صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : خزانة الأدب
المؤلف : عبد القادر البغدادي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وأورده الفراء والزجاج في تفسيرهما عند قوله تعالى: " ويكلم الناس في المهد " على أن جملة يكلم معطوفة على وجيها. قال الزجاج وجائز أن يعطف بلفظ يفعل على فاعل لمضارعة يفعل فاعلا، أي: قاصد في أسؤقها وجائر.
وأورده الفراء في سورة الأنبياء أيضا، عند قوله تعالى: " لاهية قلوبهم " .
وكذلك استشهد به أبو علي في إيضاح الشعر وابن الشجري في أماليه؛ ولم ينسبه أحد منهم إلى قائله؛ ولم أر له تتمة.
وهو بيتان من الرجز المسدس.
وقوله: بات يعشيها الخ، بات من أخوات كان، اسمها مستتر فيها؛ وجملة يعشيها في موضع نصب على أنها الخبر؛ أي: يطعمها العشاء بالفتح؛ وهو الطعام الذي يؤكل وقت العشاء بالكسر.
ورأيت في أمالي ابن الشجري في نسخة صحيحة قد صححها أبو اليمن الكندي وغيره، وعليها خطوط العلماء وإجازاتهم: بات يغشيها بالغين المعجمة، من الغشاء كالغطاء، بكسر أولهما وزنا ومعنى، أي: يشملها ويعمها. وضمير المؤنث للإبل، وهو في وصف كريم بادر يعقر إبله لضيوفه.
وزعم العيني أن الضمير للمرأة التي عاقبها زوجها بالسيف. ولا يخفى أن هذا غير مناسب لسياق الكلام.
ورواه الفراء في تفسيره بت أعشيها بالتكلم.
والعضب بفتح العين المهملة وسكون الضاد المعجمة: السيف، وهو في الأصل صفة بمعنى قاطع، عضبه بمعنى قطعه، والياء متعلقة بيعشيها، وهذا من باب: عتابه السيف وتحيته الضرب. وباتر: صفة أولى لعضب، وجملة يقصد صفة ثانية له، وجائر صفة ثالثة، وهو بمعنى قاطع، من بتره بترا من باب قتل، إذا قطعه على غير تمام.
ويقصد: مضارع قصد في الأمر من باب ضرب، أي: توسط ولم يجاوز الحد. وفي متعلقه بيقصد. وأسؤق: جمع قلة لساق، وهي ما بين الركبة والقدم. وجائر من جار في حكمه، إذا ظلم.
فإن قلت: عقره الإبل إما قصد، وإما جور، فكيف وصف بهما ؟ قلت: هو على التوزيع، أي: يقصد في أسؤق إبل تستحق العقر كالنيب، ويجور في أسؤق إبل لا تستحق العقر كالحوامل وذوات الفصال.
وجائر في الحقيقة معطوف على جملة يقصد الواقعة صفة ثانية لعضب، كقول راجز آخر: الرجز
أم صبي قد حبا ودارج
وفاعله ضمير العضب.
وزعم العيني أن الضمير عائد على ما عاد عليه ضمير بات، وأن الجملة حال. وهذا فاسد؛ لأنه لو كان كما زعم لنصب جائر، لأنه معطوف عليه، ولا جائز أن يكون منصوبا أو مرفوعا؛ لأن الشعر من الرجز الذي يجب توافق قوافيه. ويدل لما قلنا رواية الفراء:
بت أعشيها بعضب باتر ... يقصد في أسوقها وجائر
والقافيتان مضبوطتان بضبط القلم بالجر في نسخ صحيحة مقروءة، وعليها خطوط العلماء، منها تفسير الفراء والزجاج، ومنها إيضاح الشعر بخط ابن جني، ومنها أمالي ابن الشجري كما ذكرنا.
ولو رفع باتر على أنه نعت مقطوع من النكرة غير المخصصة لرفع جائر. وفيه ما لا يخفى. وكذلك لا يجوز أن يكون جملة يقصد خبرا ثانيا لبات أو بدلا من يعشيها؛ لما ذكرنا.
ولم يذكر الشارح المحقق شرط عطف الاسم على الفعل مضارعا أو ماضيا وعكسه. وقد بينه ابن الشجري في أماليه في فصل عقده له، فلا بأس بإيراده؛ قال: عطف اسم الفاعل على ما يفعل، وعطف يفعل على اسم الفاعل جائز لما بينهما من المضارعة، التي استحق بها يفعل الإعراب واستحق بها اسم الفاعل الإعمال، وذلك جريان اسم الفاعل على يفعل.
ونقل يفعل من الشياع إلى الخصوص بالحرف المخصص، كنقل الاسم من التنكير إلى التعريف بالحرف المعرف، فلذلك جاز عطف كل واحد منهما على صاحبه، وذلك إذا جاز وقوعه في موضعه، كقولك: زيد يتحدث وضاحك، وزيد ضاحك ويتحدث، لأن كل واحد منهما يقع خبرا للمبتدأ. وكذلك مررت برجل ضاحك يتحدث؛ وبرجل يتحدث وضاحك، لأن يفعل مما يوصف به النكرات. فمن عطف الاسم على الفعل قول الراجز:
بات يغشيها بعضب باتر ... يقصد في أسؤقها وجائر
فإن قلت: سيتحدث زيد وضاحك لم يجز، لأن ضاحكا لا يقع موقع يتحدث، من حيث لا يلي الاسم السين. وكذلك: مررت بجالس ويتحدث لا يجوز، لأن حرف الجر لا يليه الفعل.
فإن عطفت اسم الفاعل على فعل لم يجز؛ لأنه لا مضارعة بينهما.
فإن قربت فعل إلى الحال بقد، جاز عطف اسم الفاعل عليه؛ كقول الراجز:
أم صبي قد حبا ودارج

(2/160)


فإن كان اسم الفاعل بمعنى فعل جاز عطف الماضي عليه؛ كقوله تعالى: " إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله " ، لأن التقدير إن الذين تصدقوا واللاتي تصدقن.
وأنشد بعده، الشاهد السابع والخمسون بعد الثلاثمائة الطويل
وعض زمان يا ابن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحتا أو مجلف
على أنه تجوز المخالفة في الإعراب، إذا عرف المراد كما هنا، فإن قوله مجلف معطوف على قوله مسحتا، وهما متخالفان نصبا ورفعا.
قال أبو بكر محمد بن عبد الملك التاريخي في تاريخ النحاة في ترجمة عبد الله ابن أبي إسحاق النحوي الحضرمي: قال ابن سلام: وحدثنا يونس قال: قال ابن أبي إسحاق في بيت الفرزدق إلا مسحتا أو مجلف، قال: للرفع وجه، وكان أبو عمرو ويونس لا يعرفان للرفع وجها. قلت ليونس: لعل الفرزدق قالها على النصب ولم يأبه للقافية. قال: لا، كان ينشدها على الرفع، وأنشدنيها رؤبة على الرفع. انتهى.
وهذا البيت صعب الإعراب. قال الزمخشري: هذا بيت لا تزال الركب تصطك في تسوية إعرابه.
وقال ابن قتيبة في كتاب الشعراء: رفع الفرزدق آخر البيت ضرورة، وأتعب أهل الإعراب في طلب الحيلة، فقالوا وأكثروا، ولم يأتوا فيه بشيء يرضي.
ومن ذا يخفى عليه من أهل النظر أن كل ما أتوا به من العلل احتيال وتمويه ؟ وقد سأل بعضهم الفرزدق عن رفعه هذا البيت فشتمه وقال: علي أن أقول وعليكم أن تحتجوا. انتهى.
وقال الفراء في تفسيره: حدثني أبو جعفر الرؤاسي، عن أبي عمرو بن العلاء قال: مر الفرزدق بعبد الله بن أبي إسحاق النحوي فأنشده هذه القصيدة: الطويل
عزفت بأعشاش وما كدت تعزف
حتى انتهى إلى هذا البيت فقال عبد الله: علام رفعت مجلف ؟ فقال له الفرزدق: على ما يسوءك.
وفي تذكرة أبي حيان من النهاية قال عبد الله بن أبي إسحاق للفرزدق: بم رفعت أو مجلف ؟ فقال: بما يسوءك وينوءك، علينا أن نقول، وعليكم أن تتأولوا. ثم قال الفرزدق: الطويل
فلو كان عبد الله مولى هجوته ... ولكن عبد الله مولى مواليا
فقال له عبد الله: أردت أن تهجوني فلحنت أيضا. والفرزدق مشغوف في شعره بالإعراب المشكل المحوج إلى التقديرات العسرة، بالتقديم والتأخير المخل بالمعاني. وسمعت شيخنا يقول: إني لأعجب من إبراهيم بن هشام المخزومي حين فهم قول الفرزدق: الطويل
وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه
وقال أبو محمد بن الخشاب في كتابه الموضوع لجوابه المسائل الست الإسكندرية: إن أبا حاتم السجستاني، قال: ليس الفرزدق أهلا لأن يستشهد بشعره على كتاب الله، لما فيه من التعجرف.
وقال ابن الخشاب أيضا: لم يجر في سنن الفرزدق من تعجرفه في شعره بالتقديم والتأخير المخل بمعانيه والتقدير المشكل، إلا المتنبي، ولذلك مال إليه أبو علي وابن جني، لأنه مما يوافق صناعتهما.
ولا ينفع المتنبي شهادة أبي علي له بالشعر، لأن أبا علي معرب لا نقاد، وإنما تنفعه شهادة مثل العسكريين وأبي القاسم الآمدي، فإنهم أئمة يقتدى بهم في نقد الإعراب. انتهى ما أورده أبو حيان.
وقد تكلف له العلماء عدة توجيهات، ذكر الشارح المحقق منها ثلاثة أوجه، والثلاثة مبنية على رواية لم يدع بفتح الدال وعلى رواية نصب مسحت.
أما الأول فهو للخليل بن أحمد، وقال: هو على المعنى، كأنه قال: لم يبق من المال إلا مسحت، لأن معنى لم يبق ولم يدع واحد، واحتاج إلى الرفع فحمله على شيء في معناه.
قال أبو علي في إيضاح الشعر: نصب مسحت بيدع بمعنى الترك، وحمل مجلف بعده على المعنى، لأن معنى لم يدع من المال إلا مسحتا، تقديره: ولم يبق من المال إلا مسحت، فحمل مجلف بعده على ذلك.
ومثل ذلك في الحمل على المعنى من أبيات الكتاب قوله: الكامل
بادت وغير آيهن مع البلى ... إلا رواكد جمرهن هباء
ومشجج أما سواء قذاله ... فبدا وغير ساره المعزاء
لأن معنى بادت إلا رواكد، معناه بها رواكد، فحمل مشججا على ذلك، فكذلك قوله لم يدع من المال إلا مسحتا، معناه بقي مسحت. قال أبو عمرو: هذا قول الخليل، وليس البيت في الكتاب، فلا أدري أسمعه عنه أم قاسه. انتهى.

(2/161)


ومحصله أن مجلفا مرفوع بفعل محذوف، دل عليه: لم يدع. وإليه ذهب ابن جني في المحتسب في سورة: والضحى، قال: إنه لما قال لم يدع من المال إلا مسحتا دل على أنه قد بقي، فأضمر ما يدل عليه، فكأنه قال: وبقي مجلف.
وأما الثاني فهو لثعلب، قال في أماليه نصب مسحت بوقوع يدع عليه وقد وليه الفعل ولم يل مجلفا، فاستؤنف به فرفع، والتقدير: هو مجلف. انتهى.
وقول الشارح المحقق إن أو في هذا الوجه للإضراب بمعنى بل، لا يناسب المعنى، وإنما يناسب لو كان مسحتا بعد أو، فهي هنا لعطف جملة على مفرد، ومعناها أحد الشيئين.
وأما الثالث فهو لأبي علي الفارسي في التذكرة قال: مجلف معطوف على عض، وهو مصدر جاء على صيغة المفعول، قال تعالى: " ومزقناهم كل ممزق " كأنه قال: وعض زمان، أو تجليف.
وبقي غير ما ذكره الشارح توجيه الفراء، قال: إن مجلفا مرفوع الابتداء، وخبره محذوف، كأنه قال: أو مجلف كذلك. نسبه إليه ابن السيد في شرح أبيات الجمل، وكذلك نسبه إليه علي بن حمزة البصري في كتاب التنبيهات على أغلاط الرواة ونصه: قال الفراء: ومن روى مسحتا، أراد لم يدع فيه عض الزمان إلا مسحتا أو مجلف بقي، فرفعه على هذا الإضمار.
قال الكسائي: هذا كما تقول: ضربت زيدا وعمرو، كأنه يرفعه بفعل مضمر، أي: وعمرو مضروب، أو وعمرو كذلك. انتهى.
وقد ذهب إلى هذا ابن الأنباري أيضا في مسائل الخلاف، قال ابن السيد في شرح أبيات المعاني: فيكون هذا من عطف جملة اسمية على جملة فعلية، كما تقول: رأيت زيدا وعمرو مر بي أيضا.
وبقي أيضا توجيه الكسائي، وهو أن مجلفا معطوف على الضمير المستتر في مسحت. قال ابن السيد في شرح أبيات الجمل: حكى هشام هذا التوجيه عن الكسائي.
هذا ما اطلعت عليه من توجيه هذه الرواية، وهي الرواية المشهورة. وقد أوردها صاحب الكشاف في سروة طه.
وفيه روايات أخر: إحداها: إلا مسحت أو مجلف برفعهما. قال علي بن حمزة في كتاب التنبيهات: رواه أبو جعفر بن حبيب في كتاب النقائض برفع الاسمين. قال ابن الأعرابي والفراء: حروف الاستثناء تجيء بمعنى قليل من كثير، فجعل إلا معلقة بأن يكون، فأضمرها ونواها، ورفع مسحت على هذا المعنى، أراد إلا أن يكون مسحت أو مجلف، فرفعه بيكون المضمرة، وإلا تدل على تعلقها بأن يكون كقولك: ما أتاني أحد إلا زيد، وإلا أن يكون زيد.
ومثله لشبيب بن البرصاء: الطويل
ولا خير في العيدان إلا صلابها ... ولا ناهضات الطير إلا صقورها
أراد: ولا خير في العيدان، إلا أن يكون صلابها، وإلا أن يكون صقورها. انتهى.
وهذا التوجيه مردود، فإن الموصول لا يحذف مع بعض الصلة ويبقى بعضها.
والصواب توجيه صاحب الكشاف فإنه استشهد به على قراءة أبي والأعمش فشربوا منه إلا قليل بالرفع مع كونه استثناء من كلام موجب حملا له على المعنى، فإن قوله: فشربوا منه، في معنى فلم يطيعوه إلا قليل، فرفعه كرفع الشاعر مسحتا ومجلفا مع كونه استثناء مفرغا في موقع المفعول به، لأنه في المعنى واقع موقع الفاعل، لأن لم يدع في معنى لم يبق.
والأحسن ما ذهب إليه الطوسي، نقله عنه صاحب التنبيهات قال: أراد لم يدع من الدعة.
ونقل ابن الأنباري أيضا في شرح المفضليات عن أبي عمرو أنه قال: لم يدع من الدعة والسكون، يقال: رجل وادع إذا كان ساكنا، فيكون على هذا مسحت فاعل ليدع.
وثاني الروايات الأخر رواية خالد بن كلثوم وهي:
وعض زمان يا ابن مروان ما به ... من المال إلا مسحت أو مجلف
برفع الاسمين أيضا، حكاه عنه علي بن حمزة صاحب التنبيهات.
وقال الفراء في تفسيره: قيل لي إن بعض الرواة يقول: ما به من المال إلا مسحت أو مجلف فقلت: ليس هذا بشيء. انتهى.
وعندي أن هذه أحسن الروايات وأصحها.
وثالث الروايات الأخر: لم يدع من المال إلا مسحت بكسر دال يدع ورفع الاسمين أيضا، وقد نسبها صاحب التنبيهات إلى أبي عبيدة، وابن الأنباري في شرح المفضليات إلى عيسى بن عمر، عند قول سويد بن أبي كاهل اليشكري من قصيدة: الرمل
أرق العين خيال لم يدع ... من سليمى ففؤادي منتزع

(2/162)


قال: يدع بمعنى يقر ويمكث. وإليه ذهب ابن جني في باب الاطراد والشذوذ من الخصائص قال فيه: ومن ذلك امتناعك من وذر وودع لأنهم لم يقولوهما. فأما قول أبي الأسود: الرمل
ليت شعري من خليلي ما الذي ... غاله في الحب حتى ودعه
فشاذ، وكذلك قراءة بعضهم: ما ودعم ربك وما قلى. فأما قولهم ودع الشيء يدع، إذا سكن فاتدع، فمسموع متبع، وعليه بيت الفرزدق، فمعنى لم يدع بكسر الدال، أي: لم يتدع ولم يثبت.
والجملة بعد زمان في موضع جر لكونها صفة له، والعائد منها إليه محذوف للعلم بموضعه، وتقديره: لم يدع فيه، أو لأجله من المال إلا مسحت أو مجلف، فيرتفع به مسحت، ومجلف عطف عليه. وهذا أمر ظاهر ليس فيه من الاعتذار والاعتلال ما في الرواية الأخرى. ويحكى عن معاوية رضي الله عنه أنه قال: خير المجالس ما سافر إليه البصر، واتدع فيه البدن. انتهى.
وقال في سورة الضحى من المحتسب: قرأ: ما ودعك خفيفة النبي صلى الله عليه وسلم وعروة بن الزبير. وهذه قليلة الاستعمال. قال سيبويه: استغنوا عن وذر، وودع بقولهم ترك. على أنها قد جاءت في شعر أبي الأسود.
وأما لم يدع في بيت الفرزدق بكسر الدال فهو من الاتداع، كقولك: قد استراح وودع فهو وادع من تعبه. والمسحت على هذه الرواية مرفوع بفعله، ومجلف معطوف عليه. وهذا ما لا نظر فيه لوضوحه.
ورابع الروايات الأخر لم يدع بضم الياء وفتح الدال، مع رفع الاسمين أيضا، ذكرها ابن جني في المحتسب ونقلها عنه ابن السيد واللخمي في شرح أبيات الجمل، ولم ينسبها أحدهم إلى راو.
قال ابن جني: وأما رواية يدع بضم الياء وفتح الدال فقياسه يودع، كقوله تعالى: " لم يلد ولم يولد " ومثله يوضع، والحديد يوقع، أي: يطرق، من قولهم وقعت الحديدة، أي: طرقتها. قالوا: إلا أن هذا الحرف كأنه لكثرة استعماله جاء شاذا فحذفت واوه تخفيفا فقيل لم يدع، أي: لم يترك. والمسحت والمجلف جميعا مرفوعان أيضا كما يجب. انتهى.
وهذا ما وقفت عليه من روايات هذا البيت. والله أعلم.
وقوله: وعض زمان هو مرفوع بالعطف على هموم المنى في بيت قبله، وهو:
إليك أمير المؤمنين رمت بنا ... هموم المنى والهوجل المتعسف
أراد: يا أمير المؤمنين. وابن مروان: عبد الملك بن مروان. شكا إليه ما فعل به الزمان من تفريق أمواله وتغيير أحواله. والهوجل: الفلاة التي لا أعلام فيها يهتدى بها. والمتعسف: التي يسار فيها بلا دليل. وعض الزمان: شدته.
قال اللخمي في شرح أبيات الجمل: قال الخليل بن أحمد: العض كله بالضاد، إلا عظ الزمان والحرب.
وقال ابن سراج العظ المجازي بالظاء والحقيقي بالضاد. وهذا كقول الخليل. وقيل إن العض كله بالضاد مجازيا كان أو حقيقيا. انتهى.
والمجلف بالجيم، الذي ذهب معظمه، وبقي منه شيء يسير. والمسحت المستأصل الذي لم يبق منه بقية. قال الفراء في سورة طه، في قوله تعالى: " فيسحتكم " : سحت أكثر، وهو الاستئصال. والعرب تقول: سحت وأسحت بمعنى واحد وأنشد هذا البيت.
وقال مثله الزجاج في سورة المائدة، وأنشد البيت أيضا.
وقال صاحب الصحاح: مال مسحوت، ومسحت، أي: مذهب. وأنشد هذا البيت أيضا، ومنه أخذ الشارح.
ومثل هذا البيت ما أورده أبو عبد الله محمد بن الحسين اليمني تلميذ ابن ولاد في طبقات النحويين في ترجمة أبي الفضل الرياشي، بسنده عن أبي الفضل قال: وقع رجل بأمة لرجل فولدت، فحلف سيدها أن لا يعتقه، فقال الذي وقع في الجارية: الطويل
تحلل جزاك الله خيرا أما ترى ... تخاذل إخواني وقلة ماليا
وعض زمان لم تدع جفواته ... من المال إلا جلة وعناصيا
تأل على ما في يديك كأنما ... رأيت ابن ذي الجدين عندك عانيا
انتهى.
التحليل في اليمين: أن يحلف ثم يستثني استثناء متصلا. والجلة بكسر الجيم من الإبل: المسان، وهو جمع جليل، كصبي وصبية.
والعناصي بفتح المهملة، قال صاحب الصحاح: ما بقي من ماله إلا عناص، وذلك إذا ذهب معظمه وبقي نبذ منه. وتأل فعل أمر، يقال: تألى على كذا، أي: أقسم عليه. والعاني: الأسير.

(2/163)


والبيتان من قصيدة طويلة للفرزدق، تزيد على مائة بيت؛ ليس فيها مديح غير هذين البيتين، وما قبلهما من أول القصيدة نسيب، وما بعدهما عدة أبيات في كلال الإبل. وشرحها الشريف المرتضى قدس سره في أماليه غرر الفوائد ودرر القلائد.
وما بعدها إلى آخر القصيدة افتخار بآبائه على جرير.
وفيها شاهد يأتي شرحه مع أبيات منها إن شاء الله تعالى في باب الفعل. ومضى بيت منها في باب النعت.
وتقدمت ترجمة الفرزدق في الشاهد الثلاثين.
باب التوكيد
أنشد فيه؛ الشاهد الثامن والخمسون بعد الثلاثمائة : الرجز
أقسم بالله أبو حفص عمر
على أنه ربما دل على عطف البيان بعض متبوعاته مع قلة الاشتراك، كأبي حفص وهو المتبوه، يدل على عطف البيان وهو عمر، كما بينه الشارح المحقق.
وقد أورده في باب عطف البيان وشرحه هناك.
وهو أول رجز قاله أعرابي لعمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وسببه ما رواه المحدثون عن أبي رافع، أن أعرابيا أتى عمر فقال: يا أمير المؤمنين، إن أهلي بعيد، وإني على ناقة دبراء نقباء، فاحملني. فقال عمر: كذبت والله ما بها نقب ولا دبر ! فانطلق الأعربي فحل ناقته، ثم استقبل البطحاء وجعل يقول، وهو يمشي خلف ناقته:
أقسم بالله أبو حفص عمر ... ما إن بها من نقب ولا دبر
اغفر له اللهم إن كان فجر
ويروى: ما مسها من نقب. وعمر بن الخطاب رضي الله عنه مقبل من أعلى الوادي، فجعل إذا قال:
اغفر له اللهم إن كان فجر
قال: اللهم صدق ! حتى التقيا فأخذ بيده فقال: ضع عن راحلتك. فوضع، فإذا هي كما قال، فحمله على بعير، وزوده وكساه.
وروي هذا الأثر بألفاظ مختلفة.
وهذا المقدار من الرجز هو المشهور، وفي رواية الأصمعي أزيد من هذا، قال أبو عبد الله محمد بن الحسين اليمني في طبقات النحويين في ترجمة الأصمعي أخبرنا ابن مطرف قال: أخبرنا ابن دريد قال: أخبرنا عبد الرحمن عن عمه الأصمعي قال: وقف أعرابي بين يدي عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين أبدع بي وأدمت بي راحلتي، ودبر ظهرها ونقب خفها ! فقال له عمر: والله ما أظنك أنقبت ولا أحفيت، فخرج الرجل، ثم خرج عمر. قال: والرجل يقول:
أقسم بالله أبو حفص عمر ... ما مسها من نقب ولا دبر
حقا ولا أجهدها طول السفر ... والله لو أبصرت نضوى يا عمر
وما بها عمرك من سوء الأثر ... عددتني كابن سبيل قد حضر
فرق له عمر وأمر له ببعير ونفقة. انتهى.
والدبراء، من دبر ظهر الدابة من باب فرح، إذا جرح من الرحل والقتب. وأدبرت البعير فدبر وأدبر الرجل، إذا دبر بعيره، فهو مدبر. والنقباء من نقب البعير من باب فرح أيضا، إذا رق خفه. وأنقب الرجل، إذا نقب بعيره.
وقوله: فاحملني، أي: أعطني حملة، وهي بالفتح ما يحمل عليه الناس من الدواب، كالركوبة.
وقوله: أقسم بالله أبو حفص عمر عمر أبو حفص: فاعل أقسم بمعنى حلف، وهو كنية عمر. واستشهد به ابن هشام في شرح الألفية في جواز تقديم الكنية على الاسم.
وقوله: ما إن بها إن زائدة. وقوله: إن كان فجر، قال ابن الأنباري في الزاهر الفاجر في كلام العرب: العادل المائل عن الخير، وإنما قيل للكذاب فاجر لأنه مال عن الصدق. وأنشد هذا الشعر.
وقوله: ضع عن راحلتك، أي: ارفع عنها قتبها. وقوله في رواية الأصمعي: أبدع بي بالبناء للمفعول، أي: انقطع بي لكلال راحلتي، فكأن راحلته جاءت ببدعة.
وقوله: ما أظنتك أنقبت ولا أحفيت كلاهما بالبناء للفاعل، يقال: أحفى الرجل إذا حفيت دابته، أي: رق خفها وحافرها من كثرة المشي. والنضو بكسر النون وسكون المعجمة: المهزول.
وقوله: عمرك مبتدأ وخبره محذوف، أي: قسمي، والجملة معترضة؛ وهي بفتح العين.
وهذا الرجز نسبه ابن حجر في الإصابة إلى عبد الله بن كيسبة، بفتح الكاف وسكون المثناة التحتية وفتح المهملة بعدها باء موحدة، النهدي. ذكره المرزباني في معجم الشعراء قال: وكيسبة أمه، ويقال اسمه عمرو. وهو القائل لعمر بن الخطاب واستحمله فلم يحمله:
أقسم بالله أبو حفص عمر

(2/164)


الأبيات الثلاثة. وكان نظر إلى راحلته لما ذكر أنها أعجفت فقال: والله ما بها من علة ! فرد عليه، فعلان بالدرة، وهرب وهو يقول ذلك، فلما سمع عمر آخر كلامه حمله وأعطاه. وله قصة مع أبي موسى في فتح تستر. وقيل بأن كنيته أبو كيسبة، وإن عمر سمعه ينشدها فاستحلفه أنه ما عرف بمكانه، فحلف فحمله. انتهى.
وقد ذكره في قسم المخضرمين الذين أدركوا النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يروه.
وزعم ابن يعيش في شرح المفصل أن الرجز لرؤبة بن العجاج. وهذا لا أصل له، فإن رؤبة مات في سنة خمس وأربعين ومائة، ولم يعده أحد من التابعين فضلا عن المخضرمين. والله أعلم.
وأنشد بعده: الوافر
فلا والله لا يلفى لما بي ... ولا للما بهم أبدا دواء
على أنه ضرورة، حيث أكد اللام الأولى باللام الثانية بدون ذكر مجرور الأولى، والقياس لما لما بي.
وهذا البيت قد تقدم شرحه مع قصيدته وسببها مستوفى في الشاهد الرابع والثلاثين بعد المائة.
وأنشد بعده:
وصاليات ككما يؤثفين
لما تقدم قبله، ومضى الكلام عليه مفصلا في الشاهد الخامس والثلاثين بعد المائة.
وأنشد بعده، الشاهد التاسع والخمسون بعد الثلاثمائة : الطويل
فأين إلى أين النجاء ببغلتي ... أتاك أتاك اللاحقوك احبس احبس
على أن المستقبل يجوز تكريره بلا فصل. والظاهر أن المراد أنه من تكرير المفردات لا الجمل، وهو الظاهر أيضا من كلام ابن جني في إعراب الحماسة قال: أول البيت توكيد الاستفهام، وفي الثاني توكيد الخبر، وفي آخره توكيد الأمر.
وقال ابن الشجري في أماليه: هذا البيت فيه تكرير ثلاث جمل، أراد إلى أين تذهب، إلى أين تذهب، أتاك أتاك اللاحقوك احبس احبس، وهذا يقوي ما ذهب إليه الكسائي من حذف الفاعل في باب إعمال الفعلين. ألآ تراه لو أضمر الفاعل. ولم يحذفه، لقال: أتوك أتاك اللاحقوك، أو أتاك أتوك. انتهى.
والصحيح أن الثلاثة من توكيد المفردات.
أما الأول فأين مجرورة بإلى المحذوفة المدلول عليها بالمذكورة، وهو خبر مقدم، وإلى أين توكيده، والنجاء مبتدأ مؤخر، وهو مصدر نجا ينجو نجاء، إذا أسرع وسبق.
وزعم العيني أن إلى أين هو الخبر، وأن أين ظرف لمحذوف، أي: أين تذهب. وهذا غني عن الرد.
وأما الثاني فإن اللاحقوك، وهو جمع مذكر سالم، مضاف للكاف وحذفت نونه للإضافة فاعل لأتاك الأول، وأتاك الثاني تأكيد له. ولما كان الأول متصلا به ضمير المفعول اتصل بالثاني ليوافق الأول.
وقد اختلف النحويون في نحو قام قام زيد، فقيل: زيد فاعل الأول فقط، وأما الثاني فإنه يحتاج لفاعل، لأنه لم يؤت به للإسناد، وإنما أتي به لمجرد التأكيد. وقيل فاعلهما، ولا يلزم منه اجتماع العاملين على معمول واحد لأن لفظهما ومعناهما واحد، فكأنهما عامل واحد.
وقيل فاعل أحدهما وفاعل الآخر ضمير محذوف، على أنهما تنازعاه. وقد رده ابن الناظم وابن هشام في شرح الألفية لأنه ليس هذا من مواضع حذف الفاعل، ولو كان من التنازع لقيل: أتوك أتاك، أو أتاك أتوك.
وأما الثالث فإن الأمر الثاني توكيد للأمر الأول، وتوكيد الضمير للضمير بالتبعية ضرورة، إذ لا يمكن انفكاكه عن المر. ويجوز أن يكون توكيدا مقصودا فيكون من قبيل توكيد الجمل.
وزعم العيني أن مفعول احبس تقديره نفسك. وهذا لا يناسب المقام. والظاهر أنه: بغلتي؛ لوجود القرينة.
وهذا البيت مع شهرته لم يعلم له قائل ولا تتمة، والله أعلم.
وأنشد بعده، الشاهد الستون بعد الثلاثمائة : الكامل
لا لا أبوح بحب بثنة إنها ... أخذت علي مواثقا وعهودا
لما تقدم قبله. وهذا في الحرف، وما قبله في تكرير الاسم والفعل. وأبوح: مضارع باح الشيء بوحا من باب قال، بمعنى ظهر، ويتعدى بالحرف فيقال: باح به صاحبه، وبالهمزة أيضا فيقال: أباحه.
بثنة بفتح الموحدة وسكون المثلثة بعدها نون: اسم محبوبة جميل بن معمر العذري، والمشهور بثينة بالتصغير، وهي مجرورة بالفتحة لأنها لا تنصرف.
وزعم العيني أنها في محل الجر. وقوله: إنها بالكسر استئناف بياني. ومواثق: جمع موثق، وهو العهد. وأما المواثيق فهو جمع ميثاق، وربما قيل مياثيق على لفظ الواحد.
والبيت من قصيدة لجميل العذري، وقد تقدمت ترجمته في الشاهد الثاني والستين.

(2/165)


وأنشد بعده، الشاهد الحادي والستون بعد الثلاثمائة ، وهو من شواهد سيبويه: الرجز
تراكها من إبل تراكها
على أن المستقبل يجوز تكريره للتأكيد مع فاصل، كما جاز بدونه. وتراك: اسم فعل أمر بمعنى اترك.
وله أورده سيبويه. وهو متعد إلى الضمير، نصبه على المفعولية. ولما لم يتقدم مرجعه فسره بالتمييز المجرور بمن المبنية.
قال أبو عبيدة في أماليه كانوا في الجاهلية إذا غنموا الغنيمة فلحقها أربابها قالوا للسائقين:
تراكها من إبل تراكها
أي: خلوا عنها. فيقول السائقون:
أما ترى الموت على أوراكها
أي: مآخيرها، أي: إنا نحميها.
وبعضهم يقول:
مناعها من إبل مناعها
فيجاب بقولهم:
أما ترى الموت لدى أرباعها
يعنون أفتاءها. انتهى.
وقال يعقوب بن السكيت: أغير على إبل قوم من العرب، فلحق أصحاب الإبل؛ فجعلوا لا يدنو منها أحد إلا قتلوه، فقال الذين أغاروا على الإبل:
تراكها من إبل تراكها ... أما ترى الموت لدى أرباعها
فقال أصحاب الإبل:
مناعها من إبل مناعها ... أما ترى الموت لدى أرباعها
وفي أمالي ابن الشجري: وقال آخر:
تراكها من إبل تراكها ... أما ترى الموت لدى أوراكها
أراد أن أوراكها من شدة السير، كأنها في استرخائها قد شارفت الموت. ومثله قول الآخر:
مناعها من إبل مناعها ... أما ترى الموت لدى أرباعها
الأرباع: جمع الربع، وهو ولد الناقة التي تلده في الربيع. والهبع: الذي تلده في أول الصيف، وجمعه أهباع، كرطب وأرطاب. انتهى.
وقوله: أراد أن أوراكها من شدة السير الخ، لا وجه له، وكأنه لم يقف على ما قدمنا.
وقال ابن خلف: هذا قول طفيل بن يزيد الحارثي حين أغارت كندة على نعمه، فلحقهم وهو يقول:
تراكها من إبل تراكها
أما ترى الموت الخ
ويروى:
دراكها من إبل دراكها
ويروى:
قد لحق الموت على أوراكها
وحمل على فحل الإبل فعقره، فاستدارت النعم حوله، ولحقت به بنو الحارث ابن كعب، فاستنقذوا ماله، وهزمت كندة. قال سيبويه: فهذا اسم لقوله: اتركها، أي: هي محمية من أن يغار عليها، فاتركها وانج بنفسك.
وقوله: أرباعها الأرباع: جمع ربع، وهو ولد الناقة. وأولاد الإبل تتبعها.
والقتال يشتد إذا لحق الإبل أصحابها؛ وإنما يقع القتال عند مآخيرها، لأن الذين أغاروا عليها يطردونها ويسوقونها، وأصحابها يمنعونهم من ذلك. وهو مثل قول الآخر:
أما ترى الموت لدى أوراكها
ويجوز أن يريد بالأرباع جمع ربع بالفتح، وهو المنزل، يعني أنهم اقتتلوا في المواضع التي فيها الإبل. انتهى.
وطفيل بن يزيد الحارثي: شاعر فارس جاهلي.
ولم يذكر الآمدي في المؤتلف والمختلف هذا، مع أنه أورد خمسة ممن اسمهم طفيل.
وأنشد بعده، الشاهد الثاني والستون بعد الثلاثمائة الرجز
أقبلن من ثهلان أو وادي خيم ... على قلاص مثل خيطان السلم
على أن الأندلسي جوز أن يقال في جمع المذكر العاقل المكسر الرجال كلهن، مستدلا بهذا البيت. ولم يظهر لي وجهه، وكأن وجه الاستدلال أن نون أقبلن ضمير العقلاء الذكور، أي: الرجال أو الركب أو نحوهما، وإنما أنث لتأويله بالجماعة.
والدليل على أن مرجع الضمير ما ذكر قوله بعد: الرجز
حتى أنخناها على باب الحكم
فدل ما بعد الكلام على ما قبله. وفيه أنه لا يجب أن يتحدا، ويجوز أن تكون النون ضمير النسوة، أو أن أصله أقبلنا، فحذفت الألف ضرورة، فيكون من باب التقارض.
وهذه المسألة لم أرها إلا هنا عن الأندلسي. وقد راجعت شروح التسهيل وارتشاف الضرب، فلم أر فيها أن النون تعود على الجمع المكسر للعاقل بتأويله بالجماعة.
ويشهد لما ذهب إليه الأندلسي قول الفرزدق: الطويل
بحوران يعصرن السليط أقاربه
سواء أجعلت النون حرفا، أم ضميرا. ويأتي شرحه بعد هذا في الشاهد السادس والسبعين بعد الثلاثمائة.

(2/166)


وهذا أول رجز لجرير بن الخطفى، أورد المبرد بعضا منه في الكامل وفي الاعتنان. قال أبو عبيدة: أخبرنا أيوب بن كسيب بن عطاء بن الخطفى قال: قدم جرير في إمرة الحكم بن أيوب الثقفي البصرة، وكان الحكم ابن عم الحجاج وعامله. قال: وأنا معه، وكان أيوب بن كسيب لا يفارقه، ومدح الحكم فقال:
أقبلن من ثهلان أو وادي خيم ... على قلاص مثل خيطان السلم
حتى أنخناها إلى باب الحكم ... خليفة الحجاج غير المتهم
في ضئضئ المجد وبحبوح الكرم
فأعجب به الحكم بن أيوب ووجده باقعة. قال: فكتب إلى الحجاج: إنه قدم علي أعرابي شيطان من أشعر الناس وأفصحهم، ووصفه له. قال: فكتب الحجاج أن يسرحه إليه حين يقرأ كتابه. قال: فلما قدم الكتاب أمرنا الحكم، فشخصنا حتى قدمنا على الحجاج، وامتدحه جرير بكلمته التي يقول فيها: الطويل
ومن يأمن الحجاج أما عقابه ... فمر وأما عقده فوثيق
قال: وأما مسحل بن كسيب أخو أيوب، فحدثني أن أول كلمة امتدحه بها كلمته التي يقول فيها: الكامل
من سد مطلع النفاق عليكم ... أم من يصول كصولة الحجاج
أم من يغار على النساء عشية ... إذ لا يثقن بغيرة الأزواج
قال: فأمر له الحجاج بأربعة آلاف درهم، وكساء حلة صفراء، وأنزلنا في دار ضيافته. انتهى.
وزاد في الكامل أن جريرا لما دخل على الحجاج قال له: بلغني أنك ذو بديهة، فقل لي في هذه - لجارية قائمة على رأسه - فقال جرير: ما لي أن أقول فيها حتى أتأملها، ومالي أن أتأمل جارية الأمير ؟! فقال: بلى فتأملها واسألها. فقال لها: ما اسمك يا جارية ؟ فأمسكت، فقال لها الحجاج: خبريه يا لخناء. فقالت: أمامة. فقال جرير: الكامل
ودع أمامة حين حان رحيل ... إن الوداع لمن تحب قليل
مثل الكثيب تمايلت أعطافه ... فالريح تجبر متنه وتميل
هذي القلوب صواديا تيمتها ... وأرى الشفاء وما إليه سبيل
فقال الحجاج: قد جعل الله لك السبيل إليها، خذها هي لك. فضرب بيده إلى يدها فتمنعت عليه؛ فقال: الكامل
إن كان طبكم الدلال فإنه ... حسن دلالك يا أمام جميل
فاستضحك الحجاج وأمر بتجهيزها معه إلى اليمامة. وخبرت أنها كانت من أهل الري، وكان إخوتها أحرارا، فاتبعوه، فأعطوه بها حتى بلغوا عشرين ألفا، فلم يفعل.
وفي ذلك يقول: الطويل
إذا عرضوا عشرين ألفا تعرضت ... لأم حكيم حاجة هي ما هيا
لقد زدت أهل الري عندي مودة ... وحببت أضعافا إلي المواليا
فأولدها حكيما، وبلالا، وحرزة، بني جرير. انتهى.
وثهلان: بفتح المثلثة: جبل باليمن، وقال حمزة الأصبهاني: هو جبل بالعالية. وأصل الثهل الانبساط على الأرض. ولضخم هذا الجبل تضرب به العرب المثل في الثقل فتقول: أثقل من ثهلان. وخيم بكسر الخاء المعجمة: جبل.
قال صاحب الأغاني: ثهلان جبل كان لباهلة، ثم غلبت عليه نمير. وخيم: جبل يناوحه من طرفه الأقصى، فيما بين ركنه الأقصى وبين مطلع الشمس، به ماء ونخل. انتهى.
وهذا هو المشهور، والذي في ديوانه، ورواه أبو عبيد البكري في المعجم:
أقبلن من جنبي فتاخ وإضم
وقال: فتاخ بكسر الفاء بعدها مثناة فوقية وآخره خاء معجمة: موضع. وقال الهجري: فتاخ بأطراف الدهناء مما يلي اليمامة. وإضم بكسر الهمزة: واد دون المدينة، وقيل جبل. والقلاص: جمع قلوص، وهي الناقة الشابة. وخيطان جمع خوط بضم الخاء المعجمة، وهو الغصن.
وروى الزمخشري في مستقصى الأمثال: مثل أغصان السلم. أراد أن القلاص هزلت من شدة السفر حتى صارت كأغصان السلم، في الدقة والضمر.
وزاد أبو عبيد البكري بعد هذا في شرح أمالي القالي:
قد طويت بطونها على الأدم ... إذا قطعن علما بدا علم
فهن بحثا كمضلات الخدم ... حتى تناهين إلى باب الحكم
العلم: الجبل. قال الزمخشري في مستقصى الأمثال. قوله:
إذا قطعن علما بدا علم
مثل يضرب لمن يفرغ من أمر، فيعرض له آخر.

(2/167)


وقوله: فهن بحثا، أي: يبحثن بحثا بمناسمهن الأرض، كما يبحث المضلات خلاخيلهن في التراب. والخدم: جمع خدمة بفتح الخاء المعجمة وفتح الدال المهملة، هو الخلخال. والضئضئ، بكسر الضادين المعجمتين والهمزة الأولى بينهما ساكنة: الأصل والجنس. والبحبوح بضم الباءين والحاء المهملة الأولى بينهما ساكنة: الوسط.
وقد أورد صاحب الأغاني حكاية جرير مع الحجاج على غير هذا النمط، وأطال وزاد الأبيات.
وترجمة جرير قد تقدمت في الشاهد الرابع في أول الكتاب.
وأنشد بعده، الشاهد الثالث والستون بعد الثلاثمائة الرجز
يا ليتني كنت صبيا مرضعا ... تحملني الذلفاء حولا أكتعا
على أن الكوفيين استشهدوا به على جواز توكيد النكرة المؤقتة المعلومة المقدار، وهو حول بمعنى العام.
قال صاحب المصباح: حال حولا من باب قال، إذا مضى. ومنه قيل للعام حول وإن لم يمض، لأنه سيكون حولا، تسمية بالمصدر.
وفيه شاهد آخر، وهو التأكيد بأكتع غير مسبوق بأجمع. وبعده بيت آخر وهو:
إذا بكيت قبلتني أربعا ... إذن ظللت الدهر أبكي أجمعا
وفيه أيضا شاهدان: أحدهما: التأكيد بأجمع غير مسبوق بكل. وثانيهما: الفصل بين المؤكد، وهو الدهر، وبين المؤكد، وهو أجمعا، بجملة أبكي. وبهذا استشهد ابن هشام في المغني.
قال ابن عبد ربه في العقد الفريد: نظر أعرابي إلى امرأة حسناء، ومعها صبي يبكي، فكلما بكى، قبلته، فأنشأ يقول هذا الرجز.
وقوله: يا ليتني الخ، يا حرف تنبيه، ومرضع اسم مفعول من أرضعته إرضاعا. وجملة: تحملني الذلفاء صفة ثانية. ويجوز أن تكون حالا من ضمير مرضع، ويجوز أن تكون خبرا ثانيا لكنت.
والذلفاء بفتح الذال المعجمة وبعد اللام الساكنة فاء: وصف مؤنث أذلف، من الذلف، وهو صغر الأنف، واستواء الأرنبة. ويحتمل أنه اسم امرأة منقول من هذا. وأكتع قال صاحب الصحاح: يقال إنه مأخوذ من قولهم: أتى عليه حول كتيع، أي: تام.
وقوله: أربعا، أي: تقبيلا أربعا. وظللت بكسر اللام، وظل بمعنى استمر من أخوات كان، التاء اسمها، وجملة أبكى في موضع نصب خبرها، والدهر ظرف لأبكي. وجملة إذن ظللت الخ، جواب لشرط محذوف، أي: إن حصل ما تمنيته استمررت في البكاء حتى تستمر الذلفاء تحملني، وتقبلني، كلما بكيت.
وزعم العيني أن التقدير: إن لم يكن الأمر كذا إذن ظللت الخ. ولا يخفى أن هذا عكس مراد الشاعر.
وأنشد بعده: الرجز
قد صرت البكرة يوما أجمعا
لما تقدم قبله: قال ابن جني في إعراب الحماسة: هذا شاذ، وإن لم يكن مصنوعا فوجهه عندي أن أجمع هذه ليست التي تستعمل للتأكيد، أعني التي مؤنثها جمعاء، ولكن التي في قولك: أخذت الماء بأجمعه وأمعه، بفتح الميم وضمها، أي: بكليته، فدخلو العامل عليها ومباشرته إياها، يدل على أنها ليست التابعة للتوكيد، فذلك قوله: يوما أجمعا، أي: يوما بأجمعه، ثم حذف حرف الجر، ثم أبدل الهاء ألفا فصار أجمعا. انتهى.
وقال العيني: الرواية الصحيحة:
قد صرت البكرة يوما أجمع
على أن يوما من غير تنوين، وأصله يومي، فالألف منقلبة عن ياء المتكلم، فأجمع توكيد للمعرفة.
أقول: إن كان يومي ظرفا، فلم لم ينصب أجمع، وإن كان غير ذلك فما هو، مع أن ما قبله عنده:
إنا إذا خطافنا تقعقعا
وهذا من الرجز الذي لا يجوز اختلاف قوافيه. وهذا التوجيه تعسفه ظاهر ككلام ابن جني.
وقد استدل الكوفيون بأبيات أخر، منها قوله: البسيط
لكنه شاقه أن قيل ذا رجب ... يا ليت عدة حول كله رجب
ومنها قوله: الوافر
ثلاث كلهن قتلت عمدا
ومنها قوله: الرجز
إذا القعود كر فيها حفدا ... يوما جديدا كله مطردا
ومنها قوله: المتقارب
زحرت به ليلة كلها ... فجئت به مودنا خنفقيقا
قال ابن الأنباري في مسائل الخلاف: أجاب البصريون عن هذه الأبيات بأن الرواية في الأول يا ليت عدة حولي بالإضافة إلى الياء. وعن الثاني بأن كلهن بدل من ثلاث، أو جملة كلهن قتلت خبر عن الثلاث. وعن الثالث بأن كله بالرفع لتوكيد الضمير في جديد. وأما قد صرت البكرة يوما أجمعا فمجهول. لا يعرف قائله.
هذا كلامه، وهو مبني على الطعن في روايتهم، وهذا لا يجوز، لأنهم ثقات.

(2/168)


ثم قال: وأما قول الكوفيين بأن اليوم مؤقت، فيجوز أن تقعد بعضه، والليلة مؤقتة فيجوز أن تقوم بعضها، فإذا أكدت صح معنى التأكيد. قلنا: هذا لا يستقيم، فإن اليوم، وإن كان مؤقتا، إلا أنه لم يخرج عن كونه نكرة شائعة، وتأكيدها بالمعرفة لا يجوز، لأن تأكيد ما لا يعرف لا فائدة فيه. انتهى.
أقول: ادعاؤه عدم الاستقامة ممنوع، والفرق ظاهر، فإن التأكيد باعتبار أجزاء اليوم، والليلة ليشمل جميعها، والشيوع باعتبار جنس اليوم والليلة، فأين هذا من ذاك.
وقد أشار الشارح المحقق إلى ما ذكرنا، والله أعلم.
وقد تقدم شرح هذا البيت في الشاهد الخامس والعشرين من أوائل الكتاب.
وأنشد بعده، الشاهد الرابع والستون بعد الثلاثمائة الطويل
أولاك بنو خير وشر كليهما ... جميعا ومعروف ألم ومنكر
على أن حمل كليهما فيه على البدل عند أهل المصرين أولى؛ لأن خيرا وشرا ليسا بمؤقتين.
قال ابن جني في إعراب الحماسة: الوجه في قوله: بنو خير وشر كليهما أن لا يكون كليهما تأكيدا، لكن يكون بدلا من خير وشر، حتى كأنه قال: بنو كل خير وشر؛ فقد يضاف إلى المفرد المعطوف عليه مثله بالواو في ضرورة الشعر، كما قال: الطويل
كلا السيف والساق التي ضربت به ... على دهش ألقاه باثنين صاحبه
وإنما جاز ذلك من حيث كان ما عطف بالواو بمنزلة ما جمع في لفظة واحدة. ألا تراك تقول: زيد وعمرو أخواك، فإن أخبرت عنهما جميعا، قلت: اللذان هما أخواك زيد وعمرو، فتأتي بضميرهما جزءا واحدا، وكان أحدهما على صاحبه معطوفا. وكذلك: زيد وعمرو مررت بهما. انتهى.
وهذا البيت آخر أبيات أربعة لمسافع بن حذيفة العبسي، مذكورة في باب المراثي من الحماسة، وهي:
أبعد بني عمرو أسر بمقبل ... من العيش أو آسى على إثر مدبر
وليس وراء الشيء شيء يرده ... عليك إذا ولى سوى الصبر فاصبر
سلام بني عمرو على حيث هامكم ... جمال الندي والقنا والسنور
أولاك بنو خير ............... ... .................... البيت
قوله: أبعد بني عمرو الخ، الهمزة للاستفهام الإنكاري، وأسر بالبناء للمفعول من السرور، ومقبل بمعنى آت، ومدبر بمعنى ذاهب، وآسى: مضارع أسي من باب تعب بمعنى حزن.
وقوله: سوى الصبر استثناء منقطع، لأن الصبر ليس من الشيء الراد الفائت في شيء. يقول: أأسر بعيش مقبل، أو زمن مساعد، بعد أن فجعت بهؤلاء؛ أو أحزن في إثر فائت، أو أجزع لتولي مدبر، وليس وراء الشيء الفائت شيء يرده عليك، فالأولى أن تتمسك بالصبر وتعتصم به، فاصبر.
وقوله: سلام بني عمرو الخ، سلام مبتدأ، وجاز الابتداء به لتضمنه الدعاء. وخبره قوله: على حيث هامكم.
قال ابن جني في إعراب الحماسة هامكم مبتدأ محذوف الخبر، من جملة مجرورة الموضع بإضافة حيث إليها، أي: حيث هامكم متصورة، أي: موجودة. ومثله قولهم: جئتك إذ ذاك، أي: إذ ذاك كذاك، فحذف الخبر من الجملة المجرورة الموضع بإضافة إذ إليها. انتهى.
وذكر الهام على عادة العرب، في زعمهم أن عظام الموتى تصير هاما تطير. وبني عمرو: منادى بحرف النداء المحذوف. وجمال الندي منصوب على المدح. وقال ابن جني: نصب جمال الندي، لأنه بدل من بني عمرو. والندي بتشديد الياء: المجلس، لغة في النادي.
وقال ابن جني: لام الندي واو، لأنه فعيل من الندوة، وهي موضع جلوس النادي والندي. انتهى.
والقنا: جمع قناة، وهي الرمح. والسنور بفتح السين والنون والواو المشددة: لبوس من قد كالدرع. يعني أنهم جمال المجالس يوم الجمع، وزين السلاح غداة الروع.
وقوله: أولاك الخ، هو مبتدأ، لغة في أولئك؛ وبنو خبر المبتدأ. أراد أنهم ملازمون لفعل الخير والشر مع الأصدقاء والأعداء، كما يقال: فلان أخو الحرب. وجميعا: حال مؤكدة لصاحبها. وقوله: معروف هو بالجر معطوف على خير، وكذلك منكر. والمعروف: الجميل الظاهر، وضده المنكر، فهما أخص من الخير والشر، فإن الخير قد يكون ظاهره شرا كالدواء المر. والشر قد يكون ظاهره خيرا كهوى النفس. وألم بمعنى نزل وعرض والجملة صفة معروف، ومثله مقدر بعد منكر.

(2/169)


ومسافعل، بضم الميم وكسر الفاء، ابن حذيفة بالتصغير، العبسي بالباء الموحدة، وهو شاعر فارس من شعراء الجاهلية.
؟البدل
أنشد فيه، الشاهد الخامس والستون بعد الثلاثمائة وهو من شواهد سيبويه: البسيط
يا مي إن تفقدي قوما ولدتهم ... أو تخلسيهم فإن الدهر خلاس
عمرو وعبد مناف والذي عهدت ... ببطن عرعر: آبي الظلم عباس
على أن قوله: عمرو وعبد مناف والذي بدل مقطوع من قوماص.
وما نقله الشارح من سيبويه إلى الشعر، هو نص عبارته بحروفه.
قال ابن خلف: الشاهد فيه رفع عمرو وما بعده بالابتداء، كأنه قال: منهم أو من القوم الذين فقدوا، أو يكون خبر مبتدأ، كأنه قال: بعضهم. ولو نصبت على البدل من القوم لجاز. وعباس بدل من آبي، وآبي بدل من الذي، ولو أبدلت فسد الكلام، لأنا إذا نصبنا، وجب أن ينصب الذي هو بدل منه، فكنا نقول: عباسا.
وقوله: تخلسيهم بالبناء للمفعول، أي: يؤخذون منك بغتة، فإن الدهر من شأنه أن يؤخذ فيه الشيء بغتة. وعرعر: مكان. ويروى: ببطن مكة. وأراد بعمرو عمرو بن عبد مناف بن قصي، وهو هاشم بن عبد مناف، وسمي هاشما لهشمه الثريد لقومه في مجاعة أصابتهم.
والعباس هو ابن عبد المطلب، وإنما قال ولدتهم لما بين هذيل وقريش من القرابة في النسب والدار، لأنهم كلهم من ولد مدركة بن الياس بن مضر.
وقوله: والذي عهدت الضمير يرجع إلى مي، وعدل عن خطابها وأخبر عنها باللفظ الذي يكون للغائب، أراد الذي عهدت، فلم يستقم له. ومي: مرخم مية.
وهذان البيتان مطلعا قصيدة لأبي ذؤيب الهذلي، عدتها خمسة عشر بيتا أوردها أبو سعيد السكري في أشعار الهذليين، وبعدهما:
يا مي إن سباع الأرض هالكة ... والغفر والأدم والآرام والناس
الغفر بضم الغين وسكون الفاء: ولد الوعل، ونقل شارح شواهد المفصل عن صاحب المقتبس، أنه القفز بالقاف والفاء والزاي المعجمة، وهو جمع أقفز، وهو من الخيل المحجل من يديه لا رجليه. وهذا تحريف قطعا.
ونقل أيضا عن صاحب الإقليد أنه العفر بعين مهملة، وهو جمع أعفر، وهو الأبيض. وليس بشديد. وظبية عفراء يعلو بياضها حمرة؛ وهي قصار الأعناق.
والأدم بالضم من الظباء: بيض تعلوهن خطوط فيهن غبرة تسكن الجبال، يقال: ظبية أدماء وظبي آدم. والآرام: الظباء البيض الخالصة البياض، الواحد رئم بالهمز، وهي تسكن الرمل.
تالله لا يعجز الأيام مبترك ... في حومة الموت رزام وفراس
لا يعجز: لا يغلب. والمبترك: الأسد، من ابتركه إذا صرعه وجعله تحت بكره، وهو الصدر. وأغرب الكرماني في شرح شواهد الموشح ورواه المنتزك بالنون والزاي المعجمة، أي: الذي له نيزك، أي: رمح قصير، كأنه فارسي معرب. وحومة الموت: الموضع الذي يدور فيه الموت لا يبرح منه والرزام بتقديم المهملة: الصراع، يقال: رزم به، إذا صرعه. والفراس: الذي يدق الأعناق؛ ومنه فريسة الأسد، لأنه يدق عنقها.
يحمي الصريمة أحدان الرجال له ... صيد ومستمع بالليل هجاس
قال السكري: الصريمة ها هنا: موضع. وأحدان الرجال: ما انفرد من الرجال. وقال غيره: الصريمة: رملة فيها شجر، حماها من أن يدخلها أحد خوفا منه. وأحدان الرجال: الذين يقول أحدهم: أنا الذي لا نظير لي في الشجاعة والبأس. يقول: هذا الأسد يصيد هؤلاء الذين يدلون بالشجاعة.
وهذان البيتان أيضا استشهد بهما سيبويه على جري الصفات على ما قبلها مع ما فيها من معنى التعظيم، ولو نصب لجاز. هجاس: يهجس. وروى بدله: هماس من الهمس. قال النحاس: هماس: دقاق للرقاب مكسر لها.
قال ابن خلف: وأحدان الرجال يروى بالرفع والنصب، فمن رفع قال: أحدان مبتدأ، وصيد خبره، ومن نصب جعله مفعول يحمي، كأنه قال: يحمي الصريمة من أحدان الرجال، فصيد على هذا مبتدأ وله خبره. ومستمع، وروى بدله: مجترئ: خبر مبتدأ محذوف، أي: وهو مستمع، أو هو معطوف على رزام، وهو الوجه الذي رواه سيبويه، والشاهد على أنه عطف هماس. قال النحاس: ويجوز نصب مجترئ على أعني.
يا مي لا يعجز الأيام ذو حيد ... بمشمخر به الظيان والآس
روى صدره صاحب المفصل:
لله يبقى على الأيام ذو حيد

(2/170)


على أن اللام في لله هنا للقسم والتعجب معا. وتبعه صاحب المغني. ورواه صاحب الجمل تالله يبقى بالمثناة الفوقية. قال ابن السيد: ويروى بالباء الموحدة، وكلاهما قسم فيه معنى التعجب.
وقال اللخمي: ورواية سيبويه لله باللام. وقوله: يبقى جواب القسم بتقدير لا النافية، ويعني بقوله ذو حيد الوعل.
قال المبرد: الحيد بفتحتين: الروغان والفرار. والمشهور حيد بكسر المهملة وفتح المثناة التحتية، جمع حيدة، كحيض جمع حيضة. وهذه رواية ثعلب والسكري.
قال اللخمي: قوله ذو حيد يروى بفتح الحاء وكسرها، فمن رواه بالفتح فهو اعوجاج يكون في قرن الوعل، وقيل: إنه مصدر من حاد يحيد حيدا، وأصله السكون فلما اضطر حرك الياء، ومعناه الروغان. وقيل: هو جمع حيدة، وهي العقدة التي تكون في قرنه. وقيل: الحيد القوة.
ومن روى حيدا بالكسر فهي نتوءات، والواحدة حيدة. ويروى: ذو جيد بالجيم، وهو جناح مائل من الجبل، وقيل: يعني به الظبي. والوعل: التيس الجبلي، ويقال للأنثى: أروية بضم الهمزة وتشديد الياء، وربما قالوا وعلة. انتهى.
وزعم الدماميني في الحاشية الهندية أن حيدا بكسر الحاء جمع حيدة بفتحها، كبدر جمع بدرة، وهي الحرف الناتئ في عرض الجبل لا في أعلاه. هذا كلامه، وهذا غير مناسب للمقام. والمشمخر: الجبل الطويل، وقيل: العالي. والباء بمعنى في. والظيان بفتح المعجمة وتشديد المثناة التحتية: ياسمين البر، وقيل الرمان الجبلي. والآس، قال ابن السيد: هو الريحان، وقيل الآس: أثر النحل إذا مرت فسقط منها بعض نقط من العسل، حكاه الشيباني.
وقال صاحب كتاب العين: هو شيء من العسل. وأوضحه ابن المستوفي في شرح شواهد المفصل فقال: هو نقط من العسل تقع من النحل على الحجارة، فيستدلون بتلك النقط على مواضع النحل.
وقال اللخمي: الآس هنا بقية العسل في موضع النحل، كما سمي بقية التمر في الجلة قوسا، وباقي السمن في النحي كعبا، وقالوا للقطعة من الأقط ثور. والآس في غير هذا: المشموم. قال ابن دريد: وهو دخيل في كلام العرب، إلا أنهم قد تكلموا به.
وقوله: على الأيام حال على حذف مضاف، أي: على تعاقب الأيام أو على مرورها، أي: لا يبقى ذو حيد والأيام متعاقبة عليه. وقوله: بمشمخر صفة لذي حيد. وكذلك قوله به صفة لمشمخر. والظيان فاعل به. ووقع في رواية سيبويه تركيب مصراعين من بيتين هكذا:
يا مي لا يعجز الأيام ذو حيد ... في حومة الموت رزام وفراس
يحمي الصريمة ......... ... ........................ البيت
قال السيرافي: وقع في البيت الأول من هذين غلط من كتاب سيبويه، لأن قوله: ذو حيد: وعل، ورزام وفراس: أسد، والصواب الذي حملته الرواة:
يا مي لا يعجز الأيام ذو حيد ... بمشمخر به الظيان والآس
والقصيدة لأبي ذؤيب الهذلي كما ذكرنا، وقد أثبتها له السكري في أشعار الهذليين، وتقدمت ترجمته في الشاهد السابع والستين.
ووقع هذا الشعر في كتاب سيبويه معزوا لمالك بن خالد الخناعي بضم الخاء المعجمة وتخفيف النون: بطن من هذيل، وهو خناعة بن سعد بن هذيل بن مدركة ابن إلياس بن مضر.
وقال اللخمي: وبعضهم روى هذا الشعر لأمية بن أبي عائذ الهذلي.
وأنشده الزمخشري في المفصل لعبد مناف الهذلي.
وقال ابن السيد: وروي للفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب.
وقال ابن المستوفي في شرح شواهد المفصل: ورواه أبو الحسن الأخفش لأبي زبيد الطائي. والله أعلم.
وأنشد بعده:
أقسم بالله أبو حفص عمر
تقدم شرحه قريبا.
وأنشد بعده، الشاهد السادس والستون بعد الثلاثمائة الوافر
فلا وأبيك خير منك أني ... ليؤذيني التحمحم والصهيل
على أن خير بالجر بدل من أبيك بتقدير الموصوف، أي: رجل خير منك وهذا البدل بدل كل من كل. ومع اعتبار الموصوف يكون الإبدال جاريا على القاعدة، وهي أنه إذا كان البدل نكرة من معرفة يجب وصفها، كقوله: بالناصية. ناصية كاذبة. وهذا على رواية الجر.
وفيه رواية أخرى، وهي رفع خير، قال أبو الحسن الأخفش في شرح نوادر أبي زيد. ومن روى خير منك بالرفع، فكأنه قال: هو خير منك.

(2/171)


وهذا البيت من أبيات سبعة لشمير بن الحارث الضبي، رواها أبو زيد في نوادره. وهي في رواية ابن الأعرابي خمسة بحذف الثالث والسابع.
وهذه رواية أبي زيد:
دعوت الله حتى خفت أن لا ... يكون الله يسمع ما أقول
ليحملني على فرس فإني ... ضعيف المشي للأدنى حمول
أحب الخيل إن لامت عليه ... إناث الخيل والذكر الطويل
ينعم بال عيني أن أراه ... أمام البيت محجره أسيل
فإن فزعوا فزعت وإن يعودوا ... فراض مشيه عتد رجيل
فلا وأبيك خير منك إني ... ليؤذيني التحمحم والصهيل
ولست بنأنأ لما التقينا ... تهيبني الكريمة والأفيل
قال أبو حاتم: يسمع، أي: يجيب، ومنه: سمع الله لمن حمده. وقوله: ليحملني علة لدعوت. وقوله: ضعيف المشي رواه أبو حاتم ضعيف المتن وحمول: خير ثان لإن.
وقوله: أحب الخيل إن لامت عليه، هو مثل قولك: أقوم إن قام زيد. ولامت من اللوم، فاعله ضمير امرأته ونحوها.
قال أبو علي: أي: لامت على حبسه، وفي لامت ضمير فاعلة أضمرت لدلالة الحال عليه. انتهى وفيه شاهد، وهو رجوع الضمير المذكر على الخيل. وقوله: إناث الخيل هو خبر مبتدأ محذوف، أي: الذي أحب أو ما أحب، إناث الخيل. وقوله: الذكر الطويل، أي: طويل الظهر.
وقوله: ينعم الخ، من التنعم وهو الترفه، يقال: نعمه تنعيما، أي: رفهه، وفاعله قوله أن أراه، والهاء ضمير الذكر الطويل. وروى ابن الأعرابي في نوادره ينعم بال نفسي. وعليه فالبال بمعنى الخاطر والقلب.
وجملة: محجره أسيل: حال منه. والمحجر، كمجلس، بتقديم الحاء على الجيم: ما حول العين، أراد أسفل العين، وهو الخد، لأنه يقال أسيل الخد إذا كان لين الخد طويله. وكل مسترسل أسيل أيضا.
وقوله: فإن فزعوا فزعت الفزع الإغاثة والنصر. ويعودوا في رواية أبي زيد بالعين، وفي رواية ابن الأعرابي بالقاف.
وقوله: فراض مشيه روي برفع مشيه على أنه مبتدأ أول وراض خبره، أي: ذو رضا، كقوله: عيشة راضية وليل نائم.
وروي بنصب مشيه براض، فراض خبر مبتدأ محذوف، أي: فأنا راض مشيه. كذا قال الأخفش فيما كتبه على نوادر أبي زيد.
وفرس عتد بفتحتين وبفتح فكسر: المعد للجري. قال ابن السكيت: هو الشديد التام الخلق. والرجيل بالجيم، هو من الخيل الذي لا يحفى، وقيل الذي لا يعرق. وروى ابن الأعرابي في نوادره:
فإن فزعوا فزعت وإن يقودوا ... فراض مشيه حسن جميل
وعلى هذا تقديره: فأنا راض، ومشيه: مبتدأ، وحسن: خبره.
وقوله: فلا وأبيك خير منك الكاف في أبيك ومنك مكسورة، خطاب للمرأة التي لامته على حب الخيل، على طريق الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، ولا نفي لما زعمته، والواو للقسم. وجملة: إني ليؤذيني الخ، جواب القسم. واختلفوا في معناه، فقال أبو الفضل: قوله: ويؤذيني، أي: يغمني، وليس هو لي في ملك.
وقال أبو حاتم والفارسي: أي ليؤذيني فقد التحمحم. وفي هذا حذف مضاف، ورواه ابن الأعرابي في نوادره: وتبعه ابن دريد ليؤذينني بنونين، قال: يؤذينني، أي: يعجبني، من أذنت له.
قال أبو محمد الأسود الأعرابي فيما كتبه على نوادر ابن الأعرابي وسماه ضالة الأديب: وصوابه ليؤذيني التحمحم من الإيذاء، أي: فقدان التحمحم، فحذف.
والتحمحم: صوت الفرس إذا طلب العلف. يقال: حمحم الفرس وتحمحم. وصهيل الفرس: صوته مطلقا، فهو من عطف العام على الخاص.
وقوله: ولست بنأنأ الخ، النأنأ بنونين وهمزتين على وزن جعفر، هو الضعيف من الرجال. يقال: نأنأ في رأيه نأنأة، إذا ضعف فيه.
وقوله: تهيبني أصله بتاءين، مضارع تهيبه، أي: هابه، وفيه قلب، أي: لا أهاب الكريمة من الإبل أن أعقرها للضيف ولا يتعاظمني ذلك. والأفيل، قال أبو زيد: هو الأفتاء من الإبل. وقال الأصمعي: ابن تسعة أشهر أو ثمانية.
وفي العباب: الأفيل: ابن المخاض وابن الليون، والأنثى أفيلة، فإذا ارتفع عن ذلك فليس بأفيل.
وروى بدل الكريمة الكريهة وهي الحرب. قال الأخفش فيما كتبه على نوادر أبي زيد: الذي أختار رواية تهيبني الكريمة يقول: لا يهيبني كبير مالي ولا صغيره إذا ورد ضيف علي. والأفيل: الصغير، هكذا حفظي، وليس له وقت محدود.

(2/172)


ومن روى الكريهة يقول: أنا أقاتل، وأعقر للأضياف الأفيل. ولا أدري لم خص الفيل دون غيره. انتهى.
وشمير بضم الشين المعجمة وفتح الميم وآخره راء مهملة، وهكذا ضبطه أبو زيد. وقال الأخفش فيما كتبه عليه: الذي في حفظي سمير بالسين المهملة. وكذا ضبطه الصاغاني في العباب بالمهملة، وقال: وهو شاعر جاهلي. والله أعلم.
وأنشد بعده:
العائذات الطير
وهو قطعة من بيت للنابغة الذبياني، وهو: البسيط
والمؤمن العائذات الطير يمسحها ... ركبان مكة بين الغيل والسند
وقد تقدم شرحه في الشاهد السابع والأربعين بعد الثلاثمائة.
وأنشد بعده: الوافر
أنا ابن التارك البكري بشر
وتمامه:
عليه الطير ترقبه وقوعا
وتقدم شرحه هذا أيضا في الشاهد التاسع والتسعين بعد المائتين.
وأنشد بعده، الشاهد السابع والستون بعد الثلاثمائة البسيط
إنا وجدنا بني جلان كلهم ... كساعد الضب لا طول ولا قصر
على أنه يجوز ترك وصف النكرة المبدلة من المعرفة، إذا استفيد من البدل ما ليس في المبدل منه كما هنا، فإن قوله: طول المنفي بدل من ساعد الضب، ومعنى الطول وما عطف عليه موجود في ساعد الضب.
وفيه شاهد آخر، وهو إبدال النكرة من المعرفة والنكرة بغير لفظ المعرفة. قال ابن جني في إعراب الحماسة عند قول الماسي: الكامل
نهل الزمان وعل غير مصرد ... من آل عتاب وآل الأسود
غير أنه أعاد العامل معه وهو الجار. وبهذا استدللنا على أن البدل من جملة غير الجملة التي منها المبدل. وهو كثير في القرآن والشعر. وأكثر ما يعاد العامل مع البدل إذا كان العامل جارا من حيث صار الجار مع ما جره بمنزلة الجزء الواحد. نعم وأبد النكرة من المعرفة والنكرة بغير لفظ المعرفة.
وهذا شيء يأباه البغداديون ويقولون: لا تبدل النكرة من المعرفة حتى يكونا من لفظ واحد، نحو قوله تعالى: بالناصية. ناصية كاذبة خاطئة. ورد ذلك أبو الحسن بما أنشده من قول الشاعر:
إنا وجدنا بني جلان كلهم ... ................... البيت
ومثله ما أنشده أبو زيد:
فلا وأبيك خير منك إني ... .................. البيت
انتهى.
وإنما أوله الشارح المحقق بقوله: أي لا ذي طول، ولا ذي قصر، ليصح جعله بدل كل من كل، إذ لولا التأويل لكانا متغايرين. وإنما لم يجعف لا طول بأحد التأويلات الثلاثة صفة كقوله أبيك، لتخالف الموصوف والصفة فيهما تعريفا وتنكيرا، فلو كان معرفا لكان صفة، كما في قول أبي خراش الهذلي لامرأته وكانت تسأله الطلاق: الطويل
فلا وأبيك الخير لا تجدينه ... جميل الغنى ولا صبورا على العدم
يقول: إن تزوجت زوجا لا تجدينه متعففا ولا يصبر على العدم بالضم، أي: الفقر.
وجلان بكسر الجيم وتشديد اللام، علم لا ينصرف. قال الأصمعي في شرح هذا البيت من شعر ذي الرمة: البسيط
وبالشمائل من جلان مقتنص ... رذل الثياب خفي الشخص منزرب
الشمائل: جمع شمال. وجلان: قبيلة من عنزة، وهم رماة. ورذل الثياب: خلقها. وخفي الشخص بمعنى ضئيل الشخص خلقة. والمنزرب: الداخل في الزرب، وهو قترة الصائد. يقال: انزرب، إذا دخل. انتهى.
وعنزة حيان أحدهما عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار. وثانيهما: عنزة بن عمرو بن عوف بن عدي بن عمرو بن مازن بن الأزد. ولا أعرف عنزة المنسوب إليها جلان، أي العنزتين.
وقوله: كلهم تأكيد لبني جلان، لا لجلان. وقوله: كساعد الضب. الساعد: ذراع اليد. والضب ساعد جميع أفراده على مقدار معين خلقة لا يزيد ساعد فرد من أفراده طولا على ساعد فرد آخر، وكذلك لا ينقص عن ساعد فرد آخر، بخلاف سائر الحيوانات فإن بين ساعد أفرادها تفاوتا في الطول والقصر بحسب الجثة.
وهذا ينبغي أن يكون من الأمثال في الأشياء المتساوية، كقولهم: هم كأسنان المشط، لكني لم أره في كتب الأمثال. أراد أن جلان متساوون في فضيلة رشق السهام، لا يرتفع أحدهم على الآخر فيها ولا ينحط عنه.
وهذا البيت لم أقف على قائله. والله أعلم.
وأنشد بعده:
فلا وأبيك خير منك

(2/173)


البيت السابق ذكره آنفا لما تقدم في البيت قبله. لكن قدم الشارح المحقق أنه بتقدير رجل خير منك؛ فالبدل إنما هو النكرة الموصوفة، غايته أنه حذف الموصوف وبقيت صفته.
ويمكن أن يقال: ما تقدم لأجل جمود البدل لا لأجل وصف النكرة المبدلة، فإن اشتراط الوصف مذهب الكوفيين.
قال السمين عند قول صاحب الكشاف في قوله تعالى: ناصية كاذبة: جاز إبدال النكرة من المعرفة لأنها وصفت، فاستقلت بفائدة. قلت: هذا مذهب الكوفيين لا يجيزون إبدال نكرة من غيرها إلا بشرط وصفها، أو كونها بلفظ الأول. ومذهب البصريين: لا يشترط شيء.
وأنشدوا:
فلا وأبيك خير منك ... ... ................... البيت
انتهى وقال ابن عقيل في شرح التسهيل: ولم يشترط البصريون في إبدال المعرفة من النكرة، والنكرة من المعرفة اتحاد لفظ، ولا وجود وصف. ونقل ابن مالك عن الكوفيين أنهم لا يبدلون النكرة من المعرفة إلا إن كانت من لفظ الأول، ونسب هذا بعض النحويين لنحاة بغداد. ونقل عن الكوفيين أيضا أنهم لا يفعلون ذلك وعكسه إلا بالشرط المذكور. وكلام الكوفيين على خلاف هذا.
قال الكسائي والفراء في قتال فيه إنه على نية عن، وصرح بعن في قراءة عبد الله. وأجاز الفراء في هرون أخي كونه مترجما لوزيرا. قال: فيكون نصا للتكرير.
ونقل أيضا عن الكوفيين والبغداديين اشتراط وصف النكرة المبدلة من المعرفة، وتابعهم السهيلي وابن أبي الربيع.
ونقل عن بعض الكوفيين في إبدال النكرة المبدلة من النكرة اشتراط وصف المبدلة.
ويدل للبصريين حدائق وأعنابا، وقوله: الطويل
فألقت قناعا دونه الشمس واتقت ... بأحسن موصولين كف ومعصم
وقوله:
فلا وأبيك خير منك ... ... ................... البيت
انتهى وأنشد بعده: الطويل
لحافي لحاف الضيف والبرد برده
هذا صدر بيت، وعجزه:
ولم يلهني عنه غزال مقنع
على أن اللام قد تنوب عن الضمير كما هنا، فإن الأصل وبردي برده. وتقدم شرح هذا البيت في الشاهد الثالث والتسعين بعد المائتين.
وأنشد بعده، الشاهد الثامن والستون بعد الثلاثمائة الرجز
أوعدني بالسجن والأداهم ... رجلي ورجلي شثنة المناسم
على أن قوله: رجلي بدل بعض من ياء المتكلم في أوعدني.
هذا هو الظاهر. وعليه اقتصر الفراء في تفسيره عند قوله تعالى: " للذين اتقوا عند ربهم جنات " .
واستشكلت البدلية بأن الرجل لا توعد بالسجن. وأجيب بأنها لما كانت سببا للدخول ناسب إيعادها بذلك.
وفيه وجوه ثلاثة: أحدها: ما قاله ابن السيد في شرح أبيات أدب الكاتب، وهو أنه يجوز أن يكون رجلي مفعولا ثانيا، حذف منه حرف الجر اختصارا، كأنه أراد: لرجلي.
وثانيها: ما قاله أبو حيان في تذكرته ومن خطه نقلت، وهو أن يكون رجلي منادى على طريق الاستهزاء بالموعد.
ثالثها: ما نقله ابن السيرافي في شرح أبيات إصلاح المنطق عن بعضهم، وهو أن تكون الأداهم معطوفة على السجن، ورجلي معطوفة على ضمير المتكلم، أي: أوعدني بالسجن وأوعد رجلي بالأداهم، كما تقول: ضربني بالعصا والسوط ظهري، تريد ضربني بالعصا، وضرب ظهري بالسوط، ويكون على هذا من باب عطف معمولين على معمولي عاملين مختلفين.
ورجلي الثانية مبتدأ شثنة خبرها، وأتى بها ظاهرة غير مضمرة تعظيما لأمرها وإشادة بذكرها، أو لأنها وقعت في جمله ثانية. والواو للحال، وروي فرجلي بالفاء على السببية. والشثنة: الغليظة الخشنة، يقال: في صفة الأسد: شثن البراثن.
قال العيني: ويجوز أن يكون بتقديم النون على المثلثة، من شنست مشافر البعير، أي: غلظت من أكل الشوك. والمناسم: جمع منسم كمجلس، وهو طرف خف البعير، استعاره للإنسان. وحسن ذلك ها هنا لما ذكره من جلده وقوته، وبذلك يصفون أنفسهم.
وقال ابن السيرافي: المنسم: أسفل خف البعير، ولا يستعمل لغيره إلا في ضرورة شعر. وأرد بالمناسم هنا باطن رجليه. يقول: رجلي غليظة لا تألم لجعلها في القيد. هذا كلامه، وهذه الإرادة غير ظاهرة. والأداهم: جمع أدهم، وهو القيد. والسجن بالكسر: اسم للمحبس، والمصدر بالفتح. يقال: سجنته سجنا من باب قتل. وأوعده بكذا بمعنى هدده به.

(2/174)


قال الخطيب التبريزي في شرح إصلاح المنطق: قال الفراء: يقال وعدته خيرا ووعدته شرا بإسقاط الألف، فإذا أسقطوا الخير والشر، قالوا في الخير وعدته، وفي الشر أوعدته. فالوعد والعدة في الخير، والإيعاد والوعيد في الشر. فإذا قالوا أوعدته بكذا أثبتوا الألف مع الباء. وأنشد:
أوعدني بالسجن والأداهم ... ................ البيت
انتهى وقال ثعلب في أماليه: يقال: وعدته خيرا وشرا، وإذا لم يذكر الخير ولا الشر قيل في معنى الخير وعدته، وفي الشر وعدته، وفي بعض اللغات أوعدته بالشر. وأنشد هذا البيت.
وفيه مخالفة للفراء فيما إذا لم يذكر الموعود به، فإنه إذا أريد المكروه زيدت الألف.
وثعلب ساوى بين ما إذا أريد الخبر أو المكروه في أنه يقال بلا ألف. قال في الفصيح: وعدت الرجل خيرا، وإذا لم تذكر الشر قلت وعدته وأوعدته بكذا، تعني الوعيد.
قال الإمام المرزوقي في شرح الفصيح: وعدته خيرا وشرا. فإن أطلقت ولم تقيد قلت في الخير وعدت وعدا وعدة وموعدا وموعدة. والميعاد: الوقت، والموضع. وفي الشر أوعدته إيعادا ووعيدا. هذا هو الصحيح.
وقوله: فإذا لم تذكر الشر قلت أوعدته بكذا، قال أبو إسحاق الزجاج: قلت لثعلب: قولك بكذا ينقص ما أصلته؛ لأن وعد بإطلاقه ضمان في الخير، وأوعد ضمان في الشر، ولا حاجة إلى بكذا.
قال أبو علي: ويمكن أن يقال في جوابه بكذا إشارة إلى نوع مما يتوعد به، وإذا كان القصد إلى التنويع احتيج إليه ألا ترى قوله:
أوعدني بالسجن والأداهم
وقول الآخر:
أتوعدني بقومك يا ابن سعدى
والمنكر أن يقال: أوعدني بالشر. فاعلمه. انتهى.
وهذا الشعر بيتان من الرجز المسدس. قال ابن السيد: لا أعلم قائله. وقال ياقوت في حاشية الصحاح، وتبعه العيني: قائله العديل بن الفرخ، وهو شاعر إسلامي في الدولة المروانية، وهو بضم العين وفتح الدال المهملتين. والفرخ، بضم الفاء وسكون الراء وآخره خاء معجمة.
قال ابن قتيبة في كتاب الشعراء: العديل بن الفرخ لقبه العباب، بفتح العين المهملة وتشديد الموحدة الأولى. والعباب: اسم كلبه. وهو من رهط أبي النجم العجلي، وكان هجا الحجاج، وهرب منه إلى قيصر ملك الروم، فبعث إليه: لترسلن به أو لأجهزن إليك خيلا يكون أولها عندك وآخرها عندي ! فبعث به إليه، فلما مثل بين يديه قال: أنت القائل: الطويل
ودون يد الحجاج من أن تنالني ... بساط بأيدي الناعجات عريض
مهامه أشباه كأن سرابها ... ملاء بأيدي الغانيات رحيض
فقال: أنا القائل: الطويل
فلو كنت في سلمى أجا وشعابها ... لكان لحجاج علي دليل
خليل أمير المؤمنين وسيفه ... لكل إمام مصطفى وخليل
بنى قبة الإسلام حتى كأنما ... هدى الناس من بعد الضلال رسول
فعفا عنه وأطلقه.
وأنشد بعده، الشاهد التاسع والستون بعد الثلاثمائة وهو من شواهد س: الوافر
ذريني إن حكمك لن يطاعا ... وما ألفيتني حلمي مضاعا
على أن قوله حلمي بدل اشتمال من الياء في: ألفيتني.
قال ابن جني في إعراب الحماسة: إنما يجوز البدل من ضمير المتكلم وضمير المخاطب إذا كان بدل البعض أو بدل الاشتمال، نحو قولك: عجبت منك عقلك، وضربتك رأسك. ومن أبيات الكتاب:
ذريني إن أمرك لن يطاعا ... .............. البيت
فحلمي: بدل من ني. ولو قلت: قمت زيد، أو مررت بي جعفر، أو كلمتك أبو عبد الله على البدل لم يجز، من حيث كان ضمير المتكلم والمخاطب غاية في الاختصاص، فبطل البدل، لأن فيه ضربا من البيان، وقد استغنى المضمر بتعرفه. انتهى.
وكذلك الفراء في تفسيره عند قوله تعالى: " مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد " . الحلم: منصوب بالإلفاء على التكرير، يعني البدل، ولو رفعه كان صوابا. وأورده أيضا عند قوله تعالى: " ويوم القيامة تري الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة " .

(2/175)


وتبعه الزجاج فيها، ونسبه إلى عدي بن زيد، قال في الآية: ترفع وجوههم ومسودة لأن الفعل قد وضع على الذين، ثم جاء بعد الذين اسم له فعل، فرفعته بفعله وكان فيه معنى نصب. وكذلك فافعل بكل اسم أوقعت عليه الظن، والرأي، وما أشبههما، فارفع ما يأتي بعده من الأسماء إذا كان أفاعيلها بعدها، كقولك: رأيت عبد الله أمره مستقيم. فإن قدمت الاستقامة نصبتها، ورفعت الاسم، فقلت: رأيت عبد الله مستقيما أمره. ولو نصبت الثلاثة في المسألة الأولى على التكرير، كان جائزا، فتقول: رأيت عبد الله أمره مستقيما. وقال عدي بن زيد:
ذريني إن أمرك لن يطاعا ... ............. البيت
فنصب الحلم والمضاع على التكرير.
ومثله:
ما للجمال مشيها وئيدا
فخفض الجمال والمشي على التكرير. فلو قرأ قارئ: وجوههم مسودة على هذا لكان صوابا. انتهى.
وقوله: ذريني خطاب لامرأته، أي: اتركيني ودعيني. وجملة: إن حكمك الخ، مستأنفة للتعليل.
وروى سيبويه: إن أمرك وهو بمعناه. وجملة: ما ألفيتني الخ، معطوفة على الجملة المستأنفة.
وروى العيني: ولا ألفيتني. وألفى بمعنى وجد من أخوات ظن تنصب مفعولين، والتاء المكسورة فاعلها، والنون نون الوقاية، والياء مفعول، وحلمي بدل من الياء. وتساهل النحاس في شرح أبيات سيبويه وتبعه ابن السيد في أبيات المعاني فقالا: حلمي بدل من النون والياء.
ومن العجائب قول العيني: حلمي بدل من النون، وكأنه أراد أن يتبع النحاس فيسقط من قلمه، أو من قلم الناسخ عطف الياء على النون. والحلم بالكسر: العقل.
يقول لها: ذريني من عذلك فإني لا أطيع أمرك، ولا وجدتني سفيها مضيع الحلم، وعقلي يأمرني بإتلاف مالي في اكتساب الحمد. ومضاعا مفعول ثاني لألفى، وهو اسم مفعول من الإضاعة، ولا يصح أن يكون كما زعم بعضهم.
ونقل العيني عن تذكرة أبي حيان بأنه يجوز حلمي مضاع بالرفع على الابتداء والخبر، والجملة مفعول ثان. وفيه أن هذا البيت من قصيدة قوافيها منصوبة. قال ابن السيد: لا يجوز رفعهما؛ لأن القوافي كلها منصوبة.
والبيت نسبه سيبويه لرجل من خثعم أو بجيلة. وتبعه ابن السراج في أصوله. وعزاه الفراء والزجاج إلى عدي بن زيد العبادي، وهو الصحيح.
وكذلك قال صاحب الحماسة البصرية وأورد من القصيدة بعده هذه الأبيات:
ألا تلك الثعالب قد تعاوت ... علي وحالفت عرجا ضباعا
فإن لم تندموا فثكلت عمرا ... وهاجرت المروق والسماعا
ولا ملكت يداي عنان طرف ... ولا أبصرت من شمس شعاعا
وخطة ماجد كلفت نفسي ... إذا ضاقوا رحبت بها ذراعا
قوله: تعاوت تفاعلت من العواء، وهو صياح الكلب والذئب والثعلب. وأراد بالثعالب الذين لاموه على جوده حسدا ولؤما. والثعلب سبع جبان مستضعف، ذو مكر وخديعة، ولكنه لفرط المكر والحيلة، والخبث والخديعة يجري مع كبار السباع.
قال الجاحظ: ومن أشد سلاح الثعلب الروغان، وفي المثل: أروغ من ثعلب. والروغان بالتحريك: مصدر راغ الثعلب يروغ روغا وروغانا، أي: ذهب يمنة ويسرة في سرعة خديعة، فهو لا يستقر في جهة. وحالفت بالحاء المهملة، أي: عاهدت، يقال: تحالفا، أي: تعاهدا وتعاقدا على أن يكون أمرهما واحدا في النصرة والحماية. وبينهما حلف بالكسر، أي: عهد. والحليف: المعاهد.
وضباعا: مفعول حالفت. وعرجا كان في الأصل صفة لضباعا، فلما تقدم صار حالا منه. أي: عاهدت تلك الثعالب من هو أسوأ حالا منها. والضباع بالكسر: جمع ضبع، وهي يضرب بها المثل في حمقها فيقال: أحمق من ضبع.
قال صاحب المصباح: الضبع بضم الباء في لغة قيس، وبسكونها في لغة تميم، وهي أنثى، وقيل: يقع على الذكر والأنثى؛ وربما قيل في الأنثى ضبعة، كما قيل سبع وسبعة بالسكون مع الهاء للتخفيف. والذكر ضبعان والجمع ضباعين، مثل سرحان وسراحين. ويجمع الضبع بضم الباء على ضباع، وبسكونها على الضبع. انتهى.
والعرج: جمع عرجاء، كصفر جمع صفراء. والضبع توصف بالعرج وليس بعرجاء، وإنما يخيل ذلك للناظر. وسبب ذلك التخيل لدونة في مفاصلها، وزيادة رطوبة في الجانب الأيمن على الأيسر منها. كذا في حياة الحيوان للدميري.

(2/176)


ومن الغرائب قول العيني هنا: قوله: تعاوت من عواء الكلب. وقوله: ضباعا جمع ضبع، وهو الحيوان المعروف، وهذا الجمع للذكر والأنثى مثل سباع وسبع.
وقوله: عرجا بفتح العين وكسر الراء صفة للضباع قدمت عليه للضرورة. وتوصف الضباع بالعرج كما توصف بالخمع.
والعرج أيضا يقال: للقطيع من الإبل نحو الثمانين أو المائة والخمسين. فعلى هذا يكون قوله ضباعا بالكسر: جمع ضابع إذا كانت شديدة الجري. هذا كلامه بحروفه. وأي فائدة في تسطيره، ولا يزاد الطالب منه إلا جهالة.
وقوله: فإن لم تندموا الخ، هذا التفات من الغيبة إلى الخطاب. وأراد بالندم الرجوع عن لؤمه، فإن الندم لازمه. وجملة ثكلت دعائية. وعمرو: ابنه. وهاجرت بمعنى قاطعت، من الهجر بالفتح، أي: الترك. والمروق أراد: به الخمر. يقال: خمر مروق. والسماع أراد به آلة الطرب واللهو.
والطرف بالكسر: الكريم من الخيل. والخطة بضم الخاء المعجمة: الحالة والخصلة، وهو مفعول مقدم لكلفت. وذراعا : تمييز محول عن الفاعل. ورحب الذراع واسعها. وبسطها: طولها. وضيق الذراع والذرع قصرها.
ووجهه أن القصير الذراع لا ينال ما يناله الطويل الذراع، ولا يطيق طاقته، فضرب الذي سقطت قوته دون بلوغ الأمر والاقتدار عليه. وبالعكس طول الذراع وبسطها.
وقد تقدمت ترجمة عدي بن زيد مفصلة في الشاهد الستين. وهو شاعر جاهلي.
والعبادي بكسر العين وتخفيف الموحدة، نسبة إلى عباد، وهم قبائل شتى من العرب، اجتمعوا على النصرانية بالحيرة. وزعم الجوهري أنه بالفتح. والصواب ما ذكرنا.
وأنشد بعده، الشاهد السبعون بعد الثلاثمائة وهو من شواهد سيبويه: الكامل
وكأنه لهق السراة كأنه ... ما حاجبيه معين بسواد
على أنه قد يعتبر الأول في اللفظ دون الثاني، أي: يعتبر المبدل منه في اللفظ دون البدل، فإن قوله حاجبيه بدل من ضمير كأنه.
قال ابن السيد في أبيات المعاني وابن خلف: هو بدل اشتمال، وما زائدة.
وقال أبو علي في إيضاح الشعر قوله حاجبيه بدل من الضمير، وما لا تكون إلا زائدة، وقد روعي الضمير المبدل منه في اللفظ بجعل معين مفردا؛ ول روعي الذي هو حاجبيه لقيل معينان بالتثنية.
وقد يقال: إن الحاجبين، لما لزم أحدهما الآخر صار الإخبار عنهما كالإخبار عن الشيء الواحد، وكذا حال ما هو مثنى في البدن، يجوز إفراد خبره وصفته على المعنى، وتثنيته على اللفظ، كقوله: الهزج
لمن زحلوقة زل ... لها العينان تنهل
فأخبر عن العينين بما يكون خبرا عن الواحد. وعليه قول المتنبي: الطويل
حشاي على جمر ذكي من الهوى ... وعيناي في روض من الحسن ترتع
وقال آخر: الكامل
وكأن بالعينين حب قرنفل ... أو سنبلا كحلت به فانهلت
وكان الظاهر أن يقول: كحلتا، فأفرد لأنهما لا يفترقان. ويجوز عكس هذا فيخبر عن الواحد منهما بالتثنية، كقوله: المتقارب
وعين لها حدرة بدرة ... وشقت مآقيهما من آخر
فابتدأ بذكر عين واحدة، ثم أخبر عن الاثنتين.
ومنه قول الآخر على وجه: الوافر
تسائل بابن أحمر من رآه ... أعارت عينه أم لم تعارا
فما استفهم عن الواحدة عطف بالاثنتين في قوله: أم لم تعارا. وقيل: معين مصدر كممزق؛ وإذا أخبر بالمصدر كان موحدا.
هذا وسيبويه إنما أورد البيت للبدل، ولم يذكر ما اعتبره الشارح المحقق. وهذه عبارته: وإن شئت قلت: ضرب عبد الله ظهره، ومطر قومك سهلهم، على قولك: رأيت القوم أكثرهم، ورأيت عمرا شخصه، كما قال:
وكأنه لهق السراة ... .............. البيت
انتهى.
ويجوز أن يكون هذا من قبيل بدل البعض. وما ذكره الشارح المحقق هو كلام أبي علي في إيضاح الشعر، قال في موضع آخر منه: قد جاء الحمل على المبدل منه. قال:
وكأنه لهق السراة ... .............. البيت
فجعل الخبر فيه عن المبدل منه دون البدل.
وقوله: وكأنه لهق الخ، رواه سيبويه فكأنه بالفاء. قال الأعلم: وصف الشاعر ثورا وحشيا سبه به بعيره في حدته ونشاطه، فيقول: كأنه ثور لهق السراة، أي: أبيض أعلى الظهر، أسفع الخدين، كأنما عين بسواد. وكذلك بقر الوحش بيض كلها إلا سفعة في خدودها ومغابنها وأكارعها. انتهى.

(2/177)


وقال ابن خلف: اللهق: البياض. والسراة: أعلى الشيء. وثور الوحش يوصف بأنه لهق السراة. وقيل: إنه يصف جملا وسيره وسرعته، وشبهه بثور وحش في سرعته. والجملة التي هي: كأنه ما حاجبيه الخ، وصف للثور. وترتيب الكلام: كأن هذا الجمل ثور لهق السراة، كأن هذا الثور حاجبيه معين بسواد، يعني أن ما حول حاجبيه وعينيه أسود. والعينة: ما حول العينين، كأنه قال: مسود العينة. انتهى.
وفي العباب: قال الليث: اللهق بالتحريك: الأبيض ليس بذي بريق كاليقق، إنما هو نعت في الثوب والشيب. والبعير الأعيس لهق، والأنثى لهقة، والجمع لهقات ولهاق. ولهق الشيء لهقا، مثل سحق سحقا، ولهق لهقا مثل أرق أرقا، إذا كان شديد البياض. انتهى.
يريد أنه جاء من بابي فتح فتحا وفرح فرحا. والسراة بفتح السين، قال صاحب الصحاح: وسراة كل شيء: ظهره ووسطه. والمعين: بزنة اسم المفعول، ولم يزد صاحب الصحاج على قوله المعين ثور.
وفي القاموس: والمعين كمعظم: ثور بين عينيه سواد، وهو مشتق من العينة بالكسر، وهي مصدر عين عينا من باب فرح وعينة، إذا عظم سواد عينه في سعة. والعينة أيضا من النعجة: ما حول عينيها.
وهذا البيت من أبيات سيبويه الخمسين التي لم يعرف لها قائل.
وأنشد بعده، الشاهد الحادي والسبعون بعد الثلاثمائة الكامل
إن السيوف غدوها ورواحها ... تركت هوازن مثل قرن الأعضب
لما تقدم قبله، فإن قوله غدوها بدل من السيوف.
قال المبرد في الكامل: هو بدل اشتمال، وقد روعي المبدل منه في اللفظ بإرجاع الضمير إليه من الخبر، ولم يراع البدل، ولو روعي لقيل: تركا بالتثنية.
وهذا أيضا كلام أبي علي في إيضاح الشعر فإنه أورد هذا البيت مع البيت الذي قبله لما ذكر. وفيه أن يحتمل أن نصب غدوها على الظرف، كخفوق النجم، وكأنه قال: إن السيوف وقت غدوها ورواحها.
وهوازن: أبو قبيلة، وهو هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس ابن عيلان بن مضر. والأعضب بإهمال العين. قال صاحب العباب: العضباء: الشاة المكسورة القرن الداخل، وهو المشاش.
ويقال: هي التي انكسر أحد قرنيها، وقد عضبت بالكسر، وكبش أعضب بين البعض. وأنشد هذا البيت.
وهو من قصيدة للأخطل عدتها ستة عشر بيتا. مدح بها العباس بن محمد بن عبد الله بن العباس رضي الله عنه، فأعطاه ألف دينار، وكان يقال له المذهب لجماله. روي أنه خرج على فرس له، وعليه مطرف خز، فأشرفت امرأة فنظرت إليه فقالت: ما أحسن هذا ؟! فتقطر به فرسه فمات.
وهذا مطلع القصيدة:
بان الشباب وربما عللته ... بالغانيات وبالشراب الأصهب
ولقد شربت الخمر في حانوتها ... ولعبت بالقينات عف الملعب
وقال في مدحه:
لذ تقبله النعيم كأنما ... مسحت ترائبه بماء مذهب
لباس أردية الملوك تروقه ... من كل مرتقب عيون الربرب
ينظرن من خلل الستور إذا بدا ... نظر الهجان إلى الفنيق المصعب
خضل الكياس إذا تنشى لم تكن ... خلفا مواعده كبرق الخلب
وإذا تعوورت الزجاجة لم يكن ... عند الشراب بفاحش متقطب
اللذ بالفتح: المتلذذ. وتقبله النعيم، إذا استبان عليه. والربرب: جماعة النساء. والهجان من الإبل: كرامها وبيضها. والفنيق: الفحل المتروك لا يركب ولا يحمل عليه. والخضل: الندي والكياس. والتعاور: التداول.
وبعد هذا اقتضب الكلام فقال:
إن السيوف غدوها ورواحها ... .............. البيت
وبعده:
وتركن عمك من غني ممسكا ... بإزاء منخرق كجحر الثعلب
وتركن فل بني سليم تابعا ... لبني ضبينة كاتباع التولب
ألقوا البرين بني سليم إنها ... شانت وإن حزازها لم يذهب
ولقد علمت بأنها إذ علقت ... سمة الذليل بكل أنف مغضب
والخيل تعدو بالكماة كأنها ... أسد الغياطل من فوارس تغلب
وهذا آخر القصيدة.

(2/178)


وقوله: وتركن عمك من غني الخ، غني: قبيلة. قال شارح ديوانه السكري: هذا مثل، يقول: لا شيء بأيديهم، كأنهم تمسكوا بحوض صغير قد ذهب ماءه. وإزاء الحوض: موضع مصب الدلو في مقدمه، فيوضع هناك جحر يصب عليه الماء، أو عباءة، لئلا يثور الطين فيفسد الماء ويكدر.
وقوله: وتركن فل بني سليم، الفل بالفتح: المنهزمون. وسليم بالتصغير. وضبينة، بفتح المعجمة وكسر الموحدة وقبل الهاء نون، هي أم سعد مناة بن غامد بن الأزد، غلبت على نسب ولدها. قاله السكري.
وقوله: ألقوا البرين الخ، ألقوا: أمر من الإلقاء. والبرين: جمع برة بضم الموحدة، وهي ما يخزم به الأنف. وبني سليم: منادى. وذلك أن امرأة من سليم خزمت أنفها لما قتل عمير بن الحباب وحلفت أن لا تنزعها حتى تدرك بثأره.
والغياطل: جمع غيطل، وهو الشجر الكثير الملتف. وتغلب: قبيلة الأخطل. افتخر بفوارس قومه.
وترجمته تقدمت في الشاهد الثامن والسبعين.
وأنشد بعده، الشاهد الثاني والسبعون بعد الثلاثمائة وهو من شواهد سيبويه: الرجز
إن علي الله أن تبايعا ... تؤخذ كرها أو تجيء طائعا
على أن الفعل قد يبدل من الفعل، إذا كان الثاني راجح البيان على الأول كما في البيت. فتؤخذ بدل من تبايع، وتجيء: معطوف على تؤخذ. وهذا البدل أبين من المبدل منه، والبدل في الحقيقة، إنما هو مجموع المعطوف والمعطوف عليه، إذ لا تكون المبايعة إلا على أحد الوجهين من إكراه أو طاعة. وهو كقولهم: الرمان حلو حامض، وإن كان يقال باعتبار اللفظ إن تجيء معطوف على تؤخذ، كما يقال في مثل ذلك من الخبر والحال.
والآية قبل البيت من بدل الكل، قال الخليل: لأن مضاعفة العذاب هي لقي الأثام. والظاهر أن بدل الفعل من الفعل عند الشارح المحقق إنما يكون في بدل الكل، وهو مذهب السيرافي، قال: لا يبدل الفعل إلا من شيء هو في معناه لأنه لا يتبعض ولا يكون فيه اشتمال، فتؤخذ كرها أو تجيء طائعا هو معنى المبايعة، لأنها تقع على أحدهما.
وقد يظهر من كلام سيبويه في باب ما يرتفع بين الجزمين.
وقد جوز المتأخرون الأبدال الأربعة في الفعل، منهم الشاطبي في شرح الألفية قال: يتصور في بدل الفعل من الفعل، ما تصور في بدل الاسم من الاسم فقد يكون فيه بدل الكل من الكل، ومنه قوله: الطويل
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا
وقد يكون فيه بدل البعض كقولك: إن تصل تسجد لله يرحمك. وبدل الاشتمال أيضا، ومنه قوله:
إن على الله أن تبايعا ... ............. البيت
لأن الأخذ كرها، والمجيء طوعا من صفات المبايعة. وظاهر كلام سيبويه يقتضي أنه أنشده شاهدا على بدل الاشتمال؛ لأنه أتى به مع قول الآخر: الطويل
فما كان قيس هلكه هلك واحد
وقول الآخر:
وما ألفيتني حلمي مضاعا
وذلك في باب من أبواب بدل البعض والاشتمال. وإذا ثبت بدل البعض ثبت بدل الاشتمال: لأنه مشبه به، إذ عدوا وصف الشيء كالجزء منه. وقد يكون فيه بدل الإضراب والغلط، نحو إن تطعم زيدا تكسه أكرمك. وقد سأل سيبويه الخليل عن قولك: إن تأتنا تسألنا نعطك، بجزم تسألنا.
فقال: هذا يجوز على أن يكون مثل الأول، لأن الأول الفعل الآخر، تفسير له، وهو هو. يعني ما تقدم في بدل الشيء من الشيء، والسؤال لا يكون الإتيان.
قال: ولكنه يجوز على الغلط والنسيان ثم يتدارك. وقال بعد: فلو قلت إن تأتني آتك أقل ذلك. كان غير جائز، لأن القول ليس بالإتيان، إلا أن تجيزه على ما جاز عليه تسألنا. فهذا نص لجواز بدل الغلط والنسيان. وجواز بدل الإضراب أولى. انتهى كلام الشاطبي.
فإن قلت: بدل الاشتمال والبعض لا بد لهما من ضمير فكيف الحال على قول الشاطبي ؟ قلت: لا يمكن الضمير هنا لظهور أن ذاك خاص بالأسماء، لتعذر عود الضمير على الأفعال. كذا في شرح التوضيح للشيخ خالد.
وقول الشارح المحقق: إذا كان الثاني راجح البيان، مثله في التسهيل قال: ويبدل فعل من فعل موافق في المعنى مع زيادة بيان. انتهى.
ولي يعتبر غيرهما هذا القيد. ولم يتعرض له أصلا أبو حيان في الارتشاف. قيل: والحق عدم اعتباره. وأما اعتبار الموافقة في المعنى فقد اعتبروه، منهما بن معطي، قال: وأبدلوا الفعل من الفعل إذا كان بمعناه.

(2/179)


قال ابن الخباز: إنما يكون ذلك إذا ترادف اللفظان، كقولك من يأت يمش إلي أكلمه ... انتهى.
وهذا عند الشارح المحقق من باب التوكيد كما صرح به هنا. وقوله: إنما يكون في ترادف اللفظين، ممنوع.
وهنا فائدة حسنة ذكرها ابن هشام في حواشي الألفية، وهي أنه ينبغي أن يشترط لإبدال الفعل من الفعل ما اشترط لعطف الفعل، وهو الاتحاد في الزمان فقط، دون الاتحاد في النوع، حتى يجوز: إن جئتني تمش إلي أكرمك. انتهى.
واعلم أن إبدال الفعل من الفعل، هو إبدال مفرد من مفرد، بدليل ظهور النصب كما في الشاهد، وظهور الجزم كما في الآية.
وزعم ابن السيد في أبيات المعاني، وتبعه ابن خلف، والعيني، والحفيد في حاشية المختصر أن هذا من إبدال جملة من جملة. وهو سهو.
قال الشيخ خالد في شرح التوضيح: والفرق بين بدل الفعل وحده الجملة، أن الفعل يتبع ما قبله في إعرابه لفظا أو تقديرا، والجملة تتبع ما قبلها محلا إن كان له محل. وإلا فإطلاق التبعية عليها مجاز، إذ التابع كل ثان أعرب بإعراب سابقه الحاصل والمتجدد. انتهى.
وقضية هذا: أنه لا يتصور في الفعل المرفوع أن يكون بدلا من فعل مرفوع، وذلك لأن سبب الإعراب متوفر فيه مع قطع النظر عن التبعية، وهو تجرده عن الناصب والجازم، فرفعه لتجرده، لا لكونه تابعا لغيره، فكيف يكون بدلا مع انتفاء التبعية لانتفاء الإعراب بإعراب سابقه. وهكذا يقال في العطف: لا يتصور عطف الفعل المرفوع على مثله.
ومما يشكل في البدل قول البيضاوي وغيره: إن يتزكى في سورة الليل، بدل من قوله: يؤتي ماله، لأن يؤتي مرفوع لتجرده، فلم يعرب بإعراب سابقه.
وأجاب بعضهم بأن المراد أن البدل جملة يتزكى، من جملة يؤتي ماله. وهذا لا يدفع الإشكال عن كلام البيضاوي، لا عن ظاهر كلامهم أن الفعل يبدل من الفعل، وعمومه شامل للفعل المرفوع.
وجزم السيد عيسى الصفوي بأنه لا يكون مضارع مرفوع تابعا لمضارع مرفوع، وأجاب عما أورد على البيضاوي، بأن المراد كل ثان أعرب بإعراب سابقه ولم يكن معربا لمقتض للإعراب غير التبعية.
قيل: قد يقال لا مانع من كون المضارع عند التبعية مرفوعا بالتبعية، وإن كان فيه مقتض آخر للرفع وهو التجرد، بناء على جواز تعدد السبب. وفيه نظر، فإنهم قالوا: العامل بمنزلة المؤثر الحقيقي، ولا يجتمع مؤثران على أثر.
وسكت الشارح المحقق عن إبدال الجملة من الجملة، وعن إبدال الجملة من المفرد وعكسه.
أما الأول فقد قال الشيخ خالد: تبدل الجملة من الجملة بدل بعض واشتمال وغلط، ولا تبدل بدل كل، نحو: قعدت جلست في دار زيد، فإنه توكيد.
أما بدل البعض فنحو قوله تعالى: أمدكم بما تعلمون. أمدكم بأنعام وبنين، فجملة أمدكم الثانية أخص من الأولى باعتبار متعلقيهما، فتكون داخلة في الأولى.
وأما بدل الاشتمال فكقوله: الطويل
أقول له ارحل لا تقيمن عندنا
فقوله: تقيمن عندنا، بدل اشتمال من ارحل، لما بينهما من الملابسة اللزومية وليس توكيدا له، لاختلاف لفظيهما، ولا بدل بعض لعدم دخوله في الأول ولا بدل كل لعدم الاعتداد به، ولا غلط لوقوعه في الفصيح.
وأما بدل الغلط فنحو: قم اقعد.
وأما إبدال الجملة من المفرد، فقد أورد له ابن هشام في شرح الألفية قول الفرزدق: الطويل
إلى الله أشكو بالمدينة حاجة ... وبالشام أخرى كيف يلتقيان
قال، أبدل كيف يلتقاين، وهو جملة مستأنفة، نبه بها على سبب الشكوى وهو استبعاد ما بين الحاجتين.
وأما عكس هذا، وهو إبدال مفرد من جملة، فقد قال أبو حيان في البحر في قوله تعالى: " ولم يجعل له عوجا قيما " قال: قيما بدل من جملة لم يجعل له عوجا، لأنها في معنى المفرد، أي: جعله مستقيما.
وقال ابن هشام في المغني في بحث كيف: إن جملة كيف خلقت بدل من الإبل بدل اشتمال، والمعنى إلى الإبل كيفية خلقها. ومثله: " ألم تر إلى ربك كيف مد الظل " ، وكل جملة فيها كيف، فهي بدل من اسم مفرد. وقال السيوطي في الهمع: إن بدل الجملة من المفرد بدل اشتمال.
وبقي إبدال الفعل من اسم يشبهه، وبالعكس، وإبدال الحرف من مثله.
أما الأول فقد قال ابن هشام في حواشي الألفية: ينبغي أن يجوز إبدال الاسم من الفعل وبالعكس، كما جاز العطف، نحو: زيد متق يخاف الله، أو يخاف الله متق. انتهى.

(2/180)


والظاهر أن يخاف الله اسئناف بياني، أو البدل هو الجملة، لا الفعل وحده في الأول، ومتق خبر بعد خبر في الثاني، والتقوى غير الخوف، فإن الوقاية فرط الصيانة.
وأما الثاني فقد ذكره سيبويه، وجعل منه: " أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون " ، فجلع أن الثانية بدلا من الأولى، لا توكيدا كما قال غيره.
وقوله: إن علي الله الخ، قال ابن خروف في شرح الكتاب: الله منصوب على القسم، ويجوز أن يكون اسم إن، والخبر الجار والمجرور، وأن مفعول من أجله.
وأنشد يحيى: الطويل
وإن علي الله لا تحملونني ... على خطة إلا انطلقت أسيرها
فلز حذفت إن، لقلت: علي عهد الله لأضربنك. قال الفراء: ويجوز علي الله أن أضربك. انتهى.
وقال ابن خلف: هذا الشاعر حلف على مخاطبه بالله، أنه لا بد له من أن يبايع، فلما حذف حرف القسم، نصب الاسم، وأن تبايع: اسم إن، وعلي خبر إن، والقسم معترض بين الاسم والخبر.
ونقل العيني عن بعض شراح الكتاب أن علي متعلق باستقرار محذوف في موضع خبر إن، كأنه قال: وجب علي اليمين بالله، لأن هذا الكلام قسم، وأن تبايعا يتعلق بعلي، أعني بما فيه من معنى الاستقرار. انتهى.
وهذا التعلق غير ظاهر.
والمبايعة: بمعنى البيعة والطاعة للسلطان. وأصل البيعة الصفقة على إيجاب البيع. وأيمان البيعة هي التي رتبها الحجاج مشتملة على أمور مغلظة من طلاق وعتق وصوم ونحو ذلك. وتؤخذ بدل من تبايع كما تقدم.
قال السيرافي: النصب في هذه الأبيات على البدل جيد، ولو رفع على الابتداء لكان أكثر وأعرف، فيقول: هلكه هلك واحد، وما ألفيتني حلمي مضاع، وتكون الجملة في موضع الحال، وتؤخذ كرها، أو تجيء طائعا على معنى أنت تؤخذ كرها؛ فيكون أنت تؤخذ في موضع الحال. انتهى.
وهذا كقوله: الطويل
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد
رفع تعشو بين المجزومين، أعني الشرط والجزاء لأنه قصد به الحال، أي: متى تأته عاشيا، أي: ناظرا إلى ضوء ناره. وكذلك كل ما وقع بين مجزومين. وعليه قراءة: يرثني ويرث من آل يعقوب بالرفع، لم يجعله جوابا، وإنما جعله وصفا، أي: وارثا من يعقوب. فتدبره فإنه كثير. كذا في أبيات المعاني لابن السيد.
وقوله: كرها مفعول مطلق، أي: تؤخذ أخذا كرها. ويجوز أن يكون حالا بتأويله باسم الفاعل. وهو المناسب لقوله: طائعا، فإنه حال.
وهذا البيت قلما خلا عنه كتاب نحوي، ومع شهرته لا يعلم قائله، وهو من أبيات سيبويه الخمسين التي لم يعرف قائلها. والله أعلم.
وأنشد بعده، الشاهد الثالث والسبعون بعد الثلاثمائة وهو من أبيات س: الطويل
وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشلت
على أنه يروى رجل بالجر على أنه بدل مع أخرى مفصل من رجلين. ويروى بالرفع على أنه بدل مقطوع.
أنشده سيبويه في باب مجرى النعت على المنعوت والبدل على المبدل منه، قال: ومثل ما يجيء في هذا الباب على الابتداء وعلى الصفة والبدل، قوله جل وعز: " قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة " . ومن الناس من يجر، والجر على وجهين: على الصفة وعلى البدل.
ومنه قول كثير عزة:
وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ............. البيت
وقوله: ومثل ما يجيء في هذا الباب الخ، يريد أنه يرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: إحداهما فئة تقاتل الخ. والجملة صفة لفئتين.
وقوله: ومن الناس من يجر الخ، يريد أن فئة بدل من فئتين. والصفة جائزة كما تقول: سررت برجلين قائم وقاعد. وإنما جعل فئة صفة لفئتين، لأن فئة موصوفة، فكان اعتماد الصفة في فئتين على صفة فئة، كما تقول: مررت برجلين رجل صادق ورجل كاذب.
وقول كثير: ورجل على رواية الرفع، إما خبر مبتدأ محذوف، تقديره هما رجل صحيحة ورجل أخرى، أو تقديره إحداهما رجل صحيحة والأخرى رجل. فالكلام على الأول جملة واحدة وعلى الثاني جملتان. وإما مبتدأ محذوف الخبر، والتقدير: منهما رجل صحيحة ومنهما رجل، فالكلام جملتان.

(2/181)


وقال العيني: ويجوز نصب رجل في الموضعين على إضمار أعني. وعلى رواية جر رجل يكون على الإبدال من رجلين، بدل نكرة من نكرة. وجه أورده ابن هشام في المغني والمرادي في شرح الألفية. وإنما أبدل لأجل الصفة، وهو وصف الرجل الأولى بصحيحة والثانية بجملة رمى.
ولما كان المبدل منه مثنى وجب الإتيان باسمين. ويعرف نحو هذا الإبدال ببدل المفصل من المجمل، لأنه أجمل أولا ثم فصل ثانيا. وجملة رمى الخ، صفة لرجل الثانية. ومفعول رمى محذوف تقديره: رمى فيها الزمان داء فشلت.
وشلت: أصله سللت تشل شللا، من باب فرح. والشلل: آفة تصيب اليد أو الرجل فتيبس منها، وقيل تسترخي. يقال: سلت يده، وأشلها الله.
وقبل هذا البيت:
وكنا سلكنا في صعود من الهوى ... فلما توافينا ثبت وزلت
وكنا عقدنا عقدة الوصل بيننا ... فلما تواثقنا شددت وحلت
أريد الثواء عندها وأظنها ... إذا ما أطلنا عندها المكث ملت
فليت قلوصي عند عزة قيدت ... بجعل ضعيف عز منها فضلت
وغودر في الحي المقيمين رحلها ... وكان لها باغ سواي فبلت
الصعود بالفتح: خلاف الهبوط. والثواء بالفتح: الإقامة. وعز منه بمعنى، غلبه وقوي عليه. وفي العباب: قال الفراء: يقال بلت مطيته على وجهها، إذا همت ضالة. وأنشد هذا البيت، وهو بالباء الموحدة.
واختلف أصحاب المعاني في معنى البيت الشاهد، فقال الأعلم: تمنى أن تشل إحدى رجليه وهو عندها، وتضل ناقته فلا يرحل عنها، فيكون قوله: وكنت كذي رجلين الخ، معطوفا على قوله: قيدت، ليدخل في التمني.
وقال ابن سيده: لما خانته عزة العهد فزلت عن عهده، وثبت هو على عهدها، صار كذي رجلين رجل صحيحة، وهو ثباته على عهدها، وأخرى مريضة، وهو زللها عن عهده.
وقال عبد الدائم: معنى البيت أنه بين خوف ورجاء، وقرب وثناء، كما قال المتنبي: الطويل
وأحلى الهوى ما شك في الوصل ربه ... وفي الهجر فهو الدهر يرجو ويتقي
وقال غيرهم: تمنى أن تضيع قلوصه، فيبقى في حي عزة، فيكون ببقائه في حيها كذي رجل صحيحة، ويكون في عدمه لقلوصه كذي رجل عليلة.
حكى هذه الأقوال اللخمي، وقال: وهذا القول الأخير هو المختار المعول عليه، وهو الذي يدل عليه ما قبل البيت، وهو اختيار الأستاذ أبي عبد الله بن أبي العافية. وقد أخذ كثير هذا البيت من النجاشي، وهو قوله: الطويل
وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل رمت فيها يد الحدثان
فأما التي صحت فأزد شنوءة ... وأما التي شلت فأزد عمان
وقد أورده ابن رشيق في العمدة في السرقات الشعرية، وسماه الاهتدام. قال: فأخذ كثير القسم الأول، واهتدم باقي البيت، فجاء بالمعنى في غير اللفظ.
وهذه القصيدة كلها نسيب بعزة، وهي من منتخبات قصائده، والتزم فيها ما لا يلزم الشاعر، وذلك اللام قبل حرف الروي، اقتدارا في الكلام وقوة في الصناعة، وما خرم ذلك إلا في بيت واحد، هو:
فما أنصفت أما النساء فبغضت ... إلي وأما بالنوال فضنت
وهي قصيدة. وهذا مطلعها مع جملة أبيات منها وقعت شواهد للنحويين:
خليلي هذا ربع عزة فاعقلا ... قلوصيكما ثم ابكيا حيث حلت
وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ... ولا موجعات القلب حتى تولت
إلى أن قال:
وإني وتهيامي بعزة بعد ما ... تخليت فيما بيننا وتخلت
لكالمبتغي ظل الغمامة كلما ... تبوا منها للمقيل اضمحلت
يكلفها الغيران شتمي وما بها ... هواني ولكن للحليل استذلت
هنيئا مريئا غير داء مخامر ... لعزة من أعراضنا ما استحلت
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقلية إن تقلت
وقوله: وما كنت أدري قبل عزة الخ، استشهد به ابن هشام في شرح الألفية على نصب موجعات عطفا على محل مفعول أدري المعلق بما الاستفهامية، لأن المعلق أبطل عمله لفظا لا محلا.
وقال في مغني اللبيب: فائدة الحكم على محل الجملة في التعليق بالنصب ظهور ذلك في التابع، فتقول: عرفت من زيد وغير ذلك من أموره.

(2/182)


واستدل ابن عصفور بنصب موجعات من هذا البيت. ولك أن تدعي أن البكاء مفعول، وأن ما زائدة، أو أن الواو للحال وموجعات اسم لا، أي وما كنت أدري قبل عزة، والحالة أنه لا موجعات للقلب موجودة، ما البكا. انتهى.
وقوله: وإني وتهيامي بعزة الخ، التهيام بالفتح: مبالغة الهيام بالضم، وهو كالجنون من العشق.
قال ابن جني في سر الصناعة: سألت أبا علي عن قول كثير: وإني وتهيامي بعزة البيت، وجعل الجملة اعتراضا بين اسم إن وخبرها، لأن فيها ضربا من التسديد للكلام. ويحتمل أن تكون الواو للقسم فالباء على هذا متعلقة بتهيامي. وعرضت هذا على أبي علي فقبله. انتهى.
وقد نقل ابن هشام ما حكيته عنهما في الجملة المعترضة من المغني.
وقوله: هنيئا مريئا غير داء الخ، أورده صاحب الكشاف عند قوله تعالى: " كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون " على أن الباء زائدة وما: فاعل هنيئا، وهو صفة استعملت استعمال المصدر القائم مقام الفعل، كأنه قال: هنأكم الأكل والشرب.
وهنيئا لعزة ما استحلت من أعراضنا. الهنيء والمريء صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ كشرف، إذا كان سائغا لا تنغيص فيه. والمخامر: المخالط.
وقوله: أسيئي بنا أو أحسني الخ، هذا التفات من الغيبة إلى الخطاب.
وأورده صاحب الكشاف أيضا عند قوله تعالى: " أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم " على تساوي الإنفاقين في عدم القبول، كما ساوى كثير بين الإحسان والإساءة في عدم اللوم.
والنكتة في مثل ذلك إظهار نفي تفاوت الحال بتفاوت فعل المخاطب، كأنه يأمرها بذلك لتحقيق أنه على العهد. ومقلية بمعنى مبغضة، من القلي وهو البغض. وقوله: إن تقلت التفات من الخطاب إلى الغيبة.
وروى صاحب الأغاني بسنده عن هيثم بن عدي قال: سأل عبد الملك بن مروان كثيرا عن أعجب خبر له مع عزة، فقال: يا أمير المؤمنين، حججت سنة، وحج زوج عزة معها، ولم يعلم أحدنا بصاحبه، فلما كنا ببعض الطريق أمرها زوجها بابتياع سمن تصلح به طعاما لرفقته، فجعلت تدور الخيام خيمة خيمة، حتى دخلت إلي، وهي لا تعلم أنها خيمتي، وكنت أبري سهما، فلما رأيتها جعلت أبري لحمي، وأنظر حتى بريت ذراعي وأنا لا أعلم به، والدم يجري، فلما علمت ذلك، دخلت إلي فأمسكت يدي، وجعلت تمسح الدم بثوبها، وكان عندي نحي سمن فحلفت لتأخذنه.
فأخذته وجاءت زوجها، فلما رأى الدم سألها عن خبره فكاتمته، حتى حلف عليها لتصدقنه. فصدقته فضربها، وحلف عليها لتشتمني في وجهي، فوقفت علي وهو معها وقالت لي، وهي تبكي: يا ابن الزانية ! ثم انصرفا وذلك حيث أقول:
يكلفها الغيران شتمي وما بها
الأبيات الثلاثة.
وروى صاحب الأغاني أيضا قال: وقفت على جماعة تكلموا في وفي جميل: أينا أصدق عشقا، وهم لا يعرفونني، ففضول جميلا، فقلت لهم: قد ظلمتم كثيرا، كيف يكون جميل أصدق منه عشقا وحين أتاه من بثينة ما يكره قال: الطويل
رمى الله في جفني بثينة بالقذى ... وفي الغر من أنيابها بالقوادح
وكثير حين أتاه ما يكره من عزة قال:
هنيئا مريئا غير داء مخامر ... ............. البيت
وهذه القصيدة جيدة فلا بأس بإيرادها على رواية أبي علي القالي في أماليه قال: قرأت هذه القصيدة على أبي بكر بن دريد في شعر كثير، وهي من منتخبات كثير، وأولها:
خليلي هذا ربع عزة فاعقلا ... قلوصيكما ثم ابكيا حيث حلت
ومسا ترابا كان قد مس جلدها ... وبيتا وظلا حيث باتت وظلت
ولا تيأسا أن يمحو الله عنكما ... ذنوبا إذا صليتما حيث صلت
وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ... ولا موجعات القلب حتى تولت
وقد حلفت جهدا بما نحرت له ... قريش غداة المأزمين وصلت
أناديك ما حج الحجيج وكبرت ... بفيفا غزال رفقة وأهلت
وكانت لقطع العهد بيني وبينها ... كنا ذرة نذرا فأوفت وحلت
ويروى: وفت فأحلت.
فقلت لها يا عز كل مصيبة ... إذا وطنت يوما لها النفس ذلت
ولم يلق إنسان من الحب ميعة ... لغم ولا عمياء إلا تجلت

(2/183)


كأني أنادي صخرة حين أعرضت ... من الصم لو تمشي بها العصم زلت
صفوحا فما تلقاك إلا بخيلة ... فمن مل منها ذلك الوصل ملت
أباحت حمى لم يرعه الناس قبلها ... وحلت تلاعا لم تكن قبل حلت
فليت قلوصي عند عزة قيدت ... بقيد ضعيق فر منها فضلت
وغودر في الحي المقيمين رحلها ... وكان لها باغ سواي فبلت
وكنت كذي رجلين في رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشلت
وكنت كذات الظلع لما تحاملت ... على ظلعها بعد العثار استقلت
أريد الثواء عندها وأظنها ... إذا ما أطلنا عندها المكث ملت
فما أنصفت أما النساء فبغضت ... إلينا وأما بالنوال فضنت
يكلفها الغيران شتمي وما بها ... هواني ولكن للمليك استذلت
هنيئا مريئا غير داء مخامر ... لعزة من أعراضنا ما استحلت
قال أبو علي: قي لكثير: أنت أشعر أم جميل ؟ فقال: بل أنا. فقيل له: أتقول هذا وأنت راويته؟! قال جميل الذي يقول:
رمى الله في عيني بثينة بالقذى ... وفي الغر من أنيابها بالقوادح
وأنا أقول:
هنيئا مريئا غير داء مخامر ... ............. البيت
ووالله ما قاربت إلا تباعدت ... بصرم ولا أكثرت إلا أقلت
فإن تكن العتبى فأهلا ومرحبا ... وحقت لها العتبى لدينا وقلت
وإن تكن الأخرى فإن وراءنا ... منادح لو سارت بها العيس كلت
خليلي إن الحاجبية طلحت ... قلوصيكما وناقتي قد أكلت
فلا يبعدن وصل لعزة أصبحت ... بعاقبة أسبابه قد تولت
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقلية إن تقلت
ولكن أنيلي واذكري من مودة ... لنا خلة كانت لديك فضلت
وإني وإن صدت لمثن وصادق ... عليها بما كانت إلينا أزلت
فما أنا بالداعي لعزة بالجوى ... ولا شامت إن نعل عزة زلت
فلا يحسب الواشون أن صبابتي ... بعزة كانت غمرة فتجلت
فأصبحت قد أبللت من دنف بها ... كما أدنفت هيماء ثم استبلت
ووالله ثم الله ما حل قبلها ... ولا بعدها من خلة حيث حلت
وما مر من يوم علي كيومها ... وإن عظمت أيام أخرى وجلت
فأضحت بأعلى شاهق من فؤاده ... فلا القلب يسلاها ولا العين ملت
فيا عجبا للقلب كيف اعترافه ... وللنفس لما وطنت كيف ذلت
وإني وتهيامي بعزة بعد ما ... تخليت مما بيننا وتخلت
لكالمرتجي ظل الغمامة كلما ... تبوأ منها للمقيل اضمحلت
كأني وإياها سحابة ممحل ... رجاها فلما جاوزته استهلت
قال أبو علي: المأزمان: عرفة والمزدلفة. وأناديك: أحادثك؛ مأخوذ من الندي والنادي جميعا؛ وهو المجلس. وميعة كل شيء: أوله. والصفوح: المعرضة. وبلت: ذهبت.
قال أبو علي: ما أعرف بلت ذهبت إلا في تفسير هذا البيت. ولا العتبى: الإعتاب، يقال: عاتبني فلان فأعتبته، إذا نزعت عما عاتبك عليه، والعتبى الاسم، والإعتاب المصدر.
وقوله: طلحت، الطلح: المعيي الذي قد سقط من الإعياء. وطلت: هدرت. وأزلت: اصطنعت. ويقال: بل من مرضه وأبل واستبل، إذا برأ. واعترافه: اصطباره، يقال: نزلت به مصيبة فوجد عروفا، أي: صبورا. والعارف: الصابر. هذا ما أورده أبو علي القالي.
وروى السيوطي: في شرح شواهد مغني اللبيب عن أبي الحسن بن طباطبا في كتاب عيار الشعر أن العلماء قالوا: لو أن كثيرا جعل قوله:
فقلت لها يا عز كل مصيبة ... ............. البيت
في وصف حرب لكان أشعر الناس. ولو جعل قوله أسيئي بنا أو أحسني البيت، في وصف الدنيا كان أشعر الناس.

(2/184)


وكثير بضم الكاف وفتح المثلثة وكسر الباء المشددة التحتية. وهو كثير ابن عبد الرحمن بن أبي جمعة بن الأسود بن عامر.
وقال اللخمي: هو كثير بن أبي جمعة. وهو خزاعي، وأبو خزاعة الصلت بن النضر بن كنانة.
وفي ذلك يقول كثير: الطويل
أليس أبي بالنضر أم ليس والدي ... لكل نجيب من خزاعة أزهرا
فحقق كثير أنه من قريش. وقيل إنه أزدي من قحطان. وهو شاعر حجازي من شعراء الدولة الأموية، ويكنى أبا صخر، واشتهر بكثير عزة بالإضافة إلى عزة وهي محبوبته؛ وغالب شعره تشبيب بها.
وعزة بفتح العين المهملة وتشديد الزاي. والعزة في اللغة: بنت الظبية، وبها سميت. وهي كما قال ابن الكلبي: عزة بنت حميل، بضم المهملة، ابن حفص بفتحها، من بني حاجب بن غفار، بكسر المعجمة وخفة الفاء، وكنيتها أم عمرو الضمرية، نسبة إلى قبيلة ضمرة. وكثيرا ما يطلق عليها الحاجبية، نسبة إلى جدها الأعلى، كقوله في هذه القصيدة: الطويل
خليل إن الحاجبية طلحت ... قلوصيكما وناقتي قد أكلت
ومن الغرائب تفسير العيني للحاجبية هنا بالرمل الطويل. وهو غفلة عن نسبها.
قال ابن قتيبة في كتاب الشعراء: بعثت عائشة بنت طلحة بن عبيد الله إلى كثير، فقالت له: يا ابن أبي جمعة، ما الذي يدعوك إلى ما تقول من الشعر في عزة، وليست على ما تصف من الجمال، لو شئت صرفت ذلك إلى من هو أولى به منها، أنا أو مثلي، فأنا أشرف وأوصل من عزة، وإنما أرادت تجربته بذلك، فقال: الطويل
إذا وصفلتنا خلة كي تزيلها ... أبينا وقلنا: الحاجبية أول
لها مهل لا يستطاع دراكه ... وسابقة ملحب لا تتحول
سنوليك عرفا إن أردت وصالنا ... ونحن لتلك الحاجبية أوصل
فقالت عائشة: والله لقد سميتني لك خلة، وما أنا لك، وعرضت علي وصالك وما أريد، هلا قلت كما قال جميل: الكامل
يا رب عارضة علينا وصلها ... بالجد تخلطه بقول الهازل
فأجبتها بالرفق بعد تستر ... حبي بثينة عن وصالك شاغلي
لو كان في قلبي كقدر قلامة ... وصلتك كتبي أو أتتك رسائلي
وروى القالي في أماليه عن العتبي قال: دخلت عزة على عبد الملك بن مروان، فقال لها: أنت عزة كثير ؟ فقالت: نعم. قال لها: أتروين قول كثير: الطويل
وقد زعمت أني تغيرت بعدها ... ومن ذا الذي يا عز لا يتغير
قالت: لا أروي هذا، ولكني أروي قوله: الطويل
كأني أنادي صخرة حين أعرضت ... من الصم لو تمشي بها العصم زلت
صفوحا فما تلقاك إلا بخيلة ... فمن مل منها ذلك الوصل ملت
وروى ابن قتيبة في كتاب الشعراء إن عائشة بنت طلحة قالت لعزة: أرأيت قول كثير: الطويل
قضى كل ذي دين فوفى غريمه ... وعزة ممطول معنى غريمها
ما كان ذلك الدين ؟ قالت: وعدته قبلة فتحرجت منها. فقالت: اقضيها وعلي إثمها.
قال صاحب الأغاني: كان ابن إسحاق يقول: كثير أشعر أهل الإسلام، وكانت له منزلة عند قريش وقدر، وكان عبد الملك معجبا بشعره.
وقال الجمحي: كان لكثير في النسيب نصيب وافر وجميل مقدم عليه، وعلى أصحاب النسيب جميعا في النسيب، وكان له من فنون الشعر ما ليس لجميل، وكان راوية جميل. وإنما صغر اسمه لشدة قصره وحقارته.
وقال الوقاصي: رأيت كثيرا يطوف بالبيت فمن حدثك أنه يزيد على ثلاثة أشبار فلا تصدقه، وكان إذا دخل على عبد الملك أو أخيه عبد العزيز يقول: طأطئ رأسك لا يصيبه السقف ! وهجاه الحزين الكناني بقوله: الطويل
قصير قميص فاحش عند بيته ... يعض القراد باسته وهو قائم
وروى صاحب الأغاني عن طلحة بن عبيد الله قال: ما رأيت أحمق من كثير، دخلت عليه يوما في نفر من قريش وهو مريض، وكنا كثيرا ما نهزأ به وكان يتشيع تشيعا قبيحا، فقلت له: كيف تجدك يا أبا صخر ؟ قال: أجدني ذاهبا. قلت: كلا. قال: فهل سمعت الناس يقولون في شيئا ؟ قلت: نعم، يتحدثون بأنك الدجال. قال: أما لئن قلت ذاك فإني لأجد في عيني هذه ضعفا منذ أيام.

(2/185)


فقال له محمد بن علي: تزعم أنك من شيعتنا، وتمدح آل مروان ! قال: إنما أسخر منهم وأجعلهم حيات وعقارب، وآخذ أموالهم.
وكانت وفاته في خلافة يزيد بن عبد الملك بالمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام.
قال جويرية بن أسماء: مات كثير وعكرمة مولى بن عباس في يوم واحد، فقال الناس: اليوم مات أفقه الناس وأشعر الناس ! ولم يتخلف رجل ولا امرأة عن جنازتيهما، وذلك في سنة خمس أو سبع ومائة وغلبت النساء على جنازة كثير يبكينه. ويقال: أنه لما حضرته الوفاة قال: الوافر
برئت إلى الإله من ابن أروى ... ومن دين الخوارج أجمعينا
ومن عمر برئت ومن عتيق ... غداة دعي أمير المؤمنينا
ثم خرجت روحه كأنها حصاة وقعت في ماء.
قال ابن السيد في شرح أبيات الجمل: هذا الشعر من حماقته ورفضه. وابن أروى هو عثمان بن عفان رضي الله عنه.
وقد أطنب الأصبهاني في الأغاني في ترجمته.
عطف البيان
أنشد فيه:
أقسم بالله أبو حفص عمر
تقدم الكلام عليه في الشاهد الثامن والخمسين بعد الثلاثمائة.
وأنشد بعده:
أنا ابن التارك البكري بشر
تقدم أيضا ما يتعلق به في الشاهد التاسع والتسعين بعد المائتين. والله أعلم.
المبنيات
المضمر
أنشد فيه:
هذا سراقة للقرآن يدرسه
تمامه:
والمرء عند الرشا إن يلقها ذيب
وتقدم الكلام عليه في الشاهد الثاني والثمانين.
وأنشد بعده: الشاهد الرابع والسبعون بعد الثلاثمائة الوافر
إذا زجر السفيه جرى إليه
تمامه:
وخالف والسفيه إلى خلاف
على أن الضمير في إليه راجع على المصدر المدلول عليه بالوصف، أي: إلى السفه.
وهذا البيت أورده الفراء في تفسيره عند قوله تعالى: " ولكن البر من آمن بالله " في توجيه صحة الخبر عن المبتدأ فيه، قال: من كلام العرب قولهم: إنما البر الصادق الذي يصل رحمه ويخفي صدقته فيجعل الاسم خيرا للفاعل، والفعل خبرا للاسم، لأنه أمر معروف المعنى.
فأما الفعل الذي جعل خبرا للاسم فقوله تعالى: " ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم " فهو كناية عن البخل. فهذا لمن جعل الذين في موضع نصب وقرأها تحسبن بالتاء من فوق، ومن قرأ بالياء من تحت جعل الذين في موضع رفع، وجعل عمادا للبخل المضمر، فاكتفى بما ظهر في يبخلون من ذكر البخل. ومثله في الكلام: البسيط
هم الملوك وأبناء الملوك لهم ... والآخذون به والساسة الأول
وقوله: به يريد بالملك.
وقال الآخر:
إذا نهي السفيه جرى إليه البيت
يريد إلى السفه. انتهى.
وأنشده ثعلب أيضا في أماليه وقال: أي: جرى إلى السفه. واكتفى بالفعل من المصدر.
وأورده ابن جني أيضا في إعراب الحماسة عند قوله: الطويل
ولم أر قوما مثلنا خير قومهم ... أقل به منا على قومهم فخرا
وتقدم الكلام عليه في الشاهد الحادي عشر بعد الثلاثمائة.
وأورده في المحتسب أيضا عند قراءة الأعمش: ومن يرد ثواب الدنيا يؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة يؤته منها وسيجزى الشاكرين بالياء فيهما. قال: أضمر الفاعل لدلالة الحال عليه، وإضماره فاش، وعليه قوله:
إذا زجر السفيه جرى إليه ... .............. البيت
أقول: هذا ليس من قبيل إضمار الفاعل في قراءة الأعمش كما هو ظاهر. وقوله بعد هذا، وكما أضمر المصدر مجرورا، أعني الهاء في إليه، يعني إلى السفه. كذلك أيضا أضمره مرفوعا بفعله، لم أفهم معنى قوله أضمره مرفوعا بفعله وفاعل جرى وخالف ضمير السفه.
وأورده ابن الشجري أيضا عند شرح قول الشاعر: الوافر
ومن يك باديا ويكن أخاه ... أبا الضحاك ينتسج الشمالا
قال: الهاء في قوله أخاه عائدة إلى البدو الذي هو ضد الحضر، يقال: بدا فلان يبدو بدوا، إذا حل في البدو، دل على عود الهاء إلى البدو قوله باديا، كما دل السفيه على السفه، فأضمره القائل:
إذا نهي السفيه جرى إليه ... .............. البيت
ومثله قول القطامي:
هم الملوك وأبناء الملوك لهم

(2/186)


البيت المذكور. ثم ذكر كلام الفراء من غير أن يعزوه إليه. ثم قال ومثل ذلك قوله تعالى: " وإن تشكروا يرضه لكم " ، أي: يرض الشكر. وكذلك قوله تعالى: " الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا " أي: فزادهم قول الناس إيمانا.
قال: وقوله: أبا الضحاك نصب على النداء، فكأنه قال: ومن يك باديا، ويكن أخا البدو: يا أبا الضحاك. وجعله أخا البدو، كقولك: يا أخا العرب ويا أخا الحضر.
وإنما قال: ومن يك باديا، ثم قال: ويكن أخا البدو، لأنه قد يحل في البدو من ليس من أهل البدو، فسمي باديا، ما دام مقيما في البدو. والشمال: هنا وعاء كالكيس يجعل فيه ضرع الشاة يحفظ به. يقال: شملت الشاة، أي: جعلت لها شمالا. وينتسج: يفتعل من قولك: نسجت الثوب. فالمعنى: من يكن من أهل البدو يمارس ما يحتاج إليه الغنم. انتهى مختصرا.
وقوله: إذا زجر هو بالبناء للمفعول، ورواه الجماعة: إذا نهي مثله. ومتعلق النهي عام محذوف، أي: عن أي شيء كان. وقوله: وخالف مفعوله محذوف أي: خالف زاجره. وقوله: والسفيه إلى خلاف جملة تذييلية؛ أي: شأن السفيه الميل إلى مخالفة الناصح.
وهذا البيت لم يعزه الفراء إلى أحد. والله أعلم.
وأنشد بعده، الشاهد الخامس والسبعون بعد الثلاثمائة الوافر
ولو أن الأطبا كان حولي ... وكان مع الأطباء الأساة
على أنه قد يستغنى بالضمة عن واو الضمير في ضرورة الشعر كما هنا فإن الأصل: ولو أن الأطباء كانوا حولي، فحذفت الواو ضرورة، وبقيت الضمة دليلا عليها.
وأورده الفراء في تفسيره عند قوله تعالى في سورة البقرة: " فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم " قال: وقوله: واخشوني أثبتت فيها الياء ولم تثبت في غيرها، وكل ذلك صواب. وإنما استجازوا حذف الياء لأن كسرة النون تدل عليها، وليست العرب تهاب حذف الياء من آخر الكلام إذا كان ما قبلها مكسورا.
من ذلك: أكرمن وأهانن في سورة الفجر. وقوله: " أتمدونن بمال " . ومن غير النون: المناد والداع وهو كثير، يكتفى من الياء بكسرة ما قبلها، ومن الواو بضمة ما قبلها مثل قوله " سندع الزبانية " " ويدع الإنسان " وما أشبهه. وقد تسقط العرب الواو، وهي واو جمع، اكتفاء بالضمة قبلها فقالوا في ضربوا: قد ضرب، وفي قالوا: قد قال. وهي في هوازن وعليا قيس أنشدني بعضهم: الوافر
إذا ما شاء ضروا من أرادوا
وأنشدني الكسائي: البسيط
كأنهم بجناحي طائر طار
وأنشدني بعضهم:
فلو أن الأطبا كان عندي البيت
وتفعل ذلك في ياء التأنيث من تحت، كقول عنترة: الكامل
إن العدو لهم إليك وسيلة ... إن يأخذوك تكحلي وتخضب
يحذفون الياء، وهي دليل على الأنثى، اكتفاء بالكسر. انتهى.
وظاهر كلامه أن هذا لغة لا ضرورة.
وأورده صاحب الكشاف أيضا في سورة المؤمنين شاهدا لقراءة من قرأ: قد أفلح بضم الحاء اجتزاء بالضمة عن الواو، والأصل قد أفلحوا، على لغة أكلوني البراغيث.
ونقل ابن هشام في المغني في الجهة الرابعة من الكتاب الخامس، عن التبريزي، في قراءة يحيى بن يعمر: على الذي أحسن بالرفع أن أصله أحسنوا، فحذفت الواو اجتزاء عنها بالضمة، كما قال:
إذا شاء ما ضروا من أرادوا البيت
ثم قال: وحذفت الواو. وإطلاق الذي على الجماعة ليس بالسهل، والأولى قول الجماعة إنه بتقدير مبتدأ، أي: هو أحسن. وأما قول بعضهم في قراءة ابن محيصن: لمن أراد أن يتم الرضاعة إن الأصل أن يتموا بالجمع، فحسن لأن الجمع على معنى من. ولكن أظهر منه قول الجماعة: إنه جاء على إهمال أن الناصبة. انتهى مختصرا.
وهذا الكلام أيضا يدل على أنه غير ضرورة.
وأورده المرادي في شرح الألفية كذلك، ولم يقيده بضرورة.
وفي البيت شاهد آخر، وهو قصر الممدود، وبه أورده ثعلب في أماليه قال: قصر الأطباء في أول البيت ومد في آخره وأصله المد. وأما قوله: كان حولي فإنه اكتفى بالضمة عن واو الجمع. هذه عبارته.
وأورده ابن الأنباري أيضا في مسائل الخلاف في موضعين بالوجهين ذكره في المسألة الخامسة والسبعين في مسألة فعل الأمر، هل هو معرب أو مبني على أن الاكتفاء بالضمة ضرورة.

(2/187)


وأورده في المسألة الثانية عشرة بعد المائة في المقصور والممدود، على قصر الأطبا لضرورة الشعر.
قال: والقياس يوجب مده؛ لأن الأصل في طبيب أن يجمع على طيباء، كشريف وشرفاء إلا أنه اجتمع حرفان متحركان من جنس واحد، فاستثقلوا اجتماعهما فنقلوه من فعلاء إلى أفعلاء، فصار أطبباء، فاستثقلوا أيضا اجتماع حرفين متحركين من جنس واحد، فنقلوا كسرة الباء إلى الطاء وأدغموا.
وأطنب في الموضعين، وبين حجج الفريقين، وجاء بما يجلو العين، ويمحو عن القلب الرين.
وروى بعد البيت الشاهد بيتا ثانيا، والرواية عنده هكذا:
فلو أن الأطبا كان حولي ... وكان مع الأطباء الشفاة
إذن ما اذهبوا ألما بقلبي ... وإن قيل الشفاة هم الأساة
والطب بالكسر في اللغة: الحذق. والطبيب: الحاذق. والأساة: جمع آس، كقضاة جمع قاض. قال في الصحاح: الآسي: الطبيب. وكذلك الشفاة جمع شاف.
وقوله: إذن ما أذهبوا جواب لو. ورواية العيني تقديم الأساة في قافية البيت الأول، وتأخير الشفاة في قافية البيت الثاني.
ولم يعزهما الفراء فمن بعده إلى أحد. والله أعلم.
وأنشد بعده، الشاهد السادس والسبعون بعد الثلاثمائة وهو من شواهد س: الطويل
بحوران يعصرن السليط أقاربه
على أنه جاء على لغة أكلوني البراغيث.
قال سيبويه: واعلم أن من العرب من يقول: ضربوني قومك، وضرباني أخواك، فشبهوا هذا بالتاء التي يظهرونها في قالت فلانة، وكأنهم أرادوا أن يجعلوا للجمع علامة كما جعلوا للمؤنث، وهي قليلة.
قال الشاعر:
ولكن ديافي أبوه وأمه ... بحوران يعصرن السليط أقاربه
انتهى.
فأقاربه فاعل يعصر، والنون علامة لكون الفاعل جمعا كتاء التأنيث.
قال ابن هشام في شرح شواهده: إنما قال يعصرن لأنه شبههم بالنساء، لأنهم لا شجاعة لهم، والخدمة والتبذل في العرب إنما هو للنساء، وإما الرجال فشغلهم بالحروب. وقيل شبهه ببعير ديافي، ثم أقبل يصف أقارب البعير وأقاربه جمال. فلذلك جاء بالنون. انتهى.
أقول: الوجه الثاني بعيد لا قرينة له، ويزيده بعدا يعصرن السليط.
قال ابن خلف: وفي رفع أقاربه أوجه أخر: أحدها: يجوز أن يكون مبتدأ، ويعصرن خبر مقدم عليه؛ وهذا سائغ عند أهل البصرة كما قالوا: مررت به المسكين يريدون: المسكين مررت به.
قال أبو علي: وفيه مع هذا قبح، لأن الخبر جملة وليس بمفرد، فلا ينبغي أن يجوز فيه، ما جاز في الأصل الذي هو المفرد. وأهل الكوفة لا يجيزون مثل هذا. ويحتمل أن يكون رفعا بحوران ويكون بحوران صفة لديافي، ويعصرن حالا من الأقارب.
ويجوز أن يكون بدلا من النون كما قيل في: " وأسروا النجوى الذين ظلموا " . ويجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمر، والجملة جواب لسؤال مقدر، كأنه لما قيل بحوران يعصرن السليط فقيل: من هم ؟ فقال: هم أقاربه.
أقول: هذه الوجوه الأربعة مبنية على أن النون ضمير، وهذه النون في البيت سواء كانت حرفا، أم اسما تدل على صحة ما نقله الشارح المحقق في باب التوكيد عن الأندلسي، من جواز رجوع ضمير جماعة المؤنث إلى الجمع المكسر العاقل، فكان ينبغي أن يستدل بهذا البيت دون البيت المتقدم لخفائه كما تقدم.
وقوله: ديافي خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: لكن أنت ديافي، يدل عليه قوله فيما قبله: لو كنت ضبيا، أو هو ديافي: لقوله فلو كان ضبيا كما يأتي. وهو منسوب إلى دياف بكسر الدال بعدها مثناة تحتية وآخره فاء.
قال صاحب العباب: دياف من قرى الشام، وأهلها نبط الشام، وتنسب الإبل إليها والسيوف. وإذا عرضوا برجل أنه نبطي نسبوه إليها.
قال:
ولكن ديافي أبوه وأمه البيت
وهذا يدل على أن ديافا بالشام، لا بالجزيرة كما قيل، لأن حوران من رساتيق دمشق.
وكذا قال الحسن السكري في شرح ديوانه: وقال جرير: الرجز
إن سليطا كاسمه سليط ... لولا بنو عمرو وعمر عيط
قلت ديافيون أو نبيط
أراد: عمرو بن يربوع، وهم حلفاء بني سليط.
وقال الأخطل: الطويل
كأن بنات الماء في حجراته ... أباريق أهدتها دياف لصرخدا
انتهى.
ولم يورد أبو عبيد البكري دياف في معجم ما استعجم.

(2/188)


وأبوه مرفوع بديافي، لأنه خبر سببي. وأتى بضمير الغيبة لأن التقدير أنت رجل ديافي أبوه. وأمه معطوف عليه.
وقوله: بحوران متعلق بيعصرن، وجملة: يعصرن صفة لديافي، وضمير أقاربه راجع عليه. هذا هو الظاهر.
وذكر ابن خلف أوجها متعسفة في إعراب كل لفظة من هذا البيت لا فائدة في نقلها.
ويعصرن بكسر الصاد. قال صاحب المصباح: عصرت العنب ونحوه عصرا، من باب ضرب: استخرجت ماءه، وأراد هنا يستخرجن السليط بفتح السين وكسر اللام. قال الصاغاني في العباب: السليط الزيت عند عامة العرب، وعند أهل اليمن دهن السمسم.
وقال ابن دريد وابن فارس: السليط بلغة أهل اليمن، وبلغة من سواهم: دهن السمسم: أقول: الأمر على خلافه، فإني سمعت أهل مكة حرسها الله تعالى، وأهل تهامة واليمن يسمون دهن السمسم: السليط. انتهى.
وقال ابن خلف: السليط الشيرج وهو هنا الزيت؛ لأن حوران من مدن الشام، وأهلها نبط، فهي بعصر الزيت أشهر منها بعصر الشيرج. وقد يجوز أن يكون الشيرج، لأنه يعصر بالشام كما يعصر الزيت. والدليل على أن السليط يقع على الزيت قول النابغة الجعدي: المتقارب
أضاءت لنا النار وجها أغ ... ر ملتبسا بالفؤاد التباسا
يضيء كضوء سراج السلي ... ط لم يجعل الله فيه نحاسا
والنحاس: الدخان، وذلك معدوم في الزيت، وأما الشيرج فكثير الدخان. هجاه بذلك إذ جعله من أهل القرى المستخدمين لإقامة عيشهم، ونفاه عما عليه العرب من الانتجاع والحرب.
والبيت من أبيات للفرزدق، وهي: الطويل
ستعلم يا عمرو بن عفرى من الذي ... يلام إذا ما الأمر عيت عواقبه
فلو كنت ضبيا صفحت ولو سرت ... على قدمي حياته وعقاربه
ولكن ديافي أبوه وأمه ... بحوران يعصرن السليط أقاربه
ولما رأى الدهنا رمته حبالها ... وقالت ديافي مع الشام جانبه
فإن تغضب الدهنا عليك فما بها ... طريق لزيات تقاد ركائبه
تضن بمال الباهلي كأنما ... تضن على المال الذي أنت كاسبه
وإن امرأ يغتابني لم أطأ له ... حريما ولا تنهاه عني تجاربه
كمحتطب يوما أساود هضبة ... أتاه بها في ظلمة الليل حاطبه
أحين التقى ناباي وابيض مسحلي ... وأطرق إطراق الكرا من أحاربه
روى صاحب الأغاني بسنده عن محمد بن سلام قال: أتى الفرزدق عبد الله بن مسلم الباهلي فسأله، فثقل عليه الكثير وخشيه في القليل، وعنده عمرو بن عفراء الضبي راوية الفرزدق وقد كان هجاه جرير، لروايته للفرزدق، في قوله: الطويل
ونبئت جوابا وسكنا يسبني ... وعمرو بن عفرى لاسلام على عمرو
فقال ابن عفراء الضبي: لا يهولنك أمره. فقال: وكيف ذاك ؟ قال: أنا أرضيه عنك بدون ما كان هم له به. فأعطاه ثلثمائة درهم، فبلغ الفرزدق صنيع عمرو فقال هذه الأبيات.
قال: فأتاه ابن عفراء في نادي قومه فقال له: اجهد جهدك، هل هو إلا هذا، والله لا أدع لك مساءة إلا أتيتها، ولا تأمرني بشيء إلا اجتنبته، ولا تنهاني عن شيء إلا ركبته. قال: فاشهدوا أني أنهاه أن ينيك أمه. فضحك القوم، وخجل ابن عفراء. وروى أيضا بعد هذا في موضع آخر عن يونس النحوي قال: مدح الفرزدق عمرو بن مسلم الباهلي، فأمر له بثلثمائة درهم، وكان عمرو بن عفراء الضبي صديقا لعمرو، فلامه، وقال: أتعطي الفرزدق ثلثمائة درهم، وإنما كان يكفيه أن تعطيه عشرين درهما ؟؟؟! فبلغ ذلك الفرزدق فقال: الطويل
نهيت ابن عفرى أن يعفر أمه ... كعفر السلى إذ جردته ثعالبه
وإن امرأ يغتابني لم أطأ له ... حريما فلا تنهاه عني أقاربه
كمحتطب ليلا أساود هضبة ... أتاه بها في ظلمة الليل حاطبه
ألما استوى ناباي وابيض مسحلي ... وأطرق إطراق الكرا من أحاربه
فلو كان ضبيا صفحت ولو سرت ... على قدمي حياته وعقاربه
ولكن ديافي أبوه وأمه ... بحوران يعصرن .. البيت انتهى
وقال ابن خلف وصاحب العباب:

(2/189)


سبب هذا الشعر أن عمرو بن عفراء الضبي قال لعبد الله بن مسلم الباهلي: وقد أعطى الفرزدق خلعة، وحمله على دابة وأمر له بألف درهم، فقال له عمرو بن عفراء: ما يصنع الفرزدق بهذا الذي أعطيته، إنما يكفي الفرزدق ثلاثون درهما، يزني بعشرة، ويأكل بعشرة، ويشرب بعشرة. فهجاه الفرزدق بهذا. انتهى.
وكذا رأيته في شرح ديوانه للحسن السكري من رواية ابن حبيب.
وقوله: ستعلم يا عمرو الخ، هذا تهديد، وعفراء بالمد، قصر ضرورة فكتب بالياء، وهي أمه. وعي: بمعنى لم يهتد لوجهه.
وقوله: فلو كنت ضبيا الخ، نفاه عن قبيلته لكونه سكن القرى، ولم يكن على طريقة العرب.
وقوله: ولما رأى الدهنا الخ، الدهنا يمد ويقصر، وهو موضع ببلاد تميم. وحبالها: أسبابها.
وديافي بتقدير هو ديافي، وجملة: مع الشام جانبه صفة له، وجواب لما محذوف، والتقدير سكن الشام ونحوه. وقال الحسن السكري: الواو هنا مقحمة في وقالت: لا موضع لها، أراد قالت. انتهى.
وقوله: فإن تغضب الدهنا هذا وجه رمي الدهنا له، فإنه سوقي يتاجر بالزيت. والدهنا لا تقبل من هو كذا. وقوله: تضن، أي: تبخل.
وقوله: كمحتطب يوما الخ، هو خبر إن في قوله وإن امرأ، وهو الذي يجمع الحطب. والأساود: جمع أسود، وهو العظيم من الحيات، وفيه سواد. والهضبة: الجبل المنبسط على وجه الأرض، أشار إلى المثل المشهور لمن يتكلم بالغث والسمين: حاطب ليل؛ لأنه لا يبصر ما يجمع في حبله؛ ربما يجمع في حطبه حية يكون هلاكه بها.
وقوله: أحين التقى ناباي الخ، التقاء النابين واستواؤهما كناية عن بلوغ الأشد. والمسحل: بكسر الميم وسكون السين وفتح الحاء المهملتين: عارض الرجل، أي: صفحة خده. وأطرق، أي: أرخى عينيه ينظر إلى الأرض.
والكرا لغة في الكروان. يقول: أيؤذيني في وقت شدتي، وحين تهابني أقراني وأطرقوا مني، كإطراق الكروان. والاستفهام إنكاري.
وقوله: نهيت ابن عفري أن يعفر أمه الخ، التعفير: التمريغ في التراب. والسلى بفتح السين المهملة والقصر، هو الجلدة الرقيقة التي يكون فيها الولد من المواشي.
وأنشد بعده، الشاهد السابع والسبعون بعد الثلاثمائة : الرجز ؟إن كنت أدري فعلي بدنه من كثرة التخليط أني من أنه على أنه قد يبين فتح أنا في الوقف بهاء السكت، كما في آخر القافية في هذا البيت.
قال ابن جني في سر الصناعة: فأما قولهم في الوقف على أن فعلت: أنا وأنه، فالوجه أن تكون الهاء في أنه بدلا من الألف في أنا، لأن الأكثر في الاستعمال إنما هو أنا بألف، والهاء قليلة جدا، فهي بدل من الألف.
ويجوز أن تكون الهاء أيضا في أنه ألحقت لبيان الحركة، كما ألحقت الألف ولا تكون بدلا منها بل قائمة بنفسها، كالتي في قوله تعالى: " كتابيه " و " حسابيه " و " سلطانيه " و " ماليه " و " ماهيه " . انتهى.
والبدنة قال صاحب المصباح: قالوا هي ناقة أبو بقرة. وزاد الأزهري أو بعير ذكر. قال: لا تقع البدنة على الشاة. وقال بعض الأئمة: البدنة هي: الإبل خاصة، وإنما ألحقت البقرة بالإبل بالسنة.
وقوله: من كثرة متعلق بالفعل المنفي ضمنا، أي: ما أدري من كثرة التخليط.
قال صاحب الصحاح: والتخليط في الأمر: الإفساد فيه. وقوله: أني بفتح الهمزة. وقوله: من أنه من عند سيبويه مبتدأ، وأنه خبر، وعند غيره بالعكس، والجملة في محل رفع خبر أني من أنه في محل نصب، ساد مسد مفعولي أدري.
وهذا البيت لم أقف له على أثر. والله أعلم.
وأنشد بعده، الشاهد الثامن والسبعون بعد الثلاثمائة الوافر
أنا سيف العشيرة فاعرفوني ... حميدا قد تذريت السناما
على أن ثبوت ألف أنا في الوصل عند غير بني تميم، لا يكون إلا في الضرورة.
قال ابن جني في شرح تصريف المازني أما الألف في أنا في الوقف فزائدة ليست بأصل. ولم نقض بذلك فيها من جهة الاشتقاق. هذا محال في الأسماء المضمرة، لأنها مبنية كالحروف، ولكن قضينا بزيادتها من حيث كان الوصل يزيلها ويذهبها، كما يذهب الهاء التي تلحق لبيان الحركة في الوقف.

(2/190)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية