صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : ربيع الأبرار
المؤلف : الزمخشري
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

كان لملك وزير إذا صبحه قال بعد التسليمة: سيجزى المحسن بإحسانه، وستكفيك المسيء إساءته، لا يخل بذلك، وكان معظما عند الملك،، فحسده حاسد، فكاده بأن أضافه وأطعمه ثوما، ثم قال للملك: قد فضحك من تؤثره بغاية الاعظام في بلدك، وشهرك بالبخر، فلما صبحه غطى فمه لرائحة الثوم، فحسب الملك أن ذلك لبخره، فكتب إلى رأس الشرط كتابا أمره فيه أن يقطع رأسه ويسلخه ويملأ جلده تبنا، وختمه، وكانت عادته أن يكتب بيده كتب الجوائز العظام، فلما خرج به حسب الحاسد أنه كتاب جائزة فقال: أنا أحمل كتابك وأحصل ما فيه، فدفعه إليه، ففعل فيه ما أمر به فيه؛ فلما جاء الوزير مصبحا على عادته أحس الملك بالأمر، فقال: هل كان بينك وبينه شيء؟ قال: لا، إلا أنه أضافني وأطعمني الثوم، وغطيت فمي لذلك؛ فقال: صدقت أن المحسن سيجزى بإحسانه، والمسيء ستكفيه اساءته.
قدم مرزبان من مرازبة الفرس على أبي عبيد الله وزير المهدي فقال: وليت علينا رجلا، أن وليته وأنت تعرفه فما خلق الله رعية أهون عليك منا، وأن لم تعرفه فما هذا جزاء الملك الذي ولاك أمره وسلطك على ملكه؛ فدخل الوزير على المهدي وخرج فقال: هذا رجل كان له علينا حق فكافأناه؛ فقال: أصلحك الله أن على باب كسرى ساجة منقوشة بالذهب مكتوبا عليها: العمل للكفاة، وقضاء الحقوق على بيوت الاموال. فأمر بعزله.
المدائني: رأيت رجلا يطوف بين الصفا والمروة على بغلة، ثم رأيته راجلا في سفر؛ فقلت له، فقال: ركبت حيث يمشي الناس، فكان حقا على الله أن يرجلني حيث يركب الناس.
قيل لمعاوية: أن أبا مسلم الخولاني يطوف ويبكي على الاسلام؛ فقال له: سمعت أنك تطوف وتبكي على الاسلام، فقال: نعم، وما اسمك؟ قال: معاوية؛ قال: يا معاوية أن عملت خيرا جزيت خيرا، وأن عملت شرا جزيت شرا، إنك لو عدلت بين أهل الأرض ثم جرت على واحد منهم مال جورك بعدلك.
ساوم هشام بجارية، فاستام بها صاحبها سوما كثيرا، وأبي هشام أن يزيده على عشرة آلاف؛ فخرج بها وأهل المجلس يرون ما بهشام من فرط العجب بها، فتبعه الأبرش فلم يزل به حتى أخذها بثلاثين ألفا وأهداها إلى هشام؛ وحظيت عنده، فلم يلبث هشام حتى أتته الأموال من ضياعه، وذلك قبل الخلافة، ففرقها في أهله وفي حشمه، وبقيت عنده مائة وعشرين ألفا؛ فدعا بامرأته أم حكيم وعبدة، فاستشارهما فيم يصرفها؛ فقالت أم حكيم: أن أحق الناس بها أم ولدك، تعني نفسها، وولدك؛ قال: قد أخذتما حقكما؛ وقالت عبدة، وكانت من آل أبي سفيان، أحق الناس به من جاد عليك بما بخلت به على نفسك، فقال هشام: أشهد أنك ممن أنت منه؛ فلما استقل المال على الحمالين قال: هذا الآن أجمل، أنه في صلة الأخ ومكافأته أحسن منه في ثمن جارية.
أمر الحسن بن علي لرجل من جيرانه بألفي درهم؛ فقال: جزاك الله خيرا يا ابن رسول الله؛ فقال: ما أراك أبقيت لنا من المكافأة شيئا.
باب
الجهل والنقص والخطأ والتصحيف والتحريف
واللحن وما أشبه ذلك معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنتم على بينة من أمركم، ما لم يظهر منكم سكرتان: سكرة الجهل، وسكرة حب الدنيا.
لحن رجل عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: أشهد أن الذي خلقك وخلق عمرو بن العاص لواحد.
سئل الأوزاعي عن رجل يسمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه لحن أيقيمه؟ قال: نعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يلحن.
حدث محدث: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تشقيق الحطب؛ فقال ملاح: يا قوم كيف نصنع والحاجة ماسة؟ وإنما هو تشقيق الخطب.
قيل في خالد بن عبد الله القسري:
بل السراويل من خوف ومن جزع ... واستطعم الماء لما هم بالهرب
وألحن الناس كل الناس قاطبة ... وكان يولع بالتشقيق في الخطب
سهل بن عبد الله: حرام على الناس أن يعبدوا الله بالجهل.
نفور العلم من الجاهل أشد من نفور العالم من الجهل.
وصف رجل فقيل: يغلط من أربعة أوجه: يسمع غير ما يقال، ويحفظ غير ما يسمع ويكتب غير ما يحفظ، ويحدث بغير ما يكتب.

(1/96)


سأل المأمون ثمامة ما جهد البلاء؟ فقال: عالم يجرى عليه حكم جاهل، قال: من أين قلت هذا؟ قال: حبسني الرشيد، ووكل مسرورا بي، فضيق علي الأنفاس، ثم قرأ يوما: والمرسلات فقال: ويل يومئذ للمكذبين فقلت: أن المكذبين هم الرسل ويحك؛ فقال: كان يقال أنك قدرى فما صدقت، لا نجوت أن نجوت؛ فعانيت الموت يا أمير المؤمنين.
الناشيء في داود بن علي الأصبهاني:
جهلت ولم تعلم بأنك جاهل ... ومن لي بأن تدري بأنك لا تدري
رسطاليس: العاقل يوافق العاقل،، والجاهل لا يوافق العاقل ولا الجاهل، ومثال ذلك: المستقيم الذي ينطبق على المستقيم، فأما المعوج فإنه لا ينطبق على المعوج ولا على المستقيم.
قال بدوي لابنه: يا بني كن سبعا خالسا، أو ذئبا خانسا، أو كلبا حارسا، وإياك أن تكون أنسانا ناقصا.
الخليل: ما أقبح اللحن بالمتقعر.
أعرابي: لولا ظلمة الخطأ ما أشرق نور الصواب.
أبو سعيد السيرافي: رأيت متكلما ببغداد بلغ به نقصه في العربية أنه قال في مجلس مشهور: أن العبد مضطر بفتح، والله مضطر بكسرها؛ وزعم: أن القائل الله مضطر بالفتح كافر. فانظر أين ذهب به جهله، وإلى أي رذيله أداه نقصه.
وصف بعضهم قوما فقال: والله للحكمة أزل عن قلوبهم من المداد عن الأديم الدهين.
مر عمر رضي الله عنه على رماة غرض فسمع بعضهم يقول لصاحبه: أخطيت وأسيت؛ فقال: مه فإن سوء اللحن أشد من سوء الرماية.
تضجر عمر بن عبد العزيز من كلام رجل، فقال شرطي على رأسه: قم فقد أوذيت أمير المؤمنين؛ فقال عمر: أنت والله أشد أذى بكلامك هذا منه.
قرى على ثعلب من كتاب بخط ابن الأعرابي خطأ فرده، فقيل: نغيره؟ فقال دعوه ليكون عذرا لمن أخطأ.
قيل لشريح: أيضحى بالضبي؟ قال: وما عليك لو قلت: أيضحى بالظبي؟ قال: أنها لغة بالكسر؛ قال: وما عليك لو قلت أنها لغة؟ قال: قد تعثر الجواد بالتأنيث، قال شريح: قد ذهب العتاب.
قال غلام لأبيه: يا أبة، قد علمت أن الرمادية هم الذين يبولون في الرماد، فما القدرية؟ قال: يا بني، هي الذين يخرون في القدور.
قال رجل للحسن: يا أبا سعيد، أنا أفسي في ثوبي وأصلي فيه، هل يجوز؟ قال: نعم، لا أكثر الله في المسلمين مثلك.
الجهل أخصب رحلا والأدب أحضر محلا.
سمع الأصمعي رجلا عند الملتزم يقول: يا ذي الجلال والاكرام؛ فقال: من كم تدعو؟ قال من سبع سنين دأبا فلم أر الاجابة؛ فقال: أنك تلحن في الدعاء فأنى يستجاب لك؟ قل: يا ذا الجلال والإكرام؛ ففعل فأجيب.
البردخت:
لقد كان في عينيك يا حفص شاغل ... وأنف كثيل العود عما تتبع
تتبع لحنا في كلام مرقش ... وخلقك مبني على اللحن أجمع
قرأ عبد الله بن أحمد بن حنبل في الصلاة: اقرأ باسم ربك الذي خلق؛ فقيل له: أنت وأبوك في طرفي نقيض، زعم أبوك أن القرآن ليس بمخلوق، وأنت تزعم أن الرب مخلوق.
قال رجل للحسن: ما تقول لرجل مات وترك أبيه وأخيه؟ فقال: ترك أباه وأخاه؛ فقال فما لأخاه وما لأباه؟ فقال: فما لأخيه وما لأبيه؟ فقال الرجل أراك كلما طاوعتك خالفتني.
قال أبو عبيدة: قال لي أبي: إذا كتبت كتابا فالحن فيه فإن الصواب حرفة، والخطأ أنجح.
قال سعيد بن سلم: دخلت على الرشيد فبهرني وملأ قلبي، فلما لحن خف علي أمره.
حدث المأمون عن هشيم يرفعه: إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيها سداد من غوز؛ فقال النضر بن شميل صدق يا أمير المؤمنين هشيم فإنه حدثنا عوف يرفعه: كان فيها سداد من عوز. وكان المأمون متكئا فأستوى جالسا، وقال: كيف قلت؟ قلت: السداد ها هنا لحن، وإنما لحن هشيم وكان لحانة فتبع أمير المؤمنين لفظه، قال: أو تعرف العرب ذلك؟ قلت: نعم، هذا العرجي يقول:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
فقال: قبح الله من لا أدب له، ثم وصلني بخمسين ألفا.
دخل خالد بن صفوان الحمام، فسمع رجلا يقول لابنه، وهو يريد أن يعرف خالدا بلاغته، ابدأ بيداك وثن برجلاك؛ ثم قال: يا ابن صفوان، هذا كلام قد ذهب أهله؛ فقال خالد: بل ما خلق الله له أهلا.
أبو عبيدة: لا تردن على أحد خطأ في حفل، فإنه يستفيد منك ويتخذك عدوا.
من ليس يدري ما يريد فكيف يدري ما تريد ابراهيم بن سيابة:

(1/97)


إذا ما منحت الجاهل الحلم لم تزل ... إليك بجهل منك تهوى ركائبه
وأن عقاب الجاهلين لذاهب ... بفضلك فانظر أي ذا أنت راكبه
علي رضي الله عنه: الناس أعداء ما جهلوا.
قيل لبزرجمهر: لم لا تعاتبون الجهلة؟ فقال: لأنا لا نريد من العميان أن يبصروا.
قال رجل لخالد بن صفوان: مالي إذا رأيتكم تتذاكرون وقع علي النوم؟ قال: لأنك حمار في مسلاخ أنسان.
كلم أبا مسلم بعض قواده فلحن، فقال: ألا تنظر في العربية؛ فقال: بلغني أنه من نظر فيها قل كلامه؛ قال: ويحك لئن يقل كلامك بالصواب خير من أن يكثر بالخطأ.
قال بشر المريسي: قضى الله لكم الحوائج على أحسن وجه وأهنؤها. فقال قاسم التمار هو جائز على قوله:
أن سليمي والله يكلؤها ... ضنت بشيء ما كان يرزؤها
فكان أصحاح قاسم أندر من لحن بشر.
قال معبد بن وهب: حملني رجل إلى بيته، فجعلت لا آتي بحسن ألا خرجت إلى أحسن منه، وهو لا يرتاح، ولا يحفل لما رأى مني، ثم قال: يا غلام شيخنا شيخنا، فلما رآه هش إليه، فاندفع الشيخ يغني:
سلور في القدر ويلي عله ... جا القط أكله ويلي علوه
فجعل الرجل يصفق ويضرب برجليه، وكاد يخرج من جلده؛ فانسللت فما رأيت عملا أضيع، ولا شيخا أجهل.
قال أبو عمرو: قال جبلة بن مخرمة كنا عند جد النهر؛ فقلت: جدة النهر، فما زلت أعرفها فيه.
ذروة بن جحفة الكلابي:
وما تدرى كهول بني كليب ... إذا نطقت أتخطى أم تصيب
سمع بعضهم أن برذون فلان قد نفق، فقال: والهفاه كنت أرجو أن يكسد فيخسر. ظن أنه من نفاق السلعة.
سمع رجل من ينشد:
وكان أخلائي يقولون مرحبا ... فلما رأوني معدما مات مرحب
فقال: مرحب لم يمت، قتله علي عليه السلام.
قيل للنسابه البكري: يا أبا ضمضم، آدم من أبوه؟ فحمله استقباح الجهل عنده على أن قال: آدم بن المضاء بن الحملج، وأمه صاعدة بنت فرزام. فتضاحكت به العرب.
إذا ما أتيت الجاهلين بحكمة ... فلم يعرفوها أنزلوها على هجر
الهجر بالفتح هو الهذيان. أدنس شعار المرء جهله.
العتابي: مجالسة الجاهل مرض العقل.
أبو الأسود الدؤلي: إذا أردت أن تعذب عالما فاقرن به جاهلا.
قال رجل لأعرابي: كيف أهلك، بكسر اللام، فقال الأعرابي تفحم صلبا أن شاء الله.
زاهد: لمن أعربنا في كلامنا حتى ما تلحن، فقد لحنا في أعمالنا حتى ما نعرب.
دخل أعرابي السوق فسمعهم يلحنون، فقال: سبحان الله يلحنون ويربحون.
كان مسلمة بن عبد الملك يعرض الجند، فقال لرجل: ما اسمك؟ فقال: عبد الله، بالنصب، قال: ابن من؟ قال: ابن عبد الرحمن، بالجر، فأمر بضربه فقالك بسم الله، فقال دعوه فلو كان تاركا لتركه تحت السياط.
كتب كاتب الأشعري: من أبو موسى، فكتب إليه عمر: أنظر كاتبك فاجلده سوطا. وروي: أقسمت عليك لما ضربت كاتبك سوطا.
كان الوليد بن عبد الملك لحانة، فقرأ في خطبته: يا ليتها كانت القاضية بالرفع؛ فقال أخوه سليمان: عليك.
التصحيف قفل ضل مفتاحه.
كتب بريد أصبهان إلى محمد بن عبد الله بن طاهر: أن فلانا يلبس الخرلخية، ويجلس للنساء في الطرقات؛ فكتب محمد إلى يحيى بن هرثمة، وكان والي أصبهان، أشخص إلي فلانا وجر لحيته، فصحف الذي قرأ عليه الكتاب فقرأ: وجز لحيته، فجزها وأشخصه آية.
قال رجل للحسن: يا أبو سعيد، قال: أين غذيت؟ قال: بالأبلة، قال: من هناك أتيت.
عمرو بن زعبل التميمي:
وأن عناء أن تفهم جاهلا ... فيحسب جهلا أنه منك أفهم
متى يبلغ البنيان يوما تمامه ... إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم
قال رجل للحسن: أنا أفصح الناس. قال: لا تقل. قال فخذ علي كلمة واحدة. قال: هذه واحدة.
قرع رجل باب نحوي، فخرج ولد له فقال: يا صبي أباك أبيك أبوك هاهنا؟ قال لا لي لو.
ابن السماك: أعقل الناس محسن خائف، وأجهلهم مسيء آمن. ذو النون المصري: من جهل قدره هتك ستره.
حدث شريك، فقال عافية القاضي: ما سمعنا بهذا الحديث، فقال شريك وما يضر عالما أن جهل جاهل.
قال رجل للحسن: ما أراك تلحن. قال: يا ابن أخي أني سبقت اللحن.

(1/98)


كان الوليد بن يزيد يلعب بالشطرنج، فاستأذن عليه رجل من ثقيف فسترها، ثم سأله عن حاله وقال له: أقرأت القرآن؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين قد شغلني عنه أمور وهنات؛ قال: أفتعرف الفقه؟ قال: لا والله؛ قال: أتروي من الشعر شيئا؟ قال: ولاش؛ فكشف عن الشطرنج وقال: شاهك؛ فقال له عبد الله بن معاوية: مه يا أمير المؤمنين؛ قال: اسكت فما معنا أحد.
علي رضي الله عنه: ربما أخطأ البصير قصده، وأصاب الأعمى رشده.
بعضهم في أبي العيناء: ما رأيت رجلا لا يحسن شيئا أشد أدعاء لكل شيء منه.
يتعاطى كل شيء ... وهو لا يحسن شيئا
آخر:
عرضناه على السبك ... فعرضناه للهتك
حارثة بن بدر الغداني:
إذا ما قتلت الشيء علما فقل به ... ولا تقل الشيء الذي أنت جاهله
المنتمون إلى العلوم كثيرة ... أن حصلوا أفناهم التحصيل
دقائق خفية لا يراها الغبي، ولطائف غامضة لا يعرفها إلا الذكي.
يقال للغالط: تكسرت قواريرك.
في نوابغ الكلم: العجب ممن يكبر غلطه ثم يكثر لغطه.
من لا يجد أثر ذلة المعصية في قلبه، ولا مس نقص الجهل في عقله؛ فليس ممن ينزع عن ريبة، ولا يكترث لفصل بين حجة وشبهة.
أدعى رجل إلى العرب، فقيل له مرة، وهو قاعد في الشمس وقد ثارت به المرة. والله أنك لتشبه العرب، فقال: ألي يقال هذا؟ وأنا والله حرباء تنضبه، يشهد لي سواد لوني، وغؤور عيني، وحبي للشمس.
ابن أبي ليلى: سايرت شاميا فمر بحمال فأخذ منه رمانة، ثم تصدق بها على فقير، فتعجبت منه، فقال: أخذتها فكانت سيئة، ثم تصدقت بها فكانت عشر حسنات.
جهل أبي جهل مثل.
قال ابن الحجاج:
عادية السن بطش سورتها ... أجهل في الرأس من أبي جهل
كناه المسلمون بذلك، وكانت قريش تكنيه أبا الحكم. قال حسان:
الناس كنوه أبا حكم ... والله كناه أبا جهل
الأستطالة لسان الجهل، كم من عاقل أخره عقله وجاهل صدره جهله. نزت به البطنة ونأت عنه الفطنة.
حدث معبد بن خالد العدواني وكان دميما: وفدنا معشر عدوان على عبد الملك فقدموا رجلا منا وسيما فقال ممن؟ فقال من عدوان، فأنشد:
عذير الحي من عدوا ... ن كانوا حية الأرض
بغى بعضهم بعضا ... فلم يرعوا على بعض
ومنهم كانت السادا ... ت والموفون بالقرض
ثم قال له إيه، فقال: لا أحفظها، وكنت خلفه فقلت:
ومنهم حكم يقضى ... فلا ينقض ما يقضى
فقال له: من الحكم؟ فقال لا أدري: فقلت: عامر بن الظرب؛ فقال: من قائل الشعر؟ قال: لا أدري؛ فقلت: ذو الأصبع؛ فقال: لم قيل له ذو الأصبع؟ قال: لا أدري، قلت نهشته أفعى فقطعت أصبعه؛ فقال له: ما كان اسمه؟ قال: لا أدري، قلت: حرثان بن الحارث؛ فقال عبد الملك: كم عطاؤك؟ قال: سبعمائة دينار؛ فقال لي: في كم أنتظ فقلت في ثلثمائة، فقال: أجعلوا عطاء هذا لهذا وعطاء هذا لهذا. فأنصرفت وعطائي سبعمائة وعطاؤه بثلثمائة.
وقف رجل على مجلس الحسن فقال: اعتمر أخرج أبادر؛ فقال الحسن: كذبوا عليه ما كان ذاك. أراد السائل: أغثمن أخرج أبا ذر.
قال المعتصم لطباخه: حاسب رشيد؛ قال: مقراض؛ أراد: جاشت رسيذاي أي أدرك غذاؤك بالفارسية، وأراد بمقراض: لا.
يبس في شفتيه: أي تيس في سفينة. عد ستة تتصل: أي عدسية ببصل. شوا بخبز: أي بيتوا بخير. ثقب لو لو بطرف: أي ثقيل ولو تظرف.
غاب عن الصاحب ندماؤه ليلة فقال: سمسم، أراد بيت من يتم. وكان نقش خاتم ابن العميد: شيخ أشقر، أي: تب تنج أنب تفز.
قرأ الحجاج يوما: أنا من المجرمون منتقمون، فقالوا: لحن الأمير، فأنشد:
أن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا ... مني وما سمعوا من صالح دفنوا
الاعمش: سمعت الحجاج على منبر الكوفة يقول: يا معشر الحمراء تخلفتم عن الغزو، وجلستم على الكراسي، وتبردتم تحت الطلال، فلا يمر بكم مار إلا قلتم ما الهبر ما الهبر، والله لأهبرنكم بالسيف هبرا أشغلكم به عن الأخبار.
تكلم رجل عند عبد الله بن عباس فأكثر الخطأ، فدعا بغلام له فأعتقه، فقال له الرجل: ما سبب هذا الشكر؟ فقال: أن لم يجعلني مثلك.

(1/99)


شهد سلمى الموسوس عند جعفر بن سليمان على رجل فقال: هو أصلحك الله ناصبي، رافضي، قدري، مجبر، يشتم الحجاج بن الزبير الذي هدم الكعبة على علي بن أبي سفيان. فقال له جعفر: لا أدري على أي شيء أحسدك أعلى علمك بالمقالات أم على معرفتك بالانساب؟ قال: أصلح الله الأمير ما أخرجت من الكتاب حتى حذقت هذا كله.
أكثم بن صيفي: ويل لعالم أمر من جاهل.
حضر مجلس الاعمش قوم ليسمعوا الحديث، فقال ما اليوم؟ فقال رجل منهم الاثنين؛ فقال: الأثنين، أرجعوا فأعربوا كلامكم ثم أطلبوا الحديث.
رأى الحجاج لحنا في كتاب كاتبه فأمر بقطع أصبعه.
وكتب عامل لعمر بن عبد العزيز كتابا فوجده ملحونا فأحضره وضربه درة.
قال سيحان بن الحسين حضرت مجلس محمد بن سلام فلحن المستملى، فأخذت عليه. فتداخله من ذلك، فقال له محمد: شيطان يجيئني في مسك الرجال صبي مثله يأخذ عليك، ثم زجره.
سمع رجل يقرأ: الأكراد أشد كفرا ونفاقا، فقيل له: قل ويحك الأعراب، فقال: كلهم يقطعون الطريق.
التقط أعرابي اسمه موسى كيسا، ثم دخل مسجدا يصلي فيه، فقرأ الأمام : " وما تلك بيمينك يا موسى " فرمى إليه بالكيس وقال: والله أنك لساحر.
حكيم: بعد الجاهل من أن يلتحم به الأدب كبعد النار من أن تشتعل في الماء.
مر بالأوقص المخزومي وهو قاضي مكة، ولم ير مثله في عفافه ونبله وظرفه مع زهده، سكران بالليل وهو نائم في جناح له، والسكران يتغنى:
عوجي علينا ربة الهودج ... إنك أن لم تفعلي تحرجي
فأشرف عليه وقال: يا هذا شربت حراما، وأيقظت نياما، وغيت خطأ، خذه عني، وأصلحه له.
قامت امرأة إلى عمر رضي الله عنه فقالت: يا أبا غفر حفص الله لك، فقال: ويحك ما تقولين؟ قالت: صلعت من فرقتك.
الأصمعي: عن بعض الرواة قلت للشرقي بن القطامي ما كانت العرب تقول في صلاتها على موتاها؟ فقال: لا أدري، فكذبت له فقلت: كانوا يقولون:
ما كنت ولواكا ولا بزونك ... رويدك حتى يبعث الحق باعثه
فإذا به يحدث به في المقصورة يوم الجمعة.
ابن عمار الثقفي الملقب بالغرير:
أعيرتني النقصان والنقص شامل ... ومن ذا الذي يعطي الكمال فيكمل
وأقسم أني ناقص غير أنني ... إذا قيس بي قوم كثير تقللوا
ولو منح الله الكمال ابن آدم ... لخلده والله ما شاء يفعل
قيل لعبد الأعلى القاص: لم سمي العصفور عصفورا؟ قال: لأنه عصى وفر؛ قيل: فالطفشيل؟ قال: لأنه طفا وشال؛ قيل: فالقلطى؟ للكلب، قال: لأنه قل ولطىء؛ قيل: فالسلوقي؟ قال: لأنه يسل ويلقى.
سئل رجل عن النسبة إلى اللغة فقال: ما أبين الجواب وأظهر الحق، أما سمعتم قول الله تعالى: أنك لغوي مبين.
قال الجماز: سمعت سائلا يقول: من يعطيني قطعة حبا للأمينين جبريل ومعاوية.
لحن خالد صفوان عند عبد الملك فقال: اللحن في الكلام أقبح من الجدري في الوجه.
ولحن آخر عند سليمان فقال: اللحن في الكلام أقبح من النقبة في الديباج.
قال الجاحظ: قلت مرة: إذا شممت النرجس فنكسه فإنه أكثف لرائحته وأذكى؛ فسمع ذلك مني شيخ من عدول القضاة فقال: والله لأشهدن عليك بالزندقة، فكان سبب خروجي من البصرة.
يقال للجهل أم الرذائل.
أبا جعفر أن الجهالة أمها ... ولود وأم العقل جداء حائل
قال الشعبي لرجل: ممن أنتظ قال: من بنو عبد الله بن زيد؛ فقال: لو كنت من بني عبد الله لقلت من بني عبد الله.
الزبير بن بكار: وفدت على المتوكل فقال لي أدخل على عبد الله بن المعتز، فدخلت وهو صبي، فسألني عن الحجاز واستنشدني؛ ثم نهضت فعثرت فسقطت، فقال يا زبير:
وكم عثرة لي باللسان عثرتها ... تفرق من بعد اجتماع من الشمل
يموت الفتى من عثرة بلسانه ... وليس يموت المرء من عثرة الرجل
فعثرته من فيه تذهب نفسه ... وعثرته بالرجل تبرا على مهل
كان خالد بن صفوان يحدث بلال بن أبي بردة ويلحن، فقال: أتحدثني حديث الخلفاء وتلحن لحن السقاءات؟ فتعلم الأعراب.

(1/100)


قال الحجاج لثقفي: أين تركت الجند؟ قال: تركتهم يخنقون يعارضين؛ قال: لعلل تريد: يعرضون بخانقين، قال: نعم اللهم لا تخانق في باركين؛ يعني لا تبارك في خانقين. ونظر رجل إلى أبريق نظيف فقال: ما أبرق أنظيفكم.
أبو حاتم: قال الأصمعي: الزوج للذكر والانثى بغير تاء، وتلا قوله تعالى: " أسكن أنت وزوجك الجنة " ، فقيل له: فقد قال ذو الرمة:
أذو زوجة بالمصر أم ذو قرابة ... أراك لها بالبصرة العام ثاويا
فقال: سألت أبا عمرو بن العلاء عن هذا فقال: إن ذا الرمة طال ما أكل الخل والبقل في حوانيت البصرة، يريد أنه قد تحضر. قال جار الله وأنشد ابن الأعرابي لأبي فرعون:
وزوجتي تأكل أكل الدب ... بنيها كالفرعل الأزب
وقال الفرزدق:
وأن الذي يسعى ليفسد زوجتي ... كساع إلى أسد الشرى يستبيلها
ولكن لغة القرآن تلحق الفصيح بالتأتاء أن أقدم على الحاق هذه التاء.
قال أمير لأعرابي، وقد رأى معه ناقة فأعجب بها، هل أنزيت عليها؟ قال: نعم أيها الأمير قد أضربتها؛ قال: قد أضربتها، قد أحسنت حين أضربتها، نعم ما صنعت حين أضربتها؛ قال: فجعل يرددها، فعملت أنه يريد أن ينقف بها لسانه.
سوادة عن أبي جعفر: من فقه الرجل عرفانه اللحن.
باب
الجنون، والحمق، والسفه، والغفلة
والحزن، والعجلة وترك الأناة، والفضول، والدخول فيما لا يعني، والعبث
أنس رضي الله عنه: مر رجل برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رجل: يا رسول الله هذا مجنون؛ فأقبل عليه فقال: أقلت مجنون؟ إنما المجنون المقيم على المعصية، ولكن هذا مصاب.
كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: كونوا بلها كالحمام. وكان الرجل منهم يدعو لصاحبه فيقول: أقل الله فطنتك.
عيسى عليه السلام: عالجت الأكمه والأبرص فابرأتهما، وعالجت الأحمق فأعياني.
لكل داء دواء يستطب به ... إلا الحماقة أعيت من يداويها
كان شريح يقول: لئن أزاول الأحمق أحب إلي من أزاول نصف الأحمق؛ قيل: يا أبا أمية ومن نصف الأحمق؟ قال: الأحمق المتعاقل.
علي رضي الله عنه: ليس من أحد إلا وفيه حمقة فيها يعيش.
الأحنف: أني لأجالس الأحمق ساعة فأتبين ذلك في عقلي.
المبرد: دخلت دير هزقل فرأيت مجنونا مربوطا، فدلعت لساني في وجهه، فنظر إلى السماء وقال: لك الحمد والشكر، من حلوا ومن ربطوا؟ ودير هزقل موضع للمجانين يربطون فيه ويعالجون؛ يقال للذي تجنن كأنه من دير هزقل.
قيل لمجنون: عد لنا مجانين البصرة؛ قال: كلفتموني شططا، أنا على عد عقلائها أقدر.
قيل لأعرابي: أيسرك أنك أحمق وأن لك مائة ألف درهم؟ قال لا؛ قيل ولم؟ قال: لأن حمقة واحدة تأتي عليها وأبقى أحمق.
عذلوني على الحماقة جهلا ... وهي من عقلهم ألذ وأحلى
حمقى قائم بقوت عيالي ... ويموتون أن تعاقلت هزلا
أصطحب أحمقان في طريق، فقال أحدهما: تعال نتمن فإن الطريق يقطع بالحديث؛ فقال أحدهما: أنا أتمنى قطائع غنم أنتفع برسلها ولحمها وصوفها، ويخصب معها رحلي، ويشبع معها أهلي؛ قال الآخر: وأنا أتمنى قطائع ذئاب أرسلها على غنمك حتى تأتى عليها؛ فقال: ويحك أهذا من حق الصحبة، وحرمة العشرة؟ وتلاحما وأشتدت الملحمة بينهما، فرضيا بأول من يطلع عليهما حكما، فطلع عليهما شيخ على حمار بين زقين من عسل، فحدثاه، فنزل من الحمار، وفتح الزقين حتى سال العسل في التراب، ثم قال: صب الله دمي مثل هذا العسل أن لم تكونا أحمقين.
بكر بن المعتمر: إذا كان العقل تسعة أجزاء أحتاج إلى جزء من الحمق يتقدم في الأمور، فإن العاقل أبدا متوان، متوقف، متخوف.
قال رقبة بن مصقلة: ما أذلني قط إلا غلام مصاب بالكوفة، قال لي: رأيتهم شبهوك بي فسرني ذلك لك.
الفرات بن حيان: في هجاء حسان، وقيل هي لأبي سفيان بن الحارث:
أبوك أب سوء وخالك مثله ... ولست بخير من أبيك وخالكا
يصيب وما يدري ويخطىء وما درى ... وكيف يكون النوك إلا كذلكا

(1/101)


جابر بن عبد الله: كان رجل متعبد في صومعة، فمطرت السماء وأعشبت الأرض، فرأى حماره يرعى في ذلك العشب، فقال: يا رب لو كان لك حمار لرعيته مع حماري؛ فبلغ ذلك بعض الأنبياء، فهم أن يدعو عليه، فأوحى إليه: أن لا تدع عليه، فإني أجازي العباد على قدر عقولهم.
وهب بن منبه: خلق ابن آدم أحمق، ولولا حمقه ما هنأه عيش.
قيل لأعرابي: يا مصاب، قال: أنت أصوب مني، أي أجن. وفي عقله صابة.
يقال: هو سليم الصدر، معدود في أهل الجنة؛ هو ذو حمق وافر وعقل نافر. ليس معه من العقل إلا ما يوجب حجة الله عليه. لو كان في بني اسرائيل فأمروا بذبح بقرة ما ذبح غيره. عقله منه على سفر.
يظن بأن الخمل في القطف ثابت ... وأن الذي في داخل التين خردل
هو ذو بصيرة بلهاء عند تشابه النوائب، وتجربة عمياء عند تأمل العواقب.
يقال للأبله السليم القلب: هو من بقر الجنة، لا ينطح ولا يرمح، وللأحمق المؤذي: من بقر سقر.
كان يقال: مجالسة الأحمق خطر، والقيام عنه ظفر.
خطب هند ابنة عتبة رجلان: سهيل بن عمرو وأبو سفيان بن حرب، فألقى إليها أبوها صفيتهما، فأختارت أبا سفيان لعقله ودهائه، وحمقت سهيلا فقال:
نبئت هندا ضلل الله رأيها ... تمادت وقالت وصف أهوج مائق
وما هوجى يا هند إلا سجية ... أجر بها ذيلي لحسن الخلائق
ولو شئت خادعت الفتى عن قلوصه ... ولاطمت بالبطحاء في كل شارق
فلان أعطى مقولا ولا يعط معقولا، للأحمق البين الحمق.
أهل بغداد: فلان الساعة سقط من المحمل. يريدون أنه غبي، شبهوه بالخراساني الوارد عليهم، لم يخبر أحوال بلدهم.
كتب سعد إلى عمر رضي الله عنه: أني أصبت فيما أفاءه الله على رسوله صندوقا من ذهب عليه قفل من ذهب، فلم افتحه، وأن رجلا أعطى به، طمعا فيما فيه، مالا كثيرا. فكتب إليه أن بعه منه، فإني أحسبها حمقة من حمقات العجم؛ ففعل. ففتحه المشتري فأصاب فيه حريرا مدرجا، فجعل يكشفه حتى أفضى إلى درج ففتحه، فإذا فيه كتاب؛ فأتى بعض من يقرأ بالفارسية، فقرأ فإذا فيه: لتسريحة اللحية من ناحية الحلق أنفع من ألف تسريحة إلى خلف؛ فاستقال مشتريه؛ فكتب بذلك إلى عمر؛ فكتب إلى سعد: أن أستحلفه أكان مقيلنا لو أصاب فيه كنزا أكثر مما تأمل؟ فسئل الرجل، فقال: ما كنت لأقيلكم، فلم يقيلوه.
حارثة بن بدر الغداني في زياد:
الناس بعدك قد خفت حلومهم ... كأنما نفخت فيها الأعاصير
النبي صلى الله عليه وسلم: المؤمن وقاف، والمنافق وثاب.
قال آدم عليه الصلاة والسلام لولده: كل عمل تريدون أن تعملوا فقفوا له ساعة، فأني لو وقفت لم يكن أصابني ما أصابني.
وقع ذو الرياستين: أن أسرع النار التهابا أسرعها خمودا، فتأن في أمرك.
ابن المقفع: من أدخل نفسه فيما لا يعنيه ابتلي فيه بما يعنيه.
أعرابية: أن أخي من رطاته لا يعرف لطاته من قطاته. الرطاة: الحماقة، والرطي: الأحمق، واللطاة: الجبهة، والقطاة: مقعد الردف من الدابة.
قال رجل لامرأة كان يحبها: أنا والله لك مائق، أراد: وامق؛ فقالت: لست والله لي وحدي بمائق، أنت والله مائق للخلق كله.
قال رجل لزهير البابي: ألا توصي لي بشيء؟ فقال: أحذر لا يأخذك الله وأنت على غفلة.
من ورد عجلا صدر خجلا.
بينا ابن عمر رضي الله عنه جالس إذ جاءه أعرابي فلطمه؛ فقام إليه وافد بن عبد الله فجلد به الأرض. فقال ابن عمر: ليس بعزيز من ليس في قومه سفيه.
مطرف: ما من أحد إلا وهو أحمق فيما بينه وبين ربه، إلا أن بعض الحمق أهون من بعض.
باب
الجوابات المسكتة، ورشقات اللسان
وما يجري من الاستدراك والاعتراض، والتبكيت، والمماراة، واللجاج، والجدل
النبي صلى الله عليه وسلم: لا يعدي شيء شيئا. فقال أعرابي: يا رسول الله أن النقبة تكون بمشفر البعير أو بذنبه في الأبل العظيمة فتجرب كلها؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فما أجرب الأول؟ لما أخذ عمر رضي الله عنه في التوجه إلى الشام قال له رجل: أتدع مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: أدع مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاح أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولقد هممت أن أضرب رأسك بالدرة حتى لا تجعل الرد على الأئمة عادة فيتخذها الأجلاف سنة.

(1/102)


أجتار عمر بن الخطاب بصبيان يلعبون، فهربوا إلا عبد الله بن الزبير، فقال له عمر: لم لا تفر مع أصحابك؟ قال: لم يكن لي جرم فأفر منك، ولا كان الطريق ضيقا فأوسع عليك.
علي رضي الله عنه: قال له يهودي: ما دفنتم نبيكم حتى أختلفتم!! فقال له: إنما أختلفنا عنه لا فيه؛ ولكنكم ما جفت أرجلكم من البحر حتى قلتم لنبيكم: أجعل لنا ألها كما لهم آلهة.
رفع رجل رجلا إلى علي رضي الله عنه وقال: أن هذا زعم أنه أحتلم على أمي؛ فقال: أقمه في الشمس فاضرب ظله.
قال رجل لجعفر بن محمد: ما الدليل على الله؟ ولا تذكر لي العالم والعرض والجوهر، فقال له: هل ركبت البحر؟ قال: نعم؛ قال: هل عصفت بكم الريح حتى خفتم الغرق؟ قال: نعم، قال: فهل انقطع رجاؤك من المركب والملاحين؟ قال: نعم، قال: فهل تتبعت نفسك أن ثم من ينجيك؟ قال: نعم، قال: فإن ذاك هو الله، قال الله تعالى: " ضل من تدعون إلا إياه " ، " وإذا مسكم الضر فإليه تجأرون " .
سئل علي رضي الله عنه عن مسافة ما بين الخافقين، فقال: مسيرة يوم للشمس.
قال رجل لآخر: والله ما أمل الحديث؛ فقال: إنما يمل العتيق. مرت بالوليد بن عبد الملك خيل لعبد الله بن يزيد بن معاوية، فعبث بها وأصغره؛ فشكا ذلك أخوه خالد إلى عبد الملك فقال: أن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها؛ فقال خالد: وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها الآية؛ فقال عبد الملك: أفي عبد الله تكلمني؟ وقد دخل علي فما أقام لسانه لحنا؛ فقال خالد: أفعلى الوليد تعول؟ فقال عبد الملك: أن كان الوليد يلحن فإن أخاه سليمان؛ فقال خالد: وأن كان عبد الله يلحن فإن أخاه خالد؛ فقال عبد الملك: اسكت فو الله ما تعد في العير ولا في النفير؛ فقال خالد: ويحك من في العير والنفير غير جدي أبو سفيان صاحب العير، وعتبة بن ربيعة صاحب النفير؟ ولكن لو قلت: غنيمات وخبيلات والطائف ورحم الله عثمان، قلنا: صدقت. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أطرد الحكم بن أبي العاص، وهو جد عبد الملك، فلجأ إلى الطائف، فكان يرعى غنيمات، ويأوى إلى حبلة وهي الكرمة، ثم رده عثمان حين أفضت الخلافة إليه.
شهد أعرابي عند معاوية بشيء كرهه، فقال معاوية: كذبت؛ فقال: الكاذب والله متزمل في ثيابك. فقال معاوية وتبسم: هذا جزاء من عجل.
أنشد كثير عبد الملك فقال للأخطل: كيف ترى؟ فقال: حجازي مجوع مقرور، فدعني أضغمه لك. فسأل عنه كثير فقال له: هلا ضغمت الذي يقول:
لا تطلبن خؤولة في تغلب ... فالكلب أكرم منهم أخوالا
والتغلبي إذا تنحنح للقرى ... حك أسته وتمثل الأمثالا
فسكت فما أجابه بحرف.
أتي الحجاج بامرأة خارجية، فلم تنظر إليه، فقيل لها، فقالت: لا أنظر إلى من لا ينظر الله إليه.
قال عمر رضي الله عنه لأبي مريم الحنفي: والله لا أحبك حتى تحب الأرض الدم؛ قال: أتمنعني حقا؟ قال: لا؛ قال: فلا بأس، إنما ياسى على فقدان الحب النساء.
دخل يزيد بن أبي مسلم صاحب شرطة الحجاج على سليمان بن عبد الملك بعد موت الحجاج، فقال سليمان: قبح الله رجلا أجرك رسنه وخرب لك أمانته؛ قال يا أمير المؤمنين: رأيتني والأمر لك وهو عني مدبر، ولو رأيتني والأمر علي مقبل لاستكبرت مني ما أستصغرت، وأستعظمت مني ما استحقرت؛ فقال سليمان: أترى الحجاج أستقر في جهنم؟ فقال: يا أمير المؤمنين لا تقل، فإن الحجاج وطأ لكم المنابر وأذل لكم الجبابرة، وهو يجيء يوم القيامة عن يمين أبيك وعن يسار أخيك، فحيث كانا كان.
أستمع معاوية على يزيد ليلة، فسمع غناء أعجبه، فلما أصبح قال: من كان ملهيك البارحة؟ قال: ذاك ابن خاثر؛ قال: إذن فأخثر له من العطاء.
قال الرشيد لسعيد بن سلم من بيت قيس في الجاهلية؟ قال: يا أمير المؤمنين بنو فزارة؛ قال: فمن بيتهم في الاسلام؟ قال: الشريف من شرفتموه؛ قال: صدقت، أنت وقومك.
مر نصر بن سيار بأبي الهندي، وكان شريفا، وهو يميل سكرا، فقال: أفسدت شرفك؛ فقال أبو الهندي: لو لم أفسد شرفي لم تكن أنت والي خراسان.
أنشد بشار قول كثير:
ألا إنما ليلي عصا خيزرانة ... إذا غمزوها بالأكف تلين
قال: لله أبو صخر!! أيجعلها عصا ثم يعتذر إليها، والله لو جعلها عصا مخ، أو عصا زبد لكان قد هجنها بذكر العصا، ألا قال كما قلت:

(1/103)


وبيضاء المحاجر من بعد ... كأن عظامها من خيزران
بكى سفيان بن عيينة يوما، فقال له يحيى بن أكثم: ما يبكيك يا أبا محمد؟ قال: بعد مجالستي أصحاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بليت بمجالستكم. فقال له يحيى، وكان حدثا، فمصيبة أصحاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمجالستك بعد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم من مصيبتك. فقال: يا غلام أظن السلطان سيحتاج إليك.
سئل ابن عمر: هل كان يلتفت النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة؟ فقال: لا ولا في غير الصلاة.
تكلم صعصعة عند معاوية فعرق، فقال أبهرك القول؟ فقال: أن الجياد نضاحة بالماء.
حدث الحسن البصري بحديث، فقال له رجل: عمن؟ فقال: وما تصنع بعمن؟ أما أنت فقد نالتك موعظته، وقامت عليك حجته.
قال رجل لصاحب منزل: أصلح خشب هذا السقف فإنه يتفرقع؛ قال: لا تخف إنما يسبح؛ قال: أخاف أن تدركه رقة فيسجد.
تناظر أبو عمرو بن العلاء وعمرو بن عبيد في الوعيد، فأنشد أبو عمرو:
لا يرهب ابن العم ما عشت صولتي ... ولا أختشي من صولة المتهدد
وإني وأن أوعدته أو وعدته ... لمخلف أيعادي ومنجز موعدي
فقال له عمرو صدقت، تمدح العرب بالوعد دون الأيعاد وتمدح بالوفاء بهما لتصرف المعاني وأنشد:
أن أبا خالد لمجتمع الرأ ... ي شريف الأفعال والبيت
لا يخلف الوعد والوعيد ولا ... يبيت من ثأره على فوت
وأنشد السيرافي لأبي وجزة السعدي في نحو ذلك:
صدق إذا وعد الرجال وأوعدوا ... فأحث بادرة وأوفى موعد
ولبعض الأسديين وهو جاهلي:
أنا الصاب أن شورست يوما وأنني ... جنى النحل أن سومحت إلا لآكل
بسيط يد بالعرف والنكر أن أقل ... بوعد وإيعاد أقل قول عامل
صؤول على الصعب المنوع وممسك ... عرامي على الواهي القوى المتضاءل
إذا سنة حالت بأزم تلقحت ... بمعروفنا حتى ترى غير حائل
قالت عجوز لزوجها: أما تستحي أن تزني ولك حلال طيب؟ قال: أما حلال فنعم، وأما طيب فلا.
قيل لمزيد: هل في بيتك دقيق؟ قال: لا، ولا جليل.
قال رجل لغلامه: هات الطبق، وأغلق الباب؛ قال: هذا خطأ، بل أغلق الباب وآتي بالطعام؛ فقال الرجل: أنت حر لعلمك بالحزم.
كان الرشيد يلعب الصوالج فقال ليزيد بن مزيد الشيباني: كن مع عيسى؛ فأبى فقال: أتأنف ويحك أن تكون معه؟ فقال: يا أمير المؤمنين إني حلفت يمينا ألا أكون عليك في جد ولا هزل.
عرض بلال بن أبي بردة الجند، فمر به نميري ومعه رمح قصير فقال: يا أخا نمير، أنت ليس كما قيل:
لعمرك ما رماح بني نمير ... بطائشة الصدور ولا قصار
فقال: أصلح الله الأمير ما هو لي وإنما أستعرته من رجل من الأشعريين.
مدح أبو مقاتل الضرير الحسن بن زيد بقصيدة أولها:
لا تقل بشرى ولكن بشريان ... غرة الهادي ووجه المهرجان
فكره الحسن افتتاحه بلا؛ فقال أبو مقاتل: لا كلمة أشرف من كلمة التوحيد، وأولها لا.
قال موسى بن قيس المازني: قلت لأبي فراس المجنون، أنت النهار كله ماش، أفتشكى بدنك الليل؟ قال:
إذا الليل ألبسني ثوبه ... تقلب فيه فتى موجع
فقلت: يا أحمق أسألك عن حالك وتنشدني الشعر؛ قال: أجبتك يا مجنون؛ قلت: أتقول لي هذا وأنا سيد من سادات الأنصار فقال:
وأن بقوم سوددك لفاقة ... إلى سيد لو يظفرون بسيد
ثم لطم عينه، ومر وهو يقول: هكذا يكون الجواب المقشر.
قيل لسقراط: أن الكلام الذي قتله لم يقبل؛ فقال: ليس يلزمني أن يقبل، إنما يلزمني أن يكون صوابا.
قال الاسكندر لابنه يا ابن الحجامة؛ فقال: أما هي فأحسنت التخير، وأما أنت فلا.
وقال أعرابي لابنه: أسكت يا ابن الأمة؛ فقال له: والله لهي أعذر منك حيث لم ترض إلا حرا.
قال خالد القسري لابن هبيرة: فررت مني فرار العبد يا أبا المثنى؛ قال: حين نمت عني نوم الأمة يا أبا الهيثم.
تنبأ رجل في زمن المنصور، فقال له المنصور: أنت نبي سفلة؛ فقال: جعلت فداك كل أنسان يبعث إلى شكله.

(1/104)


قال ملك لوزير: ما خير ما يرزقه العبد؟ قال: عقل يعيش به؛ قال: فإن عدمه، قال: أدب يتحلى به؛ قال: فإن عدمه، قال: فمال يستره؛ قال: فإن عدمه، قال: فصاعقة تحرقه فتريح منه العباد والبلاد.
قال عبد الملك لأعرابي: الناقة إذا كانت تمنع الحلب قومتها العصا؛ فقال: إذن تكفأ الأناء وتكسر أنف الحالب.
علي رضي الله عنه: إذا أزدحم الجواب خفي الصواب.
غنى إبراهيم الرشيد، فقال له: أحسنت أحسن الله إليك، فقال: يا أمير المؤمنين إنما يحسن الله إلي بك؛ فأمر له بمائة ألف درهم.
قال معاوية لعقيل: ما أبين الشبق في رجالكم يا بني هاشم!! قال: لكنه في نسائكم أبين يا بني أمية.
حضر أبو عبد الرحمن الحنفي ورجل من المجبرة مجلس والي البصرة، فأتى بطرار أحول، فقال الوالي للمجبر: ما ترى فيه؟ قال: يضرب خمس عشرة درة؛ وسأل أبا عبد الرحمن، فقال: ثلاثين، خمس عشرة لطره، وخمس عشرة لحوله؛ فقال: يا أبا عبد الرحمن أضربه على الحول؟ قال: نعم، إذا كانا جميعا من خلق الله، فما جعل الضرب على الطر أحق من جعله على الحول؟ كان بالكوفة رجل يحدث عن بني إسرائيل ويكذب، فقال له الحجاج ابن حنتمة: ما أسم بقرة بني إسرائيل؟ قال حنتمة! فقال رجل من ولد أبي موسى في أي الكتب وجدت هذا؟ قال: في كتب عمرو بن العاص التي جدع بها أبا موسى.
قال المتوكل لأبي العيناء: إلى متى تمدح الناس وتذمهم؟ قال: ما أحسنوا وأساءوا.
قال ابن مكرم لأبي العيناء: بلغني أنك مأفون: قال: مكذوب علي وعليك.
نظر رئيس إلى أبي هفان وهو يسار رجلا فقال: فيم تكذبان؟ قال: في مدحك.
رأى أعرابي أبا هفان فقال: من هذا؟ فقال ابن محرز الكاتب: شيخ لنا مصاب؛ فقال أبو هفان: نعم يا ابن أخي، هذا.
سأل المأمون أبا يونس فقيه مصر عن رجل اشترى شاة فضرطت فخرجت منها بعرة فقأت عين رجل، على من الدية؟ قال: على البائع، قال: ولم؟ قال: لأنه باع شاة في استها منجنيق، ولم يبرأ من العهدة.
قال عبيد الله بن يحيى لأبي العيناء: كيف الحال؟ قال: أنت الحال، فأنظر كيف أنت لنا، فأحسن صلته.
قال رجل لأعرابي: أتجلب التمر إلى هجر؟ فقال: نعم، إذا أجدبت أرضها، وعاوم نخلها.
قال المتوكل للفتح بن خاقان، وقد خرج وصيف الخادم في أحسن زي، يا فتح أتحبه؟ قال: أنا لا أحب من تحب، وإنما أحب من يحبك.
سمع مجنون رجلا يقول: اللهم لا تأخذنا على غفلة؛ فقال: إذن لا يأخذك أبدا.
اشترى أسحق بن عيسى بن علي بن عبد الله بن عباس غلاما فصيحا، فطلبه الرشيد، فقال: يا أمير المؤمنين لم أشتر إلا لك؛ فقال له الرشيد: أن مولاك قد وهبك لي، فقال: يا أمير المؤمنين: ما زلت ولا زلت؛ قال: فسر؛ قال: ما زلت لك وأنا في ملكه، ولا زلت عن ملكه وأنا لك؛ فأعجب به الرشيد وقدمه.
قال المعتصم للفتح بن خاقان وهو صبي: أرأيت يا فتح أحسن من هذا الفص؟ لفص في يده، قال: نعم يا أمير المؤمنين، اليد التي هو فيها أحسن منه.
كان لعمران بن حطان زوج جميلة، وكان هو قصيرا دميما، فقال له ذات يوم: أعلم أني وإياك في الجنة؛ قال: كيف؟ قالت: لأنك أعطيت مثلي فشكرت، وأنا بليت بمثلك فصبرت، والصابر والشاكر في الجنة.
أجتمع شريك بن عبد الله ويحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن البصري في دار الرشيد، فقال يحيى لشريك: ما تقول في النبيذ؟ قال: حلال؛ قال: فقليله خير أم كثيره؟ قال: قليله؛ قال: ما رأيت خيرا قط إلا والأزدياد منه خير إلا خيرك هذا، فإن قليله خير من كثيره.
أعترض رجل المأمون فقال: أنا رجل من العرب؛ قال: ليس ذاك بعجب؛ قال: وأني أريد الحج؛ قال: الطريق أمامك نهج؛ قال: وليست لي نفقة؛ قال: قد سقط عنك الفرض؛ قال: أني جئتك مستجديا لا مستفتيا؛ فضحك وبره.
قال الخياط المتكلم: ما قطعني إلا غلام، قال لي: ما تقول في معاوية؟ قلت: أني أقف فيه؛ قال: فما تقول في ابنه يزيد؟ قلت: ألعنه؛ قال: فما تقول فيمن يحبه؟ قلت: ألعنه؛ قال: أفترى معاوية كان لا يحب ابنه؟ دخلت أم أفعى العبدية على عائشة فقالت: يا أم المؤمنين ما تقولين في أمرآة قتلت ابنا لها صغيرا؟ قالت: وجبت لها النار؛ قالت: فما تقولين في امرأة قتلت من أولادها الكبار عشرين ألفا؟ قالت خذوا بيد عدوة الله.

(1/105)


قيل لبلال: من سبق؟ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قيل: سألناك عن الخيل؛ قال: وأنا أجيبكم عن الخير.
قال رجل لأبي الهذيل: ما الدليل على حدوث العالم؟ قال: الحركة والسكون؛ قال: الحركة والسكون من العالم، فكأنك قلت: الدليل على حدوث العالم العالم، دل على حدوث العالم بغير العالم؛ فقال أبو الهذيل: أن جئتني بسؤال من غير العالم جئتك بجواب من غير العالم.
قال الأشعث بن قيس لشريح: يا أبا أمية لعهدي بك وأن شأنك لشؤين؛ فقال: يا أبا محمد تعرف نعمة الله على غيرك وتجهلها من نفسك.
زحمت مدينة رجلا فقال: المستعان بالله منكن، ما أكثركن؟ فقالت: يا هذا نحن على الكثرة وأنتم تبتغون ما وراء ذلك، فليت شعري لو كان فينا قلة ماذا كنتم تعملون؟ دخل رجل على ابن ميادة وبين يديه كتاب فقال: ما هذا؟ فقال: كتاب عملته مدخلا إلى التوراة؛ قال: الناس ينكرون هذا؛ قال: الناس كلهم جهال؛ قال فأنت ضدهم؟ قال: نعم؛ قال: فينبغي أن يكون ضدهم جاهلا عندهم؛ قال: صدقت؛ قال: فقد بقيت جاهلا بإجماع، والناس جهال بقولك وحدك.
خطب معاوية فقال: أن الله يقول: " وإن من شيء إلا عندنا خزائنه، وما ننزله إلا بقدر معلوم " فعلام يلوموني إذا قصرت في عطياتكم؟ فقال الأحنف: أنا والله لا نلومك على ما في خزائن الله، ولكن على ما أنزله من خزائنه، فجعلته أنت في خزانتك وحلت بيننا وبينه.
قال الحجاج لرجل: أنا أطول أم أنت؟ قال: الأمير أطول، وأنا أبسط قامة.
قال رجل لعبد الملك: تزوجت امرأة وتزوج ابني أمها فارفدني؛ قال: أن أخبرتني ما قرابة أولادكما إذا ولدتا فعلت؛ فقال: يا أمير المؤمنين هذا حميد قلدته سيفك ووليته ما وراء بابك فسله عنها، فإن أصاب لزمني الحرمان، وأن أخطأ اتسع لي العذر؛ فسأله، فقال: والله ما قدمتني على العلم ولا نصبتني له، وقدمتني على العمل بالسيف والطعن بالرمح، إلا أني أجيب عنها، ثم أقبل على الرجل فقال: يا ابن المعروكة كان أحدهما عما للآخر والأخر خالا له. فانخزل الرجل؛ فقال عبد الملك: أجاب وأصاب، وجهلت وأنخزلت ولكنك تستحق ما طلبت بأمتحاننا إياك وصبرك علينا.
قال المنتصر لأبي العيناء: ما أحسن الجواب؟ قال: ما أسكت المبطل وحير المحق.
عمرو بن عتبة: تعريف الجاهل أيسر من تقرير المنكر.
قال داود الهي كن لابني سليمان كما كنت لي؛ فأوحى إليه. يا داود قل لأبنك سليمان يكون لي كما كنت لي، حتى أكون له كما كنت لك.
قال أبو العتاهية لابن مناذر: كم تقول في اليوم من الشعر؟ قال: الخمسة أو الثلاثة؛ فقال أبو العتاهية: لكني أقول المائة والمائتين، فقال ابن مناذر: أجل إنك تقول:
يا عتب مالي ولك ... يا ليتني لم أرك
وأنا أقول:
ستظلم بغداد وتجلو لنا الدجى ... بمكة ما عشنا ثلاثة أقمر
إذا نزلوا بطحاء مكة أشرقت ... بيحي وبالفضل بن يحيى وجعفر
وما خلقت إلا لجود أكفهم ... وأقدامهم إلا لأعواد منبر
ولو أردت مثله لطال عليك الدهر.
دخل محمد بن عيسى برغوث على أبي الهذيل وهو متكىء فلم يتحرك له، فتوهم من حضر أنه لم يعرفه، فسأله عن سبع عشرة مسألة، فأجابه عنها جواب مثله، فلما نهض قال: أن مسائلنا هذه لتقصع البراغيث قصعا؛ فعرفوا أنه عرفه.
دخل جرير على الوليد وعنده ابن الرقاع فقال الوليد لجرير: تعرف هذا؟ قال: لا؛ قال: هو ابن الرقاع، قال: شر الثياب ما كانت فيه الرقاع قال: أنه من عاملة، قال: عاملة ناصبة، قال: ما تريد من رجل يمدح أحياء بني أمية ويؤبن موتاها؟ والله لئن هجوته لأركبنه عنقك. فخرج جرير وابن الرقاع وراءه، فقال: أيها الناس كدت أخرج إليكم وهذا القرد على عنقي.

(1/106)


قال المتوكل يوما: أتعلمون لماذا عتب الناس على عثمان: فقال بعض جلسائه: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قام أبو بكر على المنبر دون مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمرقاة، ثم قام عمر دون مقام أبي بكر بمرقاة، فلما ولي عثمان صعد ذروة المنبر، فقعد في مقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنكر المسلمون ذلك. فقال عبادة: يا أمير المؤمنين ما أحد أعظم منة عليك، ولا أسبغ معروفا من عثمان، قال: كيف ويلك؟ قال: لأنه صعد ذروة المنبر، ولولا ذلك لكان كلما قام خليفة نزل عن مقام من تقدمه مرقاة فكنت أنت تخطبنا من بئر جلولاء.
ولى المنصور سليمان بن راميل الموصل، وضم إليه ألفا من العجم، فقال: قد ضممت إليك ألف شيطان تذل بهم الخلق؛ فعانوا في نواحى المواصل؛ فكتب إليه: كفرت النعمة يا سليمان؛ فأجاب: وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا؛ فضحك المنصور، وأمده بغيرهم.
كان ليزيد بن عبد الملك أخ من أمه يقال له مروان، فشتمه الوليد ذات يوم، فأراد أن يرد عليه، فقال له يزيد: أخوك وإمامك وأسن منك، ووضع يده على فم مروان؛ فقال: يا أخي قتلتني ورددت في جوفي كلمة هي أحر من النار، فمات مروان من حرقة ترك الجواب.
نزل مخنث في نهر ليغتسل، فجاء قوم من آل أبي معيط يرمونه، فقال: لا ترموني فلست بنبي.
قال المنصور: لبعض أهل الشام: ألا تحمدون الله إذ رفع عنكم الطاعون منذ وليناكم؟ فقال الشامي: أن الله أعدل من أن يجمعكم علينا والطاعون؛ فسكت، ولم يزل يطلب له العلل حتى قتله.
أخذ يعقوب بن الليث رجلا من أهل سجستان موسرا فأفقره، فدخل عليه بعد مدة، فقال له: كيف أنت الساعة؟ قال: كما كنت قديما، قال: وكيف كنت قديما؟ قال: كما أنا الساعة؛ فأطرق وأمر له بعشرة آلاف ألف.
حج معاوية فتلقته قريش بوادي القرى، والأنصار بأبواب المدينة، فقال: يا معشر الأنصار ما منعكم أن تلقوني حيث تلقتني قريش؟ قالوا: لم يكن لنا دواب، قال: فأين النواضح؟ قال الغمر بن عجلان: أنضيناها يوم بدر، في طلب أبي سفيان وأصحابه؛ فسكت مفحما. فلما دخل المدينة قال: أين زيد بن ثابت؟ قالوا عليل أصابه سلس البول؛ فقال: علي به، فقال: ما منعك من تلقي؟ قال: علتي، قال: ليس كذا، ولكن غرك ما قيل في زيد بن ثابت كاتب الوحي؛ قال: بلى، حيث لم يأمنك الله ورسوله، فأفحم.
أمر بلال بن أبي بردة بإخراج مجنون من الحبس، ليضحك منه، فقال له: أتدري لم دعوتك؟ قال: لا، قال: لأسخر منك؛ فقال المجنون غير منكر: فقد حكم المسلمون حكمين فسخر أحدهما من الآخر. فخجل بلال وأطلقه.
شكا رجل إلى كسرى بعض عماله وأنه غصبه ضيعه، فقال: قد أكلتها أربعين سنة فما عليك أن تتركها على عاملي سنة!! قال: أيها الملك وما عليك أن تسلم ملكك إلى بهرام فيأكله سنة!! فأمر أن يوجا في عنقه. فقال: أيها الملك دخلت بمظلمة وأخرج بمظلمتين، فأمر برد ضيعته وقضاء حوائجه.
حبس عمرو بن العاص عن جنده العطاء، فقام إليه رجل حميري فقال: أصلح الله الأمير أتخذ جندا من حجارة لا يأكلون ولا يشربون؛ قال: أسكت يا كلب؛ قال: أن كنت كذلك فأنت أمير الكلاب. فأطرق عمرو وأخرج أرزاقهم.
قال علي رضي الله عنه لابن عباس حين بعثه إلى الخوارج: لا تخاصمهم بالقرآن، فإن القرآن حمال ذو وجوه، تقول ويقولون، ولكن خاصمهم بالسنة فإنهم لن يجدوا عنها محيصا.
سأل رجل الشعبي عن المسح على اللحية، قال: خللها، قال: أتخوف أن لا نبلها، قال: أن تخوفت فأنقعها من أول الليل.
روى الشعبي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: تسحروا ولو أن يضع أحدكم أصبعه على التراب ثم يضعها في فمه. فقال رجل في المجلس: أي الأصابع؟ فتناول الشعبي إبهام رجله وقال هذه.
قال رجل ليعقوب فقيه سجستان: إذا نزعت ثيابي ودخلت النهر للغسل إلى أين أتوجه، إلى القبلة أم إلى غيرها؟ قال: أفضل ذلك أن يكون وجهك إلى ثيابك التي تنزعها. وسأله آخر: إذا شيعنا جنازة فقدامها أفضل أن نمشي أم خلفها؟ قال: أجهد أن لا تكون عليها وأمضى حيث شئت.
جاء رجل إلى الشعبي فقال: أصاب ثيابي التوت؛ قال: أغسله؛ قال: بم أغسله؟ قال؟: بالخل والأنجذان.

(1/107)


تذاكروا سوء سيرة الحجاج، فقال رجل: امرأته طالق أن غفر الله للحجاج؛ فقيل له: حلفت على غيب فسل عن يمينك، فاختلفوا عليه، وقالوا: تجنب امرأتك، فسأل عمرو بن عبيد فقال: شد يديك بامرأتك، فإن غفر الله للحجاج ذنوبه لم يتعاظمه أن يغفر لك هذا الذنب الواحد. وروي فإن يغفر الله للحجاج فما ذنبك في جنب ذنبه إلا شوى.
سأل طاهر بن الحسين أبا النبيه منذ كم دخلت العراق؟ قال: منذ عشرين سنة، وأنا أصوم منذ ثلاثين سنة. فقال طاهر سألناك عن مسألة فاجبت عن ثلاث.
غزا محمد بن واسع خراسان مع قتيبة فرعوا الزرع، وأخذ هو بعنان فرسه يتخلل به الأودية، فقال له دهقان القرية: أنت الذي أهلكتني؛ فقال: كيف؟ قال: لولاك لهلك هؤلاء.
دخل محمد بن واسع على قتيبة وعليه جبة صوف، قال: لم لبستها؟ قال: أكره أن أقول زهدا فأزكي نفسي، أو أن أقول فقرا فأشكو ربي.
كان الحسن يقول: لا توبة لقاتل المؤمن متعمدا؛ فدس إليه عمرو بن عبيد رجلا وقال: قل له: لا يخلو من أن يكون مؤمنا أو كافرا أو منافقا أو فاسقا، فإن كان مؤمنا فإن الله تعالى يقول: " يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا " ، وأن كان كافرا فإنه يقول: " قل للذين كفروا أن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف " ، وأن كان منافقا فإنه يقول: " إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا إلا الذين تابوا " ، وإن كان فاسقا فإنه يقول: " أولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا " ، فقال للرجل من أين لك هذا؟ قال: شيء أختلج في صدري؛ قال: محال، أصدقني، فقال: عمرو بن عبيد. فقال الحسن: عمرو وما عمرو!! إذا قام بأمر قعد به، وإذا قعد بأمر قام به، ورجع.
قال سليمان بن علي أمير البصرة لعمرو بن عبيد: ما تقول في أموالنا التي نصرفها في سبل الخير؟ فأبطأ عمرو في الجواب، يريد به وقار العلم، ثم قال: أن من نعمة الله على الأمير أنه أصبح لا يجهل أن من أخذ الشيء من حقه ووضعه في وجهه فلا تبعة عليه غدا. فقال: نحن أحسن ظنا بالله منكم؛ فقال: أقسم على الأمير بالله عز وجل، هل تعلم أحدا كان أحسن ظنا بالله من رسوله؟ قال: لا، قال: فهل علمته أخذ شيئا قط من غير حله، ووضعه في غير حقه؟ قال: اللهم لا؛ قال: حسن الظن بالله أن تفعل ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قيل لاياس بن معاوية: لم تعجل بالقضاء؟ قال: كم لكفك من أصبع؟ قال خمس؛ قال: عجلت، ثم قال: يتعجل من قال بعدما قتل الشيء علما.
أبو العيناء: ما رأيت أفصح لسانا، ولا أحضر حجة من ابن أبي داود؛ قال له الواثق: رفعت فيك رقعة فيها كذب كثير؛ قال: ليس بعجيب أن أحسد بمنزلتي عند أمير المؤمنين فيكذب علي؛ قال: وزعموا أنك وليت القضاء رجلا أعمى؛ قال: بلغني إنما عمي من بكائه على أمير المؤمنين المعتصم، فحفظت له ذلك، وأمرته أن يستخلف؛ قال: وفيها أنك أعطيت شاعرا ألف دينار؛ قال: دون ذاك، وقد أثاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كعبا، وقال في آخر: أقطعوا لسانه عني، وهذا شاعر طائي مصيب محسن، لو لم أرع له إلا قوله فيك للمعتصم:
فأشدد بهارون الخلافة أنه ... سكن لوحشتها ودار قرار
ولقد علمت بأن ذلك معصم ... ما كنت تتركه بغير سوار
فقال الواثق: قد وصلته بخمسمائة دينار.
سئل الشعبي عن شيء فقال: لا أدري، فقيل: ألا تستحي وأنت فقيه العراقيين! فقال: الملائكة لم تستح إذ قالت: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا.
حفص بن غياث: خرج علينا الأعمش يوما فقال: هل تدرون ما قالت الأذن؟ قلنا: وما قالت؟ قال: قالت لولا أني أخاف أن أقمع بالجواب لطلت كما طال اللسان؛ قال حفص: فكم من كلمة غاظنى صاحبها منعني جوابها قول الأعمش.
خاصمت امرأة زوجها إلى شريح فبكت، فقال الشعبي: أظنها مظلومة، فقال: أن أخوة يوسف جاءوا أباهم عشاء يبكون وكانوا ظالمين.
شقيق بن إبراهيم البلخي: قال لي إبراهيم بن أدهم: أخبرني عما أنت عليه، قلت: إذا رزقت أكلت، وإذا منعت صبرت؛ قال: هكذا تفعل كلاب بلخ؛ فقلت: فكيف تعمل أنت؟ قال: إذا رزقت آثرت، وإذا منعت شكرت.
أنشد كثير سكينة:
فما للنوى لا بارك الله في النوى ... وعهد النوى عند الفراق ذميم
فقالت: أنه لبيت حسن؛ ولكن لو أفلتت عليه شاة لأكلته.
قال نهار بن توسعة:

(1/108)


ألا ذهب الغزو المقرب للغنى ... ومات الغنى والعرف بعد المهلب
فلما غزا قتيبة الصغد وأصاب من السبي ما لم ير مثله، قال لنهار: أنت القائل ألا ذهب الغزو، فما هذا؟ قال: هو الحشر.
قيل لحكيم: مالك تدمن أمساك العصا ولست بكبير ولا مريض؟ قال: لا علم أني مسافر.
أنشد رجل غرارة شعرا رديا ثم قال: تراني مطبوعا؟ قال: أي والله على قلبك.
أخذ الحكم بن أيوب الثقفي عامل الحجاج إياس بن معاوية فشتمه وقال: أنت خارجي منافق، ائتني بمن يكفل بك؛ قال: ما أجد أعرف بي منك؛ قال: وما علمني بك وأنا شامي وأنت عراقي!! قال إياس: ففيم هذا الثناء منذ اليوم؟ فضحك وخلى سبيله.
دخل شريك بن الأعور على معاوية، وكان دميما، فقال له: أنك لدميم والجميل خير من الدميم، وإنك لشريك وما لله شريك، وأن أباك لأعور والصحيح خير من الأعور، فكيف سدت قومك؛ فقال: وأنك معاوية وما معاوية إلا كلبة عوت فأستعوت الكلاب، وأنك لابن حرب والسلم خير من الحرب، وإنك لابن صخر والسهل خير من الصخر، وإنك لابن أمية وما أمية إلا أمة صغرت، فكيف صرت أمير المؤمنين؟ وخرج وهو يقول:
أيشتمني معاوية بن حرب ... وسيفي صارم ومعي لساني
وحولي من ذوى يمن ليوث ... ضراغمة تهش إلى الطعان
يعير بالدمامة من سفاه ... وربات الخدور من الغواني
ذوات الحسن والريبال جهم ... شتيم وجهه ماضي الجنان
قال أبو يوسف رحمه الله لبعض من أعترض في كلامه: لست من أرض هذا، فإذا ذكر مثل هذا فأستأسر ولا تستأسد.
حجة لا يهتدي تاركها، ومحجة لا يضل سالكها:
طعنت بالحجة الغراء ثغرته ... ورمح غيرك فيه العي والخطل
ضاع عجاجه، وكعم بحجاجه. فلان كعيم الحجة. هذه الحجة لي مسرح في ردها عليك، وعكسها إليك. أتى بكلمة مجمجمة، وحجة ملجلجة.
لما توجهت عليك الحجة كابرت، ولما وضح لك الحق تضاجرت.
فرط في الحجاج، وأسرع في اللجاج.
قال ابن شبرمة لرجل: أنت والله حجة خصمك، وسلاح عدوك، وفريسة قرنك، ونقصان في عدد أهلك.
بخوع الفتى بالحق أحسن في النهى ... وأولى به من أن يلج يباطل
وأحسن بمثلى أن يراجع رشده ... بترك لجاج في مماراة جاهل
المبطل مخصوم وأن غلب، والمحق فالج وأن خصم.
أعرابي في وصف متناظرين: أول مجلسهم اشطاح، وآخره اصطلاح.
أعذر وأن حمض الجواب، فرب منتفع بحامض.
كأني استفز بالحداء عودا، وأهز بالنداء طودا.
قيل لبعض الحكماء: ما الأشياء الناطقة الصامتة؟ قال: الدلائل المخبرة، والعبر الواعظة.
وهب بن منبه: صحب رجل عالما سبعمائة فرسخ، ثم سأله عن سبع كلمات، قال له، أخبرني عن السماء وما أثقل منها، وعن الأرض ما أوسع منها، وعن الحجر ما أقسى منه، وعن النار ما أحر منها، وعن البحر ما أغنى منه، وعن اليتيم ما أضعف منه، وعن الزمهرير ما أبرد منه؟ فقال الحكيم: البهتان أثقل من السماوات، والحق أوسع من الأرض، وقلب الكافر أقسى من الحجر، وقلب القانع أغنى من البحر، وجشعة الحريص أخر من النار، ونمائم الوشاة أضعف من اليتيم، واليأس من القريب أبرد من الزمهرير.
سئل الشعبي عن لحم الشيطان فقال: نحن نرضى منه بالكفاف، فقيل له: ما تقول في الذباب؟ فقال: أن أشتهيته فكله.
قيل لهشام بن الحكم: أترى الله، في فضله وعدله وكرمه، كلفنا ما لا نطيق ثم يعذبنا؟ قال: قد والله فعل، ولكن لا نستطيع نتكلم.
أدعى رجل الفقه، وبسط على باب داره البواري، وقعد للفتوى، وأحتف به الناس فجاء رجل فقال: يا فقيه ما تقول فيمن أدخل أصبعه في أنفه فخرج عليها دم؟ فقال: يحتجم؛ فقال: أقعدت فقيها أم طبيبا؟ فقال: لك طبيبا ولغيرك فقيها.
أدعى رجل أنه من كندة، فقيل له: من أيها أنت؟ فلم يدر ما يقول فقال: يا سبحان الله! أهذا موضع هذا السؤال عافاك الله؟ سمع الحجاج أن الناس يقولون أنه من بقية ثمود، فقال في خطبته: أتزعمون أني من بقية ثمود، والله يقول: وثمودا فما أبقى، صدق الله وكذبتم أنتم.
قال عبد الله بن خازم لقهرمانه: إلى أين تمضى يا هامان؟ قال: أبنى لك صرحا؛ فعجب من جوابه، لأنه أشار إلى أنه فرعون، أن كان هو هامان.

(1/109)


سمع اسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة رحمه الله يحيى بن أكثم يغض من جده فقال: ما هذا جزاؤه منك؟ قال: حين فعل ماذا؛ قال: حين أباح النبيذ، ودرأ الحد عن اللوطي.
وهب بن منبه: استعمل علينا ابن الزبير رجلا منا دميما يلقب عجوز اليمن، فقدمت على ابن الزبير وعنده عبد الله بن خالد بن أسيد فقال لي: يا أبا عبد الله كيف عجوز اليمن؟ فأعادها مرارا، فلما أكثر قلت: أسلمت مع سليمان لله رب العالمين، فما فعلت عجوز قريش؟ قال: ومن عجوز قريش؟ قلت: أم جميل حمالة الحطب؛ فضحك ابن الزبير، وقال لخالد: أسأت السؤال وأحسن الجواب. عيره برجل من قومه، فخيل أنه يسأل عن بلقيس وكانت من اليمن، فأجاب بأنها أسلمت مع سليمان، وعيره بعجوز قومه التي هي حمالة الحطب، ودفع عن الرجل الدفع الحسن، فلله عقولهم ما أثقبها!! أما تراه كيف غالط، وكيف أبعد عن أميره المذمة على الطريقة الجميلة.
كتب ملك الروم إلى المعتصم يتهدده، فأمر بجوابه، فعرضت عليه الأجوبة فلم يرضها؛ فقال للكاتب أكتب: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فقد قرأت كتابك، والجواب ما ترى لا ما تسمع، وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار، والسلام.
دخل ابن مكرم على أبي العيناء عائدا فقال: أرتفع فديتك؛ فقال: رفعك الله إليه، أي أماتك.
اعترض رجل جارية رقاصة فقال: هل في يدك صناعة؟ قالت: لا، ولكن في رجلي.
دخل شاعران على المأمون، فقال لأحدهما: ممن؟ قال: من ضبة، فأطرق، فقل: يا أمير المؤمنين من ضبة الكوفة لا من ضبة البصرة؛ وسأل الآخر فقال: من الأشعريين؛ فقال: أنت أشعر أم صاحبك؟ فقال: ما ظننت أن هاشميا يحكم أشعريا بعد أبي موسى، فضحك وقال: أعطوا الضبي ألف دينار لفطنته، وللأشعري ألفا لنادرته.
أغار أنس بن مدركة الخعثمي على سرح قريش في الجاهلية فذهب به، فقال له عمر رضي الله عنه في خلافته: لقد اتبعناك تلك الليلة فلو أدركناك!! فقال: لو أدركتني لم تكن للناس خليفة.
كان يقال: أحضر الناس جوابا من لم يغضب.
الأصمعي: من علامة الأحمق الأجابة قبل أستقصاء الأستماع.
مرت أمرأة بمجلس بني نمير فقال رجل منهم هي رسحاء فقالت: يا بني نمير، لا قول الله سمعتم، ولا قول الشاعر أطعتم، قال الله تعالى: " قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم " ، وقال الشاعر؛ فغض الطرف أنك من نمير.
تقدم أياس بن معاوية وهو غلام خصما له شيخا إلى قاضي الشام، فقال له: أتتقدم شيخا كبيرا؟ قال: الحق أكبر منه؛ قال: أسكت، قال: فمن ينطق بحجتي؟ قال: لا أظنك تقول حقا حتى تقوم، قال: لا إله إلا الله، فخبر القاضي عبد الملك بخبره، فقال أقض حاجته الساعة، وأخرجه من الشام، لا يفسد علي الناس.
تفاخر أموي وأنصاري، فقال الأموي: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثر عماله بنو أمية، بمكة عتاب بن أسيد، وعلى البحرين أبان بن سعيد بن العاص وعلى اليمن خالد بن سعيد بن العاص وعلى نجران أبو سفيان؛ فقال الأنصاري: صدقت، ولكنهم حالفوا أهل الردة على هدم الاسلام، فكأنما ألقمه حجرا.
دخل معن بن زائدة على المنصور يقارب خطوه، فقال: كبرت سنك يا معن، قال: في طاعتك يا أمير المؤمنين؛ قال: وإنك لتتجلد؛ قال: لأعدائك؛ قال: وإن فيك بقية؛ قال: هي لك يا أمير المؤمنين.
علي رضي الله عنه، أرسل إليه أهل البصرة كليبا الجرمي بعد يوم الجمل، ليزيل الشبهة عنهم في أمره، فذكر ما علم أنه على الحق، ثم قال له: بايع، فقال: حتى أرجع إليهم، إني رسول القوم، فلا أحدث حدثا دونهم؛ فقال: أرأيت الذين وراءك لو أنهم بعثوك رائدا تبتغي له مساقط الغيث، فرجعت إليهم فأخبرتهم عن الكلأ، فخالفوا إلى المعاطش والمجادب، ما كنت صانعا؟ قال: كنت تاركهم ومخالفهم إلى الماء والكلأ؛ قال: فأمدد إذن يدك؛ قال كليب: فو الله ما أستطعت أن أمتنع عند قيام الحجة علي، فبايعته.
قال ابن عباس لأبي الأسود الدؤلي: لو كنت جملا لكنت ثقالا؛ فقال: يا ابن عباس لو كنت راعي ذلك الجمل ما أرويته من ماء، ولا أشبعته من كلأ.
دخل رجل من محارب على عبد الله بن يزيد الهلالي فقال: ماذا لقينا البارحة من شيوخ محارب ما تركونا ننام!! يعني الضفادع لقول الأخطل:
تنق بلا شيء شيوخ محارب ... وما خلتها كانت تريش ولا تبرى

(1/110)


ضفادع في أناء ليل تجاوبت ... فدل عليها صوتها حية البحر
فقال المحاربي: أصلحك الله أنهم أضلوا برقعا البارحة فكانوا في طلبه؛ يريد قول القشيري:
لكل هلالي من اللؤم جبة ... ولابن يزيد جبة وبراقع
أبو عثمان الناجم:
أبى لي أن أجيبك أن قدري ... أبي لي أن نازعك الكلاما
قال الفرزدق: ما أستقبلني أحد بمثل ما أستقبلني به نبطي، قال: أأنت الفرزدق الذي يمدح الناس ويهجوهم ويأخذ أموالهم، قلت: نعم؛ قال: أنت في الكنيف من قدمك إلى أنفك؛ قلت: لم حاشيت العينين؟ قال: حتى ترى هوان نفسك؛ فبهت.
كتب عون إلى محمد بن عبد الملك:
قد بعثنا بتحفة البستان ... بكر ما قد جنى من الريحان
ياسمينا ونرجسا قد بعثنا ... وبعثنا شقائق النعمان
فأجابه:
عون رض الأله من فيك أقصا ... ه وأدناه يا عيي اللسان
حشو بيتين قد وقد فالى كم ... قدك الله بالحسام اليماني
قال رجل لأبي نواس: ولاك أمير المؤمنين على القردة والخنازير؛ قال: فأسمع وأطع لأنك من رعيتي.
دخل معن بن زائدة على المنصور، فقال له: هيه يا معن تعطى مروان بن أبي حفصة مائة ألف على قوله:
معن بن زائدة الذي زيدت به ... شرفا إلى شرف بنو شيبان
قال: كلا، إنما أعطيته على قوله:
ما زلت يوم الهاشمية معلما ... بالسيف دون خليفة الرحمن
فمنعت حوزته وكنت وقاءه ... من وقع كل مهند وسنان
قال أحسنت يا معن.
كان الجهجاء يدعي الخلافة بجنونه، فأدخل على الرشيد، فقال له جعفر بن يحيى: هو أمير الحباقين يزعم أنه أمير المؤمنين؛ فقال لو كنت كذلك لكنت أوسع امرة من صاحبك لأن الحباق عام والأيمان خاص؛ فقال هارون: لأضربنك حتى تقر بالزندقة؛ فقال: هذا خلاف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أضرب الناس حتى يقروا بالإيمان، وأنت تضربني حتى أقر بالكفر.
عن الشعبي: حضرت عبد الله بن الزبير وهو يخطب بمكة فقال في آخر خطبته: والله لو كانت الرجال تصرف لصرفتكم تصريف الذهب بالفضة، أما والله لوددت أن لي بكل رجلين منكم رجلا من أهل الشام، بل بكل خمسة، بل بكل عشرة، فما بكم يدرك الثار، ولا بكم يمنع الجار. فقام إليه رجل من أهل البصرة فقال: ما نجد لنا ولك مثلا إلا قول الأعشى:
علقتها عرضا وعلقت رجلا ... غيري وعلق أخرى ذنب الرجل
علقناك، وعلقت أهل الشام، وعلق أهل الشام بني مروان، فما عسينا أن نصنع؟ قال الشعبي: فما سمعت بجواب أحضر منه ولا أحسن.
قال جعفر بن سليمان لأعرابي، رآه في إبل قد ملأت الوادي، لمن هذه الأبل؟ قال: لله في يدي.
قيل لبعض السلف: إذا كان الله واسع الرحمة فلم يعاقب عباده بذنوبهم؟ قال: رحمته لا تغلب حكمته.
وفد ابن أبي محجن على معاوية، فقام خطيبا فأحسن، فحسده فأراد أن يكسره، فقال: أنت الذي أوصاك أبوك بقوله:
إذا مت فادفني إلى أصل كرمة ... تروي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفنني بالفلاة فأنني ... أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها
فقال: بل أنا الذي يقول أبي:
لا تسأل الناس ما مالي وكثرته ... وسائل الناس ما جودي وما خلقي
أعطي الحسام غداة الروع حصته ... وعامل الرمح أرديه من العلق
ويعلم الناس أني من سراتهم ... إذا تطيش يد الرعديدة الفرق
وأطعن الطعنة النجلاء عن عرض ... وأكتم السر فيه ضربة العنق
كتب ابن المعتز إلى علي بن مهدي الكسروي:
أبا حسن أنت ابن مهدي فارس ... فرفقا بنا لست ابن مهدي هاشم
وأنت أخ في يوم لهو ولذة ... ولست أخا عند الأمور العظائم
فأجابه علي:
أيا سيدي أن ابن مهدي فارس ... فداء ومن يهوى لمهدي هاشم
بلوت أخا في كل أمر تحبه ... ولم تبله عند الأمور العظائم
وأنك لو نبهته لملمة ... لأنساك صولات الأسود الضراغم
في وصية علي رضي الله عنه: أياك أن تجمح بك مطية اللجاج.
رمى المتوكل عصفورا فلم يصبه، فقال ابن حمدون أحسنت، قال: كيف أحسنت؟ قال: إلى العصفور.

(1/111)


عاد شريح زياد بن أبيه، فلما خرج قيل له: كيف تركته؟ قال: تركته يآمر وينهى؛ خيل أنه صحيح يقوم بإمارته آمرا ناهيا، وإنما أراد أنه مشف، يآمر بتنفيذ وصاياه، وينهى عن النوح عليه.
عبد الله بن الحسن بن الحسن: المراء يفسد الصداقة القديمة، يحل العقدة الوثيقة، وهو أمتن أسباب القطيعة.
لما أنشد كثير عبد الملك قوله:
علي ابن أبي العاصي دلاص حصينة ... أجاد المسدى سردها وأذالها
يؤود ضعيف القوم سرد قتيرها ... ويستضلع القرم الأشم أحتمالها
قال عبد الملك: هلا قلت كما قال أخو بني ثعلبة:
وإذا تجيء كتيبة ملموسة ... خرساء يخشى الذائدون نزالها
كنت المقدم غير لابس جنة ... بالسيف تضرب معلما أبطالها
فقال: إني وصفتك بالحزم، ووصف الأعشى صاحبه بالخرق.
علي رضي الله عنه: إذا أزدحم الجواب خفى الصواب.
ما أحر السؤال يرحمك الله ولكن أحر منه الجواب قال عمر بن عبد العزيز لسالم السندي: أسرك ما وليت أم ساءك؟ قال: سرني للناس وساءني لنفسك؛ قال: فإني أتخوف أن أكون أوبقت نفسي؛ قال: ما أحسن حالك أن كنت تخاف، وإنما أخاف أنك لا تخاف؛ قال: عظني؛ قال: أن أبانا قد أخرج من الجنة بخطيئة واحدة.
قال علوي لأبي العيناء: أتبغضني وقد أمرت بالصلاة علي؟ تقول صلى الله على محمد وآله؛ قال: أني أقول الطيبين الأخيار، فتخرج أنت.
قال عبد الملك لأعرابي: لا تحسن أن تطاف؛ قال: يا أمير المؤمنين، أني لأطيل المشي حتى أتواره، كراهة أن أرى، وأستدير الريح، وأجتنب القبلة، وأستر بالنجوة وأفج أفجاج الثعلب، وأتمسح بالحجر والمدر، وأجتنب الروثة والرمة؛ قال: أنك نبيل أصيل.
قال أبو العيناء: ما قطعني أحد قبل المهتدي، قال: بلغني أنك تغتاب الناس؛ قلت: يبطل ما قيل عني شغلي بعيني؛ قال: ذاك والله أشد لتغيظك على أهل العافية.
أن كنت جاهلة فاستخبري خبري ... هل أصدر الأمر لا يسطاع بالحيل
وهل أرد شبا خصمي بحاسمة ... تكفي الألد حجاج الخصم بالجدل
فيه لدد وله مدد.
النبي صلى الله عليه وسلم: أبغض الرجال إلى الله الألد الخصيم.
وعنه عليه الصلاة والسلام: لا خير في المراء وأن كان في حق.
أبو حيان: أن الخصم متى كان الهوى مركبه، والعناد مطلبه، فلن يفلح معه، ولو خرجت اليد بيضاء، وأنقلبت العصا حية.
قاول عثمان بن مسعود العبسي حضين بن المنذر الرقاشي بحضرة قتيبة بن مسلم فغلبه حضين وقال:
فإن تك قد لاقيت مني شكيمة ... فما يوم عيسى من رفاس بواحد
عاتبت أم جعفر الرشيد في إيثار المأمون على محمد، فوجه إليهما خادمين حصيفين يقولان لكل واحد في الخلوة: ما تفعل بي إذا أستخلف؟ فقال محمد: أقطعك أغنيك، ورمى المأمون الخادم بدواة، وقال: يا ابن الإخناء، أتسألني عما أفعل بك يوم يموت أمير المؤمنين وخليفة رب العالمين؟ أني لأرجو أن نكون جميعا فداء له. فقال الرشيد: كيف ترين؟ ما أقدم أبنك ألا متابعة لرأيك وتركا للحزم.
دخل زبيري الهوى على عبد الملك بعد قتل عبد الله، فقال له: أليس قد ردك الله على عقبيك؟ قال: يا أمير المؤمنين، أو من رد إليك فقد رد على عقبيه؟ فسكت عبد الملك، وأستحيا وأمر له بمال.
قال عمر بن عبد العزيز لرجل من أهل الشام: كيف عمالكم فبلكم؟ قال: يا أمير المؤمنين إذا طابت العين عذبت الأنهار.
أخذ الحجاج ابن الحنفية بمبايعة عبد الملك، قال: إذا أجتمع الناس عليه كنت كأحدهم؛ قال: لأقتلنك، قال: أو لا تدري؟ قال: وما لا أدري؟ قال: حدثني أبي: أن الله في كل يوم ثلثمائة وستين لحظة، له في كل لحظة ثلثمائة وستون قضية، فلعله يكفنيك في قضية من قضاياه. فأرتعد الحجاج وأنتفض وقال: لقد لحظك الله فأذهب حيث شئت.
فكتب الحجاج بحديثه إلى عبد الملك، ووافق ذلك كتاب ملك الروم إليه يتهدده، فكتب عبد الملك إلى قيصر بحديث محمد؛ فكتب إليه قيصر: هيهات هيهات، هذا كلام ما أنت بأبي عذره، هذا كلام لم يخرج إلا من نبي، أو من أهل بيت نبوة.

(1/112)


أستدرك على إياس بن معاوية ثلاث، قيل له تسرع في الجواب، ونجالس الدون من الناس، وتلبس الدون من الثياب؛ فقال: خمسة أكثر أم ستة؟ قالوا: ستة، قال: أسرعتم في الجواب، قالوا: ومن يشك في ذا؟ قال: فأنا لا أشك في الدقيق كما لا تشكون في الجليل، ولئن أجالس من يرى لي أحب إلي من أن أجالس من أرى له، ولئن ألبس ثوبا يقيني خير من أن ألبس ثوبا أقيه.
كتب قيصر إلى معاوية يسأله عن ثلاث: عن مكان بمقدار وسط السماء، وعن أول قطرة دم وقعت في الأرض، وعن مكان طلعت فيه الشمس مرة، فلم يعلم ذلك إلا الحسن ابن علي، قال: ظهر الكعبة، وشبر حراء، وأرض البحر حين ضربه موسى.
خالف ناس من قريش معاوية فقال: لقد هممت أن أبعث إليهم من يأتيني برؤوسهم؛ فقام إليه ابن قيس فقال: لو فعلت ذلك لقطعنا أعدادها من رؤوس بني أبي سفيان، فقال معاوية: أنت يا غراب!! فقال: أن الغراب يدب إلى الرخمة حتى ينقف رأسها. فضحك معاوية وسكت.
قال أبو طالب للنبي صلى الله عليه وسلم: أتدري ما يأتمر بك قومك؟ قال: نعم؛ قال: من أخبرك؟ قال: ربي؛ قال: نعم الرب ربك فأستوص به خيرا؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أستوصي به خيرا. أراد الطاعة.
أنشد أبو الخطاب عمر بن عامر السعدي قصيدته التي أولها:
يا خير من عقدت كفاه حجزته ... وخير من قلدته أمرها مضر
فقال الهادي: إلا من، فقال سعيد بن سلم: أراد من في هذا الزمان، وقد أفكر الشاعر فقال:
ألا النبي رسول الله أن له ... فضلا وأنت بذاك الفضل تفتخر
فقال: الآن أصبت وأحسنت، وأمر له بخمسين ألفا.
وكان سعيد يقول: والله أني لأرجو أن يغفر الله للهادي فيرحمه لما رأيته منه.
أنشد العماني الرشيد قوله حين عقد للأمين والمأمون:
قل للأمين المقتدى بأمه ... ما قاسم بدون ما ابني أمه
وقد رضيناه فقم فسمه فقال الرشيد: لم يرض أن يعقدها جلوسا حتى جعلنا قياما؛ قال: أنه قيام عازم، لا قيام قائم.
ونحوه أن الفرزدق أنشد سعيد بن العاص بالمدينة وهو واليها:
ترى الغر الجحاجح من قريش ... إذا ما الأمر في الحدثان عالا
قياما ينظرون إلى سعيد ... كأنهم يرون به هلالا
فقال له مروان: لم ترض أن تجعلنا قعودا ننظر إليه حتى جعلتنا
باب
الجنايات والذنوب وما يتعلق بها من العقود
والعقاب والأعتذار والتنصل والتوبة
النبي صلى الله عليه وسلم: من لم يقبل من متنصل، صادقا كان أو كاذبا، لم يرد علي الحوض.
وعنه عليه الصلاة والسلام: تجافوا لذوي الهيآت عن زلاتهم.
وعنه: أن الله يحب أن يعفى عن زلة السري.
الأشعري عنه عليه الصلاة والسلام: يد الله مبسوطتان لمسيء الليل ليتوب بالنهار ولمسيء النهار ليتوب بالليل حتى تطلع الشمس من مغربها.
الحسن رفعه: أن ابليس قال: وعزتك لا أفارق ابن آدم ما دام الروح في جسده؛ فقال الرب جل جلاله: وعزتي لا أمنعه التوبة ما لم يعرغر بنفسه.
قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أني أذنبت ذنبا؛ قال: أستغفر ربك، قال: وأني أتوب ثم أعود؛ قال: كلما أذنبت فتب وأستغفر ربك حتى يكون الشيطان هو الحسير.
وروى أن حبيب بن الحارث قال له: أني مقراف للذنوب؛ قال: فتب إلى الله يا حبيب؛ فقال: إني أتوب ثم أعود؛ فقال: كلما أذنبت فتب، حتى قال: عفو الله أكبر من ذنوبك يا حبيب.
قياما، فقال له الفرزدق: أنك من بينهم يا أبا عبد الملك لصافن.
عن الأصمعي: كان فهم الرشيد فهم العلماء، أنشده العماني في قوله في صفة الفرس قوله:
كأن أذنيه إذا تشرقا ... قادمة أو قلما محرفا
فقال له: دع كأن وقل تخل، حتى يستوي.
أنس عنه عليه السلام: المؤمن مثل السنبلة يستقيم أحيانا ويميل أحيانا.
الحسن يرفعه: أن المؤمن ليذنب الذنب فيدخله الجنة؛ فقالوا: يا نبي الله، كيف يدخله الجنة؟ قال يكون نصب عينيه، تائبا عنه، مستغفرا منه، حتى يدخل الجنة.

(1/113)


علي رضي الله عنه: سمعت أبا بكر، وهو الصادق، يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من عبد أذنب ذنبا فقام فتوضأ فأحسن وضوءه وصلى وأستغفر من ذنبه إلا كان حقا على الله أن يغفر له، لأنه يقول: " ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله " الآية.
عمر رضي الله عنه: جالسوا التوابين فإنهم أرق أفئدة.
وعنه: أعقل الناس أعذرهم للناس.
وعنه: ما عاقبت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه.
علي رضي الله عنه: العفو زكاة الظفر.
وعنه: إذا أنا مت من ضربته هذه فأضربوه ضربة بضربة؛ ولا يمثل بالرجل، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أياكم والمثلة ولو بالكلب العقور.
مسلم بن الوليد الأنصاري في المأمون:
يغدو عدوك خائفا فإذا رأى ... أن قد قدرت على العقاب رجاكا
الجرجرائي الكاتب:
خل أتى ذنبا إلي وأنني ... لشريكه بالذنب إن لم أغفر
أعتذر رجل إلى يحيى بن خالد فأساء، فقال يحيى: ذنبك يستغيث من عذرك.
إذا كان وجه العذر ليس بواضح ... فإن أطراح العذر خير من العذر
التجنى رائد الصرم، فأصفح الصفح الجميل قبل الرضا بلا عتاب.
سخط الرشيد على حميد الطوسي فدعا له بالسيف والنطع، فبكى، فقال: ما يبكيك؟ فقال: والله يا أمير المؤمنين ما أفزع من الموت لأنه لابد منه، وإنما بكيت أسقا على خروجي من الدنيا وأمير المؤمنين ساخط علي؛ فضحك وعفا عنه وقال: أن الكريم إذا خادعته انخدعا.
أمر زياد بضرب عنق رجل فقال: أيها الأمير أن لي بك حرمة؛ قال: وما هي؟ قال: أن أبي جارك بالبصرة؛ قال: ومن أبوك؟ قال: نسيت أسم نفسي فكيف أسم أبي؟ فرد زياد كمه إلى فيه، وعفا عنه.
ضرب أبو الجحش الأعرابي غلمانا للمهدي، فأستعدوا عليه، فقال: أجترأت على غلماني فضربتهم؟ فقال: كلنا يا أمير المؤمنين غلمانك، ضرب بعضنا بعضا؛ فعفا عنه.
غضب الأسكندر على شاعر فأقصاه، وفرق ماله في الشعراء؛ فقيل له في ذلك؛ فقال: أما أقصائي له فلجرمه، وأما تفريقي ماله في أصحابه فلئلا يشفعوا فيه.
أعرابي: أجعل لي وكيلا من نفسك يقوم عندك بعذري، ويخاصمك إلى كرمك في أمري.
أعرابي: هذا مقام من لا يتكل عندك على المعذرة، بل يعتمد منك على المغفرة.
منصور الفقيه:
لا يوحشنك مني ... ما كان منك إليا
أنتم على كل حال ... أعز خلق عليا
قيل لحكيم: العمل بالبر أفضل، أم أجتناب الأثم؟ فقال: ترك العمل بالبر أعظم الأثم. وأجتناب الأثم أعظم البر.
أمر الحجاج بقتل رجل فقال: أسألك بالذي أنت غدا بين يديه أذل موقفا مني بين يديك اليوم إلا عفوت عني، فعفا عنه.
لما ضرب الحجاج أعناق أصحاب الأشعث أتي برجل من بني تميم بآخرتهم فقال: والله يا حجاج لئن كنا أسأنا في الذنب ما أحسنت في العفو؛ فقال: أف لهذه الجيف، أما كان فيهم من يحسن مثل هذا، وعفا عنه.
زياد: أن الأمرة تذهب الحفيظة، فمن كان مسيئا فليرجع، ومن كان محسنا فليزدد، وقد كان بيني وبين قوم هنات، وقد جعلت ما كان من سوء إلي تحت قدمي، ودبر أذني؛ فلو بلغني أن أحدكم قد أخذه السل من بغضي ما هتكت له سترا، ولا كشفت له قناعا، حتى يبدي لي صفحته، فإذا فعل لم أناظره.
وقع بين عبد الملك بن مروان وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد منازعة فغلبه عبد الرحمن، فقيل لي أشكه إلى عمك ينتقم لك منه؛ فقال: مثلي لا يشكو، ولا أعد أنتقام غيري لي أنتقاما؛ فلما أستخلف قيل له في ذلك فقال: حقد السلطان عجز.
رضي عيسى بن فرخانشاه عن المبرد بعد أن غضب عليه فقال له: أنا أعزك الله، لولا تجرع مرارة الغضب، ما التذذت بحلاوة الرضا، ولا يحسن مدح الصفو إلا عند الكدر، ولقد أحسن في هذا البحتري حيث يقول:
ما كان إلا مكافأة وتكرمة ... هذا الرضا وأمتحانا ذلك الغضب
وربما كان مكروه الأمور إلى ... محبوبها سبب ما مثله سبب
هذي مخايل برق خلفه مطر ... وذاك وري زناد خلفه لهب
وأزرق الفجر يبدو قبل أبيضه ... وأول الغيث قطر ثم ينسكب
فقال له عيسى: أطال الله بقاك، وأحسن عنا جزاك، فأنت كما قال أبو نواس:

(1/114)


من لا نعد العلم إلا ما عرف ... كنا متى نشاء منه نغترف
رواية لا تجتنى من الصحف وأنا أصل البحتري لتمثلك بشعره.
قال المنصور لجرير بن عبد الله وكان واحدا عليه؛ تكلم بحجتك؛ قال: لو كان لي ذنب لتكلمت بعذري، وعفو أمير المؤمنين أحب إلي من براءتي.
الحسن: من رمى أخاه بذنب قد تاب منه ابتلاه الله به.
كان إبراهيم بن المهدي يقول: والله ما عفا عني المأمون تقربا إلى الله، وصلة للرحم، ولكن له سوق في العفو فكره أن تكسد بقتلي.
أعتذر رجل إلى ابن أبي خالد فأساء، فقال لأبي عباد: ما تقول فيه؟ قال: يوهب له جرمه، ويضرب لعذره أربعمائة.
أن العفو يفسد من اللئيم بقدر أصلاحه من الكريم.
عاتب محمد بن زبيدة أبا نواس في شيء، فقال: يا أمير المؤمنين تمام العفو ألا تذكر الذنب.
غضب الرشيد على عبد الله بن مالك، ثم أتضحت له براءته فعفا عنه؛ وكان عبد الله يرى فيه بعض الأنقباض؛ فقيل له: أن عبد الله يشكو أثرا باقيا من تلك النبوة؛ فقال: أنا معشر الملوك إذا غضبنا على أحد من بطانتنا ثم رضينا عنه بقي لتلك الغضبة أثر لا يخرجه ليل ولا نهار.
النعمان بن المنذر:
تعفو الملوك عن العظيم من الذنوب لفضلها
ولقد تعاقب في اليسير وليس ذاك لجهلها
إلا ليعرف فضلها ... ويخاف شدة نكلها
كتب معاوية إلى عقيل بن أبي طالب يعتذر إليه من شيء جرى وبينهما: من معاوية ابن أبي سفيان إلى عقيل بن أبي طالب، أما بعد يا بني عبد المطلب فأنتم والله فروع قصي ولباب عبد مناف وصفوة هاشم، فأين أحلامكم الراسية، وعقولكم الكاسية، وحفظكم الأواصر، حبكم العشائر؟ ولكم الصفح الجميل، والعفو الجزيل، مقرونان بشرف النبوة، وعز الرسالة؛ وقد والله ساء أمير المؤمنين ما كان جرى، ولن يعود لمثله إلى أن بغيب في الثرى.
فكتب إليه عقيل:
صدقت وقلت حقا غير أني ... أرى أن لا أرك ولا تراني
ولست أقول سوء في صديقي ... ولكني أصد إذا جفاني
فركب إليه معاوية، وناشده في الصفح، وأجازه بمائة ألف درهم، حتى رجع.
عثمان بن خريم في الرشيد:
أغثني أمير المؤمنين بنظرة ... تزول بها عني المخافة والأزل
ففضلك أرجو لا البراءة أنه ... أبى الله إلا أن يكون لك الفضل
وإلا أكن أهلا لما أنت أهله ... فأنت أمير المؤمنين له أهل
استبطأ رجل أخا له فقال في الأعتذار إليه: لا تستبطئني في حقك، فو الله لو علمت أن نومي أهنأ من نومك لاحتلت في أن أوثرك به.
عمر بن عبد العزيز: أن أباكم قد أخرج من الجنة بذنب واحد، وأن ربكم وعد على التوبة خيرا، فليكن أحدكم من ذنبه على وجل، ومن ربه على أمل.
الأحنف: الكامل من عدت هفواته.
أيوب السختياني: لا ينبل الرجل حتى يكون فيه خصلتان: الغنى عما في أيدي الناس، والتجاوز عما يكون منهم.
الخليل ابن أحمد: أقبح التحول أن يتحول المرء من ذنب إلى غير توبة.
كان النخعي يكره أن يعتذر إليه، ويقول: أسكت معذورا، فإن المعاذير يحضرها الكذب.
أوحى الله إلى بعض أنبيائه: إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني.
سئل فضيل عن الفتوة فقال: الصفح عن عثرات الأخوان.
إبراهيم بن أدهم: أطلب لأخيك المعاذر من سبعين بابا، فإن لم تجد له عذرا فاعذره أنت.
أحمد بن عاصم الأنطاكي العابد: هذه غنيمة باردة: أصلح ما بقي يغفر لك ما مضى.
أعتذر رجل إلى أبي عبيد الله كاتب المهدي فأكثر، فقال له: ما رأيت عذرا أشبه بإستئناف ذنب من هذا العذر.
كتب الموصلي إلى الفضل بن الربيع وقد وجد عليه: أن لكل ذنب عفوا وعقوبة، فذنوب الخاصة عندك مغفورة، وأما مثلي من العامة فذنبه لا يغفر، فعاقبني بأعراض لا يؤدي إلى مقت، والسلام.
كتب أبو دلامة إلى أبي جعفر من السجن:
وقد كانت تحدثني ذنوبي ... بأني من عذابك غير ناجى
على أني وأن لاقيت شرا ... لعفوك بعد ذاك الشر راجى
أعرابي: أن الله أفرح بتوبة العبد من المضل الواجد، والظمآن الوارد، والعقيم الوالد.
الحسن: لو علم الله من عبد يقبضه على غير التوبة، أن لو عمره عمر الدنيا تاب إليه، ما أختلسه دون توبته.

(1/115)


الحسن: إذا حدثتك نفسك بالخطيئة أو واقعتها، فعجل التوبة إلى الله منها والفزع إليه فيها، والأستغفار له منها، تجده قريبا مجيبا.
وعنه: لا تتمن المغفرة بغير توبة، ولا الثواب بغير عمل، ولا تغتر بالله، فإن الغرة بالله أن تتمادى في سخطه، وتترك العمل بما يرضيه، وتتمنى عليه مع ذلك مغفرته، فتغرك الأماني حتى يحل بك أمره.
علي رضي الله عنه: كل مفتن تواب.
سعيد بن جبير في قوله تعالى: " أنه كان للأوابين غفورا " . قال: الأواب التواب يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب.
أسوف توبتي خمسين حولا ... وظني أن مثلي لا يتوب
علي رضي الله عنه: لا خير في الدنيا إلا لأحد رجلين: محسن يزداد كل يوم أحسانا، ومسىء يتدارك بالتوبة. وعنه ترك الخطيئة أهون من طلب التوبة.
الحسن: ابن آدم ما يؤمنك أن تكون أصبت كبيرة فأغلق دونك باب التوبة، فأنت تعمل في غير معمل.
زفر بن الحارث الكلابي:
ولم تر مني نبوة قبل هذه ... فراري وتركي صاحبي ورائيا
أيذهب يوم واحد أن أسأته ... بصالح أيامي وحسن بلائيا
ابن المسيب: يرفعه: إذا تاب العبد إلى الله فتاب عليه أنسى الحفظة ما علموا، وقال للأرض ولجوارحه أكتمي عليه مساوئه، ولا تظهري عليه أبدا.
وعنه عليه الصلاة والسلام: المستغفر باللسان دون القلب كالمستهزىء بربه.
فضيل: الأستغفار بلا أقلاع توبة الكذابين.
ثمامة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة: عائشة إياك ومحقرات الذنوب، فإن لها من الله طالبا.
بكى الحسن ذات ليلة حتى أبكى أهله، فقيل: فكرت في نفسي فقلت: وما يدريك يا حسن لعلك قد أذنبت ذنبا، مقتك الله عليه مقتا، لا يريد مراجعتك أبدا.
سهل بن سعد: عنه عليه الصلاة والسلام: إياكم ومحقرات الذنوب فإن محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد، فجاء هذا يعود وجاء هذا يعود، حتى جمعوا ما أنضجوا به خبزهم؛ وإن محقرات الذنوب مما يزدريها صاحبها فتهلكه.
ابن عمر: كان رأس عمر على فخذي في مرضه، فقال: ضع رأسي على الأرض، فقلت: وما عليك لو كان على فخذي!! فقال: ضع رأس عمر على الأرض لا أم لك؛ فقال: ويل لي أن لم تغفر لي.
العتبي عن أبيه عمرو بن عتبة: كان أبونا لا يرفع المواعظ عن أسماعنا فأراد سفرا فقال: يا بني تألفوا النعم بحسن مجاورتها، وألتمسوا المزيد بالشكر عليها، وأعلموا أن النفوس أقبل شيء لما أعطيت، وأعطى شيء لما سئلت، فأحملوها على مطية لا تبطىء إذا ركبت، ولا تسبق وأن تقدمت عليها، نجا من هرب من النار، وأدرك من سابق إلى الخير. فقال الأصاغر من ولده: يا أبانا ما هذه المطية؟ قال: التوبة.
صالح غلام أبي تمام الطائي يخاطب مولاه:
إذا عاقبتني في كل ذنب ... فما فضل الكريم على اللئيم
فإن تكن الحوادث برحت بي ... فإن الصبر يعصف بالهموم
التجني وجه القطيعة.
تاب مما لا تحسن مفارقته، وعاد إلى ما لا تجمل به مفارقته.
أحترش بتمهيد عذره ضبا جائما في صدره.
فلان لطيف التوصل، حسن التنصل.
مات حقدي بحياة عذرك.
أجعل ما توليه رضى لا تراضيا، وأغضاء لا تغاضيا.
أغضى على صفاته، وعطف بحلمه وأناته.
فلان لا يخدش وجه عفوه بتثريب.
جحود الذنب ذنبان.
عرفت ما اعترفت به من تقصيرك، فوجدت الأعتراف أو كد معاذيرك.
قعد في مدارج نفسه، يناقشه في الكلم، ويحاسبه على الحلم.
هو منزوع الرحمة من قلبه، يرى العفو مغرما، والسطو مغنما.
ضاق نطاق الأحتمال عما أتاه.
لا يسلمنك الأغترار بعواطفنا إلى التعرض لعواصفنا.
عند تصحيح الضمائر تغفر الكبائر.
كسع ذنوبه بالأستغفار.
حكيم: تجنب صغار الخطايا، فمن العود إلى العود ثقلت ظهور الحطابين، ومن الهفوة إلى الهفوة كثرت ذنوب الخطائين، ورب خطوة يسيرة عادت همة كبيرة، كغصن صار دوحة، وشعبة صارت أيكة، وقضيب صار غيلا.
عقوبة الجاهل نكال للعاقل.
الربيع بن خيثم: لو كانت الذنوب تفوح ما جلس أحد إلى أحد.
علي رضي الله عنه: أنفتر عن الواضحة وقد علمنا الذنوب الفاضحة.
عبيد الله بن معمر القرشي في معاوية:
إذا أنت لم ترخ الأزار تكرما ... على الكلمة العوراء من كل جانب

(1/116)


فمن ذا الذي نرجو لحقن دمائنا ... ومن ذا الذي نرجو لحمل النوائب
أنشد الجاحظ:
وعوراء من قيل امرىء قد رددتها ... بسالمة العينين طالبة عذرا
ولو أنني إذ قالها قلت مثلها ... أو أكبر منها أورثت بيننا غمرا
فأعرضت عنها وأنتظرت به غدا ... لعل غدا يبدي لمنتظر أمرا
لأخرج ضبا كان تحت ضلوعه ... أقلم أظفارا أطال لها الحضرا
أنوشروان: وجدنا للعفو من اللذة ما لم نجده للعقوبة.
ربما وفي ظنين وهفا أمين.
النبي صلى الله عليه وسلم: عفو الملوك بقاء الملك؛ رواه ابن الكلبي عن أبي صالح.
في بعض الكتب: أن كثرة العفو زيادة في العمر. وأصله قوله تعالى: " وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض " .
بليغ: تاب توبة قيد إليها بخزامة الأضرار، لا بحزامة الأختيار.
هجا دعبل المأمون بقوله:
أتي من القوم الذين سيوفهم ... قتلت أخاك وشرفتك بمقعد
شادوا بذكرك بعد طول خموله ... وأستنفذوك من الحضيض الأوهد
وكاتبه أبا عباد بقوله:
وكأنه من دير هزقل مفلت ... حرد يجر سلاسل الأقياد
فقيل للمأمون فقال: من جسر أن يهجو أبا عباد، على نزقه وعجلته، جسر أن يهجوني، على تأني وعفوي. وأنشد المأمون أبا عباد هجاءه، فأنشده أبو عباد ما هجاه به، فضحك وقال: فإني قد عفوت عنه فلا تعرضن له، ولك في أسوة حسنة؛ ثم قال: سبحان الله!! أما يستحي دعبل من الكذب؟ متى كنت خاملا وبدر الخلافة غذيت، وفي حجرها ربيت، خليفة وابن خليفة وأخو خليفة؟.
علي رضي الله عنه: أعظم الذنوب ما أستخف به صاحبه.
الحسن: أن العبد ليصيب الذنب ليلا فيصبح وعليه مذلته.
قال يزيد بن مزيد: أرسل إلي الرشيد ليلا يدعوني، فأوجست منه خيفة؛ فقال: أنت القائل أنا ركن الدولة، والثائر لها، والضارب أعناق بغاتها؟ لا أم لك!! أي ركن لك، وأي ثائر أنت؟ وهل كان منك إلا نفجة أرنب رعبت قطاة جثمت بمفحصها؟ قلت يا أمير المؤمنين ما قلت هذا، إنما قلت: أنا عبد الدولة، والفائز بها؛ فأطرق وجعل ينحل غضبه عن وجهه، ثم ضحك؛ فقلت: أسر من هذا قولي:
خلافة الله في هارون ثابتة ... وفي بنيه إلى أن ينفخ الصور
أرث النبي لكم من دون غيركم ... حق من الله في القرآن مسطور
فقال: يا فضل، أعطه مائتي ألف درهم قبل أن يصبح.
عفا المأمون عن إبراهيم بن المهدي، ثم قال: لو علم أهل الجرائر لذتي في العفو ما أرتكبوها.
وعنه: لو عرف الناس رأيي في العفو لما تقربوا إلي إلا بالجنايات، ومنه أخذ من قال:
تبسطنا على الآثام لما ... رأينا العفو من ثمر الذنوب
معاوية: إني آنف أن يكون في الأرض جهل لا يسعه حلمي، وذنب لا يسعه عفوي، وحاجة لا يسعها جودي.
إبراهيم بن المهدي قال للمأمون: يا أمير المؤمنين، ذنبي أعظم من أن يحيط به عذر، وعفوك أعظم من أن يتعاظمه ذنب.
يزدجرد: الملك الحازم من يؤخر العقوبة في سلطان الغضب.
سمع راهب رجلا يستغفر فقال: مه؛ فقال: كيف أصنع؟ قال: ينبغي للعبد إذا ذكر ذنبا أن ييبس لسانه على حنكه من خشية الله.
كان أبو عاصم الأسلمي هجا الحسن بن زيد، فلما تقلد المدينة للمنصور طلبه، فأتاه في يوم قعد فيه للأعراب فقال:
ستأتي مدحتي الحسن بن زيد ... ويشهد لي بصفين القبور
قبور لو بأحمد أو علي ... يلوذ مجيرها حفظ المجير
هما أبواك من وضعا فضعه ... وأنت برفع من رفعا جدير
فقال له: من أنت؟ قال الأسلمي، قال: أذن حياك الله، وبسط له رداءه، وأمر له بعشرة آلاف درهم.
خرج محمد بن البعيث بن حلبس الربعي على المتوكل، فأخذه وحبسه، فهرب من الحبس وعاد إلى ما كان عليه؛ فجىء به وقدم لتضرب عنقه؛ فقال له المتوكل يا محمد، ما حملك على ما صنعت؟ قال: الشقوة يا أمير المؤمنين، وأنت الحبل الممدود بين الله وبين خلقه، وأن لي بك لظنين: أسبقهما إلى قلبي أولاهما بك، وهو العفو:
تضاءل ذنبي عند عفوك قلة ... فمن بعفو منك فالعفو أفضل
ولم أتوسم غير ما أنت أهله ... وأنك بي خير الفعالين تفعل
فعفا عنه.

(1/117)


عيسى عليه السلام: راكبا الكبيرة والصغيرة سيان. قيل: كيف؟ قال: الجرأة واحدة، وما عف عن الدرة من سرق الذرة.
وقع جعفر بن يحيى في رقعة متنصل، تقدمت لك طاعة، وظهرت لك نصيحة، وكانت بينهما نبوة، ولن تغلب سيئة حسنتين.
كتب اليزيدي إلى المأمون في الأعتذار:
أنا المذنب الخطاء والعفو واسع ... ولو لم يكن ذنب لما عرف العفو
جنى زيد أخو علي بن موسى الرضا، فقال له: يا زيد لعله عرك قول أهل دار البطيخ بالكوفة: أن فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار؛ أتدري لمن ذلك؟ إنما هو للحسن والحسين؛ والله يا زيد لئن كانا بطاعتهما وطهارتهما يدخلان الجنة، وتدخلها أنت بمعصيتك، إنك لخير منهما.
وجد المتوكل على قبيحة، فدخلت عليه وعليها عصابة مكتوب عليها:
إليك فؤادي تائب متنصل ... وعفوك والأنصاف منك مؤمل
إذا أخضر طلح الهجر من سقي سخطكم ... رأيت سماء العين بالدمع تهطل
فقال: قبلنا عذرك، ووهبنا جرمك.
رقى عتبة بن أبي سفيان المنبر في مرض موته فقال: يا أهل مصر، قد تقدمت لي فيكم عقوبات، كنت يومئذ أرجو الأجر فيها، وأنا اليوم أخاف الوزر منها، فليتني لم أكن أخترت دنياي على معادي، ولم أصلحكم بفسادي، وأنا أستغفر الله منكم، وأتوب إليه فيكم، وقد شقي من هلك بين عفو الله ورحمته.
أمر مصعب بن الزبير بقتل رجل من أصحاب المختار، فقال: ما أقبح بي أن أقوم يوم القيامة إلى صورتك هذه الحسنة، ووجهك هذا الذي يستضاء به، فأتعلق بأطرافك وأقول: أي رب سل مصعبا فيم قتلني؟ قال: أطلقوه؛ قال: أيها الأمير أجعل ما وهبت لي من حياتي في خفض؛ قال: قد أمرت لك بمائة ألف درهم؛ قال: فإني أشهد الله وأشهد الأمير أن لابن الرقيات نصفها؛ قال: ولم؟ قال: لقوله:
إنما مصعب شهاب من الله تجلت عن وجهه الظلماء
ملكه ملك رحمة ليس فيه ... جبروت منه ولا كبرياء
يتقى الله في الأمور وقد أفلح من كان دينه الأتقاء
فضحك وقال: أرى فيك موضعا للضيعة، وأمره بلزومه.
العفو الذي يقوم مقام العتق ما سلم من تعداد السقطات، وتخلص من تذكار الفرطات.
قديم الحرمة وحديث التوبة يمحقان ما بينهما من الإساءة.
أعرابي: يا بني إياك وما سبق إلى القلوب أنكاره، وأن كان عندك أعتذاره، فلست بموسع عذرا كل من أسمعته نكرا.
كعب بن جعيل كان شاعر معاوية يمدحه ويذم عليا عليه السلام فقال:
ندمت على شتم العشيرة بعدما ... مضى وأستتبت للرواة مذاهبه
فأصبحت لا أستطيع رد الذي مضى ... كما لا يرد الدر في الضرع حالبه
محمد بن يزداد:
أعيرتني ذنبا وأذنبت مثله ... قضاء لعمري فأعلمن عجيب
على أنني أستغفر الله تائبا ... وأنت مصر لا أراك تتوب
قال رجل لرابعة: أني قد عصيت الله أفتريه يقبلني؟ قالت: ويحك، أنه يدعو المدبرين عنه، فكيف لا يقبل المقبلين إليه؟ علي رضي الله عنه: ولعمري يا معاوية لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ الناس من دم عثمان، ولتعلمن أني في عزلة عنه، إلا أن تتجنى، فتجن ما بدا لك، والسلام.
وعنه: إذا قدرت على عدوك فأجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه.
وعنه: أقيلوا ذوي المروءات عثراتهم، فما يعثر منهم عاثر إلا ويده بيد الله يرفعه.
فروخ الطلحي:
ما زلت بالعفو للذنوب وأطلاق لعان بجرمه غلق
حتى تمنى البراء أنهم ... عندك أمسوا في القد والحلق
حميد اليشكري:
أبا خالد ما كنت أول مذنب ... صفحت بحلم عنه يا ابن المهلب
فإن تعف عني تعف عني بقدرة ... وأن تكن الأخرى فقد ضاق مذهبي
أبو حازم المدني: ويحك يا أعرج!! ينادى يوم القيامة: يا أهل خطيئة كذا، فتقوم معهم، ثم ينادى: يا أهل خطيئة أخرى، فتكون معهم، فأراك يا أعرج تريد أن تقوم مع أهل كل خطيئة.
ابن سيرين: أني لأعرف الذنب الذي حمل علي الدين؛ قلت لرجل منذ أربعين سنة: يا مفلس.
أبو سليمان الداراني: قلت ذنوبهم فعلموا من أين يؤتون، وكثرت ذنوبي وذنوبك فلا ندري من أين نؤتي.
معتمر بن سليمان عن أبيه: إذا أصاب الرجل الذنب أصبح وعليه مذلته.
أبو الدرداء: الشرك قتل، والمعاصي جراحات.

(1/118)


زهير بن نعيم: لأن يتوب رجل أحب إلي من أن يرد الله علي بصري.
لما حل بداود الموت، وكان وسم خطيئة على يده، رفعها إلى بصره وهو يقول لملك الموت: أقبضني ويدي هكذا.
ثمامة بن أشرس المتكلم حبسه الرشيد بسبب البرامكة، فكتب إليه من الحبس:
عيد مقر ومولى سست نعمته ... بما يحدث عنه البدو والحضر
أوقرته نعما أتبعتها نعما ... طوارفا تلدا في الناس تشتهر
ولم تزل طاعتي بالغيب ظاهرة ... ما شابها ساعة غش ولا غير
فإن غفرت فشيء كنت أعهده ... أو أنتصرت فمن مولاك تنتصر
لما أنصرف الجحاف بن حكيم من وقعة بني تغلب، ندم على ما فعل هو وقومه، وكانوا قد قطعوا ثدي النساء، وقتلوا الأطفال في المهود؛ فحجوا وجعلوا يطوفون ويقولون اللهم أغفر لنا وما نراك تفعل. فسمعهم ابن عمر فقال: يا هؤلاء قنوطكم من رحمة الله أعظم من أجرامكم.
كان الداراني يقول: أن خطيئة تغم قلب صاحبها لمباركة، إنما البلاء من يعصى ولا يغتم؛ وما عمل داود قط عملا كان أنفع له من خطيئته، ما زال خائفا منها هاربا، حتى لحق بربه.
دخل قوم على فضيل بمكة فقال: من أين أنتم؟ قالوا: من خراسان؛ قال: أتقوا الله وكونوا من حيث شئتم، وأعلموا أن العبد، وأحسن الأحسان كله، وكانت له دجاجة فأساء إليها لم يكن من المحسنين.
بينا داود عليه السلام جالسا على باب داره جاء رجل فأستطال عليه، فغضب له اسرائيلي كان معه، فقال: لا تغضب، فإن الله إنما سلطه علي لجناية جنيتها؛ فدخل فتنصل إلى ربه، فجاء الرجل يقبل رجليه، ويعتذر إليه.
وأستطال رجل على أبي معاوية الأسود وأسمعه شرا، فقال: أستغفر الله، وأعوذ بالله من الذنب الذي سلطك به علي.
أبو نواس:
أفنيت عمرك والذنوب تزيد ... والكاتب المحصى عليك شهيد
كم قلت لست بعائد في سوءة ... ونذرت فيها ثم أنت تعود
قال أبو بكر الهذلي للمنصور، وأراد أن يعاقب أهل البصرة، يا أمير المؤمنين بلغني أنه ينادى مناد يوم القيامة: ألا ليقم من كانت له على الله دالة، فلا يقوم إلا أهل العفو؛ قال: فإني أشهدك أني قد عفوت عنهم.
سمع جبريل إبراهيم خليل الرحمن يقول: يا كريم العفو؛ فقال: أو تدري يا إبراهيم ما كرم عفوه؟ قال: لا يا جبريل؛ قال: أن عفا عن السيئة كتبها حسنة.
أن سمتني ذلا فعفت حياضه ... سخطت ومن يأب المذلة يعذر
أسحق مولى المهلب:
فأين الفضل منك فدتك نفسيعلي إذا أسأت كما أسأت كان النميري يشبب بزينب أخت الحجاج، فخافه فهرب، فطلبه فلم يقدر عليه، فلم يشعر إلا وهو واقف بين يديه ينشده:
فها أنذا طوفت شرقا ومغربا ... فجئت وقد طوفت كل مكان
فلو كانت العنقاء منك تطير بي ... لخلتك إلا أن تصد تراني
سئل سعيد بن جبير: من أعبد الناس؟ فقال: رجل أجترح الذنوب، فكلما ذكر ذنبه أحتقر عمله.
فضيل: لو شممتم رائحة ذنوبي ما قاربتموني.
معاوية: إني لا أحمل السيف على من لا سيف معه، وأن لم يكن إلا كلمة يشتفي بها مشتف جعلتها تحت قدمي ودبر أذني.
جرى بين شهرام المروزي وبين أبي مسلم صاحب الدعوة كلام فقال له شهرام: يا لقيط؛ ثم ندم فأقبل عليه متنصلا، فقال أبو مسلم: لسان سبق، ووهم أخطأ، وإنما الغضب شيطان، وأنا جرأتك على نفسي بطول أحتمالي لك، وقد عفوت عنك؛ فقال شهرام: أن عفو مثلك لا يكون غرورا، وألح في الأعتذار، فقال أبو مسلم: يا عجبا!! كنت تسىء وأنا أحسن، أفأسيء حين أحسنت؟ يزيد بن الطفيل وقد تاب عن الخرابة وقتل في سبيل الله:
ألا قل لأصحاب المحابض أهملوا ... فقد تاب مما تعلمون يزيد
وأن امرا ينجو من النار بعدما ... تزود من أعمالها لسعيد
فضيل: قال أبليس يا رب أن الخليقة تحبك وتبغضني، وتطيعني وتعصيك؛ فقال سبحانه وتعالى، وهو الغفور الرحين، لأغفران لهم طاعتهم إياك ببغضهم لك، ولأغفرن لهم معصيتهم أياي بحبهم إياي.

(1/119)


عمر رضي الله عنه: يا ابن آدم لا يلهك الناس عن نفسك، فإن الأمر يخلص إليك دونهم، ولا تقطع النهار سادرا فإنه محفوظ عليك ما علمت، إذا أسأت فأحسن، فإني لم أر شيئا أشد طلبا، ولا أسرع دركا، من حسنة حديثة لذنب قديم.
عمر بن عبد العزيز:
فلولا النهي ثم التقى خشية الردى ... لعاصيت في حب الصبا كل زاجر
قضى ما قضى فيما مضى ثم لا ترى ... له صبوة أخرى الليالي الغوابر
مدح شاعر محمد بن عبدوس فقال: ما أن أعطيك شيئا من مالي فلا، ولكن أذهب فأجن جناية حتى لا آخذك بها.
تغيظ عبد الملك على رجل فقال: والله لئن أمكنني الله منه لأفعلن؛ فلما صار بين يديه قال رجاء بن حيوة: يا أمير المؤمنين قد صنع الله ما أحببت، فأصنع ما أحب الله، فعفا عنه.
الحياء والسكوت، وقلة الأسترسال، والعزلة
والستر والخمول، وسلامة الجانب، والتواضع، وهضم النفس، ونحو ذلك
النبي صلى الله عليه وسلم: لكل دين خلق، وخلق الأسلام الحياء، وعنه عليه الصلاة والسلام: الحياء شعبة من الإيمان. وعنه: أن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فأصنع ما شئت.
أبو هريرة رضي الله عنه، رفعه: الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة؛ والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار.
علي رضي الله عنه: من كساه الحياء ثوبه لم ير الناس عيبه.
أبو موسى الأشعري: إني لأدخل البيت المظلم أغتسل فيه من الجنابة فأحني صلبي حياء من ربي.
عبد الواحد بن زيد: ألا تستحيون من طول ما لا تستحيون.
كان عتبة الغلام يدخل في الصلاة في مئزر، فيخرج وقد تصبب عرقا؛ فقيل له في ذلك، فقال: حياء من ربي.
الأسود بن يزيد: أن الرجل ليكون بينه وبين الرجل ذنب فيعفو له عنه، وهو يستحي أن ينظر في وجهه أيام حياته؛ فالله أحق أن يستحيا منه.
النظار الفقعي:
بعيش المرء ما أستحيا كريما ... ويبقى العود ما بقي اللحاء
وما في أن يعيش المرء خيرا ... إذا ما المرء فارقه الحياء
أعرابي: لا يزال الوجه كريما ما غلب حياؤه، ولا يزال الغصن نضيرا ما بقى لحاؤه.
آخر: الوجه المصون بالحياء كالجوهر المكنون في الوعاء.
آخر: رونق صحيفة الوجه عند الحياء كفرند صفيحة السيف عند الجلاء.
آخر: ما المبتختر في وشي ردائه بأحسن من المتقارب في قيد حيائه.
رسطاليس: من أستحيا من الناس ولم يستحي من نفسه فلا قدر لنفسه عنده.
النبي صلى الله عليه وسلم: رحم الله أمرأ ملك فضل لسانه، وبذل فضل ماله.
وقبل عقبة بن عامر: يا رسول الله ما النجاة؟ قال: يا عقبة أملك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئك.
أبو الدرداء: أنصف من فيك أذنيك، فإنما جعل لك أذنان وفم واحد لتسمع أكثر مما تقول.
كان رجل يحضر مجلس أبي يوسف كثيرا ويطيل السكوت، فقال له يوما: مالك لا تتكلم، ولا تسأل عن مسألة؟ قال: أخبرني أيها القاضي متى يفطر الصائم؟ قال: إذا غابت الشمس؛ قال: فإن لم تغب إلى نصف الليل؟ فتبسم وتمثل ببيت جرير:
وفي الصمت ستر العيي وإنما ... صحيفة لب المرء أن يتكلما
وهب: إذا كان في الصبي خلقان: الحياء والرهبة طمع في رشده.
عمران بن حصين رفعه: الحياء خير كله.
ما أن دعاني الهوى لفاحشة ... إلا نهاني الحياء والكرم
فلا إلى محرم مددت يدي ... ولا مشت بي لريبة قدم
الكاتب العبرتاي:
وأني لأغضى من رجال على القذى ... مرارا وما من هيبة لهم أغضى
ولكنني أقنى الحياء تكرما ... وأكرم عن أدناس عرضهم عرضي
الخمول أخو العدم، والشهرة أم الكون.
قيل لراهب: ما أصبرك على الوحدة!! قال: أنا جليس ربي، إذا شئت أن يناجيني قرأت كتبه، وإذا شئت أن أناجيه صليت.
علي رضي الله عنه: إذا تم العقل نقص الكلام.
واصل بن عطاء: لأن يقول الله لي يوم القيامة: هلا قلت، أحب أني من أن يقول لي: لم قلت؟ لأنه إذا قال لي: لم قلت؟ طالبني بالبرهان، وإذا قال لي: هلا قلت! فليس ذاك يريد.
النبي صلى الله عليه وسلم: المؤمن من أمنه الناس.

(1/120)


نزل النعمان برابية فقال له رجل: لو ذبح رجل إلى أي موضع كان يبلغ دمه من هذه الرابية؟ فقال: المذبوح والله أنت، ولأنظرن إلى أين يبلغ دمك؟ فقال بعض الحاضرين: رب كلمة تقول لصاحبها دعني.
تحدثوا عند الأوزاعي، وفيهم أعرابي من بني عليم بن جناب لا يتكلم، فقيل له: بحق ما سميتم خرس العرب، أما تحدث!! فقال: أن الحظ للمرء في أذنه، وأن الحظ في لسانه لغيره، فقال الأوزاعي: لقد حدثكم فأحسن.
أعرابي: رب وحدة أنفع من جليس، ووحشة أمتع من أنيس.
إبراهيم النظام:
وإذا تأمل في الزجاجة ظله ... جرحته لحظة مقلة الظل
أبو بكر الطائي الكاتب:
رق حتى خلته ملكا ... خارجا عن جملة البشر
فعيون الوهم تجرحه ... بخفي اللحظ والنظر
أعرابي: رب منطق صدع جمعا، وسكوت شعب صدعا.
قالت امرأة لزوجها: مالك إذا خرجت إلى أصحابك تطلقت وتحدثت، وإذا دخلت تعقدت وأطرقت؟ قال: لأني أدق عن جليلك وتجلين عن دقيقي.
قيل لعروة أخي مرداس: لم لا تحدثنا ببعض ما عندك من العلم؟ قال: أكره أن يميل قلبي بإجتماعكم إلي حب الرياسة، فأخسر الدارين.
وكان قتادة يقول: لولا حب الحسن الرياسة لمشى على الماء.
وكان أبو معاوية الضرير يقول: في خصلتان ما يسرني بهما رد بصري: قلة الأعجاب بنفسي، وخلو قلبي من إجتماع الناس إلي.
عمر رضي الله عنه: خذوا بحظكم من العزلة.
بشر بن منصور: ما جلست إلى أحد: ولا جلس إلي، فقمت من عنده، أو قام من عندي، إلا علمت أني لو لم أقعد إليه، ولم يقعد إلي، لكان خيرا لي.
مكحول رفعه: من ستر مخزاة على المؤمن ستره الله يوم القيامة.
النبي صلى الله عليه وسلم: أعجب الناس إلي منزلة رجل يؤمن بالله ورسوله، ويقيم الصلاة، ويؤتى الزكاة، ويعمر ماله، ويحفظ دينه، ويعتزل الناس.
وعنه عليه الصلاة والسلام: أن أغبط الناس مؤمن خفيف الحاذ، ذو حظ من صلابة، أحسن عبادة ربه، وأطاعه في السر، وكان غامضا في الناس، لا يشار إليه بالأصابع، وكان عيشه كفافا فصبر على ذلك، ثم عجلت منيته فقل تراثه، وقلت بواكيه.
جاء عمر بن سعد إلى أبيه فقال: أرضيت أن تكون أعرابيا في عنمك وإبلك، والناس يتنازعون الملك؟ فضرب سعد وجهه وقال: ويلك دعني فقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أن الله يحب العبد التقي الخفي.
صعد حسان على أطم من آطام المدينة فنادى: يا صباحاه!! فأجتمعت الخزرج فقالوا: ما عندك؟ قال: قلت بيت شعر فأحببت أن تسمعوه؛ قالوا: هات؛ قال:
وأن أمرء أمسى وأصبح سالما ... من الناس إلا ما جنى لسعيد
عبد الله بن عمر رفعه: ليس أحد أحب إلى الله من الغرباء؛ قيل: ومن الغرباء؟ قال: الفرارون بدينهم، يجمعون إلى عيسى بن مريم.
لما بنى سعد بن أبي وقاص منزله بالعقيق، قيل له: تركت مجالس أخوانكم وأسواق الناس، ونزلت العقيق؛ فقال: رأيت أسواقهم لاغية، ومجالسهم لاهية، فوجدت الأعتزال فيما هناك عافية.
الربيع بن خثيم تفقهوا ثم اعتزلوا وتعبدوا.
قيل لابن المبارك: لو أتيت هذا الرجل فأمرته ونهيته، لعل الله أن ينفع بك؛ فقال: من أعتزلهم فقد أمرهم ونهاهم.
كان العمري وهو عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر صلبا مهيبا، فأعتزل وسكن البادية، وكان ملازما للمقابر، ومعه كتاب، وكان يقول: ما من شيء أوعظ من قبر، ولا آنس من كتاب، ولا أسلم من الوحدة، فكتب إليه مالك بن أنس: إنك قد بدوت، فلو سكنت بقرب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فأجابه: حملني على ذلك بغضي لجوار مثلك، إنك لم يطلع الله عليك وأنت متغير الوجه فيه.
فيل للأحنف: بأي شيء سدت قومك؟ قال: لو عاب الناس الماء ما شربته.
واصل بن عطاء كان يأتي مجلس الحسن في أوائل الناس وينصرف في أواخرهم، وهو زام لا يتكلم فيه بكلمة قط.
كان عمر بن عبيد لا يكاد يتكلم، فإذا تكلم لم يكد يطيل.
النخعي: إنما يهلك الناس في فضول الكلام وفضول المال.
ابن عون: ثلاث أرضاها لنفسي ولأخواني: الأولى أن يتعلم المسلم القرآن ويقرآه ويتدبره، والثانية أن يسأل عن السنة ويتبعها جهده، والثالثة أن يدع هؤلاء الناس.
حماد بن زيد الذي يقول فيه ابن المبارك:
أيها الطالب علما ... إيت حماد بن زيد

(1/121)


أقتبس منه علوما ... ثم قيدها بقيد
كان يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتكلم رجل فغضب حماد وقال: يقول تعالى: " لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي " ، وأنا أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنتم تتكلمون.
سفيان بن عيينة: قال لي بشر بن منصور السلمي: يا ابن عيينة أقل من معرفة الناس، فإنه أقل لفضيحتك غدا.
النخعي: كانوا يتعلمون السكوت كما يتعلمون الكلام.
علي بن هشام بن فرخسرو:
لعمرك أن الحلم زين لأهله ... وما الحلم إلا عادة وتحلم
إذا لم يكن صمت الفتى من فدامة ... وعي فإن الصمت أهدى وأسلم
موسى بن طريف: أجتهد في كتمان الخير فإنه يرق قلبك، وأن أمكنك فكن بين قوم لا يعرفونك، ولا يكن نصيبك من الدنيا أن تقول جالست فلانا، وناظرت فلانا، فإن ذلك يقسى القلب.
صحب رجل الربيع بن خثيم فقال: أني لأرى الربيع لا يتكلم منذ عشرين سنة إلا بكلمة تصعد، ولا يتكلم في الفتنة، فلما قتل الحسين قالوا: ليتكلمن اليوم؛ فقالوا له: يا أبا يزيد قتل الحسين؛ فقال: أوقد فعلوا، اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، ثم سكت. وكان يقول: أن العبد أن شاء ذكر ربه وهو ضام شفتيه.
قال الثوري لأخ له: أبلغك شيء مما تكره عمن لا تعرف؟ قال: لا، قال: فأقل من معرفة الناس، فإن معرفة الناس ما أبقت لي حسنة.
وعنه: ما رأيت للأنسان خيرا من أن يدخل في حجره، فقال يونس: ينبغي اليوم أن يدخل في قبره.
وكتب إلى عباد بن كثير: عليك بالخمول فإنه زمان الخمول؛ وإياك والرياسة، فإن لها غورا لا تبصره إلا السماسرة.
قيل لمالك بن مغول: أما تستوحش في هذه الدار وحدك؟ قال: ما كنت أرى أن أحدا يستوحش مع الله.
وهيب بن الورد: بلغنا أن الحكمة عشرة أجزاء، تسعة منها في الصمت، والعاشر عزلة الناس.
عتبة بن أبي لهب:
زعم ابن عمي أن حلمي ضرني ... ما ضر قلبي أهله الحلم
أنا أناس من سجيتنا ... صدق الحديث ورأينا حتم
لبسوا الحياء فإن نظرت حسبتهم ... سقموا ولم يمسسهم سقم
إني وجدت العدم أكبره ... عدم العقول وذلك العدم
والمرء أكبر عيبه ضررا ... خطل اللسان وصمته حكم
علي رضي الله عنه: وذلك زمان لا ينجو فيه إلا كل مؤمن نومة، أن شهد لم يعرف، وأن غاب لم يفتقد، أولئك مصابيح الهدى، وأعلام السرى، ليسوا بالمساييح، ولا المذاييع البذر، أولئك يفتح الله لهم أبواب رحمته، ويكشف عنهم ضراء نقمته.
وعنه: أختزن رجل لسانه، فإن هذا اللسان جموح بصاحبه، والله ما أرى عبدا يتقي تقوى تنفعه حتى يختزن لسانه، وأن لسان المؤمن من وراء قلبه، وأن قلب الكافر من وراء لسانه، لأن المؤمن إذا أراد أن يتكلم بكلام تدبره في نفسه، فإن كان خيرا أبداه، وأن كان شرا وأراه؛ وإن المنافق يتكلم بما أتى على لسانه، ولا يدري ماذا له وماذا عليه؛ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، فمن أستطاع منكم أن يلقى الله، وهو نفي الراحة من دماء المسلمين وأموالهم، سليم اللسان من أعراضهم فليفعل.
النبي صلى الله عليه وسلم: إذا رأيتم المؤمن صموتا فأدنوا منه، فإنه يلقي الحكمة.
أحيحة بن الجلاح:
والصمت أحسن بالفتى ... ما لم يكن عي يشينه
والقول ذو خطل إذا ... ما لم يكن لب يعينه
فضيل: كان يقال: من أستوحش من الوحدة، وأستأنس بالناس، لم يسلم من الرياء.
عمر رضي الله عنه: في العزلة راحة من خلطاء السوء.
فضيل: إذا أقبل الليل فرحت، وقلت أخلو بربي، ولا أرى الناس، وإذا نظرت إلى الصبح استرجعت، وركبني شيء كراهة لقاء الناس.
وعنه: ما في الأرض أحد أشتهى أن أراه، ولا يقرع أحد بابي إلا شق علي، إلا رجلين؛ أراد ابن المبارك والعمري.
وعنه: أني لأتخذ للرجل عندي يدا إذا لقيني لا يسلم علي، وإذا مرضت لا يعودني.

(1/122)


سفيان بن عيينة: دخلنا على فضيل في مرضه فقال: ما جاء بكم؟ والله لو لم تجيئوا كان أحب إلي؛ ثم قال: نعم الشيء المرض لولا العيادة.
النخعي: دخلت المسجد ليلا فوجدت فضيلا وحده خلف المقام فجئته، فقال: من هذا؟ قلت: إبراهيم؛ قال: ما جاء بك؟ تحب أن تغتاب؛ قلت: لا؛ قال: تحب أن تكذب؟ قلت: لا؛ قال: تحب أن ترائي؟ وروي: تحب أن تتزين لي وأتزين لك؟ قلت: لا؛ قال: فقم عني.
ابن عيينة: من حرم العقل فليصمت، فإن حرمها فالموت خير له.
وسمع رجلا يتكلم فقال: اسكت فما أزعم أن متكلما يبرأ من الرياء.
قيل لفضيل: أن أبنك يقول: لوددت أني بالمكان الذي أرى الناس ولا يرونني؛ فقال: ويح علي! هلا أتمها فقال: لا أراهم ولا يرونني.
الشافعي رحمه الله: الأسترسال إلى الناس مجلبة لقرناء السوء، والأنقباض عنهم مكسبة للعداوة، فكن بين المنقبض والمنبسط.
إذا طلبت صلاح قلبك فأستعن عليه بحفظ لسانك.
محمد بن القاسم: قرىء على باب صنعاء: أن كانت العافية من شأنك، فسلط السكوت على لسانك.
عبد الله بن أبي زكريا: عالجت العبادة، فلم أجد شيئا أشد من الصمت.
أنس رفعه: طوبى لمن أمسك الفضل من قوله، وأنفق الفضل من ماله.
عائشة رفعته: عجبت من ابن آدم، وملكاه على نابيه، فلسانه قلمهما، وريقه مدادهما، كيف يتكلم فيما لا يعنيه.
ابن عمر رفعه: لا تكثروا الكلام في غير ذكر الله، فإن كثرة الكلام في غير ذكر الله قسوة القلب، وأن أبعد الناس من الله القلب القاسي.
ابن عباس: أخذ لسانه فقال: يا لسان قل خيرا تغنم وأمسك عن القبيح تسلم.
عبد الكريم أبو أمية: تحفظ في بعض المنطق أحب إلي من كثير من الصوم والصلاة.
كان يقال: ينبغي للمؤمن أن يكون أشد حفظا للسانه منه لموضع قدميه.
لأن تكون أخرس عاقلا خير لك من أن تكون نطوقا جاهلا، ولكل شيء دليل ودليل العقل التفكر، ودليل التفكر الصمت.
النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: عليك بالصمت إلا من خير، فإنه مطردة للشيطان، وعون على أمر دينك، وفي الصمت سلامة من الندامة، وتلافيك ما فرطت فيه من صمتك أيسر من أدراك متا فاتك من منطقك.
كتب سفيان إلى عباد بن عباد: أما بعد، فإنك في زمان كان الصحابة يتعوذون أن يدركوه، ولهم من العزم ما ليس لنا ولا لك، ولهم من العلم ما ليس لنا ولا لك؛ فعليك بالعزلة وقلة المخالطة، وكان الناس إذا التقوا انتفع بعضهم ببعض، فأما اليوم فقد ذهب ذلك، والنجاة في تركهم.
يقال: لسانه منه على بال. تمسك بإطراف السكوت، وقف مطية الكلام. هو جبان الوجه، أي حيي. تروح إلى بقاء عزك بالوحدة، ولا تتشوف إلى من تخلق عنده الجدة. أرفض الناس فكل مشغلة. من نطق في غير خير فقد لغا، ومن نظر في غير أعتبار فقد سها، ومن سكت في غير فكر فقد لها، لو قرأت صحيفتك لأغمدت صفيحتك. لو رأيت ما في ميزانك ختمت على لسانك.
الفيض بن أبي صالح وزير المهدي في الوزير أبي عبيد الله:
فالصمت في غير عي من سجيته ... حتى يرى موضعا للرأي يستمع
لا يرسل القول إلا في مواضعه ... ولا يخف إذا حل الحبى الجزع
قالوا: ما أحتنك رجل قط إلا أحب الخلوة.
أراد معاذ الحج فطلب ثابت البناني أن يصاحبه، فقال: ويحك دعنا نتعايش بستر الله، إني أخاف أن نصطحب فيرى بعضنا من بعض ما نتماقت عليه.
لما خرج يونس من بطن الحوت طال صمته، فقيل له: ألا تتكلم!! فقال: أن الكلام صيرني في بطن الحوت.
حكيم: إذا أعجبك الكلام فأصمت، وإذا أعجبك الصمت فتكلم.
الصمت أخفى للنقيصة، وأنفى للغميصة.
أقلل من القول تسلم من غوائله ... وأرض السكوت شجا في الحلق معترضا
كان ربيعة الرأي كثير الكلام، وكان يقول: الساكت بين النائم والأخرس.
كان يقال: من السكوت ما هو أبلغ من الكلام، وأن السفيه إذا سكت عنه كان في أغتمام.
قيل لرجل: بم سادكم الأحنف؟ فو الله ما كان أكبركم سنا، ولا بأكثركم شيئا؛ قال: بقوة سلطانه على نفسه.
مطرف بن عبد الله: لو كنت راضيا عن نفسي قليتكم، ولكني لست عنها براض.
العتابي: أما بعد فإن كان ما تطلبه من المعاش لك مقدورا فسيأتيك وأن سكت، وأن كان عنك مصروفا فلن يأتيك ولو تكلمت، فإن كان ذلك كذلك فآثر عز السكوت على ذل الكلام، والسلام.

(1/123)


الكلمة أسيرة في وثاق الرجل، فإذا تكلم بها صار أسيرا في وثاقها.
قد لزمت السكوت من غير عي ... وصحبت الفراش من غير عله
وهجرت الأخوان لما أتتني ... منهم كل خطة مصمئله
فعلى أهل هذا الزمان جميعا ... ضعف قطر السماء من لعنة الله
لما قال الله تعالى لنوح عليه السلام: " إني أعظك أن تكون من الجاهلين " ، قال نوح: أستحييت من ربي فنكست رأسي أربعين سنة حياء من ذلك القول.
أجتمع أربعة ملوك فتكلموا، فقال ملك الفرس: ما ندمت على ما لم أقل مرة، وندمت على ما قلت مرارا؛ وقال قيصر: أنا عل رد ما لم أقل أقدر مني على رد ما قلت؛ وقال ملك الصين: ما لم أتكلم بكلمة ملكتها، فإذا تكلمت بها ملكتني؛ وقال ملك الهند: العجب ممن يتكلم بكلمة أن رفعت ضرت وإن لم ترفع لم تنفع.
أردوان الأكبر: كثر القبيح حتى قل الحياء منه.
كان بهرام جور قاعدا ليلة تحت شجرة، فسمع منها صوت طائر، فرماه فأصابه، فقال: ما أحسن حفظ اللسان بالطائر والأنسان!! لو حفظ هذا لسانه ما هلك! وقد نظمه من قال:
حفظ اللسان، فأحفظ اللسانا، ... قد يحفظ الطائر والأنسانا
ملك الهند: عجبت لمن يتكلم بما أن حكي عنه ضره، وأن لم يحك عنه لم ينفعه.
علي رضي الله عنه: بكثرة الصمت تكون الهيبة.
عمرو بن العاص: الكلام كالدواء أن أقللت منه نفع، وأن أكثرت منه قتل.
لقمان: يا بني إذا افتخر الناس بحسن كلامهم فأفتخر أنت بحسن صمتك.
ثلاثة يؤمرون بالسكوت: الراقي في جبل طويل، وآكل السمك، والمروي في أمر جسيم.
قال عبد الملك لأعرابي: تمن؛ قال: رزقا في سعة لا يكون بيني وبين أحد مطالبة؛ قال: ثم؛ قال: ثم الخمول فإني رأيت الشر إلى ذوي النباهة سريعا؛ قال عبد الملك: ليت هذه الخلافة موركة في عنقك وأني رزقت هذا.
تلحف بالخمول تعش سليما ... وجالس كل ذي أدب كريم
حكيم: من خلا بالعلم لم يستوحش من الخلوة.
النبي صلى الله عليه وسلم: رأس التواضع أن تبدأ بالسلام على من لفيت، وأن ترضى بدون المجلس، وأن تكره أن تذكر بالبر والتقوى، وأن تدع المراء وأن كنت محقا.
كلم فضيل داود الطائي في عزلته فقال: أن كان لك بدينك حاجة ففر من الناس فرارك من الأسد، ولقد جالستهم، اللهم غفرا، فأما صغيرهم فلا يوقرك، وأما كبيرهم فيحصى عليك عيوبك.
أصرم بن حميد الطائي:
أصم عن الكلم المحفظات ... وأحلم والحلم بي أشبه
وإني لأترك جل الكلام ... لئلا أجاب بما أكره
إذا ما أجتررت سفاه السفيه ... علي فإني أنا الأسفه
علي رضي الله عنه: طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وطوبى لمن لزم بيته، وأكل قوته، وأشتغل بطاعته، وبكى على خطيئته، فكان من نفسه في شغل، والناس منه في راحة.
وعنه: لا خير في الصمت عن الحكم، كما أنه لا خير في القول بالجهل.
قيل لعبد الله الراسبي: ما بقي مما تسربه؟ قال: سرب أخلو به فيه.
رأى سفيان بن عيينة سفيان الثوري في المنام فقال له: أوصني؛ قال: أقلل من معرفة الناس، ثلاث مرات.
كتب حكيم إلى أخ له: إياك والأخوان الذين يكرمونك بالزيارة ليغصبوك يومك، فإنك إنما تنال الدنيا والآخرة بيومك، فإذا ذهب يومك فقد خسرت الدنيا والآخرة.
وعن بعضهم: اللهم إني أعوذ بك من كل ما جاءني يشغلني عنك.
الخواص: أن العباد عملوا على أربع منازل: على الخوف، والرجاء، والتعظيم، والحياء، فأرفعها منزلة الحياء، لما أيقنوا أن الله يراهم على كل حال قالوا: سواء علينا رأيناه أو رآنا؛ فكان الحاجز لهم عن معاصيه الحياء منه.
عابد: أن الله غيور، لا يحب أن يكون في قلب العبد أحد إلا الله.
سفيان: الزهد في الدنيا الزهد في الناس.
لبس مطرف بن عبد الله الصوف، وجلس مع المساكين، فقيل له؛ فقال: أن أبي كان جبارا، فأحببت أن أتواضع لربي، لعله يخفف عن أبي تجبره.
مجاهد: أن الله تعالى لما أغرق قوم نوح شمخت الجبال وتواضع الجودي، فرفعه على الجبال، وجعل قرار السفينة عليه.
أبو محمد التيمي في الفضل بن سهل:
لعمرك ما الأشراف في كل بلدة ... وإن عظموا إلا لفضل صنائع

(1/124)


ترى عظماء الناس للفضل خشعا ... إذا ما بدا والفضل لله خاشع
تواضع لما زاده الله رفعة ... وكل رفيع قدره متواضع
أبو سليمان الداراني: ما رضيت عن نفسي طرفة عين، ولو أن أهل الأرض أجتمعوا على أن يضعوني كأتضاعي عند نفسي ما أحسنوا ذلك.
مر فضيل بشيخ يحدث، فقال: يا شيخ ليس أوان تحلق وحديث، هذا أوان أخف شخصك وأعمل.
أوحى الله إلى نبي من الأنبياء: أن أردت أن تسكن حضيرة القدس، فكن في الدنيا وحيدا حزينا وحشيا، كالطائر الفرد الذي يرعى في القفار، ويأوى إلى رؤوس الأشجار، إذا جنه الليل لم يأو مع الطير، استيناسا بربه، وأستيحاشا من غيره.
كتب يونس بن عبيد الله إلى أخ له: أن نفسي قد ذلت لي بصيام هذا اليوم الشديد الحر، البعيد الطرفين، ولم تذل لي بترك الكلام فيما لا يعنيني.
رأيت اللسان على أهله ... إذا ساسه الجهل ليثا مغيرا
ابن المعتز:
ويضل صباغ الحياء بخده ... نعبا يعصفر تارة ويورد
محمد بن علي بن الحسين: لم يردد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم طالبا عن شيء يملكه، ولا حمله الأستحياء على أن يسمح في غير ذلك، حتى لقد قال له قائل، في كبة شعر من الفيء: يا رسول الله أخذت هذه لأخيط بها برذعة لجملي؛ فقال: أما نصيبي منها فهو لك؛ فطرحها الرجل في المقسم.
أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم كلا من أبي سفيان وعيينة بن حصن وسهيل بن عمرو مائة من الأبل، فقالوا: يا بني الله تعطي هؤلاء وتدع جعيلا؟ وهو رجل من بني غطفان، فقال: جعيل خير من طلاع الأرض مثل هؤلاء، ولكني أعطي هؤلاء أتألفهم، وأكل جعيلا إلى ما جعله الله عنده من التواضع.
أبو الدرداء: نعم صومعة الرجل بيته، يكف فيه بصره وسمعه وقلبه ولسانه ويده، وإياكم والجلوس في هذه الأسواق فإنها تلغى وتلهى.
محمد بن كناسة الأسدي:
في أنكماش وحشمة فإذا ... صادفت أهل الوفاء والكرم
أرسلت نفسي على سجيتها ... وقلت ما قلت غير محتشم
المخبل القيسي:
تبين طرفانا الذي في نفوسنا ... إذا أستعجمت بالمنطق الشفتان
الخدري: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه.
ليلى الأخيلية:
وتوبة أحيى من فتاة حيية ... وأجرأ من ليث بخفان خادر
أشج عبد القيس: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن فيك لخلقين يحبهما الله قلت: ما هما؟ قال: الحلم والحياء؛ قلت: قديما كان ذاك أو حديثا؛ قال: قديما؛ قلت: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله.
رجل لعائشة رضي الله عنها: متى أكون محسنا؟ قالت: إذا علمت أنك مسيء؛ قال: فمتى أكون مسيئا؟ قالت: إذا ظننت أنك محسن.
الصمت زين العاقل وستر الجاهل.
يقول اللسان للجوارح كل صباح: كيف أنتن؟ فيقلن: بخير أن تركتنا.
عمر بن عبد العزيز: أنه ليمنعني من كثير الكلام مخافة المباهاة.
خرج عمر بن عبد العزيز متبعا جنازة، فقعد نجوة فأتاه صبي يشكو ظلامة فأقعده إلى جنبه، وطشت السماء فغطاه بثوبه.
قال ربيط نبي اسرائيل: زين المرأة الحياء، وزين الحكيم الصمت.
كان بعض العلماء يقول: أنا نستحي من الأموات، كما نستحي من الأحياء.
ابن مسعود رضي الله عنه: أن من رأس التواضع أن ترضى بالدون من شرف المجلس، وأن تبدأ من لقيت بالسلام.
سأل بعض الصلحاء رجلا: هل بقي خلف من فلان؟ فقال: بئس الخلف بقي منه؛ فوضع يده على لسانه، ودلكه على الحائط حتى دمي، وقال: إنما جاء هذا منك، ولولاك لم يقع هذا المسلم في الغيبة.
قيل لراهب في صومعته: ألا تنزل؟ قال: من مشى على وجه الأرض عثر.
قال الله لموسى: هل تعرف لم كلمتك من بين الناس؟ قال: لا يا رب؛ قال: لأني رأيتك تتمرغ في التراب بين يدي، كالكلب بين يدي صاحبه، تواضعا، فأردت أن أرفعك من بين الناس.
باب
الاحتيال، والكيد، والمكر، والنكر، والدهاء
والخبث والخديعة والطر، وخبث الدخلة، وفساد النية
ونحو ذلك كعب بن مالك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد غزوة ورى بغيرها، وكان يقول: الحرب خدعة.

(1/125)


المغيرة بن شعبة في عمر رضي الله عنه: كان والله أفضل من أن يخدع، وأعقل من أن يخدع، وما رأيت مخاطبا له قط إلا رحمته، كائنا من كان.
أراد عمر رضي الله عنه قتل الهرمزان، فأستسقى وأمسك القدح في يده، وأضطرب، فقال عمر: لا بأس عليك، إني غير قاتلك حتى تشربه؛ فألقى القدح من يده؛ فأمر عمر بقتله، فقال: أو لم تؤمني؟ قال: كيف أمنتك؟ قال: قلت لا بأس عليك حتى تشربه، فقولك لا بأس أمان، ولم أشربه؛ فقال عمر: قاتلك الله: أخذت أمانا ولم أشعر.
معاوية: أني لأكره النكارة في الرجل، وأحب أن يكون عاقلا.
دهاة العرب أربعة، وكلهم ولدوا بالطائف: نعاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، والسائب بن الأقرع.
فلان يطر من العريان كمه، ويخلع من الحافي نعله. الحاجة تفتح أبواب الحيل.
قالت أم يوحنا الذي عشق بنت الملك له: لا تقطع أملك من نيلها، فإن النجع مغلول بالطلب، والظفر مأسور بالصبر، والقدرة مقرونة بالحيلة.
أعرابي: سكيت في بطش عفريت.
عبد الله بن محمد بن عيينة:
ما لا يكون فلا يكون بحيلة ... أبدا وما هو كائن سيكون
يسعى اللبيب فلا ينال بسعيه ... وينال حظا عاجز ومهين
سيكون ما هو كائن في وقته ... وأخو الجهالة متعب محزون
زياد بن أبيه: ليس العاقل الذي يحتال للأمر إذا وقع فيه، ولكن العاقل الذي يحتال للأمور أن لا يقع فيها.
قال الضحاك بن مزاحم لنصراني: لو أسلمت؛ فقال: ما زلت محبا للأسلام، إلا أنه يمنعني منه حبي للخمر؛ فقال: أسلم وأشربها؛ فلما أسلم قال له: قد أسلمت فإن شربتها حددناك، وأن أرتددت قتلناك، فأختر لنفسك؛ قال أختار السلامة، وحسن أسلامه.
ما هو إلا خديعة، وسراب بقيعة.
وفد بلال بن أبي بردة على عمر بن عبد العزيز بخناصره، فسدك بسارية المسجد يصلي، فقال عمر للعلاء بن المغيرة: أن يكن سر هذا كعلانيته فهو رجل أهل العراقين غير مدافع؛ فقال العلاء: أنا آتيك بخبره، فقال له: قد عرفت مكاني من أمير المؤمنين، فإن أشرت بك على ولاية العراق ما تجعل لي؟ قال: عمالتي سنة، وهي عشرون ألف ألف؛ قال: فأكتب لي، فكتب له؛ فلما رآه عمر كتب إلى والي الكوفة: أما بعد؛ فإن بلالا غرنا بالله، فكدنا نغتر، ثم سبكناه فوجدناه خبثا كله، فلا تستعن على شيء من عملك بأحد من آل أبي موسى.
وكتب إلى عدي بن أرطأة: غرتني منك مجالستك القراء، وعمامتك السوداء، فلما بلوناك وجدناك على خلاف ما أملناك، قاتلكم الله أما تمشون بين القبور.
فعودك من خدع مورق ... وواديك من علل مخصب
من خدعك فتخادعت له فقد خدعته. من خدع من لا ينخدع فقد خدع نفسه.
أياس بن معاوية: لست بخب، والخب لا يخدعني.
عمر رضي الله عنه: من تكلم بالفارسية فقد خب، ومن خب ذهبت مروءته.
دليت من السماء سلسلة في أيام داود عليه السلام عند الصخرة التي في وسط بيت المقدس، فكان الناس يتحاكمون عندها فمن مد يده إليها وهو صادق نالها، ومن كان كاذبا لم ينلها؛ إلى أن ظهرت فيهم الخديعة، وذلك أن رجلا أودع رجلا جوهرة، فخبأها في عكازة له؛ وطلبها المودع فجحدها، فتحاكما، فقال المدعى: أن كنت صادقا فلتدن مني السلسلة، فمسها؛ ودفع المدعى عليه العكازة إلى المدعي وقال: اللهم أن كنت تعلم أني رددت الجوهرة فلتدن مني السلسلة، فمسها، فقال الناس: قد سوت السلسلة بين الظالم والمظلوم، فأرتفعت السلسلة بشؤم الخديعة. وأوحى إلى داود عليه السلام أن أحكم بين الناس بالبينة واليمين، فبقي ذلك إلى الساعة.
أمية بن أبي الصلت كان داهية من دواهي ثقيف، وثقيف دهاة العرب، ومن دهائه ما هم به من أدعاء النبوة، ولذلك درس الكتب، وكان طلابة للعلم علامة، معروفا بالجولان في البلاد، راوية.
المختار بن أبي عبيد الثقفي: قال ذات يوم لتنزلن من السماء نار دهماء فلتحرقن دار أسماء؛ فذكر ذلك لأسماء بن خارجة فقال: أو قد سجع بي أبو إسحق؟ هو والله محرق داري؛ فهرب من الكوفة. ومن حيله أنه كان له كرسي قديم، فغشاه بديباج، وقال: هذا من ذخائر علي بن أبي طالب، فضعوه في حومة القتال، فإن محله فيكم محل السكينة في بني إسرائيل.

(1/126)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية