صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : تاريخ الآداب العربية

1916م). وشعره فطري رقيق يجمع بين السهولة والمتانة. وله موشحات بديعة جارى فيها موشحات الأندلسيين. وقد طبع ديوانه في بيروت في المطبعة الأهلية سنة 1331. ودونك مثالا من شعره يرثي بعض الأعاظم:
ألا أيها الغادي وليتك سامع إذا ما ادعى الداعي ألا أيها الغادي
بودي لو تدنو فتسمع لوعتي عليك ولو تصغي فتسمع إنشادي
قضيت وما عهد الدموع بمنقض وثار الجوى يشوي الضلوع بإيقاد
كأن ندى كفيك عاد لأعين ونار قراك اليوم عادت لأكباد
فيا عبرتي عيني جودا ففيكما إذا لم تساعدني الأحبة إسعادي
ويا أيها اللاحي رويدك لاحيا فإنك في واد وإني في واد
ولو قد عرفت الحب معرفتي به لاتهمت اتهامي وأنجدت انجادي
وصرعت المنون في الهند في هذه الحقبة أحد المعالم المسلمين (الشيخ شبلي النعماني) توفاه الله بعد إعلان الحرب الكونية بقليل (18 ت2 1914) تعلم العلوم وساح في البلاد الإسلامية فدرس الطباع وأطلع على أحوال العصر. ولما عاد إلى وطنه عهد إليه التعليم في كلية عليكده فعد من كبار علماء بلاده وكان يعرف الهندية والفارسية والعربية يحسنها كلها. وقد تخصص في وطنه لإصلاح المسلمين في الهند. وله مصنفات مشكورة في الفلسفة والتاريخ وآداب اللغتين الفارسية والهندية. ومن تأليفه في العربية تاريخ الخليفة عمر بن الخطاب كتبها على صورة عصرية. وله رد على كتاب المرحوم جرجي زيدان تاريخ التمدن الإسلامي. ورسالة في الجزية وكان يشتغل قبل موته بسيرة رسول الإسلام. توفي عن 65 سنة.
وفي السنة 1917 توفي في تونس أحد أدبائها المسلمين (علي أبو شوشة) صاحب جريدتها الرسمية المعروفة بالرائد التونسي وهي أول جريدة ظهرت هناك سنة 1861.
الحقبة الثانية (1908 - 1918)
أدباء النصارى

(1/405)


توفر في هذه الحقبة عدد أدباء النصارى الذين اشتهروا بملازمة الآداب العربية فانتقلوا في أثنائها إلى دار البقاء. وهانحن نقدم عليهم ذكر أحبار الكنائس الشرقية وكهنتها الذين خلفوا شيئا من آثار قريحتهم.

الأساقفة
رزى (الموارنة) بوفاة أحد كبا رجالهم السيد (بطرس زغبي) رئيس أساقفة قبرس في 28 تشرين الأول سنة 1910 كان مولده سنة 1833 وتخرج في مدرسة عين ورقة ثم في مدرستنا الاكليريكية في غزير. نشر مع الخوري يوسف البستاني مجموعا مدرسيا لطيفا تحت عنوان نخب الملح وغرة المنح مع شروح واسعة وطبعاه على الحجر في مطبعتنا البيروتية في أوائل عهدها سنة 1850 وكان خطيبا مصقعا.
وفي أواسط السنة 1914 قبيل الحرب الكونية برح الحياة الفانية المأسوف عليه كثيرا لسمو فضله السيد (يوسف نجم) مطران عكا شرفا والنائب البطريركي. أفاد طائفته بتعريبه المدقق والفصيح لأعمال المجمع اللبناني وطبعه في مطبعة الأرز في جونية سنة 1900 طبعا متقنا.
وفجعتنا الحرب الكونية بوفاة حبرين آخرين جليلين السيد (بطرس شبلي) رئيس أساقفة بيروت والمطران (يرسف صقر) رئيس أساقفة حماة. عرف الأول بثقوب فهمه وسعة معارفه التاريخية والأثرية نشر نبذا منها في المجلات الأجنبية والوطنية. وقد اكتسب شكرنا بنشره لترجمة نابغة طائفته البطريرك اسطفانوس الدويهي فأنجر طبعها سنة 1913.
وكان السيد بطرس شبلي درس مدة في كليتنا ثم رحل إلى باريس فدرس في مدرستنا الكهنوتية الشهيرة بسان سولبيس. وقد توفي في آطنة في السابعة والأربعين من عمره ضحية محبته لفرنسة في 20 آذار سنة 1917. أما السيد يوسف صقر فأحرز كل علومه في مدرستنا الاكليريكية البيروتية وتوفي بعد شهر من وفاة السيد شبلي في 20 نيسان 1917 نشرنا له في المشرق مقالات حسنة في أخلاق اللبنانيين وعاداتهم القومية.

الروم الكاثوليك

(1/406)


وفي هذه الحقبة الثانية من القرن العشرين استأثر الله بذاك الحبر الجليل ذي المآثر الطيبة المطران (جرمانوس معقد) المولود في دمشق سنة 1853 والمتوفى في بيروت في 13 شباط من السنة 1913 وكل يعرف ما أفاد به الوطن من الأعمال الشريفة لا سيما إنشاؤه لجمعية المرسلين البولسيين الذين يشتغلون في كرم الرب بغيرة وثبات. وقد أغنى الآداب العربية بتأليف شتى منها دينية كرحلة الفيلسوف الروماني والكلام الحي وسبيل الصلاح وحسن الختام. ومنها طقسية كرفيق العابد والسواعية والميناون وتفسير القداس وخدمة الفصح ونشائد روحية وتحقيق الأماني لذوي الطقس اليوناني. ومنها أدبية لطيفة كذخيرة الأصغرين ورواية حسناء بيروت ومقالات وفصول ممتعة نشرت في مجلة المسرة التي أنشئت بهمته وجمع بعضه في كتابه السلوة فاستحق بها جميعا شكر الوطن(1).
وفي أيام الحرب المشئومة توفي في دمشق في 17 شباط 1916 رئيس أساقفة صيداء السيد (باسيليوس حجار) المولود في أوائل سنة 1839 في جزين بعد أن خدم طائفته الكريمة بصفة كاهن غيور ثم في رتبة متروبوليت على بصرى وحوران 1870 وأخيرا على صيداء من السنة 1887 إلى سنة وفاته. عرف حيثما حل بجده ونشاطه في خدمة طائفته. له من آثار القلم تعريبه لكتابين الطوبوي اليسوعي الكردينال بلرمين وهما وصية السيد المسيح الأخيرة على الصليب وسلم السعادتين مع تأليف له في وصف مقام سيدة المنطرة بجوار صيداء.

(1/407)


ومن ضحايا الحرب الكونية بين (الكلدان) السيد الجليل المطران (أدي شير أبرهينا) رئيس أساقفة سعرت قتله الأتراك جورا فمات ميتة الأبرار الشهداء في منتصف صيف السنة 1915 وهو في عز كهولته في الثامنة والخمسين من عمره(1) وقد نفع الوطن والآداب بما نشره من التأليف التاريخية والدينية والأدبية كتاريخ كلدو وآثور طبع منه جزأين وفقد باقيه في الحرب. ومن مآثره تاريخ مدرسة نصيبين الشهيرة والألفاظ الفارسية في العربية ونشر في المجلات الأوربية وصف مخطوطات مكاتب ماردين وديار بكر وسعرت والموصل ونشر في مجموعة الآباء الشرقيين تاريخا قديما لأحد النساطرة. هذا ما عدا تأليف كلدانية مدرسية عديدة. وله في المشرق فصول مدققة عن طائفة الكلدان جازاه الله خيرا.
وفي أثناء الحرب المذكورة فقد الكلدان أسقفا آخر السيد (توما اودو) مات أيضا ضحية الأتراك والعجم في كرسي أسقفيته اورميا في شهر آب 1918 كان مولده في ألقوش سمة 1855 وقد اشتهر خصوصا بما نشره من التأليف الكلدانية في مطبعة الموصل للآباء الدومنيكان أخصهم معجم مطول للكلدانية الحديثة في جزأين وترجمته الكلدانية كتاب كليلة ودمنة وقوانين المجمع التريدنتيني وميزان الزمان للأب نيرنبرج اليسوعي.
وفي آخر شهور الحرب في 20 آب 1918 توفي من (السريان) في مدرسة الشرفة أسقف رستن شرفا السيد (أوسطاثيوس موسى سركيس) المولود في دمشق 1848. كان أحد تلامذة مدرستنا الاكليريكية في غزير علم العربية في كليتنا ثم ترأس عدة سنين على مدرسة الشرفة. ومن آثاره تعريبه لكتاب التاريخ المقدس للأب شوستر المطبوع في مطبعتنا سنة 1910.

(1/408)


وتوفي من أساقفة الروم الأورثذكس في ومن الحرب في أميركا السيد (رافائيل هواويني) أسقف بروكلين في 27 شباط 1915. كان مولده في بيروت سنة 1860 ودرس في مدرسة خالكي في الآستانة. ثم أقيم سنة 1895 راعيا للجالية السورية الاورثذكسية في نيويورك فنشر هناك مجلة الكلمة سنة 1905 ونقح كتب طائفته الطقسية كالقنداق والأفخولوجي.
ومن تأليفه كتاب اللمحة التاريخية في أخوية القبر المقدس اليونانية.
الكهنة العلمانيون والرهبان المرسلون
فقدت الآداب العربية أحد أفاضل كهنة الأرمن ورجال البر والصلاح الورتبيت (بولس بليط) ولد في حلب سنة 1827 وفيها توفي في 12 ت1 سنة 1910. أوقف حياته على خدمة آل وطنه عموما وأبناء طائفته خصوصا فاشتهر بقداسته وسمو فضائله وأوقف قلمه في أوقات الفراغ على تأليف الكتب من لاهوت وفلسفة وتاريخ وعبادات طبع قسما منها مثل كتابة الدعامة في وجود الله وخلود النفس وكتاب النبراس في خمس محاورات دينية وتاريخ أبرشية حلب الأرمنية في مجلة المشرق. وعرب كتاب رياضة تشرين الثاني لإسعاف الأنفس المطهرية. وله عظات ومياومات تاريخية ورحلة إلى الآستانة ورومية سنة 1869 لحضور المجمع الواتيكاني(1).
وفي السنة التالية في 5 ت1 1911 أسف حلب أيضا على فقد أحد أبنائها العريقين في الآداب العربية القس (توما أيوب) السرياني الكاثوليكي المولد في شهباء في 22 آذار سنة 1861 درس العلوم في كليتنا الاكليريكية وفي دير الشرفة وانقطع بعد كهنوته في وطنه للتدريس والتأليف وكان مولعا بدرس العربية فجمع له مكتبة حسنة من مخطوطاتها ومطبوعاتها. وقد تخرج عليه كثيرون من الشبان وكان يجتمع بأدباء حلب فيتفاوضن في الفنون الأدبية واللغوية وقد عرب روايات عديدة منها للتمثيل ومنها خيالية أدبية طبع منها وراية فابيولا ورواية إلى أين ورواية الكفارة في مطبعتنا الكاثوليكية وكلها تمتاز ببلاغتها.
ومن تآليفه الروحية تحقيق الأمنية في عبادة الوردية.

(1/409)


وفي أيام الحرب الكونية فجعت الطائفة المارونية بأحد كهنتها الضليعين بالآداب الدينية والدنيوية معا المنسنيور (يوسف العلم) توفي في شهر تشرين الثاني سنة 1917 في داريا.
كان أحد تلامذة عين ورقة الممتازين فرقي في طائفته إلى مناصب شريفة كالرئاسة على مدرسة الحكمة والنيابة الأسقفية. له تآليف عديدة نشرت بالطبع كتعريبه لتفسير رسائل مار بولس وكتاب قداسة الكاهن واعترافات مار اوغسطين وتأملات الوردية ومن آثاره النثرية والشعرية كثير مما نشرناه في مجلة المشرق ثم جمعه في كتاب دعاه (نفثات القلم على يد العلم).
وفي تلك السنة عينها توفي في 18 شباط 1917 كاهن ماروني آخر كانت طائفته توسمت فيه الخير وهي تنتظر منه خدما جلى الخوري (لويس دريان) مولود بيروت سنة 1879. كان درس العلوم في جامعة لوفان الشهيرة فنال شهادتي الدكتورية في الفلسفة واللاهوت. ولما عاد إلى وطنه أحب أن ينفق عليه كنز علومه فنشر سنة 1906 كتابا في الفلسفة التوماوية بين فيه فضل القديس توما الاكويني في علمي الفلسفة واللاهوت. ونشر بعض المواعظ التي ألقاها في كنيسة مار مارون تحت عنوان (الاعتقاد تجاه العقل والدين). وعرب للفلكي الأب مورو كتاب (من أين جئنا) وللاجتماعي جول ليمتر كتابه (تهذيب الإرادة) ونشر في مطبعته المعروفة بمطبعة النهضة تآليف أدبية شتى وخصوصا مجلته (الرسالة) والمحاسن الروائية.

(1/410)


وفي زمن الحرب رزنت الطائفة اللاتينية في القدس الشريف بأحد كهنتها الإجلاء (دون خليل مرتا) الذي تخرج في مدرستنا الاكليريكية في غزير وانتدبه السيد البطريرك إلى تهذيب التلامذة المترشحين للكهنوت في القدس فخدمهم سنين طويلة وقد ألف لتدريسهم كتابه الخلاصة الجليلة في قواعد اللغة العربية في جزأين ونشرنا له في المشرق مقالات لغوية وتاريخية وانتقادية غاية في الحسن والدقة. وكان المذكور ضليعا أيضا بعلم الآثار فشر بالفرنسوية والإيطالية كتبا حسنة منها كتابه عن دار بيلاطس وعن موقع بيت أيل ومكان وفاة مريم العذراء والتحفة الكريمة في الجمعة العظيمة.
وفي هذه الحقبة الثانية خسرت رسالتنا السورية بعض مرسليها العاملين الذين تركوا آثارا طيبة من قلمهم. نخص منهم بالذكر الأب (أنطون رباط) الذي كانت تبنى عليه آمال طيبة لخدمة الآداب والوطن فاستأثر به الله في 11 أيار سنة 1913 وهو لم يتجاوز السادسة والأربعين من عمره ومع قصر حياته أمكنه أن ينشر قسما حسنا من الآثار التي كان جمعها في خزائن أوربة. فمن ذلك مجلدان في عدة أجزاء نشر فيها آثار تاريخية جليلة عن كنائس الشرق منذ القرن السادس عشر. ومن مطبوعاته الممتعة روايته التمثيلية البديعة في نكبة البرامكة ومقالاته عن صحة الأناجيل المقدسة وسلامتها من كل تحريف وعدة آثار تاريخية قديمة كرحلة أول شرقي إلى أميركة وترجمتي الأسقفين ناوفيطس نصري وعبد الله قرأ ألي وقد ترك مخطوطات لم يسمح له الوقت بنشرها.
وفي الجمعة الأولى من الحرب العمومية في آب 1914 أصيبت رسالتنا بفقد كاهن آخر ترأس على كليتنا في بيروت مدة سبع سنين وهو الأب (جبرائيل أده) الذي توفي في القاهرة وهو ساع في لقاء مواعظ رياضة روحية هناك. كان خدم سنين طويلة الآداب العربية بالتدريس والتأليف. تكرر مرارا طبع كتابه القواعد الجلية في علم العربية. ولم يذخر وسعا في تعزيز اللغة العربية بين الناشئة.

(1/411)


وانتقل أيضا إلى جوار ربه في زمن الحرب في غزير الأب (أدوار سازاني) في غرة شباط سنة 1916. خدم الآداب الدينية بتعريب بعض الكتب التقوية في العبادة نحو مريم وفي حب يسوع المستقيم.
وفي 28 أيلول من تلك السنة قتل في الحرب الكونية بينما كان يتفانى في ساحة الوغى بعلاج الجرحى الأب (فردريك بوفيه) الذي كان علم الآداب والبيان في كليتنا وعني بجمع تاريخ مطول لسورية من عهد الفتح الروماني إلى زماننا فطبعه على الحجر بالفرنسوية في نيف و600 صفحة. ونشر في مجلة الشرق المسيحي تاريخ الشام على عهد الدولة الطولونية وكان المذكور ضليعا بعلوم الأديان.
وقبل ختام السنة عينها في 16 ك1 1916 قضى نخبه في عين ابل في بلاد البشارة الأب (يوسف حواء) الحلبي الأصل. ولد سنة 1851 وتقلب في عدة وظائف مدنية في لندن ثم ترهب سنة 1882 واشتغل بالأعمال الرسولية مدة سنين عديدة في رسالتنا السورية. نشر في مطبعتنا معجما ضخما في اللغتين العربية والإنكليزية.
وفي السنة التالية في 4 أيار 1917 توفي في مستشفى الراهبات الألمانيات الأب (دونا فرنيه) المعروف بالأب عطاء الله المولود في فرنسة سنة 1836 خدم الآداب العربية بتأليف واسع في أصول اللغة العربية وألف ترجمة القديسة جان درك وعرب كتاب الاقتداء بالمسيح، وله تآليف شرقية مخطوطة في مكتبتنا بالعربية والإفرنسية.
وفي 23 من الشهر والسنة ذاتهما توفى الله مرسى آخر من الرهبانية الإفرنسيسية في حريصا الطيب الذكر الأب (فرنسيس فرا) الحلبي نشر في مطبعة القدس تآليف دينية حسنة كالروضة الروحية وتعريب فصيح للاقتداء بالمسيح وغير ذلك.
وفي 2 نيسان من العام المقبل 1918 منيت أيضا رسالتنا بوفاة أحد عملتها النشيطين الواسعي الفضل الأب (لويس رنزفال) مات في رومية بعد نفيه من سورية بسبب الحرب.

(1/412)


أدى العلوم الشرقية خدما جمة بالتعليم والتأليف في فنون مختلفة. وقد تولى إدارة مجموعة مكتبنا الشرقي. له فيها عدة آثار لغوية وفنية وقد نشر في المشرق رسالة الدكتور مشاقة في الموسيقى العربية ثم نقلها إلى الافرنسية وذيلها بالحواشي. وقد كتب في أبحاث متعددة عن اللغات اليونانية والتركية في مجلة باريس الآسيوية ونشر رسالته من كتب الدروز مع الأب يوسف خليل وله في المشرق عدة مقالات فلسفية وتاريخية وأدبية.
فترى أن علية الأكليروس وكهنة الطوائف الشرقية والمرسلين كانوا ماشين مع المواطنين في مصاف جيش الآداب ناشرين لواء العلوم والمعارف.

أدباء النصارى العلمانيون
تقدم عليهم بعض الذين فاتنا ذكرهم في الحقبة الأولى تتمة للفائدة. منهم الأديب المرسوم (حبيب أنطون السلموني) المولود في بيروت سنة 1860 تلقى العلوم في مدرسة الروم الكاثوليك وفي كلية القديس يوسف ثم هاجر إلى أوربة وساح في جهات العجم والهند ثم استقر في لندن وتعين كأستاذ العربية في جامعتها وصار عضوا في جمعيتها الملكية الشرقية وطبع هناك معجما إنكليزيا عربيا. كانت وفاته في 23 ت2 1904.

(1/413)


وممن ترجمه الأستاذ عيسى أفندي اسكندر المعلوف في كتابه دواني القطوف (ص610 - 624) الدكتور (اسكندر بك رزق الله) الطبيب الشهير المولود في المحيدثة (المتن) في 12 شباط 1860 والمتوفى في بيروت وتلقى العلوم الطبية في القصر العيني في مصر ثم فرنسة وتعين في الثغر طبيبا لمستشفى القديس جاورجيوس فجرى في تنظيمه على نمط المستشفيات الأوربية العصرية. وكان المذكور أحد المولعين بدرس العربية وفنونها فأقيم قبل انقطاعه للطبابة أستاذا لها في المدرسة السورية ورئيسا لقلم التحريرات العربية في ديوان الروم البطريركي ونظم القصائد والألحان الغنائية والمقطعات وسكن مدة مصر ورفع إلى الخديوي إسماعيل باشا قصيدة بليغة أعجب بذكاء ناظمها وأراد أن يثيبه عنها بمبلغ من المال فأبى قبوله بلطف قائلا: (أنا يا مولانا طالب علم لا طالب مال) وكان ذلك سبب لدخوله في مدرسة القصر العيني قبل رحلته إلى فرنسة. ومدح ناظر المعارف في مصر علي إبراهيم باشا وهنأه بالعيد بقصيدة غراء أولها:
دع التشبب بالغادات واعتزل ذكر الغوافي وجانب جانب الغزل
وختمه بهذا التاريخ:
ختام ما أحسنت قولا نؤرخه العيد يعلو بأنوار الخليل علي
(1281ه).
وللدكتور رزق الله رسالات بليغة منمقة ومقالات عديدة منها طبية ومنها أدبية في المجلات الوطنية والأجنبية في كلتا اللغتين العربية والافرنسية. وقد جمعت أقوال الجرائد أو مراثي الشعراء في مدحه بعد موته في كراسة عنوانها نوح الحمام صدرها الشاعر المجيد الياس أفندي الحنيكاتي بهذين البيتين تحت رسمه:
قالوا: أطلت من التأسف والبكا هل ذا النطاسي عادم الأشباه
فأجبتهم: ما كل رزق في الملا يبكى عليه نظير رزق الله

(1/414)


وفي 16 آب من السنة 1906 فقد الأدب أحد الشعراء الوطنيين سليل عائلة الشدياق (بشارة الشدياق) كان ابن أخي أحمد فارس الشدياق صاحب الجوائب ونشر في جريدة عمه فصولا شائقة. وكان المذكور عريقا في دينه له في جريدة البشير مقالات دينية وأدبية.
ومن آثاره ديوان شعر مخطوط نصونه في مكتبتنا الشرقية جمعه سنة 1888. دونك مثالا من نظمه قال في وصف الحسود:
إن الحسود مدى الأيام يمقت من نال السعادة حتى منتهى الأبد
وكل داء له طب يصح به أما الحسود فلا يشفى من الحسد
داء خبيث ترى ماذا يؤمله ذاك اللئيم سوى الاكدار والكمد
فبئس حاسد توفيق بلا أمل يموت من جهله بالذل والحقد
ومن قوله في رثاء المطران طوبيا عون رئيس أساقفة بيروت:
قد كان طوبيا ذا بر وذا عمل سام وفضل له في الناس مشهود
كم بات يرعى خرافا ظل يرشدها إلى حقيقة إيمان وتسديد
نعم وقد كان عونا للأنام ومن قد أمه قد نال من فضل وتأييد
فهو لعمري الذي كانت شمائله م الغراء شائعة في السهل والبيد
بكته بيروت حزنا والدموع على فقدانه عندم من قلب صيخود
قد مات في جمعة الآلام وا أسفي بفقده قد حرمنا بهجة العيد
ضاقت بنا الأرض من غم ومن كدر ومن مصاب ومن نحب وتنهيد
هيهات يطفى لهيب أو يحول بكا ما دام آماقنا قرحى بتشديد
وفي السنة التالية 1907 وقعت وفاة ابن عم بشارة (سليم الشدياق) كانت وفاته في سان ريمو. أخذ سليم الآداب عن أبيه ثم صار يساعده في تحرير الجوائب في الآستانة له فيها عدة مقالات. وعني بنشر بعض تأليفه.

(1/415)


وفي 20 أيار السنة 1906 توفي في بيروت عن ثمانين عاما الرياضي والطبيعي العلوم المعلم (الشدودي). كان مولده في عاليه سنة 1826 ودرس في مدرسة أعبيه فنبغ أسعد في الرياضية بين تلامذتها ثم دعي بعد انتهائه من درسها إلى تعليمها في عدة مدارس ثم في الكلية الأميركية سنة 1867 ونشر سنة 1873 كتابه العروسة البديعة في علم الطبيعة.
وكان يحسن الكتابة ويجيد الإنشاء دون تكلف. وله شعر رائق تفنن فيه منه حكمي ومنه هزلي. ولدينا أرجوزته التي نظم بها أمثال سليمان الحكيم نظما سهلا قريب المأخذ دونك مثالا منه:
مخافة القدير رأس الحكمة فمن حواها حاز كل نعمة
بالحكمة الجهال تستهين لكن بها الحكيم يستعين
يا ابن إذا أغراك أهل الشر للسير في طريقهم لا تجر
ومنها وصف الحكمة عن لسانها:
لي الرأي لي الشورى أنا الفهم الذكي وبي القوى ولي قديم المسلك
بي تملك الملوك والولاة وفي القضاء تعدل القضاة
قد كنت منذ البدء قنية العلي مسحت في القديم منذ الأزل

(1/416)


وفي السنة 1907 في غرة شباط توفي المرحوم (سليم الياس كساب) أبصر النور في دمشق سنة 1841 تعلم في مدرسة طائفته الأورثذكسية فأخذ عن أحد مشاهيرها الخوري يوسف الحداد ثم انتدبه المرسلون الإنكليز والأميركان إلى التعليم في مدارسهم في جهات لبنان وهو الذي أنشأ في بيروت المدرسة الوطنية الأورثذكسية. ثم طلبت إليه السيدة مس طومسن التي قدمت إلى سوريا بعد السنة 1860 أن يعلمها العربية ثم يساعدها في مشروعها التي حاولته وهو تأسيس مدارس سورية إنكليزية في أنحاء سورية فوجدت فيه خير أستاذ ومساعد وبقي في خدمة تلك السيدة وتولى نظارة المدارس المختلفة التي أنشأتها. وكان ينصب في الوقت عينه على المطالعة والتأليف فنشر كتاب الدرة الفريدة في الدروس المفيدة في قسمين وكتاب قلادة النحو في غرائب البر والبحر. واشترك مع الأديب جرجس همام في تأليف كتاب الكنوز الأبريزية في اللغتين العربية والإنكليزية وله مقالات أخرى وخطب دينية ورسائل شتى.
وفي السنة التالية في 9 ت1 1907 نعي إلينا أحد رجال الفضل والأدب المعلم (حنا عورا) المولود في عكا في 29 حزيران 1831. كان المذكور وقف نفسه على خدمة الحكومة العثمانية فعهدت إليه أعمال تولى تدبيرها بكل أمانة ونشاط كمديرية التحريرات ووظيفة مميز لقلم المكتوبي ومراقبة المطبوعات واشتغل بنظام جبل لبنان بعد حوادث السنة الستين.
وقد دخل أولاده في خدمة الدولة على مثاله فاستحقوا معه شكر أربابها. وتوفي فجأة في بيروت في 28 ك2 من السنة 1908 اللبناني الأديب (فارس بك شقير) كان تهذب بالعلوم العصرية وتولى في لبنان مأموريات شتى منها منصب القائمقامية في الكورة وكان شاعرا وكاتبا ونشرت له آثار حسنة من قلمه في الصحائف الوطنية. وهو أخو شاكر شقير السابق ذكره.

(1/417)


وبعد إعلان الدستور العثماني بزمن قليل ودع الحياة أحد أساتذة الكلية الأميركية (يوحنا ورتبات) في 22 ت2 1908 عن ثمانين عاما. كان أصله من الأرمن فنزحت عائلته إلى سورية ودانت بالمذهب البروتستاني. وكانت مولد يوحنا في حلب سنة 1827 ثم دخل في خدمة المرسلين الأميركان فتعلم وعلم في مدارسهم ثم دفعوه إلى درس الطب وأرسلوه إلى إنكلترا وإلى أميركة فأتقن فيهما العلوم الطبية والجراحية وتعاطاهما ودرسهما وألف فيهما التآليف الواسعة كحفظ الصحة والفسيولوجيا ومبادئ التشريح وأصول التشريح. وقد نشر في المقتطف والمقتبس مقالات عديدة وكتب في الإنكليزية عن أديان سورية ونشر مع ابنه قاموسا إنكليزيا عربيا ومع الدكتور بورتر قاموسا عربيا إنكليزيا. وكان الدكتور ورتبات درس العربية على الشيخ ناصيف اليازجي فأتقنها وبها علم طلبته إلى السنة 1886 حيث غيرت المدرسة الأميركية خطتها في لغة التدريس فجعلتها الإنكليزية عوضا عن العربية فاستعفى الدكتوران ورتبات وفان ديك ولازما بيتهما.
في غرة حزيران من السنة 1910 فقدت مجلة المقتطف أحد أركانها الثلاثة الذين باشروا إنشاءها في بيروت سنة 1876 أعني به (شاهين مكاريوس) ولد في جهات مرج عيون سنة 1852 وتعلم فيها القراءة والكتابة ثم دخل كعامل في مطبعة الوطن في بيروت وثابر على المطالعة وتمرن على الكتابة ونظم الشعر فبرع فيهما ثم انقطع مع زميليه يعقوب صروف وفارس نمر إلى خدمة مجلة المقتطف فأدى لها باجتهاده وثباته أجل الخدم ونشر فيها مقالات مختلفة. وقد أولع المذكور بخدمة الماسونية حتى أصبح أحد أقطابها في سورية ومصر وقد بينا في كتابنا (السر المصون في شيعة الفرمسون) ما ألفه فيها من التآليف المتعددة مموها على قرائه راجيا أن يبيض الحبشي ويزكي أبناء الأرملة مما تقرر عنهم في كافة البلاد بخصوص مناهضة الأديان ونفخ روح الثورة.

(1/418)


وتوفي في 24 آذار من السنة 1910 الدكتور (الياس بك مطر) المولود في حاصبيا سنة 1857 والمتخرج في بيروت في مدرستي الثلاثة الأقمار والبطريركية ثم في الكلية الأميركية فدرس الصيدلية ونال شهادتها في الآستانة ثم أضاف إليها هناك درس الطب واتخذه الوزير الشهير جودت بك معلما لابنه علي سداد ثم استصحبه إلى دمشق لما جاء واليا على الشام فعينه طبيبا للبلدية ودرس الشرع هناك في مكتب الحقوق والشرائع الدولية فاصبح من الأدباء الممتازين وكان يتقن التركية والافرنسية والإنكليزية. ونشر في العربية كتابه تاريخ سوريا سنة 1874 ثم شرح مجلة الحقوق بالعربية والتركية فظهرت مدة خمس سنوات. وله أيضا كتاب حسن في علم حفظ الصحة.
وفي هذه السنة عينها في شهر تشرين الأول توفي في دلبتا المرحوم (الياس باسيل فرج) الذي خدم زمنا طويلا مطبعة الآباء الفرنسيسيين في القدس الشريف بصفة ناظر ومصحح مطبوعات. ونشر فيها من قلمه بعض الآثار النثرية والشعرية.
خسرت الدولة المصرية في 17 أيار سنة 1911 أحد عمالها الكبار (جرجس بك حنين). ولد في الفيوم ثم درس في مدارس المرسلين الأميركيين ودخل في خدمة الحكومة في دواوينها المالية والإدارية وهو في أثناء العمل يهتم بتوسيع دائرة مداركه ومراقبة أحوال وطنه الزراعية والمالية والعمرانية حتى أصبح من أقدر رجاله في التدبير والسياسة. ووضع في ذلك كتبا نفيسة ألفتت إليها نظر أرباب الدولة فاتخذوها حجة في بابها منها كتابه الشهير (الأطيان والضرائب في القطر المصري) ومجموعة (قوانين الأموال المقررة ولوائحها) وخطابه (في الضرائب العقارية). وكان المذكور أحد الساعين إلى إصلاح ملته القبطية والمولعين بدرس لغتها وتاريخها.

(1/419)


ومن موتى السنة 1911 في 22 نيسان الكاتب الضليع (نجيب إبراهيم طراد) الذي ولد في بيروت سنة 1860 ودرس بضع سنوات في مدرستنا الكلية ثم انس من نفسه قدرة على الكتابة فتقلب في محلات في بيروت ومصر ونشر مقالات حسنة في جرائدهما وأنشأ جريدة الرقيب في الإسكندرية فلم تنل رواجا فلزم العزلة في وطنه واشتغل بالكتابة فصنف عدة تآليف منها تاريخ الرومانيين وتاريخ الدولة الرومانية الشرقية وتاريخ مكدونيا وعرب بعض الروايات نأخذ عليه من جملتها تعريبه لرواية اليهودي التائه المشحونة كذبا وافتراء في حق من تخرج عليهم.
وبعد نجيب إبراهيم بسنتين في 7 حزيران 1913 أصيب آل طراد بفقد أحد أعيانهم (الياس جرجس طراد) ولد في بيروت سنة 1859 ودرس في المدرسة الوطنية البستانية ثم تعاطى التعليم والمحاماة وصار عضوا في محكمتي البداية والاستئناف ودخل الجمعية العلمية السورية وساعد الجمعيات الخيرية وخطب في النوادي الوطنية. وله آثار كتابية حسنة كتعريب عدة روايات تمثيلية وفصول عديدة في القوانين والنظامات وفي السياسة
والعمران نشرها في صحف الآستانة وسورية ومصر وصنف ترجمانا في اللغتين الإنكليزية والعربية. وله أرجوزتان في الفرائض والجزاء. وقد جمع مآثره جناب الأديب جرجي نقولا باز في مجلد واسع قدم عليه ترجمة حياته وضمنه كثيرا من شعره الطيب. فمن لطيف أقواله ما وصف به غضب النساء
غضب المرأة صعب سادتي دونه كل عناء وألم
كل ما قالته صدقا كان أم خطأ قالت لها الناس: نعم
لم يعد أمر ولا حكم لهم فهي الآمر فيهم والحكيم
قل لمن خالف آراء لها: أنت خالفت شعوبا وأمم
عد وإلا صوبت ألحاظها أسهما ترميك عن قوس النقم
وقال في ملامة الجهال وطعنهم في العقلاء:
إن مقال الطعن من جاهل لا يجلب الغم لأهل النظر
كذلك الأحجار لا يرتمي بها سوى الأشجار ذات الثمر
وقال بمعناه:
إذا رأينا حجرا أصاب كأس الذهب

(1/420)


فلا يزيد قدره وقدرها لم يذهب
وفي أوائل السنة 1912 في 9 كانون الثاني توفي الصحافي الشهير (سليم عباس الشلفون). ولد في بيروت سنة 1853 وتعلم في مدرسة الآباء اليسوعيين في حي الصيفي وأحكم فيها أصول اللغتين العربية والافرنسية ثم لازم الشيخ إبراهيم اليازجي بضع سنوات فأتقن الكتابة نثرا ونظما ثم اشتغل مع نسيبه يوسف الشلفون وحرر فصولا في جريدة النجاح ووقف مذ ذاك حياته على الصحافة فقضى معظم أيامه في خدمتها في بضع عشرات من الجرائد في بيروت كثمرات الفنون والتقدم والمصباح وبيروت ولسان الحال وفي الإسكندرية ومصر كالعصر الجديد والمحروسة. وسافر إلى الآستانة ونال رضى أرباب الدولة العثمانية وكان لمقالاته السياسية وقع عظيم فأثارت عليه غضب الحكومة المصرية فنجا بنفسه منها هاربا وفي 18 آب سنة 1912 فقدت الآداب العربية أحد أنصارها (الشيخ سعيد الخوري الشرتوني) توفاه الله عن 63 سنة في ضواحي بيروت في الطيونة. كان مولده في شرتون من قضاء الشوف (لبنان) درس أولا في مدرستي أعبية الأميركية وسوق الغرب الإنكليزية وبعد أن حصل على مبادئ اللغة والأدب صرف همته إلى المطالعة والدرس الخاص فبلغ بهما مبلغا حسنا حتى انتدبته مدرسة عين تراز إلى تعليم العربية. ثم درس في مدرسة الروم الكاثوليك في دمشق ثم في مدرسة الحكمة والمدرسة البطريركية في بيروت ولم يزل مذ ذاك الحين يضاعف جهده في إتقان الفنون الأدبية حتى برع فيها. ولما فتح اليسوعيون كليتهم اتخذوه كأستاذ لتلامذتهم وكمساعد لتصحيح ونشر مطبوعاتهم فقضى في تينك المهنتين أكثر من عشرين سنة ولم يدعهما إلا للقيام بأمور بيته. ولم يزل مع ذلك يكتب ويصنف حتى أواخر حياته. وكان باكورة مصنفاته انتقاده على كتاب غنية الطالب ومنية الراغب لأحمد فارس الشدياق. ومن أكبر مؤلفاته قاموس أقرب الموارد في ثلاثة مجلدات والشهاب الثاقب في المراسلات والغصن الرطيب في الخطاب والمعين في تمرين

(1/421)


الأحداث على الإنشاء ومطالع الأضواء في منهاج الشعراء ونجدة اليراع في اللغة وحدائق المنثور والمنظوم. وقد عني بتحشية بحث المطالب للسيد فرحات. ونشر كتبا مفيدة كنوادر أبي زيد وفصل الخطاب مع مخاطبات فنيلون وله عدة مقالات أدبية وانتقادية ومنظومات شتى في الجرائد والمجلات وقد امتاز في طول حياته بفضله وصحة دينه وفي ذات شهر آب من العام 1912 توفي أديب آخر (الشيخ أمين الحداد) شقيق الشيخ نجيب الحداد. ولد الشيخ أمين في بيروت سنة 1870 وهو ابن سليمان الحداد وحنة ابنة الشيخ العلامة ناصيف اليازجي فنشأ في مهد الأدب وجرى على مثال أسرته في العربية وسار إلى مصر وحرر مع أخيه الشيخ نجيب جريدة لسان العرب اليومية ثم تولى إنشاء مجلات وجرائد غيرها كأنيس الجليس والسلام والجامعة العثمانية والبصير إلى أن أصيب بداء الكبد فعاد إلى بيروت يطلب الشفاء فثقلت عليه وطأة الداء حتى ذهبت بحياته.
وللشيخ أمين مقالات أدبية في الضياء ومجلات أخرى. وكان شاعرا مجيدا فجمع شعره وطبع في الإسكندرية. ومن ظريف قوله في خزان أسوان:
وما أنت خزان المياه وطميها وإبليزها بل خازن الدر والتبر
تدفقت بالخيرات من كل جانب وجمعت أقطار المنافع في قطر
وقال يقابل بين أمانة الكلب وغدر كثيرين من الناس.
نرى الكلب ما أن عض أذن نظيره ونحن نهشنا بعضنا نظراء
ويا عجبا للكلب زاد مودة على حين زاد العالمون جفاء
أقام مع الإنسان منذ نشوئه يرافقه أنى مضى وتناءى
تعلم منا كل شيء مطاوعا سوى الغدر يعصيه تقى وإباء
إذا ما رآنا خائنين وفى وإن رآنا نزيد الغدر زاد ولاء

(1/422)


وقد اشتهر قبل الشيخ أمين أبوه (الشيخ سليمان الحداد) وأخوه (الشيخ نجيب) فنلحقهما بالشيخ أمين. فالشيخ سليمان هو ابن نجم الحداد ولد في كفر شيما وهاجر إلى مصر فتعاطى فيها التجارة وكان شاعرا محسنا طبع ديوان شعره (قلادة العصر) سنة 1891 في الإسكندرية. فمن قوله رثاؤه للبرنس نابليون ابن نابليون الثالث الذي قتل في محاربة الزولوس مع الإنكليز:
الدمع بعدك في العيون قليل إذ أنفقوه عليك وهو يسيل
لا يدع أن يبكيك شعب ماجد فيه لنابليون أنت سليل
يا تارك المجد الاثيل بأمة في حال يتم يعتريه ذبول
لك مأتم كل البسيطة داره تبكي به وفؤادها متبول
تبكيك كل العالمين كأنما لك كل شعب في الأنام خليل
طعنوا وما علموا بأن طعينهم عين الزمان وهم لديه نزول
يبقى بلندن ذكر مجدك خالدا أبدا ومن باريس ليس يزول
ولم نقف على تاريخ وفاة الشيخ سليمان ولعله تخلف عن وفاة والديه.
أما (الشيخ نجيب) فانه أصاب بنثره وشعره فخرا بلغ به مبلغ الأدباء اليازجيين. ولد في بيروت سنة 1867 وهاجر إلى مصر مع أهله سنة 1873 فتعلم هناك في مدرسة الفرير ثم عاد إلى بيروت فتخرج على خاليه الشيخين إبراهيم وخليل اليازجي وجرى على آثارهما. وأخذ ينظم الشعر مع حداثة سنه ثم استدعي إلى الإسكندرية فكتب في جريدة الأهرام المقالات المستحسنة مع عدة روايات تمثيلية أحرز بها سمعة واسعة. ثم أنشأ جريدة لسان العرب اليومية وحولها بعد مدة إلى مجلة. وقد امتاز بين أدباء زمانه بالتعريب وتأليف الروايات. وشعره من أفضل ما نظمه الشعراء العصريون. وقد روينا له سابقا قصيدته في القمار وفي حريق سوق الشفقة في باريس سنة 1897. وقد طبع ديوانه مرتين في بعبدا سنة 1906 ثم في الإسكندرية بعد وفاته في السنة 1899. دونك مثالا من نظمه قال وقد اقترحت عليه الحكومة المصرية نظم أبيات تكتب على محطة القاهرة:

(1/423)


يا حسن عصر بعباس العلى ابتسما حتى الحديد غدا ثغرا له وفما
طرائق في ضواحي القطر تبلغنا أقصى البلاد ولم ننقل بها قدما
مصر كصفحة قرطاس بتربتها غدا القطار عليها الخط والقلما
أرض بها كان من خصب النيل منتثرا حتى أتاها قطار النار فانتظما
لنا غنى عن قطار السحب منسجما ولا غنى عن قطار النار مضطرما
يجري بها الرزق في جسم البلاد كما يجري دم في عروق الجسم منتظما
محطة هي قلب والخطوط بدت مثل الشرايين فيها والقطار دما
مع السلامة يا من سار مرتحلا عنا وأهلا وسهلا بالذي قدما
ومن أدباء النصارى المتوفين في السنة 1913 في 8 شباط منها الأستاذ شاهين عطية اللبناني المولود في سوق الغرب سنة 1835 درس في قريته مبادئ اللغة ثم انتقل إلى بيروت فتعلم فيها العلوم اللسانية والمنطقية على الشيخ ناصيف اليازجي والشيخ يوسف الأسير.
ثم انقطع إلى التدريس في مدرسة الروم الاورثذكس المعروفة بالثلثة الأقمار سنين طويلة. وتولى تدريس طلبة الكهنوت فتخرج عليه غبطة بطريرك الروم الحالي وعدة أساقفة. وانتدبته الجمعية الفلسطينية إلى تعليم العربية في مدرسة بيت جالا فخدمها 13 سنة وهو لا يزال يثابر على درس العربية ونوادرها وآدابها فنشر ديوان ابن تمام مع بعض تعليقات عليه وكذلك شرح رسائل أبي العلاء المعري شرحا خفيفا قبل أن يتوسع فيه أستاذ العربية في جامعة أوكسفرد العلامة مرغوليوث. ونقح بعض المطبوعات وأنشأ الروايات التمثيلية كعاقبة سوء التربية وحكم سليمان. وقد جرى على مثاله ابنه الأديب جرجي أفندي صاحب نسمات الصبا في منظومات الصبا.

(1/424)


وفي السنة 1913 في 7 نيسان توفي أحد وجوه أسرة سرسق الكريمة (جرجي بك دمتري سرسق) ترجمان قنصلية ألمانيا ورئيس الأحرار الماسونيين في بيروت والجاري على سننهم المتطرفة بازاء الدين وأربابه. كان مولده في السنة 1852 وتلقى علومه في المدرسة الوطنية وفي مدرستنا البيروتية القديمة وأتقن العربية على الشيخ ناصيف اليازجي وساعده علمه باللغات الفرنسوية والإنكليزية والألمانية على الاختلاط بوجوه الأوربيين. ومما خدم به الآداب العربية طبعه سنة 1876 لتأليفه تاريخ اليونان عربه عن المؤرخ دوروي الفرنساوي مع بعض إضافات ووضع كتابا في التعليم الأدبي ضاربا الصفح عن التعليم الديني وله مقالات أدبية وتاريخية شتى في جرائد مصر وبيروت ومجلاتهما.
وفي هذه السنة أيضا في 7 آذار 1913 توفي في القدس الشريف الأديب (هبة الله صروف) المولود سنة 1839 في دير البلمند حيث كان أبوه الخوري سبيريديون معلما. درس أولا على أبيه ثم تخرج في مدرستي الروم الأورثذكس في دمشق ثم في القدس الشريف في مدرستها المعروفة بالصلبة. ثم خدم طائفته خدما مشكورة وزار دير طورسينا وتفقد مخطوطاته سنة 1870 ثم أنيط إليه تصحيح المطبوعات العربية في القدس بدعوة البطريرك داميانوس سنة 1899 وبقي هناك إلى سنة وفاته. ومن آثاره كتب دينية كسير بعض القديسين منها سرة القديسين برفيريوس أسقف غزة ويوحنا الكوخي والكسيوس وكتاب الفريضة السنية في الواجبات الكهنوتية. ونشر مواعظ والده تحت عنوان الروض الداني القطوف. وله جغرافية فلسطين ومناهج القراءة.
وفي أيار من السنة المذكورة 1913 فقدت الصحافة العربية رجلا من أساطينها (سليم باشا الحموي) المولود من أسرة أرثوذكسية في دمشق سنة 1843 وفيها تلقن مبادئ العلوم.

(1/425)


ولما هاجر مع عائلته إلى القطر المصري أنشأ في الإسكندرية مع أخيه عبد الله أول جريدة يومية سياسة سنة 1873 أشتهر بالكوكب الشرقي. وألحقها بجريدة (الإسكندرية) ثم بجريدة الفلاح التي انتشرت انتشارا واسعا وخولته الحكومة المصرية بسببه رتبة الباشوية ومنحته أوسمة مختلفة من آثاره الأدبية كتابه المعنون ترجمان العصر عن تقدم مصر نشره سنة 1874.
وأشهر الأدباء الذين غادروا هذه الفانية سنة 1914 رصيفنا (جرجي بك زيدان) ولد في بيروت في أواسط كانون الأول سنة 1861 ودرس في مدرسة طائفته المعروفة بالثلاثة الأقمار. ولما فتحت الكلية الأمريكية مدرستها الطبية كان بين أول الطلبة الذين انتظموا فيها وقد نشر عليه ابنه في الهلال خبر ما حدث في المدرسة من المنازعات التي كان فيها نصيب وافر ثم ما حصل بين المعلمين من الانقسام بسبب تعليم الإنكليزية بدلا من العربية.
على أنه لم يهمل دروسه الطبية حتى نال شهادة المأذونية فيها. ثم أنتقل إلى مصر سنة 1882 وحرر مدة في جريدة الزمان المصرية ثم رافق الحملة الإنكليزية على السودان بقيادة غوردون باشا فقاسى فيها مدة 14 شهرا ضروب الأتعاب ولقي أصناف الأخطار حتى نجا من أهوال تلك الحرب في أوائل السنة 1885. فعاد إلى بيروت وصرف فيها سنة يشتغل مع أعضاء المجمع العلمي الشرقي ونشر إذ ذاك كتابه الألفاظ العربية والفلسفة

(1/426)


اللغوية. ثم سنحت له الفرصة للسفر إلى إنكلترا فأكمل في لندن دروسه الطبية واجتمع بمشاهير المستشرقين وتردد على المتحف البريطاني. ثم عاد إلى مصر وزاول الكتابة والتعليم في مدرسة الأورثذكس الكبرى. ثم انتدبته مجلة المقتطف ليكتب فيها فنشر عدة مقالات مستحسنة حتى أمكنه من إنشاء مطبعة على حسابه أخذ تنشر فيها مجلته الهلال الشهيرة في تشرين الأول من السنة 1891 فلم يزل يديرها وينشئ مقالاتها إلى سنة وفاته. وله فيها سلسلة روايات تاريخية تكرر طبعها ونقلت إلى لغات شتى. ومن تأليفه التي أقبل عليها الجمهور لفوائدها كتاب تاريخ آداب اللغة العربية وتاريخ التمدن الإسلامي وتاريخ العرب قبل الإسلام وتاريخ مصر وجغرافيتها ومختصر تاريخ اليونان والرومان وتاريخ إنكلترا وأنساب العرب القدماء وطبقات الأمم وعجائب الخلق. ومما لم نستحبه له كتاب علم الفراسة الحديث مع ما فيه من الأوهام والخياليات. وأقبح منه تاريخ الماسونية العام الذي ذهب فيه إلى مذاهب صبيانية خرافية أعتبرها كحقائق راهنة. على إننا لا ننكر انه كان أحد أركان النهضة الأدبية الجديدة في الشرق الأدنى.

(1/427)


ومنذ انتشبت الحرب الكونية أصيبت الآداب العربية بعدد عديد من أدبائها النصارى الأفاضل. وأول من نعي إلينا المرحوم (عطية بك وهبي القبطي) المولود سنة 1868 والمتوفى في 26 ت2 1914 درس في المدارس الأميركانية والوطنية ثم أشتغل بدرس علم الحقوق في المدرسة الفرنساوية بالقاهرة ونال في باريس إجازة الملفنة. ثم ساح في البلاد الأوربية وحرر أخبار سياحته ثم كتب الفصول الحسنة في جرائد أوربة ومصر عن الأبحاث الفقهية والاقتصادية. وألقى في مؤتمر الآثار الدولي في مصر سنة 1909 محاضرات نفيسة في الفنون القبطية وتولى رئاسة مدارس ملته وعني بأمورها الأدبية وبنشر مآثرها التاريخية. وقد جمع أحد مواطنيه راغب اسكندر الحامي آثاره ومقالاته وخطبه فنشرها سنة 1915 تحت عنوان (الأثر الذهبي للمرحوم عطية بك وهبي) وكان سبقه إلى الأبدية أديب آخر من ملته (عبد السيد ميخائيل القبطي) منشئ جريدة الوطن في مصر سنة 1877 وصاحب تآليف حسنة في مواضيع أدبية منها كتابه سلوان الشجي انتصر فيه لصاحب الجوائب على الشيخ اليازجي. ومن مآثره رد سريع على كتاب إظهار الحق. توفي في 26 أيار 1914 وكان مولده سنة 1860

(1/428)


وفي السنة 1915 في 19 أيار فجعت أسرة سركيس بوفاة أحد أعيانها (خليل سركيس) الذي له في خدمة الآداب العربية نصيب واف سواء كان في إنشائه لمطبعته الأدبية أم في تحريره لجريدة لسان الحال التي نال امتيازها سنة 1875 فزينها بمقالاته السياسية والأدبية أو أيضا بتآليفه المدرسية والأدبية والتاريخية كسلاسل القراءة وتاريخ القدس الشريف وكتاب العادات ورحلة إمبراطور ألمانية. درس المرحوم في المدارس الأميركانية وعدل إلى مذهب أصحابها. كان مولده في أعبيه في 22 ك2 1842 ومن مناعي أرباب القلم في أيام الحرب الشاعر المفلق (نقولا رزق الله) تخرج في الآداب بالوطن وهاجر إلى مصر واشتهر بالكتابة فأنشأ مجلة الروايات الجديدة ونقل إلى العربية كثيرا من الروايات الفرنسوية وعني بنشرها. وكان يعد بين كبار شعراء العصر وهو غزير المادة وكثير التفنن في شعره يزين نظمه بالألفاظ الحكمية والمعاني البليغة. وقد استحسنا له قوله في الشعراء الذين يفسدون شعرهم بالغايات الدنيئة قال:
ليت شعري متى أرى شعراء الشرق يوما بفضلهم أغنياء
ورثوا من تقدموهم فنالوا شر إرث مذلة وشقاء
بين هجو كالسب أو هو أدنى ومديح تعده استجداء
عودوا الذل فالكبير كبير فيهم حين يسأل الكبراء
ليس كالمال للقرائح سم حين يلهو بيعا بها وشراء
إنما الشعر للنفوس غذاء أفسدوه فصيروه هذاء
يتبع الشعر أهله فامتهانا وابتذالا أو عزة وإباء
ومن حسن أقواله لما أعلن بالدستور العثماني:
يا أيها الناس حيوا ذلك العلما وسبحوا مانح الحرية الأمما
وقبلوا البندقيات التي فضلت أقلامنا بعد ما كانت لها خدما
وظاهروا عصبة الأحرار إنهم أتوا بما أعجز الأبطال والهمما
ومنها:
وادعوا لمن بعث الدستور من جدث بكت عليه عيون العالمين دما
فقد حرمناه ظلما وانقضى زمن عليه حتى حسبناه غدا عدما

(1/429)


واليوم جرد سيف الحق صاحبه وهاجم الظلم حتى فر منهزما
تعانق الشيخ والقسيس واصطحبا من بعد ما افترقا ضدين واختصما
تعانقا في حمى الدستور واتحدا ورقرقت رأية التوحيد فوقهما...
وما أحسن قوله يصف الأوانس المحتشمات:
وفريدة لولا الخما ر حياؤها كان الخمارا
تمضي لحاجاتها ولا ترنو يمينا أو يسارا
لا سمع تلقيه إلى ما قيل سرا أو جهارا
هي واللواتي مثلها يفعلن ذاك ولا فخارا
تحسبن تارئة الوجو ه على محاسنها شنارا
أولاء ربات الفضا ئل قد رفعن له منارا
وأردف يحذر المتهتكات:
يا من تليق بها الكرا مة حاذري ذاك الصغارا
صوني جمالا طالما أولاك تيها وافتخارا
لا كان حسن فيك لم يكن العفاف له شعارا

(1/430)


ولد نقولا رزق في بيروت سنة 1869 وتوفى في القاهرة في نيسان 1915 وفي هذه السنة أيضا في 9 أيار 1915 توفى في بيروت أول من عني فيها بمهنة الكتبيين (إبراهيم صادر) باشر بهذه التجارة منذ السنة 1863 فخدمها نيفا وخمسين سنة وقرب إلى أهل بيروت عموما وغلى الناشئة خصوصا درس المطبوعات العربية ومطالعة التآليف النادرة. فقام بعده بمهنته ولداه الأديبان سليم ويوسف من خريجي مدرستنا الكلية وفي السنة ذاتها في 24 ك1 1915 نشبت المنية أظفارها في أحد رجال الفضل وهو في عز شبابه (عساف بك الكفوري) لم يتجاوز عمره 33 سنة كان قضى قسما كبيرا منها بعد خروجه من كلية زحلة الشرقية في التعليم في عدة مدارس وطنية وأجنبية. وكان كاتبا بارعا وشاعرا مجيدا له آثار حسنة في المجلات والجرائد الوطنية منها مقالات في التعليم والتاريخ والصحة وقد نظم ديوانين وكان يحسن الخطابة والتمثيل وفي العام المقبل 1916 في 2 شباط وقعت وفاة أديب آخر مستفيض السمعة (الشيخ إبراهيم الحوراني) كان مولده في حلب سنة 1844 ثم تنقل في مدن الشام كحمص ودمشق إلى أن استوطن بيروت فعلم في مدارسها بينها المدرسة البطريركية. ثم أنيطت به إدارة مجلة النشرة الأسبوعية وتولى تصحيح منشورات المطبعة الأميركية. وقد ألف أو ترجم ما يبلغ ثلاثين كتابا منها كتابه الحق اليقين في الرد على بطل دروين. وكان ابرهيم الحوراني يجيد الإنشاء نثرا ويحسن النظم شعرا وذلك دون تكلف. وقد خلف ديوانا شعريا يشهد له بطول الباع في النظم دونك أبياتا قالها في الزهد بالدنيا:
يا غافلين تنبهوا أزف السرى وحدت مطي رحيلها الركبان
وحيا إلى دار البقاء فليس في دار الفناء لعاقل أوطان
غبراؤها سوق الوغى وسماؤها فلك النحوس نجومه الأحزان
لا يسلم الجبار في حوماتها والمشتري في أفقها كيوان
حكت العباد بها الهشيم وأصليت نار المصائب فالحياة دخان

(1/431)


وفي السنة 1916 في 6 حزيران قتل ظلما بأمر جمال باشا (الشيخان فيليب وفريد الخازن) وكل يعلم ما ترك كلاهما من الآثار الأدبية الطيبة منها سياسية ومنها تاريخية دافعا بها عن استقلال لبنان وامتيازاته بوجه الأتراك دون أن يتعديا حدود القانون وأخصها مجموعة المحررات السياسية والمفاوضات الدولية التي عنيا بجمعها وتعريبها (راجع المشرق 18(1920): 391 - 392 ومفكرات هند المطبوعة في حريصا سنة 1924). ولا يجهل أحد جريدة الأرز التي أنشأاها وحرراها سنين طويلة وفي تلك السنة توفى في مستشفى دمشق الكتبي (أمين الخوري) نشر عدة كتب مدرسية وأنشأ دليلا لبيروت على صورة مجلة عنوانها الجامعة ضمنها معلومات مفيدة عن بيروت وأصدرها سبع سنين. تولى مع أخيه خليل إدارة مكتبة الآداب ثم انقطع إلى الكتابة وكان كثير التقلب قليل التروي .
في غرة العام في 1 ك2 من السنة 1917 مات فجأة (الدكتور شبلي شميل) من أسرة الشميل اللبنانية الكريمة تلقى العلوم في الكلية الأميركية في بيروت فبرع في الطب والطبيعيات إلا أنه جنح إلى الآراء الدروينية فتطرف فيها وبلغ به غلوه إلى أن أصبح من الماديين لا يرى صحة لما يتجاوز الحواس حتى أنكر وجود الخالق وخلود النفس وهو القائل وبئس القول:
فدعونا من الخلود المعني إن نرحب فبألفنا الترحيب
فلماذا هذا الثواب المرجى ولماذا هذا العقاب الرهيب؟

(1/432)


وقد بالغ في نشر آرائه الكفرية وكان لا يرى فائدة في العلوم ما خلا الطبيعيات والعلوم الوضعية وجنح لتأييدها إلى مزاعم الغلاة من الملحدين فقام كثيرين وردوا على أقواله بين أصحابه وفي 16 أيلول من السنة 1916 فجعت بيروت بأحد أساتذتها الفضلاء الشيخ (ظاهر خير الله عطايا صليبا الشويري) ولد في الشوير سنة 1831 ثم تفرغ للآداب في كهوليته فأصاب منها بجده ما لم ينله من أساتذة زمانه فنبغ ودعي للتعليم في عدة مدارس فأصبح أوحد في الرياضيات واللغويات وعلم الشريعة. وقد أبقى آثارا عديدة تنطق بفضله منها رسائل لغوية فريدة كاللمع والنواجم في اللغة والمعاجم ومنها حسابية كمدخل الطلاب في علم الحساب وكلمحة الناظر في مسك الدفاتر. وكان الفقيد شديد التمسك بدينه كما بين ذلك بردوده على مزاعم البروتستانت الباطلة في كتابيه الممتعين (الأدلة الغراء على سمو شأن مريم العذراء) ثم (تحقيق المقال في أن الخلاص بالأيمان والأعمال). وقد وقفنا له على كتاب مخطوط أثبت فيه بتولية القديس يوسف ردا على أحد أساقفة طائفته السيد الهواويني وممن فقدتهم الآداب في آخر سنوات الحرب الكونية الصيدلي والأثري الشرقي (مراد بك البارودي) توفاه الله في 15 شباط سنة 1918 كان مغرما بالآداب والآثار العربية فجمع منها قسما كبيرا من جملتها مكتبته الحاوية على عدة مئات من المخطوطات النفيسة فباعها ابنه من أغنياء الأميركيين. وكان مراد بك كثير الإطلاع نشر في الكلية والمقتطف والطبيب عدة مقالات عن مآثر العرب وعن المسكوكات والعاديات وفي 6 تموز من السنة استأثر الله بأديب آخر من الطائفة الملكية الكاثوليكية (فتح الله جاويش) الكاتب الضليع. له فصول سياسية وأدبية وتاريخية في الجرائد الوطنية أصاب فيها لفظا ومعنى. وقد أبقى بعد وفاته آثارا كتابية أطلعنا على قسم منها فأخذنا العجب من سعة معارفه وحسن إنشائه. وكان أيضا من المتشبثين بروح الدين

(1/433)


والتقى لم يخجل عن الدفاع عن إيمانه بازاء الخصوم وفيها توفي بعيدا عن الوطن أحد أدباء حلب (جرجي الكنديرجي) مات في فرنسة سنة 1918 بعد أن كان نزح مع أسرته عن الشهباء فرارا من ظلم الأتراك سنة 1898. وقد عني أخوه بجمع ونشر نخبة من ديوانه روت عنه مجلة المسرة الغراء (8 (1922): 470 - 472) بعض مقاطيعه المعربة عن جودة قريحته. منها هذه الأبيات التي قالها إذ زار الأهرام ورأى ما فيها من التصاوير الهيروغليفية وعاين بازائها أبا الهول فقال يذكر تلك الآثار المشيدة بتسخير الألوف من العبيد:
إني وقفت بساحة الأهرام والبدر يسطع في الفضاء السامي
وأجلت طرفي حولها متنقبا متهيبا لجلالة الأجسام
مستطلعا أسرارها متسائلا عما حوت من أعظم الأجسام
فبدا لي التاريخ في صفحاته متمثلا متحركا قدامي
ورأيت خلقا لا يعد عديدهم يستاقهم فرعون كالأنعام
صفر الوجوه شعورهم مغبرة حسني الظهور لشدة الآلام
تعلو القروح جلودهم وتسيل من قمم الرؤوس لمنبث الأقدام
من قرع أسواط وشد سلاسل في جر أثقال ونقل ركام
كل يئن مرددا لشكاية وللعنة المظلوم للظلام
فكأنما الأحجار أكباد الورى مرصوصة والرمل دمع الرامي
وكأنما الأهرام شبه نواجذ شهدت لنا بشراسة الحكام
فدهشت ثم سألت محتشما أبا الهول الصموت الكشف عن إيهامي
وهو الأمين أكمل سر غامض حرصت عليه جوانح الأيام
يحمي خبايا العاديات كحارس يقظان يحجبها بستر ظلام
فتبسم الصنم القديم تعطفا وأجابني من بعد رد سلامي
إن كنت تحسب ما رأيت حقيقة أخطأت فهو محصل الأوهام
هذي الشواهق شخصت فيما مضى أثر الحجى ومآثر الأعلام
لو عادت الأسلاف يوما بينكم لبكت على الأخلاق والإفهام

(1/434)


وعلى ظننا أنه قبل نهاية الحرب حلت وفاة أديب آخر ترجمه الأستاذ الفاضل عيسى أفندي اسكندر المعلوم وهو (ميخائيل جرجس ديبو) من الأسرة المعلوفية (1) ولد في طرابلس الشام وتخرج في مدارسها الوطنية وفي مدارس المرسلين ثم تنقل في البلاد وتقلد عدة وظائف في خدمة الدولة الإيرانية في آطنة وطرطوس ثم عاد إلى وطنه ولزم الآداب والتأليف فألف عدة روايات من جملتها رواية داود وشاؤل والشيخ الجاهل والإمبراطور شرلمان. وله منظومات عديدة جمعها في كتاب دعاه الشعر العصري وقسمه أربعة أقسام تبلغ أربعمائة قصيدة بنيف. روى البعض منها الأستاذ عيسى أفندي اسكندر المعلوف في كتابه (دواني القطوف في تاريخ بني المعلوف) (ص598 - 610م) أدباء المستشرقين من السنة 1908 إلى 1918 (الفرنسويون) فقدوا في هذه العشر السنين عددا معدودا من أدبائهم المستشرقين. كان أولهم في الحقبة التي نحن بصددها المرحوم أنطونين غوغوياي الذي خدم وطنه زمنا طويلا في تونس ثم في مدينة مسقط في خليج العجم وفيها حلت وفاته في 16 ت1 سنة 1909.

(1/435)


والمذكور تخصص بالعلوم الفقهية الإسلامية ونشر عدة تآليف في أبحاثها. واشتغل أيضا بأصول اللغة العربية ولهجاتها المختلفة في أنحاء الشرق. ومكتبتنا الشرقية تشكر له لطفه لما أوصى لها قبل وفاته من نفائس مكتبته وفي العام التالي غرق في نهر ميكون في الصين الجنرال الفرنسوي أوجين دي بيليه قلب به زورق في 15 تموز سنة 1910. كان مولده في السنة 1849 وأولع منذ حداثته بدرس آثار الشرق لا سيما الهندسة. ومن تأليفه في ذلك كتابه المسمى (المنزل البوزنطي) وصف فيه وصفا مدققا كل ما يوقف الباحثين عن أبنية البوزنطيين. وكان زار مكتبتنا الشرقية ووجد في تصاوير مخطوطاتها ما أيد آراءه. وللمذكور فضل في تعريف أصول الأبنية الإسلامية في المغرب وفي الأندلس وفقدت الآداب الشرقية في 10 أيار سنة 1911 أحد أساتذة جامعة فرنسة البارعين الكاثوليكي العامل روبنس دوفال ولد سنة 1839 وكان متضلعا من الآداب الشرقية السامية كالعربية والسريانية والعبرانية. ومما نشره في ذلك المعجم السرياني العربي لبر بهلول وغراماطيق فرنساوي سرياني مطول. وله كتاب نفيس في الآداب السريانية تكرر طبعه أربع مرات لكثرة فوائده. وصنف تاريخ مدينة أدسا (الرها) وبين فضل السريان في درس الكيمياء قبل العرب وأبحاث أخرى عديدة.

(1/436)


وفي 24 آذار من السنة 1912 توفي في باريس أحد مشاهير الأثريين الشرقيين المرحوم فيليب برجه تولى زمنا نشر مجموعة الكتابات السامية. وكان طويل الباع في هذه العلوم الكتابية. ومن تآليفه النفيسة كتابه في أصول الكتابة بين الشعوب القديمة. ونشر عدة آثار كتابية آرامية وبابلية وله أبحاث ممتعة في شريعة حمورابي وفي أحوال العرب قبل محمد استنادا إلى الكتابات والآثار المكتشفة هناك وفي زمن الحرب توفي في كانون الثاني سنة 1915 املينو الذي بعد دخوله في الكهنوت ضحى دينه لدنياه. فأرسلته الحكومة الفرنسوية إلى مصر وتفرد لدرس آثار الأقباط وتاريخ أمتهم وأديرتهم ورهبانهم القدماء. وجغرافية بلادهم. ومن هذه الآثار ما هو بالعربية فنشره بترجمته وقد تطرف في بعض آرائه وأشهر منه بالعلوم الأثرية الشرقية والتآليف الكتابية الكاهن الجليل فرنسوا فيغورو ) من جماعة سان سولبيس كان من أساتذة المكتب الكاثوليكي في باريس فعلم العبرانية ثم انكب على درس الأسفار المقدسة وشرحها وبيان ما أظهرته حفريات مصر وبابل تأييدا لتلك الأسفار فصنف في ذلك عدة مجلدات راج سوقها أي رواج. ثم باشر بنشر معجم كتابي في خمسة مجلدات ضخمة أودعه بمساعدة بعض علماء الكاثوليك خلاصة العلوم الكتابية في كل الأبحاث المختصة بالكتب المقدسة. وقد زار غير مرة بلاد فلسطين وسورية ليعاين آثارهما توفي في 21 شباط 1915 وفي العام 1916 في 10 ت2 استأثر الله بنابغة من علماء الشرقيات المركيز ملكيور دي فوغويه الذي تجول مرارا في بلادنا السورية والفلسطينية باحثا عن آثارهما الدينية

(1/437)


والمدنية تارة وحده وتارة وبصحبة بعض علماء وطنه وخاصة المسيو وادنغتون. ومن تأليفه التي يرجع إليها محبو الآثار الشرقية كتابه في سورية المركزية حيث نشر عددا وافرا من كتابات حوران وجبل الدروز وشرحها شرحا مدققا. وله رحل وصف فيها بلادنا الشامية وآثارها. ومن مصنفاته كتاب ضخم عن هيكل سليمان وكتاب آخر عن آثار الأراضي المقدسة وكنائسها. وبقي على نشاطه ودوام على التصنيف والتأليف إلى آخر حياته وفي تموز من السنة عينها توفى الله سيدة فاضلة مادام جان ديولافوا اقترنت بزواج المسيو دبولافوا فوجدت فيه رجلا مقداما محبا للسياحة والعلوم فأرادت أن تجاريه في كل أعماله. ولما استدعي زوجها لحرب فرنسة السنة 1870 لم تشأ أن تنفصل عنه وبقيت تخدم الجيش بقربه ثم تجشمت معه الأسفار إلى العراق والعجم متنكرة بلبس الرجال وتولت معه الحفريات الأثرية ووصفت كل ذلك بقلمها السيال في عدة مجلدات تهافت على مطالعتها أهل وطنها ومن مشاهير المستشرقين الذين أسفت الآداب الشرقية على وفاتهم في أيام الحرب في 21 ك1 1917 العالم الموسوي يوسف هالوي مولود أدرنه في السنة 1827 ثم دخل فرنسة وتخرج في العلوم الشرقية فأصبح أحد أساطينها المعدودين. وكان يتقن العبرانية والعربية والحبشية انتدبته الحكومة الفرنساوية لجمع الكتابات الحميرية في جنوبي العرب فساح إليها وجاء بمجموعة كبيرة منها عني بنشرها. ثم عاد فطاف بلاد اليمن ودخل نجران وقدم إلى الشام وسعى بتفسير كتابات الصفا فكان أول من كشف رموزها. وقد نشر في باريس مجلة الدروس اليهودية فأدارها نيفا وثلثين سنة وقبل نهاية الحرب بزمن قليل ودع الحياة أحد كبار المستشرقين الفرنسويين المسيو غستون مسبيرو الذي قضى نحو أربعين سنة في مصر صارفا قواه في نشر آثارها ووصف تواريخها وآدابها وكشف أسرارها متوليا لكثير من حفرياتها الغامضة فصنف فيها المصنفات الممتعة التي تدل على سعة معارفه بكل أمور الشرق

(1/438)


منها كتابه الجميل في تاريخ الشعوب الشرقية القديمة. توفى في 30 حزيران سنة 1918. وكان سبقه إلى القبر ابنه جان في 18 شباط سنة 1915 الذي كان يتأثر آثار والده فنشر كتابا حسنا في فقه قدماء المصريين. وقع في ساحة الشرف دفاعا عن وطنه وفي أثناء الحرب أيضا منيت رسالتنا بوفاة ثلثة من عملتها الفرنسويين أحدهم الأب فردريك بوفيه كان سكن عدة سنين في كليتنا وعلم فيها البيان ثم علم التاريخ وفي ديرنا في غزير وألف كتابا مستطابا مدققا في تاريخ سورية من أوائل تاريخ الميلاد إلى عهدنا طبعه على الحجر فلم يسمح له الوقت بطبعه على الحروف إذ قتل في ساحة الشرف في 18 أيلول 1916 وهو ساع بخدمة الصرعى والجرحى. وكان الفقيد مضطلعا بالتاريخ والفلسفة واللاهوت وانتقاد الأديان. ومن آثاره عدة أبحاث أعرب فيها عن حسن نظر من جملتها تاريخ سورية في عهد بني طولون وعقبه إلى دار البقاء الأب دونا (عطاء الله) فرنيه توفى في بيروت في مستشفى الراهبات الألمانيات في 17 أيار 1917. ولد سنة 1835 وقدم إلى الشام سنة 1860 فانكب على درس العربية وفوائدها فنشر كتابا مطولا في أصولها بالفرنسوية. ومن آثاره المطبوعة تأليفه في سيرة القديسة جان دارك وتعريبه لكتاب الإقتداء بالمسيح. وله عدة مخطوطات لغوية وأدبية في مكتبتنا الشرقية وقد أسفنا جدا في 2 نيسان 1918 لوفاة أحد مرسلي كليتنا الأب لويس رنزفال مولود أدرنة سنة 1871 عاجلته المنون في رومية ففقدنا به رجلا مشبعا بالآداب وكاتبا ضليعا متقنا لعدة لغات شرقية وغربية ذا ذكاء فريد متفننا بالمعارف المختلفة في الفلسفة والموسيقى وأصول اللغات له في كل ذلك كتابات مستجادة في المشرق وفي المجلات الأوربية الشرقية

(1/439)


(المستشرقون الألمانيون) خسرت ألمانية في هذه الحقبة عدة من أعلامها الممتازين بالشرقيات. نخص هنا بالذكر الذين اشتهروا بالأدبيات العربية. ففي 5 من كانون الثاني 1909 توفى الدكتور كرل فولرس أحد أساتذة كلية يانا في ألمانية ولد سنة 1857 وتولى زمنا طويلا إدارة المكتبة الخديوية في مصر وعني بتنظيمها ووصف بعض مخطوطاتها في المجلة الآسيوية الألمانية وفي مجلة مصر. ومن تآليفه الحسنة كتابه في اللغة العربية العامية بين قدماء العرب بالألمانية (سنة 1906) وكتابه عن اللهجة العربية في مصر. وقد وصف بمجلد ضخم المخطوطات الشرقية التي في مكتبة ليبسيك العمومية ونشر بالعربية والألمانية ديوان المتلمس وفي السنة المذكورة في 12 حزيران وقعت وفاة الأستاذ سجسمند فرنكل اشتغل خصوصا باللغويات العربية منها كتابه في الألفاظ الآرامية الأعجمية الداخلة في العربية طبعه في ليدن سنة 1886. وكان سبق ونشر كتابا هناك (1880) في الألفاظ الأجنبية التي دخلت في العربية في عهد الجاهلية وفي نفس القرآن وفي 7 آب من السنة توفى في مونيخ الأستاذ يوحنا ساب - الذي قدم إلى فلسطين ونشر آثارا تاريخية عن صور وعن أنحاء الأراضي المقدسة وفي هذه السنة بارح الحياة أحد كبار المجتهدين في تعزيز الآداب العربية الأستاذ وليم بن الورد البروسي ولد في غرمسولد في ألمانية سنة 1828 وفيها توفى في 2 ت2 1909 قضى حياته في درس الشرقيات ولا سيما العربية. وكان أول ما نشره ديوان خلف الأحمر (1859) ثم كتاب الفخري الآداب السلطانية والدول الإسلامية سنة 1860 وأعقبهما بنشر دواوين مختلفة مباشرة بستة شعراء العرب: النابغة وعنترة وطرفة وزهير وعلقمة وامرئ القيس ثم عني بمجموع أشعار العرب في ثلاثة أجزاء تحتوي الأصمعيات ودواوين العجاج وابنه رؤبة والزفيان. وترجم كثيرا منها إلى الألمانية وعلق عليها الحواشي المفيدة. ولو لم يكن له من الفضل إلا وصفه المخطوطات العربية في مكتبة

(1/440)


برلين لكفى له فخرا. وهذا الوصف يتناول عشرة مجلدات ضخمة وصف فيها عشرة آلاف وثلاثمائة وسبعين كتابا عربيا هناك مع فهارس ممتعة مستوفية وفي 8 آذار 1911 توفى أحد الأثريين الألمان الذين اشتغلوا في بعلبك ليكشفوا عن آثارها ويعيدوا لها بهائها القديم نريد به الدكتور اوتو بوخشتين وقد ألف مع بعض وصفائه تأليف جميلة وصفوا فيها تلك الأبنية التي تأخذ بمجامع الأبصار وصوروها تصويرا رائعا.
وللدكتور بوخشتين دليل مدقق في ذلك نقله إلى الافرنسية أحد أدباء الآباء اليسوعيين وفي غرة السنة 1913 توفى الدكتور جوليوس اوتنغ من أساتذة جامعة ستراسبورغ.
رحل مع السائح الفرنسي الشهير المسيو شرل هوبر إلى داخلية العرب فبلغا إلى النفوذ وحائل سنة 1883 - 1884 وأنتسخا كتابات آرامية في تيماء وفي تبوك والحجر فقتل هوبر وعاد اوتنغ سالما ونشرت تفاصيل سياحة كليهما بالفرنسوية والألمانية. وقد رأينا في بيروت الدكتور اوتنغ عند رجوعه وهو متنكر لابس ثياب أهل البادية. ومن منشوراته وصف المخطوطات العربية في مكتبة ستراسبورغ (1877) وكذلك نشر كتابات مختلفة نبطية وآرامية وجدت في سينا وفي عيون موسى وجهات فلسطين جمعها في سياحات متتالية قاسى فيها ضروب المشاق ونعي إلينا في أوائل الحرب في 24 ت1 1914 الأستاذ المرحوم يعقوب برت من كبار المستشرقين في برلين نشر في المجلة الآسيوية الألمانية مقالات ضافية الذيل في كل الآداب لا سيما التاريخية واللغوية. هو أحد المستشرقين الذين سعوا بطبع تاريخ الطبري في ليدن.

(1/441)


ومن منشوراته كتاب فصيح ثعلب طبع في ليبسيك سنة 1876 ونشر ديوان الشاعر النصراني القطامي وله أبحاث نفيسة في أصول اللغات السامية كالعبرانية والآرامية والعربية ومن المتوفين من المستشرقين الألمان سنة 1915 الدكتور بولس شرودر الذي تولى في بيروت أعمال القنصلية الألمانية سنين طويلة وكان يعنى بالآثار الشرقية ويكتب في جرائد وطنه مقالات واسعة تاريخية وأدبية وأثرية. توفى في برلين وفي تلك السنة توفى أيضا في برلين في 4 آب الدكتور ريشرد كيبرت الذي نشر بعد أبيه خوارط حسنة لسورية وتركية وبلاد العرب وفي آخر السنة في كانون الثاني 1918 فقدت ألمانية أحد أركان علومها الشرقية الدكتور فلهوسن الذي صنف التآليف المدققة في تواريخ العرب قبل الإسلام وآثارهم الدينية والشرعية والمدنية. ثم تتبع أخبارهم بعد الإسلام في عهد بني أمية وبني العباس إلى سقوط دولتهم وتآليفه هذه من أجود ما كتب في هذا الصدد. وللمذكور تآليف أخرى عن الأسفار المقدسة ذهب فيها مذهب الإباحيين (النمسويون) رزئت الدروس الشرقية في النمسة بوفاة أربعة من مستشرقيها في هذه الحقبة الثانية. أولهم مدير المكتب الشرقي الملكي في فينا الدكتور داود هنريك مولر توفى في 21 ك1 سنة 1912 بعد أن خدم الآداب العربية زمنا طويلا وتولى رئاسة المجلة النمسوية الشرقية وهو الذي نشر جغرافية جزيرة العرب للهمداني 1884 - 1891 وكتاب الفرق للأصمعي. ورحل إلى جنوبي العرب ونشر عدة كتابات حميرية وآثارا لغوية لقبائل شائعة هناك والثاني هو الدكتور ادولف فاهرمند دهمته المنون في أيار سنة 1913 وعمره 86 سنة علم في جامعة فينا العربية. ومن آثاره معجم عربي ألماني في مجلدين طبع سنة 1877 وله مجموعة أدبية مدرسية بالعربية. وكان متقنا للغة الفارسية ألف فيها عدة تآليف والثالث الدكتور مكسميليان بيتز فارق الحياة في 7 نيسان سنة 1918 لم يتجاوز عمره 49 سنة. كان أيضا أستاذا للغات الشرقية في

(1/442)


فينا وله في مجلتها الآسيوية مقالات واسعة تشهد له بالمعرفة باللغات السامية ودرس أيضا لهجات مهرة والحضرموت وكتب عن تاريخ اليزيديين ونشر أول أرجوزة من أراجيز العجاج والرابع الدكتور المأسوف عليه جوزف فون كراباتشيك توفى في آخر الحرب الكونية في ت2 1918 خدم لغتنا العربية بدرسه لأقدم مخطوطاتها التي وجدت في مصر مكتوبة على البردي وعلى رقوق وقطع من الكتان وهي ترقى إلى أوائل الإسلام وبها يثبت أن أصل الخط العربي ليس من الخط الكوفي بل من الخط النبطي المستحدث الدارج المتعلق بالحروف وقد وجدت بعض آثار خطية عربية تقدم عهدها على الإسلام ونشرناها في كتابنا الآداب العربية وتاريخها في عهد الجاهلية تزيد هذا الرأي أما (الهولنديون) فقد أسفوا منذ شهر أيار السنة 1909 على فقدهم إمام الدروس العربية في أوربة الدكتور دي غويه توفاه الله في ليدن التي شرفها آثار علمه الواسع فكان خير خلف لسلف سبقوا فاشتهروا في هولندة منذ القرن السابع عشر بمعرفة اللغة العربية ونشر آثارها. بل سبقهم جميعا بوفرة تآليفه وضبطها وإتقانها. فهو الذي نشر في ثماني مجلدات مجموعة جغرافيي العرب: كالاصطخري وابن حوقل وابن خرداذبه والمقدسي وابن فقيه وابن رسته واليعقوبي والمسعودي فأحرز له فخرا قلما يبلغه غيره. وإليه يعود الفضل في نشر تاريخ الطبري برواياته وفهارسه ومعجم ألفاظه. فهيهات أن يبلغ شأوه أحد الشرقيين.
وقد نشر أيضا قسما من جغرافية الإدريسي (نزهة المشتاق) في وصف المغرب. واشتغل مع بعض أساتذة ليدن في وصف مخطوطات مكتبتها الشرقية الغنية بالآثار العربية ولم يكتف الدكتور دي غويه بكل هذه الخدم وغيرها كثير بل وضع مبلغا كبيرا من المال ليصرف ريعه في كل سنة لمجازاة بعض المنشورات الشرقية تحكم لجنة مخصوصة. وقد عرفنا شخصيا هذا الرجل العظيم وأخذنا العجب من لطفه وشهامته واستعداده لمساعدة كل من كان يطلب منه خدمة في سبيل الشرق.

(1/443)


وفي هذه الحقبة من شهر نيسان 1914 كانت وفاة أستاذ اللغات السامية في لوزان (سويسرة) جان هنري سبيرو المعروف بتآليفه لمعجم إنكليزي عربي طبع في مصر.
(الإنكليز والأميركيون) نعي إلينا في شهر آذار 1917 أحد أصحابنا الإنكليز العلامة أميدروس المولود سنة 1854. تخرج على آداب وطنه وتقلده فيه عدة أعمال ثم تفرغ لدرس العربية ومخطوطاتها فكان أحد كتبة المجلة الملكية الآسيوية الإنكليزية. وغيرها من المجلات. ومما خدم به الشرق العربي كتابان من أجل كتب التاريخ نشرهما في مطبعتنا الكاثوليكية: الأول تاريخ الوزراء لأبي الحسن الهلالي الصابئ مع الجزء الثامن من تاريخ آخر
له (سنة 1904) والثاني ذيل تاريخ دمشق لأبي يعلي حمزة ابن القلانسي (1908) مضيفا إليهما خلاصتهما بالإنكليزية وحواشي واسعة وفهارس جليلة.
وفي 14 نيسان سنة 1917 فجعت جامعة برنستون في الولايات المتحدة برجل من متقدمي علمائها الدكتور برونوف الذي أفادنا كثيرا بمطبوعاته العربية. نخص منها بالذكر كتاب الموشى لابن إسحاق الوشاء طبعه في ليدن سنة 1886 وكتاب الاتباع والمزاوجة لابن زكريا ومنتخبات مدرسية ولا سيما الكتاب الحادي والعشرين من الأغاني الذي يفضل كثيرا على الطبعة المصرية. وقد اشتغل في وصف الآثار العربية وكان أحد المتولين لحفريات حوران مع أساتذة جامعة برنستون فوصفوا ما اكتشفوه بمجلدين ضخمين غاية في الحسن مع خارطة مدققة من رسمه الخاص.
ومنيت الكلية الأميركانية في بيروت في 28 أيلول 1909 بأحد معلميها الأفاضل الدكتور جورج بوست الذي أنشأ مع الدكتور كورنيليوس فانديك ويوحنا ورتبات سنة 1867 مدرستها الطبية فخدمها نيفا وأربعين وسنة بكل همة وتعاطى الطب والجراحة في بيروت ولبنان. وكان تعمق في درس العربية وبها أنشأ كتبه الطبية في الجراحة وغيرها. وكانمولعا بعلم النبات له فيه تأليف كبير بالإنكليزية والعربية فوصف نبات سورية وفلسطين

(1/444)


وشبه جزيرة سينا متجشما لجمع حشائشها أسفارا شاقة.
وفي أبان معمعان الحرب في 28 تموز سنة 1916 رحل إلى الأبدية ركن آخر للكلية الأميركية الدكتور دانيال بلس الذي قدم بيروت سنة 1856 فكان له اليد الطولى في إنشاء مدرستهم الكلية سنة 1866 وبقي رئيسها نحو أربعين سنة برها بكل حكمة وجهزها بالأبنية العلمية والأدوات والمتاحف التي جعلتها من أكبر معاهد العلم في سورية بل في كافة الشرق لم نأخذ عليها سوى تربية طلبتها على المبادئ البروتستانية التي دفعت كثيرين منهم إلى التحرر من تعاليم الدين.
(الاسبانيون. الإيطاليون. الروسيون) أسفت إسبانية في 6 ت2 1917 على فقد شيخ علمائها المستشرقين الدكتور دون فرنسكو كوديرا إي زيدين الذي ولد في 23 حزيران 1836 ودرس الآداب العربية على المستشرقين كاتلينا ودي غاينغوس فبرع فيها وتعين مدرسا للغة العربية في جامعة مدريد سنة 1879. رحل إلى تونس ومراكش والجزائر فبحث عن المخطوطات الشرقية وسعى بجمع المصكوكات العربية الإسبانية القديمة فوصفها بكتاب كبير. ومن منشوراته الجزيلة الفائدة مجموعة (المكتبة العربية الإسبانية) فنشر عشرة أجزاء منها تتناول تاريخ إسبانية العربية وعلمائها لابن بشكوال وابن الفرضي وابن أبار وأحمد الضبي فكان له الفضل في النهضة الأدبية للدروس الشرقية في وطنه.
فتخرج عليه عدة تلامذة قدموا له يوم يوبيله الذهبي سنة 1902 مجموعة لطيفة ضمنوها عددا عديدا من الآثار العربية. وقد جمع هو في مجلد كبير مقالات له متفرقة عن تاريخ العرب وآثارهم فنشرها على حدة.

(1/445)


أما (الإيطاليون) فرزئوا بأحد أساتذة الكلية اليسوعية الرومانية الأب هنري جسموندي معلم اللاهوت في مدرستنا بيروت مدة عشر سنوات عني بدرس اللغتين السريانية والعربية فنشر فيهما تآليف مختلفة منها كتابه في أصول اللغة السريانية مع منتخبات ومعجم. ومنها نشره لمقامات عبد يشوع الصوباوي مع ترجمتها إلى اللاتينية والقسم الثاني من قصائد القديس غريغوريوس بالاسطرنجلي وطبع في رومية تاريخيين عربيين من تواريخ الكلدان:
أخبار فطاركة كرسي المشرق لعمرو بن متى من كتاب المجدل (1896) وتاريخهم لماري بن سليمان (1899)
وكذلك الروسيون فقدوا في هذه الحقبة الأستاذ داود كفولسون توفى في بطرسبورج في 6 نيسان 1911 وكان مولده في 10 ك1 1820. كتب في مجلة أكاديمية بطرسبورج مقالات عديدة عن الشرق. ومن تآليفه ما نقله العرب من آثار البابليين الأقدمين (1859) ونشر ما ورد في الأعلاق النفيسة لأبن دوسته عن الروسيين والصقالبة وشعوب البلقان وترجمها إلى الروسية

استدراك
فاتنا أن نذكر بين المتوفين من نصارى الشام في هذه الحقبة الثانية بعض الأدباء المعدودين فها نحن نخص بهم الأسطر الآتية:
توفى قبل الحرب الكونية في 27 شباط 1912 في دار مطرانية الروم الأرثوذكس في زحلة الأستاذ الدمشقي (جرجس مرقس) رحل إلى روسية فحل في عاصمتها موسكو ضيفا كريما. فعرفت الدولة فضله وانتدبته إلى تعليم اللغات الشرقية في جامعتها فلبى طلبتها وأصاب هناك سمعة طيبة وثبت في منصبه 25 سنة ونشر في مجلات روسية مقالات عديدة في الأمور الكنائسية الشرقية وخدم الكنيسة الأورثذكسية بمعاكسة أخوية القبر المقدس اليونانية وكان ساعيا في نشر رحلة البطريرك مكاريوس زعيم الحلبي إلى روسية.

(1/446)


وقد أثابته الدولة الروسية بمنحه رتبة جنرال مع عدة أوسمة شرفية وفي الشهر التابع لدخول تركيا في الحرب في 27 ك1 سنة 1914 فقد الوطن أحد رجاله المعدودين (تامر بك ملاط) ولد سنة 1856 في بعبدا وتلقى العلوم في مدرسة مار عيدا هرهريا الأكليريكية فأتقن علومها الدينية والأدبية حتى اللاهوت استعدادا لقبول الدرجة الكهنوتية وتعلم اللغة السريانية فبرع فيها. ثم عدل عن الكهنوت إلى التعليم في مدارس لبنان وبعد مدة انتظم في سلك أساتذة مدرسة الحكمة في بيروت وعكف على دراسة الفقه فانتدبته الحكومة اللبنانية إلى خدمتها فخدمها في عدة وظائف في محاكم كسروان وزحلة والشوف في عهد متصرفي لبنان واصا باشا ونعوم ومظفر إلى أن اعتزل الأشغال وأصيب بمرض طويل انتهى بوفاته. وكان تامر بك كاتبا مجيدا وشاعرا مطبوعا نشر شقيقه شلبي بك ديوانه سنة 1925 فقدمه على ديوانه الخاص. وفيه عدة قصائد تشهد له بجودة القريحة. وقد استحسنا له قوله في الزهد:
واللبيب اللبيب من خاف يوما واتقى الله في جميل الفعال
وانتحى توبة إذا زل يرجو في زوال الحياة حسن المآل

(1/447)


وفي معظم جلبة الحرب العمومية ودع الحياة أحد وجوه نصارى بيروت الطيب الذكر (المركيز موسى دي فريج) توفاه الله في 17 أيار 1916. درس في مدرسة اليسوعيين في غزير اللغات ومبادئ العلوم ثم تعاطى التجارة وحصل على ثروة واسعة وكان من أنصار الآداب والعلم مع تأصله في روح الدين. عدته الجمعية العلمية السورية المنشأة في أواسط القرن التاسع كأحد أركانها. له في نشرتها المطبوعة خطب وقصائد ومقالات أدبية وفي العام التالي في 8 تشرين الأول 1917 خسر العراق أحد كهنته الأفاضل المعروفين بنشاطهم في خدمة التاريخ والعلوم الدينية (القس بطرس نصري الكلداني) الذي سبقت ترجمته في المشرق (21 (1923): 657 - 660) كان مولده في الموصل سنة 1861 وتخرج تحت نظارة أرباب طائفته ثم في مدرسة انتشار الإيمان في رومية. ولما رجع إلى الموصل تخصص لخير مواطنيه بكل الخدم الكهنوتية ولا سيما بالتعليم والتأليف فدرس العلوم الدينية العليا في المدرسة البطريركية الاكليريكية وصنف كتبا عديدة في اللاهوت والفلسفة والتاريخ تجد جدولها في آخر ترجمته وممن كان حقهم أن يذكروا في هذه الحقبة الثانية من القرن العشرين فذكرناهم سابقا في عداد ذوي القرن التاسع عشر (المعلم سعد العضيمي) نشر سنة 1872 ديوانا مدح فيه أعيان ذلك الزمان وذكر حوادثه فنقلنا قطعا عنه في الطبعة الأولى من الآداب العربية في القرن التاسع عشر (ص 50 - 51) وقد عاش زمنا طويلا حتى بلغ العشر الثاني من القرن العشرين

القسم الثالث
الآداب العربية من السنة 1918 إلى 1926
البحث الأول
نظر عام في الآداب العربية بعد الحرب الكونية

(1/448)


كان وداعنا للحقبة الثانية من الربع الأول من القرن العشرين وداعا مبلولا بدموع الحزن والكآبة بعد أن افتتحناها بالسرور والبهجة. كيف لا وقد حلت تلك الأيام الداهية الدهياء أي الحرب الكونية التي كانت أشبه بصاعقة هائلة دوت في جو صاف لا يحسب حسابها منتظر. على أن الصواعق إذا أرعدت وأرعبت وتفجرت لا تلبث أن تهدأ زمجرتها ويسكت هزيم رعدها وتنكشف سحب سمائها المتلبدة. وهكذا كان أمل الشعوب يتكهنون بقصر مدة الحرب مع ما لدى الدول من الأسلحة الحديثة التي من شأنها أن تجلب دمارا واسعا بأسرع وقت. وما أخيب ذاك الأمل فطالت الحرب ونشرت الهلاك في معظم أصقاع المعمور ولم ينج من أضرارها ذات البلاد التي لم تخض عبابها فأصيبت برجع صداها المؤلمة وما عسى أن يكون مع أهوال الحرب سهم الآداب. وهل يسمع صرير الأقلام عند صلصلة السيوف أو يصغي إلى صوت البلغاء مع دوي المدافع حين يكون (السيف أصدق أنباء من الكتب) فإن كانت الحرب أصابت ببلاياها أنحاء المعمور فهل كان من أمل أن تنجو من تيارها الآداب عموما والآداب العربية خصوصا وهي مع سعتها لم تبلغ مبلغ الآداب الأوربية التي بكت على ألوف من نوابغ علمائها وأصيبت أيضا بمصاب أليم وقد تراكمت ويلات الحرب على البلاد الناطقة بالضاد لا سيما تحت حكم الدولة العثمانية من جزيرة العرب إلى حدود القفقاز ومن بحر الشام إلى العجم. فأقفلت معظم المطابع وأوقفت المجلات وألغيت الجرائد إلا ما ندر منها وكان أصحابها مستعبدين لتركيا.

(1/449)


وقتل أو نفي كثيرون من الأدباء على أن هذه الحالة الحرجة لم تقتل الآداب العربية تماما وقد ذكرت مجلة المشرق (18 (1920): 481 - 486) مطبوعات قليلة صدرت في أيام الحرب أخصها كتاب لبنان الذي عنينا بنشره مع بعض أهل العلم الاختصاصيين (المشرق 18: 73 - 74). ونشر في دمشق جناب السيد كرد علي في مجلة المقتبس آثارا عربية قديمة وكذلك الشيخ عبد القادر بدران نشر جزأين من تاريخ دمشق لأبن عساكر أما مصر فلم تخمد فيها الحركة الفكرية في تلك السنين الصعبة فاستفادت الآداب العربية مما نشر فيها من التآليف الجليلة القديمة كصبح الأعشى للقلقشندي في عدة أجزاء والخصائص لابن جني وديوان ابن الدمينة والمكافأة لابن الداية والاعتصام للشاطبي وكتاب الأصنام لابن الكلبي. ولدار الكتب الخديوية في هذه المطبوعات فضل كبير. ونشر أدباء الأقباط خطبا وميامر بيعية لأبن العسال ولأبن البركات ابن كبر ومن التآليف المستحدثة المنشورة في ذلك الوقت تاريخ سينا القديم والحديث لنعوم بك شقير وديوان حليم حلمي المصري وكتاب سياحتي إلى الحجاز وتاريخ الآداب العربية لأحد أخوة المدارس المسيحية وكتب أخرى وقفنا عليها فوصفناها في مقالتنا (الآداب العربية منذ نشوب الحرب العمومية) وذكرنا أيضا هناك بعض المطبوعات الشرقية التي تولى نشرها المستشرقون (راجع المشرق 18 (1920): 487 - 494) وفي خريف السنة 1918 انقشعت عن ساحات الحرب تلك الظلمات بانتصار الدول المتحالفة فأتى وقت الإصلاح وليس الإصلاح كالخراب فأنه لا يتم إلا بزمن طويل ونفقات باهظة ورجال ذوي همة قسعاء على أن دولتي فرنسة وإنكلترا فوض إليهما الانتداب على البلاد العربية لم تضنا بأموالهما وتنشيطهما على الاهلين ليسدوا تلك الثلمة الواسعة ويردوا للبلاد شرفها السابق. وكان كثيرون من الناشئة قد صدئت أقلامهم وفشلت قواهم لكسود سوق الآداب فنهضوا بهمة جديدة لخدمة مواطنيهم فمنهم من تولى التدريس في

(1/450)


المدارس العمومية ومنهم من فتح المطابع الجديدة وأنشأ المجلات والجرائد حتى بلغت بعد حين عددا لم تبلغه في الأزمنة السابقة للحرب ويا ليتها كلها كانت صادقة الخدمة معتدلة اللهجة متقنة للكتابة وكان أول من استأنف العمل لخدمة العلوم والآداب أصحاب المطبعة الكاثوليكية التي كان الأتراك مع محالفيهم الألمان ضربوها ضربة كادت تكون قاضية عليها فنقلت أدواتها إلى دمشق ولبنان ونهبت حروفها ونقوشها وورقها وكتبها بل نزعت حجارة أرضها فقضي
على أصحابها أن يصرفوا أشهرا طويلة ومبالغ وافرة ليتداركوا ذاك الخلل ويعودوا إلى نشر مطبوعاتهم المشهود لها بألسن الوطنيين والأجانب فهذه ثماني سنوات منذ من الله بالفرج على عباده وأنقذنا من تلك النكبة الهائلة التي حولت الأرض إلى منقع من الدم. فيحسن بنا أن نسرح النظر في أحوال آدابنا العربية لنرى ما أفضت إليه أمورها من ترق مرغوب أو تقهقر مرهوب لا سيما في الشرق الأدنى محور الشعوب الناطقة بالضاد وما لا ينكر أن هذه البلاد قد حصلت في هذه الحقبة الثالثة على حرية لم تعهدها سابقا في زمن الأتراك فان الدولة الإفرنسية والإنكليزية أطلقتا الحرية التامة للطباعة ولم تذخرا وسعا في تنشيط الآداب والعلوم لم تستثنيا من ذلك سوى بعض الكتابات السياسية المتطرفة دفعا لأضرارها. ولو لم تحصل عاصمتنا بيروت من فضل فرنسة على غير مكتبتها العمومية وهي أول مكتبة من جنسها لوجب علينا شكرها فماذا نتج لخدمة الآداب العربية من الفوائد بعد الحصول على هذه الحرية مع كثرة الكتبة المتخرجين في المدارس؟ فأين الجمعيات الأدبية الراقية؟ وأين الشركات المؤلفة لتنشيط الآداب ولطبع التآليف الممتازة ولمجازاة أصحابها؟ وأين المصنفات التي تباري المصنفات

(1/451)


الأوربية صورة ومعنى لنرجع إليها في العلوم العصرية فتغنينا عن الالتجاء إلى اللغات الأجنبية؟ وكم نرى في المنشورات فصولا تندد بالأجانب ويتبجح أصحابها بالرقي الشرقي ونحن مدينون إلى الأجانب في سائر أمورنا من مشاريع عمومية وخصوصية وأهلية كلها يعود إنشاؤها إلى همتهم. وإن قصرنا النظر على لغتنا فإننا لا نرى فيها من الترقي ما كان من المزاولين لها المجتهدين في تعزيزها وكان معظم ما يصرفه الكتبة من القوى في ذلك يبرز في المجلات والجرائد. فأما الجرائد فلتسرع الكتبة في إنشائها قلما تصلح لأن تتخذ مثالا وقدوة للغة بليغة رافية اللهم إلا القليل الزهيد منها وذلك في بعض فصولها المحررة بعد نضج الفكر واختمار الذهن وأما المجلات فكثيرا ما تأخذ موادها عن المنشورات الأوربية فيشتم منها رائحة الغرابة ويستشف من وراء كتاباتها لوائح أصلها الأجنبي ما خلا البعض منها التي لا تتجاوز عدد الأنامل
أما المطبوعات المنفردة فإن التسعين في المائة منها روايات يغلب عليها الغرام معربة عن الروايات الأوربية القليلة الجدوى الشائنة للآداب. وقد راقنا منها بعض روايات أخلاقية وصف فيها أصحابها العادات المألوفة بين العامة لا سيما في مصر أما الكتب الأدبية فكان للدين منها قسمه الصالح فأبرز المرسلون والرهبان الوطنيون والكهنة العاليون تآليف حسنة منها لاهوتية وفلسفية ومنها روحية وزهدية ومنها تراجم أبرار وصالحين وقد وصفنا في كل أعداد المشرق منذ السنة 1920 هذه المطبوعات وبينا فضلها.

(1/452)


ومما نشر أيضا كتب تهذيبية ومدرسية وإنشائية وشعرية لإفادة الأحداث في المدارس الوطنية ومطالعة الجمهور. والخلل في كثير منها ظاهر ونشرت أيضا عدة كتب تاريخية واجتماعية وسياحات ليس بينها إلا النزر القليل مما لم ينقل عن التواريخ الأجنبية كتواريخ الحرب الكونية وتواريخ بعض البلدان وكبار الرجال وقد ظهرت في مصر بعض الآثار المطمورة في زوايا النسيان كتاريخ النويري (نهاية الأرب في فنون الأدب) وكتاب (التاج للجاحظ) و (زهرة الآداب للحصري) المطبوع سابقا على هامش العقد الفريد و (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار لأبن فضل الله العمري) و (ديوان مهيار الديلمي) ولم يحد المستشرقون عن فضلهم السابق في نشر الآثار الشرقية وإتقانهم لطبعها وتزيينها بكل المعلومات المفيدة والفهارس الواسعة. فمما صدر منها في مطبعتنا الكاثوليكية نقائض الأخطل وجرير وشرح ديوان المفضليات للضبي وديواني عمرو بن كلثوم والحارث بن الحلزة وكتاب المأثور لأبي العميثل وظهرت في جهات أوربة من آثار أبحاثهم كتاب الوزراء والكتاب للجهشياري وكتاب صورة الأرض لأبي جعفر محمد بن موسى وديوان أبي ذؤيب. وشرح ديواني علقمة الفحل وعروة ابن الورد للشنتمري وأقسام جديدة من النجوم الزاهرة في أخبار مصر والقاهرة لأبن تغري بردي ومن معجم الأدباء لياقوت وغير ذلك مما يجعل للأوربيين قصبة السباق في نشر الآثار العربية ومما امتازت به هذه الحقبة الأخيرة سعي بعض الكتبة إلى انتقاد المطبوعات النثرية والشعرية كمحمد عباس العقاد وكزكي مبارك وزكي أبي شادي وحسن صالح الجداوي والأب انستاس الكرملي وقسطاكي حمصي... وإنما نود أن يكون هذا الانتقاد برواق وهدو إظهارا للحق لا تشفيا من خصم أو تحقيرا لأديب ومن خصائص هذه الحقبة أيضا اتساع فن الكتابة بين الأوانس وربات الخدور فمنهن من يتصدر للخطابة ويلقين المحاضرات أو من ينشئن المجلات وينشرن فصولا في الجرائد والبعض منهن

(1/453)


يتضمن القصائد اللطيفة الرائقة لا سيما في الأمور الخاصة بالنساء وتدبير البيوت
فهذه الامتيازات جعلت لحقبتنا الحاضرة مقاما حسنا إلا أننا وجدنا أيضا فيها ما يدعونا إلى الخوف من تقهقر لغتنا وانحطاطها فنلفت إليها حكماء قومنا وأول آفة على لغتنا الإكثار من الدخيل لا سيما إذا لم يكس صورة يأنس بها اللسان العربي. نعم لا تخلو اللغة العربية من الألفاظ الدخيلة حتى القرآن العربي نطق بها وإنما كان العرب يقربونها إلى لغتهم ببعض التصرف في صورتها فيزول شيء من غرابتها وخشونتها وكذلك التعابير الأجنبية زاد استعمالها لشيوع لغات الأجانب بيننا ولوفرة التعريبات عنها وكما أثرت تلك اللغات في العربية الفصحى كذلك اللهجات العامية أخذت تسطو على اللغة البليغة فتمسخ صورتها البهية. ومن العجب أن بعض المتشدقين اخذوا ينشرون مقالات لترويج اللغات العامية لزعمهم أن تلك اللهجات أقرب إلى فهم الجمهور وأدعى إلى نشر العلوم العصرية وهو فكر غريب لا يخطر لأحد من العقلاء على بال وقد سبق لنا في ذلك مقال طويل بينا فيه العواقب السيئة التي تحصل بذلك فتطمس جمال لغة أجدادنا وتبسط الفوضى بين الكتاب وتبث بين البلاد العربية روح النفور والاستبداد إذ لم يبق بيننا وبينها رابط يجمعنا لما في كل لهجة من الاختلاف والتباين وأخذ غيرهم يتصرفون أيضا بالبحور الشعرية تصرفا زائدا نزع عنها رونقها ومسحة جمالها وكادت تشبه النثر كما فعل أصحاب النثر الشعري فجاءت كتاباتهم لا نثرا ولا شعرا ليس لها من العربية إلا ألفاظها وقشرتها دون لبابها وجوهرها

الباب الأول
في الأدباء المتوفين في الحقبة الثالثة

1- أدباء الإسلام المتوفون في هذه الحقبة

(1/454)


لما أخذت تلوح بوارق الصلح بين الدول المتحاربة سنة 1918 رحل إلى دار البقاء أحد أدباء مصر (الشيخ عبد الكريم سلمان) درس في الأزهر مع الشيخ الإمام محمد عبده فتعاشرا وتصادقا. ولما قام الأستاذ بنهضته لإصلاح أمور الإسلام كان الشيخ عبد الكريم عضده ونصيره فشاركه في تحرير الوقائع المصرية وفي إصلاح التعليم في الجامع الأزهر وقد نشر خلاصة أعمال مجلس إدارته في عشر سنين فكان لكتابه تأثير عظيم في كثير من مواطنيه لكنه أوغر عليه قلوب غيرهم. فأيس من الإصلاح. ومن ظريف ما أخبره منشئ المنار الإسلامي (20: 440) من نفسه ما رآه من يأس الشيخ سلمان من صلاح حال أمته فروى ما ننقله بحرفه الواحد:
(كان يصرح بذلك ويحتج علي الأستاذ الإمام قائلا: سترى ما ينتهي إليه أملكما في هذه الأمة الميتة وما يبلغه إصلاحكما من هذه الشعوب الفاسدة. وله كلمة في هذا المعنى قالها لأستاذنا الشيخ حسين الجسر ألبسها كعادته ثوب الدعابة والهزل. وقد كنا بدار الأستاذ الإمام نتحدث بما أشيع من رغبة الأمة اليابانية في التدين بدين الإسلام. قال الشيخ حسين الجسر: إذا يرجى أن يعود إلى الإسلام مجده. قال الفقيد: دعهم فإني أخشى إذا صاروا منا أن نفسدهم قبل أن يصلحونا. ذكرت هذا في ترجمة الرجل لما فيه من العبرة المحزنة) فتأمل!

(1/455)


وفي كانون الثاني من السنة 1919 توفيت في القاهرة إحدى أديبات مصر النابغات في الإسلام كعائشة تيمور نريد بها (ملك هانم) كريمة حفني بك ناصف التي اشتهرت بلقب باحثة البادية وسعت بإصلاح أحوال بنات جنسها في القطر المصري توفيت في شرخ شبابها. عني أبوها بتربيتها وتخرجت بأرقي مدارس البنات الأميرية فنالت شهاداتها المختلفة. ثم انتدبت إلى تعليم الفتيات فامتازت به ثم حاولت الكتابة والتأليف فبرعت بهما. ولما زوجها والدها من أحد شيوخ العرب المقيم بجوار الفيوم عبد الستار بك الباسل جمعت بين حضارة المدن والبادية فكان ذلك سببا لتسميتها بباحثة البادية. وقد صنفت كتبا بحثت فيها عن كل الأحوال النسائية كتربية البنات وأوصاف المرأة والزواج والحجاب والسفور. ونظمت القصائد وتفننت في الكتابات الأدبية والاجتماعية. وقد جمعت كتابات ملك هانم في كتاب عنوانه النسائيات. وقد عرفت هذه السيدة باعتدالها في المسائل النسائية فكانت تذهب في ذلك مذهبا وسطا بين القديم والحديث بناء على قول المثل (خير الأمور أوسطها) وقد صنفت الآنسة الأديبة مي كتابا في وصفها سبق لنا الكلام فيه (المشرق 18 (1920): 716)
وبعد وفاة السيدة (ملك هانم) بسنة تبعها إلى الأبدية في 26 شباط 1920 والدها (حفني بك ناصف) في نحو الستين من عمره. كان تخرج في أشهر مدارس القاهرة كالأزهر ودار العلوم ودار الحقوق الخديوية ثم عهد إليه التدريس فيها وعين مدرسا في مدرسة الخرس والعميان فلبث فيها أربع سنوات وألقى دروسا في الجامعة المصرية جمعها في (كتاب تاريخ اللغة العربية). ومما ألفه لما حضر مؤتمر المستشرقين في أوربا كتابه في لهجات العرب الذي أصاب لديهم استحسانا. واشتغل بالقضاء وفي مركز مفتش المعارف. ونشر القرآن في المطبعة الأميرية (بحسب قواعد الإملاء) فمدحه لفعله كثيرون وقدح فيه آخرون. وكان حفني بك يحسن الكتابة نثرا أو شعرا ومما قاله قبل وفاته:

(1/456)


أتقضي معي إن حان حيني تجاربي وما نلتها إلا بطول عناء
إذا ورث المثرون أبنائهم غنى وجاها فما أشقى بني الحكماء
وفي نيسان 1920 توفى الدكتور (محمد توفيق صدقي) المولود في السنة 1881. درس العلوم في القاهرة ونال شهادة الدكتورية بعلم الطب له في المسائل الطبية أبحاث حسنة منها مقالة في ماء النيل ومضاره. ثم تخصص بالمسائل الأدبية والدينية والاجتماعية فكتب في الإصلاح الإسلامي ورد على الماديين وله تأليف سماه الدين في نظر العقل الصحيح. ودافع عن دينه الإسلامي في عدة تآليف وقد رددنا عليه في ما كتبه عن لاهوت السيد المسيح وفي السنة 1920 في 8 ك2 أسفنا على فقد أحد أصحابنا الشيخ الفاضل (طاهر الجزائري). كان مولده في دمشق سنة 1851 وأخذ عن أدباء الفيحاء العلوم الدينية واللغوية والأدبية فأولع بدرسها وكد ذهنه في إحراز أسرارها وسعى بنشر كنوزها وتعميم فوائدها. وإليه يعود الفضل في إنشاء مكتبة الملك الظاهر. كما انه لم يذخر وسعا في تعزيز الآداب العربية في المدارس إذ أقيم ناظرا عليها. وقد تفرغ للتأليف فوضع كتبا عديدة تدل على اجتهاده وسعة معارفه بعضها دينية كتوجيه النظر إلى أصول الأثر ومنية الأذكياء في قصص الأنبياء. وبعضها لغوية كالتقريب لأصول التعريب وإرشاد الألباء ومدخل الطلاب لفن الحساب. وغيرها علمية كالفوائد الجسام في معرفة خواص الأجسام ومد الراحة إلى أخذ المساحة. ونشر كتبا أخرى لقدماء الكتبة وحشاها كديوان ابن نباتة وروضة العقلاء. ومما نود أن لا يبقى منزويا بين المخطوطات كتابه (التذكرة الطاهرية) بحث فيه عن نوادر المخطوطات ووصفها وعرف محل وجودها. وكان الشيخ طاهر أحد الأدباء القليلين الذين فضلوا في الإسلام عيشة العزوبة ليتفرغوا لدرس العلوم. وقد أحيا بين قومه التاريخ وعني بفنون الكتابة. راجع في المشرق (18 (1925): 144 - 148) ترجمته لكاتبنا المدقق الأستاذ عيسى أفندي إسكندر

(1/457)


المعلوف. ونشر سيرته أيضا في دمشق الشيخ محمد سعيد الباني فدعاها (تنوير البصائر بسيرة الشيخ طاهر) وفي 25 من الشهر والسنة السابقين 1920 توفي في طرابلس الصحافي (محمد كامل البحري) صاحب جريدة طرابلس ومؤلف أخبار سياحة باشرها إلى بعلبك وأنحاء الشام. ومثله توفى في 20 آب من السنة أديب آخر (عبد القادر بك العظمي المؤيد) له كتابات متفرقة في بعض الصحف والمجلات ومن أشعر شعراء هذا العصر الذي حلت به المنية في هذه الحقبة سنة 1920 (محمد إمام العبد) أصله من أسرة عبيد لكنه توصل بسعيه إلى أن أحرز الأدب ونبغ في الشعر.
وله شعر رقيق جمع في ديوان لم ينشر بالطبع وإنما ظهر منه عدة قصائد رنانة في كتب الأدباء. ومن لطيف قوله يندب حظه:
نسبوني إلى العبيد مجازا بعد فضلي واستشهدوا بسوادي
ضاع قدري فقمت أندب حظي فسوادي علي ثوب حداد
ومن أقواله الحماسية:
ولما التقينا والأسنة شرع ونادى المنادي لا نجاة من الحتف
عطفت على سيف المنية فانجلت صفوف وكان الصف ألصق بالصف
فرحت وفي وجهي وجوه عبوسة وعدت وأشلاء الفوارس من خلفي
فلم أر قلبا غير قلبي بجانبي ولم أر سيفا غير سيفي في كفي
وقسم سيفي القوم قسمة عادل فأرضى الثرى بالنصف والطير بالنصف

(1/458)


وفي السنة 1931 في 24 شباط اخترمت المنون أديبا آخر أدى للآداب العربية في مصر خدما مشكورا نعني به (محمد بك تيمور) نجل احمد باشا تيمور توفاه الله في العقد الثالث من عمره. شغف منذ صباه بالآداب العربية فبرع فيها حتى انه نظم الشعر في الثانية عشر من عمره وكتب في الجرائد ثم سئم الشغل بالسياسة ونفر من المنازعات بين الأحزاب ورأى ما عليه وطنه من التأخر في فن التمثيل. فقصد البلاد الأوربية ودرس الحقوق في باريس وهو يلحظ مسارحها الكبرى حتى أتقن أصول ذلك الفن وتخصص بترقيته في بلاده. فألف لذلك جوقا مختارا امتاز بمهارة التمثيل تحت إدارته. وان هو يؤلف له الروايات الأدبية ويجهز له كل لوازم التمثيل وربما وقف هو بين الممثلين فكان موضوع إعجاب الحضور من أعيان مصر. وكان يختار الروايات التي تمثل فيها حوادث الشرق وعاداته حتى عد فن التمثيل بمسعاه في مصر شبيها به في عواصم البلاد وهو في ذلك يطلب جمال الفن أكثر منه لأرباحه. وقد خلف تآليف عديدة في هذا الباب وفي غيرها أخصها كتابه وميض الروح جمع فيه ديوانه ومقالاته الأدبية وقصصه ومذكراته. ثم كتابه حياتنا التمثيلية خصه بفن التمثيل وتاريخه وفنونه وآدابه ثم كتاب المسرح المصري. دونك بعض أبيات من نظمه عنوانها (شاعر يتألم)
ليلة كلها عناء وهم وشقاء والقلب منها تعذب
ذقت فيها المصاب كأسا دهاقا ضاع رشدي فيها ولم ألق مهرب
ففؤادي من ناره يتلظى ودموعي من المحاجر تسكب
قد دعوني فتى القريض وحسبي منه في القلب جمرة تتلهب
ما نظمت القريض أبغي نوالا من كبير ولا أحاول مكسب
بل أقول الأشعار كيما أناجي كل حر من بؤسه يتعذب
ذاك رأيي فيما أسميه شعرا ولكل في الشعر رأي ومذهب

(1/459)


ومات في أوائل تلك السنة رجل مصري آخر كان له موقع كبير في نفوس مواطنيه الكاتب الأديب (دياب محمد بك) ولد سنة 1853 درس في الأزهر ودرس فيه وفي دار العلوم وتعين مفتشا في وزارة المعارف وتفرغ للكتابة فنشر تآليف مختلفة ككتاب دروس البلاغة والإنشاء وقلائد الذهب في فصيح لغة العرب وتاريخ أدب اللغة العربية ومعجم الألفاظ الحديثة وتاريخ العرب في إسبانية وعرب عن الفرنساوية كتاب تخطيط أوربة وغير ذلك مما خدم به الأدب والوطن وفي تلك السنة 1921 تعددت وفيات الأدباء فقضى أيضا (ولي الدين بك يكن) نحبه فيها في 6 آذار. كان تركي الأصل من أسرة شريفة ولد في الآستانة سنة 1873 جاء صغيرا إلى مصر مع أهله فتوفى فيها والده وكفله عمه فتخرج في مدرسة الأنجال المشهورة فأتقن فيها العربية كما عرف التركية وعاد إلى الآستانة وكتب في جرائدها. وقد عرف بميله إلى الحرية فنفي إلى سيواس وبقي هناك إلى الإعلان بالدستور سنة 1908 فعاد إلى مصر وحظي لدى سلطانها حسين كامل فعينه كاتبا في الديوان العالي في القصر السلطاني حتى مني بعلة أذاقته كأس المنون في مدينة حلوان. وله شعر منسجم مطبوع يتدفق رقة فمن قوله يحيي سيواس يوم نفي إليها:
رضيت سيواس دارا وما بسيواس شر
جنوا عليها فأمست قد أقفرت فهي قفر
فلا بها الروض خصب ولا بها الزهر نضر
فليس لي ثم نظم وليس لي ثم نثر
وكم بمصر أديب يشدو فترقص مصر
لهفي على سانحات كأنما هي سحر
يقولها قائلوها فيعتري الناس سكر
ومما روي له في مختارات الزهور (ص 77) قوله عن لسان فتاة عمياء:
سادتي أن في الوجود نفوسا ظلمتها الأقدار ظلما شديدا
هي تشقى من غير ذنب جنته ولكم مذنب يعيش سعيدا
رحم الله أعينا لم تشاهد منذ كانت إلا ليالي سودا
تتمنى لو فتحت فتملت من جمال الوجود هذا الشهودا
تتناجى حمائم الروض صبحا لا تراها وتسمع التغريدا

(1/460)


ويكون الربيع منا قريبا فنظن الربيع منا بعيدا
حين ترنو إلى الورود عيون ليت شعري كم تستطيب الورودا
سادتي إننا صبرنا امتثالا ما ضجرنا ولا شكونا الجدودا
فانظروا نظرة الكرام إلينا وارحموا أدمعا تخد الخدودا
ولولي الدين يكن من التآليف ما ذاع صيته كالصحائف السود وهو عبارة عن مجموع مقالات اجتماعية بليغة الإنشاء طافحة بآرائه الحرة. وكتأليفه في أحوال تركية وسياستها دعاه المعلوم والمجهول. ونقل إلى العربية كتاب نيازي بك في الدستور العثماني المعنون بالتجاريب. وقد حرر كثيرا من المقالات في أكبر جرائد مصر وفي ثاني يوم حزيران من السنة 1922 انطفأ نور حياة شاعر آخر (عبد الحليم حلمي المصري) ولد في دمنهور سنة 1887 ودرس في وطنه ثم دخل في المدرسة الحربية وتوظف في ديوان الأوقاف في مصر. وكان مولعا بنظم الشعر ونشر عدة قصائد دلت على جودة قريحته وحسن ذوقه جمعها في جزأين وطبعهما تحت عنوان (ديوان المصري) سنة 1910 وقد تحرى في شعره المواضيع العصرية وأدت إحدى قصائده إلى محاكمته وسجنه. ثم دخل بعد الانقلاب الدستوري في خدمة الملك. وهذا مثال من شعره قال يتشوق إلى الشام:
يحن لمصر من سكن الشاما ونحن نود لو كانت مقاما
منابت لا تجف بها الخزامى ولا تشكو أزاهرها الأواما
وأرض تنبت اليوم المعالي وكانت تنبت الرسل الكراما
على (لبنان) زهري الهضاب على (الأردن) خمري الخباب
على (القدس) المفضل في الكتاب على تلك القصور على الغباب
سلام متيم لولا الليالي تقيده لما بعث السلاما
وافتتح قصيدته في وطنه في مصر بقوله:
بلادي سقاك الدمع إن منع القطر وما برحت خضرا ميامنك الخضر
وقفنا عليك المال والعمر والذي يحب عليه يوقف الحال والعمر

(1/461)


وتبع المصري إلى القبر بعد أشهر من تلك السنة 1922 شاعر ثالث ليس دونهما سمعة ورقيا (إسماعيل صبري باشا) ولد في مصر سنة 1861 وتقلب في مناصب الدولة المصرية كمنصب النائب العام ومحافظة الإسكندرية ووكالة نظارة الحقانية. وقد اشتهر بشعره الرقيق اللفظ والفصيح الأسلوب وكان لا ينشده إلا بعد انتقاده وتمحيصه مرارا. وقد استحسنا له قوله في الاستغفار واعتقاد الخلود:
يا رب أين ترى تقام جهنم للظالمين غدا وللأشرار
لم يبق عفوك في السموات العلى والأرض شبرا خاليا للنار
يا رب أهلني لفضلك وأكفني شطط العقول وفتنة الأفكار
ومر الوجود يشق عنك لكي أرى غضب اللطيف ورحمة الجبار
يا عالم الأسرار حسبي محنة علمي بأنك عالم الأسرار
أخلق برحمتك التي تسع الورى ألا تضيق بأعظم الأوزار
وما أحسن قوله في الوفاء والعفو:
إذا خانني خل قديم وعقني وفوقت يوما في مقاتله سهمي
تعرض طيف الود بيني وبينه فكسر سهمي فانثنيت ولم أرم
ومثله حسنا في طيش الشباب وعجز المشيب:
لم يدر طعم العيش ش بان ولم يدركه شيب
جهل يضل قوى الفتى فتطيش والمرمى قريب
وقوى تخور إذا تشبث م بالقوي الشيخ الأريب
فيما يقال كبا المغفل م إذ يقال خبا اللبيب
أواه لو علم الشبا ب وآه لو قدر المشيب!
وخسر العراق في تلك السنة أيضا في شهر أيلول 1922 رجلا من علمائه المشهورين (الشيخ علي باقر) أحد علماء النجف الشيعيين وتقفى آثارهم إلى دار الخلود في العام التالي عالم الهند السيد (أبو بكر باعلوي) توفى في

(1/462)


حيدر آباد في أواخر السنة 1923 كان من علماء بلاده اشتغل بالتعليم والكتابة. وتولى تصحيح مطبوعات وطنه حيدر آباد. له مصنفات عديدة في الفقه والأنساب والحساب والطبيعيات والأدب والمنطق. وديوان شعر. وقد اشتهر بمعاداة الشيعة وأنصارها وبالدفاع عن السنة وذويها فحصل له بذلك تعنت كثير. كان مولده سنة 1846 وفي العام ذاته في 5 آب 1933 توفى (احمد كمال باشا) أحد أدباء مصر الذين تخصصوا مع علماء الفرنج البحث عن آثار قدماء المصريين فتعين أولا كأمين مساعد في المتحف المصري فانكب على درس اللغة الهيروغليفية والآثار المصرية حتى تمكن من معرفة أسرارها وأخذ يلقي في ذلك المحاضرات في النوادي الوطنية وينشر المقالات الواسعة فيها فاختاروه كعضو في المجمع العلمي المصري وله في سجلاته خطب ومحاضرات. وكذلك علم فن الآثار المصرية بمدرسة المعلمين العليا. وقد ألف قاموسا هيروغليفيا عربيا فرنسويا واسعا نسبه فيه بعض العلماء إلى الغلو والتطرف في رده ألوفا من الألفاظ العربية إلى أصول مصرية قديمة وورد علينا في أواسط آذار من السنة 1924 نبأ أليم بوفاة أحد أصدقائنا في بغداد السيد الأديب (محمود شكري الآلوسي) من الأسرة الآلوسية الكريمة وابن الشهاب الآلوسي الذي مر لنا ذكره بين أعلام القرن التاسع عشر. ولد سنة 1857 وتخرج في بغداد على آله فتبحر في العلوم الإسلامية وانتدب إلى التدريس في مدارسها فنبغ من تلاميذه الشاعر العصري الرصافي. وقد تولى إدارة الزوراء وهي أول جريدة أنشئت في مدينة السلام فكتب فيها فصولا رائقة خرج فيها عن دائرة التقليد الضيقة حتى سعي به إلى عبد الحميد فلم ينج من المنفى إلا بفضل بعض أصحابه. وله من التآليف النفيسة بلوغ الأرب في أحوال العرب قدمه لمؤتمر المستشرقين في استوكهولم فشكرته عليه اللجنة وأجازته بوسام ذهبي.

(1/463)


ومن تآليفه كتاب أخبار بغداد وتراجم بعض علمائها في القرن الثالث عشر وتاريخ نجد وأمثال العوام في مدينة السلام وغير ذلك من المصنفات التي زاد بها شرف أسرته. وكان سبقه إلى الأبدية أحد أنسبائه السيد (احمد شاكر الآلوسي) فاتنا ذكره توفى سنة 1912 وكان عضوا في مجلس المعارف الكبير في الآستانة وخلف كذوي قرابته آثارا أدبية متفرقة ولم نكد ننسى ما ألم بالآداب العربية بوفاة ذلك الكاتب الشهير (السيد مصطفى المنفلوطي) الذي نعت بأمير بيان هذا العصر. ولد في مدينة منفلوط سنة 1875 وتوفي سنة 1924 وتخرج في الأزهر المصري ونال قصبة السبق على أقرانه واستهواه حب الأدب في أول ربيع حياته فأخذ يتمرن على الكتابة نثرا ونظما. ثم لحق بالشيخ الإمام محمد عبده فلازمه عشر سنين وأخذ من أفكاره وآدابه. وبعد وفاة الأستاذ عاد إلى وطنه وأخذ يحرر رسائله الشهيرة في جريدة المؤيد فالتفتت إليه أنظار أرباب وطنه. ولم يول منذ ذلك الزمان يواصل الكتابة فنشر مؤلفاته الرائعة (النظرات) في ثلاثة أجزاء و (العبرات) وفي سبيل التاج نقله بتصرف عن الافرنسية. و (الشاعر والفضيلة) إلى غير ذلك مما ضاعف الحزن على وفاته وهو لم يبلغ الخمسين من عمره. وله شعر حسن وإنما برز خصوصا بإنشائه البليغ على الأسلوب العصري.
وفي 30 حزيران من السنة الماضية 1925 حل الأجل المحتوم بأحد مواطنينا (رفيق بك العظم). ولد في دمشق سنة 1865 ثم نشأ في وطنه وأخذ الآداب عن مشايخه ثم انتقل إلى مصر وتعاطى فيها أمور السياسة والأدب وكان أحد السعاة بتحرير وطنه من النير العثماني أو بالحري بتخفيفه باللامركزية. وله كتب تاريخية وأدبية حسنة أخصها كتاب مشاهير الإسلام في أربعة أجزاء.
وفي هذا العام أيضا أيار 1925 توفي الشيخ محمد حسين شمس الدين أديب جبل عامل وشاعره.

2- أدباء النصارى المتوفون في هذه الحقبة
أولا الأحبار والكهنة

(1/464)


بين السنين التي مرت منذ نهاية الحرب العالمية إلى أواخر السنة 1926 دعا الله إلى جواره بعض أحبار الكنيسة الذين خدموا الآداب متاجرين بالوزنات التي نالوها من ربهم.
(السيد ديونيسيوس أفرام نقاشة) نكبت الطائفة السريانية بفقد هذا الحبر الجليل في 13 آذار سنة 1920 توفي في مدرسة الشرفة في لبنان عن سبعين عاما. وكان السيد الفقيد رئيس أساقفة حلب على السريان الكاثوليك منذ 5 نيسان سنة 1903 أدى في حياته لملته خدما جمة وقد عرف بنسكه وانصرافه إلى العيشة التقوية. وكان مولعا بدرس التاريخ وقد نشر في ذلك كتابا نفيسا ضمنه أخبار طائفته السريانية الكاثوليكية منذ اهتدائها إلى حجر الكنيسة الكاثوليكية إلى زمن السيد الجليل بطريرك إنطاكية الحالي ماري أغناطيوس أفرام الثاني رحماني وذلك في مجلد ضخم دعاه عناية الرحمان في هداية السريان. وما هو إلا قسم من تاريخ أوسع لم يزل مخطوطا بحث فيه عن أخبار الطائفة السريانية منذ نشأتها.
وفي هذا الشهر عينه في 22 آذار 1920 انتقل إلى دار البقاء سيد آخر من أركان الطائفة المارونية الكريمة (المطران يوسف دريان) النائب البطريركي على القطر المصري. ولد هذا الحبر الجليل سنة 1861 ودخل الرهبانية الحلبية ودرس أولا في مدرسة انتشار الإيمان في رومية وأتم دروسه في كلية القديس يوسف في بيروت. وفي السنة 1896 جعل رئيس أساقفة طرطوس شرفا. وقد خلف آثارا كنسية وأدبية وتاريخية عديدة تشهد له بطول باعه في العلوم الدينية والمدنية. فمن تآليفه الدينية كتاب رتب السياميذ الكهنوتية المعروفة بالشرطونية وكتاب المغنم في تكريم مريم والمقالة الوفية في العبادة الحقيقية لمريم العذراء.

(1/465)


معربا عن تأليف الطوبوي لويس غرينيون دي منفرت وكتاب الدعوة الرهبانية للقديس الفونس دي ليغوري وجادة الفلاح في سبيل التقي والصلاح ومجموعة أناشيد روحية بعضها من نظمه منها نظم الجمان في سبيل سيدة لبنان. ومن تآليفه التاريخية نبذة في أصل البطريركية الأنطاكية وفي أصل الطائفة المارونية واستقلالها في لبنان في قديم الدهر حتى الآن وثلاثة أبحاث في المردة جمعها في كتاب دعاه (البراهين الراهنة في أصل المردة والجراجمة والموارنة) خالف فيه رأي السيد يوسف الدبس. ومن آثاره الأدبية كتاب الإتقان في صرف لغة السريان ومنها عدة مقالات أدبية نشرها في الجرائد وفي مجلة المشرق وفي 18 أيار 1921 توفي في بيروت السيد (كيرلس مكار) بطريرك الأقباط الكاثوليك سابقا. فصل عن تدبير كنيسة لدواع موجبة. وكان المذكور يتعاطى الآداب الشرقية بعد أن تخرج بها في كليتنا البيروتية لتاريخ الكنيسة الإسكندرية وأبحاث في آثار النصرانية في مصر ومنظومات شعرية بالافرنسية ومناشير وغيرها. ولد في الصعيد سنة 1868 (الأب مبارك سلامة المتيني) أحد رؤساء الرهبانية اللبنانية العامين الإجلاء. ولد في المتين (لبنان) في 15 نيسان 1852 وانضوى سنة 1866 إلى الرهبانية البلدية فكان من أفضل أبنائها أدبا وبرارة تلقى العلوم الدينية العالية في كلية القديس يوسف وكان أول من نال فيها شهادة الملفنة في علمي الفلسفة واللاهوت سنة 1883. وعهدت إليه في رهبانيته أفضل المناصب وأرقاها فتولاها عدة سنين بنشاط وحكمة أقر بها الجميع لا سيما أنه كان بمثله أوعظ منه بكلامه. توفي في عيد مولد العذراء في 8 أيلول 1921. (اطلب ترجمته لحضرة الخوري بطرس سارة في المشرق 20 (1922): 852 - 862). وكان المرحوم مع كثرة أشغاله في الرهبانية وفي الأعمال الرسولية في لبنان لا يضيع برهة من زمانه فقد ألف مختصر اللاهوت الأدبي واختصر كتاب الكمال المسيحي للأب رودربكس اليسوعي. وقد نشر من تعريبه

(1/466)


كتاب دستور الرؤساء في سياسة المرؤوسين وهو سفر جليل للأب فالوي اليسوعي وكتاب دستور الحياة الروحية ليسوعي آخر الأب سورين الشهير وممن فقدته الآداب العربية من ملة الروم الكاثوليك الكريمة المطران استفانوس سكرية رحل إلى دار الخلود في 25 ت1 1921 ولد في دمشق سنة 1868 وتخرج في العلوم الدينية والدنيوية في القدس الشريف في مدرسة القديسة حنة. وقد أحرز له فضلا كبيرا في تدريس الفنون العربية فيها ثم في المدرسة البطريركية في دمشق وكان لا يألو جهده في تعزيز العربية وكان هو من كتبتها الجيدين وخطبائها المشهورين. وقد أبقى بعض الآثار المتفرقة من رسائل وإرشادات وله كتاب وضعه لجمعية أنشأها ولقبها بالنهضة الدينية الكاثوليكية وفي مفتتح السنة 1922 فجعت كنيسة الآباء البوليسيين الأفاضل بخلب أليم إذ فارقهم إلى الأبدية أحد اخوتهم المأسوف عليه كثيرا الأب ولسن سيوبر وهو في عز الكهولة كان أيضا من متخرجي مدرسة الصلاحية في القدس ثم أحد أساتذة الآداب العربية فيها لطلبتها من طائفته الكاثوليكية. ولما انضم إلى جماعة الآباء البوليسيين في حريصا سنة 1903 ما عتم أن باشر الرسالات في حوران وتنقل في قراها متفانيا في كل الأعمال الرسولية. وله عدة آثار كتابية في مجلة المسرة وكان أحد محرري مقالاتها الدينية والأدبية الممتازة. ومن منشورات قلمه رواية القديس سفستيانس الشهيد وزهور النفس من حديقة خوري أرس وكتاب المجمع الملي للروم الكاثوليك وكنوز النفس في الغفرانات ونبذة في صناعة الشعر العربي. ومن مقالاته الحسنة في المسرة ما سطره عن عوائد العرب وله بحث جغرافي تاريخي في حوران وغير ذلك مما زاد أسف اخوته على فقده وفي أواسط 9 شباط 1922 استأثرت رحمة الله مرسلا غيورا من الطائفة المارونية اشتهر في كل أنحاء لبنان بمواعظه وبلاغته وأعماله الرسولية الخوري الأسقفي اسطفان الشمالي.

(1/467)


نشر مع الطيب الذكر السيد جرمانوس الشمالي جزأين من الخطب والعظات أقبل عليهما لحسنهما لفظا ومعنى. وكان الخوري اسطفان شاعرا مجيدا له في ذلك آثار متفرقة وفي 20 أيلول من السنة 1922 ودع الحياة المأسوف عليه القس نعمة الله أبو ناضر أحد مدبري الرهبانية اللبنانية البلدية. كان تلقى العلوم في كليتنا البيروتية وكان من المتضامنين من اللغة العربية فانتدب إلى تدرسيها ثم تعاطى فن المحاماة وحرر مدة روضة المعارف ونشر عدة مقالات فقهية وأدبية في المجلات والصحف السيارة في الآستانة وبيروت. ثم آثر العيشة الرهبانية وخدمة الدين إلى آخر حياته وممن فقدته الآداب العربية أحد أخوة المدارس المسيحية (الأخ ساروفيم فكتور عطاء الله) المتوفى في كانون الثاني سنة 1923. له تاريخ الآداب العربية منذ نشأتها طبعه في الإسكندرية سنة 1914 فأقبلت عليه المدارس لحسن تنسيقه فأعيد طبعه ومن أنصار الآداب العربية الذين أصيبت بفقدهم طائفة الروم الكاثوليك المثلث الرحمات البطريرك (دمتريوس قاضي) الذي لبى دعوة سيده في 25 تشرين الأول 1925 في دمشق.
كان له اهتمام خصوصي بتعزيز اللغة العربية في مدارس الطائفة في مصر والشام. وتدل كتاباته على ضلاعته بهذه اللغة فضلا عن معارفه الدينية الواسعة التي كان استقاها في باريس من أصفى مناهلها وفي 24 حزيران من السنة الماضية 1926 شق علينا نعي أحد أساتذة الآداب العربية في مدرسة العائلة المقدسة للآباء اليسوعيين في مصر (الخوري نعمة الله بركات) كان من الكتبة البارعين كشقيقه الشهير وعليه تخرج عدد عديد من الناشئة المصرية. ومن آثاره تعريبه لمختصر التاريخ المقدس تأليف لومند

ثانيا العالميون

(1/468)


في أوائل السنة التابعة للحرب في 14 ك2 فقدت طائفة الروم الأورثذكس في بيروت أحد مشاهير أدبائها (الشيخ اسكندر العازار) المولود سنة 1855. أخذ العلوم اللسانية والأدبية عن أساتذة طائفته وفي مدرسة اعبيه الأميريكانية. وقد امتاز منذ حداثة سنه بمزاولة النظم والإنشاء فكان من السعاة بالنهضة الأدبية التي ظهرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وكان خطيبا متفننا وكاتبا بليغا وشاعرا مجيدا. له من الآثار الكتابية في الجرائد والمجلات ما لو جمع لألف مجلدا ضخما. منها خطب ورسائل وروايات تمثيلية وخواطر أدبية. وديوان شعر. ولولا انحيازه إلى الماسونية ومجاهرته بالأفكار الحرة ومغالاته بالسياسة التي ذاق مرها أكثر من حلوها لعددناه من أركان الآداب العربية في الوطن.
وفي 3 نيسان 1919 قصفت المنون في مصر غصنا يانعا من الدوحة البستانية (نجيب البستاني) نجل بطرس صاحب دائرة المعارف ولد سنة 1862 وتخرج على والده كأخيه نسيب المتوفى سنة 1913 وقد ساعده كلاهما في تآليفه وحرر مقالات عديدة في الجنة والجنان وتعاطى الدروس الفقهية فتولى منصب المدعي العمومي ورئاسة محكمة المتن في لبنان. وعدل عن بروتستانية والده فارتد إلى دين طائفته المارونية. ومن آثاره دروس تاريخية عن فينيقية وعن جيل النور وأخلاقهم وعن روسية. وله منظومات شعرية لم ينشرها.
وفي تلك السنة وقعت وفاة كاتب ضليع من أدباء الموارنة (يوسف خطار غانم) توفي في 20 تموز سنة 1919. كان مولده سنة 1857 ودرس في مدرسة الآباء اليسوعيين القديمة في بيروت وحرر فصولا واسعة نثرا ونظما في صحف الشام ومصر وكان كثير البحث عن آثار طائفته كما يدل عليه تأليفه برنامج جمعية مار مارون الجامع بين المعلومات الوافرة وفنون الآداب فأحيا ذكر كثيرين من مشاهير ملته وزين مقالاته بصورهم المفقودة.

(1/469)


وفي 29 ت2 1919 مات في سان باولو البرازيل بداء القلب أحد أبناء سورية الأدباء وهو (قيس لبكي) حرر في جرائد المهجر ومجلاتها فاشتهر بالكتابة. وإنما شوه كتاباته بما ضمنها من الآراء الفاسدة والتحامل على الدين ما حمل من المنصفين على تفنيده وتزييف آرائه.
ومن مناعي العام 1919 أيضا الصحافي (صموئيل يني) أخو جرجي أفندي يني منشئ مجلة المباحث في طرابلس. جارى أخاه بما نشره هناك من المقالات الأدبية الحسنة. وخلف أيضا آثارا كتابية لم تنشر بالطبع.
وفيه نعيت (مريانا مراش) من الأسرة المراشية الحلبية الشهيرة. امتازت في وطنها بين بنات جنسها بوضع المقالات الأدبية وبنظم الشعر وخلفت منه ديوانا بعنوان بنت فكر نشر في بيروت سنة 1893. فمن أقوالها تهجو طبيبا جاهلا ثرثارا:
طبيب بلا علم يروم لنفسه مديحا لفعل يقتضي أقبح الذم
فيسقي علاج المذق من عذب لفظه وينفث من أفعاله قائل السم
ومما نقش على نعش فتاة من نظمها:
يا زهرة ذبلت بغير أوان ناحت عليها الورق بالأغصان
فتعزيا يا والديها أنها مثل الملاك مضت لخلد جنان
ومما قالته فنقش على كيس تبغ:
أحفظ ودادك في فؤادك كامنا واثبت ولا تك مثل تبغ دخان
فعواصف الأنفاس تصعده سدى وتزجه في عالم النسيان
والود ضمن القلب نقطة مركز كالأرض ثابتة على الدوران
وكأن الحرب الكونية ومصائبها هدت قوى كثيرين من الأدباء فماتوا متأثرين من كوارثها. ففي السنة 1920 في شهر شباط توفي في دمشق الأديب (نعمان القساطلي) صاحب تاريخ دمشق المعنون بالروضة الغناء في دمشق الفيحاء.

(1/470)


وفيها في 31 أيار 1920 رزنت العلوم القضائية بأحد أساطينها (الشيخ سليم باز) المولود في 5 حزيران 1859. درس في مدرسة الآباء اليسوعيين في غزير حيث شهدنا عيانا نشاطه وسباقه لرفقته في ميدان العلم والتقى. ثم انكب على العلوم الفقهية متلمذا للسيد يوحنا حبيب منشئ الجمعية التقويمية قبل أسقفيته فكان موضوع إعجاب أستاذه ولم يزل يتبخر في الفنون الشرقية القضائية حتى عد من كبار علمائها وأسندت إليه أرقى مناصبها فقام بها أحسن قيام واستحق ثناء أرباب الأمر. وعموم الأهلين وألفت إليه أنظار الدولة التركية فجعلته من أعضاء مجلسها الشورى. ثم عاد إلى وطنه فخدمه أطيب الخدم كمحام قانوني وأستاذ نطاسي ومؤلف بارع تشهد له المؤلفات العديدة التي يتداولها أرباب المحاكم كشرح المجلة وشرح قانون المحاكمات وقانون الجزاء ومرقاة الحقوق وهو مختصر نفيس في علم الفقه فضلا عن تآليف فقهية عديدة عربها عن التركية ومقالات عديدة عربها عن التركية ومقالات عديدة يطول تعدادها. وقد نشر أخوه جناب الدكتور جورج باز ترجمة حياته المطولة في المشرق (30 (1922): 938 - 957).
وكانت السنة 1921 أسوأ عاقبة على الأدباء فغادرنا كثيرون منهم إلى العالم الآخر ففي 17 كانون 1921 ودع الحياة أحد أدباء صيداء (فرج الله نمور) من أسرة نمور الوجيهة.

(1/471)


ولد في 25 آذار سنة 1868 ودرس في مدرسة الآباء اليسوعيين في صيداء فنال بين رفقته قصب السباق وأخذ يتمرن على الكتابة ونظم الشعر حتى برع فيهما ثم بارح الوطن لما وجد فيه من المضايقة على الأقلام وانتقل إلى مصر فصار يحرر في أكبر جرائدها. ثم تجول في البلاد وزار تونس وأنشأ مع نجيب ملحمه جريدة البصيرة فقام بأعباء تحريرها سنتين ثم أنشأ في طنجة جريدة لسان المغرب فأصابت رضى سلطان مراكش. ثم اضطر بعد أربع سنوات إلى مغادرتها لاختلاط الأمور السياسية وأبحر إلى البرازيل سنة 1920 وفتح في سان باولو مدرسة خدم فيها الجالية السورية بهمة قدرها له المهاجرون لولا أنه أصيب في أوائل السنة 1921 بداء الجنب الذي لم يمهله إلا أياما قليلة فغالته المنية وعم أسف مواطنيه على فقده. ولفرج الله نمور عدة قصائد قالها في كبار الرجال ولقيت استحسانهم. فمن قوله يحن إلى وطنه صيداء ويأسف على فراقها:
ما للغريب سوى البكاء مؤانس إن كان يعلم مؤنسا وخليلا
الله يا صيدون يا وطني الذي فاق البلاء مرابعا وطلولا
حياك يا وطن الفضائل والهنا مر النسائم بكرة وأصيلا
بلد بها اخضرت نبات عوارضي ورشفت من كأس الصفاء شمولا
تلك التي حسنت مقاما للورى ومنازلا وحدائقا وسهولا
دعني وشأني والدموع فإنها تشفي الفؤاد وقلبي المتبولا

(1/472)


وفي 2 آذار من السنة 1921 توفيت سيدة سورية (رحمة خوري صروف) المولودة سنة 1880 درست في مدرسة طرابلس الأميركانية فنالت شهادة دروسها العالية ودانت هناك بالمذهب البروتستانتي. ثم تولت التدريس في مدرستي طرابلس وحمص بدعوة عمتها ثم رحلت إلى مصر وعلمت في مدارسها وأخذت تنشئ المقالات الأدبية النسائية فنشرت منها عددا في جريدة القطم فأحرزت لها سمعة طيبة حتى دعيت إلى إلقاء المحاضرات في الجامعة المصرية في القسم المختص بالسيدات. وهي من جملة السيدات اللواتي نهجن للفتيات سبل التربية العصرية. كتبت في ذلك عدة مقالات في المقتطف مع قرينها إسحاق أفندي صروف وفي تلك السنة المشؤومة شيعنا جنازة أديب آخر من أفضل رجال الوطن وعلمائه (سليم أصفر) نجل كبير قومه إبراهيم أفندي أصفر. تلقى العلوم في كليتنا فكان فيها قدوة لكل رفقته بجده وحسن سلوكه. ثم انتقل إلى فرنسة فتعمق في درس الزراعة ليخدم بها وطنه مع حاجته إليها. فلما عاد راجعا عهدت إليه إدارة الزراعة في الجبل فأفادها كثيرا وأحب أن يفتح لها أبوابا جديدة للارتزاق لولا ما لقيه من العوائق في سبيله. ثم رحل إلى الآستانة يطلب امتيازا لاستثمار جهات الحولة وتحسين تربتها. ثم تخلى في دار عمه عن الأشغال مدة الحرب محتملا بصبر جميل ما أصيب به من الأمراض حتى قابل الوفاة بكل تقي وتسليم لإرادته تعالى. وللمرحوم كتابات نفيسة في كل فنون الزراعة ظهر منها في المشرق عدة مقالات وهو الذي كتب في زمن الحرب تلك الفصول الشائقة التي ظهرت في كتاب لبنان عن الزراعة والصناعة في الجبل. وقد عرف باستقامته ولزومه كل فرائض دينه وممارسته لسائر الفضائل المسيحية ومن الأدباء الذين فاجأتهم النية في العام المذكور (25 ت1 1921) الكاتب البارع خليل طنوس باخوس. من أسرة باخوس الكريمة. ولد في غزير ودرس في مدرسة الآباء اليسوعيين التي سبقت كلية بيروت. ثم تفرغ للكتابة ولخدمة الآباء العربية فكان أحد

(1/473)


أساتذتها المقصودين يقبلون إليه حيثما يدرس. وهو الذي فتح المطبعة اللبنانية ونشر فيها كتبا أدبية مفيدة ثم أنشأ جريدة الروضة فحررها سنين عديدة وكتب فيها الفصول الرائقة باعتدال الطريقة وصون كرامة الدين ومن مآثره الحسنة روايته التمثيلية الحارث ملك نجران
بالشعر ثم رواية ديمتريوس معربة وأضافت المنون إلى الأدباء المتوفين في ذلك العام الدكتور اسكندر بك البارودي في 25 ت2 1921 ولد في صيدا سنة 1856 من عائلة من الروم الكاثوليك عدلت إلى الروم الأورثذكس لخلاف حصل هناك. وتربى اسكندر بك في المدارس الأميركية وفي جامعتها وحاز شهاداتها البيروتية فأتبع الكنيسة الإنجيلية. وانحاز - سامحه الله - إلى الماسونية فصار أحد رؤساء محافلها. وكان الدكتور من الأطباء الحاذقين والكتبة الماهرين تشهد له مجلته الطبيب التي أنشأها وأدارها مع الدكتور بوست سنين طويلة وضمنها مقالات مستجادة طبية وأدبية وتاريخية
ومن آثاره أيضا كتابه السوار المحلي في تدبير الأعلا وخير الأغراض في مداواة الأمراض والنصائح الموافقة في سن المراهفة والمبادئ الصحية للأحداث وحياة الدكتور كرنيليوس فان ديك وكلها مطبوعة ومما لم يطبع تاريخ الحثيين وتفسير لشرح ابن رشد لأرجوزة ابن سينا ونشر فصوص الحكم للرازي ودعوة الأطباء لابن بطلان وساعد أساتذة الكلية الاميركانية في تعريب ونشر تآليفهم وكان قاضيا في محكمة استئناف جبل لبنان سنين طويلة ومؤسسا لجمعية الأطباء والصيادلة ومن أعضاء الجمعيات العلمية والخيرية وكانت وفاته في سوق الغرب فواروه التراب في مكين مع والديه. وللفقيد أخ من أم أخرى دخل جمعية الآباء اللعازريين وهو اليوم مرسل غيور في رسالتهم الصينية وفي السنة 1921 المذكور أيضا سبق إلى الأبدية الدكتور أسكندر بارودي أستاذان
بارعان خدما وطنهما بالتعليم ونشرا فيه الآداب أحدهما ماروني يوسف حرفوش والآخر اورثذكسي نخلة زريق.

(1/474)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية