صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : حياة الحيوان الكبرى
المؤلف : الدميري
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

قال الشعبي: قال لي عبد الله بن عباس، قال لي العباس: اي بني إني أرى هذا الرجل، يعني عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، يقدمك على كثير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإني أوصيك بكلمات أربع لا تفشين لهم سرا، ولا تحدثنهم كذبا، ولا تطرين عندهم نصيحة، ولا تغتابن لديهم أحدا. قال الشعبي: فقلت لابن عباس: كل واحدة منهن خير من ألف، قال: إي والله، ومن عشرة آلاف. قال بعض الحكماء: إذا زادك السلطان إكراما، فزده إعظاما وإذا جعلك ولدا فاجعله سيدا، وإذا جعلك أخا فاجعله والدا، ولا تديمن النظر إليه، ولا تكاسر من الدعاء له، ولا تتغير منه إذا سخط، ولا تغتر به إذا رضي ولا تلح في مسألته وقد قيل في المعنى:
قرب الملوك يا أخا البدر السني ... حظ جزيل بين شدقي ضيغم
قال الفضل بن الربيع: من كلم الملوك في حاجة في غير وقتها، جهل مقامه وضاع كلامه، وما أشبه ذلك إلا بأوقات الصلاة، التي لا تقبل إلا في وقتها. قال خالد بن صفوان : من صحب السلطان بالنصيحة والأمانة، كان أكبر عدو له، ممن صحبه بالفسق والخيانة، لأنه يجتمع على الناصح عدو السلطان وصديقه، بالعداوة والحسد، فعدو السلطان يبغضه لنصيحته، وصديقه ينافسه في مرتبته. قال أفلاطون الحكيم: إذا. خدمت ملكا، فلا تطعه في معصية ربك، فإن إحسانه إليك أفضل من إحسانه إليك، وإيقاعه بك أغلظ من إيقاعه بك. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من تواضع لغني لأجل غناه، ذهب ثلثا دينه " . رواه البيهقي في الشعب من حديث ابن مسعود وأنس بلفظ: " من أصبح حزينا على الدنيا، أصبح ساخطا على ربه، ومن أصبح يشكو مصيبته فإنما يشكو ربه، ومن دخل لغني فتضعضع له، ذهب ثلث دينه " .
وأخرج الديلمي، من حديث أبي ذر: " لعن الله فقيرا يتواضع لغني من أجل ماله. من فعل ذلك فقد ذهب ثلثا دينه " . وقد قال صلى الله عليه وسلم: " من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه " .
وروى أحمد عن بعض الصحابة مرفوعا " إنك لا تدع شيئا اتقاء الله إلا أعطاك الله خيرا منه "

(1/97)


وقال افلاطون الحكيم: من لم يعتبر بالتجارب، أوقعه الله في المهالك. وقال: كفى بالتجارب تأديبا وبتقلب الأيام عظة. وقال: الملك كالنهر الأعظم تستمد منه الأنهار الصغار، فإن كان عذبا عذبت، وإن كان مالحا ملحت. وسئل عن الرجل العاقل فقال: من اجتمعت فيه خصال الأدب، ولا يقهره الغضب، لأن العقل أصله التثبت في الأمور، وثمرته السلامة. وقال: السلطان كالسوق ما راج فيه حمل إليه، وصاحب الملك كراكب الأسد تهابه الناس، وهو لمركوبه أهيب. وقال: من عرف ما يطلب، هان عليه ما يبذل. ومن أطلق بصره، طال أسفه، ومن طال أمله ساء عمله. ومن أطلق لسانه، قيد نفسه. ومن أصلح فاسده أرغم حاسده. ومن قاسى الأمور، فهم المستور. ومن أحب المكارم اجتنب المحارم. ومن حسنت به الظنون، رمقته الرجال بالعيون. وقال الأدب ينوب عن الحسب. العفو يفسد اللئيم، بقدر ما يصلح الكريم. من شاور ذوي الألباب، دل على الصواب. من أمل إنسانا هابه، ومن قصر عن شيء عابه. من بالغ في الخصومة أثم، ومن قصر عنها ظلم. ولا يستطيع أن يتقي الله من خاصم. من فرط في الأمانة ضدها عمل. من عرض نفسه لما قصر عنه فعله، فقد نقص في عين غيره. من جاد ساد، ومن ساد قاد، ومن قاد بلغ المراد. ظلم الأيامى واليتامى مفتاح العقر. لا يصلح للصدر إلا من يكون واسع الصدر. ما تاه إلا وضيع، ولا فاخر إلا لقيط، ولا تعصب إلا بخيل، ولا أنصف إلا كريم. الحاجة إلى الأخ المعين، كالحاجة إلى الماء المعين. الكريم يلين إذا استعطف، واللئيم يقسو إذا لوطف. أقرب الناس إلى الله، أكثرهم عفوا عند القدرة. وأنقص الناس عقلا من ظلم من هو دونه. من لم يكن له من نفسه واعظ، لم تنفعه المواعظ. من رضي بالقضاء، صبر على البلاء. من عمر دنياه ضيع ماله. ومن عمر آخرته بلغ آماله. القناعة عز المعسر، والصدقة كنز الموسر. من سره فساده ساء معاده. الشقي من جمع لغيره، وبخل على نفسه. الخير أجل بضاعة، والإحسان أفضل صناعة. من استغنى عن الناس، أمن من عوارض الإفلاس. من رفع حاجة إلى الله، استظهر في أمره. ومن رفعها إلى الناس وضع من قدره. من أبدى سر أخيه أبى الله أسرار مساويه. أعص الجاهل تسلم، وأطع العاقل تغنم. ازدياد الأدب عند الأحمق، كازدياد الماء العذب في أصول الحنظلة، لا يزيدها إلا مرارة. مكتوب في الإنجيل: كما تدين تدان، بالكيل الذي تكيل تكال.
وكان بعض الخلفاء يتلطف في ادخال السرورعلى إخوانه، فيضع عندهم الصرة فيها ألف درهم، ويقول لبعضهم: امسكها حتى أعود إليك، ثم يرسل إليه بعض غلمانه فيقول له: أنت في حل من ذلك. وقال بعض الحكماء: أحزم الناس: من وقي نفسه بماله، ووفي دينه بنفسه، وأجود الناس: من عاش الناس في فضله. وأفضل اللذات التفضل على الإخوان. وقال: المعروف ذخيرة الأدب، والبر غنيمة الحازم، والخير عطر الأخيار من بذل ماله، استعبد أمثاله. ومن أذل فلسه، أعز نفسه. وإن صاحب المعروف لا يقع وإن وقع وجد متكأ. وقال: إمام عادل خير من مطر وإبل. وسلطان غشوم خير من فتنة تدوم. وقال: فضل الملوك في الإعطاء، وشرفهم في العفو، وعزهم في العدل. والعدل هو نظام العالم.
وقال صلى الله عليه وسلم: " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل " . فبدأ بالعدل، وقال عليه الصلاة والسلام: " عدل السلطان يوما يعدل عبادة سبعين سنة " . وقال عليه الصلاة والسلام: " عدل ساعة في الحكومة خير من عبادة ستين سنة " . وقال صلى الله عليه وسلم: " السلطان ظل الله في الأرض، يأوي إليه كل مظلوم من عباده، فإن عدل كان له الأجر وعلى الرعية الشكر، وإن جار كان عليه الإثم وعلى الرعية الصبر " .
خلافة المعتضد بالله أبي الفتح داود
بويع له بالخلافة في سابع عشر ذي الحجة سنة ست عشرة وثمانمائة، عوضا عن أخيه المستعين بالله، لما خلعه الملك السلطان المؤيد، فاستدعاه وأجلسه بينه وبين القاضي الشافعي صالح البلقيني وقرره في الخلافة فاستمر فيها إلى أن مات يوم الأحد الرابع من شهر ربيع الأول سنة خمسة وأربعين وثمانمائة وقد قارب السبعين بعد مرض طويل رحمة الله تعالى عليه.
خلافة المستكفي بالله

(1/98)


هو سليمان أبو الربيع بن المتوكل على الله أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن سليمان بن أحمد العباسي. بويع له بالخلافة يوم مات أخيه شقيقه المعتضد بالله بعهد منه في العشر الأول من شهر ربيع الأول من سنة خمس وأربعين وثمانمائة. قال الشيخ صلاح الدين الصفدي في شرح لامية العجم. قلت: وكذلك العبيديون الذين تسموا بالفاطميين، خلفاء مصر، فأول من ملك منهم بالمغرب المهدي، ثم القائم ثم إبنه المنصور ثم المعز وهو أول من ملك مصر منهم كما تقدم، ثم العزيز ثم كان السادس الحاكم فقتلته أخته. وسيأتي له ذكر إن شاء الله تعالى في باب الحاء المهملة لم لفظ الحمار. ثم قال: وإنها لما قتلتة ولت ابنه الظاهر، ثم كان المستنصر ثم المستعلي ثم الآمر ثم الحافظ، ثم كان السادس الظافر، فخلع وقتل، ثم ولي ابنه الفائز، ثم العاضد وهو آخرهم.
قال: وكذلك بنو أيوب في ملك مصر، فأولهم صلاح الدين الملك الناصر، ثم ابنه العزيز ثم أخوه الأفضل بن صلاح الدين ثم العادل الكبير أخو صلاح الدين، ثم الكامل ولده، ثم كان السادس العادل الصغير، فقبض عليه أرباب دولته وخلعوه، وولوا الملك الصالح نجم الدين أيوب، ثم ولده المعظم تورانشاه، وهو آخرهم.
قال: وكذلك دولة الأتراك، فأولهم: المعز عز الدين أيبك الصالحي، ثم ابنه المنصور، ثم المظفز قطز ثم الظاهر بيبرس، ثم ابنه السعيد محمد، ثم كان السادس العادل سلامش بن الظاهر بيبرس، فخلع. ثم ملك السلطان المنصور قلاوون الألفي انتهى.
وقد ذكر المؤلف رحمه الله تعالى دولة العبيديين، وغيرهم من ملوك مصر، على الإجمال مختصرا. وها أنا أذكرهم مفصلا مبينا، وذلك أن الحسين بن محمد بن أحمد بن عبد الله القداح، وذلك أنه كان يعالج العيون، ويقدحها ابن ميمون بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، قدم إلى سلمية، قبل وفاته، وكان له بها ودائع وأموال، من ودائع جده عبد الله القداح، فاتفق أنه جرى بحضرته ذكر النساء، فوصفوا له امرأة يهودي حداد، مات عنها زوجها، وهي في غاية الحسن والجمال، وله منها ولد يماثلها في الجمال، فتزوجها وأحبها وحسن موضعها منه، وأحب ولدها فعلمه فتعلم العلم، وصارت له نفس عظيمة وهمة كبيرة، وكان الحسين يدعي أنه الوصي، وصاحب الأمر، والدعاة باليمن والمغرب يكاتبونه ويراسلونه، ولم يكن له ولد، فعهد إلى ابن اليهودي الحداد، وهو عبيد الله المهدي أول من ملك من العبيديين. ونسبهم إليه، وعرفه أسرار الدعوة من قول وفعل وأمر الدعاة، وأعطاه الأموال والعلامات، وأمر أصحابه بطاعته وخدمته، وقال: إنه الإمام والوصي، وزوجه بابنة عمه، فوضع حينئذ المهدي لنفسه نسبا: وهو عبيد الله بن الحسين بن علي بن محمد بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. بعض الناس يقول: إنه من ولد القداح، فلما توفي الحسين، وقام بعده المهدي، انتشرت دعوته، وأرسل إليه داعية بالمغرب يخبره بما فتح الله عليه من البلاد، وإنهم ينتظرونه فشاع خبره عند الناس، أيام المكتفي، فطلب فهرب هو وولده أبو القاسم نزار الملقب بالقائم، وهو يومئذ غلام ومعهما خاصتهما ومواليهما يريدان المغرب. فلما وصلا إلى افريقية أحضر الأموال منها، واستصحبها معه فوصل إلى رقادة في العشر الأخير من شهر ربيع الآخر، سنة سبع وتسعين ومائتين ونزل في قصر من قصورها، وأمر أن يدعى له في الخطبة يوم الجمعة في جميع تلك البلاد ويلقب بأمير المؤمنين المهدي وجلس للدعاء في يوم الجمعة. فأحضر الناس بالعنف، ودعاهم الى مذهبه، فمن أجاب أحسن إليه ومن أبي حبسه.
فابتداء دولتهم سنة سبع وتسعين ومائتين، فأولهم المهدي عبيد الله ثم ابنه القائم نزار، ثم ابنه

(1/99)


المنصور اسماعيل، ثم ابنه المعز معد، وهو أول من ملك مصر من العبيديين، وكان ذلك في سابع عشر شعبان سنة ثلاث وخمسين وثلثمائة. ودعي له فيها يوم الجمعة العشرين من شعبان على المنابر، وانقطعت خطبة بني العباس من الديار المصرية من يومئذ، وكان الخليفة العباسي إذ ذاك المطيع لله الفضل بن جعفر، وفي يوم الثلاثاء سادس شهر رمضان سنة اثنتين وستين وثلثماثة، دخل المعز مصر بعد مضي ساعة من اليوم المذكور، وكل هذا جاء بطريق الاستطراد. فإن المقصود خلافه، ثم العزيز بن المعز، ثم ابنه الحاكم أبو العباس أحمد، وهو السادس من العبيديين، فقتل لأنه خرج عشية يوم الإثنين، سابع عشر شوال سنة إحدى عشرة وأربعمائة، وطاف على عادته في البلد، ثم توجه إلى شرقي حلوان، ومعه ركابيان، فردهما، وانتظره الناس إلى ثالث ذي القعدة، ثم خرجوا في طلبه، فبلغوا ذيل القصر، وأمعنوا في الطلب فشاهدوا حماره على ذروة الجبل مضروب اليدين بالسيف، فتتبعوا الأثر فانتهوا إلى بركة هناك، ونزل شخص فيها فوجد سبع حبات مزررة، وفيها أثر السكاكين، فلم يشكوا حينئذ في قتله، ثم ابنه الظاهر أبو الحسن علي ثم ابنه المستنصر، ثم ابنه المستعلي، ثم ابنه الآمر، ثم الحافظ عبد المجيد بن أبي القاسم محمد بن المستنصر، ثم ابنه الظافر وهو السادس، فقتل، ولم يل الخلافة بعده منهم إلا اثنان: ابنه الفائز، ثم العاضد عبد الله بن يوسف بن الحافظ.
وانقرضت دولة العبيديين في سنة سبع وستين وخمسمائة، وذلك في أيام المسضيء بنور الله أبي محمد الحسن بن المستنجد العباسي.
وخلفهم بمصر السلطان السعيد الشهيد الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، ثم ابنه الملك العزيز عثمان ثم أخوه الأفضل، ثم الملك العادل الكبير أبو بكر بن أيوب، ثم ابنه الملك الكامل محمد، ثم ابنه الملك العادل الصغير وهو السادس فخلع، ثم الملك الصالح أيوب بن الكامل، ثم ابنه الملك المعظم تورانشاه، ثم أخوه الأشرف يوسف وهو ابن شجرة الدر، ثم المعز أيبك، ثم ابنه المنصور، علي، ثم المظفر قطز وهو السادس فقتل. ثم الظاهر بيبرس، ثم أبنه السعيد محمد بن بركة خان، ثم أخوه العادل سلامش، ثم المنصور قلاون، ثم ابنه الأشرف خليل، ثم القاهر بيدر وهو السادس أقام نصف يوم وقتل، ثم الناصر بن المنصور فخلع مرة بالعادل كتبغا، وخلع نفسه مرة أخرى فتسلطن مملوك أبيه المظفر بيبرس، ثم العادل كتبغا، ثم المنصور لاجين، ثم المظفر بيبرس، ثم المنصور أبو بكر بن الناصر بن المنصور، ثم أخوه الأشرف كجك فخلع ثم قتل وهو السادس، ثم أخوهم الناصر أحمد، ثم أخوهم الصالح إسماعيل، ثم أخوهم الكامل شعبان، ثم أخوهم المظفر حاجي، ثم أخوهم الملك الناصر حسن، ثم أخوهم الملك الصالح صالح وهو السادس فخلع وسجن، وأعيد الملك لمن كان قبله، وهو الملك الناصر حسن، ثم المنصور علي بن الصالح، ثم الأشرف شعبان بن حسين بن الناصر، ثم المنصور علي بن الأشرف شعبان بن حسين بن الناصر، ثم أخوه الصالح حاجي بن الأشرف، ثم الظاهر برقوق، ثم أعيد حاجي ولقب بالمنصور، ثم أعيد برقوق، ثم ولده الناصر فرج، ثم أخوه العزيز، ثم أعيد فرج فخلع وقتل. ثم الخليفة المستعين بالله العباسي، ثم الملك المؤيد أبو النصر شيخ، ثم ابنه الملك المظفر أحمد فخلع، ثم الملك الظاهر ططر، ثم ولده الملك الصالح محمد فخلع، ثم الملك الأشرف برسباي، ثم ابنه الملك العزيز يوسف فخلع، ثم الملك الظاهر جقمق، ثم ولده الملك المنصور عثمان فخلع، ثم الملك الأشرف أينال، ثم ولده الملك المؤيد أحمد فخلع، ثم الملك الظاهر خشقدم، ثم الملك الظاهر بلباي فخلع، ثم الملك الظاهر تمريغا فخلع، ثم الملك الظاهر خايربك فخلع من ليلته، ثم الملك الأشرف قايتباي، ثم ولده الملك الناصر محمد فقتل، ثم الملك الظاهر قانصوه خال الملك الناصر محمد فخلع، ثم الملك الأشرف جانبلاط فخلع وقتل، ثم الملك العادل طومان باي فخلع وقتل، ثم الملك الأشرف قانصوه الغوري، ثم السلطان سليم بن محمد بن بايزيد بن عثمان، ثم ولده السلطان سليمان، ثم ولده السلطان سليم، ثم ولده السلطان مراد، نصره الله نصرا عزيزا، وفتح له فتحا مبينا، بمحمد وآله صلى الله عليه وسلم والحمد لله وحده، وقد أطلنا الكلام في ذلك ولكن لا يخلو من فائدة أو فوائد.

(1/100)


ولنرجع الى ما قصدنا من الكتاب، والله تعالى الموفق للصواب، فنقول: وهو أي الأوز يحب السباحة في الماء، وفرخة يخرج من البيض، فيسبح في الحال، وإذا حصنت الأنثى، قام الذكر يحرسها لا يفارقها طرفة عين وتخرج فراخها في أواخر الشهر. وفي المجالسة للدينوري والأذكياء لأبي الفرج بن الجوزي عن محمد بن كعب القرظي قال: جاء رجل إلى سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام، فقال: يا نبي الله إن لي جيرانا يسرقون أوزي، فنادى: الصلاة جامعة، ثم خطبهم فقال في خطبته: وأحدكم يسرق أوز جاره، ثم يدخل المسجد والريش على رأسه، فمسح رجل رأسه بيده، فقال سليمان: خذوه فإنه صاحبكم.
وحكمه: حل الأكل بالإجماع.
الخواص: لحم الأوز والبط كثير الحرارة والرطوبة، وبقراط الحكيم يقول: إنه أرطب الطير الحضري، وأجودها المخاليف وهو يخصب الأبدان، لكنه يملؤها فضولا ودفع ضررها نفخ البورق في حلوقها، قبل الذبح، وهو يولد خلطا بلغميا، ويوافق أصحاب الأمزجة الحارة، ويختار أن يطلى لحمها قبل الشي بالزيت، لتذهب زهومته، وفي طبخه أن يكثر من الأبازير الحارة ليزول غلظه وزهومته، لأنه كثير الفضول غير موافق للمعدة لعسر انهضامه، وهو لتكثيره الفضول يسرع إلى توليد الحميات. قالى القزويني: إذا شويت خصية الأوز وأكلها الرجل وجامع زوجته من وقته فإنها تعلق بإذن الله تعالى. وفي جوفه حصاة تمنع من الاستطلاق، إذا شربها المبطون نفعته. ودهنه ينفع من ذات الجنب وداء الثعلب، إذا طليا به. وأكل لسانه ينفع من تقطير البول، إذا ديم عليه وغذاؤه جيد إلا أنه بطيء الهضم. وأما بيضه فمعتدل الحرارة، لكنه غليظ وأنفعه النيمبرشت لكنه يضر بأصحاب القولنج ، والرياح والدوار، وأكله بالصعتر والملح يدفع ضرره، وهو يولد دما منتنا، ويوافق أصحاب الأمزجة الحارة. وهو وبيض النعام غليظان بطيآ الانهضام. فمن أحب أكلهما فليقنع بصفرتهما ويجب أن يعلم أن الصفرة، من كل بيض، ألطف من البياض، والبياض أرطب من الصفرة، وأغذى البيض وألطفه ذو الصفرة، وأقله غذاء ما كان من دجاج لا ديك لها، وهذا النوع لا يتولد منه حيوان ولا مما يباض في نقصان القمر على الأكثر، لأن البيض من الاستهلال إلى الإبدار يمتلىء، ويرطب فيصلح للكون، وبالضد من الابدار إلى المحاق وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر بيض الحجل والدجاج في أماكنهما.
الإلفة: السعلاة، وقيل الذئبة، وسيأتيان إن شاء الله تعالى في باب السين المهملة والذال المعجمة.
الإلق: بالكسر الذئب والأنثى القة وجمعهما الق. وربما قالوا للقردة الالقة ولا يقال للذكر الق ولكن قرد ورباح.
الأودع: اليربوع. قاله الجوهري: وسيأتي إن شاء الله في باب الياء آخر الحروف.
الأورق: من الإبل الذي لونه بياض إلى سواد. قاله الجوهري وهو أطيب الإبل لحما وليس بمحمود عندهم في عمله وسيره.
الأوس: الذئب وبه سمي الرجل. وأويس إسم للذئب جاء مصغرا مثل الكميت واللجين. قال الهذلي:
يا ليت شعري عنك والأمر أمم ... ما فعل اليوم أويس بالغنم
وقال الكميت :
كما خامرت في حضنها أم عامر ... لذي الحبل حتى عال أوس عيالها
لأن الضبع، إذا صيدت ولها ولد من الذئب، لم يزل الذئب يطعم ولدها إلى أن يكبر. قاله الجوهري. قال وقوله: لذي الحبل، أي للصائد الذي يعلق الحبل في عرقوبها. وسيأتي هذا إن شاء الله تعالى في العسبار أيضا.
روى الحافظ أبو نعيم بسنده إلى حمزة بن أسد الحارثي، قال: " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار إلى بقيع الغرقد، فإذا ذئب مفترش ذراعيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا أويس فافرضوا له فلم يفعلوا " انتهى. وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الذال المعجمة في لفظ الذئب قصة وافد الذئاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبهذا سمي أويس بن عامر القرني أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره، وسكن الكوفة وهو من أكبر تابعيها.

(1/101)


روى مسلم عن أسيد بن جابر عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: خير التابعين رجل يقال له أويس القرني، يأتي عليكم في أمداد أهل اليمن لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل " . فلما قدم على عمر رضي الله تعالى عنه سأله أن يستغفر له فاستغفر له الحديث بطوله. وقتل أويس يوم صفين مع علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.
وروى أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه في الزهد عن الحسن البصري أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من ربيعة ومضر " . قال الحسن: هو أويس القرني، وهو منسوب إلى قرن بفتح الراء، قبيلة من مراد. وللجوهري رحمه الله في ذلك غلط مشهور.
وخرج ابن السماك عن يحيى بن جعفر، قال: حدثنا شبابة بن سوار قال: حدثنا جرير بن عثمان عن عبد الله بن ميسرة وحبيب بن عبيد الرحبي، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتي مثل أحد الحيين ربيعة ومضر. قيل: يا رسول الله وما ربيعة من مضر؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما أقول ما أقول قال فكان المشيخة يرون أن ذلك الرجل عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه. وذكر القاضي عياض في الشفاء عن كعب أن لكل رجل من الصحابة شفاعة. وذكر ابن المبارك. قال: أخبرنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يكون في أمتي رجل يقال له صلة بن أشيم يدخل الجنة بشفاعته كذا وكذا " .
ايلس: قال القزويني إنه نوع من السمك عظيم جدا و حيوانات البحر كلها تصاد سواه. ومن خواصه إنه إذا شوي وأكل منه شخصان معا بينهما عداوة وخصومة تبدلت ألفة.
الأيم والأين: الحية وقال الأزرقي في تاريخ مكة الأيم الحية الذكر ثم روى بإسناده عن طلق بن حبيب قال: كنا جلوسا مع عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما في الحجر إذ قلص الظل وقامت المجالس، وإذا نحن ببريق أيم طالع من باب بني شيبة، فأشرأبت له أعين الناس، فطاف بالبيت سبعا وصلى ركعتين وراء المقام. فقمنا إليه وقلنا له: أيها المعتمر قد قضى الله نسكك وإن بأرضنا عبيدا وسفهاء وإنا نخشى عليك منهم، فمر ذاهبا نحو السماء فلم نره.
وفي الحديث : " إنه أمر بقتل الأيم " .
قال ابن السكيت أصله أيم فخفف مثل لين ولين وهين وهين والجمع أيوم وسيأتي إن شاء الله تعالى في الكعيب ما ذكره الأزرقي عقب هذا مما يشابهه.
الأيل: بتشديد الياء المكسورة ذكر الأوعال والأيل لغة فية ويقال هو الذي سمي بالفارسية كوزن. وأكثر أحواله شبيه ببقر الوحش وهو إذا خاف من الصياد يرمي نفسه من رأس الجبل ولا يتضرر بذلك وعدد سني عمره عدد العقد التي في قرنه وإذا لسعته الحية أكل السرطان. ويصادق السمك فهو يمشي إلى الساحل ليرى السمك. والسمك يقرب من البر ليراه والصيادون يعرفون هذا، فيلبسون جلده ليقصدهم السمك فيصيدوا منه. وهو مولع بأكل الحيات، يطلبها حيث وجدها وربما لسعته فتسيل دموعه إلى نقرتين تحت محاجر عينيه، يدخل الإصبع فيهما فتجمد تلك الدموع، وتصير كالشمس، فيتخذ درياقا لسم الحيات، وهو الباد زهر الحيواني. وأجوده الأصفر وأماكنه بلاد الهند والسند وفارس. وإذا وضع على لسع الحيات والعقارب نفعها، وإن أمسكه شرب السم في فيه نفعه، وله في دفع السموم خاصية عجيبة. وهذا الحيوان لا تنبت له قرون إلا بعد مضي سنتين عن عمره، فإذا نبتت قرناه، نبتا مستقيمين كالوتدين وفي الثالثة يتشعبان ولا يزال التشعب في زيادة إلى تمام ست سنين، فحينئذ يكونان كالشجرتين في رأسه ثم بعد ذلك يلقي قرنيه في كل سنة مرة، ثم ينبتان فإذا نبتا تعرض بهما للشمس ليصلبا، وقال ارسطو: إن هذا النوع يصاد بالصفير والغناء، ولا ينام ما دام يسمع ذلك، فالصيادون يشغلونه بذلك ويأتونه من ورائه، فإذا رأوه قد استرخت أذناه أخذوه. وذكره من عصب لا لحم ولا عظم، وقرنه مصمت لا تجويف فيه.

(1/102)


وهو في نفسه جبان دائم الرعب، وهو يأكل الحيات أكلا ذريعا وإذا أكل الحية بدأ بأكل ذنبها إلى رأسها. وهو يلقي قرونه في كل سنة، وذلك الهام من الله تعالى، لما للناس فيها من المنفعة، لأن الناس يطردون بقرنه كل دابة سوء وييسر عسر الولادة وينفع الحوامل، ويخرج الدود من البطن إذا أحرق منه جزء ولعق بالعسل، قاله في النعوت، ويسمن هذا الحيوان سمنا كثيرا فإذا اتفق له ذلك هرب خوفا من أن يصاد.
تتمة: قال الزجاجي سئل ابن دريد عن معنى قول الشاعر:
هجرتك لا قلى مني ولكن ... رأيت بقاء ودك في الصدود
كهجرالحائمات الورد لما ... رأت أن المنية في الورود
تغيظ نفوسها ظمأ وتخشى ... حماما فهي تنظر من بعيد
تصد بوجه ذي البغضاء عنه ... وترمقه بالحاظ الودود
فقال: الحائم الذي يدور حول الماء ولا يصل إليه. ومعنى الشعر أن الأيايل تأكل الأفاعي في الصيف، فتحمى وتلتهب لحرارتها فتطلب الماء، فإذا رأته امتنعت من شربه، وحامت عليه تتنسمه، لأنها لو شربته في تلك الحالة فصادف الماء السم الذي في أجوافها هلكت، فلا تزال تمتنع من شرب الماء، حتى يطول بها الزمان فيذهب ثوران السم ثم تشربه فلا يضرها.
فيقول هذا الشاعر: أنا في تركي وصالك مع شدة حاجتي إليه بمثابة الحائمات التي تدع شرب الماء مع شدة حاجتها إليه، إبقاء على حياتها.
والزجاجي هو عبد الرحمن بن إسحاق أبو القاسم الزجاجي، إمام النحو صحب أبا إسحاق الزجاج، فعرف به ونسب إليه. وصنف كتاب الجمل وطوله بكثرة الأمثلة ولم يشتغل به أحد إلا انتفع به، لأنه صنفه بمكه المشرفة وكان إذا فرغ من باب طاف أسبوعا وسأل الله تعالى أن يغفر له وأن ينفع به قارئه. ومن كلامه ما حرم الله شيئا إلا وأحل بازائه خيرا منه: حرم الميتة وأباح المذكي، وحرم الخمر وأباح النبيذ، وحرم السفاح وأباح النكاح، وحرم الربا وأباح البيع. توفي سنة سبع أو تسع وثلاثين وثلثمائة بدمشق، وقيل بطبرية وما أحسن قول أبي منصور موهوب الجواليقي اللغوي:
ورد الورى سلسال جودك فارتووا ... ووقفت حول الورد وقفة حائم
حيران أطلب غفلة من وارد ... والورد لا يزداد غير تزاحم
وكان الجواليقي إماما في فنون الأدب، وله تصانيف مفيدة وكان إماما للخليفة المقتفي يصلي به الصلوات الخمس. ولما دخل عليه أول دخلة، قال السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال له الطبيب هبة الله بن صاعد بن التلميذ النصراني: ما هكذا يسلم على أمير المؤمنين يا شيخ! فلم يلتفت إليه الجواليقي، وقال للمقتفي: يا أمير المؤمنين سلامي هو ما جاءت به السنة النبوية. وروى له خبرا في صورة السلام. ثم قال: يا أمير المؤمنين لو حلف حالف أن نصرانيا أو يهوديا لم يصل إلى قلبه نوع من أنواع العلم على الوجه المعتبر، لما لزمته كفارة الحنث، لأن الله تعالى ختم على قلوبهم، ولن يفك ختمه إلا الإيمان. فقال: صدقت وأحسنت. قال: فكأنما ألقم ابن التلميذ بحجر مع فضله وغزارة أدبه. ووجدت البيتين لابن الخشاب من أبيات. توفي الجواليقي في سنة تسع وثلاثين وخمسمائة ببغداد.
الحكم: يحل أكله لأنه مستطاب كالوعل. ولم يذكره الرافعي في باب الأطعمة وإنما ذكره في باب الربا. فقال: وفي لحم الظباء مع الأيل تردد للشيخ أبي محمد، واستقر جوابه على إنهما كالضأن مع المعز، أي فلا يباع أحدهما بالآخر إلا مثلا بمثل. انتهى.
وحكى المتولي في ذلك وجهين من غير ترجيح.
الخواص: إذا بخر بقرنه طرد الهوام وكل في سم، وإذا أحرق قرنه وسحق واستيك به قطع الصفرة والحفر من الأسنان، وشد أصولها، ومن علق عليه شيء من أجزائه لم ينم ما دام عليه وإذا جفف قضيبه وسقي هيج الباه. وإذا شرب دمه فتت الحصاة التي في المثانة والله تعالى أعلم.
ابن آوى: جمعه بنات آوى وكذلك ابن عرس وابن المخاض وابن اللبون تقول بنات عرس وبنات مخاض وبنات لبون وبنات آوى ولا ينصر قال الشاعر:
إن ابن آوى لشديد المقتنص ... وهو إذا ما صيد ريح في قفص
وكنيته أبو أيوب وأبو ذئيب وأبو كعب وأبو رائل وسمي ابن آوى لأنه يأوي إلى عواء أبناء

(1/103)


الشجرة كقاضيان ويقال للبزاة والشواهين وغيرهما مما يصيد صقور، ولفظه مشتق من البزوان وهو طويل المخالب والأظفار يعدو على غيره، ويأكل مما يصيد من الطيور وغيرها. وخوف الدجاج منه أشد من خوفها من الثعلب، لأنه إذا مر تحتها وهي على الشجرة أو الجدار تساقطت وإن كانت عددا كثيرا.
الحكم: الأصح تحريم أكله، لأنه يعدو بنابه ولو قيل إن نابه ضعيف فيكون كالضبع والثعلب لكان مذهبا. وملخص ما فيه عندنا وجهان: الأصح في المحرر والمنهاج والشرح والحاوي الصغيرين التحريم. والثاني وهو اختيار الشيخ أبي حامد الحل. وسئل الإمام أحمد عنه؟ فقال كل ما نهش بأنيابه فهو من السباع. وبحظره قال أبو حنيفة وصاحباه.
الخواص: إذا ترك لسانه في بيت وقعت الخصومة بين أهله. ولحمه ينفع من الجنون والصرع العارض في أواخر الشهر، وإذا علقت عينه اليمنى على من يخاف العين أمن ولم تضره عين عائن. وقلبه إذا علق على شخص أمن من سائر السباع بإذن الله تعالى والله تعالى أعلم.
باب الباء الموحدة
البابوس: الصغير من أولاد الناس وغيرهم. قال ابن أحمر:
حنت قلوصي إلى بابوسها طربا ... وما حنينك بل ما أنت والذكر
البازي: أفصح لغاته بازى مخففة الياء، والثانية باز، والثالثة بازي بتشديد الياء، حكاهما ابن سيده، وهو مذكر لا اختلاف فيه. ويقال في التثنية بازيان، وفي الجمع بزاة كقاضيان وقضاة. وقضاة. ويقال للبزاة والشواهين وغيرهما مما يصيد صقور، ولفظه مشتق من البزوان وهو الوثب. وكنيته أبو الأشعث وأبو البهلول وأبو لاحق، وهو من أشد الحيوانات تكبرا وأضيقها خلقا. قال القزويني في عجائب المخلوقات: قالوا إنه لا يكون إلا أنثى وذكرها من نوع آخر كالحدا والشواهين، ولهذا اختلفت أشكالها روينا عن عبد الله بن المبارك إنه كان يتجر ويقول: لولا خمسة ما اتجرت السفيانان وفضيل وابن السماك وابن علية أي ليصلهم فقدم سنة فقيل له: قد ولي ابن علية القضاء فلم يأته ولم يصله بشيء، فأتي إليه ابن علية فلم يرفع رأسه إليه، ثم كتب إليه ابن المبارك يقول:
يا جاعل العلم له بازيا ... يصطاد أموال المساكين
احتلت للدنيا ولذاتها ... بحيلة تذهب بالدين
فصرت مجنونا بها بعدما ... كنت دواء للمجانين
أين رواياتك في سردها ... لترك أبواب السلاطين
أين رواياتك فيما مضى ... عن ابن عوف وابن سيرين
إن قلت أكرهت فذا باطل ... زل حمار العلم في الطين
فلما وقف إسماعيل بن علية على الأبيات، ذهب إلى الرشيد ولم يزل به إلى أن استعفاه من القضاء فأعفاه.
وعبد الله بن المبارك إمام جليل زاهد عابد جمع بين العلم والعمل. ذكر ابن خلكان في ترجمته قال: عطس رجل عند عبد الله بن المبارك فلم يحمد الله عز وجل، فقال له ابن المبارك: أي شيء يقول العاطس إذا عطس؟ قال الحمد لله. فقال ابن المبارك: يرحمك الله. فعجب الحاضرون من حسن أدبه، وقال أيضا: قدم هارون الرشيد الرقة، فانحفل الناس خلف عبد الله بن المبارك، وتقطعت النعال، وارتفعت الغيرة، فأشرفت أم ولد الرشيد من قصر الخشب، فلما رأت الناس قالت: من هذا؟ قالوا: عالم من أهل خراسان، يقال له عبد الله بن المبارك. فقالت: هذا والله الملك لا ملك هارون الذي لا يجمع الناس إلا بشرط وأعوان. وذكر غيره أن عبد الله بن المبارك استعار قلما من الشام، فعرض له سفر فسافر إلى انطاكية، وكان قد نسي القلم معه فتذكره هناك فرجع من انطاكية إلى الشام ماشيا حتى رد القلم إلى صاحبه وعاد.
وروي أن عند ذكره تنزل الرحمة توفي رحمه الله تعالى سنة إحدى وثمانين ومائة رحمة الله تعالى عليه.
ومن أخبار الرشيد، أنه خرج يوما إلى الصيد فأرسل بازيا أشهب فلم يزل يحلق حتى غاب في الهواء ثم رجع بعد اليأس منه، ومعه سمكة فأحضر الرشيد العلماء وسألهم عن ذلك فقال مقاتل: يا أمير المؤمنين روينا عن جدك ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الهواء معمور بأمم مختلفة الخلق سكان، فيه ثواب بيض تفرخ فيه شيئا على هيئة السمك لها أجنحة ليست بذوات ريش فأجاز مقاتلا على ذلك وأكرمه.

(1/104)


وهو خمسة أصناف البازي والزرق والباشق والبيدق والصقر. والبازي أحرها مزاجا لأنه قليل الصبر على العطش، ومأواه مساقط الشجر العادية الملتفة والظل الظليل وهو خفيف الجناح، سريع الطيران وإناثه أجرأ على عظام الطير من ذكوره، وهذا الصنف تصيبه الأمراض وانحطاط اللحم والهزال. وأحسن أنواعه ما قل ريشه واحمرت عيناه مع حدة فيهما كما قال الناشىء :
لو استضاء المرء في ادلاجه ... بعينه كفته عن سراجه
ودونه الأزرق الأحمر العينين والأصفر دونهما ومن صفاته المحمودة: أن يكون طويل العنق، عريض الصدر بعيد ما بين المنكبين، شديد الانخراط إلى ذنبه، وأن تكون فخذاه طويلتين مسرولتين بريش، وذراعاه غليظتين قصيرتين. وفرخ البازي يسمى غطريفا ويضرب بالبازي المثل في نهاية الشرف كما قال الشاعر:
إذا ما اعتز ذو علم بعلم ... فعلم الفقه أولى باعتزاز
وكم طيب يفوح ولا كمسك ... وكم طير يطير ولاكباز
قال الشيخ الزاهد أبو العباس القسطلاني: سمعت الشيخ أبا شجاع زاهر بن رستم الأصبهاني إمام مقام إبراهيم بمكة يقول: سمعت الشيخ أحمد خادم الشيخ حماد يقول: دخل الشيخ عبد القادر على الشيخ حماد الدباس يزوره فنظر إليه الشيخ، وكان قد رأى أنه قد اصطاد بازيا فأثرت نظرة الشيخ فيه، فخرج من عنده وتجرد عن أسبابه وكان من أكابر أصحابه انتهى. ولهذا كان الشيخ عبد القادر يقول:
أنا بلبل الأفراح أملأ دوحها ... طربا وفي العلياء باز أشهب
قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في طبقاته: كان ابن شريح يقال له الباز الأشهب. وقال الوعيظي في أول قصيدته:
ليس المقام بدار الذل من شيمي ... ولا معاشرة الأنذال من هممي
ولا مجاورة الأوباش تجمل بي ... كذلك الباز لا يأوي مع الرخم
وأما الباشق بفتح الشين وكسرها فأعجمي معرب، وكنيته أبو الآخذ وهو أيضا حار المزاج، يغلب عليه القلق والزعارة، يأنس وقتا ويستوحش وقتا وهو قوي النفس، فإذا أنس منه الصغيرة بلغ صاحبه من صيده المراد وهو خفيف المحمل، ظريف الشمائل، يليق بالملوك أن تخدمه، لأنه يصيد أفخر ما يصيمه البازي وهو الدراج والحمام والورشان، وهو كثير الشبق وإذا قوي عليه صيده لا يتركه إلا أن يتلف أحدهما. وأحمد صفاته أن يكون صغيرا في المنظر ثقيلا في الميزان، طويل الساقين قصير الفخذين.
وأما البيدق فلا يصيد إلا العصافير، وهو قليل الغناء قريب في الطبع من العقصي قال أبو الفتح كشاجم في المعنى:
حسبي من البزاة والبيادق ... ببيدق يصيد صيد الباشق
مؤدب مدرب الخلائق ... أصيد من معشوقة لعاشق
يسبق في السرعة كل سابق ... ليس له في صيده من عائق
ربيته وكنت غير واثق ... أن الفرازين من البيادق
وأما العقصي فهو أصغر الجوارح نفسا، وأضعفها حيلة، وأشدها ذعرا، وأيبسها مزاجا يصيد العصفور في بعض الأحايين، وربما هرب منه. وهو يشبه الباشق في الشكل إلا أنه أصغر منه.
الحكم: يحرم أكله بجميع أنواعه " لنهيه صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطيور " . رواه مسلم عن ميمون بن مهران عن ابن عباس رضي الله عنهما، وبهذا قال أكثر أهل العلم.

(1/105)


وقال مالك والليث والاوزاعي ويحيى بن سعيد لا يحرم من الطير شيء واحتجوا بعموم الآيات المبيحة، ولم يثبت عند مالك حديث النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع، فكان على الإباحة. قال الأبهري: ليس في ذي المخلب عن النبي صلى الله عليه وسلم نهي صحيح. وقال غيره: لم يثبت حديث الذي عن أكل كل ذي مخلب من الطير لأن ميمون بن مهران رواه عن ابن عباس وسقط بينهما سعيد بن جبير، فصار هذا علة تحطه عن رتبة الصحيح. وقال إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه: يكره للمحرم استصحاب البازي، وكل صائد من كلب وغيره لأنه ينفر الصيد وربما انفلت فقتل صيدا، فإن حمله فأرسله على صيد فلم يقتله ولم يؤذه فلا جزاء عليه، لكن يأثم كا لورماه بسهم فأخطأه فإنه يأثم بالرمي لقصده الحرام. ولا ضمان لعدم الإتلاف قال: وما فيه مضرة ومنفعة لا يستحب قتله لما فيه من المنفعة ولا يكره لعدوانه على الناس كالبازي والفهد والصقر والعقاب، ونحوها. ويصح بيع البازي وإجارته بلا خلاف لأنه طاهر منتفع به روى الترمذي عن عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد البازي فقال : " ما أمسك عليك فكل " .
الأمثال: قالت العرب: " وهل ينهض البازي بغير جناح، يضرب في الحث على التعاون والوفاق قال الشاعر:
أخاك أخاك إن من لا أخا له ... كساع إلى الهيجا بغير سلاح
وان ابن عم المرء فاعلم جناحه ... وهل ينهض البازي بغير جناح
ومن ملح أمثال أبي أيوب سليمان بن أبي مجالد قال خالد بن يزيد الأرقط: بينما أبو أيوب في أمره ونهيه إذ طلبه المنصور فاصفر وارتعد، فلما خرج من عنده تراجع لونه وكان ذلك دأبه، كلما طلبه، فقيل له: إنا نراك مع كثرة دخولك إلى أمير المؤمنين وأنسه بك تتغير إذا دخلت عليه؟ فضرب لذلك مثلا فقال: زعموا أن بازيا وديكا تناظرا فقال البازي للديك: ما أعرف أقل وفاء منك! فقال: وكيف؟ قال: لأنك تؤخذ بيضة فيحضنك أهلك، وتخرج على أيديهم فيطعمونك بأكفهم، حتى إذا كبرت صرت لا يدنو منك أحد إلا طرت ههنا وههنا وصحت، وإن علوت حائط دار، كنت فيها سنين طرت وتركتها وصرت إلى غيرها، وأنا أؤخذ من الجبال، وقد كبر سني فأطعم الشيء القليل، وأونس يوما أو يومين ثم أطلق، على الصيد فأطير وحدي، فآخذه وأجيء به إلى صاحبي، فقال له الديك: ذهبت عنك الحجة، أما لو رأيت بازيين في سفود ما عدت إليهم أبدا، وأنا كل يوم ووقت أرى السفافيد مملوأة ديوكا، وأقيم معهم فأنا أوفى منك لو كنت مثلك، وأنتم لو عرفتم من المنصور ما أعرف، لكنتم أسوأ حالا مني عند طلبه إياكم، ثم إنه قتله في سنة أربع وخمسين ومائة، بعد أن عذبه وأخذ أمواله وكان قد تمكن من المنصور، غاية التمكن لاحسان فعله مع المنصور قبل خلافته ثم أبغضه، وهم أن يوقع به وتطاول ذلك، وكان كلما دخل عليه ظن أنه سيوقع به ثم يخرج سالما.
قيل: إنه كان معه شيء من الدهن قد عمل فيه سحرا فكان يدهن حاجبيه إذا دخل على المنصور، فصار مثلا في العامة يقولون: دهن أبي أيوب قال في الجواهر الزواهر. وكان المنصور يوده كثيرا ويبتسم إليه وأنشد على ذلك لناصح الدين سعيد بن الدهان سيبويه عصره في النحو قوله:
لا تجعل الهزل دأبا فهو منقصة ... والجد تعلو به بين الورى القيم
ولا يغرنك من ملك تبسمه ... ما سحت السحب إلا حين تبتسم
ومن محاسن شعره قوله:
بادر إلى العيش والأيام راقدة ... ولا لكن لصروف الدهر تنتظر
فالعمر كالكأس يبدو في أوائله ... صفو وآخره في قعره كدر
وله أيضا، لقال إنه لابن طباطبا الطالبي:
تأمل نحولي والهلال إذا بدا ... لليلته في أفقه أينا أضنى
على أنه يزداد في كل ليلة ... نموا وجسمي بالضنى دائما يفنى
وله أيضا:
والله لولا أن يقال تغيرا ... وصبا وإن كان التصابي أجدرا
لا عدت تفاح الخدود بنفسجا ... لثما وكافور الترائب عنبرا
وكانت وفاته سنة تسع وستين وخمسمائة قال الغزنوي: الترائب جمع تريبة وهو موضع القلادة من الصدر، وزاد الكواشي وقيل: الصدر وقيل: النحر وقيل: أطراف الرجل.

(1/106)


الخواص: مرارته من اكتحل بها أمن من نزول الماء في عينيه. وإن شربت امرأة من زرق البازي مدافا بماء أعان على الحبل، وإن كانت عاقرا.
وأما الباشق فدماغه ينفع من الخفيقان العارض من السوداء، إذا سقي منه وزن درهم بماء ورد، ومرارته تنفر من ظلمة العين اكتحالا.
التعبير: البازي في المنام يدل على سلطان لمن هو من أهل الإمارة، فإن ذهب من يديه وبقي منه ساقه، فمب ملكه وبقي ذكره. وإن بقي في يده شيء من الريش، بقي في يده شيء من المال. وذبح البازي ظفر بلص، وذبح البزاة يدل على موت الملوك، الذين يأخذون الأموال جهارا، ولحوم البزاة أموال السلاطين، والبزاة للرجل السوقي رياسة وشرف. والباشق في المنام لص وقيل ولد ذكر.
البازل: البعير الذي فطر نابه أي انشق، ذكرا كان أو أنثى، وذلك في السنة الثامنة. والجمع: بزل وبزل وبوازل.
روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، " أن النبي صلى الله عليه وسلم استقرض بكرا فرد بازلا وقال: خيركم أحسنكم قضاء " وروى الخطابي عن ابن خزيمة قال: سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: سئل ابن عيينة عن معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من استجمر فليوتر " . فسكت ابن عيينة فقيل: أترضى بما قاله مالك؟ قال: وما قال مالك؟ قال: قال: الاستجمار الاستطابة بالأحجار. قال فقال ابن عيينة إنما مثلي ومثل مالك كما قال الأول:
وابن اللبون إذا ما لز في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس
الباقعة: الداهية يقال رجل باقعة، إذا كان ذا دهاء. ونقل الهروي عن أبي عمرو أنه طائر حذر إذا شرب الماء يطير يمنة ويسرة. وفي حديث القبائل أن عليا قال لأبي بكر رضي الله تعالى عنهما: لقد عثرت من الأعراب على باقعة وفي حديث آخر ففاتحته فإذا هو باقعة.
بالام: روى البخاري ومسلم عن أبي الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يكفؤها الجبار بيده، كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر، نزلا لأهل الجنة " . قال: فأتى رجل من اليهود، فقال: بارك الرحمن فيك يا أبا القاسم ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟ قال: بلى. قال: تكون الأرض خبزة واحدة. كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلينا ثم ضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: ألا أخبرك بإدامهم؟ قال: بلى. قال: بالام ونون. قال: وما هما؟ قال: ثور ونون يأكل من زيادة كبدهما سبعون ألفا " .
هكذا عند البخاري سبعون بتقديم السين.
وفي صحيح مسلم في كتاب الظهار من حديث ثوبان. قال: " كنت قائما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء حبر من أحبار اليهود فقال: السلام عليك يا محمد فدفعته دفعة، كاد يصدع منها فقال لم تدفعني؟ فقلت لم لا تقول رسول الله فقال اليهودي: إنا ندعوه بإسمه الذي سماه به أهله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن إسمي محمد الذي سماني به أهلي. فقال اليهودي: جئت أسألك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أينفعك شيء إن حدثتك؟ فقال: اسمع بأذني فنكت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعود معه وقال: سل. فقال اليهودي أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هم في " ظلمة دون الحشر " . فقال: فمن أول الناس إجازة يوم القيامة؟ قال صلى الله عليه وسلم: " فقراء المهاجريين " . قال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة. قال: " زيادة كبد النون " . قال: فما غذاؤهم على أثرها؟ قال: " ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها " . قال: فما شرابهم عليه؟ قال: " من عين فيها تسمى سلسبيلا " . قال: صدقت. وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان. قال: " أينفعك إن حدثتك؟ قال: اسمع بأذني. قال: سل. قال: أسألك عن الولد؟ قال صلى الله عليه وسلم: " ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فاذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة، كان ذكرا بإذن الله تعالى، وإذا علا مني المرأة مني الرجل، كان أنثى بإذن الله تعالى " . قال: صدقت إنك لنبي، ثم انصرف. فلما ذهب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قد سألني هذا عن الذي سألني عنه، وما لي علم بشيء منه، حتى أتاني الله عز وجل " .

(1/107)


وفي صحيح البخاري من حديث أنس قريب من هذا، وأن اليهودي هو عبد الله بن سلام رضي الله عنه هكذا جاء الحديث مفسرا.
أما النون فهو الحوت وبه سمي يونس عليه السلام ذا النون. وأما بالام، فقد تكلفوا له شرحا غير مرضي، ولعل اللفظة عبرانية. كذا قال في النهاية، وقال الخطابي: لعل اليهودي أراد التعمية فقطع الهجاء، وقدم أحد الحرفين على الآخر وهي لام ألف وياء، يريد لأي بوزن لعي، وهو الثور الوحشي فصحف الراوي الياء بالباء، قال: وهذا أقرب ما يقع لي فيه. والصحيح أنها لفظة عبرانية. وأما زيادة كبد الحوت، فهي القطعة المنفردة المتعلقة بها، وهي أطيبها وهؤلاء السبعون ألفا يحتمل أنهم الذين يدخلون الجنة بغير حساب، ويحتمل أنه عبر بالسبعين ألفا عن العدد الكثير من غير إرادة حصر ورواه النسائي في عشرة النساء أيضا.
البال: سمكة تكون في البحر الأعظم، يبلغ طولها خمسين ذراعا يقال لها العنبر، وليست بعربية قال الجواليقي: كأنها عربت. وقال في الصحاح: البال الحوت العظيم، من حيتان البحر ليس بعربي. وقال القزويني: البال سمكة طولها خمسمائة ذراع أو أكثر، تظهر في بعض الأوقات، طرف جناحها كالشراع العظيم وأهل المراكب يخافون منها أعظم خوف، فاذا أحسوا بها ضربوا بالطبول لتنفر عنهم، فإذا بغت على حيوان البحر بعث الله سمكة نحو الذراع تلصق بأذنها، فلا خلاص للبال منها، فتطلب قعر البحر وتضرب الأرض برأسها حتى تموت، وتطفو على الماء كالجبل العظيم. ولها أناس من الزنج يرصدونها، فإذا وجدوها طرحوا فيها الكلاليب وجذبوها إلى الساحل، وشقوا بطنها واستخرجوا العنبر منها وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب العين المهملة ذكر هذا الحيوان وما يتعلق بالعنبر من الأحكام.
الببر: بباءين موحدتين الأول مفتوحة والثانية مكسورة ضرب من السباع يعادي الأسد من العدو لا من العدوان. ويقال له: البريد، ويقال له الفرانق بضم الفاء وكسر النون. وهو هندي معرب شبيه بابن آوى، ويقال إنه متولد من الزبرقان واللبوة ومن طبعه أن الأنثى منه تلقح من الريح، ولهذا كان عدوه كالريح ولا يقدر أحد على صيده، وإنما تسرق جراؤه فتجعل في مثل القوارير من زجاج، ويركض بها على الخيول السابقة، فإذا أدركهم أبوها ألقوا إليه قارورة منها فيشتغل بالنظر إليها، والحيلة في إخراج ولده منها فيفوته بقيتها فيربى حنيئذ، ويألف الصبيان ويأنس بالأنس، وهو بألف شجرة الكافور كثيرا فإذا كان عندها لم يستطع أحد أن يأخذ منها شيئا لكنه يفارقها في زمن معلوم، فإذا علم أهل تلك النواحي بذلك أتوا إلى الشجرة وأخذوا منها الكافور.
الحكم: يحرم أكله لأنه يتقوى بنابه.
الخواص: من أصابه سرسام أو برسام، يطلي رأسه بمرارة الببر مضروبة بالماء، ينفعه نفعا بينا. وإذا تحملتها المرأة لا تحمل أبدا وإذا كانت حاملا أسقطت، وكعبه يشد على الزند فلا يتعب حامله أبدا، ولو سار كل يوم عشرين فرسخا. وجلده يجلس عليه من به حب القرع يزول عنه. وذكر في ربيع الأبرار أن الببر على صورة الأسد الكبير وهو أبيض يلمع بصفرة وخطوط سود وقال ارسطو: الببر سبع مهيب يكون بأرض الحبشة خاصة لا بغيرها.
الببغاء: بثلاث باآت موحدات أولاهن وثالثتهن مفتوحتان والثانية ساكنة وبالغين المعجمة وهي هذا الطائر الأخضر المسمي بالمرة، بدال مهملة مضمومة، قاله في العباب وضبطها ابن السمعاني في الأنساب بباءين بفتح الأولى وبإسكان الثانية. وقال: لقب بها أبو الفرج الشاعر لفصاحته، وقال القضاعي: للثغة كانت في لسانه، وهي في قدر الحمام يتخذها الناس للانتفاع بصوتها، كما يتخذون الطاووس للانتفاع بصوته ولونه. ومن الببغاء، نوع أبيض وقد أهدي لمعز الدولة بن بويه درة بيضاء اللون، سوداء المنقار والرجلين على رأسها ذؤابة فستقية، وجميع أنواعها معدوم سوى الأخضر فهو الموجود الآن.
وهو حيوان دمث الخلق، ثاقب الفهم، له قوة على حكاية الأصوات وقبول التلقين، يتخذه

(1/108)


الملوك والأكابر لينم بما يسمع من الأخبار، ويتناول مأكوله برجله، كما يتناول الإنسان الشيء بيده. والناس يحتالون في تعليمه بطرق عدة: قال أرسطاطاليس: إذا أردت تعليم الببغاء الكلام، فخذ مرآة واجعلها أمامها، فترى صورتها أي صورة نفسها، ثم تكلم من ظاهر المرآة وتعاودها، فإنها تعيد الكلام. وقال ابن الفقيه : رأيت بجزيرة رانج حيوانات غريبة الأشكال ورأيت فيها صنفا من الببغاء أحمر وأبيض وأصفر، يعيد الكلام بأي لغة كانت قال أبو إسحاق الصابي في وصفها:
أنعتها صبيحة مليحة ... ناطقة باللغة الفصيحة
عدت من الأطيار واللسان ... يوهمني بأنها إنسان
تنهي إلى صاحبها الاخبارا ... وتكشف الاسرار والاستارا
بكماء إلا أنها سميعه ... تعيد ما تسمعه طبيعة
زارتك من بلادها البعيدة ... واستوطنت عندك كالقعيدة
ضيف قراه الجوز والارز ... والضيف في اتيانه يعز
تراه في منقارها الخلوقي ... كلؤلؤ يلقط بالعقيق
تنظر من عينين كالفصين ... في النور والظلمة بصاصين
تميس في حلتها الخضراء ... مثل الفتاة الغادة العذراء
خريدة خدورها الأقفاص ... ليس لها من حبسها خلاص
نحبسها وما لها من ذنب ... وإنما ذاك لفرط الحب
تلك التي قلبي بها مشغوف ... كنيت عنها واسمها معروف
يشرك فيها شاعر الزمان ... الكاتب المعروف بالبيان
ذلك عبد الواحد بن نصر ... تقيه نفسي حادثات الدهر
فأجابه أبو الفرج بقوله:
من منصفي من محكم الكتاب ... شمس العلوم قمر الأداب
أمسى لأصناف العلوم محرزا ... وسام أن يلحق لما برزا
وهل يجارى السابق المقصر ... أو هل يبارى المدرك المغرر
إلى أن قال في وصفها:
ذات شغا تحسبه ياقوتا ... لا ترتضي غير الأرزقوتا
كأنما الحبة في منقارها ... حبابة تطفو على عقارها
وقال القاضي ابن خلكان في ترجمة الفضل بن الربيع: إن أحمد بن يوسف الكاتب كتب إلى بعض إخوانه وقد ماتت له ببغاء، وله أخ كثير التخلف يسمى عبد الحميد:
أنت تبقى ونحن طرا فداكا ... أحسن الله ذو الجلال عزاكا
فلقد جل خطب دهر أتاكا بمقادير أتلفت ببغاكا
عجبا للمنون كيف أتتها ... وتخطت عبد الحميد أخاكا
كان عبد الحميد أجمل للمو ... ت من الببغا وأولى بذاكا
شملتنا المصيبتان جميعا ... فقدنا هذه ورؤية ذاكا
قال الزمخشري: إن الببغاء تقول: ويل لمن كانت الدنيا همه.
الحكم: يحرم أكلها على الأصح في الرافعي، ونقله في البحر عن الصيمري، وأقره وعلل ذلك بخبث لحمها، وقيل: حلال لأنها تأكل من الطيبات، وليست من ذوات السموم ولا من ذوات المخلب، ولا أمر بقتلها ولا نهي عنه. وقطع المتولي بجواز استئجارها للأنس بصوتها. وحكى البغوي لا ذلك وجهين. وكذا كل ما يستأنس بصوته كالعندليب وغيره.
الخواص: من أكل لسان الببغاء، صار فصيحا جريئا في الكلام. ومرارتها تثقل اللسان أكلا. ودمها يجفف ويسحق وينثر بين الصديقين، تظهر بينهما العداوة. وذرقها بخلط بماء الحصرم، ينفع من الظلمة والرمد اكتحالا.
التعبير: الببغاء في المنام رجل نحس كذاب. وقيل رجل فيلسوف، وفرخه ولد فيلسوف وقيل: وهي جارية أو غلام يتيم.
البج: من طير الماء وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر الجنس أجمع في باب الطاء المهملة.
البجع: الحوصل. وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الحاء وقد أحسن الشاعر حيث قال فيه ملغزا:
ما طائر في قلبه ... يلوح للناس عجب
منقاره في بطنه ... والعين منه في الذنب
قال التميمي في منافع القرآن: من كتب على جلد حوصلة البجع بماء ورد أو بماء مطر قوله تعالى: " وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون " ثم جعل ذلك على صدر النائم من رجل أو امرأة فإنه يخبر بكل ما عمل.

(1/109)


البخزج: بالباء الموحدة والزاي والجيم ولد البقرة الوحشية.
البجاق: كغراب الذئب الذكر.
البخت: من الإبل معرب. وبعضهم يقول: هو عربي الواحد الذكر بختي، والأنثى بختية، وجمعه بخاتي، غير مصروف لأنه بزنة جمع الجمع، ولك أن تخفف الياء فتقول البخاتي. وكذا كل ما أشبهها مما واحده مشدد يجوز في جمعه التشديد والتخفيف: كالعواري والسواري والعلالي والأواني والأثافي والكراسي والمهاري وشبهها. وممن ذكر هذه القاعدة ابن السكيت في إصلاحه والجوهري في صحاحه، قال ابن السكيت: والأثفية بثاء مثلثة مفرد الأثافي وهي الأعمدة الثلاثة تتخذ لوضع القدر عليها حال الطبخ ومن كلام العرب رماه الله بثالثة الأثافي يعني الجبل لأن الإنسان إذا لم يجد إلا إثنتين جعل الثالثة الجبل، فعبروا بثالثة الأثافي عن الجبل. والبخاتي جمال طوال الأعناق.
روى أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد من حديث جنادة بن أبي أمية قاد: كنا مع بسر بن أرطاة في البحر فأتي بسارق قد سرق بختية، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا تقطع الأيدي في السفر ولولا ذلك لقطعته " .
وفي صحيح مسلم من حديث زهير عن جرير بن سهل عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في صفة النساء، اللائي يأتين في آخر الزمان: " رؤوسهن كأسنمة البخت لا يجدن ريح الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام " .
وفي المستدرك، من حديث عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " سيكون في آخر هذه الأمة رجال يركبون على المياثر، حتى يأتوا أبواب مساجدهم نساؤهم كاسيات عاريات على رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف، العنوهن فإنهن ملعونات " .
وفي الكامل في ترجمة فضل بن مختار البصري عن عبيد الله بن موهب عن عصمة بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن في الجنة طيرا أمثال البخاتي " . قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: إنها لناعمة يارسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنعم منها من يأكلها وأنت ممن يأكلها يا أبا بكر " .
البدنة: جمعها. بدن بضم الدال وإسكانها جاء القرآن وممن ذكر الضم الجوهري رحمه الله.
وهو ما أشعر من ناقة أو بقرة. سميت بذلك لأنها تبدن أي تسمن. وقال النووي: هي البعير ذكرا كان أو أنثى وشرطها أن تكون في سن الأضحية عند الفقهاء وعند اللغويين، أو أكثرهم، تطلق على الإبل والبقر. وقال الأزهري: تكون في الإبل والبقر والغنم، سميت بذلك لعظم أبدانها ويشهد لاختصاصها بالإبل، ما روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من اغتسل يوم الجمعة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة " .
وفي مسند الإمام أحمد رضي الله تعالى نما، لم!في الساعة الرابعة بطة، وفي الخامسة دجاجة، وفي السادسة بيضة " .
ووصف الكبش بالقرن لأنه أكمل وأحسن صورة وجمع البدنة بدن. قال تعالى: " والبدن جعلناها لكم من شعائر الله " أي من أعلام دين الله، لكم فيها خير. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هي نفع لا الدنيا وأجر في الآخرة.
حج صفوان بن سليم وليس معه إلا سبعة دنانير، فاشترى بها بدنة فقيل له في ذلك فقال:

(1/110)


إني سمعت الله تعالى يقول : " والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير " وأول من أهدى البدن إلى البيت الحرام الياس بن مضر وهو أول من وضع مقام إبراهيم عليه السلام للناس بعد غرق البيت وانهدامه، زمن نوح علبه السلام. فكان الياس أول من ظفر به فوضعه في زاوية البيت ولم تزل العرب تعظم الياس بن مضر إلى أن مات. ولما مات أسفت عليه زوجته خندف أسفا شديدا وحرمت الرجال، والطيب ونذرت أن لا تقيم ببلدة مات فيها ولا يأويها بيت، فلم تزل سائحة حتى هلكت حزنا. وكانت وفاته يوم الخميس، فنذرت أن تبكيه كلما طلعت شمس يوم الخميس حتى تغيب الشمس. قال السهيلي: ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا تسبوا الياس فإنه كان مؤمنا " . وذكر أن الياس كان يسمع من صلبه تلبية النبي صلى الله عليه وسلم بالحج. وروى مسلم عن موسى بن سلمة الهذلي قال: انطلقت أنا وسنان بن سلمة معتمرين، قال وانطلق سنان ومعه بدنة يسوقها فأرجفت عليه بالطريق فغمني شأنها إذ هي أبدعت أي كلت، فأتينا إلى ابن عباس نسأله فقال: على الخبير سقطت بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بست عشرة بدنة، مع رجل وأمره فيها فقال: يا رسول الله وما أصنع بما أبدع علي منها قال صلى الله عليه وسلم: " انحرها ثم اصبغ نعلها في دمها ثم اجعله على صفحتها، ولا أكل منها أنت ولا أحد من رفقتك " . وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الهاء الكلام على الهدى.
وروى البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسوق بدنة فقال له : " اركبها قال: يا رسول الله إنها بدنة قال: اركبها، قال: إنها بدنة، قال: اركبها ويلك فى الثانية أو في الثالثة وفي رواية ويلك اركبها ويلك اركبها " . وروى الحاكم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال إذا أردت أن تنحر البدنة فأقمها، ثم قل الله أكبر أللهم منك وإليك ثم سم وانحرها وكذلك في الأضحية.
وفي الصحيحين عن زياد بن جبير قال رأيت ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أتى على رجل قد أناخ بدنة ينحرها فقال: ابعثها قائمة مقيدة سنة محمد صلى الله عليه وسلم. وروى الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن قرظ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أعظم الأيام عند اللة يوم النحر ثم يوم القرو قرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس بدنات أو ست ينحرهن فطفقن يزدلفن إليه أيتهن يبدأ بها " .
وفي ركوب البدنة مذاهب للعلماء: فذهب الشافعي إلى أنه يركبها إذا احتاج ولا يركبها من غير حاجة وإنما يركبها بالمعروف من غير اضرار بها. وبهذا قال ابن المبارك وابن المنذر وجماعة. وقال مالك وأحمد: له ركوبها من غير حاجة. وبه قال عروة بن الزبير وإسحاق بن راهويه. وقال أبو حنيفة: لا يركبها إلا أن لا يجد منه بدا. وحكى القاضي عن بعض العلماء أنه يجب ركوبها لظاهر الأمر ودليل الجمهور أن النبي صلى الله عليه وسلم " أهدي ولم يركب هديه، ولم يأمر الناس بركوب الهدايا " . وقول النبي صلى الله عليه وسلم: " ويلك، هذه الكلمة أصلها لمن وقع في هلكة فقال له ذلك لأنه كان محتاجا قد وقع في جهد وتعب وقيل: هذه الكلمة تجري على اللسان وتستعمل من غير قصد إلى ما وضعت له أولا وهي كقولهم لا أم له، لا أب له، تربت يداه، قاتله الله عقري حلقي وما أشبه ذلك.
البذج: بالذال المعجمة من أولاد الضأن بمنزلة العتود من أولاد المعز وجمعه بدجان قال الشاعر:
قد هلكت جارتنا عن الهمج ... وإن تجع تأكل عتودا أو بذج

(1/111)


قال الجوهري ومراده بالهمج، سوء التدبير في المعاش. وفي الحديث " يخرج رجل من النار كأنه بذج ترعد أوصاله " وروى ابن المبارك عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن وقتادة عن أنس رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: " يجاء برجل يوم القيامة كأنه بذج من الذل، فيوقف بين يدي الله تعالى، فيقول له: أعطيتك وخولتك وأنعمت عليك، فماذا صنعت؟ فيقول: رب جمعته ونميته وتركته أكثر ما كان فارجعني آتك به، فيقول الله تعالى: أرني ما قدمت فإذا هو عبد لم يقدم خيرا فيمضي به إلى النار " . خرجه ابن العربي المالكي في سراج المريدين. وقال: حديث صحيح من مراسيل الحسن. قال الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب، رواه الترمذي عن إسماعيل بن مسلم المكي، وهو رواه عن الحسن، والبذج بباء موحدة مفتوحة وذال معجمة ساكنة ثم جيم من أولاد الضأن شبه به هذا لما يأتي به من الذل والحقارة انتهى.
وفي مسند أبي يعلى الموصلي، عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يؤتى بابن آدم يوم القيامة، كأنه بذج من الذل فيقول الله تعالى: أنا خير قسيم يا ابن آدم انظر إلى عملك الذي عملت لي فأنا أجزيك به، وانظر إلى عملك الذي عملت لغيري فإن جزاءك على الذي عملت له " . ورواه الحافظ أبو نعيم في ترجمة الربيع بن صبيح مرفوعا. والبذج كلمة فارسية تكلمت بها العرب وعن بعض الأعراب أنه وجد متعلقا باستار الكعبة وهو يقول أللهم أمتني ميتة أبي خارجة فقيل له: وكيف مات أبو خارجة. قال: أكل بذجا وشرب مشعلا ونام شامسا فلقي الله تعالى شبعان ريان دفآن. المشعل أناء ينبذ فيه.
الأمثال: قالوا : " فلان أذل من بذج " لأنه أضعف ما يكون من الحملان.
البراق: الدابة التي ركبها سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ليلة الاسراء وركبها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. مشتقة من البرق الذي يلمع في الغيم. كما روي في حديث المرور على الصراط. " فمنهم من يمر كالبرق الخاطف، ومنهم من يمر كالريح العاصف، ومنهم من يمر كالفرس الجواد " . وفي الصحيح أنه دابة دون البغل وفوق الحمار، أبيض يضع خطوه عند أقصى طرفه، ويؤخذ من هذا أنه أخذ من الأرض إلى السماء في خطوة وإلى السموات السبع في سبع خطوات. وبه يرد على من استبعد من المتكلمين احضار عرش بلقيس في لحظة واحدة، وقال: إنه أعدم ثم أوجد وعلله بأن المسافة البعيدة لا يمكن قطعها لا هذه اللحظة، وهذا أوضح دليل في الرد عليه. قال السهيلي: ومما يسأل عنه شماس البراق حين ركبه صلى الله عليه وسلم فقال له جبريل عليه السلام: أما تستحي يا براق فما ركبك عبد قبل محمد أكرم على الله منه؟ قال ابن بطال: إنما كان ذلك لبعد عهده بالأنبياء، وطول الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام. ونقل النووي عن الزبيدي في مختصر العين وعن صاحب التحرير، أنها دابة كان الأنبياء عليهم السلام يركبونها. ثم قال: وهذا الذي قالاه من اشتراك جميع الأنبياء فيها يحتاج إلى نقل صحيح. وقال صاحب المقتفي: والحكمة في كونه على هيئة بغل ولم يكن على هيئة فرس، التنبيه على أن الركوب كان في سلم وأمن لا في حرب وخوف، أو لإظهار الآية في الإسراع العجيب في دابة لا يوصف شكلها بالإسراع فإن قيل: ركب صلى الله عليه وسلم البغلة في الحرب، فالجواب أن ذلك كان لتحقيق نبوته وشجاعته صلى الله عليه وسلم.
قال: وكان البراق أبيض وكانت بغلته شهباء، وهي التي أكثرها بياض إشارة إلى تخصيصه بأشرف الألوان قال: واختلف الناس هل ركب جبريل عليه السلام معه صلى الله عليه وسلم؟ فقيل: نعم، كان رديفه صلى الله عليه وسلم. قال: والظاهر عندي أنه لم يركب معه لأنه صلى الله عليه وسلم هو المخصوص بشرف الإسراء، لكن روي أن إبراهيم عليه السلام كان يزور ولده إسماعيل على البراق وأنه ركبه هو وإسماعيل وهاجر، حين أتى بهما البيت الحرام. وفي أواخر المستدرك عن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(1/112)


" أتيت بالبراق فركبت خلف جبريل " . إلى أن قال: تفرد به أبو حمزة ميمون الأعور، وقد اختلفوا فيه، وفيه في ذكر مناقب فاطمة الزهراء رضي الله عنها عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " تبعث الأنبياء عليهم السلام يوم القيامة على الدواب ليوافوا بالمؤمنين من قومهم المحشر، ويبعث صالح على ناقته، وأبعث على البراق خطوها عند أقصى طرفها، وتبعث فاطمة أمامي " وقال أبو القاسم إسماعيل بن محمد الأصفهاني، في كتاب الحجة إلى بيان المحجة: إن قيل لم عرج البراق به صلى الله عليه وسلم إلى السماء ولم ينزل عند منصرفه عليه؟ فالجواب أنه عرج به عليه إظهارا لكرامته، ولم ينزل عليه إظهارا لقدرة الله تعالى. وقيل: دل بالصعود على النزول به عليه كقوله تعالى: سرابيل تقيكم الحر " يعني: والبرد وكقوله: بيده الخير أي والشر. وقال حذيفة: ما زايل ظهر البراق حتى رجع.
ثم إن البراق يوم القيامة يركبه النبي صلى الله عليه وسلم دون سائر الأنبياء يحل لذلك ما رواه الحاكم قريبا وما رواه أبو الربيع بن سبع السبتي في شفاء الصدور عن سويد بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حوضي أشرب منه يوم القيامة أنا ومن استسقاني من الأنبياء عليهم السلام، ويبعث الله تعالى لصالح ناقته يحلبها ويشرب هو والذين آمنوا معه، ثم يركبها حتى يوافي بها الموقف ولها رغاء " فقال له رجل يا رسول الله وأنت يومئذ على العضباء؟ قال صلى الله عليه وسلم: " تلك تحشر عليها ابنتي فاطمة، وأنا أحشر على البراق، أخص به دون الأنبياء عليهم الصلاة والسلام " .
واختلف الناس في تاريخ الإسراء، فقال ابن الاثير: الصحيح عندي إنه كان ليلة الإثنين لسبع وعشرين من شهر ربيع الأول قبل الهجرة بسنة، وبهذا جزم شيخ الإسلام محي الدين النووي في شرح مسلم وجزم في فتاويه في كتاب الصلاة بأنه كان في شهر ربيع الآخر. وفي سير الروضة أنه كان في رجب وإنما كان ليلا لتظهر الخصوصية بين جليس الملك نهار أو جليسه ليلا. قال أهل التاريخ: ولد النبي صلى الله عليه وسلم عام الفيل، وأقام في بني سعد خمس سنين ثم توفيت أمه بالأبواء، وهو ابن ست سنين، وكفله جده عبد المطلب. ثم توفي وهو ابن ثمان سنين فكفله عمه أبو طالب، وخرج معه إلى الشام وهو ابن اثنتي عشرة سنة، ثم خرج صلى الله عليه وسلم في تجارة لخديجة وهو ابن خمس وعشرين سنة، وتزوجها في تلك السنة وبنت قريش الكعبة، ورضيت بحكمه فيها وهو ابن خمس وثلاثين سنة وبعث صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين سنة. وتوفي أبو طالب وهو ابن تسع وأربعين سنة وثمانية أشهر وأحد عشر يوما. وتوفيت خديجة رضي الله تعالى عنها بعد أبي طالب بثلاثة أيام، ثم خرج صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ومعه زيد بن حارثة رضي الله عنه بعد ثلاثة أشهر من موت خديجة رضي الله عنها، فأقام به شهرا ثم رجع إلى مكة في جوار المطعم بن عدي. فلما أتت له خمسون سنة قدم عليه جن نصيبين فأسلموا. فلما أتت له إحدى وخمسون سنة وتسعة أشهر أسرى به صلى الله عليه وسلم.
وهاجر إلى المدينة وهو ابن ثلاث وخمسين سنة وهي السنة الثالثة عشرة من بعثته صلى الله عليه وسلم، وقيل هاجر في الرابعة عشرة من بعثته صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر الصديق ومولاه عامر بن فهيرة ودليلهم عبد الله بن أريقط. وهذه السنة عليها مبني التاريخ الإسلامي وهي سنة أحد.

(1/113)


وفيها آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الصحابة رضي الله عنهم واتخذ علي بن أبي طالب رضي الله عنه أخا. وفيها أتمت صلاة الحضر، وقصرت صلاة السفر، وفيها تزوج علي فاطمة رضي الله تعالى عنهما وفي سنة اثنتين كانت غزوة ودان وهو إسم مكان، وغزوة بواط وهي من ناحية رضوى، وغزوة العشيرة، وغزوة بدر الأولى وكانت فى جمادى الآخرة، وغزوة بدر الكبرى وهي التي قتل فيها صناديد قريش، وأعز الله تعالى بها الدين، وكانت يوم الجمعة ثالث عشر رمضان، وغزوة بني سليم، وكانت في ذي الحجة، خرج صلى الله عليه وسلم يريد أبا سفيان فلم يلفه، وقي سنة ثلاث كانت غزوة بني غطفان وغزوة نجران، وغزوة قينقاع وغزوة أحد وغزوة حمراء الأسد. وفي سنة أربع كانت غزوة بني النضير وغزوة ذات الرقاع وفي سنة خمس كانت غزوة دومة الجندل وغزوة الخندق وغزوه بني قريظة، وفي سنة ست كانت غزوة بني لحيان وغزوة بني المصطلق، وفي سنة سبع اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم المنبر وغزا غزوة خبيبر، وفيها كانت قصة فدك وهي مشهورة وكانت فدك لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصة. وفي سنة ثمان كانت غزوة مؤتة وفتح مكة المشرفة، وغزوة حنين وغزوة الطائف، وقسمه أموال هوازن. وفي سنة تسع كانت غزوة تبوك، وفي سنة عشر كانت حجة الوداع، ونحر فيها بيده الشريفة صلى الله عليه وسلم ثلاثا وستين بدنة، وأعتق ثلاثا وستين رقبة هي عدد سني عمره. وفي سنة إحدى عشرة كانت وفاته صلى الله عليه وسلم، وكان ابتداء الوجع في مستهل شهر ربيع الأول وتوفي في الثاني عشر منه.
وعاش صلى الله عليه وسلم ثلاثا وستين سنة وكانت مدة مقامه في المدينة عشر سنين، وقد تقدم ذكر ذلك في باب الهمزة في الكلام على الاوز. وكان أولاده صلى الله عليه وسلم كلهم من خديجة رضي اللة تعالى عنها، إلا إبراهيم فإنه من مارية القبطية وهم: الطيب والطاهر والقاسم وفاطمة وزينب ورقية وأم كلثوم وإبراهيم سلام الله ورضوانه عليهم أجمعين. فأما الذكور فماتوا كلهم أطفالا. ولم يتزوج صلى الله عليه وسلم في حياة خديجة غيرها، فلما ماتت تزوج سودة بنت زمعة رضي الله عنها وعائشة رضي اللة تعالى عنها. ولم يتزوج صلى الله عليه وسلم بكرا غيرها وماتت رضي الله تعالى عنها في أيام معاوية رضي الله تعالى عنه، سنة ثمان وخمسين عن سبع وستين سنة. وتزوج صلى الله عليه وسلم حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما سنة ثلاث وتوفيت في أيام عثمان رضي الله تعالى عنه. وتزوج صلى الله عليه وسلم زينب بنت خزيمة وتوفيت في حياته صلى الله عليه وسلم لم يمت عنده من نسائه غيرها، وغير خديجة رضي الله تعالى عنهما. وتزوج صلى الله عليه وسلم أم سلمة رضي الله تعالى عنها سنة أربع، وأمها عاتكة عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوفيت سنة تسع وخسين في أيام معاوية أيضا رضي الله تعالى عنده، وقيل توفيت سنة إحدى وستين في يوم عاشوراء، وهو اليوم الذي قتل فيه الحسين رضي الله تعالى عنه. وتزوج صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش في سنة خمس وتوفيت في سنة عشرين في أيام عمر رضي الله عنهما، وهي أول أزواجه صلى الله عليه وسلم لحوقا به. وتزوج أم حبيبة وإسمها رملة بنت أبي سفيان وتوفيت سنة أربع وأربعين في أيام أخيها معاوية رضي الله تعالى عنهما. وتزوج جويرية بنت الحارث المصطلقية، وتوفيت سنة ست وخمسين في أيام معاوية. وتزوج ميمونة بنت الحارث في سنة سبع، وتوفيت سنة أربعين ومات عليه الصلاة والسلام عن تسع. البرذون: بكسر الباء وبالذال المعجمة، والجمع براذين والأنثى برذونة وكنيته أبو الأخطل.
كني به لخطل أذنيه وهو استرخاؤهما، بخلاف أذن الفرس العربي، وهو الذي أبو أعجميان، والأعجمى من الناس الذي لا يفصح الكلام عجميا كان أو عربيا ألا تراهم قالوا زياد الأعجم، لعجمة كانت في لسانه، وهو عربي قال صلى الله عليه وسلم: " صلاة النهار عجماء لإخفاء القراءة فيها " . لكن قال النووي إنه حديث باطل ويطلق العجمي والأعجمي على من ليس من أهل الكلام، قال صلى الله عليه وسلم: " العجماء جرحها جبار " وهي الدابة المنفلتة. وإلا فالإجماع على تضمين السائق والقائد، وقال صاحب منطق الطيران: البرذون يقول كل يوم: أللهم إني أسألك قوت يوم بيوم.

(1/114)


وروى الحاكم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: " كأني بالترك وقد أتتكم على براذين مجدعة الآذان حتى تربطها بشط الفرات " . وروي أيضا عن أبي هريره رضي الله تعالى عنه أنه مر بمروان وهو يبني في داره بالمدينة، قال: فجلست إليه، والعمال يعملون فقلت ابنوا مشيدا وأملوا بعيدا وموتوا قريبا. فقال مروان إن أبا هريرة يحدث العمال فإذا تقول لهم يا أبا هريرة. قال: قلت ابنوا مشيدا وأملوا بعيدا وموتوا قريبا، يا معشر قريش ثلاث مرات اذكروا كيف كنتم أمس، وكيف أصبحتم اليوم تخدمون، أرقاؤكم فارس والروم، كلوا خبز السميذ واللحم السمين، لا يأكل بعضهم بعضا، ولا تكادموا تكادم البراذين، وكونوا اليوم صغارا تكونوا غدا كبارا، والله لا مرتفع رجل منكم في الدنيا درجة إلا وضعه الله يوم القيامة درجة وانشد السراج الوراق في مناهج الفكر في أوصاف الخيل المذمومة:
لصاحب الأحباس برذونة ... بعيدة العهد عن القرط
إذا رأت خيلا على مربط ... تقول سبحانك يا معطي
تمشي إلى خلف إذا ما مشت ... كأنما تكتب بالقبطي
قال الجاحظ: سألت بعض الأعراب أي الدواب آكل؟ قال: برذونة رغوث.
وفي أواخر الجزء الخامس من الغيلانيات، وفي المستدرك في كتاب اللباس عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: أتي رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على برذون وعليه عمامة وقد أرخى طرفها بين كتفيه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه؟ فقال: " هل رأيته " ؟ قلت نعم. قال : " ذاك جبريل أمرني أن أمضي إلى بني قريظة " . وقال في الكامل، في حوادث سنة خمس عشرة. لما افتتح عمر رضي الله تعالى عنه بيت المقدس، وقدم إلى الشام أربع مرات: الأولى على فرس، والثانية على بعير، والثالثة رجع لأجل الطاعون، والرابعة على حمار، وكتب إلى امراء الأجناد أن يوافوه بالجابية ، فركب فرسه فرأى به عرجا فنزل عنه، وأتى ببزدون فركبه، فجعل يتجلجل به أي يزهو في مشيته، فنزل عنه وصرف عنه وجهه، وقال: لا علم الله من علمك هذه الخيلاء. ثم ركب ناقته ولم يركب برذونا بعده ولا قبله أبدا.
وكان عمر رضي الله تعالى عنه لما أراد الخروج إلى الشام، استخلف على المدينة علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، فقال له علي: أنت تخرج بنفسك إلى هذا العدو الكلب؟ فقال عمر رضي الله تعالى عنه: أبادر بالجهاد قبل موت العباس رضي الله تعالى عنه، إنكم إذا فقدتم العباس رضي الله تعالى عنه انتقض بكم الشر، كما ينتقض الحبل، فمات العباس رضي الله تعالى عنه لست سنين من خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه وانتقض بالناس الشر كما قال عمر رضي الله تعالى عنه.
وفي وفيات الأعيان في ترجمة أبي الهذيل محمد بن الهذيل العلاف البصري شيخ البصريين

(1/115)


في الاعتزال، قال: خرجت من البصرة على برذون أريد المأمون ببغداد، فسرت إلى دير هرقل، فاذا رجل مشدود في حائط الدير، فسلمت عليه فرد علي السلام، وحملق إلي وقال: أمعتزلي أنت؟ قلت: نعم. قال: وأمامي أنت. قلت: نعم. قال: أنت إذن أبو الهذيل العلاف! قلت: أنا ذاك. قال: فهل للنوم لذة؟ قلت: نعم. قال: ومتى يجدها صاحبها؟ فقلت لقلبي: إن قلت مع النوم أخطأت، فإنه ذاهب العقل، وإن قلت قبل النوم أخطأت أيضا، لأنك أحلت على عدم، وإن قلت بعد النوم غلطت، لأنه شيء قد انقضى، قال: فتحير فهمي، وجال في الخاطر وهمي، وقلت له: قل أنت حتى أسمع منك وأنقل عنك. فقال: بشرط أن تسأل امرأة صاحب هذا الدير أن لا تضر بني يومي هذا. فسألتها فاجابت. فقال: إعلم أن النعاس داء يحل بالبدن ودواؤه النوم. فاستحسنت ذلك منه، وهممت بالإنصراف، فقال: يا أبا الهذيل قف وإسمع مسألة عظمى، قال: ما تقول في رسول الله صلى الله عليه وسلم أمين هو في السماء والأرض؟ قلت: نعم. قال: أتحب أن يكون الخلاف في أمته أم الوفاق؟ قلت: بل الوفاق والاتفاق: فقال: قال تعالى: " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين " فما باله صلى الله عليه وسلم حين مرض مرض موته ما قال: هذا خليفتكم من بعدي. وقد نص صلى الله عليه وسلم على الوصية وحث عليها وحرض. قال أبو الهذيل: فلم أحر جوابا. وسألته الجواب فتنكرت حاله، ففتلت عنان برذوني وانصرفت عنه. فوصلت إلى المأمون فاستخبرني عن طريقي، فأخبرته بما جرى، فأمر بإحضاره على حالته التي هو عليها، فأحضر فقال له المأمون، أعد السؤال الذي سألت عنه أبا الهذيل؟ فأعاده، وكان في المجلس جماعة من العلماء الأفاضل فما منهم من أجاب، فقال له المأمون: ما الجواب؟ فقال: سبحان الله أكون سائلا ومجيبا في حالة واحدة؟ فقال المأمون: وما عليك أن تفيدنا؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين، إعلم أن الله عز وجل حكم في سالف أزله، وقضى وقدر في سابق علمه، وأطلع نبيه صلى الله عليه وسلم من ذلك على حكمه، فلم يكن له أن يتعداه ولا أن يتخطاه، فترك الأمر على ما قدره الله تعالى وقضاه إذ لاراد لأمره، ولا معقب لحكمه، فاستحسن المأمون ذلك، وعرض له شغل فقام داخلا إلى داره فقال له المجنون: يا ابن اللخناء أخذت منفوعنا وفررت منا! فعاد المأمون وقال له: ما تشتهي؟ ففال: ألف دينار. وقال: وما تصنع بها. قال: آكل بها كسبا وتمرا، فأمر له بها وحمله إلى أهله وهو على حاله، وتوفي أبو الهذيل العلاف سنة سبع وعشرين ومائتين وذكروا أن السنة في الرأس، والنعاس في العين، والنوم في القلب، وهو غشية ثقيلة تقع على القلب، تمنعه المعرفة بالأشياء. وقد نفى الله ذلك عن نفسه، بقوله تعالى: " لا تأخذه سنة ولا نوم " لأنه آفة، وهوسبحانه وتعالى منزه عن الآفات. ولأنه تغير ولا يجوز عليه تبارك وتعالى.
وذكرالإمام أبو الفرج بن الجوزي في كتاب الأذكياء، عن خالد بن صفوان التيمي، أنه دخل على أبي العباس السفاح، وليس عنده أحد فقال: يا أمير المؤمنين إني والله ما زلت منذ قلدك الله الخلافة، أطلب أن أصير إلى مثل هذا الموقف في الخلوة، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بإمساك الباب، حتى أفرغ فليفعل فأمر الحاجب بذلك، فقال: يا أمير المؤمنين إني فكرت في أمرك، وأجلت الفكر فيك، فلم أر أحدا له قدرة واتساع على الاستمتاع بالنساء مثلك، ولا أضيق فيهن عيشا منك، إنك ملكت نفسك امرأة من نساء العالمين، فاقتصرت عليها، فإن مرضت مرضت، وإن غابت غبت، وإن عركت عركت، وحرمت نفسك يا أمير المؤمنين التلذذ باستطراق الجواري، ومعرفة اختلاف أحوالهن، والتلذذ بما يشتهى منهن، فإن منهن الطويلة التي تشتهى لجسمها، والبيضاء التي تحب لرؤيتها، والسمراء اللعساء، والصفراء الذهبية، ومولدات المدينة، والطائف واليمامة، ذوات الألسن العذبة والجواب الحاضر، وبنات سائر الملوك، وما يشتهى من نضارتهن ونظافتهن. وتخلل خالد بلسانه فأطنب في صفات ضروب الجواري وشوقه إليهن، فلما فرغ من كلامه قال له السفاح: ويحك ملأت مسامعي بما شغل خاطري، والله ما سلك مسامعي كلام أحسن من هذا، فأعد علي كلامك فقد وقع مني موقعا فأعاد إليه خالد كلامه بأحسن مما ابتدأه، ثم قال له انصرف فانصرف.

(1/116)


وبقي أبو العباس مفكرا فدخلت عليه أم سلمة زوجته، وكان قد حلف لها أن لا يتخذ عليها زوجة ولا سرية، ووفى لها بذلك، فلما رأته على تلك الحالة قالت له: إني لأنكرك يا أمير المؤمنين، فهل حدث شيء تكرهه. أو أتاك خبرا رتعت له. قال لا فلم تزل حتى أخبرها بمقالة خالد، فقالت: وما قلت لابن الفاعلة. فقال لها: أينصحني وتشتمينه؟ فخرجت إلى مواليها وأمرتهم بضرب خالد.
قال خالد: فخرجت من الدار مسرورا بما ألقيت إلى أمير المؤمنين، ولم أشك في الصلة، فبينما أنا واقف، إذ أقبلوا يسألون عني فحققت أنه أمر لي بالجائزة، فقلت لهم: ها أنا ذا، فاستبق إلي أحدهم بخشبة فغمزت برذوني، فلحقني وضرب كفل البرذون، فركضت ففتهم، واستخفيت في منزلي أياما ووقع في قلبي أني أتيت من أم سلمة. فبينما أنا ذات يوم جالس في المجلس، فلم أشعر إلا بقوم قد هموا علي وقالوا: أجب أمير المؤمنين، فسبق إلى قلبي أنه الموت، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، والله لم أر دم شيخ أضيع من دمي، فركبت إلى دار أمير المؤمنين فأصبته جالسا، ولحظت في المجلس بيتا عليه ستور رقاق، وسمعت حسا من خلف الستر فأجلسني، ثم قال: ويحك يا خالد وصفت لأمير المؤمنين صفة فأعدها فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، أعلمتك أن العرب إنما اشتقت إسم الضرتين من الضرر، وإن أحدا يكون عنده من النساء أكثر من واحدة إلا كان في ضر وتنغيص! فقال السفاح: لم يكن هذا كلامك أولا. قلت: بلى يا أمير المؤمنين، وأخبرتك أن الثلاث من النساء يدخلن على الرجل البؤوس، ويشبن الرؤوس! فقال السفاح: برئت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن كنت سمعت هذا منك أومر في حديثك. قلت: بلى يا أمير المؤمنين، وأخبرتك أن الأربع مر النساء شر مجموع لصاحبهن، يشيبنه ويهرمنه. قال: والله ما سمعت هذا منك أولا. قلت: بلى والله. قال: أتكذبني؟ قلت: أفتقتلني؟ نعم والله يا أمير المؤمنين إن أبكار الإماء رجال، إلا أنهن ليس لهن خصى، قال خالد: فسمعت ضحكا من خلف الستر ثم قلت: والله وأخبرتك أن عندك ريحانة قريش، وأنت تطمح بعينيك إلى النساء والجواري؟ فقيل لي من وراء الستر: صدقت والله يا عماه، بهذا حدثته، ولكنه غير حديثك، ونطق بما في خاطره عن لسانك، فقال له السفاح: قاتلك الله. قال خالد: فانسللت وخرجت. فبعثت إلي أم سلمة بعشرة آلاف درهم وبرذون وتخت ثياب.
الحكم: هو كعموم الخيل.
الخواص: إذا شربت امرأة دم برذون لم تحمل أبدا وزبله يخرج المشيمة والجنين الميت لخاصية فيه. وإذا جفف، وذر منه في الأنف حبس الرعاف. وإذا فر على الجراحات حبس الدم.
التعبير: البرذون في المنام خصومة، وقيل غلام، ويعبر أيضا برجل عجمي. والبراذين رجال أعاجم، ويعبر أيضا بامرأة فمن سرق برذونه طلق زوجته وضياعه فجور المرأة والله أعلم. البرغش: بفتح الباء والغين المعجمة نوع من البعوض. وأنشد الحافظ زكي الدين عبد العظيم لشيخه الحافظ أبي الحسن المقدسي شيخ والد الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد ووفاته في مستهل شعبان سنة إحدى وعشرين وستمائة بالقاهرة:
ثلاث باآت بلينا بها ... البق والبرغوث والبرغش
ثلاثة أوحش ما في الورى ... يا ليت شعري أيها أوحش
البرغن: بفتح الباء والغين المعجمة وضمهما ولد البقرة الوحشية.

(1/117)


البرغوث: بالثاء المثلثة واحد البراغيث. وضم بائه أشهر من كسرها وقولهم: أكلوني البراغيث لغة طيىء، وهي لغة ثابتة خرجوا عليها قوله تعالى: " وأسروا النجوى الذين ظلموا " على أحد المذاهب وقوله عز وجل " خشعا أبصارهم " ومثل: يتعاقبون فيكم ملائكة، وقوله في صحيح مسلم وغيره: " حتى احمرتا عيناه " واشباهه كثيرة معروفة. وقال سيبويه: لغة أكلوني البراغيث ليست في القرآن قال والضمير في وأسروا النجوى فاعل والذين بدل منه. وكنية البرغوث أبو طافر وأبو عدي وأبو الوثاب، ويقال له طامر بن طامر. وهو من الحيوان الذي له الوثب الشديد ومن لطف الله تعالى به، أنه يثب إلى ورائه ليرى من يصيده، لأنه لو وثب إلى أمامه، لكان ذلك أسرع إلى حمامه. وحكى الجاحظ عن يحيى البرمكي، أن البرغوث من الخلق الذي يعرض له الطيران، كما يعرض للنمل. وهو يطيل السفاد، ويبيض ويفرخ بعد أن يتولد، وهو ينشأ أولا من التراب، لا سيما في الأماكن المظلمة، وسلطانه في أواخر فصل الشتاء وأول فصل الربيع، وهو أحدب نزاء. ويقال: إنه على صورة الفيل له أنياب يعض بها وخرطوم يمص به.
وحكمه: تحريم الأكل واستحباب قتله للحلال والمحرم، ولا يسب لما روى الإمام أحمد والبزار والبخاري في الأدب والطبراني في الدعوات عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يسب برغوثا. فقال: لا تسبه فإنه أيقظ نبيا لصلاة الفجر.
وفي معجم الطبراني عن أنس رضي الله تعالى عنه. قال: ذكرت البراغيث عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إنها توقظ للصلاة أي لصلاة الفجر " . وفيه عن علي رضي الله تعالى عنه قال: نزلنا منزلا فآذتنا البراغيث فسببناها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تسبوها فنعمت الدابة فإنها أيقظتكم لذكر الله تعالى " .
ويعفى عن قليل دمها في الثوب والبدن لعموم البلوى به وعسر الاحتراز. وقال أبو عمر بن عبد البر: أجمع العلماء على التجاوز والعفو عن دم البراغيث، ما لم يتفاحش. قال أصحابنا: ولا خلاف في العفو عن قليله إلا إذا حصل بفعله كما إذا قتله في ثوبه أو بدنه ففي العفو عنه وجهان: أصحهما العفو أيضا. وكذلك كل ما ليس له نفس سائلة كالبق والبعوض وشبههما. وسئل شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام عن ثوب فيه دم البراغيث هل يجوز للإنسان أن يلبسه رطبا ثم يصلي فيه؟ وإذا عرق فيه هل يصلي فيه؟ وهل يتنجس بذلك بدنه أو يعفي عنه؟ وهل يندب له غسله قبل وقته المعتاد؟ فأجاب نعم ينجس الثوب والبدن بذلك ولا يؤمر بغسله إلا في الأوقات المعتادة وغسله في غير ذلك ورع خارج عما كان السلف عليه. وكانوا أحرص على حفظ أديانهم من غيرهم. وأما الكثير من دم البراغيث فالأصح عند المحققين، كما قاله النووي، العفو عنه مطلقا سواء انتشر بعرق أم لا.
فائدة: مجربة صحيحة، للبراغيث وهو أن تأخذ قصبة فارسية، وتلطخها بلبن حمارة وشحم تيس وتغرسها في وسط الدار ثم تقول 25 مرة: أقسمت عليكم أيها البراغيث، إنكم جند من جنود الله من عهد عاد وثمود، وأقسصت عليكم بخالق الوجود، الفرد الصمد المعبود، أن تجتمعوا إلى هذا العود، ولكم علي المواثيق والعهود، إن لا أقتل منكم والدا ولا مولود، فإنها تجتمع فإذا اجتمعت إلى العود فخذها وارمها إلى مكان آخر ولا تقتل منها أحدا يبطل السر ثم تكنس البيت وتقول عليه 45 مرة " وما لنا أن لا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون " فإن فعل ذلك، لم يدخل البيت برغوث أبدا وهو سر لطيف مجرب.
فائدة: سئل مالك رحمة الله عليه، عن البراغيث أملك الموت يقبض أرواحها. فأطرق مليا، ثم قال ألها نفس. قالوا: نعم. قال: ملك الموت يقبض أرواحها. ثم قرأ قوله تعالى: " الله يتوفي الأنفس حين موتها " الآية. ويدل له ما يأتي في البعوض.
الأمثال: قالوا : " أطمر من برغوث " . " وأطير من برغوث " .
وخاصيته: اللسع والأذى. قال بعض الأعراب يصف البراغيث وقد سكن مصر:
تطاول في الفسطاط ليلي ولم يكن ... بأرض الفضا ليل علي يطول
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... وليس لبرغوث على سبيل
وقد أجاد مجد الدين أبو الميمون الكناني حيث قال ملغزا في البراغيث:

(1/118)


ومعشر يستحل الناس قتلهم ... كما استحلوا دم الحجاج في الحرم
إذا سفكت دما منهم فما سفكت ... يداي من دمه المسفوك غير دمي
وقال أبو الحسن بن سكرة الهاشمي في مليح يعرف بابن برغوث:
بليت ولا أقول بمن لاني ... متى ما قلت من هو يعشقوه
حبيب قد نفى عني رقادي ... فإن أغمضت أيقظني أبوه
ومن محاسن شعره:
كأن خالا لاح في خده ... للعين في سلسلة من عذار
أسود يستخدم في جنة ... قيده مولاه خوف الفرار
وله أيضا:
وما عشقي له وحشا لأني ... كرهت الحسن واخترت القبيحا
ولكن غرت أن أهوى مليحا ... وكل الناس يهوون المليحا
وله أيضا:
تحمل عظيم الذنب ممن تحبه ... وإن كنت مظلوما فقل أنا ظالم
فإنك إن لم تغفر الذنب في الهوى ... يفارقك من تهوى وأنفك راغم
وقيل: إن هذين البيتين للعباس بن الأحنف. توفي ابن سكرة سنة خمس وثمانين وثلثمائة.
فائدة: روى ابن أبي الدنيا في كتاب التوكل إن عامل افريقية كتب إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يشكو إليه الهرام والعقارب. فكتب إليه وما على أحدكم إذا أمسى وأصبح أن يقول " وما لنا أن لا نتوكل على الله " الآية. قال: زرعة عبد الله أحد رواته. وينفع من البراغيث وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الهاء آية أخرى نظير هذه، ذكرها في فردوس الحكمة.
وفي كتاب الدعوات للمستغفري عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، وشرح المقامات للمسعودي عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا آذاك البرغوث، فخذ قدحا من ماء، واقرأ عليه سبع مرات " وما لنا أن لا نتوكل على الله " الآية. ثم تقول إن كنتم مؤمنين فكفوا شركم وأذاكم عنا، ثم ترشه حول فراشك، فإنك تبيت آمنا من شرها. وقال حسين بن إسحاق: والحيلة في طرد البراغيث أن يؤخذ شيء من الكبريت والرواند، فيدخن بها في البيت، فإنهن يهربن أو يمتن، أو يحفر في البيت حفيرة، ويلقي فيها ورق الدفلى، فإنهن يأوين إليها كلهن فيقعن فيها. وقال الرازي: يرش البيت بطبيخ الشونيز فإنه يقتل براغيثه. وقال غيره: إذا نقع السذاب في ماء ورش في بيت ماتت براغيثه. وإذا بخر البيت بمشاق الكتان القديم وقشور النارنج لا تعود البراغيث إليه أبدا. وإذا دخل البرغوث في أذن الإنسان اليمنى، فليمسك بيده اليمنى خصية نفسه اليسرى، وإذا دخل في أذنه اليسرى فليسمك بيده اليسرى خصية نفسه اليمنى، فإنه يخرج سريعا.
التعبير: البراغيث في المنام أعداء ضعاف طعانون، وتعبر أيضا بأوباش الناس، وقال جاماسب: من قرصه برغوث نال مالا.
البرا: بضم الباء طائر يسمى السمويل وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب السين المهملة. البرقانة: الجرادة المتلونة وجمعها برقان قاله ابن سيده.
البرقش: بكسر الباء الموحدة ثم راء مهملة فقاف فشين معجمة، طائر صغير مثل العصفور، ويسميه أهل الحجاز الشرشور وأما أبو براقش، فسيأتي في آخر الباب إن شاء الله تعالى. وبراقش إسم كلبة ضرب بها المثل فقالوا " على أهلها دلت براقش " . لأنها مسمعت وقع حوافر الدواب، فنبحت فاستدلوا بنباحها على القبيلة فاستباحوهم.
البركة: بالضم طائر من طيور الماء والجمع برك. قال زهير يصف قطاة فرت من صقر إلى ماء جار على وجه الأرض:
حتى استغاثت بماء لا رشاء له ... بين الأباطح في حافاته البرك
قال ابن سيده: البركة من طير المساء، والجمع برك وأبراك وبركان. وعندي إن ابراكا وبركانا جمع الجمع، والبركة أيضا الضفدع، وقد فسر به بعضهم قول زهير في حافاته البرك انتهى كلامه. قال: والبرك: جماعة الإبل الباركة الواحد بارك والأنثى باركة قاله في العباب.
البشر: الإنسان الواحد والجمع والمذكر والمؤنث في ذلك سواء. وقد يثنى وفي التنزيل أنؤمن لبشرين مثلنا والجمع أبشر.
البط: طائر الماء الواحدة بطة، وليست الهاء للتأنيث وإنما هي للواحد من الجنس يقال: هذه بطة للذكر والأنثى جميعا مثل حمامة ودجاجة وليس بعربي محض والبط عند العرب صغاره وكباره اوز وحكمه، وخواصه كالاوز.

(1/119)


وفي مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن رويس، قال: دخلت على علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يا يوم نحر فقرب إلينا خزيرة، فقلنا: أصلحك الله لو قربت إلينا من هذا البط. يعنون الأوز فإن الله تعالى قد أكثر الخير. فقال: يا ابن رويس سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يحل لخليفة من مال الله تعالى إلا قصعتان: قصعة يأكلها، وقصعة يضعها بين أيدي الناس " .
وفي كامل ابن عدي في ترجمة علي بن زيد بن جدعان قال سفيان بن عيينة: سمعت علي بن زيد بن جدعان سنة سبع وستين يقول: مثل النساء إذا اجتمعن بمنزلة البط إذا صاحت واحدة صحن جميعا.
فرع: قال الماوردي: البط الذي لا يطير من الاوز لا جزاء فيه إذا قتله المحرم، لأنه ليس بصيد، وقال غيره: الطيور المائية التي تغوص في الماء، وتخرج منه محرمة على المحرم، ومثلوه بالبط. أما الذي لا يعيش إلا في الماء كالسمك فلا يحرم صيده. ولا جزاء فيه والجراد من صيد البر يجب الجزاء بقتله على الصحيح.
ومن الأمثال الساشرة بين العامة: " أو للبط تهددين بالشط " قلت: وقد أذكرني هذا ما حكاه القاضي أحمد بن خلكان رحمه الله في ترجمة السلطان نور الدين محمود بن زنكي رحمه الله، وكان بينه وبين أبي الحسن سنان بن سنان بن سليمان بن محمد الملقب براشد الدين صاحب القلاع الاسماعيلية مكاتبات، فكتب السلطان إليه كتابا يهدده فيه فكتب سنان جوابه أبياتا ورسالة وهما:
ياللرجال لأمر هال مفظعه ... ما مر قط على سمعي توقعه
يا ذا الذي بقراع السيف هددنا ... لا قام قائم جنبي حين تصرعه
قام الحمام إلى البازي يهدده ... واستيقظت لأسود الغاب اضبعه
أضحى يسد فم الأفعى بإصبعه ... يكفيه ما قد تلاقي منه إصبعه
وقفنا على تفصيله وجمله، وعلمنا ما تهددنا به من قوله وعمله، فيالله العجب من ذبابة تطن في إذن فيل، وبعوضه تعد في التماثيل، ولقد قالها قبلك آخرون، فدمرنا عليهم وما كان لهم ناصرون، أو للحق تدحضون، وللباطل تنصرون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، وأما ما صدرت به من قولك من قطع راسي وقلعك لقلاعي من الجبال الرواسي، فتلك أماني كاذبة، وخيالات غير صائبة، فإن الجواهر لا تزول بالأعراض، كما أن الأرواح لا تضمحل بالأمراض. كم بين قوي وضعيف، ودني وشريف؟ وإن عدنا إلى الظواهر والمحسوسات، وعدلنا عن البواطن والمعقولات، قلنا اسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله " ما أوذي نبي ما أوذيت " .
وقد علمتم ما جرى على عترته، وأهل بيته وشيعته، والحال ما حال والأمر ما زال، ولله الحمد في الآخرة والأولى، إذ نحن مظلومون لا ظالمون، ومغصوبون لا غاصبون. وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا، وقد علمتم ظاهر حالنا، وكيف قتال رجالنا، وما يتمنونه من الفوت، ويتقربون به إلى حياض الموت، قال: " فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين " .
وفي أمثال العامة السائرة: " أو للبط تهددين بالشط " .
فهيء للبلايا جلبابا، وتدرع للرزايا أثوابا، فلأظهرن عليك منك، ولأفنينهم فيك عنك، ولا تكونن كالباحث عن حتفه بظلفه، والجادع مارن أنفه بكفه، وإذا وقفت على كتابنا فكن لأمرنا بالمرصاد، ومن حالك على اقتصاد، واقرأ أول النحل وآخر صاد، ثم اختتمها بهذين البيتين.
بنا نلت هذا الملك حتى تأثلت ... بيوتك فيه واستقر عمودها
فأصبحت ترمينا بنبل بنا استوى ... مغارسها قد ما وفينا جديدها
ويشبه هذا ما حكاه أيضا في ترجمة يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن صاحب بلاد المغرب، وكان بينه وبين الأدفونش صاحب طليطلة، مكاتبات قال: بعث الأدفونش رسولا إلى الأمير يعقوب يتوعده ويتهدده، ويطلب منه بعض الحصون، وكتب إليه رسالة من إنشاء وزيره ابن النجار وهي: بإسمك أللهم فاطر السموات والأرض، وصلى الله على السيد المسيح روح الله وكلمته الرسول الفصيح.
أما بعد: فإنه لا يخفى على ذي ذهن ثاقب، ولا في عقل لازب، أنك أمير الملة الحنيفية

(1/120)


كما أني أمير الملة النصرانية، وقد عملت الآن ما عليه رؤساء الأندلس من التخاذل، والتواكل والتكاسل، واهمالهم أمر الرعية، واخلادهم إلى الراحة والأمنية، وأنا أسوسهم بحكم القهر وجلاء الديار، وأسبي الذراري وامثل بالرجال، وأذيقهم عذاب الهون وشديد النكال، ولا عذر لك في التخلف عن نصرتهم إذا أمكنتك يد القدرة، وساعدك من عساكرك وجنودك ذو رأي وخبرة، وأنتم تزعمون أن الله تعالى قد فرض عليكم قتال عشرة منا بواحد منكم، والآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا رحمة منه ومنا، ونحن الآن نقاتل عشرة منكم بواحد منا لا تستطيعون دفاعا، ولا تملكون امتناعا، وقد حدثنا عنك إنك أخذت في الاحتفال، وأشرفت على ربوة القتال، وتماطل نفسك سنة بعد أخرى، وتقدم رجلا وتؤخر أخرى، فلا أدري أكان الجبن أبطأ بك، أم التكذيب بوعد ربك؟ ثم قيل لي: إنك لا تجد إلى جواز البحر سبيلا، ولعله لا يسوغ لك التقدم فيه سبيلا، وها أنا أقول لك، ما فيه الراحة لك، واعتذر عنك ولك، على أن تفي بالعهود والمواثيق، والاستكثار من الرهان، وترسل إلي جملة من عبيدك بالمراكب والشواني، والطرائد والمسطحات، وإلا جزت بجملتي إليك، فأقاتلك في أعز الأماكن لديك، فإن كانت لك فغنيمة كبيرة جلبت إليك، وهدية عظيمة مثلت بين يديك وإن كانت لي كانت لي اليد العليا عليك، واستحقيت إمارة الملتين، والحكم على البرين، والله يوفق للسعادة، ويسهل الإرادة لا رب غيره، ولا خير إلا خيره.
فمزق يعقوب الكتاب وكتب على قطعة منه " ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها، ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون " الجواب ما ترى لا ما تسمع واستشهد ببيت المتنبي:
ولا كتب إلا المشرفية عنده ... ولا رسله إلا الخميس العرمرم
ثم أمر بكتب الاستنفار، واستدعى الجيوش من الأمصار، وضربت السرادقات من يومه بظاهر البلد، وسار إلى البحر المعروف بزقاق سبته فعبر فيه إلى الأندلس، ودخل بلاد الفرنج فكسرهم كسرة شنيعة، وعاد بغنائمهم. وكان الأمير يعقوب متمسكا بالشرع يأمر بالمعروف، ويقيم الحدود في أهل بيته، كما يقيمها في الناس أجمعين وأمر برفض فروع الفقه، وأن الفقهاء لا يفتون إلا بالكتاب العزيز والسنة النبوية، ولا يقلدون أحدا، وأن تكون أحكامهم بما يؤدي إليه اجتهادهم، من استنباطهم القضايا من الكتاب والحديث، والإجماع والقياس.
وقد وصل إلينا من المغرب جماعة على تلك الطريقة منهم: أبو عمرو وأبو الخطاب ابنا دحية ومحيى الدين بن عربي الصوفي، " صاحب الفصوص " . " والفتوحات المكية " . " وعنقاء مغرب " . وغيرهم. وتوفي الأمير يعقوب في سنة تسع أو عشر وستمائة رحمة الله تعالى عليه.
ولنعد إلى ذكر السلطان محمود، قال ابن الأثير: بلغ من عدل نور الدين الشهيد، أنه أول من بنى دارا لكشف الظلامات، وسماها دار العدل، وسببه أنه لما أقام بدمشق بأمرائه وفيهم أسد الدين شيركوه، تعدى كل منهم على من جاوره، فكثرت الشكاوى إلى القاضي كمال الدين السهروردي ، فأنصف بعضهم من بعض، ولم يقدر على الإنصاف من شيركوه، لأنه كان أكبر الأمراء فبلغ ذلك نور الدين الشهيد، فأمر ببناء دار العدل، فلما سمع شيركوه قال لنوابه: ما بنى نور الدين هذه الدار إلا بسببي، وإلا فمن يمتنع على القاضي كمال الدين؟ والله لئن أحضرت إلى دار العدل بسبب أحد منكم لأصلبنه! فامضوا إلى كل من كان بينكم وبينه شيء فافصلوا الحال معه، وأرضوه، ولو أتى على جميع ما بيدي. قال: فظلم رجل بعد موت نور الدين الشهيد فشق ثوبه واستغاث: يا نور الدين فاتصل خبره بالسلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، فأزال ظلامته فبكى الرجل أشد من الأول، فسئل عن ذلك فقال: أبكي على سلطان عدل فينا بعد موته.
وتوفي نور الدين الشهيد في شوال سنة تسع وستين وخمسمائة بقلعة دمشق بعلة الخوانيق

(1/121)


وكان الأطباء قد أشاروا. عليه بالفصد فامتنع، وكان مهيبا فما روجع ودفن بالقلعة. ثم نقل إلى تربته بمدرسته التي أنشأها عند باب سوق الخواصين. والدعاء عند قبره مستجاب وقد جرب، وكان رحمه الله، ملكا عادلا عابدا ورعا متمسكا بالشريعة، مائلا إلى أهل الخير مجاهدا، كثير الصدقات بنى المدارس بجميع بلاد الشأم، والمارستان بدمشق، ودار الحديث بها وبنى بمدينة الموصل الجامع النوري، وبحماة الجامع الذي على نهر العاصي، وبني الرباطات للصوفية والفنادق فى المنازل، وأثر في الإسلام آثارا حسنة لم يسبق إليها وانتزع من أيدي الكفار نيفا وخمسين مدينة، ومحاسنه كثيرة رحمه الله تعالى.
وتوفي السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب في صفر سنة تسع وثمانين وخمسمائة بها، قال ابن خلكان: ولما مات كتب القاضي الفاضل ساعة موته بطاقة إلى ولده الملك الظاهر صاحب حلب، مضمونها: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة إن زلزلة الساعة شيء عظيم، كتبت إلى مولانا السلطان الملك الظاهر أحسن الله عزاءه، وجبر مصابه، وجعل فيه الخلف في الساعة المذكورة وقد زلزل المسلمون زلزالا شديدا وقد حفرت الدموع المحاجر، وبلغت القلوب الحناجر، وقد ودعت أباك مخدومي وداعا لا تلاقي بعده وقبلت عني وعنك خده وأسلمته إلى الله عز وجل مغلوب الحيلة، ضعيف القوة راضيا عن الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، وبالباب من الأجناد المجندة والأسلحة والأعمدة ما لا يرد البلاء، ولا يملك دفع القضاء وتدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب وإنا عليك لمحزونون يا يوسف، وأما الوصايا فلا يحتاج إليها، والآراء فقد شغلتني المصائب عنها، وأما لائح الأمر فإنه إن وقع الأتفاق فما عدمتم إلا شخصه الكريم. وإن كان غيره فالمصائب المستقبلة أهونها موته، وهو البلاء العظيم، والسلام. وكان رحمه الله مع سعة ملكه كثير التواضع، قريبا من الناس، رحيم القلب، كثير الاحتمال والمداراة يميل لأهل الفضل ويستحسن الأشعار الجيدة ويرددها في مجلسه وكان كثيرا ما ينشد قول محمد ين الحسين الحميري:
وزارني طيف من أهوى على حذر ... من الوشاة وداعي الصبح قد هتفا
فكدت أوقظ من حولي به فرحا ... وكاد يهتك سر الحب بي شغفا
ثم انتبهت وآمالي تخيل لي ... نيل المنى فاستحالت غبطتي أسفا
وكان رحمه الله كثيرا ما يتمثل بهذين البيتين وهما:
عجبت لمبتاع الضلالة بالهدى ... وللمشتري دنياه بالدين أعجب
وأعجب من هذين من باع دينه ... بدنيا سواه فهو من ذين أخيب
وعمر رحمه الله ستا وخمسين سنة وشهورا.
البطس: أنواع من السمك لها مرارات يكتب بها الكتب فإذا جففت قرئت في الظلام كما نقرأ بالنهار في ضوء الشمس ذكر ذلك صاحب المعطار.
البعوض: دويبة. قال الجوهري: إنه البق الواحدة بعوضة وهو وهم والحق أنه صنفان، وهو يشبه القراد لكن أرجله خفيفة، ورطوبته ظاهرة ويسمى بالعراق والشأم الجرجس. قال الجوهري: وهو لغة في القرقس، وهو البعوض الصغار، والبعوض على خلقة الفيل إلا أنه أكثر أعضاء من الفيل فإن للفيل أربع أرجل وخرطوما وذنبا. وله مع هذه الأعضاء رجلان زائدتان، وأربعة أجنحة وخرطوم الفيل مصمت، وخرطومه مجوف نافذ للجوف، فإذا طعن به جسد الإنسان استقى الدم وقذف به إلى جوفه فهو له كالبلعوم والحلقوم، ولذلك اشتد عضها وقويت على خرق الجلود الغلاظ قال الراجز:
مثل السفاة دائما طنينها ... ركب في خرطومها سكينها
ومما ألهمه الله تعالى إنه إذا جلس " على عضو من أعضاء الإنسان، لا يزال يتوخى بخرطومه

(1/122)


المسام التي يخرج منها العرق، لأنها أرق بشرة من جلدة الإنسان فإذا وجدها وضع خرطومه فيها، وفيه من الشره أن يمص الدم إلى أن ينشق ويموت أو إلى أن يعجز عن الطيران، فيكون ذلك سبب هلاكه. ومن عجيب أمره أنه ربما قتل البعير وغيره، من ذوات الأربع، فيبقى طريحا في الصحراء، فتجتمع السباع حوله والطير التي تأكل الجيف فمن أكل منها شيئا مات لوقته. وكا بعض الجبابرة من الملوك بالعراق يعذب بالبعوض، فيأخذ من يريد قتله فيخرجه مجردا إلى بعض الآجام التي بالبطائح ويتركه فيها مكتوفا، فيقتل في أسرع وقت، وأقرب زمان وما أحسن قول أبي الفتح البستي في هذا المعنى:
لا تستخفن الفتى بعداوة ... أبدا وإن كان العدو ضئيلا
إن القذى يؤذي العيون قليله ... ولربما جرح البعوض الفيلا
وما ألطف ما قال بعضهم:
لا تحقرن صغيرا في عداوته ... إن البعوضة تدمي مقلة الأسد
ونحوه قول أبي نصر السعدي :
ولا تحقرن عدوا رماك ... وإن كان في ساعديه قصر
فإن الحسام يحز الرقاب ... ويعجز عما تنال الإبر
وله أيضا وقيل إنه لجمال الدين بن مطروح:
يا من لبست عليه أثواب الضنا ... صفرا موشحة بحمر الأدمع
أدرك بقية مهجة لو لم تذب ... أسفا عليك رميتها عن أضلعي
ومن محاسن شعره أيضا قوله :
لما وقفنا للوداع وصارما ... كنا نظن من النوى تحقيقا
نثروا على ورق الشقائق لؤلؤا ... ونثرت من ورق البهار عقيقا
ونحوه قول إبراهيم علي القيراوني صاحب زهر الأدب وغيره وكان كلفا بالمعذرين:
ومعذرين كأن نبت خدودهم ... أقلام مسك تستمد خلوقا
نظموا البنفسج بالشقيق ونضدوا ... تحت الزبرجد لؤلؤا وعقيقا
وروى الترمذي، وقال حديث حسن صحيح عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى منها كافرا شربة ماء " . وكذلك رواه الحاكم وصححه.
وقال الشاعر في ذلك:
إذا كان شيء لا يساوي جميعه ... جناح بعوض عند من كنت عبده
وأشغل جزء منه كلك ما الذي ... يكون على ذا الحال قدرك عنده
ومعنى هوان الدنيا على الله تعالى أنه سبحانه لم يجعلها مقصودة لنفسها، بل جعلها طريقا موصلة إلى ما هو المقصود بنفسه. وإنه لم يجعلها دار إقامة ولا جزاء إنما جعلها دار محنة وبلاء وإنه ملكها في الغالب الجهلة والكفرة، وحماها الأنبياء والأولياء والأبدال. وحسبك بها هوانا على الله أنه سبحانه وتعالى، صغرها وحقرها وأبغضها، وأبغض أهلها ومحبيها، ولم يرض لعاقل فيها، إلا بالتزود منها، والتأهب للإرتحال عنها.

(1/123)


ويكفي في ذلك ما رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله تعالى وما والاه أو عالم أو متعلم " وهو حديث حسن غريب. ولا يفهم من هذا اباحة لعن الدنيا وسبها مطلقا. لما روى أبو موسى الأشعري، رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تسبوا الدنيا فنعمت مطية المؤمن عليها يبلغ الخير وبها ينجو من الشر، إن العبد إذا قال: لعن الله الدنيا قالت الدنيا لعن الله أعصانا لربه، خرجه الشريف أبو القاسم زيد بن عبد الله بن مسعود الهاشمي وهذا يقتضي المنع من سب الدنيا ولعنها. ووجه الجمع بينهما أن المباح لعنه من الدنيا ما كان منها مبعدا عن ذكر الله وشاغلا عنه، كما قال بعض السلف كل ما يشغلك عن ذكر الله من مال وولد فهو مشؤوم عليك، وهو الذي نبه عليه الله تعالى بقوله: " اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد " وأما ما كان من الدنيا، يقرب من الله ويعين على عبادته، فهو المحمود بكل لسان المحبوب لكل إنسان، فمثل هذا لا يسب، بل يرغب فيه ويحب، وإليه الإشارة بالاستثناء حيث قال: إلا ذكر الله وما والاه أو عالم أو متعلم، وهو المصرح به في قوله " نعمت مطية المؤمن عليها يبلغ الخير وبها ينجو من الشر " ، وبهذا يرتفع التعارض بين الحديثين وفي الإحياء للغزالي في الباب السادس من أبواب العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن العبد لينشر له من الثناء ما بين المشرق والمغرب ولا يزن عند الله جناح بعوضة " . وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ليأتي الرجل السمين العظيم يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة اقرؤوا إن شئتم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا " . رواه البخاري في التفسير، ومثله في التوبة. قال العلماء: معنى هذا الحديث أنهم لا ثواب لهم وأعمالهم مقابلة بالعذاب فلا حسنة لهم توزن في موازين القيامة ومن لا حسنة له فهو في النار. وقال أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: يؤتى بأعمال كجبال تهامة فلا تزن عند الله شيئا، وقيل: المراد المجاز والاستعارة كأنه قال لا قدر لهم عندنا يوم القيامة وفيه من الفقه ذم السمن لمن تكلفه لما في ذلك من تكلف المطاعم الزائدة على قدر الكفاية وقد قال صلى الله عليه وسلم: " إن أبغض الرجال إلى الله الحبر السمين " . قال وهب بن منبه لما أرسل الله تعالى البعوض على النمروذ، اجتمع منه في عسكره ما لا يحصى عددا، فلما عاين النمروذ ذلك، انفرد عن جيشه ودخل بيته وأغلق الأبواب وأرخى الستور ونام على قفاه مفكرا، فدخلت بعوضة في أنفه وصعدت إلى دماغه فعذب بها أربعين يوما حتى إنه كان يضرب برأسه الأرض وكان أعز الناس عنده من يضرب رأسه ثم سقطت منه كالفرخ وهي تقول كذلك يسلط الله رسله على من يشاء من عباده ثم هلك حينئذ. وقال محمد بن العباس الخوارزمي الطبرخزي في الوزير أبي القاسم المزني لما قبض عليه:
لا تعجبوا من صيد صعوبازيا ... إن الأسود تصاد بالخرفان
قد غرقت أملاك حمير فأرة ... وبعوضة قتلت بني كنعان
وروى جعفر الصادق بن محمد الباقر، عن أبيه قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملك الموت عليه السلام، عند رأس رجل من الأنصار فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ارفق بصاحبي فإنه مؤمن " . قال: " إني بكل مؤمن رفيق وما من أهل بيت إلا أتصفحهم في كل يوم خمس مرات ولو أني أردت قبض روح بعوضة ما قدرت حتى يكون من الله تعالى الأمر بقبضها " . قال جعفربن محمد بلغني أنه يتصفحهم عند مواقيت الصلاة انتهى.
ومن هذا وما تقدم عن مالك في البراغيث، يعلم أن ملك الموت هو الموكل بقبض كل ذي روح والبعوضة على صغر جرمها قد أودع الله تعالى في دماغها قوة الحفظ وفي وسطه قوة الفكر وفي مؤخره قوة الذكر. وخلق لها حاسة البصر وحاسة اللمس وحاسة الشم، وخلق لها منفذا للغذاء ومخرجا للفضلة، وخلق لها جوفا وأمعاء وعظاما. فسبحان من قدر فهدى ولم يخلق شيئا من المخلوقات سدى وأنشد الزمخشري في تفسير سورة البقرة:
يا من يرى مد البعوض جناحها ... في ظلمة الليل البهيم الأليل

(1/124)


ويرى مناط عروقها في نحرها ... والمخ في تلك العظام النحل
امنن علي بتوبة تمحو بها ... ما كان مني في الزمان الأول
وتقل ابن خلكان عن بعض الفضلاء، أن الزمخشري أوصى أن تكتب هذه الأبيات على قبره. ويروي عوض امنن علي بتوبة كما قال بعضهم:
اغفر لعبد تاب من فرطاته ... ما كان منه في الزمان الأول
وفي تاريخ ابن خلكان وغيره أن الزمخشري كان يعتقد الاعتزال ويتظاهر به، وكان إذا استأذن على صاحب له بالدخول، يقول: أبو القاسم المعتزلي بالباب. وأول ما صنف من الكتب الكشاف فكتب في أول خطبته: الحمد الله الذي خلق القرآن فقيل له: إن تركته على هذه الهيئة، هجره الناس فغيره، وقال: الحمد لله الذي جعل القرآن وجعل عندهم بمعنى خلق. ويوجد في كثير من النسخ الحمد الله الذي أنزل القرآن وهو من إصلاح الناس لا من إصلاح المصنف فافهم. توفي الزمخشري ليلة عرفة سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة وقد تكلم في الإحياء في باب المحبة على خلق البعوضة وصفتها وما أودعه الله تعالى فيها من الأسرار.
فائدة: رأيت في كتاب الدعاء للشيخ الإمام العلامة أبي بكر محمد بن الوليد الفهري الطرطوشي، ويعرف بابن أبي رنده بالراء المهملة المفتوحة وتسكين النون، وهو إمام ورع أديب متقلل، وفاته بالأسكندرية سنة اثنتين وخمسمائة، عن مطرف بن عبد الله بن أبي مصعب المدني أنه قال: دخلت على المنصور فوجدته مغموما حزينا قد امتنع من الكلام، لفقد بعض أحبته فقال لي: يا مطرف طرقني من الهم ما لا يكشفه إلا الله الذي بلا به، فهل من دعاء أدعو به عسى يكشفه الله عني؟ فقلت: يا أمير المؤمنين حدثني محمد بن ثابت عن عمر بن ثابت البصري قال: دخلت في أذن رجل من أهل البصرة بعوضة حتى وصلت إلى صماخه فأنصبته وأسهرته ليله ونهاره، فقال له رجل من أصحاب الحسن البصري: يا هذا ادع بدعاء العلاء بن الحضرمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي دعا به في المفازة وفي البحر فخلصه الله تعالى. فقال له الرجل: وما هو رحمك الله؟ فقال قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: بعث العلاء بن الحضرمي في جيش، كنت فيهم، إلى البحرين فسلكنا مفازة فعطشنا عطشا شديدا حتى خفنا الهلاك، فنزل العلاء وصلى ركعتين ثم قال: يا حليم يا عليم يا علي يا عظيم اسقنا، فجاءت سحابة كأنها جناح طائر، فقعقعت علينا وأمطرتنا حتى ملأنا الانية، وسقينا الركاب ثم انطلقنا حتى أتينا على خليج من البحر، ما خيض قبل ذلك اليوم، ولا خيض بعده، فلم نجد سفنا فصلى العلاء ركعتين، ثم قال: يا حليم يا عليم يا علي يا عظيم أجرنا، ثم أخذ بعنان فرسه ثم قال بسم الله جوزوا. قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: فمشينا على الماء فوالله ما ابتل لنا قدم ولا خف ولا حافر. وكان الجيش أربعة آلاف. قال فدعا الرجل بها فوالله ما برحنا حتى خرجت من أذنه لها طنين، حتى صكت الحائط وبرأ الرجل.
قال: فاستقبل المنصور القبلة ودعا بهذا الدعاء ساعة ثم أقبل بوجهه إلي وقال: يا مطرف قد كشف الله عني ما كنت أجده من الهم، ودعا بالطعام فأجلسني فأكلت معه. ويقرب من هذا ما حكاه ابن خلكان في ترجمة موسى الكاظم بن جعفر الصادق أن هارون الرشيد حبسه في بغداد ثم دعا صاحب شرطته ذات يوم فقال له: رأيت في منامي حبشيا أتاني، ومعه حربة، وقال: إن لم تخل عن موسى بن جعفر وإلا نحرتك بهذه الحربة فاذهب فخل عنه وأعطه ثلاثين ألف درهم، وقل له إن أحببت المقام عندنا فلك عندي ما تحب، وإن أحببت المضي إلى المدينة فامض. قال صاحب الشرطة: ففعلت ذلك وقلت له: لقد رأيت من أمرك عجبا فقال: أنا أخبرك بينما أنا نائم إذ أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا موسى حبست مظلوما، فقل هذه الكلمات فإنك لا تبيت هذه الليلة في السجن، قل: يا سامع كل صوت ويا سابق كل فوت ويا كاسي العظام لحما ومنشرها بعد الموت، أسألك بأسمائك العظام وبإسمك الأعظم الأكبر المخزون المكنون الذي لم يطلع عليه أحد من المخلوقين يا حليما ذا أناة لا يقدر على آناته يا ذا المعروف الذي لا ينقطع معروفه أبدا، ولا نحصي له عددا، فرج عني. فكان ما ترى.

(1/125)


وتوفي موسى الكاظم في رجب سنة ثلاث وقيل سنة سبع وثمانين ومائة ببغداد مسموما، وقيل إنه توفي في الحبس وكان الشافعي يقول قبر موسى الكاظم الترياق المجرب، وقد أذكرتني هذه الحكاية ما حكاه الخطيب أبو بكر في تاريخه وابن خلكان أيضا في ترجمة يعقوب بن داود أن المهدي حبسه في بئر وبنى عليها قبة فمكث فيها خمس عشرة سنة وكان يدلي له فيها كل يوم رغيف خبز وكوز ماء، ويؤذن بأوقات الصلاة قال فلما كان في رأس ثلاث عشرة سنة أتاني آت في منامي فقال:
قد حن يوسف إلى رب فأخرجه ... من قعر جب وبيت حوله غمم
قال: فحمدت الله تعالى وقلت: أتاني الفرج، فمكثت حولا لا أرى شيئا، ففي رأس الحول أتاني ذلك الآتي فأنشدني:
عسى فرج يأتي به الله إنه ... له كل يوم خليقته أمر
قال: ثم أقمت حولا آخر لا أرى شيئا، ثم أتاني ذلك الآتي في رأس الحول فأنشدني:
عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب
فيأمن خائف ويفك عان ... ويأتي أهله النائي الغريب
قال: فلما أصبحت نوديت فظننت أني أوذن بالصلاة فأدلي لي حبل، فربطت نفسي به ونشلت من البئر فانطلق بي، فأدخلت على الرشيد فقيل لي: سلم على أمير المؤمنين، فقلت السلام عليك يا أمير المؤمنين المهدي فقال لي: لست به. فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين الهادي. فقال لي: لست به. فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال: الرشيد، فقلت الرشيد. فقال: يا يعقوب، ما شفع فيه إلى أحد غير أني حملت الليلة صبية لي على عنقي فذكرت حملك إياي على عنقك، فرثيت لك وأخرجتك. وكان يعقوب يحمل الرشيد على عنقه وهو صغير يلاعبه ثم أمر له بجائزة وصرفه.
الحكم: يحرم أكلها لاستقذارها.
فائدة: روى البخاري في الأدب والترمذي في مناقب الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما، من حديث عبد الرحمن بن أبي نعيم قال: كنت عند ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، فسأله رجل عن دم البعوض فقال: ممن أنت؟ قال: من أهل العراق. فقال ابن عمر رضي الله عنهما أنظروا إلى هذا يسألني عن دم البعوض وقد قتلوا ابن بنت الرسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمعته صلى الله عليه وسلم يقول : " هما ريحانتاي من الدنيا " . قال: ولم يكن أحد أشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم، من الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما. وروى ابن حبان والترمذي عن علي رضي الله تعالى عنه، قال: " كان الحسن أشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين الصدر والرأس والحسين أشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان أسفل من ذلك " .

(1/126)


فائدة أخرى: ذكر في الروض الزاهر عن الشعبي، قال: لما بلغ الحجاج أن يحيى بن يعمر يقول: إن الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يحيى بن يعمر بخراسان. فكتب الحجاج إلى قتيبة بن مسلم والي خراسان أن ابعث إلي يحيى بن يعمر، فبعث به إليه قال الشعبي: وكنت عند الحجاج حين أتي به إليه، فقال له الحجاج: بلغني أنك تزعم أن الحسن والحسين من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أجل يا حجاج. قال الشعبي: فعجبت من جراءته بقوله يا حجاج! فقال له الحجاج: والله إن لم تخرج منها، وتأتني بها مبينة واضحة من كتاب الله تعالى، لألقين الأكثر منك شعرا. ولا تأتني بهذه الآية " ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم " قال: فإن خرجت من ذلك، وأتيتك بها واضحة مبينة من كتاب الله تعالى، فهو أماني؟ قال: نعم. فقال: قال الله تعالى: " ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا وعيسى والياس أثم قال يحيى بن يعمر: فمن كان أبا عيسى وقد ألحقه الله بذرية إبراهيم؟ وما بين عيسى وإبراهيم أكثر مما بين الحسن والحسين. ومحمد صلوات الله عليه وسلامه. فقال له الحجاج: ما أراك إلا قد خرجت، وأتيت بها مبينة واضحة، والله لقد قرأتها وما علمت بها قط، وهذا من الاستنباطات البديعة. ثم قال له الحجاج: أخبرني عني هل ألحن؟ فسكت. فقال: أقسمت عليك. فقال: أما إذ أقسمت علي أيها الأمير، فإنك ترفع ما يخفض وتخفض ما يرفع. فقال: ذاك والله اللحن السيء. ثم كتب إلى قتيبة بن مسلم: إذا جاءك كتابي هذا فاجعل يحيى بن يعمر على قضائك والسلام. وقيل: إن الحجاج قال ليحيى: أسمعتني ألحن؟ قال: في حرف واحد. قال: في أي؟ قال: في القرآن. قال: ذلك أشنع ما هو! قال: تقول " قل إن كان أباؤكم وأبناؤكم " إلى قوله: " أحب إليكم، فتقرأها بالرفع. فقال له الحجاج: لا جرم تسمع لي لحنا. وألحقه بخراسان. قال الشعبي: كان الحجاج لما طال عليه الكلام نسي ما ابتدأ به. وذكره ابن خلكان في ترجمة يحيى بن يعمر، وفيه بعض مخالفة. قلت: في كلام يحيى تصريح بأن الضمير في ومن ذريته، يعود على إبراهيم والذي في الكواشي والبغوي وغيرهما أن الضمير يعود إلى نوح، لأن الله تعالى ذكر من جملتهم يونس ولوطا فقال: " وزكريا ويحيى وعيسى والياس كل من الصالحين وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين " ويونس ولوط من ذرية نوح لا من ذرية إبراهيم، لكن استدلاله صحيح على القول الثاني أيضا. قال ابن خلكان: كان يحيى بن يعمر تابعيا عالما بالقرآن والنحو، وكان شيعيا من الشيعة الأول، يتشيع تشيعا حسنا، يقول بتفضيل أهل البيت من غير تنقيص لأحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. قال ابن خلكان: خطب أمير بالبصرة فقال: اتقوا الله فإنه من يتق الله فلا هوارة عليه. فلم يدروا ما قال الأمير فسألوا أبا سعيد يحيى بن يعمر العدواني، فقال: الهوارة الضياع، كأنه قال من اتقى الله فلا ضياع عليه. والهورات المهالك واحدها هورة. وحدث الأصمعي بهذا الحديث، فقال: إن الغريب لواسع، لم أسمع بهذا قط. وتوفي يحيى بن يعمر سنة تسع وعشرين ومائة ويعمر بفتح الياء والميم بينهما عين مهملة ساكنة وقيل بضم الميم والأول أصح انتهى.
تتمة: قال نصر الله بن يحيى، وكان من الثقات وأهل السنة: رأيت علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في المنام، فقلت له: يا أمير المؤمنين تفتحون مكة فتقولون: من دخل دار أبي سفيان، فهو آمن، ثم يتم على ولدك الحسين ما تم فقال لي: أما سمعت أبيات ابن الصيفي في هذا؟ فقلت: لا. فقال: إسمعها منه. ثم انتبهت فبادرت إلى حيص بيص، فذكرت له الرؤيا فشهق وبكى وحلف بالله لم تخرج من فمه ولا خطه إلى أحد وما نظمها إلا في ليلته ثم أنشدني قوله :
ملكنا فكان العفو منا سجية ... فلما ملكتم سال بالدم أبطح
وحللتمو قتل الأسارى وطالما ... عدونا على الأسرى فنعفو ونصفح
وحسبكمو هذا التفاوت بيننا ... وكل إناء بالذي فيه ينضح

(1/127)


وإسم الحيص بيص سعد بن محمد أبو الفوارس التميمي شاعر مشهور، ويعرف بابن الصيفي ولقب بالحيص بيص لأنه رأى الناس يوما في حركة مزعجة وأمر شديد، فقال: ما للناس في حيص بيص؟ فبقي عليه هذا اللقب. ومعنى هاتين الكلمتين الشدة والاختلاط، وتفقه على مذهب الإمام الشافعي وغلب عليه الأدب ونظم الشعر وكان مجيدا فيه وكان إذا سئل عن عمره يقول: أنا أعيش في الدنيا مجازفة لأنه كان لا يحفظ مولده وتوفي سنة أربع وسبعين وخمسمائة. ومن محاسن شعره:
يا طالب الرزق في الآفاق مجتهدا ... أقصر عناك فإن الرزق مقسوم
الرزق يسعى إلى من ليس يطلبه ... وطالب الرزق يسعى وهو محروم
وله أيضا:
يا طالب الطب من داء أصيب به ... إن الطبيب الذي أبلاك بالداء
هو الطبيب الذي يرجى لعافية ... لا من يذيب لك الترياق في الماء
وله أيضا:
إله عما استأثر الله به ... أيها القلب ودع عنك الحرق
فقضاء الله لا يدفعه ... حول محتال إذا الأمر سبق
وله أيضا:
أنفق ولا تخش إقلالا فقد قسمت ... على العباد من الرحمن ارزاق
لا ينفع البخل مع دنيا مولية ... ولا يضر مع الإقبال إنفاق
الأمثال: قالوا : " أعز من مخ البعوض " وقالوا : " كلفتني مخ البعوض " ، يضرب لمن يكلف الأمور الشاقة. " وأضعف من بعوضة " .
فائدة: قوله تعالى: " إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها " . قال الحسن وغيره: سبب نزولها ان الكفار أنكروا ضرب الأمثال، في غير هذه السورة بالذباب والعنكبوت، وقيل لما ضرب الله تعالى المثلين، في أول السورة للمنافقين، يعني قوله تعالى: " مثلهم كمثل الذي استوقد نارا " وقوله تعالى: " أو كصيب من السماء " قالوا: والله أجل وأعلى من أن يضرب الأمثال. فأنزل الله تعالى هذه الآية. قال الكسائي وأبو عبيدة وغيرهما: المعنى فما فوقها في الصغر. وقال قتادة وابن جريج وغيرهما: المعنى في الكبر. قال ابن عطية: الكل محتمل والله أعلم.
البعير: سمي بعيرا لأنه يبعر، يقال: بعر البعير بفتح العين فيهما بعرا بإسكان العين كذبح يذبح ذبحا، قاله ابن السكيت وهو إسم على الذكر والأنثى وهو من الإبل بمنزلة الإنسان من الناس، فالجمل بمنزلة الرجل، والناقة بمنزلة المرأة، والقعود بمنزلة الفتى، والقلوص بمنزلة الجارية، وحكي عن بعض العرب: صرعتني بعيري، أي ناقتي، وشربت من لبن بعيري. وإنما يقال له بعيرا إذا أجذع، والجمع أبعرة وأباعر وبعران. قال مجاهد في قوله تعالى: " ولمن جاء به حمل بعير " أراد بالبعير الحمار، لأن بعض العرب يقول للحمار بعير، وهذا شاذ، ولو أوصى ببعير تناول الناقة على الأصح. وهو كالخلاف في تناول الشاة الذكر، وإن كان عكسه في الصورة. وللوجه الثاني عدم التناول. وهو المحكي عن النص، والمعروف في كلام الناس خلاف كلام العرب تتزيلا للبعير منزلة الجمل. قال الرافعي: وربما أفهمك كلامهم توسطا بين تنزيل النص، علا ما إذا عم العرف باستعمال البعير بمعنى الجمل، والعمل بما تقتضيه اللغة إذا لم يعم لا جرم. قال الشيخ الإمام السبكي: إن تصحيح خلاف النص في مثل هذه المسائل بعيد، لأن الشافعي رضي الله عنه اعرف باللغة، فلا يخرج عنها إلا لعرف مطرد، فإن صح عرف بخلاف قوله اتبع، وإلا فالأولى اتباع قوله.

(1/128)


فرع: لو وقع بعيران في بئر، أحدهما فوق الآخر، فطعن الأعلى ومات الأسفل بثقله، حرم الأسفل لأن الطعنة لم تصبه، فإن أصابتها حلا جميعا. فإذا شك هل مات بالثقل أم بالطعنة النافذة، وقد علم أنها اصابته قبل مفارقة الروح حل. وإن شك هل أصابته قبل مفارقة الروح أم بعدها؟ قال البغوي في الفتاوى: يحتمل وجهين، بناء على أن العبد الغائب المنقطع خبره هل يجزئ اعتاقه عن الكفارة أم لا؟ ومن ذلك ما لو رمى غير مقدور عليه، فصار مقدورا عليه، ثم أصاب غير مذبحه لم يحل. ولو رمى مقدورا عليه فصار غير مقدور عليه، فأصاب غير مذبحه لم يحل فإن أصاب مذبحه حل. وفي سنن أبي داود النسائي وابن ماجه، عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا تزوج أحدكم امرأة أو اشترى جارية أو غلاما أو دابة، فليأخذ بناصيتها وليقل: أللهم إني أسألك خيره وخير ما جبل عليه، وأعوذ بك من شره وشر ما جبل عليه. وإذا اشترى بعيرا فليأخذ بذروة سنامه وليدع بالبركة وليقل مثل ذلك " .
فائدة: قال ابن الأثير: " خرج خلاد بن رافع وأخوه رضي الله عنهما إلى بدر على بعير أعجف، فلما انتهيا إلى قرب الروحاء، برك البعير. قال فقلنا: أللهم لك علينا، إن انتهينا إلى بدر، أن ننحره قرآنا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ما بالكما " . فأخبرناه، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم فتوضأ ثم بزق في وضوئه ثم أمرهما ففتحا فم البعير فصب في جوفه، ثم على رأسه، ثم على عنقه، ثم على غاربه، ثم على سنامه ثم على عجزه، ثم على ذنبه، ثم قال صلى الله عليه وسلم: " أللهم احمل رفاعة وخلادا " . فقمنا نرحل، فأدركنا أول الركب فلما انتهينا إلى بدر برك فنحرناه وتصدقنا بلحمه.
فائدة أخرى: روى أبو القاسم الطبراني، في كتاب الدعوات، عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه، قال: غزونا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كنا في مجمع طرق المدينة، فبصرنا بأعرابي أخذ بخطام بعير حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن حوله فقال: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فرد النبي صلى الله عليه وسلم عليه السلام، وقال: " كيف أصبحت " ؟ فجاء رجل كأنه حرسي فقال: يا رسول الله هذا الأعرابي سرق يعيري هذا، فرغا البعير وحن ساعة، فأنصت له النبي صلى الله عليه وسلم يسمع رغاءه وحنينه، فلما هدأ البعير أقبل النبي صلى الله عليه وسلم على الحرسي وقال: " انصرف عنه، فإن البعير يشهد عليك أنك كاذب " . فانصرف الحرسي وأقبل النبي صلى الله عليه وسلم على الأعرابي، وقال: " أي شيء قلت حين جئتني " ؟ فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله قلت: اللهم صل على محمد حتى لاتبقى صلاة، اللهم وبارك على محمد حتى لا تبقى بركة، اللهم وسلم على محمد حتى لا يبقى سلام، اللهم وارحم محمدا حتى لا تبقى رحمة. فقال صلى الله عليه وسلم: " إن الله تبارك وتعالى أبداها لي، والبعير ينطق بقدرته، وإن الملائكة قد سدوا أفق السماء " . وفيه أيضا عن نافع عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما قال: " جاؤوا برجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فشهدوا عليه أنه سرق ناقة لهم فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع، فولى الرجل وهو يقول: اللهم صل على محمد حتى لا يبقى من صلواتك شيء، وبارك على محمد حتى لا يبقى من بركاتك شيء، وسلم على محمد حتى لا يبقى من سلامك شيء فتكلم البعير وقال يا محمد إنه بريء من سرقتي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " من يأتي بالرجل فابتدر إليه سبعون من أهل بدر، فجاؤوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: " يا هذا ما قلت آنفا؟ فأخبره بما قال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لأجل ذلك رأيت الملائكة يخترقون سكك المدينة، حتى كادوا يحولون بيني وبينك، ثم قال صلى الله عليه وسلم: لتردن على الصراط ووجهك أضوأ من القمر ليلة البدر " وسيأتي، إن شاء الله تعالى، في الناقة حديث رواه الحاكم في هذا المعنى.

(1/129)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية