صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : النقد الأدبي ومدارسه الحديثة
المؤلف : ستانلي هايمن
ترجمة : إحسان عباس
الطبعة : 1
الناشر : دار الثقافة - بيروت - لبنان
الجزء : 1 ، 1958 م
الجزء : 2 ، 1960 م
نشر بالاشتراك مع مؤسسة فرنكلين المساهمة للطباعة والنشر بيروت - القاهرة - نيويورك 1958
مصدر الكتاب : الوراق

[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

وغيره من اعتراضات على التحليل النفسي، فذهبت تقرر في اعتدال أننا لا نستطيع أن نلغي ؟ ويجب أن لا نلغي ؟ " الوعي السيكولوجي الذي جاد علينا به عصرنا " وأننا يجب أن نستغل كل " إمكانيات عقولنا " لتذوق الشعر، وأن الإشراقات السيكولوجية، مثلها مثل أي شيء يتحفنا به ستول أو غيره من النقاد، عناصر قيمة يتركب منها هذا الفهم الغني الخصيب.
ومن أقيم مبادئها في استعمالها المتروي لعلم النفس، كيفية تناولها لما يسميه يونج أغلوطة " لا شيء إلا " ، أي الفكرة التي ترى أن القصيدة " ليست إلا " مثلا يندرج تحت إحدى المقولات (وهو نوع من التفكير يسمى اليوم أحيانا، " التفكير المهادي " نسبة إلى المهاد Thalamus وهو ذلك الجزء من الدماغ الذي يستطيع التمييزات الجافية فحسب). وتصر الآنسة بودكين على أن الشعر، بدلا من أن يكون " ليس إلا " طريقتها النفسية، هو هذه الطريقة، " وأيضا " أشياء أخرى كثيرة جدا تنضاف إليها.
وهي، على خلاف المحللين النفسيين المحترفين الذي يعتمدون قدر طاقتهم على تواريخ القضية والمدونات الاكلينكية، تعتمد على الاستبطان والتحليل للأرجاع النفسية عندها ووصفها بأقصى ما لديها من قدرة. وتقول: " إن تحليلنا إنما هو للتجربة التي تنتقل لأنفسنا " . فهي تصف إحساسات عقلها عندما تقرأ الشعر، وما الصور التي تنبهت لها، وأي مغزى أو أي توتر أحست، وما الخواطر التي تداعت واستثيرت، ومتى وأين انعكست ذاتها، ومع أي شيء تلابست بل وما الأحلام التي حلمت بها. ولم تحاول أن تمنح هذه الاستبطانات مسحة موضوعية أو على الأقل أن توسع في قاعدتها إلا مرة واحدة في حديثها عن " الملاح القديم " . ففي هذا الموطن انتحلت منهج إ.أ. رتشاردز الذي وصفه في كتابه " النقد التطبيقي " ؟ وهو منهج المختبر التجريبي نفسه ؟ وذلك أنه أعطى القراء قصائد، وسجل رد الفعل المباشر عند كل منهم. وقد أدخلت الآنسة

(1/255)


بودكين تعديلا على طريقة رتشاردز حين عرفت القراء بالقصيدة وصاحبها، وطلبت إليهم أن لا يفضوا إليها إلا بمدى الاستجابة العاطفية، التي هي ثمرة " التأمل المستغرق أو التأمل الحال " . (هي التداعي الحر عند جالتون)، ولم تتطلب منهم تقديرا للقصيدة نفسها. ومه أن المادة التي حصلت عليها انتهت إلى سلسلة من الأسئلة اللبيقة الموجهة إلى القارئ فإنها أعلنت في مقدمة كتابها أنها تخلت آسفة عن هذه المحاولة " لأنها وجدت أنه من غير العملي أن تستحوذ من أولئك الذين لهم بالأديب على أي جهد مركز مستطيل تتطلبه منهم " . ومع ذلك فإنها أقرت " أن العمل العميق المتزايد في دراسة التجربة الشعرية عند الأفراد، لابد من أن يحل في النهاية، محل كثير من المناهج الواسعة في البحث " .
وقد استمدت الآنسة بودكين من كل اتجاه نفسي أمكنها الإفادة منه، إلى جانب اعتمادها الرئيسي على مبادئ يونج، وأخذها سيكولوجية جالتون ورتشاردز التجريبية معدلة. ولفرويد عندها يد طولى أيضا لا حيث ينفق في النظرة هو ويونج فحسب. فهي تثير التساؤل حول قول فرويد " إن النزعات الأوديبية تقع في كل بالأثم أثناء الحلم " ، ولكنها تقبل القول بأن " نوعا من الإخفاق في العلاقة بالأبوين " يثير مثل ذلك الشعور في الحلم، إلى حد أنه يمتزج بعوامل أخرى قد تكون فعالة في الوقت نفسه. وهي تقبل مبدأ فرويد عن الذات العليا وتحاول أن تتوسط بين فرويد ويونج في اعتبار التأثير راجعا في المقام الأول إلى الأبوين في عهد الطفولة أو إلى القبيلة، محاولة شيئا من التوفيق بين النظريتين. وكذلك تقبل أيضا، في شيء من التحفظ أحيانا، هذه المبادئ الفرويدية المتنوعة بمشتملاتها مثل غريزة الموت أو مبدأ ثاناتوس Thanatos (1) والأنا،
__________
(1) يرى فرويد أن في الإنسان دوافع، تضاد دوافع الحياة، تهدف إلى الفناء والموت والهرب ومن جرائها يسعى الإنسان إلى الهرب بأن يعيد دور الحياة العادية. أما مبدأ " ثاناتوس " فهو كل ما له صلة بالموت سواء أكان على شكل خوف منه Thanatophobia أو كان نزعة للقتال أو الانتحار Thanatomania.

(1/256)


والأنا غير العاقلة (id). ومبد اللذة، وصورة الأب، ومصطلحات تتدرج من الطيران في الأحلام حتى الحية والتفاحة في قصة هبوط آدم، ممثلة لأنواع من الرموز الجنسية.
وهي بالإضافة إلى ذلك مدينة لعدد من تلامذة فرويد الذين تناولوا الأدب بالتحليل، فتعتمد دراسة إرنست جونز لهاملت، في قسط كبير من بحثها، وبخاصة تلك المخترعات الأساسية في التكوين السيكولوجي للأدب مثل الانفصال والتحلل (1) . وتستعمل دراسة شارلس بودوان لفرايرن على طريقة فرويدية معدلة في كتابه " التحليل النفسي وعلم الجمال " كما تستعمل الانثروبولوجيا الفرويدية عند جيزا روهايم وآخرين. وهي في الوقت نفسه تستمد من فروع نفسية أخرى عدا مدرسة التحليل النفسي فتستعير من السيكولوجية الجشطالتية خلال انثروبولوجيين أمثال جولدنفيزر اصطلاح " كلي متكامل " في وصفها الأنموذج الحضاري، وهي تعرف كتاب كوهلر عن " عقلية القرود " ؟ على الأقل ؟ معرفة مباشرة، وتستعير منه مبدأ: وجود فترة من التوقف قبل الحسم في مشكلة.
وتستمد الآنسة بودكين إلى جانب هذه السيكولوجيا الانتقائية من الفلاسفة واللاهوتيين والانثروبولوجيين والاجتماعيين ومن عدد من النقاد الأدبيين المحدثين ومنهم وليم امبسون في الغموض وج. ولسون نايت في عطيل، وجون لفنجستون لويس في دراسته الشاملة لكولردج. (مما يبعث
__________
(1) الانفصال Dissociatoin هو فصم أي نوع من الروابط، وقد استعملت هذا الاصطلاح المدرسة السيكوباثولوجية الفرنسية لتدل به على انقطاع الترابط أو التداعي في الذهن، مما يولد النسيان والهلاس السلبي وأمثالهما أي الظواهر تتولد عما يسميه فرويد الكبت.

(1/257)


على السخرية أن الآنسة بودكين وهي أحق الناس بتوسيع ملاحظ لويس، عن مصادر الصور عند كولردج، في المجال الوحيد الذي يمكن توسيعها فيه، أعني مجال التحليل النفسي، تأبى عامدة أن تقوم بذلك. وهي مثلها مثل لويس عارفة تماما بالرمزية الجنسية الواضحة فيالكهوف والجبال في قصيدة قبلاي خان.
وبعون من هذه المجموعة الانتقائية من النظريات والمبادئ، خلقت الآنسة بودكين نقدا أدبيا ولم تنتحل علماص. وعلى الرغم من هذا الجهاز فإنها مولعة بالعشر، دارسة حساسة، وكتابها " النماذج العليا في الشعر " يتميز بنفاذ البصيرة في المبنى العاطفي لرواية الملك لير وبتفسيره (ولعله أول تفسير مرض في عصرنا) لما لشعر شللي من هيمنة على قرائه، وبتحليله المرهف النفاذ لفنية فرجينيا ولف وبكثير غير ذلك. ولنقل كما يقول كنث بيرك: إنها في الدرجة الأولى لا تهتم بالنماذج من حيث هي، وإنما تهتم بالشعر كما يبدو في النماذج.
3
- إن النقد النفسي للأدب ليعد في بلادنا نحن تطورا، أكثر من أي منهج نقدي آخر نتحدث عنه في هذا الكتاب، لأن علم النفس، كفرع منظم من المعرفة، قد بدأ في حياة من لا يزالون منا أحياء حتى اليوم. فإن عدينا عن هذا المعنى الدقيق، قلنا إن النقد بعامة كان نفسيا منذ بدايته بمعنى أن كل ناقد قد حاول بوضوح أن يستغل في نقده ما يعرفه أو يؤمن به من عمليات الفكر الإنساني. فلما تعرف فرويد قبل أن ينتهي القرن التاسع عشر بقليل إلى اللاوعي، أحرز علم النفس اتجاها يستطيع منه أن يفهم ويستبصر الأمور على نحو لم يكن متيسرا في أصول الأعمال الأدبية ومبانيها. وقليل هم الذين يستحقون الذكر من النقاد النفسيين قبل فرويد، وأعلاهم

(1/258)


أهمية ؟ بالطبع ؟ أرسطوطاليس، المصدر الأول لعلم النفس والنقد النفسي للأدب. وتتخل سيكولوجيته التجريبية كل مؤلفاته كما أنها المحور الذي يدور عليه " كتاب النفس " وكتاب " الطبيعيات الصغرى " ورسائله القصيرة الطبيعية عن الذاكرة والتذكر وعن الرؤيا والتنبؤ عن طريق الرؤيا. وقد طبق سيكولوجيته على الشعر في " البويطيقا " ، ردا على الأغلوطة الشعرية التي وقع فيها أفلاطون في " الجمهورية " إذ قال إن الشعر " يغذي " العواطف وإنه لذلك ضار اجتماعيا، فعارضه أرسطوطاليس بنظريته السيكولوجية الرصينة في التطهير " ، أي أن الشعر يستثير عاطفتي الشفقة والخوف على نحو رمزي، يمكن ضبطه، ثم يطهرهما. وما " البويطيقا " إلا نص في سيكولوجية الفن، وما مبادئ (hamartia) أي الخطأ التراجيدي الناشئ عن قصر نظر البطل في موقفه، و(Peripateia أو هزة التغير والانقلاب في مقدرات البطل (1) ، وتفضيل المستحيل المحتمل على الممكن غير المحتمل، وغير هذه من مبادئ، إلا الدعائم الأولى للحقائق النفسية. وقد كان أفلاطون في كتابه " ايون " يرى أن الشاعر مجنون ملهم، أو مريض عصبيا، أما أرسطوطاليس فوجد فيه شيئا يشبه السيكولوجي الملهم (2) .
__________
(1) لا خلاف بين الدارسين حول اصطلاح Peripateia أما اصطلاح hamartia فله ظلال كثيرة من المعاني: فقد تعني هذه الكلمة خطأ ناجما عن جهل بالظروف، وقد تشمل كل خطأ ناجم عن التسرع أو الاستخفاف، وقد تدل على خطأ واع لكنه غير مقصود كما يحدث أثناء الهياج والغضب. وقد تدل على نقص خلقي وعندئذ فإنها تشير إلى ضعف بشري غير مشفوع بغايات شريرة،ولعل المعنى الأخير هو المقصود في سياق نص أرسطوطاليس.
(2) الكلام عن جنون الشاعر يذكر بتلك العبارة الغامضة التي قالها ارسطوطاليس في كتاب الشعر " ومن ثم احتاج الشعر... إلى إنسان به طائف من جنون " فقوله طائف من جنون تعبير مخفف آثره بيووتر في ترجمة لكتاب الشعر، أما غيره من المترجمين فقد استعملوا كلمة " جنون " غير ملطفة، وهؤلاء تؤيدهم الترجمة العربية القديمة. وقد اختلف الشراح حول ما يعنيه ارسطوطاليس بهذه الكلمة أهي تعني شخصا ناقص القوة العقلية أو شخصا ملهما. أما في كتاب الخطابة فإنه يقول " إن الشعر شيء يوحيه الله " .

(1/259)


وقد وسع في هذه النظرات السيكولوجية الارسطوطاليسية في الفن ونماها كتاب العهود الكلاسيكية المتأخرة مثل لونجينوس وهوراس ولكن الخطوة العظمى في النقد النفسي إنما حققها كولردج في " السيرة الأدبية " . فقد تناول كولردج سيكولوجية أرسطوطاليس كما عدل فيها توما الاكويني وديكارت وهوبز وهارتلي، دون أن يضيف أحدهم إليها شيئا هاما، وسلطها على الشعر. وما حال بين كولردج وتحقيق نقد نفسي مكتمل إلا الذي منع أرسطوطاليس نفسه من نفسه ذلك، أي عدم كفاية ما لديهم من علم نفسي كما وكيفا. والحق أن كولردج قد حوم حول اللاوعي حين أشار إلى " انطلاقات تأملات لا ضابط لها، وقد تخلى عنها الوعي الصريح كله، لأنها قد أصبحت شيئا مجردا شفافا، حين اجتازت حدود قوانا العقلية وأهدافها " ، ولكنه كان قد تقدم عصره كثيرا إلى حد أعجزه عن أن يفيد من كشفه هذا. ومما سبق إليه كولردج في ميدان النقد النفسي الحديث في " السيرة الأدبية " ، اقتراحه على القارئ تجارب مشابهة للتي أجراها رتشاردز في أيامنا، وتفرقته على أساس عاطفة القارئ وتأثره، بين الشعر والعلم، وفكرته القيمة الهامة عن الخيال (وقد انفق رتشاردز فيها مجلدا سماه " رأي كولردج في الخيال " ليطورها في المصطلح السيكولوجي الحديث).
وهناك معاصر لكولردج يستحق أن يذكر في هذا الفصل وإن لم يدن منه أهمية، ذلك هو تشارلس لام، الذي لم يكن صاحب آراء نفسية منظمة، غير أن جنون أخته الباعث على الأسى، واضطراب أحواله العقلية، قد جعلاه مرهف الحس على العلاقة بين علم النفس والفن. وقد كتب في مقاله " سلامة العبقري عقليا " خير تفرقة لدينا بين الفن والمرض العصبي وفي " السواحر والمخاوف الليلية الأخرى " قد سبق يونج إلى فكرة النماذج العليا، حيث يقول:
إن السعالى والأفاعي المتعددة الرؤوس والوحش الثلاثية الرؤوس

(1/260)


والقصص المرعبة عن الوحوش المجنحة التي تنفث الروائح القاتلة (1) قد تتصور في الذهن الغارق في الخرافة، ولكنها كانت هناك من قبل، ذلك لأنها نسخ منقولة أو نماذج، أما النماذج العليا الأصلية فهي فينا وهي خالدة. وهذه المرعبات سواء أكانت سابقة على خلق الجسم أو وجدت دون أن يخلق، فشأنها واحد لا يتغير " .
(وسنتحدث في الفصل التالي الخاص بالآنسة كارولاين سبيرجن عن والتر وايتر W. . Whiter الذي سبق كلا من كولردج ولام سبقا مدهشا إلى النقد النفسي الحديث).
4
- بدأ النقد المعتمد على التحليل النفسي، في الأدب، حين نشر فرويد كتابه " تفسير الأحلام " سنة 1900. ولما اسداه فرويد عدد من المظاهر لعل أهمها ما كتبه عن المشكلات غير الأدبية وبخاصة الأحلام، وتوازن القوى العقلية، وأعراض الأمراض العصبية، وفي هذه كلها مبادئ يمكن أن تستغل استغلالا مثمرا في الأدب. وهذا يشمل " تفسير الأحلام " نفسه بما فيه من آليات الحلم كالخلط الكلامي والخلط المكاني، والتفصيلات الثانوية، والفصم (2) ، وهي على ما يظهر الآليات الأساسية في الخلق الأدبي، كما تشمل مبدأ الحلم الأساسي وهو تحقيق الرغبة التي يمكن تطبيقها على الفن، وكذلك كشوفها القيمة في طبيعة الرمز. أضف إلى ذلك مؤلفات أخرى له مثل " قوة اللمح الساخر وعلاقتها باللاوعي " و " ثلاث مقالات في نظرية الجنس " .
__________
(1) الأرفيلاي Harpylae وحوش مجنحة لكل منها وجه امرأة وجسم عقاب ومخالب حادة وهي ثلاثة في عددها تنفث الروائح المعدية وتفسد كل ما تصيبه.
(2) اثنان من هذه الاصطلاحات سبق التعريف بهما أما التفصيلات الثانوية Secondary elaboration فهي ما يضيفه القاص من عنده للقصة وبخاصة في تحليل الحلم.

(1/261)


وربما تلا هذه الأهمية تعليقات محددة لفرويد على طبيعة الفن والفنان. ومقالاته الأولى في هذه الناحية تشمل (1) علاقة الشاعر بأحلام اليقظة (2) بحوث في سيكولوجية الحب (3) نظريات حول القاعدتين في وظيفة العقل. بل إن المحاضرة الثالثة والعشرين من كتابه " مقدمة عامة في التحليل النفسي " ، وهي ليست من أولى بحوثه وإنما تعود في تاريخها إلى سنة 920، لا تزال تعالج الفنان على أنه طفولي مريض في أعصابه، كما وقدمنا. أما أبحاثه المتأخرة وبخاصة في " محاضرات تقديمية جديدة " و " ما فوق مبدأ اللذة " فإنها تنحو إلى أن تتجاوز النظريات الأولى فترى في الفنان مريضا في أعصابه، له فنه، الذي يستطيع أن يفهم من خلاله الحقيقة ويغيرها. وقد أنكر فرويد في خطاب ألقاه في الاحتفال بعيده السبعيني أنه صاحب الفضل في الكشف عن العقل الباطن وقال إن الفضل الصحيح يعود للأدباء.
وآخر بابة فيما أسداه فرويد للنقد الأدبي المتصل بالتحليل النفسي هي أحاديثه المحددة عن فنانين بأعيانهم وآثار فنية بأعيانها. وهذه الأحاديث متناثرة في مؤلفاته على شكل تعاليق موجزة، بعضها مشمول بسعة الإدراك كذكره هاملت في " تفسير الأحلام " (1) (وعليه بنى جونز دراسته) وتحليله الملك لير، وحديثه عن التراجيديا اليونانية في " الطوطم والمحرم " (2) ولم يكتب إلا ثلاث دراسات طويلة وهي (1) ليوناردو دا فنشي ؟ دارسة نفسية جنسية لذكريات طفولية (2) ومقالة عن " دوستويفسكي وجريمة قتل الأب " و(3) دراسة لقصة ألمانية مغمورة عنوانها غراديفا Gradiva، ومرلفها فلهلم ينسن W. Jensen وبهذه الدراسات الثلاث أقام فرويد منهجين من التحليل، اقتفى ابتاعه فيهما خطواته: الأول الباثوغرافيا أو دراسة المريض عصبيا، أو الشخص المريض نفسيا، مع اتخاذ آثاره
__________
(1) راجع ما قاله عن هاملت في كتابه " تفسير الأحلام " : 264 وما بعدها (ط. هوغارث بلندن).
(2) انظر حديثه عن التراجيديا اليونانية في كتاب " الطوطم والمحرم " : 155 (ط. هوغارث بلندن).

(1/262)


الفنية دليلا هاديا في هذه الدراسة، والثاني: نقد أدبي متصل حقا بالتحليل النفسي أو دراسة الأثر الأدبي مع استعمال الآليات التي تستعمل في التحليل النفسي أو الفروض الاكلينكية، مفاتيح لهذه الدراسة.
أما كتابه " ليوناردو دافنشي " فهو في معظمه قصة مرض " باثوغرافيا " (وإن كان فرويد يصر على أن ليوناردو لم يكن مريضا في أعصابه بأي حال). وهو محالة تعتمد كثيرا على تحليل فذ لذكرى وهمية تخيلها ليوناردو عن نسر، ويريد العالم النفسي أن يبني على أساسها سيرة الفنان وتطوره النفسي، بفهمه مكبوتاته الجنسية والفنية المتأخرة. ويسمي فرويد عمله هذا " محاولة في كتابه سيرة " ويصر على أنها شيء في تشخيصه " الشذوذ الجنسي المثالي أو البدائي عند ليوناردو " . ولا يهتم فرويد بآثاره ليوناردو إلا أن يكشف فيها عن مزيد من الشهادات حول الحياة النفسية للفنان، مقيدا نفسه بالتحفظ الآتي: " عندما يقدر المرء أي استحالة عميقة مرت بها تجربة الفنان قبل أن تتمثل خلقا فنيا سوياص، يتحتم عليه أن يتواضع في مدى ما يتوقع أن يحققه الدارس، حين يعجز عن أن يكشف عن شيء محدد " . ويهمل فرويد الجوانب الأخرى الآثار الفنية ويبدو أنه يوحي في موطن واحد أنه لا خيرة له في ذلك وأن " طبيعة الإتقان الفني لا يمكن بلوغها عن طريق التحليل النفسي " . ومع ذلك فإن هذا الكتاب في حدود مادته ومنهجه، من أجمل كتب فرويد، وهو إعادة بناء، يكاد يكون معجزا، لحياة فنان وفكره ؟ فنان معقد مات قبل أربعمائة سنة.
وأما كتابه " دستويفسكي وجريمة قتل الأب " فإنه يكاد يقع في منتصف المسافة بين المنهجين، وهو معني في الدرجة الأولى ببلوغ الصرع الهستيري الذي كان يصيب دوستويفسكي، ورغبته الأوديبية في موت أبيه وشذوذه الجنسي الدفين. غير أنه ؟ على الرغم من قوله " أمام مشكلة

(1/263)


الفنان الخالق، على التحليل أن يلقي السلاح عجزا " 0 ما يزال جيد التذوق لقصص دستويفسكي من حيث هي آثار فنية باهرة، مهتماص كثيرا بتقديم كل ما يستطيعه في سبيل مشتملاتها، من حيث علاقتها الرمزية بمرض المؤلف ومن حيث علائقها الشكلية الخالصة.
وأما " الإيهام والحلم في غراديفا لفلهلم ينسن " فإنه تحليل أدبي خالص. ويرفض فرويد أي محاولة للكشف عن عقد ينسن وأمراضه العصبية بهذه الكلمة الموجزة " ليس ثمة مدخل ننفذ منه إلى الحياة النفسية للمؤلف " ، ويكتفي بتفسير المبنى السيكولوجي والحلمي في الكتاب محللا تقنياته الرمزية في الخلط الكلامي والخلط المكاني معمقا في معناه مقويا له بعامة. ويستنتج أن ينسن كان على وعي بحقائق التحليل النفسي، لا لأنه درس هذا العلم بل لأنه استكشف ذاته، فما الفنان إلا محلل نفسي من نوع آخر. والحق أن معالجة فرويد للكتاب مرهفة تبجيلية إلى درجة أنها ليست فرويدية تامة في الحقيقة وهو ينسى أو يتناسى عقدة أوديب في البطل (وفي المؤلف افتراضا) ورمزية جنسية من الطراز الأول تتصل بإمساك الورل. ومن الواضح أن جانبا من الاحترام الذي ناله ذلك الكتاب من فرويد إنما يرجع إلى التطابق الدقيق بينه وبين النظرية النفسية، فهو إلى حد ما " يوثقها " في سنواتها الأولى ( " القصاصون أعوان لنا مفيدون وشهادتهم تؤخذ بكل تقدير لأنهم يعرفون أشياء بين السماء والأرض لا تحلم بها حكمتنا الأكاديمية " ) ولكن ليس ثمة من كبير ريب في أن غراديفا قصة صغيرة هزيلة سخيفة تستأه أن تكون مغمورة مهملة، وأن فرويد في إعلائه وتحليله لها، قد كتب بقلمه قصة خيرا منها.
والحق أن الباثوغرافيا ؟ أو قصة المرض ؟ ليس موروثا استحدثه فرويد، وإنما هي استمرار لموروث ذي حلقات كثيرة كان يتألف في القرن التاسع عشر من تشخيصات طبية غير علمية، يستنتج فيها أحد الأطباء

(1/264)


ليشبع لهفة العالم الأدبي، أن شعر بيرون يدل على أنه كان مصابا بحصاة المرارة، وأن بوب كان مصابا بضغط عال في الدم، ثم استمر هذا على يد النفسيين في صورة سلسلة من التشخيصات النفسانية غير العلمية. غير أن هذه النغمة كانت تتردد بين ثير من تلامذة فرويد، أكثر من ترددها عند أستاذهم، بما في ذلك بعض الثوريين منهم، فهي نغمة حديث بريل Brill ؟ مثلا ؟ عن حب الشعر، وأنه ليس إلا تعبيراص عن شهوية شفوية أي " مضغا ورضاعا للكلمات الجميلة " .
أما العالم النفساني الوحيد الذي قصر جهده على دراسة الفن بدقة فهو أوتو رانك. وقبل أن ينشق عن فرويد، في أوائل العقد الثالث من القرن، كتب عددا من الدراسات الأدبية القيمة المعتمدة على التحليل النفسي، وهي: " الفنان " سنة 1907، و " أسطورة ميلاد البطل " سنة 1909 ودراسة لقصة " لوهنغرين " سنة 1912 و " دافع الزنا بالمحرمات في الشعر والأسطورة " سنة 1912 ومقالتان إحداهما في سنة 1914 والثانية سنة 1922 وقد نشرنا فيما بعد باسم " دون جوان وصنوه " Don Juan and the Double (1) (وأكثر هذه يمكن الحصول عليه بالإنجليزية). ولعل أهمها جميعا " أسطورة ميلاد البطل " فقد التقط رانك تلميحا من فرويد بأنه يستطيع أن يجرب طريقة جالتون في خلق نموذج أعلى للميلاد الأسطوري (ويظهر أنه يجهل أن مهمة مماثلة قد أداها ألفرد نت على نحو مجزأ مشتت بدراسة حياة البطل كلها) فحقق رانك دراسة نفسية مؤثرة في ميدان الأساطير المقارنة، هامة جدا للأدب ولعلها النواة التي نمت من حولها دراسة
__________
(1) موضوع " الصنو " - أو القرين - قد بحثه أتو رانك بتوسع؛ فقرن بين " الصنو " والأخيلة في المرايا والخيال الحافظة، والاعتقاد بالروح، والخوف من الموت. وقد كان " الصنو " في البدء أمانا ضد تحطم الذات أي إنكارا لقوة الموت، ولعل النفس لم تكن في البدء إلا " صنوا " للجسد أي صورة أخرى منه.

(1/265)


اللورد راجلان القيمة " للبطل " سنة 1935.
ويتضمن كتابه " دافع الزنا بالمحرمات " عددا من التحليلات الأوديبية المثيرة ومن بينها: تحليل لمسرحية يوليوس قيصر من تأليف شكسبير (وقد بين أن بروتس وكاسيوس وانطونيوس ثلاث شعب من " ابن " قيصر، يمثل الأول منهما ثوريته، والثاني شفقته، والثالث تقواه الطبيعية). وتحليل لقصيدة بودلير " الماردة " . ثم لما انشق رانك عن فرويد لم يكتب عن الفن شيئا ذا قيمة إلا قليلا (1) وما كتابه الكبير في هذا الموضوع وعنوانه " الفن والفنان " الذي نشر بالإنجليزية سنة 1932 إلا أطروحة بليدة، ألمانية الروح في علم الجمال، تستمد كثيرا من أنثروبولوجيا أحميت بعد أن بردت. وتجعل دافع الفن مرتكزا على الرغبة في تخليد الذات، وتحذر من شدة الوعي وازدياده لأنه يقتل الفن، وتقاوم التفسيرات النفسية في بعض النقاط، حيث تكون تلك التفسيرات مفيدة قيمة، كما أنها تحيل التحليل النفسي في مواطن أخرى، بمغالاتها المتحمسة، إلى شيء مبتذل سوقي وبخاصة في دراسة هاملت على أنها سيرة ذاتية مباشرة لكاتبها.
ولعل من أقيم الدراسات الأدبية النفسانية التامة التي قام بها محللون أو نفاسنيون محترفون، ومن أبعدها أثرا، دراسة إرنست جونز لهاملت في كتابه " مقالات في التحليل النفسي التطبيقي " (2) . فقد حطم جونز كل نظرية عن هاملت، سبق اعتناقها، في مائة صفحة حافلة بالمعرفة، مكتنزة بالمنطق، تدل على تضلع في الدراسات الشكسبيرية، وعلى الاطلاع الواسع. ثم يقيم جونز نظريته هو، ويرسي قواعدها، وخلاصتها أن في المسرحية مبنى أوديبيا هو لا شعوري في هاملت، لا شعوري في شكسبير، لا شعوري
__________
(1) لا أقول إن العلاقة هنا عارضة، كما لا أقول إنها بالضرور منقطعة.
(2) نشرت هذه الدراسة منفصلة في كتاب (1949) بعنوان " هاملت وأوديب " Hamlet and Oedipus.

(1/266)


في الجمهور، ثم يزيد زيادة حقيقية في مدى استساغة المسرحية حين يظهر فيها ما عجز عنه كل أحد إلاه، وهو مدى المعقولية والحتمية في أحداثها، مع أنه يترك عددا من الأسئلة دون جواب. ولم يكتب جونز تحليلا أدبيا آخر مشبها لهذا غير أن كتابه من مقالات أخرى، يستغل فيها التحليل النفسي الموحي في ميادين متفاوتة مثل الفن، والفولكور، والتاريخ والسياسة والدين، بل والصحافة أيضا.
وثمة كتاب مثل مقال جونز عن هاملت في حساسيته نحو القيم الأدبية، وبعده عن مجال الباثوغرافيا، وإن لم يكن مثله مثيرا في حد ذاته، ذلك هو كتاب شارل بودوان " اتحليل النفسي وعلم الجمال " وهو دراسة مطولة للرمزية الشعرية عند فرايرن، كتبها رجل كان هو نفسه شاعرا. والتحليل النفسي عند بودان انتقائي يستمد دون تحيز من فرويد ويونج وأدلر ورانك وريبو. ومع أن كتابه قلما يتجه عنه بكليته نحو الدراسة النفسية، فهو عمل هام من التحليل الرمزي المسهب، مع انطلاقات عارضة هامة، تعد إرهاصات بعدد من التقنيات النقدية الجديدة منها: التفسير المتعدد للمعنى، بمصطلحات متعددة مختلفة، واستقطاب الصور المشحونة بالعاطفة، زوجا زوجا، في خطوط متوازية. وشرح ميزة الأصوات والرمزية السماعية. ويؤكد بودوان في بداية الكتاب أن تحليل آثار العبقري يظهر عبقريته لا مرضاص عصبيا ولكنه يعود فيقع في الخطأ ؟ في الطرف الثاني ؟ ويؤكد عند نهاية الكتاب أن القصيدة: بما أنها " صورة معجبة توضح سيكولوجية التسامي " وبما أنها لذلك " حق " ، إذن فهي قصيدة " جميلة " . وبما أن القصائد التي تمض باسم روائع فرايرن هي التي " تشحن بالمعاني الرمزية أكثر من غيرها " إذن لعل القصائد الأخرى التي تكون مشحونة بالمعاني السيكولوجية هي أيضا روائع.
وعلى الطرف الثاني من تحليل بودوان لفرايرن يقع كتاب عن بودلير

(1/267)


لأحد بني وطنه، أعني المحلل النفسي الفرنسي رينيه لافورج فإن كتابه " هزيمة بودلير " The Defeat of Baudelaire محض باثوغرافيا، عنوانها الفرعي " دراسة نفسية تحليلية للمرض العصبي عند شارل بودلير " . وهو يصرح بغايته فيه على الصفحة الأولى فيقول:
ليس من همي أن أقدر مكانة بودلير في الأدب ولست أرغب في الأخذ بتحليل فنه، إذ ليس بودلير لدي إلا إنسانا، أعني إنسانا مريضا، ضحية للحياة، بين آخرين كثيرين مثله، فهو صورة لحشد جم ممن يسيء الناس فهمهم. وليس لدي إلا سبب واحد للحديث عنه قبل أن أتحدث عن غيره، وما ذلك إلا لأني ؟ وشكرا لفنه ؟ أجد مدخلا لدراسته، واراه من خلال ذلك الفن لا يعز على الفهم.
ولم يخف لافورج أنه لا يرى في قصائد بودلير ويومياته مقيداته وفي السيرة التي كتبها بورشيه شيئا سوى مقيدات اكلينكية فوجد أن بودلير كان مصابا بعقدة أوديب، وعقدة ماسوشية مع أخيلة الضرب بالسوط، وجلد عميرة، وبشذوذ جنسي كمين، ونقص في عضو التناسل، وربما كان مصابا بالعنة وبالتهيج عن طريق النظر إلى الأوضاع الجنسية (والأخيرة مبنية على تجربة في الطفولة، حدسية إطلاقا). ويرى لافورج، وهو يؤد دائما أن غاياته من تأليف الكتاب تشمل تحذير رجال التعليم من أن يخوفوا الأطفال، وتحسين معاملة المجرمين. ويرى أن الفنان مريض " متميز " يستطيع أن يخلق فنا، وما الشكل الشعري إلا وسيلة تخفي المرض العصبي عند الشاعر حتى يعز كشفه إلا على الاكلينكيين، وفي هذا القدر من الحديث عن الكتاب كفاية، في معرض الكلام عن النقد الأدبي.
ولا نستطيع هنا أن نقف إلا على مثلين آخرين من بين العدد الوفير من الدراسات الأدبية التي قام بها أطباء يعملون في حقل التحليل

(1/268)


النفسي لنمثل بهما على الطبيق الدارج بأميركة. أولهما ما كتبه لورنس س. كوبي تحت عنوان " أدب الرعب " فقد نشر مقالين بمجلة Saturday Review of Lit 1934 أحدهما عن " المعبد " Sanctuary لفولكنر Faulkner والثاني عن " أرض الله الصغيرة " God " s Little Acre لكولدول Caldwell (1) (ووعد لواحد ثالث عن همنجوي، ولكنه لم يظهر أبدا فيما يبدو). واثار بضع نقاط جيدة، وبخاصة في المقال الخاص بفولكنر، ومن تلك النقاط: حديثه عن توتر الرعب والقلق في الأدب الأميركي المعاصر، وإصراره على أنه لا يحلل المؤلفين تحليلا نفسيا، وأن القول بأن " المعبد " ليست إلا سلسلة من أوهام العنة المذكرة، ليس هو مثل أن تقول إن فولكنر كان عنينا، وإنما كان يتخيل ذلك فحسب. ومنها الرفض الضروري لدعوى فولكنر بأن الكتاب ليس إلا عملا بليدا لا معنى له. ثم ينهي دراسته بهذه النظرية المغرقة في التبسيط: وهي أن " بوبي " هو الذات فير العاقلة و " بنبو " هو الأنا والرعاع هم الذات العليا، وهذا مثل على المصطلح، وإلى أين يؤدي، إن لم يكبح جماحه، وتكمل القطعة التي كتبها عن كولدول بعض هذه الموضوعات ولكنها أقل احتفالا بالأثر الأدبي نفسه، منها بالكشف عن طبيعة الفحش المقذع، ومضمونات رد الفعل له في نفس القارئ.
وأقرب إلى طبيعة الأدب من هذين، وإن كان قاصرا على الباثوغرافيا،
__________
(1) فولكتر ولد سنة 1897 وأصبح لفتنانت في الحرب العظمى الأولى ولما عاد إلى موطنه عمل نجارا ثم اشتغل في الصحافة، واتصل بشرود أندرسون وتأثر أسلوبه وطريقته. أما قصة " المعبد " (1931) فإنها قصة رعب سادي كتبها ليكسب ما لم تكسبه له قصصه الأخرى من مال، وقد كانت تحول في حياته الأدبية.
وكلودول قصاص أميركي ولد سنة 1903 وأكثر قصصه عن فقراء البيض وكذلك هي قصة " أرض الله الصغيرة " (1933) وهي تظهر روح الفكاهية عنده كما تفصح عن نقمته على التفاوت الاجتماعي بين الناس. وقد سماها كذلك لأن بطل قصته وهو رجل متدين كان دائما يفرز فدانا من أرضه ويجعل ريعه للكنسية.

(1/269)


مقال لشاول روزنتسفايغ عنوانه " شبح هنري جيمس " نشر في " الشخصية والشخصانية " Character and Personality عدد ديسمبر 1943 وأعيد طبعه في مجلة البارتزان خريف 1944. ويستخدم هذا الناقد بعض أقاصيص جيمس ليبني منها جيمس الذي يعاني قلق الخصاء ومركب النقص من ازدواج جنسي طبيعي " وهو احتمال نظري " . وعلى الرغم من هذه التذكرة الاكلنيكية الضيقة، وهذا التملح الحر باستعمال مصطلحات مثل " الكبت والإحباط والتسامي والمغالاة في التعويض " فإن دراسة روزنتسفايغ الحقة للقصص بالغة الحذافة والحس بالقيم الأدبية، وهي مثل يرينا إلى أي مدى يكون هو ومن شاكلته مفيدين لو سلطوا منهجهم على تحليل الأثر الفني وشكله لا على مؤلفه (وكم كان روزنتسفايغ مفيدا لو أنه مثلا حاول أن يتحدث لنا عن أسلوب جيمس الباروقي المتأخر وعن نواحي الإخفاء والتهرب فيه).
إن الأدباء المحترفين الذين اعتمدوا فرويد والتحليل النفسي ليكاد يقصر عنهم الحصر. وأول استخدام صحيح للمبادئ النفسية تم سنة 1912 في مقال لفردريك كلارك برسكوت عنوانه " الشعر والأحلام " نشره بمجلة Journal of Abnormal Psychology وأعاد طبعه في كتاب سنة 1919. وقد تناول برسكوت كتاب " تفسير الأحلام " لفرويد، ولم يكن يومئذ قد ترجم إلى الإنجليزية فطبقه تطبيقا منظما في تفسير الشعر، فوجد أن الشعر، كالحلم، تحقيق مقنع لرغبات مكبوتة، وألمع إلى أن الآليات التي وجدها فرويد في " العمل الحلمي " قد تكون هي الآليات في " العمل الشعري " . وفي الوقت نفسه حاول أن يؤيد كثيرا من جدليات فرويد الجديدة المزعجة، وأن يوثقها بالاقتباسات من الأدباء على مر العصور. وإذا استثنينا التطبيق الميكانيكي نوعاص ما، واعتقاده أن الشعر " هرب من الواقع " ، واحتقاره " لمعميات " كولردج في الوهم والخيال، فإن كتاب

(1/270)


برسكوت بداية هامة، اعتمدت عليها الأعمال التي جاءت من بعد اعتمادا كبيرا. وفي سنة 1922 نشر " العقل الشعري " وهو معالجة أوفى، غير أنها على الرغم من بعض الأمور القيمة، ومنها الإرهاص بمبدأ " الغموض " الذي عالجه امبسون، والنص على تكثر المعنى، فإنها تمثل انحدارا واضحا، مع المغالاة في الأخذ بالتحليل النفسي الفرويدي، ليجعل ملائما للصوفية الرومانتيكية وعبادة شللي.
ومن أولى المحاولات التي بذلها رجل غير محترف في استعمال مبادئ التحليل النفسي لنقد آثار أدبية بأعيانها محاولة تمت سنة 1919 في كتاب لكونراد أيكن عنوانه " شكيات: ملاحظ في الشعر المعاصر " . فلم ينتفع ايكن بنظرة فرويد في الفن فحسب بل حاول أن يوفق بينها وبين نظرية كوستيلف التي تعتبر الشعر تفريغا آليا للكلمات، وبينها وبين مبدأ بافلوف عن الرجع المنضبط، ونتف أخرى من السيكولوجيا " المشكلة " . ولم ينجم عن هذا الخليط استبصار كثير، ولكن أيكن أخذ من فرويد النزعة الأساسية للنقد المعاصر، سابقا قولة رتشاردز ذات التأثير الواسع ببضع سنوات أي: إن الشعر نتاج إنساني، يسد كغيره من ضروب النتاج حاجات إنسانية، وله أصول ووظائف يمكن الكشف عنها، وتعريضها للتحليل.
وقد كان روبرت غريفز من أوائل الإنجليز الذين بينوا للناس النقد المتصل بالتحليل النفسي في سلسلة من الكتب تشمل: (1) " في الشعر الإنجليزي " On English Poetry (1922) (2) " معنى الأحلام " The Meaning of Dreams (1924) (3) " اللاعقلانية في الشعر " Poetic Unreason (1925). وقد حاول غريفز دراسات نفسية مسهبة لقصائد معينة وبخاصة في " معنى الأحلام " حيث حلل قصيدة كيتس " السيدة الجميلة التي لا رحمة لديها " وقصيدة كولردج " قبلاي خان " وقصيدة من نظمه. وربما لأن غريفز استبعد

(1/271)


فرويد ويونج مفضلا عليهما النظريات النفسية لرفرز، متكئا على انفصال الروباط في الشخصيات اللاشعورية، والتجارب الصادمة (1) ؛ وربما لأنه حاول أن يربط أحسن الشعر بأحسن أنواع الصراع الذاتي اللاشعوري، وربما ؟ وهذا أقرب الاحتمالات ؟ لأنه جمع بين الجهل والسلاطة إلى ردجة مدهشة، أقول ؟ ربما لكل ذلك كانت نتائجه بشعة ولعلها هي التي خذلت الجهود الإنجليزية بعده عن الضرب في هذا السبيل. (إن التطبيق الوحيد لمبادئ التحليل النفسي على أحد الآثار الفنية ؟ التطبيق الذي نجح نجاحا كاملا على يد ناقد إنجليزي ؟ هو مقال وليم امبسون عن " أليس في بلاد العجائب " وسيكون موضوع حديثنا في الفصل المخصص لامبسون).
ويمثل هربرت ريد الإنجليزي موقفا خاصا محيرا فلم يكتب أحد بمثل حماسته عن أهميته التحليل النفسي، بل أهمية كل العلوم النفسية، في الحقيقة، للأدب والنقد الأدبي. فهو يقول إن على الناقد أن يلتقط من السيكولوجيا وبخاصة التحليل النفسي " ألمع أسلحته " ، وإن الناقد قد يسأل في بعض المجالات أسئلة لا يجيب عليها إلا علم النفس، وإن علم النفس قد استطاع أخيرا أن يفسر خفايا علم الجمال مثل مبدأ التطهير، وما أشبه. وقد كتب ريد في مقال له عنوانه " التحليل النفسي والنقد " ، نشر في كتابه " العقل والرومانتيكية " Reason and Romanticism (ثم وسعه من بعد وسماه " طبيعة النقد " وضمنه كتابه " مقالات مجموعة في النقد الأدبي " .) ؟ كتب حججا مستقلة مقنعة، غاية في ذلك، في سبيل النقد المعتمد على التحليل النفسي، ونص على الانتقائية والاعتدال، وبين محدودية التحليل النفسي وأخطاره، كما بين إمكانياته الهائلة. غير أن المحير في كل هذا أن ريد لم يطبق إلا
__________
(1) التجارب الصادمة Traumatic experiences هي الناشئة عن حوادث مرعبة مثل صدام قاطرة أو أي أذى مشابه يصيب الجسم ولكنه أيضا يصيب القوى العقلية فيخل وظائفها ويحدث فيها اضطرابا. وقد أحدثت الحرب الحرب كثيرا من هذه الحالات " الترومائية " .

(1/272)


قليلا من نصحائحه للناس. فإذا استثنينا كتابه عن وردزورث، ومقاله الطويل عن شللي، ودراسته للأخوات برونتي، وليس فيها جميعا دراسة عميقة أو شاملة الإدراك، وإذا استثنينا ترديده الكثير لبعض اصطلاحات فرويد واصطلاحي يونج " انطوائية " و " انبساطية " وجدنا أن ما أنتجه ريد مضى دون أن يمسه التحليل النفسي، فيما يبدو. فهو مثل موسى النبي، رأى أرض الميعاد ولكنه لم يحاول أن يدخلها. وكذلك و. ه؟. أودن، فإنه حلل قيمة فرويد للفن، في مقاله " علم النفس والفن اليوم " ، الذي نشر في مجموعة " الفنون في أيامنا " ؟ تحليلا لامعا، دون أن يفيد كثيرا من الطريقة النفسية في نقده.
وحال ليونل ترلنغ بأميركة مشبهة لحال هذين الناقدين الإنجليزيين. فقد كتب تقديرا بالغ اجودة لقيمة فرويد في الأدب وعلم الجمال، مبرزا معرفة واسعة بمؤلفات فرويد، بمجلة Kenyon Review ربيع 1940 (1) ، وأشار إلى أن فرويد في بعض الأحوال يرى العقل الإنساني عضوا صانعا للشعر، في الحقيقة، وأن التحليل النفسي على هذا هو علم المجازات والكنايات. ثم أخذ يضرب حول هذه الحقيقة نطاقا من التضييقات ناشئة عن ميل مناقض رآه في فرويد، أي نظرة تحقير للفن، فإذا به ينتهي إلى الوقوف " على الحياد " . وتعكس دراسته لماثيو آرنولد وإ. م. فورستر، هذا التوزع في ذهنه، ومع أن استغلاله للاستبصارات النفسية واسع إلا أنها لتبدو لديه دائما تجريبية قليلة الحماسة، وأحيانا تولد ميتة.
ومن النقاد الأميركيين الآخرين الذين حاولوا الإفادة من التحليل
__________
(1) أعاد ليونل ترلنج نشر مقاله عن " فرويد والأدب " بمجلة Horizon سبتمبر (أيلول) 1947 ثم صمنه كتابه " الخيال الحر " The Liberal Imagination وفي هذا الكتاب أيضا مقال آخر بعنوان " الفن والمرض العصبي " ، كما أن لهذا الناقد كتيبا بعنوان " فرويد وأزمة الثقافة عندنا " (بوسطن: 1955 الطبعة الثانية).

(1/273)


النفسي، اثنان هما إدموند ولسن وفان ويك بروكس أما الأول فقد تزايد إقباله على التحليل النفسي حين تخلى عن الماركسية، وما الثاني فقد انتقى نتفا طيبة المذاق من كل أنواع التحليل النفسي ليلفظها جميعا في النهاية. وهناك أيضا وليم تروي الذي كتب قطعة واحدة ؟ على الأقل ؟ في التحليل النفسي، عن عقدة أوديب عند ستندال. ومن المتأثرين ببروكس اثنان هما فرانك وممفورد أما فرانك فقد غاص يفتش عن أغمض المجالات في التحليل النفسي، ليتبرأ منها جميعا من بعد ؟ لأن المحللين النفسيين " ذوو ضالحة فلسفيا " ؟ ويختار بدلا منها صوفيته الخاصة ؟ أعني التقديس، والحياة الخيرة، والروح الرياضية. وأما ممفورد فقد التقط سيرة ملفيل السخيفة الغنائية التي كتبها ريموند ويفر بعنوان " هرمان ملفيل، البحار والمتصوف " . وبنى عليها دراسة أسخف وأشد غنائية بعنوان " هرمان ملفيل " وهي حافلة بمبادئ فرويدية غير مهضومة وبذوف رديء ساذج (من أقواله فيها: " ربما " كانت زوجة ملفيل " شديدة الحياء لا تحسن الاستجابة في الحب " .) وهناك بضع سير أخرى مؤسسة على التحليل النفسي ظهرت في العقد الثالث والرابع من هذا القرن، ويبدو أنها أحسن وأنفذ إدراكا، مثل سيرتين كتبتهما كاترين أنتوني: إحداهما سيرة مارغريت فللر، والثانية سيرة لويزا ماي ألكوت؛ ومثل دراسة روزاموند لانغردج R. Langbridge لشارلوت برونتي. ومثل سيرة بو التي كتبها جوزف وود كرتش J. W. Krutch، مع أنها جميعا كان من الممكن أن تنتهي بصورة من صور أغلوطة " ليس إلا " التي أنهى بها كرتش سيرة بو إذ قال " إذن فنحن قد تتبعنا فن بو حتى رددناه إلى حال شاذة في أعصابه " .
وهناك ما هو أردأ من كل ما تقدم في النقد الأميركي المعاصر الذي حاول الإفادة من التحليل النفسي. وأكبر الآثمين هم المتحدثون عن الجنس

(1/274)


" هواية " لا علما، و " المتوصوصون " في النقد، ونمطهم متمثل في كتاب " التعبير في أميركة " Expression in America تأليف لودفج لويزون (من أمثلة فيه " إن ثورو ؟ مثلا ؟ غر لثق، محشو بالمكبوتات إلى حد العنة النفسية، وإلا فهو ضعيف الباه ضعفا لا يرجى له شفاء؛ وهو يفضح عوار كل أديب أميركي على هذا النحو). وفوق هذا المثل ببضع درجات فقط دراسات: كدراسة توماس بير لهنري آدمز المسماة " العهد الزاهي " ، حيث فسر بير شخصية المدروس تفسيرا جنسيا مباشرا. وكدراسة فإن دورن التي فضح بها دعوى شعر وتمان وأفكاره على أساس من شذوذه الجنسي، وكالتفسيرات الجنسية للأدب كله. على يد إدورد دلبرغ في " أتحيا هذه العظام " Do These Bones Live، باسم المعاداة للتحليل النفسي؛ وكقولة تولستوي: إن أعمق ألم المرء هو دائما مأساة غرفة النوم.
وقد سلطت على الفن علوم نفسية أخرى إلى جانب التحليل النفسي وأحرزت قسطا طيبا من النجاح، في عصرنا. وربما كان أبعدها أثرا سيكولوجيا رتشاردز المتكاملة التي تستمد من سيكولوجيا طب الأعصاب، وسيكولوجيا السلوك التحليل النفسي والجشطالت، وملاحظه التجريبية (التي نتحدث عنها فيما يلي في الفصل الخاص برتشاردز). أما كنث ببرك الذي توسع في الاستمداد من فرويد، وكتب أحذق تحليل أعرفه عن مشتملات التحليل النفسي والتعديلات الضرورية لها إذا شئنا استخدامها في النقد في مقاله " فرويد ؟ وتحليل الشعر " الذي نشر في " فلسفة الشكل الأدبي " The Philosophy of Literary Form ؟ فإنه أيضا استمد من كل مدرسة نفسية حديثة ليحقق سيكولوجيا متكاملة يسميها " السيكولوجيا المبنية على علم الظواهر " وهي مؤسسة على الجشطالت في الدرجة الأولى، وتحيد عن " رقة ما هو استبطاني محض " وتجانب " جدب ما هو سلوكي محض " كذلك. (سنتحدث عنها فيما بعد أيضا).

(1/275)


أما المدرسة الجشطالتية فإنها فرع نفسي ذو بوادر طيبة للنقد الأدبي ؟ فيما يبدو ؟ مثلها مثل التحليل النفسي على الأقل. ولكنها حسب ما أعلم لم تطبق على الأدب تطبيق احتراف مباشر إلا قليلا (1) . ويبدو أن سبب ذلك إنما يرجع إلى النص على العلم التجريبي، وهو ما دعا إليه مؤسسو النظرية الأولون مثل ماكس فرتايمر M. Wertheimer وكرت كوفكا K. Koffka وولفغانغ كوهلر W. Kohler لتفضيلهم الظواهر التي يمكن التثبت منها موضوعياص عن طريق التجارب المنضبطة. وحتى اليوم ظل اهتمام هذه المدرسة واقفا عند حدود العقل الواعي، وعمليات مثل " الإدراك " و " التعليم " ، ترد واضحة في كتاب فرتايمر " التفكير المثمر " Productive Thinking حيث يتناول أمثلة من العمليات المعقولة في النظريات الهندسية، وفي كشف اينشتين للنسبية، لا من مظاهر أقل معقولية وأبعد عن دائرة التثبت واليقين، كالصور الشعرية أو شكسبير للملك لير. ومع هذا فإن الفكرة الأساسية في هذه المدرسة وهي أن رد لفعل إنما يكون للكلي المتكامل أو ما يسمى جشطالت التجربة لا " للدافع "
__________
(1) صدرت بضعة مؤلفات جشطالتية عن الموضوع العام للفن ومنها:
(1)ه؟. إ. ريز: سيكولوجية الإبداع الفني. A psychology of Artistic Creation.
(2) فرنر ولف: التعبير عن الشخصية The Expression of Personality (وهذا الكتاب مع أنه في معظمه يعالج التعبيرات الذاتية مثل المشي والكلام فإن له ارتباطا واضحا بالتعبير الجمالي.)
(3) رودلف أرنهايم: الجشطالت والفن (مقال نشر في مجلة علم الجمال J. of Aesthetics خريف سنة 1943).
كما أن آرنهايم اليوم يدرس نظرية الجشطالت في سيكولوجية الفن بالمدرسة الجديدة للأبحاث الاجتماعية وقد أسهم بمقال عنوانه " ملاحظ سيكولوجية على العملية الشعرية " نشر في " الشعراء حين ينظمون " Poets at Work وهو مجموعة قام بتنسيقها تشارلس د. أبوت من أوراق الشعراء ومسوداتهم بمكتبة جامعة بفلو.

(1/276)


المفرد، وأنه في الحالة هذه يكون الكل أكبر من مجموع الأجزاء وأنه يتحكم في طبيعتها ؟ إن هذا كله ليبدو مرتبطا تماما بمشكلات الأدب والفن. والحق أن مبدأ الجشطالت عن الكلي المتكامل إنما استوحي في نواته من الطبيعة الشكلية للفن حين تعرف فون اهرنفل Von Ehrenfel إلى أنه حين يغير مكان اللحن الموسيقي وتغير أيضا النغمات التي يتألف منها ذلك اللحن فإن الصفة الجشطالتيه له Gestaltqualitat لا تتغير لأن العلاقات بين النغمات ظلت محفوظة. وربما كانت مشكلة الفنان في نقل الأنموذج الأساسي لتجربته خلال وسيط ليست له فيه تجربة وبخاصة إن كان وسيطا يستغل معنى مغايرا (كمنظر طبيعي في قصيدة شعرية أو أغنية طير في تمثال منحوت وهكذا) ؟ أقول ربما كانت مشكلة الفنان في هذا هي بالدقة مسألة هذه الصفة الجشطالتية، وإنذ فهي مجال تستطيع فيه سيكولوجيا الجشطالت أن تكون مثمرة بخاصة. هذا وإن هيكلها النظري الذي ينص على مبادئ " الحقل " يستطيع أن يمد النماذج السلوكية للعقل اللاوعي، وهي ذات صبغة كلية أيضا، وأن يدرك نظريا أن العلاقات المتباينة في المجاز الشعري إدراكات " مثمرة " للشعر مثلها في ذلك مثل العلاقات الرياضية التقليدية في مجال العلم (1) . ولا ريب في أن الجشطالتيين
__________
(1) قد يكون من المفيد هنا أن نضع تعليقا موجزا يوضح للقارئ في شيء من التبسيط نشأة مذهب الجشطالت وأسسه فنقول: هنالك سؤال خالد هو: ما هو الشيء الأساسي الأولي الهام في الطبيعة، وتتخذ الإجابة عليه أحد طريقين الأول: القول بأن الشيء الهام هو " العنصر " أو الجزء وهذا هو الاتجاه الجزئي أو " الذري " والثاني: أن الشيء الهام هو الكلي أو الأنموذج أو هو المركب في مقابل البسيط. وبين الجوابين انفصال حاد، فهما ضدان منطقيان يختلفان اختلاف الليل والنهار ويتباينان تباين الاشتراكية والفردية. أما أصحاب الجواب الأول فيبحثون عن كيفية التقارب التجاذب والترابط بين الأجزاء، وأما أصحاب الجواب الثاني فيبحثون عن التغير والسلوك والحركة في الكليات ولا يبحثون عن الترابط لاعتقادهم أنها نشأت مترابطة. وقد كانت السيكولوجيا في القرن التاسع عشر ميكانيكية ولكن حين استكشفت فكرة " الاستمرار " بدأ السيكولوجيون يتحولون إلى النظام الكلي أو العضواني Organismic ثم تلا ذلك استكشاف فكرة " الوحدة " وهذه أردفت باستكشاف اهرنفل لما سماه " الصفة الجشطالتية " فتحقق كثير من السيكولوجيين من أن العمليات السيكولوجية لا يمكن تفسيرها بتحويلها إلى عناصرها بل أن الحالة العقلية ذات خاصية ذاتية تسمى " Field Property " وكان أول من انفصل عن السيكولوجيا الميكانيكية في ألمانية فرتايمر وكوفكا ثم جاء روبن. فقلب الأفكار المتعارفة عن الإدراك والذاكرة، وكان لفن يعمل مع كوهلر في برلين؛ فطبق تقنيات الطوبولوجيا على مشكلات السلوك الموجه الغائي؛ ومن هنا نشأت السيكولوجيا الطوبولوجيه، والطوبولوجيا هي العلم الرياضي للعلاقات المسافية، فتطبيقها على النواحي النفسية معناه دراسة الظواهر النفسية وتفسيرها على أساس " إقليمي " في مسافة هذه الحياة.

(1/277)


التكامليين الشبان وهم أتباع المرحوم لفن (الذي قال في " مبادئ السيكولوجيا الطوبولوجية " : " إن الاقتراب الوحيد من المشكلات العميقة إنما هو العمل اللامع الذي قام به فرويد " ) والحشطالتيين الاجتماعيين مثل س. إ. آش وج. ف. براون ؟ لا ريب في أن هؤلاء حين يوجهون انتباهم إلى علاقات البمنى، والكليات و " الحقول " و " الطوبولوجيا " في الآثار الأدبية، ويلتقط النقاد المحترفون منهم استبصاراتهم ويوسعون فيها عندئذ ينفتح أمام النقد الأدبي مجال جديد ذو قيمة هائلة.
5
- بقيت بضع مشكلات يثيرها كتاب الآنسة بودكين والنقد النفسي عامة، في حاجة إلى شرح. وفي أولها المنحى الأخلاقي والديني الموجود في كتاب " النماذج العليا في الشعر " وإن لم يكن مزعجا. غير أنه مزعج متطفل جدا في كتابها الوحيد الآخر (1) ، وهو كتيبة مخيبة للآمال نشرت سنة 1941 وعنوانها " البحث عن الخلاص في مسرحتين: قديمة وحديثة " The Quest for Salvation in an Ancient and a Modern Play وفيه تقارن الآنسة بودكين بين مسرحية " يومنيدس " Eumenides لاسخيلوس و " اجتماع
__________
(1) قوله " الوحيد " يصدق حتى تاريخ تأليف هذا الكتاب؛ غير أن الآنسة بودكين ألفت بعد ذلك كتابا آخر بعنوان " دراسة للصور النموذجية في الشعر والدين والفلسفة " Studies of Type - Images in Poetry، Religion and Philosopgy..

(1/278)


شمل العائلة " Family Reunion لاليوت بما في كل منهما من وسائل الخلاص المتباينة. وهي ترى أن الخلاص في مسرحية اسخيلوس جماعي وتاريخي، وذلك حين تحول الربة آثينا ربات النعمة Erinyes إلى ربات الرحمة Eumenides (1) ، وينجم عن ذلك أن تنعم الهيئة الاجتماعية بنظام جيد من العدالة. وتقرر الآنسة بودكين أن الأزمة في مسرحية اليوت جماعية كما هي عند اسخيلوس ومع ذلك فإن خلاص البطل عنده في النهاية فردي روحي كليا، في مصطلح من علاقات ذاتية جديدة، واستبصارات سيكولوجية تهدأ بها ثورة " ربات النقمة " الذاتية عنده. وعلى ما في هذه المقارنة من قوة تبني الآنسة بودكين استكشافها للفرق بين العصر الاثيني وعصرنا من حيث الأخلاق والعدالة والسلام فتقول:
لا ريب في أننا نعلم ابتداء أن الشاعر المعاصر لا يستطيع أن يكتب في مثل هذا المزاج المتهلل، كالذي كان يمتلك الاثينيين أيام اسخيلوس، فيما يبدو. فالشاعر آنئذ كان يستطيع أن يشكل روايته المسرحية ليرفع الحجاب عن حقيقة بنى وطنه، ويشاركهم أفراحهم بعظمة ما استطاعت أن تحققه مدينتهم. إن تقدم الروح الإنسانية، الذي حققته أثينا ليقود أفكارنا إلى عصرنا، إلى تقدم أعظم نحمله في أنفسنا، وإن يكن ما يزال بعيدا عن التحقيق ؟ إلى مجلس أو حكومة إنسانية، تضع العدالة مكان العنف بين الشعوب
__________
(1) الأصل في تسميتهن Eumenides يدل على الرحمة، ولكن هذا الاسم اختلط بأسمائهن الأخرى التي تدل على الغضب والانتقام وقد سمين ربات الرحمة حين كففن عن تعذيب أورست، فقرب لهن القرابين وبنى لهن هيكلا، وكانت عبادتهن عامة، ويحاذر الناس من تسميتهن بأسمائهن أو من النظر المسدد إلى هياكلهن، ومع القرابين من النعاج كان العباد يقدمون الأرز والزعفران ويريقون الخمر والعسل، ولا يقوم بتقديم القرابين في أثينة إلا الأحرار الفضلاء الذين يحيون حياة نقية.

(1/279)


في كل العالم، ولو أنا نجحنا في تكوين هيئة تهدئ أحقاد الشعوب مثلما هدئت بين أبناء الوطن الواحد، فقد تتشكل لنا في الشعر أسطورة عن التدخل الإلهي لتعكس لنا نصرنا الجماعي. ولكن في هذه الساعة القاتمة من مقدرات العالم إن خلق لنا شاعر من شعرائنا أسطورة عما حققناه من خلاص، فإن رمزه لا يستطيع أن يعكس إلا نصرا فرديا روحيا.
وما تزال الآنسة بودكين في " البحث عن الخلاص " مهتمة إلى حد ما بالدراسات النفسية، وما تزال تقتبس من فرويد ويونج بل إنها تقترح نموذجا أعلى لربات النقمة ؟ نموذج الطاقة العاطفية المتركزة في رابطة شريرة، القادرة على أن تستحل إلى رابطة خيرة. ولكنها خضوعا لمنحاها الجديد تكثر الاقتباس من المبادئ الصوفية المتنوعة، وهذه تشمل كتاب جون مكمري " مبني التجربة الدينية " The Structure of Religious Experience وكتاب " الأخلاق " لهارتمان، ومبدأ هوايتهد " الفاعلية العلية " في كتابه " المراحل العلمية والحقيقة " Process and Reality. وتلتقط من هارتمان فكرته عن " المهمة فوق الجمالية للشعر بمنح " نفسية المجتمع المرجوة " وحدة محسوسة وشكلا ؟ أي مثلا عليا تبزغ في الوعي الأخلاقي للهيئة الاجتماعية " . وعلى قوة هذا المفترض، تعرتف أن كتيبتها ليست دراسة جمالية وإنما هي دراسة فوق ؟ جمالية، محاولة لكشف " حقائق من حقائق حياتنا العامة خلال شعر هاتين المسرحيتين " . ومهما يكن هذا قيما للأخلاق والدين والقانون الدولي، فإنه يبدو في معظمه مجانية لمهمة الناقد الأدبي.
وثمة مشكلة كبرى يثيرها استخدام الآنسة بودكين للنماذج العليا اليونجية

(1/280)


في النقد، وتلك هي علاقتها بالفولكلور والأنثروبولوجيا. وواضح أنها مدينة ؟ طبعا ؟ لفريزر حتى إن مراجعة موجزة لكتابها نشرت في London Mercury غفلا من الإمضاء تبدأ بهذه العبارة " تحت الظل الممتع " للغصن الذهبي " الذي ألفه فريزر... " . وتستمد الآنسة بودكين كثيرا لا من فريزر والأنثروبولوجيين المتأخيرين، مثل إميل دركهايم وج. اليوت سمث وروبرت بريفولت والكسندر جولد نفيزر، فحسب، بل إنها على التعيين تستمد من تلامذة المدرسة الأنثروبولوجية العاملين في حقل الفن والدين القديم مثل جلبرت مري، وفرانسس كورنفورد وجين هاريسون و ر. ر. ماريت وجسي وستون. وتفيد من كورتفورد بوجه خاص لأنها ترى في مبدأه عن " القوة الروحية " المستمدة من " العاطفة الجماعية والفعالية الجماعية للمجموع " إرهاصا باللاوعي الجماعي عند يونج، كما تجد أن مري قد أرهص بالنماذج العليا في فكرته عن " المواقف المنغرسة عميقا في ذاكرة الجنس والتي كأنها مطبوعة في كياننا العضوي الحسي " .
ن محور فكرة الآنسة بودكين هي التكوين الشعائري للفن، وهي الفكرة المرتبطة بمدرسة كيمبردج، وحين تغلب الصبغة الفكرية على ما تكتبه وتبتعد عن الذاكرة البيولوجية وهي فكرة يونج الصوفية فإنها تدرك أن انتقال نماذجها العليا إنما هو انتقال شعائري، وتقول: " قد يمكن أن أثرا مثل هذا يستطيع أن يمر ؟ وقد تجسده الموروث ؟ في العاطفة المنقولة أولا خلال الشعائر المصحوبة بالخرافة والأسطورة، ثم من خلال الشعر الذي يحتفظ بأثر الشعائر مثلما تحتفظ بها قصيدة فرجيل " . وفي ملحق بكتابها عنوانه " النقد والشعائر البدائية " تجعل اعتقادها بالأصول الشعائرية للدين والفن أمرا جليا وتدافع عن إشارات اليوت إلى الشعائر القديمة في قصيدة " اليباب " ضد نقد أليك براون، وترى أن

(1/281)


تلك الإشارات تضفي شيئا على سحر القصيدة وجمالها لا أنها نتف من التعالم المصطنع.
وبين الدراسة التكوينية للأدب الشعبي في اصطلاحات الأصول الشعائرية، وتحليل وظيفته في اصطلاحات الحاجات الاجتماعية والسيكولوجية رابطة ضرورية محتومة، تجعل سيكولوجية يونج أو أي سيكولوجية جماعية، لازمة للنقد الشعبي، بمثل لزوم الانثروبولوجيا التي كونها فريزر، في رفض فكرة فرويد ويونج، عن الذاكرة الموروثة، ويعالج الحاجة السيكولوجية لهذه النماذج الشعائرية على أنها تتجدد في كل جيل بتأثير ثقافي، مثلما ألمحت الآنسة بودكين في العبارة التي اقتبسناها منها قبل قليل. فليست النماذج العليا أساسا للأدب فحسب، كما بينت الآنسة بودكين بتوفيق عظيم، بل إن الأدب ؟ لعصرنا على الأقل ؟ هو واحد من أعظم المكثرات للنماذج العليا.
ويتبقى بعد ذلك مسألتان عامتان أثارهما النقد النفسي: المشكلة الأولى جديدة على عصرنا وهي نقد الأديب الذي كان له تمرس وثيق بالأدب المنبني على التحليل النفسي. وقد أثار هذه المشكلة فردريك ج. هوفمان في كتابه " الفرويدية والعقل الأدبي " Freudianism and the Literary Mind وذلك أثناء بحثه عن أثر فرويد في أدباء مثل جويس ولورنس ومان وكافكا، ويتحدث عنها وليم يورك تندال في كتابه " القوى في الأدب البريطاني الحديث " Forces in Modern British Literature أثناء الحديث عن ديلان توماس وأتباعه. وربما انساق إليها ورتام عند الحديث عن رتشارد رأيت لو أنه شاء أن يحلل كتابا من كتبه التي صدرت أخيرا واستعمل فيها كشوف التحليل النفسي، دايعا عامدا، مثل كتابه " الرجل الذي عاش تحت الأرض " The Man Who Lived Underground. ولما أن حلل

(1/282)


أرنست جونز أنموذج أوديب في " هاملت " كان يستطيع أن يفترض ان شكسبير لم يقرأ شيئا عن عقدة أوديب عند فرويد، ولم يعمد إلى تنظيم مسرحيته حول هذه العقدة من أجل تحقيق تأثير أعظم، ولكن هذا الفرض نفسه لم عد ممكنا في حال أدباء مثل جويس ومان. خذ مثلا مان: فإنه في مقاليه عن فرويد وهما " مكانة فرويد في تاريخ الفكر الحديث " و " فرويد والمستقبل " وهذا الثاني أسهم به عيده الثمانيني، تجعل من الجلي أنه لم يدرج فحسب، عامدا في قصصه، استبصارات التحليل النفسي الشكلية بل إن كتبه الأربعة المتتابعة عن " يوسف " ، كانت على وجه التحديد مستوحاة من الكتابات لفرويدية. ففي حال مثل هؤلاء الأدباء (وكل سبب يحدونا لنفترض إن هذا الموقف سيظل كذلك بعد اليوم)، يصبح الناقد الذي يستنبط من الأثر الأدبي استبصارا نفسيا في مثل موقف امرئ يجد كنزا مدفونا في نورث نوكس. نعم إن الناقد المعتمد على التحليل النفسي، ما يزال يقدر على أن يفترض أن الأنموذج الذي يشاء تحليله، مليء بالمعاني الذاتية، إذ إن الأديب يعبر عن حاجاته الأساسية في مادة شكلية، اختارها واعيا نفس الوضوح الذي يعبر به عنها في مادة اختارها غير واع، غير أن هذا الناقد لن يستطيع بعد اليوم أن يفترض أنه بإماطة اللثام عن ذلك الأثر الفني يسهم بأي إسهام نقدي ركين. وربما لمس القارئ بعضا من الأثر لهذا نصور المؤسف في النقد الفرويدي الذي يدور حول د. ه؟. لورنس كما هي الحال في كتاب " كاهن سفر الرؤيا " Pilgrim of the Apocalypse، راس غرغوري. ومنشأ هذا، ولا ريب، من شعور القارئ بأن لورنس نفسه كان يستطيع أن يكتب نقدا معتمدا على التحليل النفسي أعمق من هذا النقد وأشمل إدراكا، سواء أنقد مؤلفاته أو مؤلفات الآخرين.
وأخيرا هناك المشكلة العامة حول إمكانيات النقد النفسي ومستقبله.
المظهر المخيب للآمال من الجدل الذي تضمنته مجلة: Partisan Rev

(1/283)


في هذا الموضوع، وأثارته الباثوغرافيا التي كتبها الدكتور روزنتسفايغ عن هنري جيمس هو أن هذا النوع من النقد قد تركز بخاصة، على مشكلة الفن والمرض العصبي، وهي من أقل المشكلات حاجة إلى الاستكشاف في هذه الأيام. ولم يواجه هذه المشكلة الكبرى إلا روبرت جورهام ديفز حين أسهم بمقال له عنوانه " الفن والقلق " عدد الصيف سنة 1945، فقد نص فيه على ما يستطيع أن يؤديه التحليل النفسي، لا على ما يعجز عنه. وقد خطط ديفز الاتجاه المرجو على النحو التالي: حلل في بعض التعليقات الموحية قصة رد ردنجهود Red Ridinghood، ودعا إلى تحليل فرويدي ماركسي معا، غير مبسط وغير ممسوح بالسوقية، ومهد حقلا للنقد المتصل بالتحليل النفسي، بدرسه كيف يرضي الأثر الفني الحاجات العاطفية اللاشعورية أي دراس نفسية للشكل).
إن القصور الواضح في التحليل الأدبي الفرويدي التقليدي هو أنه لا تكتب على أساسه إلا دراسة واحدة، فإذا أضفت دراسة أخرى تردد فيها الشيء نفسه. ولقد استطاع إرنست جونز أن يؤدي عملا جميلا حين وجد عقدة أوديب كامنة في مسرحية " هاملت " ولكنه لو ذهب يحلل " لير " ، أو " حلم منتصف ليلة صيف " أو مقطوعات شكسبير لوجد ؟ وربما أدهشه ذلك ؟ أنها جميعا تعكس عقدة أوديب عند شكسبير، ولقام حقا إن نحن سلمنا له بنظرياته، بالكشف نفسه في أي أثر فني آخر.
هاهنا يتجلى لنا أن الرجاء معقود بكتاب الآنسة بودكين " النماذج العليا في الشعر " . ذلك أنه لم يرتكز على المرض العصبي للفنان، ولا على العقد المستخفية في إنتاجه الفني، ولا على أن الفن تحقيق مقنع لرغبات مكبوتة؛ بل ارتكز على كيف يحدث الأثر الفني الرضى عاطفيا، وأية رابطة تقوم بين مبناه الشكلي والنماذج الأساسية والرموز في نفوسنا، وبذلك قدمت لنا الآنسة بودكين نقدا نفسيا لا تنتهي دروبه ومناظره. لقد

(1/284)


تساءلت دائما: ما الذي تصنعه هذه القصيدة وكيف تصنع ما تصنعه؟ وهذان هما السؤالان التقليديان في النقد. وتقدم العلوم النفسية ؟ وفي مقدمتها علم التحليل النفسي ؟ ذخيرة عظيمة في الإجابة عليهما، وتختلف الأجوبة باختلاف القصائد. فلنقل في الثناء على هذه المرأة المغمورة وكتابها، إنها بمعنى من المعاني، حققت للنقد الأدبي مهمة أساسية كالتي حققها فرويد، فقد سلط هو أنوار العلم المعشية على أعماق اللاشعور الإنساني، وأبانت هي أن أرق القصائد تحت ذلك الشعاع الساطع لا يدركها الذبول.

(1/285)


الفصل السابع
كارولاين سبيرجن
والدراسة المتخصصة في النقد
لم تكن العلاقات بين الدراسة المتخصصة والنقد في الأدب طيبة كثيرا في أيامنا، ذلك لأن الدارس المتخصص ليس في نظر الناقد إلا امرءا جامعيا أخنى عليه الدهر، وقصارى همه من الشعر العظيم، أن يعد ما فيه من شولات وفواصل، كما أن الناقد في نظر الدارس ليس إلا امرءا طائشا، يجمع في أحكامه الجارفة عن الأدب بين عناصر متساوية من الجهالة والسلاطة. ومن سوء حظ العلاقات بين هذين الميدانين، أن تكون هاتان التهمتان صحيحتين في أساسهما، فإن الجامعات مكتظة حقا بمن أخنى عليهم الدهر، والمجلات حافلة بالطائشين، وأكثر دارسينا المتخصصين يفتقرون كثيرا إلى الخيال، وأكثر نقادنا يفتقرون كثيرا إلى المعرفة؛ وقليل هم النقاد المعاصرون الذين حرصوا على الجمع، مثل عزرا بوند، بين التطبيق في مجالهم السليط، وبين الدراسة التخصصية اصلية، وقليل هم الدارسون المتخصصون الذين حرصوا على أن يسهموا في النقد بقسط من الخيال الأصيل. ومن البارزين بين أفراد الفريق الثاني كارولاين ف. إ. سبيرجن التي انتهى بموتها سنة 1942، عن أربعة وسبعين عاما، عهد حافل متميز من دراسة شكسبير وشوسر، امتد على مدى نصف قرن من الزمان. أما الكتاب الذي عرفت به فهو " الصور عند شكسبير

(1/286)


وما الذي تنبئنا به " Shakespeare " s Imagery and What It Tells Us وقد نشر في آخر المرحلة من جهادها ؟ تقريبا ؟ سنة 1935، ولكنه يمثل بمعنى من المعاني، الذروة التي بلغتها في التأليف.
وأول كتبها هو " التصوف في الأدب الإنجليزي " Mysticism in English Literature وقد نشر عام 1913 عندما كانت أستاذة الأدب الإنجليزي بجامعة لندن. غير أنه لا يتمتع بعمق الدراسة ولا برجاحة النقد، وإنما هو في الحقيقة رسالة تجنح نحو التصوف وقد انتحلت طبيعة البحث عن الفكر الصوفي في الشعر والنثر الإنجليزيين، ولهذا التحيز الأساسي في الكتاب، أبدت الآنسة سبيرجن استخفافا لبقا بالمقاييس الجمالية حتى لقد استطاعت أن تقول: " لقد تعود الجنس الإنجليزي أن يلبس أعمق أفكاره وأسمى مطامحه ثوبا شعريا، فنحن ليس لدينا أفلاطون أو كانت أو ديكارت، ولكن لدينا شكسبير ووردزورث وبراونغ " . بل يبدو أنها تؤمن إيمانا حرفيا بأن " نشيد الإنشاد " ، قد كتب في صور غزلية شهوانية، رمزا للشوق بين الله والنفس. وليس لديها الوسائل التي تميز بها التجربة الصوفية من الهستيريا العادية كما أن حديثها عن تجربة السيدة جوليان، المتصوفة المشهورة في القرن الرابع عشر، التي أصبحت ترى الرؤى بعد أسبوع من المرض أعقبه ست ساعات من الارتعاشات التشنجية، - إن حديثها ذاك ليدل على أنها تتقبل كل هذه المظاهر وتعدها طريقا معقلا للاقتراب من الله، كأي طريق آخر. ونحاول في نهاية كتابها أن تنتحل شهادة تسند بها التصوف فتقول: " إن آخر ما توصل إليه العلم والفلسفة لينزع إلى أن يقوي موقف الصوفي بل وأن يفسره " ، أما آخر كلمة لها في الكتاب فإنها مستمدة من برغسون. وفي الكتاب أشياء قيمة وبخاصة ذلك الجزء من الهيكل التأريخي المتلاحم للفكر الصوفي، منذ أفلاطون حتى اليوم، ولكن معظم الكتاب عمل لا

(1/287)


يثير إلا رغبة عقلية قليلة، وقيمته في الأكثر تخص الغيبيين من الأدباء.
أما كتابها التالي وهو " خمسمائة سنة من النقد لشوسر، ومن الإحالة إليه " Five Hundred Years of Chauser Criticism and Allusion فقد نشرته جمعية شوسر بين سنتي 1908 ؟ 1924 في ستة أجزاء، وكله دراسة تخصصية لحما ودما، ولا يهمنا في هذا المقام. وفيه لخصت وقيدت كل إشارة إلى شوسر، منذ 1357 حتى 1900 وربما ظل كتابها التصنيف النهائي للمادة المتعلقة بشوسر، ولا يحتاج إلا ملاحق دورية لما يجد من مادة.
وأما كتابها " شكسبير في يدي كيتس " Keats " Shakespeare الذي نشر سنة 1928 فإنه خطط ؟ فيما يظهر ؟ ليكون دراسة تخصصية خالصة مثل كتابها عن شوسر. ولكن هذا الكتاب في الحقيقة يزيد على الدراسة التخصصية قدرا محسوسا. وقصة الكتاب أن الآنسة سبيرجن علمت أن لدى المستر جوزف آرمور في برنستون، نسخة سفرن Severn من شكسبير، وهي النسخة التي كان كيتس يقرأها في رومة، وترك على هوامشها بعض التأشيرات والتعليقات. فلما أذن لها في معاينتها، استكشفت أنها هي نسخة كيتس نفسه من مسرحيات شكسبير، وأنه قرأها، وأعاد قراءتها، طوال آخر ثلاث سنوات ونصف من حياته، وأن عليها قدرا شاملا من العلامات والملاحظ والحواشي وأن الدارسين المتخصصين يجهلون وجودها إطلاقا. وأضافت إلى هذه المجلدات مجلدين من شكسبير، كان كيتس قد علق عليهما، وهما من محتويات مجموعة ديلك Dilke في هامستد (هذان هما الطبعة الثانية من فولير 1623 ونسخة من القصائد) فاجتمع لديها سبع مجلدات كونت سجلا بالغ القيمة يصور الاستجابة الدقيقة من كيتس نحو الشاعر الأعظم الذي أثر فيه كثيرا. وجعلت العنوان الفرعي للكتاب، " دراسة وصفية مبنية على مادة جديدة " ، وحللت فيه هذا الكشف العظيم، وهو كتاب جميل الشكل، موضح بكثير من الصفحات المصورة

(1/288)


عن النسخ الأصلية، ويتضمن أخيرا ملاحظ كيتس وشروحا لها.
وقد رتبت الآنسة سبيرجن كتابها في ثلاثة أقسام: القسم الأول عن ملاحظ كيتس ومضموناتها، والثاني عبارات من " العاصفة " و " حلم منتصف ليلة صيف " مع عبارات توازيها من " إنديميون " Endymion لتوضح شبها في العبارة أو في الفكرة. والثالث طبع لكل التعليقات والإشارات في المسرحيات الخمس التي نالت أوفر نصيب من " تأشيرات " كيتس وهي " العاصفة " و " حلم منتصف ليلة صيف " و " واحدة بواحدة " و " أنطوني وكليوباترة " و " ترويلوس وكريسيدا " . فخمسة أسباع الكتاب مخصصة لطبع المسرحيات والتعليقات والباقي وقدره حوالي خمسين صفحة، لتعليقات الآنسة سيبرجن، غير أنها في هذا المجال الضيق قد أثارت عددا من النقاط التي تتمتع بشموا الإدراك. ومن أوائل الأمور التي حققتها، فكرة بسيطة إلى حد أن لا تخطر لكثير من الدارسين أبدا، وهي: أن تحسب أي المسرحيات أكثر كيتس من قراءتها، لا من كثرة غشارته فحسب بل من آثار التلويث وبلى الورق؛ فوجدت " العاصفة " أحبها إليه، لأنها قرئت وأعيدت قراءتها كثيرا، ووجدت " ترويلوس وكريسيدا " أقلها حظا، لأنها قرئت وعلق عليها في الطبعة الثانية من الفوليو ثم لم تقرأ ؟ فيما يظهر ؟ في مجموعة برنستون أبدا.
ولما كانت مادتها تعلق بتحويل ما يقرأه الشاعر في صورة ما يكتبه، فإنها ؟ دون خيار ؟ انتحلت طريقة جون لفنغستون لويس التي استعملها بتوفيق عظيم في دراسته للمشكلة نفسها عند كولردج، في كتابه " الطريق إلى شندو " (1) The Road to xanadu. وبعد أن وصفت الآنسة سبيرجن دراس لويس بأنها " دراسة خلابة " في كتابه العظيم " ، مضت
__________
(1) هذا هو اللفظ الأصلي للكلمة وقد آثر على " زندو " وهو اللفظ الإنجليزي لها.

(1/289)


تستغل طريقته، بصراحة، حتى لقد استعملت نظرياته في التداعي الخيالي. مثال ذلك أنها لحظت صورة عند شكسبير أشر عليها كيتس ثم لم يستعملها، فقد رت أنها حلقة الربط في فكره بين عبارتين: إحداهما من شكسبير والأخرى من دريتون، وأن ذكراهما تسربت معا في عبارة واحدة.
وأكبر قصور في كتابها " شكسبير في يدي كيتس " هو روحها المحافظة في الدراسة، فهي ؟ مثلا ؟ تأبى أن تدخل في مشكلات حياة كيتس والتعرف إليه من خلال شكسبير، ومن ثم لا تقف، إلا قليلا، أو لا تقف أبدا، عند انفعال كيتس الواضح في تعليقاته حين كان يقرأ ما كتبه الدكتور جونسون وستيفنسون من نقد على شكسبير. فقد ضرب فوقها بالعلامات والتعريجات، وكتب مثل هذه التعليقات " تبصروا! عاد إلى حمقه " أو " أتظل وغدا شتاما عيابا " (أخطأ كيتس في كتابة الكلمة الأخيرة فعلقت الآنسة سبيرجن على ذلك الخطأ يشير إلى جزعه الساخر، واحتقاره لنقد الدكتور جونسون للمسرحيات ؟ وهو نقد حاسم تحقيقي - ) غير أنها تعجز عن أن تلحظ أن كثيرا من علامات كيتس على " العاصفة " قد تركز على بروسبرو، وأنه صورة لشكسبير، أي هو كاتب مسرحي ساحر، وهي نظرية من نظريات عصرنا، لكنها غير مستبعدة على كيتس، إذا نحن اعتبرنا كيف كان يعتقد أن هاملت تعبير عن شكسبير نفسه. ولم تتخذ في كتابها هيكلا نقديا لتميز به بيتا من شكسبير يصفه كيتس بأنه نوع عظيم من الشعر وآخر " علم " عليه لأسباب ذاتية أو تافهة أو حتى لأسباب سديدة محكمة (والحق أنه أشر على عدد من الأمثال والحكم القديمة) فطريقتها لا تفرق بين هذين النوعين من العلامات، فكلها علامات وحسب. وأخيرا فإن كثيرا من الأشياء التي وجدتها في " إنديميون " تذكر بشكسبير أو تشابه ما عنده، إنما هي ؟ بأوجز قول

(1/290)


مثار للشك إلى حد كبير.
ويتضح أكبر نقص في كتابها إذا نحن قارناه بكتاب لمدلتون مري عنوانه " كيتس وشكسبير ؟ دراسة لحياة كيتس الشعرية من 1816 ؟ 1820 " ، وقد نشر عام 1925 قبل أن تستكشف الآنسة سبيرجن كتب شكسبير التي كانت لدى كيتس. وهي تعترف بفضله " الكبير " عليها، لما عنده من " سرد ممتع مقنع " ولكنها لا تستفيد إلا قليلا، بل لا تستفيد أبدا، من استطلاعاته الهامة التي هدته إلى أن كيتس لم يكن واقعا تحت تأثير عبقرية شكسبير عاطفيا فحسب، ولم يكن أوثق صلة روحية به من أي شاعر آخر واقع بينهما، فحسب أيضا، بل إنه كان يدرس شكسبير دراسة واعية بالعين اللماحة لكاتب مسرحي يرجى له مستقبل كبير، وأن كل قصائده بعد انديميون ليست في الحقيقة إلا إعدادات واضحة للمسرحيات التي يعش ليكتبها. غير أن كتاب مري، من الناحية الأخرى، غائم بالتصوف والتدين المتافيزيقي ( " معرفة الأثر الأدبي معناها أن نتعرف إلى نفس الإنسان الذي خلقه " ) وبالفهم خلال " معرفة النفس " وهو شيء يفوق الفهم الذي نبلغه عن طريق " العقل المنطقي " . ويبلغ كتابه ذروته في هذه الفكرة الغريبة وهي: بما أن الشعر الخالص وحي من الله، وبما أن كيتس وجد وحيه خلال شكسبير، إذن فإن شكسبير ؟ حرفيا ؟ هو تجسد الله على الأرض. ومع ذلك فلو أن كتب شكسبير التي كان يمتلكها كيتس، كانت ميسورة عند مري حين ألف كتابه، لأفاد منها ؟ فيما يحتمل ؟ أكثر مما أفادت منها الآنسة سبيرجن، لأن اندفاعه نفسه كان يهديه أحيانا إلى حقائق متأبدة. ولو تجسدت المقدرتان بخير ما فيهما في شخص واحد لكان منهما ناقد له خيال مري دون شطحاته المغربة، ولديه دراسة الآنسة سبيرجن، دون جبنها، ولم يوجد بعد مثل هذا الناقد الكامل الذي يحط بهذه المشكلة النقدية الخلابة، مشكلة العلاقة

(1/291)


بين كيتس وشكسبير.
أما عملها الأخير أي دراسة الصور عند شكسبير فيمثل الانطلاق من إسار الدراسة المتخصصة، والاندفاع وراء حدودها الضيقة، مع أنه أعماقه لم يبلغ مرحلة النقد بلوغا تاما. وليس كتاب " الصور عند شكسبير " إلا جزءا صغيرا من هذا العمل، ذلك أنها منذ 1927 ؟ على الأقل ؟ انهمكت في التصنيف والدراسة لسبعة آلاف صورة في مسرحيات شكسبير (وتعني بالصور الاستعارات والتشبيهات لا الصور البسيطة المرئية) مع صور أخرى من عدد كبير من المسرحيات التي كتبها معاصروه. وفي سنة 1930 كشفت للناس بعض عملها في محاضرة ألقتها أمام جمعية شكسبير عن " الدوافع الموجهة في التصوير في مآسي شكسبير " وفي سنة 1931 ألقت المحاضرة السنوية عن شكسبير أمام الأكاديمية البريطانية، وموضوعها " الصور المكرورة عند شكسبير " ، وكلتا المحاضرتين، ظهرتا بعد شيء من المراجعة، فصلين من فصول الكتاب. وكانت خطتها أن تنشر ثلاثة كتب مبنية على دراستها للصور الأول: " الصور عند شكسبير " ويتعلق بشخصية شكسبير والصور التي تتصل بمادة المسرحيات. والثاني: يعالج مسائل التأليف، بمحاكمتها على ضوء الشهادات الجديدة التي جمعتها، والثالث يبحث في المجالات التي تأثر بها فكر شكسبير والمصادر التجريبية لصوره. وكانت ترجو أن تتمكن في النهاية من نشر جداولها لكي يفحصها أو يزيد فيها دارسون آخرون، غير أن وفاتها حالت دون صدور هذه الكتب، إلا الأول منها. وأي حكم على نواحي القصور في فكرها ومنهجها، بالنظر إلى هذا المجلد الوحيد الذي عاشت لتتمه، إنما هو بالضرورة حكم عابر إن لم يكن جورا صراحا.
2
- ومع ذلك فمن الضروري أن تمعن النظر في ما حققه وما قصر دونه

(1/292)


كتابها " الصور عند شكسبير وما الذي تنبئنا به " ، فإنه في الحقيقة ينبئنا عن عدد من الأشياء القيمة، أولها ما يتعلق بطريقته؛ فقد أدعت الآنسة سبيرجن، ولعلها محقة فيما ادعته، أن دراسة الأديب بتصنيف صوره وتحليلها، بعد تمييزها من إشاراته الحرفية، طريقة جديدة ابتكرتها، " ولم يجربها أحد من قبل " . وبينت أن لدى أي قارئ معرفة ببعض الصور الرمزية التي تتردد عند شكسبير، ولكن لا يكشف عن مدى النماذج الصورية، إلا تقسيمات مفصلة وحصر دقيق. " كل ناقد درس شكسبير من قبل قد أثار ملاحظ عارضة عن الصور عنده، فلحظ دريدن كثرة الصورة المنتزعة من الطبيعة، ولحظ هازلت أن " روميو وجولييت " ترتكز ؟ فيما يبدو ؟ على صور الجمال الربيعي، وقد صنع برادلي جداول للصور المتصلة بالموضوعات (1) في عدة من الروايات، وتحدث جورج رايلاندز وولسون نايت عن عدد من الصور المترابطة، ودرس ادمند ابلندن الصور في مسرحية الملك لير. بل إن بعض صور شكسبير المترابطة المتداعية مثير إلى حد أن لحظه المحققون القدامى. واشهر " عنقود " من الصور الخاصة بشكسبير أعني صورة " الكلب المتبصبص والقند المذاب " قد استكشفه ولتر وايتر منذ سنة 1794 في مقاله: " مثال في " تداعي الأفكار " الذي وصفه في " مقال في الفهم الإنساني " ، بقوله:
ثمة أفكار، لا قرابة بينها في ذاتها، تصبح متحدة في عقول بعض الناس، إلى حد أن يصبح فصلها عسيرا جدا؛ فتظل دائما مترافقة وما تكاد إحداها تظهر في أي وقت حتى
__________
(1) Thematic Images ومعناها الصور التي تدور في مسرحيات كثيرة وترمز إلى موضوع واحد، كتشبيه الملك بالشمس مثلا، فدوران هذه الصورة في غير مسرحية واحدة قد يدلنا على فكرة شكسبير عن الملكية نفسه، وهكذا.

(1/293)


تبرز رفيقتها إلى جانبها، وإذا كانت الأفكار المترابطة أكثر من اثنتين وجدت كل العصابة متحدة تظهر جميعها معا.
ويميز لوك هذه الأفكار التي تبدو غير مترابطة مما يسميه " قافلة " الأفكار المترابطة طبيعة، ويتناول وايتر هذه المبادئ في كتابه ويطبقها على شيكسبير، فيقول:
لذلك أحد قوة هذا التداعي وتسلطها على عبقرية الشاعر بأنها القوة التي تزوده بالكلمات والأفكار، التي أوحى بها للعقل. مبدأ وحدة لم يلحظه الشاعر نفسه، وهو مبدأ مستقل عن الموضوع الذي تتعلق به تلك الكلمات والأفكار.
وفيما بعد يشير وايتر إلى " المركبات الدقيقة بل المضحكة التي تقع على عقل الشاعر وهي قادرة على أن تخدع وتتحكم في أحد أنواع الفهم وأقواها " . ويلحظ التداعي القديم بين " الحب " و " الكتب " وأمثلة أخرى. ولكن أكبر نجاح حققه هو تعليقه على الأسطر الآتية من رواية " أنطوني وكليوباترة " الفصل الرابع المنظر الثاني عشر (كما أصلحها هانمر سنة 1744)
إن القلوب التي كانت تبصبص خلف عقبي
ماعت كالقند، وغلفت بحلواها
قيصر الناشئ.
ففي ملاحظه إرهاص مدهش بطريقة الآنسة سبيرجن (وطريقة لويس أيضا) حتى إنها لتستحق الاقتباس، إذ يقول:
" هذه العبارة وما يتلوها من اقتباسات تستحق من القارئ اهتماما.

(1/294)


" لا دع اللسان المغلف بالقند " يلعق " العظمة الجوفاء
وتنحي مفاصل الركبة المثقلة
حيث يكون التبصبص علة في الثراء "
(هاملت 3 ؟ 2: 55)
" أتحسب هذه الأشجار النخرة
التي طال عليها الأبد فجاوزت عمر لبد
تصبح الأسيف التبيع خلف عقبك أو تثب لإيماءتك
قائلة لبيك
وهذا الجدول الشبم،
" المغلف " بالثلج، أيكون دواء ناجعا في الصباح
يشفيك من خمار الأمس "
(تيمون الأثيني 4 ؟ 3: 223)
" حقا، أي قدر من الحفاوة " القندية " (المعسولة)
أسبغه علي ذلك " الكلب " " المتبصبص " .
(القسم الأول من هنري الرابع 1 ؟3: 251)
فكل هذه عبارات فريدة يلحظ فيها القارئ المستطلع أن " الخضوع المتبصبص " المتملق عند حيوان أو تابع، يتصل دائما بكلمة " قند " وأنا عاجز عن استكشاف السر في هذا الترابط الغريب. على أن القارئ إن حسب أن هذه الأمور ارتبطت في العبارات الأربع بمحض المصادفة فإنه لا يعرف إلا شيئا قليلا عن العقل الإنساني، وعقل شكسبير، بل عن مبدأ المصادفات العادي. فإذا وجد القارئ في نفسه اقتناعا بحقيقة هذه الملاحظة، فإن حب الاستطلاع لديه ليجد الرضى بهذه الأسطر المقتبسة

(1/295)


من مسرحية " العاصفة " ، وسيلحق فيها أن ذلك التداعي ما يزال يشغل عقل الشاعر، وإن لم يكن فيه إلا كلمة واحدة ترتبط بجزء من المجاز السابق:
سباستيان: ولكن ماذا عن ضميرك؟
أنطونيو: نعم يا سيدي أين يكمن ذاك؟ إنه لو كان ثؤلولا في عقبي لاضطرني إلى أن ألبس تاسومة. غير أني لا أحس بهذا الرب قابعا في صدري، حتى ولو كان عشرين ضميرا تقف بيني وبين ميلانو " مغلفة بالقند " ، تذوب قبل أن تمسها يد.
(العاصفة: 2 ؟ 1 ؟ 275)
ولا ريب في أن القارئ لن يشك في أن إيراد كلمة " ثؤلول " يرد إلى التعبيرين السابقين " التبيع خلف عقبيك " و " يبصيص خلف عقبي " مع أنها قد استعملت في مجاز مغاير. ولأضف إلى ما تقدم أن غرابة الصورة ربما ترمز إلى بعد الأصل الذي انحدرت منه. " (1)
ولم تصرح الآنسة سبيرجن بفضل وايتر، ولا ذكرت أحدا من الذين ساروا على هداه، وإنما اكتفت بأن تقول إن هذا التداعي أمر " لحظه آخرون " . ولم تستطع أن تزيد أي تحسينات في هذه الإرهاصات التي سبق إليها وايتر، سوى أنه استخرجت أمثلة أخرى من مسرحية " يوليوس قيصر " كان قد استخرجها آخرون، وإلا أنها قدمت تفسيرا لهذا التداعي (وهو أيضا غير أصيل) عجز عن أن يوضح شيئا، إذ قالت: " إن شكسبير " الذي كان شاذا في تنوقه وعيفانه " ، كان يمقت عادة الناس في عصر اليزابث، في إلقاء الحلوى للكلاب وهم يأكلون، ثم ربط ذلك بشيء آخر كان يتقزز منه، وهو تبصبص الأصدقاء غير المخلصين بأذنابهم "
__________
(1) نهاية الاقتباس من وايتر.

(1/296)


وعلى الرغم من سطحية هذا التفسير الذي يبدو أنه قد يتخذ حجة ضدها لا لها، فإنها مدينة أكبر الدين في كتابها ؟ وهو دين تكاد تكون غير واعية به، ولو أنها أدركته فربما كان صدمة لها ؟ إلى نظريات سيجموند فرويد، إذ تصف فرضها الأساسي عن الكشف الذاتي في الأدب بقولها:
وفي حال الشاعر أرى أنه من خلال صوره، على الأكثر، يبوح بمكنونات نفسه، وهذا العمل يحدث لا شعوريا إلى حد ما. فقد يكون على محض الموضوعية في تصوير أشخاص مسرحياته ونظراتهم وآرائهم ؟ وقد كان شكسبير كذلك فعلا ؟ ولكن الشاعر، كالرجل الذي تثقله العاطفة فيتجلد لها حتى إن أي عملائها لا تظهر في عين أو قسمات ثم إذا بها تنكشف في توتر عضلي ؟ فالشاعر يعري، دون أن يفطن إلى ما يفعل، دخائله من حب وبغض، ونزعات فكره ومعتقده، في الصور ومن خلالها، وهي الصور الكلامية التي يرسمها ليوضح أشياء مختلفة، ترد في كلام شخصياته وأفكارها.
فالصور التي يستعملها بوحي الغزيرة، هي على هذا نوع من الكشف، لا شعوري في الأغلب، صادر في لحظة من المد الشعوري عما يعتلج في فكره، وما يجري في مسارب أفكاره، وعن صفات الأشياء والمحسوسات والأحداث التي لم يلحظها أو يتذكرها وربما كان هذا أبينها جميعا وأهمها.

(1/297)


ومع أن الآنسة سبيرجن، فيما يبدو تألف التعبير " دون أن يفطن " بدلا من " دون أن يعي " (1) ، وتستعمله الاستعمال الشائع، إلا أن رأيها هذا صدر بعد رأي فرويد. وفي رأيها ؟ ضمنا ؟ نظرية كالتي قال بها فرويد عن وجود مجالات عقلية تحت المستوى الواعي الذي تخزن فيه هذه المادة أي مثابة للكبت أو الرقابة، تحاول أن تحتفظ به حيث هو، وطاقة دينامية تريد أن تطلقه مقنعا مشوها، ليتدمس في الآثار الفنية والأحلام وما أشبه. غير إن إحدى نواحي القصور حقا عند الآنسة سيبرجن، هي أنها لم تكن فرويدية عن وعي، إلى حد كاف، ولذلك عجزت عن أن تتعرف إلى الصراعه بين الكبت والانطلاق الكامن في أساس الصور التي درستها، ولو كانت كذلك لتقدمت دراستها خطوات. ولعل كتابها الثالث كان كفيلا بذلك وإن يكن أقرب إلى الاحتمال أن هذه المشكلة ؟ إلى الحد الذي أدركته عنده ؟ هي إحدى المشكلات التي تركتها " للآخرين " الذين سيفيدون من كتابها ويضيفون إليه.
ويحقق كتابها عدة أشياء جيدة ذات قيمة. أحدهما أنه يوضح، وفي شكل متطور أيضا، عدداص من الروابط العميقة. وقد قامت بهذا التوضيح في سلسلة من سبع لوحات قيمة على ورق الرسم البياني في آخر الكتاب، أظهرت فيها، على التوالي:
الصور في خمس من مسرحيات شكسبير من حيث مجالها وموضوعها.
صور مارلو من حيث مجالها وموضوعها.
صور بيكون من حيث مجالها وموضوعها.
صور " الحياة اليومية " عند شكسبير وخمسة مسرحيين معاصرين له.
جميع صور شكسبير من حيث مجالها وموضوعها.
__________
(1) " دون أن يفطن " تعبير عادي أما " دون أن يعي فإنه يحمل شكل المصطلح النفسي لاتصاله بفكرة الوعي واللاوعي.

(1/298)


الصور الغالبة في مسرحيتي " الملك جون " و " هنري الثامن " .
الصور الغالبة في " هاملت " و " ترويلس وكريسيدا " .
وتوضح اللوحات الأولى والثانية والثالثة والرابعة والخامسة ؟ بنجاح ؟ تفرد صور شكسبير وتبين مدى مفارقتها لصور معاصريه. أما اللوحتان الثالثة والخامسة فقد تنجحان حقا في إنهاء الجدل حول ما يسمى " النظرية البيكونية " فإنهما تدلان دلالة حسية واضحة على أنه لا يعقل أبدا أن يكتب امرؤ واحد آثار بيكون المنشورة ومجموعة المسرحيات والقصائد التي نقول إنها من تأليف شكسبير. وترسم اللوحتان الأخيرتان رسما بيانيا لكل المسرحيات، فالأولى منهما للتمثيل والتشخيص، حيث تتميز المسرحيات التاريخية تميزاص ساطعاص وبخاصة مسرحية " الملك جون " ومسرحية " هنري الثامن " ، والثانية لصور الطعام والشراب والطبخ وصور المرض والداء والدواء. وتتميز في المجموعة الأولى من الصور مسرحية " ترويلوس وكريسيدا " كما تتميز مسرحيتنا " هاملت " و " كوريولانس " في المجموعة الثانية.
ويحل الكتاب أو يقترح حلا لكثير من المجادلات الدائرة حول شكسبير في مجال المشكلات الدراسية المتخصصة. فأما اللوحات فإنها قد قشعت شبح بيكون من الميدان، وإضافة إلى ذلك نحت المؤلفة بيكون، في غمار كتابها، عن أن يظل ندا منازعا لشكسبير، ومنحته ما يستحقه من تقدير حين عدته كاتبا خلافا عظيما. وقارنت بينه وبين شكسبير في صورتين: صورة " تسلطت " على بيكون، وهي عظمة النور،وصور " تسلطت " على شكسبير، وهي صورة الطبيعة، وإذا شكسبير قليل الاحتفال بأمر النور في صوره، وبخاصة حين يكون النور رمزا للعظمة، زد إلى ذلك أنها استطاعت أن تلمع إلى حلول لعدد من المشكلات المحددة في التأليف، وإلى هذه المشكلات ينتمي بعض الروايات أو أجزاء منها في القائمة.

(1/299)


(وإن كان هذا كان مجالا للتوسعة والإسهاب في المجلد التالي على وجه اليقين). فمثلا تتخذ من اتساع صور الحديقة عند شكسبير أساسا تبني عليه أن شكسبير، ولابد، كان له نصيب أساسي في تأليف مسرحية " هنري السادس " ، في القسم الأول والثاني والثالث منها، ثم تعلق قائلة: " إن مسرحية " بركليس " وحدها بين المسرحيات الرومانسية، هي التي ليس فيها أي أثر " لدافع " يجري في الصور، أو لاستمرار في التصوير، أو لفكرة في الصور، وهي حقيقة تكفي في ذاتها لتلقي ريبة كثيفة على تأليف هذه المسرحية " . وقد استطاعت أن تقترح عددا من التخمينات المعقولة المتعلقة بالسيرة عن طريق الصور نفسها؛ من ذلك أن تجربة ذاتية في طاعون 1600 قد غيرت في استجابة شكسبير له تغييرا حادا، فقلبت نظرته من حال استخفاف غير عابئ به، قبل حلوله، إلى حال من الرعب والاشمئزاز بعده. ومن ذلك أنه، وإن كان المعلقون قد استنتجوا من كثرة إشارات شكسبير إلى الصيد أنه شغوف به (حتى وصفه ج. دوفر ولسون " بأنه صياد حاذق " ) فإن صور الصيد في مسرحياته تكشف عن نفوره منه، وكراهيته لما فيه من قسوة وسفك دم. بل هي قادرة على أن تؤيد بعض التواريخ من خلال الصور (ولو قدر لها أن تكتب كتابها الثاني لصححت التواريخ ولم تكتف بالتوثيق والتأييد) فهي تلحظ مثلا أن التشابه الدقيق بين الصور في كل من " هاملت " و " ترويلوس وكريسيدا " سيمكننا من القول، دون تردد، بأنهما ألفتا في فترتين متقاربتين، ولو لم نكن نعرف هذه الحقيقة.
وإلى جانب هذه المشكلات في الدراسة التخصصية الخالصة يسهم كتاب " الصور عند شكسبير " إسهامات متعددة في مجال الفهم والتذوق النقدي. أما الجزء الأول من الكتاب المسمى " الكشف عن شكسبير الإنسان " فإنه من هذا القبيل تماما؛ أعني متابعة لفكر شكسبير وشخصيته

(1/300)


من خلال الصور، مميزة عن الدقائق الموضوعية في حياته. وأشد الأجزاء إثارة ذلك الفصل الخاص " بتداعي الأفكار " (1) الذي يقوي المجموعة التي استخرجها وايتر ؟ " مجموعة الكلب والتبصبص والقند " ؟ ويضيف إليها غيرها. واشد هذه المجموعات خلابة وسحرا لأنها تتعمق نفس شكسبير بأكثر مما يقدر للدراسة التقليدية أن تبلغه، هي ذلك التداعي المعقد بين الموت والمدفع وبؤبؤ العين، وحجاجها في الجمجمة والدموع والسرداب والفم (والأسنان أحيانا) والرحم، ثم الموت أيضا. فهذه الصورة تتردد في المسرحيات جميعا، وهي مهيمنة مستحكمة، وإذا وردت واحدة من هذه الألفاظ استدعت أي لفظة من الأخريات مهما يكن الربط معزبا مفتعلا، أو نابت واحدة من الألفاظ مناب الأخرى. ولا تحاول الآنسة سبيرجن أن توضح هذا التداعي بين الرحم والموت أو تربط بينه وبين حديث لها سابق عن هيمنة الموت على شكسبير في صورة محبوبة أو عروس، ولكن ذلك كله واضح من كشوفها بحيث يستطيع القارئ نفسه أن يحدث هذا الربط في يسر.
وأما النصف الثاني من الكتاب وعنوانه " وظيفة الصور من حيث هي متكأ ونغم خفي في فن شكسبير " . فإنه يضطلع بتطوير هذه الحقيقة الهامة وإرساء قواعدها: وهي أن كل مسرحية من مسرحيات شكسبير مبنية ؟ تقريبا ؟ حول سلسلة من الصور المتكررة، تؤلف لها موضوعها ؟ الخاص بها ؟ فترتكز مسرحية " الحب الضائع " Love " s Labour " s Lost على الحرب والسلاح، وترتكز " هاملت " على المرض والداء والفساد، أما الملك لير فترتكز على الجسم الإنساني وهو يتلوى في العذاب. وتوضح الآنسة سبيرجن أن هذه الصور ليست المعالم السطحية للمسرحيات، وإنما
__________
(1) هو الفصل العاشر ص 186 - 200.

(1/301)


هي شيء أعمق من ذلك بكثير. فمثلا: ليس في مسرحية " تيمون الأثيني " التي تتحدث جزافا عن الذهب (فيها مائتا إشارة للذهب) إلا صورة واحدة منتزعة من الذهب، في الحقيقة، أما الصورة التي تهيمن على المسرحية، فهي صورة الكلب المتبصبص الذي يعلق القند المذاب، أي المجموعة التي اهتدى إليها وايتر. وتعتقد الآنسة سبيرجن، كما لابد أن يعتقد أي واحد وجد لديه هذه الشواهد، أن هذه الصور المسيطرة في المسرحيات كانت، فيما يحتمل، لا شعورية عند شكسبير. وتستثني من ذلك، وحق لها، موضوع الجسد الإنساني في " كوريولانس " وتعده " أنموذجا متعمدا " لأنه يقع على سطح المسرحية، وهو أيضا الموضوع والمجاز الدائر حول " جسم الدولة " في المصدر الذي استقى منه شكسبير فكرة مسرحيته، أعني " حياة كوريولانس " لفلوطارخس (1) .
ولا تحاول الآنسة سبيرجن أن تبحث عن العوامل التي نجد تعبيرها في هذه الدوافع الموجهة ؟ أن تبحث عنها في ذات شكسبير نفسه، ولكن مرة أخرى أقول: ربما كان هذا مما أرجأته لتتحدث عنه في جزء آخر. وهي تدرك في الوقت عينه أن الصور قد تمنح إحدى الشخصيات استحسانا أو استهجانا، لا نعثر على أحدهما في ظاهر النص، وبذلك تعكس الاتجاه الظاهري فيه (إن عظمة ماكبث تتردج في السموق عن طريق الإشارات والتلويحات ولكنها تتضاءل في الصور). وكذلك تدرك أن الصور قد تبعث أثرا متزايدا من العاطفة أو التوتر، وأنها تستطيع أن تصرح عن طبع الشخص الذي يستعملها وشخصيته، حين يعجز شيء سواها عن أن يفعل ذلك. ومن ثم تكون هذه الصور ابتداعا لا شعوريا، ليعبر عن
__________
(1) يعني أن تشبيه الدولة بالجسم، وكل عضو يقوم بوظيفته فيه، وقصة الأعضاء التي اشتكت تحكم المعدة واستبدادها، قصة مستقاة من فلوطارخس وقد وردت في مسرحية " كوريلانس " ، ولكن الآنسة سبيرجن تراها صورة على سطح المسرحية.

(1/302)


أعمق النزعات عند شكسبير وابتداعا واعيا شعوريا من التفنن الرفيع ليعمق التأثيرات ويغيرها أو ليوحي بها. وبين الحين والحين تحلل الآنسة سبيرجن هذين المظرهين في هذه الازدواجية في صوره، ولكن وضع خط حاسم بينهما في المسرحيات كلها جمعاء، أو في أي صورة مفردة، قد يحتاج جهدا أعمق من جهدها.
ويحتوي كتاب " الصور عند شكسبير " عددا من الأخطاء والنقائض الواضحة، وأكبر غلطة في منطقها، تتردد صفحة إثر صفحة في كتابها، أنها تستهين بتقدير العلاقة بين الصور وطبيعة الكاتب المسرحي أو تجربته، وتتناولها ببساطة متناهية، فإن كان لدى شكسبير من صور الركوب أكثر مما بدى مارلو، وكان لدى دكر Dakker من صور صيد السمك أكثر مما لدى ماسنغر Massinger استنتجت الآنسة سبيرجن أن شكسبير ودكر كانا من النوع الذي يكثر التجوال ويبارح البيت، ولم يكن كذلك مارلو وماسنغر. ولا يخطر لها أبدا أن صورة صيد السمك أو ركوب الخيل، ربما لم تنشأ عن الحب المتحكم للتريض، وإنما تنشأ عما قد يرمز له صيد السمك أو ركوب الخيل، كل بدوره. ولما كان شكسبير يبتهج بصور حركة الجسم السريع الرشيق، إذن كان ؟ في رأيها ؟ ولابد " إنسانا نشيط الجسم مثلما كان نشيط الفكر " (مع أننا لو لحظنا صور رينوار Renoir (1) العارية المعافاة الريا، وما كان مصابا به من النقرس؛ فقد نجد ما يحدونا إلى الاستنتاج بأن شكسبير كان كسيحا لا يرجى شفاؤه.) وبما أنه يكثر استعمال صور عن تغير الألوان الدالة في الوجه، لا تملك الآنسة سبيرجن
__________
(1) رسام فرنسي انطباعي عاش في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن، وتمتلئ صوره وتماثيله بالحيوية والطاقة، والضخامة أحيانا، وهو يرسم النساء عبلات كبيرات افخاذ، بارزات القوة، وبخاصة تمثاله عن " الغسالة " ، ومع ذلك فإن رينوار كان منقرسا. فالقول بان شكسبير كان رشيقا لأنه يتحد عن رشاقة الاجسام وخفتها استنتاج مضحك.

(1/303)


إلا " أن تستنتج أنه هو نفسه كان مثل رتشارد الثاني أشقر يحمر خجلا بسرعة " " ولا أحد يستطيع إن لم يكن هو نفسه ذا إحساس مرهف بنغمة الصوت الإنساني ورنته، أن يرسم هذه الشخصيات الكثيرة التي تشترك في هذه الخاصية، بمثل ما استطاعه شكسبير " . ولابد من أنه كانت لديه حديقة حتى إنه تمكن من أن يرسم صورا كثيرة للتطعيم ولآثار الصقيع القاتلة، وهلم جرا.
فالافتراضات العامة في كتابها، إذن، هي أن شكسبير عمل ؟ ولابد ؟ ما تتحدث الصور عنه، وأحسن ما أحسنت الشخصيات أداءه بل أدار في رأسه نفس الأفكار التي خطرت لها (حتى إنها، على الرغم من أنها حذرت من نسبة أفكار أبطال المسرحيات إلى شكسبير نفسه، انزلقت في غير حذر ورأت أن مسرحية " هاملت " تمثل شكسبير المتناهب بين المثالية والشكية) وهذه الافتراضات تسخر من نفسها بهذا التقرير " ولما حل عام 1599، أي حين بلغ شكسبير الخامسة والثلاثين، فإنه ربما عانى الحمزة (الحرقان) لكثرة الحموضة في معدته " . وهذه الافتراضات تسخر من نفسها أيضا، بهذه الصورة الوهمية السخيفة لشكسبير الإنسان التي استخلصتها الآنسة سبيرجن من الصور حين قالت:
إن الشخص شكسبير الذي يطل علينا من هذه الصور لهو رجل ملزز الخلق مدمج البنية ؟ ولعله أميل إلى القضافة، على حظ عجيب من التناسب والتناسق، لدن العود رشيق الحركة، خاطف النظرة صائبها، تبهجه الحركة الجسمانية السريعة. ولعله كان ؟ فيما اقترحه ؟ أشقر ناضر اللون، وكان لونه في شبابه يتخطف ويعود بسرعة، فينم على مشاعره وعواطفه، أما حواسه فإنها كانت شاذة في حدتها، وبخاصة، على وجه الاحتمال، حاستا السمع والذوق.

(1/304)


لقد كان معافى في بدنه وعقله على السواء، نظيفا في عاداته، شديد التقزز من القذارة والروائح الكريهة، وهذه الحقائق لا تؤيدها الشواهد الاستدلالية في مسرحياته فحسب بل إنه ليس ثمة إنسان يستطيع أن يورد كل صورة عن المرض والبشم والبطنة والقذارة والداء، دون أن يكون لديه، بطبعه، شعور قوي بالحياة الصحية، وحب الهواء النقي و " الماء الطهور " ودون أن يكون نفسه نظيفا معتدلا معافى في بدنه.
وتمضي على هذا النحو في ست صفحات، لا تكاد تصدق، عن هدوئه وحبه للريف، ومتعته في الأعمال المنزلية " وحساسيته، واتزانه وشجاعته ودعابته ونقاء صحته " " كأنه المسيح، أي لطيف وديع شريف شجاع صادق " وباختصار، هو قائد فريق الكشافة في بلدة ستراتفورد.
وثمة عدد من الأخطاء في كتاب الآنسة سيبرجن يبدو كأنه وليد إهمال عارض أو حذف عامد. فمثلا تشير إلى أن بن جونسن كان " تحت التمرين " مع والده بالتبني، في بناء الطوب، ولكنها لا تلحظ ولا تفسر، كيف أن لوحتها عن صوره تدل على أنه، هو وتشابمان، الروائيان الوحيدان اللذان ليس لديهما صور منتزعة من أعمال البناء. وتلحظ أيضا أن شيكسبير ليس لديه تقريبا صور مستمدة من حياة المدينة ومناظرها، ولكنها لا تحاول أن تفسر كيف يكون ذلك عند كاتب مسرحي قضى أكثر شبابه في لندن، وهلم جرا. وهناك أخطاء أخرى تبدو وليدة ضعف في منهجها، ومنها هذه الغلطة الواضحة، وهي طريقة تصنيفها للصور فإنها ذاتية محض، ولذلك كانت تحكمية متغيرة؛ ففي الصفحة السادسة والعشرين عدت " الساعد المرمري " صورة مستمدة من مظهر المادة " لا من ملمسها "

(1/305)


وفي الصفحة الثانية والثمانين عدت وصف بشر ديمونة بأنه " ناعم كالمرمر المنصوب " ، صورة مستمدة من طريق اللمس. وهناك اعتراض على طريقتها أعمق من هذا وأعلق بالأصول، أثاره إ. أ. رتشاردز (دون أن يذكر اسمها) وآخرون غيره؛ وهو أن " المجازات قد صنفت بالنظر إلى شق واحد من " الأفكار " المزدوجة التي يقدمها لنا كل مجاز، في أبسط أحواله، أي أنها لم تضع في جداولها أبدا الأوجه الممكنة الخفية التي قد تنطوي في صور شيكسبير. فمثلا: تعليقها على " قلة " الصور المسرحية تعليق سخيف، لأن تلك الصور وفيرة، وذلك ما بينه السير إ. ك. تشيمبرز في " لقطات من شيكسبير " Shakespearean Gleanings وتسلم الآنسة سيبرجن بنواحي القصور والمشكلات التي تعتور طريقتها في ملحق بكتابها عنوانه " صعوبات تتصل بعد الصور وتصنيفها " (1) ، فتوضح التعقيدات التي واجهتها في وضع جداول الصور وفي تصنيفها وفي توزيعها في الخانات الثانوية. وقد يفيد هذا في توضيح أخطاء محددة ولكنه ليس ردا كافيا على التهمة التي أثارها الدارسون والنقاد، كما أثارها تشيمبرز ورتشاردز، وهي أن خطتها منذ البدء أدركها وهن خطير، لأنها ضيقت في مفهومها لطبيعة المجاز.
وأعظم قصور في طريقتها غير ناشئ عن الطريقة نفسها أبدا، بل يرجع إلى عجز في هيكل افتراضها عن أن تضع يدها على المضمونات
__________
(1) هو الملحق الأول ص 359 وما بعدها ومما تقوله في هذا الملحق: وربما لم يتفق اثنان اتفاقا تاما على عدد من الصور التي يجدانها في إحدى المسرحيات. فأما أولا فلا بد من أن يقرر المرء إن كان ما لديه صورة أولا، وثانيا أهي صورة واحدة أو اثنتان أو ثلاث، وثالثا أهي صورة ذات فكرة ثانوية وإن كانت كذلك فأين تصنف؟. وتوضح الآنسة سيبرجن أنها كانت تدخل الصورة الواحدة في " خانتين " خانة تسميها رئيسية وأخرى ثانوية وتسمى الأخرى Cross reference.

(1/306)


النفسية، فحين يكون شيكسبير مشغول الذهن بنهر في عدد من القرائن ذات الشأن، فذلك يعني عند يونج أنموذجا أسطوريا، وعند فرويد ربما كان يرمز إلى نهر الولادة أو نهر الجنس أو كان مسرب تفريغ؛ أما عند الآنسة سيبرجن فإنه فحسب " ذكريات الطفولة عن نهر آفون الذي تقع عليه ستراتفورد " . وعندما تشير إلى أن المجاز المنسرب في المسرحيات التاريخية الأولى هو " القطع المتهور للأشجار الجميلة أو تشذيبها، في غير أوان القطع والتشذيب " فإن أي متمرس بالعلوم النفسية سيلحظ الترابط بين هذه الصورة وبين أشخاص الملوك ويفسرها بتحطيم السلطة، أو بأنها رمز الأب، إن لم ير فيها، على التحديد، معنى الخصاء، أما الآنسة سيبرجن فترى فيها اهتمام بالبساتين. حقا إن العلوم النفسية لم تنكر عليها ما تقوله عن نهر آفون أو الاهتمام بالبساتين ولكنها ؟ أي تلك العلوم ؟ تبدأ من هذه النقطة، لا أنها تنتهي إليها. أما الفرويدي فقد يفسر المظهر المسيطر في كل مسرحية بأنه رمز تجريبي يفتح مغالق شيكسبير، وأما اليونجي فقد يقرأ فيه أنموذجا أعلى، والجشطالتي يراه تكاملا كليا أساسيا للتجربة، وهكذا، غير أن الآنسة سيبرجن لا تستطيع أن تراه إلا موضوعا اتفق أن دار فكر شيكسبير حوله، بعض الوقت.
وقد استفادت كل الكتابات النقدية عن شيكسبير منذ سنة 1935 من مباحث الآنسة سيبرجن، على وجه التقريب، ولكن قل منها ما استخدم كتابها في البناء الخالق الإيجابي الذي يتطلبه، إلى أن نشر ادورد أ. آرمسترونغ كتابه " خيال شيكسبير " Shakespeare " s Imagination بإنجلترة سنة 1946. وهذا الكتيب المدهش، وعنوانه الفرعي " سيكولوجية التداعي والإلهام " ليس توسيعا في مباحث الآنسة سيبرجن بمقدار ما هو توسعة لطريقتها نفسها، مع استخدام التقنيات التي استخدما نايت ولويس (والاعتماد الكثير على إ. م. و. تليارد وكتابه " صورة عالمية اليزابيثية " Elizabethan World Picture)

(1/307)


من أجل أن ينمي آرمسترونغ ما يمكن أن يسمى " نقد عناقيد الصور " بما فيه من أصالة وقيمة بالغة، ثم يطبقه على شيكسبير. ومن الواضح أن آرمسترونغ عالم بالطيور منتسب لكيمبردج (فقد سبق أن كتب ثلاثة كتب هي " طيور غري وند " Birds of the Gray Wind و " الطريقة التي تعيش بها الطيور " The Way Birds Live و " معرض الطير أو مقدمة لدراسة سيكولوجية الطيور " Bird Display: An Introduction to the Study of Bird Psychology). كما أنه عالم بالحشرات، سيكولوجي عارف بالفولكلور، دارس متخصص في شيكسبير ناقد أدبي بارع. وتتبلور في هذا الكتاب براعته في هذه الميادين جميعا؛ فيبدأ آرمسترونج دراسته بصور الطيور الحشرات عند شيكسبير، ويتتبع عناقيد التداعي المتصل بها خلال المسرحيات، ويكشف عن المبادئ والاستقطابات وعادات الفكر التي تكمن تحت تداعي الصور عند شيكسبير، أثناء رصده للتطور في هذه الصور المتداعية، وينتهي إلى النتائج الآتية (1) تقنية جديدة لحل المشكلات القائمة في الدراسات الشيكسبيرية (2) نظرية عن كيفية عمل الخلق عامة (3) سبر لعقل شيكسبير وآثاره، ويعتبر من أشد ما كتب حتى اليوم إثارة وإمتاعا.
وهو مدين كثيرا للآنسة سيبرجن، لاعتماده على مبادئها الأساسية في " الصور " و " عناقيدها " وكشوفها المحددة لعدد من الروابط والتداعيات والعناقيد، وكثير من جداولها ونتائجها. غير أنه يكاد في كل حال يتعدى حدود ما بلغته، مفندا تقسيماتها وتفريعاتها المغرقة في البساطة، مفسرا ما عجزت هي عن تفسيره (مثل مجموعة صور الموت والعين والحجاج والفم والسرداب والرحم... الخ فإنه يفسرها تفسيرا مقنعا بأنها سلسلة من رموز " مجوفة " واقعة بين الولادة والموت) مصححا ما شوهته، موسعا في توضيحاتها وأمثلتها، مضيفا إلى ما تسميه هي " الصور المهيمنة أو المنسربة أو المتكررة " صورا " موضوعية " ، ناقدا قصور نظام التصنيف بمصطلح مشابه لانتقادات رتشاردز (ولم تخذله قوة نقده إلا مرة واحد

(1/308)


- وكان خذلانا بارزا ؟ حين قال في تفسيره لمجموعة الصور التي اهتدى إليها وايتر " لعل الدكتورة كارولاين سيبرجن كانت مصيبة في تفسيرها " ).
وأثناء تصحيحه لأخطاء الآنسة سيبرجن أو تجاوزه الحدود التي بلغتها، أدى عددا من الأمور القيمة، فهو يستعمل قسطا كبيرا من السيكولوجيا الشكلية، ابتداء من فرويد ويونج (مع أنه غير موفق هنا بعض الشيء) حتى النتائج التي استقيت من عملية جراحية يجرونها على مقدم الدماغ. وهو يصر على المبدأ السيكولوجي الحديث الذي يقول: إن العقل نظام عضوي يعمل بطريقة دينامية. وهو على وعي بالأصول الشعائرية في المسرحيات، وبأهمية مباحث جين هاريسون وجماعتها في الدراسات عن شيكسبير.
وهو يعالج الإمكانيات المهمة، والصراع العاطفي الخفي في الصور وضروب التداعي، ويتشبث بأن صور شيكسبير تنحو إلى أن تستمد من توافق الأصوات ومن الرمزية الموروثة أو الشخصية، أكثر من أنها تستمد من المشاهدة و " التجربة " الحقيقية. وهو بارع في تطبيق " نقد عناقيد الصور " على المشكلات الدراسية (مقتفيا خطى الآنسة سيبرجن في هذا)، مثبتا أن شيكسبير جعل هاملت يقول handsaw لا hernshaw أو أي طائر آخر، مبرهنا على صحة الخاتمة المتنازع في أمرها، في مسرحية " ترويلس وكريسيدا " ، مقترحا أن بذل جهد آخر في منهجه، قد يضبط تواريخ المسرحيات. وبما أنه يفترض أساسا " أنه لا يتفق شاعران في استعمال عناقيد واحدة من الصور " إذن فلا بد على هذا من أن تكون المسرحيات من تأليف رجل واحد، فينفي كل المتنازعين على المسرحيات، خلا شيكسبير، ويقرر أمر نسبة بعض العبارات محط التنازع في المسرحيات. وأخيرا تبدو جداوله الأربعة المسهبة التي جعلها مفاتيح لعناقيد الصور، وهي طائرة الورق والخنفساء، ثم اليعسوب وابن عرس معا، والإوزة، أكثر إثارة وفائدة من الرسوم البيانية عند الآنسة سيبرجن.

(1/309)


وهذه النتائج الجوهرية ترجح كثيرا بنقائص الكتاب. أما من حيث الأسلوب فإن النقائص تشمل نظرته المتخازرة المتخابثة إلى الخيال ( " الجنية الخفية " " العفريت المتفنن المتسامي " وتباهيه العلمي لمزعج، المضحك في أغلب الأحيان ( " استعملت كلمة هوام " لتشمل المخلوقات المتنوعة التي تلدغ وتعض ذلك لأن لفظة " حشرات " لا تشمل قراد الغنم " ). وأحيانا يخفق آرمسترونغ في الالتزام بالمبادئ التي وضعها، فيجرب أن يستعمل مجموعات [عناقيد] الصور للإجابة على أسئلة عن الملاحظة الخاصة عند شيكسبير، وتجربته وحياته وشخصيته (أأثر في عقله منظر احتضار، أكان يكره الكلاب، أسرق أبدا غزالا أو بنفسجا، وأيها كان أشد عليه البراغيث أو القمل، أكانت السيدة السوداء تتبرج كثيرا، أأصيب مرة بالجدري؟) ولكنه لا يلبث أن يصحو لنفسه، ويقرر آسفا أننا لا نستطيع معرفة ذلك، وأن البحث عن الأمور الذاتية خلال عناقيد الصور " محفوف بالخطر " في خير أحواله، وأن الذين يريدون شواهد عن " حب الشاعر " أو عن خصائص خليلته " عليهم أن يبحثوا في مكان آخر " . وأخيرا فإن النصف الثاني من الكتاب وهو دراسة تعميمية " لسيكولوجية الخيال " على أساس الكشوف السابقة في صور شيكسبير، أدنى مستوى من النصف الأول، والعلة الكبرى في ذلك أن السيكولوجيا التي يستعملها ليست كفاء بذلك. فإنه ينفق كثيرا من وقته في مشاجرة مع فرويد، غير ذات موضوع، ويبدو أنه من ناحية إيجابية لا يعرف الفرع النفسي الوحيد الذي يناسب صورة العقل التي توحي بها شواهده (أعني على التعيين المذهب الجشطالتي) ومن ثم فإنه مضطر إلى أن يعتمد على شذرات متفرقة من نتائج مكردي و ف. ك. بارتلت ومكدوغل ورفرز وغيرهم.
ولم يحاول أحد سوى آرمسترونغ أن يضيف إلى كتاب الآنسة سيبرجن ما يستحقه من توسيع مسهب، ولكن يكاد كل النقاد العظماء الذين استخدموه

(1/310)


خلال العشر السنوات الماضية، أن يكونوا قد حاولوا الزيادة فيه أو تخطوا نواحي القصور فيه على نحو ما. فتحدث كنث بيرك في كتابه " نزعات نحو التاريخ " Attitudes Towards History (1937) تحت عنوان " العناقيد " عن الإمكانيات التي أثارتها الآنسة سبيرجن، لعمل لوحات لعناقيد الصور عند أي مؤلف " لنمسك طرف الخيط الذي يوصلنا إلى العناصر الهامة المنضوية تحت لجج رمزية " . وكتب تحت عنوان " الصور " (بعد أن أثنى على الكتاب بأنه " ملائم " وتحدث بشيء من الإسهاب عن إمكانياته الموحية) فحاول معتمدا على الشواهد التي جمعتها، أن يرسم " المنحنى " في كتابات شيكسبير، في علاقتها بمنحنى التاريخ في أيامه. ثم إن بيرك في كتابه " فلسفة الشكل الأدبي " (1941) قد أطرى كتاب " الصور عند شيكسبير " بأنه أحد " كتب ثلاثة هي أخصب المؤلفات في الأدب منذ صدر " الغابة المقدسة " (أما الآخران فأحدهما لرتشاردز والآخر لإمبسون) ثم اقترح، في الوقت نفسه، حدا آخر تحتاجه طريقتها، وهو إضافة المعيار النوعي المعتمد على فحوى الصور، إلى مقياسها الكمي المحض، أي أن تمنح وزنا خاصا للصور التي تظهر في مواطن حساسة من الكتاب كالفاتحة أو الخاتمة أو نقطة التحول.
وفي سنة 1942 استغل ثيودور سبنسر في كتابه " شيكسبير وطبيعة الإنسان " نتائج الآنسة سبيرجن كثيرا واقترح نوعا آخر من التوسيع، أي معالجة دينامية لا ساكنة فلا تكتفي بأن تلحظ ؟ كما لحظت ؟ أن مسرحية هاملت تحوي من صور الداء أكثر من أي مسرحية أخرى بل أن ترى في تراكم الصور حتى يصبح لها ذروة أمرا ذا مغزى، على وجه الخصوص، وأن 85% منها ترد بعد منتصف المسرحية (1) . واقترح وليم تروي سنة
__________
(1) انظر ص 114 من كتاب ثيودور سبنسر " Shakespeare and the Nature of Man " وبخاصة التعليق رقم (14).

(1/311)


1943 - في مقاله " مذبح هنري جيمس " الذي نشر في مجلة " الجمهورية الجديدة " استعمال طريقتها في مجال آخر، وهو قصص هنري جيمس الأخيرة، واعترف رايس كاربنتر بفضل طريقتها في " الحكايات الشعبية والقصص الخيالية والبطولية في اللاحم الهومرية " (1946) واقترح تطبيقها على الملحمة الإغريقية. أما كنث موير فإنه في مقال له عنوانه: " تيمون الاثيني والتفسير الاقتصادي " نشر في Modern Quarterly Miscellany العدد الأول، عام 1947، استعمل بعض مادتها في " تيمون " واقترح توسيع فكرتها عن " الصورة " بحيث تحوي الرمزية اللامجازية مثل " الذهب في المسرحية " . وأخيرا تناول كلينث بروكس في كتابه " الزهرية المحكمة الصنع " (1947) كشفها وجداولها عن الصورة المسيطرة في مسرحية ماكبث وهي صورة " الرداء الذي لا يناسب مرتديه " واتخذها نقطة بدء في تحليله للمبنى الرمزي في المسرحية، فجاء بما هو أعمق عمقا وأبرع براعة من كل شيء في نظام الآنسة سيبرجن. غير أنه لا يفتأ يعترف بكشوفها وبالمادة " التي جمعتها لنا الآنسة سيبرجن " بينا هو في الوقت نفسه يخلفها بعيدا وراءه، وفي إشارته إليها تكمن مشاعر متصارعة يوضحها مثل قوله " ولا بد من أن يلحظ المرء أن الآنسة سيبرجن ما اكتشفت كل المشتملات فيما اكتشفته " و " ولقد استبان لها جزء واحد فقط من الإمكانيات " " وإذا نفضنا عنا طريقة الآنسة سيبرجن في التصنيف، وهي طريقة آلية نوعا " " ومع أن الآنسة سيبرجن لا تضمن العبارة في الأمثال التي أوردتها " " ومع أن الآنسة سيبرجن لم تلحظها " . وبما أن الخطة التي تحكمت في كتابها لا تسمح لها أن تراها إلا بشق النفس " وهكذا.
وفي جميع هذه الزيادات والتعديلات على كتابها، نستطيع أن نرى نواحي القصور والأهمية عند كارولاين سيبرجن، فهي نفسها لم تذهب في

(1/312)


مغامرتها بعيدا، ولم تقطع المسافة التي قطعتها بقوة وعزم. غير أن بعض النقد اللبيق الهام في عصرنا، قد استطاع، وستزداد قدرته، على ان يغامر بعيدا، بسبب كتابها، مزودا بفكرة أوسع عن طبيعة المجاز ولرمزية، ونظام من التصنيف المكثر خير من الذي قدر لها، وفهم نفسي أعمق لأعمال العقل، وشهادة أكمل وأدق، وأبعاد نوعية ودينامية، ومؤلفات جديدة لتستكشف وتدرس، وقوة متخيلة أنفذ وأعظم.
3
- إن الموروث من الدراسة التخصصية في حقل الأدب، وهو ما عملت فيه الآنسة سيبرجن، لهو موروث رحيب المجال، غير منضو كثيرا تحت أهداف هذا الكتاب، فتفريعاته لا تنتهي إلى حد، وتحت كل فريع من فرع يستطيع الدارس المتخصص أن يقضي حياته في محتوى خصب مثمر. فمن قبيل ما يعمله أن ينشئ نصا صحيحا باستنقاذه من حمأة التحريفات والتصحيحات، وما تتعذر قراءته في المخطوطات، بل وما هو بياض بالأصل؛ وأن يشرح نصا برده إلى أصوله، وتوضيح معانيه الغامضة، وإجراء المقارنات فيه، وعرضه على المراجع التاريخية التي يمكن الحصول عليها، والإفادة من كل المقاييس التي تبدو مهمة؛ وأن يزود القارئ بالسيرة الصحيحة للأديب، وبتاريخ الأدب الذي يرتبط فيه كتابه ببعض السياق أو القرائين، وبالدراسة المقارنة بغيره من الكتب والمتون؛ وأن يعد أخيرا أجهزة لا نهاية لها من الإطلاع وفهارس المصادر والتواريخ وفهارس الألفاظ وعدد الكلمات والدراسات أو الرسائل التي وتضح مسائل مفردة، والطبعات الجديدة والترجمات والمجاميع، وهل تحوي الطبعات قراءات متنوعة لدراسين متعددين أو تحوي نصوصا متعددة. والكتب: أهي مخضرة أو مجموعة مختارات أم متون للدرس وغير ذلك من أمور.

(1/313)


وأبرز الدراسات المتخصصة وأرحبها إما استلت، لأسباب لا تخفى، من أهم الآثار الأدبية، أي على وجه التحديد من التوراة وهوميرس وسيكسبير. أما فيما يختص بمعجزات الدراسة في حقل التوراة والدراسات السامية، وبخاثة ما يسمى " النقد العالي " ، الذي نجح كثيرا في حل معميات الوثاق والمراجعات والتحقيقات التي لا تحصى، والتي كان منها كيان الكتب المقدسة، وأما فيما يتعلق أيضا بالأعمال الأقل إعجازا منها، أعني دراسة هوميرس والإغريق، التي قامت بعمل مماثل في التعرف على خليط من الشذرات والنتف والقشور التي نعرفها باسم هوميرس، فلن نقف عندها في هذا الكتاب وحسبنا أن نلقي نظرة خاطفة على بعض مظاهر في الدراسات الشيكسبيرية، وهو الموروث الذي عملت فيه الآنسة سيبرجن، فذلك يستق وخطة هذا الفصل.
نشأت المشكلات الخاصة في الدرسات المتعلقة بشيكسبير من أن هذا الأديب لم يخلف مخطوطات، أو نصوصا يعتمد عليها، لأنه أجرى فيها تصحيحات بنفسه. فقد طبعت المسرحيات واحدة إثر أخرى طبعات متنوعة في قطع الربع وبعضها " مسروق أو مزور " ، وبعضها طبع عدة مرات من عدة مصادر قبل أن تجمع رسميا المسرحيات التي يظن أنه لشيكسبير، في الفوليو الأول سنة 1623. حتى إنه في عدد من الأحوال، وبخاصة في حال " هاملت " ، نجد ثلاثة نصوص مستقلا بعضها عن بعض صوريا ؟ اثنتان بحجم الربع ونسخة الفوليو ؟ وكل القراءات الثلاث في أي موطن تناولها أحجام الربع ؟ ثلاثة بحجم الفوليو في السنوات 1632، 1664، 1685 وكل واحد منها يصحح شيئا من الأخطاء السابقة. ثم إن الحققين العظماء لنصوص شيكسبير في القرن الثامن عشر، ومنهم راو وبوب

(1/314)


وتبلت (1) وهانمر ووربرتون والدكتور جونسون أصدروا طبعات منقحة، بلغت أقصى التحقيق ي النصوص الباهرة المحققة التي أصدرها جورج ستيفنز وادوارد مالون. وقد أخذ هؤلاء الحققون على عاتقهم تصحيح ما اعتقدوا أنه أخطاء مطبعية في النصوص السابقة، (وكثيرا ما كانوا يغيرون الأخطاء القديمة إلى أخطاء جديدة) ودافعوا ن تصحيحاتهم ضد من يقاومهم، وفسروا وعلقوا على العبارات الغامضة أو المشكلة. وصدرت أول طبعة تحوي قراءات متنوعة لغير حجة واحدة في الموضوع سنة 1773. وفي القرن التالي، ظلت الطبعات التي تحوي قراءات متنوعة تصدر، لأن العلماء فقدوا اقتناعهم بان مشكلات شيكسبير قد يكن حلها أبدا، وأنه قد يكون منها في النهاية نص موثق حتما. وتستطيع أن تجد ذروة الدراسة الشيكسبيرية في عصرنا، كما تجد تاريخا لها، في الطبعات الحديثة ذات القراءات المتعددة، وقد ظلت هذه تصدر بأميركة طوال عدة سنوات، وكأنها تكاد تكون احتكارا خاصا لهوراس هوارد فيرنس الأب والابن. ومن المناسب أن ننظر في محتويات مسرحية واحدة صدرت ي هذه الطبعة.
ولنخر مسرحية " انطوني وكليوباترة " في الطبعة ذات القراءات المتعددة فإنها نموذجية في هذا المقام، وإن تكن في جوهرها أقصر من هاملت والمقطوعات، (لأن هاملت والمقطوعات استنزفا قسطا وافرا من التعليقات). فقد حققها فيرنس الأب سنة 1907 وجعل لها فاتحة تقديمية تدور حول المسرحية، أما النص نفسه، كما ظهر في الفوليو الأول، فيشغل 375 صفحة، في كل صفحة بضعة أسطر، وتحت النص في كل صفحة كتبت جميع القراءات المتأخرة، وتحت هذه أيضا أدرجت توضيحات أصحابها وحججهم
__________
(1) كذا يلفظ هذا الأسم في هذا الوطن أما فيما عدا اسم تبلت المحقق فانه يلفظ ثيوبولد - كما يكتب - .

(1/315)


في الدفع عن قراءاتهم، مع تفسيرات للعبارات. أما الملحق، ويشغل ما يزيد على مائتي صفحة أخرى، فيحوي جمعا ومناقشة لكل الآراء الهامة حول تاريخ تأليف المسرحية، وحديثا عن الفترة التي تستغرقها في التمثيل، واقتباسا لكل عبارة عند فلوطرخس استوحاها شيكسبير، مشفوعة بالسطر الذي يقابلها في المسرحية، ثم نص مسرحية " كله من أجل الحب " All For Love لدريدن، وهي مسرحية متأخرة في الموضوع نفسه، مع حشد من التعليقات والملاحظ عنها، ثم ثلاثين صفحة من النقد المختار حجول مسرحية شيكسبير وشخصياتها، مما كتبه معلقون إنجليز أو ألمان أو فرنسيون، ثم خمسا وسبعين صفحة مخصصة للتلخيص والاقتباس الكثير من مسرحيات أخرى تدور حول القصة نفسها. يتلو ذلك حديث عن نسخ التمثيل المتنوعة، والممثلين والمرات التي مثلت فيها مسرحية شيكسبير، ثم خبر عن الأزياء والأعدادات التي تتعلق بها، وقائمة بكل التصحيحات للفوليو الذي اختير في طبعة كيمبردج، وهي طبعة فاصلة نسبيا، وقائمة بأسماء الكتب التي جرت الإشارة إليها، ثم فهرست شامل. ويتضح بجلاء أن أي تلميذ دارس لمسرحية شيكسبير، مزود بطبعة حديثة ذات قراءات متنوعة، وفهارس للألفاظ، لهو خير زادا من الدارسين المتخصصين في شيكسبير قبل قرنين من الزمان.
إن الطبعة ذات القراءات المتنوعة من مسحرية " انظوني وكليوباترة " لتصور خير ملامح الدراسة الشيكسبيرية مثلما تصور أسوأها. في خير أحوالها هي التماعة باهرة من نفاذ البصر الحاسم الذي قطع كل اعتراض منذ عهدئذ حتى اليوم، ومن أمثلة ذلك فيها تصحيح هانمر سنة 1744 لكلمة Pannelled، ووضعه Spaniel " d في مكانها في هذه العبارة The hearts that panneled me at heeles. (وهي قراءة جميلة كذلك التصحيح العظيم الذي أجراه تبلت في وصف موت فولستاف

(1/316)


في مسرحية هنري الخامس حين غير هذه العبارة التي لا معنى لها " لأن أنفه كان حادثا كالريشة، وصحصحا من الحقول الخضراء " .
وجعلها: " لأن أنفه كان حادا كالريشة، مثرثرا بذكر الحقول الخضراء " ) أما في أسوأ أحوالها فتتمثل في هيث، وهو يشرح هذه الأسطر الغريبة " وكثير من الحوريات رعينها في العيون وانحنين لها يزينها " ويقول " إن الفتيات اللواتي يشبهن الحور، كن يعملن ي تسوية حواجب كليوباترة، كلما تشعثت حواجبها والغلمان يروحونها بالمراوح أو لسبب آخر " . وأما حيث تكون فارغة من المعنى فإنها تتمثل في تصحيح تبلت ومن جاء بعده من الحققين، حين غيروا " إذ أن سخاءه لا شتاء فيه. إنه سخاء انطوني " إلى " إنه كان خريفا " مع أن لفظة " انطوني " مقعة إلى حد كبير، يسندها قول كليوباترة من قبل " لقد أصبح أنطونيا " وهي أقوى تعبرا من ناحية شعرية.
وهذا المثل الأخير يطلعنا على أخطر اتهام يوجه ضد دارسي شيكسبير، وهو أهم في أغلب أحوالهم ليسوا من ذوي الإحساس الشعري المرهف. وقد أبرز وليم مبسون هذه التهمة في كتابه " سبع نماذج من الغموض " حين خرج بهذه النظرية الفذة اللامعة وهي: أن محققي شيكسبير ينزعون إلى " حل " المسرحية مرجعين غموض شيكسبير إلى الكلمة ذات المعنى الواحد التي بدأ بها ثم أغناها من بعد. ويقدم عددا من الأمثل، ومنها هذا المثل النموذجي: " طريق حياتي انحدرت نحو الخريف، كأنها ورقة صفراء " فأصلحها جونسون (هو (1) رجل ذو حس شعري مرهف
__________
(1) My Way of Life جعلها الدكتور جونسون May of Life، والتعبير الأول ليس غريبا على شيكسبير ولكن الدكتور جونسون كان مأخوذا بذكر الخريف واصفرار الورقة في نهاية العبارة فخلق تطابقا فيها حين جعلها " ربيع حياتي " وقد وفق من الناحية الصناعية في هذا التغيير فتهكم به امبسون لأنه رأى في طريقته تفسيرا لكيفية صياغة المبني الشعري في زمنه أي رسم قالب من المجاز تصب فيه الفكرة.

(1/317)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية