صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : تاريخ الأدب الأندلسي (عصر الطوائف والمرابطين)
المؤلف : إحسان عباس
مصدر الكتاب : الوراق

[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

الشاب دون الشيخ، فانه مما قد يؤخذ سببا لتعليل غضب ولادة على ابن زيدون، إذ أنها أنفت من أن يتهمها هذا الاتهام في سبيل ان يرجح كفته على ابن عبدوس، فاختارت ابن عبدوس نكاية به وتقريعا له ودفعا لهذه التهمة.
ما حصيلة ذلك كله والحديث عن الغزل ؟من حيث هو فن - رائد هذه الفقرة لا الحديث عن حب ولادة وابن زيدون وشخصيتهما؟:
ظاهرة هامة تركت طابعها على شعر ابن زيدون في الغزل ؟وفي غير الغزل أيضا - حين أصبحت قصة الحب وما جرته من ذيول حادثة ملهمة له وتلك هي ان القصيدة قد أصبحت " رسالة " تكتب، لا وصفا للمرأة ولا كلفا بالمناجاة الذاتية. وكان من دواعي هذا الموقف ان تتخذ سياقا عاطفيا وفكريا محددا بحدود الرسالة نفسها، فقصيدته " أضحى التنائي بديلا من تدانينا " وقصيدته " أني ذكرتك بالزهراء مشتاقا " وقصيدته " لئن قصر اليأس منك الأمل " وتلك التي خاطب بها ابن عبدوس " أثرت هزبر الشرى إذ ربض " وغير هذه القصائد إنما هي جميعا في قالب رسائل.
حادثتان اذن تشابهتا في أن فرضتا على ابن زيدون مسلكا واحدا هما حادثة الحب وحادثة السجن، وفي كلتيهما نرى ابن زيدون محتجبا وراء المسافة، يكتب رسائل، محددة المعالم مرتبة الأفكار، متراوحة بين الاعتدال والثورة، مزودة بقوة الانتقاء اللفظي وحلاوة الجرس الموسيقي.
فإذا أضفت إلى هاتين الحادثتين عمله الديواني تبين لك ابن زيدون " كتابا " في كل حالة، كاتبا ناجحا، ورسالته شعرية حينا نثرية حينا آخر، حتى انك لو أطلقت على عظم ديوانه اسم " رسائل ابن زيدون " لما كنت بعيدا عن الصواب. وقد كان المتوقع أن تقوى في شعره ؟ وفي

(1/166)


الغزلي منه بخاصة - المظاهر القصصية، وهي قد ظهرت فيه حقل ولكنها لم تكن بالقوة المتوقعة.
يتضح من هذا الحديث عن الغزل في هذا العصر انه دون شاعر " متخصص " فيه يقف عليه كل جهوده مثلما كان عمر بن أبي ربيعة أو العباس بن الأحنف في المشرق ولم يبلغ في رومنطقيته مبلغ شعر المجنون وكثير عزة ونسابي الاعراب. ولكنه انقسم قسمة مصطنعة عامدة بين الإلحاح في شأن العفاف أو الانسياق في المجون، واصبح شعر ابن زيدون ذا لون يدور حول علاقة حية غير مبهمة، وبذلك يمثل صفحة جديدة فيها من حداثة الصورة ما يجعلها متميزة في النفوس لا لأنها تعبر فحسب عن اللقاء في المستوى العاطفي بل لأنها تمثل المستوى الاجتماعي وشيئا من التقارب في الصعيد الفكري وتتصل قوتها بقوة " القصة " نفسها فليس فيها من سمات فارقة في طبيعة الغزل بمقدار ما هنالك من سمات جذابة في قصة الحب. وإذا كانت قصة ابن زيدون وولادة تقاربا بين مستويين في مجتمع أرستقراطي فان قصة ابن الحداد ونويرة تقارب بين بيئتين متجاورتين تنفرد كل منهما بدينها، وتتعايشان معا على ارض الأندلس.
7 - وتر شيعي
ظلت الأندلس في عصر قرطبة أموية الهوى سنية المذهب في الجملة، حتى إذا كان عصر الطوائف ومن بعدهم من المرابطين لم يكن للتشيع مجال سياسي اللهم إلا في دولة بني حمود أصحاب قرطبة ومالقة والجزيرة الخضراء، وما ذلك إلا لان بني حمود ينسبون إلى النبي (صلى الله عليه وسلم)، ولكنهم

(1/167)


- فيما يبدو - كانوا معتدلين أو بالأحرى لم يكن لهم مذهب كامل واضح المعالم ولا فقه خاص يميزهم (1) ؛ كذلك كان حكمهم قصيرا ولهم ينتشر نفوذهم إلا في رقعة محدودة، وكان كل ما يظهر لهم من اثر في الشعر الأندلسي أن مدحهم بعض الشعراء كابن دراج وابن شهيد بانتسابهم إلى الرسول. وقد ظهرت إمارات من ميول شيعية لدى عبادة ابن ماء السماء الذي كان يمدح بني حمود بمثل قوله (2) :
فها أنا ذا يا ابن النبوة نافث ... من القول اريا غير ما ينفث الصل
وعندي صريح من ولائك معرق ... تشيعه محض وبيعه بتل
ووالى ابي (قيس) أباك على العلا ... فخيم في قلب (ابن هند) له غل وكان شاعر الحموديين المقدم لديهم هو ابن مقانا الاشبوني، وهو صاحب القصيدة المشهورة " البرق لائح من اندرين " (3) وفيها يمدح إدريس بن يحيى الحمودي، ومن ابياتها:
وكأن الشمس لما أشرقت ... فانتثت عنها عيون الناظرين
وجه إدريس بن يحيى بن علي ... ابن حمود أمير المؤمنين
خط بالمسك على أبوابه ... ادخلوا بسلام آمنين
وينادي الجود في آفاقه ... يمموا قصر أمير المسلمين
ملك ذو هيبة لكنه ... خاشع لله رب العالمين
__________
(1) انظر مقالة الدكتور محمود مكي عن التشيع في الأندلس في صحيفة المعهد المصري: 133 (1954).
(2) الذخيرة ½: 9.
(3) الذخيرة - القسم الثاني (المخطوط) 303.

(1/168)


ويمدح الحموديين لصلتهم بالرسول فيقول:
يا بني أحمد يا خير الورى ... لأبيكم كان وفد المسلمين
نزل الوحي عليه فاحتبى ... في الدجى فوقهم الروح الأمين
خلقوا من ماء عدل وتقى ... وجميع الناس من ماء وطين
انظرونا نقتبس من نوركم ... إنه من نور رب العالمين ولولا البيت الأخير لكانت القصيدة عادية في المدح لا تخرج عن ذلك، وهذه القصيدة وأبيات عبادة اكثر شعر أمعن في التقرب إلى الحموديين على نحو من شعور أصيل أو منتحل بالتشيع لهم، أو للقضية العلوية. أما أشعار غير هذين ممن التف حول الحموديين مثل غانم بن وليد (1) وعبد الله بن السراج المالقي (2) فليس في أشعارهم التي وصلتنا ما يوحي بسيء من التشيع، سوى ان غانم بن وليد يسمي ممدوحه العالي إدريس بن يحيى في شعره " إمام الهدى " .
اذن فالشعر لم يتمذهب بالشيعية في الأندلس، إلا أن ظاهرة جديدة تبرز فيه أيام المرابطين وهي نظم القصائد في رثاء الحسين، وممن فعل ذلك الشاعر الكاتب أبو عبد الله بن أبي الخصال، فان له قصيدتين في مدح الحسين (3) ، وقد أصبح هذا الشعور أمرا ميسرا للتعبير بعد ان أصبحت روح التدين في ظل المرابطين دافعا قويا في الشعر، وغدا التوسل إلى الرسول وإرسال القصائد إلى الروضة الشريفة موضوعا واسعا من موضوعات الشعر الأندلسي يميز العصور التالية. وقد شارك ابن أبي الخصال
__________
(1) الذخيرة 1/1: 345.
(2) المصدر نفسه: 266.
(3) فهرست ابن خير: 421، ومقالة الدكتور مكي: 145.

(1/169)


في هذا الموضوع ايضا، فله رسالة يحمل فيها " بعث الإيمان ووفد الرحمن " تحياته إلى الرسول ويقول: " فهل انتم للأمانة مؤدون، ولأخيكم بالدعاء له في تلك المواقف ممدون، وبلسان ضميره متكلمون، وبحيته على خاتم الرسل (صلى الله عليه وسلم) مسلمون، ولتربته عنه بشفاهكم مصافحون؟ " ثم يشفع ذلك كله بثلاث مقطعات توسلية يشكو فيها ثقل ذنوبه ويتشفع بجاه الرسول الكريم وبقول إحدى تلك المقطوعات:
يا رسول المليك نفسي تتقون ... وذنوبي مثبطات تعوق
كم تعرضت للقبول ولكن ... ليس للزائف المبهرج سوق كلما قلت قد خلصت إلى البر ادعاني بتشاهديه العوق ... وبعيد أن تستجيب إلى الرشد قلوب للغي فيها حقوق ...
قيدتني الذنوب بل أسكرتني ... (1) فصبوح لا ينقضي وغبوق ولذلك أرى أن رثاءه للحسين لا يدل على نزعة شيعية وإنما هو داخل في حبه العام للرسول الكريم وآله.
9 - نزعة شعوبية:
وكانت الدولة الأموية تمثل رابطة مروانية عربية معا، فلما زالت تلك الدولة ظهرت بوادر العربية ضعفت في ظل بعض الدول المستقلة من صقالبة وبرابرة، وقد رأينا في العصر الأموي كيف كان الصراع بين المولدين والعرب مجالا للمناقضات الشعرية، ولا بد من ان نفترض ان الشعور الشعوبي كان موجودا هنالك في نفوس
__________
(1) الترسل، الورقة: 82 - 83.

(1/170)


المولدين، وانه لم يجد التعبير الكافي عنه يومئذ في غير المماحكات القائمة على العصبية؛ في ذلك العصر ألف بعضهم كتابا سماه " الاستظهار والمغالبة على من أنكر فضل الصقالبة " ولكنا لا الاسم، ولعله إنما كان دفاعا لا هجوما، فأما حين استقلت دولت الطوائف، فقد اصبح التصريح بالثورة العنصرية على العرب أمرا ممكنا، وكانت الرسالة النثرية هي القالب الذي استغل للتعبير عن تلك الثورة؛ ففي ظل أبي الجيش مجاهد العامري أحد الموالي الصقالبة نشأ أبو عامر احمد بن غرسية، أقوى صوت شعوبي في الأندلس، بل لعله الصوت الوحيد الذي سمعناه وكان أبو عامر نفسه حسما ذكر ابن سعيد، من أبناء نصارى البشكنس سبي صغيرا وأدبه مجاهد مولاه (1) ، وظل على موالاته لابن مجاهد الملقب إقبال الدولة (2) ، وكانت بينه وبين أبي جعفر بن الجزار صحية أوجبت أن استدعاه من خدمة المعتصم بن صمادح ملك المرية، منفندا رأيه في ملازمة مدحه وتركه ملك بلاده (3) . وفي رسالته هذه إليه أعلن عن شعوبيته فذم العرب وافتخر بالعجم بني قومه، وأغلب الظن أن الجزار رد عليه، ونقض كلامه، ففسدت الصداقة بينهما حتى هجاه ابن غرسية بقوله:
بطرفة تعلم أصلا له ... عربت فسلها فما تنكر
ومثل بها وضما مائلا ... وشفرة جزر ولا أكثر
__________
(1) المغرب 2: 406 - 407.
(2) المغرب 2: 355.
(3) المغرب 2: 408

(1/171)


تجر ذيول العلي تأثما ... وجدكم الجازر الأكبر (1) ولم تكن رسالة ابن غرسية مثارا لرد الجزار الذي نقدر صدوره عنه بل رد عليه آخرون برسائل مطولة، ومنهم من كان من معاصريه ومنهم من جاء بعد عصره، فمن معاصريه - عدا الجزار - آبو جعفر احمد بن اللدودين ألب لنسي وابن من الله القروي سمي رده " حديقة البلاغة " وابن آبى الخصال، في رسالة سماها: " خطف البارق وقذف المارق في الرد على ابن غرسية الفاسق " . وممن رد عليه بعد زمن طويل آبو يحيى بن مسعودة في عصر الموحدين والفقيه آبو مروان عبد الملك بن محمد الاوسي وابن الفرس وعبد الحق بن فرج وأبو الحجاج اليلوي (2) وهنالك رد لمجهول نحسبه معاصرا لابن غرسية.
ويتجلى من هذا ان قيمة رسالة ابن غرسية في الأدب الأندلسي ليست قيمة في ذاتها وإنما هي بمقدار ما أثارته حولها من ردود، وتدل كثرة الردود من جانب واحد على رسالة واحدة، ان الشعور بالعروبة كان قويا في الأندلس على مدى الزمن، وان السند الشعوبي لم يكن على شيء من القوة الأدبية.
ويستهل ابن غرسية رسالته متهكما بابن الجزار " ذي الروي المروي، الموقوف قريضه على حللة أرش اليمن بزهيد الثمن، كأن ما في الأرض من إنسان إلا من غسان أو من آل حسان " . ويتهمه بأنه إنما انقطع
__________
(1) في بعض المصادر ان اسمه " الجزار " ولكن هجاء ابن غرسية هذا يدل على ان " الجزار " هو الصواب.
(2) انظر المجموعة الثالثة من نوادر المخطوطات 236 - 240، وقد نشر الأستاذ عبد السلام هارون رسالة ابن غرسية والردود عليها في هذه المجموعة اعتمادا على مخطوطة الاسكوريال، وقد راجعت هذه المخطوطة نفسها وهي التي يشار في المصادر باسم " رسائل اخوانية " .

(1/172)


لمدح الأمراء من العرب إزراء منه على " الصهب الشهب [الذين هم] ليسوا بعرب ذوي أينق جرب " . ولا يميز ابن غرسية في فخره بين مختلف العناصر غير العربية، فهو يفخر بالأكاسرة وبني الأصفر وبقومه أنفسهم ذوي الأرومة الرومية والجرثومة الاصفرية، ويفتخر بقدومهم وسري أنسابهم لم يحترفوا الحرف المهنية ويتجمد بشجاعتهم " إذا قامت الحرب على ساق وأخذت في اتساق " وانهم فخر النادي " شدهوا برنات السيوف وبربات الشنوف وبركوب السروج عن الكلب والفروج " ويذكر انهم ذوو نزعة أرستقراطية في ملبسهم ومسلكهم، فلا هم رعاة غنم، ولا غراس فسيل، وينسب إليهم العلوم الفلسفية، " ذوو الآراء الفلسفية الأرضية، والعلوم المنطقية الرياضية، كحملة الاسترولوميقي والموسيقى، والعلمة بالارتماطيقى والجومطريقى، والقوة بالالوطيقى والبوطيقى " ؟.. " ما شئت من تدقيق وتحقيق، حبسوا أنفسهم على علوم البدنية والدينية، لا على وصف الناقة الفدنية " . ويصغر في مقابل ذلك من شأن العرب فينعتهم بأنهم رعيان يجلبون المواشي، حرفهم دنيئة، يهتمون بالخمر والقيان، يلبسون الخشن من الثياب، ويأكلون اردأ المطاعم. ولا ينسى في النهاية أن يفخر بالنبي العربي: " لكن الفخر بابن عمنا، الذي بالبركة عمنا، الإبراهيمي النسب، الإسماعيلي الحسب " ويقول: " بهذا النبي الأمي لفاخر من تفخر، وأكاثر من تقدم وتأخر، الشريف السلفين، والكريم الطرفين " . ويختم الرسالة بمثل ما بدأها به من الإنحاء على ابن الجزار لأنه لا يفقه وجه الصواب ويقول له: " فأذهب يا غث المذهب، وابتغ في الأرض نفقا، أو في السماء مرتقى، فهذه ألية جلبت عليك بلية " .
ونلحظ في أسلوب الرسالة أن ابن غرسية جعله مسجعا تتفاوت فقراته في الطول، حتى تختلف أحيانا كل سجعتين، وانه كان يبدأ اكثر فقراته فيها بكلمتين مسجوعتين، ثم يأخذ في التفصيل، كأن يقول: بصر صبر..

(1/173)


شمخ بذخ.. وضح رجح.. حلم علم.. " وهكذا، وبهذه الفواتح المزدوجة قيد الذين ردوا عليه واضطرهم إلى تناولها واحدة اثر واحدة. ومهما يكن من شيء فان السياق العام في هذه الرسالة يجعلها غريبة الوقع والموسيقى بالنسبة للنثر الأندلسي قي ذلك العصر.
ولما رد عليه ابن الدودين البلنسي، افتتح رسالته بالسباب فقال: خسأ أيها الجهول المارق، والمرذول المنافق، اين امك، ثكلتك أمك وما علمت انك سحبت من عقالك لعقالك، وقدمت أول قدمك، لسفك دمك، وبسطت مكفوف كفك لسلطان حتفك؟. " ويرى ابن الدودين أن غرسية لا يستحق الصلب، ويأسى على انه ليس في حضرته اقيال ورجال ذوو حمية ليعاقبوه على ما تورط فيه " لكنك بين همج هامج ورعاع مائج " ويهدده بأنه سيعيد عليه فسحة الأرض العريضة ضيقة، ويرده إلى قومه وهو محلوق القفا محتزم بالزنار.
ثم يأخذ في توجيه الأوصاف التي اسبغها ابن غرسية على قومه وصرفها عن مواضعها، فان كان قال فيهم: " رجح وضح " قال له ابن الدودين: " رجح الاكفال، وضح كذوات ربات الحجال " ؟وان قال: " علم حلم " وجه ابن الدودين هذا بقوله: " علم بالتداوي من القرم ومنافع القلم، حلم عن كل مجاوز الحلم " . ثم يذمهم بعدم الغيرة وإباحة الفروج، ويرد إليه المعايب التي الصقها بالعرب واحدة بعد واحدة. فإذا قال أن العرب حاكة برود اتهمه بأن قومه هم كذلك: " فناهيك من الغفارة الإفرنجية إلى الديباجة الرومية والنسبتان بذلك تشهدان " ؛ وإذا عير العرب بسوء المطعم نفى ذلك وأردفه بقوله: " على ان لا افتخار في مشرب ولا في مطعم لعرب ولا لعجم " . وحتى يأخذ مأخذ الأنصاف يقر لهم بعلم الطبائع وينكر عليهم علم

(1/174)


الشرائع، ويصحح مفهوماته في بعض ما نسبه للعرب، وينزع عن قوم ابن غرسية صفات الفروسية التي الحقا بهم، ويضيفها إلى العرب: " مجالسهم السروج، وريحانهم الوشيح، وموسيقاهم رنات الردينيات، وطوبيقاهم السريجيات " ، ويوغل في هذا إذ يجد مجال القول ذا سعة، ويختم رسالته بان يعيب ابن غرسية لانه جاهل كشف عورات آله الأعاجم بضعف نظره وقصور منطقه.
وعندها رد عليه ابن من الله القروي اظهر له فضل العرب حين ربته وليدا وعنيت بتخريجه وحسنت من ثقافته وعلمته اللغة التي بها يصول على العرب ويجول، وهذه مسألة لم يتنبه لها صديقه ابن الدودين في رده. ويحاول ابن من الله ان ينفذ إلى أمور دقيقة حين يذهب إلى ان ليس للسخاء بالرومية اسم ولا للوفاء في العجمية رسم، ويبتكر صفات مسجوعة لقومه العرب كالتي زعمها ابن غرسية لقومه من العجم، جاعلا صفاتهم مزدوجة في كلمتين فهم مثلا " سمر قمر " . ثم يتحدث عن بأس العرب وتغلبهم على الاكاسرة والقياصرة وعن غزو القسطنطينية ويجري مجرى ابن الدودين في توجيه الصفات التي ذكرها ابن غرسية لقومه وفي صرفها عن وجهها. فإذا قال ابن غرسية ان قومه " ملس لمس " قال ابن من الله: " انتم كما وصفت ملس لمس، لا تغيرون ولا تغارون، ولا تمنعون ولا تمتنعون، قلوبكم قواء، وأفئدتكم هواء، وعقولكم سواء، قد لانت جلودكم، ونهدت نهودكم، واحمرت خدودكم، تحلقون اللحى والشوارب، وتتهادون القبل في المشارب " . وواضح كيف ألح كل من الرجلين ابن الدودين وابن من الله على ناحية الغيرة وعلى غمز ابن غرسية في هذه الناحية غمزات لاذعة.
ويكاد ابن من الله يتفوق على صاحبه ابن الدودين في شدة التدقيق

(1/175)


والاستقصاء، وفي النفاذ إلى الأمور فيدل بذلك على قوة ملكه وسعة اطلاعه، إلا أنه حين يصل إلى الفخر بالعلم يسقط سقطة شديدة، إذ يقول: " وفخرت بالرياضية والأرضية، صدقت ونبت عني في الجواب، هي كالرياض سريعة الذبول، كثيرة الجفول؟. وكالأرض الأريضة، ذات العرصة العريصة؟ وأما الاسترلوميقي الهندسية، فعلم عملي مبني على التقاسيم والتراسيم، وكله آلات للحالات، وأدوات للذوات، ومساحات للساحات " . وإذ كان هذا العلم كذلك فهو في رأي ابن من الله علم أصحابه من العمال الممتهنين، والعرب بعيدة من المهنة. ولا يفرق القروي بين علم الهيئة وعرافة العرب، فيدعي أنه علم لهم فيه اليد الطولى، ويبين فضل العرب في معرفة الشهور والأيام وانهم جمعوا علم الطب في كلمتين، ثم يتحدث عن ميزتهم في الغناء واللحون ليثبت فضلهم في الموسيقى. " وأما الالوطيقى واللوطيقى فهنالك جاءت الأحموقى والاخروقى وظهر عجز القوم وبان أنهم أغمار ليس فيهم إلا حمار " .
ويبين هذا الموقف القائم على المناظرة افتتات كل فريق، وتحيله بشتى ضروب الحيل لتوجيه الأمور وجهة تلائم نظرته ومنطقه، وإذا كان من شيء في هذا الضرب من الجدل، فهو تنكبه جادة المنطق والذهاب مع التعميم والتمويه، والسفسطة واللجوء إلى الغمز واللمز والسباب المكشوف. وقد اصبح الموضوع معرضا لإظهار البراعة في الرد، حين تناوله الناس بعد عصر ابن غرسية، ومجالا للتجارب الأسلوبية، فأما ما عدا الرسالتين السابقتين فلا نتعرض له في هذا المقام لأنه يلحق بعصر آخر.

(1/176)


9 - الأدب الأندلسي صدى النكبات الكبرى:
من حق هذا الفصل أن أصور فيه تمثيل الأدب الأندلسي لحركت التقدم في الأوضاع التاريخية هنالك قبل أن اذهب إلى تصوير الذي يمثل النكبات أو حالات التراجع. فأما سياق التقدم فأنه يظهر في متابعة الأدب للانتصارات والإشادة بجهود الأمراء في مواقف متعددة، ربما كان أبرزها المد الجهادي الذي طغى بقدوم المرابطين، والتضحيات التي بذلت في الزلاقة ولبيط، الا ان هذا النوع من الأدب - على ما فيه من روح موجبة مندفعة - قد اختلط بالمدح حتى خالط المدح فيه الروح والعصب وليس فيه من جديد في الروح الطريقة.
وخير صورة وأنبلها غاية في عصر الطوائف تلك الصورة التي نحس فيها دعوة إلى الوحدة وائتلاف الكلمة أمام الخطر المشترك، ولكن هذه النغمة ضعيفة في أدب ذلك العصر، وانا لنلمس صداها في رسالة صدرت عن قلم الكاتب أبي محمد بن عبد البر يقول فيها (1) :
" ورد كتابك يحض على ما أمر الله به تعالى من الألفة واتفاق الكلمة وإطفاء نار الفتنة، وجمع شمل الأمة، في هذه الجزيرة المنقطعة عن الجماعة، فلله رأيك الاصيل، وسعيك الجميل، ومذهبك الكريم، وغيبك السليم، ما صدق قيلك، وأهدى دليلك، واضح في سبيل البر سبيلك، وقد كنت علم الله جانحا إلى ما جنحت إليه، ويلوح لي ما يلوح إليك من أنا على طرف إلا ما كفى الله وعلى قلة إلا ما وقي الله " .
وهي رسالة رسمية، تعتبر قضاء لواجب الرد، ولم تكن دعوة تتجاوز
__________
(1) الذخيرة: القسم الثالث (المخطوط): 55.

(1/177)


هذا البيان. ولذلك نترك الجانب الذي يصور بعض مظاهر التقدم، لنتوجه نحو الأدب الذي يصور التراجع، فهو الذي يمثل الحقيقة التاريخية للأندلس اكثر مما يمثله النوع الأول، وهذا الأدب لا يعني إقرار اليأس دائما وإنما هو في الغالب صور حزينة تنجم عن كارثة أو نكبة، وهو في أحيان أخرى تنبيه وتذكير، ولسنا نستطيع ان نستوفي كل جوانبه ومظاهره، ولذلك اكتفى بعرض ما اتصل منه بالأحداث الأربعة الخطيرة التي ألمحت إليها في المقدمة، وهي سقوط بربشتر وسقوط طليطلة وسقوط بلنسية وذهاب دولة بني عياد.
وأولى تلك الكوارث سقوط بربشتر (456) على يد الاردمانيين (النورمانيين) وقد أثارت تلك الحادثة مشاعر الفقيه الزاهد ابن العسال، فصور في إحدى قصائده ما حل يومئذ تصويرا عاما من النوع المألوف المكرر في ذكر ضروب الفواجع التي نزلت بالناس (1) :
ولقد رمانا المشركون بأسهم ... لم تخط لكن شأنها الاصماء
هتكوا بخيلهم قصور حريمها ... لم يبق لا جبل ولا بطحاء
جاسوا خلال ديارهم فلهم بها ... في كل يوم غارة شعواء
باتت قلوب المسلمين برعبهم ... فحماتنا في حربهم جبناء
كم موضع غنموه لم يرحم به ... طفل ولا شيخ ولا عذراء
ولكم رضيع فرقوه من أمه ... فله إليها ضجة وبغاء
لرب مولود أبوه مجدل ... فوق التراب وفرشه البيداء
ومصونة في خدرها محجوبة ... قد أبرزوها ما لها استخفاء
__________
(1) الروض المعطار: 40 - 41.

(1/178)


وربما كان من الكثير أن نتطلب من ابن العسال إظهار تفاعله مع الحادثة، وتعدي المجال الخارجي في تصويرها، فقصيدته تدل على تنبه النفسي لمعنى النكبة، وهو يعرف موطن الداء حين يقول: " فحماتنا في حربهم جبناء " . ثم انه بحكم موقفه الزهدي الديني ينسب ما حل ببربشتر إلى ذنوب المسلمين وانهم لا يتورعون عن المجاهرة بالكبائر " فالذنوب الداء " ؟كما يقول - وهذه مشكلة تعترضنا كثيرا في الأدب الذي يمثل النكبات العامة.
وكان اشد الناس عارضة بالإلحاح على ما دهم تلك المدينة هو أبو حفص عمر بن الحسين الهوزني صديق عباد المستقل بأمر اشبيلية، وقد استأذن صديقه في سكنى مرسية، فلما حلت المصيبة بمدينة بربشتر، وكانت من أولى المصائب ذات الأثر البعيد في نفوس الأندلسيين، اخذ يراسل عبادا ويحثه على الجهاد والتنبيه للأمر الداهم. ومن رسائله إليه في هذا الشأن (1) :
أعباد حل الرزء والقوم هجع ... على حالة من مثلها يتوقع
فلق كتابي من فراغك ساعة ... وان طال، فالموصوف للطول موضع ؟ وكتابي عن حالة يشيب لشهودها مفرق الوليد، كما يغبر لورودها وجه الصعيد، بدؤها ينسف الطريف والتليد، ويستأصل الوالد والوليد، تذر النساء أيامي، والأطفال يتامى؟ طمت حتى خيف على عروة الإيمان الانتقاض، وطغت حتى خشي على عمود الإسلام منها الانتقاض، وسمت حتى توقع على جناح الدين الانهياض؟ كأن الجميع في رقدة أهل الكهف، أو على وعد صادق من الصرف والكشف.
__________
(1) الذخيرة - القسم الثاني (المخطوط): 34.

(1/179)


أعباد ضاق الذرع واتسع اخرق ... ولا غرب في الدنيا إذا لم يكن شرق " ومن فصول تلك الرسالة أيضا: " وما زلت اعتدك لمثل هذه الجولة وزرا، وادخرك في ملحها ملجأ وعصرا، لدلائل أوضحت فيك الغيب وشواهد رفعت من أمرك الريب، فالنهار من الصباح، والنور من المصباح ولئن كان ليل الفساد مما دهم قد اغدت جلبابه، وصباح الصلاح بما ألم قد أهابه، فقد كان ظهر قديما من اختلال الأحوال ما أيأس، وتبين من فساد التدبير ما ابلس، حتى تدارك فتق ذلك سلفك، فرتقه جميل نظرهم ورأبه، وصرفه مشكور أثرهم وشعبه " . ويبدو أنها رسالة طويلة، اكتفى ابن بسام بإيراد فصول مختارة منها، وكان جواب عباد عليها ان شجع الهوزني إلى بلده، وقتله بيده، إذ كان يخشى منافسته له في أمر السيادة. ولعل عبادا ظن ان حض الهوزني له على الجهاد لم يكن إلا نوعا من التوريط، فإذا حارب واخفق كسرت هيبته لدى ملوك الطوائف، وإذا لم يحارب كشف عن تقاعسه في الدفاع عن حوزة الدين.
ودخلت مشكلة بربشتر في طور " رسمي " فتناولها ابن عبد البر في " منشور " كتب على لسان أهل بربشتر ووزع على أنحاء الأندلس تعميما للشعور بالمشكلة واستنهاضا وتنبيها. وبعد التحميد يقول على لسانهم: " فأنا خاطبناكم مستنفرين، وكاتبناكم مستغيثين، وأجفاننا قرحى، وأكبادنا جرحى، ونفوسنا منطبقة، وقلوبنا محترقة " ؛ ثم يحاول ان يستثير الهمم لنصرة بربشتر فيصف الفواجع التي حلت بها وبأهلها: " وذلك أنه أحاط بنا عدونا كإحاطة القلادة بالعنق، وحاربنا حتى ظفر بنا، فانا لله وانا إليه راجعون، على ما تراءت منا العيون، من انتهاب

(1/180)


تلك النعم المدخرات. وهتك ستر الحرم المحجبات، والبنات المخدرات، وما كشف من تلك العورات المستترات. فلو رأيتم ؟معشر المسلمين - إخوانكم في الدين، وقد غلبوا على الأموال والاهلين، واستحكمت فيهم السيوف، واستولت عليهم الحتوف، وأثخنتهم الجراح، وعبثت بهم زرق الرماح، وقد كثر الضجيج والعويل، ودماؤهم على أقدامهم تهيل، سيل المطر بكل سبيل، ورؤسهم قدامهم تطير، ولا مغيث ولا مجبر، وقد صمت الآذان بصراخ الصبيان ونياح النسوان وبكاء الولدان، وعلت الأصوات، وفشت المنكرات؟. وما ظنكم معشر المسلمين وقد سيقت النساء والولدان، ما بين عارية وعريان، قودا بالنواصي إلى كل مكان، طورا على المتون، وطورا على البطون، مقرنين بالحبال، مصفدين في السلاسل والاغلال، مقتادين في الشعور والسبال، ان استرحموا لم يرحموا، وان استطعموا لم يطعموا، وان استسقوا لم يسقوا، وقد طاشت أحلامهم، وذهلت أوهامهم؟. فيا ويلاه ويا ذلاه ويا قرآناه ويا محمداه " .
ويضرب ابن عبد البر على نغمة الوحدة والائتلاف في هذا المنشور حين يقول على لسان أهل بربشتر: " ولو كان شملنا منتظما، وشعبنا ملتئما، وكنا كالجوارح اشتباكا، وكالأنامل في اليد اشتراكا، لما طاش لنا سهم، ولا ذل لنا حزب، ولا فل لنا غرب، ولا روع لنا سرب؟ فتنبهوا قبل ان تنبهوا، وقاتلوهم في أطرافكم قبل ان يقاتلوكم في أكنافكم، وجاهدوهم في ثغوركم قبل أن يجاهدوكم في دوركم، ففينا متعظ لمن اتعظ وعبرة لمن أعتبر " .
ولقد ذهب رسالة ابن عبد كلاما يزجى فلا يجد سميعا، ولعل

(1/181)


المعتضد المشير بكتابتها - أو غيره ممن خدمهم هذا الكاتب بقلمه - أول من لم يحرك ساكنا في سبيل بريشتر، وإنما كان التنبيه سياسة المبادر للخروج من حيز الملامة، ثم تطوي الأيام كل فورة وتحيلها إلى همود، وتتجدد النكبات، فلا تذكر الوحدة والائتلاف والحذر من الخطر إلا عند الأزمات، وتتلاشى الأصداء كأنها لم تكن. وحين كانت مشكلة كنكبة بربشتر تدخل نطاق التداعي " الرسمي " ، فقد دخلت منطقة اللؤم والمخادعة وتربص الواحد بالآخر، والتستر وراء الكلمات الغرارة.
ولأبي عبد الرحمن بن طاهر في هذه الحادثة نفسها رسالة يرد فيها على من كتب له يذكر ما جرى على بربشتر (1) :
" ورد كتابك بالخطب الأبقع، والحادث الأشنع، الجاري على المسلمين، نصر الله مقامهم. وجمع على الائتلاف مذاهبهم، في بربشتر، وكان صدرا في القلاع المنيفة، وعينا من عيون المدائن الموصوفة، إلى ما سبق قبل في القلعة القلهرية وغيرها من مهمات الدور والمعاقل، وخطيرات الحصون والمنازل، فأطارت الألباب، وطأطأت الرقاب، وصرم الأمل والهمم، وأسلم من المذلة والقلة إلى ما قصم، وأنك رأيت الحال في معرض جلائها للنواظر عيانا، ووصل بينها وبين الخواطر أسبابا واشطانا، فما شئت من دمع مسفوح مراق، ونفس مترددة بين لهاة وتراق، وأسى قد قرع حصيات القلوب فرفضها، وعدل عن مضاجع بالجنوب فأقضها؟ " .
وإنما أورد هذه الأمثلة لأقدم صورة عن ما أحدثته نكبة بربشتر من امتداد في الصدى والأثر، وذلك أنها كانت من أولى النكبات، فكان استعثار الخطر من جرائها كثيرا، هذا على أنها قد تكون حادثة صغيرة
__________
(1) الذخيرة - القسم الثالث (المخطوط): 28.

(1/182)


بالنسبة للأحداث التي تلت من بعد.
أما الكارثة الثانية فهي سقوط طليطلة (478) وهي من حيث نتائجها اعظم خطرا من سابقتها بكثير، وبها يرتبط التحول الخطير الذي تم في التاريخ الأندلسي فأدى إلى دخول المرابطين ثم إلى سقوط دول الطوائف واندثارها. وفي هذه الكارثة نعود فنسمع مرة أخرى صوت ابن العسال الزاهد، فطليطلة بلدة ومسقط رأسه ومنها أخرج عندما استولى عليها الروم، ولكن صوته في هذه المرة غريب اجش في الأسماع، لأنه بدلا من أن يبكي على ما حل ببلده، يحذر الأندلسيين من الإقامة في بلدهم ويدق لهم ناقوس الخطر، ويقول لهم: الرحيل الرحيل:
يا أهل أندلس حثوا مطيكم ... فما المقام بها من الغلط
الثوب ينسل من أطرافه وأرى ... ثوب الجزيرة منسولا من الوسط
ونحن بين عدو لا يفارقنا ... كيف الحياة مع الحيات في سفط ولو كنا نحاسب ابن العسال حسب ظاهر كلامه لقلنا انه قد آثر موقفا انهزاميا، ودعا فيه قومه إلى الجلاء عن أوطانهم لأن طليطلة سقطت وهي في وسط البلاد، والثوب إذا نسل من وسطه فقد انتهى امره، ولكن هذا اللون السلبي من التعبير عن الحقيقة كان يومئذ مبالغة في التنبيه والتذكير.
وقد احتفظ لنا المقري صاحب النفح بقصيدة طويلة (72 بيتا) لشاعر لم يذكر اسمه يندب فيها طليطلة:
لثكلك كيف تبتسم الثغور ... سرورا بعدما بئست ثغور

(1/183)


طليطلة أباح الكفر منها ... حماها، إن ذا نبأ كبير
فليس مثالها إيوان كسرى ... ولا منها الخورنق والسدير
محصنة محسنة بعيد ... تناولها ومطلبها عسير
ألم تك معقلا الدين صعبا ... فذلله كما شاء القدير وبعد ان يصور الشاعر انقلاب الأوضاع ويتفجع على ما أصاب الحرائر المصونات نراه وكأنما ينتدب نفسه للرد على تلك الأفكار التي كان يوردها ابن العسال، مثل قوله آن المصائب تحل بسبب الذنوب، فهذا الشاعر المجهول يقف عند هذه المسألة مترددا مشككا حين يقول:
فإن قلنا العقوبة ادركتكم ... وجاءهم من الله النكير
فأنا مثلهم واشد منهم ... نجور، وكيف يسلم من يجور
أنا من ان يحل بنا انتقام ... وفينا الفسق أجمع والفجور ولا ينكر الشاعر العلاقة بين الذنب والمصائب، إلا انه يتخذ من الفكرة حافزا خلقيا لينبه الناس إلى ان ذنوبهم أيضا كثيرة، وأنها قد تجرهم إلى مصير مشبه لمصير آهل طليطلة. وبعد ذلك يهيب الشاعر بالناس للانتقام واخذ الثأر ويدعوهم إلى الموت ؟لا الهرب من ديارهم كما فعل ابن العسال:
وموتوا كلكم فالموت أولى ... بكم من أن تجاروا أو تجوروا
أصبرا بعد سبي وامتحان ... يلام عليهما القلب الصبور فإذا بلغ الحد تذكر ذل حكام الأندلس ذل حكام الأندلس بمداراتهم واصطناعهم للأذفونش ورهطه، وذل الناس الذين أعطوا الدنية ورضوا بالخنوع

(1/184)


للحاكم الأجنبي أما لفقر أو لحرص على رزق أو لاستهانة بأمور الدين:
تجاذبنا الأعادي باصطناع ... فينجذب المخول والفقير
فباق في الديانة تحت خزي ... تثيطه الشويهة والبعير
وآخر مارق هانت عليه ... مصائب دينه، فله السعير ولذلك تراه يثور عارمة على اهل طليطلة أنفسهم الذين آثروا البقاء تحت الاشرقاق قائلين: اين نفر ولا أملاك لنا ولا دور، دعونا في مدينتنا فانها فاكهة طرية وماء نمير، وهؤلاء المحتلون أحمى لحوزتنا ونحن ندفع لهم الجزية:
كفى حزنا بأن الناس قالوا: ... إلى اين التحول والمسير
أنترك دورنا ونفر عنها ... وليس لنا وراء البحر دور
ولا ثم الضياع تروق حسنا ... نباكرها فيعجبنا البكور
وظل وارف وخرير ماء ... فلا قر هناك ولا حرور
ويؤكل من فواكهها طري ... ويشرب من جداولها نمير
يؤدى مغرم في كل شهر ... ويؤخذ كل صائفة عشور
فهم أحمى لحوزتنا وأولى ... بنا وهم الموالي والعشير
لذهب اليقين فلا يقين ... وغر القوم بالله الغرور
رضوا بالرق يا الله! ماذا ... رآه وما أشار به مشير!! ومع أن الشاعر يتردى في هوة اليأس، ويرى الليل هما والنهار شرا مسيطرا إلا انه لا يفقد تفاؤله ورجاءه في النصر:
ونرجو أن يتيح الله نصرا ... عليهم، إنه نعم النصير

(1/185)


تلك هي القصيدة، وهي في جملتها سهلة سائغة بارئة من التكلف والافتعال، وتعتمد البساطة والمراوحة بين الإثارة والتفجع والسرد القصصي، ولتعدد الوسائل الفنية فيها كانت حقيقة بالوقوف عندها، وقد خلت من زخارف الصور حتى كأنها في بعض أجزائها قطعة نثرية بسيطة وكأنها لالتزامها الواقع أحيانا " فقرة " تاريخية لا قصيدة.
ويجيء استيلاء الكنبيطور على بلنسية (487 - 495) ثالثا بين النكبات العدوانية التي منيت بها الأندلس. وقد أثارت هذه الحادثة مواطن بلنسية أبا عبد الله بن علقمة الصدفي ( - 509) فدونها في تاريخ خاص، سماه " البيان الواضح في الملم الفادح " كتبه الناس عنه، وأفاد منه ابن الأبار في التكملة (1) ، وابن عذاري في البيان المغرب.
ولما استولى السيد على بلنسية، أحرق بعض الأشخاص من أهلها ومنهم القاضي ابن جحاف الثائر بها، وأحمد بن عبد الولي البتي الشاعر ( - 488) (2) . ويقول فيه ابن الابار إنه كان كاتبا شاعرا بليغا مطبوعا كثير التصرف مليح التظرف قائما على الآداب وكتب النحو واللغة والأشعار الجاهلية والإسلامية؛ ولم يذكر سبب إحراق الكنبيطور له، ولعله من المحرضين عليه بشعره أو ترسله، أو لعله كان ذا صلة بابن جحاف.
وقد شهد أبو عبد الرحمن بن طاهر حال بلنسية أيام ثورة ابن جحاف فيها، ولك يكن راضيا تماما عن هذا الثائر، إذ كان ابن جحاف يظنه منافسا له، وعاش حتى شهد محنة بلنسية على يد السيد، وكان من الأسرى عام 488 ومنها كتب إلى بعض إخوانه يصف حال المدينة (3) :
__________
(1) التكملة: 411.
(2) التكملة: 24.
(3) الذخيرة - القسم الثالث (المخطوط): 29.

(1/186)


" فلو رأيت قطر بلنسية، نظر الله إليه، وعاد بنوره عليه، وما صنع الزمان به وبأهليه، لكنت تنديه وتبكيه، فلقد عبث البلى برسومه، وعدا على أقماره ونجومه، فلا تسأل عما في نفسي، وعن نكدي ويأسي " .
وعاش ابن طاهر هذا حتى استرجع أمير المسلمين مدينة بلنسية في شهر رمضان عام 495، فكتب رقعة إلى الوزير ابن عبد العزيز يذكر له أمر ذلك الفتح، ويحمد الله على استرجاعها (1) .
وممن تأثر لما حل ببلنسية ابن خفاجة، فقال يرثيها (2) :
عاثت بساحتك العدى يا دار ... ومحا محاسنك البلى والنار
فإذا تردد في جناحك ناظر ... طال اعتبار فيك واستعبار
أرض تقاذفت الخطوب بأهلها ... وتمخضت بخرابها الأقدار
كتبت يد الحدثان في عرصاتها ... " لا أنت أنت ولا الديار ديار " وأقدر أن قصيدة ابن خفاجة كانت اكثر أبياتا، ولم يبق منها إلا هذه الأربعة، ذلك أن بلنسية كانت جزءا من معاهد الشاعر وعهوده وأم وطنه " شقر " ، فلا بد ان يكون ضياع بلنسية قد حز في نفسه، ولذلك لم يكد يعلم أن النية معقودة على استرجاعها حتى غمره البشر والاستبشار، وهنأ نفسه بما سيحدث قبل حدوثه فقال (3) :
الآن سح غمام النصر فانهملا ... وقام صغو عمود الدين فاعتدلا
ولاح للسعد نجم قد خوى فهوى ... وكر للنصر عصر قد مضى فخلا
__________
(1) الذخيرة - القسم (المخطوط): 32.
(2) المصدر نفسه: 32 وديوانه: 354.
(3) ديوان ابن خفاجة: 208.

(1/187)


وبين النكبتين الثانية والثالثة ؟نكبة طليطلة وبلنسية - حدثت واقعة لا نعدها نكبة من سياق ما وصفناه، ولكن كثيرا من الأندلسيين عدها كذلك، ونعني بها انهيار دول الطوائف عامة ودولة بني عباد خاصة، وبما أن سائر دول الطوائف لم تحظ من بكاء الشعراء ونأسفهم على زوالها بسيء كثير (سوى مراثي ابن عبدون في بني الأفطس أصحاب بطليموس) ولما كانت دولة بني عباد هي التي استأثرت بأكثر الأسى والتفجع فلا بد من ان تقصر الحديث عليها:
لقد كان افول نجم المعتمد يمثل في نفوس طائفة كبيرة من الناس حقيقة المأساة اكثر مما تمثله النكبات المتلاحقة التي تخطفت المدن وزعزعت السيادة العربية عامة. وإذا تأملنا هذا الموقف وجدنا ان قصة انهيار " البطل " الحامي للأدب والشعر كانت أعمق أثرا في النفوس من سواها، إذا نحن حكمنا على ذلك من مدى الحزن في الشعر المتصل بها. ويبدو ان قصة " العزيز الذي ذل " كانت تثير العواطف اكثر مما تثيرها ضياع أجزاء عزيزة من الوطن، وما ذلك إلا لان الشاعر الأندلسي ربط " مقدراته " بالفرد الحامي، فلما فقد هذا الفرد أدركه اليأس الغالب. ولسنا ننكر الإخلاص في هذا الموقف ولكنا نريد أن نؤكد حقيقة هامة، وهي ان سقوط بربشتر أو بلنسية أو طليطلة لم يثر من الشعر والنثر فلا قدرا يسيرا إذا قسمناه إلى ما أثاره سقوط المعتمد، أي ان النكبة الجماعية لم تكن ذات تأثير عميق كالنكبة الفردية، لا من حيث الكم ولا من حيث النوع في الأدب المستثار. وربما لم نجد في الشعر الأندلسي عاطفة اعمق غورا وأشد لهبا عاطفيا من تلك القصائد التي قالها ابن اللبانة وابن حمديس وابن عبد الصمد في نكبة المعتمد.
ما السر في ذلك؟ هل هو تحدد الصلة بين الفرد الشاعر وراعيه

(1/188)


بحيث احتجت عن عينيه القيم الجماعية، كما احتجت عنه إمكان سقوط العظمة التي يستظل بظلها فلما تقلص الظل أصيب الشاعر " بضربة " المفاجأة الحادة؟ هل كان المعتمد رمزا للبطولة والفروسية والفتوة الكاملة فكان انهياره مأساويا لأنه كان يعني انهيار الرمز الكبير؟ هل أحس أولئك الشعراء انهم يودعون صورة " السيادة " العربية في الأندلس إلى الأبد؟ هل كان بكاؤهم على صاحبهم نفورا طبيعيا من السادة الجدد ونحن نعلم أن الشعراء الثلاثة تحاسوا سلطان المرابطين من بعد، ولم يتصلوا بهم؟ . لم لا نقول أن سقوط " العزيز " ؟الصديق - الراعي - الشاعر ؟يستدعي الأسى مثلما يستدعي الوفاء؟
وقد كان المعتمد نفسه كأحد هؤلاء الأوفياء في إحساسه بالتغيير المخيف الذي لحقه بعد السرير والصولجان، حين اصبح أسيرا مقيدا " وحمل في السيفين، وأحل في العدوة محل الدفين، تنبذه منابره واعواده، ولا يدنو منه زواره ولا عواده " (1) ، فتمثل قصوره: المبارك والوحيد والزاهي ورأى التاج والنهر وكل ما ألفه في أيام ملكه تندبه وتبكيه، واستشهر الغربة والإذلال في كل خطوة، فسجل مشاعره الحزينة وهو يقارن بين حالتيه، وتخير اللحظات التي يحس الإنسان فيها بالبون الواسع بين معالم البهجة والأسى كأيام العيد، فصور ما آل إليه وما آلت إليه بناته من جوع وفقر (2) :
فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا ... فجاءك العيد في اغمات مسرورا
ترى بناتك في الاطمار جائعة ... يغزلن للناس لا يملكن قطميرا
__________
(1) القلائد: 23 - 24.
(2) ديوان المعتمد: 100 - 101.

(1/189)


برزن نحوك للتسليم خاشعة ... أبصارهن حسيرات مكاسيرا وعاش المعتمد ما بقى من عمره في مقارنة مستمرة بين ماضبه وحاضره من جميع الوجوه، وكان بالغ شجيا مؤثرا، فلا غرو أن يكسب نكبته طبيعة المأساة الحزينة بما نظمه حولها من شهر، وان يرى فيه الذين وفوا له صورة الانهيار الشامل وان يستمدوا من الحادثة عبرة كبرى عن تقلب الأيام.
ولعل ابن اللبانة أوضحهم وفاء فقد تتبع مصير المعتمد منذ نقله في السفينة إلى اغمات حتى وفاته بالمراثي الجياشة بالدموع، مما حدا بعض مترجميه أن يلقبه " سموأل الشعراء " والف في الدولة العبادية كتابا سماه " سقيط الدرر ولقيط الزهر " . ومن قصائده يصور كيف نقل بنو عباد في السفينة (1) :
نسيت إلا غداة النهر كونهم ... في المنشآت كأموات بألحاد
والناس قد ملأوا العبرين واعتبروا ... من لؤلؤ طافيات فوق ازباد
حط القناع فلم تستر مخدرة ... ومزقت أوجه تمزيق ابراد
حان الوداع فضجت كل صارخة ... وصارخ من مقداة ومن فادي
سارت سفائنهم والنوح يصبها ... كأنها إبل يحدو بها الحادي
كم سال في الماء من دمع وكم حملت ... تلك القطائع من قطعات أكباد وقد تمثل هذه القطعة صورة خارجية للمنظر الحزين دون أن تعبر إلا قليلا عن الحزن الذاتي لدى ابن اللبانة، ولكن هذه الطريقة
__________
(1) القلائد: 23.

(1/190)


غالبة في طلب الإثارة بتعريض القارئ نفسه لتصور موقف الحزن، هذا إلى ان الحزن الذاتي كامن في كلماتها.
وقد يجنح ابن اللبانة إلى المبالغات العامة، ولكنه يمنحها جزالة قوية يغلف بها حزنه العميق في مثل قوله (1) :
انفض يديك من الدنيا وساكنها ... فالأرض قد أقفرت والناس قد ماتوا
وقل لعالمها قد كتمت ... سريرة العالم العلوي أغمات
طوت مظلتها لا بل مذلتها ... من لم تزل فوقه للعز رايات
من كان بين الندى والبأس انصله ... هندية، وعطاياه هنيدات غير ان اللحن العام فيها مشبع أيضا بالحزن وكأنما هو ينش بالدموع ومهما تكثر هذه المبالغات في شعره فأنها لا تفاجئنا بالتكلف، لشدة كلفه بهذا الموضوع وإخلاصه الدفين له، ولن نطيل في إيراد أمثلة كثيرة من شعر ابن اللبانة فأنها وافرة، ويكفينا أن نعرض لمثلين آخرين يدلان على وفاء ابن عبد الصمد وابن حمديس.
أما أبو بكر ابن عبد الصمد فانه زار قبر المعتمد في يوم عيد " فطاف بالقبر والنزمه، ثم خر على تربه ولثمه وأنشد قصيدته الدالية " (2) :
ملك الملوك أسامع فأنادي ... أم قد عدتك عن السماع عوادي
لما خلت منك القصور ولم تكن ... فيها كما قد كنت في الأعياد
أقبلت في هذا الثرى لك خاضعا ... وتخذت قبرك موضع الإنشاد
قد كنت أحسب ان تبدد أدمعي ... نيران حزن أضرمت بفؤادي
__________
(1) القلائد: 29.
(2) القلائد: 31.

(1/191)


وتذكر ابن عبد الصمد ذلك المجد الزائل، وبكاه بدموع مخلصة في مطولته هذه " فانحشر الناس إليه وأجفلوا، وبكوا لبكائه وأعولوا، وأقاموا أكثر نهارهم مطيفين به طواف الحجيج، مديمين البكاء والعجيج " (1) .
ويشبه ابن حمديس صديقيه هذين في شدة الحزن واللوعة على صاحبه وولي نعمته. إلا انه يفترق عنهما في شيء من التأميل العابر، والتفاؤل العارض الذي كان ينظر به إلى مأساة المعتمد، فهو يعزيه بما يصيب الأسد حين تحبس ويقول:
وقد تنتخي السادات بعد خمولها ... وتخرج من بعد الكسوف بدور إلا انه لا يلبث أن ينسى ؟عند نهاية القصيدة - هذا الشهور بالتفاؤل، ويحس ان حادثة المعتمد تعني نوعا من دنو القيامة:
ولما رحلتم بالندى في أكفكم ... وقلقل رضوى منكم وثبير
رفعت لساني بالقيامة قد أتت ... ألا فانظروا هذي الجبال تسير (2) وكلا الشاعرين، ابن اللبانة وابن حمديس، تصور القيامة ونهاية " العالم السفلي " في حادث المعتمد، ولم يكن هذا محض مبالغة شعرية، بل هو ذو دلالة على طبيعة استشعارهما للتغير المفاجئ ؟الذي لم يكونا يتوقعانه - فأصابهما بهزة نفسية عنيفة،. وقد وقف ابن حمديس مرة أخرى عند هذا المعنى في أول قصيدة رثى بها المعتمد " وهو حي " ؟ " فانك حي تستحق المراثيا " فقال:
__________
(1) القلائد: 31.
(2) ديوان ابن حمديس: 267 - 168، والقصيدة جواب على قصيدة المعتمد مطلعها " غريب بأرض المغربين أسير " .

(1/192)


أقول واني مهطع خوف صيحة ... يجيب بها كل إلى الله داعيا
أسير جبال وانتثار كواكب ... دنا من شروط الحشر ما كان نائيا ولكن ما حسبه هذان الشاعران الوفيان من " أشراط الساعة " لم يكن إلا تحولا صغيرا في تاريخ الناس. نعم مات المعتمد الذي استحق الرثاء وهو حي، ثم انصرف كل واحد منهما يطلب من جديد في ظل ممدوح جديد، لا من نسيان أدركهما وإنما هي طبيعة الحياة الإنسانية، تعثر بالموت لتجدد وتمضي في طريق الاستمرار. فأما ابن حمديس فلجأ إلى زيري بأفريقية، وأما ابن اللبانة فانحاز إلى مبشر ابن سليمان صاحب ميورقة. وبينما كان هذان الشاعران يذرفان الدموع على الصديق المحبوب كان شعراء آخرون يرحبون بالسلطان المرابطي في قصائد تحمل كل معاني الفرحة والاستبشار والشماتة معا. ولكن هذا الشعر الرومنطيقي الذي وقف يحيي العظمة الزائلة سيظل أقوى صورة حزينة في الأدب الأندلسي أثارها الوفاء لا الرجاء، وبعثتها صدمة الموت لا انفتاح الحياة! ولقد كانت المشكلة التي تلح على خيال الفرد الأندلسي بقوة الوضع الإنساني عامة والوضع الأندلسي القلق على حافة التغير والتشرد والموت، هي مشكلة المصير النهائي. وفي هذا المجال قدم الأدب الأندلسي نماذجه الكبرى من مراث متفلسفة وبكاء على المدن الزائلة، وتوجع للعظمة المندثرة، والصداقة المتلاشية، والجمال الآيل إلى نضوب.
10 - وصف الطبيعة:
كان وصف الطبيعة في العصر السابق نوعا من الاحتذاء لبعض أشعار

(1/193)


المشارقة، ولكن الأندلسيين تميزوا بالإكثار من وصف الأزهار، حتى ألف حبيب الحميري كتابه " البديع في وصف الربيع " يحدوه إلى ذلك إهمال أهل بلده في تسجيل شعرهم وجمعه، وشيء من سأم لما قرأ في هذا الباب من أشعار المشارقة، واعجابه بالتشبيهات التي تمت لأهل بلده، في مدى قصير من الزمان، إذا قيس بعمر الشعر في المشرق؛ وقد عاش حبيب في عصر المعتضد بن عباد، وتوفي وهو ابن اثنتين وعشرين سنة فهو يمثل الفترة السابقة مثلما يمثل أوائل عهد الطوائف. وترتيب كتابه يدلنا على الاتجاه العام الذي سلكه شعر الأندلس ؟حتى عهده - في وصف الطبيعة. فالفصل الأول فيه يتناول موضوع وصف الربيع عامة، والثاني: ما فيه وصف لعدة أزهار، وفي هذا الفصل تتجلى القضية التي أثارها ابن الرومي في المفاضلة بين الأزهار. ولحبيب نفسه رسالة يرد فيها على ابن الرومي، في تفضيل البهار على الورود؛ ثم قطع في تفضيل الخيري على البنفسج، أما الباب الثالث فمخصص للقطع التي تختص كل واحدة منها بنوع واحد من النوار كالآس والياسمين والنيلوفر ونور اللوز ونور الباقلاء والكتان وهكذا.
ويتجلى من القطع التي حشدها حبيب أنا لم تنظم خصيصا لوصف الطبيعة، وإنما كان بعضها مقدمة لقصيدة المدح، وكان بعضها محض صورة اجتزئت من قصيدة طويلة. فمن وصف الربيع في مقدمة قصيدة مدح قول ابن الابار ؟وغرضه التخلص لمدح الحاجب - (1) .
لبس الربيع الطلق برد شبابه ... وافتر عن عتباه بعد عتابه
ملك الفصول حبا الثرى بثرائه ... متبرجا لوهاده وهضابه
__________
(1) البديع: 24.

(1/194)


فأراك بالأنوار وشي بروده ... وأراك بالأشجار خضر قبابه
أمسى يذهبها بشمس أصيلة ... وغدا يفضضها بدمع حبابه
عقل العقول فما تكيف حسنه ... وثنى العيون جنائبا بجنابه
بالحاجب المأمول أضحك ثغره ... فرحا وأنطلق جهرنا بصوابه ومثل هذه القطعة قطع أخرى كثيرة نكتفي منها بقطعة مرحة الوزن للوزير ابي عامر بن مسلمة جعلها مقدمة لقصيدة في مدح القاضي ابن عباد (1) :
وروضة مشرقة ... بكل نور مجتنى
فبها بهار باهر ... ونرجس يشكو الضنى
وياسمين أرضه ... ونوره تلونا كاليل مخضرا ولكن بالنجوم زينا ...
فاجتن وردا واردا ... وسوسنا ملسنا
وحوله نيلوفر ... فتنة ران إن رنا
تجاله مضاربا ... من المها تروقنا
والآس آس كاسمه ... بنوره قد حسنا
تنويره جواهر ... من غير بحر تقتني
وحبه من سبج ... أو سندس قد لونا وقد بدا فيها البنفسج الندي الغض الجنى ...
وأرضه مطاف ... خضر أتتنا بالمنى
طابت بطيب ماجد ... فاق سناء وسنا ويرى حبيب ان هذه القطعة " تضمنت من تشبيهات غريبها ومن الصفات
__________
(1) المصدر نفسه: 38.

(1/195)


عجيبها " . وتدل هذه القصائد مجتمعة على قيمة اتخاذ وصف الطبيعة " مقدمة " فحسب في القصائد بدلا من الغزل التقليدي، ويبدو ان الأندلسيين أكثروا منها حتى عصر حبيب، وكانوا يجدون التشجيع من الممدوحين أنفسهم، فان حبيبا نفسه أنشد المعتضد قصيدة ضادية يحاكي بها قصيدة للفقيه أبي الحسن بن علي في الموضوع نفسه، فلما سمعه المعتضد أمره ان يحضر أبا بكر بن القوطية صاحب الشرطة، وأبا جعفر ابن الأبار وأبا بكر بن نصر وأمرهم بمعارضتها (1) . وعرف الوزير الكاتب أبو الأصبغ بما حدث فصنع شعرا على الهيئة تلك في معناه وغرضه واتصلت المعارضة من واحد إلى آخر. وهذه " السلاسل " مألوفة في الأدب الأندلسي: قصيدة واحدة تثير عدة معارضات، أو رسالة تثير عدة رسائل، أو كتاب يستدعي كتبا تذيل عليه.
ولم يقتصر هذا الميل الحضري للأزهار على الشعر بل شمل الرسائل النثرية، فكتب أبو حفص ابن برد رسالة إلى أبي الوليد بن جهور يصف فيها خمسة أصناف من النواوير، وغرضه تفضيل الورد بينها. وكانت رسالته تمثل " مجمعا " ضم هذه النواوير وهي بعد الورد: النرجس الأصفر والبنفسج والبهار والخيري النمام. ومن الطريف في هذه الرسالة ان قام كل نور بعد ما سمع كلام الورد فاعترف له بالأفضلية، وأقر على رأسه بالتأخر، ثم اتفقت الأزهار جميعا على ان تكتب له كتابا وتضع عليه توقيعاتها ليحمل عنها إلى الناس في كل مكان، وأدى كل واحد شهادته ووقع تحتها. ولما اطلع حبيب نفسه علة هذه الرسالة أحب ان يحاكيها فجعل المجلس يجمع بين سبعة أنواع من الزهر، وغايته
__________
(1) المصدر نفسه " 42.

(1/196)


تفضيل البهار على الورد، معارضا بذلك ابن برد، وأربى عليه في الحوار؛ وهكذا نقل المتأدبون الأندلسيون صورة الديوان السلطاني إلى الطبيعة، فوضعوا لها قيودا من رسوم الحضرة ومجلس الجماعة، ومنحوها صفة رسمية قليلة الحركة. أما القطع الشعرية والنثرية التي كتبوها للمفاضلة بين نور ونور، وأحدهم يرد فيها على الثاني، فقد امتحنوا بها مقدرتهم الجدلية، واتخذوا من الطبيعة موضوعا للجدل بدلا من ان يكون جدلهم حول شؤون العقيدة اذ كانت المناظرات في امور العقيدة مظنة خطر، وما زال شأنها ضعيفا حتى ظهور ابن حزم. وكانوا في الحالين برضون لديهم ميلا عقليا أكثر من توفرهم على إقامة الصلة العاطفية بينهم وبين المنظر الجميل.
وأما المقطعات القصيرة التي نظموها في وصف صنوف الأزهار فبعضها يمثل " بطائق " المهاداة بين الأصدقاء، وليس لديهم من غاية فيها سوى طلب " الصورة " المبتكرة، وأكثر صورهم تأخذ مأخذ الجمود كقول القاضي ابن عباد في وصف الياسمين (1) .
وياسمين حسن المنظر ... يفوق في المرأى وفي المخبر
كأنه من فوق أغصانه ... دراهم في مطرف أخضر ولسنا نجد بين تلك القطع كثيرا مما يماثل هذا المزج العاطفي الذي اتبعه الرمادي في وصف طبق ورد قدم له عندما نزل على بني أرقم بوادي آش وكان الفصل شتاء فاستغرب وجود الورد حينئذ وأخذ واحدة وقال بديهة (2) .
يا خدود الورد في إخجالها ... قد علتها حمرة مكتسبة
__________
(1) المصدر نفسه: 122.
(2) المصدر نفسه: 122.

(1/197)


اغتربنا أنت من بجانة ... وانا مغترب من قرطبة
واجتمعنا عند إخوان صفا ... بالندى أموالهم منتبه
إن لثمي لك قدامهم ... ليس فيه فعلة مستغربة
لاجتماع في اغتراب بيننا ... قبل المغترب المغتربه ففي هذه القطعة تحدث الرمادي عن المشاركة العاطفية بينه وبين الوردة، وجعل للورد حياة " مشخصة " ، والمعنى مألوف معروف رأيناه في قطعة لعبد الرحمن الداخل تحدث فيها إلى النخلة ولكن هذا اللون بعد من أعمق تلك البواكير في شعر الطبيعة في الأندلس. وواضح ما تشكوه قطعة الرمادي من خشونة الاستعمال اللفظي، ولكن قوله لها على البداهة قد يغفر لها هذا العيب، غير أنه استطاع أن يربط فيها جانبي العمق العاطفي القائم على اغترابه واغتراب الوردة ؟وهي غربة مكانية لدى كل منهما - ، وقد كان الرمادي قادرا على تقوية المقارنة لو انه لمح ما تعانيه الوردة من غربة زمنية، فهي ناشئة في غير أوانها منفردة عن رفيقاتها بنات الربيع. وحين وصف منتدى بني أرقم وجعله ملتقى " إخوان الصفاء " والوردة تشاركهم سماحتهم واخوتهم فقد وفق إلى إبراز الوحدة العاطفية، ومن هذا المعنى الأخوي استخرج صورة اللثم لا الشم فأضاف إلى رابطة الاخوة عمق اللهفة والشوق.
وقد كان الشعور بهذه الغربة الجزئية هو مثار هذه المقطوعة ولكن الغربة المستمرة هي التي أثارت ابن حمديس إلى أن يقول حين رأى النيلوفر (1) :
ونيلوفر أوراقه مستديرة ... تفتح فيما بينهن له زهر
__________
(1) ديوان ابن حمديس: 185.

(1/198)


كما اعترضت خضر التراس وبينها ... عوامل أرماح أسنتها حمر
هو ابن بلادي كاغترابي اغترابه ... كلانا عن الأوطان أزعجه الدهر ويبدو أن الغربة الجزئية كانت أقوى أثرا من هذه المشاركة التي رسمها ابن حمديس، وما ذلك إلا لأن ابن حمديس استنفذ معني الغربة في بكاء الوطن، فليست وقفته عند معنى الغربة أمام النيلوفر إلا وقفة عابرة. وعلى هذا فإذا قارنا قطعته هذه بقطعة أخرى له يصف فيها انيلوفر أدركنا قيمة الشعور الذاتي في إحياء الطبيعة لا في تمجيدها (1) :
كأنما النيلوفر المجتنى ... وقد بدأ للعين فوق البنان
مداهن الياقوت محمرة ... قد ضمنت شعرا من الزعفران ولا نعد ابن حمديس من شعراء الطبيعة ولكنه كان شاعرا وصافا بالمعنى العام الذي يفهمه الناس في عصره، وأكثر وصفه قائم على طلب معنى مولد أو مجدد، ويأتي المنظر الطبيعي عنده تتمة لمجلس الشراب، كما في قوله (2) :
في حديق غرس الغيث به ... عبق الأرواح موشي البطاح
أرضع الغيم لبانا بأنه ... فتربت فيه قامات الملاح
كل غصن تعتري أعطافه ... رعدة النشوان من كأس اصطباح
فكأن الترب مسك أذفر ... وكأن الطل كافور رباح
وكأن الروض رشت زهره ... بمياه الورد أفواه الرياح وقيمة هذه الأبيات ؟بعد موسيقاها الجميلة - في أن كل بيت يمثل
__________
(1) المصدر نفسه: 77.
(2) ديوان ابن حمديس: 490.

(1/199)


صورة على حدة، لتمثل كلها في النهاية شغفا خاصا بالجو المعطر. ومما اعتقد أنه من قصائده الأندلسيات، قصيدة له مطلعها (1) :
نشر الجو على الأرض برد ... أي در لنحور لو جمد فقد أوجد المشابهة بين البرد والدر، ثم أخذ يحلل هذا المعنى في عدة أبيات لاحقة، فزعم أن هذا الدر لؤلؤ وان أصدافه هي السحب، وانها منحته منحة دون تعب، إذ أن المعروف عن اللؤلؤ انه لا ينال إلا بالغوص، وفي ذلك ما فيه من النكد، وخيلت الصورة للغيد أنها ترى لؤلؤا حقيقيا، فكادت تتسارع إلى لقطة، كي تحلي أجيادها، وهي حالية بما وهبها الله من غيد طبيعي، ثم إن البرد ذاب فتلقته الأرض بخدها، لأنه سقط من عيون السماء، فأخذ يجري في سيول كأنها ثعابين تتطارد متسابقة، وامتلأت به الغدران فأخذ يعلوها الزبد كأنه قوارير سابحة. والشيء الجديد في هذا المنظر هو متابعة الصورة في اتساق كامل حتى يصل بها الشاعر إلى غايتها وفي أثناء ذلك يتمحل ضروبا من التعليل والتخيل والتوليد:
لؤلؤ أصدافه السحب التي ... انجز البارق منها ما وعد
منحته عاريا من نكد ... واكتساب الدر بالغوص نكد
ولقد كادت تعاطى لقطة ... رغبة فيه كريمات الخرد
وتحلي منه أجيادا إذا ... عطلت راقتك في حلي الغيد
ذوبته من سماء أدمع ... فوق أرض تتلقاه بخد
فجرت منه سيول حولنا ... كثعابين عجال تطرد
وترى كل غدير متاق ... سبحت فيه قوارير الزبد
__________
(1) المصدر نفسه: 77.

(1/200)


فإذا انتهى ابن حمديس من صورة البرد انتقل إلى صورة البرق، ثم إلى صورة النبت في المروج، ثم صور تنبه الصبح وطلوع الشمس، فأعلى للمنظر عمرا يمتد من ابتداء سقوط البرد حتى تفتح النهار، وغايته من كل ذلك إظهار براعته في الرسم، ولا شيء سوى ذلك. أي ان المنظر الطبيعي لم يعد عنده فاتحة لموضوع كالغزل أو وصف الشراب بل أصبح موضوعا مستقلا ترسم أجزاءه على التوالي واحدا اثر آخر.
ولم يكن هذا الاتجاه هو الغالب على شعر الطبيعة في عهد الطوائف ولعل ابن حمديس إنما جرى به شوطا إذ طاع له النسق الموسيقي الجميل وشيء من التوليد في الصور والمعاني. وهناك اتجاه قوي آخر يوازيه وفيه تصبح الزهرة أو المنظر الطبيعي أداة للتذكر، وقد أكثر منه شعراء الغزل وبخاصة أبو عبد الله ابن السراج المالقي شاعر بني حمود، فقد كان هو وصاحبه أبو علي ابن الغليظ يرتادان الأماكن الجميلة وينظمان الأشعار، وكان المالقي مفتونا بجارية تدعى أزهر، وبأخرى تدعى " حسن الورد " . وحدث ابن الغليظ أنهما كانا يوما على جرية ماء، في موضع حسن يحار فيه الطرف، وكان يهيجه للقول فقال (1) :
شربنا على ماء كأن خريره ... خرير دموعي عند رؤية أزهر
حلفت بعينيها لقد سفكت دمعي ... بأطراف فتان وألحاظ جؤذر وورد عليه يوما رسول " حسن الورد " ومعه قفص فيه طائر يغرد فأقرأه سلامها ورفع إليه القفص هدية منها، وجلس هو وصديقه يتحدثان عنها، وبين أيديهما ورد كثير نضير معلق من أغصانه، فقال:
__________
(1) الذخيرة ½: 363.

(1/201)


ذكرت بالورد حسن الورد منبته ... حسنا وطيبا وعهدا غير مضمون
هيفاء لو بعت لرؤيتها ... بساعة لم أكن فيها بمغبون
كالبدر ركبه في الغصن خالقه ... فما ترى حين تبدو غير مفتون
فاشرب على ذكرها خمرا كريقتها ... وخصني بهواها حين تستني ويتبدى لنا هنا كيف أصبحت الصورة " لمحة " يسترسل بعدها الشاعر في تذكره وحنينه ووصف وجده وأشواقه، ولكن هذا المزج بين الغزل والمنظر والطبيعي اتجاه يشبه المزج بين الطبيعة والخمر، وإذا قارنا هذه اللمحات الخاطفة لدى المالقي بقصيدة لابن زيدون وجدنا ان المنظر الطبيعي دخل بقوة بناء الغزل الأندلسي وذلك في قصيدته (1) :
إني ذكرتك بالزهراء مشتاقا ... والأفق طلق ووجه الأرض راقا
وللنسيم اعتلال في أصائله ... كأنما رق فاعتل إشفاقا
نلهو بما يستميل العين من زهر ... جرى الندى فيه حتى مال أعناقا
والروض عن مائه الفضي مبتسم ... كما حللت عن اللبات اطواقا
كأن أعينه إذ عاينت أرقى ... بكت لما بي فسال الدمع رقراقا
يوم كأيام لذات لنا انصرمت ... بتنا لها حين نام الدهر سراقا فهذا التوازي بين منظر الطبيعة الضاحك المشرق وحال الحزين قد زاد في عمق المفارقة، ولم ينجح في اثارة الطبيعة للعطف على حاله حين ذكر اعتلال النسيم وتخيل بكاء الزهر بماء الندى إشفاقا ومشاركة له، لأنه أمعن في تصوير الاستبشار والنمو والتفتح في جنبات الطبيعة. غير انه وفق حين جعل من هذا المنظر الفريد صورة للماضي في ظل المحبوبة
__________
(1) ديوان ابن زيدون: 139.

(1/202)


" يوم كأيام لذات انصرمت " فكفل بذلك تحقيق المقارنة بين الماضي الذي جاء بكل شيء جميل والحاضر الذي جاء أيضا بكل شيء جميل لولا غيابها:
لو كان وفى المنى في جمعنا بكم ... لكان من أطيب الأيام أخلاقا وقد ارتفع ابن زيدون في هذه القصيدة التي جلا فيها المنظر الطبيعي والعلاقة القائمة بينه وبين ماضيه على اللمحات التذكرية التي عالجها المالقي في مقطعاته الكثيرة، ومضى بالمزج بين الطبيعة والحب في إسهاب. إلا أن ابن زيدون لم يكن من شعراء الطبيعة، إذ لا نجد في ديوانه مواقف أخرى مشبهة لهذا الموقف في هذه القصيدة المتقدمة.
من ثم نرى كيف أصبح المنظر الطبيعي كالقاعدة أو " العامل الكيميائي المساعد " في القصيدة الأندلسية، فهو فاتحة القصيدة أو أساس يبنى عليه موضوع الخمر أو موضوع الحب، ولكن عنصر التشخيص فيه ظل ضعيفا؛ واستغله الوصافون وكتاب المقامات والتراجم وجعلوه قاعدة في السرد لا يقوم المنظر أو المقامة أو الترجمة دون وجوده، وأسرف الفتح ابن خاقان في هذا كل الإسراف حتى طغى المنظر الطبيعي على اكثر حكاياته في تراجم القلائد والمطمح، ونمثل على طريقته بقطعة نموذجية منه: " وأخبرني أنه دخل عليه في دار المزينة، والزهر يحسد إشراق مجلسه، والدر يحكي اطراد تأنسه، وقد رددت الطير شدوها، وجددت طربها وشجوها، والغصون قد التحفت بسندسها، والأزهار تحيي بطيبها تنفسها، والنسيم يلم بها فتضعه بين اجفانها، وتودعه أحاديث آذارها ونيسانها " (1) ومثل هذا كثير في نثر الفتح، وعلى هذا
__________
(1) القلائد: 9.

(1/203)


أصبحت الاستعارة المستمدة من الطبيعة هي " ملكة " الاستعارات في الإنشاء النثري عند ابن خاقان وغيره من الكتاب.
وكأنما كانت هذه المظاهر من صلات بين الشعراء والطبيعة مقدمة لأبي إسحاق ابن خفاجه (451 - 533) شاعر الطبيعة الأول في الأندلس وغيرها، في أدبنا العربي، فقد كانت مهمة هذا الشاعر تكثيف كل تلك المظاهر التي رأيناها موزعة عند الآخرين، فوصف لطلب الصورة، واتخاذ للطبيعة قاعدة للغزل والذكرى، وإجلال للاستعارة المستمدة من الطبيعة محل غيرها من استعارات، ووقوف عند المنظر الطبيعي لرسمه كله جزءا جزءا بغية الرسم.
إلا أن دور ابن خفاجة لم يقف عند هذا الحد إذ زاد في التشخيص وفي الرابطة العاطفية بينه وبين الطبيعة واعتمد وسائل فنية جديدة متصلة بملكات خاصة لديه، ولم يكتف بأن يربط الطبيعة بموضوع الحب ومجلس الخمر، بل ربطها بكل موضوع، وجعلها المتكأ الذي يستند إليه القول الشعري عامة: ربطها بموضوع الرثاء أولا، ثم بموضوع الفناء والزهد عامة فبعث فيها المعاني الحزينة وتحدث إليها وتحدثت إليه، في صمتها أو حركتها، بمعاني العبرة ؟وإذا صدقنا التقدير نقضنا على أنفسنا القول بأنه شاعر الطبيعة وقلنا إنه كان يرى الطبيعة في إطار الفناء، وضمن إحساسه بالتغير، وحسه الدقيق بالصراع بينه وبين الزمن.
ولكن قبل ان نأخذ في تفسير هذا المظهر الكبير في تاريخ الشعر العربي نعود إلى حقائق أولية ضرورية لفهم شخصية ابن خفاجة وموقفه العام ونظرته إلى الحياة:
أما أولا: فلا بد من أن يلتفت دارس حياة ابن خفاجة إلى تلك

(1/204)


الأخبار ذات الطابع الفريد في تصوير شخصيته، ومنها انه كان يغادر أحيانا منزله بجزيرة شقر وحيدا، ويمضي حتى إذا صار بين جبلين هناك وقف يصيح " يا إبراهيم، تموت! " فيردد الصدى كلماته، ثم يعيدها ويعود الصدى إلى ترديدها ويظل على هذه الحال حتى يخر مغشيا عليه (1) . وهذا يؤكد لنا موقفا " مرضيا " في خوفه من الموت وفي إحساسه بالزمن. ومن هذه المظاهر النفسية انه كان يذهب في جزيرة شقر إلى بائع الفاكهة فيساومه على شراء شيء مما عنده فإذا سمى له البائع عددا أو وزنا لفاكهة معينة نقده ما طلبه على شريطة أن ينتقي ما يريده بيده ؟أي لم يكن يرضى بشيء دون الانتقاء والاصطفاء، ولهذا فلا بد من أن يربط الدارس بين هذه الظاهرة وطبيعة شعره في مجموعه العام. وأمر آخر أحسبه ذا دلالة بعيدة في وضعه النفسي، وأعني بذلك انه ظل صرورة لم يتزوج قط (2) . ولعلني أربط هذه الحقيقة بموقف دقيق ورد في إحدى قصائده (3) ، وذلك هو تغزله في أمة له صغيرة تسمى عفراء، وفيها يتحسر انه أصبح ابن إحدى وخمسين سنة، وبينه وبين ان تكبر عفراء مدة من الزمان يغدو فيها عاجزا عن ذلك الخشف، أي يصبح امرءا لا يستطيع أن " يأكله عضا ويشربه لثما " ؟كما يقول في بعض شهره - ويتمنى:
فيا ليتني كنت ابن عشر وأربع ... فلم أدعها بنتا ولم تدعني عما ولا ريب في أن الدارس النفسي يفيد كثيرا من هذه الحقائق، كما
__________
(1) بغية الملتمس: 202.
(2) التكملة: 143.
(3) ديوان ابن خفاجة: 81.

(1/205)


يفيد منها من يتأمل في شعر ابن خفاجة وصورة عامة.
وأما ثانيا: فان ابن خفاجة نشأ في عهد ملوك الطوائف فلم يمدح أحدا منهم وليس له في ديوانه إلا قصيدة واحدة في المعتصم ابن صمادح، وانه تذوق في حياته معنى الاكتفاء بصيغة كانت له يومئذ، حتى إذا أقبل عهد المرابطين وجدنا شعره يستفيض في مدحهم وتذكيرهم بأمره، وهو يتشبت بالبارزين من رجالهم. وفي هذا نجد في حياته مرحلتين: أولاهما توفره على المجون وحياة اللهو وتفترن هذه الفترة بالابتعاد عن ذوي السلطان، والثانية فترة توبته ونسكه، وهذه تتسم بشيء من إحساسه بالضعف البشري وتعلقه برجال الدولة، دون إراقة لماء الوجه في سؤال شيء من جهتهم. ولو كان الأمر كذلك فحسب لكان موقفه طبيعيا بسيطا، ولكن: لقد أقر ابن خفاجة بأن في حياته مرحلة من التوقف التام عن قول الشعر: " ولما انصدع ليل الشباب عن فجره، ورغب المشيب بنا عن هجره، نزلت عنه (أي الشعر) مركبا، وتبدلت به مذهبا، فأضربت عنه برهة من الزمان الطويلة، اضطراب راغب عنه زاهد فيه، حتى كأني ما سامرته جليسا، يشافهني أنيسا، ولا سايرته أليفا، يفاوهني لطيفا " (1) . ويتفق تاريخ عودته لقول الشعر مع دخول الأمير المرابطي أبي إسحاق إبراهيم بن أمير المسلمين وناصر الدين هاهنا أيضا حالة نفسية ذات أثر في الإبداع الفني، عانى كثير من الشعراء أمثالها، ولكن من اطلع على ديوان ابن خفاجة رأى قريحته وقد عادت تفيض فيضا بعد ذلك الأجيال ؟الذي زعم الشاعر انه كان إراديا -
__________
(1) ديوان ابن خفاجة: 7.

(1/206)


وان أكثر مطولات قصائده إنما نظم في فترة انبعاث القريحة بعد ركودها وخمودها.
وثالثة هذه الملاحظ: أن المؤثرات الخارجية التي عملت في توجيه ابن خفاجة كانت مجزأة لدى سواه من الشعراء مجتمعة لديه، وربما كانت بعض المؤثرات غير متوفرة إلا عنده، فربما انفرد في تأثيره بعيد المحسن الصوري، في بناء القصيدة كلها على الجناس الناقص ؟إن تيسر ذلك - وربما كان أول شاعر أندلسي يقتفي خطوات الشريف الرضي ومهيار الديلمي في الإشارات إلى الأماكن النجدية والحجازية عند الغمغمة المبهمة بالمواجد الذاتية، وهو أول من أدرك ؟من الأندلسيين - طريقة أبي الطيب المتنبي في لف الغزل بالحماسة وحاكاها، ولعله ؟وإن لم يذكر ذلك - متأثر ببعض أشعار الصنوبري. وهاهنا نجد مؤثرات متفرقة قد جمعت معا، ولا بد من أن تدفع بمتلقيها إلى محاولة الاستقلال والإبداع وإلا ظل صدى لمن يحاكيهم.
وأما رابعا: فان ابن خفاجة نفسه كان يدرك شدة إلحاحه على الطبيعة واستغلاله لها في شعره، وكان هو نفسه حائرا في تفسير هذه النزعة المتمكنة، فهو يقول عن نفسه مستعملا ضمير الغائب: " إكثار هذا الرجل في شعره من وصف زهرة ونعت شجرة وجربة ماء ورنة طائر ما هو إلا لأنه كان جانحا إلى هذه الموصوفات لطبيعة فطر عليها وجبلة وإما لأن الجزيرة كانت داره ومنشأه وقراره؟. حتى غلب عليه حب ذلك الأمر، فصار قوله عن كلف لا تكلف، مع اقتناع قام مقام اتساع، فأغناه عن تبذل وانتجاع " (1) . فهو يرجح أن يكون حب
__________
(1) المصدر نفسه: 290.

(1/207)


الطبيعة لديه أمرا في تركيبه وجبلته، فأن لم يكن كذلك فهو أثر من آثار البيئة الطبيعية الجميلة التي نشأ فيها. ثم اختار هذا المذهب ؟مستغنيا عن التكسب بالشعر - منقطعا الي رؤية الجمال في الطبيعة، كأنما هو يعتقد انه لو لم يفعل ذلك، ولم يكن قانعا بما لديه قانعا بما لديه من رزق، لاضطرته الحال إلى ان يكون كغيره من المنتجعين والجوابين.
وخامسا: أن شعره الذي حواه الديوان قد جمع في آخر حياته نزولا على رغبة بعض اخوانه: " وكان قد باد ؟أو كاد - لدثور رقاع مسوداته وأخلاق حواشي تعليقاته " (1) ، وانه عندما جمعه أجرى فيه تغيرات هامة وقام بإصلاحات: " إما لاستفادة معنى، أو لاستجادة مبنى " ، واكبر عامل كان يسيطر عليه حينئذ شدة حساسيته بأن ينتقد الناس ملكه المجوني قبل توبته؛ وقد حاول ان يعتذر عن ذلك بأن الشعر قول يقصد منه التخيل ولا يعاب فيه الكذب. وهذه محاولة للتبرؤ من التهمة بأن ذلك الشعر يصور واقع حياته. غير أن ابن خفاجة كان منطلقا مع صبوته وسكرة شبابه، ولما صرح ابن خاقان بشيء من ذلك عن طبيعة صباه بعث إليه يلومه ويعاتبه.
وبعد هذه المقدمات نعود إلى تفسير الحقائق التي أجملناها حول موقف هذا الشاعر من الطبيعة وأبرزها صلة الطبيعة عنده بالعبرة أو بمشكلة الفناء التي كانت تلح على نفسيته إلحاحا يلحق بالمرض النفسي. وقد بلغ بها حدا تجاوز به كل ما قاله في شعر الطبيعة، فإذا اعتبرنا كثيرا من شعره محض تصوير، عددنا وقفته إزاء الطبيعة والفناء ؟مجتمعين - تفاعلا عاطفيا جديدا قائما على الرؤية العميقة وعلى التشخيص معا. ونميز في هذا
__________
(1) المصدر السابق نفسه.

(1/208)


المقام ثلاث قصائد: اثنين قالهما في الجبل والثالثة في القمر، وإحدى القصيدتين في الجبل تغني عن أختها لما بينهما من تشابه، وتلك هي التي يقول فيها (1) :
وأرعن طماح الذؤابة باذخ ... يطاول أعنان السماء بغارب
يسد مهب الريح عن كل وجهة ... ويزخم ليلا شهبه بالمناكب
وقور على ظهر الفلاة كأنه ... طوال الليالي مطرق في العواقب فهذه صورة الجبل الذي يمثل الطموح والارتفاع والاعتراض والوقار الصامت الذي يشبه إطراق المتأمل، ثم يأخذ هذا الصامت في سرد ما مر به من مشاهد، فهو شخص آخر إزاء الشاعر يحدثه:
وقال ألا كم كنت ملجأ فاتك ... وموطن أواه تبتل نائب
وكم مر بي من مدلج ومؤوب ... وقال بظلي من مطي وراكب
ولاطم من نكب الرياح معاطفي ... وزاحم من خضر البحار جوانبي
فحتى متى أبقى ويظعن صاحب ... أودع منه راحلا غير آيب
وحتى متى أرعى الكواكب ساهرا ... فمن طالع أخرى الليالي وغارب
فرحماك يا مولاي دعوة ضارع ... يمد إلى نعماك راحة راغب
فأسمعني من وعظة كل عبرة ... يترجمها عنه لسان التجارب
فسلى بما أبكى، وسرى بما شجى ... وكان على ليل السرى خير صاحب
وقلت وقد نكبت عنه لطية ... سلام فانا من مقيم وذاهب ونرى أن إنسانية الجبل تتزايد تدريجيا في القصيدة، فإذا هو يمثل صورة أخرى من وقفة الشاعر نفسه، أو هو الشاعر نفسه، وهو لا يعبر عن طول الصمود ولذة الخلود، وإنما يعبر عن استثقاله للحياة، ووحدته
__________
(1) المصدر نفسه: 216.

(1/209)


بعد ذهاب إخوانه، وكان بذلك يعبر عن " قيمة الموت " أي يهون وقعه على نفس الشاعر التي تفرق من الموت وتحاول الهرب من شبحه المخيف، وارتاح الشاعر حين بكى، ووجد في " أخيه " ؟أو صنوه - الجبل عزاء وودعه وهو أقوى نفسا على مواجهة مصيره.
وأما قصيدته في القمر فقد أثارتها في نفسه غربته، فجعل يتأمل هذه الدورة التي تعتري القمر بالنقصان والكمال، والاختفاء والظهور، وحفزه ذلك إلى مناجاة من " خلا بنفسه يفكر، ونظر نظر الموقف يعتبر " ، ونسب هذه المناجاة إلى القمر نفسه فقال (1) :
لقد اصخت إلى نجواك من قمر ... وبت أدلج بين الوعي والنظر ولكن القمر ظل صامتا على خلاف الجبل الذي وجد فرصته في السرد والحديث، فاستمد الشاعر في هذه المرة عظة من الصمت:
وإن صمت ففي مرآك لي عظة ... قد أفصحت لي عنها ألسن العبر
تمر من ناقص حورا، ومكتمل ... كورا، ومن مرتق طورا، ومنحدر
والناس من معرض يلهى، وملتفت ... يرعى، ومن ذاهل ينسى، ومدكر
تلهو بساحات أقوام تحدثنا ... وقد مضوا فقضوا، انا على الاثر
فان بكيت، وقد بكي الجليد، فعن ... شجو يفجر عين الماء في الحجر فليس للمنظر الطبيعي ؟أعني القمر - من قيمة جمالية في نفس الشاعر، وإنما هناك هذه الصورة التي تربط بين الطبيعة وما تثيره من شعور بالفناء، وفي هذه الوقفة بكى الشاعر فرقا من الموت وخوفا على الحياة، ولم يجد العزاء في فناء القمر مثلما وجده في فناء الجبل.
__________
(1) المصدر نفسه: 130.

(1/210)


ومرة واحدة حدثنا ابن خفاجة كيف أطال النظر في رمز الموت، وأظهر التجلد إزاء ذلك المنظر المفزع. لم يحدث ذلك وهو في السفينة " وقد فغر الحمام هناك فاه (1) ، وإنما حدث حين كان مسافرا مع صديقه عبد الجليل بن وهبون المرسي، وكانت الطريق مخوفة والعدو يتربص بالمسلمين، وباتا ليلتهما بلورقة، وتوجها في الصباح إلى المرية، وابن خفاجة يتسلى متجلدا، بذكر الأخبار وإنشاد الأشعار، وعبد الجليل من شدة فزعه لا يفهم ما يورده، ولا يعقل ما يسرده، حتى أشرفا على رأسين منصوبين على حجرين، فإذا ابن خفاجة يقترح ان بقولا في ذلك المنظر شعرا. هل هذا دليل قوة أو ضعف؟ هل كان ابن خفاجة يحاول ان يبدو طبيعيا وهو في فزع يطيش له لبه، أو كان متشجعا بمقدار ما أحس لدى رفيقه من فرق وفزع؟
وإذا تجاوز ابن خفاجة هذه الصلة المأساوية بينه وبين الطبيعة أصبحت الطبيعة عنده متكأ ومفترشا للموضوعات الأخرى فهي ذات علاقة بالممدوح في مثله قوله (2) :
لذكرك ما عب الخليج يصفق ... وباسمك ما غنى الحمام المطوق
ومن أجلك اهتز القضيب على النقا ... وأشرق نوار الربى يتفق وقد يكون الفرد مرثيا فتنتحل الطبيعة حركة حزينة في قوله (3) :
في كل ناد منك روض ثناء ... وبكل خد فيك جدول ماء
__________
(1) المصدر نفسه: 138.
(2) المصدر نفسه: 184.
(3) المصدر نفسه: 178.

(1/211)


ولكل شخص هزة الغصن الندي ... تحت البكاء ورنة المكاء
يا مطلع الأنوار إن بمقلتي ... أسفا عليك لمطلع الأنواء فان لم تكن الطبيعة كذلك محض صورة ؟ صورة للنهر أو للبحر أو للروضة أو غير ذلك. ويعتمد في رسم صورة على العنف الموسيقى والحركة وعلى دفقات من الإحساس الشهواني الخفي، وعل متراكبات من الاستعارات التي يصعب الوصل بينهما في وحدة واحدة، وبها يكتسب شعره نوعا من الغموض.
ومن السهل ان يميز دارس شعره تغلغل صورتين هامتين في كثير مما يرسمه، فواحدة هي صورة البحر، وثانية هي صورة الفرس وبين الصورتين شبه في القوة والعنف والحيوية والتوثب، وبينهما علاقة ترتبط بوضعه الجنسي. واكتفي هنا بإيراد بعض الأمثلة:
1 - وساق لخيل اللحظ في بعض حسنه ... جماح وبالصبر الجميل حران
2 - لاطمت لجنة بموجة أشهب ... يرمي بها بحر الظلام فيرتمي
3 - بحيث خيل اللثم مطرودة ... تحت لواء الحسن منشورا
4 - والكاس طرف أشقر قد جال في ... عرق علاه من الحباب يسيل
5 - وأسبح في بحر الشكاة لعلني ... سأعلق يوما من نجاة بساحل
6 - وبمعطفيه للشبيبة منهل ... قد شف عنه من القميص سراب
7 - ففي ناظري لليل مربط أدهم ... وفي وجنتي للدمع أشهب بجمح وهذا مقدار يسير من الصور، وربما لم يعز على أي قارئ لديوانه أن يجد أضعاف ذلك. وهو شيء يتحد مع العنف الذي ينتحيه في التصوير عامة. فهو لا يحب ان يقف كثيرا عند الصور الهادئة وإنما يميل إلى وصف الذئب والنار والنهر المتدفق وعاصف البرد والخرق

(1/212)


المخوف والجواد الطائر والكلب الذي يجري وراء الطريدة والمجلس الصاخب والشجرة التي تهزها الريح حتى تكاد تقتلعها والبحر في هياجه والحية وهي تتلوى، وكلها صور تستدعي الانفعال والحركة الشديدة والجيشان: فالبرد حاصب كأنه عذاب ذائب تضحك له الأرض والجو جهم قاطب، والفرس يمزق ثوب العجاجة، ونقدح منه الهيجاء بارقا ملتهبا، فكأنه نجم ثاقب يرمي شيطان العدا، أو شعلة نار تكاد تحرق فحمة الليل، والكلب كاشر عن نصاله لو تعاطى سبق البرق لسبقه؛ والثعبان إذا استطار به النجاء نيزك، وهو يتلوى بيد الهاجرة كأنه سوط خافق. ويفضل الشاعر ان يصف البازي ويؤثر على ذلك على وصف الحمامة، فإذا وصفها جعلها معولة ترن. وقد تكون السحابة ثقيلة بطيئة الحركة ولكنها مع ذلك " يدوس " الظلماء، وهو لا يزور الغاب أو يمشي في أرجائه وإنما " يخبطه " ، والرياح لا تهب وإنما " تنقض ذوائبها " إلى غير ذلك من صور كبيرة عنيفة.
فإذا كان المنظر بطبيعته هادئا لا تحتمل الصور التي يوحي بها عنفا لجأ الشاعر في تصويره إلى استخدام الموسيقى العنيفة كقوله في وصف متفرج (1) :
وصقيلة النوار تلوي عطفها ... ريح تلف فروعها معطار
عاطى بها الصهباء أحوى أحور ... سحاب أذيال الصبا سحار
والنور عقد والغصون سوالف ... والجزع زند والخليج سوار
بحديقة مثل اللمى ضلا بها ... وتطلعت شنبا بها الأنوار
__________
(1) المصدر نفسه: 281

(1/213)


رقص القضيب بها وقد شرب الثرى ... وشدا الحمام وصفق التيار
غناء الحف عطفها ورق الندى ... والتف في جنباتها النوار
فتطلعت في كل موقع لحظة ... من كل غصن صفحة وعذار ولعل هذا العنف جمعته إلى رؤية البحر والحصان، وقرنته بالصور الجنسية الكثيرة من مثل " واهتز ردفا مائج التيار " دل على تعويض جنسي. فابن خفاجة غريق أو شبه غريق، ولا ينجيه من هذا البحر الذي يراه مصورا في كل ناحية إلا ذلك الجواد الطائر الذي يرتفع به على الأوضاع الجنسية في الحياة. وهو في حالته تلك في " شبه رؤية " تتراقص الأشياء أمام عينيه كأنه ثمل، ولذلك فانه في اكثر موقفه يكون في وضع مسط بين اليقظة والنوم، فرؤيته تجييل، أو كما هو " بين الواعي والنظر " ويعبر عن ذلك بقوله:
اقلب عين الرأي طورا فاجتلي ... ويعمى علي الأمر طورا فافحص ويحدثنا ابن خاقان نقلا عنه " أنه نام فرأى أنه مستيقظ وجعل يفكر فيما مضى من شبابه " (1) . ولكنه لا يقول كذلك في ديوانه وإنما يقول (أرقت فتلددت أنظر في أعقاب ما مضى من عمري؟ فقلت (2) (وعند ابن خاقان أنه استيقظ وهو يقول):
ألا ساجل دموعي يا غمام ... وطارحني بشجوك يا حمام
فقد وفيتها ستين حولا ... ونادتني ورائي هل أمام ويعلق على ذلك بقوله: " فما كان إلا أن صرخت عويلا، وانتحبت
__________
(1) القلائد: 232.
(2) الديوان: 64 - 65.

(1/214)


طويلا، حتى أيقظت من كان إلى جانبي ضجيعا، وزدت فكدت أحيل الدمع ضجيعا " . وغني عن البيان أن الرؤية التي يرويها عن نفسه (وابن خاقان أدق في روايتها لأن ابن خفاجة كان يخرج من ذكر الحقيقة) تمثل تصوره لهذا " الفرق " الذي كان يجعله مضطرب الرؤية.
وربما كان هذا الاضطراب في الرؤية وهي الذي كان يحمله على تنويع الألوان في القصيدة، فالدنيا ؟دائما - تمثل له مجموعة من الألوان، وكل منها يجذب نظرة، وهو متحير مترجرج النظرة، حينا يبصر هذا اللون وحينا يبصر ذاك. ومع ذلك فعلينا ان نحتكم ونحن ندرس شعره إلى ما قد أسميه " قياس العادة " فقد مرنت نفسه على صور تعودها فهو يكررها ويرددها، والسر في تكرارها لا في تعودها.
تلك هي الذروة التي وصلها شعر الطبيعة في الأندلس، ومردها في الأكثر إلى التكوين النفسي للفرد الذي مارس هذا اللون من الشعر؛ وقد كان الموشح مجالا لشعر الطبيعة، غير أن قيود النغمة قد حرمته من الانطلاق الذي بلغه ابن خفاجة وقصرت همته على الصورة الجميلة، إلا بعض الألوان الجديدة في " صبوحيات " ابن زمرك، وهي مما يقع في غير هذا العصر.

(1/215)


الموشحات الأندلسية
1 - كلمة تمهيدية:
لو تأملنا ما سبق في دراسة تطور الأدب الأندلسي لرأينا أن الشعر اتجه إلى طريقة العرب في مقاومة الاتجاه الحضاري، وان الشاعر اختار أحضان الزهد أو أحضان الطبيعة إعلانا عن مقاومته لإسراف المسرفين في الكدية والمدائح، وازدوجت الطريق بالغزل فإذا هو ينقسم انقساما فنيا وخلقيا معا بين غزل مكشوف وآخر بأسباب العفاف، وسرت في الأدب طبيعة ذلك الازدواج حين انقسم بين عصبية للعرب وعصبية ضدهم. وفي وقفة مع المد والجزر في حركة التاريخ الأندلسي وتصويره لقوى التقدم والتراجع كان أيضا مشدودا إلى التفاؤل حينا وإلى اليأس والبكاء حينا آخر.
ولنمض بهذه الصورة المزدوجة خطوة أخرى: حين سارت القصيدة الأندلسية في " طريقة العرب " كانت بعثا للجزالة والتدفق في الأسلوب

(1/216)


وحين سارت في طريق المحدثين اكتظت بالصور أو انتحلت بعدا فكريا جديدا، فآثرت الانسياق في بعض التيارات الفلسفية وفي كل هذه الأحوال فقدت غير قليل من الغنائية الشفافة الرقيقة، وكان لا بد من توازن يحفظ التوازي، ولذلك اتسع نطاق الموشح لتتسع الناحية الغنائية، فالموشح بهذا المعنى ثورة على طبيعة القصيدة فهو حركة تجديدية؛ وهو أيضا رجعة إلى الغنائية من وجهة أخرى، أي هو زخرف حضاري قد ينطوي على كل مقومات السطحية الجذابة والترف المسترخي.
2 - مصادر الموشحات:
ويبدو ان الموشحات نالت تقدير الأندلسيين منذ البداية، حتى تقدير كثير من المحافظين في أذواقهم، وهذا ابن بسام كان يرى أنها " تشق على سماعها مصونات الجيوب بل القلوب " (1) . ولكنها لم تصبح موضع تقييد وتدوين في فترة مبكرة، بل ظلت تسمع وتتناقل شفاها، فابن بسام لا يدرج منها شيئا في كتابه بل يقول: " وأوازن هذه الموشحات خارجة عن غرض هذا الديوان إذ أكثرها على غير أعاريض أشعار العرب " (2) . والفتح ابن خاقان يسكت عن ذكرها حتى في تراجم من شهر بها كابن اللبانة وابن باجة، كأنما هو لم يعرفها ولم يسمع بها، وكذلك فعل غيره من كتاب التراجم. وإذا صح أن ابن عبد ربه عرف نظم الموشحات فانه قد أهملها إهمالا تاما في العقد، مع انه هنالك أورد لنفسه أشعارا كثيرة. وقد ظلت الموشحات فنا " مسموعا " يقدره كل من سمعه حق قدره ولا يحاول تسجيله في الكتب حتى لنجد عبد
__________
(1) الذخيرة ½: 2.
(2) المصدر نفسه: 2

(1/217)


الواحد المراكشي في القرن السابع يقول بعد الثناء على ابن زهر: " ولولا ان العادة لم تجر بإيراد الموشحات في الكتب المجلدة المخلدة لأوردت له بعض ما بقي على خاطري من ذلك " (1) .
ولكن المراكشي لم يكن يدري، في ذلك التاريخ، أن تلك القاعدة قد اهتزت وتضعضع العرف المتبع إذ أن الحجاري صاحب المسهب ربما كان أول من خرج على مضمون تلك القاعدة، فاعتنى بتاريخ الموشحات. ولكن ظل مؤرخو الأدب يتفاوتون في هذه المسألة، فمنهم من يجمع بين الموشح والشعر في كتاب واحد، ومنهم من يرى افراد الموشحات في كتاب مستقل. ففي القرن السادس خصص علي بن إبراهيم بن محمد ابن عيسى بن سعد الخير البلنسي ( - 525) للوشاحين في الأندلس كتابا سماه " مشاهير الموشحين بالأندلس " أو " نزهة الأنفس وروضة التأنس في توشيح أهل الأندلس " (2) وهم عشرون رجلا ذكرهم بحلاهم ومحاسنهم على طريقة الفتح في المطمح والقلائد وابن بسام في الذخيرة وابن الإمام في سمط الجمان (3) . ولما كتب ابن جبير مرائيه في زوجه عاتكة أم المجد بنت الوزير الوقشي وسماه " نتيجة وجد الجوانح في تأبين القرين الصالح " جعل قريبا من آخره خمس موشحات في رثائها، فجمع في ديوانه بين الشعر والموشح واستمرت هذه الطريقة في الجمع بين الفنين من بعد.
وفي القرن السابع عاش ابن سعيد، وإلى هذا الرجل وإلى أبيه من قبله يعزى فضل كبير في تقيد الموشحات والتحدث عن أصحابها، فقد
__________
(1) المعجب: 56.
(2) الذيل والتكملة (ترجمة علي بن ابراهيم)؛ وأزهار الرياض 2: 253.
(3) الذيل والتكملة (ترجمة علي بن إبراهيم).

(1/218)


خصص ابن سعيد " أهداب " كتاب المغرب للموشحات والأزجال، ونقل في كتابه " المقتطف من ازاهر الطرف " تلك القطعة التي كتبها الحجاري في المسهب عن الموشحات.
وفي القرن الثامن نجد ابن خاتمة يتحدث عن الموشح وبعض الوشاحين في كتابه " مزية المرية " وابن الخطيب يجمع في الموشحات كتابا يسميه " جيش التوشيح " فيختار فيه لائمة الوشاحين مثل ابن بقي وابن اللبانة والأعمى التطيلي وعبادة القزاز وغيرهم. وفي ذلك القرن نفسه كتب ابن خلدون في مقدمته فصلا عن الموشحات نقل فيه ما قاله ابن سعيد في " المقتطف " وعنه نقله المقري في أزهار الرياض، وابى المقري على من سبقه حين أورد أمثلة كثيرة من الموشحات في كتابيه نفح الطيب وأزهار الرياض. وهناك كتاب بعنوان " عدة الجليس ومؤانسة الوزير والرئيس " لعلي بن بشرى الغرناطي وهو متأخر عن ابن الخطيب لأنه يورد من موشحات ابن الخطيب نفسه في كتابه، غير ان كثيرا من الموشحات التي أوردها لناس مجهولين.
هذا ما كان من الاهتمام بالموشح في المغرب، أما في المشرق فإن ابن سناء الملك كان أول من كتب بحثا قيما عن الموشح، شفعه بمختارات من الموشحان الأندلسية ومن موشحات نظمها هو، وسماه " دار الطراز " ثم جاء صفي الدين الحلي فكتب " العاطل الحالي " ودرس في قسم منه فن الزجل وعرج على الموشحات في بعض المواطن. وقد أبدى ابن أبي أصيبعة اهتماما خاصا بموشحات ابن زهر فأورد منها عددا في كتابه " عيون الأنباء في طبقات الأطباء " .

(1/219)


3 - سبب التسمية:
زعم بعض المتأخرين (1) حين حاولوا تعليل هذه التسمية أنها مشتقة من " الوشاح " وهو حسبما تقوله المعاجم: " كرسان لؤلؤ وجوهر منظومان مخالف بينهما معطوف أحدهما على الآخر " ولعل هذا الفهم متصل بالمراوحة في الموشح بين ما سمي الاقفال والأغصان، وهذه هي صفة الوشاح لكنها ليست صفة الشيء الموشح، إذ الموشح يعني " المعلم " بلون أو خط يخالف سائر لونه أو الثوب حين تكون فيه توشية أو زخرفة. وهذا هو الأشبه ؟في نظري - لنشأة هذه التسمية فقد تصور الأندلسيون هذا النوع من النظم كرقعة الثوب وفيه خطوط " أو سمها أغصانا " تنتظمه أفقيا أو عموديا، فالأصل فيه وحدات كبيرة هي الأشطار، وقد جزئت أجزاء صغيرة فأصبحت أشطارا أصغر من أشطار القصيدة، فهي قد تولدت وتتابعت تتابع النقش. ولقد يوضح هذه التسمية اصطلاح آخر اخترعه أحد النقاد الأندلسيين وهو يتحدث عن نوع من النثر وذلك هو اصطلاح " المغصن " الذي استعمله ابن عبد الغفور في كتاب " إحكام صنعة الكلام " ؟كما مرت الإشارة إلى ذلك - وقد سماه كذلك لأنه ذو فروع وتولد، ومثاله الذي اقتبسناه في فصل سابق: " وقد يكون من النعم والإحسان ما يصدر عن الفم واللسان، ومن النعماء والمعروف ما يسر بالأسماء والحروف " . فالتغصين في رأيه هو المقابلة بين " النعم الفم، الإحسان اللسان، النعماء الأسماء، المعروف الحروف، وهو ترتيب تفريعي كما ترى ذو شبه
__________
(1) خلاصة الاثر للمحي 1: 108.

(1/220)


بالتوشيح، أي هو تجزئة في وحدتين أو ثلاث أو أكثر، ومقابلة هذه الوحدات بأخرى شبيهة بها. فالموشح في الشعر ذو أغصان، والمغصن في النثر ذو فروع وأغصان كذلك. وهذا التفريغ ؟أو التخطيط المجزأ - هو سبب التسمية في كل منهما. ويزداد الأمر وضوحا إذ ذكرنا قول ابن بسام في وصف نشأة الموشحات أنها كانت تعتمد على لفظ عامي أو عجمي من غير " تضمين فيها ولا أغصان " فالتضمين هو هذه التجزئة أو التغصين بالمقابلة بين الأجزاء الصغيرة في نطاق رقعة واحدة، أي ان التضمين هو صف الجزيئات التي تكون كلا واحدا. وعلى ذلك يمكن أن نقول أن ألفاظ: التوشيح، والتضمين، والتغصين (أو الموشح والمضمن والمغصن) تشير جميعا إلى عملية واحدة. أضف إليها لفظة أخرى هي التسميط (أو المسمط) وتعني الانتظام في صفوف غير أن ولوع الأندلسيين بذكر المجوهرات والحلي وصنوف الزينة في مؤلفاتهم وأسمائها صرف الذهن إلى معنى التراوح بين الجوهر واللؤلؤ في تركيب الوشاح وهو من حيث الشكل لا يوحي بترتيب المنظومة التي سميت الموشحة.
4 - نشأة الموشحات:
يفهم من كلام لابن خلدون ان التوشيح سابق لفن الزجل اذ يقول: " ولما شاع فن التوشيح في أهل الأندلس، وأخذ به الجهور لسلاسته وتنميق كلامه وترصيع أجزائه نسجت العامة من أهل الأمصار على منواله ونظموا في طريقته بلغتهم الحضرية من غير ان يلتزموا فيها اعرابا، واستحدثوه فنا سموه الزجل " (1) . وهذا قول يستدعي توقفا ومراجعة،
__________
(1) تاريخ ابن خلدون ذ: 524، وأزهار الرياض 2: 216.

(1/221)


فان استقراء الأشياء في وضعها الطبيعي قد يرده وينقصه، ذلك أننا إذا سلمنا بأن الموشح إنما نشأ حول مركز " عامي " أو " أعجمي " فيجب أن نفترض أيضا أن هذا المركز " العامي " إنما كان في الغالب جزءا من أغنية عربية (بلغة العامة)، وان المركز الأعجمي إنما كان في الغالب جزءا من أغنية أعجمية (باللغة الأسبانية القديمة). ومعنى هذا ان الأغنية العامية والأغنية العجمية ؟والثانية منهما على وجه التأكيد - وجدنا قبل قيام رجل جريء يدير المنظومة الفصحى على مركز يمثل إحداهما. وتقتضي طبيعة الأشياء ان يكون نشوة الأغنية العامية (بالعربية) سابقا على الموشحة لأن تقليد الأغاني الأعجمية ؟بسياق عامي - اسهل، إذ التسكين في الكلمات المنطوقة بالعامية يحيل النغمة والإيقاع عن الوزن العروضي في الشعر الفصيح ويجعلهما قريبي الشبه بالنغمة في اللغات الأوربية غير المعربة أو القليلة الإعراب. فالزجل بمعناه العام نشأ أولا تقليدا لأغاني السكان الأصليين وبخاصة حين اختلط الفريقان في المدن واشتركوا في إقامة الأعراس والحفلات واحتاجوا الأغاني الشعبية التي يرددونها في تلك الحفلات وفي مواسم العصير وأيام القطاف. ثم جاءت الخطوة التالية وهي محاولة للتقريب بين الشعر المنظوم باللغة الفصحى وبين تلك الأغاني الشعبية التي أصبح النساء والصبيان وطبقات أهل الحرف والعمال يرددونها باللغة الدارجة العربية، دون أن يصفوها تماما من الألفاظ الأعجمية التي اقتبسوها من جيرانهم ومخالطيهم، ودرجت على ألسنتهم فأصبحت جزءا من لغتهم. ولم يكن لهذا الزجل أرباب مميزون بأسمائهم، لأنه كان وليد الجماعة الشعبية، فلم يكن ينسب لهذا الناظم أو ذاك، وهذا شيء نألفه في أغاني الريف وبعض أغاني الحضر التي يرددها الناس دون ان يهمهم كيف نشأت ومن هو الذي أنشأها. وكان هناك خط فاصل بين هذه الحركة

(1/222)


وبين الغناء في الطبقات العليا وفي القصور، فقد كانت البيئة الأرستقراطية لا تزال تعيش على الشعر الفصيح والألحان الموضوعة له، ولم ينل الزجل اعتراف هذه الطبقة رسميا، كما انه لم ينل من جهود المثقفين ما يكفل له التسجيل إلا بعد أن ظهر الموشح نفسه، واصبح مادة غنائية خصبة، وكان ذلك في دور متأخر نسبيا. وليس لنا أن نعجب من ذلك، فان الموشح نفسه قد لقي شيئا من عدم الاعتراف التدويني ؟مؤقتا - ، ومن ثم كان قول ابن خلدون مبنيا على هذا المعنى نفسه، وهو أن الموشح وجد القبول " الرسمي " قبل الزجل، ولكنا يجب ان نفرق بين النشأة نفسها وبين وضوح كل فن من الفنين وانهزام روح المحافظة إزاءه.
وإذا كانت الأغنية الشعبية عاملا من عوامل الانفتاح الذهني على هذا الكشف الجديد الذي سمي " الموشح " فيجب ألا نعدها العامل الوحيد في تهيئة ذلك، إذ نعتقد أن هناك عاملين قويين شاركا الأغنية الشعبية في خلق الموشح: أما أحد العاملين فهو التجديد الموسيقي الذي أدخله زرياب ؟ومن بعده تلامذته - في الألحان بالأندلس. فقد ذكرنا في كتاب سابق أن هذا الموسيقار زاد في أوتار العود وترا خامسا " فاكتسب به عودة ألطف معنى وأكمل فائدة " إذ وضعه تحت المثلث وفوق المثنى. ولم يكن هذا هو كل ما قام به من تغير فأنه جعل الغناء منازل، فكان كل من افتتح الغناء يبدأ بالنشيد أول شدوه، بأي نقر كان، ويأتي إثره بالبسيط، ويختم بالمحركات والأهزاج، تبعا لمواسيم زرياب (1) وارى ان المصادر سكتت عن شيء في هذا التطور، وهو ان كل مغن استقل ؟في المجلس الغنائي الواحد - بواحد من هذه الألحان، فواحد يفتتح بالنشيد وثان، أو جوق، يأخذ في البسيط، والثالث ؟أو جماعة
__________
(1) انظر النفح 4: 120 - 124.

(1/223)


آخرون - بالهزج. وهذا التنويع يقتضي عدة قصائد غنائية مختلفة الأوزان، أو يقتضي ؟وهذا أهم - تنويعا في النغمات التي تقوم عليها القصيدة الواحدة؛ والموشح، أو شكل ما يشبهه، قد يكفل مثل هذا التنويع. واعتقد أن الأستاذ فؤاد رجائي كان على صواف حين أشار إلى هذا العامل في نشأة الموشح، وأراد قد وفق حين تنبه إلى الصلة بين تغير النظرية الموسيقية ؟أو أجزائها - وبين الحاجة الناشئة عن ذلك (1) . فأننا إذا قرنا هذه الحاجة الغنائية إلى أثر الأغنية الشعبية نفسها وجدنا أن العاملين معا كانا قويين في استدعاء الموشح أو شكل غنائي جديد يشبهه.
وأما العامل الثاني ؟وبه تصبح العلل في نشأة الموشح ثلاثا - فهو التفنن العرضي، ويقترن هذا التفنن بذلك الفتح المبكر الذي أوجده ابن عبد ربه في البيئة الأندلسية برسم الدوائر العرضية واستخراج فروع الوزن الواحد منها ؟في كتاب العقد - ؛ وأنا أعتقد ان هذا النوع أصبح ألهية المثقفين بالثقافة الأدبية يومئذ، وأصبح المتأدبون يمتحنون مقدرتهم ببناء الأشطار على غير ما ألف وشاع من أوزان. ومما يؤكد ان اتجاه هؤلاء مضى لاستيفاء ما اعرض عنه الخليل بن احمد قول ابن بسام في نشأة الموشحات: " وكان [أي القبري] يضعها على أشطار الأشعار غير أن أكثرها على الأعاريض المهملة غير المستعملة " (2) لماذا جربوا الأعاريض المهملة التي يألفها الذوق العام في المشرق ثم في المغرب؟ هنا تبرز خاصية الامتحان للقدرة والميل إلى الابتداع معا، فتلك الأعاريض المهملة كانت معروفة مقررة التفاعيل ولكنها لم تدرج على الألسنة، ووافق هذا الاتجاه قدرة التلاحين على ان تخفف من
__________
(1) الموشحات الأندلسية: 9.
(2) الذخيرة ½: 1.

(1/224)


ثبوتها على الأسماع، فاعتمدنا بعض المنشئين والناظمين إظهارا للمقدرة وطلبا للتنويع وتشجيعا على الجدة في النغمات. وكانت قد ظهرت في الشرق أوزان مجزوءة في شعر أبي نؤاس وأبي العتاهية وأبان اللاحقي وغيرهم، من مثل:
موسى المطر غيث البكر ... ثم أنهمر ألوى المرر
كم أعتسر ثم ايتسر ... وكم قدر ثم غفر فلفتت إليها أنظار هؤلاء المتفننين العروضيين، فأعلموا مقدرتكم على الاستخراج والمقارنة.
وقبل ان أمضي قدما أحب أن أقف عند قول ابن سناء الملك: " وأكثرها مبني على تأليف الأرغن، والغناء بها على غير الأرغن مستعار وفي سواه مجاز (1) " ، فذا القول قد ينقض ما قلته عن تنغيمات العود التي استحدثها زرباب. وانا أرى ان ابن سناء الملك قد يكون واهما أو مغاليا، لأن الأرغن ليس بالالة السهلة التي يمكن اقتناؤها، إذا تصورنا مدى شيوع الموشح في الزمن، وإما ان يكون تنغيمها على الأرغن هو أوفق ضروب التلحين لها، وهذا يمثل دورا تاليا لدور نشأتها اكتشف من بعد. والحقيقة التي تبقى ثابتة هي صلة الموشح بالغناء لأن الغناء هو سهل على الوشاح ركوب الاعاريض الملهمة، إذ الغناء هو الذي يحدث التناسب المفقود بالمد والقصر والزيادة والخطف، وقد حدثنا ابن سناء الملك نفسه أن بعض الموشحات لا تتم نغماتها إلا بزيادة نغمية فيها مثل قول ابن بقي:
من طالب ثأر قتلى ظبيات الحدوج ... فتانات الحجيج فأن التلحين لا يستقيم إلا بأن يقول المغني: " لا لا " بين الجزءين
__________
(1) دار الطراز:35.

(1/225)


الجيميين من هذا القفل (1) .
وإذ قد بلغت هذا من الحد من تقرير العوامل الثلاثة - مجتمعة - في نشأة الموشح أراني أتقدم إلى تصحيح الأخطاء التي لا بست تلك النشأة، ومن تلك الأخطاء افتراض أن المسمطات كانت هي الأساس الذي انبثق عنه الموشح. نعم ربما كان للأشكال المشرقية المخترعة اثر ما في المقايسة ولكن التاريخ التقديري لنشأة الموشح سابق على شيوع التسميط، كما فهمه المشارقة؛ وإذا نحن درسنا المسمط في الأندلس وجدنا انه واكب عصر أزهار الموشح، واكثر منه المحافظون الذين لم يألفوا نظم الموشح ولا انجذبت طبائعهم الشعرية إليه من أمثال ابن زيدون وابن أبي الخصال. غير أن الخطأ الأكبر الذي أوحي به كل من ابن بسام وابن سناء الملك هو قول القائلين: أن بعض الموشحات نظم على اوزان غير عربية. فقد قال ابن بسام: " أكثرها على غير اعاريض أشعار العرب " . وقال ابن سناء الملك: " والموشحات تنقسم قسمين: الأول ما جاء على أوزان أشعار العرب والثاني ما لا وزن له فيها ولا إلمام له بها " (2) ، وقال أيضا: " والقسم الثاني من الموشحات هو ما لا مدخل لشيء من أوزان العرب " (3) . فقول ابن بسام أنها على غير اعاريض أشعار العرب معناه أنها على غير الاعاريض المألوفة، وهذا الذي يعنيه قوله قبل ذلك: أنها على الاعاريض المهملة. وقول ابن سناء الملك يعني أنها ليست جارية على الأوزان التي تنظم فيها صنوف الشعر، وهذا حق، فإن أوزان
__________
(1) المصدر نفسه: 37 - 38
(2) المصدر نفسه: 33
(3) المصدر نفسه:35

(1/226)


بعض الموشحات من الأوزان الكبيرة العامة، وبضعها ناب لا يمكن للأذن أن تستسيغه إلا عن طريق التلحين، حسبما بين ذلك صاحب دار الطراز نفسه. ولكن لا يجوز لنا ان نستنتج من ذلك ان الموشحات ليست جارية على التفعيلات العربية، إذ لا يمكن أن تكون إلا كذلك ما دامت معربة. فإذا كانت في نطاق الكلام المعرب فهي ذات تفعيلات متناسقة، سواء استعمل الوشاح عددا واحدا من التفعيلات أو أعدادا متباينة المقدار، فالإيقاع فيها عربي خالص، ولكنك لا تستطيع ان تقول عن الكثير منها: إن هذه الموشحة تنتسب إلى بحر المديد أو إلى مجزوء الرمل أو إلى الكامل المرفل أو إلى البسيط؟ الخ. ذلك لأن هذه الأوزان المجزأة المستخرجة لم تجد " خليلا " آخر ليمنحها أسماءها، فظلت تستعمل دون أسماء. وبين هذا وبين القول بأنها خارجة عن الوزن العربي فوق واسع كبير. فلو ان نظاما ذهب يستخرج عشرات الأوزان - ذات الإيقاع المتفاوت - من أوزان الخليل أو يمزج بين تفعيلة من وزنين مختلفين لما صح لنا أن نقول له إنك خرجت على الوزن العربي، ليس للوزن العربي باب مقفل يحول دون استخدام ما يريده الشاعر من أوزان إذا جرى في الاستخراج على قاعدة سليمة. وكل ما نستطيع ان نقوله لمثل ذلك الشاعر: ان هذا الوزن " الجديد " شيء لم نألفه من قبل، أو شيء لا نستسيغه، فإذا طبق وزنه الجديد على ضرب من التلحين فقد يقنعنا بأن ما كنا نحسبه نابيا مستكرها قد أصبح مألوفا وسائغا.

(1/227)


5 - المراحل التي سار فيها الموشح:
قدرت أن تكون الحاجة الغنائية في طليعة العوامل التي ساعدت على ظهور الموشح، ولكني أغفلت في هذه الحاجة ذكر عنصر هام، هو اتخاذ الموشح وسيلة للترديد على أبواب الممدوحين أي التغني به ؟في طريقة النشيد - كما يتغنى القوالون بهذه القصيدة أو بتلك. ومعنى ذلك ان الموشح ؟حسبما افترض - أخذ في نشأته الأولى يخدم غايتين إحداهما الغناء وثانيهما التكسب. وينسب ابن بسام اختراع الموشح إلى رجل ضرير من قبرة اسمه محمد بن حمود (أو محمود) بيتا يذهب الحجاري إلى أن مخترعه أيضا رجل من قبرة اسمه المقدم بن معافى القبري، وهذا الثاني كان شاعرا معروفا أيام عبد الرحمن الناصر، كما يقول الحميدي. (1) وقال صاحب المسهب انه من الأمير عبد الله المرواني (2) . وليس بين القولين فرق كبير إذ قد يكون شهد طرفا من عهد الأمير عبد الله وطرفا من عهد الناصر. أما محمد بن حمود فلا تذكر المصادر متى عاش. وانا أرجح انه هو مخترع الموشح دون مقدم، وإنما أميل إلى هذا الترجيح لأنه يتفق وما فرضته من حاجة قوال إلى نظم هذا اللون من المنظوم من أجل التكسب به بطريقة لافتة.
ويقول الحجاري: أن ابن عبد ربه صاحب العقد أخذ عنه ابن بسام فيقول: " قيل أن عبد ربه صاحب كتاب العقد أول من سبق
__________
(1) الجذوة: 333.
(2) تاريخ ابن خلدون 1: 518 وأزهار الرياض 2: 207.

(1/228)


إلى هذا النوع عندنا " (1) ولست استبعد أن يكون صاحب العقد قد شارك بعض المشاركة في الموشح لآن هذا اللون الجديد التقى مع رغبته في إظهار البراعة العروضية، وكان هذا حسبه منه، إذ كان في غنى عن أن يتكسب به.
وبعد هذين جاء الرمادي، ومن غريب ان كلمة " رمادي " تؤكد الدور الذي تخيلناه للقبري الأعمى، من التجوال وما يلحق به من تعرض للمدح على طريقة القوالين. وقد وردت هذه اللفظة في دار الطراز حيث قال ابن سناء الملك ان الشرط في الخرجة: " أن يكون لفظها رماديا زطيا " ، أي بوهيميا. وللرمادي ؟فيما يبدو - دور خطير في تطور الموشحات إذ " كان أول من أكثر فيها من التضمين في المراكيز، يضمن كل موقف يقف عليه في المركز خاصة " وقد قلت ان التضمين هو التغصين، اما المراكيز فهي الأقفال، والدليل على كونها كذلك قول ابن خاتمة في وصف موشحة للقزاز: " ومن أظرف ما وقع له في خلالها من حسن الالتئام وسهولة النظام ما يندر وجود في منثور الكلام وذلك في أحد مراكزها " (2) ، ثم أورد قطعة مؤلفة من غصن وقفل ليدل على المركز. ثم جاء عباد ابن ماء السماء فأحدث تطورا آخر. ويمكن ان نلخص الخطوات الثلاث التي سار فيها الموشح كما يلي:
أ - كان الموشح في بداية أشطارا كالقصيدة، إلا انه من مهمل الأعاريض ويفترق عن الشعر في أن له قفلا ختاميا يسمى المركز ويكون عاميا أو أعجميا، وهذا هو ما فعله القبري، وربما ابن
__________
(1) الذخيرة ½: 1 - 2.
(2) أزهار الرياض 2: 254.

(1/229)


عبد ربه، وليس فيه تضمين أو أغصان.
ب - الإكثار من التضمين في الأقفال أي تجزئة الأشطار إلى أجزاء صغيرة، وهذا هو ما فعله الرمادي وتابعه في ذلك شعراء عصره كمكرم ابن سعيد وابني أبي الحسن - وهم ممن لا نعرف عنهم شيئا.
ج - الإكثار من التضمين في الأغصان أي تجزئة أشطارها وهذا هو ما فعله عبادة ابن ماء السماء. وكانت صنعة التوشيح حتى عهده: " غير مرقومة البرود ولا منظومة العقود فأقام عبادة هذا منآدها، وقوم ميلها وسنادها، فكأنها لم تسمع بالأندلس إلا منه، ولا أخذت إلا عنه " . كذلك ابن بسام.
ولكنا نتصدى هنا لاضطراب آخر يشبه الاضطراب في اسم القبري المخترع الأول. فقد أعطى ابن بسام فضل تطوير الموشح لعبادة ابن ماء السماء، أما الحجاري فأنه نسب الفضل كله لعبادة القزاز، شاعر المعتصم ابن صمادح صاحب المرية (1) ، وقد امتد هذا الاضطراب إلى نسبة الموشحات لهذا أو ذاك، فالموشحة التي أولها:
من ولي ... في أمة أمرا ولم يعدل
يعزل ... إلا لحاظ الرشأ الأكحل - هذه الموشحة نسبها شاكر في فوات الوفيات (2) لعبادة بن ماء السماء بينما نسبها الصفدي في الوافي (3) إلى عبادة القزاز. وعلى هذا
__________
(1) أزهار الرياض: 207 والمقتطف: 41.
(2) الفوات 1: 426.
(3) الوافي 3: 189.

(1/230)


فلا تبقى من موشحات عبادة بن ماء السماء إلا موشحة واحدة ذكرها ابن شاكر أيضا فإن صحت نسبتها له كانت أقدم أنموذج من الموشح وصلنا. ومعنى هذا أن أول موشحة لدينا تعود إلى أوائل القرن الخامس لأن ابن ماء السماء توفي عام 422 (1) . ومطلع هذه الموشحة:
حب المها عبادة ... من كل بسام الجواري
قمر يطلع ... من حسن آفاق الكمال حسنه الابدع وهي شبيهة بموشحات القزاز، والخرجة فيها معربة. وأذا كان كذلك فقدنا آخر مثل من موشحات المبكرة نسبيا.
وإذا قارنا هذا مجال الزجل وجدنا مما نعرفه من نماذج الزجل، أن القرن الخامس هو الفلك الذي قيض لنا ان نرى فيه هذين الكوكبين بوضوح. فابن قزمان وهو زجال من عصر المرابطين يشير إلى أناس تقدموه في هذا الفن أهمهم في رأيه الاخطل بن نمارة (2) ومنهم ابن راشد وقد وجد له المستشرق اشتيرن زجلا نشره بمجلة الأندلس (3) . هذا وقد وجدت فقرة من زجل ربما كانت مبكرة في القرن الخامس نفسه أوردها نؤلف كتاب مساؤى الخمر رواية عن بعض شيوخه وهذا نص ما قاله: " وحدثني بعض شيوخي ان بعض أمراء الأندلس لاعب بعض أدبائها الشطرنج ؟إما قال الزرقال وإما قال ابن فرعال؟ على شيء جعله له، فقمر هذا اللاعب الأمير، فلما ظهر على قمره في
__________
(1) انظر ترجمته في الجذوة: 247.
(2) مقدمة ابن قزمان، والمغرب: 167.
(3) مجلة الأندلس: 413 " 1951 " ، والزجل في الأندلس: 56.

(1/231)


اليد الثالثة هي آخر الأيدي سر بالفلج فاستقبله في وجهه وقال:
أقطع رجال من الخمور ... واكل القبولات والسكور ... وهذه يد المزور ... شلل قفاك ... هم يقولون شللت الإناء إذا غسلته بالماء " (1) أه؟. فإذا كان هذا اللاعب هو الزرقال أو ابن الزرقال فإن المشهور بهذا الاسم هو إبراهيم بن يحيى النقاش القرطبي، الذي كان بين عامي 452 - 472 يعيش في بلاط أمراء طليطلة، وربما كان هذا القول من محفوظ الزرقال، من الأغاني الدارجة، فبذلك يكون من تاريخ مبكر.
وقد عرفنا أسماء كثير من الوشاحين ممن عاشوا في عصر الطوائف والمرابطين، ومنهم ومن وصلنا بعض موشحاتهم، ومنهم من ذكر عنهم انهم كانوا ينظمون الموشحات ولكنا لا نعرف شيئا مما نظموه مثل أم الكرم بنت صمادح (2) وهي أخت المعتصم وكان أخوها قد اعتنى بتأديبها فنظمت الشعر والموشحات وعشقت الفتى المشهور بالسمار.
وقد قدم المؤرخون عبادة القزاز على سائر الوشاحين في عصر الطوائف وكان عبادة هذا شاعر المعتصم ابن صمادح، وروي عن أبي بكر ابن زهر الوشاح انه قال: كل الوشاحين عيال على عبادة القزاز فيما اتفق له من قوله (3) :
__________
(1) الكشف عن مساوىء الخمر، الورقة: 102.
(2) المقتطف: 41.
(3) المغرب 2: 202، والمقتطف: 41.

(1/232)


بدر ثم شمس ضحى ... غصن نفا مسك شم
ما أتم ما أوضحا ... ما أورقا ما أنم
لا جرم من لمحا ... قد عشقا قد حرم وزعموا أن الذي جاء بعده مصليا هو الوشاح ابن ارفع رأسه، شاعر المأمون ابن ذي النون صاحب طليطلة، وكانت له موشحات مشهورة يغني بها في بلاد المغرب (1) ومنها الموشحة التي ختمها بقوله:
تخطر ولا تسلم ... عساك المأمون
مروع الكتائب ... يحيى بن ذي النون وفي ذلك العصر نفسه اشتهر ابن اللبانة شاعر العباديين بالموشحات، وقد جمع هؤلاء بين الشعر والموشح، ولكن القزاز كان أعلى طريقة في التوشيح، وكذلك ابن أرفع رأسه، أما ابن اللبانة فجمع بين طرفي الإجادة في الفنين، وقد احتفظ له صاحب دار الطراز ببعض الموشحات، وكذلك ابن سعيد في المغرب وأورد له الصفدي موشحة واحدة (2) .
وفي أيام المرابطين ظهرت مجموعة من أعاظم الوشاحين، في مقدمتهم الأعمى التطيلي وابن بقي وأبو عبد الله بن أبي الفضل بن شرف والأبيض وعلي بن مهلهل الجياني وابن باجة. وفي القطعة التي أوردها ابن سعيد في المقتطف (3) عن الوشاحين في هذه الفترة قصتان مفيدتان في دلالتهما: أولاهما: أن جماعة من الوشاحين اجتمعوا في مجلس بأشبيلية فكان كل واحد منهم قد صنع موشحة وتأنق فيها فقدموا الأعمى للإنشاد فلما
__________
(1) المغرب 2: 18.
(2) انظر الوافي 4: 297
(3) المقتطف: 41 وأزهار الرياض 2: 209.

(1/233)


افتتح موشحته المشهورة:
ضاحك عن جمان ... سافر عن بدر
ضاق عنه الزمان ... وحواه صدري خرق ابن بقي موشحته وتبعه الباقون " . لأنهم وجدوا ما يعجزون عن مثله، وتدل هذه الحكاية على ان الموشح كان يلقى إلقاء دون تلحين، وأن تأثيره في النفوس لم يكن متصلا بالتلحين فحسب. والقصة الثانية تتصل بابن باجة وخلاصتها أنه نظم موشحة في مدح ابن تيفلويت صاحب سرقسطة مطلعها:
جرر الذيل أيما جر ... وصل السكر منك بالسكر وخاتمتها:
عقد الله راية النصر ... لأمير العلا أبي بكر وألقى الموشحة على إحدى قينات ابن تيفلويت، أي دربها على غنائها حسب لحن وضعه، وهي حكاية تشير إلى الصلة الوثيقة بين الموشح والتلحين.
وكان بعض أولئك الوشاحين مكثرا، حتى قيل إن لأبي بكر ابن بقي ما ينيف على ثلاثة آلاف موشحة (1) ، ويمثل لنا ابن بقي والأعمى التطيلي تتمة المعنى الذي تصورناه في نشأة الموشح أعني صلته بالتكسب فان الأعمى كان متكسبا بالشعر كما أن ابن بقي " وقف بالبلاد على كل باب " وهذا المعنى نفسه يمثله كل من ابن القزاز وابن اللبانة؛ وإذا شذ عنه
__________
(1) هامش المغرب 2: 19 نقلا عن الخريدة.

(1/234)


أمثال أم الكرم بنت صمادح وابن باجة فما ذلك إلا لان نطاق الموشح كان قد اتسع واتسعت الآفاق الاجتماعية التي يستطيع أن يرودها.
ولذلك كان أهم موضوع في الموشحات التي وصلتنا هو المدح أولا والغزل والمجون ثانيا. فأما الأغراض الأخرى من رثاء وتكفير ووصف للطبيعة وهجاء، فإن موشحات هذا العصر الذي ندرسه لا تمثلها بوضوح، فقد شاعت هذه الأغراض من بعد هذا العصر، وبذلك يكون الموشح قد تحدد حتى أواخر القرن الخامس بالموضوعين لازماه في نشأته وهما المدح والغزل، فأن كان أواخر عصر المرابطين، ثم ما بعدهم من عصر أصبح الموشح يشمل أكثر الأغراض التي يتناولها الشعر.
6 - شكل الموشح:
كل موشح أندلسي يتركب من وحدتين تتكرران عددا من المرات، وحدة يبدأ بها الموشح في العادة وتسمى " قفلا " ، فإذا لم يبدأ بها وبدأ توا بالوحدة الثانية سميي الموشح " أقرع " . وهذه الوحدة الثانية تسمى " غصبا " . ويتكون الموشح النموذجي في العادة من ستة أقفال، تحصر بينها خمية أغصان، ولكن الوشاح غير ملزم بذلك إن شاء أن يزيد أو ينقص. واجتماع القفل والغصن التالي له يسمى " دورا " ، وبعضهم يسميه " بيتا " ؛ فالموشح النموذجي - على هذا الأساس - وهو يتكون من خمس أدوار أو أبيات، وقفل ختامي يدعونه " الخرجة " ، ولكن الأقرع يشذ عن ذلك لأن أحد أقفاله ساقط. وللوشاح أن يجعل أجزاء القفل أو أجزاء الغصن حسبما يريد، سواء عددنا تلك الأجزاء أفقيا أو عاموديا، وقد أسرف ابن سناء الملك في تنويع الموشح بحسب الأعداد

(1/235)


الأفقية والعامودية في القفل أو الغصن، كله أمر شكلي خالص، لا يحدث فرقا في قيمة الموشح فأقل قفل يتركب من جزءين في سطر واحد، وأكثره - من موشحات الأندلسيين - يتألف من ثمانية أي أربعة في سطرين.
غير ان أهم ظاهرة في التوشيح من حيث النغمة قيام القفل أحيانا على وزن، وقيام الغصن على وزن اخر، فتسير الموشحة في وزنين. والغالب ان يتفق القفل والغصن في الايقاع العام. وقد يختار الوشاح وزنا مباشرا من اوزان القصيد فينسج عليه موشحته مثل:
أيها الساقي إليك المشتكى ... قد دعوناك وإن لم تسمع وهذا يسميه ابن سناء الملك: " الموشح الشعري " ، أو يستخرج وزنا جديدا وهو الشيء الشائع في موشحات العصر الذي نتحدث عنه. وقد منح ابن سناء الملك للخرجة في بحثه عن الموشحات القيمة الكبرى فقال: " والخرجة هي إبراز الموشح وملحه ومسكه وعنبره، وهي العاقبة وينبغي ان تكون حميدة، والخاتمة بل السابقة وإن كانت الأخيرة. وقولي السابقة لأنها التي ينبغي ان يسبق إليها الخاطر ويعملها من ينظم الموشح في الأول وقبل أن يتقيد بوزن أو قافية " (1) :
وتلخص كلام ابن سناء الملك عن طبيعة الخرجة في الأمور التالية:
(1) أن تكون عامية حادة ظريفة، فإذا كانت معربة خرج الموشح عن ان يكون موشحا.
(2) أو يحسن ان تكون معربة إذا كان الموشح في المدح وذكر في الخرج اسم الممدوح.
__________
(1) دار الطراز: 33.

(1/236)


(3) أو يجوز أن تكون معربة وان لم يكن الموشح في المدح على شرط ان تكون هزازة سحارة.
(4) وقد تكون عجمية وهنا أيضا يجب ان يكون لفظها سفسافا لاذعا.
(5) يقدم لها بما يمهد لورودها مثل قلت وقالت وغنى وغنيت ويكون ذلك على لسان الحمام أو الفتاة أو الغرام أو الهيجاء أو غير ذلك.
وقد استمد ابن سناء الملك كل أمثلته من عصر الطوائف والمرابطين يوم كان الفنان من غزل ومدح هما الغالبين على الموشحات. وأنا لست أنكر قيمة الخرجة في الموشح ولكني أرى ان ابن سناء الملك حين وضع تلك التحديدات كان مأخوذا بطبيعة النماذج الموجودة بين يديه، فهو يشترط ان تكون الخرجة عامية، ثم يعود فيتنازل عن كونها عامية في غير المدح. ويذكر أنها قد تكون أعجمية ثم يمثل على ما يقوله بأي مثل. وعندي ابن سناء الملك قد نسي بهذا التحديد - الذي ذاب فلم يعد تحديدا - قاعدة كبرى هي التناسب الموشحة وطبيعة المقام العام. فالموشحة التي تقال في المدح تقتضي في الغالب خرجة تتناسب وحال الممدوح، فإذا كان الجد أغلب على العلاقة بين الممدوح ومادحه لم يستطيع أن يتظرف باستعمال خرجة عامية أو عجمية، وإذا كان الممدوح ممن " رفعت الكلفة " بينه وبين الوشاح فلا بأس من ان تكون الخرجة عجمية أو عامية. وإذا حرت الموشحة على الغزل المتسامي صح ان تكون الخرجة معربة، بل كان ذلك أليق بها، وإذا خالط الموشحة شيء من النماجن فمن غير الطبيعي أن تكون معربة، وإذا كانت موجهة إلى جارية أعجمية فلا بد أن تكون الخرجة مناسبة لتلك الحال، وما يحسن في

(1/237)


مواقف ربما لم يحسن في غيره. وليس هناك من قانون عام ينتظم الخرجة ويحتم كيفية ورودها سوى قانون التناسب.
أما لماذا يتوجه الإيثار نحو الخرجة العامية أو الأعجمية فتعليله أن الموشح كاللحن الموسيقي تجيء فيه دلالة على الختام كمط اللحن وما أشبه، وهذه الدلالة تتكون من مظهر واحد أو مظهرين في التوشيح، وأحد المظهرين هو التمهيد للخاتمة بقال وقلت وغنى وغنيت وإضراب هذه الألفاظ، وثاني المظهرين هو إيراد الخاتمة بلغة مختلفة لصلب الموشح، وقد يكفي التمهيد وحده لرسم حركة الختام ولكن التغيير في اللهجة أو اللغة يؤكد هذا الختام على نحو أشد وأقوى، كما انه يزيد الموقف عذوبة وظرفا، ولذلك كان إعطاء الخرجة لونا فارقا يمايز سائر لون الموشحة مما يؤكد الحركة الختامية ويحدث في النفس وقعا عميقا، وفي هذا معنى زائد على مناسبة المقام وهو إشعار السامع باستدارة الموشحة وإكمالها. وتؤدي الخرجة الأعجمية أو العامية معنى التناسب من وجه آخر، فان كونها صدى للتمهيد المبدوء بأنشد أو أنشدت أو غنى أو غنيت يقتضي ان تكون مما يغنى حقا في البيئة الشعبية.
7 - نماذج الخرجة:
ومن الخرجة المعربة في الغزل قول ابن بقي:
تجاوز الحدا ... قلبي اشتياقا
وكلف السهدا ... من لو أطاقا
قلت وقد مدا ... ليلي رواقا

(1/238)


ليلي طويل ولا معين ... يا قلب بعض الناس أما تلين ومن نماذجها المعربة قول ابن اللباقة يمدح بني عباد:
لك الفضل ... وإنك من آله
رأى الكل ... بكم نيل آماله
فما يخلو ... من ينشد في حاله
بني عباد ... بكم نحن في أعياد وفي أعراس لا عد متمو للناس أما الخرجة العامية فيمثلها قول الأعمى التطيلي:
القاك عن عفر ... فلا أناجيكا إلا اشتياق
والله ما ادري ... قد التوى فيكا أمري وضاق
أشدو وما عذري ... ألا أقاضيكا إلى العناق
يا رب ما اصبرني ... نرى حبيب قلبي ونعشقو
لو كان يكون سنه ... فيمن لقي خلو بعنقو ونورد الأمثلة الآتية على الخرجة الأعجمية:
ا - لابن عبادة شاعر المرية (عصر الطوائف).
مو سيدي إبراهيم
يا نوامن دلج
فنت نيب
ذي نخت
إن نن شنن كرش

(1/239)


ارم تب
غرمي أوب
لغرت
Meu sidi Imbrahim
Ya nuemne dolje
Vente mib
De nokhte
In non، si non queris،
Ireme tib؛
garme a ub
Legarte
وترجمته: يا سيدي إبراهيم ؟يا اسما حلوا - تعال إلي ؟الليلة -
وإلا، أن كنت لا ترغب ؟أجيء أنا إليك - آه -
أخبرني أين ؟اجدك.
ب - للوزير ابن المعلم (عصر الطوائف)
بن يا سحارة
ألب قشت كن بلفغور
كند بني بدي مور
ven، ya sahhara!
ALBA QUESTA CON BEL VIgORE
CUANDO VENE PIDE AMORE

(1/240)


وترجمته: تعالي، يا سحارة!
الفجر الذي هو جميل كعادته
حين يجيء يتطلب حبيبا
ج - للأعمى التطيلي (عصر المرابطين):
مو الحبيب انفرم ذي مو أمر
كن دشتر
ننفيس اميب كسد نوليغر
Meul - habib cnfeymo de meu amar
Que no destay؟
Non ves a mib que s e ha de no lleqar؟
وترجمته: حبيبي مريض بسبب الحب
وكيف لا يكون ذلك؟
ألا ترى انه لن يرجع ألي ابدا
د - للأعمى التطيلي:
الب ذيا اشت ذيا
ديا ذي العنصرة حقا
بيشتري مو المدبج
ونشق الرمح شقا
Albo dia este dia
Dia del ansara haqqa

(1/241)


Vestire meu L - mudabbaj
Wa nashuqqu I - rumha shaqqa
وترجمته: يا فجر اليوم، هذا اليوم الجميل
يوم العنصرة حقا
سألبس مدبجي
ونشق الرمح شقا (1)
8 - الناحية الفنية في الموشح:
قبل الحديث في هذا الموضوع يحسن أن نقف عند بعض الأحكام النقدية أو ذات المحمل النقدي التي كان الناس ؟وبخاصة جماعة المتذوقين للموشح - يواجهون بها بعض الموشحات:
أ - ونستعيد في هذا المقام قصة الوشاحين الذين خرقوا موشحاتهم لما سمعوا موشحة الأعمى ، وقصة ابن تيفلويت ممدوح ابن باجة الذي طرب طربا كثيرا عندما سمع تلك الموشحة وصاح واطرباه وشق ثيابه وقال: ما أحسن ما بدأت وما ختمت وحلف بالأيمان المغلظة ألا يمشي ابن ماجة إلا على الذهب فخاف الحكيم سوء العاقبة فاحتال بأن جعل ذهبا في نعله ومشى عليه.
ب - وفي تقدير ابن زهر للموشحات قال: - وهو الوشاح الأصيل العارف بفنه - انه لا يحسد أحدا على موشحة مثلما يحسد ابن بقي على قوله (2) :
__________
(1) هذه الأمثلة نشرها الأستاذ غرسية غومس بمجلة الأندلس - 19 - 1954/ 375 وهي " حسب ترقيمها هنالك: القطعة الأولى والسابعة والثامنة والتاسعة عشرة " .
(2) المقتطف: 41.

(1/242)


أما ترى أحمد ... * في مجده العالي * لا يلحق
أطلعه المغرب ... * فأرنا مثله * يا مشرق ج - وقال الأستاذ أبو جعفر (1) : من أظرف ما وقع للقزاز في المديح من التوشيح موشحته التي أولها:
كم في القدود الليان ... تحت اللمممن أقمر عواطي ومن أظرف ما وقع له في خلالها من حسن الالتئام وسهولة النظام ما يندر وجود مثله في منثور الكلام، وذلك في أحد مراكزها حيث يقول:
لما غدا قادرا ... أضحى قليل المعدله
يا حاكما جائزا ... قلت من لا ذنب له
سطوت بالهيمان ... ظلما ولمتستبصر يا ساطي
خف سطوة الرحمن ... إذا حكمبين البري والخاطي والآن دعنا نسأل: ما الذي أعجب ابن بقي وسائر الوشاحين في موشحة التطيلي حين مزقوا موشحاتهم احتقارا لها واستصغارا لشأنها؟ وهل طرب ابن تيفلويت للغناء، أو للموشحة من خلال الغناء؟ ولماذا يحسد ابن زهر وشاحا على ما قاله وأين موضع الإجادة في ما قال؟ ولم آثر أبو جعفر هذا الجزء من موشحة القزاز بالثناء؟
من هذا الموقف يمكننا ان نتحدث عن الناحية الفنية للموشح، فمن درس موشحة الأعمى المذكورة وجد فيها عذوبة سائغة وسياقا حلوا واسترسالا
__________
(1) أزهار الرياض 2: 254.

(1/243)


وعبارات مستقلة في ذاتها وخرجة لطيفة رقيقة، فالأحكام بعامة هو صفتها الغالبة. أما ابن تيفلويت فربما زاد التلحين في طربه، ولكنه بين أنه شديد الابتهاج بحسن الفاتحة والختام لقوله لابن باجة " ما أحسن ما بدأت وما ختمت " فهو ينظر إلى الموشحة من حيث تأثيرها في نطاق معين. وأما ابن زهر، فانه فيما يبدو يحسد ابن بقي على قدرته الفائقة في صوغ الخرجة بأسلوب معرب مع سهولة بالغة حد المستوى العامي، وأما الأستاذ أبو جعفر فكان صريحا في نقده إذ دل على أن ما يعجبه في موشحته القزاز هو حسن الالتئام وسهولة الكلام، ولعل قوله " ما يندر وجود مثله في منثور الكلام " هو أبرع نقد للموشحة الأندلسية فان خروجها عن جادة التعقيد إلى أن تصبح كالأسلوب النثري أي إلى أن تصبح مستوية السياق، كأنها كلام عادي، أمر هام في نظر الأندلسيين يومئذ. ونستأنس هنا بقول ابن حزمون، وهو وشاح من العصر التالي، حين سمع موشحة لبعضهم: " ما الموشح بموشح حتى يكون عاريا عن التكلف " (1) .
من ثم نرى أن الموشح هو أول ثورة حققها الشعر العربي في إيثار الإيقاع الخفيف الذي يقرب الشقة بين الشعر والنثر، فأضعف من اجل ذلك العلاقات الإعرابية كثيرا، ذلك أننا نقول حقا أن الموشح معرب، ولكن الإسكان بالموقف في التجزئات القسيرة واختيار الألفاظ التي لا تظهر حركات الإعراب في أواخرها أمران يجعلان العلاقات الإعرابية ضعيفة ويحيلان الموشح إلى مستوى قريب من مستوى الكلام الدارج، إذ أين هي العلاقات الإعرابية في قول الوشاح:
__________
(1) أزهار الرياض ذ: والمقتطف: 43.

(1/244)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية