صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : تفسير أبيات المعاني من شعر أبي الطيب المتنبي
المؤلف : أبو المرشد المعري
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وذلك أن )وهسوذان( هرب من عضد الدولة في البراري. والنعامة لا تأوي الجبال، فضرب شرود النعام مثل الهرب في القفار، والمعنى في البيت الذي يليه أن النعام لا تصعد الجبال، وإنما تصعدها الوعول، وعنى بالنعام خيله على التشبيه لها بها في سرعة العدو وطول الساق، يعني أن خيله تتسنم الجبال في طلب الروم، كما قال في البيت الآخر:
تظن فراخ الفتخ أنك زرتها ... بأماتها وهي العتاق الصلادم
ومن التي أولها:
شديد البعد من شرب الشمول ... ترنج الهند أو طلع النخيل
قال ابن جني: رفع )شديد البعد( لأنه خبر مبتدأ محذوف كأنه قال: أنت شديد البعد ورفع )ترنج الهند( بالابتداء كأنه قال: بين يديك أو في مجلسك ترنج الهند، إلا أنه حذف من الأول المبتدأ، ومن الثاني الخبر، لأنه مشاهد، ودلت الحال على ما أضمره كما تقول إذا رأيت رجلا قد سدد سهما ثم سمعت صوتا: )القرطاس. والله(. أي أصاب القرطاس. وكما تقول للقادم من سفرة: )خير مقدم( فتنصبه لأنك تريد: قدمت خير مقدم ويجوز أن يرفع فتقول: خير مقدم. أي مقدمك خير مقدم، فيجوز إضمار هذا كله، لأن في الحال دليلا عليه.
وقال الشيخ رحمه الله ردا على من عاب قوله )ترنج الهند(: قد حكى ترنج غير واحد من أهل العلم، وليس الشعر مبنيا على أن تذكر فيه الكلمة الفصحى دون غيرها، مما هو قريب منها، ألا ترى أنه يوجد في أشعار العرب الكلمة المنقولة من لسان غيرهم كقول ابن أحمر.
حنت قلوصي إلى بابوسها طربا ... فما حنينك أم أنت والذكر
والبابوس ليس من كلام العرب وإنما هو منقول من لسان الروم. والأترنج قليل التردد في الشعر الفصيح على أن علقمة بن عبدة قال:
رد القيان جمال الحي فاحتملوا ... فكلها بالتزيديات معكوم
يحملن أترجة نضح العبير بها ... كأن تطيابها في الأنف مشموم
ويجوز أترنج، وترنج وأترنج قال الراجز:
يا رب خود من بنات الزنج ... تحمل تنورا شديد الوهج
نكهتها كعبق الأترنج واشتقاق الأترنج لم يذكر في الكتب المتقدمة، ويجوز أن يكون معربا، ويجوز أن يكون عربيا في الأصل إلا أنه أميت ثلاثية، وقد قالوا )ترج( وهو اسم موضع كثير الأسد، ووزن الأترج )أفعل( يا هذا، ولو سمينا به رجلا لم نصرفه وقد وجدناهم حذفوا الهمزة من أشياء ليس حذفها في أترج وأترنج بأبعد منها، فمن ذلك قولهم )أرز( في اللغة الفصيحة )ورز( في اللغة الأخرى. ويقال جئناهم في )أفرة الغيظ( وحكى بعضهم )فرة الغيظ( ومن التي أولها:
ليالي بعد الظاعنين شكول ... طوال وليل العاشقين طويل
قال الشيخ رحمه الله: قوله شكول أي ضروب مختلفة.
وقال ابن فورجة: شكول أي متشابهة، فيجوز أن يعني أن ليالي الناس تقصر وتطول بحسب الزمان، فإن كان صيفا قصرت وإن كان شتاء طالت، غير أن ليالي طوال أبدا لبعد الحبيب عني، وامتناع نومي كقول القائل: ما أطول الليل على من ينم ويجوز أن يكون الغرض في مشاكله بعضها بعضا أنها ليست مما ينام في بعضها، أو يجد فيها روحا، إذ كانت المدة الطويلة مما يسلي كقول القائل:
إذا ما شئت أن تسلا حبيبا ... فأكثر دونه عدد الليالي
ويكون غرض أبي الطيب كغرض القائل:
فما أحدث الناي المفرق بيننا ... سلوا ولا طول اجتماع تقاليا
يقول فليالي وإن كثرت فما يتغير حالي فيها، ولا ينقص غرامي ووجدي بالحبيب مع تكاثرها بل قد دامت في الطول على حالة واحدة.
إذا كان شم الروح أدنى إليكم ... فلا برحتني روضة وقبول
قال ابن جني: معناه إذا كنتم تؤثرون شم الروح في الدنيا وملاقاة نسيمها فلا زلت روضة وقبولا انجذابا إلى هواكم، ومصيركم إلى ما تؤثرونه، ويكون سبب الدنو منكم، ثم جعل الاسم نكرة والخبر معرفة لأجل القافية .

(1/63)


قال الشيخ رحمه الله: لم يكشف معنى هذا البيت إلا رجل يعرف )بالمخزومي( له تصنيف في شعر أبي الطيب، وذلك أن الشاعر قال: إن رحيلا واحدا حال بيننا، وهو الرحيل في الدنيا، وبعده رحيل ثان وهو الموت. فإن يكن بيننا رحيل واحد أقرب من أن يكون بيننا رحيلان، فدعى لنفسه بالحياة، لأنه ما دام يشم الروح فهو أقرب إليهم منه إذا صار تحت الأرض.
وقال ابن فورجة: الأولى عندي أن يعني: إذا بعدتم عني، وحيل بيني وبينكم فلم أصل إلى شيء منكم إلا إلى شم الروح، وتشبيهي النسيم الهاب من الرياض بنسيمكم، فلا فارقتني روضة وقبول يهيج ذلك النسيم لي لأشمه، وهذا المذهب متعارف عندهم في الرضي بقليل الراحة من الشوق إذا لم يصلوا إلى الحبيب كقول الهذلي:
ويقر عيني وهي نازحة ... ما لا يقر بعين ذي الحلم
أني أرى وأظن أن سترى ... وضح النهار وعالي النجم
وقول القائل:
إذا هب علوي الرياح وجدتني ... كأني لعلوي الرياح نسيب
وإنما يرتاح لعلوي الرياح لأنها من قبل أرضها، وفي هذا البيت معنى قول الله تعالى: )ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون(. ومعنى البيت من معنى بيت البحتري:
يذكرنا ريا الأحبة كلما ... تنفس في جنح من الليل بارد
وقال الاحسائي: إذا كان شم الروح، يعني الحياة أدنى إليكم من الموت، فلا زلت حيا ولا برحتني روضة وقبول، فذلك مما يعين على الحياة.
وما شرقي بالماء إلا تذكرا ... لماء به أهل الحبيب نزول
قال الشيخ رحمه الله: الرواية بنصب )تذكر( مصدر تذكرت لأنه مفعول له، أو مفعول من أجله ولو رفع )تذكر( لم يبعد.
وقال الأحسائي: كنى بالماء عن الحبيب، يريد أنه من وجهه في رقة الماء، وأنه ينقع الغلة، كما ينقعها الماء، ولذلك قال )يحرمة لمع الأسنة حوله( فدل على ما قلناه، ولو أراد نفس الماء لكان مستبعدا أن يمنع الماء المشروب بالأسنة في غالب الأمر.
لقيت بدرب القلة الفجر لقية ... شفت كمدي والليل فيه قتيل
قال ابن جني: سألته وقت القراءة عن معنى هذا البيت فقال: وافينا القلة وقت السحر فكأني لقيت بها الفجر ثم سرنا صبيحة ذلك اليوم إلى العصر، وشننا الغارات وغنمنا، وقوله: )شفت كمدي( لانحسار الليل عني )والليل فيه قتيل( أي في ذلك الموضع وكأن الموضع وكأن النهار أشرق ضوؤه على الليل فقتله وظفر به.
وقال الشيخ رحمه الله: ويحسن ذلك أن الفجر يشبه بالسيف، فكأنه قتل الليل وزعم قوم أن سيف الدولة أوقد نيرانا عظيمة بدرب القلة، فكأنه أزال بها الليل، وقد تجوز مثل هذه الحكاية.
ويوما كأن الحسن فيه علامة ... بعثت بها والشمس منك رسول
قال ابن جني: في هذا البيت رائحة من قول الشاعر:
إذا طلعت شمس النهار فإنها ... أمارة تسلمي عليك فسلمي
وقال الشيخ رحمه الله: عطف )يوما( على قوله )لقيت العجز( وهذا معنى لطيف أراد أنه يوم حرب، فالحسن فيه خفي لا يعلم به إلا الشجاع، كما أن العلامة التي توجه بها حبيبة مكتومة،)والشمس منك رسول( أي تستتر بالغبار كما يستتر رسولك.
قال ابن فورجة: جعل الحسن في هذا اليوم كأنه علامة من حبيبته، والشمس وكأنها رسول منها، لسروره عند مطلع الشمس، وارتياحه بها، وكمال سروره في هذا اليوم، وهو مع هذا يريد أن يجعل هذه القصة تخلصا من الغزل إلى مدح سيف الدولة، عاشق وقد أثارت وطلبت ذحلي عند الظلام فقتلته يريد تلك الحمرة التي تظهر من الشفق. ولقد أجاد الشيخ أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان إذ نقل هذا المعنى فجعله في مدح أهل البيت عليهم السلام فقال:
وعلى الدهر من دماء الشه ... يدين علي ونجله شاهدان
فهما في أواخر الليل ... فجران وفي أولياته شفقان
ثبتا في قميصه لجيء ... الحشر مستعديا إلى الرحمن
وأما قوله:
وما قبل سيف الدولة أثار عاشق ... ولا طلبت عند الظلام ذحول

(1/64)


فيقال أن سيف الدولة أحرق كثيرا من ديار الروم، وأعاد الليل صبحا بالنيران فكأنه قتل الليل، ونال ثأر العشاق منه، ولو قال قائل إنه عنى بالفجر في البيت الذي مضى النار شبهها بالفجر، كان ذلك صوابا ليتفق التفسيران، والتفسير الأول فائدتي من الشيخ أبي العلاء.
على طرق فيها على الطرق رفعة ... وفي ذكرها عند الأنيس خمول
قال الشيخ رحمه الله: يريد أنها طرق في جبال فهي مرتفعة إلا أنها مع رفعتها خاملة عند الأنيس أي أنهم لا يسلكونها.
وأضعفن ما كلفنه من قباقب ... فأضحى كأن الماء فيه عليل
قال ابن جني: سألته عن معنى هذا البيت فقال: إن الخيل لما عبرت قباقبا، وهو نهر جار كادت تسكر ماءه لكثرة قوائمها، فأضعفت جريه أي جعلته ضعيفا.
وقال الشيخ رحمه الله: )أضعفن( يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون من الضعف. ويكون المعنى أن هذه الخيل أضعفت هذا الماء وكدرته، فكأنه عليل أي به علة.
والآخر: أن يكون من ضعف الشيء إذا قلت أضعفت له العطية إذا زدتها ضعفها، فيكون عليل هنا فعيلا في معنى مفعول، من قولك عللت الشرب إذا كررته أي جاءت هذه الخيل فعبرت هذا الماء وكأنها سيل من كثريها سرعتها فصار النهر مثله ويقوي ذلك قوله:
ورعن بنا قلب الفرات كأنما ... تخر عليه بالرجال سيول
إذا لم تكن لليث إلا فريسة ... غذاه ولم ينفعك أنك فيل
قال الشيخ رحمه الله: )غذاه( أي له، والهاء عائدة إلى الليث )وأنك فيل( فاعل غذاه، في البيت تقديم وتأخير كأنه قال: غذاه أنك فيل ولم ينفعك عظم خلقك.
ومن التي أولها: دروع لملك الروم هذي الرشائي
وأكبر منه همه بعثت به ... إليك العدى واستنظرته الجحافل
قال الشيخ رحمه الله: الواو في قوله )وأكبر( في معنى رب، ورقع )أكبر( على الأخبار أحسن ويكون مبتدأ، قوله )بعثت به وما بعده( خبر عنه )واستنظرته( في معنى انتظرته. وقال ابن فورجة: سألني عن هذا البيت بعض أهل الأدب فقلت له، وكأن هاجسا هجس لي في الحال: )أكبر( هنا من باب أفعل من كذا، وليس بفعل رباعي والهاء في )منه( راجعة إلى نفسه كأنه لو تمكن لقال: وأكبر من جثته أو جسمه همة، فاستغرب هذا فأخذ يمانع، فقلت: ألست تقول: زيد قاعدا أحسن منه قائما( والضمير في منه راجع إلى نفسه. فقال: نعم. فقلت: ما يمنعك من أن يكون )وأكبر منه همة( الهاء في منه راجعة إلى نفسه، يريد ورب رجل أعظم من جسمه همة ففزع إلى كتاب الفسر.
وقد ذكر أبو الفتح: أن أكبر فعل فقال: أي أكبر العدى همته التي بعثت به إليك أي استعظموها، وسألته الجحافل أن ينظرها بشغله سيف الدولة عنهم وكلا التفسيرين محتمل جيد، ويحتمل معنى ثالثا: وهو أن تكون الهاء في )منه( ضمير الرسول وقد تقدمه:
وأنى اهتدى هذا الرسول بأرضه ... وما سكنت مذ سرت فيها القساطل
يريد ورب أكبر من هذا الرسول همة بعثت به إليك الروم فأقبل من أصحابه وهو مرسل، وعاد إلى أصحابه وهو عاذل يقول: رب رسول أجل من هذا الرسول قدرا جاءك فاستعظم شأنك فعاد إليهم، وهو يعزلهم في عدوانهم لك، ويجل قدرك في عيونهم أن تعادى، وهذا المعنى أحب إلي من الوجهين المتقدمين، لأن المعنى الذي أورده أبو الفتح كالمنقطع، ألا تراه قال: استعظم العدى همته التي بعثت به، فكان يجب أن يتبع هذا الكلام ما يشبهه، فيقول: واستعظمته الجحافل، فلما قال )استنظرته( كان منقطعا عن أكبر، وكان كلاما مستأنفا، ومعنى مبتدأ اللهم إلا أن يقول: هو متعلق بقوله: بعثت به، يريد به واستنظرته، فحينئذ يكون مستغنيا عن قوله الجحافل، ألا تراه لو سكت عن الجحافل لكفى وأغنى وأدى المعنى الذي أراد، على أنه إن قال: أتى به للقافية سلمنا له وليس المطرد كالمتمحل.
وما لونه مما تحصل مقلة ... ولا حده مما تجس الأنامل
قال الشيخ رحمه الله: يريد أن لون هذا السيف ليس كلون السيف، لأن السيوف تعرف ألوانها، ولون هذا الممدوح لا يحصل، لأنه من هيبته لا يستطاع أن ينظر إليه كما قال في الأخرى.

(1/65)


كأن شعاع عين الشمس فيه ... ففي أبصارنا عنه انكسار
)ولا حده مما تجس الأنامل( أي هذا المسمى بالسيف لا يمكن أن تجسه الأنامل، لأنه إذا كان النظر لا يصل إليه، فبعد الأنامل أشد، والسيف المضروب يمكن أن يجس حده باليد، فقد تحير هذا الرسول في سيف ربيعة أصله يعني الممدوح وطابعه الرحمن أي خالقه، وهذا كقوله في الأخرى:
سرى السيف مما تطبع الهند صاحبي ... إلى السيف مما يطبع الله لا الهند
كريم متى استوهبت ما أنت راكب ... وقد لقحت حرب فإنك باذل
قال الشيخ رحمه الله: رفع كريما على تقدير قوله: أنت كريم ووصفه بأنه لو سئل ما هو راكب على ظهره في الحرب لوهبه للسائل و)لقحت الحرب( إذا كان أمر يهيجا، وإنما شبهت بالناقة اللاقح، وكانت العرب تضن في الحروب بأن يردف الرجل على الفرس، خوفا أن يقصر عن حمل رجلين ومن ذلك قول الفرار السلمي:
عدمت أناسا بالحليل كأنما ... رئيسهم ليث ببيشة أفدع
كأن ابنة الشقراء لما ابتذلتها ... بذي الرمث ظبي في تبالة أخضع
غداة يقول القين هل أنت مردفي ... وما بين ظهر القين والرمح إصبع
فقلت له يا ابن الخبيثة إنها ... برب خفيف واحد هي أسرع
فإن يك عارا يوم ذاك أتيته ... فراري فذاك الجيش قد فر أجمع
ومن التي أولها: إن يكن صبر ذي الرزية فضلا قوله:
أنت يا فوق تعزي عن ... الأحباب فوق الذي يعزيك عقلا
قال الشيخ رحمه الله: قوله )يا فوق( يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون قد حذف النادي، لعلم السامع بما يريد، كأنه قال: أنت يا سيف الدولة أو يا ملك أو أمير ونحو ذلك، وحذف المنادى يكثر في شعر العرب كما قال الشاعر:
ألا يا اسلمي ثم اسلمي ثمت اسلمي ... ثلاث تحيات وإن لم تكلمي
والأخر: أن يكون جعل فوق نعتا لسيف الدولة، فكأنه أخرجه من باب الظروف إلى باب الأسماء، وهذا القول أحسن في نقد الشعر، لأن )فوق( الأولى والثانية في الوجه الأول ظرفان، وفي الوجه الآخر الأول منهما اسم، والثاني ظرف ولو كان )فوق( في موضع رفع على هذا الوجه لرفع، فقيل أنت فوق أن تعزى وقد أدخلوا الباء على )فوق(، وأنشدوا بيتا ينسبونه إلى سحيم عبد بني الحسحاس، وليس في ديوانه:
لقيت النساء الحارثيات غدوة ... بوجه براه الله غير جميل
فشبهنني كلبا ولست بفوقه ... ولا دونه إن كان غير بخيل
قاسمتك المنون شخصين جورا ... جعل القسم نفسه فيه عدلا
قال ابن فورجة: كانت أخته الصغرى مضت لسبيلها فرثاها بهذه القصيدة وبقيت الكبيرة،ثم ماتت فقال:
قد كان قاسمك الشخصين دهرهما ... وعاش درهما المفدي بالذهب
وعاد في طلب المتروك تاركه ... إنا لنغفل والأيام في الطلب
فنقول قاسمتك المنون هاتين الأختين، ظلما في هذه المقاسمة وجورا، إلا أن القسمة جعلت نفسها في ذلك الجور من المنون عدلا؛ لأنها أخذت الصغير وتركت الكبيرة )وفيه( الهاء راجعة إلى الجور.
وزعم الشيخ أبو الفتح ابن جني أنه يجوز )فيك( بالكاف، وقال: يعني أنه جار في فعله إلا أنه إذا كنت أنت البقية فجوره عدل، وعندي أن هذه الرواية مضطربة لأنه لو أراد أن البقية أنت لما قال قاسمتك، وكان لا يقول شخصين، بل كان يقول: ثلاثة شخوص أحدهما سيف الدولة والآخر أختاه.
وهو الضارب الكتيبة والطعنة ... تغلو والضرب أغلى وأغلى
قال الشيخ رحمه الله: يقول: الطعن وإن كان صعبا على الطاعن فهو أيسر من الضرب؛لأن بعد الطاعن من عدوه أكثر من بعد الضارب منه، كما أن الرامي أبعد من الطاعن، وقد رتب هذا الغرض زهير في قوله:
يطعنهم ما ارتموا حتى إذا اطعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتقا
ولو لم يكن للمتنبي غير هذه القصيدة في سيف الدولة لكان كثيرا، وأين منها قصيدة البحتري التي أولها:

(1/66)


إن سير الخليط لما استقلا ومن التي أولها:
ذي المعالي فلعلون من تعالى ... هكذا هكذا وإلا فلا لا
قال الشيخ رحمه الله: )ذي المعالي( في موضع نصب، والأجود أن تكون منصوبة بفعل مضمر يفسره قوله )فليعلون(، وذهب قوم إلى أنك إذا قلت )فلانا فاضرب( فالعامل في المفعول الفعل الذي بعد افاء، والقول الأول أشبه وقوله )هكذا هكذا( أي ليعل الناس مثل هذا العلو وحسن ترديده )لا لا( رد هكذا.
كلما أعجلوا النذير مسيرا ... أعجلتهم جياده الإعجالا
قال ابن جني: يقول كلما عاد إليهم نذيرهم سبقوه بالهرب قبل وصوله إليهم، ثم تلتهم جياد سيف الدولة، فسبقت سبقهم النذير، أي لحقتهم وجازتهم.
قال ابن فورجة: قد علم الشيخ أبو الفتح أنه يقال: أعجلته بمعنى استعجلته، وأما سبقته فيقال فيه عجلته بلا ألف، قال الله تعالى )هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى( ومعاذ الله أن نروم شأو الشيخ أبي الفتح في اللغة والإعراب، ولا أعلم كيف اتفق عليه هذا الزلل، يقول أبو الطيب كلما استعجلوا النذير بالمسير إليهم، وإخبارهم بقدوم جيش سيف الدولة، أعجلتهم خيله أن يعجلوا النذير، أي أطلت عليهم قبل ورود النذير، ولم يغن بثهم الطلائع، وإعدادهم الرمايا، وإنفاذهم الجواسيس، لسرعة هذه الخيل، وسلوكها الطرق الخفية إليهم، ويقود مكائد سيف الدولة فيهم، فأما قوله )لحقتهم وجازتهم( فلا أعلم من أي ألفاظ البيت استنبطه غفر الله له.
ما مضوا لم يقاتلوك ولكن القتال الذي كفاك القتالا قال ابن فورجة: )ما( هنا نفي، )ولم يقاتلوك( حال، يريد لم يمضوا غير مقاتلين لك، يريد ما انهزموا من غير قتال، بل ثبتوا وقاتلوا، ولكن لم يقاتلوا فانهزموا وقوله )ولكن القتال الذي كفاك القتالا(، معناه أن ما عرف من صبرك على القتال، وطول ثباتك هو الذي أياس العدو من انهزامك، وزهدهم في مصابرتك ويبين معنى هذا المصراع قوله فيما يليه:
والثبات الذي أجادوا قديما ... علم الثابتين ذا الإجفالا
أبصروا الطعن في القلوب دراكا ... قبل أن يبصروا الرماح خيالا
قال ابن جني: لما شاهدوه من أحوال المقتولين عرفوا الأمر قبل وقوعه بهم.
وقال الشيخ: يقول اعتبر المتأخرون منهم بالمتقدمين، فكأنهم أبصروا الطعن دراكا بقلوبهم وبينهم وبين من يطلبهم مسافة بعيدة ففروا قبل أن ينظروا إلى خيال الرماح.
وقال ابن فورجة: أخر قوله )خيالا( عن موضعه لعلم المخاطب وتقدير البيت: أبصروا الطعن في القلوب دراكا خيالا قبل أن يبصروا الرماح يريد بالخيال ما يراه الانسان في منامه، أو يتخايل له في خاطره من ذكر ما مضى يقول: لشدة خوفهم منك، وتصورهم ما صنعت بهم في قديم الحروب، رأوا الطعن دراكا في قلوبهم رؤية الخيال، قبل أن يروه حقيقة، وما تقدم هذا البيت يدل على هذا وهو قوله:
تركوا في مصارع عرفوها ... يندبون الأعمام والأخوالا
تحمل الريح بينهم شعر الهام ... وتذري عليهم الأوصالا
تنذر الجسم أن يقيم لديها ... وتريه لكل عضو مضالا
فهذا يدل على ما قلناه.
أقسموا لا رأوك إلا بقلب ... طالما غرت العيون الرجالا
أي عين تأملتك فلاقتك ... وطرف رنا إليك فالا
قال الشيخ رحمه الله: أي حلفوا أنهم لا رأوك إلا بقلوبهم، وقد علموا الآن الغلبة لك فهم لا يثبتون فينظرون إليك بعيونهم، لأن العين طالما غرت الناظر فيتوهم ما لاح له شيئا غيره.
وقال ابن جني: قد تكرر هذا المعنى في شعره كقوله:
كأن شعاع عين الشمس فيه ... ففي أبصارنا عنه انكسار

(1/67)


وقال ابن فورجة: قوله )لا رأوك إلا بقلب( يقول حلفوا ليحضرن عقولهم وليعلن أذهانهم وأفكارهم فيك وفي قتالك، إذ كان ما يرونه بعيونهم قد لفهم عنك كثيرا، وأوهمهم أنهم يقاومونك، فلما جربوا خابوا، ورؤية القلب هو العلم، ثم أتى بمعنى يجوز أن يكون شرحا لهذا المعنى الذي قدمه ويجوز أن يكون معنى آخر مستأنفا، فقال: أي عين تأملتك فلاقتك، يريد أن العيون إذا نظرت إليك تحيرت فلم تعقل ما ترى كقوله:
فإذا رأيتك حار دونك ناظري ... وإذا مدحتك حار فيك لساني
وقوله: وطرف رنا إليك فالا آل بمعنى رجع يريد أن العيون إذا نظرت نحوك تحيرت وبهتت، فلم تؤل أي لم ترجع، وبقيت شاخصة إليك كما قال أيضا:
تمضي الكواكب والأبصار شاخصة ... منها إلى الملك الميمون طائرة
وفي هذا المكان سؤال آخر وهو أن يقال كيف قال:
أقسموا لا رأوك إلا بقلب ... طالما غرت العيون الرجالا
وهو قد قال قبله:
والعيان الجلي يحدث للظن ... زوالا وللمراد انتقالا
وإذا ما خلا الجبان بأرض ... طلب الطعن وحده والنزالا
ثم أتى بهذا البيت فناقض ما قدم، لأنه زعم أن العيان يزيل الظن، ويأتي بالقين، ثم قال فيما يليه )أقسموا لا رأوك إلا بقلب( ورؤية القلب هي من الظن، وذم العيان، فقال )طالما غرت العيون الرجالا( فالجواب عن هذا أن علم القلب وإن كان أجل من البصر، فإن العلم لا يحصل إلا بعد النظر بالعين في الغالب، وإذا ظن الروم أنهم يقاومون سيف الدولة ثم علموا عظم شأنه وشدة بأسه، وقصورهم عنه، حصل لهم العلم بأنهم لا يقاومونه بعد العيان والتجربة، وإذا رأوه بالعين دون القلب، رأوا عسكرا مثل عسكرهم شكلا ومنظرا، أو دونه عددا وكثرة، فأوهمهم ذلك أنهم يقاومونه، فلم يكن هذا تناقصا وكان كل معنى مستقلا بنفسه منفردا عن صاحبه.
ما لمن ينصيب الحبائل في الأرض ... ومرجاه أن يصيد الهلالا
قال ابن جني: هذا مثل ضربه أي سيوفه معودة للضرب، فكأنها تعرف بالدربة الحرام من الحلال.
وقال ابن فورجة: يعني أن سيف الدولة غاز للروم، فما يقتل إلا كافرا فكأن سيوفه تعرفالحلال من الحرام.
ومن التي أولها:
ما لنا كلنا جو يا رسول ... أنا أهوى وقلبك المتبول
قال ابن جني: معنى البيت أنه اتهم رسوله بمشاركته إياه في حبيبه.
وقال الشيخ رحمه الله: الأجود أن يرفع )كلنا( على الابتداء ويكون )جو( خبره وكان بعض الناس يخفض كلنا، ويجعله توكيدا للضمير في )لنا( وهذا ردي لأنه يوجب نصب )جو( على الحال، فيقال ما لنا كلنا جويا وإن لم يفعل ذلك فهو ضرورة.
أفسدت بيننا الأمانات عيناها ... وخانت قلوبهن العقول
قال الشيخ رحمه الله: زعم أنه أرسل رسولا ينوبه فلما نظر إلى عينها تغير عن حال الأمانة، )والهاء( في قلوبهن يحتمل وجهين، أحدهما: أن تكون راجعة إلى الأمانات، ويكون قد استعار للأمانات قلوبا، وإنما يعني قلوب المؤتمنين والآخر: أن تكون الهاء والنون راجعتين إلى العقول كما يقدم الضمير الذي في المفعول، يقال: لبس ثوبه فلان والمعنى متقارب، والعقول في هذا القول فاعله، وكذلك في القول الأول إلا أن الضمير هاهنا للعقول.
وقال ابن فورجة: الهاء والنون ضمير قبل الذكر، والتاء في )خانت( للعقول يريد خانت العقول قلولها، لأنهم إذا نظروا عينها غلبهم هواها على الأمانة ولم تكمل العقول التصوير القبيح بصورة القبيح وأوهمت أنه جميل ومثل هذا قوله:
وما هي إلا نظرة بعد نظرة ... إذا نزلت في قلبه رحل العقل
وإنما يعني أني بعثت رسولا عشقها، فخانني فيما يؤدي من الرسالة.
تشتكي ما اشتكيت من طرب الشوق ... إليها والشوق حيث النحول
قال ابن جني: ما أحسن ما كنى عن تكذيبها، ولم يصرح به أي أنا مشتاق فنحولي يدل على ذلك، وهي غير ناحلة فليست مشتاقة.

(1/68)


وقال الشيخ أبو العلاء رحمه الله: تشتكي يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون خطابا للرسول الذي ناداه في أول القصيدة أي تشتكي ما اشتكيت وأنت كاذب، لأنك لست ناحلا، وإنما الشوق حيث النحول، ومثل هذه القصيدة التي ذكرناها أبو الطيب جرى لأبي ذؤيب الهذلي مع خالد بن زهير فقال أبو ذؤيب:
ما حمل البختي يوم غياره ... عليه الوسوق برها وشعيرها
بأثقل مما كنت حملت خالدا ... وبعض أمانات الرجال غررها
وكان أبو ذؤيب قد أفسد هذه المرأة على سواه، فقال له خالد بن زهير أبياتا منها:
فلا تجزعن من خطة أنت سرتها ... فأول راضي خطة من يسيرها
وكان خالد إذا عاد إلى أبي ذؤيب يشم عطفه، ويمس ثوبه لينظر أعلق به منها طيب، وخالد الذي يقول:
يا قوم مالي وأبا ذؤيب ... كنت إذا أتيته عن غيب
يشم عطفي ويمس ثوبي ... كأنما أربته بريب
وقال أبو ذؤيب:
تريدين كيما تجمعيني وخالدا ... وهل يجمع السفيان ويحك في غمد
فآليت لا أنفك أحذو قصيدة ... تكون وإياها بها مثلا بعدي
والوجه الثاني: أن يكون قوله )يشتكي( إخبارا عن المرأة، والأول أشبه.
صحبتني على الفلاة فتاة ... عادة اللون عندها التبديل
قال ابن جني: يعني الشمس: وجعلها فتاة لأن الزمان لا يؤثر فيها، كما يقال للدهر الأزلم الجذع، أي هو طري قوي لا يستحيل عن ذلك.
قال الشيخ رحمه الله: ويجوز أن يجعلها فتاة، لأنها تطلع كل يوم فكأنها شيء محدث وقوله )عادة اللون عندها التبديل( أي تغييره.
نحن أدرى وقد سألنا بنجد ... أطويل طريقنا أم يطول
قال ابن جني: أي هو طويل في الحقيقة أم يطوله الشوق إلى المقصود.
وقال الشيخ رحمه الله: معناه أنه يدري ولكنه يقوله على سبيل التبالة ألا تراه يقول بعده:
وكثير من السؤال اشتياق ... وكثير من رده تعليل
فهذه طريقة للشعراء مألوفة، يظهرون التجاهل بالشيء، وإن كانوا يعرفونه كقول أبي تمام:
ومكارما عتق النجار تليدة ... إن كان هضب عمايتين تليدا
ألا تراه أدخل في الكلام شكا لأن أحدا لا يجهل أن هضب عمايتين تليد غير معروف الأول، ومن خاض كلام العرب ونظر إلى تصرفها ومذاهبها وإشارتها، أجاز ما يمنع غيره، ومنع ما يجيزه، أولا ترى إلى قول بشر:
أسائل صاحبي ولقد لأراني ... بصيرا بالظعائن حيث صاروا
وقال ابن فورجة: قول ابن جني أن الشوق يطول الطريق محال لأن الشوق يقصر طول الطريق، ألا ترى إلى قول القائل:
أرى الطريق قريبا حين أسلكه ... إلى الحبيب بعيدا حين أنصرف
وقول الآخر: من عالج الشوق لم يستبعد الدارا وإنما يريد بقوله )يطول( أنه يعرض له من يصده، أو حالة تلفته وتعوقه من رغبة الملوك فيه وفي مدحه ومقامه عنجهم، أو سوى ذلك من علة أو ما أشبهه، ويريد بهذا القول تشوقه إلى سرعة الوصول وإشفافه أن يطول طريقة عارض بصده، واستثنى الأخبار، ثم أخبر أنه إنما يسأل هذا السؤال لشدة الشوق، وهو عالم بقدر طول الطريق وآمده، ولا حاجة به إلى سؤال أحد. ومثله.
وأستخبر الأخبار من نحو أرضها ... واسأل عنها الركب عهدهم عهدي
لا أقمنا على مكان وإن طا ... ب ولا يمكن المكان الرحيل
قال ابن جني: لم يقم كقول الله تعالى )فلا صدق ولا صلى( يريد لم يصدق ولم يصل، وقال الشاعر: وأي أمر سيئ لأفعله أي لم يفعله، وقوله: ولا يمكن المكان الرحيل، أي لو أمكنه الرحيل لرحل معنا إلى سيف الدولة شوقا إليه.
وقال الشيخ رحمه الله: )ولا أقمنا( في معنى لم تقم، ومنه قول الشاعر:
وأية ليلة لا كنت فيها ... كجاري النجم يحرق ما يلاقي
أي لم يكن فيها، ويجوز أن يكون قوله: )لا أقمنا( على معنى القسم، كأنه قال والله لا أقمنا، والمكان لا يمكنه أن يرحل معنا، وقد أبان هذا المعنى فيما بعده فقال:

(1/69)


كلما رحبت بنا الروض قلنا ... حلب قصدنا وأنت السبيل
وكأنهم يعتذرون إلى الأماكن والروض إذا رحب بهم، لأنه مسرور بنزولهم وهم لا يقدرون على الإقامة، وهو لا يمكنه الرحيل.
وقال ابن فورجة: لو أنعم الشيخ أبو الفتح النظر لعلم أن هذه ليست تلك التي عناها، وإنما هي التي تكون جواب القسم، كقولك: والله لا أقمت، ووالله لا ضربت، وقد يحذف القسم والكلام يقتضيه ويدل عليه، ألا ترى إلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم فيمن فعل كذا وكذا: لا تمس النار الا تحلة القسم يريد قول الله تعالى: )وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا( ألا ترى أنه لا قسم ظاهر في هذه الآية. ولكن تأكيد الإيجاب دال على القسم ونائب منابه )ولا( في بيت أبي الطيب لها وجه آخر غير ما ذكرنا وهو أن يكون )لا( التي في الدعاء المنفي كقولك: لا يفضض الله فاك وكقوله: )فلا هجمت بها إلا على ظفر( فمحتمل أن يريد: والله لا أقمنا على مكان هذه صفته، وقوله )لا يمكن المكان الرحيل( له معنى لطيف قدسها عنه ابن جني وهو أنه يريد: لا نقيم على مكان أبدا حتى نلقاه، أي لا أقمنا على مكان إلا ويمكن المكان الرحيل معنا وهذا ما لايكون، فكذلك نحن لا نقيم كقول القائل:
إذا زال عنكم أسود العين كنتم ... كراما وأنتم ما أقام ألائم
و)أسود العين( جبل لا يزول فكذلك المخاطبون لا يكونون كراما.
لو تحرفت عن طريق الأعادي ... ربط السدر خيلهم والنخيل
قال الشيخ رحمه الله: يقول: لو ملت عن طريق الأعداء لساروا حتى يربطوا خيلهم في السدر والنخيل، وكأنه قلب المعنى فجعل السدر والنخيل يربط خيول الأعداء، كما تقول: ساءني أمر كذا، أي وقع السوء فيه، وهذا وجه، وفيه معنى آخر، وهو أن يكون يصف الممدوح بالسعادة، فلو تحرف عن طريق من معاديه لكان السدر والنخيل يربط خيولهم أن تتفسح في البلاد، وهذا نحو قول الآخر:
تركوا جارهم يأكله ... ضبع الوادي ويرميه الشجر
وقال ابن فورجة: هذا البيت يشبه قوله:
فكلما حلمت عذراء عندهم ... فإنما حلمت بالسبي والجمل
وذاك أن الروم ليس في ديارهم سدر ولا نخيل، كما ليس في ديارهم الجمال، فقوله )ربط السدر خيلهم والنخيل( يريد لولا دفاعك عن عضد الدولة ومعز الدولة لسارت الروم إليها وأوغلوا في ديارهما، حتى ربطوا خيلهم في السدر والنخيل، يريد بذلك الغض ممن بالعراق، ورفع شأن سيف الدولة، وقد صرح بذلك فقال بعده:
ما الذي عنده تدار المنايا ... كالذي عنده تدار الشمول
وقوله )ربط السدر( إنما يريد ربطت إلى السدر، والروم ربطوها، ولكن لما كان السدر والنخيل يمسك خيله، جعل الفعل لها توسعا في الكلام.
ومن التي أولها:
محبي قيامي ما لذالكم النصل ... بريا من الجرحى سليما من القتل
قال ابن جني: نصب )بريا( على الحال من النصل، ومعناه يا من يحب مقامي وتركي الأسفار والمطالب، كيف أقيم ولم أجرح بنصل أعدائي وأقتلهم به.
قال الشيخ رحمه الله: )محبي( نصب على النداء أي يا محبي، ويعني بقيامه نهوضه والتماس ما يريد، يقال: قام الملك في أمر كذا، ومن ذلك: كان كذا من قبل أن يقوم النبي صلى الله عليه وسلم، أي من قبل أن تظهر الدعوة إلى الإسلام.
وقال الشاعر:
نبغ ابن كوز في سوانا فإنه ... غذا الناس مذ قام النبي الجواريا
وقال الآخر:
إذا مات منا سيد قام سيد ... قؤول لما قال الكرام فعول
ويعني بالنصل سيفه كأنه يسألهم ماله )بريا من الجرحى سليما من القتل( يقول لمحبي قيامه: ما لكم لا تجتمعون إلي وتنصروني، فأخرج وأقتل ويختضب سيفي.
أمط عنك تشبيهي بما وكأنه ... فما أحد فوقي ولا أحد مثلي

(1/70)


قال ابن فورجة: قد أكثر الكلام في هذا البيت، وقوله: تشبيهي بما، وقالوا ليس )ما( من حروف التشبيه، ولم يؤت في الجواب بطائل، فأما ابن جني فقال: الذي كان يجيب به إذا سئل عن هذا أن يقول: تفسيره كأن قائلا قال ما يشبه؟ فيقول الآخر كأنه الأسد، أو كأنه الأرقم، ونحو ذلك فقال هو معرضا عن هذا القول )أمط عنك تشبيهي بما وكأنه(، فجاء بحرف التشبيه،وهو كأن، وبلفظ )ما( التي كانت سؤالا، وقد تكلم في هذا البيت القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني فقال هذا مما سئل عنه أبو الطيب فذكر أن )ما( تأتي لتحقيق التشبيه، تقول عبد الله الأسد، وما عبد الله إلا الأسد، وإلا كالأسد، كما قال الشاعر:
وما هند إلا مهرة عربية ... سليلة أفراس تجللها بغل
وقال لبيد:
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يحور رمادا بعد إذ هو ساطع
ثم قال: وأقول: إن التشبيه بما محال، وإنما وقع التشبيه في هذه المواضع التي ذكرها بحروفه،وإذا قال )وما المرء إلا كالشهاب( فإنما المفيد للتشبيه الكاف، وإنما )ما( للنفي نفت أن يكون المرء إلا كالشهاب، وإذا قال )وما هند إلا مهرة عربية( فإن )ما( دخلت على ابتداء وخبر، وكان الأصل هند مهرة عربية، وهو في تحقيق المعنى عائد إلى تقريب الشبه، وإن كان اللفظ مبانيا للفظ، ثم نفى أن يكون إلا كذلك، فليس بمنكر أن ينسب التشبيه إلى ما إذا كان له هذا الأثر، وباب الشعراء أوسع من أن يضيق عن مثله، والذي عندي ما أقوله، وهو فائدتي من الشيخ أبي العلاء، سقاه الله وحياه، وليس هو مما استنبطته، وهو أن يكون يعني )ما( التي تصحب كأن إذا قلت: كأنما زيد الأسد، ألا ترى أنها كثرت حتى تكلم النحويون فيها إذا حالت بينها وبين الاسم، وقصروا عليها فصولا كثيرة من كتب النحو، وقد صارت في نعت قوم لازمة لكأن حتى ما تفارقها وما عندي أن أبا الطيب أراد غيرها والله أعلم بالغيب.
وقال الأحسائي: )ما( تكون نكرة بمعنى شيء، وتكون معرفة بمعنى الذي، فيقول أمط عنك تشبيهي بشيء من الأشياء ولا بكأنه شيء.
ومن التي أولها:
أحيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا ... والبين جار على ضعفي وما عدلا
قال الشيخ أبو العلاء رحمه الله )أحيا( يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون الشاعر أخبر عن نفسه فقال أحيا أي أعيش، وأيسر ما قاسيت ما قتل.
والآخر: أن يكون )أحيا( في معنى أفعل الذي يراد به التفضيل، أي أشد ما يكون في إحياء الإنسان وأيسر ما قاسيت شيء قاتل، وكان الكلام على التقديم والتأخير، كأنه قال: ما قتل أي الشيء الذي يقتل أحيا وأيسر ما ألقاه وإذا حمل على هذا الوجه فقد حذف المضاف إليه في قوله أحيا، لأنه أراد أحيا ما لاقيت وإنما يستعمل ذلك في الشعر ولو قلت في الكلام المنثور أكرم وأفضل الناس زيد، تريد أكرم الناس زيد وأفضلهم لقبح ذلك، وفيه شبه من قول الفرزدق:
يا من رأى عارضا أرقت له ... بين ذراعي وجبهة الأسد
أراد بين ذراعي الأسد وجبهته.
قيل بمنبج مثواه ونائله ... في الأفق يسأل عمن غيره سألا
قال الشيخ رحمه الله: منبج إن كان اسما عربيا فهو مأخوذ من قولهم نبج إذا رفع صوته، ويوم النباج يوم من أيام العرب، ويقال إن النباج مواضع مرتفعة والقيل ملك دون الملك الأعظم، وقوله )يسأل عمن غيره سألا( كأنه يسأل عنه ليغنيه أو ليعاتبه إذا لم يسأل هذا الممدوح.
ومن التي أولها:
قفا تريا ودقي فهاتا المخايل ... ولا تخشيا خلفا لما أنا قائل
قال الشيخ رحمه الله )الودق( هاهنا المطر، وقيل هو خروج القطر من الغيم بكثرة، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن الودق مثل الدخان يخرج مع القطر من الغيم، والمخايل جمع مخيلة وهي السحابة التي يخال فيها المطر، والمعنى قفا تريا ما أفعل فقد رأيتما دلائله.
وآخر قطن من يديه الجنادل قال الشيخ: أي لا أحفل به ولا يقدر لي على مضرة، فكأن الجنادل إذا رماني بها قطن من لينها، فأقول فاسد.
شاقتك ظعن الحي يوم تحملوا ... فتكنسوا قطنا تصر خيامها

(1/71)


فيقال أراد يكنسوا قطنا، أي جعلوا ثيابا من قطن لهم مثل الكنس جمع كناس وهو حيث تكون الظبية والبقرة الوحشية، وقيل القطن جمع قطين وهم أهل الدار، وقيل القطن جمع قطان وهو جانب الهودج.
ومن التي أولها:
عزيز أسى من داؤه الحدق النجل ... عياء به المحبون من قبل
قال الشيخ رحمه الله: )عزيز( خبر مقدم إذا جعلت )من( معرفة، فإن جعلتها نكرة جاز أن يكون )عزيز( المبتدأ، وذهب بعض النحويين إلى أن المبتدأ والخبر إذا كانا نكرتين فالمبتدأ هو الأول لا غير، وقد يكون المبتدأ والخبر نكرتين وأحدهما أخص من الآخر كقولك: )ذهب خاتم في إصبعك( فخاتم هاهنا أخص من ذهب، وهو بأن مبتدأ أولى من ذهب، )وعياء( أي معيي لا يعرف دواؤه، ويجوز أن يكون )عياء( بدلا من )الحدق النجل( ولا يمتنع أن يكون على إضمار هو )والأسى( من قولك أسوت الجرح إذا أصلحته وداويته ويقال أسى الجرح أسوا وأسى.
قال الأعشى:
عنده البر والتقى وأسا ... الصدع وحمل لمضلع الأثقال
وأشبه الوجوه عزيز أسى من داؤه، بتنوين عزيز وإضافة أسى إلى من ويجوز عزيز أسى من داؤه، بتنوين عزيز وإضافة أسى إلى من ويجوز عزيز أسى بإضافة عزيز إلى أسى وتنوين أسى، ويجوز تنوينهما.
كفى ثعلا فخرا بأنك منهم ... ودهرا لأن أصبحت من أهله أهل
قال ابن جني: ورواه )دهر( بالرفع، أي وهو أهل لأن أصبحت من أهله أهل للفخر، فارتفع )أهل( لأنه وصف لدهر، وارتفع دهر بفعل مضمر دل عليه أول الكلام، فكأنه قال: وليفخر دهر أهل لأن أمسيت من أهله،لا يتجه رفعه إلا على هذا، لأنه ليس قبله مرفوع يجوز عطفه عليه، ولا وجه لرفعه بالابتداء إلا على حذف الخبر، وليس في قوة إضمار الفعل هاهنا.
وقال الشيخ أبو العلاء رحمه الله ورواه )دهرا( بالنصب، قوله )بأنك منهم( الباء زائدة، وقوله: أنك منهم وكفى دهرا فخرا أنه أهل لأنك من أهله، وكان رفع )أهلا( في آخر البيت على تقدير )ودهرا( هو لأن أمسيت من أهله أهل.
وقال ابن فورجة ورواه )دهرا( بالنصب: هكذا رويت بنصب دهر، وهو معطوف على قوله )ثعلا( أي وكفى دهرا، ورفع أهل بخبر مبتدأ محذوف كأنه قال: وكفى دهرا لأن أمسيت من أهله أهل فخرا، وهو كقوله أيضا:
ليت لي مثل جد ذا الدهر في الأد ... هر أو رزقه من الأرزاق
أنت فيه وكان كل زمان ... يشتهي بعض ذا على الخلاق
ومن التي أولها:
صلة الهجر لي وهجر الوصال ... نكساني في السقم نكس الهلال
قال الشيخ رحمه الله: يقول مواصلة الهجر وهجر المواصلة نكساني في السقم نكس الهلال. أي كنت صحيح الجسم كامل الخلق، فنكسني هذان الشيئان نكس الهلال، وذلك أني زدت كما يزيد في أول الشهر، ثم نقصت كما ينقص إلى أن لحقه السرار، وقد شببت الشعراء بالقمر وزيادته ونقصه وينشد لبعضهم:
ومهما يكن ريب الزمان فإنني ... أرى قمر الليل المعذب كالفتى
يكون هلالا ثم يزداد نوره ... وبهجته حتى إذا تم واستوى
تقارب يخبو ضوؤه وبهاؤه ... وينقص حتى يستسر فلا يرى
كذلك زيد المرء ثم انتقاصه ... عودته في عمره بعدما مضى
بطلول كأنهن نجوم ... في عراص كأنهن ليالي
قال ابن جني: )الأطلال( ما شخص من آثار الدار، أي تلوح الطلول من العراص كما تلوح النجوم في الليالي.
قال الشيخ رحمه الله: شبه الطلول بالنجوم، لأنها عنده مستحسنة لأجل من كان يحلها ممن يحب، والعراص وهي جمع عرصة وهي الموضع من الدار، وجعل العراص كالليالي لأن المرتحلين عنها كانوا فيها كضياء النهار، فلما فارقوها ذهب نورها، فكأن كل عرصة منها ليلة في الإظلام.
والجراحات عنده نغمات ... سبقت قبل سيبه بسؤال
قال الشيخ: زعم أن الجراحات عند الممدوح نغمات تسبق من السؤال سيبه أي يشق عليه أن لا يكون سبق إلى المعروف قبل أن يطلب منه.
ومن التي أولها:

(1/72)


أبعد نأي المليحة البخل ... في البعد ما لا تكلف الإبل
قال الشيخ رحمه الله: يقول: أبعدنا في المليحة بخلها إذا بخلت وهي الدانية، فكأنها بعيدة الدار، وقد بين ذلك بقوله: )في البعد ما لا تكلف الإبل( أي أن البعد قد يكون بالهجر كما يكون بالفراق.
ملولة ما يدوم ليس لها ... من ملل دائم بها ملل
قال ابن جني: يقال رجل ملول وامرأة، أدخلت الهاء للمبالغة، و)يدوم( في موضع نصب أي تمل كل شيء يدوم إلا مللها، فإنها لا تمله فتتركه، وإن كان أيضا دائما.
أنت نقيض اسمه إذا اختلفت ... قواضب الهند والقنا الذبل
أنت لعمري البدر المنير ... ولكنك في حومة الوغى زحل
قال ابن جني: أي اسمك بدر وأنت في هذا الوقت زحل، لأنك حينئذ تهلك أعدائك وبدر هو القمر، والقمر سعد، وزحل نحس، فلذلك نقيض اسمه.
وقال الشيخ رحمه الله: البدر من شأنه أن يصف بالنور، ويهتدي به الناس في الأسفار. فزعم أن هذا الرجل في الحرب يصير نقيض اسمه، لأنه يقتل الناس ويثير الغبار بالخيل فيظلم عليهم الأرض، ويكون فعله في الحرب فعل البدر في الظلم، ثم ذكر في البيت الثاني أنه البدر المنير، ولكنه زحل في موقف الحرب، لأن زحل يزعم المنجمون أنه في صورة الأسود، وهو بطيء السير فكأن هذا الرجل هو كالبدر المنير في الحرب زحل. لأنه لا يسير سيرا سريعا، إذ كان القمر يوصف بسرعة السير وهو كوكب نحس يكثر الهلكة، وبعض الناس يذهب إلى أن زحل ملك الموت.
ومن التي أولها: بقائي شاء ليس ارتحالا قوله:
فما حاولت في أرض مقاما ... ولا أزمعت عن أرض زوالا
قال ابن جني: يقول إذا كان ظهره كالوطن لي، فأنا وإن جئت البلاد كالقاطن في داره، ولأني أقطع الأماكن فلست مقيما في الحقيقة.
وقال ابن فورجة: كأن أبا الطيب أراد بهذا البيت الإلغاز، وإنما يريد أني إذا جعلت أرضي فتودي، وألفت الترحل فكأني ما أقمت بأرض ولا ارتحلت عن أرض وقد تقدمه قوله:
الفت ترحلي وجعلت أرضي ... قتودي والغذيري الجلالا
لأنه إذا كانت أرضه القتود، فهو لا يزول عن أرضه أبدا، وإذا كان يترحل أبدا فهو لا يريد مقاما في أرض، ويحتمل معنى آخر يخرجه عن حد الألغاز، وذاك أنه يريد إذا كان مسافرا أبدا لا يقيم في بلد ولا مكان، فكيف يكون مزمعا زوالا عن أرض، إنما كان إزماعه حين ارتحل منها، وهو معنى لطيف فافهمه.
سنان في قناة بني معد ... بني أسد إذا دعوا النزالا
قال ابن جني: بني أسد منصوب لأنه منادى مضاف، ومعناه أن قول بني معد إذا نازلوا الأعداء يا بني أسد، ليقوم في الغناء والدفع عنهم مقام سنان مركب في قناتهم، لأنهم إذا دعوهم أرهبوا الأعداء، وأغنوا عنهم ومنعوا منهم، ويجوز أن يكون )بني أسد( بدلا من )قناة بني معد( كأنه قال: سنان في بني أسد الذين هم قناة في بني معد، يريد بضربهم إياهم، وهذا أقوى من القول الأول.
وقال الشيخ رحمه الله، يقول بدر سنان في قناة بني معد نسبة إلى معد بن عدنان، وقوله بني أسد يجوز أن يكون بدلا من بني معد، وهو بدل تبعيض؛ لأن بني أسد يرجعون في النسب إلى معد، وهذا كما يقول فلان من بني العباس بن علي بن عبد الله، ويجوز أن يكون نصب بني أسد بإضمار فعل كأنك قلت أعني أو أريد أو نحو ذلك.
يكون أحق إثناء عليه ... على الدنيا وأهليها محالا
قال الشيخ: يقول كل ما يوصف به المكارم والأفعال الجميلة يكون حقا وإذا وصف به أهل الدنيا كان محالا، فإذا قيل هو كريم فالقائل صادق محق، وإن قيل إن غيره كريم فالقائل كاذب محيل، وكذلك إن أثنى عليه بالشجاعة والحلم وغيرهما مما يحمد.
جواب مسائلي أله نطير ... ولا لك في سؤالك لا، ألا، لا

(1/73)


قال الشيخ رحمه الله: يقول للسائل عن الممدوح أله نظير؟ لا، أي لا نظير له ويقول للسائل: ولا لك نظير أيضا جلها في ظنك أن له نظيرا، وقد كرر أبو الطيب )لا( في قوله هكذا هكذا وإلا فلا لا، والكلام قد تم عند قوله )في سؤالك( فجاء )بلا( ثانية توكيدا ثم لم يرض بذلك حتى قال: ألا سائل لا، فإن كان أراد هذا الغرض فليس بالحسن، وأسهل منه أن يصرف إلى معنى آخر وذلك أنهم يقولون ما بفلان من الإضلال وتلإلال، فيجعلون الإلال كالإتباع وتابع الشيء في معناه أو قريبا منه، فكأنه على هذا الوجه قال ولا لك في سؤالك، فتم الكلام أي لا ضلال، فأما أن يكون أراد لا يضل أيها السائل ضلالا، أو يكون نفى الضلال عن الناس أن يظنوا بمن مدح هذا الظن.
يفارق سهمك الرجل الملاقي ... فراق القوس ما لاقى الرجالا
قال الشيخ: يقول إذا لقي سهمك رجلا نفذ فيه سريعا لفراقه القوس، أي أنه لا يثبت في الرجل، ولكنه يعبر الرجال شيئا فشيئا ما لقي رجلا.
ومن التي أولها:
في الخد أن عزم الخليط رحيلا ... مطر يزيد به الخدود به الخدود محولا
قال الشيخ: يقول إذا عزم الخليط رحيلا بكة المحب بكاء مثل المطر، إلا أنه لا ينبت العشب كغيره من الأمطار، والخدود يزيد محلها به، وقال بعض الشعراء ويقال إنه ليموت بن المزرع:
لو ينبت العشب من دموع ... لكان في خدي الربيع
يا قمرا غاب عن عياني ... الله قل لي متى الرجوع
كم زفرات وكم دموع ... يا عين هذا هو الفطيع
أعدى الزمان سخاؤه فسخا به ... ولقد يكون به الزمان بخيلا
قال ابن جني: أي تعلم الزمان من سخائه فأخرجه من العدم إلى الوجود، ولولا سخاؤه الذي أفاد منه لبخل على أهل الدنيا، فلم يظهره واستبقاه لنفسه، وفي هذا شيء يسأل عنه فيقال أنه في حال عدمه لم يكن له سخاء لأن السخاء لا يصح إلا في موجود، فكيف وصفه بالسخاء وهو معدوم؟ فالقول في هذا إن الزمان كأنه علم ما يكون فيه من السخاء إذا وجد، فكأنه استفاد منه ما تصور كونه فيه بعد وجوده، ولولا ما تخيله فيه لبقي أبدا بخيلا به والشيء إذا تحقق كونه لا محالة أجري عليه في حال عدمه كثير من الأوصاف التي يستحقها بعد وجوده، ألا ترى إلى قوله تعالى )إني أراني أعصر خمرا(.
وقال ابن فورجة: قد جود الشيخ أبو الفتح رحمه الله فيما أتى به، غير أنه قد يمكن تفسيره على وجه أقرب من هذا يخرجه من هذا التبعيد، وهو أن يقال: مراده فسخا به علي، يريد اتصاله به وانضمامه إلى جنبته، يقول قد كان الزمان بذلك بخيلا علي فأعداه سخاء الممدوح فسخا به فوصلني إليه وهذا معنى واضح.
وتظنه مما يزمجر نفسه ... عنها لشدة غيظه مشغولا
قال ابن جني: أي تظنه نفسه مشغولا عنها وقال الشيخ رحمه الله: الأجود أن يرفع نفسه لأنها فاعلة تظن أي الأسد تظنه نفسه مشغولا عنها باتصال الزمجرة لم تجر عادتها أن تتعدى إلى مفعول.
قال ابن فورجه: )نفسه( رفع على تأويلين أحدهما: أن تكون فاعلة يزمجر: والثاني: أن تكون فاعلة تظنه، يريد تظنه نفسه مشغولا عنها ما يزمجر، وهذا هو الجيد، وعليه المعول، والأول يكون المراد وتظنه أنت مشغولا عن نفسه بشدة غيظه مما تزمجر نفسه، على أنا قرأناه يزمجر بالياء، وإذا كانت نفسه فاعلة يزمجر روي بالتاء ولم نروه.
سمع ابن عمته به وبحاله ... فنجا يهرول منك أمس مهولا
قال الشيخ أبو العلاء رحمه الله: إنما قال الشاعر ابن عمته لأن سمع قول أبي زبيد في صفة الأسد.
أفر عنه بني العمات جرأته ... فكلها خاشع من ذاك مكتنع
وليس لابن العمة هاهنا فضل على ابن الخالة.
وقال الاحسائي: قال ابن عمته ليدل على أنه أسد وأمه لبؤة، لأن السباع يلقح بعضها بعضا إلا اللبوة لا تلقح إلا من الأسد، والأسد الذكر يلقح الإناث من غير جنسه، فإذا كان الأسد ابن عمته صح أنه ابن عمه لما ذكرناه، ويجوز أن يكون ابن عمه وأمه من غير الأسد مثل الضبع والببر والنمر والدب وغير ذلك فهذه كلها يلقحها الأسد.
ومن التي أولها: أرى حللا مطواة حسانا قوله:

(1/74)


لقد ظلت أواخرها الأعالي ... مع الأولى بجسمك في قتال
قال ابن جني: الأولى بجسمك أي الأدنى إليه وهذا كقوله أيضا: وتحسد الخيل منها أيها ركبا وقال ابن فورجه: قوله )أواخرها الأعالي( مما يجب أن يوضح غرضه فيه، وذاك أنه يريد أن ثيابه الأعالي هي أواخرها، يلبس إذا أوائلها يلي جسده وهذا من قول الفلاسفة: أول الفكرة آخر العمل، وآخر العمل أول الفكرة، وإن تأولها متأول بأنها الأعالي، لأنها أعلى محلا في عيون الناس وأبهى وهكذا يلبس اللابس أبهاها وأرفعها مظاهرا كان جيدا.
وقال الشيخ أبو عبد الله النمري في كتاب الحماسة
لئن كان يهدى برد أنيابها العلى ... لأفقر مني إنني إنني لفقر
إنه خص الأنياب العلى لأنها هي التي يظهر منها إذا ابتسمت أو تكلمت، وهذا كقول الآخر:
إذا ضحكت شبهت أنيابها العلى ... خنافس سودا في صراة قليب
وقال رجل يعرف بأبي مسلم الولادي إنه إنما قال العلى، لأن العرب تذكر بعض الشيء تريد به كله، فمعنى أنيابها العلى أنيابها كلها، وقال غيرهما من مسرى هذا البيت: إنه قال العلى لأنه أراد الرفع من شأنها، كقولك زيد العلى مضافا وغلام عمرو العلى.
ومن التي أولها: لك يا منازل في القلوب منازل
يعلمن ذاك وما علمت وإنما ... أولاكما يبكى عليه العاقل
قال الشيخ رحمه الله: يعلمن ذاك أي منازلك التي في الفؤاد يعلمن بحالك وحالهن فهن أواهل بذكرك وأنت مقفرة من ذكر أهلك، ولست تذكرين منازلك التي في الفؤاد وأولاكما بأن يبكي عليه العاقل، يعني المنازل التي في الفؤاد.
وقال ابن فورجة: قوله ذاك يريد هذا الأمر الذي حكاه، يعني إقفارك أيتها المنازل وخلوك من الأحباب وأنت لا تعلمين ذاك، لأنك لا عقل لك، والهاء في " عليه " تحتمل معنيين كلاهما حسن، فأحدهما: يعود إلى ذاك يعني أولاكما بالبكاء على هذه الحال التي ذكرت العاقل منكما وهو الفؤاد.
والثاني: أن تعود الهاء إلى أولى يريد أولاكما يبكي على نفسه، وقد مر لهذا نظائر، ومثل هذا المعنى إلا أن فيه زيادة قوله أيضا:
لو كنت تنطق قلت معتذرا ... بي غيرنا بك أيها الرجل
أبكاك أنك بعض من شغفوا ... لم أبك أني يعض من قتلوا
تخلوا الديار من الظباء وعنده ... من كل تابعة خيال خاذل
قال الشيخ رحمه الله: الهاء في )عنده( عائدة على الذي، والذي وصلته مراد بها الشاعر يقول تخلو الديار من الظباء، وعندي من كل ظبية تابعة من ظفر خيال خاذل من قولهم: ظبية خاذلة، إذا تخلفت عن صواحبها لأجل ولدها.
دون التعانق ناحلين كشكلتي ... نصب أدقهما وضم الشاكل
قال الشيخ: نصب )ناحلين( على الحال من النون والألف في قوله )بنا( لأنه يعني نفسه، والتي ذكرها في النسيب )وضم( هاهنا لا يريد به الضم الذي هو شكل وإنما أراد ضم شكله بالنصب إلى مثلها، يريد أنه والمذكور قد دنا أحدهما من الآخر إلا أنهما دون التعانق لم يصلا إليه
الطيب أنت أنت إذا أصابك طيبه ... والماء أنت إذا اغتسلت الغاسل
قال ابن جني: نصب )الماء( لأنه معناه وأنت إذا اغتسلت الغاسل الماء إلا أن انتصابه الآن ليس على الغاسل، لأن الصلة لا تعمل فيما قبل الموصول ألا ترى أنه لا يجوز زيدا أنت الضارب، ولكنه منصوب بفعل مضمر يدل عليه الغاسل فكأنه قال وتغسل الماء إذا اغتسلت.
وقال الشيخ رحمه الله: الطيب مبتدأ وأنت مبتدأ والغاسل خبر أنت وهو على تقدير الهاء كأنه قال والماء أنت الغاسلة إذا اغتسلت.
ومن التي أولها: لا تحسبوا ربعكم ولا طلله قوله:
أحبه والهوى وأدؤره ... وكل حب صبابة ووله
وقال ابن جني: يجوز أن يكون الهوى في موضع نصب، أي أحب هواه أيضا فيكون قريبا من قوله:
وإني لأعشق من عشقكم ... نحولي وكل امرئ ناحل
ويجوز أن يكون الهوى مجرورا، لأنه أقسم به، فكأنه قال والهوى إني لأحبه، كما قال البحتري:

(1/75)


أما وهواك حلفة ذي اجتهاد
أنا ابن من بعضه يفوق أبا ال ... باحث والنجل بعض من نجله
قال ابن فورجة: بمثل هذا فليتغلب الخصوم عند الجدال. فلقد احتج لقصور أبويه فما قصر، يقول أنا بعض والدي، لأني منه وجدت، وأنا فوقك أيها الباحث عن أبوتي فضلا وكرما وبأسا، فإذا والدي فوق أبيك كثيرا لأنه قد فضله بعضه، وقد استوعب المعنى بقوله )أنا أبن من بعضه يفوق أبا الباحث( وباقي البيت فضل وتبيين، وزاد هذه الحجة قوة على خصمه بقوله بعده:
وإنما يذكر الجدود لهم ... من نفروه وأنفذوا حيله
يقول أنا لا أفاخركم إلا بنفسي، وإنما يفتقر إلى المفاخرة بالآباء من لا فخر في نفسه.
أأخفت العين عنده خبرا ... أم بلغ الكيذبان ما أمله
قال ابن جني: يعني بالعين الرقيب قال الشاعر:
قالوا توق ديار الحي إن لهم ... عينا عليك إذا ما نمت لم تنم
فقلت إن دمي أقصى مرادهم ... وما غلت نظرة منها بسفك دمي
وأنثها لأنه شبه الرقيب بالعين، ويجوز أن يكون أراد العين نفسها فيكون معناه هل يتبين في وجهي ما رابه.
وقال الشيخ رحمه الله: هذا الاستفهام الذي يقلب الكلام حتى يجعله كالنفي فكأن الشاعر قال: ما لي لا أمدح الحسين، ولم تخف العين عنده خبرا، ولم يبلغ الكيذبان ما أمله لديه، أي أني إذا نظرت إلى الممدوح علمت أنه راض عني، فتبينت عيني ما هو عليه، ويجوز أن تكون العين عين الممدوح وكلا المعنيين قد جاء في الشعر قال الشاعر:
تبين لي عيناك ما القلب كاتم ... ولا جن بالبغضاء والنظر الشزر
والكيذبان في معنى الكذاب يقال بفتح الذال وضمها.
فأكبروا فعله وأصغره ... أكبر من فعله الذي فعله
قال ابن جني: أي استكبروا فعله وأصغره هو، فتم الكلام هاهنا، ثم استأنف فقال: أكبر من فعله الإنسان الذي فعله، إنما هو أكبر من فعله، ويقال أكبر الشيء إذا استكبرته.
وقال الشيخ: النصف الأول يحتمل وجهين، الأول: أن يكون في أصغر ضمير عائد إلى الممدوح، فيكون الكلام قد تم ويكون تكبر خبر مبتدأ مقدم، كأنه لما تم الكلام في النصف الأول الذي فعله أكبر من فعله.
والوجه الآخر: أن يكون " أكبر " فاعلا، وتقديره احتقر الفعل رجل أكبر من فعله ويكون قوله: " الذي فعله " نعتا لفعله.
ومن التي أولها: كدعواك كل يدعي صحة العقل قوله:
قولت تريغ الغيث والغيث خلفت ... وتطلب ما قد في اليد بالرجل
قال ابن فورجة: هؤلاء بنو كلاب أظهروا العصان بعد الطاعة فقصدهم دلير بن لشكروز فأجفلوا من بين يديه عائدين إلى البدو فقال أبو الطيب:
أرادت كلاب أن تقوم بدولة ... لمن تركت رعي الشويهات والإبل
أبى ربها أن يترك الوحش وحدها ... وأن يرمن الذب الخبيث من الأكل
يقول كانت طاعة السلطان غيثا فتركته وعصته ومضت تطلب مواقع الغيث في البدو، وطلبها له سائرة إليه طلب بالرجل وقوله: ما كان في اليد، أي ما كان حاصلا، كقولك: هذا الشيء في يدي أي حاصل عندي
فلا عدمت أرض العراقين فتنة ... دعتك إليها كاشف الخوف والمحل
قال الشيخ رحمه الله: العراقان يراد بهما الكوفة والبصرة، وهما مصران وقالوا للجزيرة والموصل الموصلان، وهو من جنس قولهم العمران وكاشف الخوف والمحل يحتمل أن يكون منصوبا على النداء أو الحال.
ومن التي أولها: لا خيل عندك تهديها ولا مال قوله:
غيث ببين للنظار موقعه ... إن الغيوث بما تأتيه جهال
قال ابن جني: أي الغيث يمطر المكان الطيب والسبخ جميعا، فهو كالجهل منه، وفاتك يعطي من هو أهل العطاء، وهذا ضد قوله في معاتبة سيف الدولة:
وشرما قنصته راحتي قنص ... شهب البزاة سواء فيه والرخم
أناله الشرف الأعلى تقدمه ... فما الذي بتوقي ما أتى نالوا

(1/76)


قال ابن جني: يقول أفضى به تقدمه وجرأته إلى نيل الشرف، فما الذي نال أعداؤه لما توقوا ما أتاه، وأشفقوا على أنفسهم منه، أي فقد غنم بما فعل وخابوا لما خالفوه.
ومن التي أولها: أثلث فإنا أيها الطلل نبكي وترزم تحتنا الإبل قال الاحسائي: أي كن لنا ثالثا يقال: ثلث القوم أثلثهم إذا صرت لهم الثا، وخمستهم أخمسهم، وسدستهم أسدسهم إلى العشرة، تكسر الثالث في المستقبل، إلا في ثلاثة مواضع فإنه يفتح، وهي أربعهم وأسبعهم وأتسعهم وثلثت القوم أثلثهم إذا أخذت ثلث أموالهم، بضم ثالثة في المستقبل من الثلاثة إلى العشرة، فإن أخذت نصف أموالهم قلت نصفتهم أنصفهم، وكذلك الخدمة ومن الإنصاف نصفهم وأنصفتهم أنصفهم.
تمشي على أيدي موهبه ... هي أو بقيتها أو البدل
قال ابن جني: أي تلي مواهبه أمر خيله وإبله، فلان على يدي عدل، أي قد ملك أمره عليه، وصار أحق به منه، وقوله )هي( يعني الخيل والإبل وما تبقى منها بعدما وهبه لقوم آخرين، أو البدل منها عينا وورقا أو غير ذلك.
وقال الشيخ رحمه الله: يقول الذي تأخذه الوفود من خيله وإبله على ثلاثة أصناف، فإما أن تكون موفورة، فهي تسلم إليهم، وإما أن تكون قد بقيت منها بقية منهم المحكمون فيها، أو قد وهبها كلها واستبدل غيرها منهم يأخذون البدل.
فإذا الخميس أبى السجود له ... سجدت له فيه القنا البل
قال ابن جني: أي إذا عصاه جيش خفض الأسنة لطعنه وقوله )فيه( أي سجدت قنا أبي شجاع في جيش مخالفه.
ومن التي أولها:
ما أجدر الأيام والليالي ... بأن تقول ما له ومالي
لا أن يكون هكذا مقالي قال ابن فورجة: يقول الأيام تتظلم مني: وأنا لا أتظلم منها، والهاء في )ماله( يكون لأبي الطيب، والياء في )مالي( للأيام، ثم قال لا أن أقول أنا ما لها ومالي، لأني أبالي بها ولا أتظلم منها ألا تراه يقول:
وكيف لا وإنما إدلالي ... بفارس المجروح والشمال
وهما كانا لعضد الدولة، يقول: فإذا كنت مدلا بعضد الدولة ثم أتظلم من الزمان ولم يقدر على هضمي وقوله )مالي( قول المتظلم، ألا ترى إلى سحيم يقول:
ألا ناد في آثارهن الغوانيا ... سقين سماما ما لهن وماليا
وإلى قول الآخر يقول:
يا قوم مالي وأبا ذؤيب ... كنت إذا أتيته عن غيب
يشم عطفي ويمس ثوبي ... كأنما أربته بريب
والبحتري يقول:
مالي وللأيام صرف صرفها ... حالي وأكثر في البلاد تقلبي
وقد ترك من اللفظ شيئا يدل عليه الكلام، وذاك أنه يريد أن يكون هكذا مقالي لها، لأنك لا تقول ما أجدر زيدا أن يمر عمرو حتى يقول به، فتكون الجملة الثانية عائدة إلى الجملة الأولى.
حرف الميم
ومن التي أولها:
وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه
قال ابن جني: كلمته وقت القراءة في إعراب هذا البيت، فقلت له الباء في )بأن( بأي شيء تتعلق؟ فقال: بالمصدر الذي هو )وفاؤكما( فقلت له: فيم رفعت )وفاؤكما(؟ فقال: بالابتداء. فقلت: فأين خبره؟ فقال )كالربع( فقلت: له هل يصح أن يخبر عن اسم قبل تمامه وقد بقيت منه وهي الباء؟ فقال: هذا لا أدري ما هو إلا أنه قد جاء في الشعر له نظائر. وأنشدني بيتا أنشده أبو الحسن الأخفش، وهو:
ليست كمن حلت إياد دارها ... تكريت ترقب حبه أن يحصدا

(1/77)


فأبدل إيادا من )من( في قوله )من حلت( ومعناه لسنا كمن حلت دارها إياد، أي كأياد التي حلت دارها، فدارها الآن ليست منصوبة )بحلت( هذه. وإن كان المعنى يقتضي ذلك، لأنه لا يبدل من الاسم إلا من تمامه، وإنما هي منصوبة بفعل مضمر يدل عليه )حلت( هذه الظاهرة، كأنه قال فيما بعد حلت دارها، وكذلك العطف والتوكيد وجمع ما يؤذن بتمام الاسم وانقضائه، ألا ترى أنهم لا يجيزون مررت بالضارب أخيك زيدا على أن تبدل الأخ من الضارب، وقد بقيت منه بقية وهي زيد لأنه منصوب بالضارب، ولا يجيزون مررت بالضارب وزيد عمرا، لأنك لا تعطف عليه وقد بقيت منه بقية، وكذلك لا يجيزون أن تعلق الباء في )بأن تسعدا( بالوفاء، وقد أخبرت عنه بقولك كالربع، فإذا لم يجز ذلك كانت الباء )بأن( متعلقة بفعل محذوف يدل عليه قوله )وفاؤكما( فكأنه لما قال )وفاؤكما كالربع( قال )وفيتما بأن تسعدا( وإن لم يقدره هذا التقدير فسد الإعراب وكذلك قوله تعالى )إنه على رجعه لقادر. يوم تبلى السرائر( معناه والله أعلم إنه على رجعه يوم تبلى السرائر لقادر، إلا أنه لا يجوز أن يكون إعرابه الآن على هذا، لأن الظرف الذي هو يوم تبلى السرائر على هذا التقدير يكون متعلقا بالرجوع وقد فصل بينهما بقوله )لقادر(، وهو خبر إن وهو أجنبي من المصدر، ولا يجوز على الفصل بين الصلة والموصول بالأجنبي )وأشجاه( أي اشده شجةا، كما تقول أحزنه وآسفه، ومعنى البيت كنت أبكي الربع وحده فصرت أبكي وفاء كمامعه، أي كلما ازددت بالربع وبوفائكما وقوله أشجاه طاسمه أي كلما تقادم عهده أحزن كما قال زهير:
وقفت بها من بعد عشرين حجة ... فلايا عرفت الدار بعد توهم
فكأنه كلما خفيت الآثار، واضمحلت الرسوم، زاد شجوه وبكاؤه، وهذه طريق معروفة، وقد تصف العرب الرسم ببقائه، لأنه حينئذ أدل على ساكنه وأقرب إلى تذكره، كما قال أبو صخر الهذلي:
كأنهما ملآن لم يتغيرا ... وقد مر للدارين من بعدنا عصر
وما منهما إلا له نظائر كثيرة.
وقال الشيخ أبو العلاء رحمه الله: قوله )بأن تسعدا( متعلق بقوله )وفاؤكما( إلا أنه فصل بينه وبين الكلام الأول بقوله )كالربع أشجاه طاسمه( وينبغي أن يكون أضمر قوله )وفاؤكما( بعد تمام النصف الأول، ليكون الموصول متعلقا بالصفة، والشعراء وغيرهم يقولون: إن البكاء يجلو بعض الهم عن المحزون والمكروب قال الفرزدق:
ألم تر أني يوم جو سوبقة ... بكيت فنادتني هنيدة ماليا
فقلت لها إن البكاء لراحة ... به يشتفي من ظن أن لا تلاقيا
وقال ذو الرمة:
لعل انحدار الدمع يعقب راحة ... من الوجد أو يشفي نجي البلابل
وشبه وفاء صاحبيه بالربع أشجى ما يكون إذا درس، وكأنه لا مهما على أنهما لم يسعداه، وبعض الناس يذهب إلى أنه أراد مخاطبة عينيه، وكلامه يدل على غير ذلك، والمراد أنه بكى ولم يبك صاحباه، ولو بكيا معه لكان ذلك زائدا في بكائه )وأشجاه( هاهنا اسم فيه معنى التفصيل.
وما أنا إلا عاشق كل عاشق ... أعق خليله الصفيين لائمه
قال ابن جني: انقطع الكلام على قوله )وما أنا إلا عاشق(، ثم استأنف فقال: كل عاشق من حاله ومن أمره كأنه ينهى صاحبه عن لومه، وفي قوله )أعق خليليه الصفين لائمة( شبهه يسأل عنها فيقال: لا يقال أعق الرجلين زيد حتى يشتركا في صفة العقوق، ثم يزيد زيد على صاحبه، فإذا حكم لهما بأنهما صفتان فأي عقوق هناك؟ والجواب أنه يريد أنه إذا كان له خليلان صفيان، ثم لامه أحدهما، فقد زال عنه وصف الصفاء، وحصل له وصف العقوق بلومه إياه، كما قال الله تعالى )أصحاب الجنة خير مستقرا وأحسن مقيلا(. ومعلوم أن أصحاب النار هم أصحاب الشر ولا خير في مستقرهم البتة، فقد علمت بهذا أنهما لم يشتركا في الخيرية فهذا نظير ذاك.
وقال الشيخ أبو العلاء: قوله )أعق خليليه( دليل على أنه أراد الصاحبين لا العينين.
وقد يتزيا بالهوى غير أهله ... ويستحب الإنسان من لا يلائمه

(1/78)


قال ابن جني: كلمته في )يتزيا( فقلت له هل تعرفه في شعر أو كتاب من كتب اللغة؟ فقال: لا، فقلت له: كيف أقدمت عليه؟ فقال: لأنه قد جرت به عادة الاستعمال، فقلت: افترضي بشيء تورده باستعمال العامة، ومن لا حجة في قوله؟ فقال: ما عندك فيه شيء؟ فقلت: قياسه يتزيى. فقال: من أين ذلك؟ فقلت: لأنه من الزي والزي ينبغي أن تكون عينه واوا، وأصله زوي، فانقلبت الواو ياء لسكونها وانكساره ما قبلها، ولأنها أيضا ساكنة قبل الياء، ويدل أيضا على أن عين الزاي واو أنه لا يقال لفلان زي، إذا كان له شيء واحد مستحسن حتى يجمع له أشياء كثيرة حسنة، فحينئذ يقال له زي. فقال: فكأنك تقول إنه من قوله صلى الله عليه وسلم " زويت لي الأرض " ، ومن قول الأعشى: زوى بين عينيه على المحاجم أي جمعت وجمع. فقلت له: إلى هذا ذهبت، فأصغى نحوها ثم قال: لم ترد في الاستعمال إلا يتزيا.
بكيت على الأطلال إن لم أقف بها ... وقوف شحيح في الترب خاتمه
قال ابن جني: طعن بعضهم في عجز هذا البيت فقال: ليس لفظه في جزالة لفظ صدره، ولا في وقوف الشحيح على طلب خاتمه مبالغة يضرب بها المثل، فأما اللفظ فليس ببدع، بل تقدم بنظيره فحول الشعراء فأولهم امرؤ القيس في قوله:
وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي
فليت شعري أين لفظ أول هذا البيت من لفظ آخره ومثله كثير، وأما ذهابهم إلى نقصان المعنى، وأن وقوف الشحيح على طلب خاتمه مما يتباهى في ضرب المثل به فساقط أيضا، لأن الله سبحانه وتعالى لا يقاس به شيء يقول في محكم كتابه )الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاه فيها مصباح( فليت شعري هل يبلغ من ضوء الكوة التي فيها مصباح أن يفي بنور الله تعالى، ولكن العرب كما تبالغ في وصف الشيء وتتجاوز الحد، فقد تقصد أيضا فيه، وتستعمل المقاربة، وقد جاء مثل ذلك في الشعر الفصيح. قال الراجز: فهن حيرى كمضلات الخدم جمع خدمة وهي الخلخال.
وقال الشيخ رحمه الله: لا يجوز إلا كسر التاء في قوله )خاتمه( إذا كان في القافية لأنه إن فتح التاء صار في القصيدة عيب وهو السناد وكان أبو الطيب يختار فتح التاء في قوله )وأنكر خاتماي الخنصرا(.
قال ابن فورجه: وقد سمعت بعض أهل الأدب يحكي أنه صحف هذا المصراع، فخرج من هذا الاسترذال فقال )وقوف شجيج ضاع في الترب خاتمه( والشجج من صفات الوتد، يريد وقوف الوتد المتروك في الدار )وصاع( بمعنى تفرق، بمعنى صارت له عروق في التراب، وعلق فأورق وبيت الشيخ أبي العلاء رحمه الله في هذا المعنى في السماء جودة وهو: غصن الشباب عصى السحاب فلم يعد ذا خضرة إذ كل غصن أخضر
قد لأورقت عمد الخيام وأعشبت ... شعب الرحال ولون رأسي أغبر
ولقد سلوت عن الشباب كما سلا ... غيري ولكن للحزين تذكر
وخاتمه بمعنى ثابته وقد فعل ذلك في قوله:
وأكبر آيات التهامي آية ... أبوك وأحدى ما لكم مناقب
من التصحيف فخرج من أن يكون كفرا، وأكبر آيات التهامي آية أبوك، يعني به علي ابن أبي طالب رضي الله عنه، ولا ينكر أنه آية من آيات رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعجزانه.
قفي تغرم الأولى من اللحظ مهجتي ... بثانية والمتلف الشيء غارمه
قال ابن جني: سألته وقت القراءة فقلت: الأولى هي الفاعلة فقال: نعم، يريد أنه نظر إليها نظرة فأتلفت النظرة مهجته، فأراد أن يلحظها لحظة أخرى، لترجع إليه نفسه، فجعل الأولى كأنها في الحقيقة هي الغارمة، لأنها كانت سبب التلف، ومثله في استعادة النظر قول جرير:
ولقد نظرت فرد نظرتي الهوى ... بحزيز رامة والمطي سوام
أي حملني على أن أعدت النظر كذا فسروه.
وقال الشيخ أبو العلاء: " الولي " رفع بفعلها، ومهجتي نصب، لأن الغرامة وقعت عليها، والمراد قفي يا محبوبة ليغرم اللحظة الأولى التي لحظتك مهجتي، أي يغرمها بلحظة ثانية، وذلك لأنه أراد أن اللحظة الأولى أتلفت مهجته، ووجبت عليها الغرم، فإن لحظ ثانية عاش حتى قال ابن فورجة: هذا المعنى مثل قول القائل ولا اعلم أقبل أبي الطيب أم بعده.

(1/79)


يا مسقما جسمي بأول نظرة ... في النظرة الأخرى إليك شفائي
إلا أن هذا البيت لا مجاز فيه، وبيت أبي الطيب فيه مجاز
فلا يتهمني الكاشحون فإنني ... رعيت الردى حتى حلت لي علاقمه
قال ابن جني: سألته وقت القراءة فقلت له: ما وجه التهمة في هذا الموضع فقال: أن يظنوا بي جزعا، ونحو هذا قول أوس بن حجر:
لا تحزنيني بالفراق فإنني ... لا تستهل من الفراق شئوني
أي قد مرنت عليه، ومر بي أشياء كثيرة منه.
وقال الشيخ رحمه الله: لا تظنوني قد سلوت، وإنما أنا صاحب صبر قد جربت الأشياء، ودريت بالمرارة حتى حلا العلقم بفمي، ومعنى البيت أنه يصف نفسه بالوفاء، وأنه لم يسل عن أحبابه، ولكنه حسن الصبر.
وتكملة العيش الصبا وعقيبه ... وغائب لون العارضين وقادمه
قال الشيخ أبو العلاء: جعل العيش أربعة أقسام: الصبا وما يعقبه من الزمان الذي هو قريب منه، وغائب لون العارضين يجوز أن يعني سوادهما مرة وبياضهما أخرى، وكذلك القادم من لونهما يحتمل وجهين: أن الغائب والقادم كلاهما غاب، وكلاهما قدم، الآ ترى أن لون الشعر ينبت في وجه الأمرد يكون غائبا عنه دهرا، ثم يقدم بعد ذلك، والبياض جار مجرى السواد لأن الشيب يقدم بعد غيبة.
وقال ابن فورجة، قال ابن جني: إن أبا الطيب قال عنيت بعقيبه الشيب والهرم، لأنه يتلوه، والأولى عندي أن يعني الشباب، ألا ترى أنه قال بعده )وغائب لون العارضين وقادمه(. يعني كمال العيش بالصبا، ثم الشباب وسواد الشعر فيه، ثم الشيب، وهذا المعنى من قول ابن الرومي وهو أجود منه:
سلبت سواد العارضين وقبله ... بياضهما المحمود إذ أنا أمرد
وأجود منهما قول الشيخ أبي العلاء وإن كان قد غير المعنى بعض التغيير:
وعيشتي الشباب وليس منها ... صباي ولا ذوائبي الهجان
وكالنار الحياة فمن رماد ... أواخرها وأولها دخان
على عاتق الملك الأغر نجاده ... وفي يد جبار السموات قائمه
قال الشيخ: من رواها الملك بضم الميم جعل الملك متقلدا لسيف الدولة يعني ملك بني العباس، وإن فتحت الميم فالمراد الخليفة.
ومن التي أولها: أين أرمعت أيهذا الهمام قوله:
نحن من ضايق الزمان له في ... ك وخانته قربك الأيام
قال ابن جني: قال لي أردت )ضايقه( فزدت اللام، ولهذا الذي قال نظائر منها قوله عز اسمه: " إن كنتم للرؤيا تعبرون " معناه والله اعلم إن كنتم تعبرون الرؤيا.
وقال الآخر:
ألايد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل
أي أريد أن أنسى.
وقال الشيخ أبو العلاء: قوله تعالى " للرؤيا تعبرون " حسن في تقديم اللام لأنها تقدمت على المفعول، وإذا قلت لزيد ضربت، فهو أحسن من قولك ضربت لزيد، أنك إذا قلت ضربت، فقد ذكرت الفعل وهو متعد، فكان دخول اللام مكروها، وإذا قدمتها فهي دليل على أن الفعل متصل بها، لأنه لم يعمل شيئا ولا استحق العمل، إذ لم يذكر، وإذا بدئ به فقد استحق العمل ونصب )قربك( لأنه مفعول ثان، ولا يجوز نصبه على الظرف، لأنه يصير دما للممدوح، وقرارا بأن الزمان خانهم في حال اقترابهم منه، وإنما )خان( هاهنا مثلها في قول الأعشى:
وما إن أرى الدهر في صرفه ... يغادر من شارخ أو يفن
أزال أذينة عن ملكه ... وأخرج من حصنه ذا يزن
وخان النعيم أبا مالك ... وأي امرئ صالح لم يخن
كل عيش ما لم تطبه حمام ... كل شمس ما لم تكنها ظلام
قال الشيخ: يقيمون الهاء مقام خبر كان، وهو بإياها أشبه، وقد قال أبو الأسود الدؤلي:
دع الخمر يشربها الغواة فإنني ... رأيت أخاها مغنيا بمكانها
فإلا يكنها أو تكنه فإنه ... أخوها غذته أمه بلبانها
وقالوا تكونها في معنى يكون فيها قال الشاعر:

(1/80)


ولما رأى برقا يضيء وميضه ... منازل من أسماء كانت تكونها
أي تكون فيها.
ومن التي أولها: إذا كان مدح فالنسيب المقدم
فجاز له حتى على الشمس حكمه ... وبان له حتى على البدر ميسم
قال ابن جني: الميسم الحسن أي فاق البدر في الحسن.
وقال الشيخ أبو العلاء: على في البيت حرف خفض، ومن جعله فعلا ماضيا فقد خالف غرض الشاعر، لأن المعنى فجاز له حكمه حتى حكم على الشمس وبان له ميسم حتى على البدر، أي أنه قد وسم البدر، لأجل ما يرى فيه من التغير فكأنه أثر وسم.
وقال الأحسائي: حكمه الذي جاز على الشمس أنه سار بجيشه ستر نورها، ولم يصب حرها أصحابه، وإذا سار ليلا أضاء الأرض وجهه ولمعان سلاحه، فلم يضر مغيبها في الليل، والميسم الحسن من قولهم وجه وسيم وله وسامة، وقال وسامة، وقال بعضهم: إن الميسم من الوسم وهو ما يرى في القمر من الكلفة فكأنه وسم بذلك.
ضلالا لهذي الريح ماذا تريده ... وهديا لهذا السيل ماذا يؤمم
قال ابن جني: كانت الريح عارضتهم في الطريق فقال للريح ضلالا كما قال في موضع آخر: ليت الرياح صنع ما تصنع وقال للمطر هديا لأنه شبهه بسيف الدولة في سحه ألا تراه يقول بعده:
تلاك وبعض الغيث يتبع بعضه ... من الشام يتلو الحادق المتعلم
أي أنت حاذق بالصب والسكب وهو متعلم فجاء تاليا لك.
وقال الشيخ أبو العلاء: نصب )ضلالا( على المصدر، كأنه قال أضلت الريح ضلالا، أي شيء تريده؟ وبنى هذا المعنى على قول الناس هو يباري الريح جودا، إذا وصفوه بالكرم، أي أنها إن هبت تباريك فقد ضلت، كأنه دعا عليها بالضلال، وقال هديا لهذا السيل، كأنه دعا له بالاهتداء أي هداه الله هديا ماذا يؤمم أي ماذا يقصد.
كأجناسها راياتها وشعارها ... وما لبسته والسلاح المشمم
قال ابن جني: يقول جميع ما في عسكره عربي خيله وسلاحه وشعاره وملبسه قال الشيخ: يريد أن في الجيش رايات مختلفات الشكول، وكذلك الشعار الذي هو مختلف، لأنه ادعى أن فيه قبائل بعضهم يقول يال عقيل، ومنهم من يقول يال تميم، وغيرها من القبائل وهذا يشابه قوله: تناكر تحته لولا الشعار والمشمم يجوز أن يكون من الشم ويجوز أن يكون من شممت الشيء إذا أصلحته.
على كل طاو تحت طاو كأنه ... من الدم يسقى أو من اللحم يطعم
قال الشيخ: على كل طاو من قولهم طوى الرجل إذا لم يأكل شيئا )على كل طاو( أي على كل فرس لم ترع، ولا علق عليق، يقال هو طاو بين الطوى وحكاه سيبويه وأجراه مجرى السمن والشبع والمراد أن هذه الخيل وفرسانها كأنها تستقي من دماء الأعداء، وتطعم من لحومهم، وذهب قوم إلى أن المراد أنها كالتي تأكل من لحوم أنفسها، وتشرب من دمائها، ولا يجعل هذا القول غرض الشاعر لأن صفتها بأنها كالآكلة لحوم الأعداء والشاربة من دمائهم، أبلغ في المديح.
أما القوم الآخر فيحسن إذا كان في صفة إبل مسافرة لا يقصد بها الحرب كما قال الراجز:
وبلدة باتت على خزومها ... شاكية الأكوار من لزومها
كأنها تلاتع في لحومها ومن التي أولها: واحر قلباه ممن قلبه شبم
فوت العدو الذي يممته ظفر ... في طيه أسف في طيه نعم
قال الشيخ: )في طيه أسف( الهاء في طيه عائدة إلى الظفر، أي أن فوته إياك إنما وقع به لخوفه منك، لأنه هاب لقاك فهرب، وإنما يعني أن سيف الدولة أسف لذلك وقوله )في طيه نعم( الهاء في الطي الثاني ترجع إلى الأسف وقد شرح ذلك في البيت الذي يليه بقوله:
قد ناب عنك شديد الخوف واصطنعت ... لك المهابة مالا تصنع البهم
وقال الأحسائي: العدو إذا فاتك فذلك الفوت ظفر له، وفي طي ذلك الظفر أسف على من قتل من أصحابه، وما نهب من أمواله، وفي طي ذلك الأسف نعم لك ولأوليائك. ويشبه قوله: مصائب قوم عند قوم فوائد
رجلاه في الركض رجل واليدان يد ... وفعله ما تريد الكف والقدم

(1/81)


قال ابني جني: يصف استواء وقع قوائمه، وصحة جريه، كقول جرير:
من كل مشترف وإن بعد المدى ... ضرم الرقاق مناقل الأجرال
أي يتقي في جريه وطء الصخور، وقوله )وفعله ما تريد الكف والقدم( أي جريه يغنيك عن تحريك السوط والقدم.
وقال الشيخ: )وفعله( يعني الجواد، ما تريد كف راكبه وقدمه، أي هو جواد مدرب فإذا قصر عناه قصر في الجري، وإذا أرخي له في العنان بذل ما يريده الراكب من الجري، وكذلك إذا حرك قدمه ليمتري خصره فإنه يسمح بما يرضيه، ونحو من هذا المعنى قول ساعدة بن جؤية الهذلي:
يوشونهن إذا ما آنسوا فزعا ... تخت السنور بالأقدام والجذم
يعني بالجذم السياط، ويوشنهن يستخرجون ما عندهن في الجري.
وقال ابن فورجة: وإذا توقى وطء الصخور، على ما حكاه أبو الفتح لحذقه، فأي شبه بينه وبين كونه صحيح الجري غير متفاوته، متلائم وضع اليدين والرجلين، وما أراه إلا أعجب ببيت حرير ثم سمع هذا البيت فأعجبه، فجعله مثله من حيث الاستحسان لا من حيث الاشتباه، وهذا المصراع ببيت رؤبة أشبه وهو قوله: يهوين شتى ويقعن وفقا وقوله )وفعله ما تريد الكف والقدم( من قول امرئ القيس:
فللزجر ألهوب وللساق درة ... وللسوط أخرى غربها يتدفق
ويحتمل معنى آخر، وهو أن يريد أنه مؤدب، يتصرف من غير تحريك العنان، ولا القدم وإلى هذا ذهب قوله:
وأدبها طول القتال فطرفه ... يشير إليها من بعيد فتفهم
ومرهف سرت بين الموجتين به ... حتى ضربت وموج الموت يلتطم
قال الشيخ: المرهف السيف الرقيق، وجعل نفسه سائرا بين الموجتين أي بين فريقين يخاف منهما الموت، واستعار للموت موجا وإنما هو للبحر وما جرى مجراه من المياه الكثيرة كالفرات وغيره من الأنهار قال أبو ذؤيب:
فجاء بها ما شئت من لطمية ... يدوم الفرات فوقها ويموج
وخطى أبو ذويب في هذا البيت، وقيل الدرة لا تكون في الفرات، وقيل أراد باللطمية الدرة التي تحمل في اللطيمة، وهي العير التي تحمل المسك.
وقال قوم: أبو ذؤيب في جبال هذيل ولم يكن ليخفى عليه أن الدر لا يكون في الفرات، وقيل أراد أن حول الصدفة التي فيها الدرة ماء كثيرا كأنه الفرات إذا هاج. وقال قوم الصدفة إذا شقت عن الدرة خرج ماء فذلك الذي أراد الهذلي. وقيل إنما أراد ماء الدرة نفسها في حسنها، وشبه ماء الدرة بماء الفرات.
ليت الغمام الذي عندي صواعقه ... يزيلهن إلى من عنده الديم
قال الشيخ: يعني سيف الدولة، وبصواعقه ما يلحقه منه من الأذية شبهها بالصواعق، الصاعقة هي الراعدة التي يسمع لها صوت عظيم، وربما كان معها برق يحرق يقال صاعقة وصاعقة قال الراجز:
يحكون بالهندية اللوامع ... تبوج لبرق عن الصواقع
والديم جمع ديمة وهي مطر ليس بالشديد يدوم أياما، وأقل ما يكون يوم وليلة وهو من ذوات الواو لأنه من دام يدوم وأنسوا بالياء فقالوا ديم المطر، ولم يردوها إلى الواو قال الراجز:
هو الجواد ابن الجواد ابن سبل ... إن ديموا جاد جادوا وبل
وقالوا كثيب مديم إذا سقته الديم.
بأي لفظ تقول الشعر زعنفة ... تجوز عندك لا غرب ولا عجم
قال ابن جني: الزعانف سقط الناس وسفلتهم، وقوله )لا عرب ولا عجم( أي ليست في قصاحة العرب، ولا تسليم العجم، الفصاحة للعرب، فليسوا شيئا.
وقال الشيخ: الزعنفة طرف الشيء والقطعة منه التي لا حاجة به إليها وزعانف أطرافه، وكذلك ما تدلى من أطراف الثوب، ويقال لما قشر عن السمك زعانف، والزعانف الذين يكونون في أطرافهم، وليسوا من صميمهم فإذا وقعت الحرب انضموا إلى معظم الناس قال الشاعر:
فأدن رباط الجون مني فإنه ... دنا الشر واحتل الجميع الزعانف
وقال ابن فورجة: سمعت من ينشد )يخور عندك( وإن صحف فالمعنى جيد لأنه، شبه كلامهم لجهلهم بالخوار، ألا ترى إلى البحتري كيف قال يعني المستعين رحمه الله:

(1/82)


بكى المنير الشرقي إذ خار فوقه ... على الناس ثور قد تدلت غباغبه
وهذا يشبه تصحيف بعضهم قوله أيضا:
والصدق من الكرام فبينا ... أمن الشراب تنوب أم من تركه
صحف )فبينا( المكتوبة بألف التنوين فقال )فنبنا( يريد نبئنا من النبأ وهو الخبر مخفف الهمزة وهو جائز وهذا من سعادة هذا الرجل:
هذا عتابك إلا أنه مقة ... قد ضمن الدر إلا أنه كلم
قال الشيخ: المقة أصلها الومقة فحذفت الواو التي فاء الفعل. فقيل مقة، ووزن علة، وهذا الحذف مطرد في هذا الباب، يقولون وزنت الشيء زنة، ووعدت الرجل عدة، فإذا جاء حرف الحلق فتحوا في بعض المواضع وكسروا، يقولون في فلان ضعه وضعة، وفي وجهه قحة وقحة.
ومن أبيات أولها:
قد سمعنا ما قلت في الأحلام ... وأنلناك بدرة في المنام
قال الشيخ أبو العلاء رحمه الله: كان بعض الناس قد وجه إلى سيف الدولة أبياتا ذكر أنه رآها في النوم، وفيها شكية للفقر، فقال أبو الطيب هذه الأبيات والبدرة اصطلح الناس على أنها عشرة آلاف درهم، وقيل سميت بدرة لأنها مقدار ما يملأ البدرة، وهو جلد الفطيم، وجمعها بدر على غير قياس.
كل آخائه كرام نبي ... الدنيا ولكنه كريم الكرام
قال الشيخ رحمه الله: آخاه جمع أخ. كما يقال أب وآباء، وقلما يجمعونه هذا الجمع، لأنهم استغنوا بقولهم اخوة وإخوان، وأكثر ما يقولون في واحد الآخاء أخ، وقد حكوا أخا في وزن عصا، وينشدون بيتا قد كثر على ألسن الناس وهو:
إن أخاها وأخا أخاها ... قد بلغا في المجد غايتاها
وحكى الفراء )أخو( بسكون الخاء وأنشد:
لأخوين كانا خير أخوين شيمة ... وأسرعه في حاجة أريدها
وذكر ابن دريد أن أبن الكلبي حكى أخ بالتشديد، وجاء في شعر زهير بيت وهو قوله:
وكفي عن أذى الجيران نفسي ... وحفظي الود للأخ المداني
وقد روي هذا البيت لكعب بن زهير، فإن خففت الخاء فقد زعم أهل العلم بالشعر أنه زحاف لم يأت مثله عن العرب، وإن شددت الخاء على حكاية ابن الكلبي، ففيه زحاف ليس بمنكر، وقل ما يخلو بيت في الوزن في هذا الوزن منه.
ومن التي أولها: على قدر أهل العزم تأتي العزائم
يفدي أتم الطير عمرا سلاحه ... نسور الملا أحداثها والقشاعم
قال الشيخ رحمه الله: يعني بأتم الطير عمرا النسور، وبعض الناس يدعي أنه يعمر خمسمائة سنة، وبعضهم يقول عمره ثمانون سنة، وهو أشبه ونسور الملا بدل من أتم الطير، والملا المتسع من الأرض واستعمل الأحداث للنسور استعارة من الإنس، والقشاعم المسان وأكثر ما يستعمل في النسور، وأدعى للنسور أنها تفدي سلاحه، لأنها كفتها أمر المطاعم، لكثرة قتل الممدوح الأعداء فتقع عليهم النسور، والنسر لا يقتض وإنما يسقط على الجيف وقد بين الغرض في البيت الثاني بقوله:
وما ضرها خلق بغير مخالب ... وقد خلقت أسيافه والقوائم
وقال ابن فورجة: قوله )وما ضرها خلق بغير مخالب( مما يسأل عنه؛ إذا كانت النسور لا تخلو من المخالب، فعن ذاك جوابان، أحدهما: أنه يعني الفرخ الحدث الذي لا يمكنه الانتفاع بمخالبه لضعفه، والمسن الذي عجز عن طلب القوت، ألا تراهم يقولون في المثل )أبر من النسر( ويفسرون ذلك بأن النسر إذا أسن آوى إلى الوكر، وجعل فرخه يزقه كما يزقه كما يزقه في حداثته ويوضحه قوله )أحداثها والقشاعم( يريد فرخها الذي لم ينهض، ومنها الذي عجز عن النهوض.
والجواب الثاني: أنه يريد ما ضرها لو خلقت بغير مخالب كما تقول ما ضر النهار ظلمته مع حضورك، وليس النهار بمظلم، ولكنك تريد لو خلق مظلما.
وكان بها مثل الجنون فأصبحت ... ومن جث القتلى عليها تمائم
قال الشيخ: ادعى أن الحدث كان بها مثل الجنون، ويجوز أن يكون اراد أهلها والجثث جمع جثة، وأصل ذلك ما رؤي من جسم الانسان، وقيل اجتث الشيء إذا أخذ كله أي استؤصلت جثته، والجث شيء مرتفع من الأرض وليس بالعظيم قال الشاعر:

(1/83)


فأوفى على جث ولليل طرة ... على الأرض لم يكفف جوانبها الفجر
والتمائم تعلن على من يخاف عليه عين، أو يظن به سفعة من الجنون.
تفيت الليالي كل شي أخذنه ... وهن لما يأخذن منك غوارم
قال الشيخ رحمه الله: يقول الليالي إذا أخذن شيئا أفاتته، ولم يرجع إلى صاحبه، وهي إذا أخذت منك شيئا غرمته، وبعض الناس يروي )أخذته( وهو أشد مبالغة من الرواية الأولى، لأنه جعل الممدوح إذا أخذ منها شيئا لم يقدر على استرجاعه منه، وإذا أخذت منه شيئا غرمته.
إذا كان ما تنويه فعلا مضارعا ... مضى قبل أن تلقى عليه الجوازم
قال الشيخ رحمه الله: الجوازم الحروف التي تجزم، وأصل الجزم القطع، وسمى النحويون هذا الفن جزما، لأنه يقطع الإعراب من الأسم، ومنه قولهم حلف علي يمين جزم أي قطعها، ومعنى البيت أن الممدوح إذا كان ما يقول فعلا مضارعا، وهو يصلح للأمرين للحال والاستقبال، أمضاها هذا المذكور من قبل أن تقع عليه الجوازم، كأنه إذا جرى في نفسه أن يقتل عدوا قتله قبل أن يقول قائل لم يقتله.
تجمع فيه كل لسن وأمة ... فما تفهم الحداث إلا التراجم
قال ابن جني: اللسن اللسان، وقرئ )وما أرسلنا من رسول إلا بلسن قومه( والحداث جمع حادث بمعنى متحدث، قال علي بن سليمان في قول عقيبة الأسدي يهجو بلال بن أبي بردة:
وما أنال حداث أمك بالضحى ... ولا بالمزكيها بظهر مغيب
له معنى ظريف وذلك أن أمه كانت مراقة، فيقول: لست ممن يقف عليها ليشتري منها، ولا بالمزكيا بظهر الغيب، أي لست ممن يقول لها: لحمك جيد وطبيخك طيب.
وقال الشيخ: يقال لبني فلان لسن أي لغة، في هذا الخميس أصناف العالم فكل منهم يحتاج إلى ترجمان يفسر له ما يسمع، والحداث الذين يتحدثون قال الشاعر،
أتيت مع الحداث ليلى فلم أبن ... وأخليت فاستعجمت عند خلائي
ولفظ الحداث يدل على أنه جمع حادث، ولم يقولوا رجل حادث من الحديث استغنوا عنه بقولهم حدث حدث وجاء حداث على تقدير حادث.
بضرب أتى الهامات والنصر غائب ... وصار إلى اللبات والنصر قادم
قال ابن جني: يقول: إذا ضربت عدوا، فحصل سيفك في رأسه، لم يعتد ذلك نصرا ولا ظفرا، وإذا فلق سيفك رأسه، وصار إلى لبته، فحينئذ يكون ذلك عندك نصرا ولا يرضيك ما دونه.
وقال الأحسائي: يعني أن الروم كانوا مستظهرين في أول يومهم، حتى حمل عليهم سيف الدولة في غلمانه وخواص فرسانه فهزمهم، يقول: إن الضرب أتى الهامات، وعليها البيض، فلما قطع البيض وصار إلى اللبات انهزموا، فكأن النصر كان غائبا فقدم.
حقرت الردينيات حتى طرحتها ... وحتى كأن السيف للرمح شاتم
قال الشيخ: الناس في الشام والعراق يروون هذا البيت شاتم، وله وجه أي كأن السيف لم يرض فعل الرمح فهو يشتمه، ولو رويت للسيف شائم لكان للبيت معنى ألطف في نقد الشعر لأنهم يقولون شام السيف إذا أغمده فكأنه يقول لما جاء السيف كان كأنه قد شام الرمح، وليس من عادة الرمح أن يشام ولكنه لما عطل السيف الرمح كأنه شامه.
تظن فراخ الفتح أنك زرتها ... بأماتها وهي العتاق الصلادم
قال الشيخ: فراخ الفتخ العقبان، أي أنك زرتها بأماتها، أي بالعقبان، والأمات تستعمل لغير الإنسان، والأمهات بالهاء تستعمل في بني آدم، وقد جاءت الأمهات في البهائم قال الشاعر:
قوال معروف مفعضاله ... عقار مثنى أمهات الرباع
ووزن أمات فلات، ووزن أمهات فعلهات، وقد أظهروا الهاء في الواحد وأنشدوا رجزا نسبوه إلى قصي بن كلاب جد النبي صلى الله عليه وسلم وهو:
إني لدى الحرب رخي اللبب ... معتزم الصولة عالي النسب
عند تناديهم بهال وهب ... أمهتي خندف واليأس أبي

(1/84)


والعتاق الخيل الكرام، يقال عتقت الفرس إذا تقدمت وسبقت، والصلادم الصلاب، وإذا قيل إن الميم زائدة في شدقم؛ لأنه من سعة الشدق لم يمتنع أن تكون الميم في صلدم زائدة لأنه من الصلد وهو الصلب، ووزن صلادم على هذا فعالم، وإذا كانت أصلية فوزنه فعالل.
ومن التي أولها: أراع كذا كل الأنام همام
حذارا لمعروري الجياد فجاءة ... إلى الطعن قبلا ما لهن لجام
قال الشيخ: وصفه بأنه معروري الجياد، أي يركبها أعراء، وقد بالغ في مدحه مبالغة وجب ن ينزهه معها عن إعراء الجياد، إذ كان ذلك لا مفخر فيه لمثله وقال: " ما لهن لجام " فوحد في موضع الجمع، وقد وصفت العرب إعجال الحروب إياها عن لجام الخيل، قال الشاعر:
غداة مررت بآل الربا ... ب تعجل بالركض أن تلجما
وبعضهم يفتخر بإلجام الفرس قبل إسراجه، لأنه إذا وضع اللجام في رأسه أمكنه أن يعروريه بغير سرج، وقال بعض الشعراء:
إذا قيل أي فتى تعلمون ... لصعلوك فهر ومحتاجها
ومن يعجل الخيل يوم الوغى ... بإجامها قبل إسراجها
أشارت نساء بني غالب ... إليك به قبل أزوجها
تغر حلاوات النفوس قلوبها ... فتختار بعض العيش وهو حمام
قال ابن جني: قلوبها: قلوب النفوس، فتختار الهرب خوف القتل، وهو كالقتل.
ومن التي أولها: ذكر الصبا ومراتع الآرام
لو كن حرين كن كصبرنا ... عند الرحيل لكن غير سجام
قال الشيخ رحمه الله: يقول دموعنا غزيرة كثيرة، فلو كن كصبرنا يوم الرحيل لكن قلائل لا يجرين.
أنت الغريبة في زمان أهله ... ولدت مكارمهم لغير تمام
قال ابن جني: أنت الغريبة، لأنه أراد الحال أو الخصلة كما تقول للرجل: إنك لأعجوبة، وإنك لداهية وعضلة.
قال الشيخ أبو العلاء: الأشبه أنه أراد أنت الدرة، ثم يحتمل أن يوقعها على كل خصلة محمودة.
مهلا ألا لله ما صنع القنا ... في عمرو حاب وضبة الأغتام
قال ابن جني: أراد عمرو حابس، فرخم المضاف إليه، وهذا لا يجوز عندنا، لأن الترخيم هو حذف يلحق أواخر الأسماء المضمونة في النداء تخفيفا، والمضاف إليه معرب في النداء مجرور بإضافة الأول إليه، فلا يجوز حذفه. فأما ما رواه الكوفيون من قول الشاعر:
أبا عرو لا تبعد فكل ابن حرة ... سيدعوه داعي يومه فيجيب
فلا يعرفه أصحابنا على هذه الرواية وإنما، روايتنا )أيا عرو( كما تقول يا طلح.
وذراع كل أبي فلان كنية ... حالت فصاحبها أبو الأيتام
قال ابن جني: كأنه قال ثم أحجار ناس وثم ذراع كل أبي فلان، أي ذراع مقطوعة من رجل كان يكنى أبا فلان زيدا أو عمرا أو غيره، فحالت كنيته فصار صاحبها يقال له أبو الأيتام، بعدما كان يقال له أبو فلان، وذلك لأنه هلك فيتم ولده ونصب كنيته على الحال من أبي فلان، أي كنيته وليست نسبا، ويسأل عن هذا فيقال إن الاسم الذي يقع بعد كل أداة واحد في معنى جماعة، ولا يكون إلا نكرة نحو قولك: " كل رجل في الدار " فلست تعني رجلا واحدا، ولا يجوز أن تقول " ضربت كل عبد الله " وأنت تريد ما تريد برجل، فكيف جاز له أن يقول كل أبي فلان؟ وهو يعني جماعة هذه أحوالهم، وفلان معرفة فينبغي أن يكون )أبي( معرفة لإضافته إليه، فالجواب أنه اضطر إلى تقدير الفصل، وبينه فكأنه قال كل أب لفلان أبي كل إنسان، يقال له أبو فلان، كما يقول: " رب أمه لقيته " و " رب عبد بطنه ضربته " أي رب واحد لأمه ورب عبد لبطنه.
قال الشيخ أبو العلاء رحمه الله: هذا تأويل لا يحتاج إليه، لأن كل علم من المعارف مثل عمرو وزيد لا يمتنع من تنكير فلان، وفلان في بيت المتنبي نكرة لأنه أخرجه مخرج قولك: " جاءني كل أبي علي في المصر " ففلان معرفة وقد صار نكرة، وأبو نكرة مثله، وليس يحتاج في هذا الموضع إلى تأويل فصل الإضافة لأن ذلك يؤدي إلى أن يكون فلان معرفة ولا يجوز تنكيرها، وذلك مستحيل لأن الاسم المعروف إذا جاز تنكيره فالتنكير إلى ما يكنى عنه به أسرع.

(1/85)


صغرت كل كبيرة وكبرت عن ... لكأنه وعدت سن غلام
قال الشيخ رحمه الله: يقول إنه صغر كل كبيرة، لأن الناس إذا نظروا إلى أفعاله استصغروا بفعله غيره، وكبرت عن لكأنه يشبه قوله:
أمط عنك تشبيهي بما وكأنه ... فما أحد فوقي ولا أحد مثلي
أراد أنه يكبر عن التشبيه، وأن يقول القائل كأنه الأسد، وكأنه السحاب، ونحو ذلك، فأدخل لام الابتداء على كأن، وذلك قليل جدا، والقياس يمنع منه لأن الكاف أول كلام، وقولهم: " كأن زيدا عمرو " مؤد معنى قولك كزيد، فجاز دخول اللام على الكاف، كما جاز دخولها في قولك: " لفلان أفضل من فلان " ثم ختم البيت بقوله: )سن الغلام( أي أنك شاب مع فعلك هذه الأفعال العظام.
ومن التي أولها:
عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم ... ما ذا يزيدك في إقدامك القسم
قال ابن جني: هي آخر قصيدة قالها بحضرة سيف الدولة، وقلت لأبي الطيب وقت قراءة هذه القصيدة عليه: أنه ليس في جميع شعرك أعلى كلاما من هذه القصيدة، فاعترف بذلك وقال كانت وداعأ.
وقال الشيخ: المثل القديم )اليمين حنث أو مندمة( وكأن مراد الشاعر إن عقبى يمين الحالف على عقبى الوغى، أي ما تعقبه الحرب ندم، لأنه لا يدري ما يكون فكأنه يشير بترك الحلف.
الراجع الخيل نحفاة مقودة ... من كل وبار أهلها إرم
قال الشيخ: الراجع الخيل يعني الممدوح، قد أحفاها السير فهي تقود ليزول عنها ذلك، و )وبار( موضع كان مسكونا ثم خلا من أهله، والعرب تضرب به المثل في البعد، وإرم هو أبو عاد ابن إرم بن سام بن نوح، والمثل يضرب في الفناء قال الراجز: من يلقني يود أودت إرم أي خيل هذا الممدوح ترجع عن البلد الذي غزاه وهو خال مثل وبار، وأهله هالكون مثل إرم.
وقال ابن فورجة: أي أحفاها كثرة السير، فهي تقاد ولا تركب رفقا بها. ولا تكون محفاة ملقية نعالها الحديد؛ لأنها خيل عراب لا تحتاج إلى النعال، ألا تراه يقول:
وكل جواد تلطم الأرض كفه ... بأغنى عن الحديد من النعل
وقوله أيضا:
تماشى بأيد كلما وافت الصفا ... تفشن به صدر البزاة حوافيا
بل أحفاها سلوكها الجبال في طلب الروم، وهي لم تتعود إلا البر، ولو أراد إلقاءها نعالها الحديد لقيل فهلا أنعلها إذ ألقت النعال، وهو ملك لا يعوزه النعال حيث سار، ويجوز أيضا أن يكون من الإحفاء الذي هو التقصي، كالخبر أنه صلى الله عليه وسلم أمر بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحى.
جيش كأنك في أرض تطاوله ... فالأرض لا أمم والجيش لا أمم
قال الشيخ: يقول كأنك في أرض تطاوله وهي واسعة، وعدد الجيش كثير فكرهما غير أمم، والأمم الشيء بين الشيئين يقال: دار بني فلان أمم أي بين القريب والبعيد. قال الشاعر:
طرقته أسماء أم حلما ... أم لم تكن من رحالنا أمما
إذا مضى علم بدا علم ... وإن مضى علم منه بدا علم
قال الشيخ: العلم من الأرض مثل الجبل، وعلم الجيش معروف، وكلاهما من العلامة، لأنه مؤد إلى العلم بالشيء، [ولو قال] وإن بدا عالم منه بدا علم، لكن أحسن في حكم الشعراء، ولعل أبا الطيب كذلك قال، لأن تكرير العلم في البيت كثير، وقوله في صفة الجيش بدا عالم يقلل تردد العلم ويدل على كثرة الجيش.
فما تركن بها خلدا له بصر ... تحت التراب ولا بازا له قدم
قال الشيخ أبو العلاء: يقول ما تركن في هذه الناحية خلدا، أي رجلا قد دخل في مغارة كما يدخل الخلد في الأرض، إلا أن هذا الخلد يبصر وهو يشابه الخلد في اختفائه، ويخالفه في نظره، ولا بازا له قدم، يعني رجلا مثل الباز يكون في أعالي الجبال إلا أنه له قدم.
تلقى بهم زبد التيار مقربة ... على جحافلها من نضحه رثم
دهم فوارسها ركاب أبطنها ... مكدودة وبقوم لا بها الألم

(1/86)


قال الشيخ: التيار الموج، والمقربة الخيل التي جرت عادتها بأن تقرب عند البيوت، والرثم بياض جحفلة الفرس العليا، وإذا كان البياض في السفلى قيل فلاس المظ، وابتدأ الشاعر بصفة الخيل المعروفة، ولم يزل مستمرا على ذلك إلى قوله )دهم( ثم دل ذلك أنه يريد السفن يعني أنها مطلية بالقار وجعل فوارسها ركاب أبطنها، فدل ذلك على أنه يريد السن لا غير.
وقال ابن فورجة: أرسناس نهر عظيم يقول ظنوا أنهم إذا جاوزوه حال بينك وبينهم، وكيف بعصمهم وهو نفسه ليس يعصم منك، لأنك تقطعه وتركبه بالخيل والسفن وهي المقربة التي ذكرها، والرثم بياض في الشفة العليا من الدابة شبه الزبد على مقدمها بالرثم.
والأعوجية مل الطرق خلفهم ... والمشرفية ملء اليوم فوقهم
قال الشيخ: نصب )ملء الطرق( بإضمار فعل كأنه قال: والأعوجية تردى أو تركض في حال ملئها للطرق، والإضافة على نية الانفصال كأنه قال: ملأ للطرق أي مالئه، ونصب )ملء اليوم( على نحو من هذا النصب.
وقال ابن فورجة: لما كانت الخيل مما يبسط في الأرض، جعل الطرق منها ممتلئة، ولما كانت السيوف مما يعلو في الجو ويهبط عند الضرب، جعلها ملء النهار لأن النهار ما بين السماء والأرض.
ومن التي أولها:
أنا لائمي إن كنت وقت اللوائم ... علمت بما بي بين تلك المعالم
قال ابن جني: هذا كقولك أنا مثلك إن كان كذا وكذا، ونظيره قوله:
عيون رواحلي إن حرت عيني ... وكل بغام رزحة بغامي
أي أنا مثل الإبل إن حارت عيني، والمعالم جمع معلم، وهي الآثار والأمارات قال ذو الرمة:
أو دمنة هيجت شوقا معالمها ... كأنها بالهدملات الرواسيم
وقال الشيخ: في البيت معنى القسم، لأن الإنسان يقول: أنا كافر إن كان كذا وإثبات الألف في أنا عند بعض النحويين ضرورة، وعلى ذلك يحملون قول حميد بن بحدل الكلابي:
أنا زين العشيرة فاعرفوني ... حميد قد تذريت السناما
والمعنى على هذا القول: أنا لائمي إن كان كذا، لأن اللائم عنده قبيح الشيمة مذموم الأفعال، ولو حمل قوله )أنى( على أنه فعل ماض من أنى الشيء يأني إذا حان وبلغ ميقاته، من قوله الله تعالى: )ألم يأن للذين آمنوا( لكان ذلك وجها حسنا، وسلم من إثبات الألف في غير موضع الإثبات، ويكون المعنى بلغ لائمي ما يريد إن كان ما ذكرت.
ديار اللواتي دارهن عزيزة ... بطول القنا يحفظن لا بالتمائم
قال أبو علي ابن فورجة: هذا البيت ظاهر المعنى واللفظ، وإنما أتيت بذكره لنكتة وهي أنني قرأت على أبي العلاء، فقلت له: أنشد بطول القنا، أو بطولي القنا على وزن كبرى وصغرى، فقال: ما رويت إلا بكسر للام، فقلت: التمائم في آخر البيت جمع وطول واحد، فهلا أنشد بطولى يراد بها طوال القنا، ليكون جمعا مع جمع، هذا أجود في صنعة الشعر. فقال: ما اخترت إلا مختارا غير أن الرواية ما ذكرت.
فمالي وللدنيا طلابي تجومها ... ومسعاي منها في شدوق الأراقم
قال الشيخ رحمه الله: طلابي مبتدأ، ونجومها خبره، والمعنى الذي أطلب نجومها فأقام المصدر مقام المفعول، فكأنه قال مطلوبي نجومها، ولو نصب نجومها لجاز، كما يقول: " ضربي فلانا " وهذا مثل قولهم: رأي عيني فلانا يفعل كذا، قال الراجز:
ورأي عيني الفتى أخاكا ... بعطي الجزيل فعليك ذاكا
يقول مالي وللدنيا أطلب فيها معالي الأمور، ومسعاي في شدوق الأراقم، أي في موضع الهلكة، التي لا تؤدي إلى فائدة.
وفارقت شر الأرض أهلا وتربة ... بها علوي جده غير هاشم
قال الشيخ: الأجود أن تكون الهاء في بها راجعة إلى تربة، وتكون الجملة في موضع نعت لها، وقوله )بها علوي( إقرار بالعلوية، ثم نفاه عن هاشم، أي أن هذا الممدوح ينسب إلى علي بدعواه، وليس هو من ولده واسم هاشم عمرو بن مناف.
كأنك ما جاودت من بان جوده ... عليك ولا قاتلت من لم تقاوم
قال ابن جني: يقال جاودني فجدته، أي كنت أجود منه، من الجود والجودة معا.

(1/87)


قال الشيخ: يقول: إذا هم الإنسان بأمر ولم يفعله فكأنه لم يهم به، وإذا اجتهد في طلب شيء ولم يدركه، فكأنه ما طلبه، وهذا البيت مخاطبة لغير الممدوح، يقول: كأنك يا إنسان إذا جاودت غيرك فغلبك في الجود لم تجاوده وإذا قابلت من لم تقاومه فكأنك لم تقاومه.
ومن التي أولها:
كفي أراني زيك لومك ألوما ... هم أقام على فؤاد أنجما
قال الشيخ أبو العلاء: النصف الأول يحتمل وجين: أحدهما: أن يكون مستغنيا بنفسه، يقول كفى لومك فإني أراني ألوم منك، أي ألومك أكثر من لومك إياي، وويك كلمة لم يصرف منها فعل، وأصحاب اللغة يزعمون أمن معناها التنبيه على الشيء، كأنهم يريدون ألم تروا في الكتاب العزيز: )ويكأنه لا يفلح الكافرون( فذهب الخليل فيما يرون إلى أنه قال: " وي " على معنى التعجب، ثم قال كأنه لا يفلح الكافرون، وهذا مذهب من يقول: " ويك " بلا أن وقد جاءت مع أن الخفيفة في قول الشاعر:
وي كأن من يكن له نشب يح ... بب ومن يفتقر يعش عيش ضر
فإذا جعلت " وي " كلمة والكاف للخطاب، وجب أن تفتح إذا خوطب بها المذكر وأن تكسر إذا أريد بها التأنيث.
والوجه الآخر من الوجهين الجائزين في النصف الأول: أن يكون متعلقا بالنصف الثاني، ويكون هم مرفوعا بقوله أراني، كأنه قال أراني لومك ألومك هم أقام على فؤاد أنجم، في أنجم ضمير يعود على الفؤاد، أي ذهب به كما يذهب السحاب المنجم، فيكون قوله )ألوما( أي أحق باللائمة مني حمل على القول الأول فهم مرفوع بابتداء مضمر، أو فعل أو خبر مقدم كأنه قال: هذا هم أو أصابني هم أو بي هم.
لم تجمع الأضداد في متشابه ... إلا لتجعلني لغرمي مغنما
كصفات أو حدنا أبي الفضل التي ... بهرت فأنطق واصفيه وأفحما
قال الشيخ رحمه الله: يقول: بهرت صفات هذا الممدوح فأنطلق الواصفين فوصفوه حتى فحموا، أي انقطع ملامهم، ويقال بكى الصبي حتى فحم، أي عجز عن البكاء، وقالوا أفحم الشاعر إذا تعذر عليه قول الشعر، ويجب أن يكون أخذ هذا اللفظ من الفحم المعروف، لأنهم يريدون أن الخاطر كان كالنار الموقدة فأنقطع إلى أن صار كالفحم، قال الهذلي.
أصخر بن عبد الله كنت شاعرا ... فإنك لا تهدي القوافي لمفحم
قال ابن فورجة: الأضداد هي الليل والشمس في قوله )شمس النهار تقل ليلا مظلما( ونحافة الغصن وكثافة النقا، في قوله: غصن على تقوى فلاة نابت والمتشابه يريد تشابه حسنها وتمثاله، وهذا كقول الأول:
إني غرضت إلى تناصف وجهها ... غرض المحب إلى الحبيب الغائب
تناصف وجهها أي كونه غير متنافر الحسن، ثم شبه اجتماع تلك الأضداد في الحسن المتشابه بصفات هذا الممدوح، إذ أنطقت الواصفين بحسنها وبهائها، ثم أفحمتهم بعجزهم عن إدراك كنهها، فهذان ضدان قد اجتمعا في صفاته المتشابهة، وجعل الفعل في أنطق وأفحم للممدوح لا للصفات.
يا أيها الملك المصفى جوهرا ... من ذات ذي الملكوت أسمى من سما
قال ابن جني: أي من ذات الله، وبالغ عز الله وعلا، وأسمى هاهنا اسم مضاف إلى من، وموضعه نصب لأنه منادى، فكأنه قال: يا أعلى من علا، وأرفع من ارتفع ويجوز أن يكون موضعه رفعا كأنه قال أنت أعلى من علا.
وقال الشيخ: جعل الممدوح خاصا من جوهر من عز عن الجواهر والأعراض، وخلقها بالإرادة، والقائل لها مذموم وإن رضي الممدوح بذلك، فقد أقدم على أمر يستعظم والملكوت فعلوت، والتاء في ذات أصلها هاء، ولكنها استعملت مضافة " وأسمى من سما " في موضع خفض نعت لله سبحانه.
نور تظاهر فيك لا هوتية ... فتكاد تعلم علم ما لن يعلما

(1/88)


قال ابن جني: لاهوتية كقولك إلاهية، ولست أعرف هذه اللفظة في كلام العرب، على أن العامة قد أولعت بها، ونصب )رهوتية( على المصدر، ويجوز أن يكون حالا من الضمير الذي في )تظاهر(. ولو كان اللاهوت من كلام العرب لكان اشتقاقه من )إله( الذي أدخل عليه الألف واللام، وصار علما لله تعالى، وذلك في أحد قولي سيبويه، ويكون كوزن الطاغوت، إلا أن الطاغوت مقلوب، واللاهوت لو كان عربيا لكان غير مقلوب فيكون على هذا فعلوتا بمنزلة الرهبوت والرحموت.
وقال الشيخ رحمه الله: نصب )لاهوتية( على التمييز، ولا يمتنع أن يكون نصبها على الحال، وإن كان النور مذكرا لأنه لا يمكن أن يقول تصور فلان رحمة، ويجوز أن تنصب )لاهوتية( لأنها مفعولة له أو من أجله، وبعض الناس يروي )لاهوتيه( بالإضافة إلى الهاء الراجعة على النور،
ويهم فيك إذا نطقت فصاحة ... من كل عضو منك أن يتكلما
قال الشيخ: في )يهم( ضمير يعود على النور، ويجوز أن تكون )فصاحة( منصوبة على التمييز، وأن تكون مفعولا له، يقول يهم هذا النور أن يتكلم من كل عضو فيك، ولا يقتصر على اللسان دون الأعضاء.
وقال ابن فورجة: ويجوز أن تكون )من( مقحمة ويكون فاعل )يهم( كل عضو، وهذا كقولك: ويهم من كل رجل أن يخاصمني، تريد ويهم كل رجل، ويكون ضمير )يتكلم( أيضا للعضو، وعلى التأويل الأول للنور.
ومن التي أولها: ضيف ألم برأسي غير محتشم
أبعد بعدت بياضا لا بياض له ... أنت أسود في عيني من الظلم
قال الشيخ: )أسود( في هذا البيت لا يراد به أشد سوادا، لأن النحويين يزعمون أن الألوان لا تستعمل في هذا الموضوع، ولا في النفي إلا بأشد ونحوها ويقولون: هذا أشد حمرة من الشقيق، ولا يقولون هذا أحمر من الشقيق وكذلك في التعجب ما أشد سواده، لا يقولون ما أسوده، ولم يجعله أشد سوادا من الظلم وإنما أراد أنه بعضها كما تقول فلان مسود من الليل، أي كأنه منه، ويحمل البيت المتقدم على أنه أراد لأنت أسود من جملتها، وقد أنشدوا بيتا شاذا وهو قول الراجز:
جارية في درعها الفضفاض ... أبيض من أخت يني إباض
وقد يتوجه لهذا البيت أن يكون على غير ما ذهبوا إليه، ويكون قوله )في درعها الفضفاض أبيض( أي في درعها جسد أبيض من أخت بني إباض، فيكون أبيض وصفا بالبياض، ويكون من هاهنا كما تقول للرجل من فلان صديق، وكذلك البيت المنسوب إلى طرفة:
إذا الرجال شتوا واشتد أكلهم ... فأنت أبيضهم سربال طباخ
يريد أنت مبيضهم، أي ثوبك أبيض، ولا يريد أن ثوبه أشد بياضا من ثيابهم وإنما هو كما تقول هذا كريم من بني فلان، أي أنت كريم وأنت منهم، ونحو هذه الأبيات في أن )أفعل( لا يراد به التفضيل قول القائل:
وأعنق من أولاد ذروة لم أجئ ... بإعطائه عارا ولا أنا نادم
لم يرد أنه أطول عنقا من أولاد ذروة، وإنما أراد أنه طويل العنق فإنه من أولادها.
بحب قاتلتي والشيب تغذيتي ... هواي طفلا وشييبي بالغ الحلم
قال الشيخ: تم الكلام عند قوله )تغذيتي( ثم فسر النصف الأول بالنصف الثاني فقال )هو أي طفلا( جعل هواي دالا على الفعل، كأنه قال هويت طفلا ونصب )طفلا( على الحال، وقوله )وشيبي بالغ الحلم( أي شبت حين بلغت الحلم، والنصب في بالغ الحلم كالنصب في قوله هويت طفلا على الحال.
قبلتها ودموعي مزج أدمعها ... وقبلتني على خوف فما لفم
قال ابن جني: نصب )فما( على الحال كما تقول، كلمته فاه إلى في، وتفسيره مشافها إلا أن المسموع فاه إلى في، فقاس هو هذا عليه، كما قال أيضا:
فلا يبل قاتل أعاديه ... أقائما نال ذاك أم قاعد
فقياس )لا يبل( على )لم يبل( وهو المسموع.
وقال الشيخ رحمه الله: نصب )فما( بفعل مضمر، أو أسم فاعل يقوم مقام الفعل كأنه قال: جعلت فمها إلى فمي، أو جاعلة فمها إلى فمي، وقوله )فما( موضوع موضع الحال، وكذلك قولهم: كلمته فاه إلى في، أي جاعلا فاه إلى في، وأما قول الشاعر:
تحسب هواس وأيقن أنني ... بها مفتد من صاحب لا أساوره

(1/89)


فقلت له فاها لفيك فإنها ... قلوص امرئ قاريك ما أنت حاذره
فقوله )فاها لفيك( منصوب بفعل مضمر، كأنه قال تلقي فاها إلى فيك، يعني الداهية أو ضربة أو طعنة استعارها فما، وهواس يعني أسدا يطلب شيئا بالليل وتحسب أي تظنن من حسبت الشيء.
قد كلمتها العوالي فهي مالحة ... كأنما الصاب معصوب على اللجم
قال ابن جني: كلمتها من الكلوم وهي الجراح، وقالوا في قوله تعالى )أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم( أي تخرجهم بركلها إياهم، وقال حسان: لو يدب الحولي من ولد الذر عليها لأنديتها الكلوم وقال ثعلب: ليس معنى الحولي الذي أتى عليه الحول، لأن ولد الذر لا يعيش حولا، وإنما يريد بالحولي الذي تحول من حال إلى حال.
قال الشيخ أبو العلاء: قول حسان: لو دبت الحولي، وهو ما صغر نت الذر على سبيل المبالغة، لأن العادة جرت بأن الحولي من البهائم يكون أصغر من غيره، فأجرى حسان الذر مجرى سواه، والدليل على صحة هذا القول البيت الذي اجتمعت الرواة عليه لامرئ القيس:
من القاصرات الطرف لو دب محول ... من الذر فوق الاتب منها لأثرا
فقوله )محول( مثل حسان )حولي( أي قد أتى عليه حول، وإنما اتبع حسان أمرأ القيس.
وكلما نطحت تحت العجاج به ... أسد الكتائب رامته ولم يرم
قال ابن جني: أي زالت عنه ولم يزل هو، وأراد رامت عنه، فحذف حرف الجر وأوصل الفعل بنفسه، قال الأعشى:
أبانا فلا رمت من عندنا ... فإنا بخير إذا لم ترم
أي لا برحت، وقد استعمله أبو نواس بغير حرف جر قال:
فما رمته حتى أتى دون ما حوت ... يميني حتى ريطتي وردائي
أي تمله الأبطال ولا يملها، وليس النطح مما يليق بذكر الأسد، وكان الأولى عندي أن يقول وكلما صدمت أو رميت أو نحو ذلك.
قال الشيخ: قوله إن )رامته( في معنى زالت عنه فيه نظرة، وقد يجوز هذا المعنى ويحتمل أن يكون رامته من رام يروم، فيكون الغرض رامت أن تصل إليه وهو على ذلك لم يرم من مكانه، وهذا أشبه من أن يكون رامته في معنى رامت عنه ويقوي هذا القول أن )رمت( إذا كان في معنى برحت لم يستعمل إلا في النفي، وقوله )رامته( قد استعمله في الإيجاب ألا ترى أنك تقول ما رمت من موضع كذا حتى فعلت، ولا يحسن أن تقول رمت من موضع كذا بغير جحد وعلى الوجه الذي استعمله أبو نواس لأنه قال )فما رمته( فجاء به في النفي.
ومن التي أولها: ملام النوى في ظلمها غاية الظلم
لألقى ابن إسحاق الذي دق فهمه ... فأبدع حتى جل عن دقة الفهم
قال الشيخ: " اسحق " كلمة أعجمية لم تصرف للتعريف والعجمة، وقد وافقت من العربية مصدر قولهم أسحقه إسحاقا، وقوله )فأبدع حتى جل عن دقة الفهم( من قول الأول:
حدث ما نابنا مصمئل ... جل حتى دق فيه الأجل
إذا بيت الأعداء كان استماعهم ... صير العوالي قبل قعقعة اللجم
قال الشيخ: أي طرقهم بياتا وهم نائمون، وصرير العوالي صوتها، وكأن أصوات اللجم مقعقعة، وأكثرها ما يستعمل في الحديد الصلصلة، وإذا كانوا قد وصفوا الحلي بالقعقعة فالحديد أولى به قال النابغة:
يسهد من نوم العشي سليمها ... لحلي النساء في يديه قعاقع
مذل الأعزاء المعز وإن يئن ... به يتمهم فالموتم الجابر اليتم
قال ابن جني: يئن يحضر، أي هو مذل الأعزاء، أو معز الأذلاء، كأنه يضع قوما ويرفع آخرين. قال الأصمعي: لا مصدر لآن وقال أبو زيد: أنى أنيا أي حان وقوله به أي على يديه.
وقال الشيخ: هو من قولهم آن الشيء يئين إذا حان، وهو مثل قولهم أنى. وإحدى الكلمتين مقلوبة من ألخرى، واليتم أصله الانفراد، قال الشاعر:
كوماء يسمو فوقها ... مثل اليتيم من الأرانب
يعني بالأرانب جمع أرنب، وهو الموضع المرتفع من الأرض، واليتيم المنفرد وإنما يصف ناقة بعظم السنام.
أطعناك طوع الدهر يا ابن يوسف ... لشهوتنا والحاسدو لك بالرغم

(1/90)


قال الشيخ أبو العلاء: حذف النون من قوله الحاسدون لما استقبلها اللام، لأنهم يتوهمون الإضافة في هذا الموضع، كأنه قال والحاسدوك وكذلك قالوا )لا خفي لك( لأنهم توهموا سقوط اللام وقد حذفوا نون الجمع، وإن لم يكن ثم لام الإضافة، ويروى بيت ينسب إلى عبيد الأسدي وهو قوله: ولقد يغنى بها جيرانك الممسكو منك بأسباب الوصال
دعيت بتقريظيك في كل مجلس ... وظن الذي يدعو ثنائي عليك اسمي
قال ابن جني: أراد وظن الذي يدعوني فحذف المفعول.
قال الشيخ: )دعيت( في معنى سميت، لأنهم يقولون جاءني رجل يدعى فلانا أي يسمى، وأراد دعيت بتقريظي إياك، فأقام المتصل مقام المضمر وأراد أنه قد عرف بمدحه، فكأنه قد صار اسما له، وإن الذي تسميه وتخاطبه قد ظن ثناءه على الممدوح اسما للمادح، وهذا إفراط في المبالغة.
فكم قائل لو كان الشخص نفسه ... لكان قراه مكمن العسكر الدهم
قال الشيخ: يقول كم قائل: لو كان هذا الشخص، يعني شخص الممدوح عظيما كنفسه، لكان قراه ظهره مكمنا للعسكر الدهم أي العظيم.
ومن التي أولها:
أحق عاف بدمعك الهمم ... أحدث شيء عهدا بها القدم
قال ابن جني: )العافي هنا الطالب والقاصد(. وسألته عن معنى هذا البيت فقال: أحق ما صرفت إليه بكاءك هم الناس، لأنها قد ذهبت ودرست فصار أحدثها عهدا قديما.
قال الشيخ: معنى البيت يدل على أن العافي في هذا الموضع الدارس، ومن قولهم عفا الربع إذا درس، والدليل على ذلك قوله )بدمعك( لأن الطالب والسائل لا يستحق الدمع، وإنما يبكي على المنازل الدارسة )وأحق عاف( معناه أحق دارس بأن يبكي عليه همم الناس، وقوله )أحدث شيء( .. إلى آخر البيت جملة تحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون لا موضع لها، لأنها كالمبتدأ، والآخر: أن تكون في موضع الحال من الهمم، ولا تعلق لها في الوجه الأول بالنصف الذي قبلها، وهي في الوجه الثاني متعلقة به وجعل القدم أحدث الأشياء عهدا بالهمم أي أن دروسها قديم ولا همم في الأرض، وقد شرح ذلك فيما بعده بقوله:
وإنما الناس بالملوك وما ... تفلح عريب ملوكها عجم
بنو العفرنى محطة الأسد ال ... أسد ولكن رماحها الأجم
قال ابن جني: )العفرني( اسم من أسماء الأسد، ومحطة اسم جد هذا الممدوح ويقال إن المنصور قتله على الإسلام، وبنو العفرني مرفوع بالابتداء وخبره الأسد، ومحطة بدل من العفرني، والأسد وصف لمحطة.
كأنها في نهارها قمر ... حف به من جنانها ظلم
ناعمة الجسم لا عظام لها ... لها بنات وما لها رحم
قال الشيخ: شبه البحيرة بالقمر لبياض الماء، والجنان جمع جنة وهي الأرض التي سترها الشجر والنبات لشدة خضرتها، ومن ذلك قوله تعالى )مدهامتان( والغز عن البحيرة، وزعم أنها ناعمة الجسم، ولما جعل لها جسما زعم أنها لا عظام لها، يلغز بذلك لأن الجسم لا بد له من العظام، وذكر أن لها بنات يعني السمك، ونفى أن يكون لها رحم.
ومن التي أولها: فؤاد ما تسليه المدام
أرانب غير أنهم ملوك ... مفتحة عيونهم نيام
قال ابن جني: المعهود في هذا أن يقال: هم ملوك إلا أنهم في صور الأرانب فتزايد وعكس الكلام مبالغة، فقال أرانب غير أنهم ملوك فجعل الأرانب حقيقة لهم، والملوك مستعارا فيهم، وهذه عادة له يفارق بها أكثر الشعراء.
وقال الشيخ: الأرنب تنام وعيناها مفتحتان، وشبه الناس بالأرنب لأن عيونهم مفتحة، وكأنهم مع ذلك نيام، ولم يرد النوم الذي هو ضد اليقظة، وإنما أراد أنهم بله لا يفطنون لما هم فيه والعرب تمدح بقلة النوم، وتذم إذا ألف الرجل ذلك، قال الطرماح:
وليس أخو الحاجات من بات نائما ... ولكن أخوها من يبيت على وجل
ولو لم يرع إلا مستحق ... لرتبته أسامهم المسام

(1/91)


قال الشيخ: يقول لو لم يل أمور الناس إلا مستحق لذلك، لوجب أن يكون بعض الرعاة مرعيا، يريد أن الرجل منهم يلي الجماعة الكثيرة، وفيهم من هو أحق منه بالولاية، ولو كانوا مرتبين على ما توجبه العقول، لكان سوامهم أعقل منهم وهذه مبالغة في ذم الناس.
إذا كان الشباب السكر والشي ... ب هما فالحياة هي الحمام
قال الشيخ: يقول إذا كان الشباب كالسكر، لا يصح به معقول الإنسان، وكان الشباب إذا جرب وعقل جاءه الشيب، فاهتم لذلك، فالحياة هي الحمام أي الموت خير منها، وقد قال القائل:
إذا احتاج الكريم إلى لئيم ... ففي موت الكريم له حياة
فقد خفي الزمان به علينا ... كسلك الدر يخفيه النظام
قال ابن جني: يقول: قد اشتمل على الزمان فخفي بالإضافة إليه، وشبهه بالدر إذا اكتنف السلك لنفاسته وشرفه، وهذا كقوله في سيف الدولة: فأتيت من فوق الزمان وتحته قال الشيخ، ورواه بها: الهاء راجعة إلى عطاياه، وأدعى أنها قد انتظمت الزمان فغطته كتغطية الدر ما نظم فيه من السلك.
ومن التي أولها: نرى عظما بالصد والبين أعظم
ولا يبرم الأمر الذي هو حالك ... ولا يحلل الأمر الذي هو مبرم
قال الشيخ: يقال أبرمت الشيء إذا أحكمته، وأصل ذلك من فتل الحبل وبعض الناس من يعيب عليه )حلل( لأنه أظهر التضعيف، وتلك ضرورة، ولو وضع مكانها ناقصا لسلم من الضرورة، ويجوز أن يكون الشاعر فعل ذلك ليعلم أنه عالم بالضرورات، فأما قول ابن أم صاحب:
مهلا أعاذل قد جربت من خلقي ... أني أجود لأقوام وإن ضننوا
فإنه احتاج إلى إظهار التضعيف، لأنه أراد أن يقابل الجود بالضن، ومنها قول زهير:
لم يلقها إلا بشكة باسل ... يخشى الحوادث حازم مستعدد
أجدك ما تنفك عان تفكه ... عم بن سليمان ومالا تقسم
قال الشيخ رحمه الله: )أجدك( بمعنى أجد منك، وهو استفهام كالمعلوم عند المستفهم، ونصب )أجدك( على المصدر أو فعل مضمر، وينبغي أن يكون )عان( مرفوعا بالابتداء، ولولا وزن البيت لكان نصب )عان( أوجه، والتقدير ما تنفك تفك عانيا، ويقوي نصبه أنه نصب )مالا( وقوله )عم بن سليمان( أراد عمر فرخم على رأي أهل الكوفة، والبصريون لا يرون ترخيم الثلاثي الذي أوسطه متحرك.
وقال الاحسائي: رخم عمر وهو على ثلاثة أحرف، لأن أصله عامر فدخل عليه العدل للمبالغة فقامت المبالغة فيه مقام الألف المحذوفة منه، فلما رخمه اعتد بالمعنى الذي هو المبالغة اعتداده بالحرف الرابع منه، فلذلك أجاز فيه الترخيم، ولو كان مثل زيد وعمر ولما جاز ترخيمه البتة، وهذا دقيق في تعليل الإعراب.
ومن التي أولها: لا افتخار إلا لمن لا يضام
حسن في عيون أعدائه أق ... بح من ضيفه رأته السوام
قال ابن جني: هذا مما يسأل عنه فيقال: كيف يكون حسنا في عيون أعدائه وهل هذا هجاء؟ فالجواب أنه أراد أنه في الحقيقة حسن، إلا أنه مع هذا أقبح في عيون أعدائه من ضيفه إذا رأته السوام، وهو المال الراعي لأنه ينحر الإبل للأضياف فهي تكرههم، وقوله في )عيون أعدائه( ظرف للقبح لا للحسن، وقدمه عليه كما تقول: زيد في الدار أحسن منك، على هذا استقر الكلام بيني وبينه وقت القراءة عليه.
إنما مرة بن عوف بن سعد ... جمرات لا تشتهيها النعام
قال الشيخ: قد شاع بين العوام أو النعام تلتقم الجمر، فحمل أبو الطيب كلامه على ذلك، وقال مرة بن عوف بن سعد جمرات لا تشتهيها النعام، أي هي جمرات عظيمة، وهي في العرب قبائل تعرف بالجمرات، وإنما سميت بذلك لشدة بأسها، وهي أربع: الحرث بن كعب، وعبس، وبغيض وضبة بن أد، ونمير بن عامر.
وعوار لوامع دينها الحل ... ولكن زيها الإحرام
قال الشيخ: وصف السيوف بأن دينها الحل لأنها لا تقتل إلا من يجب قتله، وبالإحرام لأنها لا تقر في الغمود فهي عارية.
كتبت في صحائف المجد بسم ... ثم قيس وبعد قيس السلام

(1/92)


قال السيخ: جعل الباء هاهنا مع اسم بمنزلة الكلمة الواحدة الثلاثية نحو رجل وجذع، ولعل هذه الكلمة ما استعملت على هذه السجية إلا في هذا البيت، لأنه جعلها بمنزلة كلمة واحدة. وأدخل عليها التنوين. ولو أنها بسم الله لحسن أن تحكى على ما هي عليه، فيقال: كتبت في صحائف المجد بسم الله، فأما قول القائل: )إن لوا وإن ليتا عناء(. فليس هو هذا الجنس، لأنه أخرج )لو( من بابها، وجعلها كلمة معربة، ولا من نحو قولهم: مررت ببرق نحره، لأن الجمل إذا سمي بها فهي محكية في النصب والرفع والخفض.
ومن التي أولها:
ألا لا أري الأحداث حمدا ولا ذما ... فما بطشها جهلا ولا كفها حلما
قال ابن جني: يقول لا ذنب للمصائب فأذمها، ولا إحسان فأحمدها، لأنها غير ناطقة في الحقيقة، وإنما تنسب إليها الأفعال استعارة ومجازا وقال الشيخ أبو العلاء: )أري( في البيت بمعنى أعلم، وهي تستعمل كثيرا على هذا الوجه، وأصل الرؤية في العين، ثم استعملت في العلم والاعتقاد والمشورة ونحو ذلك، تقول: المسلم يرى أن الصلاة فرض، أي يعتقد وفلان يرى أن تفعل كذا، أي يشير عليك.
إلى مثل ما كان الفتى مرجع الفتى ... يعود كما أبدى ويكري كما أرمى
قال الشيخ: يقال بدأ الشيء بالهمز وهي اللغة الجيدة، ويقال أبدى في معنى بدا، وهي قليلة، ويقال أكرى الشيء إذا نقص، وأكرى إذا زاد، وهي من الأضداد، وكرى الزاد إذا نقص، وأكرى الرجل إذا نقص زاده، قال الشاعر:
كذي زاد متى ما يكرمنه ... فليس وراءه ثقة بزاد
وأرمى على الشيء إذا زاد عليه، والاسم منه الرما، وفي الحديث " إني أخاف عليكم الرماء " أي الربا، والمعنى أن الفتى كان معدوما، وإلى مثل ذلك يعود.
بكيت عليها خيفة في حياتها ... وذاق كلانا ثكل صاحبه قدما
قال الشيخ: يقول كنت أعلم أنني لا بدلي من فراقك، فكنت أبكي عليها والفراق لم يكن، وكانت هي من لإشفاقها علي كأنها ثكلة وهذا نحو قوله: من رآها بعينه شاقه القطان فيها كما تشوق الحمول
منافعها ما ضر في نفع غيرها ... تغذى وتروى أن تجوع وأن تظما
قال الشيخ: يقول هذه المرأة كانت ترى أنها تنتفع بنفع غيرها، وإن كان نفعها إياه يضرها، والمراد أنها تطعم المساكين، وتجوع وتطمأ وظمؤها في نفسها ري وكأن هذا مأخوذ من قوله تعالى )ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة(.
ومن قول الهذلي:
أقسم جيمي في جسوم كثيرة ... وأوثر غيري من عيالك بالطعم
وقال ابن فورجة: هذا أحد الأبيات التي زل فيها الشيخ أبو الفتح بن جني فقال أي منافع الأحداث أن تجوع وأن تظمأ، وهذا ضار لغيرها، ومعنى جوعها وظمئها أن تهلك الناس، فتخلى منهم الدنيا وهذه كقوله أيضا: كالموت ليس له ري ولا شبع فرحم الله أبا الفتح أليس قد قال )في نفع غيرها( فأي نفع للناس في أن يهلكوا، وإنما الهاء في )منافعها( راجعة إلى الجدة المرثية، يريد أن منافع هذه المرأة لصلاحها وتقواها، وإيثارها على نفسها، وكثرة صيامها وعبادتها، ما جرت العادة به أن يضر، وذاك أنها تؤثر الجوع والظمأ على الري والشبع، فإذا جاعت وظمئت كأنها تغدت ورويت، وقوله )في نفع غيرها( موضعه الرفع لأنه خبر ثان لمنافعها، والخبر الأول )ما ضر( ويجوز أن يكون في بمعنى مع، يريد ما ضرها مع نفع غيرها، كما تقول أردت شتمك في إكرام زيد، أي مع إكرام زيد.
إذا فل عزمي عم مدى خوف بعده ... فأبعد شي ممكن لم يجد عزما
قال ابن جني: يقول: وجود الممكن مع عدم العزم، أبعد عن الوقوع من وجود عزم مع بعد لمطلب أي إذا لم يكن عزم لم يوصل إلى شيء البتة.
وإني لمن قوم كأن نفوسنا ... بها أنف أن تسكن اللحم والعظما
قال الشيخ: كان أبو الطيب له مذهب في أن يحمل الضمير على المعنى كقوله في هذا البيت )كأن نفوسنا(، ولو قال كأن نفوسهم لرجع الضمير إلى )قوم( وكان أقرب إلى فهم السامع، وكأنه أراد بهذا القول: إنا نؤثر القتل لأن نفوسنا تأنف من سكناها اللحم والعظم.
ومن التي أولها:

(1/93)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية