صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : النقد الأدبي ومدارسه الحديثة
المؤلف : ستانلي هايمن
ترجمة : إحسان عباس
الطبعة : 1
الناشر : دار الثقافة - بيروت - لبنان
الجزء : 1 ، 1958 م
الجزء : 2 ، 1960 م
نشر بالاشتراك مع مؤسسة فرنكلين المساهمة للطباعة والنشر بيروت - القاهرة - نيويورك 1958
مصدر الكتاب : الوراق

[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

الفصل التاسع
وليم إمبسون
والنقد النوعي
أن أبسط طريقة يعرف بها التدرج الذي جرى فيه نقد إمبسون هي أن يقال فيه: أنه انتقل من عناية أولية بما يسميه جون كرو رانسوم " نسيج " إلى عناية أولية بما يسميه رانسوم نفسه " بناء " . ووضع القضية بهذا الشكل قد لا يوافق رانسوم الذي كان اتهامه الرئيسي لإمبسون عندما عالج آثاره في كتابه " النقد الجديد " هو إن إمبسون مغرق في عنايته بالنسيج، غير إن رانسوم لم يتحدث إلا عن كتاب واحد لإمبسون هو " سبعة نماذج من الغموض " بينما تم انتقال إمبسون الذي نشير إليه في كتابه الثاني " بعض صور من الأدب الرعوي " ، وبهذا الكتاب الجديد انتقل إمبسون إلى حومة " البناء " وتغلغل في مشتملات مصطلح " رعوي " . ومع إن هذا الكتاب أقل راوء وإسهابا في نواحي الغموض وتفرعات المعاني من كتابه الأول، فإني أود أن أفرده، على الأقل للغاية التي يعقد لأجلها هذا الفصل، وأعتبره أكبر إسهام قدمه في النقد الحديث.
إن ظهور كتاب " سبعة نماذج من الغموض " عام 1930 لشاب في

(2/54)


عقده الثالث لم يسمع به أحد، كان حدثا نقديا كبيرا، برغم قلة النسخ التي طبعت منه. فقد تجرأ الكتاب على معالجة ما كان دائما يعد نقيصة في الشعر، أي عدم الدقة في المعنى، وعده فضيلة الشعر الكبرى، وأعلن إن الغموض قد يقع في سبعة أصناف، ومضى يصنفها (مع إن عنوانه يشمل صنفا ثامنا ساخرا، وطريقة تصنيفه توحي بأنواع أخرى لا حصر لها). وأنكى من ذلك كله إنه درس الشعر بطريقة لم ينتهجها شخص من قبل. حقا إن إمبسون حينما افترض إن الغموض هو لب الشعر لم يكن يقرر مبدأ جديدا. فمنذ القرن الثالث أو الرابع قبل الميلاد كتب ديمتريوس الذي لا نعرف عنه شيئا يقول في كتابه " في الأسلوب " On Style: " مثلما تجمع الوحوش أطرافها حين تريد أن تنقض، فعلى اللغة كذلك أن تستجمع نفسها، كما لو كانت حضبا منطويا، لتذخر في ذاتها قوة " . وليست هناك مسافة بعيدة بين " اللغة المستجمعة " في رأي ديمتريوس وبين قول إمبسون " أي ارتباط بين العلة والنتيجة، مهما يكن ضئيلا، يضفي ظلا على التعبير المباشر " ، ويعود ما بين القولين من فرق إلى تصميم إمبسون على أن يستكشف أنواع هذا " الاستجماع " الملتف وضروبه، فهو يقول:
إذن فقد يكون للكلمة الواحدة عديد من المعاني المتمايزة، وعديد من المعاني المرتبط أحدهما بالآخر، وعديد من المعاني التي يحتاج واحدها إلى الآخر ليكمله، أو عديد من المعاني تتحد معا حتى إن الكلمة تعني علاقة واحدة أو سياقا واحدا؛ وهذا مساق يستمر مطردا. " فالغموض " معناه إنك لا تحسم حسما فيما تعنيه، أو تقصد إلى أن تعني أشياء عديدة، وفيه احتمال إنك تعني واحدا أو آخر من شيئين، أو تعني كليهما معا وإن الحقيقة الواحدة ذات معاني عدة.

(2/55)


فالغموض عند إمبسون نوع من " السخرية المسرحية " يحيط في أحد طرفيه بكل ما في المأساة من كمال، ويدل في الطرف الثاني على نقص الصنعة الروائية الرديئة. وهو يقر بأن " هذه الأساليب قد تستعمل لاتهام الشاعر بأنه يحمل آراء مختلطة، لا لمدح التركيب في نظام فكره " ثم يعلن عن المعيار الذي يصلح للتمييز بين أنواع الغموض الجيدة والرديئة فيقول:
يكون الغموض محترما ما دام يسند تعقيد الفكر أو لطافته أو اكتنازه، أو ما دام ندحة يستغلها الأديب ليقول بسرعة ما قد فهمه القارئ. ثم هو لا يستحق الاحترام إن كان وليد ضعف أو ضحالة في الفكر ويبهم الأمر دون داع؟ أو عندما لا تتوقف قيمة العبارة على ذلك الغموض بل يكون مجرد وسيلة لتوجيه المادة وتصريفها وذلك إن كان القارئ لا يفهم الأفكار التي اختلطت، وأنطبع لديه شيء من عدم الاتساق.
وعلى رغم ذلك يرى إمبسون إن الغموض يحتشد على وجه التدقيق في مراكز أعظم التأثير الشعري، ويولد صفة يسميها هو " التوتر " وقد نسميها الهزة الشعرية نفسها، يقول:
أكثر أنواع الغموض التي وقفت عندها هنا تبدو لي جميلة. وأعتقد إني بالكشف عن طبيعة الغموض قد كشفت بالأمثلة المضروبة عن طبيعة القوى التي هي كفاء بأن تربط جوانبه وتضم عناصره، وأحب أن أقول هنا - من ثم - إن مثل هذه القوى المتصورة تصورا مبهما ضرورية لقيام الكيان الكلي للقصيدة، وإنها لا يمكن أن تفسر عند الحديث عن الغموض بأنها مكملة له. غير أن الحديث عن الغموض

(2/56)


قد يوضح شيئا كثيرا عنها، وأقول بخاصة أنه إن كان هناك تضاد فإنه يستتبع توترا وكلما زاد التضاد كبر التوتر، فإن لم يكن ثمة تضاد فلا بد من طريقة أخرى تنقل التوتر وتكفل وجوده.
فليس الغموض، إذن - مرضيا بذاته، ولا هو تفننا يطلب لذاته، بل لابد له من أن ينشأ في كل حال من وقائع الأحوال الخاصة، وأن يجد ما يبرر وجوده من تلك الوقائع أيضا. فهو على هذا شيء قد يبرر وجوده أهم المواقف وأكثرها إمتاعا.
أما " النماذج السبعة " نفسها فإنها - على تفاوتها - تحكمية محض. يقول إمبسون: " إن هذه النماذج السبعة التي اقترحها، لا تعد في نظري هيكلا مناسبا فحسب، بل إني أهدف بها إلى أن أصور مراحل من الفوضى الراقية المنطقية " . غير أنها لم تتجه فحسب من البساطة إلى التركيب بل من خصب شعري قليل إلى خصب وافر - وهذا شيء لم يعلق عليه إمبسون أبدا - . وتلك النماذج لا معنى لها حين تقف بمعزل عن القرينة، ولا يدرجها إمبسون في ثبت واحد ولكني في سبيل أن أعطي فكرة عن السياق، سأحاول أن أنتزعها من قرائنها، وأورد تعريفات إمبسون وحدها " هنالك سرد لها مختلف بعض الشيء عما هو هنا، موجود في كتاب " النقد الجديد " : 119، 120 لكرو رانسوم " ، وهذه هي النماذج السبعة:
1 - حين تكون الكلمة أو التركيب أو المبنى النحوي مؤثرا من عدة أوجه دفعة واحدة مع أنه لا يعطيه إلا حقيقة واحدة.
2 - حين يجمع معنيان أو أكثر إلى المعنى الواحد الذي عناه المؤلف.
3 - حين يستطاع تقديم فكرتين في كلمة واحدة وفي وقت

(2/57)


معا ولا يربط بين الفكرتين إلا كونهما متناسبتين في النص.
4 - حين لا يتفق معنيان أو أكثر لعبارة واحدة ولكنهما يجتمعان ليكونا حالة عقلية أكثر تعقيدا عند المؤلف.
5 - حين يستكشف المؤلف فكرته أثناء الكتابة أو لا يستطيع أن يحيط بها في فكره دفعة واحدة، حتى أنه قد يكون هناك - مثلا - تشبيه لا ينطبق على شيء ما تمام الانطباق، ولكنه يقع في موقف وسط بين شيئين عندما ينتقل المؤلف من أحد الشيئين إلى الآخر.
6 - حين لا تفيد العبارة شيئا أما للتكرار أو للتضاد أو لعدم تناسب العبارات، فيضطر القارئ أن يخترع عبارات من عنده وهي قابلة أيضا للتضارب فيما بينها.
7 - حين يكون معنيا للكلمة، أي قيمتا الغموض، وهما المعنيين المتضادين اللذين تحددهما القرينة فتكون النتيجة الكلية هي أن يكشف عن انقسام أساسي في عقل الكاتب.
وإمبسون مدين لرتشاردز أستاذه في كامبردج بفرضين أساسيين يقومان من وراء كتابه " سبعة نماذج من الغموض " . وأولهما أن الشعر في أساسه - أن لم يكن فيه كليا - معان تنقل، والثاني أن معانيه معرضة للتحليل، شأنها في ذلك شأن أي مظهر آخر من مظاهر التجربة الإنسانية أو كما يقول إمبسون: " أن الأسباب التي تجعل بيت الشعر يعطي متعة فيما أعتقد، هي نفس الأسباب القائمة في أي شيء آخر، وأن المرء ليستطيع تقليب تلك الأسباب وإعمال فكره فيها " . (وهذا بالطبع في جوهره تعبير عن مبدأ دنيوي في " الاستمرار " ). وإذا كان رتشاردز يقف وراء الفرضين الكبيرين في ذلك الكتاب، فإن التطبيق كله فيه يتجه إلى شيكسبير، ذلك لأن هذا الأديب أعلى من تمرس بالغموض، لا لأن

(2/58)


أفكاره مضطربة ونصوص رواياته مختلطة - كما يعتقد بعض الدارسين - بل لأن فكره وفنه يتميزان بالقوة والتركيب، فيقرأ إمبسون سطرا لشيكسبير قراءة حرفية تماما بعرضه على كل مستند ممكن قائم وراء كل سطر آخر خطه، ملاحظا " كمية العمل الذي قد يؤديه قارئ شيكسبير من أجله، وكيف إن سائر آثاره قد تعين القارئ على أن يستخرج أفانين من أي جزء فيها " . وهو أيضا في الوقت نفسه يقرأ السطر مستعينا بمجموعة ضخمة من الإشارات الأدبية والأخبار التاريخية والبيوغرافية المختزنة في عقله. وهذا مثل نموذجي يكثر اقتباسه يفسر نوع المجاز في بيت من سوناتة جاء فيه: " مرابع الترتيل العارية المهدمة، حيث كانت تغني العصافير العذبة حتى وقت متأخر " فيقول امبسون في تعليقه:
أن المقارنة رصينة صحيحة، لان أمكنة الترتيل المهدمة في الدير هي الأمكنة المخصصة للغناء، لأنها تحوي مقاعد يجلس فيها المرتلون صفوفا ولأنها مصنوعة من خشب، وهي محفورة في عقد متداخلة وما أشبه، وقد كانت تحاط بمبنى ساتر مشكل في شكل غابة، ويلون بزجاج ملون، ورسوم كالازاهير والأوراق، ثم هي الآن قد هجرها الجميع، إلا الجدران الداكنة الملونة بلون الجو الشتائي، ثم لأن السحر الفاتر النرجسي الذي يوحي به الغلمان المرتلون يتناسب وشعور شيكسبير نحو الموضوعات التي تتناولها اغانيه، زد على ذلك أسبابا اجتماعية وتاريخية ( " أواه لقد نسي الحصان، لعبتنا المفضلة " وقطع البيورتانيون الأعمدة المكللة بالزهور التي تنصب في أول أيار)؛ من الصعب أن نتتبعها اليوم، ونتحقق من مقاديرها. فهذه الاسباب، وأسابا أخرى تربط هذا التشبيه بموضعه من السوناتة، لابد لها من ان تتضافر

(2/59)


لتمنح البيت جماله. وهناك نوع من الغموض فيه، لانا لا نعرف أي هذه الأسباب يجب ان يعلق بالذهن قبل غيره.
لقد وقفنا من قبل عند العلاقة بين طريقة إمبسون والدراسة الشيكسبيرية التقليدية (في الفصل الخاص بكارولاين سبيرجن) ولكن تجليتها في هذا المقام تتسق وهذا الفصل: ففي شرحه للنوع الثاني من الغموض أي وجود معنيين يقصدهما المؤلف (أي ما يسمى التورية المقصودة) يعترف فجأة انه استمد أكثر قراءته المعتقدة - الامبسونية على وجه الخصوص - لنصوص شيكسبير، في ذلك الفصل، من نسخة آردن، فهي القراءات التقليدية التي قال بها الدارسون، وقد استخرجها بطريقة غريبة فحيث يقول الدارس " إما هذا؟ أو " محاولا أن يضع أخرى لدارس آخر إلى جنب قراءته، يجيء امبسون فيقول " كلا هذين؟ و " أي يجد كلا المعنيين أو كل المعاني المتجادل حولها مشمولة بحق في النص. أما الكلمات الشيكسبيرية الغريبة التي قال الدارسون إنها تحريفات مطبعية لا بد لها من تصويب، فإن لامبسون حولها ثلاثة فروض، الأول: أن شيكسبير صحح مخطوطاته وراجعها (على رغم انف كل من همنج وكوندل) فانبهمت قراءتها على الطابع؛ والثاني: انه عمدا كتب كلمة لا معنى لها تقع بين كلمات عديدة لها معانيها، مثلما يفعل جويس في " يقظة فينيغان " ليبعث القارئ على التفكير في الكلمات جميعا. والثالث: أنه أبدا لم يمح ولم يرمج على شيء كتبه، فكان يضع الكلمة المقاربة بدلا من ان يتوقف فيتبدد فكره، مؤملا أن يعثر على الكلمة الملائمة ذات يوم.
ويزعم امبسون أن دراسي شيكسبير، على خلاف هذه الفروض وعلى خلاف لأي " فكرة عن كيف كان يكون ذلك العقل الفذ أثناء العمل " يرفضون كل ما ليس بواضح، ويدعون انه خطأ مطبعي. ومن ثم يحيلون كثرة المعنى عنده والغموض فيه، إلى معنى واحد بسيط

(2/60)


ويتضاءل بذلك شيكسبير. أو يعتمد الدارسون نسخة شيكسبير الأصيلة " المسودة الأولى " حيث كتب على الورق أو زور في ذهنه كلاما ويصفونه بأنه بسيط واضح جدا، أو يتجه الدارس منهم إلى " أن يستمد من ذلك المنبع قصيدة صغيرة يدبجها بنفسه " . أي أن امبسون يعتقد أن المشكلات المحيرة في شعر شكسبير إنما هي - بوجه أو بآخر - توريات مقصودة وأنواع من الغموض، وان الدارسين قد انهمكوا - بوجه أو بآخر - في إلغائها والقضاء عليها (1) . (أن الاقتراح الوحيد الذي أستطيع تقديمه لأي قارئ يرى هذه الأفكار مجتلبة من بعيد أو تافهة هو أن يقرأ جدل امبسون مع التحليل المسهب المشفوع بست من الصور المقنعة).
ولعل التحليل المتعلق بشيكسبير هو أكثر شيء ألقا في الكتاب ولكن ربما كان أقيم ما فيه، في النهاية، ملحظ واحد ينبئ عن الطريقة " النوعية "
__________
(1) هنالك تعبير نموذجي عن الحيرة المتبرمة التي يواجه بها الدارس الغموض الشعري المتعمد، موجود في تعليقات روبرت بردجز على الطبعة التي حققها من شعر صديقه هوبكنز. يقول بردجز:
ها هنا إذن مصدر آخر للإبهام عند الشاعر وهو انه حين يهدف إلى التركيز يغفل الحاجة إلى العناية بكيفية وضع الكلمات الغامضة من حيث العلاقات النحوية. فاللغة الإنجليزية تكتظ بكلمات لا يتغير شكلها عن كانت اسما أو صفة أو فعلا، ومثل هذه الكلمة يجب إلا توضع أبدا وضعا يؤدي إلى الشك في أي نوع هي من الكلام، لأن مثل هذا الغموض أو هذا الشك الموقت يحطم قوة الجملة. أما شاعرنا هذا فإنه لا يغفل فحسب أمر هذه الصحة الضرورية بل يبدو انه يرحب بها ويبحث عن التأثير الفني في الفوضى الناجمة عن ذلك، وأحيانا يرتب الألفاظ ترتيبا يجعل القارئ، وهو يبحث عن الفعل، يجد أن لديه اثنتين أو ثلاثا من الكلمات الغامضة ذات المقطع الواحد وان عليه أن يختار إحداها فيقع في شك حول أيها هي الأصح لتعطيه المعنى الذي يفضله، ثم بعد أن يقع اختياره على إحداها يظل لديه كلمات ذات مقطع واحد لا يديري في أي مكان من الجملة يضعها. وشاعرنا أيضا لا يحس بالإيحاءات المتنافرة التي تسببها الكلمات العديدة ذات الأصوات المتشابهة فيثير أنواعا أخرى من الغموض والإبهام وذلك بضغطه على معاني هذه الكلمات التعسة.

(2/61)


التي انتهجها امبسون أخيرا. فانه في تحليله سداسية (1) مزدوجة لسدني، يلحظ ان القوافي الست التي قد أعيدت كل واحدة منها ثلاث عشرة مرة في القصيدة هي " لب لباب الموقف الشعري " . " وعند هذه الكلمات فحسب توقف كل من كلايوس وستريفون في صيحاتهما، فان هذه الكلمات تحيط عالمهما " . والذي يعنيه امبسون هو أن شكل " السداسية " نفسه، بدلا من أن يكون شكلا صعبا ثابتا يفصل الشاعر المحتوى على قدره كما هي الحال في نقد رانسوم، هو لب المحتوى على التحقيق، وان الشكل هو النزوع نحو الموت في صورة تعبير. " فهذا الشكل لا اتجاه له ولا زخم، وإنما هو يدق أبدا على نفس الأبواب دونما جدوى بعويل ونغمة ذات وتيرة واحدة، واقفة لا تتحرك، مهما يكن التنويع في موسيقاه خصبا " . ولو تقدم امبسون خطوة واحدة لاقترح أن يطلق اسم " سداسية " على أي قصيدة مكتوبة في أي شكل، وتعالج المأساة برضى رواقي أو بنواح غير محتوم. (أي هو نواح على نقيض ما في المرثاة لأنه هنالك محتوم) وهذا هو، على التدقيق، ما كان لكتابه الثاني أن يحققه في الشعر " الرعوي " .
وفي كتاب " سبعة نماذج من الغموض " عدد من أمور أخرى قيمة. وأوضحها انه، صفحة اثر صفحة، يحتوي بحق أدق تمرس بالشعر
__________
(1) السداسية: قصيدة من ست دورات أو مقطوعات في كل واحدة ستة اسطر، وهي غالبا غير مقفاة وإنما تعاد فيها الكلمات التي وردت في أواخر أبيات المقطوعة الأولى على النحو التالي:
1 - أ ب ج د ه و
2 - و أ ه ب د ج
3 - ج و د أ ب ه
4 - ه ج ب و أ د
5 - د ه أ ج و ب
6 - ب د و ه ج أ

(2/62)


وبقراءته، وأشده إمعانا وإسهابا فيما خطته يد إنسان، أي يحتوي على نثل جذاب عجيب لا يكاد ينتهي للمشتملات والإمكانات اللغوية، وليس لدينا مجال كاف لاقتباسه طويلة طولا يكشف عن الميزة الصحيحة للكتاب ولكن الفقرة التي تقدمت عن " مرابع الرتتيل العارية المهدمة " توحي بنسبة الإسهاب في التحليل لبيت كامل أو مقطوعة أو قصيدة. وهذه القراءات لا تعتمد، فحسب، تناول تهمة " الغموض " ونشرها راية ينضوي تحتها كل ما يحتاج قراءة دقيقة، واتخاذها موضوعا يستحق الثناء بل تعتمد أيضا على قبول كل ما رفضه الآخرون في البيت كله. وإذا كان هناك من سر خاص بإمبسون فذلك هو تحويله السالب إلى موجب كأنما يقول عند كل موقف: " طيب، لا بأس. هكذا هي؟ وهذا أحسن " . فإمبسون يضم إلى صدره خباثة شيكسبير الخاصة أي التورية أو المواربة اللفظية، ويعتبرها مركزا للمعنى لا تبددا فيه، ويعشق الخطأ المطبعي، فهو في نظره ذكي دال، لأنه يوحي بمعان خبيثة مدفونة، وهو يرضى أن يقبل تهمة الشذوذ الجنسي التي رمي بها شيكسبير ويقفز منها توا إلى إنشاء علاقة بينها وبين ميله للتورية: " لذة مؤنثة في الانقياد إلى سحر اللغة المنيم " . وهو يواجه، بصراحة، التصوير الحسي المروع في الشعر الديني الميتافيزيقي - مثل الذي قاله كراشو عن طهارة القديسة تريزا في تلك الصورة الدفينة عن الجماع أو صورته التي قال فيها أم جرح المسيح حلمة دامية " لابد للأم العذراء أن ترضع - عندها - الابن " ، ودراسته لهذا التصوير مثل جميل على النوع السابع من الغموض.
ويتقل إمبسون، لأغراض سقراطية المنزع، جميع التهم التي يمكن أن توجه إلى طريقته، فيقول في موضع من كتابه: " إن عادة البحث عن الغموض تقود بسرعة إلى الهلاس، مثلما تمرن نفسك على أن تسمع دائما

(2/63)


ساعة تدق " ، ويقول في موضع آخر: " أن الأحجية الأدبية متعبة، وهذه المعاني لا تستحق أن تنقب عنها إلا أن كانت مبثوثة ذائبة في تضاعيف القصيدة؛ وقد يقول كثير من الناس أنها لا يمكن أن تذوب، وأن السوناتة اللطيفة الرشيقة يجب أن لا تقتضينا هذا القدر من الشرح، مهما يكن حظها من الإشارات والمشاعر التي قد يكون شيكسبير - أن صح هذا كله - أودعها فيها، دون أن يستطيع توضيح ما في ذهنه بدقة " .
(وجوابه على هذا النقد النظري الذكي العاقل هو أن يقول " وقد يعترض المرء،؟ وقد يعتذر المرء؟ وقد يقال بقوة وجرأة؟ " . أما الاتهام الكبير الآخر وهو أن التحليل يشوه الجمال (أنظر موقف بلاكمور في مواجهة مجاز يصور امرأة تنشر نصفين، فإنه مواجهة للشيء نفسه) فإن إمبسون يقره بغلظة وجفاء حين يقول:
أن النقاد، وهم في هذه المسألة " كالكلاب العاوية " ، نوعان: فريق يفتأون ما في أنفسهم يتشمم زهرة الجمال، وفريق أكثر نهما من الأولين وهم الذين يجرحونها بكثرة التقليب. ولا بد لي من أن أعترف بأنني أطمح إلى أن أعد في الفريق الثاني، فإن الجمال المصمت الذي لا يجد تفسيرا وتعليلا يثير أعصابي ويدفعني إلى تجريحه وتخديشه بالتقليب، وقد يصح القول بأن جذور الجمال يجب أن لا تدنس، ولكني أرى أنه لمن العجرفية أن يظن الناقد المتذوق أنه يستطيع ذلك، بقليل من التجميش، إن شاء ذلك " .
وقد باين إمبسون بصراحة طريق الناقد " المتذوق " وتميز نقدا " تحليليا " ، وأحيانا يكتب كأنما يعتبر نفسه، على الحقيقة، النوع الثاني من الكلاب، أعمى عن التذوق، وعن اللامحدود في الشعر، ومن ذلك أنه يفتخر في أحد المواضع بأنه استطاع أن يحول شيئا " سحريا " بالتحليل

(2/64)


إلى شيء " محسوس " . وعلى رغم هذا كله فإن إمبسون قد حدد فرضيات طريقته بأوضح مما فعل أي ناقد آخر - على وجه الإجمال - وهذه الفرضيات تهدف في النهاية إلى التذوق، غير أنه تذوق يتم من خلال الفهم، كتب يقول:
حين أنحل التحليل كل هذه الخصائص أبدو وكأنما سلكت نفسي في الدائرة " العلمية " من دوائر النقد الأدبي وبالتفسيرات " السيكولوجية " لكل شيء، وبالأعمدة التي تتحدث عن معامل الحساسية عند القراء. وبين النقاد نوع من النظام الحزبي آخذ بالتكون. وسيقال في النقاد الذين لا يعتقدون مبدأ الصدق وحده ولا مبدأ الجمال وحده أنهم متقلبون متنقلون، أما الخير، فذلك العضو الثالث في تلك " الثلاثية " المتماسكة، فإنه لم يعد يقرن إلا بالصدق، حتى أنه لم يتوقع من الجماليين أن يظهروا قلة اكتراث بالمبادئ التي يؤسسون عليها في الحقيقة (أو هذا ما يجب أن يفترضه المرء) حياتهم.
وفي الوقت نفسه نجده صريحا واضحا حول المدى التجريبي وحول المحدودية النهائية، التي تشتمل عليها طريقته، يقول:
حين يرغب الناقد في تطبيق التحليل الكلامي على الشعر فإن موقفه يشبه موقف العالم الذي يرغب في أن يطبق مبدأ الحتمية على الكون، فقد لا يكون مبدؤه منطبقا في كل ناحية، ثم هب أنه أنطبق تماما فإنه لا يفسر كل شيء، ولكنه لابد له من افتراض صحة انطباقه، حيث يعمل، ما دام يريد أن يؤدي عملا، وأن يفسر به ما يحاول أن يفسره.
ولا يدرك إلى أي مدى يبدو المبدأ صوابا - منطبقا تماما - وإلى أي مدى يساعد في التفسير، إلا قارئ كتاب " سبعة نماذج من الغموض " .
أما الكتاب الثاني " بعض صور من الأدب الرعوي " (وقد نشر في

(2/65)


هذا البلد سنة 1938 بعنوان " الشعر الإنجليزي الرعوي " ) فقد ظهر بإنجلترة عام 1935، ولما كنا سنتحدث عنه بشيء من الإسهاب فيما يلي، فأنا لا نحتاج هنا إلا أن نلحظ أنه استمرار لجميع مظاهر " النماذج السبعة " وأنه مضى طلقا بعده في القراءة الدقيقة لنواحي الغموض وزاد عددا من التحسينات والتوثيقات. وقد تركز هذا الكتاب الثاني على " النوع " أي على نوع من الشعر سماه إمبسون " الرعوي " ، واستخلصه من مظاهره الاسلوبية، وجعله شكلا وحوله إلى منحى شعري موجود في أنواع من الأدب شديدة التباين فيما بينها وحسبك بهذا موقفا ساخرا معقدا. وبذلك حطم إمبسون الضدين النقديين الباليين، وهما " الشكل " و " المضمون " حتى في شكلهما المصطنع التقليدي من أجل غايات تحليلية، وانتحى في مكانهما نحوا نقديا ينكر أن الاثنين كيانان منفصلان، وعالج ما اعتاد الناس تسميته " شكلا " على انه محتوىي، والعكس بالعكس. وقد كان منهاجه جشطالتيا، دون أن يقرر ذلك، في نظرته إلى كل القصيدة، أما المصطلح " رعوي " فقد استعمله مبدأ عضويا ديناميا، ومد في مفهوم " الغموض " ووسعه حتى أصبح آلية نقدية يعالج بها الأثر الفني كله، لا مواطن الالتواء فيه.
ومنذ أن كتب إمبسون " بعض صور من الأدب الرعوي " انشغل بما لا أحده، فلم يظهر له أو عنه شيء من عندئذ، على الأقل في أميركة (1) .
__________
(1) حوالي عام 1936 نشر إمبسون وجورج غاريت كراسة تباع بشلن عنوانها " جولة حول شيكسبير " Shakespeare Survey ولم أستطع أن أرى نسخة منها إلا بعد أن طبع هذا الفصل على الآلة الكاتبة، وكل ما أستطيع إثباته هنا هو أن الكراسة تحوي مقالين لامعين لإمبسون وهما " خير سياسة " دراسة لعطيل من خلال نواحي الغموض المبثوثة هنا وهناك في كلمة " شريف " والثاني " كلب تيمون " وهو كشف عن الصور المتصلة بالكلب في رواية " تيمون الأثيني " وهو نقد للتبسيطات المغرقة التي اعتمدتها الآنسة سبيرجن. ومعهما فذلكة متحذلقة - وربما تعيسة - لغاريت، عنوانها " بروسبيرو ذلك المقامر النصاب " تبين أن بروسبيرو هو وغد رواية " العاصفة " .

(2/66)


وفي سنة 1937 كتب مراجعات في مجلة " كريتريون " ، من بينها مراجعة عن رتشاردز وانهمك في جدل أدبي مرير على صفحات مجلة " شعر " (شيكاغو) مع جيوفري جرجسون محرر مجلة " الشعر الجديد " - كتب جرجسون " رسالة لندنية " ينقد فيها موت النشاط الأدبي الإنجليزي حينئذ فكتب إمبسون " رسالة لندنية " يجيبه، وينقد موت أدراك الأدب عند جرجسون، فرد عليه هذا بسيل من السب والقدح وأنهى إمبسون الجدل بتحقير عام صبه على جرجسون، ولم يكن في ذلك الجدل ما يسهم بشيء من النقد. ثم سافر إمبسون بعد ذلك في وقت ما من عام 1937 إلى الصين ليدرس هنالك (وكان في اليابان سنة 1933) وبقي في الشرق سنتين فلما نشبت الحرب عام 1939 رجع إلى إنجلترة وتلبث قليلا في الولايات المتحدة.
وكان إمبسون طوال كل هذا الوقت يجرب أن يبرز في شعره الامتداد الساخر للأنواع الشكلية، شبيها لما صنعه في النوع " الرعوي " . وأول مجلد شعري له كان يحتوي استعمالين " جادين " لشكل القصيدة الريفية (1) Villanelle يتفاوتان في نجاحهما. وفي مجلة كريتريون، عدد أيار (مايو) 1937 نشر قصيدة ريفية ناجحة تماما عنونها فيما بعد بأسم " تواريخ مفقودة " وفيها اختلط الشكل الوتيري الجافي - كما هي الحال في " سداسية " سدني - بالفكرة الفلسفية التي يراد التعبير عنها. وفي أميركة استمر إمبسون على منحاه نفسه في النقد. فحاول في مراجعة كتبها عن كتاب " الشعر الحديث والاتباعية " لكلينث بروكس ونشرها في مجلة " شعر " عدد كانون الأول (ديسمبر) 1939 أن يحول أشد المصطلحات ابتذالا مثل: شعر الدعاوة - الشعر العاطفي - الشعر السامي، إلى أنواع
__________
(1) هذا النوع من القصائد الريفية يحوي تسعة عشر بيتا في قافيتين وينقسم في خمس مقطوعات كل مقطوعة من ثلاثة أبيات ثم قفل من أربعة.

(2/67)


متمايزة ركينة مقترحا مظاهر للبناء، محددا نوع الوظيفة التي تلحق بكل نوع.
وفي كانون الثاني (يناير) 1940 ألقى إمبسون محاضرة في ييل عن " فوائد الإنجليزية الأساسية للنقد " (1) فطور بذلك مظهرا جديدا لطريقة ريشاردز في النقد، ثم وسع فكرته هذه في حديث أذاعه، وجعل عنوانه " الإنجليزية الأساسية وودرزورث " وطبعه في مجلة " كينيون " ، عدد الخريف عام 1940، وفي هذا المقال اقترح أن تتخذ " الإنجليزية الأساسية " التي كان يعمل فيها مع اوغدن ورتشاردز (قام بوضع ترجمات أساسية للسلسلة أوغدن) وسيلة لنقد الشعر. وقد سلم بان الشعر لا يمكن ان يكتب بالإنجليزية الأساسية لان واحدا من متطلبات الشعر ان تكون الأفعال مركبة، واقترح عوضا عن ذلك ان يقرا الشعر بعون من الإنجليزية الأساسية. (قدم رتشاردز من قبل اقتراحا مماثلا لقراءة النثر في " التفسير في التعليم " ). فالقارئ يترجم القصيدة إلى اللغة الأساسية وبلك يحطمها وهو ينثرها، وفي سياق هذه المحاولة لترجمة الكلمات المعقدة في معنى واحد واضح، يزيح القارئ " الغطاء " ، ويرى لم جاء " الوجه الأساسي خطأ " ويستكشف المجموعة المركبة من الأفكار الكامنة وراء ما يبدو انه مشاعر بسيطة. ويوضح إمبسون هذه الخطة بمثل من وردزورث مثلما كتبه هذا الشاعر أولا ثم كيف أعاد كتابته وذلك بنثره إلى لغة أساسية وتحليله. أما التحليل فإنه غاية في الخمول وعدم والتمييز، ومثله يستقل من إمبسون، فالنقاط فيه ساذجة ويبدو انه يقترح أن يستعمل اللغة الأساسية كأسلوب ميكانيكي لتؤدي ما يعمله عقل الناقد أوتوماتيكيا بالقراءة، دون أساليب ميكانيكية. ولا ينجح
__________
(1) سيأتي الحديث عن الإنجليزية الأساسية في الفصل التالي الخاص برتشاردز.

(2/68)


إمبسون في الكشف عن أية حاجة أخرى إلى اللغة الأساسية في نقد الشعر أكثر من حاجة هذا النقد إلى الآرامية والقطلانية، لان ترجمة قصيدة ما في إحدى هاتين اللغتين، أو في أية لغة أخرى، قد يؤدي المهمة نفسها بقدر مشابه من الإتقان.
وفي سنوات الحرب كان إمبسون يعمل في القسم الصيني من محطة الإذاعة البريطانية، واختفى تماما من عالم الطباعة، على الأقل في أميركة. ثم ظهرت له مراجعات عدة خلال عامي 1946، 1947 في مجلة " الشعب)، وقد صنعها قبل ان يعود ليدرس في الصين. وأول مراجعة تناولت " كريستوفر مارلو " Christopher Marlowe لبول ه. كوتشر، وليس فيها من شيء إلا مقاومة رأي كوتشر، وهو رأي طريف، في مارلو صدع فيه بالحقيقة القائلة: ان مارلو هو " الرجل الذي عسا على الفاشية " (تعبير لرادك قاله في سيلين وكان إمبسون مغرما به دائما)، وقال فيه أن " الحقيقة الأساسية المتعلقة بآثار مارلو " هي أن نلحظ أن مناظر الرعب، وهي الذرى في رواياته، إنما هي عقوبات مسرحية لإثمي مارلو نفسه، يعني الكفر بالله والشذوذ الجنسي. وكانت مراجعته الثانية للطبعة الأميركية من قصة " المسخ " Metamorphosis لكافكا أكثر ضحالة وما زاد فيها على ان كال السباب للمقدمة وللتوضيحات وسماها " متعنتة " وصرح بان القصة " لكمة على الفك " (الأميركي قد يقول " في الفك " ) وعد فيها تذبذبات كافكا وأخطاءه السخيفة. أما المراجعة الثالثة عن " كتابات مختارة " لديلان توماس فقد تحدث فيها عن شعر توماس بمصطلح غامض، وبعد جهد كشف عن المعاني الكامنة في سطر واحد، وأما الرابعة فأنها فقرة واحدة لحظ فيها أن شعر روبرت غريفرس قوي الأسر خفيف معا. وتؤيد مراجعاته في مجلة " الشعب " ظنا يحيك في صدر كل من يقرا كتبه، وهو أن المراجعة

(2/69)


القصيرة ليست المجال الصالح لإمبسون الذي يبدو انه يريد دائما متسعا يجول فيه ويصول (1) .
2
- أن خير عبارة نفتتح بها تحليل كتاب " بعض صور من الأدب الروي " لهي تصريح إمبسون المدهش في الفصل الأول بأن كتابه هذا
__________
(1) في تاريخ متأخر من عام 1947 ظهرت الطبعة المنقحة التي طال انتظارها من كتاب " سبعة نماذج من الغموض " وإذا بها لسوء الحظ مخيبة للآمال بعض الشيء. لقد أضيفت إليها حقا أشياء قيمة وخاصة مقدمة للطبعة الجديدة تفسر الغايات التي من اجلها كتب الكتاب وترد عنه بإسهاب ما تلقاه من نقد، وأسقطت منه " نتف قليلة من التحليل " اعتبرت تافهة او نابية، مثل " النوادر التي تبدو لي الآن مملة " ؛ وذيلت الهوامش بإشرات إلى مصادر المقتبسات، وربطت القرائن معا، وأضيفت ملخصات للفصول وفهرست للكتاب وصححت الأخطاء وزيديت تعليقات في الهوامش تفسر الرأي أو توسع من نطاقه. ويرجح بكل هذه التغييرات جميعا تلك التعديلات التي تشمل تعليقات هامشية ينحي فيها باللائمة على نفسه متمسكا بما قد كان يجب ان يقوله في الكتاب أو موضحا فكرة له ماثلة إلى المحافظة مثل: " كان من غبائي أن؟ " " وهذا حمق صدر عني " " ويبدو إنني أخطأت وجه الرأي " " وسبب القبح " " وأنا الآن اعتقد أن هذا المثل تكشف عن سراب خادع " ، وما أشبه ذلك. ويعلق إمبسون: " دهشت عندما تبين لي ان ما أؤثر تغييره قليل " ، والحق ان التغييرات الهامة في موقفه لم تجر إلا في تضييق مفهوم " غموض " فبعد ان كان هذا المصطلح يعني " ما يضيف ظلالا للتعبير النثري المباشر " أصبح يعني " ما يفسح مجالا لأصداء متناوبة تثيرها القطعة الواحدة " ، ثم أستقوى عنده الميل إلى القول بان غموض النصوص الشيكسبيرية قد يكون في الحق خطا مطبعيا. وأشد ما يزعج في هذه الطبعة الثانية هو النغمة الجديدة التي تعكس روح المحافظة الوقور وهي اعتذارات مؤلف تجاوز عهد طيشه وخفته بحقبة مقدارها سبعة عشر عاما (يقتبس إمبسون في المقدمة تعليقة لماكس بيربوم راجع فيها واحدا من كتبه الأولى وكيف انه " حاول أن يتذكر كم يكون مبلغ غضبه حين كتبها لو أن شيخا متقعرا هو الذي أجرى عليها التصحيحات وكم يكون مبلغ ثقته في أن ذلك المرء نفسه مخطئ " ، ولكن النادرة كانت من الحدة بحيث تبتعد على أن تكون مضحكة)، وان الطبعة المنقحة من كتاب " سبعة نماذج من الغموض " لتعد من بعض وجوهها تحسينا فعليا إذا قيست بالطبعة الأولى فقد تحسن فيها الأسلوب كثيرا وأصبحت أكثر وضوحا (وربما كان هذا من تمرس إمبسون بالإنجليزية الأساسية) والاطلاع فيها أوسع والحوار الجدلي فيها أقوى وقد تكون أرصن من وجه عام ولكن لا ريب في أن هناك شيئا هاما قد ضاع منها.

(2/70)


محسوب في علم الاجتماع. ويقول في تحديد هدفه: " لعل القضايا التي أثيرها هي المدهشة لا العادية، وإذا علقت بمثل من الأمثلة تتبعته استطرادا دونما اهتمام بوحدة الكتاب، حقا انه ليس كتابا خالصا لعلم الإجتماع، وهذه حقيقة لا تسمح لكثير من المشاعر الاجتماعية الهامة ان تجد طريقها إلى الأدب " . والتعبير الهام هنا هو " المشاعر الاجتماعية " لان الكتاب وقف على التبصر في النزعات من وجهة نظر تاريخية نسبية، وكيف تجد التعبير عنها في أنواع من ذلك البناء التركيبي الذي يسميه " رعوي " في جانبي شكله ومضمونه. وهو بحث عن " الأشكال الثابتة التي تكمن وراء المظاهر التاريخية المتغيرة " كما يقول كلينث بروكس. وهذا الشكل الثابت أي الرعوي هو فلسفة ونزعة اجتماعية أو شعور وغموض ساخر وموضوع للدعاوى وخطة أسلوبية كل هذه جميعا في وقت معا؛ والحق أنه لابد ان يكون ممثلا لكل هذه الأمور مجتمعة أو يصبح شيئا كلا شيء؛ والكلمة التي تنفك تلتحم بكلمة رعوي فهي لفظة " بسيط " إذا يعرف إمبسون الرعوي في أحد المواطن: " بأنه ناس بسطاء يعبرون عن مشاعر قوية في لغة محررة موشاة " وفي موطن آخر يقول أنه " ثناء على البساطة " وفي ثالث يقول " هو إحالة المركب إلى بسيط " . ويعرف الجوهر المتضاد في الرعوي بقوله " أن يحكم على الشيء المرهف بالأساسي وان تستقاد القوة من الضعف، ويلحظ الميل الاجتماعي في الوحدة، وتتعلم خير الأخلاق من الحياة البسيطة " ويقول في موضع آخر: " إذا اخترت فردا هاما من طبقة ما فالنتيجة ملحمية بطولية. وإذا اخترت فردا عاديا فالنتيجة رعوية " .
وهذا النوع الرعوي الذي اهتدى إليه إمبسون هو في الأساس هو مذهب البساطة أي هو شيء في الأدب يشبه ماري أنطوانيت ووصيفاتها وهن يتواثبن على المروج الخضر لابسات ثياب الراعيات، ولابد أنه اهتدى

(2/71)


إلى هذه الفكرة من خلال عملية تجريدية، إذا لحظ إن الجو الريفي والغنم والمروج الخضر في الشعر الذي يسمونه - تقليديا - رعويا، ما هي إلا زخارف سطحية وأن ما تشترك فيه الأشكال المتنوعة من هذا الشعر إنما هو في أساسه نزعة اجتماعية فحسب. ولم يتبق عليه من موقفه هذا إلا خطوة واحدة يلحظ منها أن الأمثلة الأدبية الأخرى البعيدة عن الأمثلة الرعوية إنما هي طرق للتعبير عن هذه النزعة نفسها أيضا فيضيفها بذلك إلى الأشكال الرعوية وبعض هذه الأشكال الأخرى تميز العصور الأخرى بما في ذلك عصرنا.
فالقصيدة الرعوية ليست إذن قصيدة عن الرعاة ولكنها قصيدة تحاكي الأناشيد الرعوية القديمة التي كانت تدور حول الرعاة. وليست الفصول السبعة في الكتاب (أي غرام هذا الذي يحمله امبسون لهذا العدد الباطني؟) (1) إلا سبع صور من الشعر الرعوي وأولها، وهو أكثرها إثارة للقارئ الذي امتلأت بالأفكار التقليدية، يتحدث عن الأدب البروليتاري. ولدى امبسون فكرة غير متناسبة نسجها من ذهنه عن البروليتاري فاستعملها في هذا الفصل ليجعل منها صورة الراعي الممجد ليحدد السخرية الكامنة في طبيعة هذا النوع من الشعر الرعوي. أما الصور الست الأخرى من الشعر الرعوي فإنها أقل بقليل استثارة لدهشة القارئ وتتحدث عن الحبكة الثانوية في المسرحية ذات الحبكة المزدوجة وعن " سوناتة " لشيكسبير تدور حول الأرستقراطية وعن قصيدة لمارفل عنوانها " الحديقة " وعن " الفردوس المفقود " و " اوبرا الشحاذ " و " أليس في أرض العجائب " (الطفل في صورة راع). وبعد الفصل الأول يري الكتاب، وهو يتغلغل تاريخيا خلال الأدب الإنكليزي في إنطلاقات متفاوتة،
__________
(1) أي العدد سبعة، وهو داخل في مقدسات الأمم، بشكل لافت للنظر.

(2/72)


التغييرات التي انطبعت على الفكرة الرعوية خلال القرون فشملت أولا ترديدا للقصة الملحمية في الدراما على مستوى غير عال، وسمحت بدخول المتناقضات الساخرة في السوناتة الشيكسبيرية، واستعملها مارفل ليقرر التضاد، وتحولت عند ملتن إلى صورة لاهوتية " طهارة الإنسان والطبيعة " ومسحها غاي بمسحة مدنية، واستعملها لويس كارول أناء لتسريب المشاعر الجنسية الشاغلة.
وهذا كله طبعا يشير إلى تدرج اجتماعي؛ ويتكئ إمبسون بشدة على علم الاجتماع وخاصة النظريات الماركسية ليوضح الأصول الاجتماعية ووظيفة كل نظرية منها. وأهم ممارسة في هذا التحليل هي الفصل الذي كتبه عن " الأدب البروليتاري " وهو فصل ينكر في الوقت نفسه كثيرا مما يسمى أدبا بروليتاريا رآه امبسون، ويضع مبادئ صلبة لأدب بروليتاري مستمدا من النظريات الفعالة في الحضارة الرأسمالية وأخرى قد تزدهر في الحضارة الاشتراكية. ثم يصنف في الوقت نفسه المظاهر البارزة لعدد من الآثار الأدبية حسب النظرة الطبقية فيسمي الانيادة نفخة سياسية من اجل أغسطس (مقتبسا ذلك عن بوب) ويرى أن مرثاة غراي (ههنا فقرة مدهشة) تحتوي على " أيديولوجية " برجوازية ويستمر في تبيان القاعدة الطبقية للقصص الخرافية وأغاني الحدود وآثار لويس فردنند سيلين. والحق أن امبسون يستعمل التحليل الطبقي خلال الكتاب كله ملاحظا أن الفكاهة الساخرة وسيلة يستدرج بها المرء لكي يتقبل أن يكون محكوما وان الرواية تحتوي حبكة بطولية وحبكة رعوية ثانوية لكي تدل " على علاقة صحيحة جميلة بين الأغنياء والفقراء " ؛ وان المعارضات الساخرة تقوم بدور التسريب الاجتماعي، وتخلص الجماهير من الدوافع التي تدفعها إلى المقاومة الشديدة. (فهي إذن وسيلة لتجريد النقد من قوته سواء ما كان منه اجتماعيا أو فنيا وليست وسيلة للنقد) وهلم جرا.

(2/73)


ولم يذكر ماركس إلا مرة واحدة في الكتاب وذلك عند ذكر الإشارات إلى المال في " أوبرا الشحاذ " وان تلك الإشارات إنما هي احتقار للمال كتلك التي وردت في " تيمون " وقد حلل هذه الثانية " بلذة فائقة " . ومع هذا فإن الكتاب ضمنا ماركسي في مجموعه وهو شيء لم يلحظه إلا كنث بيرك فيما يبدو إذ تنبه إلى ان " الاتكاء على الماركسية قد منح كتابه أفقا جديدا " وقال في تقديره له " وقد يطول نظر المرء في كتابات اشد النقاد الماركسيين اعتدادا بأنفسهم قبل أن يجد مثل هذا التحليل الماركسي العميق للأدب " (من الممتع أن نلحظ أن إليك وست وهو الناقد الماركسي الوحيد الذي يبدو انه وجه عناية لمؤلف امبسون يقتبس باستحسان عوامل التغيير الاجتماعي التي يجدها كامنة وراء " مرابع الترتيل العارية المهدمة " ويهمل كل ما عداها من العوامل).
كذلك فإن كتاب " بعض صور من الأدب الرعوي " يتوغل في استغلال فرويد والتحليل النفسي أكثر من كتاب " سبعة نماذج من الغموض " ومركز الدائرة في هذا الاتجاه هو الفصل الذي كتبه عن " أليس في بلاد العجائب " ولعله انجح تحليل فرويدي مختصر للأدب خط فلم كاتب حتى اليوم. ويشير امبسون إلى أن النقاد فيما يبدو قد تجنبوا الجاد " لأليس " خوفا من ان يقودهم ذلك حتما إلى التورط في شعاب التحليل النفسي وان النتائج بعد ذلك ستكون محرجة. إلا أن دودجسون (1) نفسه كان فيما يظهر على وعي بمعاني الكتاب لأنه قال لممثلة كانت تؤدي دور (ملكة القلوب " بان دورها رمز " للشهوة الحيوانية الجامحة " كما تراها عينا طفلة لا تبص فيهما الرغبة الجنسية. ويقول امبسون: " أن الكتب تدور بصراحة حول النمو حتى انه ليس كشفا ضخما أن نترجمها بالمصطلح
__________
(1) هو مؤلف القصص عن " أليس)، وأسمه المستعار هو " لويس كارول " .

(2/74)


الفرويدي؛ ولعل هذه الترجمة هي الوسيلة المثلى لتفسير الكاتب الكلاسيكي حتى حين تكون صدمة للمؤلف؟ وسأستعمل التحليل النفسي حيث يبدو مناسبا " . ثم يمضي في تحليله مظهرا أن الكاتب تمثل تنوعا من الأنموذج الرعوي حين يكون خفيفا موصلا بالطفولة عصبيا. أما ذلك الأنموذج فهو " الطفل يصبح قاضيا " أو الطفل المحسود لأنه عادم الرغبة الجنسية (إذ أن دودجسون عادل بين تطور الجنس والموت) وإليك نموذجين صغيرين من تحليل أمبسون المطول يدلان على طريقته:
إذا أراد المرء أن يجعل قصة الحلم الذي تشققت منه " بلاد العجائب " يبدو فرويديا فما عليه إلا أن يقصه. سقطة، خلال شق عميق، في أسرار الأرض - الام الكبرى - تنتج نفسا جديدية محصورة تعجب من هي وماذا سيكون موقفها في العالم، وكيف تستطيع أن تخرج من مأزقها. أما المكان الذي وجدت نفسها فيه، فهو بهو طويل داني السقف، وهو جزء من قصر " ملكة القلوب " (وهذه لمسة لبيقة)، لا تستطيع أن تبرحه إلى الهواء الطلق والينابيع، إلا من خلال ثقب مخيف من شدة ضيقه. وتحدث لها في ذلك المكان تغييرات غريبة من جراء الطريقة التي تغتذي بها، ولكنها حين تكبر تعجز عن الخروج، فإذا صغرت لم يؤذن لها بذلك، لسبب واحد: وهو إنها لا تملك مفتاحا لأنها بنت صغيرة. أن الموضوع الكابوسي عن آلام الولادة أي حين تنمو، وتكبر عن مدى الغرفة، وتكاد فيها تتحطم وتختنق، لا يستعمل فحسب في هذا الموضوع من القصة، بل يكرر بصورة أشد إيلاما بعد أن يبدو لنا إنها خرجت، غذ يرسلها الأرنب بفظاظة إلى بيته، ثم يقدم لها نوع من الطعام يجعلها تنمو ثانية. وحين

(2/75)


يرسمها دودجسون وقد تشنجت عضلاتها في الغرفة وإحدى قدميها مرتفعة فوق المدخنة، وهي تركل بها الشيء البغيض الذي يحاول النزول (تأخذ قلمه حين يكون أحد المحلفين) (1) فإنها تمثل وضع الجنين بأوضح مما يمثله الرسم الذي صنعه لها تنيل (2) ؟
أن الكمال الرمزي في تجربة " أليس " هام فيما اعتقده لأنها تمر بجميع المراحل فهي أب في نزولها الشق، جنين في قاعه، ولا تستطيع ان تولد إلا حين تصبح أما وتفرز غرسها (3) وسواء أكان ذهنه على وعي بترجمة هذه المراحل في القصة أم لم يكن فأن لديه المشاعر التي تناسبها وتتجاوب معها فان رغبته في ان يحشر كل الشؤون الجنسية في الطفلة وهي أقل المخلوقات الإنسانية حظا من الجنس، ويجعل الجنس منها في الموطن الأمين - أن رغبته تلك كانت جزءا هاما من سحر هذه المراحل في نفسه، فهو يتخيل نفسه هذه الطفلة (مع هذه الخصائص المريحة فيها) بعض الشيء، ويتخيل نفسه أباها من وجه آخر (هذه الخصائص معا تجعلها أبا) وكذلك يتخيل نفسه من ناحية ثالثة حبيبها - ليمكنها ان تكون أما - ولكنها بالطبع ماهرة منعزلة إلى درجة تمكنها من ان تعمل كل شيء لأجل نفسها.
والنظرات النفسية التحليلية موزعة في جميع الكتاب، بالإضافة إلى هذا الفصل، فيتناول امبسون القراءة النفسية التي أجراها إرنست جونز على هاملت ويوضح إنها تشير إلى وجود حبكة مزدوجة، ويستعير اصطلاح
__________
(1) هذا شيء يتصل بقصة أليس إذ أن الشيء الغريب الممقوت في بعض أجزاء القصة يبدو لها واحدا من المحلفين.
(2) هو الرسام الذي صنع رسوما موضحة لقصة " أليس " .
(3) أي ما يسمونه في حال الولادة " ماء الرأس " .

(2/76)


جونز " تجزئة " - أي تجزئة الشخصية الواحدة في عدة شخصيات وكل واحدة تمثل مظهرا واحدا من الشخصية المجزاة - ويتخذه مبدأ أدبيا عاما منفصلا عن عقدة أوديب. ويحلل صورة الشكس والشذوذ الجنسي المرتبطين معا عند شيكسبير ومارلو، وإيحاءات اللواط والزنا بالمحرمات التي يلون بها دريدن الحب الطبيعي في رواياته، وهكذا. وقد كشف أمبسون في كتاب " سبعة نماذج من الغموض " عن معرفة واسعة بفرويد ولكنه لم يزد على أن يدور حول مصطلحات مثل " النقل " و " الخلط " ليصنف العمليات الأدبية. وليس في " بعض صور من الأدب الرعوي " إلا إشارتان مباشرتان لفرويد إحداهما في بحث نظريته عن عقل الجماعة والأخرى تتصل بالعلاقة بين الموت والجنس في التورية التي تكمن في كلمة " يموت " die حسبما يستعملها كتاب عصر اليزابث. ولكن الكتاب أكثر من سابقه اطلاعا على النظرات الفرويدية. وكلا الاتجاه الفرويدي والاستطلاعات الماركسية في الكتاب لم يعترف بها النقاد المحافظون فمثلا لم يذكر امبسون أبدا في كتاب هوفمان (الفرويدية والفكر الأدبي " " Freudianism and the Literary Mind " وهو بمثابة فهرست شامل للأدب الذي استغل آراء فرويد.
وبالإضافة إلى ماركس وفرويد يفيد إمبسون من اثنين آخرين من عظماء القرن التاسع عشر وجهها العقل الحديث وهما دارون وفريزر، فلديه تحليل فذ للدارونية التي تتضمنها " أليس " ، إذ وجد أن الكتاب " يمسرح " المبدأ القائل بان علم تطور الفرد يجمل علم تاريخ الجنس وانه أيضا يعلق تعليقات منحرفة على المشتملات الخلقية والسياسية الموجودة في مبدأ بقاء الأصلح. أما " الغصن الذهبي " فانه ذو أثر واضح خلال الكتاب كالذي قلناه عن أثر فرويد، فان إمبسون يعتبر العامل في الأدب البروليتاري شخصية مذهبية أسطورية أي يعتبر بطل القرابين ألها محتضرا

(2/77)


ويقارن بينه وبين الأنموذج الاضحوي المشرقي عند فريزر، وهو يلائم الاشتراكية أكثر، أعني الإنسان الذي يشارك الطبيعة في الطهر والبراءة. ويبدو أيضا أن " بعض صور من الأدب الرعوي " متأثرا كثيرا بمدرسة كمبردج أي بجماعة المشتغلين بالانثروبولوجيا من دراسي الكلاسيكيات (تأثير معقول في رجل كان يوما منتسبا إلى كمبردج) مع أن الكتاب الوحيد الذي يتحدث عنه امبسون على التعيين من كتبهم هو " من الدين إلى الفلسفة " لكورنفورد. يضاف إلى هذه القاعدة المنظمة لنقده - وهي تشتمل علم النفس والاجتماع والانثروبولوجيا واللغويات - استمداده من رصيد هائل من معارف عويصة نسبيا وتمتد من ميدان الطبيعيات الذرية إلى الفلسفة واللاهوت من اجل المجازات والأمثلة.
ولا يرتكز هذا الكتاب حول شيكسبير كما هو واضح في حال الكتاب السابق، ولكن شيكسبير يظل خير مجال تنجح فيه طريقة إمبسون؛ فهو يلحظ أنواع الغموض، ويقترح أن شيكسبير أبي أن يحسم بين المعاني الممكنة عامدا، ويستكشف الحبكة المزدوجة في رواية " ترويلوس وكريسيدا " ، وفي القسم الأول من " هنري الرابع " ، ويحلل بتطويل كثير سوناتة لشيكسبير، وأخيرا يسلط الروايات والسوناتات بعضها على بعض ليفيد من أضوائها الموضحة بالتبادل. ولعل واسطة عقد الكتاب هي تحليله للسوناتة رقم 94 " أولئك الذين لديهم القدرة على الأذى ثم لا يفعلون " وهي خير عرض للقراءة الدقيقة التي يؤثرها إمبسون، سطرا سطرا. ويعلن في الفقرة الأولى من هذا التحليل، ساخرا، أن السوناتة تهيء " 4096 حركة من حركات الفكر مع إمكانات أخرى " وإنه فحسب يستطيع ان ينظر في عدد قليل من المعاني الممكنة التي تبدو هامة. ثم يتقدم لقراءة القصيدة قراءة جد مسهبة لم تنلها قبلها قصيدة غنائية، فيما أقدره، ناثرا لما فيها من نزعات، مستكشفا صلتها بأفكار بالغة

(2/78)


التباين، كالمسيحية والميكافلية مخمنا المركز الاجتماعي ل و. ه (1) . مترجما الإمكانات في جميع الكلمات الرئيسية، مختتما خيرا بحل نثري مدهش لما فيها من سخرية مركبة، إذ يقول:
أنا اطري لك المحقرات التي تعجب بها؛ يا ذا المكايد الصغير، فهذه هي الطريقة التي يحاول الآخرون أن يخدعوك بها متملقين، غير أن الذي يخدعك حقا هو سماحتك الصغيرة وإن كانت لا تبدو إلا في ثوب الفسوق. ومن الحكمة أن تكون فائزا أما أولا فلأن تلهبك يجاوز الحد، وأما ثانيا فلأن غلظة كبدك جرعتني القذى، غير إنني أستطيع أن أعفو كلما تذكرت الحديث الذي جرى في خلوتنا. ولا بد لي من أن أطري لك أخطاءك عينها، وأنانيتك على التعيين لأنك الآن فحسب تستطيع أن تربها حتى تنمو وبذلك تعيش مطمئنا. غير إن هذه الضرورة أشد أخواتها خطرا، فالناس طماحون بأبصارهم إلى سقطتك وانتكاستك شأنهم في ذلك مع كل عظيم. والحق أنه لا يستطيع أحد أن يعلو على مستوى الحياة المبتذلة، مثلما علوت وتوقلت الذرى، دون أن ينحط بنفس النسبة ويقع تحت مستواها. لقد جعلت هذه النصيحة حقيقة لدى نفسي، لأني لا أستطيع أن أنبذها احتقارا، من أجلك، وما أنا واثق من شيء إلا من أنك علق نفيس يحفه الخطر.
وطبيعي إن هذا الشيء لا يرضي دارسي شيكسبير مثلما لا يرضيهم تقييمه لأعمالهم في كتاب " سبعة نماذج " . وليست علاقات إمبسون بالدراسة
__________
(1) لا يعرف اسمه على التحقيق وهو الذي كتب شيكسبير أغانيه من اجله.

(2/79)


والدارسين من العلاقات الطيبة. فإن الطبعة الجديدة ذات القراءات المتعددة من سوناتات شيكسبير ترى تعليقاته انحرافات غريبة، وذكر كلينث بروكس في دراسته لنقد إمبسون بمجلة أكسنت، صيف 1944، وهو بمعرض التعليق على إحدى أخطائه الساطعة - ذكر أن جيوفري تلوتسون قد لفت الانتباه إلى عديد من زلاته الدراسية ورداءة اقتباسه. ولحظ ليفز كذلك أنه يسيء الاقتباس والترميم. ويستطيع أي واحد أن يعثر على ثغرة عند إمبسون - أما الثغرة التي أراها أنا فهي جهله الصريح بأن المسرحية في عهد إليزابث كانت تقرأ على المسرح بأسرع مما نقرؤها اليوم لا بأبطأ - ولكن كل الثغرات تافهة لا يؤبه بها. وقد يخطئ إمبسون وهو مسرع غير إن عمله - بمعنى شامل - دراسة عارية عن الخطأ - من ناحيتي النص والتاريخ - ومن طراز رفيع. ومن الغريب أنه يمنح النصوص الدراسية احترامه الفائق ولكنه يرى فيها نوعا من شعر رفيع غير صائب ولعل هذا أشد إساءة للدارسين من الرفض الصريح لما يعملونه. ومن ألمع الفصول وأحفلها بالذكاء في كتاب " بعض صور من الأدب الرعوي " فصل عنوانه " ملتن وبنتلي " يتناول فيه " الفردوس المفقود " من خلال التصحيحات النصية، والقراءات الواردة في طبعات بنتلي وخصمه زخاري بيرس، وهو يضرب بقراءاتهما مثلا على تركيز الأهمية، دون أن يفهماها، وهذا بعينه هو الطريقة التي يقدم بها هنري جيمس في قصصه معنى جيدا، بسرده شخص غير فاهم لما يقول.
وهناك جانب كبير من الكتاب لم يزد على أن يكون استمرارا لتتبع تفريعات الغموض، مع إن إمبسون يحاول أن يتجنب استعمال هذه الكلمة، ومن وقفاته النموذجية في هذا الكتاب عثوره على تعليقة في طبعة إكسفورد من ديوان مارفل، تبرز " معنى مزدوجا متعارضا " ، ورد في دوبيت من قصيدة " الحديقة " ثم يعلق على ذلك بأن هذا الغموض نفسه (الذي

(2/80)


يسميه " المعنى المزدوج " أو " وقفة الترجيح " ) يتخلل كل عبارة أخرى في القصيدة. وأحيانا تتجاوز ضروب الغموض مدى القصيدة وناظمها، وإذا بها تصيب سواد قلب التعبير الاجتماعي بالكلمات، كالتعليق الذي كتبه إمبسون على المصطلح الفكتوري " رهيف " delicate إذ قال: " إن العبارتين العميقتين المشمولتين في هذه اللفظة بما احتشد فيها من معاني هما: (أ) " لا تستطيع أن تجعل امرأة ما مرهفة إلا إذا أمرضتها، وأغمض من ذلك " . (ب) إنها تشتهي لأنها كالجثة " .
وكثيرا ما يحصل إمبسون على دقائق المعاني، كما يفعل بلاكمور، نتيجة للجهد الكبير، لا بخفقة من خفقات الإلهام، من ذلك أنه يستخرج كلمة " الخضر " من شعر مارفل، ويدرس كيف استعملت، ويعين قرينة الأفكار المتداعية المترابطة، قبل أن يمضي للكشف عن نواحي الغموض في الخضرة، وأحيانا أخرى يقدم لنا عنقودا من المعاني، دون أن يذكر مصادرها، وقلما يعرف القارئ على وجه الدقة كم من المعاني التي أوردها إمبسون كان مقبولا عهدئذ على نحو موضوعي، وكم هي المعاني التي كانت من ابتكاره، وفي خير الأحوال يختلط هذان الصنفان، فتكشف بصيرة إمبسون عن معنى قديم منسي، أو تكون مقنعة إلى حد أن تجعل المرء يعتقد أن الرأي الذاتي الذي عرضه هو حتما المعنى الصالح موضوعيا لكل زمان. وتفسيره لعادة استحضار الحمقى في الأعراس، في عصر إليزابث مثل نموذجي على هذا، حين يقول:
إن الفصل الهزلي الذي يتخلل الحفلة التنكرية في الأعراس العظيمة وهو يعتبر في مستوى أدنى من المستوى الإنساني، كان يقوم مقام الحمق الذي ينتج عن الفوضى، ليظهر إن الزواج شيء ضروري، فبدلا من أن يسخر الجمهور بالعروسين، يسخر منهما الممثلون في هذا الفصل فيؤدي وظيفة الجمهور

(2/81)


لكي يهدئ من شغف الحاضرين بالسخرية، وليدل على أ، الزواج أقوى من أن تضر به السخرية (كانت السخرية تدور على أن العروسين غير مخلصين أو بريئين؟ الخ).
وهذا في أسطر هو ملخص طريقة إمبسون في كتابه " صور من الأدب الرعوي " : المعرفة والاستطلاع الاجتماعي والسيكولوجي؛ التأكيد الأنثروبولوجي على أن الشعائر هي المحور، الوقوف بين بين إزاء الدراسة فلا قبولها تماما ولا رفضها بتاتا، حضور معنى الغموض والتركيب، ووجود المعاني المختلفة في مستويات مختلفة ومشتملات لا حصر لها؛ الاتهام الفكري بالوضوح في كل شيء، القراءة الدقيقة والداب الكثير، تجميع المادة المدروسة؛ الميل دائما للتعميم من المنهج الشكلي إلى نوع يضم الشكل والمحتوى؛ المعية الاستبصار وصوابه في النهاية. فلعل الرجل العروس في عصر اليزابث لم يكن يستطيع أن يفسر لم كانت حفلة عرسه تضم ناسا حمقى ولكنه المرء يشعر حتما أنه قد يوافق على تفسير إمبسون لو سمعه (أما خصم هذه الطريقة فقد يقول في جوابه: هذا صحيح ولكن الشخص الوحيد الذي يملك أن يفضي إليه بهذه الحقيقة هو أحد أولئك الحمقى).
3
- استمد امبسون كتابه الثاني من موروث في النقد النوعي، غير أنه ليس موروثا قديم الأصول، بل ينبع، في قليل أو كثير، من أدب القرن الثامن عشر الإنجليزي (وان كانت بواكير منه اقدم من ذلك تعود إلى بن جونسون وإلى فكرة دريدن عن المسرحية " الملحمية " وإلى غير هذين) وقد لحظ غمبسون أصوله المتصلة بالنوع " الرعوي " ، وربما كانت هي التي أوحت إليه بالكتاب، وذلك حين قال في الفصل الذي كتبه عن " أوبرا الشحاذ " أن سويفت ألمح إلى غاي بأنه يستطيع أن

(2/82)


يكتب أدبا رعويا يصور به نيوغيت (1) . غير أن إشارة غمبسون هذه غامضة قد توحي لسامعها بان غاي ربما كان يظن انه حقق ذلك؛ لكن القصة الحقيقية كما رواها بوب في " أحداث سبنس " Spence " s Anecdotes تدل على خلاف ذلك، قال بوب:
" كان الدكتور سويفت قد اقترح ذات مرة على المستر غاي ان قطعة رعوية عن نيوغيت قد تكون شيئا مستطرفا، ومال غاي إلى أن يجرب ذلك بض الوقت، ولكنه فيما بعد أن من الخير لو انه كتب رواية هزلية حسب الخطة نفسها، وهذا هو الذي أوجد " أوبرا الشحاذ " فبدأ بها؛ ولما ذكرها لسويفت، لم يرتح الدكتور كثيرا لهذا المشروع " .
إذن كان اسويفت هو أول من خطا خطوة في تجريد الموضوع حين رأى أن المنظر الرعوي الأدبي قد يتخذ مجاله في نيوغيت، ولكن غاي قام بالخطوة الثانية، وربما لا شعوريا، من الاقتراح الذي سمعه، فكتب هزلية عن نيوغيت، رعوية في أساسها، بينا برهن لسويفت أنه عاجز عن متابعته. غير أن الخطوة الأخيرة وهي التحدث عن نوع " رعوي " يعبر عن نزعة رعوية لم تتحقق إلا حين كتب هازلت " محاضرات في الشعراء الإنجليز " (1918) Lecturts on the Eng. Poets حيث قال:
" الرعويات الجيدة التي في لغتنا قليلة فعاداتنا ليست أركادية (2) ، ومناخ بلادنا ليس ربيعا، وعصرنا ليس ذهبيا، وليس لدينا أدباء رعويون يساوون ثيوقريطس، ولا مناظر جميلة كمناظر كلود لورين، وخير ما في " يومية الراعي " التي كتبها سبنسر أسطورتان هما: قصة الأم هبرد وقصة لسنديانة والعليقة، وثانيتهما قطعة فذة من الخطابة كالخطب
__________
(1) حي من أحياء لندن.
(2) نسبة إلى أركاديا في بلاد اليونان وبها يتغنى الشعراء الرعويون.

(2/83)


الفصيحة التي تلقى في مجلس الشيوخ. وقد خلف كل من براون، الذي تلا سبنسر، ووذرز قصائد رمزية ممتعة من هذا النوع؛ أما قصائد بوب فإنها مليئة بزخرف غث وتصنع رث حتى كأنما هي صورة أمير من أمراء المملكة كان يجلس لرسام يرسمه، وبيده محجن وعلى رأسه قبعة منتصبة، وهو يبتسم في هيئة تافهة جوفاء آخذة بحظها من الطبيعة والزيف. وأما اركاديا التي كتبها السير فيليب سدني فإنها اثر خالد للقدرة المنحرفة، لا تظهر فيها صورة فذة في جمالها، كصورة " الغلام الراعي، الذي يسترسل في تنغيم شبابته وكأنه لا يريد ان يكبر " غلا مرة في كل مائة صفحة من صفحات الفوليو، فهي مغمورة تحت أكوام من السفسطة الملتوية والأناقة المدرسية، وليست هي أبدا مشبهة لصورة نيكولاس بوسين التي يصور فيها بعض الرعاة يتجولون صبح يوم من أيام الربيع، ويبلغون قبرا نصب عليه هذا الشاهد " أنا أيضا كنت اركاديا " . ولعل خير اثر رعوي في لغتنا هو القصيدة النثرية " الصياد الكامل " لوالتون، فذلك الأثر المشهور ذو جمال ومتعة رومانتيكية، يساويان ما فيه من بساطة، وينجمان عنها. ففي وصف الكاتب للشص تحس بتقواه وإنسانية تفكيره؟ فهو يمنحك الشعور بالهواء الطلق ونحن نمشي معه على طول الطريق المغبر، أو نستريح عند ضفة النهر تحت الشجرة الظليلة، وحين نراقب الصيد ذا الزعانف نستشعر بجمال ما يسميه هو: " صبر الصيادين الشرفاء الفقراء وبساطتهم " .
هذا شيء قريب الشبه من استعمال إمبسون لمصطلح " رعوي " ، وقد انتقل فيه الشكل تجريدا، واصبح نزعة من النزعات، وبقي لجورج براندز حين كتب " التيارات الرئيسية في أدب القرن التاسع عشر " Main Currents of Nineteenth Literature في الدنيمارك سنة 1870 وما بعدها ان يخطو الخطوة النهائية الموصلة إلى الاستعمال الذي

(2/84)


أوجده امبسون، وأن يرى في البروليتاريين النبلاء عند جورج صاند أفكارا وآراء رعوية (دون ان يستعمل هذا المصطلح استعمالا مباشرا).
وهناك مصطلح لنوع من الأدب أشيع استعمالا من رعوي وهو " قوطي " ، بدا أيضا في القرن الثامن عشر، عند اسكندر بوب، فقد كتب يقول في شيكسبير: " على الرغم من كل أخطائه وعلى الرغم من كل ما في مسرحياته من شذوذ، فقد ينظر المرء إلى آثاره بمقارنتها مع آثار أكثر منها نظاما وصقلا كما ينظر إلى قطعة قديمة عظيمة من الفن القوطي إزاء مبنى نظيف جديد " وقد استمر الأسقف هيرد ووربرتون يستعملان هذا المصطلح النوعي " قوطي " . ووسع الدكتور جونسون في درجة مدلوله حتى شمل شيكسبير، فتحدث مثلا عن " أساطيره القوطية الغيبية " . وقد استعمل لفظ (قوطي " كمصطلح أدبي خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر منتقلا بالتدريج في ثلاث مراحل: وصف تحقير ووصف استحسان، وبينهما مرحلة حيادية لا إلى هذا ولا إلى ذاك. وخلال النصف القرن الأخير أكثر منه الدارسون والنقاد الألمان ومن أشباهه إكثارا غريبا. وفي آخر القرن الماضي بدأ مؤرخ الفن ألويس ريل البندقي هذه الحركة (التي نظمنها اليوم اشبنجلرية) بتسمية كل شيء يشبه في الأسلوب الفن الروماني المتأخر: " روماني متأخر " أو " رومانسك " مهما يكن شكله أو زمنه. وفي أول عقد من هذا القرن أتم فلهلهم فورنجر أفكار ريل وأن كان اختيار ان يتخصص في النوع المسمى " قوطي " ومنذ ذلك الحين وسع علماء آخرون مثل كارلنجر وفايسباخ وفلفلين في الأنواع حتى شملت أيضا الكلاسيكي ووليد النهضة والباروقي والروكوكو (1) ووجد النقد الألماني الحديث صورا من الباروقي في شعراء الإنجليز في القرن السابع عشر على تفاوت فيما بينهم مثل
__________
(1) إذا ذكر الروكوكو في الشعر عنى به ما أنشئ منه في بلاط السلطة المطلقة، ومن يحاكيها من البرجوازيين، وهو غزلي شهوي يعني بالمسائل الأخلاقية من الزاوية الجمالية فحسب.

(2/85)


دن وملتن ودريدن، كما وجدوا صورا من الروكوكو عند الشعراء الإنجليز أبناء القرن الثامن عشر؟ الخ.
وهناك نقد الماني أرصن في استعمال الأنواع وهو أقرب وشيجة بطريقة إمبسون، أشار إليه ولتر باتر في كتابه " استساغة " Appreciation فقد لحظ ان " روميو وجوليت " تضم ثلاثة أشكال أدبية - وهي السوناتة والأغنية الغجرية واغنية العرس - تحت شكل أكبر هو الرواية نفسها " والوقوع على هذه الفكرة من أيادي النقد الألماني " . ومهما يكن هذا النقد الألماني الذي يشير إليه باتر، فان هذا النقد قد حقق مهمة إمبسونية كاملة، غذ انه جرد الطبيعة الأساسية والنزعة في كل من السوناتة والأغنية الغجرية واغنية العرس من خصائصها الشكلية السطحية واستعملها بنوعيتها طرقا أو عوامل في المسرحية.
ولعل أكثر أشكال النقد النوعي طموحا هو ما قام به فردنند برونتيير الناقد الفرنسي والمؤرخ الأدبي. فمنذ كتابه " تطور الأنواع الأدبية " (1890) حتى دراسته لبزاك (1906)، على الأقل، كان كل عله وقفا على جهد عملاقي واحد ان لم نقل وحشي: وهو ان يكتب شيئا في الأدب مساويا " لأصل الأنواع " الذي كتبه دارون تتطور فيه الأشكال الأدبية من البساطة إلى التركيب، فتتولد وتتفرع وتتحول ثم تصل كمال النضج وتموت بينا الأشكال الناشئة الجافية، إذا أحسن تكييفها، تبقى بعدها وتخلفها. وعلى يديه يصبح الشكل الأدبي عضوانيا يتطور بغرابة بمعزل عن صاحبه بل يتحكم، حقيقة، في مصير نفسه إذ تعتمد قيمة الأديب حينئذ على حسن جده في أن يدرك زمانا يتيسر له فيه نضج شكل ولغة ويصبحان في متناول يده.
ولو أن الذي قام بهذه الدارونية الأدبية رجل اقل كفاءة لتمخضت عن بلاهة، ولكنها أنتجت نقدا جيدا لا يخطئه التقدير، وما ذلك إلا

(2/86)


لأنها لطفت بإطلاع بروتنيير الواسع، وإحساسه المرهف، وذوقه السليم، وإدراكه ان تعميماته، في الجملة، مجازية لا علمية. وحين يعرف برونتيير " الكلاسيكي " مثلا بأنه ذلك النوع من الأدب الذي يتم وجوده حين تنضج في وقت معا لغة شعب وشكل أدبه واستقلاله الأدبي وحين يؤكد أن النثر الأدبي قد يكون " كلاسيكيا " ومع ذلك يظل هزيلا غير أصيل - حينئذ يكون برونتيير منهمكا في نقد نوعي مضاد لنقد امبسون. فبينا يخلق إمبسون " نوعا " بانتزاعه نزعة ثابتة أصيلة من أشكال قد كيفها التاريخ، يعرف برونتيير " النوع " بأنه شكل نهائي لا يتطور إلا تحت شروط تاريخية ثابتة أصيلة. وكلا الرأيين تاريخيان دينامييان ولكن رأى برونتيير يتميز بأنه لاحق بنظرية التطور الغائية وليدة القرن التاسع عشر وأنه يرى في النوع عضوانية مصمتة تغير من شكلها كلما طورت حولها مستتبعات قوية. أما رأي إمبسون فانه وليد القرن العشرين وقد غابت عنه الغائية واصبح النوع يتغير فيه بتغير الشكل، ولا غاية فيه وراء ذلك. وإمبسون لا يستطيع ان يرضي تماما إلا الفكر الحديث ولكنا من صميم أفئدتنا نستحسن " جنات " برونتيير المحبوبة المنظمة بينا نحن ننكرها عليه ولا نرضى بها.
فإذا تجاوزنا إمبسون والأثر الصغير المستمد من كتابيه وجدنا ان كل النقد النوعي المعاصر - تقريبا - استعمل النوع ليتحاشى التحليل، أي هو نوع من إلقاء الشيء في زاوية الإهمال. وهذا النقد النوعي في أردأ أحواله يشمل المراجعات السهلة، والاستعمال الآلي الأجوف لكلمات مثل " رومانتيكي " و " كلاسيكي " و " واقعي " و " رمزي " وهو في خير أحواله أو، على الأقل، في وضعه المحترم، موروث غريب فيما كان لولاه تاريخا أدبيا قيما يمكن ان نسميه " العناوين الرفيعة " ويبدو أن هذا قد ابتدأه براندز بكتابه " التيارات الرئيسية في أدب القرن

(2/87)


التاسع عشر " فقد لجا براندز إلى هذا النقد النوعي في الفصل الخامس أي في الجزء الذي يدور حول الجماعة يعجز براندز عن دراستها، أعني الأدباء الإنجليز في النصف الأول من القرن التاسع عشر. وتخلق عناوين فصوله تمييزات نوعية تحكمية مثل " الطبيعة " و " الإنسانية الجمهورية " و " والطبيعي الراديكالية " و " الواقعية الكوميدية والتراجيدية " وهكذا، وتحاول الفصول هذه ان تلصق تحت العناوين مضمامين، فلا تصيب إلا نجاحا ضئيلا.
والتقط بارنغتون هذا العيب ومزجه بمظاهر مفيدة أستمدها من براندز فإذا كتابه " التيارات الرئيسية في الفكر الأميركي " وإذا بعض عناوين فصوله مثل " الحر الداعي إلى قسمة الأرض " و " الحر الذي يدعو لحرية الأرقاء " و " الحر البيورتاني " و " النقد المثالي " و " الاقتصادي المثالي " و " الحاكم المثالي " - إذا بها جميعا تنساق في تحكم مشابه بهذه القسمة النوعية. وأكبر وارث لهذه التركة في الأيام الأخيرة هو هاري سلوخور، فقد وضع في كتابه الأول " ثلاثة من أساليب الإنسان الحديث " Three Ways of Modern Man ثلاثة أنواع هي: الاشتراكية الإقطاعية والحرية البرجوازية والنزعة الإنسانية الاشتراكية. أما في آخر كتبه " لا صوت يضيع بالكلية " No Voice is Wholly Lost فقد تشعب هذا الميل عنده وتولد عنه عناوين نوعية جوفاء مثل الحرية البوهيمية والنفي العالمي والصلب الدنيوي والاستنقاذ الجمالي والاستعلاء الأرستقراطي والاستعلاء الديموقراطي والفاشية الفاوستية واليهودية الروحية والذاتية البوهيمية.
وأخيرا تبقى طريقة إمبسون كما عالجتها الأيدي الأخرى فقبل أن يقرأ كنث بيرك " بعض صور من الأدب الرعوي " - فيما يظهر - وضع تخطيط كتابه " نزعات نحو التاريخ " Attitudes Towards History وهو توسيع مشابه للأنواع الشعرية ومنها - الملحمة والمأساة والملهاة والفكاهة

(2/88)


والمرثاة والهجائية والمعارضة المجونية والشعر التعليمي - ويقول في كتابه أن " الشعر الرعوي " الذي أفرده إمبسون يقع، فيما يبدو " في منطقة بين الفكاهة والمرثاة ومعه عناصر هامة من الشعر الملحمي " . وفي هذه الفقرة نفسها يكتب تعليقة في الحاشية ذات إيحاء باهر ورد فيها إن قصيدة " ليسداس " (1) ليست تدور حول أدورد كنج بل حول ملتن، في سنتي 1638، 1639. وفي خلال العشرين السنة التالية كرس ملتن كل جهوده للنثر الجدلي، باستثناء سوناتة عارضة.
فهذه التواريخ، إذا شفعنا بها مضمون القصيدة، قد تبرر اعتقادنا أن " ليسداس " كانت رمز موت لنفسه الشاعرة وقد تلتها فترة انتقال (أي فترة " التطرح في الأسفار " ) ثم ركز نفسه على الكتابة بالنثر، وفي خلال فترة النثر أخفى " الملكة التي كان إخفاؤها أخا الموت " باستثناء تلك السوناتة التي كانت وليدة مناسبة.
ومنذ أيام الدراسة كان ملتن قد رسم لنفسه أن يكتب قصيدة واسعة المجال وتشبثت به هذه الفكرة فلم تغادره أبدا، وفي حدة اشتغاله بإصدار النشرات السياسية ظل يتلمس الموضوع المناسب (وفي إحدى الساعات صمم أن يكتب عن هبوط آدم)؛ وفي " ليسداس " يعترف إنه يحمل نفسه الميتة معلقة وأنه لابد أن ينبعث حيا ذات يوم. وبعد مراسيم الخشوع الجنائزية التي يبثها فيما يستنفره من مواكب الأزهار يضيف هذا القفل الشعري:
" كفكفوا غرب الدموع، أيها الرعاة المحزونون، كفكفوا غرب الدموع لأن لسيداس، مبعث أساكم، لم يمت،
__________
(1) أسم ورد عند ثيوقريطس شاعر الرعاة، وأتخذه ملتن كناية عن صديقه أدورد كنج الذي مات غرقا.

(2/89)


وإن كان الثبج المائي قد احتضنه؛
كذلك تغرق ذكاء في قرارة الماء
ثم تنتفض ويذر قرنها المتدلي
وتصفف ذوائب نورها، وتتوهج ببريق ذهبها الجديد
على صفحة أفق الصباح
وكذلك ليسداس؟ "
وبقي الشاعر حيا على الرغم منازعة الموت له، وعند عودة الملكية بعد زوالها في أيام كرومول ينتعش حيا، ويفي بعهده على نفسه بكتابة " الفردوس المفقود " وإن عاد إلى رحم الشعر كواحد من ذوي " الأفواه الخرس " التي تحدث عنها في قصيدة " ليسداس " .
ترى أتقبل هذه اللفتة من بيرك الأستاذ ليونارد براون بجامعة سرقوسة أو سبقه إليها أو أوحى بها إلى الناقد الاميركي؟ مهما يكن وجه المسالة، فان براون صرف في العقد الرابع من هذا القرن بعض الوقت وهو يدرس ليسداس وثلاثا أخر من المرائي الإنجليزية الرعوية الكبرى وهي أدونيس لشللي، والذكرة لتنيسون، وترسيس لآرنولد، ولكنه لم ينشر تلك الدراسة. وقد وقع على الكشف الفذ حين أعلن أن المرثاة في كل حالة تتحدث عن الموت الرمزي للشاعر، متمصا صديقه، وهو في تمنيه الحياة لصديقه كان يعلن عن الولادة الفنية الجديدة لنفسه، في صعيد آخر. وقد انتزع براون " المرثاة " وجعلها عاملا مشتركا - كما انتزع إمبسون " الشعر الرعوي " (1) - أي جعلها نوعا أدبيا جوهره الموت
__________
(1) إن " المرثاة كما يراها براون، شعيرة للموت والولادة الجديدة اقرب إلى الأصل وإلى جوهر الشيء الذي صدرت عنه كلتاهما أي الرعوية البابلية الرثائية (كما يمثلها النواح على تموز) من اصطلاح " رعوي " عند إمبسون فإنه يظل على تركيبه ممثلا لنزعة، ويقلل من القدرة التطهيرية للشعيرة المتضمنة فيه.

(2/90)


الرمزي والولادة الجديدة اللاحقة للموت في مرحلة انتقالية عند الشاعر حتى أننا لنستطيع أن نطبق هذه الفكرة على آثار متباينة الأشكال مثل " الجبل السحري " Magic Mountain لتوماس مان و " العاصفة " لشيكسبير ومن المؤسف أن الأستاذ براون لم يشأ نشر دراسته هذه عن المرثاة وهي خير دراسة مسهبة في باب النقد النوعي يمكن أن تنافس ما حققه إمبسون في " الشعر الرعوي " - فيما أعلم - وقد كانت أذن تكون طليعة وحافزا لعدد من الدراسات الإمبسونية المشابهة عند النقاد؛ وإذن كانت تصقل وتفيد في بحثها عن القيمة والجوهر أنواعا أدبيا أدركها البلى مثل ملحمة وأغنية، وأغنية عرس.
4
- إحدى المشكلات التي تثيرها هذه الطرافة الظاهرة في نقد إمبسون هي علاقته بسائر النقد والنقاد. وتقوم اقرب الصلات طبعا بين نقده ونقد رتشاردز الذي كان أستاذه بكلية ماجدالن بكمبردج والذي أوحى غليه بكتاب " سبعة نماذج من الغموض " عن لم يكن مصدر وحيه في كل أثاره. كتب رانسوم يقول: " التلميذ اللامع شهادة حدسية لأستاذ لامع، ولقد كانت شهرة رتشاردز تتأثل لو انه لم يصنع شيئا إلا بأن كان مصدر وحي لامبسون " . وقد خط إمبسون اعترافه بدينه لأستاذه، مرتين على الأقل مرة في " سبعة نماذج من الغموض " فكتب في كلمة التصدير يقول: " ان المستر إ. أ. رتشاردز وكان حينئذ الأستاذ المشرف على القسم الأول من امتحان الشهادة الإنجليزية، قد طلب إلي ان أكتب هذه المقالة وأخبرني عن أمور كثيرة أدرجها فيها فديني له كبير بمقدار ما يكبر الناس هذا العمل " ؛ ومرة في " بعض صور من الأدب الرعوي " حيث كتب في فاتحة الفصل عن " حديثة مارفل " : " تهيأت

(2/91)


لدارسة هذه القصيدة حين استمعت إلى حديث جديد للدكتور رتشاردز عن جدل فلسفي في آراء منكيوس " . وفي كلا الكتابين تجده يقتبس اقتباسا كثيرا من آثار رتشاردز.
وكل كتاباته، بمعنى أوسع، قد أوحى بها رتشاردز على التعيين من حيث أن كل ما كتبه إنما هو تطبيق لنظريات رتشاردز عن طبيعة المعنى والتفسير الشعري، كما أن المبدأين الأساسين لكتابيه " الغموض " و " الأدب الرعوي) متضمنان جميعا في كتاب " معنى المعنى " وقد اعتمد في دراسته. أساسا مبدا الاستمرار الذي تقدم الحديث عنه، مستمدا له من رتشاردز، اعني أن التجربة الشعرية تجربة إنسانية كأي تجربة أخرى ويمكن دراستها بمقارنتها إلى غيرها، واستمد غمبسون من رتشاردز أيضا العقلانية التي تجعله يؤمن ان أي شيء في النهاية يمكن إخضاعه للتحليل، والطبيعة التي تجعله يفضل شيئا " محسوسا " على شيء " سحري " . زد إلى ذلك انه مدين لرتشاردز بالاتجاه الفيزيولوجي الذي يقوده ليبحث النثر وإيقاع الشعر بنسبة دقات القلب في " سبعة نماذج " ؛ مدين له أيضا بالاهتمام بإجراء الاستقبالي من عملية الإيصال والنقل التي تتمخض لديه عن اختتامه حديثه في " أوبرا الشحاذ " بعدد من ردود الفعل لدى الجمهور، وهي ردود فعل مركبة نظرية ساخرة. كذلك فهو مدين له بعنايته بالإنجليزية الأساسية وبرغبته في الشرق (وربما أوحى بهذا دراسات رتشاردز الشرقية والتعليم في الصين وكتاب عن منكيوس) بل مدين له بالنغمة التعليمية وبعقيدته في الكلمات ذات المقطع الواحد وهو يتردى فيهما بين الحين والحين ( " إن الفكرة، التي ترى أن دس حقائق إضافية حول وجهة نظر ما تجعل الأسطر أبعث على الإمتاع، لهي مجرد خطأ " ).
ومع هذا فأن إمبسون ليس دائما في موقف المتلقي لتأثير أستاذه بل

(2/92)


له هو تأثر كبير فيه. يقول رتشارد ابرهارت الذي زامل إمبسون في دراسته على رتشاردز بكمبردج، في مقال نشره بمجلة اكسنت، صيف 1944، عنوانه " شعر إمبسون " :
ألهب تلميذ رتشاردز خيال أستاذه وفهم الأستاذ قيمة تلميذه، على التو. ومع أن الدين في ارتباط هذين المجدالنيين منذ سنة 1927 هو دين إمبسون لأستاذه؟ فإن الأستاذ استغل الإرهاف في عقل التلميذ، وكان من الحكمة بحيث رأى في بوادر نقد إمبسون ملحقا طيبا لنقده، وأن اختلفت غايتاهما.
وكتب رتشاردز تعليقة عن إمبسون نشرت في ربيع سنة 1940 من مجلة فوريوزو Furioso يفسر بها منهج محاضرة إمبسون في ييل عن كيفية تكون " سبعة نماذج " ، وإذا حسبنا حساب تواضع رتشاردز نفسه في هذه الكلمة، بقي فيها ما شهد بان خطة إمبسون في تأليف كتابه كانت أكثر استقلالا مما صورته كلمة التصدير. يقول رتشاردز:
كسب وليم إمبسون شهرته أول الأمر بكتابه سبعة نماذج من الغموض، وهو كتاب ظهر للوجود على النحو الآتي تقريبا: كان مؤلفه يدرس الرياضيات بكمبردج ثم تحول في عامه الأخير لدراسة الإنجليزية، ولما كان منتسبا لمجدالن فقد قيض لي ذلك أن أكون أستاذا مشرفا على دراساته. ويبدو انه قرا من الأدب الإنجليزي أكثر مما قرأت، وأنه قرأ ما قراه حديثا وخيرا مني، فكاد الأمر ينعكس بيني وبينه، ويصبح هو المشرف على دراساتي لا أنا. وفي زيارته الثالثة لي، احضر معه " لعبة " التفسير التي كانت لورا رايدنغ وروبرت غريفز يلعبانها بذلك الشكل غير المرقم من سوناتة

(2/93)


مطلعها " ان تبديد الروح في حماة العار " فاخذ إمبسون تلك القطعة كما يأخذ الحاوي قبعته، واستخرج منها حشدا لا يحصى عدده من الأرانب الحية، وحين انتهى من ذلك قال: " إنك تستطيع ان تصنع الشيء نفسه بأي شعر، أليس كذلك؟ " . وكان هذا مبعوث العناية الإلهية لأستاذ مشرف على الدراسات، فقلت له " خير لك ان تقوم بذلك أنت. الكاتبة على الورق. وهل أحاسب لو استمر في ذلك؟ أبدا وفي الأسبوع التالي مثل أمامي يتأبط إضبارة سميكة من الورق المطبوع على الآلة الكاتبة بخط لا يكاد يقرأ - أي 30 ألف كلمة أو نحوها من الكتاب، وهي لب موضوعه. لست أذكر أي نقد أدبي آخر كتب من يومئذ، وكان ذا أثر نافذ متميز كهذا النقد. عن قرأت منه كثيرا على دفعة واحدة ظننت انك شرعت تلتقط زكاما حادا فاقرأ قليلا بعناية، وقد تتغير عادتك في القراءة - إلى احسن، فيما اعتقده.
أما بقية تعليقة رتشاردز فتتحدث عن شعر إمبسون، وتحده بأنه: " حديث حافل، مصبوب بأعجوبة في أكثر القوالب الشكلية ثباتا " و " ميتافيزيقي في جذوره " ويقر بان ذلك الشعر في بعض الفترات " انماث في الاستعارات الواهمة المحشودة المرصوفة حتى اصبح لغزا " . أما اليوم فأنه فيما يقول " عاد - كما يبدو مرة أخرى إلى أول الشوط ليبدأ سيره على الجادة " . ويقدم لنا رتشاردز، كي يقرر لدينا التنبه إلى المعنى الباطني العميق في شعر إمبسون، خبرا آخر بالغ القيمه ذلك هو تذكره قولة إمبسون " ان في " أليس " أشياء تلقي الرعب في روع فرويد " ، والشيء الغريب ان تشاردز فيما يبدو يهتم بشعر إمبسون

(2/94)


حقا، اكثر من اهتمامه بنقده، وهذا الملحظ يجب ألا يوحي بان شعره لا يكفل تقديرا بالغ الرفعة. ويخبرنا ابرهارت ان رتشاردز، " الذي قد يغتفر له محاباة أستاذ عالم نحو تلميذ عالم " يظن أن إمبسون خير شاعر بين جميع معاصريه، ومما يؤكد هذا أن رتشاردز في كتبه لا يزيد على أن يشير إلى نقد إمبسون أو يقتبس منه باختصار - فيما أعلم - ولكنه في مرات عديدة يستطرد إلى مدح شعره في إطراء بالغ. ففي كتابه " رأي كولردج في الخيال " يضعه في مكانين مع ييتس وأودن واليوت وهوبكنز ولورنس؛ وفي " كيف نقرأ صفحة " How to Read a Page يقتبس رباعية من قصيدة إمبسون " الشجاعة تعني الهرب " من ديوان " العاصفة المحتشدة " The Gathering Storm ويعلق عليها بقوله: " شاعر حديث - لديه ما يقوله أكثر مما لدى الآخرين، وهو يكونه مؤلف " سبعة نماذج من الغموض " على معرفة - أكثر من سواه - بما يقوله وبكيفية ما يقول - يعبر عن مشكلة كل أديب بصراحة نادرة محببة في هذه الأبيات " ، ثم يزود هذا بصفحتين من التعليق في الحاشية. ومن الغريب أن هيو ر. والبول نفسه، وهو أحد تلامذة رتشاردز، يشير إلى إمبسون في كتابه " سمانتيات " Semantics لا على إنه ناقد بل يضعه في قائمة الشعراء المحدثين الذين يعدهم " شخصيات عذبة خصبة " (مع إنه يستعمل عبارة من " سبعة نماذج " في الملحق للتمرين على القراءة).
وقد ألمح رتشاردز في تعليقته عن تكون " سبعة نماذج " إلى المصدر الثاني الذي يعد إمبسون مدينا له في طريقته ذلك هو لورا رايدنغ وروبرت رتشاردز: " وأنا استمد هذه الطريقة التي أستعملها من تحليل الآنسة لورا رايدنغ والمستر روبرت غريفز لسوناتة شيكسبير ومطلعها:
أن تبديد الروح في حماة العار.

(2/95)


في كتابيهما " جولة حول التجديديه الحديثة في الشعر " A Survey of Modernist Poetry والإشارة هنا تنصرف إلى الحديث المسهب عن السوناتة رقم 129 عند الحديث عن قصيدة لكمنجز، وقد بين كل من الآنسة رايدنغ وغريفز أن تهجئة شيكسبير وترقيمه في نسخة " الربع " إنما صدرت عن وعي وإنها مليئة بالمعنى مثل تهجئة كمنجز وترقيمه، وأن الناشرين الذين نقلوا نص السوناتة إلى التهجئة الحديثة وأعادوا ترقيمها قد بسطوا كل ما فيها من غموض او معان " متشابكة " الحبك وجعلوا كل إمكاناتها واحدة لا مكثرة. ولا ريب في أن تحليلهما للقصيدة عمل جميل، أهل لان يدفع بإمبسون قدما، أما بقية الكتاب فليست بذاك، وليست كفاء بمستوى النقد الجيد حتى في نظر القراء حينئذ (1927). وبهدف المؤلفان فيه إلى التمجيد والدفاع عن اليوت وكمنجز والآنسة سيتول والآنسة شتاين باعتبارهم منائر " للنزعة التجديدية " ويوغلان كثيرا في إبراز فكرتهما حتى إنهما يقومان بأعمال هرقلية بطولية، كأن يعيدا كتابة شعر كمنجز على نحو تقليدي ويعرفان الطريقة اللغوية عند الآنسة شتاين بمصطلح فلسفي. وذوقاهما تحكميان قلقان فهما يحتقران ستيفنز والدكتور وليمز ويعدانهما " تجديديين " زائفين ويثنيان على ماريان مور، ولكنهما يضعان آثارها في صف " الحقائق النثرية المألوفة " . ويسيئان قراءة اليوت إساءة صارخة، فيتخذان تحليل الطلبة الجامعيين المعروف، بنثر قصيدة " اليباب " شاهدا عليها، ويعتبرانه صورة للحقارة الحديثة في مقابل الرومانسية في عصر اليزابث ويخطئان فهم السر في كثير من الإشارات والحبكات الساخرة التي تقدم لنا " برنانك مع بايدكر " و " بلايشتاين وفي فمه سيجار " (وأن أهل البندقية في ربان مجدهم كانوا ذوي حضارة تجارية كاليهود تماما) وعلى العموم يبين المؤلفان إنهما لا يعبآن بان يعرفا ما يجهلانه، وهو وفير

(2/96)


(هاهنا أيضا نترك هذه الأصول لنقاد يعتزون بالكشف عن هذه الإشارات أكثر منا " " أهذا هو؟ أو.. " " أننا نعترف بأننا لا نعني.. الخ " ). وواضح ان إمبسون استخلص زبدة ما لديهما.
وقد زعم كلينث بروكس في دراسته لنقد إمبسون أننا قد " نرجع بالطريقة [الإمبسونية] خطوات أخرى إلى الوراء " ، فنراها في تحليل ييتس ذي الطابع " الامبسوني " لقول بيرنز " القمر الشاحب يغرب " ونراها في قراءة كولردج لمقطوعة من " فينوس وأدونيس " . وهذا نوعا ما مغالاة في تقدير تعليقة ييتس، وهي أقرب إلى تأكيد استحالة التحلي، لا النص على التحلي - سواء كان هذا إمبسونيا أو غير ذلك. قال ييتس في " رمزية الشعر " 1900:
ليست هناك أبيات ذات جمال حزين كهذين البيتين لبيرنز:
القمر الشاحب يغرب خلف الموجه البيضاء
والزمان يغرب بي والهفتاه!
فهذان البيتان رمزيان تماما. انتزع منهما شحوب القمر وبياض الموجة - وعلاقة هذين بغروب الزمان دقيقة يعز على الفكر إدراكها - فإذا بك تنزع منهما جمالها؛ ولكن إذا اجتمعت هذه العناصر كلها معا: القمر والموجة والشحوب والبياض وغروب الزمان والصيحة الحزينة الأخيرة " والهفتاه " فإنها تثير عاطفة يعجز عن أن يثيرها أي نظام آخر من الألوان والأصوات والأشكال.
أما تحليل كولردج فإنه إمبسوني حقا وقد يعد سلفا لطريقته فيتناول كولردج المقطوعة الآتية:
بلطف لطيف أخذت يده بيدها:
زنبقة مزمومة في سجن من الجليد

(2/97)


أو عاج في طوق من المرمر
فيا لصديق أبيض يطوق مثل هذا العدو الأبيض.
ويتخذها مثالا " للوهم " ويقارنها بالمثنوية الآتية من القصيدة:
تأمل! كغيم لامع ينقض من السماء.
كذلك هو ينساب في الليل إمام عيني فينوس.
ويحللها مثالا على " الخيال " . وفي كلا النصين يحاول كولردج ان يعرف بعضا من المعاني والإمكانات الكثيرة التي تجعل هذين الأنموذجين من الصورة أمرا لا ينسى (قراءته لهما يمكن الحصول عليها في " بقايا أدبية " وهي موسعة مدروسة في كتاب " رأى كولردج في الخيال " لرتشاردز).
ومما يستحق أن ننوه به علاقة إمبسون بعديد من النقاد الأميركيين، وأغرب العلاقات هي التي تربطه بكنث بيرك؛ فإني فيما أعرفه من آثاره لم أجده أبدا ذكر بيرك أو واحدا من كتبه ومع ذلك، فأما أنه قرأ بيرك وتشرب أثره دون أن يذكره، أو أن توارد خاطريهما أمر فذ، فالفكرة الأساسية في " بعض صور من الشعر الرعوي) تكاد تكون كلها تمرينا على تطبيق نظرة من أشد نظرات بيرك تفردا وذكاء أي " رؤية التناسب في اللامتناسب " ، وما يزال إمبسون يعبث بمثل هذه التورية التي جعلها بيرك من اختراعاته الخاصة (التورية foil - soil في فصل عن " الحبكة المزدوجة " أوضح أمثلتها). ولنقد إمبسون، بوجه عام، طابع " بيركي " لا يستطاع تعيينه عند نقطة معينة.
أما بيرك فانه من ناحيته يشير كثيرا إلى إمبسون باستحسان. وفي كتابه " نزعات نحو التاريخ " يضع " بعض صور من الأدب الرعوي " في صف مع كتاب رتشاردز " مبادئ النقد الأدبي " وكتاب الآنسة سبيرجن " الصور عند شيكسبير " ويعدها جميعا " أهم إسهامات للنقد الأدبي في إنجلترة المعاصرة " ويتحدث عن فكرته وقيمته في عدة صفحات.

(2/98)


وفي الملحق على كتابه " فلسفة الشكل الأدبي " أدرج مراجعتيه الحافلتين بالتقدير لكتاب " بعض صور؟ " وكان قد نشر أولاهما عن الطبعة الإنجليزية بمجلة " شعر " والثانية بمجلة " الجمهورية الجديدة " عند ظهور الطبعة الأميركية. وكلتاهما ثناء جهير على الكتاب وهما تعرفان نواحي القصور فيه على إنها مقصودة للإيحاء لا وليدة المنهج المرسوم، وتزيدان إلى تعليقات هوامشه لا إلى عرضه الموثق، وتنتهيان إلى أن يسلك بيرك نفسه فيمن يوافقون إمبسون في صور التشابه الأدبي الأساسي لا في صور الاختلاف. وأخيرا يفيد بيرك في كتابه " نحو الدوافع " إفادة خاطفة من فكرتي إمبسون في " الأدب الرعوي " و " الغموض " ، ويعترف بذلك في الحالين. وخلاصة ما هنالك في تصوير هذه العلاقة ان يقال: غمبسون مدين لبيرك أو يتوارد خاطراهما، وبيرك يتقبل أفكار إمبسون باستحسان ويفيد منها شيئا.
أما أكبر تأثير لامبسون فيظهر عند ناقدين أميركيين آخرين وهما جون كرو رانسوم وكلينث بروكس. فقد كتب رانسوم عنه بإسهاب اكثر مما كتب أي ناقد آخر، وخصص له الجزء الأخير، ومقداره ثلاثون صفحة من فصله عن رتشاردز في كتاب " النقد الجديد " . وكتابته عنه. " أنني لاعتقد انه احفل الدراسات التي طبعت خيالا، وأن إمبسون أدق قارئ أحرزه الشعر، وأغزره مادة " . ويقول في موضع آخر: " أظن أن كتابات كهذه، مضاء وصبرا وتسلسلا، ولا يقيد رانسوم هذا الثناء إلا بقوله: إن إمبسون يصرف همته في المقام الأول إلى " المحتوى العرفاني " لا إلى الشاعر في الشعر حتى إننا لنخشى أن تكون قراءاته مجاوزة لطورها قليلا، وأن لديه خيالا زاخرا (ويقول رانسوم أن ذلك خير من الخيال الفقير) وأن نقده حتى اليوم يحوم حول القصيدة، أي

(2/99)


أنه يتجه نحو إبراز " النسيج " أكثر من " البناء " . ومع هذا فإن رانسوم يختتم كل هذا بقوله:
يبدو أنه ليس من المستحيل علينا أن نحصل على قراءات دقيقة من علاقات النسيج والبناء التي وجدها الشعراء حقا تحقق الغرض في الماضي، وخير ناقد موهوب في العالم لأداء هذه المهمة أداء جيدا هو، فيما اعتقد، المستر وليم إمبسون، دارس أنواع الغموض. فقد كانت دراساته، حتى اليوم، ممارسة جانبية قيمة، محايدة قليلا لمشكلات النقد الكبرى غير أنه ربما كانت لديه عبقرية بعيدة الشأو لتقييم ذلك الشيء الذي لا تدركه الحواس ونسميه " الموقف " الشعري. نعم لدينا نقاد آخرون لا ننقصهم أقدارهم، غير أن دراساتهم ليست كدراساته نفاسة وقيمة.
ويمكن فهم هذه الاستشكالات التي يثيرها رانسوم، بل يمكن التقليل من شانها، فيما أعتقد إذا نحن تذكرنا أن ما كتبه عن إمبسون في كتابه - وإن كان قد نشره سنة 1941 - لا يتناول إلا " سبعة نماذج من الغموض " وأنه، ولابد، كتب قبل ظهور " بعض صور من الأدب الرعوي " وفي هذا الثاني تحول إمبسون، على التعيين، (عن كان فهمي للمصطلحات صحيحا) إلى المشكلات التي يسميها رانسوم " البناء، وعلاقات البناء والنسيج، كما أتجه إلى قراءات أقل انطلاقا من سابقتها، بعض الشيء.
وفي الوقت نفسه يشير رانسوم في حديثه عن إمبسون إلى أن هذا الناقد " لم ينته من موضوع " الغموض، وأنه يثير القارئ إلى أن يصنع لنفسه تصنيفا لأنواع الغموض. وفي خلال القطعة كلها يندفع رانسوم ليعمل بدقة تصنيفه الخاص، فيستخلص: النوع: " المقيد أو الخبري "

(2/100)


والنوع " المعلق أو المؤقت " و " الغموض النظري المحض في استعمال المجاز " أي النماذج المزيدة: 8، 9، 10 (وأقول على سبيل التعليق الساخر على هذا الموقف بان الإشارة الوحيدة التي أشار إمبسون بها إلى رانسوم، فيما أعلمه، هي نوع من الحديث الهازئ المستخف، في قطعة له عن كلينث بروكس، تناول به قصيدة لرانسوم تدور حول طفلة ماتت دجاجتها المدللة).
أما العلاقة بين إمبسون وكلينث بروكس فقد كانت، على الاقل، متبادلة لا من جانب واحد. فان الكتاب المقرر " كيف نفهم الشعر " تأليف بروكس وورن يشير إشارات كثيرة إلى إمبسون. ويعترف بروكس في مقدمة أول كتاب نقدي له " الشعر الحديث والاتباعية " المنشور سنة 1939 انه " يستعير " من إمبسون (ومن اليوت وتيت ويبتس ورانسوم وبلاكمور ورتشاردز وغيرهم) كما إنه في المتن يقتبس من فكرته " اللامعة " عن الحبكة الثانوية في روايات عصر اليزابث وعن " أوبرا الشحاذ " ويذكر ما كتبه عن " الفردوس المفقود " . فلما ظهر هذا الكتاب راجعه إمبسون في مجلة " شعر " ، كانون الأول (ديسمبر) 1939، ومع أنه رد التحية بمثلها فوصف الكتاب بأنه " لامع " ، إلا أنه أنفق أكثر وقته في إعلان مخالفاته للمؤلف: فهو على خلاف بروكس لا ينفي الدعاية من الأدب، ولا ينفي العلم، وأنه قد يعلن الحرب أيضا على أكثر الموقف العام في الكتاب، كما يعلنها على كثير من الأحكام فيه بأعيانها. ولما كتب بروكس، سنة 1944، دراسة في مجلة " اكسنت " لنقد إمبسون، تحمس فيها كثيرا، وأن كانت تمس بلطف زلات إمبسون العلمية وعقلانية و " نزعته الذاتية " (وسنتحدث عن هذه الثالثة فيما يلي) حتى أنه ختمها بهذا المديح:
في هذا الوقت الذي تنذر فيه دراسة الأدب بالانحراف نحو علم الاجتماع، ويتنبأ فيه العارفون علنا بموت الدراسات

(2/101)


الكلاسيكية، من المستحيل علينا أن نغالي في تقدير أهمية هذا النوع من النقد الذي يظل إمبسون ألمع القائمين بشأنه. فليس هو حقا الأديب القديم الطراز الذي يسحرنا فيجعلنا نؤمن على دراسته المريحة باقتباسه من لام وبعد ذلك يلقي علينا عند الانتهاء اقتباسه من هازلت. ومن ناحية ثانية ليس هو حقا مجرد شاب لامع يحمل كيسا مليئا بالأدوات السيكولوجية. إنما هو ناقد من أقدر نقادنا وأرصنهم، ودراساته حافلة بنتائج ثورية إذا هي طبقت في تعليم كل الأدب، ثورية إذا اعتبرنا مستقبل التاريخ الأدبي.
ومنذ السنوات الأخيرة من العقد الرابع من هذا القرن أخذ بروكس يستغل مبادئ إمبسون في مراجعاته (في إحدى المرات تحدث عن " أشعار مجموعة " لروبرت فروست، مثلا على " الشعر الرعوي " ). وفي احدث كتبه " الزهرية المحكمة الصنع " أستمد من إمبسون خلال هذا الكتاب، مركزا نظرته الجديدية في " التناقض " على فكرة " الغموض " ، معلنا الحرب، في الوقت نفسه، على قراءة إمبسون الاجتماعية للجواهر والأزهار التي تتورد غير منظورة في " مرثاة " غراي، متهما له بأنه يقتسر من القرينة تفسيرا سياسيا (وهو اعتراض ألمع غليه منذ سنة 1938 في " كيف نفهم الشعر " حيث طبع قراءة إمبسون للمقطوعة وشفعها بهذا الواجب الثقيل المطلوب من التلاميذ تحقيقه: " انقد تحليل إمبسون من حيث علاقته بالقصيدة كلها " ) ثم راجع إمبسون هذا الكتاب في مجلة " سيواني " عدد الخريف 1947 وأعلن عن مخالفاته له، ودافع عن موقفه من كيتس " قصيدة في زهرية إغريقية " ورد عليه بروكس في العدد نفسه. ولا يستطيع أحد أن يتكهن إلى أين ينتهي هذا الجدل في النهاية.

(2/102)


وقد أشرنا من قبل إلى أثر إمبسون في بلاكمور وإلى اقتباس مود بودكين عنه، وسنتحدث عن علاقته بجماعة مجلة Scrutiny، أما فيما عدا ذلك فنقول أن إمبسون كان واسع الأثر ولكنه لم ينقد إلا نقدا ضئيلا فأثنى هربرت ريد على " تحليله اللامع " للغموض، وأشار إليه آلان تيت باقتضاب، وكذلك فعل روبرت بن ورن. واستمد آرثر ميزنر من استطلاعات إمبسون لمدة عشر سنوات، على الأقل، دون ان يفهمها جيدا، أو هكذا تدل مراجعته للشعر الرعوي الإنجليزي في مجلة " بارتزان " عدد كانون الأول (ديسمبر) 1937 حيث أثنى على إمبسون بأعلى ألفاظ المديح وأعلن ان كل شيء تقريبا ابتداء من " الجبل السحري " حتى " مالي وما ليس لي " To Have and To Have Not إنما هو أدب رعوي بالمعنى الذي يقول به المستر إمبسون. وقد أدى راندل جرل تحليلا إمبسونيا لامعا عنوانه " نصوص من هيمان " Texts From Housman في مجلة " كينيون " عدد الصيف 1939، ولكنه لم يتحدث عن آثار إمبسون فيما اعلم. وأثنى لوول على إمبسون، وعده أحد خير خمسة من شعراء الإنجليز الأحياء، (والآخرون هم توماس واودن ومكنيس وغريفز). وقدم له توماس نفسه مديحا ساخرا كشاعر، نصف قصيدته الريفية " رجاء إلى ليدا " وعنوانها الفرعي " برسم الولاء لوليم إمبسون " أما وليم يورك تندال فقد أثنى على شعر إمبسون في كتابه " القوى في الأدب الإنجليزي الحديث " وليس لديه ما يقوله في نقده إلا أنه يبلغ درجة الطريقة القديمة من " تفسير النصوص " ، وانه كتب بطريقة غير جذابة، كما كتب نقد رتشاردز.
وأدرج اسمه هربرت مللر في كتابه " العلم والنقد " Science and Criticism بين جماعة من النقاد المحدثين لا يبارون في " التحليل الحاد اللبيق " ويشير إليه إشارة أو اثنتين، ولكنه لا يتحدث عن نقده. وقد تقدم القول

(2/103)


بأن دارسي شيكسبير ونقاده قد أجمعوا على مؤامرة من الصمت ليخملوا انتاجه، مثلما فعل أيضا، على نحو أقل، الذين كتبوا في الشعر الميتافيزيقي، وهو مجال أدى فيه إمبسون بعضا من أكثر أستقصاءاته المعية (1) . وأشد هجومين حادين على إنتاجه فيما أعلم ورد أولهما، وذلك شيء يلفت النظر حقا، في كتاب هنري بير " الآباء ونقادهم " . حيث وصفه، في أحد المواضع هو ورشاردز بأنهما يستخرجان " فئرانا " متناهية في صغرها " وفي موضع آخر بأنهما " يغريان المراهقين وقتيا " ، وورد ثاني الهجومين في كتاب " على أصول وطنية " On Native Grounds لالفرد كازين، الناقد الأثير عند بير، فتحدث هنالك عن إمبسون بتحقير، وقرنه ببلاكمور وبيرك، وقال عنه أنه " مساح للمجازات " يكتب " ألغازا تثير دهشته الذاتية " (مما يلفت الانتباه أن بير وكازين اللذين يتمتعان بإدراك متعثر فاشل في العادة، قد أصابا حين جمعا خير نقاد معاصرين في صعيد واحد، لكي يخصاهم بالهجوم).
أما ما قاله جيوفري جرجسون في إمبسون حين تجادلا على صفحات مجلة " شعر " : أن امبسون " نموذج لذي نظريات جامد وشاعر يلفق شعره بالسرقة من غيره " يكتب " مادة متضائلة تافهة لا تقرأ، حتى أنها لا تستأهل الإهانة أو الهجوم " - أما هذا فقد يعزى إلى ما يسوق إليه الجدل من جدة وضيق في الخلق، ولا يمثل بالضرورة رأيا موزونا في تقدير نقده. وأخيرا فأن اقتراح فيليب ويلرايت ان يوضع المصطلح السمانتي " كثرة الدلالات " Plurisignation مكان كلمة " غموض " - ذكر ذلك في مقال له عنوانه " في سمانتيات الشعر " بمجلة " كينيون " سيف 1940 - وكذلك استعمال مارغريت شلوش " غموض إمبسون " تمرينا
__________
(1) لا تزال صلة إمبسون بالشعر الميتافيزيقي قائمة وقد كتب بحثا مسهبا عن دن في مجلة " كينيون " عدد الصيف 1957.

(2/104)


لفصل من الفصول في ملحق بكتابها " هبة الألسن " The Gift of Tongues فأن هذين يمثلان بدء انسجام الدارسين مع إمبسون، انسجاما قد يمتد فيشمل المعتنين بالقراءات المتعددة لنصوص شيكسبير.
5
- بقيت مشكلة واحدة عامة تتعلق بنقد إمبسون وتحتاج معالجة: وهي مشكلة طبيعة القراءة الدقيقة ومشتملاتها. أما من ناحية تقليدية، فقد كانت القراءة الدقيقة حقا للكاتب الذي يدرس صنعة أدبية، أو الأستاذ الذي يعلمها. وقد كانت الدراسة المسهبة حقيقة في الحالة الأولى نادرة، وقد تكون نتيجة لاستقصاء الكاتب لصنعته نفسها، كما فعل هنري جيمس في المقدمات ( وكما فعل هارت كرين وتيت في الأيام الأخيرة بالكتابة عن شعرهما)، وقد تكون نتيجة لبحث صديق، مثل دراسة بلزاك المشهورة وعنوانها " دراسة للمسيو بيل " (وفيها انساق إلى النقد الفني وأقترح تحسينات على The Charterhouse of Parma بعد تلخيص متأن متدرج للحبكة في خمس وخمسين صفحة، أو قد تكون وليدة عقل موغل في التحليل، كالشيء الذي نراه في دراسات كولردج لشيكسبير. أما القراءة الدقيقة التي يؤديها أستاذ، فلدينا منها نماذج تتراوح بين أرفع أنواع الدراسة، وبين آثار جوزف ورن بيش، في مثل كتابه " النظرة إلى النثر الأميركي " The Outlook for American Prose خاصة، إذ يدرس فيه الأدب المعاصر بعين النحوي الضيقة، ويعيد " مصححا " كتابة عبارات لأدباء مثل جون ديوي، كأنها موضوعات إنشائية يكتبها طلبة. (كان خيرا لبيش لو أنه انفق الوقت في مراجعة كتبه، وتصحيح أسلوبه، واستبعاد عبارات مثل: " Equine Excrementa " و " in a family way " وتغيير " Lester Jeeter " إلى " Jeeter Lester " حيثما وقعت).

(2/105)


ومهما يكن من شيء فإن إحدى مظاهر النقد الحديث، على وجه الدقة هي هذه القراءة الفنية الدقيقة، لا من حيث إنها مظهر للعلم أو لحرفة التعليم، بل من حيث إنها طريقة عامة من التحليل النقدي. فقد أدخلها رتشاردز في النقد الحديث، مثلما أدخل أشياء كثيرة. ولكن بما أنه شغل نفسه بأمور أخرى فإن ما أنتجه من القراءة المسهبة حقا لا يعدو أمثلة قليلة. ويصدق الشيء نفسه، مع اختلاف في نوع الاهتمامات الصارفة، على كنث بيرك، وظل من نصيب إمبسون وبلاكمور إنشاء مقدار من الدراسة الدقيقة المسهبة على أساس مبادئهما. وقد كتبت جماعة الجنوب التي تلتف حول رانسوم عددا لا يحصى من البيانات، تلح فيه لا على إن القراءة الدقيقة الفنية للنصوص عمل هام للنقد، فحسب، بل على إنها العمل الوحيد المشروع له. على أن رانسوم وتبت قد حققا منه نسبيا شيئا ضئيلا لأنهما، على شاكلة رتشاردز وبيرك، مشغولان بالمشكلات النقدية العامة، وأحدهما بعيد عن ميدان الأدب، أما كلينث بروكس وروبرت بن ورن، فقد بدءا إنتاج مقدار من الدراسات المسهبة، اعتمادا على مبادئ الجماعة، ولكن بعض ما أنتجاه ليس مسهبا، على التحقيق، وهذا قد يفسر إعجاب جماعة الجنوب بكل من إمبسون وبلاكمور فإنهما دون أن يكتبا بيانات قد أخذا أهبتهما للعمل وأنتجا ما أنتجاه.
وهناك مدرسة من النقاد موفقة في تخصصها بالقراءة الدقيقة للنصوص، وهي جماعة كمبردج القائمة حول مجلة " Scrutiny " بإنجلترة ولا تعرف بأميركة إلا قليلا وقد أنضم إليها إمبسون بعض الوقت (فصله عن حديقة مارفل في كتاب " بعض الصور " نشر أولا فيها). وقد صدر عن هذه الجماعة أمضى قراءة دقيقة في عصرنا ممزوجة بمقررات اجتماعية ذات قيمة حقيقية وشمل ذلك ما كتب في المجلة نفسها (وما كتب في سابقتها

(2/106)


" حولية الآداب الحديثة " The Calendar of Modern Letters التي استمرا من 1925 - 1927 ومنها استخرج ليفز مختارات سماها نحو مقاييس نقدية Toward Standard of Criticism) كما شمل مؤلفات ف. ر. ليفز ومؤلفات ك. د. ليفز و ل. ك. نايتس ومجموعة مختارة عنوانها " Determinations " وكان ف. ر. ليفز أحد محرري المجلة وزعيم الجماعة. وقد أخرج للناس قسطا وافرا من النقد الجليل الفائدة، نقدا في خير أحواله حين يكون فنيا أو تفسيريا، وبخاصة إذا تناول المحدثين في كتابه " اتجاهات جديدة في الشعر الإنجليزي " New Bearings in English Poetry وأحيانا أخرى يفسد بالعيوب التي تصحب النقد الاجتماعي أي الميل إلى وسم هذا الأديب أو ذاك بمصطلحات مثل " هرب " و " أنصرافية " أو أتباع طريقة بروكس في بتر الأدباء الذين لا يرضونه اجتماعيا، مثل ييتس وهنري جيمس، أو الأخذ بعقلانية القرن الثامن عشر التي تستعمل مصطلح " شعائري " بنوع خاص للتحقير، أو استعمال أسلوب تعليمي مغرق يدعو الناس إلى اعتناق الشعر. وقد وضع ف. ر. ليفز نصب عينه في كتابه " نظرة جديدة في القيم " Revaluation - وهو كتاب ظهر تباعا في المجلة على شكل سلسلة من إعادة النظر والتقدير للأدب - أن يراجع تاريخ الشعر الإنجليزي، ليبرز بوضوح " قوة اللمح الساخر " الميافيزيقية (أو ما يسميه بيرك " رؤية التناسب في اللامتناسب " ) جاعلا منها الموروث الصحيح وهي محاولة سبقه إليها اليوت بطريقة غير رسمية (مع انه ناقض اليوت الذي أعلى من درين، وخفض من شان بوب، فعكس ليفز ذلك). وتبعه فيها كلينث بروكس (وحل المشكلة بان أقصى كلا من بوب ودريدن من الموروث).
أما ك. د. ليفز المختصة بباب القصص في المجلة فقد كتبت في " القصص وجمهور القراء " Fiction and the Reading Public دراسة أدبية اجتماعية

(2/107)


بالغة القيمة عن انحدار الذوق العام في انجلترة منذ 1600 مستعملة طريقة تصفها بما تستحقه حين تسميها " انثروبولوجية " . وقد قامت هي وليفز الآنف الذكر بهجمات حادة على الماركسية في العشر السنوات الأخيرة مع إنهما مدينتان لها بطريقة تناولهما للأمور الاجتماعية. أما ل. ك. نايتس (1) وهو أحد محرري المجلة فربما كان ألمع محلل للنصوص بين الجماعة وقد حاول أن يطبق - تصريحا لا ضمنا - الأفكار الماركسية على الأدب في كتابه: " الدراما والمجتمع في عصر جونسون " Drama and Society in the Age of Jonson والكتاب فيما يستوعبه فكرة لامعة، ويشعرك بأنه من النوع الذي لو عاش كودول لكتبه، ففيه بحث " في العلاقة بين النشاط الاقتصادي والثقافة العامة " بالكشف عن الأحوال الاقتصادية والاجتماعية في إنجلترة أيام إليزابث واليعاقبة بإسهاب، ثم دراسة الدراما بعرضها على نماذج من تلك الأحوال. أما في التطبيق، فإن الكتاب مخفق لعدة أسباب أولها: إن نايتس لا يطبق نظريات ماركسية، على التحقيق، (وإن كان كتابه يقتبس من كل ماركسي ابتداء من ماركس وإنجلز حتى ت. أز جاكسون ورالف فوكس) وإنما يطبق حتمية تاوني الاقتصادية الأكثر بساطة من الماركسية. وثانيها إن كتابه لا صلب له، وينقسم بحدة في الوسط إلى كتابين أحدهما: خلاصة اقتصادية اجتماعية جيدة والثاني: مجموعة من النقد الأدبي التحليلي الممتاز، دون أن تقوم بين الاثنين أدنى صلة. وثالثها، ولعل هذا هو العامل الأساسي الكامن وراء الأخطاء الاخرى، إن نايتس، على أنه يقتبس باستحسان مبدأ ماركس " إن الكيان الاجتماعي للناس هو الذي يتحكم في وعيهم " ، فإنه يعجز عن أن يفهم ما عناه ماركس، ويخطئ في إدراك سر هذه العملية، وإذا إدراكه له يجيء على هذا النوع من التبسيط المضحك: الكيان
__________
(1) ورد هذا الاسم خطأ في الجزء الأول على الشكل التالي: نايت.

(2/108)


الاجتماعي للناس الذي يتحكم في آرائهم ونزعاتهم. فلا تجده يعالج الانعكاسات العميقة للمجتمع في المبنى الروائي وأنواع الصراع في المسرحيات، بل يعتم بما تقوله الشخصيات عن المجتمع والمال والتملك، أي يهتم بالصفحة الاجتماعية من تعليقاتهم لا بطبائعهم. وينهي نايتس كتابه بمختارات من الخطب " تضم فكرة العصر ورأيه " وتعكس " مظاهر هامة من الموقف الاجتماعي " أو تقدم " توضيحا لحياة هذه الفترة " .
أما كتابه الثاني " كشوف " Explorations وهو مجموعة من المقالات " عن أدب القرن السابع عشر من الدرجة الأولى " فإنه عملية رصينة من التكامل الاجتماعي - الأدبي. وفيه يقوم بعمل قيم بالإلحاح على أن الإدراك الجشطالتي للاستجابة العاطفية المركبة، كلها عند القارئ يجب أن تكون نقطة البدء في النقد، لا تلك التجريدات النقدية التقليدية من مثل " شخصية " و " حبكة " . وهو ينص على أهمية العمل الأدبي من حيث هو وحدة يراد استقصاء نواحيها وعلى ضرورة ابتداء كل بحث من الزاوية الفنية، وعلى قلة جدوى الكشف عن العلاقة بين الفنان والمجتمع (وما يزال يعتبرها موضوعا أساسيا في النقد) من أي زاوية سوى أسلوبه الفني وإحساسه. وعلى الرغم من روعة هذه المبادئ النقدية يجيء الكتاب أحيانا مخيبا الآمال، ذلك لأن نايتس يرث عن ف. ر. ليفز فكرة " الهرب " (فيخبرنا إن هاملت تراجعي هارب وما يجد هاملت استجابة في نفوسنا إلا لأننا انهزاميون أيضا) وورث عنه عجزه عن أن يتذوق تماما أدباء مثل ييتس وجيمس، وأضاف إلى هذا الذي ورثه قصورا من ذاته، وبخاصة إحجامه عن أن يسير بأي نقطة من البحث إلى نهايتها البعيدة لئلا تشوه كلية العمل نفسه. ومع كل هذا فإنه في خير أحواله - أي حين يتمخض التحليل الاجتماعي الأصيل عن دراسة نصية مسهبة لإحساس شعري معين، كما في مقاله عن

(2/109)


جورج هربرت - ينتج نقدا لا ينزل عن مستوى أجمل ما لدينا من نقد، إلا قليلا.
وتستمد جماعة مجلة Scrutiny أخيرا من رتشاردز كما تستمد من اليوت، وهي مدينة على طول الدرب كثيرا لإمبسون. فقد تابع ف. ر.ليف أنواع الغموض بإصرار، واعترف بفضل إمبسون واقترح أن كتابه " يجب أن يقابل باحترام " ، وفي ختامه كتاب " اتجاهات جديدة في الشعر الإنكليزي " ، وجد أن قصائد إمبسون " الفذة " وقصائد رونالد بوترال هي " الاتجاهات الجديدة " الوحيدة التي تستحق البحث منذ اليوت وبوند. وقد أفاد نايتس أيضا من إمبسون وبخاصة في كتابه هربرت وتصيد أنواع الغموض (يفضل أن يتجافى عن هذه اللفظة، ويستعمل بدلها " التراكيب الجانحة " أو " تذكر شيئين في وقت معا " ) وأفاد، على وجه العموم، كثيرا من طريقه إمبسون في القراءة. وفي الوقت نفسه تراه قد نقد طريقة إمبسون بشدة من زاويته الجشطالتية زاعما إن إمبسون يحصل على معانيه الغزيرة بالتركيز على جزء من القصيدة واعتبار إمكانات ذلك الجزء بمعزل عما عداها، ناسيا أن القصيدة كل قد ألغيت فيه بالضرورة اكثر تلك الإمكانات. وهذه تهمة رصينة قوية من وجه ولكنها تبدو، على الجملة، استعمالا لمبدأ " العضوانية " للحد من المعاني، لا لتظهر التنظيم والروابط المتبادلة ذات العمق العظيم والتركيب في المعنى. (قد وجه ليفز هذه التهمة نفسها ضد كل من إمبسون ورتشاردز في " التعليم والجامعة " Education The University).
ونشأت في الوقت نفسه مدرسة نقدية معاصرة، تجعل مذهبها الرئيسي رفض القراءة بتاتا، وكان البيان الناطق باسم هذه الجماعة هو " العقل الأدبي " 1931 لماكس إيستمان، فقد هاجم فيه كل الأدب بأنه " كلام لا ضابط له " ( " الآراء الغامضة القلقة المتناقضة في هذه الآداب

(2/110)


الإنسانية " ). وتبجح معتزا بأنه اخفق كقارئ (تهاتف قائلا: انفق جويس اشهرا على استخراج أسماء خمسمائة نهر في جزء Anna Livia Plurablelle من كتاب " يقظة فينيغان " أما ماكس ايستمان فلم يستطع أن يجد إلا ثلاثة انهر ونصف " . وقد وضح الكتاب، بعامة، أن مشكلة ايستمان الوحيدة هي مقته للشعر، وعجزه أو إباؤه من أن يقرأه بذكاء، وانه رفع هذه المشكلة إلى مستوى طريقة نقدية. وهناك كتب أخرى تنهج هذا المنهاج، منها بإنجلترة كتاب " الإحساس والشعر " Sense Poetry لجون سبارو وكتاب " تدهور المثال الرومانتيكي وسقوطه " The Decline and Fall of the Romantic Ideal للوكاس (ف. ل.) وكلاهما يشققان فنونا من القول معناها ان الشعر الذي لا يفهمه كل من سبارو ولوكاس لا يمكن أن يعني شيئا في الحقيقة. ومنها بأميركة " القارئ لنفسه " تأليف مارك فان دورن وهو بيان يدعو إلى القراءة سطحيا، جهد المستطاع، فهو بهذا يمثل " القارئ لنفسه " وكتاب ج. دونالد آدمز " شكل الكتب التي ستظهر " وهو انتصار كامل للعجز النقدي حتى إنه يجعل ماكس أيستمان يبدو أديبا إذا قارناه به. غير إن هذه الجماعة تكاد لا تستحق هذا الحديث.
وشعر إمبسون هو أحد العوامل التي تؤثر في نقده وقد نشر منه " قصائد " Poems 1935 " والعاصفة المحتشدة " 1940، وهو شعر رصين هام، حتى ولو لم يقدره المرء تقدير رتشاردز له، كما إنه شبيه بنقده: ساخر وكثيرا ما يكون عريض الفكاهة متعلقا بالشكل، وهو ميتافيزيقي بكل معاني الكلمة، من معنى " جذر " كما يستعمله رتشاردز إلى المضمونات العامة التي تدل علها لفظة " Quirky " [أي المراوغة والتهرب والتلاعب]. وهو ذو ارتباط بنقده لأنه يستعمل شكلا نوعيا كالأشعار الريفية التي سبقت الإشارة إليها، ولأنه يعتمد في مبناه على

(2/111)


البيت الواحد، ولأنه يتلمس التورية وأنواع الغموض. وليس هذا كله فحسب بل هو وثيق الصلة بنقده، خاصة في تلك الملاحظة النثرية التي يكمله بها، قائلا في " تعليقة على التعليقات " في " العاصفة المحتشدة " : " كثير من الناس (مثلي) يفضلون قراءة الشعر ممزوجا بالنثر فلذلك ما يعينك على المضي ذلك لأن الرسوم الشعرية قد تجافت عن الحياة العادية، فإذا كان لديك جسر من النثر فإنه يجعل الوصول إلى قراءة الشعر أمرا طبيعيا " . وهذه التعليقات نقد إمبسوني زاخر، وتفسيرات للقصائد من ناحية، وتوسيع في مداها من ناحية أخرى، وتجيء مساوية لها من ناحية ثالثة. ويتحدث إمبسون بتواضع عن " قلة كفاءته في الكتابة " ويبين أن في القصائد " نوعا من متعة الألغاز " وإن الملاحظات نغمة " كالأجوبة على لغز الكلمات المتقاطعة " ولكنه في الحقيقة ينسب لشعره من الغموض أكثر مما فيه. وبخاصة المجلد الثاني الذي يضم عددا من القصائد السياسية في موضوعات صينية وترجمات يبدو إنها من اليابانية، ومعرضة ساخرة لاودن جائرة، وقصائد بعناوين مثل " انطباعات من أنيتا لوس " فكل هذا الجزء تقريبا ليس في الصعوبة مثل كثير من الشعر الحديث، دونه في الجودة.
وهناك تهمة غريبة توجه أحيانا إلى إمبسون وعلينا أن نواجهها حين نحاول كلمة إجمالية عن فضله في النقد، وتلك هي إنه انطباعي في نقده أي إنه يستجيب للقصيدة بكتابة قصيدة جديدة عنها، ليس لها بالقصيدة الأولى من علاقة إلا علاقة الدافع الذي هو استجابة. والمظهر المضحك في هذه التهمة هو إن إمبسون في كتابه " بعض صور من الأدب الرعوي " يقتبس قول ناقد مراجع، كتب عن مؤلفه السابق وأتهمه حينئذ بالموضوعية، أي " بمعالجة القصائد على إنها ظواهر طبيعية لا أمور يحكم عليها العقل " بينما يتهمه كلينث بروكس في دراسته لنقده

(2/112)


بأنه " ذاتي " ، مؤكدا أن " نظام التصنيف لأنواع الغموض سيكولوجي، لأن الأنواع تزحل عن مواضعها كلما غيرنا القارئ أو كلما تحسن القارئ نفسه، فإنها لا تصف خصائص ثابتة في القصيدة (أي في القصيدة التي يقرأها القارئ المثالي قراءة " صحيحة " ) " ومن الواضح إن التهمة التي يوجهها المراجع الأول المجهول، صحيحة من حيث إمبسون يعالج قصائد حقا على إنها ظواهر طبيعية، لها وجودها المستقل عن حكم العقل (أي إنه مادي فلسفي) واتهام بروكس له أيضا صحيح فإن المعايير التي يستعملها إمبسون نسبية ذاتية من حيث إنه يعالج القصيدة من زاويتين، زاوية امرئ يكتب وآخر يقرأ، أي يصنع ما يصنعه الناس الواقعيون في هذا العالم، لا تجريدات بروكس الأفلاطونية اللامحدودة الهامدة التي يسميها " الخصائص الثابتة " " القراءة الصحيحة " و " القارئ المثالي " فإمبسون، بعبارة أخرى، موضوعي أو ظواهري في الفلسفة، ذاتي أو نسبي في النقد، يتخذ الإنسان مقياسا في كلا الحالين. وهذا لا يجعله انطباعيا إلا من حيث إن المادية لا تقبل مبدأ لينين في الحقيقة الموضوعية المطلقة، وإن القصيدة عنده هي ما يمكن أن يحصل عليه، وليس هو انطباعيا لأنه يريد أن يهرب من وجه القصيدة ويأوي إلى شخصيته الشاعرة، وذلك المعنى للنقد الانطباعي الشكلي الذي يمارسه أناتول فرانس وجول ليميتر.
وهذا يؤدي بنا مباشرة إلى المشكلة الأساسية حول طريقة إمبسون: أي عامل معوق يحول بينها وبين التفرع إلى ما لا نهاية حتى تصبح كل ثقافة المرء، بالتالي تفسيرا لسطر أو كلمة؟ إن إمبسون أحيانا ذو ميل إلى أن يبعد في تقديره، ويعثر على أنواع من الغموض في كل مكان، وأن يوسع تعريف " رعوي " حتى يصبح كل أثر فني " رعويا " وأن يكوم المعاني حتى تكاد تحطم صلب القصيدة. فإين يضع الحدود وعلى أي

(2/113)


أساس؟ يقترح بروكس، بلباقة، أن يكون المعيار ما يسميه كولردج " الذوق السليم " وهذا ما يفسره ويدافع عنه رتشاردز في فصل بهذا الاسم من كتابه " رأي كولردج في الخيال " ، ويقول:
كلمة " الذوق السليم " ذات صوت مشئوم أحيانا إذ يظن إنها لفظة السر في النقد. إنها راية ينضوي تحتها كل نوع من البلادة ويقاتل من أجلها كل نوع من التحيز. حتى كولردج الذي يكون غالبا أسوة في الذوق السليم في النقد، ليس بعاجز، في بعض الساعات القليلة، عن ان يستعمل ألوانها ليتقدم باعتراضات واعتذارات مؤسسة على قراءة ذاهلة ليس فيها عناية ولا قدرة على الاستجابة ولا على الإمداد.
ومع هذا، يضيف رتشاردز، إنها المعيار الوحيد لدينا لتطبيق النظرية: " في أي نظرية لا يوجد مقياس فارق للخير، وعلينا ان نستعملها كما نستعمل المجهر لا كما نستعمل آلة الفرز أو المنخل. فإنها لا تستطيع ان تنوب عنا في الاختيار ولكنا لا نستطيع أن نختار دونها، وحياتنا بعينها اختيار " .
وعلى الجملة: كل طريقة أو فكرة نقدية بما في ذلك فكرتا إمبسون " الغموض " و " الرعوي " إنما هي امتداد للإنسان أي أداة لا غير، وعلى الإنسان أن يستعملها ويوجهها، وعلى حسب هذا المحك نجد الرجل الواقف من خلف مبدأي إمبسون، أي إمبسون نفسه رصينا كأي ناقد آخر، وإذا استثنينا بعض الشذوذ. حكمنا أن استعماله لمبدأ خصب تر لامع إلى أقصى حد، وأنه في الوقت نفسه مغلوب النفس بالاهتمام العميق بالقصيدة نفسها و " بالذوق السليم " أساسا. ومن الصعب أن نتكهن بما سيعلمه من بعد، وان المرء ليرجو أن يكف عن تطبيق الإنجليزية الأساسية ولا يشغل كل وقته بها فأنها عامل معوق من نوع آخر أقل قيمة

(2/114)


بالنسبة له إذ أنها تتمخض عن تنظيم لقلة الإنتاج في النقد أكثر من ان تكون تنظيما لإنتاج وافر غزير. ويرى بروكس أن كتاب " بعض صور من الأدب الرعوي " " يوحي ضمنا بان أثني عشر كتابا على الأقل ستصدر بعده " . وليس من حقنا أن نتطلب أن تكون هذه الكتب المنتظرة احسن من كتابه الثاني، بمقدار ما تفوق الثاني على الأول، أو كما تفوق الأول على كثير مما نتسامح فنعده نقدا. ومع إقرارنا بأنه لا حق لنا في أن نتطلب ذلك، فلدينا من الأسباب ما يجعلنا نتوقع ذلك. إن الغموض المحير لدى إمبسون هو أن إنتاجه يصبح لدينا بالتدريج أقل غموضا، ومن علائم النصر في طريقته النوعية انه يتجنب بتوفيق كل نوع نضعه نحن في طريقه.

(2/115)


الفصل العاشر
ايفور ارمسترونغ رتشاردز
والنقد بالتفسير
لا يكاد المرء يقترب من ايفور آرمترونغ رتشاردز إلا وهو يحس برهبة عظمى، فان اطلاعه في كل مجال من مجالات المعرفة واسع مترامي الأطراف، وتميزه في ستة ميادين، بجانب ميدان النقد، فذ ساطع، والألمعية والحذاقة في كتبه الأولى - على الأقل - رائعة، حتى ان دراسة سريعة له في بضعة آلاف من الكلمات لمحتوم عليها أن تكون سطحية مضحكة، وأن " معنى المعنى " وحده بما فيه من مشكلات الخدع " الصوتية " و " والثنوية " (1) ؛ وان ما يحويه من
__________
(1) يعني المؤلفان بهذه الخدع العناصر التي تجعل المعاني في الكلمات غير محدودة كتعدد الإيحاءات الصوتية للكلمة الواحدة، أما الخدع العناصرية فهي التي تحملها المصطلحات العامة مثل الفضيلة، الحرية، الديمقراطية، السلم، المجد. وأما النوع الثالث فهو المصطلح الذي يحمل دلالتين معا مثل " معرفة " فإنها تشير إلى ما هو معروف كما قد تشير إلى عملية التعرف به " وجمال " قد تعني خصائص الشيء الجميل كما تعني التأثيرات العاطفية الناجمة عن تلك الخصائص انظر " معنى المعنى " 1330 134.

(2/116)


" مثيرات " و " متخلفات " و " متطفلات " و " متبديات " (1) لابد وأن يصرف المعلق الارتجالي عنه. غير إنه من المستحيل أن يعالج النقد الحديث دون التحدث عن رتشاردز لأنه هو قالقه، بالمعنى الحرفي. فإن ما نسميه نقدا حديثا بدأ عام 1924 عندما نشر كتاب " مبادئ النقد الأدبي " حيث يقول رتشاردز عن التجارب الجمالية:
سأجهد الجهد كله لأدل على أنها جد مشبهة لكثير من التجارب الأخرى وأنها تختلف، في المقام الاول، بالعلاقات القائمة بين محتوياتها، وأنها ليست إلا تطورا للتجارب العادية وأنها من ثم تصبح أدق منها وارهف تنظيما، إلا أنها ليست بحال تجارب جديدة مغايرة للتجارب العادية. وحين ننظر إلى صورة، أو نقرأ قصيدة، أو نصغي إلى الموسيقى، لا نفعل شيئا مباينا تماما لما نفعله ونحن ذاهبون إلى بهو التصاوير، أو لما فعلناه حين لبسنا ملابسنا صباحا؛ نعم أن الطريقة التي تأدت بها التجربة إلى أنفسنا مختلفة، كما أن التجربة نفسها أكثر تعقيدا، وإذا وفقنا فيها فأنها تكون أكثر وحدة، غير أن فعاليتنا ليست في أساسها من نوع مخالف أبدا.
وإذ يخصص الكلام في الشعر، تجده يقول:
ليس لعالم الشعر، بأي معنى، واقع مخالف لسائر ما في العالم، وليست له قوانينه الخاصة، ولا خصائص مستمدة
__________
(1) كل هذه المصطلحات تشير إلى أنواع من الكلمات:
فالمثيرات هي الكلمات التي تثير عواطف محيرة والمتخلفات لكثرة الإشارات المترابطة، والمتطفلات هي الكلمات التي يطلقها المتكلم حول موضوع لم يسيطر عليه تماما، والمتبديات كلمات تشبه الرطانة أو الأصوات الفارغة في حقيقة دلالاتها (انظر معنى المعنى ص: 136 وما بعدها).

(2/117)


من دنيا أخرى غير هذه، فانه مصنوع من تجارب هي من نفس أنواع التجارب التي تتأدى إلينا بطرق أخرى. وكل قصيدة، على وجه التحديد، قطعة محدودة من التجربة، قطعة يدركها الوهن، بشدة أو بخفة، إذا تطفلت عليها عناصر غريبة، لأنها منظمة تنظيما أعلى وأشد إرهافا من التجارب العادية التي تتأدى إلينا من الشوارع أو البطاح، فهي تجربة هشة ناعمة ولكنها اكثر التجارب قبولا للنقل والإيصال.
وبهذين المصطلحين اعني " التجربة " و " النقل الإيصال " ، تحول رتشاردز بالنقد الادبي، وبهما كتب تعريفه المشهور للقصيدة في كتابه، وهو التعريف الوحيد الذي يبقى متماسكا إذا أنت سمته تطبيقا، فيما أعلم (1) .
هذه هي الطريقة الوحيدة العملية، في الحقيقة، لتعريف قصيدة، وأن بدت غريبة معقدة: وذلك أن نقول أن القصيدة مجموعة من التجارب التي لا تختلف في أي من خصائصها إلا بمقدار معلوم، يتفاوت تبعا لكل من هذه الخصائص، عن تجربة معينة نتخذها معيارا لسائر التجارب. وقد نجد هذا المعيار في تجربة الشاعر عندما يأخذ بتأمل ما أكمل خلقه وأبدعه.
وقد كرس رتشاردز كل إنتاجه للكشف عن كيفية توصيل هذه التجارب للقارئ، أي أنه على التحديد خصص جهده للكشف عما يحصل عليه القارئ، أي لتوضيح العلاقة بين الجمهور والقصيدة لا العلاقة بين الشاعر والقصيدة. وقد سمى هذا الميدان ذات يوم " تفسير الدلالات " وأخيرا سماه " ريطوريقا " واليوم عاد إلى تسميته " تفسيرا " . وكل
__________
(1) انظر كتاب مبادئ النقد الأدبي: 226 - 227 ويقر رتشاردز هنا بأن هناك صعوبات أيضا مثل ذلك أن لا يكون الشاعر نفسه راضيا عما أبدعه.

(2/118)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية