صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ جمهرة خطب العرب - أحمد زكي صفوت ]
الكتاب : جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
المؤلف : أحمد زكي صفوت
الناشر : المكتبة العلمية - بيروت
عدد الأجزاء : 3

أتعلمين تلك المعضلة قالت أجل ايها الملك إنها رؤيا منام ليست بأضغاث أحلام قال الملك أصبت يا عفيراء فما تلك الرؤيا قالت رأيت أعاصير زوابع بعضها لبعض تابع فيها لهب لامع ولها دخان ساطع يقفوها نهر متدافع وسمعت فيما أنت سامع دعاء ذي جرس صادع هلموا إلى المشارع فروى جارع وغرق كارع فقال الملك أجل هذه رؤياي فما تأويلها يا عفيراء قالت الأعاصير الزوابع ملوك تبابع والنهر علم واسع والداعي نبي شافع والجارع ولي تابع والكارع عدو منازع فقال الملك يا عفيراء أسلم هذا النبي أم حرب فقالت أقسم برافع السماء ومنزل الماء من العماء إنه لمطل الدماء ومنطق العقائل نطق الإماء
فقال الملك إلام يدعو يا عفيراء قالت إلى صلاة وصيام وصلة أرحام وكسر أصنام وتعطيل أزلام واجتناب آثام فقال الملك

(1/117)


يا عفيراء إذا ذبح قومه فمن أعضاده قالت أعضاده عظاريف يمانون طائرهم به ميمون يغزيهم فيغزون ويدمث بهم الحزون وإلى نصرة يعتزون فأطرق الملك يؤامر نفسه في خطبتها فقالت أبيت اللعن أيها الملك إن تابعي غيور ولأمرى صبور وناكحي مثبور والكلف بي ثبور فنهض الملك وجال في صهوة جواده وانطلق فبعث إليها بمائة ناقة كوماء

(1/118)


الوصايا
73 - وصية أوس بن حارثة لابنه مالك
عاش الأوس بن حارثة دهرا وليس له ولد إلا مالك وكان لأخيه الخزرج خمسة عمرو وعوف وجشم والحرث وكعب فلما حضره الموت قال له قومه قد كنا نأمرك بالتزويج في شبابك فلم تزوج حتى حضرك الموت فقال الأوس لم يهلك هالك ترك مثل مالك وإن كان الخزرج ذا عدد وليس لمالك ولد فلعل الذي استخرج العذق من الجريمة والنار من الوثيمة أن يجعل لمالك نسلا ورجالا بسلا يا مالك المنية ولا الدنية والعتاب قبل العقاب والتجلد لا التبلد واعلم ان القبر خير من الفقر وشر شارب المشتف وأقبح طاعم المقتف ودهاب البصر خير من كثير من النظر ومن كرم الكريم الدفاع عن الحريم ومن قل ذل ومن أمر فل وخير الغنى القناعة وشر الفقر الضراعة والدهر يومان فيوم

(1/119)


لك و يوم عليك فإذا كان لك فلا تبطر وإذا كان عليك فاصبر فكلاهما سينحسر فإنما تعز من ترى ويعزك من لا ترى ولو كان الموت يشترى لسلم منه أهل الدنيا ولكن الناس فيه مستوون الشريف الأبلج واللئيم المعلهج والموت المفيت خير من أن يقال لك هبيت وكيف بالسلامة لمن ليست له إقامة وشر من المصيبة سوء الخلف وكل مجموع إلى تلف حياك إلهك 4
وصية ذى الإصبع العدوانى لابنه أسيد
لما احتضر ذو الإصبع دعا ابنه أسيدا فقال له يا بنى إن أباك قد فنى وهو حى وعاش حتى سئم العيش وإني موصيك بما إن حفظته بلغت في قومك ما بلغته فاحفظ عنى ألن جانبك لقومك يحبوك وتواضع لهم يرفعوك وابسط لهم وجهك يطيعوك ولا تستأثر عليهم بشئ يسودوك وأكرم صغارهم كما تكرم كبارهم يكرمك كبارهم ويكبر على مودتك صغارهم واسمح بمالك واحم حريمك وأعزز جارك وأعن من استعان بك وأكرم ضيفك وأسرع النهضة في الصريخ فإن لك أجلا لا يعدوك وصن وجهك عن مسألة أحد شيئا فبذلك يتم سؤددك

(1/120)


وصية عمرو بن كلثوم لبنيه
أوصى عمرو بن كلثوم التغلبى فقال يا بنى إنى قد بلغت من العمر ما لم يبلغ أحد من آبائى وأجدادي ولا بد من أمر مقتبل وأن ينزل بى ما نزل بالآباء والأجداد والأمهات والأولاد فاحفظوا عنى ما أوصيكم به إنى والله ما عيرت رجلا قط أمرا إلا عير بى مثله إن حقا فحقا وإن باطلا فباطلا ومن سب سب فكفوا عن الشتم فإنه أسلم لأعراضكم وصلوا أرحامكم تعمر داركم وأكرموا جاركم يحسن ثناؤكم وزوجوا بنات العم بنى العم فإن تعديتم بهن إلى الغرباء فلا تألوا بهن الأكفاء وأبعدوا بيوت النساء من بيوت الرجال فإنه أغض للبصر وأعف للذكر ومتى كانت المعاينة واللقاء ففي ذلك داء من الأدواء ولا خير فيمن لا يغار لغيره كما يغار لنفسه وقل لمن انتهك حرمة لغيره إلا انتهكت حرمته وامنعوا القريب من ظلم الغريب فإنك تذل على قريبك ولا يحل بك ذل غريبك وإذا تنازعتم فى الدماء فلا يكن حقكم للقاء فرب رجل خير من ألف وود خير من خلف وإذا حدثتم فعوا وإذا حدثتم فأوجزوا فإن مع الإكثار يكون الإهذار وموت عاجل خير من ضني آجل وما بكيت من زمان إلا دهانى بعده زمان وربما شجانى من لم يكن أمره عناني وما عجبت من أحدوثة إلا رأيت بعدها أعجوبة واعلموا أن أشجع القوم العطوف وخير الموت تحت ظلال السيوف ولا خير فيمن لا روية له عند الغضب ولا فيمن إذا عوتب لم يعتب ومن الناس من لا يرجى خيره ولا يخاف شره فبكؤه خير من دره وعقوقه خير من بره ولا تبرحوا فى حبكم فإنه من برح فى حب آل

(1/121)


ذلك إلى قبيح بغض وكم قد زارنى إنسان وزرته فانقلب الدهر بنا فبرته واعلموا أن الحكيم سليم وأن السيف كليم إنى لم أمت ولكن هرمت ودخلتنى ذلة فسكت وضعف قلبى فأهترت سلمكم ربكم وحياكم 76
وصية الحرث بن كعب لبنيه
وأوصى الحرث بن كعب بنيه فقال
يا بنى قد أتت على مائة وستون سنة ما صافحت يمينى يمين غادر ولا قنعت لنفسى بخلة فاجر ولا صبوت بابنة عم ولا كنة ولا بحت لصديق بسر ولا طرحت عن مومسة قناعا ولا بقى على دين عيسى بن مريم وروى على دين شعيب من العرب غيري وغير تميم بن مرة وأسد بن خزيمة فموتوا على شريعتى واحفظوا وصيتى وإلهكم فاتقوا يكفكم ما أهمكم ويصلح لكم حالكم وإياكم ومعصيته فيحل بكم الدمار ويوحش منكم الديار كونوا جميعا ولا تفرقوا فتكونوا شيعا وبزوا قبل أن تبزوا فموت فى عز خير من حياة فى ذل وعجز وكل ما هو كائن كائن وكل جمع إلى تباين والدهر ضربان ضرب بلاء وضرب رخاء واليوم يومان يوم حبرة ويوم عبرة والناس رجلان رجل لك ورجل عليك زوجوا النساء الأكفاء وإلا فانتظروا بهن القضاء وليكن أطيب طيبهن

(1/122)


الماء وإياكم والورهاء فإنها أدوأ الداء وإن ولدها إلى أفن يكون لا راحة لقاطع القرابة وإذا اختلف القوم أمكنوا عدوهم وآفة العدو اختلاف الكلمة والتفضل بالحسنة يقى السيئة والمكافأة بالسيئة دخول فيها وعمل السوء يزيل النعماء وقطيعة الرحم تورث الهم وانتهاك الحرمة يزيل النعمة وعقوق الوالدين يعقب النكد ويخرب البلد ويمحق العدد والإسراف فى النصيحة هو الفضيحة والحقد يمنع الرفد ولزوم الخطيئة يعقب البلية وسوء الرعة يقطع أسباب المنفعة والضغائن تدعو إلى التباين يا بنى إنى قد أكلت مع أقوام وشربت فذهبوا وغبرت وكأنى بهم قد لحقت ثم قال
( أكلت شبابى فأفنيته ... وأبليت بعد دهور دهورا )
( ثلاثة أهلين صاحبتهم ... فبادوا وأصبحت شيخا كبيرا )
( قليل الطعام عسير القيام ... قد ترك الدهر خطوى قصيرا )
( أبيت أراعي نجوم السماء ... أقلب أمرى بطونا ظهورا ) 77
وصية عامر بن الطرب العدوانى لقومه
وكان عامر بن الظرب العدوانى سيد قومه فلما كبر وخشى عليه قومه أن يموت اجتمعوا إليه وقالوا إنك سيدنا وقائلنا وشريفنا فاجعل لنا شريفا وسيدا وقائلا بعدك فقال
يا معشر عدوان كلفتمونى بغيا إن كنتم شرفتمونى فإني أريتكم ذلك من نفسى فأنى لكم مثلى افهموا ما أقول لكم إنه من جمع بين الحق والباطل لم

(1/123)


له وكان الباطل أولى به وإن الحق لم يزل ينفر من الباطل ولم يزل الباطل ينفر من الحق
يامعشر عدوان لا تشمتوا بالذلة ولا تفرحوا بالعزة فبكل عيش يعيش الفقير مع الغنى ومن ير يوما ير به وأعدوا لكل امرئ جوابه إن مع السفاهة الندامة والعقوبة نكال وفيها ذمامة ولليد العليا العاقبة والقوذ راحة لا لك ولا عليك وإذا شئت وجدت مثلك إن عليك كما أن لك وللكثرة الرعب وللصبر الغلبة ومن طلب شيئا وجده وإن لم يجده يوشك أن يقع قريبا منه 78
وصية دويد بن زيد لبنيه
لما حضرت دويد بن زيد الوفاة قال لبنيه :
أوصيكم بالناس شرا لا ترحموا لهم عبرة ولا تقيلوهم عثرة قصروا الأعنة وطولوا الأسنة واطعنوا شزرا واضربوا هبرا وإذا أردتم المحاجزة

(1/124)


فقبل المناجزة والمرء يعجز لا المحالة بالجد لا بالكد التجلد ولا التبلد والمنية ولا الدنية ولا تأسوا على فائت وإن عز فقده ولا تحنوا إلى ظاعن وإن ألف قربه ولا تطمعوا فتطبعوا ولا تهنوا فتخرعوا ولا يكونن لكم المثل السوء إن الموصين بنو سهوان إذا مت فأرحبوا خط مضجعي ولا تضنوا على برحب الأرض وما ذلك بمؤد إلى روحا ولكن حاجة نفس خامرها الإشفاق قال أبو بكر بن دريد في حديث أخر إنه قال
( اليوم يبنى لدويد بيته ... يارب نهب صالح حويته )
( ورب قرن بطل أرديته ... ورب غيل حسن لويته )
( ومعصم مخضب ثنيته ... لو كان للدهر بلى أبليته )
( أو كان قرني واحدا كفيته )

(1/125)


79 - وصية زهير بن جناب الكلبي
وأوصى زهير بن جناب الكلبي بنيه فقال
يا بني قد كبرت سني وبلغت حرسا من دهري فأحكمتني التجارب والأمور تجربة واختبار فاحفظوا عنى ما أقول وعوه أياكم والخور عند المصائب والتواكل عند النوائب فإن ذلك داعية للغم وشماتة للعدو وسوء ظن بالرب وإياكم أن تكونوا بالأحداث مغترين ولها آمنين ومنها ساخرين فإنه ما سخر قوم قط إلا ابتلوا ولكن توقعوها فإنما الإنسان في الدنيا غرض تعاوره الرماة فمقصر دونه ومجاوز لموضعه وواقع عن يمينه وشماله ثم لا بد أنه مصيبه
80 - وصية النعمان بن ثواب العبدي لبنيه
كان للنعمان بن ثواب العبدي بنون ثلاثة سعد وسعيد وساعدة وكان أبوهم ذا شرف وحكمة وكان يوصي بنيه ويحملهم على أدبه أما ابنه سعد فكان شجاعا بطلا من شياطين العرب لا يقام لسبيله ولم تفته طلبته قط ولم يفر عن قرن وأما سعيد فكان يشبه أباه في شرفه وسودده وأما ساعدة فكان صاحب شراب وندامى وإخوان فلما رأى الشيخ حال بينه دعا سعدا وكان صاحب حرب فقال

(1/126)


يا بني إن الصارم ينبو والجواد يكبو والأثر يعفو فإذا شهدت حربا فرأيت نارها تستعر وبطلها يخطر وبحرها يزخر وضعيفها ينصر وجبانها يجسر فأقلل المكث والانتظار فإن الفرار غير عار إذا لم تكن طالب ثار فإنما ينصرون هم وإياك أن تكون صيد رماحها ونطيح نطاحها
وقال لابنه سعيد وكان جوادا يا بني لا يبخل الجواد فابذل الطارف والتلاد واقلل التلاح تذكر عند السماح وابل إخوانك فإن وفيهم قليل واصنع المعروف عند محتمله
وقال لابنه ساعدة وكان صاحب شراب يا بني إن كثرة الشراب تفسد القلب وتقلل الكسب وتجد اللعب فأبصر نديمك واحم حريمك وأعن غريمك واعلم أن الظمأ القامح خير من الري الفاضح وعليك بالقصد فإن فيه بلاغا 81
- وصية قيس بن زهير لبني النمر بن قاسط
جاور قيس بن زهير العبسي بعد يوم الهباءة النمر بن قاسط وتزوج منهم وأقام فيهم حتى ولد له فلما أراد الرحيل عنهم قال

(1/127)


حذف

(1/81)


يا معشر النمر إن لكم على حقا وأنا أريد أن أوصيكم فآمركم بخصال وأنهاكم عن خصال عليكم بالأناة فإن بها تدرك الحاجة وتنال الفرصة وتسويد من لا تعابون بتسويده وعليكم بالوفاء فإن به يعيش الناس وبإعطاء من تريدون إعطاءه قبل المسالة ومنع من تريدون منعه قبل الإلحاح وإجارة الجار على الدهر وتنفيس المنازل عن بيوت اليتامى وخلط الضيف بالعيال
وأنهاكم عن الغدر فإنه عار الدهر وعن الرهان فإني به ثكلت مالكا أخي وعن البغي فإنه قتل زهيرا أبي وعن الإعطاء في الفضول فتعجزوا عن الحقوق وعن السرف في الدماء فإن يوم الهباءة ألزمني العار ومنع الحرم إلا من الأكفاء

(1/128)


فإن لم تصيبوا لهن الأكفاء فإن خير منا كحهن القبور أو خير منازلها واعلموا أني كنت ظالما مظلوما ظلمني بنو بدر بقتلهم مالكا أخي وظلمتهم بأن قتلت من لا ذنب له
82 - وصية حصن بن حذيفة لبنيه
وأوصى حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري بني بدر فقال اسمعوا مني ما أوصيكم به لا يتكل آخركم على أولكم فإنما يدرك الآخر ما أدركه الأول وأنكحوا الكفء الغريب فإنه عز حادث وإذا حضركم أمران فخذوا بخيرهما صدرا فإن كل مورد مغروف واصحبوا قومكم بأجمل أخلاقكم ولا تخالفوا فيما اجتمعوا عليه فإن الخلاف يزري بالرئيس المطاع وإذا حادثتم فاربعوا ثم قولوا الصدق فإنه لا خير في الكذب وصونوا الخيل فإنها حصون الرجال وأطيلوا الرماح فإنها قرون الخيل وأعزوا الكبير بالكبر فإني بذلك كنت أغلب الناس ولا تغزوا إلا بالعيون ولا تسرحوا حتى تأمنوا الصباح واعطوا على حسب المال وأعجلوا الضيف بالقرى فإن خيره أعجله واتقوا فضيحات البغى وفلتات المزاح ولا تجيروا على الملوك فإن أيديهم أطول من أيديكم

(1/129)


83 - وصية لأكثم بن صيفي
كتب النعمان بن خميصة الباروقي إلى أكثم بن صيفي مثل لنا مثالا نأخذ به فقال
قد حلبت الدهر أشطره فعرفت حلوه ومره عين عرفت فذرفت إن أمامي مالا أسامي رب سامع بخبر لم يسمع بعذرى
كل زمان لمن فيه في كل يوم ما يكره كل ذي نصرة سيخذل تباروا فإن البر ينمي عليه العدد وكفوا ألسنتكم فإن مقتل الرجل بين فكيه إن قول الحق لم يدع لي صديقا الصدق منجاة لا ينفع مع الجزع التبقي ولا ينفع مما هو واقع التوقي ستساق إلى ما انت لاق
في طلب المعالي يكون العناء الاقتصاد في السعي أبقى للجمام من لم يأس على ما فاته ودع بدنه ومن قنع بما هو فيه قرت عينه التقدم قبل التندم أصبح عند رأس الأمر أحب إلي من أن أصبح عند ذنبه لم يهلك من مالك ما وعظك ويل لعالم أمر من جاهله يتشابه الأمر إذا أقبل فإذا أدبر عرفه الكيس والأحمق الوحشة ذهاب الأعلام البطر عند الرخاء حمق والعجز عند البلاء أفن لا تغضبوا

(1/130)


من اليسير فربما جنى الكثير لا تجيبوا فيما لم تسألوا عنه ولا تضحكوا مما لا يضحك منه حيلة من لا حيلة له الصبر كونوا جميعا فإن الجمع غالب تثبتوا ولا تسارعوا فإن أحزم الفريقين الركين رب عجلة تهب ريثا ادرعوا الليل واتخذوه جملا فإن الليل أخفي للويل ولا جماعة لمن اختلف تناءوا في الديار ولا تباغضوا فإنه من يجتمع يتقعقع عمده ألزموا النساء المهابة نعم لهو الغرة المغزل إن تعش تر مالم تره قد أقر صامت المكثار كحاطب ليل من أكثر أسقط لا تجعلوا سرا إلى أمه لا تفرقوا في القبائل فإن الغريب بكل مكان مظلوم عاقدوا الثروة وإياكم والوشائظ فإن مع القلة الذلة لو سئلت العارية قالت أبغي لأهلي ذلا الرسول مبلغ غير ملوم من فسدت بطانته غص بالماء أساء سمعا فأساء جابة الدال على الخير كفاعله إن المسألة من أضعف المسكنة قد تجوع الحرة

(1/131)


ولا تأكل بثدييها لم يجر سالك القصد ولم يعم قاصد الحق من شدد نفر ومن تراخى تألف الشرف التغافل أوفي القول أوجزه أصوب الأمور ترك الفضول التغرير مفتاح البؤس التواني والعجز ينتجان الهلكة لكل شيء ضراوة أحوج الناس إلى الغنى من لا يصلحه إلا الغنى وهم الملوك حب المدح رأس الضياع رضا الناس غاية لا تبلغ لا تكره سخط من رضاه الجور معالجة العفاف مشقة فتعوذ بالصبر اقصر لسانك على الخير وأخر الغضب فإن القدرة من ورائك من قدر أزمع أمر أعمال المقتدرين الانتقام جاز بالحسنة ولا تكافئ بالسيئة أغنى الناس عن الحقد من عظم عن المجازاة من حسد من دونه قل عذره من جعل لحسن الظن نصيبا روح عن قلبه عي الصمت أحمد من عي المنطق الناس رجلان محترس ومحترس منه كثير النصح يهجم على كثير الظنة من ألح في المسألة أبرم خير السخاء

(1/132)


ما وافق الحاجة الصمت يكسب المحبة لن يغلب الكذب شيئا إلا عليه الصدق القلب قد يتهم وإن صدق اللسان الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة وتقربهم مكسبة لقرين السوء فكن من الناس بين القرب والبعد فإن خير الأمور أوساطها فسولة الوزراء أضر من بغض الأعداء خير القرناء المرأة الصالحة وعند الخوف حسن العمل من لم يكن له من نفسه زاجر لم يكن له من غيره واعظ وتكن منه عدوه على أسوأ عمله لن يهلك امرؤ حتى يمل الناس عتيد فعله ويشتد على قومه ويعجب بما ظهر من مروءته ويغتر بقومه والأمر يأتيه من فوقه ليس للمختال في حسن الثناء نصيب لا نماء مع العدم غنه من أتى المكروه إلى أحد بدأ بنفسه العي أن تتكلم فوق ما تسد به حاجتك لا ينبغي لعاقل أن يثق بإخاء من تضطره إلى إخائه حاجة أقل الناس راحة الحقود من تعمد الذنب لا تحل رحمته دون عقوبته فإن الأدب رفق والرفق يمن
84 - وصية أكثم بن صيفي لطيء
وقال أكثم بن صيفي في وصية كتب بها إلى طيء أوصيكم بتقوى الله وصلة الرحم وإياكم ونكاح الحمقاء فإن نكاحها غرر وولدها ضياع وعليكم بالخيل فأكرموها فإنها حصون العرب ولا تضعوا رقاب الإبل في غير حقها فإن فيها ثمن الكريمة ورقوء الدم وبألبانها يتحف

(1/133)


ويغذى الصغير ولو أن الإبل كلفت الطحن لطحنت ولن يهلك امرؤ عرف قدره والعدم عدم العقل لا عدم المال ولرجل خير من ألف رجل ومن عتب على الدهر طالت معتبته ومن رضى بالقسم طابت معيشته وآفة الرأى الهوى والعادة أملك والحاجة مع المحبة خير من البغض مع الغنى والدنيا دول فما كان لك أتاك على ضعفك وما كان عليك لم تدفعه بقوتك والحسد داء ليس له دواء والشماتة تعقب ومن ير يوما ير به قبل الرماة تملأ الكنائن الندامة مع السفاهة دعامة العقل الحلم خير الأمور مغبة الصبر بقاء المودة عدل التعاهد من يزر رغبا يزدد حبا التغرير مغتاح البؤس من التوانى والعجز نتجت الهلكة لكل شىء ضراوة فضر لسانك بالخير عى الصمت أحسن من عى المنطق الحزم حفظ ما كلفت وترك ما كفيت كثير النصح يهجم على كثير الظنة من ألحف فى المسألة ثقل من سأل فوق قدره استحق الحرمان الرفق يمن والخرق شؤم خير السخاء ما وافق الحاجة خير العفو ما كان بعد القدرة
85 - وصية أكثم بن صيفي لبنيه ورهطه
وصى أكثم بن صيفي بنيه ورهطه فقال يا بني تميم لا يفوتنكم وعظي إن فاتكم الدهر بنفسي إن بين حيزومي وصدري لكلاما لا أحد له مواقع إلا

(1/134)


أسماعكم ولا مقار إلا قلوبكم فتلقوه بأسماع مصغية وقلوب واعية تحمدوا مغبته الهوى يقظان والعقل راقد والشهوات مطلقة والحزم معقول والنفس مهملة والروية مقيدة ومن جهة التواني وترك الروية يتلف الحزم ولن يعدم المشاور مرشدا والمستبد برأيه موقوف على مداحض الزلل ومن سمع سمع به ومصارع الرجال تحت بروق الطمع ولو اعتبرت مواقع المحن ما وجدت إلا في مقاتل الكرام وعلى الاعتبار طريق الرشاد ومن سلك الجدد أمن العثار ولن يعدم الحسود أن يتعب قلبه ويشغل فكره ويؤرث غيظه ولا تجاوز مضرته نفسه يا بني تميم الصبر على جرع الحلم أعذب من جنى ثمر الندامة ومن جعل عرضه دون ماله استهدف للذم وكلم اللسان أنكى من كلم السنان والكلمة مرهونة مالم تنجم من الفم فإذا نجمت فهي أسد محرب أو نار تلهب ورأى الناصح اللبيب دليل لا يجوز ونفاذ الرأي في الحرب أجدى من الطعن والضرب
86 - نصيحة أكثم بن صيفي لقومه
ونصح قومه فقال أقلوا الخلاف على أمرائكم واعلموا أن كثرة الصياح من الفشل والمرء يعجز لا محالة يا قوم تثبتوا فإن أحزم الفريقين الركين ورب عجلة تهب ريثا واتزروا للحرب وادرعوا الليل فإنه أخفى للويل ولا جماعة لمن اختلف

(1/135)


87 - أمثال أكثم بن صيفي ( وبزرجمهر ) الفارسي
العقل بالتجارب الصاحب مناسب الصديق من صدق غيبه الغريب من لم يكن له حبيب رب بعيد أقرب من قريب القريب من قرب نفعه لو تكاشفتم ما تدافنتم خير أهلك من كفاك خير سلاحك ما وقاك خير إخوانك من لم تخبره رب غريب ناصح الجيب وابن أب متهم بالغيب أخوك من صدقك الأخ مرآة أخيه إذا عز أخوك فهن مكره أخاك لا بطل تباعدوا في الديار وتقاربوا في المحبة أي الرجال المهذب من لك بأخيك كله إنك إن فرحت لاق فرحا

(1/136)


أحسن يحسن إليك ارحم ترحم كما تدين تدان من ير يوما ير به والدهر لا يغتر به عين عرفت فذرفت في كل خبرة عبرة من مأمنه يؤتى الحذر لا يعدو المرء رزقه وإن حرص إذا نزل القدر عمي البصر وإذا نزل الحين نزل بين الأذن والعين الخمر مفتاح كل شر الغناء رقية الزناء القناعة مال لا ينفد خير الغنى غني النفس منساق إلى ما أنت لاق خذ من العافية ما أعطيت ما الإنسان إلا القلب واللسان إنما لك ما أمضيت لا تتكلف ما كفيت القلم أحد اللسانين قلة العيال أحد اليسارين ربما ضاقت الدنيا باثنين لن تعدم الحسناء ذاما لم يعدم الغاوي لائما لا تك في أهلك كالجنازة لا تسخر من شئ فيجوز بك أخر الشر فإذا شئت تعجلته صغير الشر يوشك أن يكبر يبصر القلب ما يعمى عنه البصر الحر حر وإن مسه الضر العبد عبد وإن ساعده جد من عرف قدره استبان

(1/137)


أمره من سره بنوه ساءته نفسه من تعظم على الزمان أهانه من تعرض للسلطان آذاه ومن تطامن له تخطاه من خطا يخطو كل مبذول مملول كل ممنوع مرغوب فيه كل عزيز تحت القدرة ذليل لكل مقام مقال لكل زمان رجال لكل أجل كتاب لكل عمل ثواب لكل نبأ مستقر لكل سر مستودع قيمة كل إنسان ما يحسن اطلب لكل غلق مفتاحا أكثر في الباطل يكن حقا عند القنط يأتي الفرج عند الصباح يحمد السرى الصدق منجاة والكذب مهواة الاعتراف يهدم الاقتراف رب قول أنفذ من صول رب ساعة ليس بها طاعة رب عجلة تعقب ريثا بعض الكلام أقطع من الحسام بعض الجهل أبلغ

(1/138)


من الحلم ربيع القلب ما اشتهى الهوى شديد العمى الهوى الإله المعبود الرأي نائم والهوى يقظان غلب عليك من دعا إليك لا راحة لحسود ولا وفاء لا سرور كطيب النفس العمر أقصر من أن يحتمل الهجر أحق الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة خير العلم ما نفع خير القول ما اتبع البطنة تذهب الفطنة شر العمى عمى القلب أوثق العرى كلمة التقوى النساء حبائل الشيطان الشباب شعبة من الجنون الشقي من شقي في بطن أمه السعيد من وعظ بغيره لكل امرئ في بدنه شغل من يعرف البلاء يصبر عليه المقادير تريك ما لا يخطر ببالك أفضل الزاد ما تزود للمعاد الفحل أحمى للشول صاحب الحظوة غدا من بلغ المدى عواقب الصبر محمودة لا تبلغ الغايات بالأماني الصريمة على قدر العزيمة الضيف يثنى أو يذم من تفكر اعتبر كم شاهد لك لا ينطق ليس منك من غشك ما نظر لامرئ مثل نفسه ما سد فقرك إلا ملك يمينك ما على عاقل ضيعة الغنى في الغربة وطن المقل في أهله غريب أول المعرفة الاختبار يدك منك وإن كانت شلاء أنفك منك وإن كان أجدع

(1/139)


من عرف بالكذب جاز صدقه الصحة داعية السقم الشباب داعية الهرم كثرة الصياح من الفشل إذا قدمت المصيبة تركت التعزية إذا قدم الإخاء سمج الثناء العادة أملك من الأدب الرفق يمن والخرق شؤم المرأة ريحانة وليست بقهرمانة الدال على الخير كفاعله المحاجزة قبل المناجزة قبل الرماية تملا الكنائن لكل ساقطة لاقطة مقتل الرجل بين فكيه ترك الحركة غفلة الصمت حبسة من خير خبر إن تسمع تمطر كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينا للخونة قيدوا النعم بالشكر من يزرع المعروف يحصد الشكر لا تغتر بمودة الأمير إذا غشك الوزير أعظم من المصيبة سوء الخلف منها من أراد البقاء فليوطن نفسه علىالمصائب لقاء الأحبة مسلاة للهم قطيعة الجاهل كصلة العاقل من رضي على نفسه كثر الساخط عليه قتلت آرض جاهلها وقتل أرضا عارفها أدوأ الداء الخلق الدنئ واللسان البذى إذا جعلك السلطان أخا فاجعله ربا احذر الأمين ولا تأمن الخائن عند الغاية يعرف السبق عند الرهان يحمد المضمار السؤال وإن قل أكثر من النوال وإن جل كافيء المعروف بمثله أو انشره لا خلة مع عيلة لا مروءة مع ضر ولا صبر مع شكوى

(1/140)


ليس من العدل سرعة العذل عبد غيرك حر مثلك لا يعدم الخيار من استشار الوضيع من وضع نفسه المهين من نزل وحده من أكثر أهجر كفي بالمرء كذبا ان يحدث بكل ما سمع
ومن أمثال أكثم بن صيفي أيضا
في الجريرة تشترك العشيرة إذا قرع الفؤاد ذهب الرقاد هل يهلكني فقد مالا يعود أعوذ بالله أن يرميني امرؤ بدائه رب كلام ليس فيه اكتتام حافظ على الصديق ولو في الحريق ليس بيسير تقويم العسير إذا أردت النصيحة فتأهب للظنة متى تعالج مال غيرك تسأم غثك خير من سمين غيرك لا تنطح جماء ذات قرن قد يبلغ الخضم بالقضم قد صدع الفراق بين الرفاق استأنوا أخاكم فإن مع اليوم غدا الحر عزوف لا تطمع في كل ما تسمع
88 - نصيحة الجمانة بنت قيس بن زهير لجدها الربيع بن زياد
كان قيس بن زهير العبسي قد اشترى من مكة درعا حسنة تسمى ذات الفضول وورد بها إلى قومه فرآها عمه الربيع بن زياد وكان سيد بني عبس فأخذها منه

(1/141)


غصبا فقالت الجمانة بنت قيس لأبيها دعنى أناظر جدي فإن صلح الأمر بينكما وإلا كنت من وراء رأيك فأذن لها فأتت الربيع فقالت
إذا كان قيس أبي فإنك يا ربيع جدي وما يجب له من حق الأبوة على إلا كالذي يجب عليك من حق البنوة لي والرأي الصحيح تبعثه العناية وتجلى عن محضه النصيحة إنك قد ظلمت قيسا بأخذ درعه وأجد مكافأته إياك سوء عزمه والمعارض منتصر والبادي أظلم وليس قيس ممن يخوف بالوعيد ولا يردعه التهديد فلا تركنن إلى منابذته فالحزم في متاركته والحرب متلفة للعباد ذهابه بالطارف والتلاد والسلم أرخى للبال وأبقى لأنفس الرجال وبحق أقول لقد صدعت بحكم وما يدفع قولي إلا غير ذي فهم ثم أنشأت تقول
( أبي لا يرى أن يترك الدهر درعه ... وجدى يرى أن يأخذ الدرع من أبي )
( فرأى أبي رأى البخيل بماله ... وشيمة جدي شيمة الخائف الأبي )
89 - وصف عصام الكندية أم إياس بنت عوف بن محلم الشيباني
لما بلغ الحارث بن عمرو ملك كندة جمال أم إياس بنت عوف بن محلم الشيباني وكمالها وقوة عقلها أراد أن يتزوجها فدعا امرأة من كندة يقال لها عصام ذات عقل ولسان وأدب وبيان وقال لها اذهبي حتى تعلمي لي علم ابنة عوف فمضت حتى انتهت إلى أمها أمامة بنت الحارث فأعلمتها ما قدمت له فأرسلت أمامة إلى ابنتها وقالت أي بنية هذه خالتك أتت إليك لتنظر إلى بعض شأنك فلا تستري عنها شيئا أرادت النظر إليه من وجه وخلق وناطقيها فيما استنطقتك فيه فدخلت عصام عليها فنظرت إلى مالم تر عينها مثله قط بهجة وحسنا وجمالا فإذا هي أكمل الناس عقلا وأفصحهم لسانا فخرجت من عندها وهي تقول ترك الخداع من كشف

(1/142)


القناع فذهبت مثلا ثم أقبلت إلى الحارث فقال لها ما وراءك يا عصام فأرسلها مثلا قالت صرح المخض عن الزبد فذهبت مثلا قال أخبريني قالت أخبرك صدقا وحقا
رأيت جبهة كالمرآة الصقيلة يزينها شعر حالك كأذناب الخيل المضفورة إن أرسلته خلته السلاسل وإن مشطته قلت عناقيد كرم جلاها الوابل وحاجبين كأنهما خطا بقلم أو سودا بحمم قد تقوسا على عيني الظبية العبهرة التي لم يرعها قانص ولم يذعرها قسورة بينهما أنف كحد السيف المصقول لم يخنس به قصر ولم يمض به طول حفت به وجنتان كالأرجوان في بياض محض كالجمان شق فيه فم كالخاتم لذيذ المبتسم فيه ثنايا غر ذوات أشر وأسنان تبدو كالدرر وريق كالخمر له نشر الروض بالسحر يتقلب فيه لسان ذو فصاحة وبيان يحركه عقل وافر وجواب حاضر تلتقي دونه شفتان حمراوان كالورد يجلبان ريقا كالشهد تحت ذلك عنق كإبريق الفضة ركب في صدر كصدر تمثال دمية يتصل بها عضدان ممتلئان لحما مكتنزان شحما وذراعان ليس فيهما عظم يحس ولا عرق يجس ركبت فيهما كفان دقيق

(1/143)


قصبهما لين عصبهما تعقد إن شئت منهما الأنامل وتركب الفصوص في حفر المفاصل وقد تربع في صدرها حقان كأنهما رمانتان يخرقان عليها ثيابها تحت ذلك بطن طوى كطي القباطي المدمجة كسى عكنا كالقراطيس المدرجة تحيط تلك العكن بسرة كمدهن العاج المجلو خلف ذلك ظهر كالجدول ينتهي إلى خصر لولا رحمة الله لانبتر تحته كفل يقعدها إذا نهضت وينهضها إذا قعدت كأنه دعص رمل لبده سقوط الطل يحمله فخذان لفاوان كأنهما نضيد الجمان تحتهما ساقان خدلتان كالبردى وشيتا بشعر أسود كأنه حلق الزرد يحمل ذلك قدمان كحذو اللسان فتبارك الله مع صغرهما كيف تطيقان حمل ما فوقهما فأما ما سوى ذلك فتركت أن أصفه غير أنه أحسن ما وصفه واصف بنظم أو نثر فأرسل الملك إلى أبيها فخطبها فزوجه إياها

(1/144)


وصية أمامة بنت الحارث لإبنتها أم إياس
فلما حملت إلى زوجها قالت لها أمها أمامة بنت الحارث
أي بنية إن الوصية لو تركت لفضل أدب تركت لذلك منك ولكنها تذكرة للغافل ومعونة للعاقل ولو أن إمرأة استغنت عن الزوج لغنى أبويها وشد ة حاجتهما إليها كنت أغنى الناس عنه ولكن النساء للرجال خلقن ولهن خلق الرجال
أى بنية إنك فارقت الجو الذي منه خرجت وخلفت العش الذي فيه درجت إلى وكر لم تعرفيه وقررين لم تألفيه فأصبح بملكه عليك رقيبا ومليكا فكوني له أمة يكن لك عبدا وشيكا يا بنية احملي عني عشر خصال تكن لك ذخرا وذكرا الصحبة بالقناعة والمعاشرة بحسن السمع والطاعة والتعهد لموقع عينه والتفقد لموضع أنفه فلا تقع عينه منك على قبيح ولا يشم منك إلا أطيب ريح والكحل أحسن الحسن والماء أطيب الطيب المفقود والتعهد لوقت طعامه والهدو عنه عند منامه فإن حرارة الجوع ملهبة وتنغيص النوم مغضبة والاحتفاظ ببيته وماله والإرعاء على نفسه وحشمه وعياله فإن الاحتفاظ بالمال حسن التقدير والإرعاء على العيال والحشم جميل حسن التدبير ولا تفشي له سرا ولا تعصي له أمرا فإنك إن أفشيت سره لم تأمني غدره وإن عصيت أمره أوغرت صدره ثم اتقى من

(1/145)


ذلك الفرح إن كان ترحا والاكتئاب عنده إن كان فرحا فإن الخصلة الأولى من التقصير والثانية من التكدير وكوني أشد ما تكونين له إعظاما يكن أشدما يكون لك إكراما وأشد ما تكونين له موافقة يكن أطول ما تكونين له مرافقة واعلمي أنك لا تصلين إلى ما تحبين حتى تؤثري رضاه على رضاك وهواه على هواك فيما أحببت وكرهت والله يخير لك

(1/146)


الخطب والوصايا عصر صدر الإسلام
خطب النبي 1
أول خطبة خطبها بمكة حين دعا قومه
حمد الله وأثنى عليه ثم قال
إن الرائد لا يكذب أهله والله لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم ولو غررت الناس جميعا ما غررتكم والله الذي لا إله إلا هو إني لرسول الله إليكم خاصة وإلى الناس كافة والله لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون ولتحاسبن بما تعملون ولتجزون بالإحسان إحسانا وبالسوء سوءا وإنها لجنة أبدا أو لنار أبدا

(1/147)


2 - أول خطبة خطبها بالمدينة
حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال
أما بعد أيها الناس فقدموا لأنفسكم تعلمن والله ليصعقن أحدكم ثم ليدعن غنمه ليس لها راع ثم ليقولن له ربه وليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه ألم يأتك رسولي فبلغك وأتيتك مالا وأفضلت عليك فما قدمت لنفسك فلينظرن يمينا وشمالا فلا يرى شيئا ثم لينظرن قدامه فلا يرى غير جهنم فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشق من تمرة فليفعل ومن لم يجد فبكلمة طيبة فإن بها تجزى الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف والسلام عليكم وعلى رسول الله ورحمة الله وبركاته
3 - خطبته في أول جمعة جمعها بالمدينة
الحمد لله أحمده وأستعينه وأستغفره وأستهديه وأومن به ولا أكفره وأعادى من يكفره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى والنور والموعظة على فترة من الرسل وقلة من العلم وضلالة من الناس وانقطاع من الزمان ودنو من الساعة وقرب من الأجل من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوي وفرط وضل ضلالا بعيدا وأوصيكم بتقوى الله فإنه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة وأن يأمره بتقوى الله فاحذروا ما حذركم الله من نفسه ولا أفضل من ذلك نصيحة ولا أفضل من ذلك ذكرا وإن

(1/148)


تقوى الله لمن عمل به على وجل ومخافة من ربه عون صدق على ما تبغون من أمر الآخرة ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمره في السر والعلانية لا ينوي بذلك إلا وجه الله يكن له ذكرا في عاجل أمره وذخرا فيما بعد الموت حين يفتقر المرء إلى ما قدم وما كان من سوى ذلك يود لو أن بينه وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد والذي صدق قوله وأنجز وعده لا خلف لذلك فإنه يقول عز و جل ما يبدل القول لدى وما أنا بظلام للعبيد فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله في السر والعلانية فإنه من يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما وإن تقوى الله يوقى مقته ويوقى عقوبته ويوقى سخطه وإن تقوى الله يبيض الوجوه ويرضى الرب ويرفع الدرجة خذوا بحظكم ولا تفرطوا في جنب الله قد علمكم الله كتابه ونهج لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين فأحسنوا كما أحسن الله إليكم وعادوا أعداءه وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وسماكم المسلمين ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة ولا قوة إلا بالله فأكثروا ذكر الله واعملوا لما بعد اليوم فإنه من يصلح ما بينه وبين الله يكفه الله ما بينه وبين الناس ذلك بأن الله يقضى على الناس ولا يقضون عليه يملك من الناس ولا يملكون منه الله أكبر ولا قوة إلا بالله العظيم
4 - خطبة له يوم أحد
قام عليه الصلاة و السلام فخطب الناس فقال
أيها الناس أوصيكم بما أوصاني الله في كتابه من العمل بطاعته والتناهي عن محارمه ثم إنكم بمنزل أجر وذخر لمن ذكر الذي عليه ثم وطن نفسه على الصبر واليقين والجد والنشاط فإن جهاد العدو شديد كربه قليل من يصبر عليه إلا

(1/149)


من عزم له على رشده إن الله مع من أطاعه وإن الشيطان مع من عصاه فاستفتحوا أعمالكم بالصبر على الجهاد والتمسوا بذلك ما وعدكم الله وعليكم بالذي أمركم به فإني حريص على رشدكم إن الاختلاف والتنازع والتثبيط من أمر العجز والضعف وهو مما لا يحبه الله ولا يعطى عليه النصر
أيها الناس إنه قذف في قلبي أن من كان على حرام فرغب عنه ابتغاء ما عند الله غفر له ذنبه ومن صلى على محمد وملائكته عشرا ومن أحسن وقع أجره على الله في عاجل دنياه أو في آجل آخرته ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة إلا صبيا أو امرأة أو مريضا أو عبدا مملوكا ومن استغنى عنها ساتغنى الله عنه والله غني حميد
ما أعلم من عمل يقربكم إلى الله إلا وقد أمرتكم به ولا أعلم من عمل يقربكم إلى النار إلا وقد نهيتكم عنه وإنه قد نفث الروح الأمين في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي أقصى رزقها لا ينقص منه شئ وإن أبطأ عنها فاتقوا الله ربكم وأجملوا في طلب الرزق ولا يحملنكم استبطاؤه على أن تطلبوه بمعصية ربكم فإنه لا يقدر على ما عنده إلا بطاعته قد بين لكم الحلال والحرام غير أن بينهما شبها من الأمر لم يعلمها كثير من الناس إلا من عصم فمن تركها حفظ عرضه ودينه ومن وقع فيها كان كالراعي إلى جنب الحمى أوشك أن يقع فيه وليس ملك إلا وله حمى ألا وإن حمى الله محارمه والمؤمن من المؤمنين كالرأس من الجسد إذا اشتكى تداعى إليه سائر جسده والسلام عليكم

(1/150)


5 - خطبته بالخيف
وخطب بالخيف من منى فقال
نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها ثم اداها إلى من لم يسمعها فرب حامل فقه لافقه له ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ثلاث لا يغل عليهن قلب المؤمن إخلاص العمل لله والنصيحة لأولى الأمر ولزوم الجماعة إن دعوتهم تكون من ورائه ومن كان همه الآخرة جمع الله شمله وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة ومن كان همه الدنيا فرق الله أمره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له
6 - خطبة له عليه الصلاة و السلام
ومن خطبه أيضا أنه خطب بعد العصر فقال ألا إن الدنيا خضرة حلوة ألا وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء ألا لا يمنعن رجلا مخافة الناس أن يقول الحق إذا علمه ولم يزل يخطب حتى لم تبق من الشمس إلا حمرة على أطراف السعف فقال إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى

(1/151)


7 - خطبة له
إن الحمد لله أحمده وأستعينه نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إن أحسن الحديث كتاب الله قد أفلح من زينه الله في قلبه وأدخله في الإسلام بعد الكفر واختاره على ما سواه من أحاديث الناس إنه أصدق الحديث وأبلغه أحبوا من أحب الله وأحبوا الله من كل قلوبكم ولا تملوا كلام الله وذكره ولا تقسو عليه قلوبكم اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا اتقوا الله حق تقاته وصدقوا صالح ما تعملون بأفواهكم وتحابوا بروح الله بينكم والسلام عليكم ورحمة الله
8 - خطبة له
أيها الناس إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم فإن العبد بين مخافتين أجل قد مضى لا يدري ما الله فاعل فيه وأجل باق لا يدري ما الله قاض فيه فليأخذ العبد من نفسه لنفسه ومن دنياه لآخرته ومن الشبيبة قبل الكبر ومن الحياة قبل الممات فوالذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب ولا بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار

(1/152)


9 - خطبة له
أيها الناس كأن الموت فيها على غيرنا قد كتب وكان الحق فيها على غيرنا قد وجب وكأن الذي نشيع من الأموات سفر عما قليل إلينا راجعون نبوئهم أجداثهم ونأكل من تراثهم كأنا مخلدون بعدهم ونسينا كل واعظة وأمنا كل جائحة طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس طوبى لمن أنفق مالا اكتسبه من غير معصية وجالس أهل الفقه والحكمة وخالط أهل الذل والمسكنة طوبى لمن زكت وحسنت خليقته وطابت سريرته وعزل عن الناس شره طوبى لمن أنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من قوله ووسعته السنة ولم تستهوه البدعة
10 - خطبة له
ألا أيها الناس توبوا إلى ربكم قبل أن تموتوا وبادروا الأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا وصلوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له وكثرة الصدقة في السر والعلانية ترزقوا وتؤجروا وتنصروا واعلموا أن الله عز و جل قد افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في عامي هذا في شهري هذا إلى يوم القيامة حياتي ومن بعد موتى فمن تركها وله إمام فلا جمع الله له شمله ولا بارك له في أمره ألا ولا حج له ألا ولا صوم له ألا ولا صدقة له ألا ولا بر له ألا ولا يؤم أعرابي مهاجرا ألا ولا يؤم فاجر مؤمنا إلا أن يقهره سلطان يخاف سيفه أو سوطه

(1/153)


11 - خطبته يوم فتح مكة
وقف على باب الكعبة ثم قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج ألا وقتل الخطأ مثل العمد بالسوط والعصا فيهما الدية مغلظة منها أربعون خلفة في بطونها أولادها يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء الناس من آدم وآدم خلق من تراب ثم تلا ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن اكرمكم عند الله أتقاكم ) الآية يا معشر قريش أو يأهل مكة ما ترون إني فاعل بكم قالو خيرا أخ كريم وابن أخ كريم قال اذهبوا فأنتم الطلقاء
12 - خطبته في الاستسقاء
روى أن أعرابيا جاء إلى رسول الله وآله في عام جدب فقال أتيناك يا رسول الله ولم يبق لنا صبي يرتضع ولا شارف تجتر ثم أنشده
( أتيناك والعذراء يدمي لبابها ... وقد شغلت أم الرضيع عن الطفل )
( وألقى بكفيه الفتى لاستكانة ... من الجوع حتى ما يمر ولا يحلى )

(1/154)


( ولا شيء مما يأكل الناس عندنا ... سوى الحنظل العامي والعلهز الفسل )
( وليس لنا إلا إليك فرارنا ... وأين فرار الناس إلا إلى الرسل )
فقام النبي يجر رداءه حتى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا هنيئا مريعا سحا سجالا غدقا طبقا ديما دررا تحيي به الأرض وتنبت به الزرع وتدر به الضرع واجعله سقيا نافعة عاجلا غير رائث
فوالله ما رد رسول الله وآله يده إلى نحره حتى ألقت السماء أرواقها وجاء الناس يضجون الغرق الغرق يا رسول الله فقال اللهم حوالينا ولا علينا فانجاب السحاب عن المدينة حتى استدار حولها كالإكليل فضحك رسول الله حتى بدت نواجذه
13 - خطبته في حجة الوداع
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أوصيكم

(1/155)


عباد الله بتقوى الله وأحثكم على طاعته وأستفتح بالذي هو خير أما بعد أيها الناس اسمعوا مني أبين لكم فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا إيها الناس إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا هل بلغت اللهم اشهد فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها وإن ربا الجاهلية موضوع وإن أول ربا أبدأ به ربا عمى العباس بن عبد المطلب وإن دماء الجاهلية موضوعة وإن أول دم نبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب وإن مآثر الجاهلية موضوعة غير السدانة والسقاية والعمد قود وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر وفيه مائة بعير فمن زاد فهو من أهل الجاهلية
أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه ولكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم أيها الناس إنما النسئ زيادة

(1/156)


في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ثلاثة متواليات وواحد فرد ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب الذي بين جمادى وشعبان ألا هل بلغت اللهم اشهد
أيها الناس أن لنسائكم عليكم حقا ولكم عليهن حق لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم غيركم ولا يدخلن أحدا تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم ولا يأتين بفاحشة فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تعضلوهن وتهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرح فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف وإنما النساء عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله فاتقوا الله في النساء واستوصوا بهن خيرا ألا هل بلغت اللهم اشهد
أيها الناس إنما المؤمنون إخوة ولا يحل لامرئ مال أخيه الا عن طيب نفس منه ألا هل بلغت اللهم اشهد فلا ترجعن بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا بعده كتاب الله ألا هل بلغت اللهم اشهد
ايها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب أكرمكم عند الله أتقاكم وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى الا هل بلغت اللهم اشهد قالوا نعم قال فليبلغ الشاهد الغائب

(1/157)


أيها الناس إن الله قد قسم لكل وارث نصيبه من الميراث ولا يجوز لوارث وصية ولا يجوز وصية في أكثر من الثلث والولد للفراش وللعاهر الحجر من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل والسلام عليكم ورحمة الله
14 - خطبته في مرض موته
عن الفضل بن عباس قال جاءني رسول الله فخرجت إليه فوجدته موعوكا قد عصب رأسه فقال خذ بيدي يا فضل فأخذت بيده حتى جلس على المنبر ثم قال ناد في الناس فاجتمعوا إليه فقال
اما بعد أيها الناس فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو وإنه قد دنا مني خفوق من بين أظهركم فمن كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد منه ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستقد منه ومن أخذت له مالا فهذا مالي فليأخذ منه ولا يخش الشحناء من قبلي فإنها ليست من شأني ألا وإن أحبكم إلي من أخذ مني حقا إن كان له أو حللني فلقيت ربي وأنا طيب النفس وقد أرى أن هذا غير مغن عنى أقوم فيكم مرارا

(1/158)


ثم نزل فصلى الظهر ثم رجع فجلس على المنبر فعاد لمقالته الأولى فادعى عليه رجل بثلاثة دراهم فأعطاه عوضها ثم قال أيها الناس من كان عنده شيء فليؤده ولا يقل فضوح الدنيا ألا وإن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة ثم صلى على أصحاب أحد واستغفر لهم ثم قال إن عبدا خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده فبكى أبو بكر وقال فديناك بأنفسنا وآبائنا
15 - خطبة أكثم بن صيفي يدعو قومه إلى الإسلام
لما ظهر النبي بمكة ودعا الناس إلى الإسلام بعث أكثم ابن صيفي ابنه جبيشا فأتاه بخبره فجمع بني تميم وقام فيهم خطيبا فقال
يا بني تميم لا تحضروني سفيها فإنه من يسمع يخل إن السفيه يوهن من فوقه ويتبب من دونه لا خير فيمن لا عقل له كبرت سني ودخلتني ذله فإذا رأيتم مني حسنا فاقبلوه وإن رأيتم مني غير ذلك فقوموني أستقم إن ابني شافه هذا الرجل مشافهة وأتاني بخبره وكتابه يأمر فيه بالمعروف وينهى عن المنكر ويأخذ فيه بمحاسن الأخلاق ويدعو إلى توحيد الله تعالى وخلع الأوثان وترك الحلف بالنيران وقد عرف ذوو الرأي منكم أن الفضل فيما يدعو إليه وأن الرأي ترك

(1/159)


ما ينهى عنه إن أحق الناس بمعونة محمد ومساعدته على أمره أنتم فإن يكن الذي يدعو إليه حقا فهو لكم دون الناس وإن يكن باطلا كنتم أحق الناس بالكف عنه وبالستر عليه وقد كان أسقف نجران يحدث بصفته وكان سفيان بن مجاشع يحدث به قبله وسمى ابنه محمدا فكونوا في أمره أولا ولا تكونوا آخرا ائتوا طائعين قبل أن تأتوا كارهين إن الذي يدعو إليه محمد لو لم يكن دينا كان في أخلاق الناس حسنا أطيعوني واتبعوا أمري أسأل لكم أشياء لا تنزع منكم أبدا وأصبحتم أعز حي في العرب وأكثرهم عددا وأوسعهم دارا فإني أرى أمرا لا يجتنبه عزيز إلا ذل ولا يلزمه ذليل إلا عز إن الأول لم يدع للآخر شيئا وهذا أمر له ما بعده من سبق إليه غمر المعالي واقتدى به التالي والعزيمة حزم والاختلاف عجز فقال مالك بن نويرة قد خرف شيخكم فلا تتعرضوا للبلاء فقال أكثم ويل للشجي من الخلى والهفي على أمر لم أشهده ولم يسعنى
ثم رحل إلى النبي فمات في الطريق وبعث بإسلامه مع من أسلم ممن كان معه

(1/160)


16 - وصية أبي طالب لوجوه قريش عند موته
لما حضرت أبا طالب الوفاة جمع إليه وجوه قريش فأوصاهم فقال
يا معشر قريش أنتم صفوة الله من خلقه وقلب العرب فيكم السيد المطاع وفيكم المقدام الشجاع الواسع الباع واعلموا أنكم لم تتركوا للعرب في المآثر نصيبا إلا أحرزتموه ولا شرفا إلا أدركتموه فلكم بذلك على الناس الفضيلة ولهم به إليكم الوسيلة والناس لكم حرب وعلى حربكم ألب وإني أوصيكم بتعظيم هذه البنية يعنى الكعبة فإن فيها مرضاة للرب وقواما للمعاش وثباتا للوطأة صلوا أرحامكم فإن في صلة الرحم منسأة في الأجل وزيادة في العدد اتركوا البغي والعقوق ففيهما هلكت القرون قبلكم أجيبوا الداعي وأعطوا السائل فإن فيهما شرف الحياة والممات وعليكم بصدق الحديث وأداء الأمانة فإن فيهما محبة في الخاص ومكرمة في العام
وإني أوصيكم بمحمد خيرا فإنه الأمين في قريش والصديق في العرب وهو الجامع لكل ما أوصيتكم به وقد جاءنا بأمر قبله الجنان وأنكره اللسان مخافة الشنآن وايم الله كأني أنظر إلى صعاليك العرب وأهل الأطراف والمستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته وصدقوا كلمته وعظموا أمره فخاض بهم غمرات الموت وصارت رؤساء قريش وصناديدها أذنابا ودورها خرابا وضعفاؤها أربابا وإذا

(1/161)


أعظمهم عليه أحوجهم إليه وأبعدهم منه أحظاهم عنده قد محضته العرب ودادها وأصفت له بلادها وأعطته قيادها يا معشر قريش كونوا له ولاة ولحزبه حماة والله لا يسلك أحد سبيله إلا رشد ولا يأخذ بهديه أحد إلا سعد ولو كان لنفسي مدة وفي أجلي تأخير لكففت عنه الهزاهز ولدافعت عنه الدواهي

(1/162)


خطب الوفود
17 - خطبة عطارد بن حاجب بن زرارة بين يدي النبي
قدم على رسول الله سنة تسع للهجرة عطارد بن حاجب بن زرارة في أشراف من بني تميم فلما دخل الوفد المسجد نادوا رسول الله من وراء الحجرات أن اخرج إلينا يا محمد فآذى ذلك من صياحهم رسول الله فخرج إليهم فقالوا يا محمد جئناك لنفاخرك فأذن لشاعرنا وخطيبنا قال نعم قد أذنت لخطيبكم فليقل فقام إليه عطارد فقال
الحمد لله الذي له علينا الفضل وهو أهله الذي جعلنا ملوكا ووهب لنا أموالا عظاما نفعل فيها المعروف وجعلنا أعز أهل المشرق وأكثره عددا وأيسره عدة فمن مثلنا في الناس ألسنا برؤس الناس وأولى فضلهم فمن يفاخرنا فليعدد مثل ما عددنا وإنا لو نشاء لأكثرنا الكلام ولكنا نحيا من الإكثار فيما أعطانا وإنا نعرف بذلك أقول هذا الآن لتأتونا بمثل قولنا وأمر أفضل من أمرنا ثم جلس فقال رسول الله لثابت بن قيس بن الشماس قم فأجب الرجل في خطبته فقام ثابت فقال
18 - خطبة ثابت بن قيس بن الشماس
الحمد لله الذي السموات والأرض خلقه قضى فيهن أمره ووسع كرسيه علمه ولم يك شئ قط إلا من فضله ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكا واصطفى

(1/163)


من خير خلقه رسولا أكرمهم نسبا وأصدقهم حديثا وأفضلهم حسبا فأنزل عليه كتابه وأتمنه على خلقه فكان خيرة الله من العالمين ثم دعا الناس إلى الإيمان فآمن برسول الله المهاجرون من قومه وذوي رحمه أكرم الناس أنسابا وأحسن الناس وجوها وخير الناس فعالا ثم كان أول الخلق استجابة لله حين دعاه رسول الله نحن فنحن أنصار الله ووزراء رسوله نقاتل الناس حتى يؤمنوا بالله فمن آمن بالله ورسوله منع ماله ودمه ومن كفر جاهدناه في الله أبدا وكان قتله علينا يسيرا أقول قولي هذا وأستغفر الله للمؤمنين وللمؤمنات والسلام عليكم ثم قالوا يا محمد أئذن لشاعرنا فقال نعم فقام الزبرقان بن بدر فأنشد قصيدة في الفخر وبعث النبي إلى حسان بن ثابت فرد عليه فقال الأقرع ابن حابس التميمي إن هذا الرجل لمؤتى له لخطيبه أخطب من خطيبنا ولشاعره أشعر من شاعرنا وأصواتهم أعلى من أصواتنا فلما فرغ القوم أسلموا وجوزهم رسول الله فأحسن جوائزهم
19 - عمرو بن الأهتم والزبرقان بن بدر بين يدي رسول الله
وسأل رسول الله عمرو بن الأهتم عن الزبرقان بن بدر فقال عمرو مطاع في أدنيه شديد العارضة مانع لما وراء ظهره فقال الزبرقان

(1/164)


والله يا رسول الله إنه ليعلم مني أكثر مما قال ولكنه حسدني شرفي فقال عمرو أما لئن قال ما قال فوالله ما علمته إلا ضيق الصدر زمر المروءة أحمق الوالد لئيم الخال حديث الغنى فلما رأى أنه خالف قوله الآخر قوله الأول ورأى الإنكار في عين رسول الله قال يا رسول الله رضيت فقلت أحسن ما علمت وغضبت فقلت أقبح ما علمت وما كذبت في الأولى ولقد صدقت في الأخرى فقال رسول الله عند ذلك إن من البيان لسحرا
20 - خطبة طهفة بن أبي زهير النهدي بين يدي رسول الله
لما قدمت وفود العرب على النبي قام طهفة بن أبي زهير النهدي فقال يا رسول الله أتيناك من غورى تهامة بأكوار الميس ترمى بنا العيس نستحلب الصبير ونستجلب الخبير ونستعضد البرير ونستخيل الرهام ونستحيل الجهام من أرض غائلة النطاء غليظة الوطاء نشف المدهن

(1/165)


ويبس الجعثن وسقط الاملوج ومات العسلوج وهلك الهدى ومات الودى برئنا يا رسول الله من الوثن والعثن وما يحدث الزمن لنا دعوة السلام وشريعة الإسلام ما طمى البحر وقام تعار ولنا نعم همل أغفال ما تبض ببلال ووقير كثير الرسل قليل الرسل أصابتها سنية حمراء مؤزلة ليس بها علل ولا نهل
رده صلى الله عليه و سلم
فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم اللهم بارك لهم في محضها ومخضها ومذقها وابعث راعيها في الدثر بيانع الثمر وافجر له الثمد وبارك له في المال والولد من أقام الصلاة كان مسلما ومن آتى الزكاة كان محسنا ومن شهد أن لا إله إلا الله كان مخلصا يا بنى نهد ودائع الشرك ووضائع الملك لا تلطط فى الزكاة ولا تلحد فى الحياة ولا تثاقل عن الصلاة

(1/166)


خطبة ظبيان بن حداد بين يدي النبي صلى الله عليه و سلم
وفد ظبيان بن حداد فى سراة مذحج على النبى صلى الله عليه و سلم فقال بعد السلام على رسول الله صلى الله عليه و سلم والثناء على الله عز و جل بما هو أهله
الحمد لله الذى صدع الأرض بالنبات وفتق السماء بالرجع ثم قال نحن قوم من سراة مذحج من يحابر بن مالك ثم قال فتوقلت بنا القلاص من أعالى الحوف ورءوس الهضاب يرفعها عرر الربا ويخفضها بطنان الرقاق وتلحقها دياحى الدجى ثم قال وسروات الطائف كانت لبنى مهلائيل بن قينان غرسوا وديانه وذللوا خشانة ورعوا قربانه ثم ذكر نوحا حين خرج من السفينة بمن معه قال فكان أكثر بنيه بنات وأسرعهم نباتا عاد وثمود فرماهم الله بالدمالق وأهلكهم بالصواعق ثم قال وكانت بنو هانئ من ثمود تسكن

(1/167)


الطائف وهم الذين خطوا مشاربها وأتوا جداولها وأحيوا غراسها ورفعوا عريشها ثم قال وإن حمير ملكوا معاقل الأرض وقرارها وكهول الناس وأغمارها ورءوس الملوك وعرارها فكان لهم البيضاء والسوداء وفارس الحمراء والجزية الصفراء فبطروا النعم واستحقوا النقم فضرب الله بعضهم ببعض ثم قال وإن قبائل من الأزد نزلوا على عهد عمرو بن عامر ففتحوا فيها الشرائع وبنوا فيها المصانع واتخذوا الدسائع ثم ترامت مذحج بأسنتها وتنزت بأعنتها فغلب العزيز أذلها وقتل الكثير أقلها ثم قال وكان بنو عمرو ابن خالد بن جذيمة يخبطون عضيدها ويأكلون حصيدها ويرشحون حصيدها
فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن نعيم الدنيا أقل وأصغر عند الله من خرء بعيضة ولو عدلت عند الله جناح ذباب لم يكن لكافر منها خلاق ولا لمسلم منها لحاق
خطبة مالك بن نمط بين يدي النبى صلى الله عليه و سلم
وقدم وفد همدان على رسول الله صلى الله عليه و سلم وفيهم مالك بن نمط أبو ثور فقام بين يديه ثم قال

(1/168)


يا رسول الله نصية من همدان من كل حاضر وباد أتوك على قلص نواج متصلة بحبال الإسلام لا تأخذهم فى الله لومة لائم من مخلاف خارف ويام وشاكر أهل السواد والقرى أجابوا دعوة الرسول وفارقوا آلهة الأنصاب عهدهم لا ينقض ما أقام لعلع وما جرى اليعفور بصلع
سفانة بنت حاتم بين يدى رسول الله صلى الله عليه و سلم
حدث الإمام على كرم الله وجهه قال لما أتينا بسبايا طيئ كانت فى النساء جارية جميلة وهي سفانة بنت حاتم فلما رأيتها أعجبت بها فقلت لأطلبنها إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ليجعلها من فيئى فلما تكلمت أنسيت جمالها لما سمعت من فصاحتها فقالت يا محمد هلك الوالد وغاب الوافد فإن رأيت أن تخلى عنى فلا تشمت بى أحياء العرب فإنى بنت سيد قومى كان أبى يفك العانى ويحمى الذمار

(1/169)


ويقرى الضيف ويشبع الجائع ويفرج عن المكروب ويطعم الطعام ويفشي السلام ولم يرد طالب حاجة قط أنا بنت حاتم طييء فقال لها رسول الله يا جارية هذه صفة المؤمن لو كان ابوك إسلاميا لترحمنا عليه خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق والله يحب مكارم الأخلاق
25 - وصية دريد بن الصمة
قال دريد بن الصمة لمالك بن عوف النصري قائد هوازن يوم حنين
يا مالك إنك قد أصبحت رئيس قومك وإن هذا يوم له ما بعده من أيام مالي أسمع رغاء البعير ونهيق الحمير وبكاء الصغير ويعار الشاء قال سقت مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم قال ولم قال أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم فأنقض به ثم قال راعي ضأن والله وهل يرد المنهزم شئ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك ويحك إنك لم تصنع بتقديم البيضة بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئا ارفعهم إلى ممتنع بلادهم وعلياء قومهم ثم ألق الصبا على متون الخيل فإن كانت لك لحق بك من وراءك وإن كانت عليك كنت قد أحرزت أهلك ومالك

(1/170)


قال لا والله ما أفعل إنك قد كبرت وذهل عقلك قال دريد هذا يوم لم أشهده ولم يفتني ثم أنشأ يقول
( يا ليتني فيها جذع ... أخب فيها وأضع )
( أقود وطفاء الزمع ... كأنها شاة صدع )
26 - وصية عمير بن حبيب الصحابي لبنيه
أوصى عمير بن حبيب بنيه فقال
يا بني إياكم ومخالطة السفهاء فإن مجالستهم داء وإن من يحلم عن السفيه يسر بحلمه ومن يجبه يندم ومن لا يقر بقليل ما يأتي به السفيه يقر بالكثير وإذا أراد أحدكم أن يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر فليوطن قبل ذلك على الأذى وليوقن بالثواب من الله عز و جل إنه من يوقن بالثواب من الله عز و جل لا يجد مس الأذى
27 - وصية قيس بن عاصم المنقري لبنيه
أوصى قيس بن عاصم المنقري بنيه فقال
يا بني خذوا عني فلا أحد أصلح لكم مني إذا دفنتموني فانصرفوا إلى رحالكم فسودوا أكبركم فإن القوم إذا سودوا أكبرهم خلفوا أباهم وإذا سودوا

(1/171)


أصغرهم أزرى ذلك بهم في أكفائهم وإياكم ومعصية الله وقطيعة الرحم وتمسكوا بطاعة أمرائكم فإنهم من رفعوا ارتفع ومن وضعوا اتضع وعليكم بهذا المال فأصلحوه فإنه منبهة للكريم وجنة لعرض اللئيم وإياكم والمسألة فإنها أخر كسب الرجل وإن أحدا لم يسأل إلا ترك الكسب وإياكم والنياحة فإني سمعت رسول الله ينهى عنها وادفنوني في ثيابي التي كنت أصلي فيها وأصوم ولا يعلم بكر بن وائل بمدفني فقد كانت بيني وبينهم مشاحنات في الجاهلية والإسلام وأخاف أن يدخلوا عليكم بي عارا وخذوا عني ثلاث خصال إياكم وكل عرق لئيم أن تلابسوه فإنه إن يسرركم اليوم يسؤكم غدا واكظموا الغيظ واحذروا بني أعداء آبائكم فإنهم على منهاج آبائهم ثم قال
( أحيا الضغائن آباء لنا سلفوا ... فلن تبيد وللآباء أبناء )

(1/172)


خطب يوم السقيفة
لما قبض النبي اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة فقالوا نولي هذا الأمر بعد محمد سعد بن عبادة وأخرجوا سعدا إليهم وهو مريض فلما اجتمعوا قال لابنه أو بعض بني عمه إني لا أقدر لشكواي أن أسمع القوم كلهم كلامي ولكن تلق مني قولي فأسمعهموه فكان يتكلم ويحفظ الرجل قوله فيرفع صوته فيسمع أصحابه
28 - خطبة سعد بن عبادة
فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه
يا معشر الأنصار لكم سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب إن محمدا عليه الصلاة و السلام لبث بضع عشرة سنة في قومه يدعوهم إلى عبادة الرحمن وخلع الأنداد والأوثان فما آمن به من قومه إلا رجال قليل وما كانوا يقدرون على أن يمنعوا رسول الله ولا أن يعزوا دينه ولا أن يدفعوا عن أنفسهم ضيما عموا به حتى إذا أراد بكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة وخصكم بالنعمة فرزقكم الله الإيمان به وبرسوله والمنع له ولأصحابه والإعزاز له ولدينه والجهاد لأعدائه فكنتم أشد الناس على عدوه من غيركم حتى استقامت العرب لأمر الله طوعا وكرها وأعطى البعيد المقادة صاغرا داخرا حتى أثخن

(1/173)


الله عز و جل لرسوله بكم الأرض ودانت بأسيافكم له العرب وتوفاه الله وهو عنكم راض وبكم قرير عين استبدوا بهذا الأمر دون الناس فإنه لكم دون الناس فأجابوه بأجمعهم أن قد وفقت في الرأي وأصبت في القول ولن نعدو ما رأيت نوليك هذا الأمر وأتى عمر الخبر فأقبل إلى أبي بكر فقال أما علمت أن الأنصار قد اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة يريدون أن يولوا هذا الأمر سعد بن عبادة وأحسنهم مقالة من يقول منا أمير ومن قريش أمير فمضيا مسرعين نحوهم فلقيا أبا عبيدة بن الجراح فتماشوا إليهم ثلاثتهم فجاءوا وهم مجتمعون فقال عمر أتيناهم وقد كنت زويت كلاما أردت أن أقوم به فيهم فلما أن دفعت إليهم ذهبت لأبتدئ المنطق فقال لي أبو بكر رويدا حتى أتكلم ثم انطق بعد بما أحببت فنطق فقال عمر فما شئ كنت أردت أن أقوله إلا وقد أتى به أو زاد عليه
29 - خطبة أبي بكر رضي الله عنه
حمد الله وأثنى عليه ثم قال
إن الله بعث محمدا رسولا إلى خلقه وشهيدا على أمته ليعبدوا الله ويوحدوه وهم يعبدون من دونه آلهة شتى ويزعمون أنها لهم عنده شافعة ولهم نافعة وإنما هي من حجر منحوت وخشب منجور ثم قرأ ( ويعبدون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله وقالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم فخص الله المهاجرين الأولين من

(1/174)


قومه بتصديقه والإيمان به والمؤاساة له والصبر معه على شدة أذى قومهم لهم وتكذيبهم إياهم وكل الناس مخالف زار عليهم فلم يستوحشوا لقلة عددهم وشنف الناس لهم وإجماع قومهم عليهم فهم أول من عبد الله في الأرض وآمن بالله وبالرسول وهم أولياؤه وعشيرته وأحق الناس بهذا الأمر من بعده ولا ينازعهم ذلك إلا ظالم وأنتم يا معشر الأنصار من لا ينكر فضلهم في الدين ولا سابقتهم العظيمة في الإسلام رضيكم الله انصارا لدينه ورسوله وجعل إليكم هجرته وفيكم جلة أزواجه وأصحابه فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا بمنزلتكم فنحن الأمراء وأنتم الوزراء لا تفتاتون بمشورة ولا تقضى دونكم الأمور
30 - نص آخر لخطبة أبي بكر يوم السقيفة
حمد الله وأثنى عليه ثم قال
أيها الناس نحن المهاجرون أول الناس إسلاما وأكرمهم أحسابا وأوسطهم دارا وأحسنهم وجوها وأكثر الناس ولادة في العرب وأمسهم رحما برسول الله أسلمنا قبلكم وقدمنا في القرآن عليكم فقال تبارك وتعالى ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ) فنحن المهاجرون وأنتم الأنصار إخواننا في الدين وشركاؤنا في الفئ وأنصارنا على العدو آويتم وواسيتم فجزاكم الله خيرا فنحن الأمراء وأنتم الوزراء

(1/175)


لا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش فلا تنفسوا على إخوانكم ما منحهم الله من فضله
31 - خطبة الحباب بن المنذر
ثم قام الحباب بن المنذر بن الجموح فقال
يا معشر الأنصار املكوا عليكم أمركم فإن الناس في فيئكم وفي ظلكم ولن يجترئ مجترئ على خلافكم ولن يصدر الناس إلى عن رأيكم أنتم أهل العز والثروة وأولو العدد والمنعة والتجربة وذوو البأس والنجدة وإنما ينظر الناس إلى ما تصنعون ولا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم ويتقض عليكم أمركم فإن أبى هؤلاء إلا ما سمعتم فمنا أمير ومنهم أمير
32 - خطبة عمر بن الخطاب رضي الله عنه
فقال عمر هيهات لا يجتمع اثنان في قرن والله لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيها من غيركم ولكن العرب لا تمتنع أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم وولي أمورهم منهم ولنا بذلك على من أبى من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مدل بباطل أو متجانف لإثم أو متورط في هلكة

(1/176)


33 - خطبة أخرى للحباب بن المنذر
فقام الحباب بن المنذر فقال
يا معشر الأنصار املكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من الأمر فإن أبوا عليكم ما سألتموه فأجلوهم عن هذه البلاد وتولوا عليهم هذه الأمور فأنتم والله أحق بهذا الأمر منهم فإنه بأسيافكم دان لهذا الدين من دان ممن لمن يكن يدين أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب أما والله لئن شئتم لنعيدنها جذعة
فقال عمر إذن يقتلك الله قال بل إياك يقتل فقال أبو عبيدة
يا معشر الأنصار إنكم أول من نصر وآزر فلا تكونوا أول من بدل وغير
34خ - طبة بشير بن سعد
فقام بشير بن سعد ابو النعمان بن بشير فقال
يا معشر الأنصار إنا والله لئن كنا أولي فضيلة في جهاد المشركين وسابقة في هذا الدين ما أردنا به إلا رضا ربنا وطاعة نبينا والكدح لأنفسنا فما ينبغي لنا أن نستطيل على الناس بذلك ولا نبتغي به من الدنيا عرضا فإن الله ولي المنة علينا

(1/177)


بذلك ألا إن محمدا من قريش وقومه أحق به وأولى وايم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر أبدا فاتقوا الله ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم
فقال أبو بكر هذا عمر وهذا أبوعبيدة فأيهما شئتم فبايعوا فقالا لا والله لا نتولى هذا الأمر عليك فإنك أفضل المهاجرين وثاني اثنين إذ هما في الغار وخليفة رسول الله على الصلاة والصلاة أفضل دين المسلمين فمن ذا ينبغي له أن يتقدمك أو يتولى هذا الأمر عليك ابسط يدك نبايعك وقام الناس إليه فبايعوه

(1/178)


خطب أبي بكر الصديق ووصاياه رضي الله عنه
35 - خطبته يوم قبض الرسول
دخل أبو بكر الصديق رضوان الله عليه على النبي وهو مسجى بثوب فكشف عنه الثوب وقال
بأبي أنت وأمي طبت حيا وطبت ميتا وانقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء من النبوة فعظمت عن الصفة وجللت عن البكاء وخصصت حتى صرت مسلاة وعممت حتى صرنا فيك سواء ولولا أن موتك كان اختيارا منك لجدنا لموتك بالنفوس ولولا أنك نهيت عن البكاء لأنفدنا عليك ماء الشئون فأما ما لا نستطيع نفيه عنا فكمد وإدناف يتخالفان ولا يبرحان

(1/179)


اللهم فأبلغه عنا السلام اذكرنا يا محمد عند ربك ولنكن من بالك فلولا ما خلفت من السكينة لم نقم لما خلفت من الوحشة اللهم أبلغ نبيك عنا واحفظه فينا
ثم خرج إلى الناس وهم في شديد غمراتهم وعظيم سكراتهم فخطب خطبة قال فيها
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله وأشهد أن الكتاب كما نزل وأن الدين كما شرع وأن الحديث كما حدث وأن القول كما قال وأن الله هو الحق المبين في كلام طويل ثم قال أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت وإن الله قد تقدم إليكم في أمره فلا تدعوه جزعا وإن الله قد أختار لنبيه ما عنده على ما عندكم وقبضة إلى ثوابه وخلف فيكم كتابه وسنة نبيه فمن أخذ بهما عرف ومن فرق بينهما أنكر ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط ) ولا يشغلنكم الشيطان بموت نبيكم ولا يفتننكم عن دينكم فعاجلوه بالذي تعجزونه ولا تستنظروه فيلحق بكم
36 - خطبته بعد البيعة
حمد الله وأثنى عليه ثم قال
أيها الناس إني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن رأيتموني على حق فأعينوني وإن رأيتموني على باطل فسددوني أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم ألا إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق له وأضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم

(1/180)


37 - خطبة أخرى له بعد البيعة
وقال الطبري نادى منادي أبي بكر من بعد الغد من متوفي رسول الله ليتم بعث أسامة ألا لا يبقين بالمدينة أحد من جند أسامة إلا خرج إلى عسكره وقام في الناس فجمد الله وأثنى عليه ثم قال
ياأيها الناس إنما أنا مثلكم وإني لا أدري لعلكم ستكلفوني ما كان رسول الله يطيق إن الله اصطفى محمدا على العالمين وعصمه من الآفات وإنما أنا متبع ولست بمبتدع فإن استقمت فتابعوني وإن زغت فقوموني وإن رسول الله قبض وليس أحد من هذه الأمة يطلبه بمظلمة ضربة سوط فما دونهما ألا وإن لي شيطانا يعتريني فإذا غضبت فاجتنبوني لا أوثر في أشعاركم وأبشاركم ألا وإنكم تغدون وتروحون في أجل قد غيب عنكم علمه فإن استطعتم ألا يمضي هذا الأجل إلا وأنتم في عمل صالح فافعلوا ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله فسابقوا في مهل آجالكم من قبل أن تسلمكم آجالكم إلى انقطاع الأعمال فإن قوما نسوا آجالهم وجعلوا أعمالهم لغيرهم فإياكم أن تكونوا أمثالهم الجد الجد والوحا الوحا والنجاء النجاء فإن وراءكم طالبا حثيثا أجلا مره سريع احذروا الموت واعتبروا بالآباء والأبناء والإخوان ولا تغبطوا الأحياء إلا بما تغبطون به إلا الأموات

(1/181)


38 - خطبة أخرى
قال الطبري وقام أيضا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال
إن الله عز و جل لا يقبل من الأعمال إلا ما أريد به وجهه فأريدوا الله بأعمالكم واعلموا أن ما أخلصتم لله من أعمالكم فطاعة أتيتموها وحظ ظفرتم به وضرائب أديتموها وسلف قدمتموه من أيام فانية لأخرى باقية لحين فقركم وحاجتكم اعتبروا عباد الله بمن مات منكم وتفكروا فيمن كان قبلكم أين كانوا أمس وأين هم اليوم أين الجبارون وأين الذين كان لهم ذكر القتال والغلبة في مواطن الحروب قد تضعضع بهم الدهر وصاروا رميما قد تركت عليهم القالات الخبيثات وإنما الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات وأين الملوك الذين أثاروا الأرض وعمروها قد بعدوا ونسي ذكرهم وصاروا كلا شئ ألا وإن الله قد أبقى عليهم التبعات وقطع عنهم الشهوات ومضوا والأعمال أعمالهم والدنيا دنيا غيرهم وبقينا خلفا من بعدهم فإن نحن اعتبرنا بهم نجونا وإن اغتررنا كنا مثلهم أين الوضاء الحسنة وجوههم المعجبون بشبابهم صاروا ترابا وصار ما فرطوا فيه حسرة عليهم أين الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحوائط وجعلوا فيها الأعاجيب قد تركوها لمن خلفهم فتلك مساكنهم خاوية وهم في ظلمات القبور هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا أين من تعرفون من أبنائكم وإخوانكم قد انتهت بهم آجالهم فوردوا على ما قدموا فحلوا عليه وأقاموا للشقوة وللسعادة فيما بعد الموت

(1/182)


ألا إن الله لا شريك له ليس بينه وبين أحد من خلقه سبب يعطيه به خيرا ولا يصرف عنه به سوءا إلا بطاعته واتباع أمره واعلموا أنكم عبيد مدينون وأن ما عنده لا يدرك إلا بطاعته أما وإنه لا خير بخير بعده النار ولا شر بشر بعده الجنة
39 - خطبة له
ومن خطبه حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ثم قال
إن أشقى الناس في الدنيا والآخرة الملوك فرفع الناس رءوسهم فقال مالكم يا معشر الناس إنكم لطعانون عجلون إن من الملوك من إذا ملك زهده الله فيما في يده ورغبه فيما في يدي غيره وانتقصه شطر أجله وأشرب قلبه الإشفاق فهو يحسد على القليل ويتسخط الكثير ويسأم الرخاء وتنقطع عنه لذه البهاء لا يستعمل العبرة ولا يسكن إلى الثقة فهو كالدرهم القسي والسراب الخادع جذل الظاهر حزين الباطن فإذا وجبت نفسه ونضب عمره وضحا ظله حاسبة الله فأشد حسابه وأقل عفوه ألا إن الفقراء هم المرحومون وخير الملوك من آمن بالله وحكم بكتاب الله وسنة نبيه وإنكم اليوم على خلافة نبوة ومفرق محجة وسترون بعدي ملكا عضوضا وأما شعاعا ودما مفاحا فإن كانت للباطل نزوة ولأهل الحق جولة يعفو لها الأثر وتموت السنن فالزموا المساجد

(1/183)


واستشيروا القرآن والزموا الجماعة وليكن الإبرام بعد التشاور والصفقة بعد طول التناظر أي بلاد خرشنة إن الله سيفتح عليكم أقصاها كما فتح أدناها
40 - خطبة له
وخطب أيضا فقال
الحمد لله أحمده وأستعينه وأستغفره وأومن به وأتوكل عليه وأستهدى الله بالهدى وأعوذ به من الضلالة والردى ومن الشك والعمى من يهد الله فهو المهتدى ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو حى لا يموت يعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شىء قدير وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون إلى الناس كافة رحمة لهم وحجة عليهم والناس حينئذ على شر حال فى ظلمات الجاهلية دينهم بدعة ودعوتهم فرية فأعز الله الدين بمحمد صلى الله عليه و سلم وألف بين قلوبكم أيها المؤمنون فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون فأطيعوا الله ورسوله فإنه قال عز رجل ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا )
أما بعد أيها الناس إنى أوصيكم بتقوى الله العظيم فى كل أمر وعلى كل حال ولزوم الحق فيما أحببتم وكرهتم فإنه ليس فيما دون الصدق من الحديث خير من يكذب

(1/184)


يفجر ومن يفجر يهلك وإياكم والفخر وما فخر من خلق من التراب وإلى التراب يعود هو اليوم حى وغدا ميت فاعملوا وعدوا أنفسكم فى الموتى وما أشكل عليكم فردوا علمه إلى الله وقدموا لأنفسكم خيرا تجدوه محضرا فإنه قال عز و جل ( يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد ) فاتقوا الله عباد الله وراقبوه واعتبروا بمن مضى قبلكم واعلموا أنه لا بد من لقاء ربكم والجزاء بأعمالكم ضغيرها وكبيرها إلا ما غفر الله إنه غفور رحيم فأنفسكم أنفسكم والمستعان الله ولا حول ولا قوة إلا بالله ( إن الله وملائكته يصلون على النبى يأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) اللهم صل على محمد عبدك ورسولك أفضل ما صليت على أحد من خلقك وزكنا بالصلاة عليه وألحقنا به واحشرنا فى زمرته وأوردنا حوضه اللهم أعنا على طاعتك وانصرنا على عدوك 41
خطبة له
وخطب أيضا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال
أوصيكم بتقوى الله وأن تثنوا عليه بما هو أهله وأن تخلطوا الرغبة بالرهبة وتجمعوا الإلحاف بالمسألة فإن الله أثنى على زكريا وعلى أهل بيته فقال ( إنهم كانوا يسارعون فى الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين ) ثم اعلموا عباد الله أن الله قد ارتهن بحقه أنفسكم وأخذ على ذلك مواثيقكم وعوضكم بالقليل الفانى الكثير الباقى وهذا كتاب الله فيكم لا تفنى عجائبه ولا يطفأ نوره فثقوا بقوله

(1/185)


وانتصحوا كتابه واستبصروا فيه ليوم الظلمة فإنه خلقكم لعبادته ووكل بكم الكرام الكاتبين يعلمون ما تفعلون 42
خطبة له فى الأنصار
ووصل إليه مال من البحرين فساوى فيه بين الناس فغضبت الأنصار وقالوا له فضلنا فقال أبو بكر صدقتم إن أردتم أن أفضلكم صار ما عملتموه للدنيا وإن صبرتم كان ذلك لله عز و جل فقالوا والله ما عملنا إلا لله تعالى وانصرفوا فرقى أبو بكر المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبى صلى الله عليه و سلم ثم قال
يا معشر الأنصار إن شئتم أن تقولوا إنا آويناكم فى ظلالنا وشاطرناكم فى أموالنا ونصرناكم بأنفسنا قلتم وإن لكم من الفضل مالا يحصيه العدد وإن طال به الأمد فنحن وأنتم كما قال طفيل الغنوى
( جزى الله عنا جعفرا حين أزلقت ... بنا نعلنا فى الواطئين فزلت )
( أبوا أن يملونا ولو أن أمنا ... تلاقى الذى يلقون منا لملت )
( هم أسكنونا فى ظلال بيوتهم ... ظلال بيوت أدفأت وأظلت )

(1/186)


وصيته لأسامة بن زيد
وأوصى أسامة بن زيد وجيشه حين سيره إلى أبنى فقال
يا أيها الناس قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عنى لا تخونوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلا صغيرا ولا شيخا كبيرا ولا امرأة ولا تقعروا نخلا ولا تحرقوه ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا لمأكله وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم فى الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام فإذا أكلتم منها شيئا بعد شئ فاذكروا اسم الله عليها وتلقون أقواما قد فحصوا أوساط رءوسهم وتركوا حولها مثل العصائب فاخفقوهم بالسيف خفقا اندفعوا باسم الله
44و - صيته لعمرو بن العاص والوليد بن عقبة
وشيع عمرو بن العاص والوليد بن عقبة مبعثهما على الصدقة وأوصى كل واحد منهما بوصية واحدة
اتق الله فى السر والعلانية فإنه من يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث

(1/187)


لا يحتسب ومن يتق الله يكفر عنه سيئآته ويعظم له أجرا فإن تقوى الله خير ما تواصى به عباد الله إنك فى سبيل من سبل الله لا يسعك فيه الإدهان والتفريط والغفلة عما فيه قوام دينكم وعصمة أمركم فلا تن ولا تفتر
خطب الفتوح فى عهد أبى بكر
45
- وصيته لخالد بن الوليد
ووصى أبو بكر خالد بن الوليد فقال سر على بركة الله فإذا دخلت أرض العدو فكن بعيدا عن الحملة فإنى لا آمن عليك الجولة واستظهر بالزاد وسر بالأدلاء ولا تقاتل بمجروح فإن بعضه ليس منه واحترس من البيات فإن فى العرب غرة وأقلل من الكلام فإن مالك ما وعى عنك وأقبل من الناس علانيتهم وكلهم إلى الله في سريرتهم وأستودعك الله الذى لا تضيع ودائعه 46
خطبة خالد بن الوليد
وكان أبو بكر رضى الله عنه قد بعث المثنى بن حارثة على جيش إلى العراق فقدم العراق فقاتل وأغار على أهل فارس ونواحى السواد ثم بعث أخاه مسعودا إلى أبى بكر يستمده
فكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد وكان باليمامة أن يسير إلى العراق فلما قرأ خالد الكتاب قام فى الناس فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبى صلى الله عليه و سلم ثم قال

(1/188)


الحمد لله والله أهله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أما بعد فإن خليفة رسول الله صلى الله عليه و سلم كتب إلينا يحضنا على طاعة ربنا وجهاد عدونا وعدو الله وبالجهاد فى سبيل الله أنجز الله دعوتنا وجمع كلمتنا وأمنيتنا والحمد لله رب العالمين ألا إنى خارج ومعسكر وسائر إن شاء الله ومعجل فمن أراد ثواب العاجل والآجل فلينكمش 47
خطبة لأبى بكر فى ندب الناس لفتح الشأم
وخطب يندب الناس لفتح الشأم فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله وقال
ألا إن لكل أمر جوامع فمن بلغها فهى حسبه ومن عمل لله كفاه الله عليكم بالجد والقصد فإن القصد أبلغ ألا إنه لا دين لأحد لا إيمان له ولا أجر لمن لا حسبة له ولا عمل لمن لا نية له ألا وإن فى كتاب الله من الثواب على الجهاد فى سبيل الله كما ينبغى للمسلم أن يحب أن يخص به هى التجارة التى دل الله عليها ونجى بها من الخزى وألحق بها الكرامة فى الدنيا والآخرة

(1/189)


فتح الشام
حدث أبو اسماعيل محمد بن عبد الله الأزدى البصرى صاحب فتوح الشام قال لما أراد أبو بكر رحمة الله عليه أن يجهز الجنود إلى الشأم دعا عمر وعثمان وعليا وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد ابن أبى وقاص وأبا عبيدة بن الجراح ووجوه المهاجرين والأنصار من النصار من أهل بدر وغيرهم فدخلوا عليه فقال 48
خطبة أبى بكر
إن الله تبارك وتعالى لا تحصى نعمه ولا تبلغ جزاءها الأعمال فله الحمد كثيرا على ما اصطنع عندكم فقد جمع كلمتكم وأصلح ذات بينكم وهداكم إلى الإسلام ونفى عنكم الشيطان فليس يطمع أن تشركوا بالله ولا أن تتخذوا إلها غيره فالعرب اليوم بنو أم وأب وقد أردت أن أستنفرهم إلى جهاد الروم بالشام ليؤيد الله المسلمين ويجعل الله كلمته العليا مع أن للمسلمين فى ذلك الحظ الأوفر فمن هلك منهم هلك شهيدا وما عند الله خيرا للأبرار ومن عاش منهم عاش مدافعا عن الدين مستوجبا على الله عز و جل ثواب المجاهدين هذا رأيى الذى رأيت فليشر على أمرؤ بمبلغ رأيه 49
خطبة عمر
فقام عمر بن الخطاب رضى الله عنه فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبى صلى الله عليه و سلم ثم قال
الحمد لله الذى يخص بالخير من يشاء من خلقه والله ما استبقنا إلى شئ من الخير قط إلا سبقتنا إليه وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء قد والله أردت لقاءك لهذا الرأى

(1/190)


الذى ذكرت فما قضى الله أن يكون ذلك حتى ذكرته الآن فقد أصبت أصاب الله بك سبل الرشاد سرب إليهم الخيل فى إثر الخيل وابعث الرجال تتبعها الرجال والجنود تتبعها الجنود فإن الله عز و جل ناصر دينه ومعز الإسلام وأهله ومنجز ما وعد رسوله 50
خطبة عبد الرحمن بن عوف
ثم إن عبد الرحمن بن عوف قام فقال
يا خليفة رسول الله إنها الروم وبنو الأصفر حد حديد وركن شديد والله ما أرى أن تقحم الخيل عليهم إقحاما ولكن تبعث الخيل فتغير فى أدانى أرضهم ثم تبعثها فتغير ثم ترجع إليك ثم تبعثها فتغير ثم ترجع إليك فإذا فعلوا ذلك مرارا أضروا بعدوهم وغنموا من أدانى أرضهم فقووا بذلك على قتالهم ثم تبعث إلى أقاصى أهل اليمن وإلى أقاصى ربيعة ومضر فتجمعهم إليك جميعا فإن شئت عند ذلك غزوتهم بنفسك وإن شئت بعثت على غزوهم غيرك
ثم جلس وسكت وسكت الناس
قال لهم أبو بكر ما ترون رحمكم الله فقام عثمان بن عفان رضوان الله عليه فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلى على النبي ثم قال
رأيي أنك ناصح لأهل هذا الدين عليهم شفيق فإذا رأيت رأيا علمته لهم رشدا وصلاحا وخيرا فاعزم على إمضائه فإنك غير ظنين ولا متهم عليهم
فقال طلحة والزبير وسعد وأبو عبيدة بن الجراح وسعيد بن زيد وجميع من حضر ذلك المجلس من المهاجرين والأنصار
صدق عثمان فيما قال ما رأيت من رأى فأمض فإنا سامعون لك مطيعون لا نخالف أمرك ولا نتهم رأيك ولا نتخلف عن دعوتك وإجابتك

(1/191)


فذكروا هذا وشبهه وعلي بن أبي طالب رحمة الله عليه في القوم لا يتكلم فقال له أبو بكر ما ترى يا أبا الحسن قال
أرى أنك مبارك الأمر ميمون النقيبة وأنك إن سرت إليهم بنفسك أو بعثت إليهم نصرت إن شاء الله
فقال له أبو بكر بشرك الله بخير فمن أين علمت هذا قال سمعت رسول الله يقول لا يزال هذا الدين ظاهرا على كل من ناوأه حتى يقوم الدين وأهله ظاهرين فقال ابو بكر سبحان الله ما أحسن هذا الحديث لقد سررتني سرك الله في الدنيا والآخرة 51
خطبة أبي بكر
ثم إن أبا بكر رحمة الله عليه ورضوانه قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه وذكره بما هو أهله وصلى على النبي ثم قال
أيها الناس إن الله قد أنعم عليكم بالإسلام وإعزكم بالجهاد وفضلكم بهذا الدين على أهل كل دين فتجهزوا عباد الله إلى غزو الروم بالشأم فإني مؤمر عليكم أمراء وعاقد لهم ألوية فأطيعوا ربكم ولا تخالفوا أمراءكم ولتحسن نيتكم وسيرتكم وطعمتكم فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون
فسكت الناس فوالله ما أجابه أحد هيبة لغزو الروم لما يعلمون من كثرة عددهم وشدة شوكتهم فقام عمر بن الخطاب رحمة الله عليه ورضوانه فقال يا معشر المسلمين ما لكم لا تجيبون خليفة رسول الله إذ دعاكم لما يحييكم 52
خطبة خالد بن سعيد بن العاص
فقام خالد بن سعيد بن العاص فحمد الله وأثنىعليه وصلى على النبي صلى الله عليه وعلى آله ثم قال

(1/192)


الحمد لله الذي لا إله الا هو الذي بعث محمدا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون فإن الله منجز وعده ومعز دينه ومهلك عدوه ثم أقبل على أبي بكر فقال نحن غير مخالفين لك ولا متخلفين عنك وأنت الوالي الناصح الشفيق ننفر إذا استنفرتنا ونطيعك إذا أمرتنا ونجيبك إذا دعوتنا
ففرح أبو بكر بمقالته وقال له جزاك الله من أخ وخليل خيرا فقد أسلمت مرتغبا وهاجرت محتسبا وهربت بدينك من الكفار لكي يطاع الله ورسوله وتكون كلمة الله هي العليا فتيسر رحمك الله
فتجهز خالد بن سعيد بأحسن الجهاز وخرج هو وإخوته وغلمانه ومن تبعه من أهل بيته فكان أول من عسكر وأمر أبو بكر بلالا فنادى في الناس أن انفروا إلى جهاد عدوكم الروم بالشام فنفروا اليه وكان خالد من عمال رسول الله فكره الإمارة واستعفى أبا بكر فأعفاه
ورأى أبو بكر أن يكتب كتابا إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الجهاد ويرغبهم في ثوابه وبعث الكتاب مع أنس بن مالك
قال أنس أتيت أهل اليمن جناحا جناحا وقبيلة قبيلة أقرأ عليهم كتاب أبي بكر وإذا فرغت من قراءته قلت
الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وان محمدا عبده ورسوله بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني رسول خليفة رسول الله ورسول المسلمين إليكم إلا وإني وقد تركتهم معسكرين ليس يمنعهم من الشخوص إلى عدوهم الا انتظاركم فعجلوا إلى إخوانكم رحمة الله عليكم أيها المسلمون
فكان كل من أقرأ عليه ذلك الكتاب ويسمع مني هذا القول يحسن الرد علي ويقول نحن سائرون وكأنا قد فعلنا 53
خطبة ذي الكلاع
حتى انتهيت إلى ذي الكلاع فلما قرأت عليه الكتاب وقلت هذا المقال دعا بفرسه وسلاحه ونهض في قومه من ساعته ولم يؤخر ذلك وأمر بالمعسكر فما برحنا حتى عسكر وعسكر معه جموع كثيرة من أهل اليمن وسارعوا فلما اجتمعوا إليه قام فيهم

(1/193)


فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ثم قال أيها الناس إن من رحمة الله إياكم ونعمته عليكم أن بعث فيكم رسولا وأنزل عليه كتابا فأحسن عنه البلاغ فعلمكم ما يرشدكم ونهاكم عما يفسدكم حتى علمكم ما لم تكونوا تعلمون ورغبكم في الخير فيما لم تكونوا ترغبون ثم قد دعاكم إخوانكم الصالحون إلى جهاد المشركين واكتساب الأجر العظيم فلينفر من أراد النفير معى الساعة
فنفر بعدد من أهل اليمن كثير وقدموا على أبى بكر ففرح بمقدمهم 54
وصية خالد بن سعيد بن العاص لأبى بكر
ولما أراد خالد بن سعيد بن العاص أن يغدو سائرا إلى الشأم لبس سلاحه وأمر إخوته فلبسوا أسلحتهم عمرا والحكم وأبان وغلمته ومواليه ثم أقبل إلى أبى بكر رضى الله عنه بعد صلاة الغداة وصلى معه فلما انصرفوا قام إليه هو وإخوته فجلسوا إليه فحمد الله خالد وأثنى عليه وصلى على النبى ثم قال
يا أبا بكر إن الله أكرمنا وإياك والمسلمين طرا بهذا الدين فأحق من أقام السنة وأمات البدعة وعدل فى السيرة الوالي على الرعية وكل امرئ من أهل هذا الدين محقوق بالإحسان ومعدلة الوالى أعم نفعا فاتق الله يا أبا بكر فيمن ولاك الله أمره وارحم الأرملة واليتيم وأعن الضعيف المظلوم ولا يكن رجل من المسلمين إذا رضيت عنه آثر عندك فى الحق منه إذا سخطت عليه ولا تغضب ما قدرت على ذلك فإن الغضب يجر الجور ولا تحقد على مسلم وأنت تستطيع فإن حقدك على المسلم يجعلك له عدوا وإن اطلع على ذلك منك عاداك فإذا عادى الوالى الرعية وعادت الرعية الوالى كان بك قصفا أن يكون إلى هلاكهم داعيا وكن لينا للمحسن واشدد على المريب

(1/194)


ثم قال هات يدك فإنى لا أدرى هل نلتقى في الدنيا بعد هذا اليوم فإن قضى الله لنا التقاء فنسأل الله عفوه وغفرانه وإن كانت هى الفرقة التى ليس بعدها التقاء فعرفنا الله وإياك وجه النبى صلى الله عليه و سلم فى جنات النعيم فأخذ أبو بكر رضى الله عنه بيده ثم بكى وبكى خالد والمسلمون وظنوا أنه يريد الشهادة 55
وصية أبى بكر لخالد بن سعيد بن العاص
فلما خرج من المدينة قال له أبو بكر رضى الله عنه
إنك قد أوصيتنى برشدى وقد وعيته وأنا موصيك فاستمع وصيتى وعها إنك امرؤ قد جعل الله لك سابقة فى الإسلام وفضيلة عظيمة والناس ناظرون إليك ومستمعون منك وقد خرجت فى هذا الوجه العظيم الأجر وأنا أرجو أن يكون خروجك فيه لحسبة ونية صادقة إن شاء الله فثبت العالم وعلم الجاهل وعاتب السفيه المترف وانصح لعامة المسلمين واخصص الوالى على الجند من نصيحتك ومشورتك ما يحق الله وللمسلمين عليك واعمل لله كأنك تراه واعدد نفسك فى الموتى واعلم أنا عما قليل ميتون ثم مبعوثون ثم مساءلون ومحاسبون جعلنا الله وإياك لأنعمه من الشاكرين ولنقمه من الخائفين ثم أخذ يده فودعه
وجهز أبو بكر أربعة جيوش على أحدها عمرو بن العاص ووجهه إلى فلسطين وعلى الثانى شرحبيل ابن حسنة ووجهه إلى الأردن وعلى الثالث يزيد بن أبى سفيان ووجهه إلى البلقاء وعلى الرابع أبو عبيدة عامر بن الجراح ووجهه إلى حمص وشيع الأمراء ووصاهم 56
وصية أبى بكر لعمرو بن العاص
ولما أجمع أبو بكر أن يبعث الجيوش إلى الشأم كان أول من سار من عماله عمرو

(1/195)


يا عمرو اتق الله فى سر أمرك وعلانيته واستحيه فإنه يراك ويرى عملك وقد رأيت تقديمي إياك على من هو أقدم سابقة منك ومن كان أعظم غناء عن الإسلام وأهله منك فكن من عمال الآخرة وأرد بما تعمل وجه الله وكن والدا لمن معك ولا تكشفن الناس عن أستارهم واكتف بعلانيتهم وكن مجدا فى أمرك واصدق اللقاء إذا لافيت ولا تجبن وتقدم فى العلوم وعاقب عليه وإذا وعظت أصحابك فأوجز وأصلح نفسك تصلح لك رعيتك فى وصية له طويلة 57
وصية أخرى
وأمد أبو بكر أبا عبيدة بجيش عليه عمرو بن العاص فلما أراد الشخوص خرج معه أبو بكر رضى الله عنه يشيعه وقال
يا عمرو إنك ذو رأى وتجربة بالأمور وتبصرة بالحرب وقد خرجت مع أشراف قومك ورجال من صلحاء المسلمين وأنت قادم على إخوانك فلا تألهم نصيحة ولا تدخر عنهم صالح مشورة فرب رأى لك محمود فى الحرب مبارك فى عواقب الأمور فقال له عمرو ما أخلقنى أن أصدق ظنك وأن أقبل رأيك ثم ودعه وانصرف 58
وصية أبى بكر ليزيد بن أبى سفيان
ودعا يزيد بن أبى سفيان فعقد له وأوصاه فقال
يا يزيد إنى أوصيك بتقوى الله وطاعته والإيثار له والخوف منه وإذا لقيت

(1/196)


العدو فأظفركم الله بهم فلا تغلل ولا تمثل ولا تغدر ولا تجبن ولا تقتلوا وليدا ولا شيخا كبيرا ولا امرأة ولا تحرقوا نخلا ولا تقعره ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تعقروا بهيمة إلا لمأكلة وستمرون بقوم فى الصوامع يزعمون أنهم حبسوا أنفسهم لله فدعوهم وما حبسوا أنفسهم له وستجدون آخرين قد فحص الشيطان عن أوساط رءوسهم حتى كأن أوساط رءوسهم أفاحيص القطا فاضربوا ما فحصوا من رءوسهم بالسيوف حتى ينيبوا إلى الإسلام أو يؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون ولينصرن الله من ينصره ورسله بالغيب ثم أخذ يده فقال إنى أستودعك الله وعليك سلام الله ورحمته ثم ودعه وقال إنك أول أمرائى وقد وليتك على رجال من المسلمين أشراف غير أوزاع فى الناس فأحسن صحبتهم ولتكن لهم كنفا واخفض لهم جناحك وشاورهم فى الأمر أحسن الله لك الصحابة وعلينا الخلافة 54
وصية أخرى ليزيد بن أبى سفيان
ووصى يزيد بن أبى سفيان أيضا حين وجهه لفتح الشام فقال
إنى قد وليتك لأبلوك وأجربك وأخرجك فإن أحسنت رددتك إلى عملك وزدتك وإن أسأت عزلتك فعليك بتقوى الله فإنه يرى من باطنك مثل الذى يرى من ظاهرك وإن أولى الناس بالله أشدهم توليا له وأقرب الناس من الله أشدهم تقربا إليه بعمله وقد وليتك عمل خالد فإياك وعبية الجاهلية فإن الله يبغضها ويبغض

(1/197)


أهلها وإذا قدمت على جندك فأحسن صحبتهم وابدأهم بالخير وعدهم إياه وإذا وعظتهم فأوجز فإن كثير الكلام ينسى بعضه بعضا وأصلح نفسك يصلح لك الناس وصل الصلوات لأوقاتها بإتمام ركوعها وسجودها والتخشع فيها وإذا قدم عليك رسل عدوك فأكرمهم وأقلل لبثهم حتى يخرجوا من عسكرك وهم جاهلون به ولا تريثهم فيروا خللك ويعلموا علمك وأنزلهم فى ثروة عسكرك وامنع من قبلك من محادثتهم وكن أنت المتولى لكلامهم ولا تجعل سرك لعلانيتك فيختلط أمرك وإذا استشرت فاصدق الحديث تصدق المشورة ولا تخزن عن المشير خبرك فتؤتى من قبل نفسك واسمر بالليل فى أصحابك تأتك الأخبار وتنكشف عندك الأستار وأكثر حرسك وبددهم فى عسكرك وأكثر مفاجأتهم فى محارسهم بغير علم منهم بك فمن وجدته غفل عن محرسه فأحسن أدبه وعاقبه فى غير إفراط وعقب بينهم بالليل واجعل النوبة الأولى أطول من الأخيرة فإنها أيسرهما لقربها من النهار ولا تخف من عقوبة المستحق ولا تلجن فيها ولا تسرع إليها ولا تخذ لها مدقعا ولا تغفل عن أهل عسكرك فتفسده ولا تجسس عليهم فتفضحهم ولا يكشف الناس عن أسرارهم واكتف بعلانيتهم ولا تجالس العباثين وجالس أهل الصدق والوفاء واصدق اللقاء ولا تجبن فيجبن الناس واجتنب الغلول فإنه يقرب الفقر ويدفع النصر وستجدون أقواما حبسوا أنفسهم فى الصوامع فدعهم وما حبسوا أنفسهم له

(1/198)


دعاء أبى بكر
وكان أبو بكر رحمة الله عليه يدعو فى كل يوم غدوة وعشية فى دبر صلاة الغداة وبعد العصر يقول
اللهم إنك خلقتنا ولم نك شيئا ثم بعثت إلينا رسولا رحمة منك لنا وفضلا منك علينا فهديتنا وكنا ضلالا وحببت إلينا الإيمان وكنا كفارا وكثرتنا وكنا قليلا وجمعتنا وكنا أشتاتا وقويتنا وكنا ضعافا ثم فرضت علينا الجهاد وأمرتنا بقتال المشركين حتى يقولوا لا إله إلا الله أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون اللهم لأصبحنا إن نطلب رضاك ونجاهد أعداءك من عدل بك وعبد معك إلها غيرك تعاليت عما يقولون علوا كبيرا اللهم فانصر عبادك المسلمين على عدوك من المشركين اللهم افتح لهم فتحا يسيرا وانصرهم نصرا عزيزا واجعل لهم من لدنك سلطانا نصيرا اللهم شجع جبنهم وثبت أقدامهم وزلزل بعدوهم وأدخل الرعب قلوبهم واستأصل شأفتهم واقطع دابرهم وأبد خضراءهم وأورثنا أرضهم وديارهم وأموالهم وكن لنا وليا وبنا حفيا وأصلح لنا شأننا كله ونياتنا وقضاءنا وتبعاتنا واجعلنا لأنعمك من الشاكرين واغفر لنا والمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات ثبتنا الله وإياكم بالقول الثابت فى الحياة الدنيا و فى الآخرة إنه بالمؤمنين رءوف رحيم 61
وصيته لشرحبيل بن حسنة
ووجه شرحبيل بن حسنة وودعه فقال له يا شرحبيل ألم تسمع وصيتى ليزيد ابن أبى سفيان قال بلى قال فإنى أوصيك بمثلها وأوصيك بخصال أغفلت ذكرهن

(1/199)


ليزيد أوصيك بالصلاة فى وقتها وبالصبر يوم البأس حتى تظفر أو تقتل وبعيادة المرضى وبحضور الجنائز وذكر الله كثيرا على كل حال 62
وصيته لأبى عبيدة بن الجراح
ولما أراد أن يبعث أبا عبيدة بن الجراح ودعاه فودعه ثم قال له
اسمع سماع من يريد أن يفهم ما قيل له ثم يعمل بما أمر به إنك تخرج فى أشراف الناس وبيوتات العرب وصلحاء المسلمين وفرسان الجاهلية كانوا يقاتلون إذ ذاك على الحمية وهم اليوم يقاتلون على الحسبة والنية الحسنة أحسن صحبة من صحبك وليكن الناس عندك فى الحق سواء واستعن بالله وكفى بالله معينا وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا اخرج من غد إن شاء الله 63
وصيته لأبى عبيدة بن الجراح أيضا
فلما كان من الغد خرج أبو بكر رضى الله عنه يمشى فى رجال من المسلمين حتى أتى أبا عبيدة فسار معه حتى بلغ ثنية الوداع ثم قال حين أراد أن يفارقه
يا أبا عبيدة اعمل صالحا وعش مجاهدا وتوف شهيدا يعطك الله كتابك بيمينك ولتقر عينك فى دنياك وآخرتك فوالله إنى لأرجو أن تكون من التوابين الأوابين المخبتين الزاهدين فى الدنيا الراغبين فى الآخرة إن الله قد صنع بك خيرا وساقه إليك إذ جعلك تسير فى جيش من المسلمين إلى عدوه من المشركين فقاتل من كفر بالله وأشرك به وعبده معه غيره

(1/200)


خطبة أبى بكر
وسار أبو عبيدة حتى إذا دنا من الجابية بلغه أن هرقل ملك الروم بأنطاكية وأنه قد جمع لهم جموعا كثيرة فكتب أبو عبيدة إلى أبى بكر يخبره بذلك فقام أبو بكر رضى الله عنه فى الناس
فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإن إخوانكم المسلمين معافون مكلئون مدفوع عنهم مصنوع لهم وقد ألقى الله الرعب فى قلوب عدوهم منهم وقد اعتصموا بحصونهم وأغلقوا أبوابها دونهم عليهم وقد جاءتنى رسلهم يخبروننى بهرب هرقل ملك الروم من بين أيديهم حتى نزل قرية من قرى الشأم فى أقصى الشام وقد بعثوا إلى يخبروننى أنه قد وجه إليهم هرقل جندا من مكانه ذلك فرأيت أن أمد إخوانكم المسلمين بجند منكم يشدد الله بكم ظهورهم ويكبت بهم عدوهم ويلق بهم الرعب فى قلوبهم فانتدبوا رحمكم الله مع هاشم بن عتبة بن أبى وقاص واحتسبوا فى ذلك الأجر والخير فإنكم إن نصرتم فهو الفتح والغنيمة وإن تهلكوا فهى الشهادة والكرامة 65
وصية أبى بكر لهاشم بن عتبة
ولما سار هاشم بن عتبة ودعه أبو بكر رضى الله عنه وقال له
يا هاشم إنا إنما كنا ننتفع من الشيخ الكبير برأيه ومشورته وحسن تدبيره وكنا ننتفع من الشاب بصبره وبأسه ونجدته وإن الله عز و جل قد جمع لك تلك الخصال كلها وأنت حديث السن مستقبل الخير فإذا لقيت عدوك فاصبر وصابر واعلم أنك لا تخطو خطوة ولا تنفق نفقة ولا يصيبك ظمأ ولا نصب ولا مخمصة فى سبيل الله إلا كتب الله لك به عملا صالحا إن الله لا يضيع أجر محسنين

(1/201)


فقال هاشم إن يرد الله بى خيرا يجعلنى كذلك وأنا أفعل ولا قوة إلا بالله وأنا أرجو إن أنا لم أقتل أن أقتل إن شاء الله
فقال له عمه سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه يابن أخى لا تطعن طعنة ولا تضربن ضربة إلا وأنت تريد بها وجه الله واعلم أنك خارج من الدنيا رشيدا وراجع إلى الله قريبا ولن يصحبك من الدنيا إلى الآخرة إلا قدم صدق قدمته أو عمل صالح أسلفته
فقال أى عم لا تخالن منى غير هذا إنى إذا لمن الخاسرين إن جعلت حلى وارتحالى وغدوى ورواحى وسيفى وطعنى برمحى وضربى بسيفى رياء للناس
ثم خرج فقدم على أبى عبيدة فتباشر بمقدمة المسلمين 66
خطبة خالد بن الوليد يوم اليرموك
ووجه هرقل إلى كل جيش من جيوش المسلمين جيشا يفوقه فأشار عمرو بن العاص على الأمراء بالاجتماع فأرسلوا إلى أبى بكر فى ذلك فأشار عليهم بمثل رأى عمرو
فاجتمعوا باليرموك وكل واحد من الأمراء أمير على جيشه والروم أمامهم وبين الفريقين خندق فكان الروم يقاتلون باختيارهم وإن شاءوا احتجزوا بخنادقهم فأرسل الأمراء ألى أبى بكر يستمدونه
فكتب إلى خالد بن الوليد أمير جند العراق يأمره أن يستخلف على جنده بعد أن يأخذ معه نصفه ويتوجه إلى الشام مددا لأمرائه فسار إلى الشام ووافى المسلمين وهم متضايقون إذ وصل باهان بجيش مددا للروم فولى خالد قتاله وقاتل كل أمير من بإزائه متساندين فرأى خالد أن هذا القتل لا يجدى نفعا ما دامت كل فرقة من الجيش لها أمير فجمع الأمراء وخطبهم
فحمد الله وأثنى عليه وقال
إن هذا اليوم من أيام الله لا ينبغى فيه الفخر ولا البغى أخلصوا جهادكم وأريدوا الله بعملكم فإن هذا يوم له ما بعده ولا تقاتلوا قوما على نظام وتعبية على تساند

(1/202)


وانتشار فإن ذلك لا يحل ولاينبغي وان من وراءكم لو يعلم علمكم حال بينكم وبين هذا فاعملوا فيما لم تؤمروا به بالذي ترون أنه الرأي من واليكم ومحبته
قالوا فهات فما الرأي قال إن أبا بكر لم يبعثنا إلا وهو يرى أنا سنتياسر ولو علم بالذي كان ويكون لما جمعكم إن الذي أنتم فيه أشد على المسلمين مما قد غشيهم وأنفع للمشركين من أمدادهم ولقد علمت أن الدنيا فرقت بينكم فالله الله فقد أفرد كل رجل منكم ببلد من البلدان لا ينتقص منه أن دان لأحد من أمراء الجنود ولا يزيده عليه ان دانوا له إن تأمير بعضكم لا ينقضكم عند الله ولا عند خليفة رسول الله هلموا فإن هؤلاء قد تهيأوا وهذا يوم له ما بعده إن رددناهم إلى خندقهم اليوم لم تزل نردهم وإن هزمونا لم نفلح بعدها فهلموا فلنتعاور الإمارة فليكن عليها بعضنا اليوم والآخر والآخر غدا بعد غد حتى يتأمر كلكم ودعوني أتأمر اليوم فأمروه وانتهت الموقعة بهزيمة الروم شر هزيمة سنة 13ه
67 - خطبة أبي عبيدة في وقعة اليرموك
ولما برز المسلمون إلى الروم في وقعة اليرموك سار أبو عبيدة في المسلمين ثم قال
ياعباد الله انصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم فإن وعد الله حق يا معشر المسلمين اصبروا فإن الصبر منجاة من الكفر ومرضاة للرب ومدحضة للعار فلا تبرحوا مصافكم ولا تخطوا إليهم خطوة ولا تبدءوهم بقتال وأشرعوا الرماح واستتروا بالدرق والزموا الصمت الا من ذكر الله حتى آمركم إن شاء الله

(1/203)


68 - قصص معاذ بن جبل
وخرج معاذ بن جبل يقص على الناس ويقول :
يا قراء القرآن ومستحفظي الكتاب وأنصار الهدى وأولياء الحق إن رحمة الله والله لا تنال وجنته لا تدخل بالأماني ولا يؤتى الله المغفرة والرحمة الواسعة إلا الصادقين المصدقين بما وعدهم الله عز و جل ألم تسمعوا لقول الله ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم )
أنتم إن شاء الله منصورون فأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين واستحيوا من ربكم أن يراكم فرارا من عدوكم وأنتم في قبضته ورحمته وليس لأحد منكم ملجأ ولا ملتجأ من دونه ولا متعزز بغير الله
فجعل يمشي في الصفوف ويحرضهم ويقص عليهم ثم انصرف الىموقفه
69 - خطبة عمرو بن العاص
ومر عمرو بن العاص يومئذ على الناس فجعل يعظهم ويقص عليهم ويحرضهم ويقول
أيها الناس غضوا أبصاركم واجثوا على الركب وأشرعوا الرماح والزموا مراكزكم ومصافكم فإذا حمل عليكم عدوكم فأمهلوهم حتى إذا ركبوا أطراف الأسنة فثبوا في وجوههم وثوب الأسد فوالذي يرضى الصدق ويمقت الكذب ويعاقب عليه

(1/204)


ويجزى بالإحسان لقد بلغني أن المسلمين سيفتحونها كفرا كفرا وقصرا قصرا فلا يهولنكم جموعهم ولا عددهم فإنكم لو قد صدقتموهم الشدة لقد انذعروا انذعار أولاد الحجل
70 - خطبة أبي سفيان بن حرب
وكان أبو سفيان بن حرب يسير في الناس يوم اليرموك ويقف على أهل كل راية وعلى كل جماعة فيحرض الناس ويحضهم ويعظهم ويقول
إنكم يا معشر المسلمين أصبحتم في دارالعجم منقطعين عن الأهل نائين عن أمير المؤمنين وأمداد المسلمين وقد والله أصبحتم بإزاء عدو كثير عددهم شديد عليكم حنقهم وقد وترتموهم في أنفسهم ونسائهم وأولادهم وأموالهم وبلادهم فلا والله لا ينجيكم منهم اليوم وتبلغون رضوان الله إلا صدق اللقاء والصبر في مواطن المكروة فامتنعوا بسيوفكم وتقربوا بها إلى خالقكم ولتكن هي الحصون التى تلجئون إليها وبها تمنعون
وقاتل أبو سفيان يومئذ قتالا شديدا وأبلى بلاء حسنا
71 - وصية أبي بكر لعمر رضي الله عنهما عند موته
إني مستخلفك من بعدي وموصيك بتقوى الله إن لله عملا بالليل لا يقبله بالنهار وعملا بالنهارلا يقبله بالليل وإنه لا تقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة فإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينة يوم القيامة بأتباعهم الحق في الدنيا وثقله عليهم

(1/205)


وحق لميزان لايوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا وإنما خفت موازين من خفت موازينة يوم القيامة باتباعهم الباطل وخفته عليهم وحق لميزان لا يوضع فيه الا الباطل أن يكون خفيفا إن الله ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم وتجاوز عن سيئاتهم فإذا ذكرتهم قلت إني أخاف ألا أكون من هؤلاء وذكر أهل النار فذكرهم بأسوأ أعمالهم ولم يذكر حسناتهم فإذا ذكرتهم قلت إني لأرجو ألا أكون من هؤلاء وذكر آية الرحمة مع آية العذاب ليكون العبد راغبا راهبا ولا يتمنى على الله غير الحق ولا يلقى بيده إلى التهلكة فإذا حفظت وصيتي فلا يكن غائب أحب إليك من الموت وهو آتيك وإن ضيعت وصيتي فلا يكن غئب أبغض إليك من الموت ولست بمعجز الله
72 - كلامه لعبد الرحمن بن عوف في علته التي مات فيها
وقال عبد الرحمن بن عوف
دخلت يوما على أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في علته التي مات فيها فقلت له أراك بارئا يا خليفة رسول الله فقال أما إني على ذلك لشديد الوجع ولما لقيت منكم يا معشر المهاجرين أشد علي من وجعي إني وليت أموركم خيركم من نفسي فكلكم ورم أنفه أن يكون له الأمر من دونه والله لتتخذن نضائد الديباج وستور الحرير ولتألمن النوم على الصوف الأذربي كما يألم أحدكم النوم على حتاب السعدان والذي نفسي بيده لأن يقدم أحدكم فتضرب

(1/206)


عنقه في غير حد خير له من أن يخوض غمرات الدنيا يا هادى الطريق جرت إنما هو والله الفجر أو البجر
فقلت خفض عليك يا خليفة رسول الله فإن هذا يهيضك إلى ما بك فوالله مازلت صالح مصلحا لا تأسى على شئ فاتك من أمر الدنيا ولقد تخليت بالأمر وحدك فما رأيت إلا خيرا
73 - خطبة السيدة عائشة في الانتصار لأبيها
يروى أنه بلغ عائشة رضي الله عنها أن أقواما يتناولون أبا بكر رضي الله عنه فأرسلت إلى أزفلة من الناس فلما حضروا أسدلت أستارها وعلت وسادها ثم قالت
أبي وما أبيه أبي والله لا تعطوه الأيدي ذاك طود منيف وفرع مديد هيهات كذبت الظنون أنجح إذ أكديتم وسبق إذ ونيتم سبق الجواد إذا استولى على الأمد فتى قريس ناشئا وكهفها كهلا يفك عانيها ويريش مملقها ويرأب شعبها ويلم شعثها حتى حليته قلوبها ثم

(1/207)


استشرى في دين الله فما برحت شكيمته في ذات الله عز و جل حتى اتخذ بفنائه مسجدا يحيى فيه ما أمات المبطلون وكان رحمه الله غزير الدمعة وقيذ الجوانح شجي النشيج فانقضت إليه نسوان مكة وولدانها يسخرون منه ويستهزئون به ( الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون ) فأكبرت ذلك رجالات من قريش فحنت قسيها وفوقت سهامها وامتثلوه غرضا فما فلوا له صفاة ولا قصفوا له قناة ومر على سيسائه حتى إذا ضرب الدين بجرانه ورست أوتاده ودخل الناس فيه أفواجا ومن كل فرقة أرسالا وأشتاتا اختارالله لنبيه ماعنده فلما قبض الله نبيه ضرب الشيطان رواقه ومد طنبه ونصب حبائله وأجلب بخيله ورجله واضطرب حبل الإسلام ومرج عهده وماج أهله وبغى الغوائل فظنت رجال أن قد أكثبت أطماعهم ولات حين الذي يرجون وأني والصديق بين أظهرهم فقام حاسرا مشمرا

(1/208)


فجمع حاشيته ورفع قصريه فرد رسن الإسلام على غربه ولم سعثه بطبه وانتاش الدين فنعشه فما أراح الحق على أهله وفرر الؤوس على كواهلها وحقن الدماء في أهبها أتته منيته فسد ثلمته بنظيره في الرحمة وشقيقة في السيرة والمعدلة ذاك بان الخطاب فلله در ام حملت به ودرب عليه لقد أوحدت به ففنخ الكفرة ويدخها وشرد الشرك شذر مذر وبعج الأرض وبخعها فقاءت أكلها ولفظت خبأها ترأمه ويصدف عنها وتصدى له ويأباها ثم وزع فيها فيئها وودعها كما صحبها فأروني ماذا ترتئون وأي يومي أبي تنقمون أيوم إقامته إذ عدل فيكم أم يوم ظعنه إذ نظر لكم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ثم أقبلت على الناس بوجهها فقالت أنشدكم الله هل أنكرتم مما قلت شيئا قالوا اللهم لا

(1/209)


74 - رثاؤها لأبيها
لما توفي أبو بكر رضي الله عنه وقفت عائشة على قبره فقالت
نضر الله وجهك يا أبت وشكرلك صالح سعيك فلقد كنت للدنيا مذلا بإدبارك عنها وللآخرة معزا بإقبالك عليها ولئن كان أجل الحوادث بعد رسول الله رزؤك وأعظم المصائب بعده فقدك إن كتاب الله ليعد بحسن الصبر فيك حسن العوض منك وأنا أستنجز موعود الله تعالى بالصبر فيك وأستقضيه بالاستغفار لك أما لئن قاموا بأمر الدنيا لقد قمت بأمر الدين لما وهي شعبه وتفاقم صدعه ورجفت جوانبه فعليك سلام الله توديع غير قالية لحياتك ولا زارية على القضاء فيك

(1/210)


خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه
75 - خطبته حين ولى الخلافة
لما استخلف عمر رضي الله عنه صعد المنبر فقال إني قائل كلمات فأمنوا عليهن فكان أول منطق نطق به حين استخلف قال
إنما مثل العرب مثل جمل أنف اتبع قائده فلينظر قائده حيث يقوده وأما أنا فورب الكعبة لأحملنهم على الطريق
76 - خطبة أخرى
وقال ابن قتيبة في عيون الأخبار لما ولى عمر صعد المنبر فقال ما كان الله ليراني أرى نفسي أهلا لمجلس أبي بكر ثم نزل عن مجلسه مرقاة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال اقرءوا القرآن تعرفوا به واعملوا به تكونوا من أهله إنه لم يبلغ حق ذي حق أن يطاع في معصية الله ألا وإني أنزلت نفسي من مال الله

(1/211)


بمنزله والي اليتيم ان استغنيت عففت وإن افتقرت أكلت بالمعروف تقرم البهمة الأعرابية القضم لا الخضم
77 - خطبة له
وذكر الطبري أنه خطب فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم ذكر الناس بالله عز و جل واليوم الآخر ثم قال
يأيها الناس إني قد وليت عليكم ولولا رجاء أن أكون خيركم لكم وأقواكم عليكم وأشدكم استضلاعا بما ينوب من مهم أموركم ما توليت ذلك منكم ولكفى عمر مهما محزنا انتظار موافقة الحساب بأخذ حقوقكم كيف آخذها ووضعها أين أضعها وبالسير فيكم كيف أسير فربى المستعان فإن عمر أصبح لا يثق بقوة ولا حيلة إن لم يتداركه الله عز و جل برحمته وعونة وتأييده
78 - خطبة له
ثم خطب فقال
إن الله عز و جل قد ولاني أمركم وقد علمت أنفع ما بحضرتكم لكم وإني أسأل الله أن يعينني عليه وأن يحرسني عنده كما حرسني عند غيره وأن يلهمني العدل

(1/212)


في قسمكم كالذي أمرني به وإني امرؤ مسلم وعبد ضعيف إلا ما أعان الله عز و جل ولن يغير الذي وليت من خلافتكم من خلقي شيئا إن شاء الله إنما العظمة لله عز و جل وليس للعباد منها شئ فلا يقولن أحد منكم إن عمر تغير منذ ولي أعقل الحق من نفسي وأتقدم وأبين لكم امري فأيما رجل كانت له حاجة أو ظلم مظلمة أو عتب علينا في خلق فليؤذني فإنما أنا رجل منكم فعليكم بتقوى الله في سركم وعلانيتكم وحرماتكم وأعراضكم وأعطوا الحق من أنفسكم ولا يحمل بعضكم بعضا على أن تحاكموا إلى فإنه ليس بينى وبين أحد من الناس هوادة وانا حبيب إلى صلاحكم عزيز على عنتكم وأنتم أناس عامتكم حضر في بلاد الله وأهل بلد لا زرع فيه ولا ضرع إلا ما جاء الله به إليه وإن الله عز و جل قد وعدكم كرامة كثيرة وأنا مسئول عن أمانتي وما أنا فيه ومطلع على ما بحضرتي بنفسي إن شاء الله لا أكله إلى أحد ولا أستطيع ما بعد منه إلا بالأمناء وأهل النصح منكم للعامة ولست أجعل أمانتي إلى أحد سواهم إن شاء الله
79 - خطبة أخرى
وقال ابن عبد ربه وخطب إذ ولى الخلافة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال
يأيها الناس إني داع فأمنوا اللهم إني غليظ فليني لأهل طاعتك بموافقة الحق ابتغاء وجهك والدار الآخرة وارزقني الغلظة والشدة على أعدائك وأهل الدعارة والنفاق من غير ظلم مني لهم ولا اعتداء عليهم اللهم إني شحيح فسخني

(1/213)


في نوائب المعروف قصدا من غير سرف ولا تبذير ولا رياء ولا سمعة واجعلني أبتغي بذلك وجهك والدار الآخرة اللهم ارزقني خفض الجناح ولين الجانب للمؤمنين اللهم إني كثير الغفلة والنسيان فألهمني ذكرك على كل حال وذكر الموت في كل حين اللهم إني ضعيف عن العمل بطاعتك فارزقني النشاط فيها والقوة عليها بالنية الحسنة التي لا تكون إلا بعزتك وتوفيقك اللهم ثبتى باليقين والبر والتقوى وذكر المقام بين يديك والحياء منك وارزقني الخشوع فيما يرضيك عني والمحاسبة لنفسي وإصلاح الساعات والحذر من الشبهات اللهم ارزقني التفكر والتدبر لما يتلوه لساني من كتابك والفهم له والمعرفة بمعانيه والنظر في عجائبه والعمل بذلك ما بقيت إنك على كل شئ قدير 80
خطبة له
وخطب أيضا فقال بعد ما حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي
أيها الناس إن بعض الطمع فقر وإن بعض اليأس غنى وإنكم تجمعون ما لا تأكلون وتأملون ما لا تدركون وأنتم مؤجلون في دار غرور كنتم على عهد رسول الله تؤخذون بالوحي فمن أسر شيئا أخذ بسريرته ومن أعلن شيئا أخذ بعلانيته فأظهروا لنا أحسن أخلاقكم والله أعلم بالسرائر فإنه من أظهر لنا قبيحا وزعم أن سريرته حسنة لم نصدقة ومن أظهر لنا علانية حسنة ظننا به حسنا وأعلموا أن بعض الشح شعبة من النفاق فأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأؤلئك هم المفلحون أيها الناس أطيبوا مثواكم وأصلحوا أموركم واتقوا الله ربكم ولا تلبسوا نساءكم القباطى فإنه إن لم يشف فإنه يصف أيها الناس إني لوددت

(1/214)


أن أنجو كفافا لالى ولا على وإني لأرجو إن عمرت فيكم يسيرا أو كثيرا ان أعمل بالحق فيكم إن شاء الله وأن لا يبقى أحد من المسلمين وإن كان في بيته إلا أتاه حقه ونصيبه من مال الله وإن لم يعمل إليه نفسه ولم ينصب إليه بدنه وأصلحوا أموالكم التي رزقكم الله ولقليل في رفق خير من كثير في عنف والقتل حتف من الحتوف يصيب البر والفاجر والشهيد من احتسب نفسه وإذا أراد أحدكم بعيرا فليعمد إلى الطويل العظيم فليضر به بعصا فإن وجده حديد الفؤاد فليشتره
81 - خطبة له
وخطب أيضا فقال
إن الله سبحانه وبحمده قد استوجب عليكم الشكر واتخذ عليكم الحجج فيما آتاكم من كرامة الآخرة والدنيا من غير مسألة منكم له ولا رغبة منكم فيه إليه فخلقكم تبارك وتعالى ولم تكونوا شيئا لنفسه وعبادته وكان قادرا أن يجعلكم لأهون خلقه عليه فجعل لكم عامة خلقه ولم يجعلكم لشئ غيره وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة وحملكم في البر والبحر ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون ثم جعل لكم سمعا وبصرا ومن نعم الله عليكم نعم عم بها بني آدم ومنها نعم اختص بها أهل دينكم ثم صارت تلك النعم خواصها وعوامها في دولتكم وزمانكم وطبقتكم وليس من تلك النعم نعمة وصلت إلى امرئ خاصة الا لو قسم ما وصل إليه منها بين الناس كلهم أتعبهم شكرها وفدحهم حقها إلا بعون الله مع الإيمان بالله ورسوله فأنتم مستخلفون في الأرض قاهرون لأهلها قد نصر الله دينكم فلم تصبح أمة مخالفة لدينكم إلا امتان أمة مستعبدة للإسلام وأهله

(1/215)


يتجرون لكم تستصفون معايشهم وكدائحهم ورشح جباههم وعليهم المئونة ولكم المنفعة وأمة تنتظر وقائع الله وسطواته في كل يوم وليلة قد ملأ الله قلوبهم رعبا فليس لهم معقل يلجئون إليه ولا مهرب يتقون به قد دهمتهم جنود الله عز و جل ونزلت بساحتهم مع رفاغة العيش واستفاضة المال وتتابع البعوث وسد الثغور بإذن الله في العافية الجليلة العامة التي لم تكن هذه الأمة على أحسن منها مذ كان الإسلام والله المحمود مع الفتوح العظام في كل بلد فما عسى أن يبلغ مع هذا شكر الشاكرين وذكر الذاكرين واجتهاد المجتهدين مع هذه النعم التي لا يحصى عددها ولا يقدر قدرها ولا يستطاع أداء حقها إلا بعون الله ورحمته ولطفه فنسأل الله الذي لا إله إلا هو الذي أبلانا هذا أن يرزقنا العمل بطاعته والمسارعة إلى مرضاته فاذكروا عباد الله بلاء الله عندكم واستتموا نعمة الله عليكم وفي مجالسكم مثنى وفرادى فإن الله عز و جل قال لموسى ( أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله ) وقال لمحمد ( واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض ) فلو كنتم إذ كنتم مستضعفين محرومين خير الدنيا على شعبة من الحق تؤمنون بها وتستريحون إليها مع المعرفة بالله ودينه وترجون بها الخير فيما بعد الموت لكان ذلك ولكنكم كنتم أشد الناس معيشة وأعظم الناس بالله جهالة فلو كان هذا الذى ابتلاكم به لم يكن معه حظ فى دنياكم غير أنه ثقة لكم في آخرتكم التي إليها المعاد والمنقلب وأنتم من جهد المعيشة على ما كنتم عليه كنتم أحرياء أن تشحوا على نصيبكم منه وأن تظهروه على غيره فبله ما أنه قد جمع لكم فضيلة الدنيا وكرامة الآخرة أو لمن شاء أن يجمع له ذلك منكم فإذكركم الله الحائل بينكم وبين قلوبكم إلا ما عرفتم حق الله

(1/216)


فعملتم له وقسرتم أنفسكم على طاعته وجمعتم مع السرور بالنعم خوفا لزوالها ولانتقالها ووجلا من تحويلها فإنه لا شئ أسلب للنعمة من كفرانها وإن الشكر أمن للغير ونماء للنعمة واستجلاب للزيادة وهذا لله على من أمركم ونهيكم واجب
82 - خطبة له
وخطب أيضا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبي بن كعب ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ ابن جبل ومن أراد ان يسأل عن المال فليأتني فإن الله جعلني له خازنا وقاسما إني بادئ بأزواج رسول الله فمعطيهن ثم المهاجرين الأولين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم أنا وأصحابي ثم بالأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم ثم من أسرع إلى الهجرة أسرع إليه العطاء ومن أبطأ عن الهجرة أبطأ عنه العطاء فلا يلومن رجل إلا مناخ راحلته إني قد بقيت فيكم بعد صاحبي فابتليت بكم وابتليتم بي وإني لن يحضرني من أموركم شئ فأكله إلى غير أهل الجزاء والأمانة فلئن أحسنوا لأحسنن إليهم ولئن أساءوا لأنكلن بهم
83 - خطبة له
وخطب أيضا فقال
الحمد لله الذي أعزنا بالإسلام وأكرمنا بالإيمان ورحمنا بنبيه فهدانا له من الضلالة وجمعنا به من الشتات وألف بين قلوبنا ونصرنا على

(1/217)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية