صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : روضة العقلاء و نزهة الفضلاء
المؤلف : ابن حبان البستي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

أبصر لرجلك قبل الخطو موضعها ... فمن علا قلة عن غرة زلجا
قال أبو حاتم رضي الله عنه: العاقل يبصر موضع خطواته قبل أن يضعها، ثم يقارب عدوه بعض المقاربة، لينال حاجته، ولا يقاربه كل المقاربة فيجترأ عليه، والعاقل لا يعادي ما وجد إلى المحبة سبيلا، ولا يعادي من ليس له منه بد، ولا العدو الحنق الذي لا يطاق؛ فإنه ليس له حيلة إلا الهرب منه، وحيلة السبيل إلى القدرة على العدو وجود الغرة فيه، وإن يرى العدو أنه لا يتخذه عدوا، ثم يصادق أصدقاءه، فيدخل بينه وبينهم.
وأحزم الأمور في أمر العدو: إن لا يذكره بسوء إلا عند الفرصة، وإن من أيسر الظفر بالأعداء اشتغال بعضهم ببعض، وإن مما يستعين به المرء على عدوه: مجانبة من يعاشره، ويصحب عدوه.
أخبرني محمد بن سعيد القزاز حدثني أحمد بن زهير بن حرب قال: سمعت يحيى بن معين يقول: قال أبن السماك )لا تخف ممن تحذر، ولكن أحذر ممن تأمن(.
وأنشدني علي بن محمد البسامي:
تمنيت أن أبقى معافى، وأن أرى ... على من يناويني تدور الدوائر
فيصبح مخذولا، وأمسى سالما ... إلى الله داع بالكفاية ناصر
سمعت محمد بن محمود يقول: سمعت علي بن خشرم يقول: سمعت الفضل ابن موسى الشيباني يقول )كان صياد يصطاد العصافير في يوم ريح، قال: فجعلت الرياح تدخل في عينيه الغبار، فتذرفان، فكلما صاد عصفورا كسر جناحه وألقاه في ناموسه. فقال عصفور لصاحبه: ما أرقه علينا، ألا ترى إلى دموع عينيه؟ فقال له الآخر: لا ننظر إلى دموع عينيه، ولكن انظر إلى عمل يديه( قال أبو حاتم رضي الله عنه: العاقل لا يأمن عدوه على كل حال، إن كان بعيدا لم يأمن مغادرته، وإن كان قريبا لم يأمن مواثبته، والعاقل لا يخاطر بنفسه في الانتقام من عدوه: لأنه إن هلك في قصده قيل: أضاع نفسه، وإن ظفر قيل: القضاء فعله.
والمعاداة بعد الجلة فاحشة عظيمة، لا تليق بالعاقل ارتكابها فن دفعه الوقت إلى ركوبها ترك للصلح موضعا.
وأنشدني بعض أهل الأدب لأبي الأسود الدؤلي:
وأحبب إذا أحببت حنا مقاربا ... فإنك لا تدري: متى أنت نازع؟
وأبغض إذا أبغضت غير مجانب ... فإنك لا تدري متى أنت راجع؟
وكن معدنا للحلم وأصفح عن الأذى ... فإنك راء ما عملت وسامع
وأنشدني منصور بن محمد الكريزي:
إذا أنت عاديت امرءا بعد خلة ... فدع في غد للعود والصلح موضعا
فإنك إن نابذت من زل زلة ... ظللت وحيدا لم تجد لك مفزعا
أنبأنا محمد بن إسحاق الثقفي حدثنا أبو همام حدثنا ابن وهب أخبرني يونس أبن يزيد عن أبن شهاب قال )اجتمع مروان بن الحكم وابن الزبير يوما عند عائشة، فجلسا في حجرتها وبينها وبينهما الحجاب، فسألا عائشة شعرا وحديثا( ثم قال مروان:
ومن يشاء الرحمن يخفض بقدره ... وليس لمن لم يرفع الله رافع
وقال ابن الزبير:
وفوض إلى الله الأمور إذا اعترت ... وبالله لا بالأقربين تدافع
وقال مروان:
وداو ضمير القلب بالبر والتقى ... ولا يستوي قلبان قاس وخاشع
وقال أبن الزبير:
ولا يستوي عبدان: عبد مكلم ... عتل، لأرحام الأرقاب قاطع
وقال مروان:
وعبد يجافي جنبه عن فراشه ... يبيت يناجي ربه وهو راكع
وقال ابن الزبير:
وللخير أهل يعرفون بهديهم ... إذا اجتمعت عند الخطوب المجامع
وقال مروان:
وللشر أهل يعرفون بشكلهم ... تشير إليهم بالفجور الأصابع
قال: فسكت ابن الزبير، فلم يجب مروان بشيء.
فقالت عائشة: )يا عبد الله، مالك لم تجب صاحبك، والله ما سمعت تجاوب رجلين تجاولا نحو ما تجاولتما فيه أعجب إلى من مجاولتكما( قال أبن الزبير: إني خفت عول القول، فكففت.
فقالت عائشة: )إن لمروان في الشعر ما ليس لك( أنبأنا محمد بن المنذر، حدثنا عصام بن الفضل الداري، حدثني الزبير بن بكار عن محمد بن حرب، قال: قال عبد الله بن حسن لابنه محمد )إياك ومعاداة الرجال فإنها لا تعدمك مكر حليم، أو مباذاة جاهل(

(1/32)


قال أبو حاتم رضي الله عنه: العاقل لا يعادي على الحالات كلها، لأن العداوة لا تخلو من أن تكون لأحد رجلين: إما حليم لا يؤمن مكره، أو جاهل لا يؤمن شتمه، ولا يجب على العاقل - إذا عادى - أن يغره إحسانه إلى عدوه ما يرى من سكونه إليه، فإن الماء وإن أصيل إسخانه، ليس بمانعه ذلك من إطفاء النار إذا صب عليها، ولا يجب أن يعظم عليه حمله عدوه على عاتقه إذا وثق بحسن عاقبته، لأن اللين والمكر أنكى في العدو من الفظاظة والمكابرة. ألا ترى النار مع حرها لا تحرق من الشجر إلا ما ظهر، والماء مع برده ولينه يستأصلها، ومجانبة المرء عدوه في العشرة أحد الأعوان عليه عند الفرصة.
كما أنبأنا عمرو بن محمد الأنصاري، حدثنا الغلابي، حدثنا العتبي عن أبيه قال: قال الأحنف بن قيس )من جالس عدوه حفظ عليه عيونه(.
وأنشدني الأبرش:
لا تخافن إن رماك عدو ... بعيوب، إذا تكون بريا
إنما العيب أن يكون محقا ... في الذي قاله، ولست نقيا
فإذا كان كاذبا كنت بالصد ... ق على العائب الكذوب جريا
ولقد يلزق العدو بجنب ... السمرء عيبا تخاله مكويا
قال أبو حاتم رضي الله عنه: العاقل لا يغيره الزاق العدو به العيوب والقبائح لأن ذلك لا يكون له وقع، ولا لكثرته ثبات، ولا يلتذ المرء ما كان عدوه باقيا كما لا يجد السقيم طعم النور والطعام حتى يبرأ.
وأشد مكيدة العدو وما يعمل فيك من سبيل مأمنك، والغالب بالشر مغلوب وإن من أعظم الأعوان على الأعداء تعاهد المرء ولده وعياله وخدمه، وتوقيه إياهم على المعائب والزلات.
أنبأنا الحسن بن سفيان، حدثنا محمد بن الصباح، حدثنا الوليد عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال: قال سليمان بن داود لابنه )يا بني إذا أردت أن تغيظ عدوك فلا ترفع عن ابنك العصا(
الحث على صحبة الأخيار
والزجر عن عشرة الأشرار
حدثنا الحسن بن سفيان النسائي، حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، حدثنا أبي عن شعبة عن قتادة، عن أنس، عن أبي موسى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )مثل الجليس الصالح مثل العطار، إن لم ينلك منه أصابك من ريحه، ومثل جليس السوء مثل القين، إن لم تصبك ناره أصابك شرره(.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: العاقل يلزم صحبه الأخبار، ويفارق صحبة الأشرار؛ لأن مودة الأخبار سريع اتصالها، بطئ انقطاعها. ومودة الأشرار سريع انقطاعها، بطئ اتصالها. وصحبة الأشرار تورث سوء الظن بالأخيار، ومن خادن الأشرار لم يسلم من الدخول في جملتهم.
فالواجب على العاقل أن يجتنب أهل الريب، لئلا يكون مريبا. فكما أن صحبه الأخيار تورث الخير، كذلك صحبه الأشرار تورث الشر.
وأنشدني محمد بن عبد الله زنجي البغدادي:
عليك بإخوان الثقات؛ فإنهم ... قليل فصلهم دون من كنت تصحب
ونفسك أكرمها وصنها؛ فإنها ... متى ما تجالس سفلة الناس تغضب
سمعت أبا يعلي يقول: سمعت إسحاق بن أبي إسرائيل يقول: سمعت سفيان ابن عيينة يقول )من احب رجلا صالحا فإنما يحب الله تبارك وتعالى(.
أنبأنا محمد بن أبي علي الخلادي، حدثنا عبد الله بن الصقر السكري، حدثنا وهب بن محمد بن منبه البناني، قال: سمعت الحارث بن وجيه يقول: سمعت مالك بن دينار يقول )إنك تنقل الحجارة مع الأبرار خير من أن تأكل الخبيص مع الفجار(.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: العاقل لا يدنس عرضه، ولا يعود نفسه أسباب الشر بلزوم صحبة الأشرار، ولا يغضي عرضه ورياضة نفسه بصحبة الأخيار، على أن الناس عند الخبرة يتبين منهم أشياء ضد الظاهر منها.
أنشدني علي بن محمد البسامي:
وقل ما احلولي كلام امرئ ... ولأن إلا كان مر الفعال
وربما احلولى كلام الفتى ... وكان محمودا على كل حال
فكل هذا أنت راء إذا ... تصاحب الناس، وتبلو الرجال
حدثنا بكر بن أحمد بن سعيد الطاحي، حدثنا نصر بن علي، أنبأنا نوح ابن قيس، حدثنا حوشب عن الحسن في قوله )63:25 وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا( قال )حلماء علماء، صبر ثبت إن ظلموا لم يظلموا وإن بغى عليهم لم يبغوا، قد براهم الخوف كأنهم القداح(.

(1/33)


أنبأنا حامد بن محمد بن شعيب البلخي، حدثنا سريج بن يونس، حدثنا شجاع بن أبي نصر أبو نعيم القاري عن أبي عمرو بن العلاء، قال )رآني سعيد ابن جبير وأنا جالس مع الشباب، قال: ما يجلسك مع الشباب؟ عليك بالشيوخ(.
أنبأنا الحسن بن سفيان، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة عن سفيان عن أبي عمران بن حطان عن أبيه قال: قال أبو الدرداء )لصاحب صالح خير من الوحدة، والوحدة خير من صاحب السوء، ومملى الخير من الساكت والساكت خير من مملى الشر(.
قال أبو حاتم رضى الله عنه: العاقل لا يصاحب الأشرار؛ لأن صحبة صاحب السوء قطعة من النار، تعقب الضغائن، لا يستقيم وده، ولا يفي بعهده.
وإن من سعادة المرء خصالا أربعا: إن تكون زوجته موافقة، وولده أبرارا، وإخوانه صالحين، وأن يكون رزقه في بلده.
وكل جليس لا يستفيد المرء منه خيرا تكون مجالسة الكلب خيرا من عشرته، ومن يصحب السوء لا يسلم، كما أن من يدخل مداخل السوء يتهم وما أشبه صحبة الأشرار إلا بما أنشدني منصور بن محمد الكريزي.
فلو كان منه الخير إذ كان شره ... عتيدا ضربت الخير يوما مع الشر
ولو كان لا خيرا ولا شر عنده ... رضيت لعمري بالكفاف مع الأجر
ولكنه شر، ولا خير عنده ... وليس على شر إذا طال من صبر
أخبرنا إسحاق بن إبراهيم القاضي، حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا ابن علية عن يونس عن الحسن قال )أيها الرجل، إن أشد الناس عليك فقدا لرجل فزعت إليه وجدت عنده رأيا، ووجدت عنده نصيحة، بينا أنت كذلك إذ فقدته، فالتمست منه خلفا فلم تجده.
أنبأنا محمد بن سعيد القزاز، حدثنا خطاب بن عبد الرحمن الجندي، حدثنا عبد الله بن سليمان، قال: قال جعفر بن محمد )من كان فيه ثلاث فقد وجب له على الناس أربع: إذا خالطهم لم يظلمهم، وإذا حدثهم لم يكذبهم، وإذا وعدهم لم يخلفهم. وعلى الناس: إن يظهروا عدله، وأن تكمل فيهم مروءته، وأن يجب عليهم أخوته، وأن يحرم عليهم غيبته.
وأنشدني محمد بن إسحاق بن حبيب الواسطي:
اصحب خيار الناس أين لقيتهم ... خير الصحابة من يكون ظريفا
والناس مثل دراهم ميزتها ... فرأيت فيها فضة وزيوفا
وأخبرنا ابن قحطبة، حدثنا عباس بن عبد العظيم، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، حدثنا عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهبا يقول )إن الله ليحفظ بالعبد الصلح القبيل من الناس( قال أبو حاتم رضى الله عنه: الواجب على العاقل أن يستعيذ بالله من صحبة من إذا ذكر الله لم يعنه، وإن نسي لم يذكره، وإن غفل حرضه على ترك الذكر. ومن كان أصدقاؤه أشرارا كان هو شرهم، وكما أن الخير لا يصحب إلا البررة، كذلك الردى لا يصحب إلا الفجرة؛ فإن المرء إذا اضطره الأمر فليصحب أهل المروءات، لأن محمد بن عثمان العقبي قال: حدثنا أحمد بن داود البصري، حدثنا أحمد بن داود البصري، حدثنا ابن عائشة قال: قال عبد الواحد بن زيد )جالسوا أهل الدين من أهل الدنيا ولا تجالسوا غيرهم، فإن كنتم لا بد فاعلين، فجالسوا أهل المروءات؛ فإنهم لا يرفثون في مجالسهم(.
كراهية التلون في الوداد بين المتآخيين
أنبأنا محمد بن الحسن بن قتيبة بعسقلان، حدثنا إبراهيم الحوراني، حدثنا بكار بن شعيب، حدثنا ابن أبي حازم عن أبيه عن سهل، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )لا خير في صحبة من لا يرى لك من الحق مثل ما ترى له( قال أبو حاتم رضى الله عنه: الواجب على العاقل إذا رزقه الله ود امرئ مسلم صحيح الوداد محافظ عليه: إن يتمسك به، ثم يوطن نفسه على صلته إن صرمه، وعلى الإقبال عليه إن صد عنه، وعلى البذل له إن حرمه، وعلى الدنو منه إن باعده حتى كأنه ركن من أركانه، وإن من أعظم عيب المرء تلونه في الوداد.
وأنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري:
وكم من صديق وده بلسانه ... خؤون الغيب لا يتندم
يضاحكنى كرها لكيما أوده ... وتتبعني منه إذا غبت أسهم

(1/34)


أخبرنا محمد بن المهاجر المعدل، حدثني ابن شيبة، قال: قال الأصمعي: قال رجل من الأعراب )من أعجز الناس من قصر عن طلب الإخوان، وأعجز منه: من ظفر بذلك منهم فأضاع مودتهم، وإنما يحسن الاختيار لغيره من أحسن الاختيار لنفسه(.
قال أبو حاتم رضى الله عنه: العاقل لا يقصر في تعاهد الوداد، ولا يكون ذا لونين، وذا قلبين، بل يوافق سره علانيته، وقوله فعله، ولا خير في متآخيين ينمو بينهما الخلل، ويزيد في حاليهما الدغل.
كما أنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش:
لحا الله من لا ينفع الود عنده ... ومن حبله مد غير متين
ومن هو ذو لونين ليس بدائم ... على الوصل خوان لكل أمين
ومن هو ذو قلبين، أما لقاؤه ... فخلو، وأما غيبه فظنين
ومن هو إن تحدث له العين نظرة ... يقطع بها أسباب كل قرين
وأنشدني عمرو بن محمد النسائي لابن الأعرابي:
العين تبدي الذي في نفس صاحبها ... من الشناءة، أو ود إذا كانا
إن البغيض له عين يصد بها ... لا يستطيع لما في الصدر كتمانا
العين تنطق والأفواه ساكنة ... حتى ترى من ضمير القلب تبيانا
وأنشدني علي بن محمد البسامي:
وجار لا تزال تزور منه ... قوارض لا تنام ولا تنيم
قريب الدار نائي الو منه ... معاندة، أبت لا تستقيم
يبادر بالسلام إذا التقينا ... وتحت ضلوعه قلب سقيم
أنبأنا محمد بن أبي علي الخلادي، حدثنا أحمد بن محمد بن بكر الأنباوي عن هشام بن عبد الملك اليزني، قال: المقنع الكندي:
ابل الرجال إذا أردت إخاءهم ... وتوسمن أمورهم وتفقد
فإذا ظفرت بذي اللبابة والتقى ... فبه اليدين قرير عين فاشدد
ومتى يزل، ولا محالة، زلة ... فعلى أخيك بفضل رأيك فاردد
وإذا الخنا نقض الحبي في موضع ... ورأيت أهل الطيش قاموا فاقعد
أخبرنا عبد الله بن قحطبة، حدثنا محمد بن الصباح، حدثنا الوليد عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال: قال سليمان بن داود لابنه )يا بني عليك بالحبيب الأول، فإن الآخر لا يعدله(.
أنبأنا محمد بن سعيد القزاز، حدثنا أحمد بن بكر بن سيف، حدثني محمد ابن حسين قال )كان أعرابي بالكوفة، وكان له صديق، وكان يظهر له مودة ونصيحة، فاتخذه الأعرابي من عدده للشدائد إذ حزب الأعرابي أمر، فأتاه، فوجده بعيدا مما كان يظهر للأعرابي، فأنشأ يقول:
إذا كان ود المرء ليس بزائد ... على )مرحبا( أو )كيف أنت( وحالكا!
ولم يك إلا كاشرا، أو محدثا ... فأف لود، ليس إلا كذلكا
لسانك معسول بشة ... وعند الثريا من صديقك مالكا
وأنت إذا همت يمينك مرة ... لتفعل خيرا، قاتلتها شمالكا
سمعت محمد بن المنذر يقول: سمعت عبد العزيز بن عبد الله يقول: قال محمد بن حازم:
وإن من الإخوان إخوان كشرة ... وإخوان )حياك الإله(، و)مرحبا(
وإخوان: كيف الحال والأهل كله؟ ... وذلك لا يسوى نقيرا متربا
جواد إذا استغنيت عنه بماله ... يقول: إلى القرض، والقرض فاطلبا
فإن أنت حاولت الذي خلف ظهره ... وجدت الثريا منه في البعد أقربا
قال أبو حاتم رضى الله عنه: العاقل لا يصادق المتلون، ولا يؤاخي المتقلب، ولا يظهر من الوداد إلا مثل ما يضمر، ولا يضمر إلا فوق ما يظهر، ولا يكون في النوائب عند القيام بها إلا ككونه قبل إحداثها والدخول فيها، لأنه لا يحمد من الإخاء ما لم يكن كذلك.
وأنشدني محمد بن المنذر، وأنشدني محمد بن خلف التيمي، أنشدني رجل من خزاعة:
وليس أخي من ودني بلسانه ... ولكن أخي من ودني في النوائب
ومن ماله مالي، إذا كنت معدما ... ومالي له، إن عض دهر بغارب
فلا تحمدن عند الرخاء مؤاخيا ... فقد تنكر الإخوان عند المصائب
وما هو إلا كيف أنت ومرحبا ... وبالبيض رواغ كروغ الثعالب
أخبرنا ابن قحطبة، حدثنا محمد بن الصباح، حدثنا أبو معاوية عن هشام ابن عروة عن أبيه قال: مكتوب في الحكمة )أحبب خليلك وخليل أبيك(

(1/35)


قال أبو حاتم رضى الله عنه: إن من أعظم الأمارات على معرفة صحة الوداد وسقمه: ملاحظة العين إذا لحظت، فإنها لا تكاد تبدي إلا ما يضمر القلب من الود، ولا يكاد يخفي ما يجنه الضمير من الصد، فالعاقل يعتبر الود بقلبه وعين أخيه، ويجعل له بينهما مسلكا لا يرده عن معرفة صحته شيء تخيله.
ولقد أخبرنا محمد بن المهاجر المعدل، حدثنا محمد بن الحسن الذهلي، حدثنا علي بن محمد المذهبي عن محمد بن إبراهيم العباسي عن عبد الله بن الحجاج مولى المهدي وعن إبراهيم بن شكله قال )اعلم أن من أظهر ما تحب أو ما تكره فإنما لك أن تقيس ما أضمر قلبه بالذي أظهر لسانه، وليس لك أن تعرف ما أسر ضميره، فعامله على نحو ما يبدي لك لسانه( وفي ذلك أقول:
ليس المسيء إذا تغيب سوءه ... عني بمنزلة المسيء المعلن
من كان يظهر ما أحب فإنه ... عندي بمنزلة الأمين المحسن
والله أعلم بالقلوب، وإنما ... لك ما بدا لك منهم بالألسن
ولقد يقال خلاف ذلك إنما ... لك ما بدا لك منهم بالأعين
غير أن خالي خالفني في ذلك، وزعم أن الأعين أبين شهادة على ما في القلوب من الألسن. وكتب في ذلك رسالة )أما بعد، فقد بدا لي من صدك، ما آيسنى من ودك، ولم يزل يخبرني لحظك ما تضمر لي من بغضك(. وكتب في أسفل ذلك:
وما أحب إذا أحببت مكتتما ... يبدي العداوة أحيانا ويخفيها
تظل في قلبه البغضاء كامنة ... فالقلب يكتمها والعين تبديها
والنفس تعرف في عيني محدثها ... من كان سلمها أو من أعاديها
عيناك قد ذلتا عيني منك على ... أشياء لولاها ما كنت أدريها
أخبرنا الخلادي، حدثنا أحمد بن محمد الصوفي، حدثنا محمد بن صالح البغدادي قال: سمعت إبراهيم الحجني يقول )دلائل الحب تعرف في المحب، وإن لم ينطق لسانه(.
ائتلاف الناس واختلافهم
أخبرنا عمران بن موسى بن مجاشع السختياني، حدثنا عبد الأعلى بن حماد النرسي، حدثنا حماد بن سلمة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف(.
حدثنا أبو خليفة حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان الثوري عن حبيب ابن أبي ثابت عن أبي الطفيل قال: قال على )الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف(.
قال أبو حاتم رضى الله عنه: سبب ائتلاف الناس وافتراقهم - بعد القضاء السابق - هو تعارف الروحين، وتناكر الروحين، فإذا تعارف الروحان وجدت الألفة بين نفسيهما، وإذا تناكر الروحان وجدت الفرقة بين جسميهما.
ولقد أنبأنا محمد بن المهاجر، حدثنا محمد بن عبد الله بن مهران، حدثنا يوسف ابن يعقوب الصفا، حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي يحيى عن مجاهد قال: رأى ابن عباس رجلا فقال )إن هذا ليحبني، قالوا: وما علمك؟ قال: إني لأحبه، والأرواح جنود مجندة، فما تعرف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف(.
أنشدني محمد بن أبي علي الخلادي، أنشدني أحمد بن محمد بن بكر الأبناوي:
إن القلوب لأجناد مجندة ... لله في الأرض بالأهواء تعترف
فما تعرف منها فهو مؤتلف ... وما تناكر منها فهو مختلف
أنبأنا ابن مكرم بالبصرة، حدثنا بشر بن الوليد، حدثنا الحكم ابن عبد الملك عن قتادة في قول الله تعالى )120:11 إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم( قال: للرحمة والطاعة، فأما أهل طاعة الله فقلوبهم وأهواؤهم مجتمعة، وإن تفرقت ديارهم، وأهل معصية الله قلوبهم مختلفة، وإن اجتمعت ديارهم.
وأنشدني منصور بن محمد الكريزي:
فما تبصر العيان والقلب آلف ... ولا القلب والعينان منطبقان
ولكن هما روحان تعرض ذي لذي ... فيعرف هذا ذي فيلتقيان
قال أبو حاتم رضى الله عنه: إن من أعظم الدلائل على معرفة ما فيه المرء من تقلبه وسكونه: هو الاعتبار بمن يحادثه ويوده، لأن المرء على دين خليله، وطير السماء على أشكالها تقع.
وما رأيت شيئا أدل على شيء، ولا الدخان على النار، مثل الصاحب على الصاحب. وأنشدني الأبرش:
يقاس المرء بالمرء ... إذا ما هو ما شاه
وذو العر إذا احت ... ك ذا الصحة أعداه
وللشيء من الشيء ... مقاييس وأشباه

(1/36)


وللروح على الروح ... دليل حين يلقاه
حدثنا أبو خليفة، حدثنا محمد بن كثير العبدي، أنبأنا سفيان عن أبي إسحاق عن هبيرة، قال: اعتبر الناس بأخدانهم.
أنبأنا محمد بن المهاجر، حدثنا محمد بن موسى الأخباري، حدثنا محمد بن صالح العدوي، حدثنا الحسين بن جعفر بن سليمان الضبعي قال: سمعت أبي يقول: سمعت مالكا يقول )الناس أشكال كأجناس الطير، الحمام مع الحمام، والغراب مع الغراب، والبط مع البط، والصعو مع الصعو وكل إنسان مع شكله(.
وأنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري:
يزين الفتى في قومه ويشينه ... وفي غيرهم: أخدانه ومداخله
لكل امرئ شكل من الناس مثله ... وكل امرئ يهوي إلى يشاكله
وأنشدني محمد بن عبد الله بن زنجي البغدادي:
إن كنت حلت، وبي استبدلت مطرحا ... ودا، فلم تأت مكروها ولا بدعا
فكل طير إلى الأشكال موقعها ... والفرع يجري إلى الأعراق منتزعا
قال أبو حاتم رضى الله عنه: العاقل يجتنب مما شاة المريب في نفسه، ويفارق صحبة المتهم في دينه، لأن من صحب قوما عرف بهم، ومن عاشر امرأ نسب إليه، والرجل لا يصاحب إلا مثله أو شكله، فإذا لم يجد المرء بدا من صحبة الناس تحرى صحبة من زانه إذا صحبه، ولم يشنه إذا عرف به، وإن رأى منه حسنة عدها، وإن سكت عنه ابتدأه، وإن سأله أعطاه.
فأما اليوم فأكثر أحوال الناس تكون ظواهرها بخلاف بواطنها. وما أشبه عشرتهم إلا بما أخبرني محمد بن يعقوب البغلاني، حدثني عبد الصمد ابن الفضل حدثنا الحسين بن سهل التياس عن أبي عبيدة قال )تكلم عصفور في بني إسرائيل مع فخ، فقال العصفور: انحناؤك لماذا؟ قال: من العبادة. قال: دفنك في التراب لماذا؟ قال: من التواضع. قال: فما هذا الشعر؟ قال هذا لباسي. قال: ما هذا الطعام؟ قال: هذا أعددته لعابر السبيل. قال: فتأذن لي فيه؟ قال: نعم. قال: فنقر العصفور نقرة فأخذ بعنقه، فجعل العصفور يقول: شغ شغ شغ. وقال: والله لا يغرني قارئ بعدك أبدا(.
وأنشدني محمد بن أبي علي لابن أبي اللقيش:
إن كنت تبغي العلم أو نحوه ... أو شاهدا يخبر عن غائب
فاعتبر الأرض بأسمائها ... واعتبر الصاحب بالصاحب
وأنشدني محمد بن إسحاق بن حبيب الواسطي:
تعارف أرواح الرجال إذا التقوا ... فمنهم عدو يتقي وخليل
كذاك أمور الناس والناس منهم ... خفيف إذا صاحبته وثقيل
وأنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري:
أجعل قرينك من رضيت فعاله ... وأحذر مقارنة القرين الشائن
كم من قرين شائن لقرينه ... ومهجن منه لكل محاسن
قال أبو حاتم رضى الله عنه: إن من الناس من إذا رآه المرء يعجب به، فإذا ازداد به علما أزاد به عجبا، ومنهم من يبغضه حين يراه، ثم لا يزداد به علما إلا ازداد مقتا، فاتفاقهما يكون باتفاق الروحين قديما. وافتراقهما يكون بافتراقهما، وإذا ائتلفا ثم افترقا فراق حياة من غير بغض حادث، أو فراق ممات، فهنالك الموت الفظيع، والأسف الوجيع، ولا يكون موقف أطول غمة. وأظهر حسرة وأدوم كآبة، وأشد تأسفا، وأكثر تلهفا من موقف الفراق بين المتواخيين، وما ذاق ذائق طعما أمر من فراق الخلين، وانصرام القرينين.
حدثنا محمد بن يعقوب الخطيب قال: سمعت معمر بن سهل يقول: سمعت جعفر بن عون يقول: سمعت مسعر بن كدام يقول:
لن يلبث القرناء أن يتفرقوا ... ليل يكر عليهم ونهار
أنبأنا محمد بن المهاجر المعدل، حدثنا أبو أحمد بن حماد البربري، حدثنا الزبير بن بكار، حدثني محمد بن موسى أبو غزية قال: كان أبو العتاهية إذا قدم المدينة يجلس إلي، فأراد مرة الخروج فودعني، قال:
إن نعش نجتمع، وإلا فما ... أشغل من مات عن جميع الأنام
حدثنا محمد بن أبي علي، قال: أنشدنا ممد بن موسى السمري، أنشدنا أحمد بن عبد الأعلى الشيباني:
فيا عجبا ممن يمد يمينه ... إلى إلفه عند الفراق، فيسرع
ضعفت عن التوديع لما رأيته ... فصافحته بالقلب، والعين تدمع
وأنشدني ابن فياض للبحتري:
الله جارك في انطلاقك ... تلقاء شامك، أو عراقك

(1/37)


لا تعذلني في مس ... يري حيث سرت، ولم ألاقك
إني خشيت مواقفا ... للبين تفسح غرب ماقك
وعلمت ما يخشى المود ... ع عند ضمك واعتناقك
فتركت ذاك تعمدا ... وخرجت أهرب من فراقك
وأنشدني منصور بن محمد الكريزي:
أفي كل يوم حية البين تقرع ... وعيني لبين من ذوي الود تدمع؟
فلا النفس مع تهيامها مستفيقة ... ولا بالذي يأتي به الدهر تقنع
وأنشدني محمد بن بندار بن أصرم:
أيا قلب لا تجزع من البين، وأصطبر ... فليس لما يقضى عليك بدافع
توكل على الرحمن إن كنت مؤمنا ... يجرك، ودعني من نحوس الطوالع
وكل الذي قد قدر الله واقع ... وما لم يقدره فليس بواقع
وأنشدني عبد الرحمن بن يحيى بن حبيب الأندلسي لنفسه:
نطقت مدامعه بما في قلبه ... وعن الجواب لسانه لا ينطق
فكأنه مما يقاسي قلبه ... دنف مريض أو أسير موثق
وكأنما الأشجان في أحشائه ... لفراق أهل الود نار تحرق
كيف السلو، وهل له من سلوة ... من بان أحبابه يتفرق؟
قال أبو حاتم رضي الله عنه: السبب المؤدي إلى إظهار الجزع عند فراق المتواخين: هو ترك الرضا بما يوجب القضاء، ثم ورود الشيء على مضمر الحشا بضد ما انطوى عليه قديما، فمن وطن نفسه في ابتداء المعاشرة على ورود ضد الجميل عليها من صحبته، وتأمل ورود المكروه منه على غفلته، لا يظهر الجزع عند الفراق، ولا يشكو الأسف والاحتراق، إلا بمقدار ما يوجب العلم إظهاره. ولقد أولع بجماعة الفراق حتى إنهم خرجوا إلى ثلب الطيور، ومدح الدمن وتأولوا لعن نوح عليه السلام الغراب.
أنبأنا جعفر بن أحمد بن سنان القطان، بواسط، حدثنا عمرو بن محمد بن عيسى الضبعي، حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، حدثنا الجريري، عن أبي السليل عن أبي مراوح قال )بعث نوح الغراب والحمامة حيث استقرت السفينة على الجودي، يلتمسان له الجد - يعنى الأرض - فأما الغراب فرأى جيفة فوقع عليها فأكل منها، وأما الحمامة فجاءت عاضة على غصن شجرة بطين أحمر، قال: فدعا للحمامة بالبركة، وأما الغراب فلعنه، وقال له قولا شديدا(.
أنبأنا محمد بن جعفر بن الحسن البغدادي، حدثنا أحمد بن محمد بن الحسين البغوي، قال: قال سليم بن منصور )أمرت لبنى فاشترى لها أربعة غربان، فلما رأتهن صرخت وبكت، وكتفتهن، وجعلت تضربهن بالسوط حتى قتلتهن جميعا. وأنشأت تقول:
لقد نادى الغراب ببين لبني ... فطار القلب من حذر الغراب
وقال: غدا تباين دار لبنى ... وتنأى بعد ود واقتراب
فقلت: تعست، ويحك من غراب ... أكل الدهر سعيك في تباب
لقد أولعت لا لقيت خيرا ... بتفريق المحب عن الحباب
وأنشدني إبراهيم بن علي الطرفي، قال أنشدني علي بن إسحاق:
غراب البين، ويحك صح بقرب ... كما قد صحت ويحك بالبعاد
تنادى بالتفرق كل يوم ... فما لك بالتواصل لا تنادي؟
أراني الله ريشك عن قريب ... تمرطه البزاة بكل وادي
كما أسخنت يوم البين عيني ... وألقيت الحزازة في فؤادي
أنبأنا إبراهيم بن محمد بن يعقوب، بهمذان، حدثنا عبد الكبير بن محمد الإنسي، حدثنا بعض أصحابنا، قال: مررت بالبصرة على باب دار، فإذا بصوت غراب يجلد، فدنوت من الدار فإذا صاحبة الدار، وبين يديها جوار، وهي تأمر بجلده. فقلت: أما تتقون الله في هذا الغراب؟ فقلن لي: هذا الغراب الذي قيل فيه:
ألا يا غراب البين قد طرت بالذي ... أحاذر من لبني، فهل أنت واقع؟
فقلت: ليس هذا ذاك الغراب: فقالت: والله ما نراك تأخذ البريء بالسقيم حتى تظفر بذلك الغراب.
قال أبو حاتم رضى الله عنه: قد ذكرت ما شاكل هذه الحكايات والأشعار على التقصي في كتاب )الوداع والفراق( فأغنى ذلك عن تكرارها في هذا الكتاب؛ إذ شرطنا فيه الإشارة إلى الشيء المحصول، والإيماء إلى الشيء المقول.
الحث على زيارة الإخوان وإكرامهم

(1/38)


أنبأنا الحسن بن سفيان، حدثنا يزيد بن صالح اليشكري، حدثنا حماد ابن سلمة، عن ثابت عن أبي رافع عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم )إن رجلا زار أخا له في قرية، فرصد الله على مدرجته ملكا فقال: أين تريد؟ فقال: أريد أخا لي في هذه القرية، فقال: هل له عليك من نعمة تربها؟ قال: لا، إلا أني أحبه في الله، قال: إني رسول الله إليك، أن الله تبارك وتعلى أحبك كما أحببته(.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل تعاهد الزيارة للإخوان وتفقد أحوالهم؛ لأن الزائر في قصده الزيارة في الآجل بفعله ذلك. وقد قال بعض القدماء: إن الرجل إذا زار أخا له في الله، لم يبق في السماء ملك إلا حياة بتحية مستأنفة لا يحييه ملم مثله ولم تبق شجرة من شجر الجنة إلا نادت صاحبتها: ألا إن فلان ابن فلان زار أخا في الله.
والآخر: التلذذ بالمؤانسة بالأخ المزور، مع الانقلاب بغنيمتين معا.
ولقد أنبأنا عمرو بن محمد الأنصاري، حدثنا الغلابي، حدثنا عبد الله بن رجاء الغداني قال: كان عتبة الغلام يأوي المقابر والصحاري، ثم يخرج إلى السواحل فيقيم بها، فإذا كان يوم الجمعة دخل البصرة فشهد الجمعة ورأى إخوانه فسلم عليهم.
حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عفان، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثني بعض مشيختنا، قال: قال عامر بن قيس: إنما أجدني آسف على البصرة لأربع خصال: تجاوب مؤذنيها، وظماء الهواجر، ولأن بها إخواني ولأن بها وطني.
أنبأنا محمد بن المهاجر المعدل، حدثنا محمد بن بشر الخطابي، حدثنا محمد بن سهل التميمي، قال: سمعت الفريابي يقول: جاءني وكيع بن الجراح من بيت المقدس وهو محرم بعمرة، فقال: يا أبا محمد لم يكن طريقي عليك، ولكني أحببت أن أزورك وأقيم عندك، فأقام عندي ليلة، وجاءني أبن المبارك وقد أحرم بعمرة من بيت المقدس فأقام عندي ثلاثا، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أقم عندي عشرة أيام، قال: لا، الضيافة ثلاثة أيام.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: الناس في الزيارة على ضربين: فمنهم من صحح الحال بينه وبين أخيه، وتعرى عن وجود الخلل، وورود البغض فيه، فإذا كان بهذا النعت، أحببت له الإكثار من الزيارة، والإفراط في الاجتماع؛ لأن الإكثار من الزيارة بين من هذا نعته لا يورث الملالة، والإفراط في الاجتماع بين من هذه صفته يزيد في المؤانسة.
والضرب الآخر: لم يستحكم الود بينه وبين من يواخيه، ولا أداهما الحال إلى ارتفاع الحشمة بينهما يبتذلان لمهنتيهما، فإذا كان بهذا النعت أحببت له الإقلال من الزيارة. لأن الإكثار منها بينهما يؤدي إلى الملالة، وكل مبذول مملول، وكل ممنوع ملذوذ. وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار كثيرة تصرح بنفي الإكثار من الزيارة حيث يقول )زر غبا تزدد حبا( إلا أنه لا يصح منها خبر من جهة النقل، فتنكبنا عن ذكرها وإخراجها في الكتاب، وإليها ذهب بعض الناس حتى ذكروها في أشعارهم.
من ذلك ما أنشدني محمد بن عبد الله بن زنجي البغدادي:
وقد قال النبي، وكان برا ... إذا زرت الحبيب فزره غبا
وأقلل زور من تهواه تزدد ... إلى من زرته مقة وحبا
وأنشدني محمد بن أبي علي:
إني رأيتك لي محبا ... وإلى حين أغيب صبا
فقعدت لا لملالة ... حدثت ولا استحدثت ذنبا
إلا لقبول نبينا: ... زوروا على الأيام غبا
أنبأنا محمد بن المهاجر المعدل، حدثنا خالد بن أحمد الشيباني، حدثنا سعيد ابن عنبسة، حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، قال: سمعت الحسن بن صالح يقول: كل مودة لا تزداد إلا بالالتقاء مدخولة.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: من صحح الحال بينه وبين الإخوان لم يضره قلة الاجتماع، لاستحكام الحال بينهما، والمودة إذ اضر بها قلة الالتقاء تكون مدخولة، وأما من لم يحل في نفس صحة الحال، ولم يستحكم أسباب الوداد؛ فالتوقي من الإكثار في الزيارة أولى به، لئلا يستثقل ويمل.
وأنشدني الخلادي، أنشدني أحمد بن محمد الصيداوي:
عليك بإقلال الزيارة إنها ... تكون إذا دامت إلى الهجر مسلكا
فإني رأيت القطر يسأم دائبا ... ويسأل بالأيدي إذا هو أمسكا
وأنشدني الكريزي:

(1/39)


أقلل زيارتك الحبي ... ب تكون كالثوب استجده
إن الصديق يمله ... أن لا يزال يراك عنده
وأنشدني أوس بن أحمد بن محمد بن أحمد لأبي تمام:
وطول مقام المرء في الحي مخلق ... لديباجتيه، فاغترب تتجدد
فإني رأيت الشمس زيدت محبة ... إلى الخلق إذ ليست عليهم بسرمد
أنبأنا الحسن بن سفيان، حدثنا بن زنجويه، حدثنا حسين بن الوليد، حدثنا عبد الله بن المؤمل عن ابن أبي مليكة قال: قال ابن عباس )أكرم الناس علي جليسي الذي يتخطى رقاب الناس حتى يجلس إلي(.
أنبأنا مكحول ببيروت، حدثنا عبيد بن محمد بن هارون حدثنا عمرو بن أبي سلمة، عن سعيد بن بشير، عن قتادة في قوله تعالى )26:42 ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات( قال: يشفعون في إخوانهم )ويزيدهم من فضله( قال: يشفعون في إخوان إخوانهم.
صفة الأحمق والجاهل
أنبأنا محمد بن نصر بن نوفل، أنبأنا أبو داود السنجى، حدثنا أبو عاصم، عن شبيل بن عزرة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )مثل الجليس الصالح مثل العطار، إن لم يعطك شيئا يصبك من عطره، ومثل الجليس السوء مثل القين، إن لم يحرق ثوبك، أصابك من دخانه(.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: شبيل بن عزرة هذا من أفاضل أهل البصرة وقرائهم، ولكنه لم يخفظ إسناد هذا الخبر: لأن أنس بن مالك سمع هذا الخبر من أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقصر به شبيل ولم يحفظه.
والواجب على العاقل ترك صحبة الأحمق، ومجانبة معاشرة النوكي، كما يجب عليه لزوم صحبة العاقل الأريب، وعشرة الفطن اللبيب، لأن العاقل وإن لم يصبك الحظ من عقله، أصابك من الاعتبار به، والأحمق إن لم يعدك حمقه تدنست بعشرته.
وقد أنبأنا الحسين بن محمد السنجي حدثنا إبراهيم بن أبي داود البرسلي حدثنا زهير بن عباد حدثنا شهاب بن خراش عن أبيه عن يسير بن عمرو - وكان قد أدرك الصحابة - قال: أهجر الأحمق، فليس للأحمق خير من هجرانه.
أنبأنا محمد بن المهاجر حدثنا محمد بن أبي يعقوب الربعي حدثنا أحمد ابن إسحاق الخشاب عن الأصمعي عن سلمة بن بلال قال: كان فتى يعجب على ابن أبي طالب، فرآه يوما وهو يماشي رجلا متهما، فقال له:
لا تصحب الجاه ... ل إياك وإياه
فكم من جاهل أردى ... حليما حين آخاه
يقاس المرء بالمرء ... إذا ما هو ما شاه
وللشيء من الشيء ... مقاييس وأشباه
وللقلب على القلب ... دليل حين يلقاه
وأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش:
اختر ذوي التمييز واستبقهم ... وجانب النوكي وأهل الريب
فصحبة العاقل زين الفتى ... وصحبة الأنوك أخذ السبب
قال أبو حاتم رضي الله عنه: من علامات الحمق التي يجب للعاقل نفقدها ممن خفي عليه أمره: سرعة الجواب، وترك التثبت، والإفراط في الضحك، وكثرة الالتفات، والوقيعة في الأخيار، والاختلاط بالأشرار.
والأحمق إذا أعرضت عنه اغتم، وإن أقبلت عليه اغتر، وإن حلمت عنه جهل عليك، وإن جهلت عليه حلم عنك، وإن أسأت إليه أحسن إليك، وإن أحسنت إليه أساء إليك، وإذا ظلمته انتصفت منه، ويظلمك إذا أنصفته.
وما أشبه عشرة الحمقى إلا بما أنشدني محمد بن إسحاق الواسطي:
لي صديق يرى حقوقي عليه ... نافلات وحقه كان فرضا
لو قطعت الجبال طولا إليه ... ثم من بعد طولها سرت عرضا
لرأي ما صنعت غير كبير ... واشتهى أن أزيد في الأرض أرضا
حدثنا محمد بن سعيد القزاز حدثنا إبراهيم بن الجنيد قال: قال لي أبو طاهر ابن السرح قال: حدثني خالي أبو رجاء عبد الرحمن بن عبد الحميد عن سعيد ابن أبي أيوب قال: لا تصاحب صاحب السوء، فإنه قطعة من النار، لا يستقيم وده ولا يفي بعهده.
وأنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري:
لن يسمع الأحمق من واعظ ... في رفعة الصوت وفي همه
لن تبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه
والحمق داء، ما له حيلة ... ترجى، كبعد النجم في لمسه

(1/40)


قال أبو حاتم رضي الله عنه: أظلم الظلمات الحمق، كما أن أنفذ البصائر العقل، فإذا امتحن المرء بعشرة الأحمق كان الواجب عليه اللزوم لأخلاق نفسه، والمباينة لأخلاقه، مع الإكثار من الحمد لله على ما وهب له من الانتباه لما حرم غيره التوفيق له، فإن جرى الأحمق في صحبته ميدانه في عشرته فالواجب على العاقل لزوم السكوت حينئذ في أوقاته، لأن أبا حمزة محمد بن عمر بن يوسف أنبأنا بنسا حدثنا نصر بن علي الجهضمي حدثنا ابن داود قال: سمعت الأعمش يقول: السكوت للأحمق جواب.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: وإن من الحمقى من لا يصده عن سلوكه السكوت عنه، ولا يدفعه عن دخول المكامن الإغضاء عنه ولا ينفعه.
فالعاقل إذا امتحن بعشرة من هذا نعته تكلف بعض التجاهل في الاحايين؛ لأن بعض الحلم إذعان، كما أن استعماله في بعض الحالات قطب العقل.
ولقد أنشدني محمد بن إسحاق الواسطي:
لئن كنت محتاجا إلى الحلم إنني ... إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج
ولي فرس للحلم بالحلم ملجم ... ولي فرس للجهل بالجهل مسرج
فمن شاء تقويمي فإني مقوم ... ومن شاء تعويجي فإني معوج
وما كنت أرضى الجهل خذنا ولا أخا ... ولكنني أرضى به حين أحرج
فإن قال بعض الناس: فيه سماجة، ... فقد صدقوا، والذل بالحر أسمج
وأنشدني علي بن محمد البسامي:
لن ترضى الرذل إلا حين تسخطه ... وليس يسخط إلا حين ترضيه
ولا يسوءك إلا حين تكرمه ... ولا يسرك إلا حين تقصيه
حدثنا أبو يعلى حدثنا سريج بن يونس حدثنا أبو سفيان المعمري عن سفيان الثوري قال: ابن آدم لم يخلق إلا أحمق، ولولا ذلك لم ينفعه عيشه.
حدثنا محمد بن سعيد القزاز حدثنا عصام بن الفضل الرازي حدثنا الزبير بن بكار عن محمد بن حرب قال: قال عبد الله بن حسن لابنه: يا بني أحذر الجاهل، وإن كان لك ناصحا، كما تحذر العاقل إذا كان لك عدوا؛ فيوشك الجاهل أن يورطك بمشورته في بعض اغترارك، فيسبق إليك مكر العاقل.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: ومن شيم الأحمق العجلة، والخفة، والعجز، والفجور، والجهل، والمقت، والوهن، والمهابة، والتعرض، والتحاسد، والظلم، والخيانة، والغفلة، والسهو، والغي، والفحش، والفجر، والخيلاء، والعدوان، والبغضاء.
وإن من أعظم أمارات الحمق في الأحمق لسانه؛ فإنه يكون قلبه في طرف لسانه، ما خطر على قلبه نطق به لسانه.
والأحمق يتكلم في ساعة بكلام يعجز عنه سحبان وائل، ويتكلم في الساعة الأخرى بكلام لا يعجز عنه بأقل.
والعاقل يجب عليه مجانبة من هذا نعته، ومخالطة من هذه صفته، فإنهم يجترئون على من عاشرهم. ألا ترى الزط ليسواهم بأشجع الناس، ولكنهم يجترئون على الأسد لكثرة ما يرونها.
وأنشدني محمد بن يوسف بن أيوب الأرمني:
ولمن يعادي عاقلا خير له ... من أن يكون له صديق أحمق
فارغب بنفسك أن تصادق أحمقا ... إن الصديق على الصديق مصدق
وأنشدني منصور بن محمد الكريزي أنشدني أبي لصالح بن عبد القدوس:
أحذر الأحمق أن تصحبه ... إنما الأحمق كالثوب الخلق
كلما رقعته من جانب ... حركته الريح وهنا فانخرق
أو كصدع في زجاج فاحش ... هل ترى صدع زجاج يلتصق؟
كحمار السوء إن أقضمته ... رمح الناس، وإن جاع نهق
وإذا جالسته في مجلس ... أفسد المجلس منه بالخرق
وإذا نهنهته كي يرعوي ... زاد شرا، وتمادى في الحمق
عجبا للناس في أرزاقهم ... ذاك عطشان، وهذا غرق
أنبأنا يعقوب بن إسحاق القاضي، حدثنا أبو هاني عبد الحميد بن عبد الله حدثنا عبد المنعم عن أبيه عن وهب بن منبه قال: الأحمق كالثوب الخلق، إن رفاته من جانب انخرق من جانب آخر، مثل الفخار المكسور، لا يرقع ولا يشعب، ولا يعاد طينا.
فهذا مثل الأحمق: إن صحبته عناك، وإن اعتزلته شتمك، وإن أعطاك من عليك، وإن أعطيته كفرك، وإن أسر إليك أتهمك، وإن أسررت إليه خانك، وإن كان فوقك حقرك، وإن كان دونك غمزك.
وأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش:
أعلم بأن من الرجال بهيمة ... في صورة الرجل السميع المبصر

(1/41)


فطنا بكل مصيبة في ماله ... وإذا يصاب بدينه لم يشعر
وأنشدني محمد بن عبد الله البغدادي:
وإن عناء أن تفهم جاهلا ... فيحسب جهلا أنه منك أعلم
وتشخص أبصار الرعاع تعجبا ... إليه، وقالوا: إنه منك أفهم
قال أبو حاتم رضي الله عنه: الأحمق يتوهم أنه أعقل من ركب فيه الروح، وأن الحمق قسم على العالم غيره، والأحمق مبغض في الناس، مجهول في الدنيا، غير مرضى العمل، ولا محمود الأمر عند الله وعند الصالحين، كما أن العاقل محب إلى الناس، مسود في الدنيا، مرضى عند الله والآخرة، وعند الصالحين في الدنيا.
أنبأنا محمد بن المنذر بن سعيد، حدثنا خطاب بن عبد الرحمن الجندي، حدثنا عبد الله بن سليمان، قال: كان الحسن يقول: أنا للعاقل المدبر أرجى مني للأحمق المقبل.
وأنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري:
وما الغي إلا أن تصاحب غاويا ... وما الرشد إلا أن تصاحب من رشد
ولن يصحب الإنسان إلا نظيره ... وإن لم يكونا من قبيل ولا بلد
وأنشدني علي بن محمد البسامي:
لنا جليس تارك للأب ... جليسة من نوكه في تعب
يغضب جهلا عند حال الرضا ... عمدا، ويرضى عند حال الغضب
فنحن منه كلما جاءنا ... في عجب قد جاز حد العجب
كأنه من سوء تأديبه ... أسلم في كتاب سوء الأدب
أنبأنا محمد بن المهاجر المعدل، حدثنا محمد بن أبي يعقوب الربعي، حدثنا عبد الله بن موسى البصري، حدثنا العتبي، قال: سمعت أعرابيا يقول: العاقل بخشونة العيش مع العقلاء أسر منه بلين العيش مع السفهاء.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: وإن من شيم العاقل: الحلم، والصمت، والوقار، والسكينة والوفاء والبذل، والحكمة، والعلم، والورع والعدل، والقوة، والحزم، والكياسة، والتمييز، والسمت، والتواضع، والعفو، والإغضاء، والتعفف، والإحسان، فإذا وفق المرء لصحبة العاقل فليشد يديه به ولا يزايله على الأحوال كلها.
والواجب على العاقل أن لا يصحب بحيلة من لا يستفيد منه خيرا.
ولقد أنبانا محمد بن محمود بن عدي النسوي، حدثنا علي بن سعيد بن جرير، قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: أخبرت عن مالك بن دينار أنه قال: مررت براهب في صومعته فناديته، فأشرف علي، فكلمني وكلمته، فقال لي فيما يقول: إذا استطعت أن تجعل فيما بينك وبين الدنيا حائطا فافعل، وإياك وكل جليس لا تستفيد منه خيرا فلا تجالسه، قريبا كان أو بعيدا.
الزجر عن التجسس وسوء الظن
حدثنا محمد بن أحمد الرقام بتستر، حدثنا أبو الخطاب زياد بن يحيى، حدثنا أبو داود، حدثنا سليمان بن حيان عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانا(.
حدثنا محمد بن عثمان العقبي، حدثنا جعفر بن محمد بن الحجاج الرقي، حدثنا محمد بن حاتم الجرجرائي، حدثنا محمد بن المبارك، عن يونس بن نافع، عن كثير بن زياد، قال: سمعت الحسن يقول: لا تسأل عن عمل أخيك الحسن والسيئ، فإنه من التجسس.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل لزوم السلامة بترك التجسس عن عيوب الناس، مع الاشتغال بإصلاح عيوب نفسه؛ فإن من اشتغل بعيوبه عن عيوب غيره أراح بدنه، ولم يتعب قلبه، فكلما اطلع على عيب لنفسه هان عليه ما يرى مثله من أخيه، وإن من اشتغل بعيوب الناس عن عيوب نفسه عمى قلبه وتعب بدنه، وتعذر عليه ترك عيوب نفسه، وإن من أعجز الناس من عاب الناس بما فيهم واعجز منه من عابهم بما فيه من عاب الناس عابوه، ولقد أحسن الذي يقول:
إذا أنت عبت الناس عابوا وأكثروا ... عليم، وأبدوا منك ما كان يستر
وقد قال في بعض الأقاويل قائل ... له منطق فيه كلام محبر
إذا ما ذكرت الناس فاترك عيوبهم ... فلا عيب إلا دون ما منك يذكر
فإن عبت قوما بالذي ليس فيهم ... فذلك عند الله والناس أكبر
وإن عبت قوما بالذي فيك مثله ... فكيف يعيب العور من هو أعور؟
وكيف يعيب الناس من عيب نفسه ... أشد إذا عد العيوب وأنكر؟

(1/42)


متى تلتمس للناس عيبا تجد لهم ... عيوبا، ولكن الذي فيك أكثر
فسالمهم بالكف عنهم، فإنهم ... بعيبك من عينيك أهدى وأبصر
حدثنا محمد بن سعيد القزاز، حدثنا هارون بن صدقة القاضي، حدثنا سعيد ابن مسلمة الإيادي، قال: ادعت امرأة على رجل حمارا لها، فقدمته إلى القاضي، فسألها البينة، فأحضرت أبا دلامة ورجلا آخر، فقال لها القاضي: أما شاهدك هذا فقد قبلنا شهادته، فأتنا بشاهد آخر، فأتت أبا دلامة فأخبرته، فصار إلى القاضي وأنشأ يقول:
إن الناس غطوني تغطيت عنهم ... وإن بحثوا عني ففيهم مباحث
وإن حفروا بئري حفرت بئارهم ... ليعلم يوما كيف تلك النبائث؟
فقال القاضي للمرأة: كم ثمن حمارك؟ قالت: ثلاثمائة، قال: قد احتملناها لك من مالي وأنشدني الكريزي:
أرى كل إنسان يرى عيب غيره ... ويعمى عن العيب الذي هو فيه
وما خير من تخفى عليه عيوبه ... ويبدو له العيب الذي لأخيه
حدثنا محمد بن المنذر، حدثنا الليث بن عبدة المصري، حدثنا الحسن بن واقع، حدثنا ضمرة عن الشيباني، قال: في الكتب مكتوب: كما تدين تدان، وبالكأس الذي تسقى به تشرب، وزيادة: لأن البادئ لا بد له من أن يزاد.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: التجسس من شعب النفاق، كما أن حسن الظن من شعب الإيمان، والعاقل يحسن الظن بإخوانه، وينفرد بغمومه وأحزانه، كما أن الجاهل يسئ الظن بإخوانه، ولا يفكر في جناياته وأشجانه.
ولقد أحسن الذي يقول:
ما يستريح المسيء ظنا ... من طول غم، وما يريح
وقل وجه يضيق إلا ... ودونه مذهب فسيح
من خفف الله عنه هبت ... من كل وجه إليه ريح
والجسم حيث استقر هاد ... والروح جوالة تسيح
كم تذبح الأرض من بنيها ... كل بنيها لها ذبيح
لن يهلك المرء من سماح ... وقلما يفلح الشحيح
قال أبو حاتم رضي الله عنه: سوء الظن على ضربين: أحمدهما: منهي عنه بحكم النبي صلى الله عليه وسلم.
والضرب الآخر: مستحب.
فأما الذي نهى فهو استعمال سوء الظن بالمسلمين كافة على ما تقدم ذكرنا له.
وأما الذي يستحب من سوء الظن فهو كمن بينه وبينه عداوة أو شحناء في دين أو دنيا، يخاف على نفسه مكره، فحينئذ يلزمه سوء الظن بمكائده ومكره لئلا يصادفه على غرة بمكره فيهلكه.
وفي ذلك أنشدني الأبرش:
وحسن الظن يحسن في أمور ... ويمكن في عواقبه ندامه
وسوء الظن يسمج في وجوه ... وفيه من سماجته حزامه
وأنشدني محمد بن إسحاق الواسطي:
ما ينبغي لأخي ود وتجربة ... أن يترك الدهر سوء الظن بالناس
حتى يكون قريبا في تباعده ... عنا، ويدفع ضر الحرص باليأس
حدثنا محمد بن المنذر، حدثنا إبراهيم بن هانئ، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا.
أنبأنا الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم عن عمر بن سعد عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: مكتوب في التوراة )من تجر فجر، ومن حفر حفرة سوء لصاحبه وقع فيها(.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل مباينة العام في الأخلاق والأفعال، بلزوم ترك التجسس عن عيوب الناس؛ لأن من بحث عن مكنون غيره بحث عن مكنون نفسه، وربما طم مكنونه على ما بحث من مكنون غيره، وكيف يستحسن مسلم ثلب مسلم بالشيء الذي هو فيه؟.
وأنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري:
لا تلتمس من مساوي الناس ما ستروا ... فيهتك الناس سترا من مساويكا
وأذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا ... ولا تعب أحدا عيبا بما فيكا
وأنشدني محمد بن عبد الله بن زنجي البغدادي:
إذا ما اتقيت المر من حيث يتقي ... وأبصرت ما تأتي، فأنت لبيب
ولاتك كالناهي عن الذنب غيره ... وفي كفه مما يذم نصيب
يعيب فعال السوء من فعل غيره ... ويفعل أفعال الدين يعيب

(1/43)


حدثنا محمد بن المهاجر المعدل حدثنا محمد بن موسى السمري حدثنا حماد بن إسحاق بن إبراهيم عن أبيه، قال: وحدثني عزيز عن الزبير بن موسى المخزومي قال: قالت ابنة عبد الله بن مطيع الأسود، وهي زوجة طلحة بن عبد الله بن عوف لزوجها: ما رأيت أحدا قط ألأم من أصحابك، قال: مه، لا تقولي ذاك فيهم، وما رأيت من لؤمهم؟ قالت: أمرا والله بينا، قال: وما هو؟ قالت: إذا أيسرت لزموك، وإذا أعسرت جانبوك، قال: ما زدت على أن وصفتهم بمكارم الأخلاق، قالت: وما هذا من مكارم الأخلاق؟ قال: يأتوننا في حال القوة منا عليهم، ويفارقوننا في حال الضعف منا عليهم.
الحث على مجانبة الحرص للعاقل
حدثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة - رحمة الله - حدثنا بشر بن معاذ العقد حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم )يهرم ابن آدم وتشب منه اثنتان: الحرص، والحسد( قال أبو حاتم رضي الله عنه: ركب الله جل وعز في البشر الحرص والرغبة في الدنيا الفانية، لئلا تخرب، إذ هي دار الأبرار، ومكسب الأتقياء، وموضع زاد المؤمنين، واستجلاب الميرة للصالحين، ولو تعرى الناس عن الحرص فيها بطلت وخربت، فلم يجد المرء ما يستعين به على أداء فرائض الله، فضلا عن اكتساب ما يجدي عليه النفع في الآخرة نفلا، والإفراط في الحرص مذموم، كما أنشدني على بن محمد البسامي:
ليس عندي إلا الرضا بقضاء الل ... ه فيما أحببته أو كرهته
لو إلي الأمور، أختار منها ... خيرها لي عواقبا ما عرفته
ولو أني حرصت جهدي أن أد ... فع أمرا مقدرا ما دفعته
فأرى أن أرد إلى من ... عنده علم كل ما قد جهلته
وأنشدني محمد بن نصر المديني:
يا كثير الحرص مشغو ... لا بدنيا ليس تبقى
ما رأيت الحرص أدنى ... من حريص قط رزقا
لا، ولكن في قضاء الل ... ه: أن يعيا ويشقى
تعرف الحق، ولكن ... لا ترى للحق حقا
أنبأنا أحمد بن محمد بن سعيد القيسي، حدثنا محمد بن الوليد بن أبان، حدثنا نعيم بن حماد عن ابن المبارك قال: سخاء الناس عما في أيدي الناس. أكثر من سخاء البذل، ومروءة القناعة أكثر من مروءة الإعطاء.
أنشدنا أبو يعلى قال: أنشدونا منذ دهر للشافعي:
قدر الله واقع ... حيث يقضى وروده
قد مضى فيك حكمه ... وانقضى ما يريده
وأخو الحرص حرصه ... ليس مما يزيده
فأرد ما يكون إذ ... لم يكن ما تريده
أنبأنا عبد الله بن عروة حدثنا يعقوب الدورقي حدثنا ابن علية عن أيوب عن ابن سيرين قال: إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: أغنى الأغنياء من لم يكن للحرص أسيرا، وأفقر الفقراء من كان الحرص عليه أميرا؛ لأن الحرص سبب لإضاعة الموجود عن مواضعه، والحرص محرمة، كما أن الجبن مقتلة، ولو لم يكن في الحرص خصلة تذم إلا طول المناقشة بالحساب في القيامة على ما جمع لكان الواجب على العاقل ترك الإفراط في الحرص.
وقد كان بعض أصحابنا كثيرا ما ينشد:
تجانب الحرص، ودع عنك الحسد ... ففيهما الذل واتعاب الجسد
وأنشدني الكريزي:
وأرقني طول التفكر إنني ... عجبت لدهر ما تقضى عجائبه
فكم عاجز يدعي جليدا لغشمه ... ولو كلف التقوى لكلت مضاربه
وعف يسمى عاجزا لعفافه ... ولولا التقى ما أعجزته مذاهبه
فليس بحرص المرء أدركه الغنى ... ولا باحتيال أدرك المال كاسبه
ولكنه قبض الإله وبسطه ... فلا ذا يجاريه ولا ذا يغالبه
قال أبو حاتم رضي الله عنه: الحرص غير زائد في الرزق، وأهون ما يعاقب الحريص بحرصه أن يمنع الاستمتاع بما عنده من محصوله، فيتعب في طلب ما لا يدري أيلحقه أم يحول الموت بينه وبينه؟ ولو لزوم الحريص ترك الإفراط فيه واتكل على خالق السماء لأتحفه المولى جل وعز بادراك ما لا يسعى فيه، والظفر بما لو سعى فيه وهو حريص عسى لتعذر عليه وجوده.
وأنشدني علي بن محمد البسامي:
ألا رب باغ حاجة لا ينالها ... وآخر قد تقضى له وهو آيس
يحاولها هذا، وتقضي لغيره ... وتأتي الذي تقضى له وهو جالس

(1/44)


وأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش:
وكم من أكلة منعت أخاها ... بلذة ساعة أكلات دهر
وكم من طالب يسعى لشيء ... وفيه هلاكه لو كان يدري
قال أبو حاتم رضي الله عنه: الحرص علامة الفقر، كما أن البخل جلباب المسكنة، والبخل لقاح الحرص، كما أن الحمية لقاح الجهل، والمنع أخو الحرص، كما أن الأنفة توأم السفه، وأنشدني عمر بن محمد قال: أنشدني الغلابي:
لا تأتين نذالة لمنالة ... فليأتينك رزقك المقدور
وأعلم بأنك آخذ كل الذي ... لك في الكتاب محبر مسطور
والله ما زاد امرءا في رزقه ... حرض، ولا أزرى به التقصير
وأنشدني محمد بن عبد الله بن زنجي البغدادي:
وأرض من العيش في الدنيا بأيسره ... ولا ترومن ما إن رمته صعبا
إن الغنى هو الراضي بعيشته ... لا من يظل على ما فات مكتئبا
أنبانا محمد بن سعيد القزاز حدثنا عبد الله بن يحيى بن حميد الطويل حدثنا أبو عبد الرحمن العتبي حدثني أبي قال: اختصمت بنو إسرائيل في القدر، خمسمائة عام، ثم تحاكموا إلى عالم من علمائهم، فقالوا له: أخبرنا عن القدر، وقصر وبين لتفهمه عنك العوام، فقال: حرمان عاقل، وحظ جاهل.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: لاحظ في الراحة أن أطاع الحرص، إذ حرص سائق البلايا، فالواجب على العاقل أن لا يكون بالمفرط في الحرص في الدنيا؛ فيكون مذموما في الدارين، بل يكون قصده لإقامة فرائض الله، ويكون لبغيته نهاية يرجع إليها؛ لأن من لم يكن لقصده )منها( نهاية آذى نفسه وأتعب بدنه. فمن كان بهذا النعت فهو من الحرص الذي يحمد.
وأنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري:
الحرص عون للزمان على الفتى ... والصبر نعم القرن للأزمان
لا تخضعن فإن دهرك إن رأى ... منك الخضوع أمده بهوان
وإذا رآك وقد قصدت لصرفه ... بالصبر، لاقى الصبر بالإذعان
وأنشدني منصور بن محمد الكريزي، حدثني شعيب بن أحمد لأبي العتاهية:
لا تخضعن لمخلوق على طمع ... فإن ذاك مضر منك بالدين
وأنشدني الكريزي أيضا، أنشدني شعيب بن احمد لأبي العتاهية:
قد شاب رأسي، ورأس الحرص لم يشب ... إن الحريص على الدنيا لفي تعب
ما لي أراني إذا حاولت منزلة ... فنلتها طمحت نفسي إلى رتب
لو كان ينفعني علمي وتجربتي ... لم أشف غيظي من الدنيا ولا كلبي
قال أبو حاتم رضي الله عنه: قد ذكرت ما يشاكل هذه الحكايات بعللها في كتاب )الثقة بالله( بما أرجو أن يكون فيه غنية لم أراد الوقوف على معرفتها، فأغنى ذلك عن تكرارها في هذا الكتاب.
الزجر عن التحاسد والبغضاء
أنبأنا محمد بن الحسين بن مكرم البزاز بالبصرة، حدثنا عمرو بن علي الفلاس، حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج، حدثني عطاء أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا(.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل مجانبة الحسد على الأحوال كلها: فإن أهون خصال الحسد هو ترك الرضا بالقضاء، وإرادة ضد ما حكم الله جل وعلا لعباده، ثم انطواء الضمير على إرادة زوال النعم عن المسلم، والحاسد لا تهدأ روحه ولا يستريح بدنه إلا عند رؤية زوال النعمة عن أخيه، وهيهات أن يساعد القضاء ما للحساد في الأحشاء.
وأنشدني محمد بن إسحاق بن حبيب الواسطي:
أعذر حسودك فيما قد خصصت به ... إن العلي حسن في مثله الحسد
إن يحسدوني فأني لا ألومهم ... قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا
فدام لي ولهم ما بي وما بهم ... ومات أكثرنا غيظا بما يجد
أنا الذي وجدني في صدورهم ... لا أرتقي صدرا منهم ولا أرد
أنبأنا أبو خليفة، حدثنا ابن كثير، أنبانا سفيان الثوري عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: رأى موسى رجلا عند العرش فغبطه بمكانه، فسأله عنه، فقال: ألا أخبرك بعمله؟ كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، ولا يعق والديه، قال: وكيف يعق والديه؟ قال: يستثب لهما حتى يسبا، ولا يمشي بالنميمة.
أنشدني ابن بلال الأنصاري:

(1/45)


عين الحسود عليك الدهر حارسة ... تبدى مساويك والإحسان يخفيها
فأحذر حراستها، وأحذر تكشفها ... وكن على قدر ما توليك توليها
أنبأنا عبد الرحمن بن زياد الكناني، بالأبلة، حدثنا أبو يحيى الضرير، حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لهيعة عن كعب بن علقمة قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه )ما من أحد عنده نعمة إلا وجدت له حاسدا، ولو كان المرء أقوم من القدح لوجدت له غامزا، وما ضرت كلمة لم يكن لها خواطب( وأنشدني علي بن محمد البسامي:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم أنداد له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسدا وبغيا: إنه لدميم
وترى اللبيب محسدا لم يجتلب ... شتم الرجال، وعرضه مشتوم
أخبرنا محمد بن سعيد القزاز، حدثنا أحمد بن إبراهيم بن حرب، حدثنا غسان بن المفضل، أخبرني محمد بن يزيد عن يونس بن عبيد، قال: قال ابن سيرين: ما حسدت أحدا على شيء من الدنيا؛ لأنه إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على شيء من الدنيا وهو يصير إلى الجنة؟ وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على شيء من الدنيا وهو يصير إلى النار؟ قال أبو حاتم رضي الله عنه: الحسد من أخلاق اللئام، وتركه من أفعال الكرام، ولكل حريق مطفئ، ونار الحسد لا تطفأ.
ومن الحسد يتولد الحقد، والحقد أصل الشر، ومن أضمر الشر في قلبه، انبت نباتا مرا مذاقه، نماؤه الغيظ، وثمرته الندم.
والحسد هو اسم يقع على إرادة زوال النعم عن غيره، وحلولها فيه. فأما من رأي الخير في أخيه، وتمني التوفيق لمثله، أو الظفر بحاله، وهو غير مريد لزوال ما فيه أخوه؛ فليس هذا بالحسد الذي ذم ونهى عنه.
ولا يكاد يوجد الحسد إلا لمن عظمت نعمة الله عليه، فكلما أتحفه الله بترداد النعم، أزداد الحاسدون له بالمكروه والنقم.
وقد كان داود بن علي - رحمه الله عليه - ينشد كثيرا:
إني نشأت وحسادي ذوو عدد ... يا ذا المعارج، لا تنقص لهم عددا
إن يحسدوني على ما كان من حسن ... فمثل خلقي فيهم جر لي حسدا
حدثنا عمرو بن محمد، حدثنا الغلابي، حدثنا مهدي بن سابق، أخبرنا عباد بن عباد المهلبي قال: قال أبو جعفر المنصور لسفيان بن معاوية: ما أسرع الناس إلى قدمتك المدينة! فقال: يا أمير المؤمنين:
إن العرانين تلقاها محسدة ... ولن ترى للئام الناس حساد
وأنشدني الكريزي، أنشدني محمد بن الحسين العمي:
حسدوا النعمة لما ظهرت ... فرموها بأباطيل الكلم
وإذا ما الله أبدى نعمة ... لم يضرها قول حساد النعم
سمعت أحمد بن محمد بن الأزهر قول: سمعت أحمد بن سعيد الدار يقول: سمعت أبا إسحاق الطالقاني يقول: كنا نتعلم في الكتاب - كما نتعلم أبو جاد - جهل نيسابوري، وبخل مروزي، وحسد هروي، وطرم بلخي.
أنبأنا محمد بن عثمان العقبي: حدثنا عمران بن موسى بن أيوب، حدثني أبي عن مخلد بن الحسين، عن هشام، عن ابن سيرين قال: ما حسدت أحدا على دين ولا دنيا.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: لا يوجد من الحسود أمان أحرز من البعد منه؛ لأنه ما دام مشرفا على ما خصصت به دونه لم يزده ذلك إلا وحشة وسوء ظن بالله، ونماء للحسد فيه.
فالعاقل يكون على إماتة الحسد بما قدر عليه أحرص منه على تربيته ولا يجد لإماتته دواء أنفع من البعاد، فأن الحاسد ليس يحسدك على عيب فيك، ولا على خيانة ظهرت منك، ولكن يحسدك بما ركب فيه من ضد الرضا بالقضاء كما قال العتبي:
أفكر ما ذنبي إليك فلا أرى ... لنفسي جرما، غير أنك حاسد
وأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش:
ليس للحاسد إلا ما حسد ... وله البغضاء من كل أحد
وأرى الوحدة خيرا للفتى ... من جليس السوء فانهض إن قعد
وأنشدني محمد بن نصر المديني لحبيب بن أوس:
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود
لولا التخوف للعواقب لم تزل ... للحاسد النعمي على المحسود

(1/46)


أنبأنا محمد بن المنذر، حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا حماد عن حميد قال: قلت للحسن: يا أبا سعيد، هل يحسد المؤمن؟ قال: ما أنساك بني يعقوب؟ لا أبا لك! حيث حسدوا يوسف، ولكن غم الحسد في صدرك، فأنه لا يضرك، ما لم يعد لسانك وتعمل به يدك.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: العاقل إذا خطر بباله ضرب من الحسد لأخيه أبلغ المجهود في كتمانه، وترك إبداء ما خطر بباله.
وأكثر ما يوجد الحسد بين الأقران، أو من تقارب الشكل، لأن الكتبة لا يحسدها إلا الكتبة، كما أن الحجبة لا يحسدها إلا الحجبة، ولن يبلغ المرء مرتبة من مراتب هذه الدنيا إلا وجد فيها من يبغضه عليها، أو يحسده فيها، والحاسد خصم معاند لا يجب للعاقل أن يجعله حكما عند نائبة تحدث، فإنه إن حكم لم يحكم إلا عليه، وإن قصد لم يقصد إلا له، وإن حرم لم يحرم إلا حظه، وإن أعطى أعطى غيره، وإن قعد لم يقصد إلا عنه، وإن نهض لم ينهض إلا إليه، وليس للمحسود عنده ذنب إلا النعم التي عنده.
فليحذر المرء ما وصفت من أشكاله وأقرانه وجيرانه وبنى أعمامه.
وقد أنبأنا عمرو بن محمد، حدثنا الغلابي، حدثنا العباس بن بكار قال: قال رجل لشبيب بن شبة: إني لأحبك، قال: صدقت، قال: وما علمك؟ قال: لأنك لست بحار ولا ابن عم.
وأنشدني محمد بن عبد الله بن زنجي البغدادي.
أنت أمرؤ قصرت عنه مروءته ... إلا من الغش للإخوان والحسد
أأن تراني خيرا منك تحسدني؟ ... إن الفضيلة لا تخلو من الحسد
قال أبو حاتم رضي الله عنه: بئس الشعار للمرء الحسد، لأنه يورث الكمد، ويورث الحزن، وهو داء لا شفاء له.
والحاسد إذا رأى بأخيه نعمة بهت، وإن رأى به عثرة شمت، ودليل ما في قلبه كمين على وجه مبين، وما رأيت حاسدا سالم أحدا.
والحسد داعية إلى النكد، ألا ترى إبليس؟ حسد آدم فكان حسده نكدا على نفسه، فصار لعينا بعد ما كان مكينا، ويسهل على المرء ترضي كل ساخط في الدنيا حتى يرضى، إلا الحسود؛ فإنه لا يرضيه إلا زوال النعمة التي حسد من أجلها.
ولقد حدثني محمد بن عثمان العقدي حدثنا محمد بن زكريا الغلابي، حدثنا ابن عائشة قال: قال بعض الحكماء: ألزم الناس للكآبة أربعة: رجل حديد، ورجل حسود، وخليط للأدباء وهو غير أديب، وحكيم محتقر للأقوام، وابعد الناس من الدخول في دين الحق والنصيحة لأهله: جاهل ورث الضلالة عن أهله، ورأس أهل ملته حظي فيهم بفضل الضلالة، ومعظم للدنيا يرى بهجتها دائمة محبوبة، ويرى ما رجي من خيرها قريبا، وما صرف من شرها بعيدا، ليس يعقد قلبه على الإيمان، ورجل خالط النساك فانصرف عنهم لحرصه وشرهه، ودامجهم على مكر وخديعة.
الحث على مجانبة الغضب
وكراهية العجلة
أنبأنا عمر بن حفص البراز بجند يسابور، حدثنا محمد بن زياد الزيادي، حدثنا الفضيل بن عياض عن سليمان عن أبي صالح عن أبي هريرة أن جابرا قال )جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: علمني شيئا يا رسول الله أدخل به الجنة، ولا تكثر علي، لعلي أعقل، قال: لا تغضب( قال أبو حاتم رضي الله عنه: أحسن الناس عقلا من لم يحرد، وأحضر الناس جوابا من لم يغضب.
وسرعة الغضب: أنكى في العاقل من النار في يبس العوسج؛ لأن من غضب زايله عقله، فقال: ما سولت له نفسه، وعمل ما شأنه وأرداه.
ولقد أنبأنا محمد بن عثمان العقدي، حدثنا إسحاق بن زكرياء البناني حدثنا عبد الصمد بن حسان، حدثني وهيب قال: مكتوب في الإنجيل: ابن آدم، اذكرني حين تغضب، أذكرك حين أغضب، فلا أمحقك فيمن أمحق؛ وإذا ظلمت فلا تنتصر، فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك.
وأنشدني الكريزي:
ولم أر فضلا تم إلا بشيمة ... ولم أر عقلا صح إلا على الأدب
ولم أر في الأعداء حين اختبرتهم ... عدوا لعقل المرء أعدى من الغضب
قال أبو حاتم رضي الله عنه: سرعة الغضب من شيم الحمقى، كما أن مجانبته من زي العقلاء.
والغضب بذر الندم، فالمرء على تركه قبل أن يغضب أقدر على إصلاح ما أفسد به بعد الغضب.
ولقد أنبأنا محمد بن إسحاق الثقفي، حدثتنا حاتم بن الليث الجوهري، حدثنا بكار بن محمد قال: كان ابن عون لا يغضب، فإذا أغضبه إنسان قال: بارك الله فيك!.

(1/47)


وأنشدني محمد بن إسحاق بن حبيب الواسطي:
لم يأكل الناس شيئا من مآكلهم ... أحلى وأحمد عقباه من الغضب
ولا تلحف إنسان بملحفة ... أبهى وأزين من دين ومن أدب
أنبأنا كامل بن مكروم، حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا ضمرة عن أبي سعيد قال: كان عون بن عبد الله بن عتبة إذا غضب على غلامه قال: ما أشبهك بمولاك! أنت تعصيني وأنا أعصي الله، فإذا أشتد غضبه قال: أنت حر لوجه الله.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل إذا ورد عليه شيء بضد ما تهواه نفسه أن يذكر كثرة عصيانه ربه، وتواتر حلم الله عنه ثم يسكن غضبه ولا يزري بفعله الخروج إلى ما لا يليق بالعقلاء في أحوالهم، مع تأمل وفور الثواب في العقبى بالاحتمال ونفي الغضب.
وأنشدني الأنصاري:
وكظمي الغيظ أولى من محاولتي ... غيظ العدو بإضراري بإيماني
لا خير في الأمر ترديني مغبته ... يوم الحساب إذا ما نص ميزاني
أنبأنا محمد بن المنذر، حدثنا عمر بن علي بن زياد العنبري قال: سمعت سالم ابن ميمون الخواص يقول:
إذا نطق السفيه فلا تجبه ... فخير من إجابته السكوت
سكت عن السفيه فظن أني ... عييت عن الجواب، وما عييت
شرار الناس لو كانوا جميعا ... قذى في جوف عيني ما قذيت
فلست مجاوبا أبدا سفيها ... خزيت لمن يجافيه خزيت
وأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش:
تأن في أمرك، وأفهم عني ... فليس شيء يعدل التأني
تأن فيه، ثم قل، فإني ... أرجو لك الإرشاد بالتأني
أخبرني محمد بن أبي علي الخلادي، حدثنا عبد الله بن جعفر الزبيري عن سعيد بن إبراهيم بن محمد بن طلحة، قال أنشدني يونس بن إبراهيم بن محمد ابن طلحة لمحمد بن عيسى بن طلحة بن عبيد الله:
فلا تعجل على أحد بظلم ... فإن الظلم مرتعة وخيم
ولا تفحش، وإن مليت غيظا ... على أحد، فإن الفحش لوم
ولا تقطع أخا لك عند ذنب ... وإن الذنب يغفره الكريم
ولكن داري عوراه برفق ... كما قد يرقع الخلق القديم
ولا تجزع لريب الدهر واصبر ... فإن الصبر في العقبى سليم
فما جزع بمغن شيئا ... ولا ما فات ترجعه الهموم
قال أبو حاتم رضي الله عنه: لو لم يكن في الغضب خصلة تذم إلا إجماع الحكماء قاطبة على أن الغضبان لا رأي له، لكان الواجب عليه الاحتيال لمفارقته بكل سبب.
والغضبان لا يعذره أحد في طلاق ولا عتاق. ومن الفقهاء من عذر السكران في الطلاق والعتاق، والخلق مجبولون على الغضب والحلم معا، فمن غضب وحلم في نفس الغضب؛ فإن ذلك ليس بمذموم، ما لم يخرجه غضبه إلى المكروه من القول والفعل، على أن مفارقته في الأحول لكلها أحمد.
ولقد أنبأنا عمر بن محمد حدثنا الغلابي حدثنا مهدي بن سابق عن عطاء قال: قال عبد الملك بن مروان: إذا لم يغضب الرجل لم يحلم؛ لأن الحليم لا يعرف إلا عند الغضب.
الزجر عن الطمع إلى الناس
أنبأنا محمد بن احمد بن المستنير بالمصيصة حدثنا يوسف بن سعيد بن مسلم حدثنا خالد بن عمرو عن سفيان عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال )جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، علمني عملا إذا أنا عملته أحبني الله، وأحبني الناس؛ فقال: أزهد في الدنيا يحبك الله، وأزهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس( قال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل ترك الطمع ترك الطمع إلى الناس كافة بكمال الإياس عنهم؛ إذ الطمع فيما لا يشك في وجوده فقر حاضر، فكيف بما أنت شاك في وجوده أو عدمه؟.
ولقد أحسن الذي يقول:
لأجعلن سبيل اليأس لي سبلا ... ما عشت منك، ودار الهم أوطانا
والصبر أجعله غرما أنال به ... في الناس قربا، وعند الله رضوانا
فالنفس قانعة، والأرض واسعة ... والدار جامعة مثنى ووحدانا
وأنشدني عمرو بن محمد بن عبد الله النسائي قال: أنشدني الحسين بن أحمد ابن عثمان:
اليأس أدبني ورفع همتي ... واليأس خير مؤدب للناس
إني رأيت مواضع الطمع الذي ... يضع الشريف مواضع الأخساس

(1/48)


وأنشدني محمد بن عبد الله البغدادي:
فأجمعت يأسا لا لبانة بعده ... ولليأس أدنى للعفاف من الطمع
والنفس تطمع هشة إن أطمعت ... وتنال باليأس السلو فتقنع
أنبأنا محمد بن عثمان العقبي حدثنا يزيد بن عبد الصمد حدثنا يحيى بن صالح حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن سعد بن عمارة أنه لما قال لأبنه: يا بني، أظهر اليأس فإنه غنى، وإياك والطمع فإنه فقر حاضر.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: أشرف المنى ترك الطمع إلى الناس إذ لا غنى لذل طمع وتارك الطمع يجمع به غاية الشرف، فطوبى لمن كان شعار قلبه الورع ولم يعم بصره الطمع.
ومن أحب أن يكون حرا فلا يهوى ما ليس له؛ لأن الطمع فقر، كما أن اليأس غنى، ومن طمع ذل وخضع، كما أن من قنع عف واستغنى.
ولقد أنشدني الكريزي:
لا خير في عزم بغير روية ... والشك عجز، إن أردت سراحا
واليأس مما فات يعقب راحة ... ولرب مطمعة تعود ذباحا
وأنشدني علي بن محمد البسامي:
فكنت لي أملا دهرا أطالبه ... فغيرته صروف الدهر أطوارا
صرفت باليأس عنه النفس فانصرفت ... فما أبالي أقام الدهر، أم سار
أنبأنا محمد بن المهاجر المعدل حدثنا عبد الله بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن مروان حدثنا محمد بن هانئ الطائي قال: بعث أبو الأسود الديلي إلى جار يقترض منه، فلم يقرضه واعتل عليه، وكان حسن الظن به، فقال أبو الأسود:
لا تشعرن النفس يأسا، فإنما ... يعيش بجد عاجز وجليد
ولا تطمعن في مال جار لقربه ... فكل قريب لا ينال بعيد
وفوض إلى الله الأمور، فإنما ... يروح بأرزاق العباد جدود
أنبأنا القطان بالرقة حدثنا المروزي قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: سمعت ابن السماك يقول: الرجاء حبل في قلبك، وقيد في رجلك، فأخرج الرجاء من قلبك ينفك القيد من رجلك.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: الطمع غدة من قلب المرء له طرفان، أحدهما: القيد في رجليه، والآخر: الطبع على لسانه، فما دامت العقدة قائمة لا تنفك رجلاه، ولا ينطق لسانه، فسعى إلى ما شاء، وقال ما أحب.
ودواء زوال الطمع عن القلب: هو رؤية الأشياء من مكونها بدوام الخلوة، وترك الناس كما أنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش:
كن لقعر البيت حلسا ... وارض بالوحدة أنسا
لست بالواجد حرا ... أو ترد اليوم أمسا
فاغرس اليأس بأرض ال ... زهد ما عمرت غرسا
وليكن يأسك دون ال ... طمع الكاذب ترسا
قال أبو حاتم رضي الله عنه: العاقل يجتنب الطمع إلى الأصدقاء؛ فإنه مذلة، ويلزم اليأس عن الأعداء؛ فأنه منجاة، وتركه مهلكة، والإياس هو بذر الراحة والعز، كما أن الطمع هو بذر التعب والذل، فكم من طامع تعب وذل، ولم ينل بغيته، وكم من آيس استراح وتعزز، وقد أتاه ما أمل وما لم يأمل.
وأنشدني الأبرش:
يعرى ويغرث من أمسى على طمع ... من المكارم وهو الطاعم الكاسي
إن المطالع ذل للرقاب، ولو ... أمسى أخوها مكان السيد الراس
وأنشدني محمد بن اسحق الواسطي:
ألم تعلمي أني إذا النفس أشرفت ... على طمع لم أنس أن أتكرما
ولست بلوم على الأمر بعد ما ... يفوت، ولكن عل أن أتقدما
أنبأنا محمد بن سعيد القزاز حدثنا الفضل بن يوسف الكوفي حدثنا عبد الله ابن جبلة الكناني عن معاوية بن عمار عن أبي جعفر قال: اليأس عما في أيدي الناس عز، ثم قال: أما سمعت قول حاتم الطائي:
إذا ما عزمت اليأس ألفيته الغنى ... إذا عرفته النفس، والطمع الفقر
الحث على مجانبة المسألة
وكراهيتها
حدثنا أبو يزيد خالد بن النضر بن عمرو القرشي بالبصرة حدثنا عبد الواحد ابن غياث حدثنا حماد بن سلمة حدثنا هشام بن عروة عن أبيه الزبير بن العوام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال )لأن يأخذ أحدكم حبلا فيأتي بحزمة حطب فيبيعها خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه(.

(1/49)


قال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل مجانبة المسألة على الأحوال كلها، ولزوم ترك التعرض؛ لأن الأفكار في العزم على السؤال يورث المرء مهانة في نفسه، ويحطه رتوة عن مرتبته، وترك العزم على الأفكار في السؤال يورث المرء عزا في نفسه، ويرفعه درجة عن مرتبته.
ولقد أنبأنا محمد بن المنذر حدثنا الفيض بن الخضر التميمي حدثنا عبد الله ابن خبيق قال: قال موسى بن طريف: إن الحاجة تعرض لي إلى الرجل، فيخرج عزي من قلبي قطع الحاجة من ناحيته، فيرجع عزي إلى قلبي وأنشدني الكريزي قال: أنشدنا الحسن بن أحمد لعلي بن الجهم:
هي النفس، ما حملتها تتحمل ... وللدهر أيام تجور وتعدل
وعاقبة الصبر الجميل جميلة ... وأفضل أخلاق الرجال التفضل
فلا عار إن زالت عن الحر نعمة ... ولكن عارا أن يزول التجمل
أخبرنا زكرياء بن يحيى الساجي حدثنا عبد الواحد بن غياث خالد ابن عبد الله داود بن أبي هند عن الشعبي أن عمر بن الخطاب قال )من سأل الناس ليثرى ماله، فإنما هو رضف من النار يلقمه، فمن شاء استقل، ومن شاء استكثر( أنبأنا محمد بن سليمان بن فارس الدلال حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا أبو عباد يحيى بن عباد حدثنا عن قتادة قال: سمعت مطرف بن عبد الله يحدث عن حكيم بن قيس بن عاصم عن أبيه أنه أوصى بنيه عند موته، فقال: يا بني، إياكم ومسألة الناس؛ فإنها آخر كسب الرجل قال أبو حاتم رضي الله عنه: العاقل لا يسأل الناس شيئا فيردوه، ولا يلحف في المسألة فيحرموه، ويلزم التعفف والتكرم، ولا يطلب الأمر مدبرا، ولا يتركه مقبلا؛ لأن فوت الحاجة خير من طلبها إلى غير أهلها، وإن من يسأل غير المستحق حاجة حط لنفسه مرتبتين، ورفع المسئول فوق قدره أخبرني محمد بن المنذر حدثنا أحمد بن مؤمل المصري قال: سمعت حامد بن يحيى يقول: سمعت سفيان بن عيينة يقول: من يسأل نذلا حاجة فقد رفعه عن قدره أنشدني ابن زنجي البغدادي:
ذل السؤال شجي في الحلق معترض ... من دونه شرق، من خلفه جرض
ما ماء كفك، إن جادت وإن بخلت ... من ماء وجهي إذا أفنيته عوض
وأنشدني محمد بن عبد الله المؤدب:
ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله ... عوضا، وإن نال الغنى بسؤال
وإذا السؤال مع النوال وزنته ... رجح السؤال، وخف كل نوال
وإذا ابتليت ببذل وجهك سائلا ... فأبذله للمتكرم المفضال
أنبأنا محمد بن المهاجر المعدل حدثنا أبو جعفر ابن ابنة أبي سعيد التغلبي الدمشقي حدثنا حاجب بن أبي علقمة العطاردي قال: سمعت أبي يقول: قال مطرف بن عبد الله بن الشخير لابن أخيه: يا بني أخي، إذا كانت لك حاجة إلي فأكتب بها في رقعة، فإني أصون وجهك عن ذل السؤال. وأنشدني ذلك
يا أيها المتعب بذل السؤال ... وطالب الحاجات من ذي النوال
لا تحسبن الموت موت البلى ... فإنما الموت سؤال الرجال
كلاهما موت، ولكن ذا ... أعظم من ذاك لذل السؤال
قال أبو حاتم رضي الله عنه: أعظم المصائب سوء الخلف، والمسألة من الناس والهم بالسؤال نصف الهرم، فكيف المباشرة بالسؤال؟ ومن عزت عليه نفسه صغرت الدنيا في عينه، ولا ينبل الرجل حتى يعف عما في أيدي الناس، ويتجاوز عما يكون منهم، والسؤال من الإخوان ملال، ومن غيرهم ضد النوال وأنشدني الأبرش:
أنبل بنفسك أن تكون حريصة ... إن الحريص إذا يلح يهان
من يكثر التسآل من إخوانه ... يستثقلوه، وحظه الحرمان
وأنشدني علي بن محمد البسامي:
أتيت أبا عمرو أرجى عطاءه ... فزاد أبو عمرو على حزني حزنا
فكنت كباغي القرن أسلم أذنه ... فبات بلا أذن، ولن يستفد قرنا
حدثنا محمد بن عثمان العقبي حدثنا خطاب بن عبد الرحمن الجندي حدثنا عبد الله بن سليمان قال: كان أكثم بن صيفي يقول: السؤال - وإن قل - أثمن من النوال، وإن جل.

(1/50)


قال أبو حاتم رضي الله عنه: لا يجب للعاقل أن يبذل وجهه لمن يكرم عليه قدره، ويعظم عنده خطره، فكيف بمن يهون عليه رده، ولا يكرم عليه قدره؟ وأبعد اللقاء الموت، وأشد منه الحاجة إلى الناس دون السؤال، وأشد منه التكلف بالسؤال؛ لأن السؤال إذا كان بنجاح مقرونا لم يخل من أن يكون فيه ذل السؤال، وإذا الحاجة لم تقض كان فيه ذلان موجودان: ذل السؤال، وذل الرد.
وأنشدني منصور بن محمد الكريزي:
لا يحس الصديق منك بفقر ... لا، ولا والد، ولا مولود
ذاك ذل إذا سألت بخيلا ... أو سألت الذي عليك يجود
أنبأنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار ببغداد حدثنا علي بن الجعد أنبأنا شعبة عن الأعمش قال: سمعت المعرور بن سويد يحدث عن عبد الله قال )إن في طلب الرجل إلى أخيه فتنة، إذا أعطاه حمد غير الذي أعطاه، وإن منعه ذم غير الذي منعه(.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: لو لم يكن في السؤال خصلة تذم إلا وجود التذلل في النفس عند الاهتمام بالسؤال وإبدائه لكان الواجب على العاقل أن لو اضطره الأمر إلى أن يستف الرمل ويمص النوى أن لا يتعرض للسؤال أبدا ما وجد إليه سبيلا، فأما من دفعه الوقت إلى ذلك فسأل من يعلم أنه يقضي حاجته أو ذا سلطان لم يحرج في فعله ذلك، كما لم يحرج في القبول إذا أعطى من غير مسألة، ومن استغنى بالله أغناه الله، ومن تعزز بالله لم يفقره، كما أن من اعتز بالعبيد أذله.
ولقد أنبأنا سعيد بن محمد القزاز حدثنا أبو الهيثم الرازي حدثنا خالد بن يزيد حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا هشام بن يوسف عن معمر قال: قال أبو معاوية - رجل من ولد كعب بن مالك - : )لقد رأيتني أنضح أول النهار وأضرب آخر النهار على بطني بالمعول في المعدن، قال: قلت: لقد لقيت مؤونة، قال: أجل إنا طلبنا الدراهم من أيدي الرجال ومن الحجارة، فوجدناها من الحجارة أسهل علينا(.
الحث على لزوم القناعة
حدثنا الحسن بن سفيان الشيباني حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي حدثنا محمد ابن عبد الرحمن الطفاوي عن الأعمش عن ابن عمر قال )أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي، فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل(.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: قد مكثت برهة من الدهر متوهما أن الأعمش لم يسمع هذا الخبر من ليث بن أبي سليم، فدلسه، حتى رأيت علي بن المديني حدث بهذا الخبر عن الطفاوي عن الأعمش قال: حدثني مجاهد؛ فعلمت حينئذ أن الخبر صحيح، لا شك فيه، ولا امتراء في صحته.
فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمر في هذا الخبر أن يكون في الدنيا كأنه غريب أو عابر سبيل؛ فكأنه أمره بالقناعة باليسير من الدنيا؛ إذ الغريب وعابر السبيل لا يقصدان في الغيبة الإكثار من الثروة، بل القناعة إليهما أقرب من الإكثار من الدنيا.
ولقد أخبرني محمد بن عثمان العقبي حدثني جعفر بن سنيد بن داود حدثني أبي حدثني حجاج حدثنا عتبة بن سالم قال: قال أكثم بن صيفي لابنه: يا بني، من لم يأس على ما فاته ودع بدنه، ومن قنع بما هو فيه قرت عينه.
وأنشدني علي بن محمد البسامي:
من تمام العيش ما قرت به ... عين ذي النعمة، أثرى أو أقل
وقليل أنت مسرور به ... لك خير من كثير في دغل
وأنشدني ابن زنجي البغدادي:
أقول للنفس: صبرا عند نائبة ... فعسر يومك موصول بيسر غد
ما سرني أن نفسي غير قانعة ... وأن أرزاق هذا الخلق تحت يدي
أنبأنا أبو خليفة حدثنا محمد بن كثير أنبأنا سفيان الثوري عن عيسى بن عبد الرحمن عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن ابن مسعود قال )أربع قد فرغ منها: الخلق، والخلق، والرزق، والأجل. وليس أحد بأكسب من أحد(.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: من أكثر مواهب الله لعباده وأعظمها خطرا القناعة، وليس شيء أروح للبدن من الرضا بالقضاء، والثقة بالقسم؛ ولو لم يكن في القناعة خصلة تحمد إلا الراحة وعدم الدخول في مواضع السوء، لطلب الفضل لكان الواجب على العاقل أن لا يفارق القناعة على حالة من الأحوال.

(1/51)


ولقد أنبأنا عمر بن حفص بن عمرو البزاز حدثنا أبو مسعود حدثنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل حدثنا عبد الله بن إبراهيم المدني حدثنا أبو بكر بن محمد بن المنكدر عن أبيه قال )القناعة مال لا ينفذ(.
سمعت محمد بن المنذر يقول: سمعت عبد العزيز بن عبد الله يقول: قال محمد بن حميد الأكاف:
تقنع بالكفاف، تعش رخيا ... ولا تبغ الفضول من الكفاف
ففي خبز القفار بغير أدم ... وفي ماء الفرات غني وكاف
وفي الثوب المرقع ما يغطى ... به من كل عرى وانكشاف
وكل تزين بالمرء زين ... وأزينه التزين بالعفاف
وأنشدني الكريزي:
لعمرك ما طول التعطل ضائري ... ولا كل شغل فيه للمرء منفعه
إذا كانت أرزاق في القرب والنوى ... عليك سواء فاغتنم راحة الدعه
وإن ضقت فاصبر يفرج الله ما ترى ... ألا رب ضيق في عواقبه سعه
وأنشدني محمد بن إسحاق الواسطي:
الحمد لله حمدا أبدا ... لقد تزين أهل الحرص والشين
لا زين إلا لراض في تقلله ... إن القنوع لثوب العز والدين
قال أبو حاتم رضي الله عنه: العاقل يعلم أن الإنسان لم يوضع على قدر الأحظاء: وأن من عدم القناعة لم يزده المال غنى، فتمكن المرء بالمال القليل مع قلة الهم أهنأ من الكثير ذي التبعة، والعاقل ينتقم من الحرص بالقنوع، كما ينتصر من العدو بالقصاص؛ لأن السبب المانع رزق العاقل هو السبب الجالب رزق الجاهل.
وأنشدني محمد بن سعيد القزاز، أنشدنا محمد بن خلف التيمي، أنشدني رجل من خزاعة:
رأيت الغني والفقير حظين قسما ... فأحرم محتال وذو العي كاسب
فهذا ملح دائب غير رابح ... وهذا مريح رابح غير دائب
وأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش:
إذا المرء لم يقنع بعيش، فإنه ... وإن كان ذا مال من الفقر موقر
إذا كان فضل الناس يغنيك بينهم ... فأنت بفضل الله أغنى وأيسر
أخبرنا أحمد بن سعيد القيسي حدثنا محمد بن الوليد بن أبان حدثنا نعيم بن حماد قال: سمعت ابن المبارك يقول: مروءة القناعة أفضل من مروءة الإعطاء.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: القناعة تكون بالقلب: فمن غنى قلبه غنيت يداه، ومن افتقر لم ينفعه غناه، ومن قنع لم يتسخط، وعاش آمنا مطمنئا. ومن لم يقنع لم يكن له في الفوائت نهاية لرغبته، والجد والحرمان كأنهما يصطرعان بين العباد.
ولقد أحسن الذي يقول:
فما كل ما حاز الفتى من تلاده ... بكيس، ولا ما فاته بتوان
فأجمل إذا طالبت أمرا فإنه ... سيكفيكه جدان يصطرعان
حدثنا عمرو بن محمد حدثنا الغلابي حدثنا محمد بن عبيد الله الجشمي عن المديني قال: كان يقال: مروءة الصبر عند الحاجة والفاقة بالتعفف والغنى أكثر من مروءة الإعطاء.
وأنشدني عمرو بن محمد أنشدنا الغلابي أنشدنا ابن عائشة:
غنى النفس يغني النفس حتى يعفها ... وإن مسها حتى بها يضر الفقر
وما شدة، فاصبر لها إن لقيتها ... بدائمة إلا سيتبعها يسر
وأنشدني محمد بن عبد الله بن زنجي البغدادي:
فيا رب كره جاء من حيث لم تخف ... ومسرور أمر بالذي أنت خائف
أرى الناس، ما لم تبل، إخوان ظاهر ... وإن تبل تنكر جل ما أنت عارف
أنبأنا محمد بن عثمان العقبي حدثنا إبراهيم بن مهدي الأبلي حدثني محمد بن يحيى بن أبي عمر قال: سمعت سفيان بن عيينة - وذكر عنده الفضل ابن الربيع وضرباؤه - فأنشأ سفيان يقول:
كم من قوي قوى في تقلبه ... مهذب الرأي عنه الرزق منحرف
ومن ضعيف ضعيف العقل مختلط ... كأنه من خليج البحر يغترف
قال أبو حاتم رضي الله عنه: من نازعته نفسه إلى القنوع، ثم حسد الناس على ما في أيديهم فليس ذلك لقناعة ولا لسخاوة، بل لعجز وفشل؛ فمثله كمثل حمار السوء الذي يعرج بخفة حمله، ويحزن إذا رأى العلف يؤثر به ذو القوة والحمل الثقيل، فالقانع الكريم أراح قلبه وبدنه، والشره اللئيم أتعب قلبه وجسمه، والكرام أصبر نفوسا، واللئام أصبر أجسادا.
وأنشدني عمرو بن محمد أنشدنا الغلابي:

(1/52)


لعمرك ما الأرزاق من حيلة الفتى ... ولا سبب في ساحة الحي ثاقب
ولكنها الأرزاق تقسم بينهم ... فما لك منها غير ما أنت شارب
وأنشدني محمد بن سعيد أنشدني هلال بن العلاء الباهلي:
تجمل إذا ما الدهر أولاك غلظة ... فإن الغنى في النفس، لا في التمول
يزين لئيم القوم كثرة ماله ... وما زين الأقوام مثل التجمل
حدثنا الحسين بن سفيان حدثنا عبد العزيز بن منيب حدثنا محمد بن يحيى الصائغ قال: قال الخليل بن أحمد:
إن لم يكن لك لحم ... كفاك خل وزيت
إن لا يكن ذا وهذا ... فكسرة وبييت
تظل فيه وتأوي ... حتى يجيئك موت
هذا لعمري كفاف ... فلا يغرك ليت
أنبأنا كامل بن مكرم حدثنا محمد بن مروان البيروتي حدثنا أبو مسهر حدثنا سعيد بن عبد العزيز بن محمد بن كعب القرظي في قوله تعالى )97:16 فلنحيينه حياة طيبة( قال: القناعة.
الحث على لزوم التوكل
على من ضمن الأرزاق
أنبأنا زكريا بن يحيى بن عبد الرحمن الساجي بالبصرة أنبأنا أبو الربيع الزهراني حدثنا المقرئ حدثنا حيوة بن شريح وابن لهيعة قالا: حدثنا أبو هانئ حميد بن هاني الخولاني قال سمعت أبا عبد الرحمن الحبلي يقول: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: )قدر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسمائة سنة( قال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل لزوم التوكل على من تكفل بالرزاق؛ إذ التوكل هو نظام الإيمان، وقرين التوحيد، وهو السبب المؤدي إلى نفي الفقر ووجود الراحة، وما توكل أحد على الله جل وعلا من صحة قلبه حتى كان الله جل وعلا بما تضمن من الكفالة أوثق عنده بما حوته يده إلا لم يكله الله إلى عباده، وآتاه رزقه من حيث لم يحتسب.
وأنشدني منصور بن محمد الكريزي:
توكل على الرحمن في كل حاجة ... أردت؛ فإن الله يقضي ويقدر
متى ما يرد ذو العرش أمرا بعبده ... يصبه، وما للعبد ما يتخير
وقد يهلك الإنسان من وجه أمنه ... وينجو بإذن الله من حيث يحذر
وأنشدني علي بن محمد البسامي:
أحسن الظن بمن قد عودك ... كل إحسان، وسوى أودك
إن من قد كان يكفيك الذي ... كان بالأمس سيكفيك غدك
أنبأنا محمد بن الحسن بن قتيبة بعسقلان حدثنا أبو مروان الأزرق حدثنا الوليد عن ابن جابر بن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال )إن الرزق ليطلب العبد كما يطلبه أجله(.
أنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش:
لو كان في صخرة في البحر راسية ... صماء ملمومة ملمن حواليها
رزق لعبد براه الله لا نفلقت ... حتى تؤدي إليه كل ما فيها
أو كان بين طباق السبع مطلبه ... يوما لسهل في المرقى مراقيها
حتى ينال الذي في اللوح خط له ... إن هو أتاه، وإلا فهو آتيها
وأنشدني منصور بن محمد الكريزي أنشدني محمد بن الحسين العمي:
سل الحاجات من سيد ... ليس له ستر ولا حاجب
يعطي عطاياه إذا شاءها ... من غير توقيع إلى كاتب
حدثنا محمد بن الحسين بن الخليل بنسا القطواني حدثنا سنان حدثنا رياح القيسي قال )إن لله ملائكة موكلين بأرزاق بني آدم، يحملون أرزاقهم على درجاتهم، ثم قال: أيما عبد من عبادي جعل همه هما واحدا فضمنوا السموات والأرضين وبني آدم رزقه، وأي عبد طلب رزقه أعطوه رزقه حيث أراده، فإن تحرى مكاسبه بالعدل فطيبوا له رزقه، وإن تعدى إلى الحرام فليأخذه من هواه إلى غاية درجته التي ليس فوقها، ثم حولوا بينه وبين سائر الدنيا؛ فلا يأخذن من حلالها ومن حرامها فوق الدرجة التي كتب له( قال أبو حاتم رضي الله عنه: العاقل يعلم أن الأرزاق قد فرغ منها وتضمنها العلي الوفي على أن يوفرها على عباده في وقت حاجتهم إليها، والاشتغال بالسعي لما تضمن وتكفل ليس من أخلاق أهل الحزم إلا مع انطواء صحة الضمير، على أنه وإن لم يسع في قصده أتاه رزقه من حيث لم يحتسب.
وأنشدني محمد بن إسحاق بن حبيب الواسطي:

(1/53)


لما رأيتك قاعدا مستقبلي ... أيقنت أنك للهموم قرين
فارفض لها وتعر عن أثوابها ... إن كان عندك للقضاء يقين
هون عليك، وكن بربك واثقا ... فأخو التوكل شأنه التهوين
طرح الأذى عن نفسه في أمره ... من كان يعلم أنه مضمون
حدثنا أبو خليفة حدثنا محمد بن كثير أنبأنا سفيان الثوري عن أبي قيس عن هذيل بن شرحبيل قال )جاء سائل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وفي البيت تمرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هاك، لو لم تأتها أتتك(.
وأنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري:
فنحن بتوفيق الإله وأمره ... على كل حال امرنا متوسع
عطاء بتوفيق لا يمن عطاؤه ... خبير بما تحني عليه الأضالع
أنبأنا محمد بن إبراهيم الشافعي حدثنا داود بن أحمد الدمياطي حدثنا عبد الرحمن بن عفان قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: ما اهتممت برزق قط قال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل أن يعلم أن السبب الذي يدرك به العاجز حاجته هو الذي يحول بين الحازم وبين مصادفته، فلا يجب أن يحزن العاقل لما يهوي وليس بكائن، ولا لما لا يهوي وهو لا محالة كائن؛ فما كان من هذه الدنيا أتى المرء من غير تعب فيه، وما كان عليه لم يدفعه بقوته، ولا يدرك بالطلب المحروم، كما لا يحرم بالعقود المرزوق.
ولقد أحسن الذي يقول:
ينال الغنى من ليس يسعى إلى الغنى ... ويحرم من يسعى له ويداوم
وما العجز يحرمه ولا الحرص جالب ... وما هو إلا حظوة ومقاسم
وأنشدني عمرو بن محمد الأنصاري أنشدنا الغلابي أنشدنا العتبي:
ورزق الخلق مقسوم عليهم ... مقادير يقدرها الجليل
فلا ذو المال يرزقه بعقل ... ولا بالمال تقتسم العقول
أنبأنا الهيثم بن خلف الدوري - ببغداد - قال: سمعت إسحاق بن موسى الأنصاري يقول: سمعت يمان النجراني - وكان لا يدخر شيئا - يقول: مررت براهب في قاعة فلاة من الأرض، وأنا جائع، فقلت: يا راهب، هل عندك من فضل؟ فأدلى إلى زنبيلا فيه فلق من خبر فأكلت منها، ورميت إليه الباقي، فقال: تزوده، قلت: أطمعني في هذا الموضع، وليس فيه إنسي، يطعمني إذا جعت ولا يكون معي شيء.
وأنشدني ابن زنجي البغدادي:
لا تتهم ربك فيما قضى ... وهون الأمر، وطب نفسا
لكل هم فرج عاجل ... يأتي على المصبح والممسى
قال أبو حاتم رضي الله عنه: التوكل هو القلب عن العلائق، برفض الخلائق، وإضافته بالافتقار إلى محول الأحوال، وقد يكون المرء موسرا في ذات الدنيا وهو متوكل صادق في توكله إذا كان العدم والوجود عنده سيين لا فرق عنده بينهما، يشكر عند الوجود، ويرضى عند العدم، وقد يكون المرء لا يملك شيئا من الدنيا بحيلة من الحيل، وهو غير متوكل إذا كان الوجود أحب إليه من العدم، فلا هو في العدم يرضى حالته، ولا عند الوجود يشكر مرتبته.
وأنشدني الكريزي:
فلو كانت الدنيا تنال بفطنة ... وفضل عقول نلت أعلى المراتب
ولكنما الأرزاق حظ وقسمة ... بملك مليك، لا بحيلة طالب
وأنشدنا عمرو بن محمد الأنصاري أنشدنا الغلابي أنشدنا مهدي بن سابق:
ألا ترى الدهر لا تفنى عجائبه ... والدهر يخلط ميسورا بمعسور؟
وليس للهو إلا كل صافية ... كأنها دمعة من عين مهجور
أنبأنا علي بن سعيد حدثنا إبراهيم بن الجنيد حدثنا سهل بن عاصم حدثنا نافع بن خالد قال: دخلنا على رابعة العدوية فذكرنا أسباب الرزق، فخضنا فيه وهي ساكتة، فلما فرغنا قالت رابعة: خيبة لمن يدعي حبه ثم يتهمه في رزقه.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: قد ذكرت هذا الباب بالعلل والحكايات على التقصي في كتاب )التوكل(، فأغنى ذلك عن تكرارها في هذا الكتاب.
الحث على لزوم الرضا بالشدائد
والصبر عليها
أنبأنا أحمد بن علي بن المثنى بالموصل، حدثنا أحمد بن جميل المروزي، حدثنا ابن المبارك أنبأنا عمر بن حبيب عن القاسم بن أبي بزة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )أول ما خلق الله القلم، ثم أمره فكتب ما يكون إلى يوم القيامة(

(1/54)


قال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل أن يوقن أن الأشياء كلها قد فرغ منها، فمنها ما هو كائن لا محالة، وما لا يكون فلا حيلة للخلق في تكوينه فإن دفعه الوقت إلى حال شدة يجب أن يبزر بإزار له طرفان، أحدهما: الصبر، والآخر: الرضا، ليستوفي كمال الأجر لفعله ذلك، فكم من شدة قد صعبت وتعذر زوالها على العالم بأسره، ثم فرج عنها السهل في أقل من لحظة.
ولقد أنشدني محمد بن إسحاق بن حبيب الواسطي:
كم من أمر قد تضايقت به ... فاتاني الله منه بالفرج
ولعبد مؤيس قربه ... قدر الله، فعاد بالنهج
فله الحمد على ذي سرمدا ... ما أضاء الصبح يوما وبلج
وكذاك الله رب قادر ... يصلح الأمر الذي فيه عوج
وله الحمد على آلائه ... يستديم اليسر منه والفلج
حدثنا أبو خليفة حدثنا محمد بن كثر أنبأنا سفيان عن أبي إسحاق عن أبي الحجاج الأزدي قال: سألنا سلمان: ما الإيمان بالقدر؟ قال: إذا علم العبد أن ما أصابه لم يكن ليخطئه )وما أخطأه لم يكن ليصيبه( وأنشدني الأبرش:
هون على نفسك من سعيها ... فليس ما قدر مردود
وارض بحكم الله في خلقه ... كل قضاء الله محمود
أنبأنا عبد الله بن قحطبة الطرحي حدثنا منصور بن قدامة الواسطي حدثنا محمد بن كثير عن معمر قال: لما حاصر الحجاج ابن الزبير بمكة جعلت الحجارة تضرب الحائط، فقيل له: لا نأمن عليك أن يصيبك منها حجر، فقال ابن الزبير:
هون عليك، فإن الأمور ... بكف الإله مقاديرها
فليس بآتيك منهيها ... ولا قاصر عنك مأمورها
أنبأنا عمرو بن محمد الأنصاري حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي حدثنا سفيان عن معسر: إن رجلا ركب البحر، فكسر به، فوقع في جزيرة من جزائر البحر، فمكث فيها ثلاثا لا يرى أحدا، ولا يأكل طعاما، ولا يشرب شرابا، فأيس من الحياة، فتمثل:
إذا شاب الغراب أتيت أهلي ... وصار القار كاللبن الحليب
فأجابه مجيب يقول:
عسى الكرب أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب
فنظر، فإذا سفينة في البحر، فلوح لهم، فأتوه، فحملوه، وأصاب معهم خيرا، ورجع إلى أهله سالما.
وأنشدني محمد بن جعفر الهمذاني - بصور - على ساحل بحر الروم:
لا تضيقن في الأمرو فقد تك ... شف غماؤها بغير اختيال
ربما تكره النفوس من الأم ... ر، له فرجة كحل العقال
وأنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري:
عسى فرج يأتي به الله؛ إنه ... له كل يوم في خليقته أمر
عسى ما ترى أن لا يدوم، وأن ترى ... له فرجا مما ألح به العسر
إذا أشتد عسر فارج يسرا ... قضى الله أن العسر يتبعه اليسر
أنبأنا محمد بن صالح الطبري بالصيمرة حدثنا محمد بن عثمان العجلي قال: لما حدث شريك بحديث الأعمش عن سلمان عن ثوبان: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: )استقيموا لقريش ما استقاموا لكم، فإذا خالفوكم فضعوا سيوفكم على عواتقكم، فأبيدوا خضراءهم، فإن لم تفعلوا فكونوا زراعين أشقياء( فعسى به إلى المهدي، فبعث إلى شريك، فأتاه، فقال: حدثت بها؟ قال: قلت: نعم قال: عمرن رويتها؟ قال: عن الأعمش، قال: ويلي عليه! لو عرفت مكان قبره لأخرجته فأحرقته بالنار، قلت: إن كان لمأمونا على ما روى، قال: يا زنديق لأقتلنك، قلت: الزنديق من يشرب الخمر ويسفك الدم، قال: والله لأقتلنك، قلت: أو يكفي الله! قال: فخرجنا من عنده، فاستقبلني الفضل بن الربيع، فقال: ليس لك موضع تهرب إليه؟ قلت: بلى، قال: فإنه قد أمر بقتلك، قال: فخرجت إلى جبل، فخرجت يوما أتجسس الخبر، فأقبل ملاح من بغداد، فاستقبله ملاح آخر من البصرة، فسأله: ما الخبر؟ قال: مات أمير المؤمنين، قلت: يا ملاح قرب، فقرب.
وأنشدني منصور بن محمد الكريزي:
تجري المقادير إن عسرا وإن يسرا ... وللمقادير أسباب وأبواب
ما اشتد عسر، ولا انسدت مذاهبه ... إلا تفتح من مسروره باب
وأنشدني محمد بن عبد الله بن زنجي البغدادي:
ألا رب عسر قد أتى اليسر بعده ... وغمرة كرب فرجت لكظيم
هو الدهر يوم، يوم يؤس وشدة ... ويوم سرور للفتى ونعيم

(1/55)


أنبأنا أبو عوانة يعقوب بن إبراهيم حدثنا محمد بن عبد الوهاب النيسابوري حدثنا بشر بن عبد الحكم عن علي بن عثام قال: رئى إبراهيم بن أدم متنفط الرجلين، رافعها على ميل، وهو يقول )31:47 ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم( أنبأنا القطان بالرقة حدثنا أحمد بن أبي الحواري حدثنا عبد العزيز بن عمير عن عطاء الأزرق عن عبد الواحد بن زيد قال: قلت للحسن: يا أبا سعيد، من أين أتى هذا الخلق؟ قال: من قلة الرضا عن الله، قلت: ومن أين أوتى قلة الرضا عن الله؟ قال: من قلة المعرفة بالله.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: يجب على العاقل إذا كان مبتدئا أن يلزم عند ورود الشدة عليه سلوك الصبر، فإذا تمكن منه حينئذ يرتقي من درجة الرضا، فإن لم يرزق صبرا فليلزم التصبر، لأنه أول مراتب الرضا، ولو كان الصبر من الرجال لكان رجلا كريما، إذ هو بذر الخير، وأساس الطاعات.
ولقد اخبرني محمد بن سعيد القزاز حدثنا طاهر بن الفضل بن سعيد، حدثنا سفيان بن عيينة قال: سمعت رجلا من أهل الكتاب أسلم، قال: أوحى الله إلى داود: يا داود أصبر على المؤنة، تأتك منى المعونة.
وأنشدني عبد الله بن الأحوص بن عمار القاضي:
صبرا جميلا على ما ناب حدث ... والصبر ينفع أحيانا إذا صبروا
الصبر أفضل شيء تستعين به ... على الزمان إذا ما مسك الضرر
وأنشدني إبراهيم بن محمد بن سهل أنشدني أبو يعلي الموصلي:
إني رأيت ... وفي الأيام تجربة للصبر عاقبة محمودة الأثر
وقل من جد في شيء يحاوله ... فاستصحب الصبر إلا فاز بالظفر
وأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش:
أتاك الروح والفرج القريب ... وساعدك القضاء، فلا تخيب
صبرت، فنلت عقبى كل خير ... كذاك لكل مصطبر عقيب
أنبأنا عمرو بن محمد الأنصاري حدثنا الغلابي حدثنا محمد بن علي قال: سمعت مضر أبا سعيد يقول: قال عبد الواحد بن زيد: ما أحببت أن شيئا من الأعمال يتقدم الصبر إلا الرضا، ولا أعلم درجة أشرف ولا أرفع من الرضا، وهو رأس المحبة.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: الصبر جماع الأمر، ونظام الحزم ودعامة العقل، وبذر الخير، وحيلة من لا حيلة له.
وأول درجته الاهتمام، ثم التيقظ، ثم التثبت، ثم التصبر )ثم الصبر( ثم الرضا، وهو النهاية في الحالات.
ولقد أنبأنا محمد بن عثمان العقبي حدثنا شعيب بن عبد الله البزار حدثنا غيلان عن معبد عن أبي المليح عن ميمون بن مهران قال )ما نال عبد شيئا من جسم الخير من نبي أو غيره إلا بالصبر(.
وأنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري:
فما شدة يوما، وإن جل خطبها، ... بنازلة إلا سيتبعها يسر
وإن عسرت يوما على المرء حاجة ... وضاقت عليه كان مفتاحها الصبر
وأنشدني علي بن محمد البسامي:
تعز، فإن الصبر بالحر أجمل ... وليس على ريب الزمان معول
فإن تكن الأيام فينا تبدلت ... بنعمى وبؤسي، والحوادث تفعل
فما لينت منا قناة صليبة ... ولا ذللتنا لذي ليس يجمل
ولكن رحلناها نفوسا كريمة ... تحمل ما لا تستطيع فتحمل
وأنشدنا عمرو بن محمد الأنصاري أنشدنا الغلابي:
إني رأيت الخير في الصبر مسرعا ... وحسبك من صبر تحوز به أجرا
عليك بتقوى الله في كل حالة ... فإنك إن تفعل تصيب به ذخرا
قال أبو حاتم رضي الله عنه: الصبر على ضروب ثلاثة: فالصبر عن المعاصي، والصبر على الطاعات، والصبر عند الشدائد المصيبات.
فأفضلها الصبر عن المعاصي.
فالعاقل يدبر أحواله بالتثبت عند الأحوال الثلاثة التي ذكرناها بلزوم الصبر على المراتب التي وصفناها قبل، حتى يرتقي بها إلى درجة الرضا عن الله جل وعلا في حال العسر واليسر معا، أسأل الله الوصول إلى تلك الدرجة بمنه.
وأنشدني عبد الله بن الأحوض:
تعز بحسن الصبر عن كل هالك ... ففي الصبر مسلاة الهموم اللوازم
إذا أنت لم تسل اضطبارا وخشية ... سلوت على الأيام مثل البهائم
وليس يذود النفس عن شهواتها ... من الناس إلا كل ماضي العزائم
وأنشدني ابن زنجي البغدادي:

(1/56)


غاية الصبر لذيذ طعمها ... وبدي الصبر منه كالصبر
إن في الصبر لفضلا بينا ... فاحمل النفس عليه تصطبر
وأنشدني الكريزي:
صبرت ومن يصبر يجد غب صبره ... ألذ وأحلى من جني النحل في الفم
ومن لا يطب نفسا، ويستبق صاحبا ... ويغفر لأهل الود يضرم ويصرم
أنبأنا محمد بن زنجويه القشيري حدثنا عبد الأعلى عن حماد النرسي حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن معاذة امرأة صلة بن أشيم قالت: )لما أتاها نعى زوجها وابنها جاءها النساء، فقالت: إن كنتن جئتن لتهنئتنا بما أكرمنا الله به وإلا فارجعن(.
قال ثابت: وكان صلة يأكل يوما فأتاه رجل، فقال: مات أخوك، قال: هيهات، قد نعى إلي، أجلس فكل، قال الرجل: ما سبقني إليك أحد، فقال قال الله )30:39 إنك ميت وإنهم ميتون(.
حدثنا عمرو بن محمد الأنصاري حدثنا الغلابي حدثنا ابن عائشة قال: كتب بعض الحكماء إلى أخ له يعزيه عن ابن له يقال له محمد:
أصبر لكل مصيبة، وتجلد ... واعلم بأن المرء غير مخلد
وإذا ذكرت محمدا ومصابه ... فاذكر مصابك بالنبي محمد
وأنشدني محمد بن إسحاق الواسطي:
يعزي المعزي، ثم يمضي لشأنه ... ويبقي المعزي في أحر من الجمر
ويرمى المعزي بعد ذاك بسلوة ... ويثوي المعزي عنه في وحشة القبر
وأنشدني المنتصر بن بلال:
من يسبق السلوة بالصبر ... فاز بفضل الحمد والأجر
يا عجبي من هلع جازع ... يصبح بين الذم والوزر
مصيبة الإنسان في دينه ... أعظم من جائحة الدهر
وأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش:
تجري المقادير إن عسرا وإن يسرا ... حاذرت واقعها أو لم تكن حذرا
والعسر عن قدر يجري إلى يسر ... والصبر أفضل شيء وافق الظفرا

(1/57)


سمعت إسحاق بن أحمد القطان البغدادي بتستر يقول: كان لنا جار ببغداد كنا نسميه طبيب القراء، وكان يتفقد الصالحين ويتعاهدهم، فقال لي: دخلت يوما على أحمد بن حنبل، فإذا هو مغموم مكروب، فقلت: مالك يا أبا عبد الله؟ قال: خير، قلت: وما الخير؟ قال: امتحنت بتلك المحنة، حتى ضربت، ثم عالجوني وبرأت، إلا أنه بقي في صلبي موضع يوجعني. هو أشد علي من ذلك الضرب، قال قلت: أكشف لي عن صلبك، قال: فكشف لي، فلم أر فيه إلا أثر الضرب فقط، فقلت: ليس لي بذي معرفة، ولكن سأستخبر عن هذا، قال: فخرجت من عنده، حتى أتيت صاحب الحبس، وكان بيني وبينه فضل معرفة، فقلت له: أدخل الحبس في حاجة؟ قال: أدخل، فدخلت وجمعت فتيانهم، وكان معي دريهمات فرقتها عليهم، وجعلت أحدثهم حتى أنسوا بي، ثم قلت: من منكم ضرب أكثر؟ قال: فأخذوا يتفاخرون حتى اتفقوا على واحد منهم أنه أكثرهم ضربا، وأشدهم صبرا، قال فقلت له: أسألك عن شيء؟ فقال: هات، فقلت: شيخ ضعيف ليس صناعته كصناعتكم ضرب على الجوع للقتيل سياطا يسيرة، إلا أنه لم يمت، وعالجوه وبرأ، إلا أن موضعا في صلبه يوجعه وجعا ليس له عليه صبر، قال: فضحك، فقلت مالك؟ قال: الذي عالجه كان حائكا، قلت: إيش الخبر؟ قال: ترك في صلبه قطعة لحم ميتة لم يقلعها، قلت: فما الحيلة؟ قال: يبط صلبه، وتؤخذ تلك القطعة ويرمي بها، وإن تركت بلغت إلى فؤاده فقتلته، قال: فخرجت من الحبس، فدخلت على أحمد ابن حنبل فوجدته على حالته، فقصصت عليه القصة، قال: ومن يبطه؟ قلت أنا، قال: أو تفعل؟ قلت: نعم، قال: فقام، فدخل البيت، ثم خرج وبيده مخدتان، وعلى كتفه فوطة، فوضع إحداهما لي والأخرى له، ثم قعد عليها، وقال: استخر الله، فكشفت الفوطة عن صلبه، وقلت: أرني موضع الوجع، فقال: ضع إصبعك عليه، فإني أخبرك به، فوضعت إصبعي، وقلت: هاهنا موضع الوجع؟ قال: ههنا أحمد الله على العافية، فقلت: ههنا؟ قال هاهنا أحمد الله على العافية، فقلت: هاهنا؟ قال هاهنا أسأل الله العافية، قال: فعلمت أنه موضع الوجع، قال: فوضعت المبضع عليه، فلما أحس بحرارة المبضع وضد يده على رأسه، وجعل يقول: اللهم أغفر للمعتصم، حتى بططته، فأخذت القطعة الميتة ورميت بها، وشددت العصابة عليه، وهو لا يزيد على قوله: اللهم أغفر للمعتصم، قال: ثم هدأ وسكن، ثم قال: كأني كنت معلقا فأصدرت، قلت: يا أبا عبد الله، إن الناس إذا امتحنوا محنة دعوا على من ظلمهم، ورأيتك تدعو للمعتصم؟ قال: إني أفكرت فيما تقول، وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكرهت أن آتي يوم القيامة وبيني وبين أحد من قرابته خصومة. هو مني في حل.
الحث على العفو عن الجاني
حدثنا الفضل بن الحباب الجمحي بالبصرة حدثنا القعنبي حدثنا عبد العزيز ابن محمد عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال )أتى رجل فقال: يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، ويسيئون إلي، وأحسن إليهم، ويجهلون علي، واحلم عنهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن كان كما تقول: فكأنما تسفهم المل. ولا يزال من الله معك ظهير ما زالت على ذلك(.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل توطين النفس على لزوم العفو عن الناس كافة، وترك الخروج لمجازاة الإساءة؛ إذ لا سبب لتسكين الإساءة أحسن من الإحسان، ولا سبب لنماء الإساءة وتهييجها أشد من الاستعمال بمثلها.
ولقد أنشدني منصور بن محمد الكريزي:
سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب ... وإن كثرت منه إلي الجرائم
فما الناس إلا واحد من ثلاثة: ... شريف، ومشروف، ومثل مقاوم
فأما الذي فوقي: فأعرف فضله ... وأتبع فيه الحق، والحق لازم
وأما الذي دوني: فإن قال صنت عن ... إجابته عرضي، وإن لام لائم
وأما الذي مثلي: فإن زل أو هفا ... تفضلت، إن الحلم للفضل حاكم
أنبأنا محمد بن عثمان العقبي حدثنا محمد بن عامر الأنطاكي حدثنا ابن توبة حدثنا محمد بن مهاجر عن يونس بن ميسرة جليس قال: ثلاثة يحبهم الله: من كره سوءا يأتيه إلى أخيه وصاحبه، فذلك قمن أن يستحي من الله، ومن كان ذا رفعة من الناس فتواضع الله، فذلك الذي عرف عظمة الله، فيخاف مقته، ومن كان عفوه قريبا من إساءته، فذلك تقوم به الدنيا.

(1/58)


قال أبو حاتم رضي الله عنه: من أراد الثواب الجزيل، واسترهان الود الأصيل، وتوقع لذكر الجميل؛ فليتحمل من ورود ثقل الردى، ويتجرع مرارة مخالفة الهوى، باستعمال السنة التي ذكرناها في الصلة عند القطع، والإعطاء عند المنع، والحلم عند الجهل، والعفو عند الظلم؛ لأنه من أفضل أخلاق أهل الدين والدنيا.
ولقد أنبأنا محمد بن المهاجر حدثنا ابن أبي شيبة حدثنا إبراهيم بن محمد بن ميمون عن داود بن الزبرقان قال: أيوب )لا ينبل الرجل حتى يكون فيه خصلتان: العفة عما في أيدي الناس، والتجاوز عنهم(.
وأنشدني محمد بن عبد الله بن زنجي البغدادي:
وإذا مذنب أتاه به الحق ... فغطاه عفوه في ستوره
راجيا للثواب في كل زرء ... من خفي الأمور، أو مشهوره
فهو في عاجل الحياة كريم ... ومن الفائزين يوم نشوره
خصلة جزلة بها خصه الل ... ه لزين الدنيا ويوم كروره
أنبأنا محمد بن إسحاق بن خزيمة حدثنا عمر بن حفص الشيباني حدثنا سفيان عن رجل، قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول )أحب الأمور إلى الله ثلاثة: العفو في القدرة، والقصد في الجدة، والرفق في العبادة، وما رفق أحد بأحد في الدنيا إلا رفق الله به يوم القيامة( أنبأنا عمرو بن محمد الأنصاري حدثنا الغلابي حدثنا ابن عائشة قال: كتب الحجاج إلى عبد الملك )إنك أعز ما تكون أحوج ما تكون إلى الله، فإذا تعززت بالله فاعف، فأنك به تعز، وإليه ترجع(.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل لزوم الصفح عند ورود الإساءة عليه من العالم بأسرهم، رجاء عفو الله جل وعلا عن جناياته التي ارتكبها في سالف أيامه؛ لأن صاحب الصفح إنما يتكلف الصفح بإيثاره الجزاء، وصاحب العقاب وإن انتقم إلى الندم أقرب، فأما من له أخ يوده فإنه يحتمل عنه الدهر كله زلاته.
ولقد أخبرني محمد بن المنذر حدثنا أحمد بن داود التمار. قال: سمعت مردويه الصائغ يقول: سمعت الفضيل بن عياض يقول: لأخيك إلى سبعين زلة، قيل له: وكيف ذلك يا أبا علي؟ قال: لأن الأخ الذي آخيته في الله ليس يزيل سبعين زلة.
أنشدني علي بن محمد البسامي:
إذا لم تجاوز عن أخ لك عثرة ... فلست غدا من عثرتي متجاوزا
وكيف يرجيك البعيد لنفعه ... إذا كان عن مولاك برك عاجزا
أنبأنا محمد بن صالح الطبري حدثنا الرمادي حدثنا الجعفي يحيى بن سليمان حدثنا ابن أبحر حدثني أبي قال: )أقبل الشعبي يوما، فإذا هو برجلين من قومه من وراء جدار قصير، قال: فاستمع عليهما، فإذا هما يقعان فيه ويشتمانه، وينتقصانه حتى أكثرا، فلما أطالا أشرف عليهما الشعبي، فقال:
هنيئا مريئا غير داء مخامر ... لعزة من أعراضنا ما استحلت
فقالا: والله يا أبا عمرو، لا نقع فيك بعد اليوم(.
وأنشدني بعض أهل العلم:
ولربما ابتسم الوقور من الأذى ... وضميره من حره يتأوه
ولربما خزن الحليم لسانه ... حذر الجواب وإنه لمفوه
وأنبأنا أبو عوانة يعقوب بن إبراهيم، أنبأنا عبد الله بن الحسين المصيصي، أنبأنا يعقوب بن أبي عباد، قال: قال الفضيل بن عياض: من طلب أخا بلا عيب بقي بلا أخ.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: أغنى الناس عن الحقد من عظم عن المجازاة، وأجل الناس مرتبة من صد الجهل بالحلم، وما الفضل إلا لمن يحسن إلى من أساء إليه، فأما مجازاة الإحسان إحسانا فهو المساواة في الأخلاق، فربما استعملها البهائم في الأوقات، ولو لم يكن في الصفح وترك الإساءة خصلة نحمد إلا راحة النفس ووداع القلب لكان الواجب على العاقل أن لا يكدر وقته بالدخول في أخلاق البهائم، بالمجازاة على الإساءة إساءة، ومن جازى بالإساءة إساءة فهو المسيء، وإن لم يكن بادئا.
كما أنشدني الكريزي:
أسأت، وأنكرت أني أسأت ... فأفضل، ولاتك عين المسي
لك، الفضل بالعفو عما عفوت ... وإلا فأنت القرين السوي
وعفوك مقتدرا نعمة ... وعفو المندد غير الهني
سمعت محمد بن عثمان العقبي، قال: سمعت هلال بن العلاء الباهلي يقول: جعلت على نفسي منذ أكثر من عشرين سنة أن لا أكافئ أحدا بسوء، وذهبت إلى هذه الأبيات:

(1/59)


لما عفوت، ولم أحقد على أحد ... أرحت قلبي من غم العداوات
إني أحيي عدوي عند رؤيته ... لأدفع الشر عني بالتحيات
وأظهر البشر للإنسان أبغضه ... كأنما قد حشى قلبي محبات
أنبأنا ابن قتيبة، حدثنا ابن أبي السري، قال: سمعت أبا عمر الصنعاني يقول: حدثنا زيد بن أسلم قال: قال لقمان لابنه )كذب من قال: إن الشر يطفئ الشر، فإن كان صادقا فليوقد نارا إلى جنب نار، فلينظر هل تطفئ إحداهما الأخرى؟ وإلا فإن الخير يطفئ الشر، كما يطفئ الماء النار(.
حدثني محمد بن أبي علي الخلادي، حدثنا محمد بن خلف البسامي، حدثنا محمد بن عبيد الله الداري، حدثنا محمد بن عمران الضبي، قال: قال ابن السماك: لن لمن يجفو، فقل من يصفو.
وأنشدني الأبرش:
توخ من السبل أوساطها ... وعد عن الحائر المشتبه
وسمعك صن عن سماع القبيح ... كصون اللسان عن النطق به
فإنك عند استماع القبيح ... شريك لقائله، فانتبه
فكم أزعج الحرص من طالب ... فوافي المنية في مطلبه
أنبأنا عمر بن حفص البزاز بجند يسابور، حدثنا جعفر بن محمد حبيب الذارع حدثنا عبد الله بن رشيد، حدثنا مجاعة بن الزبير، قال: قال لقمان لابنه )أي بني، أي شيء أقل؟ وأي شيء أكثر؟ وأي شيء أحلى؟ وأي شيء أبرد؟ وأي شيء آنس؟ وأي شيء أوحش؟ وأي شيء أقرب؟ وأي شيء أبعد؟ قال: أما أقل شيء فاليقين، وأما أي شيء أكثر فالشك، وأما أي شيء أحلى فروح الله بين العباد يتحابون بها، وأما أي شيء أبرد فعفو الله عن عباده، وعفو الناس بعضهم عن بعض، وأي شيء آنس حبيبك إذا أغلق عليك وعليه باب واحد، وأي شيء أوحش جسد إذا مات، فليس شيء أوحش منه، وأي شيء أقرب فالآخرة من الدنيا، وأي شيء أبعد فالدنيا من الآخرة(.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: العاقل يحسن عند الجفوة، ويغضي عن المجازاة عليها بمثلها.
وقد قيل: إن من لم يغضب من الجفوة لم يشكر النعمة.
وهو عندي - والله أعلم - غضب لا يخرجه إلى المعاصي: ولا إلى الانتقام من الجاني، كأنه في نفسه يعلم محل الجفوة منه، كما يعقل ورود النعمة عليه، وما أقبح قدرة اللئيم إذا قدر، ومن أساء سمعا أساء إجابة، ومن أتى المكروه إلى أحد فبنفسه بدأ؛ لأن الشرور تبدو صغارا ثم تعود كبارا.
ولقد أنبأنا محمد بن سعيد القزاز، حدثنا محمد بن إدريس الرازي، حدثنا عبد الرحمن بن يحيى وإسماعيل بن عبيد الله المخزومي، قالا حدثنا عبد الأعلى ابن مسهر، عن سعيد بن عبد العزيز قال: سمعت إسماعيل بن عبيد الله يقول لبنيه: )يا بني أكرموا من أكرمكم، وإن كان عبدا حبشيا، وأهينوا من أهانكم، وإن كان رجلا قرشيا(.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: هذا الذي قال إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر: إن استعمله العاقل في الأحوال كلها مع الجاهل فلا ضير، فأما من ارتفع عن حد الجهال، واتضع عن حد العقلاء، فالإغضاء عن مثله في الأوقات أحمد مخافة الازدياد منه، ولأن يصبر المرء على حرارة الجفاء ومرارتها أولى من الانتقام مما يستجلب عليه بما هو أحر وأمر مما مضى؛ لأن من الكلام ما هو أشد من الحجر، وأنفذ من الإبر، وأمر من الصبر.
ولقد أحسن الذي يقول:
لقد أسمع القول الذي كاد كلما ... تذكرنيه النفس قلبي تصدع
فأبدى لمن أبداه مني بشاشة ... كأني مسرور بما منه أسمع
وما ذاك عن عجز به، غير أنني ... أرى أن ترك الشر للشر أقطع
أنبأنا محمد بن صالح الطبري بالصيمرة، حدثنا أحمد بن مقدام العجلي، حدثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي عن هشام بن عروة عن أبيه عن أبي عمرو في هذه الآية )199:7 خذ العفو وأمر بالعرف( قال: )أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالعفو عن أخلاق الناس(.
صفة الكريم واللئيم
أنبأنا محمد بن الحسن بن الخليل بنسا، حدثنا أبو كريب، حدثنا عبدة ابن سليمان عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال )قيل يا رسول الله، أي الناس أكرم؟ قال: أكرمهم عند الله أتقاهم، قالوا: ليس عن هذا نسألك؟ قال: فعن معادن العرب تسألونني؟ قالوا: نعم، قال: خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام، إذا فقهوا(.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: أكرم الناس من أتقى الله، والكريم التقي.

(1/60)


والتقوى: عي العزم على إتيان المأمورات، والأنزجار عن جميع المزجورات فمن صح عزمه على هاتين الخصلتين فهو التقي الذي يستحق اسم الكرم، ومن تعرى عن استعمالهما، أو أحدهما، أو شعبة من شعبهما، فقد نقص من كرمه مثله.
ولقد أنبأنا محمد بن المهاجر، حدثنا عيسى بن محمد بن سهل الأزدي عن أبيه عن المدائني، قال: قال زيد بن ثابت )ثلاث خصال لا تجتمع إلا في كريم: حسن المحضر، واحتمال الزلة، وقلة الملالة( وأنشدني ابن زنجي البغدادي:
رأيت الحق يعرفه الكريم ... لصاحبه وينكره اللئيم
إذا كان الفتى حسنا كريما ... فكل فعاله حسن كريم
إذا ألفيته سمجا لئيما ... فكل فعاله سمج لئيم
قال أبو حاتم رضي الله عنه: الكريم لا يكون حقودا ولا حسودا، ولا شامتا، ولا باغيا، ولا ساهيا، ولا لاهيا، ولا فاجرا، ولا فخورا، ولا كاذبا، ولا ملولا، ولا يقطع إلفه، ولا يؤذي إخوانه، ولا يضيع الحفاظ، ولا يجفو في الوداد، يعطي من يرجو، ويؤمن من لا يخاف، ويعفو عن قدرة، ويصل عن قطيعة.
أخبرني محمد بن أبي علي الخلادي، حدثنا محمد بن الحسن الذهلي عن علي بن محمد المرحبي عن محمد بن إبراهيم العباسي عن عبد الله بن الحجاج - مولي المهدي - عن إبراهيم بن شكلة، قال )إن لكل شيء حياة وموتا، وإن مما يحيي الكرم مواصلة الكرماء، ومما يحيي اللؤم معاشرة اللئام(.
وأنشدني الكريزي:
وما بال قوم لئام ليس عندهم ... عهد، وليس لهم دين إذا ائتمنوا
إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا ... منا، وما سمعوا من صالح دفنوا
صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا
قال أبو حاتم رضي الله عنه: الكريم يلين إذا استعطف، واللئيم يقسوا إذا ألطف، والكريم يجل الكرام، ولا يهين اللئام، ولا يؤذي العاقل، ولا يمازح الأحمق، ولا يعاشر الفاجر، مؤثرا إخوانه على نفسه باذلا لهم ما ملك، إذا أطلع على رغبة من أخ لم يدع مكافأتها، وإذا عرف منه مودة لم ينظر في قلق العداوة، وإذا أعطاه من نفسه الإخاء لم يقطعه بشيء من الأشياء.
كما أنشدني الخلادي، أنشدنا أحمد بن أبي علي القاضي، قال: أنشدنا محمد بن مقيس الأزدي:
فإن الذي بيني وبين عشيرتي ... وبين بني عمي لمختلف جدا
إذا قدحوا لي نار حرب بزندهم ... قدحت لهم في كل مكرمة زندا
وإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
ولا أحمل الحقد القديم عليهم ... وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا
وأعطيهم مالي إذا كنت واجدا ... وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا
أنبأنا ابن حوصا، حدثنا النحاسي حدثنا ضمرة عن إبراهيم بن أبي علية قال: رأيت سالم بن عبد الله ومحمد بن عبد العزيز يتسايران بأرض الروم، فأبال أحدهما دابته، فأمسك عليه الآخر حتى لحقه.
أنبأنا محمد بن المهاجر، حدثنا أحمد بن أبي بكر بن خالد اليزيدي عن قطبة ابن العلاء بن المنهال، قال: سمعت المبارك بن سعيد يقول: سمعت الأعمش يقول: قال الشعبي )إن كرام الناس أسرعهم مودة، وأبطؤهم عداوة، مثل الكوب من الفضة يبطئ الانكسار، ويسرع الانجبار، وإن لئام الناس أبطؤهم مودة، وأسرعهم عداوة، مثل الكوب من الفخار: يسرع الانكسار، ويبطئ الانجبار( قال أبو حاتم رضي الله عنه: الكريم من أعطاه شكره، ومن منعه عذره، ومن قطعه وصله، ومن وصله فضله، ومن سأله أعطاه، ومن لم يسأله ابتدأه، وإذا استضعف أحدا رحمه، وإذا استضعفه أحد رأى الموت أكرم له منه، واللئيم بضد ما وصفنا من الخصال كلها.
ولقد أنبأنا أحمد بن قريش بن عبد العزيز، حدثنا إبراهيم بن محمد الذهلي، حدثنا أحمد بن الخليل، حدثنا يحيى بن أيوب عن أبي عيسى قال: كان إبراهيم ابن أدهم كريم النفس، يخالط الناس بأخلاقهم ويأكل معهم، قال: فربما أتخذ لهم الشواء والجوازات والخبيص، وربما خلا وأصحابه الذين يأنس بهم فيتصارعون، قال: وكان يعمل عمل رجلين، وكان إذا صار إلى نفسه أكل عجينا.

(1/61)


قال أبو حاتم رضي الله عنه: أجمع أهل التجارب للدهر، وأهل الفضل في الدين، والراغبون في الجميل: على أن أفضل ما أقتنى الرجل لنفسه في الدنيا، وأجل ما يدخر لها في العقبى هو لزوم الكرم، ومعاشرة الكرام؛ لأن الكرم يحسن الذكر، ويشرف القدر، وهو طباع ركبها الله في بني آدم، فمن الناس من يكون أكرم من أبيه، وربما كان الأب أكرم من أبنه، وربما كان المملوك أكرم من مولاه، ورب مولى أكرم من مملوكه.
ولقد أحسن الذي يقول:
رب مملوك إذا كشفته ... كان من مولاه أولى بالكرم
فهو ممدوح على أحواله ... وترى مولاه يهجى ويذم
وتراه كيف يعلو دائما؟ ... وترى مولاه من تحت القدم
وفتى تلقى أباه دونه ... وأبا تلقاه أعلى وأتم
من بنيه، ثم لا يعتل إن ... طلب المعروف منه بالصمم
وكذاك الناس ... فاعلم ربنا قدر الأخلاق فيهم وقسم
وأنشدني الأبرش:
رأيت اللين لا يرضى بضيم ... لأن الضيم يسخطه الكريم
وإن اللين أكرم كل شيء ... فليس يحبه خلق لئيم
فإن نزل الأذى واللين قلبا ... فإن اللين يرحل لا يقيم
ويبقى للأذى في القلب صحب ... من البغضاء يلبث لا يريم
حدثنا القطان بالرقة، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، قال: سمعت أبي يقول: ما من أحد إلا وله توبة، إلا سيئ الخلق؛ فأنه لا يتوب من ذنب إلا دخل في شر منه.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: الكريم محمود الأثر في الدنيا، مرضى العمل في العقبي، يحبه القريب والقاصي، ويألفه المتسخط والراضي، يفارقه الأعداء واللئام، ويصحبه العقلاء والكرام.
وما رأيت شيئا أكثر عملا في نقص كرم الكريم من الفقر، سواء كان ذلك بالقلب أو بالموجود.
ولقد أنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري:
لعمرك، إن المال قد يجعل الفتى ... نسيبا، وإن الفقر بالمرء قد يزري
ولا رفع النفس الدنية كالغنى ... ولا وضع النفس الكريمة كالفقر
حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حميد بن عبد الرحمن عن زكريا بن أبي زائدة عن علي بن الأقمر عن أبي جحيفة قال: )جالسوا الكبراء، وخالطوا الحكماء، وسائلوا العلماء(.
الزجر عن قبول قول الوشاة
أنبأنا أبو يعلي، حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، حدثنا مهدي بن ميمون حدثنا واصل الأحدب عن أبي وائل عن حذيفة )إنه بلغه أن رجلا ينم الحديث، فقال حذيفة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول )لا يدخل الجنة نمام(.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على الناس كافة: مجانبة الأفكار في السبب الذي يؤدي إلى البغضاء والمشاحنة بين الناس، والسعي فيما يفرق جمعهم ويشتت شملهم، والعاقل لا يخوض في الأفكار فيما ذكرنا، ولا يقبل سعاية الواشي بحيلة من الحيل، لعلمه بما يرتكب الواشي من الإثم في العقبى يفعله ذلك.
ولقد أنبأنا محمد بن سعيد القزاز، حدثنا عباس بن الوليد بن مزيد عن أبيه عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال: قال سليمان بن داود لابنه )يا بني، إياك والنميمة، فإنها أحد من السيف(.
وأنشدني الكريزي:
من نم في الناس لم تؤمن عقاربه ... على الصديق، ولم تؤمن أفاعيه
كالسيل بالليل، لا يدري به أحد ... من أين جاء، ولا من أين يأتيه؟
فالويل للعهد منه، كيف ينقضه؟ ... والويل للود منه، كيف يفتيه؟
أخبرنا أحمد بن إسحاق الناقد بواسط، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال )لما تعجل موسى ابن عمران إلى ربه رأى رجلا تحت العرش، فغبطه بمكانه، فسأل ربه أن يخبره باسمه، قال: لكنني أخبرك من عمله بثلاث خصال: كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، ولا يعق والديه، ولا يمشي بالنميمة( أنبأنا محمد بن المهاجر، حدثنا محمد بن يعقوب الربعي، حدثنا محمد بن إدريس المعدل عن العتبي قال )سمعت أعرابية توصي ابنا لها، فقالت: عليك بحفظ السر، وإياك والنميمة، فإنها لا تترك إلا أفسدتها، ولا ضغينة غلا أوقدتها(.
ثم لا بد لمن عرف بها ونسب إلى مقارفتها من أن يحترس من مجالسته، وأن لا يوثق بمودته، وأن يزهد في مواصلته ومعاشرته.

(1/62)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية