صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : تاريخ الآداب العربية

وزاد على السابق شهرة الهولندي رينهرت دوزي الذي ولد وتوفي في ليدن (كان مولده في 21 شباط 1820 ووفاته في 29 نيسان 1883). أولع منذ حداثته بحب الشرق والعلوم الشرقية وتعمق في درس العربية حتى دعي إلى تدريسها في كلية بلده ومنشوراته العربية عديدة نفيسة منها كتابه في ملابس العرب بالفرنسوية (في 446 صفحة) ونشره لتاريخ بني زيان ثم تخصص بدرس الدول الإسلامية في الأندلس والمغرب فنشر عدة مجلدات في ذلك كتاريخ المعجب لعبد الواحد المراكشي وتاريخ البيان للغرب لابن العذاري وتاريخ الدولة العبادية في الأندلس وجغرافية الإدريسي وتاريخ الإسلام في الأندلس في أربعة مجلدات وشرح قصيدة ابن عبدون لابن بدرون ونشر مع بعض المستشرقين القسم التاريخي من نفح الطيب المقري وله معجم واسع في مجلدين ضخمين جعله ملحقا للمعاجم العربية وكتب تاريخا مطولا في الإسلام منذ ظهوره إلى أيامه وألف كتابا عن الإسرائيليين في مكة وهلم جرا.
في ختام القرن التاسع عشر توفي الهولندي فات المولود في 2 ك1 سنة 1814 والمتوفى في أرنهيم في 14 نيسان سنة 1899 كان من معلمي الشرقيات في كلية ليدن واشتهر خصوصا بكتاباته عن الهند والمستعمرات الهولندية. ونشر في العربية كتاب لب اللباب في تحرير الأنساب لجلال الدين السيوطي.

الإنكليز
عرف منهم في ختام القرن السابق (إدورد بالمر) من أساتذة كمبردج المتوفي سنة 1883 خلف كتابا إنكليزيا في أصول نحو العربية. ونشر ديوان بهاء الدين زهير مع ترجمته الإنكليزية على طرز بهي وله أيضا ترجمة القرآن إلى الإنكليزية.

(1/336)


ومنهم المستشرق الشهير (وليم ريت) ولد في الهند الإنكليزية في أوائل سنة 1830 ثم درس في اسكوتلندة وتعلم العربية في ليدن تحت نظارة الأستاذ دوزي ثم عاد إلى لندن ودرس العربية وتولى نظارة المخطوطات الشرقية في خزانة كتبها العظمى فوصف مخطوطاتها السريانية الثمينة في قائمة لا تقل عن ثلاثة مجلدات ضخمة. وفي سنة 1870 طلبته كلية كمبردج ليعلم فيها العربية فبقي في مهنته إلى سنة وفاته في 22 أيار 1888. ولوليم ريت مطبوعات عربية جليلة منها الكامل للمبرد ومنها رحلة ابن جبير ومنتخبات من شعراء الجاهلية دعاها (جرزة الحاطب وتحفة الطالب) واشتغل في استخلاص القسم التاريخي من نفح الطيب للمقري مع العلامة دوزي. وله كتب أخرى لغوية منها غراماطيق عربي بالإنكليزية نقله عن غراماطيق كسباري وزاد عليه وقد تكرر طبعه.
وفي السنة التالية في 9 آذار 1889 توفي في لندن (وليم نأسوليس) الذي مر لنا ذكر خدمه للآداب الشرقية في كلكوتا (راجع ص124 - 125).
وفي 20 ت1 السنة 1890 توفي تريسته حيث كان قنصلا لدولته السائح الشهير اللورد (ريشرد برتون) ولد في كنتية نورفل في انلكترة في 19 آذار 1821 وساح في عدة بلاد واكتشف في أفريقية سنة 1852 بحيرة تنغنيكا. وتعين مدة كقنصل في دمشق ورحل إلى بادية الشام وإلى تدمر. وكان قبلا بلغ إلى مكة وزار المدينة وكتب تفاصيل سياحته إليهما في مجلدين. وكانت امرأته كاثوليكية فلم تزل تسعى في أمر اهتدائه إلى دينها القويم حتى أدركت غايتها. ولما توفي زوجها أقامت له في لندن مشهدا من الرخام على شكل خيمة عربية وسكنت فيها إلى موتها.
وفي السنة 1892 توفي إنكليزي آخر صرف قسما من حياته بمهنة ترجمان في سفارات دولته في الآستانة وفي القاهرة وهو (جمس ردهوس) وكان في أوقات الفراغ يشتغل بالتأليف لا سيما في التركية. وله معجم عربي وفارسي وإنكليزي ونشر قصيدة لامية العرب للشنفري مع شروح مختلفة ونقلها إلى الإنكليزية.

(1/337)


واشتهر بين أساتذة كمبردج الأستاذ (وليم روبرتسون سميث) فعلم في جامعتها وعني بالعلوم اللغوية له تصحيحات على غراماطيق كسباري فنشره سنة 1896. كان مولد سميث في 6 آذار 1846 وتوفي في كمبردج في 31 آذار 1894.

الروسيون
تعززت بينهم الدروس الشرقية في ختام القرن التاسع عشر وأزهرت العربية خصوصا في كليتي بطرسبورج وموسكو وممن عرف منهم وقتئذ (برنهرد) دورن كان مولده في ألمانية في 11 أيار سنة 1805 ودرس اللغات الشرقية على مشاهير المستشرقين. وفي سنة 1829 استدعته الدولة الروسية للتعليم في كلية خركوف ثم في مكتبها الآسيوي في بطرسبورج وتولى نظارة مكتبتها الشرقية ومتحفها الإمبراطوري. توفي في بطرسبورج في 31 أيار 1881 بعد أن أغنى العلم بتآليفه لاسيما في تواريخ الشرق العجمي والشرق الإسلامي كتاريخ القفقاز والخزر والكرج واتسع في وصف الآثار الشرقية كالنقود العربية والمخطوطات الإسلامية فان مآثره تربى على 150 عدا.
ومنهم المعلم (كركاس) كان مولده في روسية نحو السنة 1835 ودرس اللغات الشرقية في بطرسبورج ثم في باريس ثم قصد الشرق فسكن سنتين بنيف في جوار بيروت. ولما عاد إلى روسية قلد منصب التقليد في حاضرتها فأقبل عليه الدارسون وكان من جملتهم العلامة البارون فون روزن الذي نشرنا في المشرق (11 (1908): 171) خلاصة ترجمته. توفي المعلم كركاس السنة 1888. له مؤلفات مفيدة منها كتاب حقوق النصارى في البلاد الإسلامية ومنتخبات عربية ومعجم عربي روسي. نشر كتاب الأخبار الطوال لأبي حنيفة الدينوري وتاريخ الآداب العربية طبعه بالروسية على الحجر.
وتوفي ليتوانية الأستاذ (اسكندر تشوسكو) كان مضلعا باللغات الشرقية ولا سيما الفارسية. وله رحلة إلى جهات العجم وكتب عن الإسلام ومنشئه عن القرآن. ولد في 11 تموز 1804 وتوفي في 20 ك1 1891.

(1/338)


الإيطاليون وممن أسفت على فقده إيطالية من المستشرقين الأستاذ (ميشال أماري) ولد في بالرمة في 7 تموز سنة 1806 وتوفي في 16 تموز 1889 تعلم اللغات الشرقية في باريس وفي رومية وخص نفسه بالعربية وبآدابها وتاريخها في بلاده. فكتب تاريخ المسلمين في صقلية ونشر رحلة ابن جبير إلى تلك الجزيرة وصنف تأليفه الذي دعاه بالمكتبة الصقلية فعززها بالكتابات والمعاهدات التجارية المبرمة بين العرب والإيطاليين وغير ذلك مما أوجب له شكر المستشرقين عموما وأهل بلاده خصوصا.

الإسبانيون
وفقدت إسبانية في السنين الأخيرة من القرن التاسع عشر ثلاثة من أساتذتها المستشرقين (جوزه دي لرخندي) مؤلف معجم عربي إسباني ومجموع منتخبات عربية (فرنسوا كسافيه سيمونت) أستاذ العربية في غرناطة الذي نشر تاريخ النصارى المستعربين في الأندلس وألف بعض كتب مدرسية عربية ونشر أعمال مجمع طليطلة عن نسخة عربية قديمة وله مقالات متعددة عن العرب نشرها في المجلات الإسبانية. وقد اجتمعنا به في مؤتمر لندن 1891 فأخذنا العجب من سعة علمه. توفي في غرناطة 8 تموز سنة 1897. أما الثالث فهو أستاذ العربية في مدريد العلامة (بسكوال كيانغوس) المولود في إشبيلية سنة 1809 قدم لندن وصنف فيها تآليف مختلفة اشتهر منها تاريخه للدول الإسلامية في إسبانية وترجمته الإنكليزية لتاريخ المقري نفح الطيب في مجلدين ضخمين ووصف آثار قصر الحمراء وكتاباتها. توفي في لندن سنة 1897. وكان هؤلاء أخذوا عن مستشرقين سبقاهم
عهدا (لافوانتي القنطري) المولود في جهات مالقة سنة 1827 والمتوفى سنة 1856: كتب تاريخ غرناطة ونشر كتاباتها العربية. والثاني (أمادوردي لوس ريوس) ولد في نواحي قرطبة سنة 1818 وتوفي في أشبيلية سنة 1878. علم العربية في مجريط ثم صار مديرا لكليتها ونشر آثار قرطبة وأشبيلية.

اسوج ودينمرك

(1/339)


واشتهر في لسوج (هولبو) المولود في 19 آذار 1896 والمتوفى في كريستيانيا في 2 نيسان سنة 1882 صار أستاذا في عاصمة بلاده كرستيانية بعد أن تخرج في باريس على دي ساسي وكوسان دي برسفال واشتهر خصوصا بالعلوم الكتابية واللغات الهندية. وقد ترجم إلى الألمانية كتاب كليلة ودمنة ونشر عدة مقالات عن الإسلام في الهند.
وفي 1898 رزنت دنيمرك بموت مستشرقها الشهير (اوغت مهرن) ولد سنة 1822 في 6 نيسان وأخذ العربية في فليشر وعلم في كوبنهاك اللغات الشرقية نحو 50 سنة. ألف كتابا في بيان اللغة العربية ونشر كتاب عجائب البر والبحر لشمس الدين الدمشقي ومجموعة من تأليف الرئيس ابن سينا نشرها ونقلها إلى الفرنسوية.
أما (الأميركيون) فلا نعرف منهم أحدا اشتهر بالعلوم العربية إلا نزيل بيروت الدكتور (كرنيليوس فان ديك) المولود في ولاية نيويورك سنة 1818 والمتوفى في بيروت في 13 ت2 سنة 1896. قدم إلى سورية بصفة مرسل بروتستاني سنة 1840 فصار إلى آخر نسمة حياته قطب الرسالة الأميركية في هذه البلاد وقد نشر سيرته الدكتور اسكندر أفندي نقولا البارودي في المطبعة العثمانية فنحيل القراء إلى تفاصيلها. وفي آخرها جدول تآليفه البالغة نحو 30 كتابا في العلوم العصرية كالرياضيات والآثار الجوية والطب والجغرافية ولكه كتاب النقش في الحجر في ثمانية أجزاء ونقل إلى العربية الكتاب المقدس دون الكتب الثانوية ساعده في نقله الشيخ ناصيف اليازجي وألف عدة كتب جدلية رد عليها الأب فان هام اليسوعي وغيره من آباء جمعيتنا فأفحموه.
وهنا نختم كلامنا عن الآداب العربية في القرن التاسع عشر وسنضيف إليه إن شاء الله جزءا آخر في أحوال الآداب في القرن العشرين.

زيادات وإصلاحات
الصفحة 4 س 13 وص 8 س 7 وص 18 س 20 (الشيخ الطهطاوي) والصواب (الطحطاوي) نسبة إلى مدينة طحطا المصرية. ص 15 س 1 (وأسعد كتاب) ص (ولأسعد كتاب).

(1/340)


ص 28 ورد في رأس هذه الصفحة غلطا (الآداب العربية في الربع الأول من القرن العشرين) والصواب (الآداب العربية في القرن التاسع عشر). وورد أيضا بالغلط في الكراس التابع (65 - 79) في رؤوس الصفحات المفردة (الآداب العربية من السنة 1870 إلى 1880) والصواب من السنة 1880 إلى 1900.
ص 61 س 7 (الألمانيون) يضاف إليهم في هذا العقد الرابع (مرقس جوزف مولر) ولد في كنبتن في 3 حزيران 1809 وتوفي في مونيخ في 24 آذار 1874 اشتغل بالفلسفة العربية فنشر لأبي الوليد بن رشد مقالات شتى ثم نقلها إلى الألمانية. وله أيضا تآليف في تاريخ العرب وكتب في تاريخ غرناطة ونشر للسان الدين ابن الخطيب مقالته في الطاعون التي عنوانها (مقنعة السائل عن المرض الهائل).
ص 62 س 6 (الكيسيس بولديراف) له أيضا كتاب في أصول اللغة العربية في اللغة الروسية.
س 14 (برغرين) توفي قبل هذه الحقبة نحو السنة 1850.
ص67 س7 (المطابع والمطبوعات) نشرت المجلة الفلسطينية الألمانية 124 - 128) قائمة الجرائد العربية التي كانت تطبع في الشام والجزيرة والعراق سنة 1889.
ص 72 س 4 (مطبوعات مصر) المرحوم الأستاذ الألماني مرتين هرتمان كتاب حسن في الإنكليزية خصعه بمطبوعات مصر في أواخر القرن التاسع عشر 1899).
ص107 س 3 - 14 (ولأحمد فارس الشدياق قصيدة يمدح فيها الشيخ إبراهيم) هذه الأبيات تأخرت بالغلط وحقها أن تقدم للصفحة السابقة فأنها قيلت في الشيخ إبراهيم الحيدري المترجم هناك.

(1/341)


ومما قلناه ذكره العلامة الإنكليزي والمستشرق الكبير (إدورد ولينم لان) الذي أدى خدما مذكورة ومشكورة للآداب العربية أخصها معجمه الكبير العربي الإنكليزي الذي دعاه (مد القاموس) جمع فيه بإصلاحات مختصرة كل ما جاء في معاجم العرب وكتبهم اللغوية فنشر منه ستة مجلدات (1860 - 1876) ولما مات ألحق به حفيده (لان بول) بقية مسوداته بثلاثة مجلدات. ومما نشره كتاب ألف ليلة وليلة نقله إلى الإنكليزية. وله كتاب واسع في مصر وأخلاق أهلها طبعه سنة 1836 وكتب عن أحوال الشرق العربي في القرون الوسطى. ولد (لان) في هرتفرد في 17 أيلول 1801 وتوفي في وارتنغ في 10 آب 1876.

تم بحوله تعالى.

الجزء الثالث
الربع الأول من القرن العشرين
مقدمة
لما انتهينا السنة 1910 من نشر كتابنا الذي وسمناه بالآداب العربية في القرن التاسع عشر كان قصده أن نشفعه عام عن أحوال تلك الآداب وتطورها في أوائل القرن العشرين فلم تسنح الفرصة بتحقيق نيتنا وإنما اكتفينا بأن نختمه بملحقين أو فصلين موافقين لأحوال العشر الأول من ذلك القرن الجديد دعوناهما: الحماسة الدستورية ومنظومات الوقائع الدستورية يبلغان أربعين صفحة.
لكننا لم نزل منذ ذاك الحين نجمع المواد المواصلة العمل وتدوين أخبار قسم من آداب القرن العشرين إذا مد الله بحياتنا. وإذا قد بلغنا بنعمته تعالى الربع الأول من هذا القرن فرأينا أن هذه الحقبة تستدعي تصنيف خلاصة ما جرى فيها من المشروعات والمساعي لرقي لغتنا الشريفة وما أنتجته قرائح الأدباء لتعزيزها ورفع منارة آدابها. فها نحن نعرض عليهم هذه المجموعة فعساها تروق في أعينهم وتأتي ببعض الفائدة.
ولعل البعض منهم ينسبوننا إلى التهور والثقة الزائدة بقوانا لما يلزم عملا مثل هذا من المطالعة الكثيرة ووفرة المعارف وقد اتسعت في هذه السنين دائرة الآداب العربية اتساعا كاد يستحيل على كاتب حصرها وضم أطرافها.

(1/342)


نعم أننا نقر بهذه المشقة ولم نزل نقدم رجلا ونؤخر أخرى حتى تردد على فكرنا المثل السائر (ما لا يستطيع كله لا يهمل قله) فأن بناء المعارف كصرح شاهق غاية ما يطلب من كل أديب أن لا يضن عليه بحجر صغير أو كبير يزيد في بنيانه سموا.
ومما ينشطنا في مباشرة هذا العمل النظر إلى ما حرره البعض من ذوي النجابة والهمة القعساء فقربوا إلينا نوعا القيام به فأننا نجد في ما صنفه في مصر الكاتب الهمام المرحوم جرجي زيدان في كتابه تاريخ الآداب العربية ونشره في بيروت جناب الفيكونت فيليب دي طرازي في تاريخ الصحافة العربية معلومات لم نجدها في وصف آداب القرن التاسع عشر.
وكم نشرت المجلات الجرائد في القطرين المصري والشامي من فصول حسنة يمكن الاقتباس من أنوارها والاستقاء من مناهلها العذبة. فهي قد أحيت ذكر كثير من المعاصرين الأفاضل لولاها لبقيت أسماؤهم خاملة مجهولة وحقها أن يشاد بذكرها لتكون قدوة للناشئة وفخرا للوطن.
وقد قسمنا تاريخ هذه الآداب ثلاثة أقسام. فالقسم الأول يشمل وصفها وتراجم أصحابها في الثماني السنين الأولى من القرن العشرين من أول السنة 1900 إلى إعلان الدستور العثماني في 24 تموز 1908. ويتناول القسم الثاني العشر السنين التالية إلى نهاية الحرب الكلية في 11 تشرين الثاني 1918. ونخص القسم الثالث بالآداب العربية في هذه السنين الأخيرة إلى 1925.

القسم الأول
الآداب العربية من السنة 1900 إلى 1908
الباب الأول
نظر إجمالي في الآداب العربية في بدء القرن العشرين

قد أتفق ذوو الفراسة وأرباب الحكمة والنظر على القول بأن كل قرن ميزة تفرزه عن سواه كما أن دولة وسلالة سيماء خاصة تتسمان بها وتفرقهما عن خلافهما.

(1/343)


كان القرن العشرون جيل انتباه ويقاظة لأهل الشرق فأنهم استفاقوا من سنتهم العميقة واستنشقوا رائحة الحرية باختلاطهم مع الشعوب لدى نفوذ الأجانب بينهم ومهاجرتهم إلى أنحاء المعمور فأثر ذلك في أفكارهم وأخذوا يسعون إلى إماطة التمائم التي كانت الدولة العثمانية عوذتهم بها ونزع اللفائف التي كانت قمطت بها حياتهم الروحية. وكان إذ ذاك السلطان عبد الحميد في عز مجده يسوس رعاياه بقضيب من حديد لا يأنف من سفك دماء كل من يحاول النجاة من نيره الثقيل.
ومن مميزات هذا العصر اتساع نطاق العقول بالوسائل الجديدة التي قربت إليها رقيها وأنارت بصائرها وشحذت أفكارها. وأخصها المدارس التي شاعت في نفس القرى فضلا عن المدن. بينها الجامعات والمدارس العليا والوسطى والابتدائية كان يتقاطر إليها الأولاد من كل طبقات الأهالي حتى الفقراء والوضعاء ففتحت لكثيرين منهم سبلا جديدة للارتزاق بصفة كتبة وأطباء ومحامين ومهندسين وأصوليين جاروا الغربيين في مضمار الحضارة والتمدن. وخرج بعضهم من الجامعات الأوربية فأتقنوا علومها كسائر الغربيين.
وكذلك عرف الشرقيون ما في الاتحاد من القوة فأخذوا على مثال الغربيين يؤلفون الجماعات الأدبية لتعزيز اللغة العربية ونشر آثارها. لكنها لم تثبت لعدم اتفاق أعضاءها ولنفور الحكومة منها خوفا على مسيس سياستها.
وقد ساعد على ترقي الآداب العربية في الشرق انتشار الصحافة وتوفر المطابع والمطبوعات فإن عدد العديد من المتخرجين في المدارس تحفزوا للكتابة فأنشئوا من الجرائد السيارة والمجلات عددا كاد لا يفي به إحصاء سواء كان في الوطن أم في المهجر. وقد بين ذلك جناب الفيكونت دي طرازي في كتابه الممتع عن الصحافة فعدد منها العشرات مع كونه لم ينشر بعدما استجد منها في القرن العشرين وأبرزوا مع المجلات مئات من المطبوعات

(1/344)


في كل علم فن أصبحت المكاتب تضيق عن جمعها. وبين هذه المطبوعات عدد وافر من مخطوطات القدماء كانت ضائعة في زوايا المكاتب استخرجوها من مطاميرها فأتت مساعدة للنهضة الأدبية.
ولعل المستشرقين أصابوا قصبة السباق في هذه الحلبة فإنهم أبرزوا من مكاتبهم تأليف نادرة تهافت على درسها طلبة الآثار القديمة. وقد تنافسوا في نشر هذه الكنوز الأدبية في كل الدول لم يثبطهم في العمل ما كانوا يجدونه من العناء والمشقات وكثرة النفقات. وكانت في الوقت عينه مجلاتهم الآسيوية لا تدع بحثا مهما في سائر فنون الشرق إلا خاضت فيه. وقد احتفل البعض من أصحابها بعرسهم الفضي والذهبي بل بلغ بعضها السنة المائة لإنشائها كالجمعيتين الآسيويتين الفرنسوية والإنكليزية.
وزادت أيضا في بدء القرن العشرين المكاتب التي تمكن الباحثون من مراجعة مخطوطاتها كمكاتب الآستانة والشهباء وبغداد. واتسعت مكتبتنا الشرقية فخص بها معهد واسع لضيق مكانها السابق فبلغ عدد مطبوعاتها الشرقية ثلثين ألفا فضلا عن ثلاثة آلاف مخطوط من منتخب المصنفات العربية والإسلامية والنصرانية.
ولحقت المكاتب المتاحف التي أخذت في أوائل القرن العشرين تلقت أنظار الشرقيين فودوا لو تستحضر لهم متاحف تجمع فيها الآثار العربية خصوصا والشرقية عموما على مثال المتاحف الأوربية فعرضت في بيروت في باحة السراية القديمة بعض الآثار المكتشفة في المدينة وكان لمتحفي كليتي اليسوعية والأميركانية شأن أعظم. وقد ابتنى الأميركان بناية خاصة بتلك الآثار أحسنوا هندامها وتنظيمها.
وكان الأجانب في مصر قد سبقوا الشام إلى ذلك بمتحفي الإسكندرية والقاهرة استفاد منهما الآثوريين بما نشروه في مقالاتهم الرائقة. ومثلهما متحف الآستانة الذي نقل إليه كثير من عاديات سورية وفلسطين منها الناؤوس المعروف بناؤوس الاسكندر قبر فيه أحد ملوك صيدون.

(1/345)


وقد أدى امتزاج الشرق بالغرب في أوائل القرن العشرين إلى التطور في أساليب الإنشاء نثرا ونظما فأخذ البعض ينشئون على منوال الخياليين بما يدعونه النثر الشعري أو الشعر النثري فيرصفونه كمقطعات شعرية وينسقونه دون ارتباط كبير في المعاني سواء أرادوا أن يتمثلوا بالسور القرآنية أم يقتدوا ببعض المحدثين من كتبة الفرنج.
وقد أكتسب الشعر من طريقتهم أن خرج من دائرته السابقة الضيقة وأخذ أصحابه يتفننون في نظمه صورة ومعنى. فترى الدواوين الجديدة مشحونة بالقصائد في كل الوقائع المستحدثة والحوادث التاريخية والاختراعات الجديدة وتصور كل عواطف الإنسان وكل مظاهرات الكون. وربما تحرروا أيضا فيها عن البحور الشعرية فوضعوا طرائق مختلفة لنظمهم وإبراز شواعرهم.
وقد أكثروا من وضع الروايات الخيالية ونقلوا ما شاع منها في البلاد إلى العربية فغلبت أذهان الكتبة والقراء قوة الاحساسات والشواعر التخيلية على قوة العقل ورزانة الفكر.
على أن ذوي الذوق السالم وأصالة الرأي لم ينخدعوا بهذه القشور وثبتوا على الكتابة السلسة المنسجمة التي شاعت في عصور اللغة الذهبية ففضلوا اللب على القشر والجوهر على السطحيات.
ومن مميزات أوائل القرن العشرين اتساع نطاق الآداب العربية فأن تلك النهضة التي شملت أولا مصر والشام وبعض العراق أخذت تنتشر بفضل المواصلات والمهاجرة إلى أنحاء السودان ومراكش وتونس وطرابلس الغرب وبلغت أنحاء أمريكة الشمالية والجنوبية وبالأخص نيويورك والبرازيل. فكثرت المطبوعات وتوفرت الصحف السيارة.

(1/346)


وكان من سمة تلك المنشورات أنها تحررت من كل مراقبة فكان أصحابها يعرضون أفكارهم بكل حرية لا يخافون تقييدا في بسطها. فنالها بذلك بعض المحاسن وبعض المساوئ فأما المحاسن فبكونها خاضت كل المواضيع السياسية والأدبية والتاريخية والفنية مطلقة العنان لكل العواطف والتخيلات لا تخشى انتقاد الأعمال المذمومة ضاربة على أيدي كل ظالم حتى السلاطين. وأما المساوئ فلأن بعضا من الكتبة لم يقفوا على حدود الاعتدال والأنصاف فلاموا غير ملوم وحمدوا غير حميد وانتقدوا ليس لإصلاح فاسد أو تقويم معوج بل لغايات شخصية سافلة. وصوبوا سهامهم المدين وأربابه الكرام واستعاروا من الماسونية ومن بعض الذاهب البروتستانية مغالاتهم في مناهضة التعاليم المسيحية الكاثوليكية وابتخسوا حقوق الآداب فهاموا في بيداء أوهامهم وتاهوا في مهامه جهلهم.
ومن مساوئ ذلك الانتشار البعيد ما أصاب اللغة من آفة الفساد وذلك بتوفر الألفاظ الأجنبية والأساليب الغربية. وربما وضع الصحافيون والمعربون في نقلهم عن نقلهم عن اللغات الأوربية مفردات مختلفة لمسمى واحد لا سيما للمخترعات الجديدة. فاضطربت بخلافهم أفكار القراء. وأسوأ من ذلك أغلاط وسقطات لغوية شاعت في الجرائد والتأليف المستحدثة فقام بعض الأدباء كالمرحوم الشيخ إبراهيم اليازجي ينتصرون لآداب اللغة ويزيفون ما رأوه مخالفا لأوضاعها ولعلهم لم يلزموا في انتقادهم الطريقة الوسطى والخطة المثلى فقام غيرهم يردون عليهم ويثبتون صواب تلك التعابير. فبقيت هذه المناقشات عقيمة إذ لم يوجد مجمع علمي يقضي بين المتناقشين فيفرز بين الغث والسمين وينقي الباطل ويقرر الحق المبين.

(1/347)


وقد أخذت النهضة الأدبية في بدء القرن العشرين تتصل أيضا بالجنس اللطيف فإن فئة من السيدات حاولن كتبة فصول أدبية شعرية ونثرية في الجرائد السيارة في أواخر القرن التاسع عشر كمريانا مراش ووردة اليازجي ووردة الترك بيد أننا لم نطلع على جريدة أو مجلة نلن لها الامتياز باسمهن قبل القرن العشرين غير مجلة الفتاة التي ظهرت في مصر في 20 نوفمبر من السنة 1892 لصاحبة امتيازها هند نوفل ثم مجلة مرآة الحسناء للسيدة مريم مزهر كان أول صدورها في مصر سنة 1896 ثم مجلة أنيس الجليس لألكسندرا أفيرينوه ظهر أول عددها في الإسكندرية في غاية كانون الثاني من السنة 1898. وتبتعها قي الحقبة التي نحن بصددها مجلة السيدات والبنات للسيدة ماري فرح نشرتها أيضا في الإسكندرية في أول أبريل من السنة 1903 ثم فتاة الشرق للسيدة لبيبة هاشم سنة 1906 في مصر وهي لا تزال ثابتة إلى الآن.
ومما ساعد القرن العشرين في ترقية في الآداب ظهور بعض النوابغ الذين تكاتفوا وتناصروا لرفع منار العلوم سبقوا عهده ببضعة أعوام أو وافقوا طلوع هلاله فكان لهم في نهضته فضل مشكور. وسنأتي على ذكرهم في أثناء المقالة.
أما الآداب العربية في أوربة فكانت في أوائل القرن العشرين ثابتة على سيرها الحثيث بهمة جمعياتها ومدارسها الشرقية. فإن عدد المستشرقين كان يزيد يوما بعد آخر وكان الباحثون منهم يطلعون كل يوم على كنوز أدبية جديدة في البلاد التي يتصل إليها النفوذ الأوربي كتونس ومراكش وبعض جهات الهند والسودان. فنشروا منها قسما كبيرا في حواضرهم.

(1/348)


وجاراهم علماء الشرق فأبرزوا إلى عالم الوجود مخطوطات عديدة كانت مطمورة في زوايا النسيان. وكفى دليلا على ذلك لوائح عديدة كانت تطلع القراء مرارا في السنة على ما ينشر منها بالطبع. كتعريف المطبوعات الشرقية في برلين ولائحة مطبوعات الشرق في لندن وهناك الأعداد الضافية الدالة على تلك الحركة العلمية وهانحن نتبع في تاريخ هذه الحقبة الأولى سياق كتابنا (تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر) فنذكر أولا أدباء النصارى والمستشرقين.

الباب الثاني
أركان النهضة في أوائل القرن العشرين في مصر السيد الأفغاني يسرنا أن نفتتح باسمه الكريم هذه الحقبة الأولى وإن كانت وفاته سبقتها قليلا إذ لم نستوف حقه في كتابنا عن أدباء أأدباء القرن التاسع عشر. وهو السيد جمال الدين الأفغاني الأصل مولود أسعد آباد سنة 1254ه (1838م) درس في كابل ثم في الهند على علمائها ثم سافر إلى مصر وإلى الآستانة حيث قدر رجال الدولة قدره وجعلوه أحد أعضاء مجلس المعارف فاجتهد في توسيع نطاقها. لكن أولي الأمر تخوفوا من حرية أفكاره فألجئوه إلى هجر العاصمة والالتجاء إلى وادي النيل سنة 1871 فحل في القاهرة ضيفا كريما وانصب على العلوم العصرية حتى بلغ منها مبلغا عظيما وعرف بفيلسوف الشرق. فالتف حوله كل طالبي الترقي والتحرر فكان يبعث فيهم بلهجته وخطبه وكتاباته روح الاستبداد فنفي إلى بلاده سنة 1879 فاحتل حيدر آباد وسكن في كلكتا في زمن الثورة العرابية. ثم سافر إلى أوربة. وأنشأ في باريس مجلته العروة الوثقى مع صديقه الشيخ محمد عبده المصري ساعيا إلى توحيد كلمة المسلمين. ثم تنقل في البلاد الأوربية إلى أن استقدمه ناصر الدين شاه إلى طهران وجعله وزير الحربية فلم تطل مدته في تلك الوزارة فسافر إلى روسية ورحل إلى باريس وشاهد معرضها سنة 1889 وعاد إلى إيران بإغراء الشاه فعني بإصلاح أمورها.

(1/349)


فخاف أرباب الدولة من تطرفه فأبعد مريضا إلى حدود تركيا وسكن مدة مدينة البصرة إلى أن استدعاه السلطان عبد الحميد إلى الآستانة سنة 1892 وأسكنه في بعض قصورها فبقي فيها مكرما إلى سنة وفاته بداء السرطان في 9 آذار سنة 1897. أما آثاره الكتابية فهي مفرقة في صحف زمانه. نشر منها الشيخ محمد عبده رسالته في نفي مذهب الدهريين وقد أثنينا عليها مرارا ونقلنا عنها فصولا شائقة في مناصبة هذا المذهب وبيان الشرور الناتجة عنه وفي تأثيم زعمائه الكفرة كفولتير وروسو.
الشيخ محمد عبده
لا يجوز أن نفرق بين جمال الدين الأفغاني وتلميذه الشيخ محمد عبده. فإنهما سيان في النهضة الأدبية التي حدثت في الشرق الإسلامي ولد الشيخ عبده في أواخر سنة 1267ه (1853) في شنبيرا من مديرية الغربية في مصر ودرس مبادئ العلوم الدينية والفقهية في طنطا ثم في الأزهر لكنه لم يجد في شيوخهما وأساتذتهما ما يأنس به عقله حتى قدم إلى مصر جمال الدين الأفغاني سنة 1288 (1875) فخضر دروسه مع بعض أدباء القاهرة وشغف بتعليمه وأخذ عنه المنطق والفلسفة وارتوى من روحه حتى قام مكانه بعد أن أبعد الأفغاني وعهد إليه التدريس في المدارس الأميرية فازدحم الطلاب لاستماعه وحرر في الوقائع المصرية مقالات أثرت في مواطنيه كان يدعوهم فيها إلى الإصلاح. وفي تلك الأثناء وقعت حوادث عرابي باشا وحوكم هو بسببها وحكم عليه بالنفي. فجاء سورية وأقام فيها ست سنوات انتدبته في أثناءها رئيس رسالتنا إلى شرح مقامات بديع الزمان فلبى طلبه وأحكم تفسير تلك الطرف اللغوية التي راجت رواجا عظيما فتكرر طبعها.

(1/350)


ثم سافر الشيخ عبده إلى باريس وفيها أجتمع بأستاذة الأفغاني فنشرا (العروة الوثقى) التي مع قصر زمانها أصابت بين المسلمين شهرة كبيرة. وكان الشيخ مدة أقامته في عاصمة فرنسا وقف على تمدن الغرب ورقيه وخمود الشرق وخموله لا سيما بعد أن درس اللغة الفرنساوية وأطلع على كنوزها الأدبية. فكان يتلهب غيرة لإصلاح أمور وطنه. ثم أجازوا له بالرجوع إلى مصر فقدرت الحكومة قدره فتعين مستشارا في محكمة الاستئناف وعضوا في مجلس إدارة الأزهر. وأسند إليه أخيرا رئاسة الإفتاء في الديار المصرية سنة 1317 (1899م) فقام بواجبات منصبه أحسن قيام إلى سنة وفاته سنة 1323 (1905م) وهو لا يزال يدعو إلى إصلاح الدين وذويه. وقد ألف كتبا عديدة أكثرها دينية كتفسير القرآن والرسالة في التوحيد. وبعضها منطقية وأدبية واجتماعية ومما لم نستحسنه له كتابه الإسلام والنصرانية. وفيه أشياء كثيرة لا توافق تعاليم النصرانية أخذها عن بعض أعداء النصرانية أو حملها على غير معناها. ولو راجع في ذلك علماء الدين المسيحي لوقف على الصواب

محمود باشا سامي البارودي

(1/351)


هو أيضا من أركان النهضة الأدبية في أواخر القرن السابق وغرة القرن الحالي. كان من مولدي الجركس وكان أبوه حسن بك من أمراء المدفعية في الجيش المصري. ولد ابنه محمود في القاهرة سنة 1256 ه (1840م) ثم تخرج في المدارس الحربية في مصر وتلقن فيها مبادئ العلوم فأحرز منها قسما حسنا وإنما تغلب عليه الأدب وأغرم بالشعر العربي وأتقن اللغتين التركية والفارسية وتقلب في المناصب العسكرية وحارب مع الأتراك في الحرب الروسية سنة 1877. وكانت مصر أنفذت لمساعدة الدولة العثمانية نجدة كانت فرقته من جملتها فكوفي لحسن بلائه برتبة اللواء وتعين سنة 1879 مديرا للجهة الشرقية. ثم تولى نظارة الحربية ثم الأوقاف ثم المعارف. وكان له يد في الثورة العرابية فنفي إلى سيلان ثم عفي عنه وعاد إلى وطنه وانقطع فيه إلى الآداب إلى سنة وفاته وكف بصره في أواخر حياته. وهو أحد أمراء الشعر العربي الحديث يعد شعره من الطبقة الأولى مع القليل من معاصريه من شعراء مصر وشعره يجمع بين السهولة والمتانة.
ومن آثاره مجموع نفيس دعاه مختارات البارودي في أربعة أجزاء ضمنه أطيب قصائد الشعراء قسمها إلى ستة أبواب واسعة. ودونك مثالا من شعره قال يرثي زوجته المتوفاة وهو في المنفى:
ورد البريد بنير ما أملته تعس البريد وشاه وجه الحادي
فسقطت مغشيا علي كأنما نهشت صميم القلب حية وادي
ويلمه رزء إطار نعيه بالقلب شعلة مارج وقاد
ومنها:
أسليلة القمرين أي فجيعة حلت لفقدك بين هذا النادي
أعزز علي بان أراك رهينة في جوف أغبر قاتم الأسواد
أو أن تبيني عن قرارة منزل كنت الضياء له بكل سواد
لو كان هذا الدهر يقبل فدية بالنفس عنك لكنت أول فادي
قد كدت اقضي حسرة لو لم اكن متوقعا لقياك يوم معاد
فعليك من قلبي التحية كلما ناحت مطوقة على الأعواد

(1/352)


وقال يصف حالته في منفاه إلى سيلان (وهي سرنديب القدماء):
لم يبق لي أرب في الدهر أطلبه إلا مصاحب حر صادق الحال
وأين أدرك ما أبغيه من وطر والصدق في الدهر أعيا كل محتال
لا في سرنديب لي إلف أجاذبه فصل الحديث ولا خل فيرعى لي
أبيت منفردا في رأس شاهقة مثل القطامي فوق المربإ العالي
إذا تلفت لم أبصر سوى صور في الذهن يرسمها نقاش من مالي
تهفو بي الريح أحيانا ويلحفني برد الطلال ببرد منه أسمالي
فلو تراني وبردي بالندى لشق لخلتني فرخ طير بين أدغال
لا يستطيع انطلاقا من غيابته كأنما هو معقول لعقال

أدباء المسلمين المصريين في أوائل القرن العشرين

عبد اللطيف الصيرفي
هو شاعر مصري معاصر لسامي البارودي كاد يجاريه في سنتي مولده ووفاته. ولد في الإسكندرية سنة 1257ه (1841م) وتوفي سنة 1322ه (1904م) تعلم في المدارس الأهلية حتى أتقن اللغة العربية والحساب والأنغام وبرع بالخط فدخل في دواوين التحريرات وخدم حكومة وطنه زمنا طويلا ثم اشتغل بفن المحاماة إلى سنة وفاته. صنف ديوانا نشره بعد وفاته ابنه عبد العزيز وهو مجلد واسع في 220 صفحة طبع سنة 1335ه (1908م) وشعره سهل وسط لا يخلو من بعض الرقة والتفنن وكذلك نثره له منه فصول ومراسلات ومداعبات منسجعة.
وهذا مثال من شعره قاله يهجو أحد العمال في دمنهور:
كانت دمنهور لنا مهد المحاسن والظرائف
لا سيما لما رقت بمديرها رب اللطائف
خيري اللائق احمد محيي الفاخر والمعارف
وسعت لنادي فضله أهل الفضائل والعوارف
فاستأنست نفسي بهم وظللت ألتقط الطرائف
وأقول قد سعدت دمن هور وراقت كل طائف
لكن بها كلب عقور قد بدت منه المخاوف
لا زال يعطف كاسرا فيسيء جالسها وواقف
حتى غدت موبؤة بوجوده والكل واجف
فمن الذي يأتي لها ما دام فيها الكلب عاطف

(1/353)


ألا وبستور له في كل آونة مساعف
ولربما لم يجده تطبيبه والداء ناقف
فالله يخفى رسمه منها فتأخذه المتآلف
لأكون أول آمن وأكون آخر من يجازف

إبراهيم بك المويلحي
في هذه الحقبة الأولى من القرن العشرين وقعت أيضا وفاة أحد أعيان المصريين الذين أحرزوا لهم ذكرا في عالم الأدب نعني به إبراهيم المويلحي المولود في مصر سنة 1262ه (1846م) والمتوفى سنة 1322ه (29 ك 2 1906م) تقلب في عدة أعمال وغلب عليه الأدب والسياسة فخدم وطنه مصر في أيام الخديوي إسماعيل باشا ورافقه بعد استقالته إلى أوربة فكان أمين أسراره وسكن مدة باريس ونابولي معه ثم تردد مرارا إلى الأستانة فحظي بالنعم السلطانية والرتب عند عبد الحميد. وأنشأ عدة جرائد مثل الخلافة في نابولي والرجاء في باريس ونزهة الأفكار ومصباح الشرق في القاهرة وله عدة مقالات في الصحف العربية غيرها. وكان لم يستقر على خطة مع كونه شديد الذكاء بليغ الإنشاء كثير التفنن مر الانتقاد وهو منشئ جمعية المعارف لنشر الكتب المفيدة. ومن آثاره كتابه الشهير (ما هنالك) وصف فيه أسرار يلدز وسياسة السلطان عبد الحميد وله شعر قليل وإنشاؤه أقرب إلى الإنشاء العصري لا تصنع فيه كمن سبقه. وإنما يزينه بالنكت البديعة والمعاني المستطرفة. ومما وقفنا له من قلمه ما كتب في (الإنشاء والعصر) وهو كلام طويل ينتقد خمول المصريين بصناعة الإنشاء مع تزايد المطابع وانتشار التعليم وكثرة المدارس ويبحث عن أسباب انحطاطها فقال في ذلك:

(1/354)


(إنما السبب عند جمهور الباحثين هو سوء طريقة التعليم والتلقين للعلوم العربية بين طلبة المدارس وضعف العناية في اختيار الكتب النافعة للتدريس. وليس هذا في نظرنا السبب الوحيد لما نشاهده من التأخر والانحطاط في صناعة الإنشاء والتحرير وقلة العاملين فيها فذلك مهما جئت به من التحسين والتعديل لطريقة التعليم لا ينفع في ملكة الإنشاء في أذهان التلاميذ التي عليها المعول في حسن الصناعة لان المدة لدرس اللغة العربية في المدارس لا تكفي لغير الحصول على أصول اللغة وقواعدها ولا تفيد لتكوين الملكة لشيء صالح. ولا يخفى عن علمك أن الطالب يتجرع هذه القواعد والأصول في الدرس ولا يكاد يسيغها ولا يتناولها إلا كما يتناول المحموم مر الدواء ولا تمكث في صدره إلا ريثما يمجها عند أخذ الشهادة...
(على مثل هذا يخرج المتخرجون في المدارس سواء الفائز منهم بالشهادة والخائب فيها ثم ينصرف كل واحد منهم إلى الأشغال التي تلهيه عن كل صحيفة وكتاب ولا يجد أمامه مجالا لنمو ملكة الكتابة... أما إذا ابتلاه الله بالدخول في خدمة الحكومة فقل يا ضيعة العلم والأدب ويا بؤس صناعة الإنشاء والتحرير ويا زوال ملكة الإفصاح والتعبير! إذ يتلقى هناك لسانا جديدا ولغة حديثة لا يهتدي فيها إلى قاعدة ولا ترتبط برابطة ولا تفضل لغة البرابرة...
ولو أنه ذهل يوما وجاء في بعض عمله بجملة صحيحة وعبارة مستقيمة في اللغة وانحرف عن ذلك اللسان المصطلح عليه شيئا قليلا لأصبح عرضة للتهكم عليه الاستهزاء به بين العمال فيعمد إلى التوبة من الذنب... ويأخذ بلسانهم فيأمن من مكرهم...

(1/355)


(ومن سوء الحظ لم تلتفت الجرائد السيارة إلى إتقان صناعة التحرير ولم تعمل لهذا المقصد النبيل ولم ير أربابها أن يتعبوا أنفسهم ويكدوا خواطرهم للتفنن في بلاغة القول وفصاحة التعبير وانتقاء الألفاظ وتنويع التركيب وتجديد الأسلوب وما شابه ذلك من محاسن هذه الصناعة التي تتوق للنفس وتطرب إليها القلوب... فينبغ النوابغ من الفصحاء والبلغاء ويكثر بيننا عديد الكتاب والأدباء... وفاتهم أن الواجب على الكتاب المجيدين الذين يضعون أنفسهم أمام القارئ في الهادي والمرشد ومقام المربي والمعلم أن يرتفعوا بذهن القارئ إلى درجة أذهانهم لا أنهم ينزلون بأفكارهم إلى درجة أفكاره...)
ومن فصوله الحسنة ذكره في كتابه (ما هنالك) (ص130 - 132) لموكب السلطان عبد الحميد في الأستانة يوم الجمعة (السلاملك) تلك حفلة حضناها مرة فأحسن المويلحي بوصفها قال:

(1/356)


(وإذا صدرت الإدارة السنية بتعيين مسجد صلاته اجتمعت العساكر في ساحة المسجد أمام الباب السراي واصطفت صفوفا مضاعفة بعضها وراء بعض. وفي هذه الأثناء تتسابق مركبات المشيرين والوزراء والمشائخ والأجانب من السفراء وغيرهم فيجلس السفراء ومن كان معهم من علية قومهم الوافدين على الأستانة في قاعة الجيب الهمايوني المطلة على تلك الساحة التي لا يسمع السامع فيها قيلا ولا صهيلا إلا صليل الأسياف وترديد الأنفاس هيبة وإجلالا وانتظارا واستقبالا لإشراق نور الحضرة السلطانية فإذا حان وقت الصلاة أشرقت المركبة السلطانية المذهبة كالشمس ضياء من مطلع السراي تحمل الإمام نائب الرسول صلعم ويجلس أمامه الغازي عثمان باشا. والمشيرون وكبار رجال المابين حافون من حول المركبة مشاة خشع الأبصار ترهقهم ذلة من جلال تلك الإمامية وهم في غير هذه الساعة أكاسرة الزمان وقياصرة الرومان كبرا وجبروتا وكلهم في أمواج الملابس الذهبية يسبحون وعلى صدورهم نياشين الجوهر تخطف الأبصار وتأخذ الألباب حتى أن الناظر ليكاد يوالي الحمد لله تباعا على ما منحه للدولة من عديد الرجال الصادقين في خدمة الملة بشهادة الكلمات الناطقة فوق النياشين... فإذا اختلف المكتوب على الصدر عن المكنون في القلب كانت كبائع يغش الناس بوضعه على زجاجة الخل عنوان ماء الورد... ثم تسير المركبة بالعز والإجلال والسعادة والإقبال تحسدها الكواكب وتحفظها المواكب.. ثم يصعد السلطان إلى المكان المخصص لصلاته فيصلي فيه وحده وصفوف العساكر العثمانية واقفون في تلك الساحة ينتظرون تشريف جلالته للسراي بعد تأدية الصلاة..)
ومن أدباء المسلمين أيضا المتوفين في أوائل القرن العشرين بعض الذين تركوا آثارا قليلة من أقلامهم (كوفاء أفندي محمد) المتوفى سنة 1319 (وقيل 1322) (1901 - 1904) كان أمين المكتبة الخديوية دونك مثالا من رسائله يهنئ بعض السادة بالعيد:

(1/357)


(كيف أهنئك وحدي وأنك العالم في واحد. فقد انطلقت الألسن بتهنئتك حيث أجمعت القلوب على محبتك وقد وافانا يوم العيد الأكبر فالناس بين مهلل ومكبر. وهذا الربيع قد احتفل بيمن طالعك السعيد فنشر على الربى مطارفه السندسية ورفع أعلامه الزبرجدية، وبعث برسول النسيم، إلى الروض فتلقاه بوجه وسيم، وثغر بسيم، ونشر من الزهر النضير، دراهم ودنانير، ورقصت الغصون فغنت الطيور فوق الأفنان، بفنون الألحان، فهكذا تكون إشارات التهانئ، وإن لم تف بوصفها الألفاظ والمعاني، والية بمن أولاك، رفعة تصافح السماء وولاك، رتبة لا تدانيها الجوزاء، عن صحيح الفهم في دارك علاك لعليل، وإن اللسن وإن شحذ اللسان في وصف مجدك لكليل والسلام)
ومنهم (مصطفى بك نجيب) المتوفى سنة 1320ه (1902) وكان رئيس قلم بنظارة الداخلية وهو أحد الأدباء الفضلاء الذين اشتهروا بفصاحة القلم ونشر المواعظ وجليل الحكم فمن قوله نبذة وصف فيها الفونغراف قال:
(الفونغراف مثال القوة الناطقة، من غير إرادة سابقة، يقتطف الألفاظ اقتطافا، ويخطف الصوت اختطافا، أشد من الصدى في فعله، في إعادة الصوت على أصله، كأنه الوتر عن يد الضارب، والقصب عن فم القاصب، يحفظ الكلام ولا يبيده، ومتى استعدته منه يعيده، كأنما حفظ الوديعة، في نفسه طبيعة، فلو تقدم له الوجود في مرتبة الزمن لأسمعنا كلام السيد المسيح في المهد، وصوت ألعازر من اللحد، وكانت استودعته الفلاسفة حكمتهم، وأنشدوه كلمتهم، فرأينا به غرائب اليونان، وبدائع الرومان... نديم ليس فيه هفوة النديم، وسمير لا

(1/358)


ينسب إليه تقصير، تسكته وتستعيده، وتذمه وتستجيده، وتنقصه وتستزيده، وهو في كل هذه الأحوال، راض بما يقال، لا يكل من تحديث، ولا يمل من حديث، نمام كما ينم لك ينم عليك، وينقل لغيرك كما ينقل إليك، فهو المتكلم بكل لغة ولا يجهده الأداء، ولا يضره اختلاف شكل، ولا تباين أصل، بل تعدت شدة حفظه البشرية من اللغات، إلى حفظ أصوات العجماوات، إلى تركة اصطكاك الجمادات.
(عائشة التيمورية) هي إحدى النساء المسلمات التي تفردت في الآداب في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين فتوفيت في صفر من السنة 1320 (أيار 1902) وكان مولدها في القاهرة سنة 1256ه (1840م) ووالدها إسماعيل باشا تيمور وأمها جركسية. أحبت منذ صغرها العلم والأدب وبعد أن اقترنت بالزواج ثم ترملت انصرفت إلى الآداب وبرعت بنظم الشعر في اللغات الثلث العربية والتركية والفارسية. وقد طبع ديوانها العربي المسمى حلية الطراز فأثنى عليه الأدباء طيب الثناء وشفعته بكتاب نتائج الأحوال فأقبل عليه العلماء أيضا وأطرأوا صاحبته. وممن قرظ كتاب حلية الطراز السيدة وردة كريمة الشيخ ناصيف اليازجي فقالت:
حبذا حلية الطراز أتت من مصر تزهوا باللؤلؤ المنظوم
حلية المعقول لا حلية الوش ي وكنز المنطوق والمفهوم
أنشأته كريمة من ذوات م المجد والفخر فرع أصل كريم
قد أعاد الزمان عاشئة في ها فعاشت آثار علم قديم
هي فخر النساء بل وردة في جيد ذا العصر زيت بالعوم
فأدام المولى لها كل عز ما بدا الصبح بعد ليل بهيم
وقالت في تقريظ نتائج الأحوال:
هذا الكتاب الذي هام الفؤاد به يا ليتني قلم في كف كاتبه
ودونك أمثلة من شعر عائشة تيمور قالت في الفخر:
بيد العفاف أصون عز حجابي وبعصمتي أسمو على أترابي
وبفكرة وقادة وقريحة نقادة قد كملت آدابي
فجعلت مرآتي جبين دفاتر وجعلت من نقش المداد خطابي

(1/359)


ما عاقني خجلي عن العليا ولا سدل الخمار بلمتي ونقابي
عن طي مضمار الرهان إذا اشتكت صعب السباق مطامح الركاب
بل صولتي في راحتي وتفرسي في حسن ما أسعى لخير مآب
ومما قالته ترثي أبنتها وكان موتها في رمضان:
طافت بشهر الصوم كاسات الردى سحرا وأكواب الدموع تدور
ومضى الذي أهوى وجر عني الأسى وغدت بقلبي جذوة وسمير
ناهيك ما فعلت بماء حشاشتي نار لها بين الضاوع زفير
آني ألفت الحزن حتى أنني لو غاب عني ساءني التأخير
قد كنت لا أرضي التباعد برهة كيف التصبر والبعاد دهور
أبكيك حتى نلتقي في جنة برياض خلد زينتها الحور
هذا النعيم به الأحبة تلتقي لا عيش إلا عيشه المبرور
والله لا أسلو التلاوة والدعا ما غردت فوق الغصون طيور
ولعائشة تيمور قصائد مختلفة في الأوصاف والأخلاق والغزل والمديح وإنما أخذت في كل ذلك أخذ كتبه زمانها فلم تعالج المواضيع المبتكرة. وكذلك نثرها في نتائج الأحوال لا يخلو.
من التصنع في نظم سجعاته. هذا فضلا عما يحتويه من التخيلات والأقاصيص المصنوعة التي قصدت بها ترويح الأفكار وتلهية الأحداث.

(1/360)


وفي هذه الحقبة ذاتها فقدت مصر قوما من مشاهير أطبائهم الذين كانوا أغنوا الطب الوطني بمؤلفاتهم بعد أن تخرجوا على أطباء نطاسيين من الأوربيين منهم (محمد باشا الدري) و (أحمد بك حمدي الجراح) وقد أتقن كلاهما علم الطب في باريس. وقد ألف الأول تذكار الطبيب وألف مطولا في الجراحة وكتب تاريخ الأسرة الخديوية. كانت وفاته في مطلع القرن العشرين وصنف الثاني في أعمال الجراحة ونشر جريدة طبية دعاها المنتخب كانت وفاته سنة 1321ه (1903م).. ومنهم الدكتور (محمد بك بدر) تخرج في فن الطب في إنكلترا وهو مؤلف كتاب علم الشفا والمادة الطبية وكتاب شرح الأدوية الجديدة وكتاب الصحة التامة توفي سنة 1902. وكان محمد بك بدر أشتغل في ألمانيا في فلسفة الإسلامية ودرس هناك اللغات السامية وباشر بتاريخ فلاسفة الإسلام ومؤلفاتهم منذ ظهر الإسلام إلى اليوم ولا نعلم أنشر تأليفه بالطبع. وهو الذي نشر كتاب أبي منصور عبد القادر البغدادي الفرق بين الفرق).
وممن درس الطب في ألمانيا (حسن باشا محمود) له مصنفات عديدة في الأمراض العصرية كحمى الدنج والهيضة وخص بدرسه أدواء وطنه كالدمل المصري والطاعون الساري. ومن تأليفه الحسنة كتابه الخلاصة الطبية في الأمراض الباطنية. وتفقه أيضا في أوربا غير هؤلاء مثل (عبد الرحمن بك الهراوي) صاحب تأليف في الفسيولوجية توفي سنة 1906. (والدكتور سليمان نجاتي) الذي تخصص بمعالجة الأمراض العقلية وألف كتاب (أسلوب الطبيب في فن المجاذيب). كانت وفاته سنة 1907.

(1/361)


واشتهر في العلوم الفلكية (إسماعيل باشا الفلكي) الذي درس الرصد في مرصد باريس وأدار في مصر المرصد الفلكي وكان ينشر تقاويم أرصاده الفلكية الرسمية في اللغتين العربية والأفرنسية. ومن تأليفه: (الآيات الباهرة في النجوم الزاهرة) توفي سنة 1901. فترى أن العلوم العصرية كانت مدينة خصوصا لأوربة حيث تخرج فيها المصريون ثم نشروها في وطنهم إما بالتدريس في القصر العيني وإما بالمزاولة والتأليف فكانت سبب نهضة علمية معتبرة تتمتع اليوم مصر بثمرتها.

أدباء الإسلام في الشام والعراق

وبينما كان المصريون يحاولون كسر أغلال التقليد القديم الذي كان يضايقهم في الكتابة ويحول بينهم وبين الرقي العصري. كان إخوانهم في الشام يجاهدون للحصول على حرية كافية لينزعوا عنهم ضغط نير الأتراك فيطلقوا العنان لأقلامهم للبحث في المسائل الاجتماعية والإصلاح السياسي. وفي مقدمتهم:
(عبد الرحمن الكواكبي) ولد في حلب سنة 1265ه (1849م) من أسرة آل الكواكبي القديمة التي إليها تنسب في الشهباء المدرسة الكواكبية. وفيها تلقى العلوم اللسانية والشرعية وبعض العلوم الحديثة ثم أنس بالكتابة فحرر عدة جرائد كالفرات والشهباء والاعتدال وخدم الدولة متقلبا في مناصبها العلمية والإدارية والحقوقية إلا أن ما طبع عليه من الإباء والنخوة ودقة النظر وحب الانتقاد في العصر الحميدي حمل أعداءه إلى الوشاية به إلى المراجع العليا فزج بالسجن وجرد من أملاكه. ثم خرج سائحا إلى البلاد وطاف جانبا من أفريقية وجزيرة العرب حتى توغل في صحاريها وبلغ اليمن ثم رحل إلى الهند وسكن أخرا في مصر وفيها توفي سنة 1903. ومن آثاره ما يثبت له سعة إطلاعه على تاريخ الشرق ولا سيما تاريخ الممالك العثمانية فعرف أداؤها وحاول علاجها كالأفغاني. ومما ألفه في ذلك كتابه (طبائع الاستبداد ومصارع الاستبعاد) وكتاب (أم القرى) نظر فيه الشيخ محمد عبده.

(1/362)


وكان الكواكبي مع أنفته من الاستبداد رقيق الجانب عطوفا على الضعفاء والمساكين. (محمد رشيد الدنا) وقد أسفت بيروت في أوائل القرن العشرين على فقدها لهذا الكاتب الضليع في السنة 1902 (1320ه) وهو أحد تلامذة المعلم بطرس البستاني في مدرسته الوطنية. خدم الحكومة التركية عدة سنين ثم استقال من مناصبها ليخدم وطنه بالتحرير فأنشأ جريدة بيروت سنة 1886 وأدارها إلى سنة وفاته وكان معتدل الطريقة في سياسته
فأمن نكبات الدهر. وكان يرتشد بآراء شقيقه الأكبر السديدة السيد عبد القادر وصارت الجريدة بيروت من بعده في عهدة أخيه محمد أمين.
نضيف إلى أدباء المسلمين في الشام (السيد إبراهيم الطباطبائي) من مشاهير أدباء العراق قضى نحبه سنة 1319ه (1901م) في النجف وفيها كان مولده سنة 1248ه (1832م) كان إمام النهضة اللغوية في وطنه بين صدور الشيعة. وله ديوان شعر طبع في صيداء تلوح فيه الأساليب البدوية القديمة وكان مغرى بغريب اللغة وترى ذلك في معظم أشعاره. وقسم كبير من قصائده في الغزليات. ومن حسن قوله أبيات ذكر فيها الأحباب وأيام الأنس:
أخي هل راجع ليل فينظمنا بشط دجلة نظم العقد إخوانا
أحبابنا أن تهن فيكم وسائلنا فحسبنا كل شيء بعدكم هانا
إن فرق الدهر ما بيني وبينكم فقد صحبتكم دهرا وأزمانا
تركت في النجف الأعلى لصحبتكم صحبا وأهلا وأوطانا وجيرانا
عوضتموني عن أهلي وعن وطني بالأهل أهلا وبالأوطان أوطانا
ومن حكمه:
ما كل من صحب الأخوان جربهم لا يعرف الخل إلا بالتجاريب
وقال في محاسن الشعر:
للشعر حسنان لا تعدوهما جهة حسن بمعنى وحسن بالأساليب

أدباء النصارى في الحقبة الأولى من هذا القرن
أدباء النصارى في الشام ومصر

(1/363)


جارى أدباء النصارى في مصر أدباءها المسلمين ولعلهم كان لهم التقدم في تلك النهضة الأدبية. على أن ذلك الفضل يعود خصوصا إلى نصارى الشام الذين لم يجدوا في وطنهم ما رغبوا فيه من سعة الحال وبسطة العيش والحرية المعتدلة فهاجروا إلى مصر ليمتعوا فيها بحضارتها تحت نظارة بريطانية العظمى. وما لبثوا أن تخصص بعضهم ممن تخرجوا في مدارس الأجانب في الشام للكتابة فنبغوا فيها كما تشهد لهم تأليفهم والصحف التي تولوا إدارتها فنهجوا الطريق في ذلك لأهل مصر. وهانحن نذكر الذين اشتهروا في تلك الحقبة الأولى.
(عبد الله مراش) توفي في غرة القرن العشرين في 17 كانون الثاني 1900 في مرسيلية وكان مولده في حلب في 14 أيار 1839 وهو أخو فرنسيس الذي مرت لنا ترجمته بين أدباء القرن التاسع عشر وكلاهما من أسرة فاضلة عرف أصحابها بفضلهم ورقي آدابهم. تخرج عبد الله في الشهباء في مدرسة الآباء الفرنسيسيين ثم تعاطى التجارة فيها مدة واتسع في أعمالها وسافر إلى إنكلترا عميلا لشركة من التجار في منشستر فأصاب ثروة واسعة. ثم عدل عن التجارة واشتغل بالآداب في باريس وفي إنكلترا وحرر في جرائدها العربية كمرآة الأحوال لرزق الله حسون ومصر القاهرة لأديب إسحاق والحقوق لميخائيل عورا وكوكب الشرق لأحد الفرنسويين وقضى أواخر سني حياته في مرسيلية. وكان عبد الله مراش يشبه رزق الله حسون في درسه للغة العربية ومعرفة تاريخ العرب والبحث عن الآثار العربية في مكاتب لندن وباريس ونسخة عنها ما يراه من نوادرها جديرا بالذكر ينقل ذلك بخط بديع. وكان عبد الله ضليعا بالإنشاء العربي يحسن الكتابة ويحرص على وضوح معانيها. وله فصول رائعة في الأخلاق والآداب وانتقادات حسنة على منشورات المستشرقين ورسائل شتى في العلوم العصرية والأحوال السياسية. وتعريبات لبعض كتابات الفرنسويين (اطلل الضياء 2: 344 و491).

(1/364)


وممن اشتهروا في مصر من أهل الشام المرحوم (بشارة تقلا) أخو سليم وقرينه بإنشاء الصحافة والتأليف. ولد في كفر شيما في 22 آب 1852 وتوفي في 15 حزيران 1902 عرف منذ حداثته بتوقد الذهن ودرس في المدرسة الوطنية ثم في المدرسة البطريركية وعلم مدة في مدرسة عين طورا. ثم لحق سنة 1875 بأخيه الذي كان سبقه إلى الديار المصرية فأنشأ هناك في أوائل آب من السنة 1876 جريدة الأهرام ثم صدى الأهرام وكابدا بسبب الجريدتين عدة مشقات لما نشراه من المقالات الحرة وانتقاد أعمال الحكام والدفاع عن حقوق المصريين واستعانا بحماية فرنسة لرد غارات من يتعرض لهما. وسافر بشارة غير مرة إلى أوربة وزار عواصمها ثم رحل إلى الأستانة ونال من امتيازات سلطانها فضلا عما نال من انعامات فرنسة كوسام جوقة الشرف ووسامات غيرها من الدول. ثم عاد إلى مصر ووسع دائرة جريدة الأهرام فوصل بجده ونشاطه إلى أن أصبحت بفضله في مقدمة الجرائد المصرية وقد خدم بها صوالح المصريين بازاء الاحتلال البريطاني وانتصر لفرنسة وحقوقها. أصيب في أواخر عمره بداء القلب فرجع إلى سورية فتوفى في وطنه.
وخدم مصر شاب آخر فمات في عز شبابه نعني به (خليل الجاويش) المولود في بيروت سنة 1872 والمتخرج في مدارسها وخصوصا في المدرسة البطريركية حيث درس العربية على الشيخ إبراهيم اليازجي ثم انتقل إلى مصر وخدم في حكومتها بضع سنوات. ثم تولى في الإسكندرية رئاسة تحرير جريدة الأهرام عدة سنين إلى أن شعر بانتهاك القوى فعاد إلى لبنان رجاء أن ينعش بهوائه قواه فلم يجد ما أمله فعاد إلى مصر وتوفي في حلوان في 21 شباط 1902. ألف روايات أدبية ومنظومات شعرية نشر بعضها في مجلات مصر.

(1/365)


وفي مصر كانت وفاة أحد مواطنينا السوريين (نقولا بك توما) ولد في مدينة صيداء سنة 1853 ودرس في مدرستها للآباء اليسوعيين ثم صار من أساتذتها وعلم في بعض مدارس لبنان حتى انتقل إلى مصر سنة 1874 فانتظم مدة في سلك عمال دولتها. ثم تسنى له السفر إلى باريس فاجتمع فيها بأصحاب النهضة كالسيد الأفغاني والشيخ محمد عبدة وكتب عدة مقالات نشرها في جريدة مرآة الحال ثم عدل إلى فن المحاماة ولم يزل منكبا على
درس أصولها ومشكلاتها حتى برع فيها. وأنشأ مجلة الأحكام المصرية فزادت بها سمعته وأقبل عليها الجمهور فعدل عنها ولزم المحاماة حتى عد من نوابغها سالكا فيها بكل جرأة إلى أن اضطرته الأمور مع انتهاك الصحة إلى السفر أوربة وفيها كانت وفاته في 25 آب 1905. كان نقولا بك في مرافعاته في القضاء بليغ الكلام يتدفق في بسط الدعوى وبيان غثها وسمينها لا يتلجلج لسانه في شرحها وتطبيقها على القوانين الشرعية وفيه قال بعض الشعراء:

أيها الطالب البيان وعلم م المنطق الحق نصه والنقولا
لا تجد السرى وحسبك مصر لبلوغ المنى وفيها نقولا

(1/366)


وفي السنة التالية في 25 تشرين الثاني 1906 ذهب الموت بحياة سوري آخر أدى في مصر خدما مشكورة للآداب العربية وهو (الدكتور نقولا نمر) أحد مراسلي مجلة المقتطف. كان مولده في حاصبيا سنة 1858 وأتت به أنه مع أخوته إلى صيداء ثم إلى بيروت بعد أن قتل ولده في حوادث السنة 1860 فتربى نقولا في المدارس الإنكليزية ثم في الكلية الأميركية وفي السنة 1876 درس في إحدى مدارس دمشق ثم عاد إلى الكلية فدرس فيها الطب ونال شهادتها وله في مجلة الطبيب فصول طبية تشهد له بحسن النظر والذكاء. ثم رحل إلى مصر وتعاطى فيها الطبابة منتظما في سلك الجيش المصري منتقلا معه إلى أصوان فوادي حلفا. ثم سافر إلى أميركة وواجه رئيس الولايات المتحدة ونشر تفاصيل رحلته إليها في مجلة المقتطف وكذلك رحل إلى أرثرية والحبشة فحرر أخبار سفره إليها مع ما وجده فيها مما يلذ القراء من الأمور الطبيعية وأخلاق البشر. وكأن هذه الأسفار أثرت في صحته بحيث لم تنجح في علاج دائه حيلة الأطباء وكان أتى بيروت مؤملا الشفاء فزاد مزاجه انحرافا فرجع إلى مصر وتوفي فيها بعد قليل.

(1/367)


وفي 24 ك2 1907 قبضت المنون روح أدباء بيروت المستوطنين للقاهرة وهو (جميل بك نخله المدور) من أسرة معروفة في الشام بفضلها وأدب أصحابها. وكان المذكور مولعا بالتنقيب عن آداب العرب وتاريخ الأمم الشرقية القديمة. فصنف في حداثته تاريخ بابل وآشور وسبكه سبكا حسنا وأخرجه بعبارة بليغة وعرب كتاب التاريخ القديم ورواية (أتالا) أشاتوبريان. وإنما أفضل تأليفه كتابه (حضارة الإسلام في دار السلام) روى فيه على صورة رحلة خيالية لبعض أهل الشيعة ما ورد في تأليف المؤرخين والأدباء عن أحوال المملكة في أيام هارون الرشيد وهو فكر حسن اقتبسه الكاتب من أحد أدباء الفرنسويين المدعو برتلمي الذي روى على هذه الصورة سفر أحد الأجانب المدعو أناكرسيس إلى جهات اليونان قبل وفاة الاسكندر واصفا ما يستحسنه من عادات اليونان وأخلاقهم وعلومهم. ومثله سفر تليماك الفنيلون أسقف كمبراي. وهذه نبذة من تلك الحضارة
تطلعك على أسلوب كاتبها البارع ضمنها وصف زبيدة أم جعفر زوجة هارون الرشيد بنت جعفر بن المنصور وأم الخليفة الأمين (ص152 - 153): (ولئن كنت رأيت له (أي هارون الرشيد) في تدبير المملكة ذلك التصرف الجميل فإني ما وجدته له في تدبير أهل بيته ومواليه وإنما يرجع الرأي في ذلك زوجه أم جعفر وهي أنفذ نساء العباسيين كلمة في الدولة. وقد ربيت في مهاد الدعة والدلال كما يشير إليها اسمها.

(1/368)


فإنما سماها أبو جعفر جدها بزبيدة لغضاضة بدنها وقد كان يرقصها تهللا بها وينظر إلى غضاضتها وملاحتها فسماها زبيدة لذلك(1) فلما بنى بها الرشيد وجدها طرفة حديث ومصدر رأي جمل لم ير بدا من الانقياد إليها في قضاء جميع ما ترومه من الحوائج(2). ومن ذلك أنه مكنها من بيوت المال فأنفقت من سعة ما ينيف عن ثلاثين ألف ألف دينار. فبنت مسجدا مباركا على ضفة دجلة بمقربة من دور الخلافة يسمى بمسجد زبيدة. ومسجدا سامي الحسن في قطيعتها المعروفة بقطيعة أم جعفر(3) بين باب خراسان وشارع دار الرقيق(4) وحفرت بالحجاز العين المعروفة بين المشاش(5) ومهدت الطريق لمائها في كل خفض ورفع وسهل ووعر حتى أخرجتها من مسافة اثني عشر ميلا إلى مكة فبلغ ما أنفقته عليها ألف ألف دينار. وهذا من الأعمال التي لم تباشرها امرأة في الإسلام إلا الخيزران أم الرشيد... فإن لم يكن عند زبيدة من الملل ما بلغ هذا القدر الجسيم فإن لها في السياسة رأيا تسمو به إلى التداخل في أمور الدولة كأفطن ما يكون من الرجال).
وقد امتاز بين المهاجرين السوريين إلى مصر (الشيخ إبراهيم اليازجي) فإنه بشهرة اسم والده الشيخ ناصيف وشهرته الشخصية وتأليفه كان من أعظم الساعدين على نهضة الآداب العربية في القطر المصري وفيه كانت وفاته في 28 كانون الأول سنة 1906. ولا نعود هنا إلى ذكره بعد ما وفيناه حقه في كتابنا الآداب العربية في القرن تاسع عشر (39:2 - 40) مع سائر الأسرة اليازجية. وقد ذكرنا في المشرق (22 (1924): 637 - 638) حفلة نصب تمثاله.

(1/369)


(الدكتور بشارة زلزل) كان زميل الشيخ المرحوم إبراهيم اليازجي وقد توفي قبله في 11 تشرين الثاني 1905 في الإسكندرية. كان مولده في بكفيا ودرس الطب في الكلية الأميركية في بيروت ونال شهادتها وزاول فن الطبابة في بيروت وهاجر إلى مصر فرارا من استبداد الترك. كتب في وطنه وفي مصر مقالات علمية وأدبية كثيرة في مجلة النحلة سنة 1870 ثم في المقتطف وساعد الشيخ إبراهيم في تحرير مجلة الطبيب والبيان والضياء ونشر في الإسكندرية سنة 1901 كتاب دعوة الأطباء لابن بطلان على نسق كليلة ودمنة وألحقه (بتكملة الحديث في الطب القديم والحديث). ومن مصنفاته كتاب تنوير الأذهان في حياة الإنسان والحيوان. ظهر منه قسمان. وله في مجلة النحلة منظومات شتى منها قوله في صاحب الدولة داود باشا أول متصرفي في جبل لبنان النصارى:
هو رأسنا داود باشا الذي له من المجد والمعروف ما ليس يحصر
وزير مشير عادل ذو مهابة يقاد له الليث الجسور الغضنفر
أقام لفتح العلم همته التي تنادي لهذا الفتح الله أكبر
كريم به عود الهدى بعد يبسه أعيد نضيرا فهو ينمو ويثمر
له دولة تزهو بحسن عدالة وبطش كما قد كان كسرى وقيصر
ومن دولة علياء قام بفخرها فتفخر فيه وهي بالعدل تفخر
وفي هذه الحقبة انقصف غصن من الدوحة البستانية (سعيد البستاني) توفي في أيار 1901 في الحدث (لبنان). تقلب بين مصر وبلاد الشام وعكف على الآداب العربية وأصدر بعض الروايات التمثيلية كذات الخدر وسمير الأمير مثل فيهما أخلاق القطر المصري وأمراء لبنان وحرر عدة سنين جريدة لبنان إلى سنة وفاته. برح الحياة وهو في منتصف العمر وقضى نحبه بعده ببضعة أسابيع وطنية (سبع شميل) من أسرة الشميل الكفرشيمية وهو في الرابعة والثلثين من عمره تخصص كآله بفن الكتابة فألف وحرر في الجرائد في بيروت ومصر وأوربة حتى أصيب بداء الصدر فمات في أوائل حزيران 1901.

(1/370)


ومن مشاهير السوريين الذي أسفت على فقدهم الآداب (خليل غانم) السياسي الحر. ولد في بيروت في 8 ت2 سنة 1846 وتوفي في باريس في غرة حزيران 1903. تخرج في شبابه في مدرسة عينطورة وأتقن اللغتين الفرنسوية والعربية وخدم الدولة التركية كترجمان لمتصرفية بيروت ولولاية سورية وللوزارة الخارجية في الأستانة. وانتخبه سكان سورية كنائب عنهم لمجلس المبعوثان سنة 1875 وساعد مدحت باشا في وضع قانون الدولة السياسي فكان أحد أركان النهضة الدستورية. ولما حل عبد الحميد مجلس المبعوثان وتشدد على أنصاره فزع خليل غانم إلى السفارة الفرنسوية وأبحر سرا إلى فرنسة حيث ناضل إلى آخر حياته عن استقلال وطنه. فأشنأ في باريس عدة جرائد عربية كالبصير وعربية فرنسوية كتركيا الفتاة وفرنسوية محضة كالهلال وأصبح من مكاتبي جرائد فرنسة الكبرى. وألف جمعية تركيا الفتاة فسعى السلطان إلى أن يؤلف قلبه بالهبات والمناصب فرده خائبا ومنحته فرنسا وسام جوقة الشرف. وبقي طول حياته متشبثا بدينه. ومن مآثره الطيبة كتاب من إنشائه في حياة السيد المسيح ويثبت فيه بالبراهين العلمية والدينية الوهيته. وله في الافرنسية تاريخ سلاطين بني عثمان. وقد عرفنا في بيروت قرينته الفاضلة فأوقفتنا على بعض آثاره ونشرنا. منها فضلا في الاقتصاد. ولقد قال المرحوم يوسف خطار غانم في رثائه:
اليوم أطفئ نور بدر لامع بسما المواطن فالمصاب به وقع
وخبا شهاب فؤاد حر صادق ومجاهد أضناه بالوطن الولع
قد فاجأتنا الحادثات وأسرعت بسقوط صاعقة لها القلب انصدع
ومنها:
رجل الحقيقة أن يموت لدن الأولى سمعوه واعتبروه بالحق أدرع
ما مات غانما فإنه خالد في نهجنا في فكرنا في ما وضع
وفؤاده كنه الطهارة إنه لقلوبنا يوحي ثبات المجتمع
ومحرك فيها صلاح ومواطن عظمت وبالنصر القريب المرتفع

(1/371)


وفي السنة 1906 في 24 أيلول فقدت كليتنا أحد نخبة الأدباء من ذوي التعليم والكتابة والتأليف المرحوم (رشيد الشرتوني) كان درس مدة في مدرسة مار عبدا هرهريا وعلم في مدرستي عين تراز وعين طورا ثم انتدبته مدرستنا إلى تعليم العربية فخدمها خدمة نصوحا عدة سنين. وكذلك وجدت فيه مطبعتنا الكاثوليكية خر مساعد لنشر كتبها المدرسية ولتحرر جريدة البشير فأعرب في كل أعماله عن مدة حسنة وله في المشرق فصول تاريخية ولغوية أعترف له القراء بجودة إنشائها ودقة مضامينها. ومن آثاره المستجادة مبادئه العربية في الصرف والنحو مع تمارينه للطلاب في التصريف والأعراب وكتابه نهج المراسلة ومفتاح القراءة. وقد نشر لخدمة طائفته بعض مخطوطات العلامة الدويهي كتاريخ الطائفة الرومانية ومنارة الأقداس وأعمال بعض المجامع المارونية كما أنه عرب قسما من تاريخ لبنان للأب بطرس مرتين اليسوعي وتراجم بعض القديسين للأب فكتور دي كوبيه. ومن تعريبه أيضا كتاب الموافقة بين المعلم وسفر التكون له ورواية سفر العجب إلى بلاد الذهب للأب أميل ريغو اليسوعي وحبيس بحيرة قدس للأب هنري لامنس. ومما بقي من مخطوطاته ترجمة فلسفة الأب تونجرجي اليسوعي.

(1/372)


وفي السنة 1906 في يوم عيد ميلاد ودع الحياة أحد تلامذة كليتنا النوابغ (نجيب حبيقة) أنكب على درس اللغات المدرسية وإحراز العلوم العصرية بكل رغبة فببز فيها بين أقرانه وما كاد ينال الشهادات المؤذنة بكفاءته حتى دعي إلى التدريس في كلية القديس يوسف فعلم عدة سنين الصفوف العربية العالية. وعرفت أيضا فضله في تعليم مدرسة الحكمة الجليلة والمدرسة العثمانية للشيخ أحمد عباس الأزهري. ثم تفرغ إلى للكتابة والتأليف وتولى تحرير جريدة المصباح سنة 1903 له فيها وفي الشرق وغيرها فصول أدبية وفنية مستطابة. وكان ساعيا إلى تعزيز الآداب العربية وتأليف قلوب الناشئة في خدمة الوطن كما أنه خدم الجمعيات ووقف نفسه لتعليم أولاد طائفته الفقراء. وله آثار عديدة منها مدرسية كدرجات الإنشاء في ستة أجزاء ومنها أدبية كمقالاته عن فن التمثيل والانتقاد ومنها روايات معربة كالفارس الأسود وشهيد الوفاء وخريدة لبنان والشقيقتين. وله قصائد
رائقة سلسة وكانت باكورة قصائده ما نظمه في يوبيل الحبر الأعظم الكهنوتي سنة 1887 وهو إذ ذاك تلميذ فوصف السفينة البطرسية المرموز بها إلى الكنيسة.
عصفت على بحر الأنام رياح حجب النهار من الظلام وشاح
وهوت صواعق مصعقات أزعجت بشرا فكادت تزهق الأرواح
والبحر عاد عرمرميا مصخبا والموج ثار فساء منه جماح
والناس في غمر الخضم جميعهم خاضوا فليس من الغمار براح
ورأوا المياه تلاطمت أمواجها وعلت عليهم كالجبال وصاحوا
طمت المصيبة فالمنية قد دنت آها أليس من الهلاك مراح
لكن على سطح الخضم سفينة وعلى مقدمها يرى مصباح
قد أقبلت وتطايرت لخلاصهم شكرا لجدك أيها الملاح
فيك النجاة وليس غيرك يرتجي وإليك كل قلبه ملتاح
هاقد تقدمت السفينة نحوهم فنجا بها قوم وفيها راحوا
لم ينأ عنها غير من أثروا شرب الحتوف فذي الفعال قباح
شاموا البروق فأملوا من الهدى خابت ظنونهم فليس نجاح

(1/373)


لا نور في غير السفينة فأعلموا من ينأ عنها ضاء منه صلاح
جدوا أيا غرقى وأموها يقو دكم إليها نورها الوضاح
جدوا فليس لكم خص دونها ولجمعيكم فيها الدخول مباح
أعداؤها سخروا بها قبحا لهم قالوا بأن ستحطم الألواح
فالموج يصدمها فيدفعها فلا أمل لنفس بالنجاة متاح
وإذا بصوت صارخ: كن آمنا بين السفينة والخضم كفاح
فسفينة الصياد تقهر خصمها أبدا لأن لها الصفا ملاح
للحين عاد النوء صفوا رائقا وعن البلايا زالت الأتراح
وقد أحب تلامذته وأصدقاؤه أن يقيموا له ضريحا لائقا في مقبرة طائفته في رأس النبع تكلفوا عليه مبلغا وافرا فنصبوه له في حفلة خاصة عينوها في أواسط أيار سنة 1910 ونقشوا على صدره الأبيات التالية:
حياك يا قبر منا غيث أدمعنا وجادك الله من أسنا عطاياه
ضممت كنزا ثمينا دونه نهج تسيل حزنا وتدمي القلب ذكراه
قد قدر الله أن نبك عليه فتى غضا فصبرا على ما قدر الله
يا ساهر العين في التاريخ دامعها حيي النجيب فهذا القبر مثواه
وفي شهر تموز من تلك السنة 1906 أدركت المنية أديبا آخر من أسرة فاضلة في بيروت (ميخائيل بن جرجس عورا) مولد عكا في السنة 1855 وخريج المدرسة البطريركية في أول منشأها. درس فيها العربية على الشيخ ناصيف اليازجي ثم سافر إلى باريس متاجرا ونشر فها جريدة الحقوق ثم أعقبها في مصر بمجلة الحضارة فلم تطل حياتها بسبب الثورة العرابية. ثم عاد إلى الصحافة كمنشئ ومحرر ومكاتب إلى أن أصيب بمرض ألجأه إلى السفر إلى أوربة انتجاعا للعافية فمات في مدينة نابولي. ومن آثاره روايات مختلفة أدبية وقصائد قليلة. فمن قوله في وصف الدنيا الغرور:
تالله ما الدنيا بدار يبتغى فيها الثوا ويطيب فيها المسكن
كلا ولا الدهر عهد يرتجي منه الوثوق وليس منه مأمن
والأرض يورثها الإله عباده هذا يسيء وذاك عكسا يحسن

(1/374)


والمرء مرمى الموت فهو إذا نجا منه النهار ففي غد لا يمكن
وفي العام التالي في 26 ت1 1907 خسرت الدولة التركية والوطن السوري أحد المخلصين في خدمتها المرحوم (خليل الخوري) المولود في الشريفات سنة 1836 درس في مدارس طائفته وتحت إدارة بعض المعلمين الخصوصيين. وهو أول من فكر في نشر جريدة عربية في بلاد الشام فأبرزها إلى النور سنة 1858 تحت اسم حديقة الأخبار فصار لها بعض الرواج ونشرها على مدة باللغتين العربية والافرنسية وساعد بذلك على نهضة البلاد العربية وانتدبته الدولة التركية لخدمتها فشغل عدة مأموريات كمفتش للمكاتب ومدبر للمطبوعات ومدير الأمور الخارجية وهو يراعي سياسة دولته التي أعربت له عن رضاها ومنحه أوسمتها كما نال أيضا امتيازات بعض الدول الأجنبية لحسن تصرفه. وكان خليل الخوري أحد الشعراء القليلين الذين نبغوا في أواسط القرن التاسع عشر في سورية تشهد له منظوماته العديدة كزهر الربى في شعر الصبا والعصر الجديد والنشائد الفؤادية والسمير والأمين والشاديات والنفحات. وفي شعره طلاوة ورقة لم يعهدهما شعراء زمانه إلا الشيخ ناصيف اليازجي معاصره. وهذه بعض أمثلة من نظمه. قال في وصف لبنان:
أنا في ربى لبنان فوق رؤوسه نحو الكواكب للعلى مجذوب
برياضه حيث المقام منزه وغياضه حيث المزاج يطيب
أنساب في جو الهواجس حيثما كفي إلى هام النجوم طلوب
أهوى بلبنان التوحد إنما هوسي إلى حيث الإله قريب
جبل يظل رأسه جو السما فيلوح بالتعظيم وهو مهيب
يبدو برأس بلادنا كعصابة منها لزينة قطرنا ترتيب
عرش إلى ملك النسور أمامه بزهو بساط بالمروج خصيب
قد مد يغسل في المياه أكفه ولها برمل سهوله تخضيب
في كل زهر قد تصور شكله وبكل أفق اسمه مكتوب
لو لا مطامحه العلية لم يكن شرف ولا بأس ولا تهذيب

(1/375)


وقد استحسنا له قوله في وصف اللغة العربية قدمها إلى فتاة إنكليزية قصدت الشرق لتدرس العربية:
قد رمت من لغة الأعارب مأربا فأتت تصادف منك فكرا صيبا
أقبلت نحو ديارها بتشوق فبدت بك الآداب تهتف مرحبا
لغة تجملها البلاغة والمعلى بذكائها نفس اللغات تطيبا
مرت بهامتها الدهور ولم تزل تزهو وتزهر في جلابيب الصبا
لم تخش عاصفة ولم تفتك بها أيدي المصاب إذا الزمان تقلبا
فلذاك قد سلمت وكنم لغة لقد شاخت فصارت مثل منشور الهبا
سمعه يشابهها الفضاء وقدرة تعلو على هام الكواكب مركبنا
مرآة شعر الكون قد رسمت بها صور العقول وكم أصابت مذهبا
فلك الهناء برشف طيب زلالها ولها الفخار بأن تطيب وتعذبا
وفي 15 ت1 سنة 1907 فجعت أسرة شحادة بعميدها المرحوم (سليم شحادة) ترجمان دولة روسيا وسند طائفته الأورثذكسية توفاه الله في سوق الغرب عن 48 سنة قضاها بالجد والنشاط وخدمة الآداب وقد أشترك سنة 1875 مع سليم أفندي الخوري لنشر معجم تاريخي وجغرافي دعواه بآثار الأدهار فظهر منه بعض الأجزاء وعني بنشر ديوان الفكاهة سنة 1885 وكتب عدة مقالات في مجلة المشكاة وغيرها. ومن آثاره لمحة تاريخية في أخوية القبر المقدسة اليونانية والخلاصة الوافية في انتخاب بطريرك إنطاكية وكلاهما تحت اسم مستعار كشف فيها عن مخازي ومطامع الأكليروس واليوناني في سورية وفلسطين.
وكان المرحوم جمع مكتبة واسعة بينها كتب نفيسة عربية وأجنبية. ونقلنا فصولا عن أحد مخطوطات مكتبته العربية (نهاية الرتبة في طلب الحسبة) (المشرق 10 (1907): 961 و1079).

(1/376)


ومن أدباء الروم المتوفين في السنة 1905 في 13 ت1 (نخلة قلفاط البيروتي) ولد سنة 1851 ودرس علي أسكندر آغا أبكايوس ثم اقبل على الدرس الفقهية والقوانين الدولية ثم زاول الكتابة فنشر عدة روايات في مجلته سلسة الفكاهات وعرب كثيرا منها كبهرام شاه وفيروز شاه وألف نهار ونهار ومائة حكاية وحكاية.
ونشر ديوان أبي فراس الحمداني وحقوق الدولة تاريخ روسيا وغير ذلك مما أثار عليه خاطر أرباب الدولة التركية فنفوه إلى قونية سنتين وزوجه في الحبس سنة أخرى إلى أن أخرج منها منهوك القوى بعد النفقات الطائلة ومات مفلوجا لما ناله من سوء المعاملة. ومن خلفته ديوان من نظمه لم يطبع. وقد نقش على قبره هذا التاريخ:
لما هوى الموت الزؤام بنخلة أرختها بسما الأعالي تغرس
وفي هذه الحقبة السابقة لدستور منيت الكنائس الشرقية ببعض أربابها الذين ساعدوا بلادهم في تنشيط الآداب. منهم بطريرك طائفة الروم الكاثوليك (السيد بطرس الجرجيري) درس في مدرستنا في غزير ثم في مدينة بأوا في فرنسة وقد أسند إليه تدبير كرسي طائفة البطريركي وكافة المشرق في 25 شباط سنة 1898 فلم تطل مدة بطريركته فأستئثرت رحمة الله بنفسه في 4 نيسان سنة 1902 وكان أدار مدة دروس المدرسة البطريكية الكبرى في بيروت ونشر لتلامذتها كتاب التعليم المسيحي سنة 1869 وإليه ينسب إنشاء المدرسة الأسقفية في زحلة له مناشير وخطب.

(1/377)


وقد أسفت الطائفة المارونية في 4ت1 1907 على فقد حبرها المثلث الرحمات المطران (يوسف الدبس) رئيس أساقفة بيروت بعد أن أدى لأبناء أمته خدمات جليلة في وأسقفيته فأنشأ مع رزق الله خضرا المطبعة الكاثوليكية العمومية التي سبق لنا وصف تاريخها ومطبوعاتها النفسية (المشرق 3(1900): 1000 - 1003و 1030): وشيد مدرسة الحكمة العامرة سنة 1875 لتربية الناشئة وتهذيب المرشحين للكهنوت وبني كنيسة مار جرجس الكاتدرائية على طراز كنيسة مريم الكبرى في رومية ونشر تأليف عديدة منها مدرسية كمربي الصغار ومرقي الكبار ومغني المتعلم عن المعلم ومعجم في العلوم الفقهية وتقسيم الميراث. ومنها دينية وطقسية كمجموع خطبه ومواعظه وكتاب الخطب البيعية ونبذة تاريخية في الفروض البيعية والنافور اليومي والشحيم الكبير ورتب توزيع الأسرار ومنها تاريخية كسفر الأخبار في سفر الأحبار وخصوصا تاريخ سورية في ثمانية أجزاء مع موجزه في جزأين. ومنها جدالية كروح الردود وتأليفه في المردة. وقد عرب كتبا كثيرة كتحفة الجيل في تفسير الأناجيل وترجمة تاريخ الارطقات للقديس ألفونس ليغوري والرسوم الفلسفية للأب يوسف دموسكي اليسوعي إلى غير ذلك مما يخلد ذكره في قلوب أبنائه ومواطنيه.
وفقدت طائفة الروم الأورثذكس في بيروت في 20 ك2 1901 مطرانها السيد (غفرئيل شاتيلا) ولد في دمشق سنة 1825 وتلقى الدروس في وطنه وترهب في القدس الشريف كاتبا لأسرار البطريرك ايروثاوس ورافقه إلى الآستانة ثم وكل إليه رئاسة الأمطوش الانطاكي في موسكو. وفي السنة 1869 وقع عليه الانتخاب كمطران لكرسي بيروت سنة 1870 فعني بفتح المدارس في أبرشيته في بيروت وقرى لبنان فأصابت ملته في أيامه ببعض الرقي.

(1/378)


ورزنت بطريركية الروم في 26 ك2 بوفاة بطريركها السيد (ملاتيوس الدوماني). ولد في دمشق سنة 1837 وتخرج في المدارس الوطنية ثم ألبس الاسكيم الرهباني سنة 1857 وصحب إلى الآستانة البطريرك الانطاكي ايروتاوس ولما ترملت سنة 1865 أبرشية اللاذقية إلى رعاية كرسيها فعني بإنشاء مدرسة لأبناء طائفته. وفي السنة 1891 بعد استقالة البطريرك اليوناني أسبيرديون أنتخب بطريركا واستقل به كرسي إنطاكية عن الخضوع لبطريرك الآستانة. ومما يعود فيه إليه الفضل لتعزيز الآداب تجديد مدرسة البلمند وإنشاء مكتبة جمعت نحو 4000 كتاب والعناية بمطبعة الدار البطريركية وعني بتهذيب الشبيبة من طائفته وعقد الجمعيات الخيرية.
وأسف الأقباط على فقدان أحد رهبانهم في أوائل القرن العشرين (الايغومانس فيلوثاوس) اشتهر بنشر تاريخ نوابغ الأقباط الذين كان لهم الفضل في النهضة والإصلاح.
هذا ما عرفناه من أدباء النصارى في السنين السابقة الدستور العثماني. ولا يبعد أن يكون فانتا قسم منهم لا سيما الذين برعوا في أمريكة لقلة ما كان يبلغنا من أخبارهم.
المستشرقون في أوال القرن العشرين كانت الدروس الشرقية في غرة القرن العشرين راقية في سائر أنحاء أوربة والعالم وقتئذ في سلام لم تكدر صفاءه معامع الحروب فكان للغتنا العربية مقام رفيع في الجامعات الأوربية يتنافس أساتذتها في نشر تعليمها واستخراج مئات من دفائن كنوزها. وكانت تساعدهم على ذلك المؤتمرات التي كانت تنعقد من وقت إلى آخر في عواصم البلاد ورحلات السياح إلى بلاد الشرق القاصية إلى اليمن والهند ومراكش فيعثرون على تأليف عزيزة الوجود كانوا يعدونها ضائعة مفقودة فينشرونها بالطبع فيتسع بنشرها على نطاق معارفنا عن آثار العرب.

(1/379)


وكانت مجلات المستشرقين حافلة بتلك المآثر النفسية لا سيما المجلات الآسيوية الفرنسوية والإنكليزية والألمانية والنمساوية والإيطالية والأميركانية فلم تترك بابا إلا قرعته ولا بحثا إلا خاضت فيه لا يهدأ لها بال حتى تبينه غثه من سمينه وهانحن نذكر بعضا من الذين خدموا العربية في ذاك العهد فأسفت البلاد على فقدهم في أوائل القرن العشرين.
(الفرنسويون) فقد مكتب اللغات الشرقية الحية في هذا الحقبة الأولى من القرن العشرين رجلا هماما ترأس عدة سنين على تنظيمها وترتيب دروسها الوجيه (أدريان بربيه دي مينار) ولد في 6 شباط 1826 على المركب الذي كان يقل والدته من الآستانة إلى مرسيلية وتخصص منذ حداثة سنه بدرس اللغات الشرقية وساعدته على إتقانها رحلاته لخدمة قنصليات وطنه في القدس وفي طهران والآستانة فتعلم اللغات الفارسية والتركية والعربية وتمكن من دقائقها حتى تولى تعليمها في مكاتب فرنسة العليا. فانتدب إلى رئاسة المجلة الآسيوية الباريسية وله فيها فصول عديدة ممتعة له بسعة معارفه. وقد حضرنا دروسه في باريس سنة 1894 فكان لا يزال يطرأ محامد الشرق وآله. وله منشورات عدية في التركية والفارسية. ومما خدم به اللغة العربية نشره لمروج الذهب المسعودي في تسعة مجلدات مع ترجمته إلى الفرنسوية ونشر من معجم البلدان لياقوت ما يختص ببلاد فارس. وساعد في نشر التأليف العربية المنوطة بالصليبيين فنقل إلى الفرنسوية كتاب الروضتين لمجيد الدين الحنبلي في المجلد الرابع من مجموعها العربي. أما مقالاته عن العرب والآداب العربية فمتعددة كمقالته عن السيد الحميري والألقاب عند العرب الخ. كانت وفاته في باريس في أواسط آذار 1908.
وفي تلك السنة عينها في 13 نيسان 1908 فقد المكتب المذكور أحد أساتذته المعدودين هرتفيك ديرنبورغ هو ابن جوزف ديرنبورغ الذي مر ذكره بين أدباء القرن التاسع عشر.

(1/380)


أخذ عن أبيه ميله إلى درس الشرقيات فجاراه في نشاطه فانتدب إلى تدريس اللغة العربية في مكتب اللغات الشرقية الحية وفي مكتب فرنسا الأعلى ونشر عدة مطبوعات مفيدة أخضها كتاب سيبويه وديوان النابغة الذبياني مع ترجمته الافرنسية وكتاب الإنشاء والاعتبار لأسامة بن منقذ والنكت العصرية لعمارة اليمني ونقلهما إلى الافرنسية وجدد طبع الفخري الآداب السلطانية لابن الطقطقي. ومن آثاره وصف جديد لقسم من مخطوطات مكتبة الاسكوريال في مدريد. كان مولده في 17 حزيران 1844 في باريس وفيها توفي.
وسبقه بالوفاة أحد أبناء دينه الموسوي جول أوبرت ولد في همبورغ في 9 تموز 1825 ثم عدل إلى الجنسية الفرنسوية وتوفي في باريس في 21 آب 1905. كان أحد كبار العلماء باللغات السامية كالعبرانية والعربية. وإنما امتاز خصوصا بدرس اللغة المسمارية وكان أحد الأولين الذين ساعدوا على كشف ألغازها. بعد أن قضى أربع سنوات في العراق يدرس أحاجيها. ولما عاد إلى فرنسة نشر نتيجة أبحاثه في كتابه المعنون (رحلة علمية إلى
بلاد ما بين النهرين) ولم يزل مذ ذاك الحين يتحف العلماء بمنشورات متتابعة في تاريخ بابل وأشور وفي اللغات السامية وخواصها.
وفي هذه السنين الأولى من القرن العشرين رزئت رسالتنا السورية بوفاة ثلاثة من رهبانها الفرنسويين الذين أدوا للآداب العربية خدما مشكورة استحقوا بها أن ينظموا في عداد المحسنين إلى الوطن. أولهم الأب (يوحنا بلو) المولودة في غرة آذار من السنة 1822 في لوكس من أعمال بورغندية والمتوفى في بيروت في 14 آب 1904. باشر درس اللغة العربية منذ أوائل سني رهبانيته ثم قدم إلى بيروت سنة 1866 ولم يزل ينشط ينشط في إحراز

(1/381)


فرائد لغتنا حتى أمكنه أن يتولى إدارة مطبعتنا ويهتم بنشر عدة تأليف مفيدة. منها دينية كالقلادة الدرية ومروج الأخيار والغصن النضير ومنها علمية أصابت لدى المستشرقين وأرباب المدارس في الشرق والغرب حظوة واسعة كالفرائد الدرية في اللغتين العربية والفرنسوية وكمعجميه الفرنسوي العربي الكبير والصغير وكغراماطيقه الفرنسوي العربي.
وتوفي بعده بأسبوعين في 31 آب 1904 يسوعي آخر ذو حرص كبير على خدمة الوطن ونشر الآداب الشرقية الأب (فكتوري دي كوبيه) أرسل أولا إلى الجزائر ثم أتى إلى بيروت فقضا فيها عشرين سنة بشغل متواصل. ثم ألف عدة كتب ساعده في تعريبها جناب الأديب خليل البدوي والمرحوم رشيد الشرتوني. منها كتاب التوفيق ين العلم وسفر التكوين وكتاب كشف المكتوم في تاريخ أخرى سلاطين الروم وكتراجم بعض القديسين اليسوعيين: ريحانة الأذهان ونفح الرند ومظهر الصلاح وكنخبة النخب في ترجمة القديس يوحنا فم الذهب. ونقل إلى الفرنسوية ديوان الخنساء وكتب فصلا كتب فصلا كبيرا عن شواعر العرب وترجم إلى الفرنسوية أيضا كتاب القرآن (لم يطبع) ونشر في مجلة الكنيسة الكاثوليكية فصولا عديدة. كان مولده في فرنسا سنة 1836.
والمستشرق اليسوعي الثالث المتوفى في هذه الحقبة هو الأب (أوغستين روده) المولود في فرنسة في 31 ت1 1828 درس العربية في الجزائر ثم أرسل إلى سورية السنة 1868 فترأس على مدرسة غزير قبل نقلها إلى بيروت 187 - 1875. ومن خدمته المعتبرة للوطن ترجمته للأسفار الكريمة من العبرانية واليونانية إلى العربية ساعده في تنقيح تعريبها المرحوم الشيخ إبراهيم اليازجي. ونشر للمدارس مع الأب يوحنا بلو مجموعة نخب الملح في خمسة أجزاء. توفي في 12 كانون الأول سنة 1906.

(1/382)


(الألمانيون والنمسويون) مات في أوكسفرد في غرة القرن العشرين 28 ت1 1900 العلامة الألماني الكبير (وليم ماكس مولر) كان معظم شغله باللغات الهندية والمقابلة في أصول اللغات. وقد نقل إلى الإنكليزية كتاب القرآن مع كتب الشرق الدينية. كان مولده في ديساو سنة 1823 في 6 كانون الأول.
وفي 18 آب من السنة 1903 أنتقل إلى جوار ربه في برلين الأستاذ الشهير (فردريك دياتاريشي) كان مولده في مدينة برلين في 6 تموز 1821 وساح في شبابه في جهات الشرق ثم تعين في وطنه كأستاذ العربية سنة 1850 فثبت في تعليمه عدة سنين. وله تآليف عربية متعددة منها معجم عربي ألماني وشرح ألفية ابن مالك وصنف كتابا في الشعر العربي ونشر نخبا من يتيمة الدهر للثعالبي ومن ديوان المتنبي. ودرس خصوصا تأليف العرب الفلسفية كالفارابي وأخوان الصفا فنشر منها بعضا ونقل بعضا إلى الألمانية.
وفي برلين توفي الرحالة المستشرق (وتسشتين) ولد في 19 شباط 1815 وتوفي في 17 ك2 1905 تعين قنصلا لدولته في دمشق وله سياحة في جهات حوران وجبل الدروز سنة 1860 ونشر بعض ما وجده فيها من الكتابات.
وفي كانون الثاني من السنة عينها توفي أيضا (فرنسيس جوزف شتينغاس) كان ضليعا باللغتين الفارسية والعربية. فمن منشوراته قاموس عربي إنكليزي ونقل قسما من مقامات الحريري إلى الإنكليزية وكتب عن تاريخ الخطوط والكتابات السامية. ولد في فرنكفورت في ألمانية وتوفي في إنكلترا.
وفي العام التالي في 25 ك2 1906 فقدت النمسة أحد علمائها المستشرقين الكاهن (غوستاف بيكل) علم زمنا طويلا اللغات الشرقية في كلية إنسبروك وفينة وبرز خصوصا في درس اللغة السريانية فنشر فيها كتبا جليلة كديوان إسحاق النينوي والترجمة الكلدانية لكليلة ودمنة وهي التي سبقت ترجمة عبد الله ابن المقفع العربية وقابل بين الترجمتين. كان مولده في 7 تموز 1838 وارتد عن البروتستانية إلى الكثلكة.

(1/383)


وممن ذاع اسمهم في هذه الحقبة ثم حل أجلهم الدكتور (مورتس شتينشنيدر) المولود في 30 آذار 1816 والمتوفى في برلين في 24 ك 2 1907. قد نشر قوائم غاية في غاية في الإفادة عن الكتب العربية المنقولة إلى اللاتينية وعن التأليف اليونانية التي نقلها العرب إلى لغتهم.
وله جدول واسع للتأليف التي كتبها المسلمون والنصارى واليهود في صحة أديانهم وفي تفنيد أديان سواهم. وكذلك سرد قائمة جميلة لما نشره العرب في الرياضيات والعلوم الفلكية. وله تأليف آخر في الآداب العربية وانتشارها بين اليهود طبعه سنة 1902 بالألمانية.
وزاد عليهم شهرة (إدوارد غلازر) الذي ولد في بوهيمية في 15 آذار 1855 وتوفي في مونيخ في 7 أيار 1908. رحل إلى بلاد اليمن ووصف كثيرا من أحوالها وآثارها ونشر كتابات حميرية قديمة أوقفتنا على أخبار ملوكها التبابعة وأخبار ملوك الحبش الذين استولوا على اليمن بعد نكبة نجران واستشهاد أهلها النصارى في عهد ذي نؤاس الملك اليهودي.
(الإنكليزيون والبلجيكيون) من أعيان الإنكليز الذين قضوا أجلهم في العشر الأول من القرن العشرين العلامة (وليم ميور) أحد المحققين المحققين في تواريخ المسلمين والعرب. ألف سيرة مطولة لنبي المسلمين في مجلدين سنة 1858. وكتب في القرآن وتأليفه وفي الخلافة الإسلامية وأطوارها المختلفة. وله مجادلات دينية في الإسلام ومقالات في شعراء العرب ونشر تاريخ دولة المماليك في مصر. توفي في لندن في 11 تموز 1905 وعمره 86 سنة.
واشتهر في إنكلترا (هنري كسل كاي) ولد في أنفرس في بلجيكة ودخل في إنكلترا فاتخذته جريدة التيمس كمراسل لها في مصر فنشر كتابات عادية وجدها في مصر ودمشق. ثم استوطن لندن وعلم فيها وطبع تاريخ بني عقيل ثم تاريخ عمارة اليمني ونقله إلى الإنكليزية وذيله بالحواشي (1892) توفي في 5 حزيران 1903 وكان مولده في 21 نيسان 1827.

(1/384)


المستشرقون في (اسوج وهولندة وروسيا). عنيت كلية اوبسالا في اسوج بتعليم اللغات الشرقية فكان يعلم فيها العربية الأستاذ (هرمان المكويست) نشر قسما من رحلة ابن بطوطة وكتب في خواص الضمائر في اللغات السامية توفي في 30 أيلول 1904.
ولم تزل هولندة رافعة منار التعليم للغات الشرقية وخصوصا العربية جارية على آثار كبار علمائها الذين شرفوا وطنهم من هذا القبيل منذ القرن السابع عشر. وممن فقدته الآداب العربية في هذه الحقبة الأولى من القرن العشرين أحد علماء ليدن الذي مات ريعان شبابه وهو الأديب فان فلوتن نشر كتاب مفاتيح العلوم الخوازرمي ومعظم رسائل الجاحظ الأدبية توفي سنة 1907 منتحرا.
أما روسيا فكان ناشر لواء علومها الشرقية العلامة (البارون فيكتور فون روزن) المولود سنة 1849 في مدينة رول من أعمال استلند وتوفي في بطرسبورج في 23 ك2 1908 (راجع ترجمته في المشرق 11 (1908): 171 - 173) درس على العلامة المستشرق فليشر في ليبسيك ثم عهد إليه تعلم اللغة العربية في كلية بطرسبورج فأضحى قطب علومها الشرقية ونال أرفع الامتيازات الشرقية لسمو فضله. والعربية مدينة له بما نشره من آثارها منها منتخبات مدرسية شتى مع ترجمتها إلى الروسية. وطبع قسما من تاريخ يحيى الانطاكي الذي عنينا بنشره ملحقا بتاريخ سعيد بن بطريق. وله وصف مخطوطات مكاتب روسية الشرقية وساعد على طبع تاريخ أبي جعفر الطبري في ليدن. وكان ذا لطف كبير يسعى إلى خدمة من التجأ إليه في الأبحاث الشرقية وعليه تخرج كثيرون من الروسيين فاشتهروا في وطنهم وخدموا الآداب العربية خدما مشكورة.

القسم الثاني
الآداب العربية من 1908 - 1918
البحث الأول
نظر في الآداب العربية في هذه الحقبة
هي الحقبة الثانية من الآداب العربية في هذا الربع الأول من القرن العشرين وهي تتناول عشر سنوات أولها إعلان الدولة التركية بالدستور وآخرها ختام الحرب الكونية.

(1/385)


وما يقال عنها إجمالا أنها ابتدأت بالفرح ولم يلبث أن عقبها الحزن والشقاء فتأثرت بها الآداب العربية وجمعت بين المتناقضين. فكان صدى الأفراح والأحزان يسمع متناوبا في صرير الأقلام المعربة عن عواطف القلوب.
أعلن بالدستور العثماني بعد فوز الحزب العسكري في الآستانة في 24 تموز 1908 فكان لهذا النبأ فرح شمل عموم الرعايا في تركية واستبشر به الجميع خيرا وشعر الناس كأن حملا باهظا سقط من كواهلهم أو حلت عنهم ربقة الاستعباد وكسرت أغلال أسرهم. فانطلقت الألسنة بالمديح وشحذت الأذهان بالقريض فضاقت صفحات الجرائد عن استيعاب ما تنتج به القرائح من الفصول الشائقة والقصائد الرنانة الرائقة.
وما لبثت الجرائد المصرية والمغربية والأميركية من مسلمين ودروز ونصارى تضرب على الوتر عينه فتارة تطوى الحرية وتحبذ المساواة والإخاء. وتارة تسلق بسهام حادة تركية وسلطانها المستبد وحيانا ترفع إلى السحاب نيازي وأنور وطلعت وجمالا وتسكر بمحامد تركية الفتاة لا سيما بعد أن اضطرت عبد الحميد إلى النزول عن عرشه مخلوعا منفيا إلى سالونيك يبكي على سلطانه المفقود.
على أن هذه الأفراح لم تلبث أن ترنق صفاؤها بما ظهر للمفرحين من استبداد كان شرا من الاستبداد الحميدي بتطرف ضابطي أزمة الأمور من جمعية الاتحاد والترقي إذ تحاملوا على من لم ينحز على رأيهم فرفعوا البعض منهم على الأعواد وأذاقوا غيرهم ضروب العذابات التي اعتادها همج الشعوب. فكفت تلك الكتابات عن تزميرها وتطبيلها وغيرت لهجتها نوعا إلا أنها خوفا من عقاب الحزب المتولي في الدولة لم يجسروا أن يعلنوا بمآثمه.

(1/386)


ثم زادت الأحوال حراجة بمكايد جمعية الاتحاد والترقي وتقبلت الوزارات وتعددت الأحزاب وبلغت أمور الدولة التركية منتهاها من الاضطراب بحربيها مع إيطالية سنة 1911 - 1912 ومع الدول البلقانية 1912 - 1913 فقدت آخر ولاياتها في أفريقية طرابلس الغرب وكادت الدول البلقانية تأتي على ولاياتها الأوربية لولا ما وقع بينها من النزاع. فوجدت هذه الأحوال كتبة وشعراء طنطنوا بمعاظم تركية وبالتشنيع على أعدائها الإيطاليين والبلغار.
وكانت ثالثة الأثافي الحرب الكونية التي انحازت فيها تركية إلى الدول المركزية مدفوعة إلى تحزبها بمواعيد ألمانية العرقوبية وبمطامع بعض زعمائها الساعين وراء مصالحهم الخاصة فكان ما كان بكسرة ألمانية والمحاربين في جانبها فخرجت منها تركية مذللة خاسرة.
أما الآداب العربية في مدة تلك الفوضى فإنها كاد يقضى عليها بمصادرة الجمعيات العربية وشنق بعض أصحابها وإقفال المدارس ومناصرة اللغة التركية وتعطيل معظم الجرائد الوطنية والمطابع الأجنبية والحرة في أنحاء دولة الأتراك في بيروت ولبنان وفلسطين وأنحاء الشام والعراق. أما في الخارج في مصر وأميركا فإن النهضة العربية بقيت على حالتها إلا أنها لم تترق لانقطاع معاملاتها مع بلاد الشرق التي منها تستمد كثيرا من مواد حياتها وبانشغالها بأمور الحرب وأطوارها.
أما أوربة فإن غيرة علمائها في درس العلوم الشرقية عموما والعربية خصوصا لم تخمد فإنها من السنة 1908 إلى السنة 1914 ثبتت على خطتها من النمو والنجاح كما تشهد عليها مؤتمرات المستشرقين الدولية سنويا والعدد العديد من المطبوعات الجديدة التي نشروها ومن الآثار القديمة التي وقفوا عليها. وإنما تأثرت أيضا بالحرب العمومية لفقدانها عدة من المستشرقين الذين هجروا الدروس ليدافعوا مع مواطنيهم في ساحات الحرب عن حرمة بلادهم.

(1/387)


ومع ما رأيت من نكبة الآداب العربية في هذه الحقبة لا بد من الاعتراف بهمة الحكومة المصرية في تحسين مدارسها الوطنية وسعيها إلى زيادة مصاريف برنامجها لتعميم المدارس ولإنشاء مدارس عليا وجامعة وطنية تلقى فيها الدروس العلمية الخاصة ينتدب إليها أساتذة بارعون من الوطنيين والأجانب وهذه الجامعة المصرية تقوم بثلاثة أقسام كبيرة وهي:
كلية الآداب تشمل الآداب العربية وعلم مقارنة اللغات السامية وتاريخ الشرق القديم وتاريخ الأمم الإسلامية والفلسفية العربية. ثم قسم العلوم الاجتماعية والاقتصادية. ثم كلية السيدات. وكان شروع الجامعة بهذه العلوم السنة 1910.
وكانت الجامعتان البيروتيتان الأميركية والفرنسوية زادتا ترقيا واتساعا في هذه الحقبة الثانية ففي السنة 1909 أضافت الكلية الأميركية إلى مدرستها الطبية ثلاثة مستشفيات للنساء وللأطفال ولأمراض العيون. وأنشأت في السنة 1910 مجلتها (الكلية) في العربية الإنكليزية.
أما الكلية اليسوعية فأقيمت لمدرستها الطبية معاهد جديدة فسيحة قريبا من رأس النبع على طريق الشام صار تدشينها برونق عظيم في 19 تشرين الثاني سنة 1912 ثم فتحت برتبة فخم في 21 من الشهر في العام المقبل. أما معاهدها القديمة فخصصت بفرع جديد من الدروس العليا أعني مدرسة الحقوق التي أنشئت سنة 1913 وغايتها أن تجدد مفاخر مدرسة الحقوق الرومانية التي أكسبت بيروت مدة ثلاثمائة سنة مجدا مؤثلا أوقفته نكبات
الزلازل التي هدمت المدينة في القرن السادس للمسيح. وفي تلك الأثناء أنشئت للمسلمين في دمشق مدرسة طبية وفي بيروت مدرسة حقوقية كان التعليم فيها باللغة العربية.

(1/388)


ومما أنشئ من المجلات النفيسة قبل الحرب مجلة المقتبس سنة 1324 لصاحبها السيد محمد كرد علي في دمشق. ومجلة الآثار في زحلة سنة 1911 لمنشئها عيى أفندي أسكندر المعلوف. والنبراس لصاحبها مصطفى أفندي الغلاييني سنة 1327 والكوثر للأديب بشير رمضان وكلتاهما في بيروت. وأنشأ أيضا في بيروت الأبوان يوسف علوان اللعازري ويعقوب الكبوشي مجلتي الجسمانية وصديق العائلة. والقس يوسف الشدياق الأنطونياني نشر في بعبدا سنة 1911 كوكب البرية. ونشر العرفان أحمد أفندي عارف زين الدين في صيداء سنة 1328 - 1910. أما مصر فتعددت المجلات المستحدثة نخص منها بالذكر مجلة الزهر للشيخ أنطوان أفندي الجميل (1910) والمرآة الخليل أفندي زينية.
تصرف الشعراء بأوزان الشعر
ومن ميزات هذه الحقبة الثانية من القرن العشرين تصرف الشعراء بأوزان الشعر وذلك أنهم لما رأوا انبساط الغربيين في معاني الشعر وأتساعهم في أغراضه وتصرفهم بأوزانه شاءوا أن يجاورهم في ذلك لئلا تنحصر قرائح الشعراء في دائرة القصائد الشائعة في الدواوين السابقة.
وأول ما تصرفوا فيه بحر الرجز لقربه من النثر بكثرة جوازاته وبسهولة تغيير قوافيه. كما فعل نابغة العصر المرحوم سليمان البستاني في شعر الإلياذة القصصي تفنن في أراجيزه أي تفنن فرارا من سلم القارئ وماله عند مطالعة هذا الكتاب لو جرى على طريقة واحدة وقد فعل ذلك دون تعسف وبحن ذوق.
ووجد أيضا الشعراء في الموشحات متسعا في نظمهم فاتخذوها مثالا وتصرفوا في البحور الستة عشر وأوزانها وقسموها تقاسيم جديدة في الأبيات وفي الأدوار وجروا على قوافي متناسقة إلى غير ذلك مما أرشدته إليهم قريحتهم فربما أجادوا وربما أساءوا وإنما بينوا ما يستطاع استخراجه من كنوز الفنون في الشعر العربي في معالجة الأغراض المعنوية العصرية كما ترى في روايات التمثيلية والقدود الغنائية.

(1/389)


وقد جرى على ذلك أصحاب الشعر العام ولعلهم سبقوا الشعراء النظامين فمهدوا لهم الطريق. ولدينا من دواوينهم مجاميع سبقت عصرنا تدل على استنباطهم لأوزان شعرية جديدة لا تخلوا من محاسن المنظومات ولا ينقصها إلا ضبطها على القواعد اللغوية والعروض وتجريدها من بعض ألفاظ العامة.

الشعر المنثور
ومما سبق إليه أدباء عصرنا فابتكروه دون مثال في لغتنا ما دعوه بالنثر الشعري أو الشعر المنثور كأنه جامع بين خواص النثر والنظم. أما النثر فلأنه على غير وزن من أوزان البحور. وأما النظم فلأنهم يقسمون مقاطعه ثلاث ورباع وخماس وأزيد دون مراعاة أعدادها ويسبكونها سبكا مموها بالمعاني الشعرية.
وهذه الطريقة استعارها على ظننا الكتبة المحدثين كأمين الرياحيني وجبران خليل جبران ومن جرى مجراهما عن الكتبة الغربيين ولا سيما الإنكليز في ما يدعونه بالشعر الأبيض غير المقفى وفي بعض كتاباتهم الشعرية المعاني غير المقيدة بالأوزان. ولسنا لننفي هذه الطرقة الكتابية التي لا تخلو من مسبحة من الجمال في بعض الظروف اللهم إذا روعي فيها الذوق الصحيح ولم يشنها الاستهتار وتلاحمت معانيها وتنمقت بأشكال البديع السهلة المنسجمة
ولم يفرط الأتساع فيها فتصبح لغطا وثرثرة.
على أننا كثيرا ما لقينا في هذا الشعر المنثور قشرة مزوقة ليس تحتها لباب وربما قفز صاحبها من معنى لطيف إلى قول بذي سخيف أو كرر الألفاظ دون جدوى بل بتعسف ظاهر. ومن هذا الشكل كثير في المروجين للشعر المنثور من مصنفات الريحاني وجبران وتبعتهما فلا تكاد تجد في كتاباتهم شيئا مما تصبو إليه النفس في الشعر الموزون الحر من رقة وشعور وتأثير. خذ مثلا وصف الريحاني للثورة:
ويومها القليب العصيب. وليلها المنير العجيب
وصوت فوضاها الرهيب. من هتاف ولجب ونحيب. وزئير وعندلة ونعيب
وطغاة الزمان تصير رمادا. وأخياره يحملون الصليب
ويل يومئذ للظالمين. المستكبرين والمفسدين

(1/390)


هو يوم من السنين. بل ساعة من يوم الدين
ويل يومئذ للظالمين
هي الثورة ويومها العبوس الرهيب
ألوية كالشقيق تموج. تثير القريب. تثير البعيد
وطبول تردد صدى نشيد عجيب
وأبواق تنادي كل سميع مجيب
وشرر عيون القوم يرمي باللهيب
ونار تسأل هل من مزيد. وسيف يجيب. وهول يشيب
ويل يومئذ للظالمين. ويل لهم من كل مريد مهين
طلاب للحق عنيد مدين. ويل للمستعزين والمستأمنين
هي ساعة الظالمين
وهي طويلة على هذه الشاكلة. ولو أردنا انتقادها وبيان نقائصها النثرية والشعرية والمعنوية لطال بنا الكلام. وقس عليها فصولا عديدة من جنسها أعني طنطنة ألفاظ وشقشقة لسان وإذا حاول الأديب استخلاص معانيها بقي متضعضعا مرتابا وكم مثلها في كتابات جبران. ودونك فصله المعنون بالأرض:
تنبثق الأرض من الأرض كرها وقسرا
ثم تسير الأرض فوق الأرض تيها وكبرا
وتقيم الأرض من الأرض القصور والبروج والهياكل
وتنشئ الأرض في الأرض الأساطير والتعاليم والشرائع
ثم تمل الأرض أعمال الأرض فتحوك من هالات الأرض الأشباح والأوهام والأحلام
ثم يراود نعاس الأرض أجفان الأرض فتنام نوما هادئا عميقا أبديا
ثم تنادي الأرض قائلة للأرض
أنا الرحم وأنا القبر وسأبقى رحما وقبرا حتى تضمحل الكواكب وتتحول الشمس إلى رماد

فلعمري هذه الغاز لا شيء فيها من منظوم رائق ولا منثور شائق هي أقرب إلى الهذيان والسخف منها إلى الكلام المعقول. ولو شئنا لجمعنا من هذا الصنف صفحات تضيق عنها أعداد المشرق. وشتان بينها وبين فصول أخرى بديعة لبعض الكتبة البلغاء كمثل فصل رويناه في المشرق عنوانه (الموسيقى) لصديقنا وفخر كليتنا الأديب يوسف أفندي غصوب (راجع كتابه أخلاق ومشاهد ص117) وكفصله (أيها الصليب) (المشرق 22

(1/391)


(1924): 463) فإذا استثنينا هذه الفصول الرائعة التي عرف صاحبها من أين يؤكل الكتف لصدقنا على قول الكاتب الأديب مصطفى أفندي صادق الرافعي في عدد المقتطف الأخير الصادر في يناير 1926 (ص31)
نشأ في أيامنا ما يسمونه (الشعر المنثور) وهي تسمية تدل على جهل واضعيها ومن يرضاها لنفسه؟ فليس يضيق النثر بالمعاني الشعرية ولا هو قد خلا منها في تاريخ الأدب.
ولكن سر هذه التسمية إن الشعر العربي صناعة موسيقية دقيقة يظهر فيها الاختلال لأوهى علة ولأيسر سبب ولا يوفق إلى سبك المعاني فيها إلا من أمده الله بأصلح طبع وأسلم ذوق وأفصح بيان، فمن أجل ذلك لا يتحمل شيئا من سخف اللفظ أو فساد العبارة أو ضعف التأليف... غير أن النثر يحتمل كل أسلوب وما من صورة فيه إلا ودونها صورة أن تنتهي إلى العمامي الساقط والسوقي البارد ومن شأنه أن ينبسط وينقبض على ما شئت منه، وما يتفق فيه من حسن الشعري فإنما هو كالذي يتفق في صوت المطرب حين يتكلم لا حين يتغنى فمن قال (الشعر المنثور) فأعلم أن معناه عجز الكتاب عن الشعر من ناحية وادعاؤه من ناحية أخرى.
وقد آثر البعض أن يدعوا هذه الطريقة الكتابية (بالأدب الجديد) فنقول أن هذه الجدة لا تزيده حسنا إلا إذا جمعت تلك الصفات التي يمتاز بها إنشاء الكتبة البلغاء الحنة السبك المتناسقة الألفاظ المنسجمة المعاني التي لا تتراكم فيها التشابيه على غير جدوى وتتكرر الألفاظ بلا معنى وعليه لم نستحب ما أختاره صاحب الأدب الجديد للآنسة مي في العيون.
(العيون): تلك الأحداق القائمة في الوجوه كتعاويذ من حلك ولجين.
تلك المياه الجائلة بين الأشفار والأحداب كبحيرات تنطقن بالشواطئ وأشجار الحور.
العيون الرمادية بأحلامها. والعيون الزرقاء بتنوعها
العيون العسلية بحلاوتها. والعيون البنية بجاذبيتها
والعيون القاتمة بما يتناوبها من قوة وعذوبة
جميع العيون: تلك التي تذكرت بصفاء السماء

(1/392)


وتلك التي يركد فيها عمق اليوم (كذا)
وتلك التي تريك مفاوز الصحراء وسرابها
وتلك التي تعرج بخيالك من ملكوت أتيري كله بهاء
وتلك التي تمر فيها سحائب مبرقة مهضبة.... الخ
فإن كان هذا الأدب الجديد فنحن في غنى عنه. على أن للآنسة في كتابات كثيرة أفضل من هذا الشعر المنثور.
الأدباء المسلمون في هذهالحقبة الثانية 1908 – 1918 أدباء مصر المسلمون (مصطفى كامل) كانت وفاته في سنة الدستور التركي قبل الإعلان به بأشهر في 8 شباط 1908 وهو في الرابعة والثلثين من عمره (ولد في القاهرة في 14 آب 1874 ودرس على أساتذتها في المدارس الابتدائية والتجهيزية والحقوقية ثم نال في فرنسة في جامعة طولوز شهادة الحقوق. ولما رجع إلى وطنه بعد الاحتلال الإنكليزي ساءته حالته وأجتمع بمن رآهم على فكرته ولم يلبث أن تصدر بينهم بما ظهر عليه من الذكاء والنجابة والإقدام فأصبح خطيب الوطنيين وزعيمهم لا يأخذه في تحرير وطنه والدفاع عن حقوقه ملل من السنة 1893 إلى حين وفاته وقد تشكل بهمته الحزب الوطني فأصبح رئيسها تناط بها الآمال وتهتز له الجوارح. هذا فضلا عن شهرته في فن المحاماة. وقد وقفنا على المجموعة التي نشرت فيها سيرته وأعماله من خطب وأحاديث ورسائل سياسية وعمرانية وكلها تدل على عبقريته وحبه الصادق نحو الوطن. وكان أول مرة يحرر في الصحف المصرية ومن أول تصانيفه رواية فتح الأندلس على عهد طارق ألفتت إليه أنظار أهل وطنه. وهو في إنشائه نثرا ونظما لم يقصد تنميق العبارة وتحليتها بالسجع والمحسنات النافلة بل كلن جل قصده أن يكون لكلامه وقع في القلوب ليحملها إلى ما يراه من صوالح الوطن بعبارة سلسلة سالمة من التعقيد وفاسد التركيب. وهذا نشيد كان من بواكير قلمه.
هلموا يا بني الأوطان طرا لنرجع مجدنا ونعز مصرا
هلموا كي نوفي القطر حقا نسيناه فضاع بذاك قدرا
هلموا أدركوا العلياء حتى تنال بلادنا عزا وفخرا

(1/393)


هلموا واتركوا الشحناء منكم وكونوا أوفياء فذاك أحرى
أليس يشيننا ترك المعالي تباع بغير وأدينا وتشرى
ونحن رجالها وبما لديها من الإسعاد والخيرات أدرى
فعار أن نعيش بغير مجد ونبصر بسما شمسا وبدرا
وعار أن يكون لنا وجود ويحظى غيرنا فوزا ونصرا
فقوموا واطلبوا للنيل عزا ولا تبقوا بذل كي يسرى
وسيروا نحو هذا القصد حتى تنادوا أجمعين بعز مصرا
ودونك مثالا منة نثره في تربية الإناث وفي التهذيب والتربية الدينية:
(يجدر بي أن الفت أنظاركم عموما إلى أمر بن خطيرين: أولهما تربية البنت لأزمة وضرورية لأنها ذات الشأن الأول في تربية الأطفال متى صارت أما ورئيسة عائلتها وهي التي عليها الجزء الأعظم من أعمال هذا الوجود. وثانيهما أن تعليم البنين والبنات العلوم والفنون لا يفيد وحده بل يجب قبل كل شيء تربية الروح حتى يصير الطفل متى شب رجلا شجاعا ممتلئا بالوطنية الحقة قائما بالمبادئ الجنسية. وتصير الطفلة متى شبت امرأة رشيدة مدبرة تعلم أبناءها محبة البلاد وتغرس في قلوبهم وجوب التفاني في خدمة الأمة وفي أعلاه شأن الوطن العزيز. فتكون بذلك المدارس منبع حياة الأمة ومصدر وجود جديد...
(ويجب قبل كل شيء أن تكون التربية الدينية أساس التعليم والتهذيب. فالدين عاصم من الدنايا رادع عن الخطايا معلم للفضائل محبب الكمالات. وإذا بحثا مدققا عن سبب تأخر المسلمين في سائر البلاد لوجدنا الأسباب كلها مجتمعة في سبب واحد وهو إننا ابتعدنا عن الدين وقصرنا في إتباع أوامره واجتناب نواهيه...)
وفي تلك السنة ذاتها فقدت مصر أديبا آخر كان أيضا من الدعاة إلى الإصلاح أعني به (قاسم بك أمين) المولود سنة 1865 والمتوفى في 21 نيسان 1908 وهو في عز كهولته.

(1/394)


درس على نفقة حكومة مصر في فرنسة وعاش زمنا بين أهلها ورأى ما للمرأة الفرنسوية من المنزلة الرفيعة في وطنها وما لها من الفضل في تربية بنيها وترقية وطنها. فلما عاد إلى مصر بعد درسه الحقوق ترقى في كل دوائر الشرع. ثم خص نفسه بتحرير المرأة المسلمة إذ رأى بانحطاطها والتضييق عليها آفة على الوطن والتمدن. فسبق إلى المجاهرة بوجوب رفع الحجاب وبإعطاء المرأة الحرية المعقولة وبتحوير سنن الأضرار والطلاق إلى غير ذلك مما
تسعى اليوم الجمهورية التركية إلى إصلاحه بين الأتراك. ولقاسم أمين عدة تآليف في هذا المعنى وأسباب ونتائج كتحرير المرأة وخواطر قاسم أمين والواجب على المرأة لنفسها ولعائلتها. ولم يكترث لما وجده في مواطنيه من المعاكسات وله محاضرات ومقالات عديدة في غير مواضيع. وهو في كل كتاباته يجري جريا واحدا يتعمد إقناع القراء. أكثر منه خلب عقولهم بطنطنة الكلام وتزويق الإنشاء. ودونك ما قاله عن الخلاف المزعوم بين الدين والعلم:
(ليس حقيقي بأنه يوجد بين الدين والعلم خلاف حقيقي لا في الحال ولا في الاستقبال ما دام موضوع العلم هو معرفة الحقائق المؤسسة على الاستقراء. فمهما كثرت معارف الإنسان لا تملأ كل فكرة بعد كل اكتشاف يتحققه العلم يبح عن اكتشاف آخر وفي نهاية كل مسألة يحلها تظهر مسألة جديدة تطالبه بحلها. الآن وغدا يشتغل عقل الإنسان بالعلم أي بالمعرفة الحوادث الثابتة ولا يمنعه ذلك من التفكر في المجهول الذي يحيط به من كل طرف...)

(1/395)


وفي السنة 1911 توفي الله عالما ثالثا بالحقوق (عمر بك لطفي) مولود الإسكندرية سنة 1867 تلقى العلوم في مدرسة أخوة المدارس المسيحية ثم دخل مدرسة الحقوق في القاهرة ونال شهاداتها بل برع في فنونها حتى انتدبته الحكومة للتدريس فيها. ثم تفرغ للمحاماة وخص نظره بالاقتصاد فعرف كأحد مصلحيه وصرف نظره للزراعة وظهرت ثمار سعيه في مشروعات وطنه لمصلحة الأمة الاقتصادية والاجتماعية وأنشأ لذلك الأندية والنقابات ونشط دروسها في الشبيبة فأدى بهمته لمصر خدمات مشكورة ساعدت على رقي قطر النيل.
وكان عمر بك لطفي من أرباب الكتابة ألف عدة تآليف في شرح المواد القضائية وفي الامتيازات الأجنبية. وله في الأفرنسية أيضا تآليف مختلفة في الشرع الإسلامي كالدعوى الجنائية في الشريعة الإسلامية وحقوق المرأة فيها. وقد رثاه أمير شعراء مصر شوقي بك بقصيدة فريدة أولها:
اليوم أصعد دون قبرك منبرا وأقلد الدنيا رثاءك جوهرا
وأسفت الصحافة المصرية في السنة 1913 على فقد أحد أربابها الممتازين الأستاذ الشيخ علي أبي يوسف الأزهري. ولد سنة 1863 ودرس اللغة والفقه في الجامع الأزهر ثم أحس يميل للآداب فتمرن عليها ونظم الشعر فنشر ديوانه نسمة السحر. وفي السنة 1885 أنشأ مجلة علمية أدبية سماها الآداب ثم عدل بعد مدة منها إلى جريدة المؤيد السياسية حررها سنين طويلة وأكسبها بقلمه شهرة واسعة ونفوذا عظيما حتى عد كمؤسس الصحافة الإسلامية في القطر المصري لدى كبار الدولة مقاما معتبرا بعد تذليله كل العقبات التي صادفها في سبيله. ومن ظريف شعره وصفه للربيع:
أنج نحو الرياض عند مياه طاب فيها الورود للظمآن
وأقتطف زهر ورد خد بطلح رق فيها ملاعب الغزلان
وانظر الماء إذ يسيل بلطف وفي وهاد الرياض كالوسنان
يلثم السوق من غصون قدود هائما بالقدود والأغصان
وله في الفخر:
يشير لذروة العليا بناني ويمنعني الوصول لها زماني

(1/396)


ولي همم تهم إلى الثريا وحظ بالثرى مرخى العنان
ولي نفس تعاف الضيم وردا وتأنف شيمة تزري بشأني
ولي عند الحوادث سيف صبر يذيب فرنده الحد اليماني
ولي عهد الشبيبة عف نفس تعف عن الحنا في كل آن
أقارن بالعلا أملي ولكن يغار بي الزمان على قراني
وكم أشكو زماني لليالي وكم أشكو الليالي للزمان
فيسمع قصتي هذه وهذا وما هذان إلا ساحران
وممن أصابته المنية في السنة 1914 (فتحي باشا زغلول) من أئمة الأدباء المعدودين وأحد الكتبة الاجتماعيين في مصر. كان مولده سنة 1863 وبعد دروسه الابتدائية والثانوية في وطنه تمم دروسه العليا في فرنسة ثم خدم وطنه بالقضاء ونظارة الحقانية وبعدة تآليف خلفها من آثار قلمه بعضها في الشرع كشرحه للقانون المدني وكتاب المحاماة وكتعريب أصول الشرائع وبعضها اجتماعية نقلها من الفرنساوية كسر تقدم الإنكليز السكسونيين وكسر تطور الأمم وروح الاجتماع وخواطر وسوانح في الإسلام.
وتوفي قبله في السنة ذاتها 1914 في أواسط كانون الثاني عالم آخر بالعلوم القضائية في مصر (محمد بك النجاري) أضاف إليه انصبابه على الدروس اللغوية. ومن آثاره الجليلة قاموس فرنساوي عربي في خمسة مجلدات ضمنه كثيرا من المصطلحات العلمية والسياسية والطبية وله معجم آخر عربي يحتوي خلاصة المعاجم العربية الكبرى لم ينشر بالطبع.
وفي السنة والشهر السابقين كانت وفاة أديبة مسلمة شيعية (زينب فواز) صاحبة (الدر المنثور في طبقات ربات الخدور) نقلنا عنه في المشرق (19(1921): 108 - 114) ترجمة جان درك. ولها أيضا رسائل منسوبة إليها تعرف بالرسائل الزيتية.
وممن توفاهم الله في السنة عينها 1914 أديبان مصريان لهما بعض الآثار الكتابية أولهما (الشيخ أحمد مفتاح) مؤلف رسائل تلوح فيها لوائح البلاغة كقوله يستدعي بعض الأدباء إلى مواجهته من رسالة:

(1/397)


(... إني وإن لم أكن أسعدت من قبل باجتلاء طلعتك الزاهرة واجتناه مفاكهتك الغضة فقد دلني على الليث زئيره، وعلى النهر خريره، وعلى السيف جوهره، وعلى العقل أثره.
ولئن لم يجمعنا لحمة النسب، فقد جمعتنا حرفة الأدب، أو لم يضمنا قبل مرتبع، فالطيور على أشكالها تقع، وشبه الشيء منجذب إليه، وأخو الفضائل هو المعول عليه، وهذه الرقعة وإن وصفت لك بعض ما أنا مطوي عليه من التهافت على رؤيتك والميل إلى صداقتك فقلما تنوب عن المشافهة أو تقضي حاجات في النفس طالما تردد صداها، وفي ظني أن سيدي يود ما أوده، وعما قليل يسفر صبح اللقاء، ونتجاذب أهداب المعرفة فأرى من سيدي فوق ما توسمته وسمعته) ويرى مني ما يرضيه والسلام.
والثاني (أحمد أفندي سمير) اشتهر أيضا بمكاتباته للأصحاب. فمن قوله بمعنى ما سبق للشيخ أحمد مفتاح في التعارف والتواد:
(يعلم سيدي أن المودة لا تباع ولا تشري وإنما هي نتيجة الاجتماع والتعارف، وقد خلق الإنسان مضطرا إليهما لأن انتظام العمران عليهما موقوف. ولهذا شهد العيان بأن المنفرد بأعماله المستبد بآرائه عرضة للخطأ مظنة لعدم الثقة... إذ لا جرم أن المرء كما قيل (قليل بنفسه كثير بإخوانه) وقد سمعت عن السيد وقرأت من آثاره المأثورة ما حببه إلي وشاقني التعرف به لنشترك في منفعة تبادل الأفكار...).
وقد اغتالت المنية في وقت الحرب الكونية سنة 1917 أحج الأدباء اللغويين الأستاذ الجليل (حمزة فتح الله) كان في مصر مفتش اللغة العربية بنظارة المعارف العمومية. توفي ضريرا وله تآليف شتى بالنثر والنظم ونشر في جرائد الإسكندرية المقالات المتعددة وكان يحب أن يوصف كلامه بالألفاظ الغريبة دلالة على سعة معارفه بمفردات اللغة. ودونك مثالا من بعض رسائله في الشرق:

(1/398)


(مولاي أما الشوق إلى رؤيتك فشديد وسل فؤادك عن صديق حميم، وود صميم، وخلة لا يزيدها تعاقب الملوين وتألق النيرين إلا وثوقا في العرى، وإحكاما في البناء، ونماء في الغراس، وتشييدا في الدعائم. ولا يظنن سيدي إن عدم ازدياري ساحته الشريفة، واجتلائي طلعته المنيفة، لتقاعس أو تفسير، فإن لي في ذلك معذرة اقتضت التأخير، والسيد أطال الله بقاءه أجدر من قبل معذرة صديقه... وبعد فرجائي من مقامكم السامي أن لا تكون معذرتي عائقا لكم عن زيارتي فلكم مننا طوقتموها ولكم فيها فضل البداءة وعلي دوام الشكران والسلام).
هذا مجمل ما وقفنا عليه من أخبار أدباء مصر في هذه الحقبة الثانية إلى أواخر الحرب الكونية ولعله فاتنا بعض أخبارهم لانقطاعنا في تلك المدة عن عالم الأدب.
أدباء الشام المسلمون
(الشيخ حسين الجسر) توفي هذا العالم الأديب في 13 رجب 1327 (29 تموز 1909) كان أحد مشاهير أعلام طرابلس الشام ولد فيها سنة 1261 (1845م) وتخرج على أدباء وطنه ثم على أساتذة الأزهر. ولما عاد إلى طرابلس درس العلوم العصرية ثم قضى عمره في التأليف والتصنيف والنثر والنظم ودرس عدة سنين في المدرسة الوطنية فأخذ عنه كثيرون من أدبائها ثم أصدر جريدة طرابلس فحررها زمنا طويلا. له ما خلا بعض التآليف الدينية كتاب في مناقب والده الشيخ محمد الجسر ومجموعة أدبية في عدة مجلدات سماها رياض طرابلس الشام ثم رسائل أدبية وسياسية ومنظومات في التربية. ومما لم يطبع كتاب الكواكب الدرية في الفنون الأدبية. رثاه صاحب الرغائب حكمت شريف بقصيدة:
خطب الحسين أرى أم جسرنا انتقضا أم طود علم لجنات النعيم مضى
أواه من زمن قد دك جسر تقى وهد ركنا من الآداب حين قضى

(1/399)


وفي العام الثاني في تشرين الأول سنة 1910 أصابت المنون (صادق باشا العظم) من وجوه دمشق الشام. تلفى العلوم في وطنه ثم درس مدة في كليتنا البيروتية. وقف نفسه في إثرها لخدمة الدولة العثمانية فترقى في مناصبها العسكرية بصفة ضابط إلى أمارة لواء وقول أغاسي. ثم انتدبته الحكومة لمهمات عند الشيخ السنوسي وأرسل معتمدا عثمانيا إلى عاصمة البلغار. ولما قصدت الدولة أن تنشئ بينها وبين ملك الحبشة منليك علائق ودية أرسلته كرئيس وفد فكتب تفاصيل رحلته ونشرها بالطبع وألف أيضا تاريخ دفاع بافنا وله رحلة إلى الصحراء وأدبيات شتى تركية وعربية. وحرر مع ابن عمه رفيق بك العظم بالعربية والتركية جريدة الشورى العثمانية أوجبت فراره مع الآستانة إلى القطر المصري فعلم زمنا في المدرسة التوفيقية ثم عاد إلى الوطن بعد إعلان الدستور فما لبث أن ودع الحياة.
وفي سنة وفاة صادق بك العظم توفي الكاتب النحرير (الشيخ أبو حسن الكستي) وقد سبقت ترجمته في القسم الثاني من كتابنا الآداب العربية في القرن التاسع عشر (ص79 - 81) ذكرناه مع رصيفيه الشيخين يوسف الأسير وإبراهيم الأحدب وقد جعلنا هناك وفاته سنة 1909 والصواب 1910.
وممن عظم علم الأدباء نعيه سنة 1911 (السيد حسين وصفي رضا) شقيق السيد محمد رشيد رضا صاحب مجلة المنار المولود في أوائل سنة 1882 مات في تمام شبابه وكان درس على علماء وطنه مشاهير الأزهر العلوم الدينية والأدبية وبرع في الكتابة فشارك أخاه في تحرير المنار وفي إصلاح أمور الإسلام.
وفي 25 تموز سنة 1913 فجعت فلسطين بأحد رجالها المعدودين (روحي بك الخالدي) سليل أسرة قديمة في القدس الشريف كان مولده سنة 1864 وتلقى مبادئ العلوم في وطنه ثم في نابلس وطرابلس وفي المدرسة السلطانية في بيروت ثم انكب على الدروس الفلسفية والحقوقية والسياسية في الآستانة وفي باريس حيث اجتمع بعلماء الفرنج فعرفوا قدره.

(1/400)


وانتدبه الفرنسيون إلى التعليم في مدرسة اللغات الأجنبية في باريس وكان أحد أعضاء مؤتمر المستشرقين فيها سنة 1897. ثم اختارته الدولة التركية كقنصلها في مدينة بوردو عدة سنين فأطلع على أحوال الفرنسويين وآدابهم. وألف وقتئذ كتابه علم الأدب عند الفرنج والعرب. ولما حد الانقلاب العثماني سنة 1908 انتخبه مواطنوه كمبعوث القدس الشريف وقلد بين رصفائه وظيفة الرئيس الثاني لمجلس النواب وبعد انحلال المجلس عاد إلى القدس ثم كر راجعا إلى الآستانة وفيها توفي بالحمى التيفوئيدية وهو في الخمسين من عمره. وكان روحي الخالدي كاتبا بارعا له عدة مقالات ولمحاضرات ورسائل متفرقة نشرها في صحف مختلفة. ومن آثاره تاريخ الانقلاب العثماني وكتاب العالم الإسلامي. وله أيضا رحلة إلى الأندلس ذكر فيها بقايا آثار العرب لم تطبع.
وفي السنة التالية 1914 فقد المسلمون رجلين من نخبة علمائهم (السيد جمال الدين القاسمي) ثم (محي الدين الخياط) عرف الأول بتآليفه الدينية التي جعلته في مقدمة علماء دمشق المعدودين. وقد امتاز عن كثيرين منهم باستقلاله عن النوافل والفضوليات وخلوه من تضليل المحرفين والمهرفين. ولم يكتف بالوقوف على أسرار الشريعة بل درس أيضا العلوم العصرية وبها ظهر فضل طريقته العلمية. ومما قاله جرجي أفندي الحداد في رثائه:
نم يا جمال الدين غير مروع إن الزمان بما ابتغيت كفيل
فستعرف الأجيال فضلك في غد إن كان لم يعرفه هذا الجيل

(1/401)


أما الشيخ محيي الدين الخياط فكان مولده في صيداء سمة 1875 وقدم إلى بيروت فتعلم في مدارسها وأخذ عن الشيخين الكبيرين يوسف الأسير وإبراهيم الأحدب ونبغ في الآداب حتى أصبح من خيرة أدباء المسلمين في بيروت. وكان ذا روح حرة وله كتابات عديدة نثرية ونظمية في الصحائف البيروتية الإسلامية لا سيما ثمرات الفنون والإقبال. ومن فضله على الناشئة عدة تآليف وضعها للمدارس في البلاد العربية كدروس القراءة ودروس الصرف والنحو ودرس التاريخ الإسلامي ودروس الفقه. وقد فسر تفسيرا خفيفا الغريب من ديواني أبي تمام وابن المعتز وله تعليق على شرح نهج البلاغة وعرب رواية الوطن للكاتب التركي نامق كمال بك. توفي في نيسان 1914.
وكانت السنة 1916 سنة مشئومة على الآداب العربية قتل فيها ظلما بأمر جمال باشا وحزبه (الاتحاد والترقي) جملة من نخبة الكتبة وأهل الأدب نصارى ومسلمين. ونذكرها المسلمين منهم الذين تركوا آثارا من أقلامهم. وأخصهم (السيد عبد الحميد الزهراوي) مولود حمص سنة 1288 (1871) تنقل في البلاد لطلب العلوم ونشر حر الأفكار دون تطرف ولا تذلل وأصدر في وطنه جريدة المعلومات فلم يرق أسلوبه في عين عبد الحميد
فأبعد إلى دمشق ثم إلى حمص تحت المراقبة إلى أمكنه الفرار إلى مصر 1902 فحرر في المؤيد وفي الجريدة. ولما وقع الانقلاب العثماني اختاره الحمصيون كمبعوث مدينتهم إلى الآستانة وعاين ما حدث هناك من القلاقل وعاد إلى مصر فأنشأ جريدة الحضارة. ورئس أخيرا في باريس الوفد الطالب اللامركزية فكان في المؤتمر المنعقد هناك بمثابة الدماغ من الجسد. وبفعله أوغر عليه صدور أهل دولته فاحتالوا عليه حتى أرجعوه إلى بلاده وحكم
عليه جمال باشا بالإعدام في دمشق في 6 أيار 1916. وكان الزهراوي لسنا وخطيبا محنكا. وله شعر حسن منه قوله:
ما أنت يا إنسان هل تدري دماغك لم شعر
دع عنك دعوى واستمع قولا مفيدا مختصر

(1/402)


الناس هاموا في الغرو ر وراجعون إلى الغرر
ويرى بنو الإنسان أنه م خلاصة ما فطر
دعوى بها يسلون ما يلقون من تعب وضر
فتسل فيما اسطعت أن فكرت فيما قد حضر
واعبر على المقياس من ماض إلى ما ينتظر
واعلم بأن المفلحين بذي الحياة أولو البصر
والكون ظرف جواهر والسر فيه ما ظهر
وقتل مثله شنقا في ذلك اليوم في بيروت أديب آخر (عبد الغني العريسي) المولود سنة 1891 درس في مدارس بيروت وخصوصا في المدرسة العثمانية لمؤسسها الشيخ عباس الأزهري ثم علم فيها سنتين. ثم انقطع إلى الكتابة فأصدر جريدة المفيد أيد فيها النهضة العربية وأثار عليه غضب الأتراك حتى تسنى لجمال باشا أن يلقي عليه القبض فذهب ضحية الاستبداد. ومن آثاره الأدبية طبعه لديوان الطويراني ثمرة الحياة وتعريبه لكتاب البنين لبول دومر.
وكان شريكه في تلك النكبة (الشيخ أحمد طبارة) أحد أدباء بيروت ووجهائها. أصاب له في الصحافة ذكرا طيبا فحرر في أول عهد الدستور جريدة الإصلاح فكان لها وقع كبير في قلوب العرب السوريين. ثم أنشأ جريدة الاتحاد العثماني فامتازت بحسن إنشائها. وحضر في باريس المؤتمر العربي السوري وكان أحد أعضائه العاملين فنقم عليه جمال باشا وذووه فحكم عليه بالإعدام.
وفي السنة 1917 اخترمت المنون أحد أدباء الدروز (محمد أبا عز الدين) كان كاتب ضبط دائرة الحقوق الاستئنافية في جبل لبنان ثم تعين رئيسا لمحكمة الشوف. كان يجيد الكتابة ويراسل الصحف السيارة وله عدة مقالات وقصائد أعرب فيها عن حسن ذوق ومعرفة بفنون الإنشاء. نشرنا له مقالة مستجادة في المشرق (2(1899): 536). تحت عنوان (شهيد العلم).

(1/403)


وفي تلك السنة أيضا فقدت الأسرة الرافعية ومدينة طرابلس رجلا من أعيانها (الشيخ محمد كامل الرافعي). أخذ العلوم الدينية والأدبية عن علماء طرابلس ثم قصد مصر ودرس في الأزهر. ولما عاد إلى وطنه تولى فيه تدريس مواطنيه وتخصص بعلوم الدين الإسلامي. ومن مآثره الأدبية شرحه لديوان أخيه الشاعر الكبير مصطفى صادق الرافعي في ثلاثة أجزاء طبع في مصر. وكان الشيخ محمد يعيش عيشة الزهد لا يحفل بمعاشرة الكبار والذوات ويفضل العزلة حتى أنه أوصد باب داره على زائره متصرف طرابلس التركي فلم يقبله في بيته.
وفي أوائل السنة 1918 قبل نهاية الحرب الكونية بأشهر علمنا بالأسف وفاة أحد شيوخ دمشق الأفاضل (الشيخ عبد الرزاق البيطار) المولود سنة 1837. وكنا اجتمعنا به غير مرة وعرفنا فضله الكبير وسعة معارفه وطول باعه في التاريخ والموسيقى وفنون الأدب.
خلف آثارا حسنة في الموضات الدينية والصوفية والتاريخية. له كتاب نفيس دعاه حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر. وقد أدت بالشيخ معارفه إلا أنه تحرر من قيود التقييد ونبذ كثيرا مما كشفت له العلوم الحديثة بطلانه.
وتبعه بعد قليل إلى القبر في ذات السنة أديب من أهل بيروت المسلمين (بشير رمضان) صاحب مجلة الكوثر أنشأها بعد الإعلان بالدستور سنة 1909 وأودعها عدة فصول ومقالات حسنة. قد حرر مدة في مطبعة الولاية ومن آثاره منتخبات شعرية وقصائد من نظمه.

أدباء المسلمين في العراق والهند
أجاب إلى دعوة ربه في هذه الحقبة الثانية رجل من أدباء العراق نعته ناشر ديوانه (بأشعر شعراء الشرق أمس وأكبر علماء اليوم) نعني به السيد (محمد سعيد حبوبي الحسني) أحد علماء الشيعة. كان مولده في النجف ونشأ بين أسرته في بلاد نجد ثم عاد إلى وطنه وتعاطى الكتابة ونظم الشعر فعد من زعماء النهضة الأدبية في العراق ومات في الناصرية قرب النجف بعد أن دعا مواطنيه إلى الدفاع عن الوطن بالجهاد في 2 شعبان 1333 (أيار

(1/404)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية