صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : ديوان المعاني
المؤلف : أبو هلال العسكري
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

يطير عن رأسه القناع إذا ... نفست عنه خناق مزرور
يميل أعلاه وهو منتصب ... كأنه صولجان بللور
وقلت:
وأبيض في أحشاء خضر كأنها ... قصار رجال في المسول قعود
وبعضهم في الطنبور:
مخطف الخصر أجوف ... جيده نصف سائره
أنطقته يدا فتى ... فاتن اللحظ ساحره
فحكى عن ضميره ... ما جرى في خواطره
وقال آخر في المعزفة:
معلنة الأوتار صخابة ... لها حنين كحنين الغريب
مكسوة أحشاؤها حلة ... بيضاء من جلد غزال ربيب
كأنما تسعة أوتاره ... نصبن أشراكا لصيد القلوب
آخر الباب والحمد لله وحده.
آخر الباب والحمد لله وحده.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعل السماء سقفا محفوظا، شيد بنيانها، ووثق أركانها، فأمنها من التهافت، وبراها من التفاوت: " فارجع البصر هل ترى من فطور، ثم ارجع البصر كرتين، ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير " . وصير لونها أوفق الألون لأبصار الناظرين، وأحلاها في أنفس المتوسمين، وحبرها بالنجوم، وطرزها بالرجوم، وبيض أعلام صبحها، وسود ذوائب ليلها، وجلا غرة شمسها، ومسح صفحة قمرها، وقدره في منازله، وخالف بين مناظره، لتعملوا عدد السنين والحساب، ما خلق الله ذلك إلا بالحق.
وصلى الله على سيدنا محمد، سيد الأنبياء، وأكرم الأصفياء، وعلى عترته وأصحابه المختارين وسلم تسليما كثيرا.
هذا كتاب المبالغة في
وصف السماء والنجوم والليل والصبح والشمس والقمر
وما يجري مع ذلك وهو:
الباب السادس من كتاب ديوان المعاني ثلاثة فصول
الفصل الأول
ذكر النجوم
أحسن ما قيل في النجوم من الشعر القديم قول امرىء القيس:
نظرت إليها والنجوم كأنها ... مصابيح رهبان تشب لقفال
وقول الآخر:
سرينا بليل والنجوم كأنها ... قلادة در سل عنها نظامها
وقد أصاب القائل التشبيه في قوله:
ورأيت السماء كالبحر إلا ... أن مرسوبه من الدر طافي
فيه ما يملأ العيون كبير ... وصغير ما بين ذلك خافي
المعنى جيد وليس للألفاظ رونق.
وقال ابن طباطبا في معناه:
أحسن بها لججا إذا التبس الدجى ... كانت نجوم الليل حصباءها
وأحسن من هذا كله لفظا وسبكا مع إصابة المعنى قول ابن المعتز:
كأن سماءها لما تجلت ... خلال نجومها عند الصباح
رياض بنفسج خضل نداه ... تفتح بينها نور الأقاحي
إلا أنه مضمن.
وقلت:
لبسنا إلى الخمار والنجم غائر ... غلالة ليل بالصباح مطرر
كأن بياض النجم في خضرة الدجى ... تفتح ورد بين رند وعبقر
وقلت:
كم سرور زرعت بين الندامى ... وهموم طردت بين الكؤوس
وتلوح النجوم في ظلمة الليل ... كعاج يلوح في أبنوس
وقلت:
بليل كما ترنو الغزالة أسود ... على أنه من نور وجهك أبيض
كواكبه زهر وصفر كأنها ... قبائع منها مذهب ومفضض
وفي النجوم ما هو أبيض، ومنها ما هو أصفر وأحمر، فشبه الأبيض بقبيعة مفضضة، والأصفر والأحمر بالمذهبة، والذهب يوصف بالحمرة والصفرة، ومثل هذا التمييز قليل في الشعر.
وقال ابن المعتز:
وخلت نجوم الليل في ظلم الدجى ... خصاصا أرى منه النهار وأنقابا
وقد أحسن الناشيء القول في اشتباك النجوم والتفافها حيث يقول:
وردت عليها والنجوم كأنها ... كتائب جيش شومت لكتائب
وقلت:
وأنجم كربرب في شهب ... كالشهب تجري في خلال خطب
والحور ترنو من خلال الحجب
ومن أحسن ما قيل في الثريا قول امرىء القيس:
إذا ما الثريا في السماء تعرضت ... تعرض أثناء الوشاح المفصل

(1/138)


وقد استحسن الناس هذا البيت، في صفة الثريا على قديم الدهر وقدموه، ثم قال بعضهم، وهو معيب، لأن التعرض إنما هو أن يبدي لك عرضه، أي جانبه قال: والثريا تشق وسط السماء شقا.
وقالوا: أحسنه قول ذي الرمة:
وردت اعتسافا والثريا كأنها ... على قمة الرأس ابن ماء محلق
وقالوا أحسنه قول ابن الطثرية:
إذا ما الثريا في السماء كأنها ... جمان وهي من سلكه فتبددا
أنشد عبد الملك بن مروان هذا البيت، فقال: ما هي بمتبددة ولكنها مرصوفة. قال أبو هلال.
وإنما أرادها عند غروبها وهي متبددة عند الغروب وامرؤ القيس أيضا أرادها حين تغيب، لأنها حينئذ تنحرف من وسط السماء إلى جانب، وأحسن الوصف ما يتضمن أكثر صفات الموصوف، والوشاح وابن الماء إنما شبها بها من جهة البياض فقط. وأخذ معنى ابن الأسلت بعض المحدثين فقال:
قد انقضت دولة الصيام وقد ... بشر سقم الهلال بالعيد
تبدو الثريا كفاغر شره ... يفتح فاه لأكل عنقود
والأول أجود لذكر وهذا ذكر العنقود ولم يصفه وقد يكون العنقود أسود أو أحمر.
وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: أجود ما قيل فيها قول الآخر:
ولاحت لساريها الثريا كأنها ... على الأفق الغربي قرط مسلسل
أخذه ابن الرومي فقال:
طيب طعمه إذا ذقت فاه ... والثريا في جانب الغرب قرط
وقد قصر عن الأول أيضا، ومثله قول أبي فضلة:
وتأملت الثريا ... في طلوع ومغيب
فتخيرت لها التش ... بيه بالمعنى المصيب
فهي كأس في شروق ... وهي قرط في غروب
وقلت:
شربنا والنجوم مغفرات ... تمر كما تصدعت الزحوف
وقد أصغت إلى الغرب الثريا ... دنو الدلو يسلمها الضعيف
وأجود ما قال فيها محدث عندي قول بعضهم:
كأن الثريا هودج فوق ناقة ... يسير بها حاد من الليل مزعج
وقد لمعت بين النجوم كأنها ... قوارير فيها زئبق يترجرج
وتروى لابن المعتز، وفي ألفاظ البيتين زيادة على معناهما.
وقال مخلد الموصلي:
وترى النجوم المشرقا ... ت كأنها درر العصابه
وترى الثريا وسطها ... وكأنها زرد الذؤابه
وزرد الذؤابة يشبه نجومها وتأليفه يشبه تأليفها فيهو تشبيه مصيب.
وقال ابن المعتز:
فناولنيها والثريا كأنها ... جنى نرجس حيا الندامى به الساقي
قالوا: لو قال باقة نرجس كأن أتم.
فقلت:
أراعي نجوم الليل وهي كأنها ... نواظر ترنو من براقع سندس
كأن الثريا فيه باقة نرجس ... وما حولها منهن طاقات نرجس
وأنشدني بعض العمال:
رب ليل قطعته بفنون ... من غناء وقهوة ومجون
والثريا كنسوة خفرات ... قد تجمعن للحديث المصون
وقد أحسن وأطراف. وقد أصاب القائل بعض وصفها في قوله:
كأن الثريا حلة النور منخل
وقال ابن المعتز:
ألا فاسقنيها والظلام مقوض ... وخيل الدجى نحر المغارب تركض
كأن الثريا في أواخر ليلها ... تفتح نور أو لجام مفضض
وشبهت بالقدم.
قال ابن المعتز:
قم يا نديمي نصطبح بسواد ... قد كان يبدو الصبح أو هو باد
وأرى الثريا في السماء كأنها ... قدم تبدت في ثياب حداد
وقلت:
كأن نهوض النجم والأفق أخضر ... تبلج ثغر تحت خضرة شارب
وقلت:
تلوح الثريا والظلام مقطب ... فيضحك منها عن أغر مفلج
تسير وراء والهلال أمامها ... كما أومأت كف إلى نصف دملج
وقلت:
شمس هوت وهلال الأفق يتبعها ... كأنها سافر قدام منتقب
تبدو الثريا وأمر الليل مجتمع ... كأنها عقرب مقطوعة الذنب
وأحسن ما قيل فيها عند طلوع الفجر قول الآخر:

(1/139)


وكأن الصبح لما ... لاح من تحت الثريا
ملك أقبل في التا ... ج يفدى ويحيا
وقلت:
وبالثريا أثر الخمود ... كالنار لا تسعف بالوقود
في أنجم كربرب في بيد ... يلوح في التصويب والتصعيد
كشرفات فدن مشيد
وقلت:
قم بنا نطرد الهموم بكأس ... والثريا لمفرق الليل تاج
وقد انجرت المجرة فيه ... كسبيب يمده نساج
وقال العلوي الأصفهاني في حسن الاستعارة:
رب ليل وهت لآلى دموعي ... فيه حتى وهت لآلي الثريا
ورداء الدجى لبيس دريس ... بيد الصبح وهو يطويه طيا
وشبه أبو فراس الثريا بالفخذ من النمر، وهو من المقلوب، لأن أنجم الثريا بيض والنقط على فخذ النمر سود.
وقال السري:
ترى الثريا والبدر في قرن ... كما يحيا بنرجس ملك
أجود ما قيل في الجوزاء من الشعر القديم قول كعب الغنوي:
وقد مالت الجوزاء حتى كأنها ... فساطيط ركب بالفلاة نزول
ولو شبهها المحدثين قول ابن المعتز فيها وفي الثريا:
وقد هوى النجم والجوزاء تتبعه ... كذات قرط أرادته وقد سقطا
مع أن المصراع الأخير غير مختار الرصف، والنجم اسم مخصوصه به الثريا.
وقال فيها وفي الشعرى العبور:
ولاحت الشعرى وجوزاؤها ... كمثل رمح جره رامح
وقلت:
سقاني والجوزاء يحكي شروقها ... طفو غريق فوق ماء مطحلب
وهذا وصفها عند طلوعها.
وقلت فيها حين توسط السماء:
شربتها والليل مستوفز ... يجر في جلبابه كوكبه
كأنما الجوزاء رقاصة ... ترقص في منطقة مذهبه
كأنها الجوزاء طبالة ... تحتضن الطبل على مرقبه
وقلت فيها عند غروبها:
إسقنيها والليل فرع عروس ... زينوه بدرة وجمانه
وكأن الجوزاء حين تهاوت ... فارس مال عن سراة حصانه
وقال آخر:
وكأن الجوزاء واتر قوم ... أخذوا وترهم بقطع يديه
وقد استحسن قول العلوي الأصفهاني فيها:
وتلوح لي الجوزاء سكرى كلما ... ناءت بها الجرباء كادت تنثني
ونطاقها متراصف في نظمه ... فكأنما انتطقت بقطعة جوشن
الجرباء إسم السماء، وفي ألفاظها تكلف كما ترى والمعنى جيد.
وقلت:
وليل أسود الجلباب داج ... كفرع الخود أو عين الغزال
كأن كواكب الجوزاء فيه ... زميلة مفجرة البزال
تميس بالحلي قرط الثريا ... إذا انخفضت وتوج بالهلال
ركبت صدوره وتركت خيلي ... توالي تحت أنجمه التوالي
ويخبطن الصباح إذا تبدى ... كما يكرعن في الماء الزلال
ومن ظريف ما قيل في الشعري قول عبد العزيز بن عبد الله بن طاهر:
أقول لما هاج شوق الذكرى ... واعترضت وسط السماء الشعرى
كأنها ياقوتة في مدرى ... ما أطول الليل بسرمرى
وقد أكثروا من وصفها بالعبر وأخذوا ذلك من اسمها وهو العبور.
أحسن ما قيل في سهيل، وبعده من الكواكب قول بعضهم:
ولاح سهيل من بعيد كأنه ... شهاب ينحيه عن الرمح قابس
وقال ابن المعتز:
وقد لاح للساري سهيل كأنه ... على كل نجم في السماء رقيب
وأجود ما قيل في خفقانه واضطرابه قول جران العود:
أراقب لمحا من سهيل كأنه ... إذا ما بدا من آخر الليل مطرف
وقلت:
وبسهيل رعدة المزؤود ... وهو من الأنجم في محيد
حل محل الرجل الطريد
وقال ابن طباطبا في المعنى الأول:
كأن سهيلا والنجوم أمامه ... يعارضها راع أمام قطيع
أجود ما قيل في النسر الواقع قول الحماني:

(1/140)


وركب ثلاث كالأثافي تعاوروا ... دجى الليل حتى أومضت سنة البدر
إذا اجتمعوا سميتهم باسم واحد ... وإن فرقوا لم يعرفوا آخر الدهر
وهو من الغز المليح.
ومن جيد ما قيل في الفرقدين قول ابن المعتز:
ورنا إلي الفرقدان كما رنت ... زرقاء تنظر من نقاب أسود
وفي المجرة قول بعضهم:
كأن المجرة جدول ماء ... نور الأقاح في جانبيه
وقال ابن طباطبا:
مجرة كالماء إذا ترقرقا ... شقت بها الظلماء بردا أزرقا
لباس ثكلى وشيها المشققا
ونقله إلى موضع آخر فقال:
كأن التي حول المجرة أوردت ... لتكرع في ماء هناك صبيب
فوجدته متكلفا جدا.
فقلت في معناه.
ليل كما نفض الغراب جناحه ... متبقع الأعلى بهيم الأسفل
تبدو الكواكب من فتوق ظلامه ... لمع الأسنة من فتون القسطل
وترى الكواكب في المجرة شرعا ... مثل الظباء كوارعا في جدول
وقلت:
تبدو المجرة منجر ذوائبها ... كالماء ينساح أو كالايم ينساب
وزهرة بإزاء البدر واقفة ... كأنه غرض ينحوه نشاب
أغرب ما قيل في صفة الهلال من الشعر القديم قول الأعرابي:
كأن ابن مزنته جانحا ... قسيط لدى الأفق من خنصر
أي كأن ابن مزنته، وهو الهلال لدى الأفق، قسيط من خنصر، والقسيط القلامة. وهذا لبيت على غاية سوء الرصف.
وقد أخذه ابن المعتز فحسنه في قوله:
ولاح ضوء هلال كاد يفضحه ... مثل القلامة قد قدت من الظفر
وقال ابن طباطبا:
وقد غمض الغرب الهلال كأنما ... يلاحظ منه ناظر ذات أشفار
كأن الذي أبقى لنا منه أفقه ... قصيص سوار أو قراضة دينار
ولا خير في رصف قوله:
كأن الذي أبقى لنا منه أفقه
ومن غريب ما قيل فيه وعجيبه قول ابن المعتز:
إذا الهلال فارقته ليلته ... بدا لمن يبصره وينعته
كهامة الأسود شابت هامته
قد سبق إلى هذا المعنى ولم يأخذه من أحد أعرفه، ونقله إلى موضع آخر فقال:
وقد بدا فوق الهلال كرته ... كهامة الأسود شابت لحيته
ومن أطرف ما قيل فيه قوله أيضا:
أهلا بفطر قد أنار هلاله ... فالآن فاغد إلى المدام وبكر
وانظر إليه كزورق من فضة ... قد أثقلته حمولة من عنبر
وقال:
في ليلة أكل المحاق هلالها ... حتى تبدى مثل وقف العاج
وقلت:
لست من عاشق أضل السبيلا ... فسقى دمعه الهطول طلولا
برد الليل حين هبت شمالا ... فجعلت الصلاء فيها الشمولا
في هلال كأنه حية الرم ... ل أصابت على البقاع مقيلا
بات في معصم الظلام سوارا ... وعلى مفرق الدجى إكليلا
وقلت:
وكؤوس إذا دجى الليل أسرت ... تحت سقف مرصع باللجين
وكأن الهلال مرآة تبر ... تنجلي كل ليلة أصبعين
هذا البيت يتضمن صفته من لدن هو هلال إلى أن يتم.
وقلت في هلال شهر رمضان:
جلب المجاعة ضامر بخل ... قد خلت فيه لضعفه سلا
طفل ولكن أمره عجب ... قد عاد بعد كهولة طفلا
قد كان حمل ليلتين فلم ... تر مثله طفلا ولا حملا
ومن العجائب أن يعود فتى ... في سبع عشرة ليلة كهلا
وقال السري:
قم يا غلام فهاتها في كأسها ... كالجلنارة في جنى نسرين
أو ما رأيت هلال شهرك قد بدا ... في الأفق مثل شعيرة السكين
جعل الزجاج كأسا ولا يقال كأس، إلا إذا كانت مملوءة، ولا أعرفه سبق إلى هذا التشبيه.
وقال بعضهم:
والجو صاف والهلال مشنف ... بالزهرة الزهراء نحو المغرب

(1/141)


كصحيفة زرقاء فيها نقطة ... من فضة من تحت نون مذهب
جعل النقطة تحت النون والعادة أن تكون فوقها.
وقلت:
والعيد زين للعيون هلاله ... فرمقن منه حاجبا مقرونا
يبدو ويبدو النجم فوق جبينه ... وكأن جنح الليل ينقط نونا
وقد استحسنت للعلوي الأصفهاني قوله:
لاح الهلال فويق مغربه ... والزهرة الزهراء لم تغب
تهوي دوين مغيبها فهوت ... تبكي بدمع غير منسكب
فكأنها أسماء باكية ... عند انفصام سوارها الذهب
ومن البديع قول الآخر:
لم أنس دجلة والهوى متضرم ... والبدر في أفق السماء مغرب
فكأنها فيه رداء أزرق ... وكأنه فيها طراز مذهب
حق الدجى أن تؤنث لأنها جمع دجية.
وقلت:
كأن الهلال الشهر قطعة دملج ... تلوح على أعضاء معتكر عاس
ترى الزهرة الزهراء تهوي وراءه ... كما مر سهم قاصد نحو قرطاس
ومن أجود ما سمعته في الليلة المقمرة ما أنشدنيه أبو أحمد:
هل لك في ليلة بيضاء مقمرة ... كأنها فضة ذابت على البلد
وقلت:
كم تناولت اللذاذة من كثب ... والدهر مسكون الحوادث والنوب
في ليلة قمراء تحسب أنها ... تلقى على الآفاق أردية قصب
ومن البديع قول ابن المعتز:
ما ذقت طعم النوى لو تدري ... كأنما جنبي على جمر
في قمر مشرق نصفه ... كأنه مجرفة العطر
فريسة للبق منهوشة ... قد ضعفت كفي عن النصر
وقال في ذم القمر:
وبات كما سر أعداؤه ... إذا رام قوتا من النوم شذ
تعززه شررات البعوض ... في قمر مثل ظهر الجرذ
الفصل الثاني من الباب السادس
ذكر ظلمة الليل وطوله وقصره
وما يجري مع ذلك من سائر أوصافه
فمن أحسن ذلك قول ذي الرمة:
وليل كجلباب العروس ادرعته ... بأربعة والشخص في العين واحد
أحم علافي وأبيض صارم ... وأعيس مهري وأروع ماجد
فأخذه ابن المعتز ونقله إلى ما هو أظرف لفظا منه وهو قوله:
وليل كجلباب الشباب قطعته ... بفتيان صدق يملكون الأمانيا
جلباب الشاب أظرف من جلباب العروس.
قالوا: من أبلغ ما قيل في ظلمة الليل قول مضرس بن ربعي:
وليل يقول الناس من ظلماته ... سواء صحيحات العيون وعورها
كأن لنا منه بيوتا حصينة ... مسوح أعاليها وساج كسورها
وقريب من هذا قول الأعرابي: خرجنا في ليلة حندس، قد ألقت على الأرض أكارعها، فمحت صورة الأبدان، فما كنا نتعارف إلا بالأذان.
وقلت في هذا المعنى:
وليلة كرجائي في بني زمني ... مسودة الوجه منسوبا إلى الفحم
سدت على نظر الرائين منهجه ... حتى تعارفت الأشخاص بالكلم
لا أسام الجهد فيها أن أكابده ... ولا ترى صاحب الحاجات ذا سأم
أحاول النجح في أمر أزاوله ... والنجح في دلجات الأينق الرسم
ومن جيد التشبيه قول أبي تمام:
إليك هتكنا جنح ليل كأنه ... قد اكتحلت منه البلاد باثمد
أخذه من قول أبي نواس:
أين لي كيف صرت إلى حريمي ... وجنح الليل مكتحل بقار
وقول أبي تمام أجود، لأن الاكتحال بالإثمد لا بالقارة.
وأظرف ما قيل في ذلك قول مسلم بن الوليد:
أجدك ما تدرين أن رب ليلة ... كأن دجاها من قرونك تنشر
صبرت لها حتى تجلت بغرة ... كغرة يحيى يوم يذكر جعفر
وقد طرف القائل في قوله:
لا تدعني لصبوح ... إن الغبوق حبيبي
فالليل لون شبابي ... والصبح لون مشيبي

(1/142)


ومن الاستعارة قول ذي الرمة:
ودوية مثل السماء عسفتها ... وقد صبغ الليل الحصى بسواد
أخذه البحتري فقال وقصر:
على باب قنسرين والليل لاطخ ... جوانبه من ظلمة بمداد
ليس البيت على السكة المختارة وقوله لاطخ جوانبه من ظلمة بمداد من بعيد الاستعارة. وأخذ ابن أبي طاهر قول مسلم:
كأن دجاها من قرونك تنشر
فقال:
سقتني في ليل بشعرها ... شبيهة خديها بغير رقيب
فوقع بعيدا عنه واختل في النظم وأقلق القافية.
وقلت في معناه:
تسقيك في ليل شبيه بفرعها ... شبيها بعينيها وشكلا بخدها
فتسكر من عين وكأس ووجنة ... تحييك أعقاب الكؤوس بوردها
ومن البديع في هذا المعنى قول ابن المعتز:
أرقت له والركب ميل رؤوسهم ... يخوضون ضحضاح الكرى وبهم قر
علاهم جليد الليل حتى كأنهم ... بزاة تجلى في مراقبها قمر
إلى أن تعرى النجم من حلة الدجى ... وقال دليل القوم قد نقب الفجر
وقدوا أديم الفجر حتى ترفعت ... لهم ليلة أخرى كما حوم النسر
وقال ديك الجن:
سيرضيك أني مسخط فيك كاشحا ... ومرتقب هولان موت مرقب
وجانب ليل تعلق قطعة ... بقطعة صبح لانثنت وهي غيهب
وقلت:
ومد علينا الليل ثوبا منمقا ... وأشعل فيه الفجر فهو محرق
وصبحنا صبحا كأن ضياءه ... تعلم منا كيف يبهى ويشرق
وقال ابن المعتز:
فخلت الدجى والليل قد مد خيطه ... رداء موشى بالكواكب معلما
وهو من قول الله تعالى: " الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر " . ومن أتم أوصاف الظلمة، الذي ليس في كلام البشر، مثله قول الله عز وجل: " أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض " . وقال الأصفهاني العلوي:
ورب ليل باتت عساكره ... تحمل في الجو سود رايات
لامعة فوقها أسنتها ... مثل الأزاهير وسط روضات
ولست أورد أكثر شعره، إلا لإصابة معناه، دون لفظه، لأن أكثر لفظه متكلف، وجل صنعته فاسد، وهذا من العجب، لأنه من أكثر الناس نقدا لشعر غيره، وقد صنف كتاب عيار الشعر فأجاده، وهو إذا أراد استعمال ما ذكرناه، لم يكمل له، فهو كالمسن يشحذ ولا يقطع.
ومن أحسن الاستعارة في ذكر الليل قول ابن أبي فنن:
أقول وجنح الدجى ملبد ... ولليل في كل فج يد
ونحن ضجيعان في مسجد ... فلله ما ضمن المسجد
أيا ليلة الوصل لا تنفدي ... كما ليلة الهجر لا تنفذ
يا غد إن كنت لي راحما ... فلا تدن من ليلتي يا غد
وقال السري:
وشرد الصبح عنا الليل فاتضحت ... سطوره البيض في راياته السود
وقلت:
ليل كفرع الخود تخلفه ضحى ... زهراء مثل عوارض الزهراء
عبقت بأنفاس الرياض كأنما ... نفض الرقيب غلالة الدلتاء
وقلت:
والليل يمشي مشية الوئيد ... في الخضر من لباسه والسود
والصبح في أخراه ثاني الجيد
فأما أجود ما قيل في طول الليل، من الشعر القديم فقول امرىء القيس:
وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له تمطى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل
ألا أيها الليل الطويل ألا انجل ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل
وهذا من أفصح الكلام وأبرعه، إلا أن فيه تضمينا يلحق به بعض العيب، وهو من أدل شيء على شدة الحب، والهم، لأنه جعل الليل والنهار سواء عليه، فيما يكابده من الوجد والحزن، وجعل النهار لا ينقصه شيء، من ذلك، وهذا خلاف العادة، إلا أنه دخل في باب الغلو.
والذي أخبرنا بما في العادة الطرماح في قوله:

(1/143)


ألا أيها الليل الطويل ألا أصبح ... بصبح وما الإصباح منك بأروح
فهذا معنى قول امرىء القيس، ثم استدرك فقال:
على أن للعينين في الصبح راحة ... بطرحيهما طرفيهما كل مطرح
فجاء بما لا يشك أحد في صحته، إلا أن لفظه لا يقع مع لفظ امرىء القيس موقعا، والتكلف في قوله:
بطرحيهما طرفيهما كل مطرح
بين والكراهة فيه ظاهرة.
وقال ابن الدمينة في معنى قول الطرماح:
أظل نهاري فيكم متعللا ... ويجمعني والهم بالليل جامع
وقال المجنون:
يضم إلي الليل أطفال حبها ... كما ضم أزرار القميص البنائق
جعل ما ينشأ من الهم بالليل أطفالا، وفي هذا المعنى يقول النابغة:
كليني لهم يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب
تطاول حتى قلت ليس بمنقض ... وليل الذي يرعى النجوم بآيب
وصدر أراح الليل عازب همه ... تضاعف فيه الحزن من كل جانب
فجعل الهم يأوي إلى قلبه بالليل كالنعم العازبة، تريحها الرعاة مع الليل إلى أماكنها، وهو أول من ذكر أن الهموم تتزايد بالليل.
وقلت:
وذكرنيه البدر والليل دونه ... فبات بحد الشوق والصبر يلعب
كذكرى الحمى والحي في منعج اللوى ... وذكر الصبا والرأس أخلس أشيب
فأزداد في جنح الظلام صبابة ... فلا صعب إلا وهو بالليل أصعب
وقلت:
ورأيت الهموم بالليل أدهى ... وكذاك السرور بالليل أعذب
ومما استجدت من شعر أبي بكر الصولي في معنى امرىء القيس قوله:
أسر القلب في هواه وسارا وتجنى ... علي ظلما وجارا
فنهاري أراه للبعد ليلا ... وأرى للسهاد ليلي نهارا
أنت فرقت بالتفرق صبري ... فأعرني لما عراني اصطبارا
ويستجاد هذا، بالإضافة إلى جملة شعره، فأما لنفاسته لنفسه فلا.
وقال إسحاق الموصلي في معنى النابغة:
إن في الصبح راحة لمحب ... ومع الليل ناشئات الهموم
وهذه اللفظة مأخوذة من قول الله تعالى: " إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا " وقال طاهر بن علي بن سليمان:
إذا لاح لي صبح فهمي مقسم ... وفي الليل همي بالتفرد أطول
وتمنى بعض المثقلين بالدين، المبتلين بالفقر، دوام الليل لما يلقى بالنهار مع الغرماء ولما يحتاج إليه من النفقة في كل يوم فقال:
ألا ليت النهار يعود ليلا ... فإن الصبح يأتي بالهموم
حوائج لا تطيق لها قضاء ... ولا ردا وروعات الغريم
قوله ولا ردا من التتميم الحسن.
وقال التنوخي في طول الليل:
وليلة كأنها طول الأمل ... ظلامها كالدهر ما فهي خلل
كأنما الإصباح فيها باطل ... أزهقه الله لحق فبطل
ساعاتها أطول من يوم النوى ... وليلة الهجر وساعات العذل
موصدة على الورى أبوابها ... كالنار لا يخرج منها من دخل
وهذا يستملح وإن لم يكن مختارا من التشبيه لأن إخراج المحسوس إلى ما ليس بمحسوس في التشبيه رديء.
ومن التشبيه الغريب في ذلك قول بعض العرب:
ويوم كظل الرمح قصر طوله ... دم الزق عنا واصطكاك المزاهر
وقال البحتري:
قاسين ليلا دون قاسان لم تكد ... أواخره من بعد قطريه تلحق
وقال ابن المعتز في نحوه:
وحلت عليه ليلة أرحبية ... إذا ما صفا فيها الغدير تكدرا
بعيدة ما بين البياضين لم يكد ... يصدق فيها صبحها حين بشرا
وقال:
بمخشية الأقطار حيلية الصدى ... معطلة الآيات محذورة القصد
كأن نجوم الليل في حجراته ... دراهم زيف لم يجزن على النقد
يريد أن نجومه واقفة، ليست تسير، فكأنها زيفت ليست تنقد.
وقد أبر بعض المحدثين، على من تقدم حيث يقول في طول الليل على دناءة لفظه:

(1/144)


عهدي بنا ورداء الليل منسدل ... والليل أطوله كاللمح بالبصر
والآن ليلى مذ بانوا فديتهم ... ليل الضرير فصبحي عير منتظر
وهذا أبلغ معنى من قول امرىء القيس الذي تقدم، إلا أنه لا يدخل في مختار الكلام، لابتذال لفظه، وزيادة على معناه، وسوء صنعته، والمعنى أن ليله ممدود بلا انقضاء، كالليل للضرير كله عند الضرير ليل.
وقال علي بن الخليل:
لا أظلم الليل ولا أدعي ... أن نجوم الليل ليست تعول
ليلي كما شاءت قصير إذا ... جادت وإن ضنت فليلي طويل
فأغار عليه ابن بسام فقال:
لا أظلم الليل ولا أدعي ... أن نجوم الليل ليست تعور
ليلي كما شاءت فإن لم تزر ... طال وإن زارت فليلي قصير
إلا أن بيته الثاني أحسن تقسيما من بيت الخليل.
وسمعت كافي الكفاة يقول لأبي أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد وقد أنشده:
جل همي وهمتي جرجان
فقال هذا المصراع خطبه، قال أبو هلال العسكري: وأنا أقول إن قوله: ليلى كما شاءت خطبه.
وقال سعيد بن حميد:
يا ليل بل يا أبد ... أنائم عنك غد
وقال ابن الرومي وأحسن التشبيه:
ليست تزول ولكن تزيد
وقلت:
غابوا فلم أدر ما ألاقي ... مس من الوجد أو جنون
ليلي لا يبتغي براحا ... كأنه أدهم حرون
أجيل في صفحتيه عينا ... ما تتلاقى لها جفون
وملح ابن الأحنف في قوله:
حدثوني عن النهار حديثا ... وصفوه فقد نسيت النهارا
وقد أنبأ بشار عن العلة التي يستطال لها الليل وهو السهر فقال:
لم يطل ليلي ولكن لم أنم ... ونفى عني الكرى طيف ألم
ولا أرى في قلة النوم أجود من قول المجنون:
ونوم كحشر الطير بتنا ننوشه ... على شعب الأكوار والليل غاسق
على أن زهيرا قد قال:
وكصفقة بالكف كان رقادي
والأول أفصح. وأنبأ العجاج أيضا، عن العلة التي لها يطول الليل:
تطاول الليل على من لم ينم
وقال بشار:
لخديك من كفيك في كل ليلة ... إلى أن ترى ضوء الصباح وساد
وهذا مأخوذ من قول أبي ذؤيب:
نام الخلي وبت الليل مشتجرا
والاشتجار وضع اليد على الخد والاعتماد عليها وهو جلسة المتفكر:
نبيت نراعي الليل نرجو نفاده ... وليس لليل العاشقين نفاد
وقال:
خليلي مات بال الدجى لا تزحزح ... وما بال ضوء الصبح لا يتوضح
كأن الدجى زادت وما زادت الدجى ... ولكن أطال الليل هم مبرح
وقال ديك الجن:
من نام لم يدر طال الليل أم قصرا ... ما يعرف الليل إلا عاشق سهرا
وقد أجاد ابن طباطبا العلوي القول في طول الليل وهو:
كأن نجوم الليل سارت نهارها ... ووافت عشاء وهي أنضاء أسفار
فخيمن حتى تستريح ركابها ... فلا فلك جار ولا فلك ساري
وذكر خالد الكاتب أنه ليس يدري أطال ليله أم قصر لتحيره وتبلده فقال:
لست أدري أطال ليلي أم لا ... كيف يدري بذاك من يتقلى
لو تفرغت لاستطالة ليلي ... ولرعي النجوم كنت مخلى
وتبعه أبو بكر الصولي فقال:
وطولت ليلي لو دريت بطوله ... ولكنه يمضي لما بي ولا أدري
وقال بشار:
طال هذا الليل بل طال السهر ... ولقد أعرف ليلي بالقصر
لم يطل حتى دهاني بالهوى ... ناعم الأطراف فتان النظر
فكأن الهجر شخص ماثل ... كلما أبصره النوم نفر
وقلت:
صيرني البين عرضة الحين ... لا أربح الله صفقة البين
قد طال يومي وليلتي بهم ... لما يزالا بهم قصيرين
كان قليلا لدي مكثهما ... فكنت أدعوهما الجديدين
فطال بعد الحبيب لبثهما ... فصرت أدعوهما عتيقين

(1/145)


وقال آخر:
يا ليلة طالت على عاشق ... منتظر في الصبح ميعادا
كادت تكون الحول في طولها ... إذا مضى أولها عادا
أجود ما قيل في قصر الليل وأشده اختصارا قول إبراهيم بن العباس:
وليلة من الليالي الزهر ... قابلت فيها بدرها ببدري
لم تك غير شفق وفجر ... حتى تولت وهي بكر الدهر
وقال غيره:
وليلة فيها قصر ... عشاؤها مثل السحر
وهذا على غاية الاختصار.
وقال العلوي الأصفهاني في قصر الليل واليوم:
ويوم دجن ذو ضمير متهم ... مثل سرور شابه عارض غم
صحو وغيم وضياء وظلم ... كأنه مستعر قد ابتسم
ما زلت فيه عاكفا على صنم ... مهفهف الكشح لذيذ الملتزم
تفاحه وقف على لثم وشم ... وبانة وقف على هصر وضم
يا طيبه يوم تولى وانصرم ... وجوده من قصر مثل العدم
وقلت:
قصر العيش بأكناف الغضا ... وكذا العيش إذا طاب قصر
في ليال كأباهيم القطا ... لست تدري كيف تأتي وتمر
وقلت:
إذا البرق من شرقي دجلة ينبري ... على صفحات البارق المتألق
أشبهه دهرا أغر محجلا ... نعمنا به في ظل فينان مورق
فمر كرجع الطرف ليس يرده ... حنين إلى مخبورة المتعشق
وقد يعرض المحذور من حيث يرتجى ... ويمكنك المرجو من حي تتقي
أخبرنا أبو أحمد أبو أحمد عن الصولي، عن محمد بن سعيد، عن أبي عكرمة قال: أنشدت اعرابيا قول جرير:
أبدلل الليل لأنسرى كواكبه ... أم طال حتى حسبت النجم حيرانا
فقال: هذا حسن وأعوذ بالله منه ولكن أنشدك في ضده من قولي وأنشدني:
وليل لم يقصره رقاد ... وقصره لنا وصل الحبيب
نعيم الحب أورق فيه حتى ... تناولنا جناه من قريب
بمجلس لذة لم نقو فيه ... على الشكوى ولا عد الذنوب
بخلنا أن نقطعه بلفظ ... فترجمت العيون عن القلوب
فقلت له: زدني فما رأيت أظرف منك شعرا، فقال أما من هذا فحسبك ولكن غيره.
وأنشدني:
وكنت إذا علقت حبال قوم ... صحبتهم وشيمتي الوفاء
فأحسن حين يحسن محسنوهم ... وأجتنب الاساءة إن أساؤوا
أشاء سوى مشيئتهم فآتي ... مشيئتهم وأترك ما أشاء
وأنشدنا عن محمد بن يزيد:
لله ليلتنا بجو سويقة ... والعيش غض والزمان غرير
طابت فقصر طيبها أيامها ... فكأنما فيها السنون شهور
وأنشدنا عن عون بن محمد بن إسحاق الموصلي:
للنا في جوار أبي الجناب ... بيوم مثل سالفة الذباب
يقصره لنا شغف التلاقي ... ويوم فراقنا يوم الحساب
وأخبرنا عنه، عن محمد بن الحسن أبي الحسن العتابي، عن عيسى بن إسماعيل، قال: سمعت الأصمعي يقول: قرأت على خلف شعر جرير فلما بلغت إلى قوله:
ويوم كإبهام القطاة محبب ... إلي هواه غالب لي باطله
رزقنا به الصيد العزيز ولم نكن ... كمن نبله محرومة وحبائله
فيا لك يوم خيره قبل شره ... تغيب واشيه وأقصر عاذله
فقال: ويله وما ينفعه خير يؤول إلى شر؟ فقلت: كذا قرأته على أبي عمرو، قال: صدقت وقال: كذا قال جرير، وكان قليل التنقيح مشرد الألفاظ، وما كان أبو عمرو ليقرئك إلا كما سمع، قلت: كيف كان يجب أن يقول؟ قال: الأجود له لو قال:
فيا لك يوما خيره دون شره
فاروه هكذا، وكانت الرواة قديما تصلح من شعر القدماء، فقلت: والله لا أرويه بعدها إلا هكذا.
ومثل ذلك أن أبا الفضل بن العميد أنشد قول أبي تمام:
وكشفت لي عن صحفة الماء الذي ... قد كنت أعهده كثير الطحلب

(1/146)


فقال: إنما قال عن جلدة الماء فقال: إذا أمكن أن يصلح قصيدته بتغيير لفظة، فمن حقها وحق قائلها أن تغير. قال أبو هلال وبين الصفحة والجلدة بون بعيد.
وقال ابن طباطبا:
بأبي من نعمت فيه بيوم ... لم يزل للسرور فيه نمو
يوم لهو قد التقى طرفاه ... فكأن العشي فيه غدو
ومن قول إبراهيم بن العباس والناس يروونه لغيره:
ليلة كاد يلتقي طرفاها ... قصرا وهي ليلة الميلاد
وقلت:
وطال عمرك في دهر به قصر ... تعد فيه شهور العيش أياما
وقال القضاعي:
ذكرتكم ليلا فنور ذكركم ... دجى الليل حتى انجاب عنا دياجره
فوالله ما أدري أضوء مسجر ... لذكركم أم يسجر الليل ساجره
وبت أسقي الشوق حتى كأنني ... صريع مدام لم ينهنه دائره
وظلت أكف الشوق لما ذكرتكم ... تمثل لي منكم خيالا أسايره
فلو كنتم أقصى البلاد لزرتكم ... إلى حيث يعيي ورده ومصادره
أرى قصرا بالليل حتى كأنما ... أوائله مما تداني أواخره
وقد أحسن ابن المعتز في صفة ليلة طيبة فقال:
يا ليلة نسي الزمان بها ... احداثه كوني بلا فجر
راح الصباح ببدرها ووشت ... فيها الصبا بمواقع القطر
ثم انقضت والقلب يتبعها ... في حيث ما سقطت من الدهر
وقلت:
وصلت نعم ولكن صلة ... تشبه اللحظة في انتقالها
لست أدري أتمتعت بها ... أم بزور الزور من خيالها
ومضى الليل سريعا مثلما ... أنشطت دهماء من عقالها
الفصل الثالث من الباب السادس
ذكر الصباح والشمس والنهار
وما يجري مع ذلك
أجود ما قيل في الصباح من شعر الأعراب
أخبرنا أبو أحمد، أخبرنا أبو بكر ابن دريد، عن أبي حاتم عن الأصمعي، قال: نزلت بقوم من غنى وقد جاوروا قبائل من بني عامر بن صعصعة، فحضرت ناديهم وهناك شيخ طويل الصمت عالم بالشعر، قد جعل الناس يأتونه من كل ناحية، فيجلسون إليه وينشدون أشعارهم، فإذا سمع الشعر الجيد قرع الأرض بمحجنة، فينفذ حكمه على من حضر منهم بشاة، إذا كان ذا غنم، وابن مخاض إن كان ذا إبل، فذبح أو نحر لأهل الوادي فقال حضرتهم يوما والشيخ جالس فأنشده بعضهم يصف القطا:
غدت في رعيل ذي أداوى منوطة ... بلباتها مربوعة لم تمرخ
إذا سربخ عطت مجال سرائه ... تمطعت فحطت بين أرجاء سربخ
فقرع الشيخ الأرض بمحجنة وهو صامت.
ثم أنشده آخر يصف ليلة:
كأن شميط الصبح في أخرياتها ... ملاة ينقي من طيالسة خضر
تخال بقاياها التي أسأر الدجى ... تمد وشيعا فوق أردية الفجر
فقام الشيخ كالمجنون، مصلتا سيفه، حتى خالط البرك فجعل يضرب يمينا وشمالا. وهو يقول:
لا تفرغن في أذني بعدها ... ما يستفز فأريك فقدها
إني إذا السيف تولى ندها ... لا أستطيع بعد ذاك ردها
قال أبو هلال رحمه الله تعالى: وهذا دليل على أن علم الشعر، والتمييز بين جيده ورديئه، كان غزيزا عند أهل البوادي، وهم أصوله ومنبعه ومعدته، وكان فعل هذا الشيخ، واستفزاز جيد الشعر له قريبا، مما روي عن محمد الأمين، أنه قال: إني لأطرب على حسن الشعر كما أطرب على حسن الغناء.
ومن غريب ما قيل في الصبح، من الشعر القديم قول ذي الرمة، وقد أجمع الناس على أنه أحسن العرب تشبيها:
وقد لاح للساري الذي كمل السرى ... على أخريات الليل فتق مشهر
كلون الحصان الأنبط البطن قائما ... تمايل عنه الجل واللون أشقر
وهذا أحسن تشبيه أكمله، الأنبط: الأبيض البطن، شبه بياض الصبح تحت حمرته ببياض بطن فرس أشقر.
أخذه ابن المعتز فقال:
وما راعنا إلا الصباح كأنه ... جلال قباطي على فرس ورد
وقال أو قال غيره:

(1/147)


بدا والصبح تحت الليل باد ... كمهر أشقر مرخى الجلال
ومن أغرب ما قاله محدث فيه قول ابن المعتز:
وقد رفع الفجر الظلام كأنه ... ظليم على بيض تكشف جانبه
وقد أبدع أيضا في قوله:
قد اغتدى والليل في جلبابه ... كالحبشي فر من أصحابه
والصبح قد كشف عن أنيابه ... كأنما يضحك من ذهابه
وقال أبو نواس:
فقمت والليل يجلوه الصباح كما ... جلا التبسم عن غر الثنيات
وفي ألفاظ هذا البيت زيادة على معناه.
وقال:
لما تبدى الصبح من حجابه ... كطلعة الأشمط من جلبابه
وهذا من قول الآخر:
كطلعة الأشمط من برد سمل
وقال ابن المعتز:
وقد قفوت الغيث ينطف دجنه ... والصبح ملتبس كعين الأشهل
وقلت:
باكرتها والخيل في البكور ... والصبح بالليل مكوث النور
كما خلطت المسك بالكافور
وقال ابن المعتز:
أما ترى الصبح تحت ليلته ... كموقد بات ينفخ الفحما
وقال:
والليل قد رق وأصفى نجمه ... واستوفز الصبح ولما ينتقب
معترضا بفجره في ليلة ... كفرس بيضاء دهماء اللبب
وقال العلوي وأجاد المعنى:
والصبح في صفح الهواء مورد ... مثل المدامة في الزجاج تشعشع
وقلت:
إلى أن طوينا اليوم إلا بقية ... يضل ضياء الشمس عنها فيزلق
وجلل وجه الشمس برد ممسك ... وقابله للغرب برد ممشق
فلاح لنا من مشرق الشمس مغرب ... وبان لنا من مغرب الشمس مشرق
ومد علينا الليل ثوبا منمقا ... وأشعل فيه الفجر فهو يحرق
وصبحنا صبح كأن ضياءه ... تعلم منا كيف يبهى ويشرق
وقلت:
ركبت أعجاز ليال مظلمة ... مطرزات بالصباح معلمه
أخطر في بردتها المسهمه ... والروض في حلته المنمنه
قد نثر الليل عليه أنجمه ... والنبت قد دنره ودرهمه
وقد وشى رداءه ورقمه
وقال بعض الأعراب:
والليل يطرده النهار ولا أرى ... كالليل يطرده النهار طريدا
وتراه مثل البيت مال رواقه ... هتك المقوض ستره الممدودا
وهذا شعر مطبوع.
وقال أبو نواس:
قد اغتدى والليل في حريمه ... معسكر في العز من نجومه
والصبح قد نسم في أديمه ... يدعه بطرفي حيزومه
دع الوصي في قفا يتيمه
ومن الاستعارة المصيبة في صفة الصبح قول سالم بن وابصة:
على حين أثنى القوم خيرا على السرى ... وطار بأخرى الليل أجنحة الفجر
والنصف الأول من قول الآخر:
عند الصباح يحمد القوم السرى
وقال العلوي الأصفهاني:
وليل نصرت الغي فيه على الرشد ... وأعديت فيه الهزل مني على الجد
وضيعت فيه من عناق معانقي ... فظن وشاتي أنني نائم وحدي
إلى أن تجلى الصبح من خلل الدجى ... كما انخرط السيف اليماني من الغمد
وقلت:
حتى أزال الصبح فاضل ذيله ... كالنيل يخطر في نوادي يعرب
وقد أحسن ابن المعتز في صفة النجم يبدو في حمرة الفجر حيث يقول:
قد اغتدى على الجياد الضمر ... والصبح قد أسفر أو لم يسفر
كأنه غرة مهر أشقر ... حتى بدا في ثوبه المعصفر
ونجمه مثل السراج الأزهر
وقال الشمردل بن شريك:
ولاح ضوء الصبح فاستبينا ... كما أرتنا المفرق الدهينا
وقال التنوخي:
والثريا كلواء ... خافق من فوق مرقب
وبدا الفجر كسيف ... في يد الجوزاء مذهب
وقلت:
أديرا علي الكأس والليل راحل ... وفي إثره للصبح بلق شوائل

(1/148)


ترفع عنه منكب الليل فانجلى ... كما ابتسمت لمياء والستر مائل
وقال التنوخي:
وبدا الصبح كالحسام علاه ... علق فوق شفرتيه متاع
وقال:
أسامره والليل أسود أورق ... إلى أن جلا الإصباح عن أشقر ورد
تبسم محمرا خلال سواده ... تبسم ورد الخد في الصدغ الجعد
ومن حسن الاستعارة في الشفق قول ابن المعتز:
ساروا وقد خضعت شمس الأصيل لهم ... حتى توقد في جنح الدجى الشفق
لحاجة لم أضاجع دونها وسنا ... وربما جر أسباب الكرى الأرق
وأبرع بيت قيل في الصبح من شعر المحدثين قول ابن المعتز
والصبح يتلو المشتري فكأنه ... عريان يمشي في الدجى بسراج
والناس يظنون أنه ابتدأه وابتكره، وإنما أخذه من قول ابن هرمة في وصف السحاب والبرق:
تؤام الودق كالزاح ... ف يزجى خلف اطلاح
صدوق البرق كالسكرا ... ن يمشي خلفه الصاحي
كأن العازف الحنى ... أو أصوات نواح
على أرجائه والبر ... ق يهديه بمصباح
وهذا البيت مضطرب الرصف مضمن لا خير فيه والمعنى بارد.
ومن أطرف ما قيل في الليالي الطيبة قول ابن المعتز:
تلتقط الأنفاس برد الندى ... فيه فتهديه لحر الهموم
وقلت:
وقد غدوت وصبغ الليل منتقص ... وغرة الصبح مصقول حواشيها
وغربت أنجم الظلماء وانحدرت ... فشال أرجلها وأنحط أيديها
فأما أجود ما قيل في الشمس مما أنشدناه أبو القاسم، عن عبد الوهاب، عن العقدي، عن أبي جعفر، عن ابن الأعرابي، قديما في صفة الشمس فقال وهو أحسن وأتم ما قالته العرب فيها:
مخبأة أما إذا الليل جنها ... فتخفى وأما بالنهار فتظهر
إذا انشق عنها ساطع الفجر فانجلى ... دجى الليل وانجاب الحجاب المستر
وألبس عرض الأرض لونا كأنه ... على الأفق الشرقي ثوب معصفر
ولون كدرع الزعفران مشبه ... شعاع يلوح فهو أزهر أصفر
إلى أن علت وابيض عنها اصفرارها ... وجالت كما جال المليح المشهر
ترى الظل يطوى حين تعلو وتارة ... تراه إذا مالت إلى الأرض ينشر
وتدنف حتى ما يكاد شعاعها ... يبين إذا ولت لمن يتبصر
وأفنت قرونا وهي في ذاك لم تزل ... تموت وتحيا كل يوم وتنشر
وأنشدناه أيضا أبو أحمد، عن الصولي، عن علي بن الصباح، عن ابن أبي محلم، على غير ما تقدم هنا أخذ ابن الرومي قوله:
وقد جعلت في مجنح الليل تمرض
ومن بديع ما قيل في انقلابها عند الغروب قول الراجز:
وصارت الشمس كعين الأحول
ولأعرابية تذكر السحاب:
تطالعني الشمس من دونها ... طلاع فتاة تخاف اشتهارا
تخاف الرقيب على سرها ... وتحذر من زوجها أن يغارا
فتستر غرتها بالخمار ... طورا وطورا تزيل الخمارا
وقال ابن المعتز وأغرب:
تظل الشمس ترمقنا بلحظ ... خفي مدنف من خلف ستر
فتحاول فتق غيم وهو يأبى ... كعيني يريد نكاح بكر
وقال ابن طباطبا:
وأقذيت عين شمس فحكت ... من خلل الغيم طرف عمشاء
وقلت:
فيا بهجة الدنيا إذا الشمس أشرقت ... كما أشرقت فوق البرية زينب
يفضض منها الجو عند طلوعها ... ولكن وجه الأرض فيها مذهب
وتحسب عين الشمس إذ هي رنقت ... على الأفق الغربي تبرا يذوب
وقلت في يوم صحو:
ملأ العيون غضارة ونضارة ... صحو يطالعنا بوجه مونق
والشمس واضحة الجبين كأنها ... وجه المليحة في الخمار الأزرق
وكأنها عند انبساط شعاعها ... تبر يذوب على فروع المشرق

(1/149)


جرت إذا بكرت ذيول مزعفر ... وتجر إن راحت ذيول ممشق
فشربتها عذراء من يد مثلها ... تحكي الصباح مع الصباح المشرق
وقال ابن طباطبا:
وشمس تجلت في رداء معصفر ... كأسماء إذ مدت عليها إزارها
وقال ابن المعتز فيها عند غروبها:
حتى علا الطود ذيل من أصائله ... كما يصفر فودي رأسه الحرف
وقال أبو نواس:
قد اغتدي والشمس في حجابها ... مثل الكعاب الخود في نقابها
وقال ابن الرومي وهو من المشهور:
كأن خبو الشمس ثم غروبها ... وقد جعلت في مجنح الليل تمرض
تخاوص عين بين أجفانها الكرى ... يرنق فيها النوم ثم تغمض
ومن جيد ما قيل في احمرارها عند المغيب قول ابن الحاجب:
وكأنها عند الغرو ... ب جفون عين الأرمد
وقال ابن الرومي وهو من المشهور:
إذا رنقت شمس الأصيل ونفضت ... على الأفق الغربي ورسا مذعذعا
وودعت الدنيا لتقضي نحبها ... وشول باقي عمرها وتشعشعا
ولاحظت النوار وهي مريضة ... وقد وضعت خدا على الأرض أضرعا
كما لاحظت عواده عين مدنف ... توجع من أوصابه ما توجعا
وظلت عيون الروض تخضل بالندى ... كما اغرورقت عين الشجي لتدمعا
وبين إغضاء الفراق عليهما ... كأنهما خلا صفاء تودعا
وقال الآخر
والشمس تؤذن بالشروق كأنها ... خود تلاحظ من وراء حجاب
وقال السري:
ومن قصور عليه مشرفة ... تضيء والليل أسود الحجب
بيض إذا الشمس حان مغربها ... حسبت أطرافهن من ذهب
ومن بديع ما قيل فيها من شعر المتقدمين قول أبي ذؤيب:
سبقت إذا ما الشمس عادت كأنها ... صلاءة طيب ليطها واصفرارها
ومن جيد ما قيل في النهار قول أعرابي:
فإذا أشرق النهار تراها ... راملات في مثل ماء زلال
وقلت:
ويخبطن الصباح إذا تبدى ... كما يكرعن في الماء الزلال
وقلت:
وعلى الصباح غلالة فضية ... فيها طراز من خيالك مذهب
آخر الباب السادس، والحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه أجمعين.
نهاية الجزء الأول
ديوان المعاني
الجزء الثاني هذا كتاب المبالغة
صفة السحاب والمطر والبرق والرعد...
وذكر المياه والرياض والنبات والأشجار والرياحين والثمار والنسيم وما يجري مع ذلك وهو:
الباب السابع من كتاب ديوان المعاني وفيه ثلاث فصول
الفصل الأول
صفة السحاب والمطر والبرق والرعد والثلج والضريب
أخبرنا أبو أحمد، عن أبي بكر بن دريد، عن أبي حاتم عن الأصمعي. قال: قال أبو عمرو لذي الرمة: أي قول الشعراء في المطر أشعر؟ قال: قول امرىء القيس:
ديمة هطلاء فيها وطف ... طبق الأرض تحرى وتدر
قوله طبق الأرض، غاية في صفة عموم السحاب، أراد أنها على الأرض بمنزلة الطبق على الإناء.
ولا أعرف أحدا أخذه فأجاده، كاجادة ابن الرومي حيث يقول:
سحائب قيست بالبلاد فألقيت ... غطاء على أغوارها ونجودها
هدتها النعامى مثقلات فأقبلت ... تهادى رويدا سيرها كركودها
قوله سيرها كركودها غاية في وصف ثقلها وثقلها من كثرة مائها.
والبيت البليغ المشار إليه من أبيات امرىء القيس قوله:
وترى الشجراء في ريقه ... كرؤوس قطعت فيها الخمر
الشجراء الأرض ذات الشجر، وإذا غرقت الشجر من ريقه حتى لا يبين منها إلا فروعها فكيف يكون في شدته، وريق المطر أوله وأخفه، وشبه رؤوس الشجر خارجة من الماء برؤوس قطعت عليها عمائم، والخمار ههنا العمامة.
وقولوا: أجود ما قيل في المطر قوله:
كأن أبانا في أفانين وبله ... كبير رجال في بجاد مزمل

(1/150)


يقول كأن أبانا - هو جبل - من التفاف قطره، وتكاثفه في الهواء شيخ في كساء، وخفض مزمل على الجواب وهو نعت كبير كما يقول جحر ضب خرب.
وقالوا أجود ما قيل فيه قول أبي ذؤيب "
لكل مسيل من تهامة بعد ما ... تقطع أقران السحاب عجيج
وهذا مع جودة معناه فصيح جدا.
أخبرنا أبو أحمد، عن أبيه، عن عسل بن ذكوان، قال: قال الأصمعي: قال لأبي عمرو ما أحسن ما قيل في المطر فقال: قول القائل:
دان مسف فويق الأرض هيدبه ... يكاد يدفعه من قام بالراح
فمن بنجوته كمن بعقوته ... والمستكن كمن يمشي بقرواح
يقول: قد عم هذا السحاب، فاستوى في شيم برقه، وأصاب مطره المنجد والغائر، والمستكن والمصحر، قرب من الأرض لثقله بالماء، حتى يكاد يدفعه القائم براحته وهذا غاية الوصف.
ومن أبلغ ما جاء في ذلك من نثر الأعراب، ما أخبرنا به أبو أحمد، عن أبي بكر بن دريد، عن أبى حاتم وعبد الرحمن عن الأصمعي قال: سألت أعرابيا من عامر بن صعصعة، عن مطر أصاب بلادهم، فقال: نشأ عارضا فطلع ناهضا، ثم ابتسم وامضا، فاعترض الأمطار فأعشاها، وامتد في الآفاق فغطاها، ثم ارتجز فهمهم، ثم دوي فأظلم، فأرك ودث وبغش، ثم قطقط فأفرط، ثم ديم فأغمط، ثم ركد فأجثم، ثم وبل فسح وجاد، فأنعم فقمس الربى، وأفرط الزبى سبعا تباعا، لا يريد انقشاعا، حتى ارتوت الحزون، وتضحضحت المتون، ساقه ربك إلى حيث شاء، كما جلبه من حيث شاء.
الدث والبغش المطر الخفيف، والقطقط المطر الصغار، وقوله أنعم أي بالغ من قولهم دقه دقا ناعما، وقمس أي غوص، وأفرط ملأ. والزبى جمع زيبة وهي حفرة تحفر للأسد، ويجعل فيها طعم فيجيء حتى يقع فيها، ولا تحفر إلا من مكان عال، فإذا بلغها السيل فهو الغاية، وفي المثل " بلغ السيل الزبى " . والمتن صلابة من الأرض فيها ارتفاع، وتضحضح أي صار عليه ضحضاح، وهو الماء يجري على وجه الأرض رقيقا.
وأنشدنا أبو أحمد، عن أبيه، عن ابن أبي طاهر، عن ابن الأعرابي لأعرابية:
فبينا نرمق أحشاءنا ... أضاء لنا عارض فاستنارا
فأقبل يزحف زحف الكسير ... سياق الرعاء البطاء العشارا
تغني وتضحك حافاته ... أمام الجنوب وتبكي مرارا
كأنا تضيء لنا حرة ... تشد إزارا وتلقي إزارا
فلما حسبنا بأن لا نجاء ... وأن لا يكون فرار فرارا
أشار له آمر فوقه ... هلم فأم إلى ما أشارا
وأنشدنا لغيرها:
تبسمت الريح ريح الجنوب ... فهاجت هوى غاليا وادكارا
وساقت سحابا كمثل الجبال ... إذا البرق أومض فيه أنارا
إذا الرعد جلجل في جانبيه ... فروى النبات وأروى الصحارى
تطالعنا الشمس من دونه ... طلاع فتاة تخاف اشتهارا
تخاف الرقيب على سرها ... وتحذر من زوجها أن يغارا
فتستر غرتها بالخمار ... طورا وطورا تزيل الخمارا
وقد مرت هذه الأبيات الثلاثة قبل:
فلما مراها هبوب الجنوب ... وانهمر الماء منه انهمارا
تبسمت الأرض لما بكت ... عليها السماء دموعا غزارا
فكان نواجذها الأقحوان ... وكان الضواحك منها البهارا
وقال ابن مطير وهو أجود ما قيل في سحاب:
مستضحك بلوامع مستعبر ... بمدامع لم تمرها الأقذاء
فله بلا حزن ولا بمسرة ... ضحك يؤلف بينه وبكاء
ثقلت كلاه وأنهرت أصلابه ... وتبعجت من مائه الأحشاء
غدق ينتج بالأباطح فرقا ... تلد السيول وما لها اسلاء
وكأن ريقة ولما يحتفل ... ودق السحاب عجاجة كدراء
غر محجلة دوالح ضمنت ... حفل اللقاح وكلها عذراء

(1/151)


سحم فهن إذا كظمن فواحم ... وإذا ضحكن فإنهن وضاء
لو كان من لجج السواحل ماؤه ... لم يبق من لجج السواحل ماء
ومن هذا البيت، أخذ المتكلمون الحجة على الفلاسفة، في قول الفلاسفة: المطر إنما هو البخارات ترتفع من البحر، قالوا لهم: لو كان الأمر كذلك لكان ماء البحر ينقص عند كثرة الأمطار فقالت: لا يلزم ذلك لأن البحر مغيض لمياه الأرض فمصير ما يتحلب من الثلوج إليه ومنه مواد هذه الأشياء فمثله مثل المنجون يغرف من بحر ثم يصب فيه فليس له نقصان والي ينقض هذا أن ماء البحر يزيد عند كثرة الأمطار، وينقص عند قلتها، والعادة في ذلك معروفة، ولو كان الأمر على ما يقولون، لكان ماء البحر ينقص على مرور الأوقات لا محالة، لأن الشمس والهواء لا شك تأخذ مما يتفرق عنه في الأرض بزعمهم، والكلام فيه يتسع وإنما أشرت إلى موضع الدلالة على فساد قولهم.
وقال النظار الفقعسي:
يا صاحبي أعيناني بطرفكما ... أنى تشيمان برق العارض الساري
أبصرته حين غاب النجم وانسفرت ... عنا غفائر من دجن وأمطار
فبات ينهض بالوادي وجلهته ... نهض الكسير بذي أونين جرار
حيران سكران يغشى كل رابية ... من الروابي بأرجاف وأضرار
مفرق لدماث الأرض منهمر ... رعاب أفئدة شعال أبصار
كأن بلقا غرابا تحت ريقه ... عودا تذب برمح عند إمهار
وشبه البرق برمح الأبلق، وهو من قول أوس بن حجر:
كأن ريقه لما علا شطبا ... أقراب أبلق ينفي الخيل رماح
ومن أبلغ ما قيل في ذلك قول الأعرابية التي سألها ذو الرمة عن الغيث فقالت: غثنا ما شئنا. فكان ذو الرمة يقول قاتلها الله ما أفصحها. وترك ذو الرمة هذا المذهب على إعجابه به واختياره له وقال:
ألا يا أسلمي يا دار مي على البلى ... ولا زال منهلا بجرعائك القطر
فقيل له هذا بالدعاء عليها أشبه منه بالدعاء لها، لأن القطر إذا دامت فيها فسدت. والجيد قول طرفة:
فسقى بلادك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمي
وقال الأعرابي: أصابتنا سحابة، وإنا لبنوطة بعيدة الأرجاء، فاهر مع مطرها حتى رأيتنا وما رأينا غير السماء والماء، وصهوات الطلح، فضرب السيل النجاف، وملأ الأدوية فرعبها، فما لبثنا إلا عشرا حتى رأيتها روضة تندي. قوله: ما رأيت غير السماء والماء وصهوات الطلح غاية في صفة كثرة المطر. وأخبرنا أبا أحمد، عن أبي بكر بن دريد، عن أبي حاتم، عن أبي عبيدة، قال: خرج النعمان بن المنذر في بعض أيامه في عقب مطر، فلقي أعرابيا فأمر بإحضاره، فأتي به فقال: كيف تركت الأرض وراءك؟ قال: فيح رحاب، منها السهولة ومنها الصعاب، منوطة بجبالها حاملة أثقالها. قال: إنما عن السماء سألتك. قال: مطلة مستقلة على غير سقاب ولا أطناب، يختلف عصراها، ويتعاقب سراجاها، قال: ليس عن هذا أسألك. قال: فسل عما بدا لك قال: هل أصاب الأرض غيث يوصف؟ قال: نعم أغمطت السماء في أرضنا ثلاثا رهوا فثرت وأرزغت، ورسغت، ثم خرجت من أرض قومي أقروها متواصية لا خطيطة منها حتى هبطت تعشار، فتداعى السحاب من الأقطار، فجاء السيل الجرار، فعفا الآثار، وملأ الجفار، وقوب الأشجار، وأحجر الحضار، ومنع السفار ثم أقلع عن نفع وإضرار، فلما اتلأبت في الغيطان ووضحت السبل في القيعان، تطلعت رقاب العنان، من أقطار الأعنان، فلم أجد وزرا إلا الغيران، فقات وجار الضب، فعادت السهول كالبحار، تتلاطم بالتيار، والحزون متلفعة بالغثاء، والوحوش مقذوفة على الأرجاء، فما زلت أطأ السماء، وأخوض الماء، حتى أطلعت أرضكم ا ه.

(1/152)


أغمطت السماء دم مطرها، رهوا ساكتا، ثرت: تركته ثرية، أرزعت: تركت الأرض في رزعة، والرزغة والردغة: الطين إذا غطى القدم، رسغت: بلغت الرسغ، متواصية: متصلة، والهطيطة والخطيطة: أرض لم يصبها مطر بين أرضين ممطورتين، وتعشار: موضع، والعنان: السحاب والأعنان: نواحي الشخب فقأت من القي وجار الضب وهو عندهم غاية ما يوصف به المطر، وهو عندهم الذي يجر الضب من وجارها فيخرجها، من كثرة سيله. وقوله: والحزون متلفعة بالغثاء يقول: بلغ الماء رؤوس الحزون ثم نضب عنها فبقي الغثاء في موضعه.
ومن الوصف الجيد التام في تكاثف المطر قول بعضهم: وقع مطر صغار، وقطر كبار، وكأن الصغار لحمة للكبار، جعل الهواء كالثوب المنسوج من كثرة المطر وتكاثفه.
ومن أجود ما قاله محدث، في وصف السحاب والقطر والرعد والبرق، ما أنشدناه أبو أحمد عن نفطويه للعتابي:
أرقت للبرق يخفو ثم يأتلق ... يخفيه طورا ويبديه لنا الأفق
كأنه غرق شهباء لائحة ... في وجه دهماء ما في جلدها بلق
أو ثغر زنجية تفتر ضاحكة ... تبدو مشافرها طورا وتنطبق
أو سلة البيض في جأواء مظلمة ... وقد تلقت ظباها البيض والدرق
والغيم كالثوب في الآفاق منتشر ... من فوقه طبق من تحته طبق
تظنه مصمتا لا فتق فيه فان ... سالت عواليه قلت الثوب منفتق
إن ممعم الرعد فيه قلت ينخرق ... أو لألأ البرق فيه قلت يحترق
تستك من رعده أذن السميع كما ... تعشى إذا نظرت من برقه الحدق
فالرعدد صهصلق والريح منخرق ... والبرق مؤتلق والماء منبعق
قد حال فوق الربى نور له أرج ... كأنه الوشي والديباج والسرق
من صفرة بينها حمراء قانية ... وأصفر فاقع أو أبيض يقق
فاستحسنت هذه الطريقة فقلت:
برق يطرز ثوب الليل مؤتلق ... والماء من ناره يهمي فينبعق
توقدت في أديم الأرض حمرته ... كأنها غرة في الطرف أو بلق
ما امتد منها على أرجائه ذهب ... إلا تحدر من حافاته ورق
كأنها في جبين المزن إذ لمعت ... سلاسل التبر لا يبدو لها حلق
فالرعد مرتجس والبرق مختلس ... والغيث منبجس والسيل مندفق
والضال فيما طما من مائه غرق ... والجزع فيما جرى من سيله شرق
والغيم خز وأنهاء اللوى زرد ... والروض وشي وأنوار الربى سرق
والروض يزهوه عشب أخضر نضر ... والعشب يجلوه نور أبيض يقق
ومما ورد في المياه:
من سيول يمجها الواديان ... وثلوج يذيبها العصران
ذو استواء إذا جرى والتواء ... هل تأملت مزحف الأفعوان
فهو حيث استدار وقف لجين ... وهو حيث استطار سيف يمان
وقال ابن المعتز:
لا مثل منزلة الدويرة منزل ... يا دار جادك وابل وسقاك
بؤسا لدهر غيرتك صروفه ... لم يمح من قلبي الهوى ومحاك
لم يحل بالعينين بعدك منظر ... ذم المنازل كلهن سواك
أي المعاهد منك أندب طيبة ... ممساك ذا الآصال أو مغداك
أم برد ظلك ذي الغصون وذي الحيا ... أم أرضك الميثاء أم رياك
وكأنما سطعت مجامر عنبر ... أوفت فأر المسك فوق ثراك
وكأنما حصباء أرضك جوهر ... وكأن ماء الورد دمع نداك
وكأن درعا مفرغا من فضة ... ماء الغدير جرت عليه صباك
وهذه الأبيات أحسن أبيات قيلت في صفة دار.
وقلت:
شققن بنا تيار بحر كأنه ... إذا ما جرت فيه السفين يعربد

(1/153)


ترى مستقر الماء منه كأنه ... سبيب على الأرض الفضاء ممدد
ويجري إذا الأرواح فيه تقابلت ... كما مال من كف النهامي مبرد
فإن تسكن الأرواح خلت متونه ... متون الصفاح البيض حين تجرد
فطورا تراه وهو سيف مهند ... وطورا تراه وهو درع مسرد
نصعد فيه وهو زرق جمامه ... فنحسب أنا في السماء نصعد
وقال ابن طباطبا العلوي في مد الوادي:
يا حسن وادينا ومد الماء ... قد جاء بين الصيف والشتاء
يختال في حلته الكدراء ... أكدر يمتد على غبراء
في صخب عال وفي ضوضاء ... يصافح الرياح في الهواء
ترى به تناطح الظباء ... جماء قد شدت إلى جماء
فانظر إلى أعجب مرأى الرائي ... من كدر ينجاب عن صفاء
تقشع الغيم عن السماء
وقال السري في المد وانقطاع الجسر ببغداد:
أحذركم أمواج دجلة إذ غدت ... مصندلة بالمد أمواج مائها
فظلت صغار السفن يرقصن وسطها ... كرقص بنات الزنج عند انتشائها
تغرقها هوج الرياح وتعتلي ... ربى الموج من قدامها وورائها
فهن كدهم الخيل جالت صفوفها ... وقد بدرتها روعة من ورائها
كأن صفوف الطير عاذت بأرضها ... وقد سامها ضيما أسود سمائها
أو الشبح المسود حلت عقوده ... على تربة محمرة من فضائها
وقلت:
مررت بنهر المسرقان عشية ... فأبصرت أقمارا تروح وتغرب
كأنهم در تقطع سلكه ... وغودر فوق الماء يطفو ويرسب
فكم ثم من خشف على الماء لاعب ... فيا من رأى خشفا على الماء يلعب
كأن السميريات فيه عقارب ... تجيء على زرق الزجاج وتذهب
وقال أبو بكر الصنوبري:
إذا السماء أعنقت ... منها إلى شط وشط
حسبت أن بطها ... الأمواج والأمواج بط
وقال:
وروضة أريضة الأرجاء ... من ذهب الزهر لجين الماء
يجري على زمرد الحصباء ... بين استواء منه والتواء
كما نفضت جونة الحواء
وقال أبو فراس بن حمدان:
أنظر إلى الزهر البديع ... والماء في برك الربيع
وإذا الرياح جرت عليه ... في الذهاب وفي الرجوع
نثرت على بيض الصفا ... ئح حلق الدروع
ومن أوائل ما جاء في ذكر الماء المظلل بالأشجار قول لبيد:
فتوسطا عرض السماء فصدعا ... مسجورة متجاوز قلامها
محفوفة وسط البراع يظلها ... منه مصرع غابة وقيامها
وقال بشر بن أبي خازم في البحر:
ونحن على جوانبها قعود ... نغض الطرف كالابل القماح
إذا قطعت براكبها خليجا ... تذكر ما لديه من الجناح
الفصل الثاني من الباب السابع
ذكر الرياض والأنوار والبساتين والثمار
وما يجري مع ذلك
أخبرنا أبو أحمد، عن رجاله، عن أبي عمرو، وغيره قالوا: أجود ما قيل في وصف روضة قول الأعشى:
ما روضة من رياض الحزن معشبة ... خضراء جاد عليها مسبل هطل
يضاحك الشمس منها كوكب شرق ... مؤزر بعميم النبت مكتهل
يوما بأطيب منها نشر رائحة ... ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل
قال المصنف: خص العشي، لأن كون الانسان بالعشي أحسن منه بالغداة، لرقة تعلوه بالعشي وتهبج يعتاده بالغداة، وتعتري الألوان بالعشيات، صفرة قليلة تستحسن، ولذلك شبهها بالروض لما في الروض من الزهر وهو أصفر.
ومن هذا قوله أيضا:
وصفراء العشية كالعرارة

(1/154)


وقال بعضهم: بل خص العشي لنقصان الحسن فيه، قال: فشبهها في نقصان الحسن، بالروضة في حال تمام حسنها، وليس كذلك لأن الروض بالغداة أحسن منه بالعشي.
والتشبيه المصيب من الشعر القديم قول بشر بن أبي خازم:
وروض أحجم الرواد عنه ... له نفل وحوذان تؤام
تعالى نبته واعتم حتى ... كأن منابت العلجان شام
الشام: جمع شامة أي ظاهر كظهور الشامة في الوجه، ويقال: ما أنت إلا شامة أي أمرك ظاهر.
وأنشد الجاحظ قول النمر بن تولب العكلي:
ميثاء جاد عليها مسبل هطل ... فأمرعت لاحتيال فرط أعوام
إذا يجف ثراها ديم ... من كوكب نازل بالماء سجام
لم يرعها أحد وارتبها زمنا ... فأو من الأرض محفوف بأعلام
تسمع للطير في حافاتها زجلا ... كأن أصواتها أصوات خدام
كأن ريح خزاماها وحنوتها ... بالليل ريح يلنجوج وأهضام
ولم يدع شيئا يكون في الخصب إلا ذكره.
ومن أبلغ ما وصف به كثرة الكلأ، ما أخبرنا به أبو أحمد، عن أبي بكر بن دريد، عن عمه، عن ابن الكلبي، عن أبيه، قال: خطب ابنه الخس ثلاثة نفر من قومها، فارتضت أنسابهم وجمالهم، وأرادت أن تسبر عقولهم فقالت لهم: إني أريد أن ترتادوا إلى مرعى، فلما أتوها قالت لأحدهم: ما رأيت؟ قال: رأيت بقلا وبقيلا، وماء غدقا سيلا، يحسبه الجاهل ليلا قالت: أمرعت. وقال الآخر: رأيت ديمة فوق ديمة، على عهاد غير قديمة، فالناب تشبع قبل الفطيمة.
وقال الثالث: رأيت نبتا ثعدا معدا متراكبا، جعدا، كأفخاذ نساء بني سعد، تشبع منه الناب وهي تعدو. اه.
بقلا وبقيلا: يقول بقل قد طال وتحته عمير قد نشأ، والغدق: الكثير يحسبه الجاهل ليلا من كثافته وشدة خضرته، والديمة المطر يدوم أياما في سكون ولين، والعهاد أول ما يصيب الأرض من المطر الواحد عهد، تشبع منه الناب قبل الفطيمة: يريد أن العشب قد اكتهل وتم فالناب وهي المسنة من الابل تشبع قبل الصغيرة منها لأنها تنال الكلأ وهي قائمة لا تطلبه ولا تبرح موضعها، والفطيمة تتبع ما صغر والصغير فيه قليل. وهذه صفة بليغة.
وأبلغ منها قول الآخر: تشبع منه الناب وهي تعدو أي من طول النبات وكثرته وعمومه، تعدو وتأكل لا يحتاج إلى تتبعه وطأطأة رأسها له. ولا أعرف في جميع ما وصف به كثرة الكلأ أبلغ من هذا. والثعد: الرطب اللين والمعد اتباع. والثرى الجعد: الذي قد كثر نداه فإذا ضممته بيدك اجتمع ودخل بعضه في بعض كالشعر الجعد، وخص نساء بني سعد لأن الأدمة فيهم فاشية.
ومن أبلغ ما قيل في طول الكلأ قول الآخر أنشده ابن السكيت وثعلب:
أرعيتها أطيب أرض عودا ... الصل والصفل واليعضيدا
والخازباز السنم المجودا ... بحيث يدعو عامر مسعودا
يقول: قد سد النبات، من طوله وسبوغه، مسعودا فليس يراه عامر، فهو يصيح به، الصل والصفصل وخازباز ضرب من النبات. وليس ألفاظ الأبيات بالمختارة إنما اخترتها لجودة معناها.
ونظر أعرابي إلى يوم دجن، وإلى نبات غض فاستحسن فقال ارتجالا:
أنت والله من الأي ... ام لدن الطرفين
كلما قلبت عي ... ني ففي قرة عين
وقلت:
أتاه يريد المزن ينشده الصبا ... فدوم من أعلى رباه وديما
ولاح إليه بالبروق مطرزا ... فأصبح منها بالزواهر معلما
ومن بديع ما قاله محدث، في صفة الرياض والبساتين، قول عبد الصمد بن المعذل أنشدناه أبو أحمد وغيره:
مغان من العيش الغرير ومعمر ... ومبدى أنيق بالعذيب ومحضر
نما الروض منه في غداة مريعة ... لها كوكب يستأنق العين أزهر
ترى لامع الأنوار فيها كأنه ... إذا اعترضته العين وشي مدنر
تسابق فيه الأقحوان وحنوة ... وساماهما رند نضير وعبهر
يمج ثراها فيه عفراء جعدة ... كأن نداها ماء ورد وعنبر

(1/155)


أعاد نسيم الريح أنفاس نشره ... وخايل فيه أحمر اللون أصفر
بدا الشيح والقيصوم عند فروعه ... وشث وطباق وبان وعرعر
وناضر رمان يرف شكيره ... يكاد إذا ما ذرت الشمس يقطر
ويانع تفاح كأن جنيه ... نجوم على أغصانه الخضر تزهر
فإذ هاج نوح الأيك في رونق الضحى ... تذكر محزون أو ارتاح مقصر
تجاوبن بالترجيع حتى كأنما ... ترنم في الأغصان صنج ومزهر
مراناة موموق وترجيع شائق ... فللقلب ملهاة وللعين منظر
واني إلى صحن العذيب لتائق ... واني إليه بالمودة أصور
مرعت ولا زالت تصوبك ديمة ... يجود بها جون الغوارب أقمر
أحم الكلى واهي العرى مسبل الجدى ... إذا طعنت فيه الصبا يتفجر
كأن ابتسام البرق في حجراته ... مهندة بيض تشام وتشهر
وقول ابن المعتز يتضمن صفة الأنوار على التمام ولا يكاد يشذ منه شيء البتة وهو:
والروض مغسول بليل ممطر ... جلا لنا وجه الثرى عنم منظر
كالعضب أو كالوشي أو كالجوهر ... من أبيض وأحمر وأصفر
وطارق أجفانه لم تنظر ... تخاله العين فما لم يغفر
وفاتق كاد ولم ينور ... كأنه مبتسم لم يكشر
وأدمع الغدران لم تكدر ... كأنه دراهم في منثر
أو كعشور المصحف المنشر ... والشمس في أصحاء جو أخضر
كدمعة حائرة في محجر ... تسقي عقارا كالسراج الأزهر
مدامة تعقر إن لم تعقر ... يديرها كف غزال أحور
ذي طرة قاطرة بالعنبر ... وملثم يكشفه عن جوهر
وكفل يشغل فضل المئزر ... تخبر عيناه بفسق مضمر
يعلم الفجور إن لم يفجر
وقلت:
جواهر عشب ونور نظيم ... وأفراد ظل وقطر نثير
فمن بين صفر وحمر وخضر ... على القضب غيد وزور وصور
ولعس تناسب لعس الشفاه ... وبيض تعارض بيض الثغور
نواظر من بين يقظى ووسنى ... ونجل وحزر وحول وحور
وقد استوفى في هذه الأبيات، جميع أوصاف الأنوار، على اختلاف حالاتها. وأنشدنا أبو أحمد قال أنشدنا التنوخي لنفسه:
أما ترى الروض قد وافاك مبتسما ... ومد نحو الندامى للسلام يدا
فأخضر ناضر في أبيض يقق ... وأصفر فاقع في أحمر نضدا
مثل الرقيب بدا للعاشقين ضحى ... فاحمر ذا خجلا واصفر ذا كمدا
ومن المشهور قول الحماني:
ديم كأن رياضها ... يكسين أعلام المطارف
وكأنما غدرانها ... فيها عشور في مصاحف
وكأنما أنوارها ... تهتز بالريح القوصف
طرر الوصائف يلتفت ... ن بها إلى طرر الوصايف
وقلت:
وروضة حالية الصدور ... كاسية البطون والظهور
محمودة المخبور والمنظور ... مونقة المطوي والمنشور
معجبة الظاهر والمستور ... ضاحكة كالوافد المحبور
باكية كالعاشق المهجور ... شذرها الغيث بلا شذور
شقائق كناظر المخمور ... وأقحوان كثغور الحور
ونرجس كأنجم الديجور ... وأقحوان كثغور الحور
والطل منثور على منثور
يرصع الياقوت بالبللور
وقال السري وأحسن، وليس فيمن تأخر من الشاميين أصفى ألفاظا مع الجزالة والسهولة وألزم لعمود الشعر فيه:

(1/156)


وجنات يحي الشرب وهنا ... جنى وهداتها وجنى رباها
إذا ركد الهواء جرت نسيما ... وإن طاح الغمام طغت مياها
يفرج وشيها عن ماء ورد ... يفيض على اللآليء من حصاها
تعانق ريحها لمم الخزامى ... وأعناق القرنفل في سراها
ويأبى زهرها إلا هجوعا ... ويأبى عرقها إلا انتباها
وقال البحتري:
قطرات من السحاب وروض ... نثرت وردها عليه الخدود
فالرياح التي تهب نسيم ... والنجوم التي تطل سعود
وقال ابن الرومي:
أصبحت الدنيا تروق من نظر ... بمنظر فيه جلاء للبصر
واها لها مصطنعا لقد شكر ... أثنت على الله بالآء المطر
والأرض في روض كأفواه الحبر ... تبرحت بعد حياء وخفر
تبرج الأنثى تصدى للذكر
وقال وأحسن:
وحلس من الكتان أخضر ناضر ... يباكره دان الرباب مطير
إذا درجت فيه الرياح تتابعت ... ذوائبه حتى يقال غدير
وقلت:
أنظر إلى الصحراء كيف تزخرفت ... وإلى دموع المزن كيف تذرف
وعلى الربى حلل وشاهن الحيا ... فمسهم ومقصب ومفوف
وملابس الأنواء فيها سندس ... ومضاجع الأنداء فيها زخرف
نم الرياح على الرياض نمائما ... ذكرنك الكافور حين يدوف
وعلى التلاع من الأقاحي حلة ... وعلى اليفاع من الشقائق مطرف
والغيم تنقشه الرياح عشية ... كالقطن في زرق الثياب يندف
والقطر يهمي وهو أبيض ناصع ... ويصير سيلا وهو أغبر أكلف
والبرق يلمع مثل سيف ينتضى ... والسيل يجري مثل أفعى تزحف
وقول أعرابي: باكرنا وسمي، ثم خلفه ولي، فالأرض كأنها وشي منشور، عليه لؤلؤ منثور، ثم أتتنا غيوم بمناجل حصاد، فاختربت البلاد، وأهلكت العباد فسبحان من يهلك القوي الأكول، بالضعيف المأكول.
وقال أبو تمام:
الروض ما بين مغبوق ومصطبح ... من ريق مختفلات بالحيا دلح
جون إذا هطلت في روضة طفقت ... عيون نوارها تبكي من الفرح
وقال أبو الغضبان اليمامي:
غدونا على الروض الذي طله الندى ... سحيرا وأوداج الأباريق تسفك
فلم أر شيئا كان أحسن منظرا ... من الروض يجري دمعه وهو يضحك
وقال غيره:
وإذا الزمرد مثمر ذهبا ... ومن اللجين لعسجد ورق
لا زال يمتعنا بجدته ... وجديده بجديدنا خلق
وقال غيره في تلون الأرض:
فترى الرياض كأنهن عرائس ... ينقلن في صفراء من حمراء
وقال أبو تمام:
رقت حواشي الدهر وهي تمرمر ... وغدا الندى فس حليه يتكسر
مطر يروق الصحو منه وبعده ... صحو يكاد من النضارة يمطر
وندى إذا ادهنت به لمم الثرى ... خلت السحاب أتاه وهو معذر
ما كانت الأيام تسلب بهجة ... لو أن حسن الروض كان يعمر
أو لا ترى الأشياء إذ هي غيرت ... سمجت وحسن الروض حين يغير
يا صاحبي تقصيا نظريكما ... تريا وجوه الأرض كيف تصور
تريا نهارا مشمسا قد شابه ... زهر الربى فكأنما هو مقمر
دنيا معاش للورى حتى إذا ... جلى الربيع فإنما هي منظر
أضحت تصوغ ظهورها لبطونها ... نورا تكاد له القلوب تنور
من كل زاهرة ترقرق بالندى ... فكأنما عين عليه تحدر
تبدو ويحجبها الجميم كأنها ... عذراء تبدو تارة وتخفر

(1/157)


الجميم متكاثف النبت، يقول: يظهر بتحريك الرياح إياه، ويستتر عند سكونها فيغطيه الجميم:
صنع الذي لولا بدائع لطفه ... ما عاد أصفر بعد إذ هو أخضر
وقلت في مديح:
إني أرى لك في السماحة والندى ... طلقا ذريت به على الأطلاق
طلق الغمام سرى بوجه باسر ... يروي الوجوه ومبسم براق
ثقلت على عنق الصبا أعباؤه ... مثل الضعيف بنوء بالأوساق
فترى النبات يروق وسط رياضه ... مثل الحلي تروق وسط حقاق
وقال البحتري:
إذا أردت ملأت العين من بلد ... مستحسن وزمان يشبه البلدا
يمسي السحاب على أجبالها فرقا ... ويصبح الروض في صحرائها بددا
فلست تبصر إلا واكفا خضلا ... أو يانعا خضرا أو طائرا غردا
وقال أيضا:
ولا زال مخضر من الأرض يانع ... عليه بمحمر من النور جاسد
يذكرنا ريا الأحبة كلما ... تنفس في جنح من الليل بارد
شقائق يحملن الندى فكأنه ... دموع التصابى في خدود الخرائد
ومن لؤلؤ في كالأقحوان منضد ... على نكت مصفرة كالفرائد
كأن جنى الحوذان في رونق الضحى ... دنانير تبر من تؤام وفارد
رباع تروت بالرياض مجودة ... بكل جديد الماء عذب الموارد
إذا راوحتها مزنة بكرت لها ... شآبيب مجتاز عليها وقاصد
كأن يد الفتح بن خاقان أقبلت ... تليها بتلك البارقات الرواعد
وقلت:
أما ترى عود الزمان نضرا ... ترى له طلاقة وبشرا
أتته ألطاف السحاب تترى ... وساقت الجنوب غيما بكرا
تبسط في الصحراء بسطا خضرا ... وتمنح الروضة زهرا صفرا
ونرجسا مثل العيون زهرا ... وأقحوان كالثغور غرا
كأنما يصوغ فيها تبرا ... كأنما يدوف فيها عطرا
كأنما ينثر فيها درا ... فأعمل الكاسات شمطا شقرا
كالماء لونا والعبير نشرا ... ثم مر الزير يناغي الزمرا
والعيش أن تسر أو تسرا ... لا تفسدن بالغرام العمرا
أحسن ما قيل في النرجس قول أبي نواس:
لدى نرجس غض القطاف كأنه ... إذا ما منحناه العيون عيون
مخالفة في شكلهن فصفرة ... مكان سواد والبياض جفون
والناس يشبهونه بالعيون ولا يفضلونه هذا التفضيل.
ومما لم يقل مثله قول ابن الرومي:
خجلت خدود الورد من تفضيله ... خجلا توردها عليه شاهد
لم يخجل الورد المورود لونه ... إلا وناهله الفضيلة عائد
للنرجس الفضل المبين وإن أبى ... آب وحاد عن الطريقة حائد
فصل القصية أن هذا قائد ... زهر الربيع وأن هذا طارد
شتان بين اثنين هذا موعد ... بتسلب الدنيا وهذا واعد
وإذا احتفظت به فأمتع صاحب ... بحياته لو أن حيا خالد
يحكي مصابيح السماء وتارة ... يحكي مصابيح الوجوه تراصد
ينهي النديم عن القبيح بلحظه ... وعلى المدامة والسماع يساعد
إن كنت تطلب في الملاح سميه ... يوما فإنك لا محالة واجد
هذي النجوم هي التي ربتهما ... بحيا السحاب كما يربى الوالد
فانظر إلى الأخوين من أدناهما ... شبها بوالده فذاك الماجد
أين العيون من الخدود نفاسة ... ورياسة لولا القياس الفاسد
وقلت:
ونرجس مثل أكف خرد ... درن علينا بكؤوس الذهب
ناولنيه مثله في حسنه ... فحل من قلبي عقد الكرب

(1/158)


مبتسم عنه وناظر به ... هذا لعمري عجب في عجب
وقلت في معناه:
ألم ترنا نعطي الغواية حقها ... ونجري مع اللذات جري السوابق
بمحمرة الأجساد مبيضة الذرى ... كمثل سقيط الطل فوق الشقائق
لدى الصفر في أوساط بيض كأنها ... كؤوس عقار في أكف عواتق
وقال ابن الرومي:
للنرجس الفضل برغم من رغم ... على صنوف الورد والفضل قسم
العين قبل السن وهي المبتسم ... فما لها والخد وهو الملتدم
ما أطيب الريح وما أزكى النسم ... ما هو إلا نعمة من النعم
ومن التشبيه المصيب قول الآخر
ونرجس لاحظني طرفها ... يشبه دينارا على درهم
وقال ابن الرومي في الخمر والنرجس:
ريحانهم ذهب على درر ... وشرابهم درر على ذهب
وقلت:
يركب الأقحوان فيها نهارا ... فترى درهما على دينار
فرشت فوقها فرائد طل ... علقت بالنبات والأشجار
وتدلت على الغصون فجاءت ... كشنوف الكواعب الأبكار
وقال الآخر:
ونرجس قام فوق منبره ... مثل عروس تجلى وتشتهر
نام الندى في عيونه سحرا ... فاعتاده من منامه سهر
لم يغتمض والظلام حل به ... كأنما في جفونه قصر
تحير الطل في مدامعه ... فليس يرقا وليس ينحدر
كدمعة الصب يسكبها ... فردها في جفونه الحذر
وقلت:
وغنت الطير بألحانها ... فانتبه النرجس من رقدته
وأحسن ما قيل في الورد قبل أن يتفتح قول بعض المحدثين:
قد ضمه في الغصن قرص برد ... ضم فم لقبلة من بعد
وقلت فيه إذا تفتح:
مر بنا يهتز في خطره ... ما بين أغصان وأقمار
يدير في أنمله وردة ... جاءت من المسك بأخبار
يلوح في حمرتها صفرة ... كالخد منقوطا بدينار
وقال ابن المعذل:
عشية حياتي بورد كأنه ... خدود أضيفت بعضهن إلى بعض
وقلت:
قومي وانظري وردا كخدك أحمرا ... ترك الربيع وراءه وتقدما
قد ضمه برد ففتقه ندى ... كالصب قبل فاك ثم تبسما
ولم أجد في تشبيه الورد أبدع مما ذكرته، وتشبيهه بالخد تشبيه مصيب، ولكني تركت الإكثار منه لشهرته وكثرته، ويقال للوردة الحمراء الحوجة، وللبيضاء الوتيرة، ويشبه بها قرحة الفرس قال عمرو بن معدي كرب:
تباري قرحة مثل ال ... وتيرة لم تكن معذا
وقد أحسن علي بن الجهم في قوله يصف الورد:
كأنهن يواقيت يطيف بها ... زمرد وسطها شذر من الذهب
وهو من قول أزدشير: الورد ياقوت أحمر وأصفر، ودر أبيض، على كراسي زبرجد، يتوسطه شذور ذهب. وقال البحتري:
وقد نبه النيروز في غلس الدجى ... أوائل ورد كن بالأمس نوما
يفتحه برد الندى فكأنه ... يبث حديثا كان قبل مكتما
وقلت في تفضيل الورد على النرجس:
أفضل الورد على النرجس ... لا أجعل الأنجم كالأشمس
ليس الذي يقعد في مجلس ... مثل الذي يمثل في المجلس
وقال ابن بسام:
مداهن من يواقيت منضدة ... على الزمرد في أوساطها الذهب
كأنه حين يبدو من مطالعه ... صب يقبل صبا وهو مرتقب
ومن الياقوت الأزرق والأصفر والأحمر، وليس في البيت دليل، على أنه أراد الأحمر دون لأزرق، فهو معيب من هذه الجهة.
وقلت في الورد على الشجر:
أصبح الرود في الغصون يحاكي ... أوجه الحور في مقامع خضر
مثل فرسان غارة يعتليهم ... لمع من دماء سحر ونحر
ويلوح النهار أسفل منه ... فهو كالرجل في عمائم صفر

(1/159)


بين نبذ من الشقائق يحكي غلمة الدر في مطارف حمر.
وقال ابن المعتز:
ولازوردية أوفت بزرقتها ... بين الرياض على زرق اليواقيت
كأنها فوق طاقات ضعفن بها ... أوائل النار في أطراف كبريت
والصحيح أنه في الخرم والشاهد قوله:
بنفسج جمعت أطرافه فحكت ... دمعا ينشف كحلا يوم تشتيت
وقوله:
كأنها فوق طاقات ضعفن بها
ويدل على أنه أراد الخرم، لأن ساق البنفسجة لا يضعف عن حمل وردتها، وهذا الوصف بالخرم أشبه منه لكبر نوره ودقة ساقه فاعرف ذلك.
وقلت في البنفسج:
وروضة كأنها من حسنها ... تبرز في أثواب سعد ومنى
قد نثر الليل على أنوارها ... لآلىء الطل وأفراد الندى
بكت عليها مزنة فابتسمت ... عن لؤلؤ بين فرادى وثنى
وحولها بنفسج كأنه ... أواخر النيران في جزل الغضا
وقال آخر:
وكأن البنفسج الغض فيه ... أثر اللطم في خدود الغيد
وقلت:
وبحافاتها البنفسج يحكي ... أثر القرص في خدود العذارى
وقلت في الهنة النادرة تحت ورقة البنفسج ولم أسمع فيها من الشعر العربي شيئا:
ومغنج قال الكمال لخلقه ... كن مجمعا للطيبات فكانه
زعم البنفسج أنه كعذاره ... حسنا فسلوا من قفاه لسانه
وقال ابن الرومي:
أشرب على ورد البنف ... سج قبل تأنيب الحسود
فكأنما أوراقها ... آثار قرص في الخدود
أغرب معنى جاء في الشقائق قول الأخيطل:
هذي الشقائق قد أبصرت حمرتها ... مستشرفات على قضبانها الذلل
كأنها دمعة قد مسحت كحلا ... جالت به وقفة في وجنتي خجل
وأظن الأخيطل ابتكره، إلا أنه أورده في أهجن معرض، وفي أشد ما يكون من التكلف وأتى بالمحال لأن الوقفة لا تجول.
فنظمته وقلت:
وشقائق نقش الربيع ثيابها ... فبرزن بين مكحل ومجسد
كالخد يصبغه الحياء بحمرة ... وجرى عليه الدمع خلط الإثمد
ومن غريب ما قيل فيها قول بعض المتأخرين:
طرب الشقائق للحمام وقد شجا ... شجو القيان فشق فضل ردائه
وتحيرت ما بين إثمد ماقه ... في الخد دمعته وبين حيائه
فكأنه الحبشي بضع جسمه ... فثيابه مخضلة بدمائه
وجعل الشقائق واحدا، وهي جماعة مؤنثة والواحد شقيقه، فإذا ذكر فعلى معنى النور وتسميه العرب الشقر.
وقلت:
وللشقائق خال فوق وجنتها ... ووجنة الورد بالدينار منقوطه
وقال التنوخي:
شقائق مثل خدود نقشت ... شوارب بالمسك فيها ولحى
وهو بعيد لأن السواد الذي فيها لا يشبه الشوارب.
ومن أحسن ما قيل في الآذريون قول ابن المعتز:
يا ربما نازعني ... روح دنان صافيه
في روضة كأنها ... جلد سماء عاريه
كأنما أنهارها ... بماء ورد جاريه
كأن آذريونها ... غب سماء هاميه
مداهن من ذهب ... فيها بقايا غاليه
وقال أيضا:
وصير آذريونه فوق أذنه ... ككأس عقيق في قرارتها مسك
وقلت:
ولاح آذريونها ... مثل الغوالي في السرر
وقال الشمشاطي:
تراه عيونا بالنهار نواظرا ... وبعد غروب الشمس أزرار ديباج
وقال ابن المعتز:
كأنها مداهن من ذهب ... مشرفات وسطهن غاليه
أتم التشبيه ههنا بقوله مشرفات.
ومن جيد ما قيل في البهار قول ابن الرومي:
وروضة عذراء غير عانسه ... خضراء ما فيها خلاة يابسة
فيها شموس للبهار دارسه ... كأنها جماجم الشمامسه
تروقك النورة منها الناسكه ... بعين يقظى وبجيد ناعسه

(1/160)


وخرم في صبغة الطيالسه ... مثل الطواويس غدت مطاوسه
وقال ابن المعتز:
في روضة كحلل العروس ... وخرم كهامة الطاووس
وقلت في المذهب الذي سلكه ابن الرومي:
خرمة كهامة الطاووسه ... داري من بهجتها مأنوسه
والعين في فنائها محبوسه ... محفوظة تحسبها محروسه
تعجبني منظورة ملموسه ... مرفوعة الهامة أو منكوسه
ياقوتة لكنها مغروسه ... في زهر كالشعل المقبوسه
كحل ألوانها ملبوسة
وقال التنوخي:
ومن خرم عض خلال شقائق ... يلوح كخيلان على وردتي خد
وإذا كان في الخد خيلان لم يستحسن الخال الواحد.
وقلت:
على رياض خرم كأنها ... رؤوس هداب حرير أكحل
وقال ابن طباطبا:
وطوس فيها خرم فكأنها ... صمامات وشي هيئت لمخازن
وقلت في البهار والورد:
ورد إلى جنبه بهار ... كالخد أصغى إليه قرط
وقد جمعت أصناف المنثور في أبيات، وما جمعها أحد إلا بعض الكتاب في أبيات غير مختارة الوصف.
فقلت:
ألوان منثور يريك حسنها ... ألوان ياقوت زها في عقده
يا حسنها في كف من يشبهها ... فانظر إلى الند بكف نده
من أشهل كعينه وأبيض ... كثغره وأحمر كخده
وأصفر مثل صريع حبه ... إذا تغشاه غواشي صده
وقال السري في الورد:
أما ترى الورد قد باح الربيع به ... من بعد ما مر حول وهو إضمار
وكان في حلل خضر وقد خلعت ... إلا عرى أغفلت منها وأزرار
وقلت:
ليس ينفك للغمام أياد ... تتكافا وأنعم تتجدد
فترى رعده يشق حريرا ... وسنى برقه يطرز مطرد
وترى للزمان غصنا وريقا ... يملك الطرف إذ يقوم ويأود
أنبت الأرض عسجدا ولجينا ... فالروابي مكلل ومقلد
وجرى الريح سجسجا ورخاء ... فالمناهي مسلسل ومسرد
وسبى العين لؤلؤ وعقيق ... نظما في زمرد وزبرجد
فترى ثم مضحكا يتجلى ... وترى ثم وجنة تتورد
قطرات الندى أحاد ومثنى ... مثل در منظم ومبدد
وكأن الشقيق كأس عقيق ... طرح المسك في قرارتها ند
فترى النجد في رداء موشى ... وترى الوهد في قميص معمد
وعليه من البهار عطاف ... ومن الورد الشقائق مجسد
وترى النور مثل مضحك خود ... وترى الغصن مثل شارب أمرد
ومن بديع ما قيل في كمون النيلوفر وظهوره قول ابن الرومي:
فكأنه في الماء صاحب مذهب ... أغراه وسواس بأن لا يطهر
؟وقال السري:
ونيلوفر أوراقه الخضر تحته ... بساط إليه الأعين النجل شخص
هذا البيت غير مختار الرصف ظاهر التكلف: ؟إذا غاص في الماء النمير حسبته رؤوس إوز في الحياض تغوص وقوله النمير لا يحتاج إليه.
وقال آخر من أبيات: ؟كأنما كل قضيب بها يحمل في أعلاه ياقوته وقلت:
؟فشربتها عذراء من يد مثلها ... تحكي الصباح مع الصباح المشرق
في روضة تلقاك حين لقيتها ... بمنمنم من نبتها ومنمق
فانظر إلى عشب هناك مجمع ... وانظر إلى زهر هناك مفرق
تحبى بورد كالجين مكفر ... منها وورد كالعقيق مخلق
وكذاك تتحف من مناقع مائها ... بمخلق يعلو ذؤابة أخلق
يبدو ويكمن في الغدير كأنه ... جان يحاول أن يبين ويتقي
فإلى السرور لنا عنان مطلق ... إن الفوائد في العنان المطلق
وقد أحسن القائل في وصفه الرياض:

(1/161)


؟بكين فأضحكن الربى عن زخارف ... من الروض عنهن الثرى متهامل
ترى قضيب الياقوت تحت زبرجد ... تنوء به أعناقهن الموائل
تلقحها الأنداء ليلا بريقها ... فيصبحن أبكارا وهن حوامل
وقلت في الآس ولا أعرف لأحد فيه شيئا بديعا: ؟ومهرجان معجب مونق كالنور غب السبل الساجم
طالعت فيه غررا وضحا ... كمثل أيام أبي القاسم
والآس في كفي أحييهم ... مثل شوابير بني هاشم
وقلت في الريحان:
؟وخضر يجمع الأعجاز منها ... مناطق مثل أطواق الحمام
لها حسن العوارض حين تبدو ... وفيها لين أعطاف الغلام
وقال كشاجم وأحسن: ؟أرتك يد الغيث آثارها وأعلنت الأرض أسرارها
وكانت أكنت لكانونها ... خبيئا فأعطته آذارها
والنصف الأول من هذا البيت متكلف:
؟فما تقع العين إلا على ... رياض تصنف أنوارها
يفتح فيها نسيم الصبا ... جناها فيهتك أستارها
ويسفح فيها دماء الشقبق ... ندى ظل يفتض أبكارها
وتدني إلى بعضها بعضها ... كضم الأحبة زوارها
كأن تفتحها بالضحى ... عذارى تحلل أزرارها
تفض لنرجسها أعينا ... وطورا تحدق أبصارها
إذا مزنة سكبت ماءها ... على بقعة أشعلت نارها
وقال فيها:
وأقبل ينظم أنجادها ... بفيض المياه وأغوارها
وأرضع جناتها درة ... فعمم بالنور أشجارها
ودار بأكنافها دورة ... تنسي الأوائل بر جارها
وقال أيضا في الباقلي:
جني يوم لم يؤخر لغد ... ولم ينقل من يد إلى يد
كالعقد إلا أنه لم يعقد ... أو كالفصوص في أكف الخرد
أو ككبار اللؤلؤ المنضد ... في طي أصداف من الزبرجد
مفروشة بالكرسف الملبد
وقلت فيه أيضا:
أبدى الربيع لنا من حسن صنعته ... شبائه اتفقت في الشكل والصور
خضر ظواهرها بيض بطائنها ... تحكي القباطي تحت السندس النضر
بيض شبائه في خضر ململمة ... مثل الزبرجد مثنيا على درر
ينشق أخضرها عن أبيض يقق ... كالثغر يشرق تحت الشارب الخضر
ومن المشهور في ورد الباقلي قول الصنوبري:
وبنات باقلى يشبه نورها ... بلق الحمام مشيلة أذنابها
وقلت فيه:
ويزهى ورد باقلي ... كأطواق الشعانين
وقال السري في غير ذلك:
في زاهر عبق تضوعه ... فكأن عطارا يعطره
ضاهى ممسكه معنبره ... وحكى مدرهمه مدنره
ومن أجود ما قيل في البساتين، ومواضع الأشجار، قول الخليل بن أحمد، أخبرنا أبو أحمد عن رجل عن الرياشي قال: كان في يد الخليل بن أحمد من أراضي البصرة ليتيم، فلما بلغ اليتيم مضى به الخليل إلى الأرض، ومعه قارورة من ماء زمزم، فلما جاء المد صب ما فيها في فوهة نهرها، ليخلص إلى جميعها، ثم قال: يا بني هذه أرضك، فقم فصل فيها ركعتين، واشكر الله على ما أعطاك منها، وادع بالبركة لك ولمن بعدك.
ثم أنشأ يقول في وصفها:
ترفعت عن يد الأعماق وانخفضت ... عن المعاطش واستغنت بسقياها
فالتف بالزهر والريحان أسفلها ... ومال بالنخل والرمان أعلاها
وصار يحسده فيها أصادقه ... ولائم لام فيها من تمناها
أبا معاوية اشكر فضل واهبها ... وكلما جئتها فاعمر مصلاها
وقال ابن المعتز في السرو والنرجس:
لدى نرجس غض وسرو كأنه ... قدود جوار رحن في أزر خضر
وقلت:
لبس الماء والهواء صفاء ... واكتسى الروض بهجة وبهاء

(1/162)


فكأن النهاء صرن رياضا ... وكأن الرياض عدن نهاء
وكأن الهواء صار رحيقا ... وكأن الرحيق صار هواء
وتخال السماء بالليل أرضا ... وترى ظلت تنادم الأنواء
جللتها الأنواء زهرا وصفرا ... يوم ظلت تنادم الأنواء
فتراها ما بين نوء ونور ... تتكافا تبسما وبكاء
وتظل الأشجار تتخد الحسن ... قميصا أو الجمال رداء
لبست حين أثمرت خلدات ... واكتست حين أورقت سيراء
وترى السرو كالمنابر تزهى ... وترى الطير فوقها خطباء
وقال ابن عيينة:
تذكرني في الفردوس طورا فأرعوي ... وطورا تواتيني على القصف والفتك
بغرس كأبكار الجواري وتربة ... كأن ثراها ماء ورد على مسك
وقال السري في تفاح ودستنبوي ورمان:
إن شيطانك في الظر ... ف لشيطان مريد
فلهذا أنت فيه ... مبدئ ثم معيد
قد أتتنا طرف منك على الظرف تزيد
طبق فيه خدود ... وقدود ونهود
وقد أحسن التنوخي في وصف النارنج حيث يقول:
لم لا تجن بها القلوب ... وقد غدت مثل القلوب
وقلت:
تطالعنا بين الغصون كأنها ... خدود عذارى في ملاحفها الخضر
أتت كل مشتاق بريا حبيبه ... فهاجت له الأحزان من حيث لا يدري
وقال:
إذا لاح في أغصانه فكأنه ... شموس عقيق في قباب زبرجد
وقلت في المركب:
مركب تعجب من حسنه ... قد كنز الفضة في تبره
يشاكل العاشق في لونه ... ويشبه المعشوق في نشره
وقال الصنوبري في التفاح وقد ظرف:
أعطت يداه محبه تفاحة ... نعطي المحب أمانه من صده
وهذا البيت متكلف جدا:
فعلمت حين لثمتها من كفه ... سألثم أختها من خده
وقال أيضا:
جاء فحياني بأترجة ... من ذهب قد حشيت فضه
أتى بها ناعمة غضة ... من كفه الناعمة الغضه
تبذل للقبلة حسنا ولا ... تصلح أن تبذل للعضه
أحبب بها من مسكة مخضة ... ناولنيها مسكة محضه
وقلت في الأترج والنارنج:
ترى النارنج في ورق نضير ... فتحسبه عقيقا في زبرجد
وأترج على الأغصان يزهى ... كما رفع الفتى قنديل عسجد
وقال بعضهم في دستنبوية:
يا حبذا تحية ... رحت بها مسرورا
مخزنة من ذهب ... قد ملئت كافورا
وقال غيره في الليمون:
وقهوة تزهر في السراج ... نشرتها على كرات عاج
ملبسات أصفر الديباج
وقتل فيه:
أحدق ليمون بأترجه ... كأنجم تحدق بالبدر
مخروطة الأجساد من فضة ... ملبسات قمص التبر
قد شد من هامتها زرها ... يا عجبا من ذلك الزر
اشرب عليها وتمتع بها ... فإنها من تحف الدهر
ولبعض الكتاب رسالة في التفاح، ليس لها نظير في معناها، وهي التي أخبرنا بها أبو أحمد قال: قال أخبرنا الجلودي قال حدثنا أحمد بن أبي طاهر، قال أهدى ظريف من الكتاب تفاحة وكتب:

(1/163)


لما رأت تنافس أحبابك، وثقات أصدقائك: على الهدايا وتواتر ألطافهم عليك، تفكرت في هدية تخف مؤنثها، ويعظم خطرها، ويجل موقعها، تجمع الخصال المحمودة، وتنظم الخلال المرموقة، فلم أجد شيئا يجتمع فيه ما أحببنا، ويكمل له ما وصفنا غير التفاح، فأهديت إليك منه واحدة، وأحببت أن أنبهك على فضلها، وأقفك على نبلها، وأكشف لك عن سرائرها، وأعرفك لطائف معانيها، وأنعت لك مقالة الأطباء فيها. وما نظمت الشعراء في مدحها، حتى تراها بعين الجلالة، وتنظر إليها نظر الصيانة، فإنه يحكي عن أمير المؤمنين المأمون أنه قال: اجتمع في التفاح الصفرة الدرية، والحمرة الخمرية الذهبية، وبياض الفضة ونور القمر يلتذ بها من الحواس ثلاث: العين لحسن لونها والأنف لطيب عرفها، والفم للذة طعمها.
وقال حكيم من الحكماء: الخمر صديقة الجسم والتفاح صديق الروح. وقال آخر منهم وقد حضرت وفاته، واجتمع إليه تلامذته، وأراد مناظرتهم فضعف عنها فقال: إئتوني بتفاحة أعتصم برائحتها ريثما أقضي وطري من المناظرة، فلم يستخفها إلا لفضلها على غيرها.
وقال آخر: جسم التفاح صديق الجسم وريحه صديق الروح.
وقال حكيم من الأطباء: إن أجود الأشياء، لعلاج المزاج الحاد، الكائن في المعدة مع المزاج البارد، الكائن في الرأس، وغثيان النفس، وقلة الاستمرار للطعام: التفاح.
وقال إبراهيم بن هانىء: ما علل المريض المبتلى، وسكنت حرارة الثكلى، وردعت شهوة الحبلى، ولا كسرت فورة السكران، ولا أرضى الغضبان ولا ردت عرامة الصبيان، بشيء مثل التفاح. والتفاحة إن حملتها لم تثقلك، وإن رميت بها لم تؤلمك، وقد اجتمع فيها لون قوس قزح، من الحمرة والخضرة ولو حل التفاح، لكان قوسا، ولو عقدت القوس لكانت تفاحا.
وقال بعض الشعراء:
حمرة التفاح في خضرته ... أقرب الأشياء من قوس قزح
والخمرة تفاحة ذائبة والتفاحة خمرة جامدة. وقال الشاعر: الخمر والتفاح شكلان وقال الآخر:
تفاحة حمراء منقوشة ... ركبتها في غصن الآس
ألبستها وردا وكللتها ... إكليل نسرين على الراس
وقال آخر في التفاحة:
كأنما حمرتها ... حمرة خد خجل
وقال ابن أبي أمية:
ما زلت أرجوك وأخشى الردى ... معتصما بالله والصبر
حتى أتتني منك تفاحة ... زحزحت الأحزان عن صدري
حشوتها مسكا ونقشتها ... ونقش كفيك من السحر
واها لها تفاحة أهديت ... لو لم تكن من خدع الدهر
فإذا وصلت إليك - أوصلك الله إلى رحمته وعطفه - فتأمل وصفها بعينك، وتناولها بيمينك، وأحضرها ذهنك، وفرغ لها شغلك، واجمع لها عقلك، وغازلها ساعة، وهازلها أخرى، ولا تكن متهاونا بقدرها، غير عالم بفضلها، فتتناولها بحركة باردة، وطبيعة جامدة، وقلب ساه، وعقل لاه، وذهن غبي، وشراهية نهم، عساه أن يكلمها بأسنانه، ولا يدري ما قدرك عند إخوانه، ويقصر بمن حياه، وينتقص من أهداه، ولا تخدشها بيدك، ولا تثلمها بظفرك، ولا تبتذلها للغبار، ولا تعرضها للدخان، فإذا طال لبثها لديك، وخفت أن يرميها الزمان بسهمه، ويقصدك بريبه ويذهب بهجتها، ويحول نضرتها فهنيئا لك أكلها والسلام. وشبه بعضهم ورق الريحان بقافات وفاآت، في شعر غير جيد، فتركته ولم أذكره. وقلت في الريحان:
ثم انثنينا إلى خضر منعمة ... كأن أوراقها آذان جرذان
وقهوة كجني الورد وشحه ... من لؤلؤ القطر والأنداء سمطان
وقال السري في دستنبوية:
وأغن كالرشأ الغري ... ر نشا خلال الربرب
في خده ورد حما ... ه من القطاف بعقرب
حيا بدستنبوية ... مثل السنان المذهب
وقال أيضا فيها:
صفراء ما عنت لعيني ناظر ... إلا توهمها سنانا مذهبا
وقلت:
وأترج يحف بها أقاح ... كبدر الليل تكنفه النجوم
وقال السري في نارنجة:
أهدت على نأي المحل وقد ... أنأى التصبر طول هجرتها

(1/164)


نارنجة منها استعير لها ... ما ألبست من حسن بهجتها
وشعاعها من نور وجنتها ... ونسيمها من عطر نكهتها
وكأن ما يخفيه باطنها ... ما لأضمرت من سوء غدرتها
وحكى اخضرار شاب وجنتها ... قرص الأكف أديم وجنتها
فأتتك مكملة محاسنها ... تختال في أثواب زينتها
فشعارها صفو اللجين ومن ... ذهب مصوغ ثوب بذلتها
تهدي إلى الأرواح من بعد ... تحف السرور لطيب نشوتها
ويصونها مسرى روائحها ... من أن تباشرها بشمتها
فاشرب عليها من شقيقتها ... في نعت رياها وصبغتها
واعطف عنان النفس عن فكر ... راحت معذبة بفكرتها
وقال ابن طباطبا العلوي في الأترج:
ريحانة في اصفرار مهديها ... شبهتها بعد فكرة فيها
أحبة لم تصخ لعاذلها ... تسد آذانها بأيديها
فأورد المعنى في بيتين فقصر من غرابة معناه.
وجعلت دستنبوية مقفعة في غصن آس، فسقطت فناولنيها بعض الأحبة فقلت:
وأصفر يهوي من ذؤابة أخضر ... كما انقض نجم في الدجنة ثاقب
له شعب تهوي على سرواته ... كمثل بنان الكف يلويه حاسب
فناولنيه ذو دلال كأنما ... له الشمس أم والبدور أقارب
فأصبح مشهور الجمال مشهرا ... له الحسن خذن والملاحة صاحب
وقال بعضهم في الأترج:
لها ورق ريحها ريحه ... وما ذاك في غيره لم طلب
كأن تعطف أوراقها ... أكف تشير إلى من تحب
وقال ابن خلاد في شجر الزيتون:
إذا ذلت الأشجار يوما لجفوة ... فإن لها عز القناعة والصبر
تصرف في اللذات من كل مطعم ... تصرف زيد آخذا بقفا عمرو
وقلت في التفاح:
ليس ريح التفاح عندي بريح ... لا ولكنه صديق لروحي
حمرة الخد واخضرار عذار ... فمليح يطوف حول مليح
وقال نصر بن أحمد:
أكلت تفاحة فعاتبني ... فتى رآها كخد معشوقه
فقال خد الحبيب تأكله ... فقلت لا بل أمص من ريقه
وقال السري:
لم جمدت راحنا اغتدت ذهبا ... أو ذاب تفاحنا غدا راحا
وقلت في الرمان ولا أعرف فيه شيئا مرضيا:
حكى الرمان أول ما تبدى ... حقاق زبرجد يحشين درا
فجاء الصيف يحشوه عقيقا ... ويكسوه مرور القيظ تبرا
ويحكي في الغصون ثدي حور ... شققن غلائلا عنهن خضرا
وقلت في خوخة:
وخوخة ملء يد الجانيه ... تملك لحظ الأعين الرانيه
مصفرة الوجنة محمرة ... كأنها عاشقة ساليه
وأجود ما قيل في العنب قول ابن الرومي:
ورازقي مخطف الخصور ... كأنه مخاون البللور
قد ملئت مسكا إلى الشطور ... وفي الأعالي ماء ورد جوري
لم يبق منها وهج الحرور ... إلا ضياء في ظروف نور
له مذاق الغسل المشور ... وبرد مس الخصر المقرور
ونفحة المسك مع الكافور ... لو أنه يبقى مع الدهور
قرط آذان الحسان الحور
وقال في معناه:
ورازقي مخطف خصوره ... قد أيعنت أنصافه الأسافل
كأنها مخازن مملوة ... من ماء ورد فيه مسك ثافل
لا يزيد على هذا الوصف أحد.

(1/165)


ودخل أعرابي على هشام بن عبد الملك، فقال له هشام: ما أطيب العنب عندكم؟ قال ما أخضر عوده، وغلظ عموده، وسبط عنقوده، ورق لحاؤه، وكثر ماؤه. فقال له كم عطاءك؟ فقال ألفين. فسكت ساعة، ثم قال له كم عطاؤك؟ قال ألفان. قال فلم لحنت أولا؟ قال لم أشته أن أكون فارسا وأمير المؤمنين راجلا، لحنت فلحنت، ونحوت فنحوت. فاستحسن أدبه وأجازه.
وقلت:
باكرنا الدهر بسرائه ... وكف عنا بأس بأسائه
وجاءنا أيلول مستبشرا ... يثني على الدهر بآلائه
أما ترى الرقة في جوه ... تناسب الرقة في مائه
أنظر إلى أنواع أثماره ... قد ضمها في برد أحشائه
راحت عليها نسمات الصبا ... تقرصها في برد أفنائه
أما ترى حسن ملاحيه ... يهدى إلى بهجة شعرائه
أنظر إلى رمانه ضاحكا ... حمراؤه في وجه بيضائه
وقال ابن المعتز في العنب:
ظلت عناقيدها يخرجن من ورق ... كما اختبى الزنج في خضر من الأزر
ويروى لابن المعتز في التفاح:
وتفاحة صفراء حمراء غضة ... كخد محب فوق خد حبيب
أحيا بها طورا وأشرب مثلها ... من الراح في كفي أغن ربيب
وقلت في النارنج:
روض زهاه المزن في كراته ... بمكفر ومزعفر ومضرج
فتبسم النارنج في شجراته ... مثل العقيق يلوح في الفيروزج
والكأس يحملها أغن يزينه ... وجنات ورد في عذار بنفسج
ومن أجود ما قيل في النخل، من قديم الشعر، ما أنشدناه أبو أحمد، عن الجلودي عن محمد بن العباس، عن أبيه عن الأصمعي للنمر بن تولب:
ضربن العرق في ينبوع عين ... طلبن معينه حتى ارتوينا
بنات الدهر لا يخشين محلا ... إذا لم تبق سائمة بقينا
كأن فروعهن بكل ريح ... عذارى بالذوائب ينتصينا
وقد ملح النبغة في قوله:
صغار النوى مكنوزة ليس قشرها ... إذا طار قشر التمر عنها بطائر
من الواردات الماء بالقاع تستقي بأعجازها قبل استقاء الحناجر.
وهذا أجود من الأول، لأنه ذكر أنهن وردن الماء، يعني الماء الذي في بطن الأرض معينا. وقال النمر: طلبن معينه فجعل الماء، الذي في بطن الأرض معينا، والمعين إنما هو الماء الجاري على وجه الأرض ظاهرا. ومن أجود ما قيل في الطلع، من الشعر القديم، قول كعب بن الأشرف:
ونخيل في تلاع جمة ... تخرج الطلع كأمثال الأكف
وقال الربيع بن أبي الحقيق:
أذلك أم غرس من النخل مترع ... بوادي القرى فيه العيون الرواجع
لها سعف جعد وليف كأنه ... حواشي برود حاكهن الصوانع
وهذا في وصف الليف حسن.
وأخبرنا أبو أحمد، عن الجلودي، عن الحارث بن إسماعيل، عن سهل بن محمد، عن علي بن محمد، عن أسلم الأزدي، عن يونس عن الشعبي، قال كتب قيصر إلى عمر: إن رسلي أخبروني أن بأرضك شجرة، كالرجل القائم، تفلق عن مثل آذان الحمر، ثم يصير مثل اللؤلؤ، ثم يعود كالزمرد الأخضر، ثم يصير كالياقوت الأحمر والأصفر، ثم يرطب فيكون كأطيب فالوذ اتخذ، ثم يجف فيكون عصمة للمقيم وزادا للمسافر، فإن كان رسلي صدقوني، فهي الشجرة التي نبتت على مريم بنت عمران.
فكتب عمر إليه: إن رسلك صدقوك وهي شجرة مريم فاتق الله ولا تتخذ عيسى إلها من دون الله.
وهذه تشبيهات مصيبة أخذها عبد الصمد بن المعذل فقال يصف النخل:
حدائق ملتفة الجنان ... رست بشاطى ترع ريان
تمتار بالأعجاز للأذقان ... لا ترهب المحل من الأزمان
ولا توقي ختل الذوبان ... ولا ترى ناشدة الرعيان
ولا تخاف عرة الأوطان ... سحم الرؤوس كمت الأبدان
لها بيوم البارح الحنان ... مثل تناصي الخرد الحسان

(1/166)


إذ هي أبدت زينة الرهبان ... لاحت بكافور على إهان
يطلع منها كيد الانسان ... إذا بدت ملمومة البنان
علت بورس أو بزعفران ... حتى إذا شبه بالآذان
من حمر الوحش لذي عيان
وهذا لفظ زائد على معناه:
شققه علجان ماهران ... من لؤلؤ صيغ على قضبان
مصوغة من ذهب خلصان ... ثم ترى للسبع والثمان
قد حال مثل الشذر في الجمان ... يضحك عن مشتبه الأقران
كأنه في باطن الأفنان ... زمرد لاح على التيجان
حتى إذا تم له شهران ... وانسدلت عثاكل القنوان
كأنها قضب من العقيان ... فصلن بالياقوت والمرجان
من قانى أحمر أرجوان ... وفاقع أصفر كالنيران
مثل الأكاليل على الغواني
ولا أعرف في النخل، من شعر المحدثين، أجود من هذه الأرجوزة.
وقلت:
ونخيل وقفن في معطف الرم ... ل وقوف الحبشان في التيجان
شربت بالأعجاز حتى تروت ... وتراءت بزينة الرحمان
طلع الطلع في الجماجم منها ... كأكف خرجن من أردان
فتراها كأنها كمت الخيل ... توافت مصرة الآذان
أهو الطلع أم سلاسل عاج ... حملت في سفائن العقيان
ثم عادت شبائها تتباهى ... بأعالي شبائه أقران
خرزات من الزبرجد خضر ... وهبتها السلوك للقضبان
ثم حال النجار واختلف الشك ... ل فلاحت بجوهر ألوان
بين صفر فواقع تتباهى ... في شماريخها وحمر قواني
وقال بعض العرب:
طلعا كآذان الكلاب البيض
وقال ابن المعتز في الرطب:
كقطع العقيق يانعات ... بخالص التبر منوعات
وأخبرنا أبو أحمد، قال: أخبرنا أبو بكر بن دريد، قال: أخبرنا السكن بن السعيد، قال: أخبرنا محمد بن عباد، قال: تكلم صعصعة، عند معاوية، بكلام أحسن فيه، فحسده عمرو بن العاص فقال: هذا بالتمر أبصر منه بالكلام، قال صعصعة: أجل أجوده ما دق نواه، ورق سحاؤه، وعظم لحاؤه، والريح تنفجه، والشمس تنضجه، والبرد يدمجه، ولكنك يا بن العاص، لا تمرا تصف، ولا الخير تعرف بل تحسد فتقرف. فقال معاوية: رغما. فقال عمرو: أضعاف الرغم لك، وما بي إلا بعض ما بك.
ومن الغلو في صفة التمر: ما أخبرنا به أبو أحمد، عن ابن الأنباري، عن إسماعيل ابن إسحاق القاضي، عن أبي نصر، قال: قال الأصمعي: قيل للغاضري أي التمر أجود؟ قال: الجرد الفطس الذي كأن نواه ألسن الطير، تضع الواحدة في فمك، فتجد حلاوتها في كعبك يعني الصيحاني.
وقال الخباز البلدي:
ذرى شجر للطير فيه تشاجر ... كأن بنات الورد فيه جواهر
كأن القمارى والبلابل بينها ... قيان وأوراق الغصون ستائر
شربنا على ذاك الترنم قهوة ... كأن على أحداقها الدر دائر
وقال غيره:
أي يوم لنا على التل بالما ... ه وعيش تضيق عنه النعوت
ورد الدر فيه في شجر اللو ... ز وفي الخوخ ورد الياقوت
وقلت: ؟ظل يسقي حدائقا وجنانا يا لها من حدائق وجنان
خطرت بينها الرياح سحيرا ... فتناصت تناصي الأقران
وتناجى الغصون فيها سرارا ... وتنادى الطيور بالإعلان
فتناجي الغصون شبه عتاب ... وتنادي الطيور مثل أغاني
من كروم تمايلت بعناقي ... د كجعد الزنوج والحبشان
وملاحية تميل أخرى ... كوجوه الخرائد الغران
كلآلي تشبثت بلآل ... وبنان تشبكت ببنان
فهي كالنجم في فروع كروم ... وهي كالشمس في بطون الدنان
وقلت في البطيخ:

(1/167)


وجامعة لأصناف المعاني ... صلحن لوقت إكثار وقله
وإحداهن تبرز في عباء ... وأخراهن في حبر وحله
ومنها ما تشبهه بدورا ... فإن قطعتها رجعت أهله
وقلت:
بسمران وسودان ... وحمران وصفران
كوشي في يدي واش ... وشهد في يدي جاني
فمن أدم ومن نقل ... وريحان وأشنان
وأنشدنا أبو أحمد في الكرم:
لهن ظل بارد الودائق ... يحملن لذا طعمه للذائق
كأنها غدائر العواتق ... تناط في حجر من المعالق
كأنها أنامل الغرانق
وهو من قول الآخر:
يحملنها بأنامل النقران
وقلت في اللفاح:
انظر إلى اللفاح تنظر معجبا ... يجلو عليك مفضضا في مذهب
يعلو مفارقه قلانس أخفيت ... من تحتهن دراهم لم تضرب
وقلت في قصب السكر ولا أعرف فيه شيئا لأحد:
وممشوقة القامات بيض نحورها ... وخضر نواصيها وصفر جسومها
لها حقب لا تستطيع أطراحها ... وليس يطيق سلبها من يرومها
وهن رماح لا تريق دم العدى ... ولكن يراق في القدور صميمها
يميل على أعرافها عذباتها ... كحور تناصي هندها ورميمها
تناهى بها الأدراك حتى كأنها ... يعل بماء الزعفران أديمها
ترى الريح يغريها بنجوى خفية ... إذا ما جرى قصر العشي نسيمها
ومن جيد ما قيل في السدر والطلح قول بعضهم:
لم تر عينا ناظر منظرا ... أحسن من أفنان طلح مروح
كأنها والريح تسمو بها ... ألوية منشورة للفتوح
وسدرة مدت بأفنانها ... على سواق كمتون الصفيح
إلا أن قوله للفتوح فضل لا يحتاج إليه، لأن الألوية إذا نشرت للفتوح، مثلها إذا نشرت لغير الفتوح فذكر الفتوح لغو.
وإنما أورد في هذا الكتاب، مثل هذا الشعر لأن غيري اختارها، فأريد أن أدل على موضع العيب فيه ليوقف عليه.
ومن جيد ما قيل في النبق قول بعضهم:
أتاني فحياني بنبق كأنه ... حلي عروس زان ليتا وأخدعا
بأحمر كالياقوت يقر ماؤه ... وأصفر كالعقيان ضمهما معا
وقال آخر:
أقبل تحت الليل كالظبي الغرق ... بالراح والريحان والمسك عبق
فجاد بالوصل وحيا بالنبق ... وقلت نبقى هكذا ونتفق
ما اخضر عود أبدا لا نفترق
وقلت في النبق:
جلى الربيع علينا ... كواعبا أبكارا
متوجات عقيقا ... مسورات نهارا
ترى لهن من الور ... د شوذرا وخمارا
أهدى لنا جوهرات ... تحير الأبصارا
يا حسن حمر وصفر ... تريك جمرا ونارا
قد راق ذاك احمرارا ... وراع ذاك اصفرارا
وخلت هذا عقيقا ... وخلت ذاك نضارا
وذاك شهدا مشارا ... وذاك راحا عقارا
لو كان يبقى سليما ... نظمته تقصارا
وقلت في المشمش، ولا أعرف فيه لأحد شيئا مرضيا:
جنيتها والصبح وردي العذب ... بنادقا مخروطة من الذهب
قد ضمنت أمثالها من الخشب ... والتف منها خشب على غرب
وصار منه السم حشوا للضرب ... فهي لعمري عجب من العجب
الغرب الفضة، والضرب العسل.
ولا أعرف في التين أجود من قول القائل:
أهلا بتين جاءنا ... مبتسما على طبق
يحكي الصباح بعضه ... وبعضه يحكي الغسق
كسفر مضمومة ... قد جمعت بلا حلق
وقال الحلبي في الفستق:
من الفستق الشامي كل مصون ... تصان من الأحداث في بطن تابوت

(1/168)


زبرجدة ملفوفة في حريرة ... مضمنة درا مغشى بياقوت
وقلت في خيارة:
زبرجدة فيها قراضة فضة ... فإن رجعت تبرا فقد خس أمرها
تلم بناطورين في كل حجة ... فيكثر فينا خيرها ثم شرها
فعند المصيف ليس يفقد نفعها ... وعند الخريف ليس يؤمن ضرها
وأما ذم البساتين، فمن أجود ما قيل فيه قول ابن الرومي:
لله ما ضيعته من الشجر ... أطفال غرس ترتجى وتنتظر
ومعجبات من بقول وزهر ... مصفرة قد هرمت لا من كبر
في بقعة لا سقيت صوب المطر ... حالقة لنبتها حلق الشعر
ضميرها النار وإن لم تستعر ... كل امرىء غيري من هذا البشر
بستانه أنثى وبستاني ذكر
وما يجري مع هذا قول الأعرابي:
مطرنا فلما أن روينا تهادرت ... شقاشق فيها رائب وحليب
ورامت رجال من رجال ظلامة ... وعدت ذخول بيننا وذنوب
ونصت ركاب للصبا فتروحت ... ألا ربما هاج الحبيب حبيب
بني عمنا لا تعجلوا نضب الثرى ... قليلا ويشفي المترفين طبيب
ولو قد تولى الضب وامترت القرى ... وحنت ركاب الحي حين تؤوب
وصار غبوق الخود وهي كريمة ... على أهلها ذو جدتين مشوب
وصار الذي في أنفه خنزوانة ... ينادي إلى هادي الرحا فيجيب
أولئك أيام تبين للفتى ... أكاب سليب أوا أشم نجيب
؟؟
؟الفصل الثالث من الباب السابع
ذكر النسيم
من غريب ما قيل فيه قول ابن المعتز:
ونسيم يبشر الأرض بالقط ... ر كذيل الغلالة المبلول
ووجوه البلاد تنتظر الغي ... ث انتظار المحب رد الرسول
وقال ابن الرومي:
حيتك عنا شمال طاف طائفها ... بجنة فجرت روحا وريحانا
هبت سحيرا فناجى الغصن صاحبه ... سرا بها وتنادى الطير إعلانا
ورق تغني على خضر مهدلة ... تسمو بها وتشم الأرض أحيانا
تخال طائرها نشوان من طرب ... والغصن من هزه عطفيه نشوانا
وقال ابن المعتز:
يشق رياضا قد تيقظ نورها ... وبللها دمع من المزن ذارف
كأن عباب المسك بين بقاعها ... يفتحها أيدي الرياح الضعائف
وقلت:
والصبا يجلب الغمام إلينا ... فترى القطر للرياض نديما
وترى للغصون فيها نجيا ... وعلى زهرة الرياض نميما
وقال ابن الرومي:
كأن نسيمها أرج الخزامى ... ولاها بعد وسم ولي
هدية شمأل هبت بليل ... لأفنان الغصون بها نجي
إذا أنفاسها نسمت سحيرا ... تنفس كالشجي لها الخلي
وقال ابن المعتز:
وما ريح قاع عازب طله الندى ... وروض من الريحان درت سحائبه
فجاءت سحيرا بين يوم وليلة ... كما جر في ذيل الغلالة ساحبه
وقد أحسن التشبيه أيضا في قوله:
ومهمه كرداء الوشي مشتبه ... نفذته والدجى والصبح خيطان
والريح تجذب أطراف الرداء كما ... أفضى الشفيق إلى تنبيه وسنان
وقلت:
وأقبل نشر الروض في نفس الصبا ... فبات به ثوب الهواء مكفرا
ومما لا يجيىء في معناه مثله قول بشار: أخبرنا به أبو أحمد، عن الصولي، قال: حدثنا المكتفي بالله يوما، أنه كان نائما، فسمع دق باب، فانتبه له مرتاعا ثم سكن قليلا، ثم عاد فنظر، فإذا الريح تحرك الباب حركة كأنها دق بيد، قال: فقلت له: قد ذكر الشاعر ذلك وما هو فأنشدته لبشار:

(1/169)


طرقتني صبا فحركت البا ... ب هدوا فارتعت منه ارتيابا
فكأني سمعت حس حبيب ... نقر الباب نقرة ثم هايا
قال ما كنت أظن أنه قيل في هذا الشيء وما أقل ما يجري مما لم يذكره الناس.
وقال ابن الرومي وأحسن:
لولا فواكه أيلول إذا اجتمعت ... من كل نوع ورق الجو والماء
إذا لما حفلت نفسي متى اشتملت ... عليه هائلة الحالين غبراء
يا حبذا ليل أيلول إذا بردت ... فيه مضاجعنا والريح سجواء
وجمش القر فيه الجلد وأتلفت ... من الضجيعين أحشاء وأحشاء
وأسفر القمر الساري فصفحته ... ريالها من صفاء الجو لألأء
يا حبذا نفحة من ريحه سحرا ... يأتيك فيها من الريحان أنباء
قل فيه ما شئت من شهر تعهده ... في كل يوم يد لله بيضاء
وقلت:
وله مجنح الأصيل نسيم ... لين العطف هين الخطران
أرج يقتدي به نفس المس ... ك وتحكيه نكهة الزعفران
كم غدا مدنفا وراح حسيرا ... يتهادى في دجلة المسرقان
فرأينا له لبوس شجاع ... ووجدنا بها ارتعاش جبان
وإلى هذا انتهى بنا القول في هذا الباب، ولو أردنا استقصاءه أضجرنا وأمللنا، ولم نأت على ما في نفوسنا منه، والاقتصار على المشاهير والأعيان منه أولى وبالله التوفيق.
انقضى الباب السابع، من كتاب ديوان المعاني والحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد، وآله وصحبه وسلم، كلما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي قمع الضلالة، ودمغ الجهالة، وقذف بالحق على الباطل فأزهقه، وأزاله منه حتى أوبقه، بما أقام من الدلائل الواضحة، وبين من الشواهد اللائحة، وجعل لخلقه حدودا حذرهم تعديها، وخوفهم تخطيها، بالقول الصادق، والبيان الصادع، إعذارا وتحذيرا، وحجة وتنبيها، فمن لم يقنعه ما سيق من صدق قوله، وحتم أمره ونهيه، حكم فيه السيف، وسلط عليه السوط، ليرداه إلى سبيل الحق، بعد أن يجعلاه نكالا للخلق، والله عليم حكيم.
وصلى الله على نبيه محمد وآله أجمعين. وهو حسبنا ونعم الوكيل.
هذا كتاب المبالغة
صفات الحرب والسلاح والطعن والضرب
وما يجري مع ذلك وهو:
الباب الثامن من كتاب ديوان المعاني
قالوا:
أبلغ ما قيل في صفة الحرب
قول الأول:
كأن الأفق محفوف بنار ... وتحت النار آساد تزير
وقريب منه قول محدث:
ويوم كأن المصطلين بحره ... وإن لم يكن جمر وقوف على جمر
صبرنا له حتى تجلى وإنما ... تفرج أيام الكريهة بالصبر
ومن بليغ ما قيل في شدة الروع قول زيد الخيل:
والخيل تعلم أني كنت فارسها ... يوم الأكس به من نجدة روق
وقول المفضل النكري:
فداء خالتي لبني حيي ... خصوصا يوم كس القوم روق
معناه أن الأكس، وهو القصير الأسنان، وقد كلح من كراهة الحال، وشدة الروع، حتى تراه كأنه أروق، وهو الطويل الأسنان، أخذه أبو تمام فأجاده في قوله:
فخيل من شدة التعبيس مبتسما
على أنه ليس فيه مدح لأن الكلوح في الحرب لا يدل على الشجاعة. ومما يدخل في هذا الباب وليس منه قول أبي فراس بن حمدان في خيل طاردت يوم ثلج:
ويوم كأن الأرض شابت لهوله ... قطعت بخيل حشو فرسانها الصبر
تسير على مثل الملاء منشرا ... وآثارها طرز وأطرافها حمر
أجود ما قيل في اصطفاف الخيل قول الأسعر:
وكتيبة لبستها بكتيبة ... حتى تقول نساؤهم هذا الفتى
يخرجن من خلل الغبار عوابسا ... كأنامل المقرور أقعى فأصطلى
يتخالسون نفوسهم برماحهم ... فبمثلهم باهى المباهي وانتمى
أجود ما قيل في انصباب الخيل في الغارة
قول ضمرة بن ضمرة:

(1/170)


والخيل من خلل الغبار خوارج ... كالتمر ينثر من جراب الجرم
وقال آخر:
وربت غارة أوضعت فيها ... كسح الخزرجي جريم تمر
وقد أحسن الأعرابي في قوله:
نقاذف بالغارات عبسا وطيئا ... وقد هربت منا تميم ومذحج
بغزو كولغ الذئب غاد ورائح ... وكسر كصدع السيف لا يتعرج
وقال أبو فراس:
وسمر أعاد يلمع البيض بينهم ... وبيض أعاد في أكفهم السمر
وخيل يلوح الخير بين عيونها ... ونصل إذا ما شمته نزل النصر
وقوم حتى ما ألقهم روي القنا ... وأرض متى ما أغزها سبع النسر
أبلغ ما قيل في إعمال السيف
قول عمرو بن كلثوم:
كأن سيوفنا فينا وفيهم ... مخاريق بأيدي لاعبينا
وقول قيس بن الخطيم:
كأن يدي بالسيف مخراق لاعب
ومن أحسن ما قيل في الضرب قول الحماني:
وإنا لتصبح أسيافنا ... إذا ما انتضين ليوم سفوك
منابرهن بطون الأكف ... وأغمادهن رؤوس الملوك
أخذه من قول سعد بن ناشب:
فإن أسيافنا بيض مهندة ... عتق وآثارها في هامكم جدد
وإن هويتم سللناها فما غمدت ... إلا وهام بني بكر لها غمد
وقال مسلم:
ونغمد السيف بين النحر والجيد
وقال أيضا:
لو أن قوما يخلقون منية ... من بأسهم كانوا بني جبريلا
قوم إذا احمر الهجير من الوغى ... جعلوا الجماجم للسيوف مقيلا
وقال حسان:
ويثرب تعلم أنابها ... أسود تنفض البادها
إذا ما غضبنا بأسيافنا ... جعلنا الجماجم أغمادها
أحسن ما قيل في الضربة الدامية
قول ابن المعتز:
شق الصفوف بسيفه ... وشفى حزازات الأحن
دامي الجراح كأنه ... ورد تفتح في فنن
ومن عجيب ما قيل في كثرة الطعن يقع في الجسد قول بعضهم:
فلولا الله والمهر المفدى ... لرحت وأنت غربال الإهاب
وقال قيس بن الخطيم في سعة الطعنة:
طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائر ... لها نفذ لولا الشعاع أضاءها
ملكت بها كفي فأنهرت فتقها ... يرى قائم من دونها ما وراءها
ومن أبلغ ما قيل في مضاء السيف قول النمر بن تولب:
أبقى الحوادث والأيام من نمر ... أسباد سيف قديم أثره بادي
تظل تحفر عنه إن ضربت به ... بعد الذراعين والساقين والهادي
وهذا من الأفراط والغلو، وهو عند بعضهم مذموم، إذا كان في هذا الحد، وعند آخرين ممدوح، يقول إذا ضربت به قطع المضروب وتجاوزه، حتى غاص في الأرض فاحتجت أن تحفر عنه فتستخرجه.
ودون ذلك في الغلو قول النابغة:
يطير فضاضا بينهم كل قونس ... ويتبعها منهم فراش الحواجب
تقد السلوقي المضاعف نسجه ... وتوقد بالصفاح نار الحباحب
يقول: إنها تقد الدرع التي ضوعف نسجها والفارس حتى تبلغ الأرض فتقدح النار بالصفاح: وهي الحجارة.
ومن بليغ ما قيل في صفة السيف، قول ابن يامين قال محمد بن داود بن الجراح: عن أبي هفان، عن الإياسي القاضي، عن الهيثم بن عدي، قال: لما صار سيف عمرو بن معدي كرب، الذي يسمى الصماصمة إلى الهادي وكان عمرو وهبه لسعيد بن العاص، فتوارثه ولده إلى أن مات المهدي، فاشتراه موسى الهادي منهم بمال جليل، وكان موسى من أوسع بني العباس خلقا وأكثرهم عطاء، للمال، قال: فجرده ووضعه بين يديه، وأذن للشعراء، فدخلوا ودعا بمكتل فيه دنانير، فقال: قولوا في هذا السيف فبدرهم ابن يامين فقال:
حاز صمصامة الزبيدي من بي ... ن جميع الأنام موسى الأمين
سيف عمرو وكان فيما سمعنا ... خير ما أغمدت عليه الجفون
أوقدت فوقه الصواعق نارا ... ثم شابت به الزعاف القيون

(1/171)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية