صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : بهجة المجالس وأنس المجالس
المؤلف : ابن عبد البر
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

إذا ما رآني مقبلا غض طرفه ... كأن شعاع الشمس دوني يقابله
ومثله :
إذا أبصرتني أعرضت عني ... كأن الشمس من قبلي تدور
ولعبد الله بن بكر السهمي :
خالل خليل أخيك وارع إخاءه ... وعلم بأن أخا أخيك أخوكا
وبنيك ثم بني بنيك فكن لهم ... برا فإن بني بنيك بنوكا
والطف بجدك رحمة وتعطفا ... واعلم بأن أبا أبيك أبوكا
روي عن ابن عباس أنه قال : إنما رد الله عقوبة سليمان بن داود عن الهدهد لبره كان بأمه.
رأى أبو هريرة رجلا يمشي خلف رجل ، فقال : من هذا ؟ فقال : أبي. قال : لا تدعه باسمه ولا تجلس قبله ، ولا تمش أمامه.مكتوب في كتب الله عز وجل : لا تقطع ما كان أبوك يصله فيطفأ نورك قال كعب : مكتوب في التوراة ، اتق ربك ، وبر والديك ، وصل رحمك ، يمد لك في عمرك ، وييسر لك يسرك ، ويصرف عنك عسرك.
والآثار في بر الوالدين كثيرة جدا ، وقد نص الله في كتابه من خفض الجناح لهما ، والحض على برهما ما يكفي.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الولد الصالح من ريحان الجنة " .
ونظر يوما إلى الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر ، فقال : " إنكم لتجبنون وتبخلون ، وإنكم لمن ريحان الجنة " .
دخل عمرو بن العاص على معاوية ، وعنده بنت له ، فقال : ابعدها عنك ياأمير المؤمنين ، فوالله ما علمت إلا أنهن يلدن الأعداء ، ويقربن البعداء ، ويورئن الضغائن. قال معاوية : لا تقل هذا ياعمر ، فو الله ما مرض المرضى ، ولا ندب الموتى ، ولا أعول على الأحزان مثلهن ، ولرب ابن أخت قد نفع خاله.
قال محمد بن سليمان : البنون نعم ، والبنات حسنات ، والله عز وجل يحاسب على النعم ، ويجازي على الحسنات.
قال منصور الفقيه :
لولا بناتي وسيآتي ... لذبت شوقا إلى الملمات
لأنني في جوار قوم ... نغصني قربهم حياتي
وله أيضا :
أحب البنات ،فحب البنات ... فرض على كل نفس كريمه
لأن شعيبا لأجل البنات ... أخدمه الله موسى كليمه
وقال آخر :
لقد زاد الحياة إلى حبا ... بناتي إنهن من الضعاف
مخافة أن ين البؤس بعدي ... وأن يشربن رنقا بعد صاف
ولأبي محمد الحسن بن عبيدة الريحاني :
حبذا من نعمة الل ... ه البنات الصالحات
هن للنسل وللأ ... نس وهن الشجرات
وبإحسان إليهن تكون البركات
إنما الأهلون أرضو ... ن لنا محترثات
فعلينا الزرع فيها ... وعلى الله النبات
كان لأبي حمزة الأعرابي زوجتان فولدت إحداهما ابنة ،فعز عليه ،واجتنبها وصار في بيت ضرتها إلى جنبها فأحست به يوما في بيت صاحبتها ،فجعلت ترقص ابنتها الطفلة وتقول :
ما لأبي حمزة لا يأتينا ... يظل في البيت الذي يلينا
غضبان ألا نلد البنينا ... تا الله ما ذلك في أيدينا
بل نحن كالأرض لزارعينا ... يلبث ما قد زرعوه فينا
وإنما نأخذ ما أعطينا
فعرف أبو حمزة قبح ما فعل ، وراجع امراته.
قال منصور الفقيه :
لولا البنات والذنوب لم أكن ... يروعني ذكر الحنوط والكفن
وقال آخر :
لولا أميمة لم أجزع من العدم ... ولم أجب في الليالي حندس الظلم
وزادني رغبة في العيش معرفتي ... ذل اليتيمة يجفوها ذوو الرحم
أحاذر الفقر أن يلمم بساحتها ... فيهتك الستر من لحم على وضم
أخشى إضاعة عم أو جفاء أخ ... وكنت أحنو عليها من أذى الكلم
ما أنس لا أنس منها إذ تودعني ... والدمع يجري على الخدين ذا سجم
لا تبرحن فإن متنا فإن لنا ... ربا تكفل بالأرزاق والقسم
تهوى حياتي وأهوى موتها شفقا ... والموت أكرم نزال على الحرم
وقال آخر :
أحب بنيتي ووددت أني ... سترت بنيتي في قعر لحد
وما إن ذاك من بغض ولكن ... مخافة أن تذوق البؤس بعدي

(1/162)


رأى ابن عباس رجلا ومعه ابن له ، فقال : أما إنه لو عاش فتنك ، ولو مات أحزنك.
قال محمد بن على بن حسن لابنه جعفر : يابني! إن الله رضيني لك وحذرني منك ، ولم يرضك لي فأوصاك بي ، يا بني! إن خير الأبناء من لم يدعه البر إلى الإفراط ،ولم يدعه التقصير إلى العقوق.
كان يقال : الولد ريحانتك سبعا ، وخادمك سبعا ، وهو بعد ذلك صديقك أو عدوك أو شريكك.
سأل معاوية بن أبي سفيان الأحنف بن قيس عن الولد ،فقال : يا أميرالمؤمنين أولادنا ثمار قلوبنا ، وعماد ظهورنا ، ونحن لهم أرض ذليلة ، وسماء ظليلة ، وبهم نصول عند كل جليلة ، فإن طلبوا فأعطهم ، وإن غضبوا فأرضهم ، يمنحوك ودهم ، ويحبوك جهدهم ، ولا تكن عليهم قفلا فيتمنوا موتك ويكرهوا قربك ويملوا حياتك. فقال له معاوية : لله أنت !لقد دخلت على وإني لمملوء غيظا على يزيد ولقد أصلحت من قلبي له ما كان فسد. فلما خرج الأحنف من عند معاوية بعث معاوية إلى يزيد بمائتي ألف درهم ، فبعث يزيد إلى الأحنف بنصفها.
قال على بن أبي طالب :ينبغي لأحدكم أن يتخير لولده إذا ولد الاسم الحسن.
وفي الخبر المرفوع : من نعمة الله عز وجل على الرجل أن يشبهه ولده.
قال عمر بن الخطاب : عجلوا بكني أولادكم لا تسرع إليهم الألقاب السود.
قال أبو جعفر محمد بن علي : بادروا بالكني قبل الألقاب.
قال : وإنا لنكني أولادنا في الصغر مخافة اللقب أن يلحق بهم.
قال قتادة : رب جارية خير من غلام ، ورب غلام قد هلك أهله على يديه.
روى عن النبي صلى عليه وسلم ،أنه قال : " ما نحل والد ولده خيرا من أدب حسن " .
وروى عنه صلى الله عليه وسلم ،أنه قال : " من عال ثلاث بنات ، أو ثلاث أخوات أو ابنتين أو أختين كن له حجابا من النار ، فإن صبر عليهن حتى يزوجهن دخل الجنة.
كان يقال : من بلغت ابنته النكاح فلم يزوجها فزنت فعليه مثل إثمها ، وإثمها عليه
وكما لا يصبح الجسد بلا رأس ... لا تصلح المرأة بغير زوج.
كان عقيل بن علفة غيورا ،فحمل يوما ابنة له وأنشأ يقول :
إني وإن سيق إلى المهر ... ألف وعبدان وذود عشر
أحب أصهاري إلى القبر قال عبد العزيز بن مروان لسعيد بن العاص :كيف حبك لبناتك ؟قال :إني لأحبهن ،على أنهن يلدن الأعداء ويقربن البعداء ،وهن عدد ولسن بولد.
كتب عمر بن الخطاب إلى أهل الأمصار :علموا أولادكم العوم والفروسية ،ورووهم ما سار ،من المثل ، وما حسن من الشعر.
كان يقال : من تمام ما يجب للأبناء على الآباء ، تعليم الكتابة والسباحة.
قال الحجاج لمعلم ولده :علم ولدي السباحة قبل أن تعلمهم الكتابة ، فإنهم يجدون من يكتب عنهم ، ولا يجدون من يسبح عنهم.
قال الشاعر :
خير ما ورث الرجال بنيهم ... أدب صالح وحسن الثناء
ذاك خير من الدنانير والأو ... راق يوم شدة أو رخاء
وهي أبيات كثيرة قد ذكرناها وذكرنا الاختلاف في قائلها في باب التعليم في الصغر ،من كتاب العلم.وفي ذلك الباب كثير من معاني هذا الباب ،والله الموفق للصواب.
قال أعرابي ،وهو حطان بن المعلي :
أبكاني الدهر ويا ربما ... أضحكني الدهر بما يرضي
أنزلني الدهر على حكمه ... من شاهق عال إلى خفض
وابتزني الدهر ثياب الغني ... فليس لي ثوب سوى عرضي
لولا بنيات كزغب القطا ... ينهضن من بعض إلى بعض
إن هبت الريح على بعضهم ... لم تطعم العين من الغمض
لكان لي مضطرب واسع ... في الأرض ذات الطول والعرض
وإنما أولادنا بيننا ... أكبادنا تمشى على الأرض
كان الزبير بن العوام يرقص ابنه عروة ويقول :
أبيض من آل أبي عتيق ... مبارك من ولد الصديق
ألذه كما ألذ ريقي
قالوا :من كان له صبي فليستصب له.
كانت أعرابية ترقص ابنها ،أو بعض الأعراب يرقص ابنه ويقول :
أحبه حب شحيح ماله ... قد ذاق طعم الفقر ثم ناله
إذا أراد بذله بداله

(1/163)


قال محمد بن يحيى النديم :أول شعر قاله علي بن الجهم وهو غلام في المكتب ،وذلك أن أباه أمر المؤدب أن يجلسه يوم الخميس عنده في المكتب حتى يحفظ حزبه ،فحبسه فكتب إلى أمه :
أمي جعلت فداك من أم ... أشكو إليك فظاظة الجهم
قد سرح الصبيان كلهم ... وحسبت بالعدوان والظلم
قال الزيادي :كنت رجلا مئناثا ،فقيل لي :أكثر من الاستغفار وقت الجماع ،واستغفر الله عند الجماع ،فف علت فولد لي بضعة عشر ولدا ذكرا.
قال الشاعر :
وما كل مئناث سيشقى ببنته ... وما كل مذكار بنوه سرور
ومن هذا المعنى ذكر في باب النساء.
قال أبو العلاء محمد بن أحمد بن جعفر الوكيعي :ما سمعت بكار بن قتيبة القلضي قط ينشد بيت شعر إلا مرة ،كنت عنده وأختصم إليه رجل وابنه ،فكان من كل واحد منهما إلى صاحبه ما لم يحمد بكار ،فالتفت إليهما وأنا أسمع.
فقال :
تعاطتيما ثوب العقوق كلا كما ... أب غير بر وابنه غير واصل
كان لعبد الملك بن مروان بيت مل كان قد حجزه من خالص غلاته وضياعه ،لا يدخله شئ من الغلول ،يعده للتزويج وشراء الجواري اللواتي يطلب أولادهن ،وكان يقول :إن الغلول يبقى في الولد.
قال أعرابي لأبيه وهو عمر بن ذر الهمداني يعاتبه :يا أبت!إن عظيم حقك على لا يذهب صغير حقي عليك ،والذي تمت به إلى أمت بمثله إليك ،ولست أزعم أنا سواء ولكني أقول لا يحل الاعتداء.
قيل لأعرابي ،وكان له ابن عاق :كيف ابنك ؟قال :عذاب أزغف على به الدهر ،فليتني قد أودعته القبر ،فإنه بلاء لا يقاومه الصبر ،وفائدة لا يلزم عليها الشكر.
دخل إلى جعفر بن القاسم بن جعفر بن سليمان الهاشمي أعرابي ،فسأله جعفر عن بنيه فقال :
إن بني خيرهم كالكلب ... أبرهم أولعهم بسبي
لم يغن عنهم أدبي وضربي ... فليتني كنت عقيم الصلب
ولبعض العقلاء البررة الأدباء :
بنفسي أنت لا بأبي فإني ... رأيت الجود بالآباء لؤما
كان يقال :من فوائد الدهر موت الابن العاق.
قال أمية بن أبي الصلت ،وهو قد عتب على ابنه :
غذوتك مولودا وغلتك يافعا ... تعل بما أسعى عليك وتنهل
إذا ليلة جاءتك بالشكو لم أكن ... بشكواك إلا ساهرا أتملتل
كأني أنا المطروق دونك بالذي ... طرقت به دوني عيني تهمل
تخاف الردى نفسي عليك وإنها ... لتعلم أن الموت وقت مؤجل
فلما بلغت السن والغاية التي ... إليها مدى ما كنت قبل أؤمل
جعلت جزائي غلظة وفظاظة ... كأنك أنت المنعم المتفضل
فليتك إذ لم ترع حق أبوتي ... كما يفعل الجار المجاور تفعل
ورضى أبو الشغب العبسي عن أبنه فقال :
رأيت رباطا حين تم شبابه ... وولى شبابي ليس في بره عتب
إذا كان أولاد الرجال حزازة ... فأنت الحلال الحلو والبارد العذب
لنا جانب منه دميث وجانب ... إذا رامه الأعداء ممتنع صعب
يخبرني عما سألت بهين ... من القول لا جافي الكلام ولا لغب
وقال آخر :
فلو كنتم لكيسة أكاست ... وكيس الأم أكيس البنينا
باب الأقارب والموالى
قال رجل لرسو ل الله صلى الله عليه وسلم. " يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني ، وأحسن إليهم ويسيئون إلي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يزال معك من الله ظهير ما كنت على ذالك " .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من ذنب أجدر بأن تجعل لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة ، من البغي وقطيعة الرحم " .
ويروي عنه صلى الله عليه وسلم : " حق كبير الإخوة على صغيرهم كحق الوالد على ولده " .
وقال أبو الدرداء :مكتوب في التوراة : إن أحسد الناس لعالم وأبغاهم عليه ، قرابته وجيرانه " .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مولى القوم منهم " .

(1/164)


قال ابن عباس : قد تقطع الرحم ، وقد تكفر النعمى ، ولا شئ كتقارب القلوب. وفي رواية أخرى عنه ، تكفر النعمة ، والرحم تقطع ، والله يؤلف بين القلوب ، وإذا قارب بين القلوب لم يزحزها شئ أبدا ، ثم تلا : " لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم " .
كان يقال : لا تؤدى حق الرحم إلا بأن تصل من أدلى بها إذا قطعك ، وتعطيه إذا حرمك.
قال الشاعر :
وجدت قريب الود خيرا وإن نأى ... من الأبعد بعد الود القريب المناسب
ورب أخ لم يدنه منك ولد ... أبر من ابن الأم عن النوائب
ورب بعيد حاضر لك نفعه ... ورب قريب شاهد مثل غائب
ولمنصور الفقيه :
مناسبك الأدنى أشد عداوة ... وكفرا لما أوليته من عداتكا
يقول الذي بيني وبينك موجب ... عليك لعمري أثرتي بحياتكا
وما خير من يمسي ويصبح ساخطا ... على الله في تأخيره لمماتكا
وقال آخر :
أشد عداوة وأفل نفعا ... من الرجل البعيد الأقربونا
وقال آخر :
ولا خير في قربي لغيرك نفعها ... ولا في صديق لا تزال تعاتبه
يخونك ذو القربى مرارا وربما ... وفي لك عند الجهد من لا تناسبه
قالت الأعرابي :ابن عمك عدوك وعدو عدوك.
قال الفضل بن العباس اللهبي في بني امية :
مهلا بني عمنا عن نحت أثلتنا ... سيروا قليلا كما كنتم تسيرونا
لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم ... وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا
مهلا بني عمنا مهلا موالينا ... لاتنشروا بيننا ما كان مدفونا
الله يعلم أنا لا نحبكم ... ولا نلومكم ألا تحبونا
كل يداجى على البغضاء صاحبه ... بنعمة الله نقليكم وتقلونا
قال مضرس بن لقيط الفقعسى :
فقدت موالى الذين كأنهم ... دماميل في وجهى على تنخس
ولما قتل الحسين بن على ، قالت بنت عقيل بن أبي طالب :
ماذا تقول إن قال النبي لكم ... ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم
بعترتي وبأهلى عند منطلقى ... منهم أسارى وقتلى ضرجوا بدم
ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم ... أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمى
لسويد الحارثي أو غيره :
بني عمنا لا تذكروا الشعر بعدما ... دفنتم بصحراء الغميم القوافيا
فلسنا كما كنتم تصيبون مثله ... فيقبل عقلا أو يحكم قاضيا
ولكن حكم السيف فيكم مسلط ... فنرضى إذا ما السيف أصبح راضيا
فإن قلتم إنا ظلمنا فإنكم ... بدائم ولكنا أسأنا التقاضيا
وقال الأضبط بن قريع :
فصل حبال البعيد إن وصل ال ... حبل وأوقص لبقريب إن قطعه
قال قيس بن زهير :
شفيت النفس من حمل بن بدر ... وسيفي من حذيفة قد شفاني
قتلت إخوتي سادات قومي ... وقد كانوا لنا حلى الزمان
فإن أك قد شفيت بهم غليلي ... فلم أقطع بهم إلا بناتي
قال ذو الإصبع العدواني :
ولى ابن عم على ما كان من خلق ... مخالف لى أقليه ويقلني
أزرى بنا أننا شالت نعامتنا ... فخالني دونه بل خلته دوني
الله يعلمني والله يعلمكم ... والله يجزيكم عني ويجزيني
ماذا على وإن كنتم ذوي رحم ... ألا أحبكم إذ لم تحبؤني
قال الأعشى :
وإن القريب من يقرب نفسه ... لعمر أبيك الخير لا من تنسبا
وقال آخر :
وإني للباس على المقت والقلى ... بني العم منهم كاشح وحسود
أذب وأرمي بالحصى من ورائهم ... وأبدأ بالنعمى لهم وأعود
قال ابن العميد :
آخ الرجال من الأبا ... عد والأقارب لا تقارب
إن الأقارب كالعقا ... رب أو أشد من العقارب

(1/165)


كان عبد الله بن العباس صديقا لعمر بن عبد الرحمن بن عوف فليقه يوما مغتاظا.فقال له : مالك ؟ قال : لقيني فلان - لرجل من أهله - فشتمني وآذاني.
فقال له : هون عليك فما من ضار على طريدة بأسرع إليها من ابن عم دني إلىابن عمسرى ، فهون عليك.
من شعر طرفة ، ويروي في شعر عدي بن زيد :
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ... على المرء من وقع الحسام المهند
وقال أبو فراس الحمداني :
وهل أنا مسرور بقرب أقاربي ... إذا كان لي منهم قلوب الأباعد
قال العتابي : عشيرتك من أحسن عشرتك ، وابن عمك من عمك خيره ،وقرابتك من قرب منك نفعه ، وأحب الناس إليك أخفهم ثقلا عليك.
وقال :
إني بلوت الناس في أحوالهم ... وخبرت ما وصفوا من الأسباب
فإذا القرابة لا تقرب قاطعا ... وإذا المودة أقرب الأنساب
وقال آخر :
كم من أخ لك لم يلده أبوكا ... وأخ أبوه أبوك قد يجفوكا
وهذا مأخوذ والله أعلم من قول أكثم بن صيفي : رب أخ لم تجمعه معك ولادة.
قال آخر :
قومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت أصابني سهمي
فلئن عفوت لأعفون جللا ... ولئن سطوت لأوهنن عظمي
وقال أبو الأسود الدؤلي :
إذا المرء ذو القربى وذو الود أجحفت ... به سنة حلت مصيبته حقدي
قال آخر :
سآخذ منكم آل حزن لحوشب ... وإن كان مولائي وكنتمبني أبي
فإن كنت لا أرمى وترمى عشيرتي ... نصب جائحات النبل كشجى ومنكبي
وقال آخر :
فلم أر عز المرء إلا عشيرة ... ولم أر ذلا مثل نأي عن الأهل
وقال آخر :
أخاف كلاب الأبعدين ونبحها ... إذا لم تجاوبها كلاب الأقارب
وقال المقنع الكندي ، واسمه محمد بن عمير بن أبي شمر الكندي ، وكان من أجمل أهل زمانه وأحسنهم وجها ،وأتمهم قامة ، فكان إذا كشف وجهه يؤذى ،فكان يتقنع دهره ، فسمي لذلك : المقنع. وشعره هذا من أحسن ما قيل في معناه جزالة ونقاوة وسباطة وحلاوة :
يعاتني في الدين قومي وإنما ... ديوني في أشياء تكسبهم حمدا
أسد به ما قد أخلوا وضيعوا ... حقوق ثغور ما أطاقوا لها سدا
ولي جفنة لا يغلق الباب دونها ... مكللة لحما مدفقة ثردا
ولي فرس نهد عتيق جعلته ... حجابا لبيتي ثم أحدمته عبدا
وإن الذي بيني وبين بني أبي ... وبين بني عمي لمختلف جدا
إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم ... وإن هم هووا غيي هويت لهم رشدا
وليسوا إلى نصري سراعا وإن هم ... دعوني إلى نصر أتيتهم شدا
وإن زجروا طيري بنحس يمر بي ... زجرت لهم طيرا يمر بهم سعدا
ولا أحمل الحقد القديم عليهم ... وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا
لهم جل مالي أن تتابع لي غنى ... وإن قلت مالي لم أكلفهم رفدا
وإني لعبد الضيف مادام نازلا ... وما شيمة لي غيرها تشبه العبدا
وقال طرفة :
وأعلم علما ليس بالظن أنه ... إذا ذل مولى المرء فهو ذليل
وقال عوف التميمي :
ولست لقومي بعيابة ... وشر العشيرة من عابها
أعف وابذل مالي لها ... ولا أتعلم ألقابها
وقال أبو الطمحان القيني :
إذا كان في صدر ابن عمك إحنة ... فلا تستثرها سوف يبدو دفينها
قال آخر :
أخاك أخاك إن من لا أخا له ... كساع إلى الهيجا بغير سلاح
وان ابن عم المرء فاعلم جناحه ... وهل ينهض البازي بغير جناح
قال الثقفي :
من كان ذا عضد يدركظلامته ... إن الذليل الذي ليست له عضد
تنبو يداه إذا ما قل ناصره ... ويأنف الضيم إن أثرى له عدد
وقال أشجع السلمى :
نسيبك من أمسى يناجيك طرفه ... وليس لمن تحت التراب نسيب

(1/166)


وقال محمد بن أبي حازم الباهلي :
رب غريب ناصح الجيب ... وابن أب متهم الغيب
ورب عياب له منظر ... مشتمل الثوب على العيب
قال محمد بن أبان اللاحقي يخاطب أخاه إسماعيل :
تلوم على القطيعة من أتاها ... وأنت سننتها للناس قبلي
واللاحقي هو القائل :
إخفض الصوت إن نطقت بليل ... والتفت بالنهار قبل الكلام
وفي معنى قول اللاحقي في البيت الأول قول الهذلي :
فلا تفزعن من سيرة أنت سرتها ... فأول راض سنة من يسيرها
باب المملوك والمالك
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا يدخل الجنة سيء المملكة " .
كان يقال : التسلط على المملوك دناءة.
وقال بعض الحكماء : اذكر عند قدرتك وغضبك قدرة الله عليك ، وعند حكمك حكم الله فيك.
كان يقال : أنعم الناس عيشا من حسن عيش غيره في عيشه.
كان يقال : اللإحسان إلى الخادم يشجي العدو ، ويذهب البؤس ، والكسوة تظهر الغنى.
قال عمر بن الخطاب : أكثروا شراء الرقيق ، فرب عبد يكون أكثر رزقا من سيده.
اشترى عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي عبد بني الحسحاس واسمه سحيم ، وكان حبشيا سمحا شاعرا ، وكتب إلى عثمان بن عفان : إني قد اشتريت لك غلاما حبشيا شاعرا فكتب إليه عثمان : لا حاجة لي به ، فإنما حظ أهل العبد الشاعر إذا شبع أن يشبب بنسائهم ، وإذا جاع أن يهجوهم.
قال لقمان لابنه : يا بني إياك وخدمة العين. قال : وما خدمة العين ؟ قال : ألا يكون لك عبد لا يخدمك إلا حيث يراك.
باع أعرابي غلاما له من قوم من أهل البصرة ، فجعلوه سقاء على ظهر بعير لهم ،فلبث الأعرابي حينا ثم لقيه فسأله عن حاله ؟ فقال : أنا في سفر لا ينقضي ، وغدير لا ينزح ، وقوم لا يروون.
قال بعض الحكماء : أفضل المماليك الصغار ، لأنهم أحسن طاعة ، وأقل خلافا ،وأسرع قبولا.
كان يقال : استخدم الصغير حتى يكبر ، والأعجمي حتى يفصح.
روى سفيان بن عيينة ، عن سليمان الأحول ، عن ابن معبد ، عن ابن عباس ،قال : من حلف على ملك يمينه أن يضربه فكفارته تركه ، ومع الكفارة حسنة.
قال أبو الفتح :
بطرتم فطرتم والعصا زجر من عصا ... وتقويم عبد الهون بالهون رادع
وقالآخر :
إذا لم يكن في منزل المرء حرة ... رأى خللا فيما تدير الولائد
فلا يتخذ منهن حر قعيدة ... فهن لعمر الله بئس القعائد
قال آخر :
العبد يزجر بالعصا ... والحر تكفيه الملامة
وقال آخر :
العبد يقرع بالعصا ... والحر تكفيه الإشارة
أخده من قول مالك بن الريب :
العبد يقرع بالعصا ... والحر يكفيه الوعيد
وقال بشار :
الحر يلحى والعصا للعبد ... وليس للملحف مثل الرد
كان يقال الحر حر وإن مسه الضر ، والعبد عبد ولو مشى على الدر أخذه الشاعر فقال :
وإن الحر في الحالات حر ... وإن الذل يقرن بالعبيد
وقال يزيد المهلبي :
إن العبيد إذا أذللتهم صلحوا ... على الهوان عن أكرمتهم فسدوا
قال المتنبي :
لا تشتري العبد إلا والعصا معه ... إن العبيد لأنجاس مناكيد
وقال آخر :
إذا برم المولى بخدمة عبده ... تجنى له ذنبا وإن لم يكن ذنب
باب الذكر والثناء
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يوشك أن تعلموا خياركم من شراركم " ؟ قالوا :بم ذا يا رسول الله ؟ قال : " بالثناء الحسن والثناء السيء ، أنتم شهداء الله في الأرض ، بعضكم على بعض " .
قال عبد الله بن مسعود : عنوانصحيفة الميت ثناء الناس عليه.
وروى ذلك عن ابن عمر أيضا.
قال كعب الأحبار : إذا أحببتم أن تعملوا ما للعبد عند ربه فانظروا ما يتبعه من حسن ثناء.
قال مطرف بن الشخير : عنوان كرامة الله لعبده حسن الثناء عليه ، وعنوان هوانه سوء الثناء عليه.
قال بعض الحكماء : الناس أحاديث ، فإن استطعت أن تكون أحسنهم حديثا فافعل.
ومن ها هنا والله أعلم أخذ ابن دريد قوله :
وإنما المرء حديث بعده ... فكن حديثا حسنا لمن وعى
قال آخر :

(1/167)


أرى الناس أحدوثة ... فكوني حديثا حسن
قال آخر :
وكل جديد يا أميم إلى البلى ... وكل امرئ يوما يصير إلى كان
وقد مضى قوله حاتم الطائي : أخاف مذمات الأحاديث من بعدي مات ابن لحبيب بن الملهب ، فقدم أخاه يزيد ليصلي عليه ، فقيل له : أتقدمه وأنت أسن منه ؟ قال : إن أخي قد شرفه الناس وشاع له فيهم الصيت ، ورمته العرب بأبصارها ، فكرهت أن أضع منه ما رفع الله.
قال رجل من غنى :
فإذا بلغتم أهلكم فتحدثوا ... ومن الحديث مهالك وخلود
قال آخر :
فأثنوا علينا لا أبا لأبيكم ... بإحساننا إن الثناء هو الخلد
قال الأسدي :
فإني أحب الخلد لو أستطيعه ... وكالخلد عندي أن أموت ولم ألم
كان أبو عمرو بن العلاء يتمثل :
وسيبقى الحديث بعدك فانظر ... خير أحدوثة تكون فكنها
قال داود بن جهور ، وتنسب إلى منصور ، وليست له وقد رويناها لداود ،والله أعلم :
إذا أعجبتك طباع امرئ ... فكنه يكن منك ما يعجبك
فليس على الجود المكرمات ... حجاب إذا جئته يحجبك
قال آخر :
ذكر الفتى عمره الباقي وحاجته ... ما قاته وفضول العيش أشغال
قال التهامي :
بينا يرى الإنسان فيها مخبرا ... حتى يرى خبرا من الأخبار
باب البكاء على ما مضى من الأزمان
والتلهف على صالح الإخوان، والحنين إلى الأوطان
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر : " فكيف بك يا عبد الله إذا بقيت في حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وخفت أمانتهم " ؟ قيل لبعض الحكماء : بأي شيء يعرف وفاء الرجل دون تجربة واختبار ؟ قال : بحنينه إلى أوطانه ، وتلهفه على ما مضى من زمانه.
روى أبو العلاء زكريا بن يحيى بن خلاد ، عن الأصمعي ، قال : قال أعرابي : إذا أردت أن تعرف وفاء الرجل ودوام عهده فانظر إلى حنينه إلى أوطانه وتشوقه إلى إخوانه ، وبكائه على ما مضى من أزمانه.
روى عروة عن عائشة : أنها تمثلت بقول لبيد :
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب
يتحدثون ملالة وخيانة ... ويعاب قائلهم وإن لم يشغب
ثم قالت : كيف لو أدرك لبيد زماننا هذا ؟ قال عروة : كيف لو أدركت عائشة زماننا هذا ؟.
بلغ ابن عباس قول عائشة : رحم الله لبيدا ، لو أدرك زماننا هذا ؟ فقال ابن عباس : رحم الله لبيدا ورحم عائشة ، لقد أصبت باليمين سهما في خزائن عاد ، كأطول ما يكون من رماحكم هذه ، مريش مفوق مكتوب عليه :
فهل لي إلى أجبال هند بذي اللوى ... لوى الرمل من قبل الممات معاد
بلاد بها كنا ونحن نحبها ... إذ الناس ناس والبلاد بلاد
قال أبو العتاهية :
لله أزمنة عهدت رجالها ... في النائبات وإنهم لكرام
ماذا أقول لوافد الزمن الذي ... هلك الأرامل فيه والأيتام
زمن هوت أعلامه وتقطعت ... فرقا فليس لأهله أعلام
زمن مكاسب أهله مدخولة ... جدا فروع أصوله الآثام
زمن تحامى المكرمات سراته ... حتى كأن المكرمات حرام
روينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، دخلت عليه عجوز وهو في بيت عائشة ، فأكرمها وقربها ووصلها ، فقالت له عائشة : من هذه العجوز ؟ فقال : " كانت تأتينا وتزورنا أيام خديجة ، وحفظ العهد من الإيمان " .
وقال آخر :
ذهب الزمان برهط حسان الألى ... كانت مناقبهم حديث الغابر
وبقيت في خلف تحل ضيوفهم ... منهم بمنزلة اللئيم الغادر
سود الوجوه لئيمة أحسابهم ... فطس الأنوف من الطرز الآخر
وقال آخر :
مضى الذين إذا ما جئت أسألهم ... قالوا برحب : على العينين والراس
وقد بقيت بأوغاد أكابرهم ... ليسوا بناس بلى أشباه نسناس
وقال عتيبة الأعور :
ذهب الذين أحبهم ... وبقيت فيمن لا أحبه
إذ لا يزال كريم قو ... م فيهم كلب يسبه

(1/168)


وقال الحارث بن الوليد :
ذهب الذين إذا رأوني مقبلا ... هشوا وقالوا مرحبا بالمقبل
وبقيت في خلف كأن حديثهم ... ولغ الكلاب تهارشت في منهل
وقال الأحوص :
ذهب الذين أحبهم سلفا ... وبقيت كالمفقود في خلف
من كل مطوى على حنق ... متصنع يكفي ولا يكفي
وقال بشار :
فسد الزمان وساد فيه المقرف ... وجرى مع الطرف الحمار الموكف
كان سفيان الثوري يقول : ذهب الناس فلا مرتع ولا مفرع ولعبد الله بن المبارك الفقيه ، وتروى لغيره :
دهب الرجال المتقدى بفعالهم ... والمنكرون لكل أمر منكر
وبقيت في خلف يزين بعضهم ... بعضا ليأخذ معور من معور
ركبوا ثنيات الطريق فأصبحوا ... متنكبين عن الطريق الأكبر
ما أقرب الأشياء حين يسوقها ... قدر وأبعدها إذا لم يقدر
العلم زين للرجال مروءة ... والعلم أنفع من كنوز الجوهر
أأخي إن من الرجال بهيمة ... في صورة الرجل السميع المبصر
فطن لكل مصيبة في ماله ... وإذا يصاب بدينه لم يشعر
ولأبي حفص عمرو بن على بن بحر الفلاس ، وكان أحد أئمة أهل الحديث الحفاظ الجلية :
ألا ذهب التكرم والوفاء ... وباد رجاله وبقى الغثاء
وأسلمي الزمان إلى رجال ... كأمثال الذئاب لهم عواء
صديق كلما استغنيت عنهم ... وأعداء إذا نزل البلاء
وقال منصور الفقيه :
يا زمانا أورث الأح ... رار دلا ومهانه
لست عندي بزمان ... إنما أنت زمانه
كيف نرجو منك خيرا ... والعلا فيك مهانه
أجنونا ما نراه ... منك يبدو أم مجانه
وقال آخر :
كنا نعير من يأتي بفاحشة ... والناس يرعون حق الدين والحسب
فالناس قد تركوا التعيير كلهم ... لما استوى الناس في الفحشاء والكذب
وقال آخر :
ذهب الوفاء ذهاب أمس الذاهب ... فالناس بين مجامل وموارب
وقال آخر :
ذهب التكرم والوفاء من الورى ... وتقرضا إلا من الأشمار
وفشت خيانات الثقات وغيرهم ... حتى اتهمنا رؤية الأبصار
ولعبد الله بن عبد العزيز بن ثعلبة اليعقوبي الشذني :
مضى دهر السماح فلا سماح ... ولا يرجى لدي أحد فلاح
رأيت الناس قد مسخوا كلابا ... فليس لديهم إلا النباح
وأضحى الظرف عندهم قبيحا ... ولا والله إنهم القباح
سلام أهل إبليس عليكم ... فإن البين أوشكله الرواح
نروح فنستريح اليوم منكم ... ومن أمثالكم قد يستراح
إذا ما الحر هان بأرض قوم ... فليس عليه في هرب جناح
وقال آخر : ؟مضى الجود والإحسان واجتث أصله وأخمد نيران الندى والمكارم
وصرت إلى ضرب من الناس آخر ... يرون العلا والمجد جمع الدراهم
كأنهم كانوا جميعا تعاقدوا ... على اللؤم والإمساك في صلب آدم
كان بلال لما قدم المدينة ينشد تشوقا إلى المكة ، ويرفع عقيرته : ؟ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة بواد وحولى إذخر وجليل
وهل أردن يوما مياه مجنة ... وهل يبدون لى شامة وطفيل
ولا بن ميادة واسمه الرماح : ؟ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة بحرة ليلى حيث ربيننى أهلى
بلاد بها نيطت على تمائمي ... وقطعن عني حين أدركني عقلي
وقال آخر : ؟أحب بلاد الله ما بين منعج إلى وسلمى أن يصوب سحابها
بلاد بها عق الشباب تمائمي ... وأول أرض مس جلدي ترابها
وقال آخر : ؟أحن إلى دهر مضى بغضارة إذا العيش رطب والزمان مواتي
وأبكى زمانا صالحا قد فقدته ... يقطع قلبي ذكره حسرات
تمطى علينا الدهر في متن قوسه ... ففرقنا منه بنبل شتات
وقال متمم بن نويرة :

(1/169)


؟؟وكنا كندماني جذيمة حقبة من الدهر حتى قبل لن يتصدعا
فلما تفرقنا كأني ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
وقال آخر :
خمسون عاما تولت من تصرفها ... عسر ويسر على الحالين أشهده
لم أبك من زمن صعب لشدته ... إلا بكيت عليه حين أفقده
وما جزعت على ميت فجعت به ... إلا ظللت لستر القبر أحسده
وما ذممت زمانا في تقلبه ... إلا وفي زمني قد صرت أحمده
ولأبي عبد الرحمن العطوى ، واسمه محمد بن عطية :
سألت عن سبب الإقتار والعدم ... وعن زوال الندى في العرب والعجم
نودى : هوت أنجم الإفضال واشتملت ... أم التواصل في الدنيا على عقم
أنعمى إليك مواساة الصديق وما ... قد كان يرعى من الأخلاق والذمم
أنعمى إليك خلال الفضل قاطبة ... لم يبق منهن إلا دارس العلم
أين الوفاء الذي قد كان يعرفه ... قوم لقوم وأين الحفظ للحرم
أين الجميل الذي قد كان ملتبسا ... أهل الوغاء وأهل الفضل والكرم
أيسر أنت صديق الناس كلهم ... ثم ابل سرهم في حالة العدم
فإن وجدت صديقا عند نائبة ... فلست من طرقات الخبير في أمم
لما أناخ على الدهر كلكله ... وخاننى كل ذي ود وذي رحم
ناديت ما فعل الأحرار كلهم ... أهل الندى والهدى والبعد في الهمم
قالوا : حدا بهم ريب الزمان فسل ... أحداثه عنهم تخبرك عن رمم
روينا عن عبد الله بن مصعب الزبيري أنه قال : خرجنا إلى الغزو زمن مروان بن محمد حتى إذا كنا ببعض الطريق أصابنا مطر وابل ، قملنا إلى قصر رفع لنا فصرنا إلى فنائه ، إذ خرجت وليدة فقالت : بأبي وأمي! من أين أنتم فقلنا : من مكة. فتنفست الصعداء ، وأنشأت تقول :
من كان ذا سكن بالشام يألفه ... فإن في غيره أمسى لى السكن
وإن ذا القصر حى مابه وطنى ... لكن بمكة أمسى الأهل والوطن
من ذا يسائل عنا أين منزلنا ... فالأقحوانة منا منزل قمن
إذ نلبس العيش صفوا ما يكدره ... ضغن الوشاة ولا ينبوبنا الزمن
قال : فمضينا في غزونا حتى إذا قضينا شأننا وقفلنا راجعين ، أخذنا المساء عند ذلك القصر ، فأضافنا صاحبه وأحسن ضيافتنا ، فقلت له : ثم حاجة. فقال : وما هي ؟ قلت : وليدة صفتها كذا ، إما أن تبيع وإما أن تهب ، فقال : ما شاء الله كان ، والله لو كانت حية ما مضيت إلا بها ، ولكنها ماتت منذ أيام تلهفا على مفارقة من نشأت معه.
روينا من وجوه أن أبا خالد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج فقيه مكة رضى الله عنه ، خرج إلى اليمن إلى معن بن زائدة في دين ركبه ، قال : فلما نزلت عليه رحب بي وسهل ، وقال : ما أقدمك هذه المدرة ؟ فقلت : دين ركبني لم تف به جائزة أمير المؤمنين ، فضاق ذرعي فلم أر له سواك ، فخرجت إليك. فقال : قدمت خير مقدم ، يقضي دينك وتنصرف محبورا إلى وطنك. قال : فأقمت عنده شهورا في أحسن مثوى وأكرم ضيافة ، فإني لخارج من عنده يوما إذ رأيت الناس يتأهبون إلى الحج ، فأدركتني وحشة ، ولم أملك العبرة ، وحنت نفسي إلى الوطن ، فرجعت إليه وقد اغرورقت عيناي بالدموع ، فقال لي : مالك ؟ قلت : رأيت الناس في أهبة الحج والخروج إلى مكة فذكرت أبياتا لعمر بن أبي ربيعة حملتني على ما ترى قال : وأى أبيات عمر هي ؟ فقلت : قوله :
هيهات من أمة الوهاب منزلنا ... إذا نزلنا بسيف البحر من عدن
واحتل أهلك أجيادا فليس لنا ... إلا التذكر أو خظ من الحزن
بل ما نسيت غداة الخفيف موقفها ... وموقفي ، وكلانا ثم ذو شجن
وقولها للثريا وهي باكية ... والدمع منها على الخدين ذو سنن
بالله قولى له في غير معتبة ... ماذا أردت بطول المكث في اليمن
إن كنت حاولت دنيا أو رضيت بها ... فما أخذت بترك الحج من ثمن

(1/170)


فقال : أتعزم على الرحيل والرجوع إلى وطنك ؟ قلت : نعم. قال : صحبتك السلامة ، ورزقت العافية. وخرجت من عنده فما وصلت إلى موضعي ، حتى سبقني خمسة عشر بغلا عليها عصب اليمن ، ودراهم ، وضروب من الخير ، فقضيت ديني وتأثلت منه كنزا مما بيدي اليوم.
باب مدح مغالبة الهوى وذم اتباعه
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " حبك الشئ يعمي ويصم " .
قال وهب بن ممبه : العقل والهوى يصطرعان ، فإيهما غلب مال بصاحبه.
قال ابن دريد :
وآفة العقل الهوى فمن علا ... على هواه عقله فقد نجا
قال عمر بن عبد العزيز : أفضل الجهاد جهاد الهوى.
قال بعض الحكماء : من نظر بعين الهوى خاف ، ومن حكم بالهوى جار قال سفيان الثوري : أشجع الناس أشدهم من الهوى أمتناعا.
وقال : من المحقرات تنتج الموبقات.
ويقولون : إن هشام بن عبد الملك لم يقل بيت شعر قط إلا هذا :
إذا أنت لم تعصي الهوى قادك الهوى ... إلى بعض ما فيه عليك مقال
" قلت : لو قال : إلى كل ما فيه عليك مقال " كان أبلغ وأحسن.
قال بعض الحكماء : إنما يحتاج اللبيب ذو الرأى والتجربة إلى المشاورة ليتجرد له رأيه من هواه.
قال بعضهم : اعص النساء وهواك ، واصنع ما شئت.
قلت : لو قال اعص الهوى لا كتفي.
قيل للمهلب : بم ظفرت ؟ قال : بطاعة الحزم وعصيان الهوى.
قالوا : ما ذكر الله تعالى الهوى في شيئ من القرآن إلاذمه.
قيل لشريح : أحمد الله لما سلمك من الفتن.قال : كيف أصنع بقلبي وهواي ؟ قال : الهوى غالب ، والقلوب مغلوبة.
قال امتدح بترك الهوى من الحكماء ، قال الزبير بن عبد المطلب :
وأجتنب البوائق حيث كانت ... وأترك ما هويت لما خشيت
أخبرنا عبد الوارث ، حدثنا قاسم ، حدثنا نصر بن محمد الأسدي الكوفي ، حدثنا إبراهيم بن عثمان المصيصي ، حدثنا مخلد بن حسين ، حدثنا هشام ابن حسان ، عن محمد بن سيرين قال : بيتا عمر بن الخطاب يجوس ذاتة ليلة إذ سمع امرأة وهي تقول :
هل من سبيل إلى خمر فأشربها ... أم من سبيل إلى نصر بن حجاج
فلما أصبح قال : علي بنصر. فجيء به ، فإذا هو أجمل الناس ، فقال : إنها المدينة فلا تساكني فيها. فخرج إلى البصرة فنزل على ابن عم له ، هو أمير البصرة ، فبينما هو جالس مع ابن عمه وامرأته ، إذ كتب في الأرض : إني لأحبك حبا لو كان فوقك لأظلك ، ولو كان تحتك لأقلك. فقرأته وكتبت تحته : وأنا. وكان الأمير لا يقرأ ، فعلم أنه جواب كلام ، فأكفأ عليه إناء وقام وبعث إلى من يقرأه ، فبلغ ذلك نصرا ، فلم يجئ إليه ، ومرض حتى سل وصار شبه الفرخ ، فأخبر الأمير بذلك ، فقال : اذهبي إليه ، فأبت ، فقال : عزمت عليك إلا ذهبت إليه وأسندته إلى صدرك وأطعمته.
قال : فلما أتت الباب قيل له : هذه فلانة. فكأنه انتعش شيئا ، فصعدت إليه وأسندته إلى صدرها وأطعمته ، فأفاق ، فخرج من البصرة واستحيا من ابن عمه فلم يلقه بعدها.
قال إبراهيم بن عثمان : الأمير مجاشع بن مسعود السلمى ، وامرأته الخضراء.
قال إبراهيم بن عثمان : وأخبرني محمد بن كثير ، أن نصر بن حجاج كتب إلى عمر رضي الله عنه :
لعمري لئن سيرتني وحرمتني ... وما جئت ذنبا إن ذا لحرام
ومالي ذنب غير ظن ظننته ... وفي بعض تصديق الظنون أثام
أأن غنت الذلفاء يوما بمنية ... وبعض أماني النساء غرام
ظننت بي الأمر الذي لو أتيته ... لمل كان لي في الصالحين مقام
ويمنعني مما تمنت حفيظتي ... وآباء صدق صالحون كرام
ويمنعها مما تمنت صلاتها ... وبيت لها في قومها وصيام
فهاتان حالانا فهل أنت راجعي ... فقد جب مني غارب وسنام
قال بعض الحكماء : الهوى عدو العقل ، فإذا عرض لك أمران ولم يحضرك من تشاوره فاجتنب أقربهما إلى هواك.
ومما ينسب إلى الشافعي ، وأظنه لسهل الوراق :
إذا حار ذهنك في معنيين ... وأعياك حيث الهوى والصواب
فدع ما هويت فإن الهوى ... يقود النفوس إلى ما يعاب

(1/171)


قال غيره : اغتنم من الخير ما عجلت ، ومن الهوى ما سوفت.
كان يقال : إذا غلب عليك عقلك فهو لك ، وإن غلب عليك هواك فهو لعدوك.
قال عمر لمعاوية : من أصبر الناس ؟ قال : من كان رأيه رادا لهواه.
قال أعرابي : ما أشد جولة الرأي عند الهوى ، وأشد فطام النفس عند الصبر.
قال نفطويه :
إن المرائي لا تريد ... ك خدوش وجهك في صداها
وكذلك نفسك لا تريد ... ك عيوب نفسك في هواها
وعن نفطويه ، قال : تضيف صديق لي من أهل الأدب إلى إمرأة من أهل البصرة ، فتعرض لها ، فقالت : أيها الرجل مالك حظ في غيرة الرجال على الحرم ، فيكون ذلك زاجرا لك عن التعرض لحرم غيرك ، إن لم يكن لك ناه من دين ؟ أما علمت أن الأمور إلى أواخرها تؤول إلى أوائلها ، وإن من عود نفسه الرفث والخنا كان كمن اتخذ المزابل مجلسا ، وقلما مجن رجل إلا هلك.
قال الشاعر :
الحب زور والهوى باطل ... والقلب ما أجريته يجري
وترك ما تهوى يسير إذا ... أعملت فيه سعة الصدر
وقال منصور النمري :
وإن امرءا أودى الغرام بلبه ... لعريان من ثوب الفلاح سليب
قال آخر :
عين المحب كليلة ... عن عيب كل فتى يود
قال عمر بن أبي ربيعة :
حسن في كل عين من تود
وقال روح أبو همام :
وعين السخط تبصر كل عيب ... وعين أخي الرضا عن ذاك تعمى
وقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر :
فعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا
قال أبو العتاهية :
والمرء يعمى عمن يحب فإن ... أقصر عن بعض ما به أبصر
باب معنى عشق النساء والهوى فيهن
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما رأيت من ناقصات عقل ودين ، أسلب لعقول ذوي الألباب منكن " .
سئل بعض الحكماء عن العشق ، فقال : شغل قلب فارغ.
وجد في صحيفة لبعض أهل الهند : العشق ارتياح جعل في الروح ، وهو معنى تنتجه النجوم بمطارح شعاعها ، وتتولد الطوالع بوصلة أشكالها ، وتقبله النفوس بلطيف خواطرها ، وهو بعد جلاء للقلوب ، وصقيل للأذهان ما لم يفرط ، فإن أفرط عاد سقما قاتلا ، ومرضا منهكا ، لا تنفد فيه الآراء ، ولا تنجع فيه الحيل ، العلاج منه زيادة فيه.
حضر عند المأمون يوما يحيى بن أكثم ، وثمامة بن أشرس ، فقال المأمون ليحيى : خبرني عن حد العشق فقال : يا أمير المؤمنين سوانح تسنح للعاشق يؤثرها ويهيم بها تسمى عشقا. فقال ثمامة : اسكت يا يحيى ، فإنما عليك أن تجيب في مسألة من الفقه ، وهذه صناعتنا. فقال المأمون : أجب يا ثمامة. فقال : يا أمير المؤمنين إذا تقادحت جواهر النفوس المتقاطعة بوصل المشاكلة أثقبت لمحنور ساطع تستضيء به بواطن العقل فتهتز لإشراقه طبائع الحياة ، ويتصور من ذلك اللمح نور حاضر بالنفس متصل بجوهرها فيسمى عشقا.
وصف أعرابي عاشقا ، فقال : كان يستر عينا قد درت مآقيها ، ويحنو على كبد قد أعيت مداويها.
ذكر رجل أيام شبابه وامرأة كان يهواها ، فقال : ذلك هوى شربته النفس أيام شبابها ، فاستخفت بالعاذلات وعتابها.
وصف بعض الحكماء الهوى الذي هو عشق للنساء ، فقال : بطن فرق ، وظهر فكثف ، وامتنع وصفه عن اللسان فهو بين السحر والجنون ، لطيف المسلك والكمون.
وقال بعض الأدباء : الهوى جليس ممتع ، وأليف مؤنس وصاحب مملك ، مسالكه لطيفة ، ومذاهبه متضادة وأحكامه سائرة ، ملك الأبدان وأرواحها ، والقلوب وخواطرها ، والعيون ونواظرها ، والعقول وآراءها ، وأعطى عنان طاعتها ، وقاد نصرفها ،توارى الأبصار مدخله ، وغمض في القلوب مسلكه.
قال عباس بن الأحنف ،فيما أنشده إسحاق الموصلي له.
فلو كان لي قلبان عشت بواحد ... وخليت قلبا في هواك يعذب
ولكنما أحيا بقلب مروع ... فلا العيش يصفو لي الموت يقرب
تعلمت ألوان الرضا خوف سخطها ... وعلمها حبي لها كيف تغضب
ولي ألف وجه قد عرفت مكانه ... ولكن بلا قلب إلى أين أذهب
وللصمة القشيري :
لعمري لئن كنتم على النأى والغني ... بكم مثل مابي إنكم لصديق

(1/172)


إذا زفرات الحب صعدن في الحشى ... رددن ولم يفتح لهن طريق
للعباس بن الأحنف :
أرى الطريق قريبا حين أسلكه ... إلى الحبيب بعيدا حين أنصرف
أنشدنا أبو القاسم محمد بن نصر الكاتب رحمه الله لنفسه في معنى بيت عباس هذا :
أمر نشيطا إذا زرتكم ... وأرجع كسلان لا أنشط
وسير المطية ما كدني ... ولكن هوى لكم مفرط
وقال العباس بن الأحنف :
يقرب الشوق دارا وهي نازحة ... من عالج الشوق لم يستبعد الدارا
وله :
مت على من غبت عنه أسفا ... لست منهم بمصيب خلفا
لن ترى قرة عين أبدا ... أو ترى نحوهم منصرفا
قلت لما شفني وجدي بهم ... حسبي الله لما بي وكفى
بين الدمع لمن يبصرني ... ما تضمني إذا ما ذرفا
ولمحمد اليزيدي :
أتيتك عائدا بك من ... ك لما ضاقت الحيل
وصيرني هواك وبي ... لحيني يضرب المثل
فإن سلمت لكم نفسي ... فما لاقيته جلل
وإن قتل الهوى رجلا ... فإني ذلك الرجل
كتب المهدي إلى الخيزران وهو بمكة :
نحن في أفضل السرور ولكن ... ليس إلا بكم يتم السرور
عيب ما نحن فيه يا أهل ودي ... أنكم غبتم ونحن حضور
فأجدوا المسير ، بل إن قدرتم ... أن تطيروا مع الرياح فطيروا
فأجابته :
قد أتانا الذي وصفت من الشو ... ق فكدنا وما فعلنا نطير
ليت أن الرياح كن يؤدي ... ن إليكم ما قد يجن الضمير
لم أزل صبة فإن كنت بعدى ... في سرور فدام ذاك السرور
قال بعض الأدباء : ما أشد جولة الرأي عند الهوى وفطام النفس عند الصبا ، لقد تصدعت كبدي للمحبين لو العاذلين قرطة في آذانهم ونيران متأججة في أبدانهم لهم دموع غزيزة على المغائي ، كغروب السواني وأنشد :
سقى الله أطلالا لليلي وشققت ... عليهن من غر الغمام جيوب
فما تقشعر الأرض إن نزلت بها ... ولكنها تزهي بها وتطيب
وقال آخر :
وقال أناس : لا يضريك نأيها ... يلي كل ما شف النفوس يضيرها
أليس يضير العين أن تكثر البكاء ... ويمنع منها نومها وسرورها
وقال آخر :
فلو أن شرق الشمس بيني وبينها ... وأهلي وراء الشمس حيث تغيب
لحاولت قطع الأرض بيني وبينه ... وقال الهوى لي إنه لقريب
وقال الصمة بن عبد الله القشيري :
إذا ما أتتنا الريح نحو أرضكم ... أتينا برياكم فطاب هبوبها
أتينا بريح المسك خالط عنبرا ... وريح الخزامي باكرتها جنوبها
وقال آخر :
ضاف قلبي الهوى فأكثر سهوى ... وجوى الحب مفظع كل حلو
لو علا بعض ما علاني ثبيرا ... ظل ضعفا ثبير من ذاك يهوى
من يكن من هوى الغواني خلوا ... يا ثقاتي فإنني غير خلو
قال العباس بن الأحنف :
جرى السيل فاستبكاني السيل إذ جرى ... وفاضت له من مقلتي غروب
وما ذاك إلا أن تيقنت أنني ... أمر بواد أنت منه قريب
يكون أجاجا قبلكم فإذا انتهى ... إليكم تلقى طيبكم فيطيب
أيا ساكني شرقي دجلة كلكم ... إلى القلب من أجل الحبيب حبيب
قال بعضهم : لو لم يكن في العشق إلا أنه يشجع قلب الجبان ، ويسخي كف البخيل ، ويصفي ذهن الغبي ، ويبعث حزم العاقل ، ويخضع له عز الملوك ، وتصرع له صولة الشجاع ، وينقاد له كل ممتنع ، لكفي به شرفا.
قال الأصمي :سمعت أعرابيا يقول : إذا ترعت هتوف الضحى على الغصون ، أرسلت الشئون مياها إلى العيون ،فمن ذاد عينيه عن البكا أورث قلبه حزنا.

(1/173)


عشق أبو القمقام بن بحر السقا امرأة موسرة ، فأطمعته في نفسها ، فبعث يستهديها طعاما ، حتى فعل ذلك غير مرة ، فلما أكثر عليها ، بعثت إليه :رأيت العشق يكون في القلب ويفيض إلى الكبد ، ثم يستبطن الأحشاء ، وحبك لا أراه تجاوز المعدة.
قال أعرابي من فزارة : عشقت امرأة من طي ، فكانت تظهر لي مودة ، فو الله ما جرى بيني وبينها شئ من ريبة ، غير أني رأيت بياض كفها ليلة ، فوضعت كفي على كفها ، فقالت : مه! لا تفسد ما صلح ، فأرفضضت عرقا من قولها ، فما عدت لمثل ذلك.
قال بعضهم : الرجل يكتم بغض المرأة أربعين يوما ، ولا يمكنه أن يكتم حبها يوما واحدا ، والمرأة تكتم حب الرجل أربعين يوما ، ولا يمكنها أن تكتم بغضه يوما واحدا.
قال يوسف بن هرون :
دقت معاني الحب عن أذهانهم ... فتأولوها أقبح التأويل
وقال كثير :
إذا ما رادت خلة أن تستميلنا ... أبينا وقلنا الحاجبية أول
وقال حبيب :
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكنا
لعلى بن الجهم :
يا سائلي ما الهوى اسمع إلى صفتي ... الحب أعظم من وصفي ومقداري
ماء المدامع نار الشوق تحدره ... فهل سمعت بماء فاض من نار
وقال أبو العتاهية :
أذاهب الهوى جسمي ولحمي وقوتي ... فلم يبق إلا الروح والجسد النضو
رأيت الهوى حجر الغضا غير أنه ... على كل حال عند صاحبه حلو
وقال آخر :
أسر الذي بي والدموع تبوح ... وجسمي سقيم والفؤاد قريح
وبين ضلوعي لوعة لم أزل بها ... أذوب اشتياقا والفؤاد صحيح
وقال الصمة القشيري :
أما وجلال الله لو تذكرينني ... كذكريك ما كفكفت للعين مدمعا
فقالت : بلى والله ذكرا لو انه ... يصب على صم الصفا لتصدعا
وأكثرهم ينسون إليه في هذا الشعر قوله :
حننت إلى ريا ونفسك باعدت ... مزارك من ليلي وشعبا كما معا
فما حسن أن تأتي الأمر طائعا ... وتجزع أن داعي الصبابة أسما
بكت عيني اليسرى فلما زجرتها ... عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا
وأذكر أيام الحمى ثم أنثي ... على كبدي من خشية أن تصدعا
فليست عشيات الحمى برواجع ... إليك ولكن خل عينيك تدمعا
ومهم من ينسبها إلى قيس بن ذريح ، وللمجنون أيضا تنسب ، والأكثر أنها للصمة.
/باب في وصف النساء بالحسن والرقة وما يحمد من نعوتهن، ووصف منطقهن قال أنس بن مالك: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفره في حجة الوداع، ومعه نساؤه، وكان له حاد يحدو بهن يقال له أنجشة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا أنجشة رفقا! رويدا بالقوارير " . يعني أنهن ضعاف يسرع إليهن الكسر، ولا يقبلن الجبر.
ذكر أعرابي امرأة، فقال: كاد الغزال يكونها لولا ماتم فيها ونقص منه.
وصف أعرابي النساء، فقال: ظعائن في سوالفهن طول، غير قبيحات العطول، إذا مشين أسبلن الذيول، وإذا ركبن أثقلن الحمول.
كتب الحجاج بن يوسف إلى محمد أخيه، وهو أمير على اليمن: أن اخطب على ابني امرأة حسناء من بعيد، مليحة من قريب شريفة في قومها، ذليلة في نفسها، أمة لبعلها. فكتب إليه: قد أصبتها لك، وهي خولة بين مسمع، على عظم ثدييها. فكتب إليه: إن المرأة لا يحسن صدرها حتى يعظم ثدياها.
قال المهلب: عليكم من بنات خراسان بمن عظمت هامتها، وطالت قامتها.
قال محمد بن حسين: عليكم بذوات الأعجاز فإنهن أنجب.
كان يقال: إذا طال ساعد المرأة وعنقها وساقها لم يشك أنها تنجب.
قيل لأعرابي: أي النساء أفضل؟ قال: الطويلة السالفة، الرقيقة الرادفة، العزيزة في قومها، الذليلة في نفسها، التي في حجرها غلام، وفي بطنها غلام، ولها في الغلمان غلام.
وصف علي بن أبي طالب رضى الله عنه امرأة، فقال: تدفئ الضجيع، وتروى الرضيع. يعني بعظم ثدييها.
قال ابن شبرمة: سمعت محمد بن سيرين يقول: ما رأيت على رجل لباسا أزين من فصاحة، ولا رأيت لباسا على امرأة أزين من شحم.
كان يقال: لو قيل للشحم أين تذهب؟ لقال: أقوم العوج.

(1/174)


وقال مصعب بن الزبير: المرأة فرش فاستوثروا.
كان يقال: من تزوج امرأة فليستجد شعرها، فإن الشعر أحد الوجهين.
كان يقال: النساء لعب فتخيروا.
من الأمثال السائرة: لن تعدم الحسناء ذاما.
وقالوا: عقل المرأة في جمالها، وجمال الرجل في عقله.
وصف رجل امرأة فقال: كأن عينيها السقم لمن رآها، وكلامها البرء لمن ناجاها.
قال أشهب بن عبد العزيز. سئل مالك بن أنس: أيسلم الرجل على المرأة؟ فقال: أما المتجالة فلا بأس، وأما التي كلامها أشهى من الرطب فلا.
وقال سحنون: سمعت أشهب يقول: المكيات أخنث النساء، والمدنيات أغنج النساء.
وشبه الأخطل كلام امرأة بعقد انقطع فتحدر لؤلؤه، فقال:
قد يكون بها سلمى تحدثني ... تساقط الحلي حاجاتي وأسراري
وقال القطامي:
فهن ينبذن من قول يصبن به ... مواقع الماء من ذي الغلة الصادي
وقال الراعي:
لهن حديث فاتر يترك الفتى ... خفوق الحشا مستهلك اللب طامعا
وقال أعرابي:
وحديثها كالقطر يسمعه ... راعى سنين تتابعت جدبا
فأصاخ يرجو أن يكون حيا ... ويقول من فرح هيا ربا
وفي رواية أخرى:
فأصاخ مستمعا لدرتها
وقال جران العود:
حديث لو أن اللحم يصلى بحره ... غريضا أتى أصحابه وهو منضج
وقال بشار:
كأن حديثها سكر الشراب
ولبشار أيضا:
وحديث كأنه قطع الرو ... ض وفيه الحمراء والصفراء
وله:
وكأن تحت لسانها ... هاروت ينفث فيه سحرا
وكأن رجع حديثها ... قطع الرياض كسين زهرا
وله:
ولها مبسم كغر الأقاحي ... وحديث كالوشي وشى البرود
وقال علي بن العباس الرومي:
وحديثها السحر الحلال لو أنه ... لم يجن قتل المسلم المتحرز
وإن طال لم يملل وإن هي أوجزت ... ود المحدث أنها لم توجز
شرك العقول ونهزه ما مثلها ... للمطمئن وعقلة المستوفز
وقال امرؤ القيس:
وهي هيفاء لطيف خصرها ... ضخمة الثدي ولما ينكسر
وقال المرار بن سعد الجبلي:
صلتة الخد طويل جيدها ... ضخمة الثدي ولما ينكسر
وقال غيره:
موسومة بالحسن ذات حواسد ... إن الحسان مظنة للحسد
وترى مآقيها تقلب مقلة ... سوداء ترغب عن سواد إحد
وقال آخر:
إن النساء رياحين خلقن لنا ... وكلنا يشتهى شم الرياحين
وقال آخر:
ونحن بنو الدنيا وهن بناتها ... وعيش بنى الدنيا لقاء بناتها
وقال حسان بن ثابت:
لو يدب الحولي من ولد الذ(م) ... ر عليها لأدمأتها الكلوم
الحولي من ولد الذر لا يعرف من المسن، وإنما أراد الصغير من ولد الذر، كما قال الآخر:
يلقط حولي الحصا من منازل ... من الحي أمست بالجبيبين بلقعا
وحولي الحصا صغارها، فشبهه بالحولي من ذوات الأربع.
وقال حميد بن ثور:
منعمة لو يصبح الذر ساريا ... على جلدها بضت مدارجه دما
وقال عمر بن أبي ربيعة:
لو دب ذر فوق ضاحي جلدها ... لأبان من آثارهن حدورا
وقال آخر:
من القاصرات الطرف لو دب محول ... من الذر فوق الإتب منها لأثرا
وقال الحسن بن هانئ:
وكأن منثور رمان بوجنتها ... لو دب فيها خيال الذر لا نجرها
وقال النظام:
رق فلو دب به نملة ... لخضبته بدم جارى
أضمر أن أضمر حبي له ... فيشتكى إضمار إضماري
وبلغ قول النظام هذا أبا الهذيل، فقال: لقد رق هذا الموصوف حتى لا يناك إلا بزب الوهم.

(1/175)


وأخذ ابن الرومي قول النظام، فقال:
رق فلو دب به ذرة ... منعلة أرجلها بالحرير
لأثرت فيه كما أثرت ... مدامة في العارض المستدير
قال بعض حكماء أهل الأدب، كمال حسن المرأة أن تكون أربعة أشياء منها شديدة البياض، وأربعة أشياء شديدة السواد، وأربعة أشياء شديدة الحمرة، وأربعة أشياء مدورة، وأربعة واسعة، وأربعة ضيقة، وأربعة رقيقة، وأربعة عظيمة، وأربعة صغارا، وأربعة طيبة الريح. فأما الأربعة الشديدة البياض. فبياض اللون، وبياض العين، وبياض الأسنان، وبياض الظفر.
وأما الأربعة الشديدة السواد، فشعر الرأس، والحاجبين، والحدقة والأهداب.
وأما الشديدة الحمرة: فاللسان، والشفتان، والوجنتان، واللثة.
وأما المدورة: فالرأس، والعين، والساعد، والعرقوبان.
وأما الواسعة: فالجبهة، والعين، والصدر، والوركان.
وأما الضيقة: فالمنخران، والأذنان، والسرة، والفرج.
وأما الصغار: فالأذنان، والفم، واليدان، والرجلان.
وأما الرقاق: فالحاجب، والأنف، والشفتان، والخصر.
وأما الطيبة الريح: فالأنف، والفم، والأبط، والفرج.
وأما العظيمة: الهامة، والمنكبان، والأضلاع، والعجز.
أنشد ابن أبي طاهر لشريك الجعدي:
ولو كنت بعد الشيب طالب صبوة ... لأصبى فؤادي نسوة بحلاحل
عفيفات أسوار بعيدات ريبة ... كثيرات إخلاف قليلات نائل
تعلمن والإسلام فيهن والتقى ... شواكل من علم الذين ببابل
مراض العيون في احمرار محاجر ... طوال المتون راحجات الأسافل
هضيمات ما بين الترائب والحشا ... لطاف البطون ظامئات الخلاخل
تعوضن يوم الغيد من جدل المها ... عيونا وأعناق الظباء العواطل
كأن ذرا الأنقاء من رمل عالج ... خبت والتقت منهن تحت المفاصل
ولدعبل بن علي الخزاعي:
له منظر وطف ومنسدل وحف ... ومبتسم يحيى إذا قتل الطرف
وللظبى عيناه وللدر ثغره ... وللقضب الأعلى وللكثب الردف
ظلمتك لما قلت أشبهك الخشف ... أو القمر المعدود من شهره النصف
ولكنك النور المركب جوهرا ... من الحسن لم يبلغ له الوهم والوصف
أنشدني أبو عمر يوسف بن هرون لنفسه:
بحت بحبي ولو غرامي ... ويكون في صخرة لباحا
ضيعتم الرشد من محب ... ليس يرى في الهوى جناحا
لم يستطع حمل ما يلاقى ... فشق أثوابه وصاحا
محير المقلتين قل لى ... هل شربت مقلتاك راحا
نفسي فدى لم وخد ... قد جمعا الليل والصباحا
وعقرب سلطت علينا ... تملأ أكبادنا جراحا
قد طار من شوقه فؤادي ... فصار شوقي له جناحا
أنشدني أبو القاسم محمد بن نصير الكاتب لنفسه:
لثاتك ياقوت وثغرك لؤلؤ ... وريقك شهد والنسيم عبير
ومن ورق الورد الجني مقبل ... ترشفه عند الممات نشور
وخدك ورد الروض والصدغ عقرب ... وطرفك سحر والمجس حرير
وحاجبك المقرون نونان صففا ... وقد لاح سوسان عليه نضير
وشعرك ليل فاحم اللون حالك ... ووجهك بدر تحت ذاك منير
وأنفك من در مذاب مركب ... وجيدك جيد الظبي وهو غرير
وصدرك عاج أبيض اللون مشرق ... ورمان كافور عليه صغير
ومن فضة بيضاء كفاك صيغتا ... ولكن بمحمر العقيق تشير

(1/176)


وقدك غصن حين هبت به الصبا ... وردفك دعص للرمال وثير
وتخطو على أنبوبتين حكاهما ... من النخل جمار يجذ؟ قشير
وتحتهما مشطان رخصان دلها ... عقول ذوى الألباب حين تدور
ودلك سحر يخلس العقل فاتن ... ولفظك در إن نطقت نشير
فمالك في الدنيا من الناس مشبه ... ولالك في حور الجنان نظير
وهذا الشعر من أحسن ما قاله متقدم أو متأخر في عموم وصف المرأة وأجمعه وأطبعه إن شاء الله تعالى، على أن هذا الوصف معدوم.
باب النظر إلى الوجه الحسن
قال الله عز وجل " قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم " ، " وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن " .
ومنع رسول الله صلى الله عليه وسلم الفضل بن العباس وهو رديفه، عام حجة الوداع، من النظر إلى الخثعمية، وصرف وجهه عنها.
ومنع بعض أصحابه الدخول عليه من أجل صفية زوجته، وقال لهم: إنها صفية.
ومنه امرأتين من نسائه من النظر إلى ابن أم مكتوم، فقالتا: أليس أعمى؟ فقال: أفعمياوان أنتما؟.
قال عقيل بن علفة: لأن ينظر إلى ابنتي مائة رجل خير من أن تنظر هي إلى رجل واحد.
نظر أبو حازم بن دينار إلى امرأة حسناء ترمى الجمار أو تطوف بالبيت، وقد شغلت الناس بالنظر إليها لبراعة حسنها، فقال لها: أمة الله! خمري وجهك، فقد فتنت الناس، فهذا موضع رغبة ورهبة. فقالت له: إحرامي في وجهي أصلحك الله يا أبا حازم، وأنا من اللواتي قال فيهن العرجي:
من اللاء لم يحججن يبغين حسبة ... ولكن ليقتلن التقى المغفلا
فقال أبو حازم لأصحابه: تعالوا ندع الله ألا يعذب هذه الصورة الحسنة بالنار، فقيل له: أفتنتك يا أبا حازم، فقال: لا، ولكن الحسن مرحوم.
هكذا روينا هذا الخبر عن أبي حازم من وجوه بألفاظ مختلفة ومعنى متقارب.
وذكر المدائني عن عبد الله بن عمر العمري، قال: خرجت حاجا فرأيت امرأة جميلة تتكلم بكلام أرفثت فيه، فأدنيت ناقتي منها، وقلت: يا أمة الله! ألست خاجة؟ أما تخافين الله؟ فسفرت عن وجه يبهر الشمس حسنا، ثم قالت: تأمل يا عمري، فإني ممن عناه العرجي بقوله:
أماطت كساء الخز عن حر وجهها ... وأدنت على الخدين بردا مهلهلا
من اللاء لم يحججن يبغين حسبة ... ولكن ليقتلن البريء المغفلا
وترمى بعينيها القلوب ولحظها ... إذا ما رمت لم تخط منهن مقتلا
قال: فقلت: فأنا أسأل الله ألا يعذب هذا الوجه بالنار، قال: وبلغ ذلك سعيد بن المسيب؛ فقال: أما والله لو كان من أهل العراق، لقال: اغربي قبحك الله، ولكنه ظرف عباد أهل الحجاز.
قال عبد الله بن طاهر:
وجه يدل الناظرين ... عليه في الليل البهيم
فكأنه روح الحيا ... ة يهب مسكي النسيم
في خده ورد الجما ... ل يعل من ماء النعيم
سقم الصحيح المستقل ... وصحة الرجل السقيم
نظر رجلان إلى جارية حسناء في بعض طرق مكة فمالا إليها فاستسقياها ماء، لسقتهما فجعلا يشربانه ولا يسيغانه فعرفت ما بهما فجعلت تقول:
هما استسقيا ماء على غير ظمأة ... ليستمتعا باللحظ ممن سقاهما
فعجبا من ذلك ودفعا الإناء إليها فمرت وهي تقول:
وكنت متى أرسلت طرفك رائدا ... لقلبك يوما أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كله أنت قادر ... عليه ولا عن بعضه أنت صابر
وقال آخر:
خليلي للبغضاء عين مبينة ... وللحب آيات ترى ومعارف
ألا إنما العينان للقلب رائد ... فما تألف العينان فالقلب يألف
يحب ويدنى من يقل خلافه ... وليس بمحبوب حبيب مخالف
قال آخر:
ومالك منها غير أنك رائد ... بعينيك عينيها فهل ذاك نافع

(1/177)


دخل الشعبي على عبد الملك بن مروان، فقال له: يا شعبي! بلغني أنه اختصم إليك رجل وامرأته، فقضيت للمرأة على زوجها، فقال فيك شعرا، فأخبرني بقصتيهما وأنشدني الشعر إن كنت سمعته. فقال: يا أمير المؤمنين! لا تسألني عن ذلك. فقال: عزمت عليك لتخبرني. قال: نعم، اختصمت إلى امرأة وبعلها، فقضيت للمرأة إذ توجه لها القضاء، فقام الرجل وهو يقول:
فتن الشعبي لما ... رفع الطرف إليها
بفتاة حين قامت ... رفعت مأكمتيها
ومشت مشيا رويدا ... ثم هزت منكبيها
فتنته بقوام ... وبخطى حاجبيها
وبنان كالمداري ... واسوداد مقلتيها
قال للجلواز قرب ... هاوأحضر شاهديها
فقضى جورا علينا ... ثم لم يقض عليها
كيف لو أبصر منها ... نحرها أو ساعديها
لصبا حتى تراه ... ساجدا بين يديها
بنت عيسى بن حراد ... ظلم الخصم لديها
قال عبد الملك: فما صنعت يا شعبي؟ قال: أوجعت ظهره حين جورني في شعره.
هذا ما رواه سفيان بن عيينة، عن سالم بن أبي حفصة، عن الشعبي، وهو أصح إسناد لهذا الخبر. وذكر الهيثم بن عدي، قال: خاصمت أم جعفر بين عيسى بن حراد زوجها إلى الشعبي، فلما قامت بين يديه، قيل لها: ما صعنت؟ قالت: سألني البينة، ومن سأل البينة فقد فلج، ثم قضى لها، فقال هذيل الأشجعي:
فنن الشعبى لما ... رفع الطرف إليها
وذكر الأبيات: وفي رواية الهيثم بن عدي: أن الشعر لهذيل الأشجعي فيها، فبلغ ذلك الشعبي، فقال: أبعده الله، ما قضينا إلا بحق. قال الهيثم: فحدثني ابن أبي ليلى، قال: خرجنا مع الشعبي من المسجد، وقد قام من مجلس القضاء، فمررنا بجارية تغسل في إجانة فلما رأت الشعبي قالت:
فتن الشعبي لما
فقال الشعبي:
رفع الطرف إليها
خاصم الوليد بن صريع، مولى عمرو بن حريث، أخته أم كلثوم ابنة صريع إلى عبد الملك بن عمير، قاضي الكوفة، وكان يقال له: القبطي، لفرس كان له فقضى لها على أخيها، فقال هذيل الأشجعي:
لقد عثر القبطي أو زل زلة ... وما كان منه لا العثار ولا الزلل
أتاه وليد بالشهود يقودهم ... على ما ادعى من صامت المال والخول
يقود إليه كلثما وكلامها ... شفاء من الداء المخامر والخبل
فأدلى وليد عند ذاك بحجة ... وكان وليد ذا مراء وذا جدل
وكان لها دل وعين كحيلة ... فأدلت بحسن الدل منها وبالكحل
فأفتنت القبطي حتى قضى لها ... بغير قضاء الله في محكم الطول
فلو أن من في القصر يعلم علمه ... لما استعمل القبطي يوما على عمل
له حين يقضي للنساء تخاوص ... وكان ومات فيه التخاوص والحول
إذا ذات دل كلمته بحاجة ... فهم بأن يقضى تنحنح أو سعل
وبرق عينيه ولاك لسانه ... ويرى كل شيء ما خلا شخصها خلل
فبلغ ذلك عبد الملك بن عمير، فقال: ما لهذيل أخزاه الله؟ والله لربما جاءتني النحنحة أو السعلة وأنا في المتوضأ فأردها مخافة ما قال.
لعبد الله بن سليمان النحوي المكفوف:
تقول من للعمى بالحسن قلت لها ... كفى عن الله في تحقيقه الخبر
القلب يدرك مالا عين تدركه ... والحسن ما استحسنته النفس لا البصر
وما العيون التي تعمى إذا نظرت ... بل القلوب التي يعمى بها النظر
وقال أيضا ينقضه:
ما إن يمتع بالمعشوق عاشقه ... سمع إذا لم يمتعه به البصر
وكل قلب له حب يقلبه ... وأعذب الحب ما أحباكه النظر

(1/178)


ولو تكافي الهوى مرأى ومستعما ... لما تباينت الأصوات والصور
أنشد إسحق بن إبراهيم لعمر بن أبي ربيعة في محمد بن عروة بن الزبير، وكان جميلا:
إني امرؤ مولع بالحسن أتبعه ... لاحظ لي فيه إلا لذة النظر
وقال محمود الوراق:
من أطلق الطرف اجتنى شهوة ... وحارس الشهوة غض البصر
والطرف للقلب لسان فإن ... أراد نطقا فليكر النظر
يفهم بالعين عن العين ما في ال ... قلب من مكنون خير وشر
يطوي لسان المرء أخباره ... والطرف لا يملك طي الخبر
وقال آخر:
لا تكثرن تأملا ... واملك عليك عنان طرفك
فلربما أرسلته ... فرماك في ميدان حتفك
وقال أعرابي:
نظرت إليها نظرة ما يسرني ... وإن كنت محتاجا بها ألف درهم
قال شيخ من بني نمير: نظرت إلى مولدة باليمامة، فقالت: ملأت عينيك وملك غيرك.
وقال ذو الرمة:
على وجه مي مسحة من ملاحة ... وتحت الثياب العار لو كان باديا
ألم تر أن الماء يخبث طعمه ... ولو كان لون الماء أبيض صافيا
وقال بعض الأعراب:
جزى الله البراقع من ثياب ... عن الفتيان شرا ما بقينا
يوارين الملاح فلا أراها ... ويوهمن القباح فيزدهينا
وقال آخر:
لقد أعجبتها نفسها فتملحت ... بأي جمال ليت شعرى تملح
وقال إسماعيل القراطيسي:
وقد أتاني خبر راعني ... من قولها في السر واضيعتاه
أمثل هذا يبتغى وصلنا ... أما يرى ذا وجهه في المراه
وقال عباس بن الأحنف:
همت بإتياننا حتى إذا نظرت ... إلى المراة نهاها وجهها الحسن
ما كان هذا جزائي من محاسنها ... أغرت بي الشوق حتى شفني الشجن
كان يقال: أربعة تزيد في البصر: النظر إلى الوجه الحسن، وإلى الخضرة وإلى الماء الجاري، والنظر في المصحف.
دخل الشعبي سوق الرقيق، فقيل له: هل من حاجة؟ فقال: حاجتي صورة حسنة، يتنعم فيها طرفي، ويلتذ بها قلبي، وتعينني على عبادة ربي.
أدام إبراهيم النظام النظر إلى جارية حسناء، فقال مولاها: أراك تديم النظر إليها، فقال: مالي لا أتأمل منها ما أحل الله، وفيه دليل على حكمة صنعة الله، ومعه اشتياق إلى ما وعد الله.
قال الحسن البصري: ينبغي للوجه الحسن ألا يشين وجهه بقبيح فعله وينبغي لقبيح الوجه ألا يجمع بين قبيحين.
قال الشاعر:
إن حسن الوجه يحتا ... ج إلى حسن فعال
حاجة الصادي من الما ... ء إلى العذب الزلال
باب جامع ذكر النساء وتزويج الأكفاء
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الدنيا كلها متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة " .
ويروى أن داود عليه السلام قال لابنه سليمان: يا بني! إن المرأة الصالحة كمثل التاج على رأس الملك، والمرأة السوء كمثل الحمل الثقيل على ظهر الشيخ الكبير.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " المرأة كالضلع العوجاء؛ إن رفقت بها استمتعت منها " أخذه الشاعر فقال:
هي الضلع العوجاء لست تقيمها ... ألا إن تقويم الضلوع انكسارها
قيل لبعض الأعراب: من تركت عند نسائك؟ فقال: حافظين: الجوع والعري، عرين فلا يظهرن، وجعن فلا يأشرن.
مما أوصى به محمد بن عبد الله بن حسين ابنيه، فقال: واعلما أن لن تسقط امرأة واظبت على ثلاث خلال: الماء والسواك والكحل فعليكما بهن.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إياكم وخضراء الدمن. قالوا: وما خضراء الدمن؟ فقال: المرأة الحسناء في المنبت السوء " . شبهها بنبات أخضر نضر نبت على دمنة، وهي الأبعار والأبوال تبلبل بعضها على بعض.

(1/179)


قال معاذ بن جبل: أخوف ما أخاف عليكم النساء، إذا تسورن الذهب، ولبسن عصب اليمن، ورباط الشام، فأتعبن الغنى وكلفن الفقير مالا يجد.
قال سمرة بن جندب: سمعت عمر بن الخطاب يقول: النساء ثلاث والرجال ثلاثة: امرأة عاقلة مسلمة عفيفة هينة لينة ودود ولود، تعين أهلها على الدهر، ولا تعين الدهر على أهلها، وقليلا ما تجدها. وأخرى وعاء للولد لا تزيد على ذلك، وأخرى غل قمل يجعله الله في عنق من يشاء، ثم إذا شاء أن ينزعه نزعه.
وذكر الرجال بما قد ذكرته في باب ثلاثة.
قال منصور الفقيه:
أفضل ما نال الفتى ... بعد الهدى والعافيه
قرينة مسلمة ... عفيفة مواتيه
ذكر ثعلب عن ابن الأعرابي، قال: قالوا: النساء خلقن من ضعف، فداووا ضعفهن بالسكوت، وعوراتهن بالبيوت.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تنكح المرأة لمالها وحسبها وجمالها ودينها، فعليك بذوات الدين تربت يداك " .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عليكم بالأبكار؛ فإنهن أطيب أفواها، وأرتق أرحاما، وإياكم والعجائز " .
وروي عنه عليه السلام أنه قال: " أعظم النساء بركة أحسنهن وجوها، وأرخصهن مهورا " .
وروي عنه عليه السلام أنه قال: " ترفقوا ولا تطلقوا، وانكحوا الأكفاء واختاروا لنطفكم، فإن العرق دساس " .
كان يقال: إياكم ومناكحة الحمقاء، فإن صبحتها أذى ومناكحتها أذى " .
قال أبو الأسود لبنيه: يا بني! قد أحسنت إليكم صغارا وكبارا، وقبل أن تولدوا، قالوا: وكيف ذلك؟ قال: التمست لكم من النساء الموضع الذي لا تعابون به.
وشوور بعض الحكماء في تزويج، فقال للمشاور: يا ابن أخي! إياك أن تزوج لأهل دناءة أصابوا من الدنيا، فإنك تشركهم في دناءتهم، ويستأثرون عليك بدنياهم. قال: فقمت عنه وقد اكتفيت بما قال لي.
كان يقال: لا تسترضعوا الحمقاء؛ فإن اللبن ينزع بالشبه إليها.
قال عمر بن الخطاب: لا تسكنوا نساءكم الغرف، ولا تعلموهن الكتابة، واستعينوا عليهن بالعرى.
قال عمر بن الخطاب رحمه الله: استعيذوا بالله من شرار النساء، وكونوا من خيارهن على حذر.
وقال أيضا: عليكم بالسراري؛ فإنا رأيناهن يأخذن بعز العرب وملك العجم.
قال علي بن أبي طالب: خير نسائكم الطيبة الرائحة، الطيبة الطعام، التي إن أنفقت أنفقت قصدا، وإن أمسكت أمسكت قصدا، فتلك من عمال الله، وعامل الله لا يخيب.
قال علي بن أبي طالب: من أراد البقاء - ولا بقاء - فليخفف الرداء، وليباكر الغداء، وليقل مجامعة النساء. قيل له: وما خفة الرداء؟ قال: الدين. ثم قال: المرء بجده والسيف بحده، والثناء بعد البلاء.
قال عمرو بن العاص: الناكح مغترس، فلينظر امرؤ حيث يقع غرسه.
قال المغيرة بن شعبة: صاحب المرأة الواحدة امرأة مثلها، إن بانت بان معها، وإن حاضت حاض معها، وإن مرضت مرض معها، وصاحب المرأتين على جمرتين، وصاحب الثلاث على رستاق، وصاحب الأربعة كل ليلة عروس، أخذه الشاعر فقال:
وصاحب ضرتين على الليالي ... كما قد قيل بين الجمرتين
رضا هذى يهيج سخط هذى ... فما يعرى من إحدى السخطتين
دخل أعرابي على الحجاج فسمعه يقول: لا تكمل النعمة على المرء حتى ينكح أربع نسوة يجتمعن عنده، فانصرف الأعرابي فباع متاع بيته، وتزوج أربع نسوة، فلم توافقه منهن واحدة، خرجت واحدة حمقاء رعناء، والثانية متبرجة، والثالثة فارك أو قال فروك، والرابعة مذكرة، فدخل على الحجاج فقال: أصلح الله الأمير، سمعت منك كلاما أردت أن تتم لي به قرة عين؛ فبعت جميع ما أملك، حتى تزوجت أربع نسوة، فلم توافقني منهن واحدة، وقد قلت فيهن شعرا، فاسمع مني، قال: قل. فقال:
تزوجت أبغي قرة العين أربعا ... فياليت أنى لم أكن أتزوج
وياليتنى أعمى أصم ولم أكن ... تزوجت بل ياليت أنى مخدج
فواخدة ما تعرف الله ربها ... ولا ما التقى تدري ولا ما التحرج
وثانية ما إن تقر ببيتها ... مذكرة مشهورة تتبرج
وثالثة حمقاء رعنا سخيفة ... فكل الذي تأتي من الأمر أعوج

(1/180)


ورابعة مفروكة ذات شرة ... فليست بها نفسي مدى الدهر تبهج
فهن طلاق كلهن بوائن ... ثلاثا ثلاثا فاسهدوا لا تلجلجوا
فضحك الحجاج حتى كاد يسقط من سريره، ثم قال له: كم مهورهن؟ قال: أربعة آلاف درهم. فأمر له بثمانية آلاف درهم.
قال أكثم بن صيفي لبنيه: يا بني لا ينكبنكم جمال النساء عن صراحة النسب، فإن المناكح الكريمة مدرجة للشرف.
روى أسامة بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر: أن عبد الله بن رواحة وقع على جارية له، فاتهمته امرأته، فقال: ما فعلت. فقالت: فاقرأ القرآن إذا. فقال:
وفينا رسول الله يتلو كتابه ... كما انشق مشهور من الصبح ساطع
أتانا الهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقنات أن ما قال واقع
يبيت يجافى جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالهاجعين المضاجع
فقالت: أولى لك. وفي رواية أخرى في هذه القصة أنها لما قالت له: فاقرأ إذا شيئا من القرآن، قال:
سمعت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرينا
وأن العرش فوق الماءحق ... وفوق العرش رب العالمينا
قالت: ما شاء الله! كذبت عيني، وأنت الصادق. أو نحو هذا.
قال المغيرة بن شعبة: إذا كان الرجل مذكرا والمرأة مذكرة تصادما العيش، وإذا كان الرجل مؤنثا والمرأة مؤنثة ماتا هزلا، وإذا كان الرجل مؤنثا والمرأة مذكرة كان الرجل هو المرأة، والمرأة هي الرجل، وإذا كان الرجل مذكرا والمرأة مؤنثة طاب عيشهما.
قال الحسن: إياكم وسمنة البنات، فإن كنتم لابد فاعلين، فاحفظوهن.
قال إياس بن معاوية: من يمن المرأة الولد، ومن بركتها مياسرتها في المهر.
كان يقال: لا تزوج كريمتك إلا من عاقل، فإن أحبها أكرمها، وإن أبغضها أنصفها.
قال غيره: لا تزوج وليتك إلا من ذي دين، فإن أحبها أحسن إليها، وإن أبغضها لم يظلمها.
روى أبو العباس عن الأصمعي قال: قال أعرابي لامرأته: صفيني بما تعلمي مني ولا تكتمي. فقالت: أما والله إن كنت لخفيفا على ظهر الفرس، ثقيلا على العدو، ضحوكا مقبلا، كسوبا مدبرا، لا تشبع ليلة تضاف، ولا تنام ليلة تخاف.
وعن الأصمعي أيضا، قال: هلك رجل من العرب، فقيل لامرأته: صفي بعلك، فقالت: والله إن كان - فيما علمت - لضحوكا إذ ولج، كسوبا إذا خرج، آكلا ما وجد، غير سائل ما فقد.
قال الأصمعي، قال الحسن: كان أهل الجاهلية إذا خطب الرجل المرأة تقول: ما حسبه، وما حسبها؟ فلما جاء الإسلام، قالوا: ما دينه، وما دينها؟ وأنتم اليوم تقولون: ما ماله، وما مالها؟.
قال الشاعر:
لا يأمنن على النساء أخ أخا ... ما في الرجال على النساء أمين
إن الأمين وإن تحفظ جهده ... لابد أن بنظرة سيخون
قيل لبعضهم: ما تقول في الباه؟ قال: عندي ما يقطع حجتها، ولا يقضي حاجتها.
قيل لمدني: ما عندك من هذا الأمر؟ قال: إن منعت غضبت، وإن تركت عجزت.
قيل لآخر: ما عندك للنساء؟ قال: أطيل الظمأ، ثم أرد فلا أشرب.
مرت بعيسى بن موسى جارية، فقام إليها فصرعها، فلما رامها عجز عنها فقال:
القلب يطمع والأسباب عاجزة ... والنفس تهلك بين العجز والطمع
كان يقال: لعن كل فاجر عند الجماع!!.
قالوا: لذة المرأة على قدر شهوتها، وغيرتها على قدر محبتها.
تزوج رجل - وهو روح بن زنباع - أم جعفر بنت النعمان بن بشير، زوجها له عبد الملك بن مروان، وقال: إنها جارية حسناء، فاصبر على بذاء لسانها، فصحبها ثم أبغضها. فمن قوله فيها:
ريح الكرائم معروف لها أرج ... وريحها ريح كلب مسه مطر
وقد هجته هي أيضا، فمن قولها فيه:
بكى الخز من روح وأنكر جلده ... وعجت عجيبا من جذام المطارف
قال بعض الأعراب:
من منزلي قد أخرجتني زوجتي ... تهر في وجهي هرير الكلبة
زوجتها فقيرة من حرفتي ... قلت لها لما أراقت جرتي

(1/181)


أم هلال أبشري بالحسرة ... وأبشري مني بوقع الضرة
خطب النوار بنت أعين بن ضبعة المجاشعية رجل من قيس، فجعلت العقد عليها إلى الفرزدق، وكان أبوها قتلته الخوارج أيام الحكمين، وكان علي رضى الله عنه بعثه إلى البصرة، فقال لها الفرزدق: أشهدي لي أنك جعلت أمرك إلى فإني أخاف من هو أقرب إليك مني من أوليائك. فأشهدت له. فأنكحها الفرزدق من نفسه، وأشهدهم، فلم ترض النوار، فتنازعا. فخرجا إلى عبد الله بن الزبير، وكان العراق والحجاز يومئذ إليه. فتشفعت النوار يومئذ بخولة بنت منظور بن زبان الفزاري، وتشفع الفرزدق بابنها حمزة بن عبد الله بن الزبير، فأنجحت خولة وشفعها زوجها ابن الزبير وقال الفرزدق: لا تقربها حتى تصير إلى البصرة فتحكم معها إلى عاملي بها، فقال الفرزدق:
أما بنوه فلم يقبل شفاعتهم ... وشفعوا بنت منظور بن زبانا
ليس الشفيع الذي يأتيك مئتزرا ... مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا
خطب العريان بن الهذيل البرجمي امرأة، فكان أصم وكانت عوراء، فقالت: تسأل عنا ونسأل عنك، فقال:
فإن تسألى عنا وعنك فإننا ... كلانا به داء أصم وأعورا
فقالت: أما إذ عرفت الداء فاجلس، فبعثت إلى وليها فزوجها إياه.
قال الأصمعي:قيل لأعرابي: من لم يتزوج امرأتين لم يذق لذة العيش، فتزوج امرأتين ثم ندم، فقال:
تزوجت اثنتين لفرط جهلي ... بما يشقى به زوج اثنتين
فقلت أصير بينهما خروفا ... أنعم بين أكرم نعجتين
فصرت كنعجة تمسى وتضحى ... تردد بين أخبث ذئبتين
رضى هذى يهيج سخط هذى ... فما أعرى من إحدى السخطتين
وألقى في المعيشة كل بوس ... كذاك المرء بين الضرتين
لهذى ليلة ولتلك أخرى ... عتاب دائم في الليلتين
وقال الغزال:
إن الفتاة وإن بدا لك حبها ... فبقلبها داء عليك دفين
وإذا ادعين هوى الكبير فإنما ... هو للكبير خديعة وقرون
وإذا رأيت الشيخ يهوى كاعبا ... فعليه من درك القرون ديون
وقال الغزال أيضا:
أنا شيخ وقلت في الشيخ ما يع ... لمه كل أبله وذهين
كل شيخ تراه يكثر من كس ... ب الجواري فخذه لي بالقرون
قال الأحنف بن قيس: إذا أردتم الحظوة عند النساء فأفحشوا في النكاح، وأحسنوا الأخلاق.
قيل لأعرابي: ما تقول في نساء طيى؟ قال: إذا شئت. قيل: فما تقول في نساء ضبة؟ قال: نك ودحرج.
روى عن النبي عليه السلام أنه قال: " النساء حبائل الشيطان " .
قال معاوية: ما رأيت منهوما في النساء إلا رأيت ذلك في ضعف منته.
قال عبد الملك: من أراد النجابة فبنات فارس، ومن أراد النكاح فبنات البربر، ومن أراد الخدمة فالروميات.
قال سعيد بن المسيب: ما عرفنا أولادنا حتى عرفنا بنات فارس.
قال أبو هلال الراسبي: جاء رجل إلى أهله بجزر، فقال: يا هذه! اطبخيه أو اشويه وكليه، فإن المطبوخ جيد للبطن، والمشوي جيد للظهر، والنئ جيد للجماع، قالت: ليس عندنا نار فكله.
غاضب رجل امرأته ثم ترضاها، فلجت فكابرها حتى جامعها، فقالت: أخزاك الله، كلما وقع بيني وبينك شيء جئتني بشفيع لا يمكنني رده.
قال الشاعر أيمن بن خريم:
لقيت من الغانيات العجابا ... لو أدرك منى العذارى الشبابا
ولكن جماع العذاري الحسان ... عذاب شديد إذا المرء شابا
يرضن بكل عصا رائض ... ويصبحن كل غداة صعابا
علام يكحلن حور العيون ... ويحدثن بعد خضاب خضابا
ويبرقن إلا لما تعلمون ... فلا تحرموا الغانيات الضرابا
فلو كلت بالمد للغانيات ... وظاهرت بعد الثياب الثيابا

(1/182)


ولم تنلهن من ذاك قربا ... كأنك حدثتهن الكذابا
إذا لم يخالطن كل الخلا ... ط أصبحن مخر نطمات غضابا
يميت العتاب خلاط النساء ... ويحيى اجتناب الخلاط السبابا
قضى سلمان بن ربيعة على رجل بأن يأتي امرأته في كل أربع ليلة، فرضى ذلك عمر، وجعله قاضيا بالكوفة، وخبره مشهور قد ذكرناه في مواضع.
وروى يعقوب بن طلحة، وإسحق بن محمد السني أن عمر بن الخطاب شكت إليه امرأة أن زوجها لا يأتيها إلا في كل طهر مرة، فقال لها: ليس لك غير ذلك ولا كرامة.
روى عن أبي هريرة، وبعضهم يرويه مرفوعا: أنه قال: فضلت المرأة على الرجل بتسعة وتسعين جزءا من اللذة، أو قال من الشهوة، ولكن الله ألقى عليهن الحياء.
قال المأمون: النساء شر كلهن، وشر ما فيهن قلة الاستغناء عنهن.
قال غيره: الصبر عنهن أهون من الصبر عليهن.
قال معاوية: هن يغلبن الكرام، ويغلبهن اللئام.
كان يقال: النكاح فرح شهر، وغم دهر، ووزن مهر، ودق ظهر.
ودخل معاوية بن أبي سفيان على ميسون بنت بحدل الكلبية أم يزيد، ومعه خديج الخصى فاستترت منه، فقال لها معاوية: إن هذا بمنزلة المرأة، فعلام تستترين منه. فقالت: كأنك ترى المثلى به أحلت له مني ما حرم الله.
كان محمد بن حسين يقول: اللهم ارزقني امرأة تسرني إذا نظرت، وتطيعني إذا أمرت، وتحفظني إذا غبت.
قالت أسماء بنت أبي بكر: النكاح رق النساء، فلتنظر المرأة عند من تضع رقها.
ضرب عبد الملك بن مروان بعثا إلى اليمن، فأقاموا سنين، جنى إذا كان ذات ليلة وهو بدمشق، قال: والله لأعسن الليلة مدينة دمشق، ولأسمعن ما يقول الناس في البعث الذي غربت فيه رجالهم، وغرمت فيه أموالهم. فبينما هو في بعض أزقتها إذا هو بصوت امرأة قائمة تصلي، فتسمع إليها، فلما انصرفت إلى مضجعها قالت: اللهم يا غليظ الحجب، ويا منزل الكتب، ويا معطي الرغب، ويا مؤدي الغرب. أسألك أن ترد غائبي، فتكشف به همي، وتصفي به لذتي، وتقر به عيني، وأسألك أن تحكم بيني وبين عبد الملك بن مروان الذي فعل بي هذا، فقد صير الرجل نازحا عن وطنه، والمرأة مقلقة على فراشها، ثم أنشأت تقول:
تطاول هذا الليل فالعين تدمع ... وأرقني حزني وقلبي موجع
فبت أقاسي الليل أرعى نجومه ... وبات فؤادي هامدا يتفزع
إذا غاب منها كوكب في مغيبه ... لمحت بعيني آخرا حين يطلع
إذا ما تذكرت الذي كان بيننا ... وجدت فؤادي للهوى يتقطع
وكل حبيب ذاكر لحبيبه ... يرجى لقاه كل يوم ويطمع
فذا العرش فرج ما ترى من صبابتي ... فأنت الذي ترعى أموري وتسمع
دعوتك في السراء والضر دعوة ... على غلة بين الشراشيف تلذع
فقال عبد الملك لحاجبه: تعرف لمن هذا المنزل؟ قال: نعم، هذا منزل زيد بن سنان. قال: فما المرأة منه؟ قال: زوجته. فلما أصبح سأل كم تصبر المرأة عن زوجها؟ قالوا: ستة أشهر. فأمر ألا يمكث العسكر أكثر من ثلاثة أشهر.
قال سليمان بن داود صلى الله عليهما: يا بني! لا تكثر الغيرة على أهلك من غير ريبة، فترمى بالشر من أجلك وإن كانت بريئة.
قال طفيل الغنوي:
إن النساء كأشجار نبتن معا ... منها المرار وبعض المرمأ كول
إن النساء متى ينهين عن خلق ... فإنه واجب لابد مفعول
وجد صبي منبوذ في بعض مساجد أصفهان، ومعه صرة فيها مائة دينار، ورقعة مكتوب فيها: هذا جزاء من لا يزوج ابنته.
كان رجل من أهل الشام مع الحجاج بن يوسف يحضر طعامه، فكتب إلى أهله يخبرهم بما هو فيه من الخصب، وأنه قد سمن، فكتبت إليه امرأته:
أتهدى لي القرطاس والخبز حاجتي ... وأنت على باب الأمير بطين
إذا غبت لم تذكر صديقا وإن تقم ... فأنت على ما في يديك ضنين
فأنت ككلب السوء جوع أهله ... فيهزل أهل البيت وهو سمين

(1/183)


لأبي عيينة المهلبي في رجل من قومه، تزوج امرأة قد تزوجت قبلة مائة زوج فماتوا عنها:
رأيت أثاثها فرغبت فيه ... وكم نصبت لغيرك بالأثاث
إلى دار المنون فرحلتهم ... بأجنحة تطير بهم حثاث
فصير أمرها بيدي كميا ... أبث حبالها لك بالثلاث
وإلا فالسلام عليك منى ... سآخذ من غد لك في المراثي
قال إسحاق الموصلي، أنشدني ابن كناسة لنفسه:
لقد كان فيها للأمانة موضع ... وللسر كتمان وللعين منظر
فقلت: ما بقى؟ فقال: أين الموافقة.
قال ابن المقفع: وطء العجوز وأكل القديد يهرم.
قال الشاعر:
لا تنكحن عجوزا إن دعوك لها ... ولو حبوك على تزويجها الذهبا
وإن أتوك فقالوا: إنها نصف ... فإن أطيب نصفيها الذي ذهبا
كتب رجل إلى صديق له نكح عجوزا:
أمسكت نفسك حتى إذا ... أتيت على الخمس والأربعينا
تزوجتها شارفا فخمة ... فلا بالرفاء ولا بالبنينا
فلا ذات مال تزوجتها ... ولا ولد ترتجي أن يكونا
بها أبدا فالتمس غيرها ... لعلك تعطى بغث سمينا
قال دعبل، ويقال: إنها لأبي دلف:
تعجبت إذ رأت شيبي فقلت لها ... لا تعجبي، من يطل عمر به يشب
شيب الرجال لهم زين ومكرمة ... وشيبكن لكن الويل فاكتئبي
فينا لكن وإن شيب بدا أرب ... وليس فيكن بعد الشيب من أرب
ولبعض الأعراب:
عجوز ترجى أن تكون صبيه ... وقد شاب منها الرأس واحدودب الظهر
تدس إلى العطار ميرة أهلها ... وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر؟
وقال امرؤ القيس:
أراهن لا يحببن من قل ماله ... ولا من بدا في عارضيه مشيب
وقال آخر:
كفاك بالشيب ذنبا عند غانية ... وبالشباب شفيعا أيها الرجل
وقال الأعشى:
وأرى الغواني لا يواصلن امرءا ... فقد الشباب وقد يصلن الامردا
وقال علقمة بن عبدة:
فإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب
إذا شاب رأس المرء أو قل ماله ... فليس له في ودهن نصيب
يردن ثراء المال حيث علمنه ... وشرخ الشباب عندهن عجيب
قال منصور الفقيه:
إذا ما استحر ولم يتسع ... ولم يك رطبا ولا يابسا
وحل وأمكن من نفسه ... فنبه له جارك الناعسا
وقال منصور النمري:
ما واجه الشيب من عين وإن ومقت ... إلا لها نبوة عنه ومرتدع
وقال حبيب:
أحلى الرجال من النساء مواقعا ... من كان أشبههم بهن خدودا
وقال آخر:
أرى شيب الرجال من الغواني ... بموقع شيبهن من الرجال
شاور رجل رجلا في النكاح، فقال له: إياك والجمال الفائق، فإن الشاعر قال:
ولن تصادف مرعى مونقا أبدا ... إلا وجدت به آثار مأكول
قال آخر:
لا تأمنن أنثى حبتك بودها ... إن النساء ودادهن مقسم
اليوم عندك دلها وحديثها ... وغدا لغيرك كفها والمعصم
وقال ابن هبيرة:
يا راعى الذود لا ترحل لمكرمة ... إن القلاص إذا ما غاب راعيها
لم يثنها أحد دون الفحول فلا ... تهمل قلوصك إما كنت تحميها
ولا تلمها على ورد وقد ظمئت ... لو شئت أرويتها إذ كنت ساقيها
احظر مشاربها، واحفف جوانبها ... وارمم مذاهبها، تسلم قواصيها

(1/184)


خليتها لفحول غير فاخرة ... في كل برية قفر فيافيها
حتى إذا أخدجت في كل منزلة ... بكيت، أبكى إلهي عين مبكيها
باب الأمثال السائرة في النساء
لا تحمد الحرة عام هدائها، ولا الأمة عام شرائها.
من ينكح الحسناء يعط مهرا.
من يمدح العروس إلا أهلها؟.
لكل فتاة خاطب، ولكل أمر طالب.
كل ذات دل تختال.
كاد العروس أن يكون أميرا.
وليس لمخضوب البنان يمين.
لا تسد الثغور بالمحصنات.
قال الشاعر:
كتب القتل والقتال علينا ... وعلى المحصنات جر الذيول
وهذا الشعر لعبد الرحمن بن حسان، وذلك أنه كانت عند المختار بن أبي عبيد امرأتان، إحداهما أم ثابت بنت سمرة بن جندب، والأخرى عمرة بنت النعمان بن بشير الأنصاري، فعرضهما مصعب على البراءة من المختار، فأما بنت سمرة فتبرأت منه فخلاها، وأما الأنصارية فامتنعت فقتلها، فقال عبد الرحمن بن حسان بن ثابت في ذلك:
إن من أعجب العجائب عندي ... قتل بيضاء حرة عطبول
قتلت باطلا على غير جرم ... إن لله درها من قتيل
كتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جر الذيول
النساء بالنساء أشبه من الماء بالماء، ومن الغراب بالغراب، ومن الذئاب بالذئاب. كل غانية هند.
نعم لهو المرأة المغزل.
البياض نصف الحسن، والعجيزة أحد الوجهين.
لا عطر بعد عروس. أخذه الشاعر فقال:
من كان يبكى لما بي ... من طول وجد رسيس
فالآن قبل وفاتي ... لا عطر بعد عروس
العوان لا تعلم الخمرة.
لما زوج أسماء بن خارجة ابنته، دخل عليها ليلة بنائها، فقال: يا بنية، إن كان النساء أحق بتأديبك، ولا بد من تأديبك، كوني لزوجك أمة يكن لك عبدا، ولا تقربي منه جدا فيملك أو تمليه، ولا تباعدي عنه فتثقلي عليه، وكوني له كما قلت لأمك:
خذي العفو منى تستديمي مودتي ... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب
ولا تنقريني نقرة الدف مرة ... فإنك لا تدرين كيف المغيب
فإني رأيت الحب في القلب والأذى ... إذا اجتمعا لم يلبث الحب يذهب
باب اللباس
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الحرير حلال لباسه لإناث أمتي، حرام على ذكورها " .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنما يلبس الحرير من لا خلاق له في الآخرة " .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من لبس ثوب شهرة وعزة في الدنيا أكسبه الله ثوب مذلة يوم القيامة " .
سئل عمر بن الخطاب عن لبس الحرير للنساء، فقال: هن لعبكم؛ فزينوهن بما شئتم.
وروى مرفوعا أيضا: " من ليس منظورا، وركب مشهورا، لم يزل الله عنه معرضا، وإن كان عليه كريما " .
قال عبد الله بن عمر: من لبس ثوب شهرة أعرض الله عنه وإن كان وليا.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه، لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين، ما أسفل من ذلك في النار، لا ينظر الله عز وجل إلى من جر ثوبه خيلاء " .
ولما ذكر الإزار عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت أم سلمة: إذا ينكشف عنها. قال: " فذراع لا تزيد عليه " .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كم من كاسية في الدنيا، عارية يوم القيامة " .
وقال صلى الله عليه وسلم: " كاسيات عاريات، مائلات مميلات، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها " وريحها يوجد من مسيرة خمس مائة عام.
كان يقال: كل من الطعام ما اشتهيت، وألبس من الثياب ما اشتهى الناس.
نظمه الشاعر، فقال:
إن العيون رمتك مذ فاجأتها ... وعليك من شهر اللباس لباس
أما الطعام فكل لنفسك ما اشتهت ... واجعل لباسك ما اشتهاه الناس
ويروى:
أما الطعام فكل لنفسك ما اشتهت ... والبس لباسا يشتهيه الناس
وقال هلال بن العلاء الرقي:
أجد الثياب إذا اكتسيت فإنها ... زين الرجال بها تهاب وتكرم

(1/185)


ودع التواضع في اللباس تحريا ... فالله يعلم ما تجن وتكتم
فدنى ثوبك لا يزيدك زلفة ... عند الإله وأنت عبد مجرم
وبهاء ثوبك لا يضرك بعد أن ... تخشى الإله، وتتقى ما يحرم
كان بكر بن عبد الله المزني، يقول: البسوا ثياب الملوك، وأميتوا قلوبكم بالخشية.
وقال الحسن: إن قوما جعلوا خشوعهم في لباسهم، وكبرهم في صدورهم، وشهروا أنفسهم بلباس هذا الصوف، حتى إن أحدهم بما يلبس من الصوف أعظم كبرا من صاحب المطرف بمطرفه.
قال الوليد بن مزيد: كان الناس عندنا يلبسون الأردية، وكان الأوزاعي يلبسها، فترك الناس لبسها ولبسوا السيجان، فرأيت الأوزاعي قد ترك لبس الأردية ولبس الساج، فقلت له: يا أبا عمرو! كنت تلبس الأردية فتركتها ولبست الساج، فما الذي دعاك إلى ذلك، فقال: يا ابن أخي! رأيت الناس يلبسون الأردية فلبستها معهم، وتركوها فتركتها معم، ولبسوا السيجان فلبست معهم، ولو عادوا إلى الأردية لعدت معهم.
قال سفيان بن حسين: قلت لإياس بن معاوية: ما المروءة؟ قال: أما في بلدك فالتقوى، وأما حيث لا تعرف فاللباس.
روى بقية عن الأوزاعي، قال: بلغني أن لباس الصوف في السفر سنة، وفي الحضر بدعة.
كان النبي صلى الله عليه وسلم، يحب من الألوان الخضرة ويكره الحمرة، ويقول: " هي زينة السلطان " .
قال مالك بن الأشتر لعلي بن أبي طالب: تمام جمال المرأة في خفها، وتمام جمال الرجل في عمامته.
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، أسامة بن زيد في بعض السرايا فعممه بيده وسدل طرف عمامته.
قيل لأعرابي: إنك لتديم لبس العمامة؟ قال: إن عضوا فيه السمع والبصر لحقيق أن يوقى من الحر والقر.
روى عن النبي عليه السلام، أنه قال: " الشعر الحسن كسوة الله، فأكرموه " .
وقال عليه السلام لأبي قتادة: " رجل جمتك وأحسن إليها وأكرمها " .
قال أبو هريرة: إذا كان في الرجل ثلاث فهو الكامل، إذا فخر في المجلس وأحسن جوابات الكتب، وأحسن كور العمامة.
روى الرياشي وأبو حاتم عن الأصمعي، قال: ألا أدلك على لباس إن لبسته كان سريا، وإن رفعته كان بهيا، وإن ذخرته كان طريا؟ قال: نعم. قال: عليك بالتقوى. قال: ألا أدلك على خليل إن صحبته صانك، وإن احتجت إليه مانك، وإن تجرت به أربحك، وإن ترحلت به حملك؟ قال: نعم. قال: عليك بالأدب. ثم قال: ألا أدلك على بستان تكون منه في أكمل روضة، وميت يخبرك عن المتقدمين، ويذكرك إذا نسيت، ويؤنسك إذا استوحشت، ويكف عنك إذا سئمت؟ قال: نعم. قال: عليك بالكتاب.
قالت ابنة العوام أخت الزبير لزوجها حكيم بن حزام - وكان كثير المال - : مالك لا تلبس لباس الناس اليوم؟ قال: وما تنكرين من لباسي، وإزاري قطري، وردائي مغافري، وقميصي سابري، وعمامتي خرقانية.
نظر بعض الأمراء إلى رجل في أطماره فازدراه، فقال له: أصلحك الله، لا تنظر إلى هيئتي، ولكن انظر إلى همتي، فأنا - والله - كما قال عبد الله بن زياد:
فإن أك قصدا في الرجال فإنني ... إذا حل امرؤ ساحتي لجسيم
وكما قال الآخر:
لا تنظرن إلى الثياب فإنني ... خلق الثياب، من المروءة كاسي
أنشد ثعلب:
وإنما الشعر عقل أنت تعرضه ... على المجالس إن كيسا وإن حمقا
وإن أشعر بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته صدقا
البس جديدك إني لابس خلقي ... ولا جديد لمن لا يلبس الخلقا
قال عبد الله بن المبارك: مخامر الرجال في اللحى والأكمام، ومخامر النساء تحت القمص.
وأنشد غير واحد للشافعي رحمه الله تعالى:
على ثياب لو تباع جميعها ... بفلس لكان الفلس منهن أكثرا
وفيهن نفس لو يقاس ببعضها ... نقوس الورى كانت أجل وأكبرا
وأخذ هذا المعنى ابن أبي الفضل البصري الشاعر يخاطب المتنبي، فقال:
لئن كان ثوبي فوق قيمته الفلس ... فلي فيه نفس دون قيمتها الإنس
فثوبك بدر تحت أنواره دجي ... وثوبي ليل تحت أطماره شمس
وسبق إلى هذا المعنى ابن هرمه، فقال:

(1/186)


قد يدرك الشرف الفتى ورداؤه ... خلق وجيب قميصه مرقوع
كان القاسم بن محمد يلبس الخز، وسالم بن عبد الله يلبس الصوف، وكانا يتجالسان في المجلس ويتحدثان الدهر، لا ينكر واحد منهما لباس صاحبه.
نظر ابن المبارك ببغداد إلى رجل عليه ثياب صوف لا تخالطها غيرها، فقال من هذا؟ فقيل له: هذا أبو العتاهية الشاعر، فكتب إليه ابن المبارك:
أيها القارئ الذي لبس الصو ... ف وأضحى يعد في العباد
الزم الثغر والتعبد فيه ... ليس بغداد موضع الزهاد
إن بغداد للملوك محل ... ومناخ للقارئ الصياد
وقال محمود الوراق:
تصوف فازدهي بالصوف جهلا ... وبعض الناس يلبسه مجانه
يريك مهانة ويجن كبرا ... وليس الكبر من شكل المهانه
تصنع كي يقال له أمين ... وما معنى التصنع للأمانه
ولم يرد الإله به ولكن ... أراد به الطريق إلى الخيانه
وقال آخر:
وثياب المرء جلوا ... ز له بين يديه
وقال آخر:
لا يعجبنك من بصون ثيابه ... حذر الغبار وعرضه مبذول
ولربما افتقر الفتى فرأيته ... دنس الثياب وعرضه مغسول
أنشدني إبراهيم بن محمد، قال: أنشدني أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي لنفسه في أبي مسلم ابن فهد الهذلي الإشبيلي، وذكر حكاية عرضت له معه:
أبا مسلم إن الفتى بجنانه ... ومقوله لا بالمراكب واللبس
وليس ثياب المرء تغنى قلامة ... إذا كان مقصورا على قصر النفس
وليس يفيد العلم والحلم والتقى ... أبا مسلم طول القعود على الكرسي
ولا تبتني العليا بكأس وقينة ... وصهباء لم تنغر بها القدر كالورس
أعيرتني أن لم أفره مطيتي ... وأن ثيابي غير بيض ولا ملس
فرب ثياب رثة حشوها فتى ... أجد ممر غير فسل ولا نكس
وآخر براق الثياب وعرضه ... من العار والتدنيس رجس على رجس
فإما تهولنك البغال فإنها ... منوعة عند اليهودي والقس
قال رجل للحسن بن أبي الحسن: يا أبا سعيد! إنا قد وسع الله علينا أفنناك من كسوة وعطر ما لو شئنا اكتفينا بدونه، فما نقول؟ قال: أيها الرجل! إن الله قد أدب أهل الإيمان فأحسن أدبهم، قال تعالى: " لينفق ذو سعة من سعته، ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله " ، وإن الله ما عذب قوما أعطاهم الدنيا فشكروه، وما عذر قوما زوى عنهم الدنيا فعصوه.
روى عن لقمان الحكيم، أنه قال: التقنع بالليل ريبة، وبالنهار مذلة. وقد روى هذا عن نبينا صلى الله عليه وسلم.
قال رجل لإبراهيم النخعي: ما ألبس من الثياب؟ فقال: مالا يشهرك عند العلماء، ولا يحقرك عند السفهاء.
باب المراكب من الخيل وغيرها
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، الأجر والمغتم " .
وقد ذكرنا في الآثار الثابتة في الخيل وفضلها، وفضل رباطها، والأجر في اكتساب ذلك، في كتاب - التمهيد - ما فيه شفاء، وإشراف على المعنى والحمد لله.
كان يقال: لا تقودوا الخيل بنواصيها فتذلوها، ولا تجزوا أعرافها فإنها أدفاؤها، ولا تجزوا أذنابها فإنها مذابها. وقد روى هذا الكلام مرفوعا.
قال عمر بن الخطاب: عليكم بإناث الخيل، فإن بطونها كنز، وظهورها حرز. وقد روى هذا مرفوعا أيضا.
قال علي بن أبي طالب: الخيل المطلب والمهرب.
قال ابن عباس رضى الله عنه:
أحبوا الخيل واصطبروا عليها ... فإن العز فيها والجمالا
إذا ما الخيل ضيعها رجال ... ربطناها فشاركت العيالا

(1/187)


نقاسمها المعيشة كل يوم ... ونكسوها البراقع والجلالا
قال الحسن البصري: الجفاء مع أذناب الإبل، والذلة مع أذناب البقر، والسكينة مع أذناب الغنم، والعز مع نواصي الخيل وقد روى بعض هذا مرفوعا. قال خالد بن صفوان: الخيل للرغبة والرهبة، والبراذين للدعة، والبغال للسفر البعيد والأثقال، والإبل للتحمل، والحمير للزينة وخفة المؤونة.
ساير شبيب بن شيبة بعض الأمراء، وهو على برذون، والأمير على فرس، فقال له الأمير: سر، فقال: كيف أسايرك وأنت على فرس، إن تركته سار، وإن حركته طار، وأنا على برذون، إن تركته وقف، وإن ضربته قطف. فأمر له بفرس فاره.
قيل لأعرابي: صف لنا فرسك. قال: سوطه عنانه، وهمه أمامه، وما ضربته قط إلا ظالما له.
بعث الحجاج بن يوسف إلى عبد الملك بفرس، وكتب إليه: قد وجهت إليك بفرس حسن المنظر، محمود المخبر، أسيل الخد، رشيق القد.
قال بعض الحكماء: أكرم الخيل أجزعها من الضرب، وأكرم الصفايا أشدها ولها إلى أولادها، وأكرم الإبل أشدها حنينا إلى أوطانها، وأكرم المهار أشدها ملازمة لأمهاتها.
للحسن بن يسار:
يا فارسا ترهب الفرسان صولته ... أما علمت بأن النفس تفترس
يا راكب الفرس السامي بغرته ... ولابس السيف يحكي لونه القبس
لا أنت تبقى على سيف ولا فرس ... وليس يبقى عليك السيف والفرس
وهو شعر جيد محكم، فيه مواعظ وحكم، وأوله:
إن الحبيب من الأحباب مختلس ... لا يمنع الموت حجاب ولا حرس
قال بعض البلغاء: البغل تواضع عن خيلاء الخيل، وارتفع عن ذلة العير، فهو وسط، وخير الأمور أوساطها.
قال ابن أبي طاهر: ما وصف برذون بأحسن من قول المسلمي من ولد مسلمة بن عبد الملك، واسمه محمد بن يزيد:
فإذا احتبى قربوسه بعنانه ... علك الشكيم إلى انصراف الزائر
باب الطعام والأكل
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعجبه الذراع.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سيد أدام الدنيا والآخرة، اللحم " .
قال سفينة: أكلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لحم حباري، وقال في الضب: " لست بآكله ولا بمحرمه " .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، فلا تأكلوا الثوم ولا البصل، ومن أراد أكلهما فليمتهما طبخا " .
والكراث والفجل في معنى الثوم والبصل.
قال عمر بن الخطاب: إياكم واللحم، فإن له ضراوة كضراوة الخمر.
إنما كره الإدمان عليه، والله أعلم، لما فيه من التنعم والتشبه بالأعاجم، ألا ترى أنه كتب إلى عماله: اخشوشنوا، وإياكم والتنعم وزي العجم.
ذكر عند بعض العرب اللحم، فقال: إنه ليقتل السباع. يريد إدخال بعضه على بعض قبل تمام الهضم - والله أعلم.
خطب عمر بن الخطاب يوما، فقال: إياكم والبطنة، فإنها مكسلة عن الصلاة، مؤذية للجسم. وعليكم بالقصد في قوتكم، فإنه أبعد من الأشر، وأصح للبدن، وأقوى على العبادة، وإن امرءا لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه.
مر علي بن أبي طالب بمجلس من مجالس الأنصار، فسلم عليهم، فقاموا له وحفوا به ورحبوا وقالوا: لو نزلت فأكلت من طعامنا، فقال لهم: إما حلفتم علينا، وإما انصرفنا.
قال علي بن أبي طالب: المعدة حوض البدن، والعروق واردة عليها وصادرة عنها، فإذا صحت صدرت العروق عنها بالصحة، وإذا سقمت صدرت العروق بالسقم.
قال بعض الأطباء: اللحم ينبت اللحم، والشحم لا ينبت اللحم ولا الشحم.
قال علي بن أبي طالب: الشحم يخرج مثله من المدا.
أتى عمر بن عبد العزيز بيته يوما، فقال: هل عندكم من طعام؟ فأصاب تمرا وشرب من ماء، وقال: من أدخله بطنه النار فأبعده الله.
قيل للشعبي: أي الطعام أحب إليك؟ قال: ما صنعه النساء، وقل فيه العناء.
قال سلمان: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا نجد في التوراة أو قال في الإنجيل: البركة في الطعام غسل اليد قبله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " البركة في الطعام غسل اليد قبله وبعده " .

(1/188)


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن للطعام حقا. قيل: وما حقه يا رسول الله؟ قال: ذكر الله في أوله وحمده في آخره " .
ومن حديث على بن ثابت، عن حمزة بن أبي حمزة، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من نسى أن يسم الله على طعامه، فليقرأ: قل هو الله أحد " .
نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأكل بالشمال، والشرب بالشمال، وعن الاستنجاء باليمين.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لربيبه عمر بن أبي سلمة: يا بني: " قل بسم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك " .
كان علي بن أبي طالب إذا دعى إلى طعام أكل شيئا قبل أن يأتيه، ويقول: قبيح بالرجل أن يظهر نهمته في طعام غيره.
وقال رحمه الله: من أراد البقاء - ولا بقاء - فليباكر الغداء، وليخفف الرداء، وليقل غشيان النساء.
قال منصور الفقيه:
قارب فديتك إن أكل ... ت وإن شربت وإن غشيتا
وأنا الكفيل لك الحيا ... ة بأن تعافى ما حييتا
قال قيس بن أبي حازم: نزل بي أعرابي من أحمس، فلم آله تكرمة، فقال لي: أكل الحي يجد مثل هذا الذي أرى عندك؟ فقلت: إن أخبثهم عيشا يشبع من الخبز والتمر، فقال: أقسم بالله لئن كنت صادقا ليوشكن أن يقتتلوا، فإن العرب - والله - ما زالت إذا شعبت اقتتلت. قال قيس: فلم ألبث إلا أربعة أشهر حتى قتل عثمان، ثم كانت وقعة الجمل، ثم وقعة صفين والنهروان.
قال الشعبي: الناس في جنة الله تعالى ستة أشهر - يعني أيام الرطب.
ذكر أبو الحسن بن مقسم، قال: سمعت محمد بن مسلم الزجاج جارنا، قال: سمعت عباس الدوري، يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: لا يمل الباذنجان عاقل.
وسمعت القاضي أبا عمرو، يقول: لو علم الثور الذي يحمل الباذنجان أنه عليه، تاه على الثيران.
قلت: هذا لمن استطابه، وعذب عنده، وأما من جهة الطب، فذمه عندهم أكثر من مدحه.
قال طريح بن إسماعيل الثقفي:
دع بعض أكلك رب آكل أكلة ... يوما سيلفظها إذا هو لاكها
ولبعض المتأخرين في رجل مات من أكلة أكلها في شعر له فيه:
يا من جنت كفه على جسده ... يرحمك الله يا قتيل يده
قال الفضيل بن عياض: خصلتان يقسيان القلب: كثرة الكلام، وكثرة الأكل.
قال حميد الأرقط:
أتانا ولم يعدله سحبان وائل ... بيانا وعلما بالذي هو قائل
فما زال عنه اللقم حتى كأنه ... من العي لما أن تكلم باقل
دعا عبد الملك بن مروان رجلا إلى غدائه، فقال له قد تغديت. قال عبد الملك: ما أقبح بالرجل أن يأكل حتى لا تكون فيه بقية للطعام! فقال: يا أمير المؤمنين! بي فضل، ولكنى كرهت أن آكل فأصير إلى ما استقبح أمير المؤمنين.
قال إبراهيم النخعي: ما رأيت راكبا أحسن من زبد على تمر.
قال الشاعر:
ألم تر أن الزبد بالتمر طيب ... وأن الحباري خالة الكروان
قال عمر بن بحر: العامة لاتشك بأن الكروان ابن الحباري.
وقال آخر:
ننافس في طيب الطعام وكله ... سواء إذا ما جاوز اللهوات
دعا الحجاج رجلا إلى غدائه، فقال: قد تغديت. قال: إنك لتباكر الغداء قال: لخلال ثلاث: إن ناجيت رجلا لم يجد في خلوفا، وإن شربت ماء شربته على ثقل، وإن حضرت قوما على طعام حضرتهم ومعي بقية من غرض. فعجب منه.
قال سليمان بن عبد الملك لسالم بن عبد الله، وقد رآه حسن السحنة: أي شيء تأكل؟ قال: الخبر والزيت، وإذا وجدت اللحم أكلته. قال له: وتشتهيه؟ قال: إذا لم أشتهه تركته حتى أشتهيه.
قيل لأعرابي: أتحسن تأكل الرأس؟ قال: نعم. فقيل له: كيف تأكله؟ فقال: أبخص عينيه، وأسحي خديه، وأفك لحييه، وأعفص أذنيه، وأرمى بالدماغ إلى من هو أحق به مني.
قيل لبعض العقلاء: أي الطعام أطيب؟ قال: الجوع أعلم.
كان يقال: نعم الإمام الجوع، ما ألقيت إليه شيئا إلا قبله وطاب عنده.
روى معن بن عيسى، عن مالك بن أنس، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، قال: الخبيص يزيد في الدماغ.
وروى عن جعفر بن محمد رحمه الله، أنه قال: الخلال بعد الطعام يشد اللثات، ويجلب الرزق، ويطيب نكهة الفم.

(1/189)


دخل جنادة بن أبي أمية على معاوية، وهو يأكل، فدعاه إلى الأكل، فقال: أنا صائم، قلم تزل الألوان تختلف بين يدي معاوية حتى جئ بجدي محنوذ سمين، فقال جنادة: ليأمر لي أمير المؤمنين بماء أغسل يدي وآكل من هذا الجدي. فقال له: ألم تقل إنك صائم؟ قال: بلى. ولكنى على رد يوم أقدر منى على رد مثل هذا الجدي. فضحك معاوية وأمر بالماء، فغسل يده وأكل معه.
قال الحسن البصري: غسل اليد قبل الطعام ينفي الفقر. وبعد الطعام ينفي اللحم.
كان يقال: أحب الطعام إلى الله عز وجل ما كثرت عليه الأيدي.
قال أبو بكر الهذلي: إذا جمع الطعام أربعا كمل، إذا كان حلالا، واجتمعت عليه الأيدي، وسمى الله في أوله، وحمد في آخره.
كان يحيى بن معين يتمثل:
المال ينفد حله وحرامه ... يوما وتبقى في غد آثامه
ليس التقى بمتق في دينه ... حتى يطيب شرابه وطعامه
قال لقمان لابنه: يا بني! لا تأكل شيئا على شبع، فإنك إن تركته للكلب خير لك من أن تأكله.
كان الحسن بن علي رضى الله عنه، يقول: ائتونا بالخوان نأتنس به حتى يأتي الطعام.
كان لكسرى جام فيه حب رمان يسف منه بين كل لونين ملعقة ليعرف اختلاف الألوان.
روى عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رجل من أهل الشام: أنعت لكم الأكل؟ قالوا: نعم. قال: إذا أكلت فابرك على ركبتيك. وافتح فاك، وأحدج عينيك، وفرج أصابعك، وعظم لقمتك، واحتسب نفسك. قال عبد الله بن دينار: ما سمعت عبد الله بن عمر يحدث بهذا الحديث قط، فبلغ قوله: واحتسب نفسك، إلا ضحك حتى بدت نواجذه.
قال أبو الهندي، وهو من ولد شبث بن ربعي:
أكلت الضباب فما عفتها ... وإني لأهوى قديد الغنم
وركبت زبدا على تمرة ... فنعم الطعام ونعم الأدم
وما في البيوض كبيض الدجاج ... وبيض الجراد شفاء القرم
ومكن الضباب طعام العريب ... ولا تشتهيه نفوس العجم
قال عمرو بن بحر: الجراد المأكول منه، ضروب: منه الأهوازي، وفيه المذنب، وأطيبه الأعرابي، وأهل خراسان لا يأكلونه. قال: والجراد الأعرابي لا يتقدمه في الطيب شيء، وما أحصى كم سمعت من الأعراب من يقول: ما شبعت منه قط، وما أدعه إلا خوفا من عاقبته، أو لأني أعيا فأترك. قال: والجراد يطيب حارا وباردا ومشويا ومطبوخا، منظوما في الخيط، أو مجعولا في المسلة. قال: والبيض المقدم في الطيب ثلاثة أجناس: بيض الأشبور، وبيض الدجاج، وبيض الجراد. - وبيض الجراد - فوق بيض الأشبور في الطيب؛ وبيض الأشبور فوق بيض الدجاج. قال: والجرد يؤكل يابسا وغير يابس، ويجعل إداما ونقلا. قال: وذكرت امرأة الجراد، فقالت لها أخرى: كيف حبك فيه؟ قالت: والله إنه لأحب إلى من الحبل.
كان بشر بن المعتمر، خاصا بالفضل بن يحيى، فقدم عليه رجل من مواليه - وهو أحد بني هلال - فجاء به يوما إلى الفضل ليكرمه بذلك، وحضرت المائدة، وذكر الضب ومن يأكله، فأفرط الفضل في ذمه وتابعه القوم، ونظر الهلالي فلم ير على المائدة عربيا غيره، وغاظه كلامه، فلم يلبث أن أتى الفضل بصفحة ملأى من فراخ الزنابير ليتخذ له منها بزماورد، والدبر والنحل عند العرب أجناس من الذبان، فلم يشك الهلالي أن الذي رأى من ذبان البيوت والخشوش، وكان الفضل حين ولي خراسان، قد استطرف بها بزماورد الزنابير، فلما قدم العراق كان يتشهاها، فتطلب له وتساق من كل مكان، فشمت به وأصحابه لما رأى من ذلك، وخرج وهو يقول:
وعلج يعاف الضب لؤما وبطنة ... وبعض إدام العلج هام ذباب
ولو أن ملكا في الوري ناك أمه ... لقالوا له: أوتيت فصل خطاب
قال الحسن بن هانئ:
إذا ما تميمي أتاك مفاخرا ... فقل: عد عن ذا، كيف أكلك للضب
تفاخر أبناء الملوك سفاهة ... وبولك يجري فوق ساقك والكعب
وقال ابن المعتز:
رأيت بيوتا زينت بنمارق ... وزين ما فيهن بالوشي والطرز

(1/190)


فلم أر ديباجا ولم أر سندسا ... بأحسن في بيت الكريم من الخبز
وقال آخر:
فكم من أكلة منعت أخاها ... بلذة ساعة أكلات دهر
وكم من طالب يسعى لشيء ... وفيه هلاكه لو كان يدري
قال المأمون: سبعة أشياء لا تمل، أكل خبز البر، وشرب ماء العنب، وأكل لحم الضان، والثوب اللين، والرائحة الطيبة، والفراش الوطئ، والنظر إلى كل شيء حسن. فقال له الحسن ابن سهل: أين محادثة الإخوان يا أمير المؤمنين؟ قال: هن ثمان وهي أولهن.
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من يرويه عن علي، أنه قال: لا يقام عن الطعام حتى يرفع.
قال ابن عباس: من السنة إذا دعوت أحدا إلى منزلك أن تخرج معه حتى يخرج.
روى جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، أنه قال: رب البيت آخر من يغسل يديه.
وقال أبو الزناد: من إكرام الضيف وحسن الأدب في مؤاكلته، أن تغسل يديك قبله أولا، وبعده آخرا.
لعبد الله بن المبارك، وتمثل بها المأمون:
احضر طعامك وابذله لمن أكلا ... واحلف على من أبى، واشكر لمن فعلا
ولا تكن سابري العرض محتشما ... من القليل، فلست الدهر محتفلا
وقال آخر في ذم الشراب:
لا تفتكن على الكؤوس بشربها ... فهي التي بك عن قليل تفتك
يكفيك منها أن عقلك تارة ... يبكي عليك، وأن جهلك يضحك
وقال آخر:
وإني لأستحيي أكيلي أن يرى ... مكان يدي من جانب الزاد أقرعا
أبيت هضم الكشح مضطمر الحشا ... من الجوع أحشى الذم أن أتضلعا
وإنك إن أعطيت بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا
وقال كعب بن سعد الغنوي:
وزاد رفعت الكف عنه تجملا ... لأوثر في زادي على أكيلي
وما أنا للقول الذي ليس نافعي ... ويغضب منه صاحبي بقؤول
باب النوم وتصرف المعاني فيه
روى أن المسيح عليه السلام قال: خلقان أكرههما، النوم من غير سهر، والضحك من غير عجب، والثالثة وهي العظمى: إعجاب الرجل بعلمه.
قال داود لابنه سليمان عليهما السلام: إياك وكثرة النوم، فإنه يفقرك إذا احتاج الناس إلى أعمالهم.
قال لقمان لابنه: يا بني! إياك وكثرة النوم والكسل والضجر، فإنك إذا كسلت لم تؤد حقا، وإذا ضجرت لم تصبر على حق.
كتب عمر بن الخطاب إلى بعض عماله: بلغني أنك لا تقيل، وإن الشياطين لا تقيل.
قال علي: من الجهل النوم في أول النهار من غير سهر، والضحك من غير عجب، والقائلة تزيد في العقل.
قال عبد الله بن مسعود: النوم - عند الموعظة من الشيطان - .
قال عبد الله بن عمرو بن العاص: النوم على ثلاثة أوجه، نوم خرق، ونوم خلق، ونوم حمق. فأما النوم الخرق، فنومة الضحى، يقضى الناس حوائجهم وهو نائم، وأما نوم الخلق، فنوم القائلة نصف النهار، وأما نوم الحمق، فالنوم حين تحضر الصلوات.
قال غيره: نوم أول النهار خرق، ونوم القائلة خلق، ونوم العشى حمق، والنوم بين العشاءين يحرم الرزق.
قيل لأعرابي: ما يدعوك إلى نومه الضحى؟ قال: مبردة في الصيف، مسخنة في الشتاء.
قال بعض العلماء: النعاس يذهب العقل، والنوم يزيد فيه.
قال عبد الله بن شبرمة: نوم نصف النهار يعدل شربة دواء، يعني في الصيف.
قال عباس بن الأحنف:
قالوا: تنام، فقلت: الشوق يمنعني ... من أن أنام وعيني حشوها السهد
أبكي الذين أذاقوني مودتهم ... حتى إذا أيقظوني للهوى رقدوا
هم قد دعوني فلما قمت مقتضيا ... للجب نحوهم من قربهم، بعدوا
لأخرجن من الدنيا وحبهم ... بين الجوانح لم يشعر به أحد
كان يقال: لإبليس لعوق وكحل وسعوط، فلعوقه الكذب، وكحله النعاس عند سماع الخير، وسعوطه الكبر.
قال علي بن الجهم، يهجو قوما:
أكثر ما يعرفه القوم ... الأكل والراحة والنوم

(1/191)


نوكي مياسير إذا عدت ال ... أيام لم يعرف لهم يوم
وقال آخر:
عجبت لطرفي والكرى إذ تنافرا ... وقد كان قبل اليوم بينهما وصل
كأن البكا أغراهما بتفرق ... فلم يجتمع من بعده لهما شمل
أنشد ابن دريد:
ولذ كطعم الصرخدي تركته ... بأرض العدا من خشية الحدثان
ومبد لي الشحناء بيني وبينه ... دعوت وقد طال السري فدعاني
وفسر اللذ فقال: اللذ: اللذيذ، وأراد به هنا النوم. والصرخدي: الخمر، وقيل العسل.
وللفرزدق، أو غيره:
يقولون طال الليل والليل لم يطل ... ولكن من يبك من الشوق يسهر
وقال بشار:
لم يطل ليلى ولكن لم أنم ... ونفى عني الكرى طيف ألم
قال أبو ملجم الأعرابي:
أبيت أراعي النجم حتى كأنني ... بناصيتي حبل إلى النجم موثق
وما طال ليلى غير أني أحبها ... أعلل نفسي بالأماني فتعلق
وقال علي بن بسام:
لا أظلم الليل ولا أدعي ... أن نجوم السماء ليست تغور
ليلى كما شاءت فإن لم تزر ... طال، وإن زارت فليلى قصير
قال عدي بن الرقاع:
وكأن ليلى حين تغرب شمسه ... بسواد آخر مثله موصول
لأبي جندب الهذلي، فيما ذكر المدائني:
تعالوا أعينوني على الليل إنه ... على كل عين لا تنام طويل
قال المدائني، وهو القائل أيضا:
ألا أيها النوام ويحكم هبوا ... أسائلكم هل يقتل الرجل الحب
قال: وهو القائل:
قل للمليحة في الخمار الأسود
وذكر الأبيات، وليس هذا موضعها، وغير المدائني ينشد قوله: ألا أيها النوام... لجميل بن معمر، وينشد: قل للمليحة في الخمار الأسود...للدارمي.
قال صالح بن حسان يوما لجلسائه: أيكم ينشد بيتا نصفه لمخنث يتفكك بالعقيق، ونصفه لأعرابي في شملة بالبادية؟ قالوا: ما نعرفه. قال: هو قول ابن معمر:
ألا أيها الركب النيام ألا هبوا ... أسائلكم هل يقتل الرجل الحب؟
ولعباس بن الأحنف:
أيها النائمون حولي أعينو ... ني على الليل حسبة وائتجارا
حدثوني عن النهار حديثا ... أوصفوه فقد نسيت النهارا
وقال خالد الكاتب:
رقدت ولم ترث للساهر ... وليل المحب بلا آخر
ولم تدر بعد ذهاب الرقاد ... ما فعل الدمع بالناظر
وقال سعيد بن حميد:
يا ليل بل يا أبد ... أنائم عنك غد
يا ليل لو تلقى الذي ... ألقى بها أو تجد
قصر من طولك أو ... ضعف منك الجلد
ولبعض أهل عصرنا:
إلفي قريب وأنسي ما يتم به ... والليل يقطع صبري كله طولا
إذا كواكبه الأخرى أردت بها ... من غمتي فرجا عادت لي الأولى
وللمنتصر بالله:
رأيتك في المنام أقل بخلا ... وأطوع منك في غير المنام
فليت الصبح زال فلا تراه ... وليت الليل أخر ألف عام
فلو أن النعاس يباع بيعا ... لأغليت النعاس على النيام
باب الحمام
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنكم ستفتحون الشام، فتجدون فيها بيوتا تدعى الحمامات، فلا يدخلها من النساء إلا مريضة أو نفساء، ولا يحل دخولها لرجل إلا بمئزر " .
قال أبو هريرة: بئس البيت الحمام، يكشف العورة، ويذهب الحياء.
قال أبو الدرداء: نعم البيت الحمام، يذهب الدرن، ويذكر النار.

(1/192)


قال ابن القاسم: سئل مالك عن القراءة في الحمام. فقال: القراءة بكل مكان حسنة، وليس الحمام بموضع قراءة، فمن قرأ الآية والآيتين فليس بذلك بأس، وليس الحمام من بيوت الناس الأول.
كان الحسن إذا دخل الحمام أغمض مخافة أن تقع عينه على عورة أحد، وربما قادة غلامه.
ودخل أبو حنيفة الحمام فرأى فيه قوما لا مآزر لهم ، فأغلق عينيه، وجعل يتهدي بيديه. فقال له أحدهم: متى ذهب بصرك يا أبا حنيفة؟ قال: منذ انكشفت عورتكم.
كان يقال: إذا جمع الحمام خمس خصال فقد كمل: أن يكون قديم البناء، عذب الماء، كثير الضياء، مرتفع الهواء، وأفضل ذلك كله: أن يكون الحوض نقيا معتدل الحر.
قال أصبغ: سألت ابن القاسم عن دخول الحمام، فقال: ما أن وجدته خاليا، أو كنت تدخل مع قوم يستترون ويتحفظون فلا أرى بذلك بأسا، وإن كان يدخله من لا يبالي ولا يتحفظ لم أر أن تدخله، وإن كنت متحفظا.
قال أصبغ: وأدركت ابن وهب يدخله مع العامة متحفظا، ثم ترك ذلك، وكان لا يدخله إلا مختليا.
قال شمس المعالي:
أنت في الحمام موقو ... ف على قلبي وسمعي
فتأملها تجدها ... كونت من بعض طبعي
حرها من حر أنفا ... سي وفيض الماء دمعي
ودخل أعرابي البصرة، قدمها من البادية فنزل على قريب له، فلما رآه أشعث الرأس عزم عليه في دخول الحمام، وقال له: إنه يوم جمعة تطهر في الحمام وتنظف، فلما دخل الأعرابي الحمام، زلقت رجله وسقط، فأصابته شجة فوق حاجبه، فخرج وهو يقول:
وقالوا: تطهر إنه يوم جمعة ... فأبت من الحمام غير مطهر
تزودت منه شجة فوق حاجبي ... بغير جهاد بئس ما كان متجري
تقول لي الأعراب لما رأونني ... به لا تلبث، بالصريمة أعقر
فما تعرف الأعراب في السوق مشية ... فكيف ببيت ذي رخام ومرمر
باب في البراغيث والبق والبعوض
في الحديث المرفوع: لا تلعنوا البرغوث فإنه نبه نبيا من الأنبياء لصلاة الصبح، حديث ليس بقوي الإسناد.انفرد به سويد أبو حاتم، يباع الطعام عن قتادة، عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال أعرابي بالبصرة:
ظللت بالبصرة في مراش
وفي براغيث أذاها فاشي
من نافر منها وذي خراش
يرفع جنبي عن الفراش
فأنا في حرب وفي تخراش
يترك في جنبي كالحواشي
وزوجة دائمة الهراش
تغلي كغلي المرجل النشناش
وقال رجل من بني حمان، وقع في جند الشام، مندوبا في بعض حصون الساحل:
أأنصر أهل الشام ممن يكيدهم ... وأهلي بنجد ذات حرص على النصر
براغيث تؤذيني إذا الناس نوموا ... وبق أقاسيه على ساحل البحر
تضيف عمرو بن سعيد بن العاص الأموي، رجلا من الأعراب كان يأتيه يتصيد عنده، ففرش له في بيت خال من ناحية داره، فبات فيه، ثم غدا عليه فقال: يا أبا عثمان! ماذا رأيت هذه الليلة! قال: وما ذاك؟ قال: سود حدب زرق آذينني، وقد قلت فيهن شعرا، قال: وما هو؟ قال: قلت:
الليل نصفان نصف للهموم فما ... أقضى رقادا ونصف للبراغيث
أبيت حيث تساميني أوائلها ... أنزو وأخلط تسبيحا بتغويث
سود مداليج في الظلماء مؤذية ... وليس ملتمس منها بمشبوث
كأنهن وجلدي إذ خلون به ... أيتام سوء أغاروا في مواريث
ليل البراغيث أنكاني وأرقني ... لا بارك الله في ليل البراغيث
قال أعرابي:
إن البراغيث لهن عض ... وحكة وألم ممض
كأنما تنبتهن الأرض
وذكرت البراغيث عند أعرابي من قيس، فقال: ليلها ناصب ومددها دائب.
وذكرت البراغيث عند رجل من كلب، فقال: أخزاها الله، ما أدنأ صغارها، وما أشر كبارها، وأخفى أنظارها، وأقبح آثارها.
قال أحمد بن إسحاق:
ما للبراغيث أفنى الله جملتها ... حتى يقوم برغوث بدينار

(1/193)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية