صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : تاريخ الأدب الأندلسي (عصر سيادة قرطبة)
المؤلف : إحسان عباس
الطبعة : 1
تاريخ النشر : 1960
الناشر : دار الثقافة
عنوان الناشر : بيروت
مصدر الكتاب : الوراق

[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

وهدمت داره وقتل، ومن شعره وكتب به من محبسه إلى جاريته عاج (1) :
وأني عداني أن أزورك مطبق ... وباب منيع بالحديد مضبب
فان تعجبي يا عاج مما أصابني ... ففي ريب هذا الدهر ما يتعجب
وفي النفس أشياء أبيت بغمها ... كأني على جمر الغضا أتقلب
تركت رشاد الأمر إذ كنت قادرا ... عليه فلاقيت الذي كنت أرهب
وكم قائل قال انج ويحك سالما ... ففي الأرض عنهم مستراد ومذهب
فقلت له: إن الفرار مذلة ... ونفسي على الأسواء أحلى وأطيب
سأرضى بحكم الله فيما ينوبني ... وما من قضاء الله للمرء مهرب
فمن يك مسرورا بحالي فانه ... سينهل في كأسي وشيكا ويشرب وحبس يحيى الغزال بعد ان ولاه الأمير عبد الرحمن قبض الأعشار، فلم يتصرف في ذلك تصرفا مرضيا، كما سنوضح في ترجمة الغزال (2) . وسجن مروان بن عبد الرحمن الملقب بالطليق، قيل لأنه كان يهوى جارية رباها أبوه معه، ثم استأثر الأب بها فاشتدت غيرته، فقتل أباه، وكان عمره ست عشرة سنة، وطال سجنه إذ مكث في السجن ست عشرة سنة أخرى، وكان أديبا شاعرا مكثرا (3) ومن شعره في معتقله:
ألا إن دهرا هادما كل ما نبني ... سيبلى كما يبلي ويفنى كما يفني
وما الفوز في الدنيا هو الفوز إنما ... يفوز الفتى بالربح فيها مع الغبن
يجازى ببؤس عن نعيمها ... ويجني الردى مما غدت كفه تجني
ولا شك ان الحزن يجري لغاية ... ولكن نفس المرء سيئة الظن وله أيضا يصف السجن:
في منزل كاليل أسود فاحم ... داجي النواحي مظلم الأشباج
يسود والزهراء تشرق حوله ... كالحبر أودع في ذوات العاج
__________
(1) الحلة: 40.
(2) انظر أيضا المطرب: 128.
(3) انظر الجذوة: 321، والحلة: 111 وما بعدها.

(1/79)


وسجن احمد بن محمد بن فرج الجياني صاحب كتاب الحدائق لكلمة عامية نطق بها نقلت عنه وأقام في السجن بجيان أعواما سبعة أو أزيد منها وكانت له أشعار ورسائل في محبسه إلى الحكم إلا أنها لم تكن تصل إليه فلما توفي الحكم أطلق من سجنه، وكان أهل الطلب يدخلون إليه في السجن ويقرأون عليه اللغة وغيرها، ولم تصلنا أشعاره ورسائله أو شيء منها (1) . ودخل السجن أيضا الشاعر يوسف بن هارون الرمادي، وقد لقي هذا المصير لأنه كان ينتقد السلطان، وعمل وهو محبوس كتابا سماه " كتاب الطير " من شعره مستشفعا (2) - وسنوفي القول عند الترجمة له - ويكفي أن أقول هنا، أن السجن قد صبغ شعره بصبغة الحزن، بعد أن كان التفاؤل في نظرته إلى الحياة أغلب على شعره، وجعله يحس بأنه شخص ضائع، وانه قد لا يتاح له أن يحس بطعم الحرية أبدا. على أن أشد الناس خورا عندما سجن، الحاجب جعفر بن عثمان المصحفي، الذي أذله ابن أبي عامر، ورماه بالمطبق لمنافسة بينهما، وأحداثه مشهورة مشروحة في كتب التاريخ (3) وقد استشفع كثيرا فلم ينل شفاعة، من قوله يخاطب المنصور ابن أبي عامر:
عفا الله عنك ألا رحمة ... تجود بعفوك إن أبعدا
لئن جل ذنب ولم أعتمده ... فأنت أجل وأعلى يدا
ألم تر عبدا عدا طوره ... ومولى عفا ورشيدا هدى
أقلني أقالك من لم يزل ... يقيك ويصرف عنك الردى وله أشعار كثيرة تتقلب به بين اليأس والأمل ومن قوله في ذلك:
صبرت على الأيام لما تولت ... وألزمت نفسي صبرها فاستمرت
فيا عجبا للقلب كيف اصطباره ... وللنفس بعد العز كيف استذلت
__________
(1) الصلة: 11.
(2) الجذوة: 346، والمطمح: 69.
(3) انظر ابن عذاري 2: 399 وما بعدها، والحلة: 123.

(1/80)


وما للنفس إلا حيث يجعلها الفتى ... فان طمعت تاقت وإلا تسلت
وكانت على الأيام نفسي عزيزة ... فلما رأت صبري على الذل ذلت
وقلت لها يا نفس موتي كريمة ... فقد كانت الدنيا لنا ثم ولت وحبس عبد الملك بن إدريس الجزيري الكاتب الشاعر، ومن مشهور ما صدر عنه وهو في السجن قصيدة له في الآداب والسنة، كتب بها إلى بنيه (أو إلى ابنه عبد الرحمن) (1) ، مطلعها:
ألوى بعزم تجلدي وتصبري ... نأي الأحبة واعتياد تذكري ويذكر فيها كيف فقد صبره، وذهب سروره وتلذذه بالعيش ويتشوق إلى ابنه الأصغر، ويتذكر ساعة فراقه فيقول:
عجبا لقلبي يوم راعتنا النوى ... ودنا وداعك كيف لم يتفطر
ما خلتني أبقى خلافك ساعة ... لولا السكون إلى أخيك الأكبر ومنها في النصائح والأمور التعليمية:
واعلم بأن العلم أرفع رتبة ... وأجل مكتسب وأسنى مفخر
فاسلك سبيل المقتنين له تسد ... ان السيادة تقتنى بالدفتر
والعالم المدعو حبرا إنما ... سماه باسم الحبر حمل المحبر
والعلم ليس بنافع أربابه ... ما لم يفد عملا وحسن تصبر ومنها أيضا:
واخزن لسانك واحترس من نطقه ... واحذر بوادر غيه ثم احذر
واصفح عن العوراء ان قيلت وعد ... بالحلم منك على السفيه المعور
وكل المسيء إلى أساءته ولا ... تتعقب الباغي ببغيء، تنصر
واذا سئلت فجد وان قل الجدى ... جهد المقل إزاء جهد المكثر وانما أعرض هذه الأمثلة لأنها تدل على الجوانب التي أيقظها السجن
__________
(1) انظر الجذوة: 261، ويتيمة الدهر 1: 437. وقد وجدت هذه القصيدة إقبالا كثيرا من الأندلسيين وميزها بعضهم بأنها من مروياته. انظر التكملة: 231 وفهرسة ابن خير: 410.

(1/81)


في حياة الشعر الأندلسي، فإلى جانب الحزن العميق، والتشوق إلى الانطلاق، والبكاء على الحياة، نجد تعميق المشاعر بالحياة، وقيمتها مع شيء من نغمة زهدية، وفلسفة مستمدة من القلق والحيرة، وأثارة من الحكمة التعليمية كالذي نراه في قصيدة الجزيري، وقد نجد ان الصبر أقوى من الثورة في هذا الشعر، وان الاستشفاع المتذلل أشيع من العزيمة العزيزة، وان الجزع من الموت أقوى من القدرة على استقباله، وكل هذا يشير إلى صورة حزينة، قلقة باكية، تجعلها نحس بقيمة المظهر الثالث على وجه أوضح وأظهر:
3 - الارتياح إلى الطبيعة
الارتياح إلى الطبيعة، من الموضوعات الكبرى التي سيطرت على الشعر في هذه الفترة، ومن الخطأ ان ننظر فحسب في هذا الموضوع إلى شعر المشهورين فيه كابن خفاجة من بعد، فان شيوعه في الفترة الأموية، يكاد يجعله اقرب أنواع الشعر إلى نفوس الأندلسيين، ومعرضه كتاب " الحدائق " لابن فرج، وكتاب البديع في فصل الربيع لحبيب، والارتياح بوصف الراح لابن مسلمة، وكلها كتب لم تصلنا ؟ما عدا كتاب البديع - وإنما تأدى إلينا بعض ما فيها، في مقتطفات، ويلحق بها كتاب الفرائد في التشبيهات لعلي بن الحسين القرطبي فانه أيضا حافل بصور الطبيعة في الشعر الأندلسي، وربما كان وصف الخمر والغناء أقل نزلة في هذا الشعر من وصف الطبيعة وبخاصة وصف الربيع عامة، والغيم والمطر والبرد والخمائل، والنواعير، والأزهار جملة وتفصيلا؛ ومما اكثروا من وصفه أزهار الرد والبهار والياسمين والنيلوفر. واذا ميزنا هذا النوع من الشعر بالكثرة فليس معنى هذا أننا نميزه بالجودة، فان الغرام فيه " بالصورة " قد صرف الأندلسيين عن حب الموضوع نفسه، أما الصورة فيه فأنها شبيهة بأختها المشرقية في نواحي جمودها، وحديثها عن الزهو الحي

(1/82)


بالتشبيهات الجامدة المستمدة من الوشي والأحجار الكريمة وما أشبه من ذلك قول ابن النظام (1) :
وقد بدت للبهار ألوية ... تعبق مسكا طلوعها عجب
رءوسها فضة مورقة ... تشرق نورا، عيونها ذهب
فهو أمير الرياض حف به ... من سائر النور عسكر لجب أو كقول ابن القوطية (2) :
وكأنما الروض الأنيق وقد بدت ... متلونات غضة أنواره
بيضا وصفرا فاقعات، صائغ ... لم ينأ درهمه ولا ديناره
سبك الخميلة عسجدا ووذيلة ... لما غدت شمس الظهيرة ناره وربما أدى الشغف بالصورة لديهم إلى استخراج صور غريبة، كقول المصحفي في وصف سوسنة (3) :
يا رب سوسنة قد بت ألثمها ... وما لها غير طعم المسك من ريق
مصفرة الوسط مبيض جوانبها ... كأنها عاشق في حجر معشوق وقد تضرب بعض الأشعار بسهم في الحيوية كقول ابن حصن في النيلوفر (4) :
كلما أقبل الظلام عليه ... غمضت أنجم السما عينيه
فإذا عاد للصباح ضياء ... عاد روح الحياة منه إليه وتزداد هذه الحيوية كلما اتصلت بفكرة زوال الورد سريعا، لاتصال ذلك بفكرة زوال الربيع وانتهاب اللذائذ، من ذلك قول الوزير أبي عثمان ابن إدريس (5) :
__________
(1) الجذوة: 267.
(2) الجذوة: 369.
(3) الحلة: 124.
(4) الجذوة: 371.
(5) الجذوة: 251.

(1/83)


أقام كرجع الطرف يشف غلة ... ولم يرو مشتاق الجوانح شائقه
فما كان إلا الطيف زار مسلما ... فسر ملاقيه وسيء مفارقه
على الورد من إلف التصابي تحية ... وان صرمت إلف التصابي علائقه وقد يستعيضون عن طلب الاستطراف في الصور بتصوير المبالغة في حب الزهور كقول احدهم (1) :
صاحبي إن كنت ترغب حجا ... طف بعرش الياسمين مليا
واستلم أركانه فهو حج ... ليس يخطيه القبول لديا أو كقول آخر في وصف الياسمين ومبلغ حبه له (2) :
ولو سقيته من ماء وجهي ... لما وفيته ما يستحق
ولا يخطئ الناظر في هذا الفن ... كيف أكثر الأندلسيون من وصف الطبيعة في مقدمات قصائدهم مستعيضين به عن الغزل، وكيف أن إعلاءهم من شأن الورد بين الأزهار يلفت النظر حقا. وقد ذكرت من قبل كيف ان شعراء الأندلس أكثروا من القول في الأزهار في أيام عبد الملك المظفر باقتراح منه، فوصفوا الآس والريحان والنرجس والبنفسج والخيري والورد والسوسن، فقال صاعد في الخيري:
قد نعمنا في دولة المنثور ... ووصلنا صغيرنا بالكبير
وسألناه لم تضوعت ليلا ... قال: فتك الشجعان بالديجور
وقرنا احمراره باصفرار ... فعجبنا من لطف صنع القدير
ما علمنا الياقوت للشم حتى ... نفحتنا روائح المنثور
حاجب الملك لا عداك بشير ... بفتوح أو قام بسرور وقال ابن دراج في الورد:
ضحك الزمان لنا فهاك وهاته ... أو ما رأيت الورد في شجراته
وقد جاء بالنارنج من أغصانه ... وبخجلة المعشوق من وجناته
__________
(1) الجذوة: 84.
(2) الجذوة: 119.

(1/84)


وكساه مولانا غلائل سندس ... (1) يوما يسر بله دماء عداته الشعر والتاريخ
ومن المظاهر الكبرى في شعر في هذه الفترة صلته بالتاريخ لإحساس الناس حاكمين ومحكومين انهم يصنعون تاريخا يستحق التخليد، وما ذلك الا من طبيعة أوضاع الأندلس نفسها الممثلة في صراع مستمر، داخلي وخارجي، فأما الصراع الخارجي، فهو الغزوات والمرابطة والجهاد في الثغور، وأما الصراع الداخلي فهو ما يسمى بالفتن وثورات الطامحين والمنشقين عن طاعة قرطبة، ويكفي أن يراجع القارئ كتابا في التاريخ الأندلسي حتى يجد فيه التاريخ مرتبا على حسب سنوات الغزو، وقد أربى المنصور بن أبي عامر في هذا على كل مجاهد قبله حين غزا نيفا وخمسين غزوة، وذهب ابنه عبد الملك في سبع غزوات وهكذا.
ومن أوليات صور هذا التخليد اتجاه الشعراء ؟منذ عهد مبكر - إلى نظم الأراجيز التاريخية، ومن ذلك أن يحيى بن حكم الغزال نظم في فتح الأندلس أرجوزة حسنة مطولة ذكر فيها السبب في غزوها وتفصيل الوقائع بين المسلمين وأهلها وعداد الأمراء عليها وأسماءهم (2) ولتمام بن عامر الثقفي أرجوزة في ذكر افتتاح الأندلس وتسميته ولاتها والخلفاء فيها ووصف حروبها من وقت دخول طارق بن زياد إلى آخر أيام الأمير عبد الرحمن بن الحكم (3) . ونظم ابن عبد ربه أرجوزة في غزوات الإمام عبد الرحمن الناصر من سنة 301 - 322 (4) وهي مدرجة في كتاب العقد. وفي أيام المنصور بن أبي عامر، اصبح نظم التاريخ وظيفة لها قيم خاص،
__________
(1) ابن عذاري 3: 18 - 21.
(2) النفح 1: 133، 2: 777.
(3) الحلة السيراء: 41.
(4) ابن عذاري 2: 336.

(1/85)


وقد قلد هذه الوظيفة حينئذ ابن المشاط الرعيني القرطبي فجمع في نظم التاريخ كتاب " الباهر " ، وهو كتاب هلك في النهب في نكبة العامريين (1) .
وكان الشاعر رفيق الأمير أو الخليفة في الجهاد، وبلغ الأمر بالمنذر أنه كان يستمع إلى الشعراء ينشدونه غازيا وراجعا (2) . وإذا تصورنا كثرة الغزوات في مدى هذه الفترة لاح لنا مبلغ الشعر الذي مزج بين المدح ووصف المعارك والإشادة بالانتصارات وتبرير الانكسارات، والتمثيل على هذا الفن هو نوع من الاستئناس ببعض النماذج الأندلسية.
فمن ذلك غزوة وادي سليط وهي من أمهات الوقائع في أيام الأمير محمد وفيها يقول عباس بن فرناس (3) :
ومؤتلف الأصوات مختلف الزحف ... لهوم الفلا عبل القبائل ملتف
إذا أومضت فيه الصوارم خلتها ... بروقا تراءى في الغمام وتستخفي
كأن ذرى الأعلام في ميلانها ... قراقير قي يم عجزن عن القذف وفيها يقول العتبي (4) :
سائل عن الثغر الصوارم تصدق ... واستنطق السمر العوالي تنطق
تركت وقائع في الثغور وقد غدت ... مثلا بكل مغرب ومشرق
وأداخ أهل المشركين بوقعة ... تركتهم مثل الأشاء المحرق
جاءت عليهم حربه بصواعق ... تركتهم مثل الرماد الأزرق
__________
(1) الصلة: 296، وقد تكون كلمة " نظم " هنا بمعنى " تنظيم " وترتيب وحينئذ فلا قيمة لهذا الاستنتاج المثبت هنا.
(2) ابن عذاري 2: 180.
(3) ابن عذاري 2: 166.
(4) ابن عذاري 2: 169.

(1/86)


ويقول صاعد مهنئا المنصور وقد غزا سنة 390 في صائفة، وكانت من أشد غزواته وأصعبها مقاما، وتعرف بغزوة جربيرة (1) :
جددت شكري للهوى المتجدد ... وعهدت عندك منه ما لم يعهد
اليوم عاش الدين وابتدأ الهدى ... غضا وعاد الملك عذب المورد
ووقفت في ثاني حنين وقفة ... فرأيت صنع الله يؤخذ باليد
من وفاته بدر وأدرك عمره ... جربير فهو من الرعيل الأسعد
فوددت لو حتم القضاء بأنني ... في القوم أول طالع مستشهد
ما أستكين لروعة، ومحمد ... وبنوه أنصار النبي محمد
عهدي به، والله ينظر صبره ... والموت بين مصوب ومصعد
غطى عليه المشركون فلم يكن ... في القوم إلا صخرة في فدفد
حتى تحصن بالملائكة التي ... حفته بين معفر ومردد ويلحق بهذا اللون من الشعر وصف القلاع الحصينة والحرب البحرية ضد المجوس، ووصف الاحتفالات الباهرة عند استقبال الوفود والرسل، وكثير مما يتصل بحياة البلاط.
أما الأحداث الداخلية فالمشهورة منها كثير، والشعر الذي أثارته غزير كذلك، فمنها وقعة الربض التي أوقع الحكم بناس من أهل قرطبة ثاروا عليه (189) و (202) وللحكم نفسه في هذه الواقعة شعر كثير يبرر به ما قام به من قتل وتشريد، كقوله:
ولما تساقينا سجال حروبنا ... سقيتهم سما من الموت ناقعا
وهل زدت ان وفيتهم صاع قرضهم ... فوافوا منايا قدرت ومصارعا
فهاك بلادي إنني قد تركتها ... مهادا ولم أترك عليها منازعا واكبر ثائر كاد يعجز الأمويين هو عمر بن حفصون زعيم العجم، وقد دامت فتنته هو وابناؤه اثنين وخمسين سنة، وكان يتحصن بمدينة
__________
(1) أعمال الأعلام: 72 - 73.

(1/87)


ببشتر وأطاعه اكثر بلاد الموسطة بين رية والخضراء والبيرة، وخرجت جيوش قرطبة لإخضاعه مرات عديدة، ولم يتمكن الأمويون من القضاء عليه، إلا في زمن عبد الرحمن الناصر، وقد غزاه الأمير عبد الله في إحدى المرات وانتصر عليه فقال في ذلك ابن عبد ربه:
رام ابن حفصون النجاة فلم يسر ... والسيف طالبه فليس بناج
ما زال يلقح كل حرب حائل ... فالآن أنتجها بشر نتاج
ركبوا الفرار بعصبة قد جربوا ... غب السرى وخوافت الإدراج
وإذا سألتهم موالي من هم ... قالوا: موالي كل ليل داج وهذا باب متسع، تخصص فيه الشعراء الملتصقون بالخلفاء والأمراء، كإبن عبد ربه والعتبي والعكي وابن الشمر وعباس بن فرناس وكثير من الملتقين حول المنصور بن أبي عامر، وكانت فتنة المستعين التي انقضت بها الخلافة الأموية من أشد هذه الأحداث الداخلية أثرا في الأدب، وسنفرد لها فصلا خاصا.
5 - وقفة الشعر مع العصبية
وهذا اللون من الشعر صورة من النقائض المشرقية وهو يمثل الصراع الأدبي بين العرب والمولدين، إلى جانب الصراع السياسي، وفيه في الجانب العربي الفخر بالقبيلة، وكان شعراء العرب هم قادتهم مثل سوار بن حمدون القيسي الثائر بناحية البراجلة، وقد انتضمت إليه بيوتات العرب من كورة البيرة وجيان ورية وغيرها فتغلب على المولدين، وافتخر بنصره وامتداد سلطانه وبقومه قيس في قصيدة طويلة أولها:
حرم الغواني يا هنيد مودتي ... إذ شاب مفرق لمتي وقذالي ثم وجه سوار همته إلى محاربة ابن حفصون واتباعه وانتصر عليهم في وقعة المدينة، وكان صاحب سعيد بن جودي أحد الشعراء الذين تمدحوا بذلك الانتصار فقال:

(1/88)


يقول بنو الحمراء لو أن جنحنا ... يطير لغشاكم بشؤبوب وابل وفيها يصف انهزام المولدين بقوله:
ولما رأونا زاحفين إليهم ... تولوا سراعا خوف وقع المناصل
فصرنا إليهم والرماح تنوشهم ... كوقع الصياصي تحت وهج القساطل
فلم يبق منهم غير عان مصفد ... يقاد أسيرا موثقا في السلاسل ولسعيد قصائد أخرى في وصف تلك المعارك وفي مدح سوار. وكان للمولدين شاعرهم المحامي عنهم ويعرف بالعبلي، واسمه عبد الرحمن بن احمد، وينسب إلى قرية عبلة، ويناظره الشاعر الاسدي واسمه محمد بن سعيد ابن مخلوق الاسدي، أسد بني خزيمة، وكان كل منهما يحرض قومه ويناضل عن مذهبه ويصف ما يجري لقومه على اضدادهم من الوقائع المخزية، ولهما في ذلك أشعار كثيرة، فمن شعر العبلي يذكر أحد الانتصارات:
قد انقصفت قناتهم وذلوا ... وزعزع ركن عزهم الأذل فأجابه الأسدي:
قد احتمل الأحبة واستقلوا ... لطيتهم بليل واحزألوا
فظل الدمع من جزع عليهم ... إذ احتملوا يسح ويستهل
سأصرف همتي عنهم وأسلو ... بهجوي معشرا كفروا وضلوا وقصيدة العبلي ناقضها شاعر عربي آخر بقصيدة مطلعها:
لسوار على الأعداء سيف ... أباد ذوي العداوة فاستقلوا وتمخضت هذه العصبيات عن قصائد في التحريض والإثارة وقصائد في رثاء السادات الذين قتلوا في تلك الحروب، وقد رثى الأسدي سعيد ابن جودي أمير العرب بقصيدة منها:
لا ساغت الراح لي من كف ساقيها ... حتى تقرب نفسي من تمنيها
وأن أرى الخيل تردي في أعنتها ... لثأر من كان قبل اليوم يرضيها
يا قاسم بن عياض دعوة فلقت ... صم الصخور فلم يسمع مناديها
أبلغ ربيعة والحيين من مضر ... وآل عك إذا أحللت واديها

(1/89)


وآل سعد فقد أضحت وليس لها ... راع يحيط فضاها بعد راعيها ورثى سعيدا الشاعر مقدم بن معافي بقصيدة مطلعها:
من ذا الذي يطعم أو يكسو ... وقد حوى حلف الندى رمس (1) وهذا الشعر مؤسس على القوة والجزالة، وهو يتميز بذلك عن كثير من ضروب الشعر الأندلسي لأن البداوة فيه أظهر.
6 - ثورة على الثقافات الجديدة
في هذا المظهر كان الشعر يمثل روح المحافظة، ويقوم بدور الخصم العنيد للعناصر العلمية أو ما كان حينئذ يعد ضربا من الثقافة العلمية، كالجغرافيا واقليدس والمجسمي وعلم النجوم والفلسفة، ويمثل ابن عبد ربه هذا الاتجاه خير تمثيل، فقد أعلن سخطه على الذين يقولون بكروية الأرض، وباختلاف الفصول حسب المنطق المناخية المختلفة، فمن ذلك قوله يسخر بمسلم بن احمد بن أبي عبيدة واصحابه:
والأرض كرية حف السماء بها ... فوقا وتحتا وصارت نقطة مثلا
صيف الجنوب شتاء للشمال بها ... قد صار بينهما هذا وذا دولا وقال ابن عبد ربه أيضا في مهاجمة المشتغلين بالفلك والحساب:
أين الزيج والقانون ... والأركند والكمه
وأين السند هند البطل ... والجدول هل ثمه
سوى الإفك على الله ... تعالى منشر الرمه
إذا كان أخو النجم ... يرى الغيب بما ضمه
إلى أن يطلب الرزق ... طلاب العاجز الهمه
وهذي الأرض قد وارت ... كنوزا عدة جمه
فلا والله ما لله ... خلق يحتوي علمه
__________
(1) انظر المقتبس: 54 - 66.

(1/90)


ودخل ابن عبد ربه ذات يوم على الوزير جهور بن الضيف، وكان القحط قد ألح والغيث قد احتبس، واغتنم الناس لذلك. وتحدث المنجمون بتأخير الغيث مدة طويلة، ومن هؤلاء ابن عذراء وأصحابه، فقال ابن عبد ربه للوزير: هذا من أمور الله المغيبة، ورجا الله ان يخلف حساب المنجمين، فما كان الا قليل حتى نزل الماء ليلا، فأفاق ابن عبد ربه وقرب المصباح ودعا بالدواة والقلم وكتب للوزير:
ما قدر الله هو الغالب ... ليس الذي يحسبه الحاسب
قد صدق الله رجاء الورى ... وما رجاء عبده خائب
وأنزل الغيث على راغب ... رحمته إذ قنط الراغب
قل لابن عذراء السخيف الحجى ... زرى عليك الكوكب الثاقب
ما يعلم الشاهد من حكمنا ... كيف بحكم حكمه غائب
فقل لعباس وأشياعه ... كيف ترى قولكم الكاذب
خانكم كيوان في فرسه ... وغركم في لونه الكاتب
فكلكم يكذب في علمه ... وكلكم في أصله كاذب
ما انتم شيء ولا علمكم ... قد ضعف المطلوب والطالب
تغالبون الله في حكمه ... والله لا يغلبه غالب ولم ينفرد ابن عبد ربه بهذا الموقف من الثقافة الجديدة بل شاركه فيه غيره من الشعراء، وكان اكثر هجومهم موجها إلى علم النجوم فمن ذلك قول عيسى بن قزمان:
لو كان عند النجوم السابحات بما ... يجري على الخلق من أبنائهم خبر
لم يحتلل بذراهم ريب حادثة ... بل كان ينجيهم الإنذار والحذر
ما كان ينجل منهم عالم ولدا ... في ساعة ما بها نحس ولا كدر ويقول سعيد بن العاص المرادي:
مستحيل أن تدرك الأوهام ... علم غيب تغيب عنه الأنام
كل من قال إن للنجم حكما ... لم يجز، فاعلمن، عليه السلام

(1/91)


سطروا الأولون فيه أساطير ... ولم يلهموا الرشاد فهاموا
إذ أرادوا بالسند هند وبالأر ... كند والزيج روم ما لا يرام
خبطوا في أمورها خبط عشوا ... ء حين ضلت في كنهها الأوهام
ليس يقضي كيوان أمرا كما قا ... لوا ولا المشتري ولا البهرام إنما الأمر للذي خلق الخلق وتمضي بعزمه الأحكام (1) ...
__________
(1) هذه الأمثلة مستخرجة من كتاب " بهجة المجالس " لابن عبد البر، مخطوطة دار الكتب المصرية.

(1/92)


3 - الشعر الأندلسي والتقليد لشعر المحدثين المشارقة
رأي الأستاذ اميلو غرسية غومس
لا أرى الأستاذ غرسية غومس مصيبا حين يقول: " وكذلك المحدثون لم يكن لهم عند شعراء الأندلس أثر بعيد فيما خلا بدورات نلمحها بين الحين والحين " (1) . فقد أشرت من قبل إلى ان الذوق الأندلسي قد تربى على تقدير شعر المشارقة المحدثين، حتى ميز نقاد الأندلس بين طريقتين في الشعر: طريقة العرب وطريقة المحدثين، ومالوا إلى الثانية وحاكوها، ومثلت كيف شغلوا انفسهم بتدارس ديوان أبي تمام ومسلم بن الوليد والبحتري، وكيف كان ديوان أبي تمام على وجه الخصوص محط اهتمامهم الأكبر. فمن الخير هنا أن أتلمس جوانب هذا التأثير الذي تلقاه الشعر الأندلسي من شعر المشارقة المحدثين. وأقول أن الأثر يمتد في اتجاهين: الأول أثر في الموضوع والثاني أثر في الشكل والطريقة الشعرية، أما الأول فتبيانه ليس بالأمر الميسور، وأما الثاني فانه على صعوبة تمييزه أظهر من الأول.
__________
(1) الشعر الأندلسي: 5، بالنثيا: 42.

(1/93)


صلته بالزهد المشرقي
لقد كان أهم المحدثين في نظر الأندلسيين هم: أبو نواس وأبو العتاهية وأبو تمام وابن الرومي وابن المعتز، ثم وفد ديوان المتنبي على الأندلس، فلم يلبث ان احدث بعض الأثر الملموس. ونجد في الأشعار الأندلسية من هذه الفترة نزعة زهد واضحة عند ابن أبي زمنين والغزال وابن عبد ربه وأبي بكر الزبيدي وغيرهم، ونحس فيها حقا بشخصية أبي العتاهية وأفكاره ونظراته في الحياة والموت، ولكن هذا الموضوع مشترك بين أناس ينظرون إلى الحياة الدنيا من خلال نظرهم إلى الموت والحياة الخالدة. ومن العسير ان يحكم المرء بان الأندلسيين استعاروا هذا الموضوع من أبي العتاهية أو اقتبسوا تماما فنه الشعري، لأن الزهد نزعة لها أصولها الاجتماعية وليست تجيء كلها اقتباسا، ولكن أثر أبي العتاهية في تقوية النزعة والاتجاه الشعري لا يمكن إنكاره، وإذا شمعنا الزبيدي يقول (1) :
لقد فاز الموفق للصواب ... وعاتب نفسه قبل العتاب
ومن شغل الفؤاد بحب مولى ... يجازى بالجزيل من الثواب
فذاك ينال عوا كعز ... من الدنيا يصير إلى ذهاب
تفكر في الممات فعن قريب ... ينادى بالرحيل إلى الحساب
وقدم ما ترجي النفع منه ... لدار الخلد واعمل بالكتاب
ولا تغتر بالدنيا فعما ... قريب سوف تؤذن بالخراب إذا سمعنا هذا الشعر وجدنا الموضوع والشكل قد اتفقا على النظر معا إلى أبي العتاهية في مثل قوله:
لدوا للموت وابنوا للخراب ... فكلكم يصير إلى تباب وإذا راجعنا قول ابن أبي زمنين (2) :
__________
(1) يتيمة الدهر 1: 410.
(2) المصدر السابق نفسه.

(1/94)


أيها المرء إن دنياك بحر ... طامح موجه فلا تأمننها
وسبيل النجاة فيها مبين ... وهو أخذ الكفاف والقوت منها على أشعار أبي العتاهية أدركنا فرقا بينهما، وان اتفق الموضوع، وهذا الفرق إنما ينتج عن صورة الدنيا عند كليهما، فأبو العتاهية يتصور الدنيا دارا أو ظلا متقلصا أو مرعى أو سرابا وقلما يتصورها بحرا في مثل قوله (1) :
كل أهل الدنيا تعوم على الغفلة منها في غمر بحر عميق ...
يتبارون في السباح فهم من ... بين ناج منهم وبين غريق فالصورة التي يرسمها ابن أبي زمنين للدنيا اقرب إلى ان تكون صورة أندلسية أصيلة من تلك الصور التي عرضها لنا الزبيدي في زهديته السابقة.
وصف الخمر
ومثل ذلك أيضا الحال في وصف الخمر، إلا ان هذا الموضوع أدق من سابقه وأبين حدودا، وبخاصة وانه عند أبي نواس زعيم هذا الفن ينقسم من حيث شكله في صورتين: الوصف للخمر وما يتصل بها، وقصة المغامرة مع الندمان في زيارة الحان، وفي الأول من هذين القسمين يستأثر أبو نواس بمعان وتوليدات إذا اقتبسها غيره أعلنت عن نفسها، كقول الشريف الطليق (2) :
رب كاس كست جنح الدجى ... ثوب برد من سناها يققا
قام يسقيها رشا في جفنه ... سنة تورث عيني أرقا
أشرقت في ناصع من كفه ... كشعاع الشمس وافى الفلقا
خفيت للعين حتى خلتها ... تتقي من لحظه ما يتقى
أصبحت شمسا وفوه مغربا ... ويد الساقي المحيي مشرقا
__________
(1) ديوان أبي العتاهية: 171.
(2) اليتيمة 1: 402.

(1/95)


فإذا ما غربت في فمه ... تركت في الخد منه شفقا فان نورانية هذه الخمر، وسرية " روحانيتها " التي خفيت وهي ظاهرة، ثم هذه الصورة التي تجعل منها شمسا تغرب في الفم بعد ان تطلع من المشرق ؟الذي هو يد الساقي - لا تزال تستمد من شعر أبي نواس الشيء الكثير.
وأبين من هذا حكمنا على قصة المغامرة في الحانات، فهذا اتجاه نواسي لا ينازع فيه صاحبه متقدم عليه، فاذا قرأنا قصيدة يحيى الغزال (1) :
ولما رأيت الشرب أكدت سماؤهم ... تأبطت زقي واحتسبت عنائي
فلما أتيت الحان ناديت ربه ... فهب خفيف الروح نحو ندائي
قليل هجوع العين الا تعلة ... على وجل مني ومن نظرائي
فقلت أذقنيها فلما أذاقني ... طرحت إليه ريطتي وردائي
وقلت أعرني بذلة أستتر بها ... بذلت له فيها طلاق نسائي
فوالله ما برت يميني ولا فت ... له غير أني ضامن بوفائي
وأبت إلى صحبي ولم أك آيبا ... فكل يفديني وحق فدائي وجدنا محاكاة متعمدة لأبي نواس، وان لم تقلل هذه المحاكاة من إجادة يحيى الغزال وتنفرده ببعض الجزئيات.
أثر أبي نواس
وافتتان الأندلسيين بأبي نواس قد يقوي القول بعمق أثره في الشعر الأندلسي، فقد رأينا كيف ان رواياتهم تنسب إلى عباس بن ناصح الرحلة للمشرق من اجل أن يلقاه حين سمع بنجومه، وهذا هو الغزال يحاكيه، ويرى الأندلسيون في محاكاته شيئا لا يقل مستواه عن شعر أبي نواس، ومن الحكايات الدالة على افتتانهم به، قول ابن شبلاق الاشبيلي: رأيت في النوم كأني في مقبرة ذات أزاهير ونواوير، وفيها قبر حواليه الريحان
__________
(1) المطرب: 138 والجذوة: 212 والريحان والريعان: 155.

(1/96)


الكثير، وقوم يشربون فكنت أقول لهم: والله ما زجرتكم الموعظة ولا وقرتم المقبرة، قال: فكانوا يقولون لي: أو ما تعرف قبر من هو؟ فكنت أقول لهم: لا. قال: فقالوا لي قبر أبي علي الحكمي الحسن ابن هانئ. قال فكنت أولي، فيقولون والله لا تبرح أو ترثيه قال: فكنت أقول:
جادك يا قبر نشاص الغمام ... وعاد بالعفو عليك السلام
ففيك أضحى الظرف مستودعا ... (1) واستترت عنا عيون الكلام فاستعاروا بعض معانيه في الغزل بالمذكر وفي وصف الخمر، فمن المعاني التي اقتبسوها: ان الكأس تكون ثقيلة فإذا صبت فيها الخمر خفت، قال إدريس بن اليمان (2) :
ثقلت زجاجات أتتنا فرغا ... حتى إذا ملئت بصرف الراح
خفت فكادت ان تطير بما حوت ... إن الجسوم تخف بالأرواح ومنها قول آخر في وصف كأس (3) :
هواء صيغ من ضد الهواء ... وشكل ماثل في شكل ماء
إذا عاينته ملآن أخفى ... عليك إناؤه ما في الإناء
وان مزجت به كأس تبدى ... كنوز الشمس في ثوب الهواء غير أن ما وصلنا من خمريات هذه الفترة ليس كثيرا، بحيث يكشف عن مدى أثر أبي نواس بدقة.
أبو تمام
أما أبو تمام فانه أعمق المحدثين أثرا في الشعر الأندلسي من حيث المبنى الشعري والشكل، ومن تأمل الشعر الأندلسي ؟في هذا العصر -
__________
(1) الجذوة: 255.
(2) الجذوة: 160.
(3) الجذوة: 243.

(1/97)


حق التأمل وجد مبدأ " حب الغرابة " أو الاستطراف هو الدافع القوي فيه، ثم يجيء المبنى بعد ذلك شديد الاعتماد على المطابقة ورسم المتقابلات المتضادة، وبلوغ درجه الإحالة في تصيد المعنى ومتفرعاته وظلاله، والاغراب بالاستعارة وان لم يكن هذا شائعا كثيرا، واستعارة النبت والماء في صور بعيدة عن حياة الطبيعة، وهذه الأخيرة من أشيع الصور عند أبي تمام. ومنها في الشعر الأندلسي قول محمد بن احمد بن قادم (1) :
قف بربع البلى وربع الهموم ... واسفح الدمع فيه سفح الغيوم
غيرت آية صروف الليالي ... ومحاها الغمام محو الرقيم
ساء ما اعتاض بالسحائب من ... نبت المعالي بمنبت القيصوم
فالأسى حين يعدم الشيء محمول ... على قدر جوهر المعلوم فقوله " نبت المعالي " استعارة تمامية، والبيت الأخير أحجية ذهنية كالأشياء التي يعرضها أبو تمام من هذا القبيل. وصورة واحدة هي :تعمم صلع هامات الربى " ، قد أصبحت في هذا الشعر الأندلسي تدور دورانا غير قابل. ومن اغرب الأمور ان يكون شعر أبي تمام محركا في وصف الطبيعة الأندلسية، وأنموذجا للأندلسيين في هذا المقام، وبخاصة قصيدته التي يصف فيها الربيع ومطلعها:
رقت حواشي الدهر فهي تمرمر ... وغدا الثرى في حلية يتكسر من ذلك قول أبي بكر ابن نصر الكاتب (2) :
انظر نسيم الزهر رق فوجهه ... لك عن أسرته السرية يسفر
خضل بريعان الربيع وقد غدا ... للعين وهو من النضارة منظر
وكأنما تلك الرياض عرائس ... ملبوسهن معصفر ومزعفر
أو كالقيان لبسن موشي الحلى ... فلهن من وشي اللباس تبختر فالمشاركة ليست في المعارضة وحسب وإنما هي أيضا في جزئيات
__________
(1) يتيمة الدهر: 377.
(2) الجذوة: 369.

(1/98)


القصيدة كقوله " وقد غدا للعين وهو من النضارة منظر " فإنما هو ناظر فيه إلى قول أبي تمام:
دنيا معاش للورى حتى إذا ... جلي الربيع فإنما هي منظر وشتان بين ما ذهب إليه أبو تمام من فهم لطبيعة الحياة وترجح الإنسان بين العمل والمتعة، وبين وصف الشاعر للربيع بأنه منظر. وكذلك تشبيهه الرياض بعرائس ذوات ملبوس معصفر أو مزعفر، يذكر بقول أبي تمام:
مصفرة محمرة فكأنها ... عصب تيمن في الوغى وتمضر وكلام الشاعر الأندلسي أرق، وصورة أبي تمام أغرب.
ولابن قلبيل البجاني أبيات يعارض بها قصيدة أبي تمام وهي (1) :
ضحك الربيع بروضه وسميه ... وافتر عن نور أنيق يزهر
فكأنه زهر النجوم إذا بدت ... وكأنها في الترب وشي أخضر
وكأن عرف نسميها عند الصبا ... عرف العبير يفوح فيه العنبر ابن الرومي
وفي وصف الطبيعة يلتقي أثر الرومي بأثر أبي تمام، وتبرز في الشعر الأندلسي تلك الفكرة التي ألح عليها ابن الرومي كثيرا، واستغل قضاياه المنطقية في إبرازها، أعني التناظر بين الأزهار وحجة بعضها في الفخر على البعض الآخر. من ذلك قول شاعر أندلسي (2) :
تعاير السوسان والجلنار ... والأقحوان الغض بين البهار
مبتسما ذاك وذا موضحا ... عن حسن توريد بدا واستثار
واستحكم الورد ببرهانه ... وانتحل الفضل معا والفخار ولسعيد بن محمد بن فرج أخي صاحب " الحدائق " قصيدة طويلة يرد
__________
(1) الجذوة: 366.
(2) الجذوة: 363.

(1/99)


فيها على ابن في تفضيله النرجس جاء فيها (1) :
عني إليك فما القياس الفاسد ... إلا الذي رد العيان الشاهد
أزعمت أن الورد من تفضيله ... خجل وناحله الفضيلة عاند
إن كان يستحيي لفضل جماله ... فحياؤه فيه جمال زائد
والنرجس المصفر أعظم ريبة ... من أن يحول عليه لون واحد
لبس البياض بصفرة في وجهه ... صفة كما وصف الحزين الفاقد وقد برزت روح المفاضلة والمناظرة بين الأزهار عندما شجع المظفر الشعراء على الإكثار من القول في أنواعها المختلفة ليطرح أشعارهم فيها للغناء، فمن قول صاعد البغدادي يفاضل بين البهار والنرجس (2) :
جمل الفضيلة للبهار بسبقه ... ولطالما خلف البهار النرجس
أربى عليه طيبه ونسيمه ... لكنه عن نشره يتنفس
كالحاجب الميمون شبه في العلا ... بابيه لكن فعل هذا أنفس ومن طريف الأمور ان المنصور كان قد سمى بناته بأسماء الزهور، فنظم الشعراء في وصف الأزهار قصائد تبين فضيلة كل نوع منها، وهم في هذا يحكون خصائص بنات المنصور نفسه (3) .
وأثر ابن الرومي أيضا في طريقته التحليلية إلى حد كما نرى في قول احمد بن محمد بن فرج (4) :
بنفسي من يصد بغير ذنب ... سوى إدلاله ثقة بحبي
عجبت لقلبه قاس كجسمي ... ويحكي جسمه في اللين قلبي
فهلا بالتشاكل كان قاس ... لقاس، واغتدى رطب لرطب
وان لم ينعطف باللين فظ ... فقولي بالقساوة: قلب صب
__________
(1) الجذوة: 212.
(2) ابن عذاري 3: 19.
(3) الذخيرة 4/1 : 32 - 33، والنفح 3: 1034.
(4) يتيمة الدهر 1: 368.

(1/100)


ابن المعتز
أما ابن المعتز فان صوره المستمدة من الجواهر والأحجار الكريمة قد تغلغلت أكثر شيء في شعر الطبيعة الأندلسية، ونكتفي منها ؟وهي كثيرة - بهذا المثل الذي لحظه الثعالبي: وهو قول سعيد بن محمد بن العاص المرواني (1) :
والبدر في جو السماء قد انطوى ... طرفاه حتى عاد مثل الزورق
فتراه من تحت المحاق كأنه ... غرق الكثير وبعضه لم يغرق وانه مأخوذ من قول ابن المعتز:
انظر إليه كزورق من فضة ... قد أثقلته حمولة من عنبر وصورة الشاعر الأندلسي فيها زيادة لطيفة، وهي أدق وأجمل موقعا من صورة ابن المعتز.
وأضعف الشعراء تأثيرا في البيئة الأندلسية هو المتنبي، لشموخه في الطريقة الشعرية وفي حكمته الفلسفية، ولذلك قلما نجد محاولات واضحة للحاق بها مثل بعض معارضات ابن دراج القسطلي له في قصيدته الرائية (2) :
لبيك أسمعنا نداك ودوننا ... نوء الكواكب مخويا أو ممطرا وفيها نسج على منوال قصيدة أبي الطيب في مدح ابن العميد:
باد هواك صبرت أم لم تصبرا ... وبكاك إن لم يجر دمعك أو جرى فإذا تذكرنا أن هؤلاء ليسوا كل المحدثين وان أشعارا كثيرة أخرى دخلت الأندلس وتأثر بها الأندلسيون فحاكوها أو تغنوا بها ملحنة أدركنا أن تأثير الشعر المحدث في الشعر الأندلسي لم يكن مظهرا عابرا أو قليلا، ولكن هذا التأثير لم يكن خيرا كله، فان ربقة التقليد خانقة تحول القابليات عن طريق الابتكار، ولو أن الأندلسيين نظروا من خلال
__________
(1) يتيمة الدهر 1: 398.
(2) الذخيرة 1: 1/56.

(1/101)


أنفسهم مثلا إلى شعر الطبيعة لاستغنوا عن مناظرات ابن الرومي وتشبيهات ابن المعتز الجامدة، ولاستوحوا بيئتهم في وصف الخمر، وهكذا.
مجمل خصائص الشعر في هذه الفترة
غير ان الأدب الأندلسي، قبل كل شيء، وليد البيئة الأندلسية، عنها تكون وتبلور وبها تعلق، وعليها دار، فإذا عز تبين الشخصية الأندلسية فيه، فما ذلك إلا لأن المتكأ الحضاري له كان مشابها للمتكأ الحضاري للأدب المشرقي، وهذه حقيقة كبرى تقرب بين الأدبين، تقريبا يكاد يطمس كثيرا من الفروق، أو يحجبها عن أعيننا. ويمكننا ان نجمل خصائص الشعر ومميزاته في الأمور الآتية:
1 - ظل الشعر في شكله العام طوال الفترة الأموية جافيا غير مصقول، يفقد كثيرا من الحلاوة التي يحسها القارئ في موسيقى الشعر المشرقي الجيد.
2 - لم يتصل بثقافة عميقة لأن النهضة العلمية فيه لم تعش طويلا ولم تعمق جذورها في البيئة الأندلسية ولذلك ظلت السطحية تغلب على معانيه وموضوعاته التي يعالجها.
3 - حاول ان يعمق الصورة ؟مقتفيا خطى أبي تمام - وقد نجح بعض الشيء ولكنه في كثير من الأحيان خرج بها إلى الإحالة.
4 - اتكأ على نماذج من الأدب المشرقي - في أحوال كثيرة - فشغل بالمحاكاة عن الإنتاج الأصيل المبتكر.

(1/102)


4 - طبقات الشعراء في هذا العصر
ان من يقرأ كتاب تاريخ علماء الأندلس للفرضي أو الصلة لابن بشكوال يستطيع ان يرى كل عالم أندلسي منسوبا لبلده، وان يلمس كيف كانت البلاد الأندلسية مليئة بالمحدثين والقراء والفقهاء، وكثير منهم يستحق أن يرحل إليه ويؤخذ عنه. ولكن الأمر في الشعر غير واضح على هذا النحو: صحيح أننا نجد بين الشعراء الجياني والقبري والجزيري والريي والموروري ولكن هؤلاء كانت تجذبهم قرطبة إليها للاستيطان فيها اكثر من جذبها للعلماء، لان قرطبة منتجع رزق للشعر وموطن لظهور مواهبه. ويبدو انه كان من الممكن ان نتصور انتشار الشعر على مدى واسع في المدن الأندلسية حين نتذكر ان أحد المؤلفين كتب أخبار شعراء البيرة وحدها في عشرة أجزاء - كما يقول ابن حزم - وما نظن البيرة وحدها كانت تتميز بذلك! غير ان الشعر في تلك العصور مقترن بالعطاء ومراكز السيادة ولم يكن في ذلك العصر من مراكز السيادة ما ينافس قرطبة، إلا في فترات قليلة. وفي تلك الفترات كانت هناك " بحيرات " صغيرة أو جزائر من النشاط الشعري في بعض المدن الأندلسية.

(1/103)


ففي أيام الأمير عبد الله كان إبراهيم بن حجاج شخصية واسعة النفوذ باشبيلية حتى حاول الاستقلال عن الدولة، وأصبحت تلك المدينة تنافس قرطبة في اجتذاب الشعراء إليها، فقصدوه من كل وجه، وكان منهم ابن عبد ربه والقلفاط، ولكنا لا نعرف شيئا عن شعراء من اشبيلية نفسها. وفي تلك الأيام أيضا ذلك النشاط الواضح للشعر في الصراع بين المولدين والعرب بمنطقة البيرة. وفي جبل شمنتان (سمنتان في المغرب) أقام عبيد الله بن أمية بن الشالية (الشمالية في المغرب) إمارة مستقلة أيام الأمير عبد الله أيضا، وكان عبيديس بن محمد الشاعر مكثرا من مدحه واصفا لمبانيه ومغازيه ومن ذلك قصيدته التي هنأه فيها ببعض الفتوح وأولها (1) :
جاء البشير بما عم السرور به ... عن الأمير أبي مروان في السفر قال ابن حيان في ذكر ابن الشالية: له أفضال على الشعراء والأدباء فلهم فيه مديح سائر وكان من أحمدهم لانتجاعه وأنطقهم بشكره عبيديس ابن محمود الشاعر، وشعره فيه كثير مستحسن (2) . وكان عبيديس في أول أمره من جملة كتاب القصر بقرطبة وفي اول عهده كان مداحا للأمير عبد الله نفسه ثم هاجر إلى جوار ابن الشالية وفارقه حين أحسن بتغيره عليه ولجأ إلى ابن حفصون (3) وله انتجاع إلى سعيد بن جودي أمير العرب ومدائح فيه (4) .
ذلك هو الأمر من حيث الرقعة المكانية. أما من حيث الزمن فيمكن أن نقسم شعراء هذا العصر في أربع طبقات (مع السماح بشيء من التداخل والمشاركة):
الطبقة الأولى: قدامى الشعراء من الذين عاشوا في عصر الولاة وأوائل
__________
(1) المقتبس: 10 وانظر ترجمة عيديس في المغرب 2: 69 والجذوة: 278، والبغية رقم: 1135، والمقتبس في صفحات متفرقة، والحلة، الورقة: 115.
(2) المقتبس: 9.
(3) انظر المقتبس: 45، والمغرب 2: 69.
(4) المقتبس: 125.

(1/104)


الدولة الأموية، ونميز من بينهم ثلاثة من المشهورين هم: جعونة بن الصمة أبو الأجرب الكلابي (1) ، شاعر فارس من العرب الطارئين على الأندلس كان يرحل ويحل بأكناف قرطبة وشعره بدوي الطابع ومن نماذجه قوله:
ولقد أراني من هواي بمنزل ... عال، ورأسي ذو غدائر أفرع
والعيش أغيد ساقط أفنانه ... والماء طيبه لنا والمرتع وكان أولا يهجو الصميل، فلما ظفر به الصميل عفا عنه، فأصبح مداحا له. وأقسم ممدوحه على نفسه ألا يراه إلا أعطاه ما حضره فكان أبو الأجرب يعتمد إغباب لقائه وكان لا يزوره لذلك الا في العيدين. وتوفي قبل حلول الدولة الأموية.
وثانيهم أبو المخشي (2) عاصم بن زيد، وهو أيضا طارئ غريب من العباد، وهم نصارى الحيرة، ولذلك كان الشعراء يعيرونه بالنصرانية في هجائهم له. وقد أدرك الدولة الأموية ومدح سليمان بن عبد الرحمن الداخل فظن هشام بن عبد الرحمن انه يعرض به في بعض شعره فعاقبه عقابا شديدا، قيل انه قطع لسانه، والأصح انه سمل عينيه، ودليل ذلك انه يذكر العمى في شعره. وقد دفع له الأمير عبد الرحمن دية عينيه مضاعفة وأجازه بألفي دينار وعنف ابنه على فعلته، وعطف عليه هشام نفسه ودفع له دية أخرى مضاعفة. اما شعره في العمى فهو قوله:
خضعت أم بناتي للعدا ... أن قضى الله قضاء فمضى
ورأت أعمى ضريرا إنما ... مشيه في الأرض لمس بالعصا
فاستكانت ثم قالت قولة ... - وهي حرى - بلغت مني المدى
ففؤادي قرح من قولها: ... ما من الأدواء داء كالعمى وشعره من النسق البدوي ومن نماذجه الواضحة قوله:
وهم ضافني في جوف يم ... كلا موجيهما عندي كبير
__________
(1) ترجمة في الجذوة: 177 والمغرب 1: 131 ورسالة ابن حزم.
(2) ترجمة في المغرب 2: 123 والجذوة: 377 وابن القوطية: 35.

(1/105)


فبتنا والقلوب معلقات ... وأجنحة الرياح بنا تطير وقد مات أبو المخشي أيام الحكم به هشام وآخر شعره قوله:
أم بنيات الضعيف حويلها ... تعول امرءا مثلي وكان يعولها
إذا ذكرت ما حال بيني وبينها ... بكت تستقيل الدهر مالا يقيلها وثالث هؤلاء هو غربيب الطليطلي (1) وكان ذا حكمة ودهاء مشهورا بالفضل والخير ولذلك أسند إليه أهل طليطلة أمرهم، وكانوا ذوي أشر وطغيان واستخفاف بالعمال، فلم يكن الأمير الحكم يطمح فيهم وغربيب بينهم، حتى إذا مات أرسل إليهم فأوقع بهم، وكان الناس يتداولون من شعر غربيب هذه الأبيات:
يهددني بمخلوق ضعيف ... يهاب من المنية ما أهاب
وليس إليه محيا ذي حياة ... وليس إليه مهلك من يصاب
له أجل ولي أجل وكل ... سيبلغ حيث يبلغه الكتاب وواضح من هذه الأبيات لم وصف غربيب بالفضل والخير يومئذ.
الطبقة الثانية: شعراء عهد الأمارة (200 - 300) وأكثرهم من شعراء المؤدبين مثل عباس بن ناصح والقلفاط وعبيديس الكاتب ومؤمن بن سعيد. ومنهم من يقع الشعر لديه موقعا ثانويا كابن الشمر المنجم وعباس بن فرناس التاكرني ( - 274) وكان متفلسفا منجما صاحب نيرنجات واختراعات كمحاولته الطيران واتخاذه الزجاج من الحجارة وفك الموسيقى والعروض (2) . ومع ان يحيى الغزال كان " عرافا " أيضا فان الشعر أبرز أدواته، وهو أعلى من هؤلاء مرتبة. وقد أثبتنا له والمؤمن بن سعيد والقلفاط ترجمات في هذا الكتاب متخذين من هؤلاء الثلاثة ممثلين لعهد الأمارة. وفي هذه الفترة أيضا تميز ابن عبد ربه وأدرك عصر الخلافة.
وقد عد ابن حيان في المقتبس الشعراء الذين كانوا في عصر الأمير
__________
(1) ترجمة في الجذوة: 307، وابن القوطية: 46.
(2) انظر المغرب 1: 333 والجذوة: 300.

(1/106)


عبد الله فذكر ابن عبد ربه ثم قال: وكان المصلي في حلبة الشعراء أيام الأمير عبد ربه بعد احمد بن عبد ربه، عبيد الله بعد احمد بن عبد ربه، عبيد الله بن يحيى بن إدريس الخالدي أحد بيوتات الشرف الموالين في هذه الدولة المروانية، وكان من سراة الناس وأدبائهم وعلمائهم، مال به طبيعه إلى صوغ القريض فأبدع فيه جدا، وجارى ابن عبد ربه فلم يبعد عن تجويده وكان يعارضه كثيرا في حسان قصائده ولا يقصر عن مداه (1) . وأدرك عبيد الله هذا عهد الناصر والحكم وله شعر كثير لم يصلنا. وعد ابن حيان أيضا القلفاط وابن قلزم ومقدم بن معافي القبري وقاسم بن عبد الواحد العجلي وسعيد ابن عبد ربه وإسحاق المنادي وزيد بن ربيع الحجري وعفير بن مسعود راوية شعر عباس بن ناصح وغيرهم. واكثر هؤلاء أدرك عصر الخلافة أيضا.
الطبقة الثالثة: شعراء عصر الخلافة (300 - 366 ) وهم الذين علا نجمهم أيام الناصر والمستنصر. في هذا العصر كان يعيش احمد بن فرج الجياني صاحب كتاب الحدائق، وقد ذكر في كتابه هذا مختارات لمعاصريه ولمن كان قبلهم. ويمكن ان نستعيد جزءا من هذا الكتاب المفقود مما استخلصه منه الحميدي في الجذوة وابن سعيد في المغرب وابن الأبار في الحلة السيراء. وقد صرح الحميدي بنقله عن " الحدائق " في اكثر من تسع عشرة مرة في كتابه. ومن الشعراء الذين ذكرهم من عاش في زمن الناصر والمستنصر أخوان لأحمد بن فرج نفسه، وعبيد الله بن يحيى بن إدريس المتقدم الذكر، وعبيد الله بن إسماعيل بن بدر وإسماعيل بن بدر وإدريس بن الهيثم ومحمد بن قاسم بن وهب ومحمد بن قادم ومحمد ابن مسرور وألمه ماله (أي ذو النفس الرديئة) ومقدم بن معافي القبري. ومن يراجع ما أورده الثعالبي في اليتيمة من مختارات غزلية للشعراء الأندلسيين يدرك صلة هذه المختارات وصلة الشعراء الذين ذكرهم الثعالبي
__________
(1) المقتبس: 44

(1/107)


بكتاب الحدائق، مما قد يدل على أن الثعالبي استغل هذا المصدر أو استغله له من أنشده هذا الشعر. ويلحق بهؤلاء المتقدم ذكرهم شعراء كثيرون منهم الرمادي وأستاذه أبو بكر بن هذيل.
الطبقة الرابعة: شعراء الدولة العامرية وهم كثيرون ومن أشهرهم عبد الرحمن بن أبي الفهد وعبد الملك بن إدريس الجزيري والطليق والمصحفي والشبانسي وابن شخيص ومحمد بن مسعود الغساني ومحمد بن الحسين الطبني وعشرات غيرهم. وممن أدرك الدولة العامرية وجاز عهد الفتنة من أكابر الشعراء الأندلسيين: ابن دراج وابن شهيد وعبادة بم ماء السماء وابن الحناط وأبو المغيرة بن حزم وابن عمه الفقيه أبو محمد.
وقد ترجمت لبعض هؤلاء الشعراء فيما يلي، إذ الترجمة لهم جميعا أمر غير عملي، وإنما أقدم نماذج فحسب.

(1/108)


تراجم الشعراء
1 - يحيى بن حكم الجياني الملقب بالغزال
2 - مؤمن بن سعيد
3 - القلفاظ
4 - ابن عبد ربه
5 - الرمادي

(1/109)


فراغ

(1/110)


1 - يحيى بن حكم الجياني
الملقب بالغزال
156 - 25ه
المطرب 125 - 141، والجذوة: 351، والنفح 1: 449، والمغرب 2: 57، وبغية الملتمس رقم: 1467.
كان عمره حين توفي عبد الرحمن الداخل ستة عشر عاما، ثم شهد عهد هشام بن عبد الرحمن (172 - 180) والحكم ابنه (180 - 206) وعبد الرحمن الحكم (206 - 238) وصدرا من خلافة محمد بن عبد الرحمن، ويبدو انه ذكر في أرجوزته التاريخية فقال (1) :
أدركت بالمصر ملوكا أربعه ... وخامسا هذا الذي نحن معه ومعنى ذلك انه عاصر كثيرا من أحداث الأندلس، وربما تمرس ببعض الحوادث، وكان عمره يوم الهيج الثاني لأهل الربض (202) ستا وأربعين سنة، ولكن الأخبار عنه قبل مجيء عبد الرحمن بن الحكم إلى الحكم مجهولة على نحو غريب يبعث على الدهشة، وفي مطلع إمارة عبد الرحمن
__________
(1) النفح 1: 449.

(1/111)


عبد الرحمن زرياب إلى الأندلس وتقول الروايات ان الغزال لم يرتح إلى هذا القادم فهجاه هجاء مقذعا، لسبب لا ندريه، فغضب منه عبد الرحمن عندما شكاه إليه زرياب فأمر بنفيه عن الأندلس فكلمه فيه أكابر دولته فعفا عنه، وتضيف إحدى الروايات انه لم يطب نفسا بالمقام في بلده فهاجر إلى المشرق، بعيد وفاة أبي نواس، وانه أقام مدة يتجول في البلاد المشرقية ثم حن إلى وطنه فعاد وهو قد شارف الستين. ولكن ليس هناك من الأسباب المقنعة ما يجعلنا نعتقد صحة هذه الرواية أو أن الغزال رأى المشرق أبدا.
وولاه الأمير عبد الرحمن قبض الأعشار ببلاط مروان واختزالها في الأهراء استجابة لرغبة عبر عنها في إحدى قصائده (1) . وفي ذلك العام ارتفعت الأسعار فباع الغزال كل ما لديه من مخزون، ثم نزل المطر ورخص الطعام، فلما علم الأمير بما فعله الغزال أنكره وقال: " إنما تعد الأعشار لنفقات الجند والحاجة إليها في الجهد فماذا صنع الخبيث؟ خذوه بأداء ما باع من أثمانها واشتروا به طعاما " ، وأبى الغزال ان يدفع ثمن ما باعه وقال: " إنما اشتري لكم من الطعام عدد ما بعت من الإمداد " فأمر الأمير بحمله مقيدا وسجنه بقرطبة، ومن السجن رفع الغزال إلى الأمير قصيدته التي مطلعها:
بعض تصابيك على زينب ... لا خير من الصبوة للأشيب وقد مدح فيها الأمير بالعدالة والهيبة فقال:
من مبلغ عني إمام الهدى ... الوارث المجد أبا عن أب
إني إذا أطنب مداحه ... قصدت في القول فلم أطنب
لا فك عني الله إن لم تكن ... أذكرتنا من عمر الطيب
وأصبح المشرق من شوقه ... إليك قد حن إلى المغرب
__________
(1) راجع المطرب: 128 وفيه أيضا تفصيل لفارة الغزال عند ملك النورمانديين 130 - 136.

(1/112)


منبره يهتف من شوقه ... إليك بالسهل وبالمرحب
أطربه الوقت الذي قد دنا ... وكان من قبلك لم يطرب
هفا الوجد فلو منبر ... طار لوافى خطفة الكوكب
إلى جميل الوجه ذي هيبة ... ليست لحامي الغابة المغضب
لا يمكن الناظر من رؤية ... إلا التماح الخائف المذنب ثم تعرض لذكر الطعام وبيعه والمال الذي قبضه فقال:
إن ترد المال فإني امرؤ ... لم أجمع المال ولم أكسب
إذا أخذت الحق مني فلا ... تلتمس الربح ولا ترغب
قد أحسن الله إلينا معا ... أن كان رأس المال لم يذهب وواضح من هذا كيف ان الغزال لا يستعمل التذلل للاستشفاع، وإنما يعتمد على شاعريته في المدح وعلى روحه الفكاهية.
غير أن تأريخ هذه القصة بأنها حدثت في أيام عبد الرحمن مما يستدعي شيئا من التوقف، فإنا لا نعلم قحطا حدث في أيامه، لكن هناك مجاعة حدثت سنة 199ه في أيام الحكم والد عبد الرحمن، فلعل للحكاية صلة بها، أو لعل هناك قحطا حدث في أيام عبد الرحمن نفسه ولم تحدثنا عنه كتب التاريخ، التي وصلت إلينا.
ومن أخباره في أيام عبد الرحمن صلته بقاضيين أخوين من بلده جيان، وهما يخامر الشعباني وأخوه معاذ، أما الأول فقد ولي القضاء سنة 220ه، فعامل الناس بخلق صعب ومذهب وعر فانبرى له الغزال يهجوه ويصفه بالبله والجهل، ومن شعره يشير إليه (1) :
فسبحان من أعطاك بطشا وقوة ... وسبحان من ولى القضاء يخامرا ثم ولي معاذ القضاء سنة 232 وكان طيبا ولى أحباس قرطبة رجلا ظن فيه خيرا فخاب ظنه فقال الغزال (2) :
__________
(1) قضاة قرطبة: 83.
(2) قضاة قرطبة: 86 والتكملة: 732 والعقد 1: 393 (ط. 1293ه).

(1/113)


يقول لي القاضي معاذ مشاورا ... وولى امرءا ؟فيما يرى - من ذوي الفضل
فديتك ماذا تحسب المرء صانعا ... فقلت وماذا يصنع الدب بالنحل
يدق خلاياها ويأكل شهدها ... ويترك للذبان ما كان من فضل كان الغزال حينئذ قد تجاوز الخامسة والسبعين وتهكمه بالقاضي وصاحب الاحباس ممزوج بالحكمة. وفي هذه السن أو في قريب منها كان ما يزال يروح ويجيء إلى عبد الرحمن في قصره، وذات يوم دخل على الأمير فحياه هذا بقوله (1) :
جاء الغزال بحسنه وجماله ... فطلب إليه ان يجيز فقال:
قال الأمير مداعبا بمقاله ... جاء الغزال بحسنه وجماله
أين الجمال من امرئ أربى على ... متعدد السبعين من أحواله
أين الجمال له، الجمال من امرئ ... ألقاه ريب الدهر في أغلاله
وأعاره من بعد جدته بلى ... وأحال رونق وجهه عن حاله وهي قصيدة طويلة، لم تبق منها إلا هذه الأبيات التي تدل على نسق جميل.
سفارة الغزال إلى بلاد النورمان (أو إلى القسطنطينية)
ومن أبرز الحوادث في حياة الغزال سفارته عن الأمير الأندلسي وقد قال ابن سعيد انه ذهب إلى ملك القسطنطينية (2) ، وأول من دون خبر هذه الرحلة هو تمام بن علقمة، معاصر الغزال، في تاريخ له ألفه، وذكرها ابن حيان في كتاب المقتبس، وعن أحدهما، فيما يبدو، نقل ابن دحية شيئا من خبر تلك الرحلة مفصلا في كتاب المطرب ولكنه جعل
__________
(1) ابن عذاري 2: 139.
(2) المغرب 2: 57.

(1/114)


أحداث الرحلة تتصل بسفارة الغزال إلى بلاد المجوس (النورمان) واستغرقت هذه الرحلة بين سفر وإقامة مدة عشرين شهرا.
ففي سنة 230ه هاجم النورمانديون في نحو ثمانين مركبا شبه جزيرة البيرة سالكين الطريق البحرية من اشبونة إلى قادس ثم إلى شذونة ثم توغلوا حتى اشبيلية قسرا وقتلوا كثيرا من أهلها واستمروا على ذلك سبعة أيام فلما سمع الأمير عبد الرحمن بذلك بعث بالجيوش لمهاجمتهم، وتزايدت قوة المجوس بمقدوم عدد جديد من السفن، وتغلغلوا إلى قرى أخرى في عمالة اشبيلية، وبعد ان فتكوا بالناس فتكا ذريعا عاد قسم كبير منهم إلى شذونة ثم إلى قادس. وفي أواخر صفر استطاعت جيوش عبد الرحمن ان تصيب في من بقي منهم مقتلا عند قرية طلياطة، وقتل قائد أسطولهم وصلب بعض من أخذ منهم على جذوع النخل باشبيلية، كل ذلك حدث في خلال اثنين وأربعين يوما، ويبدو انهم أحبوا الصلح بعد هذه المعارك فوفد رسول منهم على عبد الرحمن، فوافق هذا على الصلح وانتدب الغزال ليذهب إلى بلادهم، وبعث معه بهدية ثمينة، وهيء له مركب حاذى به مركب الرسول، وذهبوا جميعا إلى بلاد المجوس. وفي عودته، مر بشنت يعقوب، ثم صدر علة قشالة؛ ومنها إلى طليطلة ومنها إلى قرطبة.
إذن فان هذه الرحلة قد تمت بعيد سنة 230 ه وعمر الغزال يومئذ إذا حسبنا انه ولد سنة 156ه كان يناهز الخامسة والسبعين، الا ان تمام بن علقمة الذي سج تاريخ هذه الرحلة يقول انه كان قد شارف الخمسين، وعلى هذا فهناك خطأ ما في هذا الموقف، إما في حقيقة سن الغزال أو في التاريخ الذي ذهب فيه إلى بلاد المجوس؛ وللخروج من هذا الاضطراب علينا أن نفترض أن هناك سفارتين السفارة الأولى كانت إلى القسطنطينية وعمر الغزال خمسون سنة والثانية كانت إلى بلاد المجوس وعمره قد تجاوز السبعين.

(1/115)


والرحلة كما وصفها صاحب المطرب تتلخص في ان الغزال ذهب مع جماعة لم تذكر منهم المصادر الا واحدا هو يحيى بن حبيب، وهيأت له رحلته تجارب جديدة في الحياة، واستخرجت كثيرا من الشعر، ففي البحر قابلته العواصف، فوصفها الغزال ووصف تعلقهم بين الحياة والموت، وقدم لذلك بمطلع غزلي ثم قال:
قال لي يحيى وصرنا ... بين موج كالجبال
وتولتنا رياح ... من دبور وشمال
شقت القلعين وانبتت ... عرى تلك الجبال
وتمطى ملك المو ... ت إلينا عن حيال
فرأينا الموت رأي العين ... حالا بعد حال
لم يكن للقوم فينا ... يا صديقي رأس مال وفي هذه القطعة التحليلية الرقيقة تجد الغزال لا يزال في أشد حالات الكرب تشف نفسه عن الفكاهة العذبة في قوله: " لم يكن للقوم فينا يا صديقي رأس مال " ، وعرفته هذه الرحلات على بلاد غريبة وناس غرباء وعادات يراها لأول مرة، والحكايات التي تروى في هذه الرحلة ليست كلها من نسج الخيال وبخاصة رفض الغزال أن يسجد لملك المجوس، ثم إعجاب ملك المجوس برأيه وحكمته، ومجادلته للعلماء والحكماء هنالك، ألا أن العنصر النسائي غالب على قصص تلك الرحلة، وافتتان الغزال بزوجة الملك واسمها تود أو نود (1) - تصنعا لا حقيقة - يدل على دهائه في التقرب إلى القلوب، وإجادته السفارة السياسية، وقد سئل الغزال هل كانت الملكة من الجمال بالقدر الذي أطنبت فيه فقال لمحدثه تمام بن علقمة نفسه: " وأبيك لقد كان فيها حلاوة ولكني اجتلبت بهذا القول محبتها ونلت منها فوق ما أردت " . وقد خشي أصحاب الغزال عليه من كثرة تردده إلى الملكة أن يثير هذا الغيرة في نفس زوجها فلما قيل
__________
(1) يعتقد الأستاذ بروفنسال أنها هيTheodora زوج توفلس وابنها هو الأمير الطفل ميشيل.

(1/116)


لها في ذلك قالت: " ليس في ديننا نحن هذا ولا عندنا غيرة ولا نساؤنا مع رجالنا الا باختيارهن تقيم المرأة معه ما أحببت وتفارقه إذا كرهت " .
ونوادره مع الملكة مبنية على خفة ظله وميله إلى الدعابة، كأن تسأله عن سنه فيقول لها: عشرون، فإذا أبدت دهشتها قال لها وما تنكرين من هذا؟ ألم تري مهرا ينتج وهو أشهب، وربما تدخل في هذه الحكايات شيء من الخيال المشرقي عن الختان والخضاب وما أشبه. ويروى ابن سعيد أنها قد جاءته ذات مرة بخمر، وطلبت إليه ان يشربها، فأنى لأن ذلك لا يجوز في دينه ثم أدركته ندامة فقال من قصيدة يعبر عن ذلك (1) :
فقلت حماقة مني ونوكا ... فديتك لست من أهل الشمول
فأية غرة سبحان ربي ... لو اني كنت من أهل العقول شخصيته وخلقه
كان يحيى بن الحكم في صباه جميلا ومن اجل جماله لقب بالغزال، ويبدو انه كان فارع الطول، قوي البنية، وقد احتفظ بقوة بنيته هذه وهو في سن عالية، وقد وصفه معاصره تمام بن علقمة لأنه كان في اكتهاله وسيما، وانه حين سفر إلى بلاد المجوس كان ما يزال مجتمع الأشد ضرب الجسم حسن الصورة، وانه كان قد وخطه الشيب، وفي شيخوخته ما يزال الأمير عبد الرحمن يداعبه بذكر جماله، فينكر هذا ويؤكد أن الزمن قد غيره، وأحاله عن الحال الأولى، ولا ريب في أن اختياره للسفارة في بلاد أجنبية كان يشير إلى الجانبين البارزين من شخصيته: خلقه وخلقه، فأما الخلق فهو موصوف بحدة الخاطر وبديهة الرأي وحسن الجواب والنجدة والإقدام والحنكة السياسية، هذا إلى ثقافة جيدة، وبخاصة معرفته بعلم النجوم، كمعاصرة ابن الشمر منجم الأمير عبد الرحمن،
__________
(1) المغرب 2: 58.

(1/117)


وقد شهد الحميدي بأنه كان جليلا في نفسه وعلمه، وسماه المقري " عرافا " .
ويشهد معاصروه انه كان قليل المال مهملا في الأمور المادية، وتدل حادثة بيعه للطعام أيام المجاعة حين ولي قبض الأعشار على انتهاز الفرص ليجد المال، وعلى تصرفه بما ليس له، وعلى تبديده المال الذي قبضه في وقت سريع. ويقولون انه كان مقبلا على اللهو ثم أقلع عن شرب الخمر بعد عودته من المشرق وكانت يومئذ قد علت به السن وشارف الستين، واتجه إلى الزهد عملا وقولا. وقد أورد له ابن عبد ربه قصيدة تدل على انه كان بعيدا من اللهو وانه لم ينقد للذاته أبدا، مطلعها (1) :
لعمري ما ملكت مقودي الصبا ... فأمطو للذات في السهل والوعر وفيما يتحدث عن قناعته بشربة ماء وبخبز وبقل دون لحم وانه لو عمر تسعين حجة ؟وقد عمر - ما اشتاق إلى الخمر والمزاهر، بل انه سمع من الناس ان الخمر مرة، ولم يذق لها طعما:
وبالله لو عمرت تسعين حجة ... إلى مثلها ما اشتقت فيها إلى خمر
ولا طربت نفسي إلى مزهر ولا ... تحنن قلبي نحو عود ولا زمر
وقد حدثوني أن فيها مرارة ... وما حاجة الإنسان في الشرب للمر فان كانت هذه القصيدة للغزال حقا، فأنها قد تغير النظرة إلى سيرته، وإلا فأنها مما قاله بعد ان نسك، على أننا نراه في رحلته يتعذر للملكة بان الخمر حرام في دينه، ولا يعتذر بكبر السن أو بما يقارب ذلك، ولا بد من ان نذكر دائما انه كان ميالا للمداعبة والفكاهة في كل أدوار حياته.
شعره
شاعر الأندلس المقدم ؟في نظري - على جميع شعراء هذه الفترة، وربما كان ابن شهيد أعمق منه ثقافة وأبصر بالنقد، وكلامه أشد أسرا
__________
(1) العقد 5: 352 (ط. اللجنة).

(1/118)


وأجزل جزالة، ولكن الغزال أقرب إلى الطبع وأبعد عن التكلف، وأعمق تجربة وأنفذ نظرا، وأغور حكمة، ومن قلة احتفاله بصقل المبنى الشعري تجد على شعره آثار الجفاء وقلة التحلية اللفظية، وطلب المعنى في قالب مستو وان لم يكن شديد الرصانة، وهو ميال إلى الجانب التحليلي أكثر من ميله إلى التركيز، ولذلك اعتقد أن إتقانه للقصص الشعري كان من سماته الشعرية البارزة كما في قطعته التي وصف فيها ركوب البحر مع يحيى بن حبيب، وكما في تصويره لهذه المشكلة القديمة الحديثة، تخيير الفتاة بين شيخ غني أو شاب فقير، إذ يقول (1) :
وخيرها أبوها بين شيخ ... كثير المال أو حدث فقير
فقالت خطتا خسف وما إن ... أرى من خطوة للمستجير
ولكن إن عزمت فكل شيء ... أحب إلي من وجه الكبير
لأن المرء الفقر يثري ... وهذا لا يصير إلى صغير ومما يميزه بين شعراء الأندلس ميزتان كبيرتان الأولى: قيام شعره على النظرة الساخرة، ووضوح نظراته الفلسفية القائمة على تجربيته، وهما خاصيتان عزيزتان في الشعر الأندلسي. فأما السخرية فأنها القاعدة الصلبة المتصلة بروحه الفكاهية، وهي لا تفارقه في أحرج المواقف أو في أشدها جدية، حتى في الغزل، في مثل قوله:
وهي أدرى فلماذا ... دافعتني بمحال
أترى أنا اقتضينا ... بعد شيئا من نوال وقد ترفع هذه السخرية إلى مستوى المرارة في النظر إلى حقائق الحياة كقوله:
قالت: أحبك، قلت: كاذبة ... غري بذا من ليس ينتقد
هذا كلام لست أقبله ... الشيخ ليس أحد
سيان قولك ذا وقولك ... إن الريح نعقدها فتنعقد
__________
(1) الجذوة: 252.

(1/119)


أو أن تقولي: النار باردة ... أو أن تقولي: الماء يتقد وحين تبلغ سخريته هذا المستوى تلتقى بفلسفته الشكية الجانحة إلى التشاؤم وسوء الظن، وهذا هو حصاد تجربة طويلة جعلته يقول (1) :
إذا أخبرت عن رجل بريء ... من الآفات ظاهرة صحيح
فسلهم عنه هل هو آدمي ... فان قالوا نعم، فالقول ريح
ولكن بعضنا أهل استتار ... وعند الله أجمعنا جريح
ومن إنعام خالقنا علينا ... بأن ذنوبنا ليست تفوح
فلو فاحت لأصبحنا هروبا ... فرادى بالفلا ما نستريح
وضاق بكل منتحل صلاحا ... لنتن ذنوبه البلد الفسيح وهذه الفلسفة هي التي جعلته يرى العلاقة الاجتماعية شيئا شبيها بعلاقة القط والفأر والثعلب والدجاج في قولة:
لا ومن أعمل المطايا إليه ... كل من يرتجي إليه نصيبا
ما أرى ها هنا من الناس إلا ... ثعلبا يطلب الدجاج وذيبا أو شبيها بالقط ألقى بعينيه إلى فأرة يريد الوثوبا ... ويغرق في هذه النظرة الشكية الكافرة بالخير إذا هو استحضر ذكر المرأة، فالمرأة سرج للتداول، أو خان يتعاقب عليه النازلون أو ثمرة يأكلها أول مار بها (2) :
إن النساء لكالسروج حقيقة ... فالسرج ريثما لا تنزل
فإذا نزلت فان غيرك نازل ... ذاك المكان وفاعل ما تفعل
أو منزل المجتاز أصبح غاديا ... عنه، وينزل بعده من ينزل
أو كالثمار مباحة أغصانها ... تدنو لأول من يمر فيأكل وخلاصة فلسفة الغزال أن الناس جميعا متساوون لأنهم يتساوون في
__________
(1) الجذوة: 252.
(2) المطرب: 136.

(1/120)


العيوب ولا يتفاوتون في الفضائل، وكل واحد يرى عيب أخيه ولو كان صغيرا ويعمى عن عيب نفسه:
يستثقل اللمم الخفيف بغيره ... وعليه من أمثال ذاك جبال ويبدو أن الشيخوخة فعلت فعلها في نفس الغزال ومزجت نظرته إلى الحياة بمرارة شديدة وبعد أن كانت سخريته تريحه، ثقلت عليه وطأة السنين، وكان من جراء ذلك ان امتزج شعره بالموعظة، واتجه اتجاها زهديا فأخذ ينعى على أهل اليسار احتفالهم ببناء قبورهم كأنهم غافلون عما خرب من مدائن وقصور ويذكر الموت، وانه لم يفرق بين من يلبس الصوف ومن يلبس الحرير:
إذا أكل الثرى هذا وهذا ... فما فضل الكبير على الحقير وأخذ يرثي نفسه ويستشعر الغربة بين أجيال لا تعرفه، بل ربما حسدته على طول عمره (1) :
أصبحت والله محسودا على أمد ... من الحياة قصير غير ممتد
حتى بقيت بحمد الله في خلف ... كأنني بينهم من خشية وحدي
وما أفارق يوما من أفارقه ... إلا حسبت فراقي آخر العهد
أنظر إلي إذا أدرجت في كفن ... وانظر إلي إذا أدرجت في اللحد
واقعد قليلا وعاين من يقيم معي ... ممن يشيع نعشي من ذوي ودي
هيهات كلهم في شأنه لعب ... يرمي التراب ويحثوه على خدي وحتى في هذا الفن لا نحس أن الغزال كان يصطنع هذه الحكمة، ليقال انه مجرب، وإنما هي تفيض عن نفسه طبيعية معقولة ؟وان كانت مريرة - وفي بعض أشعار الزهد هذه تصح له ابتكارات المستغرق في ذات موضوعه كقوله (2) :
__________
(1) العقد 3: 58، 190 (ط. اللجنة).
(2) المطرب: 141.

(1/121)


ولو كانت الأسماء يدخلها البلى ... لقد بلي اسمي لامتداد زماني
وما لي لا أبلى لسبعين حجة ... وسبع أتت من بعدها سنتان
إذا عن لي شخص تخيل دونه ... شبيه ضباب أو شبيه دخان تلك هي النهاية التي انتهى إليها الغزال في الشعر، أما بدايته فكانت بصرا نافذا بالنقد في شبابه أيام كان يدرس في مسجد قرطبة، وعبثا لاذعا بمن حوله من الأشخاص الذين لا يعجبونه، ومحاكاة لأبي نواس في خمرياته ومجونياته، وهجاء مقذعا، وغزلا لا يتميز بالرقة، وربما كان اضعف فنونه، ثم حكمة قائمة على السخرية تنتهي إلى فلسفة شكلية مريرة متشائمة، ورثاء لشيخوخته وضعفه.

(1/122)


2 - أبو مروان
مؤمن بن سعيد بن إبراهيم بن قيس
267ه -
المغرب 1: 132 - 134 الجذوة: 330 المقتبس: 138 الخشني: 103 - 105، 121 النفح2 - 873 ابن القوطية: 72، 85 اليتيمة1: 371 - 372
جده إبراهيم بن قيس من موالي الأمير عبد الرحمن الداخل اتخذ قرطبة موطنا له، وفيها ولد مؤمن ونشأ وعلا نجمه في الشعر أيام الأمير محمد (238 - 273) واختص بمدحه مسلمة ابن الأمير المذكور (1) والقائد هاشم بن عبد العزيز، ولكنه كان كثير التندر والتهكم حاد الجواب لاذع التعليقات، يتتبع زلات الناس ويكثر من الهجاء وينبز خصومه بالألقاب التي تدور على الألسنة بسرعة، وهذا جر عليه عداوات كثيرة ولعله خرج عن قرطبة في رحلة إلى المشرق لكي يغيب عن ارض لم تعد تطيق
__________
(1) المغرب1: 134.

(1/123)


وجوده، وفي رحلته هذه لقي أبا تمام وروى عنه شعره، وعاد إلى الأندلس بعد ذلك يقرئ شعر أبي تمام ويدرس الأحداث بجامع قرطبة (1) ، وعلى مقربة منه مجلس القاضي، ولذلك كان مؤمن عارفا بما يجري من أمور في مجلس القضاء فكان كثير العبث بالقضاء وقد مرت بنا مداعبته للقاضي قبعة عمرو بن عبد الله وتعريضه به وإضحاك الناس بذلك (2) ، وكان لهذا القاضي ابن يدعى أبا عمرو كثرت فيه القالة ونسب إلى اختيان بعض المال المستودع فهجاه مؤمن ومدح أباه (3) فلما بلغت الأبيات سمع الأمير محمد قال: قد أكثر الناس في عمرو وفي ولده وعزل الأب عن القضاء (4) .
وكان مؤمن لا يدع موقع نادرة أبدا حتى مع الطالب الذين يقرأون عليه. سأله مرة أحدهم بعد ان قرأ بيت أبي تمام:
أرض خلعت اللهو خلعي خاتمي ... فيها وطلقت السرور ثلاثا من سرور هذه أصلحك الله ؟ فقال مؤمن: هي امرأة حبيب وقد رأيتها ببغداد (5) . وكانت تعليقاته تشيع بين الناس فيرددونها فتكون سببا لتنكر الناس له وحقدهم عليه وتربصهم به. قبل له مرة: مالك لا تسامر الوزير حامدا (الزجالي) حسبما نراك تفعله مع الوزراء من اصحابه مع قديم اتصالك به فقال: ذاك جنازة غريب لا يصحبها من صحبها إلا الله. فبلغت كلمته حامدا فحقدها عليه. وبعد أيام ذهب مؤمن يشيعه وهو ذاهب من قصر السلطان إلى داره فلما اراد مؤمن الانصراف قال له حامد: أعظم الله أجرك أبا مروان وكتب خطاك
__________
(1) قضاة قرطبة: 104
(2) قضاة قرطبة: 105
(3) قضاة قرطبة: 121 وابن القوطية: 72
(4) قضاة قرطبة: 121
(5) المغرب1: 132.

(1/124)


(وهو دعاء يقال لمن يشيع الموتى) (1) ، هذا كله مع سابق صحبه ومسامرة، حتى ان مؤمنا كان من مداحي حامد ولما ولي الكتابة مدحه بقصيدة مطلعها (2) :
أي الأمور برأي حامد ... لم تنتظم نظم القلائد واذا كان حامد قد اكتفى بمعاتبته على هذا النحو فان غيره لم تكن تهدأ ثائرته الا بالانتقام. وكانت نقطة التحول في حياة مؤمن حين فسد ما بينه وبين القائد هاشم بن عزيز. ففي سنة 262ه توجه هاشم في غزو في ناحية ابن مروان الجلقي الثائر ببطليموس، وتقدم مبعدا عن معظم عسكره في فئة قليلة فأخذت عليه المضايق وقتل جماعة من اصحابه ووقع هو في الأسر (3) فشمت به مؤمن وتوجه بعواطفه صوب عمر بن عم هاشم وعدوه وقال يخاطبه في قصيدة صنعها سرا:
تصبح أبا حفص على أسر هاشم ... ثلاث زجاجات وخمس رواطم
وبح بالذي قد كنت تخفيه خفية ... فقد قطع الرحمن دولة هاشم وصنع على وزن هذه القصيدة قصيدة أخرى يمدح بها هاشما لكي يظهر البرئ من الشماتة به.
وفي سنة 264 خلص هاشم من الأسر، وبلغته شماتة مؤمن وتغيرت عليه نفسه فأخذ يكيد له عند الأمير محمد. ومن السهل إيقاع شخص مثل مؤمن منطلق اللسان لا يحتفظ في اقواله. ويبدو أن هاشما نجح في سعايته، وكان من ذلك ان ألقي مؤمن في السجن، فأخذ يرسل القصائد والرسائل المطولات من حبسه إلى هاشم لعله يعطف عليه، وتشفع لديه بجده محمد بن جهور فما أفاده ذلك شيئا، فلما يئس من عطفه اخذ يهجوه بالمقذعات (4) .
__________
(1) المغرب 1: 331
(2) ابن القوطية: 85
(3) ابن عذاري: 154
(4) المغرب 1: 133

(1/125)


ولبث مؤمن في سجنه حتى عام 267. ثم أن أهل السجن ذات يوم كسروا السجن وفروا منه، وربما كان سبب ذلك مجاعة حدثت حينئذ وتطاول فيها المفسدون وكثرت السرقات والتعديات (1) ، وأبى مؤمن أن يفر حين سمع أن هاشما قدم لمعاينة السجن ظنا منه ان ذلك قد يرقق قلبه عليه، ولما دخل هاشم قام إليه مؤمن واستعطفه فلم يلتفت إليه بل أوصى السجان أن يوصد عليه، فأدركه كمد ويأس لم يمهلاه اكثر من ستة أيام، وتوفي ليلة الثلاثاء لأربع خلون من رجب سنة 267 (2) .
شعره
قال فيه ابن حيان: انه فحل شعراء قرطبة، ولقبه الحجازي " دعبل الأندلس " لأنه تميز في الهجاء حتى كان يهاجي ثمانية عشر شاعرا ويتفوق عليهم، وممن كان يهاجيه ديك تيس الجن احمد بن محمد الكتاني (الجياني) (3) والعتبي المختص بمدح الأمير القاسم بن محمد (4) وعباس بن فرناس، وكان مؤمن يتندر عليه في محاولته الطيران ويقول:
يطم على العنقاء في طيرانها ... إذا ما كسا جثمانه ريش قشعم وصنع عباس في بيته هيئة السماء وخيل للناظر فيها النجوم والغيوم والبروق فهجاه مؤمن عابثا. وكان أيضا يتعقبه في شعره فلما أنشد قول عباس في مدح الأمير محمد:
رأيت أمير المؤمنين محمدا ... وفي وجهه بذر المحبة يثمر قال له مؤمن: قبحا لما ارتكبته، جعلت وجه الخليفه محرثا يثمر فيه البذر، فخجل عباس وسبه (5) .
__________
(1) قضاة قرطبة: 151
(2) المغرب 1: 133
(3) المغرب 2: 158
(4) المغرب 1: 134
(5) النفح 2: 873

(1/126)


وقد قال الحميدي انه كثير الشعر ولكن لم يصلنا الا مقطعات قليلة منه وأقل ما تبقى من شعره هو الهجاء، فنه الذي كان فيه ظاهرا على معاصريه من الشعراء، ووردت له مقطعات في الغزل لان ابن فرج ذكره في الحدائق وأورد له أمثلة من شعره الغزلي. وذكر له ابن حيان في المقتبس قطعة من الغزل بالمذكر (1) . ومن أصدق شعره تصويرا لحاله قطعة يصور فيها نظرة الناس إليه واستثقالهم له وتحاميهم لقائه وفيها يقول (2) :
إنما أزرى بقدري أنني ... لست من بابه أهل البلد
ليس منهم غير ذي مقلية ... لذوي الألباب أو ذي حسد
يتحامون لقائي مثلما ... يتحامون لقاء الأسد
طلعتي أثقل في أعينهم ... وعلى أنفسهم من أحد
لو رأوني قعر بحر لم يكن ... أحد يأخذ منهم بيدي وكان الأمر شبيها بما قال. وهو والقلفاظ مثلان من أمثلة الشعراء المؤدبين، وصورتان من صور الهجاء في هذا العصر.
__________
(1) المقتبس: 138
(2) اليتيمة 1: 372

(1/127)


فراغ

(1/128)


3 - محمد بن يحيى القلفاظ
302ه -
طبقات النحويين: 301 واليتيمة 1: 395 والجذوة: 91 وبغية الملتمس: 134 والنفح 2:832 والمغرب 1: 111 أنباء الرواة3: 231 بغية الوعاة: 114 ابن عذاري 2: 193 الحلة: 193 المقتبس: 42،48
قرطبي كنيته أبو عبد اله، سكتت جميع المصادر عن تعيين ميلاده، ولكنا نعلم انه كان حيا في أيام الأمير عبد الله (275 - 300) وأيام عبد الرحمن الناصر ورجح الحميدي انه عاش إلى أيام الحكم المستنصر، وهذا مستبعد. وكان سلطان الأمويين أيام عبد الله قد تقلص فهناك ابن حفصون كبير الثوار بالأندلس، وابن حجاج الذي استقل باشبيلية وسعيد ابن جودي بغرناطة وغيرهم كثيرون، وكل واحد منهم يتصرف في شئون منطقته، وكل شيء ينذر بانتكاس، وفي هذه الغمرة من الفوضى نسمع القلفاط يهجو الأمير عبد الله نفسه بقوله من قصيدة (1) :
__________
(1) المغرب 1: 111

(1/129)


ما يرتجي العاقل في مدة ... ألرجل فيها موضع الراس ولما نجم إبراهيم بن حجاج باشبيلية قصده القلفاط، كما قصده غيره من الشعراء، ومدحه بقصيدة أولها:
أرقت رحلتي فأهمت جفونا ... وفي تلك القصيدة أنحى بالهجاء على أهل بلده قرطبة، وأفحش في ذكر كبرائها وعظماء دولتها، فتوجس منه إبراهيم ريبة ولم يرق في عينه، وأبغضه لذلك وصرفه دون نوال، فعاد إلى قرطبة محنقا وأخذ يهجو إبراهيم بن حجاج، وقال فيه قصيدة مطلعها:
لا تنكري للبين طول بكائي ... ومنها البيت:
أبغي نوال الأكرمين معا ولا ... أبغي نوال البومة البكماء وبلغت القصيدة مسامع إبراهيم فغضب وحلف ان عاد القلفاط إلى الهجاء انه سيرسل إليه من يأخذ رأسه بقرطبة على فراشه، ودس إليه من يعلمه ذلك، فخاف القلفاط على نفسه وسكت، وحمد الناس بقرطبة لإبراهيم هذه الفعلة لشدة ما كان يلحقهم من هجاء القلفاط (1) ، ومعنى ذلك انه هدده إذا لم يكف عن الهجاء جملة.
هكذا هجاؤه أن يجني عليه وكذلك كان ميله إلى العبث سببا في مآزق كادت تودي بحياته، ذلك انه كان يحب التهكم بالمودبين ويحتال بصنوف الحيل ليعبث بهم ؟ تنكر ذات مرة ودخل على مؤدب اسمه صالح بن معافى وأظهر له انه يريد أن يلقى العلم على يديه وانتسب له إلى البادية، فاجتهد صالح في تأديبه وتبصيره ثم دل على حقيقته فلما جاءه ذات يوم أمر تلاميذه بربطه إلى أحد أعمدة المسجد وضربه وتداول تلامذته ضربه كذلك حتى كادوا يأتون عليه (2) .
__________
(1) ابن عذاري 2: 193 والمغرب 1: 111 قال إبراهيم بن حجاج: " والله الذي لا اله غيره لئن لم تكف عما أخذت فيه لآمرن من يأخذ رأسك فوق فراشك " .
(2) طبقات الزبيدي: 299

(1/130)


وتعرض مرة أخرى للموت بسبب الهجاء فقد كان في قرطبة رجل اسمه حرقوص وعد القلفاط ان يصحبه إلى كرم له بالجبل، وطالت المدة وحرقوص لا يفي بوعده، فلج القلفاط في هجائه، فلما سمع بذلك والد حرقوص لاطفه وأخذه إلى الكرم وجنى له من فواكهه شيئا حمله إلى منزله، ولكن القلفاظ لم يسكت عن الهجاء عندئذ ضاق حرقوص به ذرعا، واخذ سكينا ؟وقد عرف انه في داره - وتسور عليه الدار، فلحظه القلفاظ وأدرك الشر، فعمد إلى مصلاه واستقبل القبلة ودخل في الصلاة، فأمسك عنه حرقوص وقال: يا فاسق والله لولا انك عذت بمعاذ للقيت الله بدمك فانك زنديق حلال الدم (1) .
ولم تكن حاله مع الشعراء خيرا من هذا لأنه كان شديد التعرض كثير المهاجاة لهم (2) ، حتى أن أصدقاءه منهم لم يسلموا من لسانه، وكان بينه وبين ابن عبد ربه سبب من صداقة ثم تغيرت الحال وتهاجيا هجاء مقذعا، كان من جملته قول القلفاط يهجوه (3) :
يا عرس أحمد إني نزمع سفرا ... فودعيني سرا من أبي عمرا ومن أصدقائه أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الملقب بالحكيم وكان الغاية في علم العربية والحساب، بات عنده القلفاط مرة حتى تبلج الصبح وكادت الشمس تطلع عليهما فانتبه القلفاظ فقال للحكيم:
يا ديك مالك لم تصرخ لتنبهنا ... لقد أسأت بنا ديك الدجاجات
يا آكلا للقذى يا سالحا عبثا ... على الحصير بهيمي البهيمات فأجابه الحكيم:
لقد صرخت مرارا جمة عددا ... قبل الصباح وبعد الصبح تارات
لكن علمتك نواما وذا كسل ... (4) قليل ذكر لجبار السماوات
__________
(1) طبقات الزبيدي: 303 - 304
(2) المصدر السابق: 303
(3) النفح 2: 832 والمقتبس: 42
(4) طبقات الزبيدي: 300

(1/131)


وممن تولع بهم وآذاهم بهجائه أبو زيد الأديب (1) .
ومن كل هذا يتجلى لنا أن الإسراع إلى الهجاء والذم كان طبعا متأصلا في القلفاط لا ينفك عنه.
وكان القلفاط من حيث مظهره وسخ الثياب رذل الهيئة.
وكان يجمع إلى قدرته في الشعر، قدرة فائقة في اللغة، ولم يكن أحد يقارن الحكيم ؟صديقه - في علمه وثقابة ذهنه في نظره غيره، ولذلك عد القلفاط في النحويين، وأورد له الزبيدي قصيدة جمع فيها بعض المسائل والأحاجي النحوية (2) ، ويبدو انه لم يؤلف في النحو وإنما اكتفى بالإقراء والتدريس، وقد دلل الزبيدي على اطلاعه اللغوي بحديث رواه أحدهم " لا يسجي المسلم في عرض أخيه " فاعترضه آخر وقال " لا يسحي المسلم.. " بمعنى يقشر، فلما عرضت الكلمة على القلفاط قال: بل صوابها " لا يشحي " أي يفتح فاه بسبه من قولهم: " شحا الحمار فاه بالنهيق " (3) ، وكان محمد ابن يحيى في النفر الذين جمعهم عبد الرحمن الناصر لانتساخ شعر أبي تمام وترتيبه (4) .
شعره
قال الزبيدي في القلفاط: كان شاعرا مجودا مطبوعا، وكان يقصد فيطيل ويحسن، وعده ابن حيان من شعراء المعلمين (5) ولكن لم يصلنا من شعره قصيدة واحدة بطولها، حتى هجاؤه الذي كان سيفا مسلولا في وجوه الناس بقرطبة لا نعرف منه إلا أبياتا. على أن غلبة الهجاء عليه لم تحرمه من المشاركة في موضوعات شعرية أخرى، وبخاصة الغزل،
__________
(1) التكملة: 332
(2) طبقات الزبيدي: 304
(3) طبقات الزبيدي: 302
(4) طبقات الزبيدي: 306
(5) المقتبس: 48

(1/132)


وغزله رقيق سهل الانسياب، من ذلك قوله:
يا غزالا عن لي فابتز قلبي ثم ولى ...
أنت مني بفؤادي ... يا منى نفسي أولى وقد أشد أحد الأندلسيين قصيدته هذه لأحد البغداديين فأعجب بها وفضلها على ما سمعه من شعر ابن عبد ربه وقال: " هذا الشعر بختمه، لا ما أنشدتني به آنفا " (1) . وأورد له الثعالبي في اليتيمة قطعتين في الغزل لعلهما من قصيدة واحدة، والأولى منهما (2) :
طوى عني مودته غزال ... طوى قلبي على الأحزان طيا
إذا ما قلت يسلاه فؤادي ... تجدد حبه فازددت غيا
أحييه وأفديه بنفسي ... وذاك الوجه أهل أن يحيا والثانية:
أيا طيفا سما وهفا إلينا ... لقد جددت لوعاتي عليا
ألم مواصلا كأخي غرام ... سيذكر وصله ما دام حيا
غزال لو رأى غيلان يوما ... محاسنه إذن أنساه ميا وذكره أبو عامر بن مسلمة في كتاب " الارتياح بوصف الراح " ونقل عنه الحميدي له شعرا في الرياض:
مزن تغنيه الصبا فإذا همى ... لبت حياه روضة غناء
فالأرض من ذاك الحيا موشية ... والروض من تلك السماء سماء
ما ان وشت كفا صناع ما وشى ... ذاك الغناء بها وذاك الماء
زهر لها مقل جواحظ تارة ... ترنو، وتارات لها إغضاء وشعره في الغزل رقيق حقا، وفيه من الحيوية والحرارة ما يفقد في هذه المقطوعة التي يصف فيها الروض. على انه بعد ذلك أنموذج فذ للشاعر الأندلسي الهجاء، المثقف بثقافة لغوية نحوية، البعيد بعض الشيء عن حياة البلاط، الملابس لحياة الناس في قرطبة.
__________
(1) طبقات الزبيدي: 302
(2) اليتيمة1: 395

(1/133)


فراغ

(1/134)


4 - أبو عمر
احمد بن محمد بن عبد ربه
10 - رمضان 246 ه - 18 جمادي الأولى 328ه
المطمح: 51 والجذوة: 94 وبغية الملتمس رقم: 327 ومعجم الأدباء 2: 67 وابن خلكان: رقم 45 والرايات: 47 والمطرب: 141 وابن الفرضي 1: 49
وأشعار في العقد واليتيمة 1: (360، 412)، والنفح، والشريشي وابن عذاري وتاريخ الناصر والمقتبس: 41 وصفحات أخرى، وابن عبد ربه وعقدة للدكتور جبرائيل جبور.
كان سالم ؟أحد أجداده - مولى من موالي الأمويين، وقد نشأ احمد حفيده بقرطبة، وكان في نشأته فقيرا خاملا، فطلب العلم على شيوخ عصره في جامع المدينة، ومن أهم شيوخه بقي بن مخلد وابن وضاح والخشبي. وأول هؤلاء كان ذا فضل كبير على الثقافة الأندلسية الفقهية لأنه بالاضافة إلى سعة علمه وكثرة تواليفه، أدخل إلى الأندلس كثيرا

(1/135)


من كتب المشارقة كمصنف ابن أبي شيبة وفقه الشافعي والتاريخ لخليفة ابن جياط، والطبقات له أيضا وكتاب سيرة عمر بن عبد العزيز للدورقي ونسخة من كتاب العين سمعها على ابن ولاد بمصر. وأما ابن وضاح فانه كان عالما بالحديث بصيرا بطرقه، متكلما على علله، وأما الخشبي فانه لقي لغويي المشرق في رحلته فأخذ عنهم كثيرا من كتب اللغة، رواية الأصمعي، ودخل بغداد وكتب بها كتب أبي عبيد القاسم بن سلام، وأدخل الأندلس كثيرا من حديث الأئمة وكثيرا من اللغة والشعر الجاهلي رواية. فالثقافة التي تلقاها ابن عبد ربه عن هؤلاء الأعلام تشمل الفقه والحديث واللغة والسير والأخبار. ومعرض هذه الثقافة كتاب " العقد " ، لأن فيه نقولا من كتب المشارقة وفي رأسها كتب ابن قتيبة وكتب ابن سلام وبخاصة كتاب " الأمثال " فانه قد اقتبسه في كتاب العقد، بشيء من الاختصار، هذا عدا اطلاعه الواسع على دواوين شعراء المشرق ومؤلفات اللغويين. ولهذه الثقافة أثرها في شهره، كما سأبين من بعد.
وقد اكتسب ابن عبد ربه بعلمه أولا وبشعره ثانيا مكانة كبيرة بين علماء الأندلس وادبائها وفي بلاط امرائها، واغتنى بعد فقر وساد بعد خمول حيث اتفقت له أيام كان للعلم فيها نفاق (1) ، إلا انه جنح إلى الشعر فغلب عليه.
وكان متصاونا متدينا آخذا بحظه من المتع المباحة، وقد مر بنا كيف كان مغرما بالغناء يدافع عنه ويرى اباحته، اما الخمر فلا أظنه كان يشربها وان اكثر من ذكرها في شعره. على انه قد يستشف من ندمه عندما كبر انه كان مقبلا على اللذات، ولكني اعتقد ان توبته كانت توبة الفقيه المتحرج لا توبة اللاهي العابث، واعني بالفقيه المتحرج من يدركه الخوف من صغائر الذنوب في شيخوخته ومن ينظر إلى الغزل أو القول في الخمر أو إلى استماع الغناء والنظر إلى الجواري الجميلات
__________
(1) الجذوة: 94

(1/136)


نظرة مخالفة لما كان يستبيحه من ذلك في شبابه، ولعله ان يتوهم ذنوبا لم يقترفها. وربما بدا لي ان ابن عبد ربه كان اقرب إلى التزمت منه إلى الانطلاق، فقد أورثته ثقافته الفقهية نظرة محافظة متشددة تنفر من كل جديد وتعادي العلوم الدنيوية ؟إذا صحت التسمية - ويكفي ان نذكر صلته بمسلم بن احمد بن أبي عبيدة الليثي الذي كان عالما بالحساب والنجوم وكيف عابه لاهتمامه بهذه العلوم ووصفه بأنه شاذ عن رأي الجماعة وتهكم بمعارفه الفلكية والجغرافية، واعلمه بأنه لا يصدق ما تضمنته علومه، في قوله (1) :
زعمت بهرام أو بيدخت يرزقنا ... لا بل عطارد أو مريخ أو زحلا
وقلت إن جميع الخلق في فلك ... بهم يحيط وفيهم يقسم الأجلا
والأرض كورية حف السماء بها ... فوقا وتحتا وصارت نقطة مثلا
صيف الجنوب شتاء للشمال بها ... قد صار بينهما هذا وذا دولا
كما استمر ابن موسى في غوايته ... فوعر السهل حتى خلته جبلا
أبلغ معاوية المصغي لقولها ... أني كفرت بما قالا وما فعلا وابن موسى هو الافشتين ومعاوية هو ابن الشبانسي. ومن صور العداء بينه وبين العلوم الجديدة انه ربما كره ابن أخيه سعيدا من أجلها، لا لأن هذا كان ثقيل الظل، كما يقول صاحب المغرب (2) .
وعلى الرغم مما بلغه من مكانه، لما شهر عنه من تقوى وديانة، فقد كان، فيما يبدو، ضيق العطن حاد الطبع سريعا إلى الهجاء، متبرما بالناس، كثير الشكوى من الزمان، سيء الظن بالمجتمع، مسرعا إلى رؤية السيئات دون الحسنات في زمانه وأهله، وإذا عادى صديقا اندفع في هجائه، وقصته مع القلفاط الشاعر الذي كان من اقرب أصدقائه إليه
__________
(1) طبقات صاعد: 74 وابن الفرضي 2: 126
(2) انظر المغرب 1: 120، وطبقات صاعد: 121، وابن أبي أصيبعة 2: 44، واليتمة 1: 404، والتكملة: 710

(1/137)


قد تصور حدته وسلاطة لسانه إذا هجا، على ان علاقته بغير القلفاظ من شعراء عصره كانت طيبة، فكان بينه وبين محمد بن عبيد الله بن أبي عبدة الليثي مقارضات شعرية، كتب إليه ابن أبي عبدة يقول (1) :
أعدها في تصابيها جذاعا ... فقد فضت خواتمها نزاعا
قلوب يستخف بها التصابي ... إذا سكبت لها طارت شعاعا فأجابه ابن عبد ربه بأبيات قال فيها:
متى يمشي الصديق إلي فترا ... مشيت إليه من كرم ذراعا ومن هذه الاخوانيات ما حكاه الحميدي أيضا عن صديق له أرسل إليه طبقا فيه أنابيب من قصب السكر، فكتب ابن عبد ربه إليه، مرفقا قصيدته بهدية (2) :
بعثت يا سيدي حلو الأنابيب ... عذب المذاقة مخضر الجلابيب وهو يخاطب في بعض أشعاره صديقا له يكنى بأبي صالح وينعى إليه الكرم وانعدام الكرام في عصره. ولا نعرف شيئا أدق عن علاقته أو عن حياته الخاصة إلا أنه فقد اثنين من أبنائه وكان أحدهما طفلا والآخر كبيرا يكنى بأبي يكر ويسمى يحيى ورثاهما بقصائد كثيرة منها (3) :
بليت عظامك والأسى يتجدد ... والصبر ينفذ والبكا لا ينفد
يا غائبا لا يرتجى لإيابه ... ولقائه دون القيامة موعد
ما كان أحسن ملحدا ضمنته ... لو كان ضم أباك ذاك الملحد
باليأس أسلو عنك لا بتجلدي ... هيهات أين من الحزين تجلد ومنها:
واكبدا قد تقطعت كبدي ... وحرقتها لواعج الكمد
ما مات حي لميت أسفا ... أعذر من والد على ولد
__________
(1) الجذوة: 62
(2) الجذوة: 376
(3) العقد: 250 - 253

(1/138)


ومن قصائده في رثاء ابنه الطفل (1) :
على مثلها من فجعة خانني الصبر ... فراق حبيب دون أو بته الحشر
ولي كبد مشطورة في يد الأسى ... فتحت الثرى شطر وفوق الثرى شطر
يقولون لي صبر فؤادك بعده ... فقلت لهم: ما لي فؤاد ولا صبر
فريخ من الحمر الحواصل ما اكتسى ... من الريش حتى ضمه الموت والقبر
إذا قلت أسلو عنه هاجت بلابل ... يجددها فكر يجدده ذكر
وانظر حولي لا أرى غير قبره ... كأن جميع الأرض عندي له قبر وفي أواخر عمره أصيب بالفالج، ولما توفي سنة 328ه (قبل قدوم القالي بعامين) تجمع في جنازته جمع عظيم وتكاثر الناس تكاثرا راع يحيى بن هذيل، وكان يومئذ صغير السن، فسأل: لمن هذه الجنازة؟ فقيل له لشاعر البلد، (2) وفي هذا دليل بين على ما كان يتمتع به هذا الشاعر من مكانة في قرطبة، وقد أثر ذلك في نفسية اليافع يحيى بن هذيل، فاتجه إلى دراسة الأدب، ليحرز مثل مكانة ابن عبد ربه.
صلته بأمراء عصره (3)
كان عمره حين توفي الأمير محمد (273) سبعة وعشرين عاما، ويبدو أن صلته به لم تكن وثيقة، لأنه يروي صفاته عن أستاذه بقي بن مخلد، فلما تولى المنذر إمارة الأندلس أصبح من شعرائه المقربين، وله فيه قصيدة طويلة بقي منها البيتان (4) :
__________
(1) العقد 3: 258
(2) الجذوة: 358
(3) في هذه الفقرة عرض لبعض مدائح ابن عبد ربه، جاءت متفرقة في المصادر، وليس فيها إلا هذا، فيستطيع القارئ أن يغفلها إذا شاء.
(4) ابن خلكان (ترجمة رقم: 45)

(1/139)


بالمنذر بن محمد ... شرفت بلاد الأندلس
فالطير فيها ساكن ... والوحش فيها قد أنس وكأنه في هذا القول كان ما يزال يتعلق بأهداب المشهورين من شعراء المنذر كالعكي الذي يقول (1) :
بالمنذر المأمون طاب زماننا ... وبطيب دولته تطيب الأنفس ولم يطل العهد بالمنذر حتى توفي وخلفه عبد الله (275 - 300) فطل ابن عبد ربه يسير في ركابه ويقول في خلافته (2) :
خلافة عبد الله حج على الورى ... فلا رفث في عصره وفسوق
تجلت دياجي الحيف عن نور عدله ... كما ذر في جنح الظلام شروق
وثقف سهم الدين بالعدل والتقى ... فهذا له نصل وذلك فوق ومدح من قواد هذا الأمير، عبد الله بن محمد بن أبي عبدة، ولا ريب في انه أيضا تتبع في شعره انتصارات عبد الله وقواده على المنتزلين الثائرين في نواحي الأندلس وبخاصة ابن حفصون.فلما نجم ابن حجاج باشبيلية شد إليه الرحال ومدحه بقصائد كثيرة، ولا يعد تحرمه بابن حجاج خيانة لمواليه الأمويين لأن ابن حجاج لم يباطن ابن حفصون إلا مدة يسيرة ثم عاد إلى مهادنة الأمير الأموي، ومن مدائحه في إبراهيم ابن حجاج (3) :
كتاب الشوق يطويه الفؤاد ... ومن يفيض الدموع له مداد
تخط يد البكاء به سطورا ... على كبدي ويميلها السهاد
وكيف وبي فؤاد مستطير ... بمن لا يستطار له فؤاد
أمن يمن يكون الجود خلوا ... وإبراهيم حاتمها الجواد
وباركه بمن يأتيه حج ... ومدحته رباط أو جهاد
__________
(1) ابن عذاري 2: 180
(2) ابن عذاري 2: 183
(3) ابن عذاري 2: 192

(1/140)


ومالي في التخلف عنه عذر ... ولي في الأرض راحلة وزاد ومضى في عهد عبد الله يشيد بكفاحه ضد الثائر ابن حفصون، ومن اشهر الرجال الذين مدحهم في أيام عبد اله وصدر الخلافة الناصر القائد أبو العباس احمد بن محمد بن أبي عبدة، ومن مدائحه فيه (1) :
نفسي فداؤك والأبطال واقفة ... والموت يقسم في أرواحها النقما
شاركت صرف المنايا في نفوسهم ... حتى تحكمت فيها مثلما احتكما
لو تستطيع العلا جاءتك خاضعة ... حتى تقبل منك الكف والقدما ومنها قوله (2) :
الله جرد للندى الباس ... سيفا فقلده أبا العباس
ملك إذا استقبلت غرة وجهه ... قبض الرجاء اليك روح الياس
وجه عليه من الحياء سكينة ... ومحبة تجري مع الأنفاس
وإذا أحب الله يوما عبده ... ألقى عليه محبة للناس وقد اتصل أيضا من رجال الأمير عبد الله بالوزير الكاتب عبد الله ابن محمد الزجالي، وكان هذا محببا إلى الناس، إلا أن الأمير عزله مدة ثم أعاده إلى خطته، ففرح الناس لرجوعه، وعبر ابن عبد ربه عن فرحة في قوله (3) :
يا ملكا يزدهي به المنبر والمسجد الجامع الذي عمر ...
خليفة الله في بريته ... يسر للناس مثلما يجهر
يا قمر الأرض إن تغيب فلقد ... أقمت لناس كوكبا يزهر
ما فرح الناس مثل فرحتهم ... لما أقيل الأديب واستوزر
وابتهج الملك حين دبره ... عين الإمام التي بها يبصر وقال أيضا في تلك الحادثة:
__________
(1) العقد 1: 129
(2) العقد 1: 312
(3) أعتاب الكتاب: 60

(1/141)


تجددت الدنيا وأبدت جمالها ... وردت إلينا شمسها وهلالها
عشية يوم السبت جاءت ببيعة ... من الله لا يرجو العدو زوالها
بها جبر الله الكسير من العلا ... وأدرك منه عثرة فأقالها
فأشرقت الآفاق نورا وبهجة ... ومدت علينا بالنعيم ظلالها
بتجديد عبد الله أعظم دولة ... لمولاه عبد الله كان أزالها
ولما تولت نضرة العيش ردها ... فآلت إلى العبد القويم مآلها وعاش في أيام الناصر ثمانية وعشرين عاما لم يتوقف فيها عن الإنتاج حتى آخر عمره، وهي اكثر فترات حياته غنى بالشعر واهتماما به، فقد افتتح عهد الناصر بقوله له يوم البيعة (1) :
يا من عليه رداء البأس والجود ... من جود كفك يجري الماء في العود
لما تطلعت في يوم الخميس لنا ... والناس حولك في عيد بلا عيد
وبادرت نحوك الأبصار واكتحلت ... بحسن يوسف في محراب داود وقال في تلك المناسبة أيضا (2) :
بدا الهلال جديدا ... والملك غض جديد
يا نعمة الله زيدي ... ما كان فيك مزيد
إمام عدل عليه ... تاجان: بأس وجود
يوم الخميس تبدى ... لنا الهلال السعيد
فكل يوم خميس ... يكون للناس عيد وتابع انتصاراته المتتالية وبخاصة الغزوة الأولى (300) وهي غزوة المنتلون وقد أكثر ابن عبد ربه من ذكرها، ومن أولى قصائده فيها، وقد فصل لناصر لها (3) :
فصلت والنصر والتأييد جنداكا ... والعز أولاك والتمكين أخراكا
__________
(1) تاريخ الناصر: 40
(2) تاريخ الناصر: 40 - 41 وابن عذاري 2: 236
(3) تاريخ الناصر: 34 - 35

(1/142)


ورحمة الله في الآفاق قد نشرت ... والأرض تبدي تباشيرا لمبداكا
قد اكتست حللا من وشي زهرتها ... كأن زخرفها في الحسن حاكاكا
طلعت بين الندى والبأس مبتهجا ... هذا بيمناك بل هذا بيسراكا
ضدان في قبضتي كفيك قد جمعا ... لولاهما لم يطب عيش ولولاكا
يمضي أمامك نصر الله منصلتا ... بالفتح يقصم من في الأرض ناواكا
والناس يدعون والآمال راغبة ... والطوع برجوك والعصيان يخشاكا وانتهت فتوح الناصر في هذه الغزوة إلى ان ملك سبعين حصنا من أمهات الحصون وقد ذكر ابن عبد ربه ذلك فقال (1) :
في غزوة مائتا حصن ظفرت بها ... في كل حصن غزاة للعناجيج
ما كان منك سليمان ليدركه ... والمبتني سد ياجوج وماجوج وقضى الناصر أيضا على ثورة مدينة استجة (300) وفي ذلك يقول (2) :
ألا إنه فتح يقر له الفتح ... فأوله سعد وآخره نجح
سرى القائد الميمون خير سرية ... تقدمها نصر وتابعها فتح
ألم تره أردى باستجة العدا ... فلقوا عذابا كان موعده الصبح
فلا عهد للمراق من بعد هذه ... يتم له عند الإمام ولا صلح
فولوا عباديدا بكل ثنية ... وقد مسهم قرح وما مسنا قرح ونظم في غزوات الناصر أرجوزة انتهى بها إلى سنة 322 ولا ندري لم توقف عند هذه السنة (3) ، ولعل لمرضه أثرا في ذلك، إلا انه لم يتوقف عن الشعر،لأن له قصيدة قالها قبل وفاته بأحد عشر يوما، بين
__________
(1) تاريخ الناصر: 38
(2) الروض المعطار: 15
(3) جاء في التكملة: 293 ما يدل على أن لابن عبد ربه أرجوزة في خلفاء الإسلام وانه جعل فيها معاوية الخليفة الرابع ولم يذكر عليا. وهذا أمر مستبعد، ولم يقل أحد بوجود أرجوزة لابن عبد ربه في غير غزوات الناصر.

(1/143)


فيها مبلغ سنه (1) :
كلاني لما بي عاذلي كفاني ... طويت زماني برهة وطواني
بليت وأبلتني الليالي وكرها ... وصرفان للأيام معتوران
وما لي لا أبلى لسبعين حجة ... وعشر أتت من بعدها سنتان وله في الناصر مدائح كثيرة، منها قوله في ذكر غزاة المنتلون (2) ، وهي أول غزاة له:
غادرت في عقوتي جيان ملحمة ... أبكيت منها بأرض الشرك أعلاجا
في نصف شهر تركت الأرض ساكنة ... من بعد ما كان فيها الجور قد ماجا
وجدت في الخبر المأثور منصلتا ... من الخلائف خراجا وولاجا
تملا بك الأرض عدلا مثلما ملئت ... جورا وتوضح للمعروف منهاجا
يا بدر ظلمتها يا شمس صحبتها ... يا ليث حومتها إن هائج هاجا
إن الخلافة لن ترضى ولا رضيت ... حتى عقدت لها في رأسك التاجا وإلى هذه الغزوة نفسها أشار في أرجوزته بقوله (3) :
ثم انتحى جيان في غزاته ... بعسكر يسعر من حماته
فاستنزل الوحش من الهضاب ... كأنما حطت من السحاب
فأذعنت مراقها سراعا ... وأقبلت حصونها تداعى
__________
(1) الجذوة: 96
(2) العقد 4: 499 وتاريخ الناصر: 39
(3) العقد 4: 503

(1/144)


لما رماها بسيوف العزم ... مشحوذة على دروع الحزم
كادت لها أنفسهم تجود ... وكادت الأرض بهم تميد
لولا الاله زلزلت زلزالها ... وأخرجت من رهبة أثقالها ولما رزق الناصر بتبنه الحكم (302) هنأه الشعراء، ومما قاله ابن عبد ربه قصيدته (1) :
هلال نماه المجد واختاره الفخر ... تلقت به شمس وأنجبه بدر
على وجهه سيما المكارم والعلا ... فضاءت به الآمال وابتهج الشعر
سلالة أملاك ربيب خلائف ... أكفهم بر العليا ونائلهم غمر
بدا لصلاة الظهر نجم مكارم ... تحف به العليا ويكنفه الفجر وشعره
يقع شعره بين قطبين ويشغل مرحلتين: أما القطبان فهما البديهة والكد الذهني، ففي كثير من اخباره ما يدل على انه كان ينظم على البديهة، ويتناول أقرب سحاية إليه ويكتب عليها دون تنقيح، كذلك فعل حين سمع غناء الجارية مصابيح، وكذلك فعل أيضا حين دخل على القائد أبي العباس ابن أبي عبدة يتنجزه حاجة، فكتب إليه (2) :
ما ضر عندك حاجتي ما ضرها ... عذرا إذا أعطيت نفسك قدرها
أنظر إلى عرض البلاد وطولها ... أو لست أكرم أهلها وأبرها
حاشا لجودك ان يوعر حاجتي ... ثقتي بجودك سهلت لي وعرها ولكن ليس كل شعره يحمل طابع الخفة الارتجالية، ففيه ما يدل على انه كان يتعب في حوكه، ويتعمد فيه الإعمال ليحصل على الطرافة والغرابة، ولكني اعتقد انه مرن على النظم حتى اصبح لا يعيبه القول،
__________
(1) تاريخ الناصر: 49
(2) العقد 1: 312.

(1/145)


اعني اصبح النظم يطاوعه على نحو لا يحتاج فيه إلى استشارة عاطفية عميقة أو شديدة، ولذلك تراه غسيل الشعر، لا من حيث انه لا يعنى بالمبنى الشعري وما يحتاجه أحيانا من بديع، ولكن من حيث ان التيار العاطفي في شعره مفقود أو مختنق، حتى في أشد الحالات التي يمكن ان تثور فيها عاطفة، كموت أبنائه، وقد يجيء شعره رقيقا في الظاهر، ولكن الجفاء اغلب عليه، ومن عجب ان الأندلسيين سموه مليح الأندلس، ونسبوا إلى المتنبي الإعجاب به، فهذا أمر مستغرب، وبخاصة وان النوع الذي انشدوه له نموذجا للملاحة ليس فيه ملاحة ولا عليه طلاوة.
وأما المرحلتان فهما مرحلة الشباب ومرحلة الشيخوخة، وقد شاء هو ان يحدث هذه القسمة في شعره، فأكثر في المرحلة الأولى من الشعر الغزلي، ثم عاد ينقض على نفسه ما قاله بأشعار يقولها في الزهد والتذكير بالموت وذم الحياة الدنيا، وهذا النوع الثاني سماه " المحصات " ، فقد يقول في الشباب مثلا ذاكرا بعض صبوته (1) :
هلا ابتكرت لبين أنت مبتكر ... هيهات يأبى عليك الله والقدر
ما زلت أبكي حذار البين ملتهفا ... حتى رثى لي فيك الريح والمطر (وذكر الريح والمطر لأن السماء أمطرت وهبت الريح فحالت بين محبوبة وبين الرحيل)، فيمحص هذه القطعة بقوله:
يا عاجزا ليس يعفو حين يقتدر ... ولا يقضى له من عيشة وطر
عاين بقلبك إن العين غافلة ... عن الحقيقة واعلم أنها سقر فإذا عرفنا انه عارض كل قطعة قالها في صباه بقطعة من الممحصات، وجدنا كيف انه ضاعف كمية شعره، في المرحلتين. فهما مرحلتان تمثلان نزعتين طبيعيتين، ولكني لا أرى فرقا بينهما من وجهة النظر الفنية، لأن ابن عبد ربه لم ينتشل نفسه في المرحلة الثانية من ذنوب وآثام أقضت مضجعه في المرحلة الأولى، أعني ان تجربته في الحالتين كانت تجربة كلامية،
__________
(1) الجذوة: 94 - 95 والمطمح: 51، 33

(1/146)


وكانت صورتها هذا الفيض الكثير من النظم، ونقرأ شعره في الزهد وذم الحياة فلا نجد إحساسا حقيقيا بمعنى الخوف، ولا تشف إلا قطع قليلة عن الصدق العاطفي في هذه الناحية كقوله (1) :
ألا إنما الدنيا غضارة أيكة ... إذا اخضر منها جانب جف جانب
هي الدار ما الآمال إلا فجائع ... عليها ولا اللذات إلا مصائب
وكم سخنت بالأمس عين قريرة ... وقرت عيون دمعها اليوم ساكب
فلا تكتحل عيناك فيها بعبرة ... على ذاهب منها، فانك ذاهب وبين هاتين المرحلتين تقع مرحلة البكاء على الشباب ووصف المشيب، وربما كان شعره في هذه الناحية أصدق وأحفل بالشعور كما في قوله (2) :
قالوا شبابك قد مضت أيامه ... بالعيش قلت وقد مضت أيامي
لله أية نعمة كان الصبا ... لو أنها وصلت بطول دوام
حسر المشيب قناعه عن رأسه ... وصحا العواذل بعد طول ملام
فكأن ذاك العيش ظل غمامة ... وكأن ذاك اللهو طيف منام ومن ثم لا نجد لابن عبد ربه فلسفة في الحياة، عدا نظرته إلى الأشياء من الزاوية الدينية، أو مما قد يستوحيه من خلقية أساسها الدين نفسه ؟ لقد حالت روحه المحافظة بينه وبين كثير من العمق، ومبلغ ما لديه من هذا مستمد من طبيعته المتشائمة المشمولة بسوء الظن، الناظرة إلى الدنيا من طرف الموت والآخرة، فالحياة مزارع والناس إنما يقاس فضلهم بما يخلفونه من ذكر (3) :
إن الحياة مزارع ... فازرع بها ما شئت تحصد
والناس لا يبقى سوى ... آثارهم، والعين تفقد وهذه الحياة لا يغنى فيها إلا اللئيم (4) :
__________
(1) الجذوة: 96 والعقد 3: 175
(2) العقد 3: 47
(3) العقد 1: 270
(4) العقد 3: 35

(1/147)


أرى كل فدم قد تبجح في الغنى ... وذو الظرف لا تلقاه غير عديم والحياة تنتقل من سيء إلى أسوأ، ولا يتبقى فيها إلا حثالة تضم أهل اللؤم والبخل أما الكرماء فقد ذهب عصرهم الذهبي (1) :
أبا صالح جاءت على الناس غفلة ... على غفلة بانت بكل كريم
فليت الألى بانوا يفادون بالألى ... أقاموا، فيفدى ظاعن بمقيم
ويا ليتها الكبرى فتطوى سماؤها ... لها وتمد الأرض مد أديم
فما الموت إلا عيش كل مبخل ... وما العيش إلا موت كل ذميم
وأعذر ما أدمى الجفون من البكا ... كريم رأى الدنيا بكف لئيم حتى الله يرزق الأنوك ويحرم العاقل (2) :
رزق من الله أرضاهم وأسخطني ... والله للأنوك المعتوه رزاق إذن فالحياة ليس فيها اخوان، - وقيمتك فيها إنما هي بما تملك، فمالك وحده أخوك (3) :
قالوا نأيت عن الإخوان قلت لهم ... مالي أخ غير ما تطوى عليه يدي وهذا غير مستغرب من ابن عبد ربه، وان مال به قليلا عن مثله العليا الدينية، لما في نفسيته من استعداد لرؤية السيئات، فهو سريع الغضب، حاد الطبع، ميال ابى الذم، وحسبك ان تجده حين مطله أحد الناس قد تخصص في هجائه لتلك الحادثة وحدها، وقال فيها قطعا كثيرة من الشعر أثبتها في العقد (4) ، فتلك النفسية هي التي كان يرى بها الحياة خالية من كل خير وان من فيها كلاب (5) :
وأيام خلت من كل خير ... ودنيا قد توزعها الكلاب
كلاب لو سألتهم ترابا ... لقالوا عندنا انقطع التراب
__________
(1) العقد 2: 349
(2) العقد 2: 350
(3) العقد 3: 31
(4) انظر 1: 292 وما بعدها.
(5) العقد 2: 342

(1/148)


وصواب الناس الغالبة انهم صم كلاب، وتتدخل عصا موسى في الصورة فلا تفلح في ان تفجر منهم شيئا (1) :
حجارة بخل ما تجود وربما ... تفجر من صم الحجارة ماء
ولو أن موسى جاء يضرب بالعصا ... لما انبجست من ضربه البخلاء والصورة نفسها مرة أخرى (2) :
يراعه غرني منها وميض سنا ... حتى مددت إليها الكف مقتبسا
فصادفت حجرا لو كنت تضربه ... من لؤمه بعصا موسى لما انبجسا فالهجاء هو الموضوع الذي كان ابن عبد ربه مهيأ له بطبعه، وغايته الفنية فيه أن تولد معنى جديدا، أما الموضوع الذي راض طبعه عليه واسرف فيه ولم يقصر عن بلوغ الإجادة فيه، فذلك هو وصف المعارك والحروب، وقد أورد له أمثلة كثيرة منه في العقد، وما تزال غايته فيه أيضا التجديد في المعاني. قال (3) : وقد وصفنا الحروب بتشبيه عجيب لم يتقدم إليه ومعنى بديع لا نظير له وذلك قولنا:
وجيش كظهر اليم تنفحه الصبا ... يعب عبابا من قنا وقنابل
فتنزل أولاه وليس بنازل ... وترحل أخراه وليس براحل وعلى أن هذا معنى فيه شيء من الابتكار والتوجيه فان وصفه للحروب حين يجيء في نغمة قوية منحدرة خير من تطلبه المعنى والاحتفال به.
وأبرز ما في شعر ابن عبد ربه انه مجلى لثقافته واطلاعه في نواحي متعددة، فثقافته الفقهية تجعله يقول ؟مثلا - (4) :
وما بعث الهوى بيعا بشرط ... ولا استثنيت فيه بالخيار واطلاعه الواسع في الأمثال هو الذي يدفعه لتحويل كل بيت أحيانا
__________
(1) العقد 1: 292
(2) العقد 1: 131
(3) العقد 3: 43
(4) العقد 3: 137 - 138

(1/149)


إلى مثل، أو ليضمن شعره امثالا، كقوله (1) :
قد صرح الأعداء بالبين ... وأشرق الصبح لذي عين ومنها وجعل في كل بيت مثلا:
وعاد من أهواء بعد القلى ... شقيق روح بين جسمين
وأصبح الداخل في بيننا ... كساقط بين فراشين
قد ألبس البغضة هذا وذا ... لا يصلح الغمد لسيفين والنحو يملي عليه ان يقول (2) :
أضحى لك التدبير مطردا ... مثل اطراد الفعل للإسم وهذه أمور ظاهرة على السطح، غير ان من تدبر تأثير ثقافته وجد روحها متغلغلا في شعره، متدخلا في كيانه، وشعره مبني على أمثال سابقة، ويتضح هذا في محاولته أن ينظم أمثلة العروض، فهو يختار بيتا من المحفوظ ويجعله أساس بضعة أبيات من نظمه، فعلى هذا البيت (3) :
" رب نار بت أرمقها ... تقصم الهندي والغارا " يبني مقطوعته:
زادني لومك إصرارا ... إن لي في الحب أنصارا
طار قلبي من هوى رشأ ... لو دنا للقلب ما طارا
خذ بكفي لا أمت غرقا ... إن بحر الحب قد فارا
أنضجت نار الهوى كبدي ... ودموعي تطفئ النارا رب نار . . . . . . . . . . . . . . . (البيت) ... ومن هذا يتضح مدى انشغاله بالمعارضة حتى انه حين شبع من معارضة الآخرين اخذ يعارض نفسه بالمحصات. فهو يعارض قصيدة مسلم بن وليد:
__________
(1) العقد 1: 46
(2) العقد 1: 46
(3) انظر العقد 5: 447

(1/150)


أديرا علي الراح لا تشربا قبلي ... ولا تطلبا من عند قاتلتي ذحلي بقصيدة مطلعها:
أتقتلني ظلما وتجحدني قتلي ... وقد قام من عينيك لي شاهدا عدل وطريقته في المعارضة التزام المعاني الأصلية ومحاولة عكسها أو الزيادة فيها، فاذا قال مسلم: لا تطلب ذحلي قال ابن عبد ربه:
أطلاب ذحلي ليس بي غير شادن ... بعينيه سحر فاطلبوا عنده ذحلي فعكس المعنى عند صريع الغواني. وإذا تحدث مسلم انه كتم الحب عن عاذله فاستراح من العذل قال ابن عبد ربه انه يحب العذل لكي يذكر اسمها ولا شيء أحب إليه من العذل، وانه حقا كتم الحب كما كتمه مسلم ولكن الأسى هو الذي أخذ يعلنه بماء البكاء:
وأحببت فيها العذل حبا لذكرها ... فلا شيء أشهى في فؤادي من العذل
كتمت الهوى جهدي فجرده الأسى ... بماء البكا، هذا يخط وذا يملي ويزهى بهذا الذي فعله ويقول مفتخرا: " فمن نظر إلى سهولة هذا الشعر مع بديع معناه ورقة طبعه لم يفضله شعر صريع الغواني عنده إلا بفضل التقدم " (1) . وتعجبه صورة يعثر عليها فيفتخر بانه جاء بالغريب الذي لم يسبق إليه في مثل قوله:
حوراء داعبها الهوى في أحور ... حكمت لواحظها على المقدور
نظرت الي بمقلتي أدمانة ... وتلفتت بسوالف اليعفور
فكأنما غاص الأسى بجفونها ... حتى أتاك بلؤلوء منثور والصورة التي يعنيها هي في البيت الثالث حين رأى في الأسى صورة صائد اللؤلؤء منثورا هو دموعها، والصورة بالنسبة لأذواقنا اليوم قد تكون نابية وبخاصة اقتران الغوص بالعين، ولكنها كانت مما يعجب الأندلسيين حتى تداولها من بعد ابن عبد ربه غير واحد منهم. والحق ان هذه الأبيات تدل جيدا على مذهب
__________
(1) العقد 4: 398 وما بعدها.

(1/151)


ابن عبد ربه في الشعر، وان كانت كل الأبيات التي أوردها لنفسه في العقد هي فيما كان يراه من مختار شعره، ولكن يرى في هذه الأبيات ونظائر لها " رقة التشبيب وحسن التشبيه البديع الغريب الذي لم يسبق إليه " وهذا هو مقياسه الفني لما يستحسنه من شعره.
وهناك معارضة لا تلتزم روي القصيدة التي يعارضها وإنما هو ينظر فيها إلى معاني قصيدة سابقة ثم ينشئ قصيدة تتضمن هذه المعاني مع شيء من التقليب والتغيير والعكس والإسهاب. وأبرز مثل على ذلك قصيدة له يصف فيها القلم، فانه قد نسخ فيها بعض معاني أبي تمام في وصف القلم، ذلك الوصف الذي أدهش الأندلسيين، ومن المعاني التي استعارها قوله:
ينطق في عجمه بلفظته ... تصم عنها وتسمع البصرا
إذا امتطى الخنصرين أذكر من ... سحبان فيما أطال واختصرا
شخت ضئيل لفعله خطر ... أعظم به في ملمة خطرا
تمج فكاه ريقة صغرت ... وخطبها في القلوب قد كبرا وهذا شيء أخفى من المعارضة التي تتم مع الاحتفاظ بالوزن والروي.
وهناك نقطة جديرة بالنظر وهي ان ابن عبد ربه خلد بعض شعره في العقد، ووقف في بعض المواطن معجبا وهو يضع أشعاره إزاء أشعار المشارقة، ولكنه ؟ فيما يبدو - لم يكن يعترف للأندلسيين بكثير من الحظ في الإجادة، وكانت الموضوعات المتنوعة التي طرقها كفيلة ان تجعله يستشهد عليها بشعر أهل بلده ؟ لم يعترف إلا للغزال بأنه يستحق أن يوضع في صف المشارقة - بعد اعترافه الكبير بنفسه - والا عرضا لشاعر أو لآخر، مثل مؤمن بن سعيد، ثم انه لم يختر للغزال أجود قطعة، أتراه كان يحس إحساسا خفيا بأنه لا يتنازل عن مرتبة التقدم في الشعر للغزال أو لغيره؟ اكبر الظن أن تقديره لنفسه قد حجب عنه حقيقة

(1/152)


من تقدمه من الشعراء، وربما لم يحاول ان يبرز مكانة الغزال في أخباره، لئلا يقلل من شأن الصورة الأندلسية التي رسمها لنفسه.
وقد كان ابن عبد ربه محط إعجاب الناس في عصره وبعده، ويقول فيه ابن شرف: " وأما ابن عبد ربه القرطبي، وان بعدت عنا دياره فقد صاقبتنا أشعاره، ووقفنا على أشعار صبوته الأنيقة ومكفرات توبته الصدوقة ومدائحه المروانية، ومطاعنه في العباسية، وهو في كل ذلك فارس ممارس وطاعن مداعس. واطلعنا في شعره على علم واسع ومادة فهم مضيء ناصع ومن تلك الجواهر نظم عقده وتركه لمن تجمل بعده " . (1) وتفيدنا هذه الكلمات حقيقة جديدة واحدة نضيفها إلى ما تقدم وهي ان هناك مطاعن لابن عبد ربه في الدولة العباسية، ولكن هذا الشعر لم يصلنا، وما وصلنا من شعر ابن عبد ربه، على انه نسبيا كثير، ليس شيئا بالنسبة لمجموع شعره كله، فقد كان شعره كثيرا بشهادة الحميدي وقد رأى منه نيفا وعشرين جزءا مما جمع للحكم المستنصر (2) .
وخلاصة القول فيه ان المتقدمين من النقاد والمتذوقين كانوا يعجبون به، وبخاصة قدرته على النظم، ومحاولته الاهتداء إلى المعاني الجديدة، وكانوا يطربون إذا سمعوه يقول (3) :
يا ذا الذي خط العذار بخده ... خطين هاجا لوعة وبلابلا
ما كنت أعلم أن لحظك صارم ... حتى لبست بعارضيك حمائلا يطربون لموضوع وللصورة التي ولدها فيه، وكانوا يتناقلون قوله (4) :
الجسم في بلد والروح في بلد ... يا وحشة الروح بل يا غربة الجسد
ان تبك عيناك لي يا من كلفت به ... من رحمة فهما سهماك في كبدي
__________
(1) الذخيرة 4/1: 164
(2) الجذوة: 94
(3) المطمح: 52
(4) الجذوة: 95

(1/153)


كانت تعجبهم الأناقة في التفسير والتبرير، والطرافة في التلاعب بالصور والمعاني، اعني كانوا مأخوذين بالحيلة الفنية اكثر من إعجابهم بالكيان الفني. ولكن تغير نظرتنا إلى الشعر في جانب من موضوعاته وفي الطريقة الفنية لا يجعل من ابن عبد ربه شاعرا مقدما.

(1/154)


5 - أبو عمر
يوسف بن هارون الرمادي الكندي
403ه -
الجذوة: 346 وبغية الملتمس رقم: 1451 والصلة: 637 والمطرب: 4 والنفح 2: 440 والمغرب 1: 392 ومسالك الأبصار 11: 175 والمطمح: 69 وابن خلكان رقم: 719 واليتيمة 1: 435
في تلقيه بالرمادي رأيان أحدهما انه كان يلقب بالأسبانية بأبي جنيش ؟كما يقول ابن بشكوال - فعرب هذا اللقب إلى الرمادي، والثاني ان هناك قرية تسمى رمادة عدها ابن سعيد من قرى شلب، وعدها الحميدي من بلاد المغرب ؟دون تحديد - وقطع ابن سعيد بنسبته إليها ورجح الحميدي ان يكون أحد آبائه منها.
عاش اكثر أيامه في قرطبة، ويبدو انه قصدها للدراسة ثم اصبح مدرسا فيها، قال ابن سعيد في ترجمة الأمير أرقم بن عبد الرحمن من بني

(1/155)


ذي النون: انه قرأ في قرطبة على الرمادي الشاعر (1) . كذلك روى عنه مصعب بن الفرضي (2) ، وأخذ عنه ابن عبد البر قطعة من شعره وضمنها بعض كتبه، أما هو فقد اكتسب صناعة الأدب عن شيخه أبي بكر ابن هذيل الكفيف عالم أدباء الأندلس في عصره، ويمثل ابن هذيل الحلقة التي تصل بين ابن عبد ربه والرمادي لأنه تأثر بالأول وأثر في الثاني، في المذهب الشعري. ولما ورد القالي (330) في أيام عبد الرحمن الناصر تلقاه الرمادي ومدحه بقصيدة مطلعها (3) :
من حاكم بيني وبين عذولي ... الشجو شجوي والعويل عويلي ثم انضم إلى جماعة المستفيدين منه، فقرأ عليه كتاب النوادر.
وارتفع شأن الرمادي في أيام الحكم واصبح مقدما على سائر الشعراء، وربما غادر قرطبة بعض الوقت في هذه الفترة من حياته وقصد عبد الرحمن بن محمد التجيبي صاحب سرقسطة ومدحه بقصيدة أولها (4) :
قفوا تشهدوا بثي وإنكار لائمي ... علي بكائي في الديار الطواسم ووراء هذه الرحلة قصة حب، فقد رأى الرمادي ذات يوم، وهو يتنزه في رياض بني مروان امرأة جميلة غلقها قلبه، وحادثته وحادثها واخبرته انها امة، وان ثمنها على صاحبها ثلاثمائة. فلما قصد الرمادي ممدوحه التجيبي بسرقسطة ذكر له حاله وشبب في القصيدة بخلوة ؟وهو اسمها - فأعطاه الممدوح ثلاثمائة دينار ذهبا سوى ما زوده به من نفقة الطريق مقبلا وراجعا. وعاد الشاعر إلى قرطبة يبحث عن هواه في كل مكان حتى كاد ييأس، وذات يوم دعاه بعض إخوانه لزيارته، فلبى الدعوة، ولما دخل عليه أجلسه في صدر مجلسه، ثم قام لبعض شأنه،
__________
(1) المغرب 2: 14
(2) الجذوة: 347، 348
(3) الجذوة: 347 والقصيدة مثبت أكثرها في اليتيمة 1: 435 وبعضها في المعجب: 16 والنفح 2: 726
(4) الجذوة: 348

(1/156)


فلم يشعر الرمادي إلا بالستارة المقابلة له قد رفعت، وإذا هي خلوة أمامه، فقال لها أأنت مملوكة أبي فلان؟ (يعني صديقه) قالت: لا والله ولكني أخته. قال الرمادي: فكأن الله تعالى محا محبتها من قلبي، وقمت من فوري واعتذرت إلى صاحب المنزل بعارض طرقني وانصرفت (1) .
ولما أمر الحكم الأندلسي بإراقة الخمر في سائر جهات الأندلس، أبدى الرمادي أسفه لذلك وتوجع لشاربيها، وذكر الحكم بقصة أبي حنيفة الذي شفع في جار له سكير، وقال (2) :
بخطب الشاربين يضيق صدري ... وترمضني بليتهم لعمري
وهل هم غير عشاق أصيبوا ... بفقد حبائب ومنوا بهجر ثم تقلبت الأحوال بالرمادي، فانهم في أيام الحكم أيضا مع جماعة من الشعراء بشعر في ذم السلطان، ومنه هذا البيت:
يولي يعزل من بومه ... فلا ذا يتم ولا ذا يتم قال صاحب المطمح (3) : " وعاشت عنه أشعار في دولة الخليفة وأهلها، سدد إليهم صائبات نبلها، وسقاهم كؤوس مهلها، أوغرت عليه الصدور، وفغرت عليه المنايا ولكن لم يساعدها المقدور، فسجنه الخليفة دهرا، وأسلكه من وعرا " . واخذ الرمادي في سجنه ينظم الأشعار الكثيرة متشوقا إلى التحرر والخلاص حينا مستشفعا به إلى الخليفة، وعمل وهو مسجون كتابا سماه " كتاب الطير " في أجزاء، وكله من شعره، وصف فيه كل طائر معروف، وذكر خواصه، وذيل كل قطعة بمدح ولي العهد هشام بن الحكم، ليشفع فيه لدى أبيه (4) ، وقد رأى الحميدي هذا الكتاب بخط الرمادي ونسخ منه شيئا من الشعر،
__________
(1) الجذوة: 347، وطوق الحمامة: 22 - 23
(2) الجذوة: 14 والمعجب: 14
(3) المطمح: 72
(4) الجذوة: 349

(1/157)


ويبدو أن الحكم لم يصغ إليه ولا عطفته أشعاره عليه، وانه ربما أطلق بعد وفاته.
وغادر قرطبة إلى شنترين بغرب الأندلس، وواليها يومئذ فرحون ابن عبد الله بن عبد الواحد، فأمر بإنزاله فقصر به متولي ذلك، فكتب إليه الرمادي (1) :
أيها العارض والمهدي لمستسقيه وبلا ... حين لا يهدي إذا ما استسقي العارض طلا ... قائدا اجنت مغازيه العدى سبيا وقتلا ... ان ضيفا قاصدا قلت له أهلا وسهلا ... ما له فرش على الأرض سوى وجه مصلى ... فأنا لولا [ ] الوعد سهلا ... لم تجد عيني لنوم بمبيت السوء كحلا ... فوردت الأبيات على فرحون وهو خارج إلى الغزو، فخجل من ذلك وأمر له بما طلب، وقرن بذلك جارية وكتب إليه معتذرا مما حدث.
وكان من ممدوحيه في هذه الفترة ابن القرشية وهو عبد العزيز بن منذر أخي الحكم المستنصر، وله فيه قصيدة ذكرها حبيب العامري في كتابه " البديع في فصل الربيع " لأنه وصف فيها الأزهار، ومنها (2) :
تأمل بإثر الغيم من زهرة الثرى ... حياة عيون متن قبل التغيم
كأن الربيع الطلق أقبل معربا ... بطلعة معشوق إلى عين مغرم
تعجب من غوص الحيا في حشا الثرى ... فأفشى الذي فيه ولم يتكلم
__________
(1) الحلة: 129
(2) الحلة: 60

(1/158)


كأن الذي يسقي الثرى صرف قهوة ... تنم عليه بالضمير المكتم
أرى حسنا في صفحة قد تغيرت ... كبشر بدا في الوجه بعد التجهم
ألا يا سماء الأرض أعطيت بهجة ... تطالعنا منها بوجه مقسم
وان قالت الأرض المنعم روضها ... لي الفضل في فخري عليك فسلمي
فخضرة ما فيها تفوقك خضرة ... ونوارها فيها ثواقب أنجم
وان جئتها بالشمس والبدر والحيا ... مفاخرة جاءت بأسنى وأكرم
بعبد العزيز ابن الخلائف والذي ... جميع المعالي تنتمي حيث ينتمي واصبح الرمادي في أيام المنصور بن أبي عامر من الشعراء الذين يترددون إليه، ولم تصلنا أمداحه فيه، ولكن مما يدلنا على قرب منزلته منه ما حدثنا به المقري فقد روى أن المنصور قال له يوما: كيف ترى حالك معي؟ فقال الرمادي: " فوق قدري ودون قدرك " فأطرق المنصور كالغضبان، وانسل الرمادي خارجا وقد استشعر الندامة، وأخذ يونب نفسه ويقول: أخطأت، لا والله ما يفلح مع الملوك من يعاملهم بالحق، ما كان ضرني لو قلت " إني بلغت السماء وتمنطقت بالجوزاء " ؟ " لا حول ولا قوة إلا بالله " . وانتهز هذه الفرصة بعض حساده فاخذ يغري به المنصور ويقول: " هذا الصنف صنف زور وهذيان، لا يشركون نعمة، ولا يرعون إلا ولا ذمة، كلاب من غلب وأصحاب من أخصب، وأعداء من أجدب "

(1/159)


فاستاء المنصور من هذا الحسود الباغي وألقى عليه درسا خلقيا قاسيا، وافهمه انه ما أطرق غضبا وإنما أطرق تعجبا من كلام الرمادي " لأنه رأى كلاما يجل عن الأقدار الجليلة " ثم أمر بالرمادي فرد إلى المجلس وقال له: أعد علي كلامك فارتاع، فطمأنه المنصور وقال له: الأمر على خلاف ما قدرت، الثواب أولى بكلامك من العقاب، ثم أجازه بمال وخلع وموضع يتعيش منه (1) .
ويذهب صاحب المعجب (2) إلى أن هذه العلاقة الطيبة ساءت بعد نكبة المصحفي، لان الرمادي، فيما يزعمه، كان مشايعا للمصحفي وأعراه هذا بهجاء المنصور، فلما حدثت نكبة المصحفي، واستصفيت أمواله التفت المنصور إلى الرمادي وأوسعه عقوبة ونكالا، وأمر بتغريبه ثم شفع له عنده، كما شفع للغزال عند عبد الرحمن، فأقره في بلده، ولكنه بدله بالتغريب عقوبة أنكى واشد حين أمر الناس ألا يكلموه، وطاف بذلك مناد في جميع جهات قرطبة، فأقام أبو عمر هذا كالميت إلى أن أدركته منيته في أواخر أيام المنصور بن أبي عامر.
وهذا كلام يستحق التوقف والنظر ذلك لأن نكبة المصحفي تمت في سنة 367 أي بعد سنة من وفاة الحكم تقريبا، فعلاقة الرمادي بالمصحفي لا تؤهله ليكون مقربا من ابن أبي عامر كما تقول الروايات الأخرى، ولا تجعل ابن سعيد يقول في وصف له: انه كان مداح المنصور ابن أبي عامر (3) . ثم لو فرضنا ان المنصور غضب فعلا على الرمادي، فلا يزال هناك خطان واضحان في هذه الرواية: الأول انه من غير المعقول ان يظل الحرمان ساريا على الرمادي حتى حوالي سنة 393 أي أن تظل الصلة بينه وبين الناس مقطوعة طوال هذه المدة، وكان من الخير له لو
__________
(1) باختصار عن النفح 2: 868
(2) المعجب: 16
(3) المغرب 1: 392

(1/160)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية