنام قد اشتبكت حبالها وتراصت جبالها مدائن دورها شعر ووقودها بعر وسورها سدر وبقلها لا تخلو منه قدر قد جاوزت بركا ريانة ومنازل بالأمم ملآنة ومروجا مرقومة الطرر وبطاحا معضوضة الكور وبادر الشيخ فرحب وتبسط وتسحب رجل قد اكتمل وعلى الوخط اشتمل تدل منه المنابشة على نبل تحت جمامه وتنشق منه كمامه الفهامة عن فهامة ولم يقصر عن طعام نظيف واحتفال مضيف وركب لوداعنا في مركب لجب غير محجز ولا محتجب وسأل عن الطية ومناخ المطية قلنا المنزل الأثير من حلة أبي كثير فهو محركات الرحلة وأوضح مذاهب تلك النحلة

(2/259)


فوكل بلحظنا عينه وقسم المرحلة بيننا وبينه وأنزلنا مرحلة مهدي بن موسى وقد امتدت إليها أنامل البوسي فانتبذنا عن جوارها وأصحرنا عن قورة دوارها ولم يجد صاحبنا فيها مرغبا لجوده الذي بذله ولا قبولا لقراه الذي عجله واجتنبناه اجتنابا أخجله وبتنا في وقاية ضفى جناحها إلى إلى أن اشتعل في نجمه الليل صباحها فركضنا تحت رواق ضباب ساتر ورذاذة متناثر لم تزل الشمس ترشقه والرياح تستكشفه حتى تقشع وبان الأهل من البلقع فتعرفنا في بعض طريقنا أن أبا مثوانا وحام قرانا يجمع بيننا وبينه الطريق ويلتقي الفريق بالفريق لمجمع بين العرب معقود ورأى مشهود فقلنا تعجيل اجتماع وحظ إبصار بعد حظ إسماع ومزيد استكثار بأبي كثير واستمتاع وعلى بريد تراءت الخيل تسل الأباطح بأعرافها وتأخذ الإجراء بأطرافها وخالفت بيننا بنيات الطريق باشتباهها فنزلنا ببعض الجهات على مياهها وخاطبته بما نصه
مبارك ما قدمت سفيان رغبة
ولا خوف تقصير ولا سوء سيرة
وما نظرة مني إليك أعدها
سوى منة لله في كثيرة
وإن كان ما لاقيت قبلك الجما
فأنت على التحقيق شمس منيرة
ورب صلاة قدم النفل قبلها
وتشرب من قبل الثريد حريرة
ثم كان النزول بالزاوية قبر زمام وأبي ذمام ورعى اهتمام دشار وجدناه والحمد لله محتويا على صحة محجوبا عن خطوب حواليه ملحة رحب بنا أهله واسهل إلينا رحبه وسهله واقتدى فينا بمذهب الشيخ فتاه وكهله ولما اصبح بكرنا محلته الآهلة وذكرنا والشيء يذكر بضده بأهله ونظرنا إلى خيام وحلل وجديد وطلل ومبارك ومعاطن ومسكن يعرف بأصالة قاطن
تيط أقوران وما أدراك ما تيط حيث الجناب الغبيط البشر والبسيط والبحر المحيط تفجرت بها للزلازل عين كما سال لجين أو صقل صفحة السيف قين وتسنم ذروة البيوت منها قصر مشيد أثلع منه جيد وأغرى به تحكيم وتنجيد ودارت البيوت كما نسج العنكبوت واتجهت إليه الطرق والسموت ونجح بإزائه السوق وبان من فجر ساكنها البسوق وقلت
نزلنا حلة الخلط الكرام

(2/260)


بأخت الركن والبلد الحرام
ومن يك من ضيوف أبي كبير
غني بالفعال عن الكلام
وإن بيوته لكما سمعنا
بيوت الخيل والنعم الجسام
تظللها الفوارس بالعوالي
وتفرشها الولائد بالطعام
إلى غير هذا من الشعر وينظر في موضعه
ومن ذلك ما صدر عني من المقامات في هذا الغرض حدث من ينظم فرائد الأخبار في سلك قصصه ويدوس حبات الطرق بأخمصه ويطارد شوارد الكلام حتى يصبح من قنصه قال بينما أنا في بعض الطرق وقد وصلت الهاجرة وتبرجت المفازة الفاجرة وسورة القيظ تكاد تميز من الغيظ وشهر ناجر قد أخذ بالحناجر والشمس قد ركبت سنام خط الزوال ومدرجة الصبا قد ضنت النوال وصمتت عن السؤال وقد تشاجرت الجنادب واختلفت لقيانها الولائم والمآدب وتباعدت من الفضا الأخر والمناكب ومدت نسيج الآل العناكب والطية تطفف في المسير والمطية قد سميت الذرع والتكسير والظل مرامه من العسير والماء بمنزلة الإكسير إذ رفعت لي على البعد سرحه في فريدة عن اللذات والوشائج المولدات فهي في المجمل

(2/261)


علم وللركائب ركن مستلم نستامه كأنها في جلد اليباب شامة فملت إلى سمتها وانحرفت وثنيت العنان نحوها وصرفت فما كان إلا فواق حرف لا بل ارتداد طرف حتى عشيت منها عقيلة فلاة وخدر سعلاة ذات عمود سام وطنب يكتنف ببني حام وسام ظللت من الأرض حجرا مدحوا ومهرقا من حروف المهر ممحوا ودمثا سهلا ورحبا وأهلا وشيخا وكهلا وعلما وجهلا يتخلل سماها الخضراء شهبان أهلة وتثبت بأهدابها أسنان وأعنة وتموج في ظلها إنس وجنة كأنما ضربت الصخرة الصما بعصاها فأطاعها العذب الفرات وما عصاها وانساب بين يديها ثعبان تراع له وهاد وكثبان ينشب حصاه عن حصى تغلط العارف من الصيارف وتوهم الأملياء انتهاب عقودها لا تستطيع الجوارح مصابرة خصره ولا يماثله الشهد بمجاج معتصره فحييت الجمع بأحسن تحياته واتحفت الروح من ذلك العذب البرود تحياته وتلوت كذلك يحيى الله الموتى ويريكم آياته وقلت حياك الله من خميلة وفاتنة جميلة وتمثلت بقول ابن قاضي ميلة
وقانا وقدة الرمضاء روض
وقاه فضاعف الظل العميم
فصرنا نحوه فحنا علينا
حنو الوالدات على اليتيم
يراعى الشمس أنا قابلتنا
فيحجبها ويأذن للنسيم
وسقانا على ظمإ زلالا
ألذ من الشراب مع الكريم
تردع حصاة حالية الغواني
فتلمس جانب العقد النظيم
وكان في جملة من اغتنم المقيل واستنصر على عدو الظمإ ذلك العضب الصقيل وألم بالنوم الخفيف على الرحل الثقيل لايث عمة على همة ومستظهر بوفر وذمة ورعى أذمة قد عبث الوخط منه بلمة بين يديه عتاق قود وعبيد

(2/262)


تحسبهم أيقاظا وهم رقود فاشرأب عند سماع إنشادي كما يشرئب للريم وهزت حميا الأدب منه عطف كريم وصاح بصوت جهير ينبني عن منصب شهير من هذا الطارق ومتى أومض هذا البارق وإني لأنس مخيلة غير مخيلة وأنظر إلى مظنة غير ذات ظنة ليدن مني جوارك ويرع إن شئت حوارك ويتفتح نوارك وتتألق أنوارك ولم يزل يحاجي ويسمل ويرعى فلا يهمل فلما دنوت من مهاده وركضت في ربا الحديث ووهاده وأصبت من زاد طريقه وانخرطت في فريقه وأطهر بني بأحاديث الغريبة وتشريقه سفر منه الاختيار عن نجار هاشمي وكرم حاتمي ودار فاسي ومنصب رياسي وأصل عراقي وفرع بين نفيس ونفيسه راقي ولما انخفض قرن الغزالة ولان طبع الهوا من بعد الجزالة ولم يبق من عمر اليوم إلا القليل ورقية النسيم تتردد على الأصيل العليل وهو يجود بنفسه ويسلك مسلك أمسه والمغرب يبتلع قرصة شمسه قمنا نقضي الدين ونقلد رقيم العذار كل أسيل الخدين كريم الجدين ونشيد المناطق على جميل كل ماضي الحدين ونغتنم ثاني الأبردين فرفعت الرحال من فوق الظهور وسرنا بنص السير على المذهب المشهور وتركنا البنيات إلى جادة الجمهور - وقلت أيها الرفيق البر الصحابة الأغر السحابة إن الشقة بعيدة والمشقة مبدية معيدة ولا يستعان على المراحل إذا اشتطت واستطالت وليالي السرى إذا قمطت وطالت إلا بتناوب الأخبار المنقولة والآداب المهذبة المعقولة فقال أثر الكامن وأزجر الميامن وابغ الفلك الثامن واطلب غريم الغرائب وأنا الضامن قلت افسح لي مجال غرضك واشرح لي معنى جوهرك وعرضك وطية سفرك وعودك بظفرك فقال أنا كالشمس أجوب هذه المنازل مرة في كل سنة وأحصى كل سيئة وحسنة وأطوى الغلاة وأبهرج الولاة فهم يرقبون تلك النوبة ويتوقعون الأوبة ويستعدون لخروج الدابة التي

(2/263)


تكلمهم بالإقلاع والتوبة فأسعط الأنوف وأنتزع حتى الشنوف وأحكم لساني فيمن ينساني وأجود بظل ينساني من بسر إنساني وأداول بين إساءتي وإحساني وأتصدى للهدية الودية وآنف من العطية غير البطية وأوسع البخيل هجرا وأقرط من كرم نجرا ووضح فجرا قال لا أسألكم عليه أجرا
يا أهل بيت رسول الله حبكم
فرض من الله في القرآن أنزله
يكفيكم من عظيم الفخر أنكم
من لم يصل عليكم لا صلاة له
فلا أزال أطلق عنان الصولة في جو الجولة مستظهرا بوسيلة البيت ومنشور الدولة فأسلق الخامل في مرقة النبية وأحكم للشبيه بحكم الشبيه ولا أقبل عذر البغي ولو شغلته جنازة أبيه أهجم هجوم السيل بالنيل وأجر على البيوت فضول الذيل وأتقلب تقلب الفلك بين الاستقامة والميل وأزن كل بضاعة فأبخس في الوزن أو أطففه في الكيل وأغرر غرة الصباح بغزر الخيل ولو على حي عامر بن طفيل وأرحل عن الحلة وقد همدت بعد ارتجاجها وسكنت قساطل عجاجها وصحت أذين دجاجها وفليت عن الخزين روس مجاجها وأعود والصرة لا يجتمع مغلاقها والبدرة لا يقلها معلاقها والعياب يصعب معها الإياب وتبرز من خلال أستارها الثياب والخيل تموج في الأرسان وتختال في السروج المحلاة والجلال الحسان قلت لعمري لقد اتسع نطاق الكلام وطال مدى التلاوة بين الإمامة والسلام فأعرض لي القوم عرضا وصف لي الموارد غمرا وبرضا وميز الهمم سما وأرضا وأخبط العضاة بعصاك حتى ترضى فقهقه قهقهة الشقشاق وتأوه تأوه العشاق وكأنها كانت حاجة في نفسه قضاها وعزيمة يتجاذبها الكسل أمضاها فسام نصاله وانتضاها وقال خذهم بالكلاليب وأجنبهم بحجر الجلاليب وعث عيث الغزالة وشبيب

(2/264)


في كل غرفة وسبيب وابدأ بمن تريد وأرسل شهاب فكرك خلف كل شيطان مريد ومن غاب عنك فخيل البريد قلت الحضرة وجملتها والمزرعة العظمى ونباتها وافتتح المراسم بمحمد بن القاسم فقال شيخ موقر والمنصب ما لم يصنه مخظر مدع على رتب الخدمة قديم الاصطناع والنعمة مؤتمن على الحساب منتسب إلى الأمانة أتم الانتساب نبيه العقار والاكتساب مكرم لذوي الأحساب قلت ففلان قال فارس زمام ومتمسك بذمام ومصل خلف إمام يناقش ويدقق ويعاود ويحقق وهو عن الصبوح يرفق فغريمه متعب مهمى عسر وصعب واستوعب كعصفورة في كف طفل يسومها ترود حياض الموت والطفل يلعب وعلى الرتبة الشماء والخلق اللطيفة كالماء فبينه وبين ريحانة الكرما وشهاب الظلما ما بين الحروف والأسما لا بل الأرض والسما
وقد يسمى سما كل مرتفع
وإنما الفضل حيث الشمس والقمر
قلت قال خدوم وقاضي سدوم موجود معدوم يخيل بالنبل ويحيد عن السبل ويخلط أرضا وسما ومسميات وأسماء ونارا وما ويحسبه الظمآن ما قلت قال شختور يسبح وفصل يذبح وتاجر في كل نفس يربح انسحب عليه القبول من لدن صباه وصاح به الجو فلباه شأنه الدهر غمز وإيثاره ونداوة وبشارة محظوظ مجدود وعقد حرصه مشدود وهو في الكفاءة معدود قلت فقال فارة وقضاء وكفارة وبقية مما ترك آل موسى وآل هرون تحت غفاره بعوضة في الأذان تغني عن الاستيذان ويطرق حتى بهنات الإقامة والأذان قادر على تلفيق الثبوت وحمل اليهود على نسيان
السبوت يرى الحكمة خبيئة جيبه ويشتغل بعيوب الناس عن عيبه قلت قال ألوف ودود أنوف عن الخبث والمكيدة صدود محسوب من الأسرياء معدود كثير الشنشنة والأريحية مبذول المشاركة شائع التحية بادي النبل والطرب ينظم الأبيات ويوضح من الفضل الغرر والشيات
عليك بكاتب لبق ذكي
أديب في شمائله حرارة
تشير له بلحظك من بعيد
فيفهم طرفه عنك الإشارة

(2/265)


قلت فالوالي ابن الربيب فشد خيشومه واستدفع بيمن الله شومة ثم قال الروض والأنف تحتاج إلى الكنف إعلم أني على طول تجريبي وتشريقي وتغريبي لم أعثر له على شبيه فلعنة الله عليه وعلى أبيه الجهل والرعونة والطلعة الملعونة والحيا المسلوب والصبر المهزوم عند الشهوات المغلوب والخيانة التي يعرفها الوجود واليد التي في غير الخنا لا تجود نار الجباية التي تأكل في اللحظة الواحدة جبالها وخنجر الأمانة التي يقد جبالها المارق على النكال والعقاب المخل بالألقاب الخامل البيت والهمة الكثير الذم القليل الذمة والله در أبي محمد العلكوم ذي العارض المركوم حيث يقول
لأبي الفضل ابن الربيب خصال
شهدت بالوفا والفضل فيه
ساقط الأصل عاهر الفرج مذ
كان سفيه قد بذ سفيه
ذي محيا من الحياء عديم
وقفا مختل وشكل كريه
سلحفاة قد عمت وأجران
في رداء موشع يلويه
مجمل السرج منه ذو رجيع
يعرف الناس ذوقه من فيه
حجر الله جوده وندا كفيه
إلا عن أسود يشفيه
فهو لا يستكفه من بلاء
ومجابي البلاد لا تكفيه
قلت للناس والسؤال شفا
وهو قدما شأن النبيل النبيه
لم يدعى بابن الربيب فقالوا
كان يزني بأمه ابن أبيه
أبعد الله ذلك الوجه من
كل مقام بر وقدر نبيه
وكأني به وقد بشرت منه
يد الذل غلظة التنويه
تترع العز منه سخطة رب
لم يدنه يوما يرضيه
وأهالت منه السياط كثيبا
واكمت رمله رياح التيه
ورست منه في الأداهم رجل
ودعتها نضارة الترفيه
كان عارا على الوجود ومن
يبلى بعار كيف لا يخفيه
عادة الله كلما اعتز باغ
بضلال فإنه يكفيه

(2/266)


قلت ففلان فقال شعلة من ضرام ودمل من أورام ولا بد لكل شيء من انصرام سعيد الدين خير من أبيه وطرح الكلب خير من سعيد قلت ففلان قال صاحب هدي وسمت وطريقة غير ذي عوج ولا أمت واشتمال من الطهارة والتفات متقلد من محل ولايته في جنات ألفاف مع مهيب عدل وإنصاف معتدل الجود واضع إياه في ضرورات الوجود كثير الضيف مطعم في الشتا والصيف أمن جاره من الحيف يرعى الوسيلة فلا ينساها ويصل مغدى الصنيعة بممساها فإذا ذكرت الخيار فاذكره فيها أو حسب الولاية به فخرا ويكفيها لا يسمع الهجر في مجالسه ولا تضم الخنا سقائفه قلت وهو لعمري سلس القياد وحقيبة جباد فلم يفه ببنت شفه لا أدرى أم أنفه

(2/267)


قلت فمشربه قال أنهد وفي غير الكفار لا تجهد ودعنا من الحضيض الأوهد فالأمر أزهد ولا تعد إلى مثلها والله يشهد قلت مقيم رسم وممتاز من الشهرة بوسم ورجل عاقل وجال صفحات البر وصاقل ومتماسك عن الغاية متثاقل لا بفصاحة سحبان ولا بعي باقل يروقك لقاؤه ويعجبك خوانه وسقاإه ( ) ويثنى على صلته أصدقاؤه قلت فأخوه قال درة بيتهم وغرة كميتهم ومصباح زيتهم منزلة منزع جفان ومحط ضيفان يركب المطية ويمهد الأريكة ي الوطية ويتبع بالعذر أثر العطية غير البطية ويجدد العمل بالعصابة البرمكية وأخبارهم المحكية قلت قال كوكب سحر وكريم قرى ونحر وأبهت وسحر ماشيت من ترتيب وتقدير خليق بالبر جدير وروض وغدير وخورنق وسدير هذب الأدب خدامه وأطاب الاحتفال خبزه وإدامه إلى عطا يحسب الأمل ويثقل الناقة والجمل عضه الدهر فما عض من طباعه واستأثر بماله ورباعه وتركه فريسة بين سباعه فما حط من همته ولا قصر من طباعه وطالما أصلى الياقوت جمر غضا ثم انطفأ الجمر والياقوت ياقوت قلت قال أمين وذخر ثمين وشمال للنصيحة ويمين إلى صدر سليم وتعويض وتسليم وسرو عميم ومرعى للفضل حميم يقنع بالمصاصة ويؤثر على الخصاصة ويحافظ على القلامة والقصاصة قلت قال بر وفي يذوب حياء ويتهالك إبلاغا في البر وإعياء قلت قال لفظ بلا معنى وشجر بلا مجنى مروته سقيمة وسراوته عقيمة مدين الحرمان له خدين لا يحمد قراه ولا يمسك البلالة ثراه وإن تسمع بالمعيدي لا أن تراه قلت قال حمول للكلفة كثير الألفة حمار قليل العلفة وطيه وهو قعود ذلول ومطية قلت

(2/268)


فقال سورة الفضل والكمال وصورة الحلال والجمال وسيف الجباية والمال وحج العفاة وكعبة الآمال العف الإزار ذو المواهب الغزار ما شيت من حيا ووقار واهتضام للعرض الأدنى واحتقار يهب الجزيل ويكرم النزيل ويحكم التنزيل أقسم لو سبق الزمن زمانه وانتظم في سلك العقد المتقادم حمانه لما كان لكعب من علو كعب ولا ساعد ابن سعدي ذكر ولا أعمل في مدح هرم بن سنان فكر ولطوى حاتم طي ولم تأخذه يد النشر إلى الحشر ولا أعملت في أخباره يد الإضراب والبشر فهو العامل العالم والعادل الذي تكف به المظالم والبحر الذي من دونه بلالة والكفاية ما سواها علالة
مدحت الورى قبله كاذبا
وما صدق الفجر حتى كذب
إن طرقت منزله هش ورحب وتبسط جالبا للأنس وتسحب وحكم كماله وألقى قبل الوسادة ماله فهو حسنة الدولة الغرا وطراز حلتها الشيرا وحديثها المنقول وصفيحها المصقول ولله در الذي يقول
سلني عن الندب وإلى الولاة
فإني على مدحه قادر
مخدرة في سبيل الحيا ويوم
الوغى أسد خادر
ولما بلغ إلى هذا الحد كأنما كان الحديث ثوبا على جسد المرحلة مقدودا وعددا مع لياليها المحسوبة معدودا أتى للسير منه القواعد والبروق وانتهب عمر الليل إلى الشروق وكان آخره بباب المحروق وجعل كل وجهه إلى ذره وعاد إلى مركزه عقب مداره وعلق بقلبي كلامه فاستقر في احتزانه وأنا أزن القوم بميزانه والله يتغمد ما يوافقه العبد من هفوة لسانه ويغطى الإساءة بإحسانه
من ذلك الكتاب المسمى بمعيار الاختيار

(2/269)


الحمد لله الذي انفردت صفاته بالاشتمال على أشتات الكمال والاستقلال بأعباء الجلال المنزه عن احتلال الحلال المتصفة الخلال بالاختلال المتعمد بالسؤال لصلة النوال جاعل الأرض كسكانها متغايرة الأحوال باختلاف العروض والأطوال متصفة بالمحاسن والمقابح عند اعتبار الهيئات والأوضاع والصنائع والأعمال على التفصيل والإجمال فمن قام خيره بشره دخل تحت خط الاعتدال ومن قصر خيره عن شره كان أهلا للاستعاضة به والاستبدال ومن أربى خيره على شره وجب إليه شد الرحال والتمس بقصده صلاح الحال وكثيرا ما اغتبط الناس بأوطانهم فحصلوا في الجبال على دعة البال وفازوا في الرمال بالآمال حكمة منه في اعتبار ربع الشمال وتضيء أكنافه عن اليمين والشمال إلى أن يدعو بأهل الأرض لموقف العرض والسؤال ويذهل عن الأمل عظم الأهوال والصلاة على سيدنا محمد المصطفى الذي أنقذ بدعوته الوارفة الظلال من الضلال وجا برفع الأغلال وتمييز الحرام من الحلال والرضا عمن له من الصحب والآل أما بعد ساعدك السعد ولان الجعد فإن الإنسان وإن اتصف بالإحسان وأبانة اللسان لما كان بعضه لبعض فقيرا نبيها كان أو حقيرا إذ مونه التي تصلح بها حاله ولا يسعها انتحاله لزم اجتماعه وائتلافه على سياسة يؤمن معها اختلافه واتخاذ مدينة يقر بها قراره ويتوجه إليها ركونه وفراره إذا رابه إضراره وتختزن فيها أقواته التي بها حياته ويحاول منها معاشه الذي به انتعاشه وإن كان اتخاذها جزافا واتفاقا واجتزاء ببعض المرافق وارتفاقا
تحاول خيرها وشرها وتعارض نفعها وضيرها وفضلها في الغالب غيرها وإن كان عن اختيار وتحكيم معيار وتأسيس حكيم وتعويض للعقل وتحكيم تنافر إلى حكمها للنفر وإعمال السفر وكانت مساويها بالنسبة إلى محاسنها تفتقر إذ وجود المال فاضح للآمال ولله در القائل
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها
كفى المرء فضلا أن تعد معايبه

(2/270)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية