صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : المنصف للسارق والمسروق منه
المؤلف : ابن وكيع التنيسي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

فقال: دهشت لما فعلت فصيره ثلاثيا وقال: يدهش فصيره رباعيا وهذا تحكم على لسان العرب، وقد أحتج له بعض المحققين به فقال هذا يدل على انفراد ما لم يسم فاعله بفعل يختص به كما يختص بعض الفاعلين بفاعل لا يذكر معه المفعول نحو: قام زيد وقعد عمرو، ومثله: حم واحمه الله ويرجحه وأبره الله فجعل هذا الرجل ما هو مسموع قياسا يطرد عليه حتى كأنه في شعر الهذليين وكأنه ورد عليه من رؤبة والعجاج ما يجعله أهلا له فأما معنى البيت فموجود في قول ابن الرومي:
أملت على كاتبها حتى أرتبك ... ثم عدت مهملة بلا ملك
وقد يدهش وهو يكتب فابن الرومي قال: ارتبك حتى صارت مهملة بلا ملك يليها قصيدة أولها:
نرى عظما بالصد والبين أعظم ... ونتهم الواشين والدمع منهم
صدره من قول القائل:
نشكو بالصدود فجاء الفراق ... فأنسى الجوارح نار الصدود
وعجزه من قول القائل:
فإن يك سر قلبك أعجميا ... فإن الدمع نمام فصيح
ذكر أبو الطيب أن الدمع من الوشاة به، والواشي والنمام معنى واحد ولكنه قد اختصر من الكلام الطويل ما جاء به في الموجز القليل واكتفى ببيت من بيتين فهو أولى بما أخذ.
وقال المتنبي:
ومن لبه مع غيره كيف حاله؟ ... ومن سره في جفنه كيف يكتم
إسكانه )مع( من ضروراته التي يكثر استعماله إياها.
قال مسلم:
يقولون لي: أخف الهوى لا تبح به ... وكيف وطرفي بالهوى يتكلم
فجاء بيت أبي الطيب في نصفه بمعنى بيت مسلم في جميعه وزاد في صدره معنى آخر واستوفى الطويل في الموجز القليل.
وقال المتنبي:
فلم أر بدرا ضاحكا قبل وجهها ... ولم تر قبلي ميتا يتكلم
قال مسلم:
شكوت إليها حبها فتبسمت ... ولم أر بدرا قبلها يتبسم
فأتى مسلم بصدر بيت أبي الطيب في معنى بيته فرجح كلام أبي الطيب لأنه زاد في كلامه ما هو من تمامه فصار أحق بما أخذ.
وقال المتنبي:
بفرع يعيد الليل والصبح نير ... ووجه يعيد الصبح والليل مظلم
ألم بمعنى أبي تمام:
بيضاء تسري في الظلام فيكتسي ... نورا وتبدو في الصباح فيظلم
وما ملح فيه الخليع الصغير قوله:
بوجه يعيد الليل صبحا كأنما ... مشارقه من فرعها في مغارب
فهو يستولي على معنى بيت أبي الطيب وعبارته أرجح فهو أولى بما قال.
وقال المتنبي:
أثاف بها ما بالفؤاد من الصلى ... ورسم كجسمي ناحل متهدم
قال مخلد الموصلي:
يا منزلا ضن بالسلام ... سقيت ريا من الغمام
لم تترك المزن فيك إلا ... ما ترك الشوق من عظامي
خبر أبو الطيب أن نحول الربع وتهدمه كنحول جسمه وتهدمه ولم يشرح العلتين الموجبتين لذلك ومخلد جاء بهما فهو أرجح فإن قيل لأبي الطيب معنى في ذكر حال فؤاده قلنا لمخلد زيادة في الإخبار لعلتين ليستا في بيت أبي الطيب فقد صار أسوأ.
وقال المتنبي:
بللت بها ردني والغيم مسعدي ... وعبرته صرف وفي عبرتي دم
هذا من قول الخليع الصغير أعني الحراني:
سقيت مياه الغيث إن خدودنا ... سقين مياه الدمع يمزجها الدم
وهذا يدخل في قسم المساواة.
وقال المتنبي:
ولو لم يكن ما أنهل في الخد من دمي ... لما كان محمرا يسيل فأسقم
أحسن ما قيل في هذا قول بشار:
وليس الذي يجري من العين ماؤها ... ولكنه نفس تذوب فتقطر
والدمع ماء فإذا صار محمرا قامت الدلالة على أنه دم واستغنى عن إخبارنا بذلك.
وقال المتنبي:
محب الندى الصابي إلى بذل ماله ... صبوا كما يصبو المحب المتيم
)صبوا( حشو لأن الفعل دال على مصدره وقد يرد مثل هذا لنفي الشك وتأكيد الخبر، وهذا من قول البحتري:
يحن إلى المعروف حتى ينيله ... كما حن إلف مستهام إلى إلف
وقال قبلها أبو تمام:
قد تيمت منه المعالي بامرئ ... ما زال بالمعروف وهو متيم
وهذا يدخل في قسم المساواة.
وقال المتنبي:

(1/95)


وأقسم لولا أن في كل شعرة ... له ضيغما قلنا له أنت ضيغم
هذه مبالغة تشبه مبالغة ابن الرومي وهي أشد استحالة منها وهي قوله:
أسد له في كل جا ... رحة وعضو مخلب
وقال المتنبي:
أننقصه من حظه وهو زائد ... ونبخسه والبخس شيء محرم
وقال بعد هذا:
يجل عن التشبيه، لا الكف لجة ... ولا هو ضرغام، ولا الرأي مخذم
فإن كان قول أبي الطيب مفهوما أنه إذا قال: يجل على التشبيه فكلما أورده معلوم أنه دونه ولكن لم يشرح شرحا شافيا ووكلنا إلى معرفة قصده بالتأمل وقال ابن الجهم:
إذا نحن شبهناك بالبدر طالعا ... بخسناك حظا أنت أبهى وأجمل
ويظلم إن قسناك بالليث تجده ... لأنك أحمى للحريم وأبسل
ولست ببحر أنت أعذب موردا ... وأنفع للراجي نداك وأشمل
فشرح وأغنى عن التأمل فإن قال قائل: فأبو الطيب أدرك مراده في بيت وابن الجهم جاء به في ثلاثة أبيات قلنا لم يشرح الأسباب التي زادها على اللجة والضرغام والسيف ولا يحتسب بهذا الاختصار كقول الحكماء: )البلاغة حذف الفضول وليست طي المعاني( وهذا من استيفاء طويل في موجز قليل، ونحن نجعل بازاء الاختصار طول القول في الشرح، فإن البيت الواحد لا يغني عن الأبيات الثلاثة لإحواجه إلى التأمل فهذا بهذا.
وقال المتنبي:
ولا يبرم الأمر الذي هو حالل ... ولا يحلل الأمر الذي هو مبرم
أظهر التضعيف وأخذ المعنى من قول الحصني:
ويحل ما عقد الرجال بكيده ... عفوا ويسجل كيده ما أبرما
وقال إبراهيم بن المهدي:
إلى يقظان ذي عرف ... عن الدينار والدرهم
إذا ما أبرموا أوهى ... ولا يوهون ما أبرم
وقال المتنبي:
ألذ من الصهباء بالماء ذكره ... وأحسن من يسر تلقاه معدم
أخذه من قول ابن بسام:
يا نظيرا للبرء بعد السقام ... يا يسارا أتى على إعدام
بأهلا لأعداء وقد نقص ... الشهر على غفلة من الصوام
وقال المتنبي:
ولو قال: هاتوا درهما لم أجد به ... على سائل أعيا على الناس درهم
فتح له بكر بن نطاح هذا المعنى بقوله:
لو لم يكن في الناس إلا درهم ... ومدحته وافاك ذاك الدرهم
وقال المتنبي:
صفوفا لليث في ليوث حصونها ... متون المذاكي والوشيح المقوم
هذا من قول القائل:
ونحن أناس لا حصون بأرضنا ... نلوذ بها إلا القنا والقواضب
وقال المتنبي:
تغيب المنايا عنهم وهو غائب ... وتقدم في ساحاتهم حين يقدم
قال البحتري:
يشهد الأنس حين يحضر فيهم ... ويغيب السرور حين يغيب
وهذا من المعكوس، قال ابن أبي فنن:
قدم الندى لما قدمت ... وغاب عنهم حين غبنا
وقال المتنبي:
محلك مقصود، وشانيك مفحم ... ومثلك مفقود، ونيلك خضرم
أسقط همزة )شانيك( وباب الهمز يسقط في شعره وعمل له مسلم من قوله:
فعالك محمود ومجدك شامخ ... وجودك موجود ونيلك خضرم
لبيته مثالا أحتذي عليه.
وقال المتنبي:
وزارك بي دون الملوك تخرج ... إذا عن بحر لم يجز لي التيمم
هذا بيت فقهي يدل على ورع وتحير لا تطلب مع مثله النبوة، وقد أشار إليه أبو تمام بقوله:
لبست سواه أقواما فكانوا ... كما أغنى التيمم بالصعيد
وقد ألم بهذا المعنى أبو الطيب ومن هذا المعنى قول ابن الجهم:
فلا تكن مستخلفا منه جاءنا ... فقد من فيوض البحر يجري التيمم
وقال المتنبي:
فعش لو فدى المملوك ربا بنفسه ... من الموت لم تفقد وفي الأرض مسلم
لا أدري لم قال: )تفقد وفي الأرض مسلم( ولو كان: )لم تفقد وفي الأرض بشر( كان أمدح، وإذا كان المسلمون لا يكبرون عن فديته فليس ينبغي أن يصان المخالفون عن ذلك، فتخصيصه أهل الإسلام بالفدية لا وجه له، والجيد قول ابن دريد:
نفسي الفداء لأميري ومن ... تحت السماء لأميري الفدا
وقد أوقفنا أبو الطيب في هذا الاختيار بقوله:

(1/96)


فدى لك من يقصر عن فداكا ... فلا ملك إذا إلا فداكا
فعم ولم يخصص.
ويتلوها قصيدة أولها:
أركائب الأحباب إن الأدمعا ... تطيس الخدود كما تطسن اليرمعا
قال فيها:
قد كان يمنعني الحياء من البكا ... فاليوم يمنعه البكا أن يمنعا
هذا يشبه من الشعر قول ابن الرومي:
فأطلب القلب والذين سبوه ... عائقا كل عائق أن يعوقا
ويشبه من الأخبار حكاية حكيت لي: عن علي بن محمد بن بسام: أنه دعاه صديق له مع نحوي متشرق فثقل على علي بن بسام ثم دعي معه في يوم آخر فتخلف فلقيه النحوي معاتبا على تخلفه، فقال له: ما يمنعك من زيارتنا فقال: يمنعني يمنعك، يريد أنه ثقل الإعراب في يمنعك بمنع الزيارة.
وقال المتنبي:
حتى كأن لكل عظم رنة ... في جلده ولكل عرق مدمعا
هذه مبالغة يشبهها قول ابن المعتز:
ومتيم جرح الفراق فؤاده ... فالدمع من أجفانه يترقرق
هزته ساعة فرقة فكأنما ... في كل عضو منه قلب يخفق
ورنين العظام أبعد في المبالغة من خفقان القلوب، وقد قال البحتري:
وكأن لي في كل عضو واحد ... قلبا يحن وناظرا ما يطرف
فقد أتى بمعناه والزيادة في كلامه ما هو من تمامه.
وقال المتنبي:
سفرت وبرقعها الحياء بصفرة ... سترت محاجرها ولم تك برقعا
هذا بيت فيه روايتان يروى: )وبرقعها الفراق( ويروى )وبرقعها الحياء( فمن روى الحياء فهو مذهب لأبي الطيب أختص به ومثل هذا قوله:
فمضت وقد صبغ الحياء بياضها ... لوني كما صنع اللجين العسجد
ومن روى الفراق، أكذبه مذهبه في الحياء ومن جعل ذلك للفراق فكان ينبغي هذا للفراق أيضا على مذهبه في تغير الوجه بالخوف أو جعل ذلك للحياء وجعل هذا مثله ليكون المذهب مطردا، وقد ذكرنا فيما تقدم من الكتاب قول جالينوس )الحمرة من الخجل، والصفرة من الوجل( ولو جعل مكان الصفرة الحمرة لصح الوزن والمعنى. ومعناه في الصفرة: )سترت محاجرها( فقامت في تخللها إياها مقام البرقع ويقال: برقع وبرقوع.
وقال المتنبي:
فكأنها والدمع يقطر فوقها ... ذهب بيمطي لؤلؤ قد رصعا
الهاء تعود على كأنها على الصفرة وتشبيهه الذهب بصفرتها واللؤلؤ بدموعها كثير، وقد قال أبو نواس في صفة الخمر وحبابها:
ذهبا يثمر درا ... كل إبان وحين
وهذا من استخراج معنى من معنى أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وقال المتنبي:
كشفت ثلاث ذوائب من شعرها ... في ليلة فأرت ليالي أربعا
فجعل كل ذؤابة ليلة، وقد قال ابن المعتز:
سقتني في ليل شبيه بشعرها ... شبيهة خديها بغير رقيب
فما زلت في ليلين بالشعر والدجى ... وشمسين من كأس ووجه حبيب
فشبه جملة الشعر بالليل واستغنى عن عدد الذوائب وكذلك قال ابن المعتز أيضا:
نشرت غدائر شعرها لتظلني ... خوفا علي من الرقيب المحنق
فكأنني وكأنها صبحان ... باتا تحت ليل مطبق
وقد رواه ابن قتيبة لغيره ويكون لمن فقد جاء بالغدائر ولم يرد على تشبيهها بليل واحد ولم يفرقها ليالي بعددها، وقد زاد القوم بتشبيه الوجه والشعر في كلامهم ما هو من تمامه فهم أرجح.
وقال المتنبي:
واستقبلت قمر السماء بوجهها ... فأرتني القمرين في وقت معا
هذا يقارب قول القائل:
وإذا الغزالة في السماء تعرضت ... وبدا النهار لوقته يترحل
أبدت لوجه الشمس عينا مثلها ... يلقى السماء بمثل ما تستقبل
ومن ذلك قول أبي دلف:
طلعت والشمس طالعة ... من رأى شمسين في بلد
ومن قول البحتري:
بتنا ولي قمران: وجه مساعدي ... والبدر إذ وافى التمام وأكملا
وأحسن من هذا كله قول مسلم:
فبت أسر البدر طورا حديثها ... وطورا أناجي البدر أحسبها البدرا

(1/97)


فكل الأبيات منه ومنهم تدخل في قسم المساواة، وأما بيت مسلم فيخبر أنه قد أشكل عليه وجهها من البدر قمرة يسر البدر حديثها وطورا يناجي البدر لإشكال الخال بينه وبينها فهي زيادة مليحة يحصل له بها فضل السبق والحذق وقال ابن المعتز في كلام مسلم:
موسومة بالحسن معشوقة ... تميت من شاءت وتحييه
بات يرينيها هلال الدجى ... حتى إذا غاب أرتنيه
فهذا يذكر عند مغيب الواحد أن الآخر يريه الغائب بحضوره وقد يستحسن الناس قول البحتري:
أضرت بضوء البدر والبدر طالع ... وقامت مقام البدر لما تغيبا
وقوله: )أصرت( يدل على أن ضوءها فوق ضوئه فينبغي أن يزيد عليه وكيف تكون قائمة مقامه.
وقال المتنبي:
ردى الوصال سقى طلولك عارض ... لو كان وصلك مثله ما أقشعا
يقال: أقشع السحاب وأقلع وخبر بالإقشاع عن الوصل وكان الأحسن في الصنعة أن يقول: لو كان وصلك مثله لم تهجري له وكأن يقول: )لو كان مثل هجرك ما أقشع( وقد ألم بهذا المعنى من قول أبي تمام:
ذكرتكم الأنواء ذكري بعضكم ... فبكت عليكم بكرة وأصيلا
دعا لهم أن تذكرهم الأنواء كذكره بعضهم ليكون بكاؤها متصلا وهذا من استخراج معنى من معنى لفظهما مفترق ومعناهما متفق وفي بيت أبي الطيب مطعن وكلام أبي تمام لا مطعن فيه فهو أحق بقوله.
وقال المتنبي:
زجل يريك الجو نارا والملا ... كالبحر والتلعات روضا ممرعا
قال أبو تمام: آض لنا ماء وكان بارقا يريد يقدم البرق المطر، وقال ابن دريد:
كأنما البيداء غب صوبه ... بحر طما تياره ثم سجا
فقد جمع ما فرق غيره وزاد من ذكر الروض في كلامه ما هو من تمامه، وأنشدني أبو الطيب الحريري قال أنشدني أبو عبد الله:
سحابة مذاقة الأنواء ... بحر يثنيها على البطحاء
يعقب بين الضحك والبكاء ... بدت بنار وبنت بماء
وهذا مثل قول أبي تمام.
وقال المتنبي:
كبنان عبد الواحد الغدق الذي ... أروى وآمن من يشاء وأجزعا
وقد سلك في هذا طريق الخروج المليح إلى ما راده من المديح ولكنه من قول أبي تمام:
بنان موسى إذا استهلت ... للناس أغنت عن الغيوث
ومثله للبحتري في بركة:
كأنها حين لجت في تدفقها ... يد الخليفة لما سال واديها
وأما قول أبي الطيب: )وآمن من يشاء وأجزعا( ليس الأمن الجزع من جنس الري ولا من العبارات عن السحاب، فأما المعاني فمتساوية وكان ينبغي أن يقول: )أروى به جدب البلاد وأمرعا( والأمن ضد الخوف والصبر ضد الجزع فقد أساء المطابقة ووصف الغيث بما ليس من صفاته.
وقال المتنبي:
ترك الصنائع كالقواطع بارقا ... ت والمعالي كالعوالي شرعا
ذكر بعض أهل الأدب أن معناه في هذا أنه ترك الصنائع مشرقة مرتفعة وذكر آخر أنه يحارب أعداءه بالصنائع كما يحاربهم بالسيوف والرماح والثاني أشبه بمراده.
وقال المتنبي:
متبسما لعفاته عن واضح ... تعشى لوامعه البروق اللمعا
شبه ابتسامه بالبرق ولكن في قوله: )تعشى( مبالغة مليحة يريد بشره لعفاته، وقال أبو تمام:
أنسى ابتسامك والألوان كاسفة ... تبسم البرق في جنح من الظلم
شبه ابتسامه في عجاج الحرب بالبرق في جنح الظلم يريد شجاعة الممدوح.
وقال ابن أبي فنن:
إذا الغيث خلنا وميض غمامه ... يشق الدجى عنا وعنه بوارقه
وقال المتنبي:
نفس لها خلق الزمان لأنه ... مفني النفوس مفرق ما جمعا
نبهه عليه قول أبي نواس:
فما هو إلا يأتي بصرفه ... على كل من يشقى به ويعادي
وقال المتنبي:
ويد لها كرم الغمام لأنه ... يسقي العمارة والمكان البلقعا
قال ابن الرومي:
خرق يعم ولا يخص بجوده ... لكنه كالغيث في الأطباق
وقال ابن المعتز:
ونصيب بالجود الفقير وذا الغنى ... كالغيث يسقي مجدبا ومربعا
وقال آخر يخاطب الغيث:
وأنت تخص أرضا دون أرض ... وكفاه تعمان البلادا
وهذه الأبيات تدخل في قسم المساواة.
وقال المتنبي:

(1/98)


أبدا يصدع شعب وفر وافر ... ويلم شعب مكارم متصدعا
هذا من قول أبي تمام:
له كل يوم شمل مجد مؤلف ... وشمل ندى بين العفاة مشتت
وقال البحتري:
ومعال أصارها لاجتماع ... شمل مال أصاره لافتراق
فكل هذه المباني والمعاني متقاربة وكذلك هذه المطابقات فالسابق أولى بها.
وقال المتنبي:
يهتز للجدوى اهتزاز مهند ... يوم الرجاء هززته يوم الوغى
هذا مستعمل قال الحطيئة:
كسوب ومتلاف إذا ما سألته ... تهلل، وأهتز أهتزاز المهند
وقال متمم بن نويرة:
تراه كنصل السيف يهتز للندى ... إذا لم تجد عند امرئ السوء مطمعا
وقال ابن أبي فنن:
تراه على العلات تهتز للندى ... كما أهتز مصقول مضاربه عضب
وهذا يدخل في قسم المساواة.
وقال المتنبي:
أقصر ولست بمقصر جزت المدى ... وبلغت حيث النجم تحتك فأربعا
قال أبو تمام:
يا ليت شعري لمن هذي مآثره ... ماذا الذي ببلوغ النجم ينتظر
وهذا من قسم التساوي.
وقال المتنبي:
نفذ القضاء بما أردت كأنه ... لك كلما أزمعت شيئا أزمعا
هذا يشبه قول الأول:
وأقضية الله محتومة ... وأنت منفذ أقدارها
فأبو الطيب يقول إن نفوذ القضاء بإرادته، وهذا قد صيره منفذا للقضاء.
وقال المتنبي:
وأطاعك الدهر العصي كأنه ... عبد إذا ناديت لبى مسرعا
يشبه قول أبي تمام في الحرب:
فالحرب تلزم نفسها لك طاعة ... فيما أردت بطاعة المتعبد
فهذا مما أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه ويشبه قول القائل:
تصرفت الدنيا له بقضائه ... فأيامها أنى يشاء صوارف
فهذا يدخل في قسم المساواة.
وقال المتنبي:
أكلت مفاخرك المفاخر وانثنت ... عن شأوهن مكي وصفي ظلعا
)أكلت( استعارة غير مليحة، ولو قال )فضحت( كان أحسن.
وقال الخريمي:
كم يد أوليتها ويد ... تدع المتنبي بها وهو حسير
فظالع وحسير متقارب والأول أحق بقوله.
وقال المتنبي:
وجرين مجرى الشمس في أفلاكها ... فقطعن مغربها وجزن المطلعا
قال ابن الجهم:
فسار مسير الشمس في كل بلدة ... وهب هبوب الريح في البر والبحر
وجرى الشمس في أفلاكها فمعلوم أنه يقطع مغربها ويجاوز مطلعها، وقد زاد ابن الجهم ما هو من تمامه، وقد قال ابن المعتز:
فسار مسير الشمس في كل بلدة ... من الأرض إلا نحو أرض تريدها
وقال ابن أبي فنن:
تذل إذا ما رضتها لي صعابها ... وتأتي على غيري إذا ما تريدها
تسير مسير الشمس شرقا ومغربا ... ويحلو بأفواه الرجال نشيدها
فقول ابن أبي فنن )شرقا ومغربا( أجود من قوله لأنها إذا قطعت المغرب فمعلوم أنها قد جازت المطلع.
وقال المتنبي:
لو نيطت الدنيا بأخرى مثلها ... وعممتها خشيت أن لا تقنعا
فقال: خشيت لأنه أراد جملة الدنيين وجميع ما فيها فذهب إلى الجمع كما قال عز وجل: )قالتا أتينا طائعين( ومعناه لعممتها وخشيت مفاخرك أن لا يقنع لك بالدنيتين وهذا احتجاج ضعيف وذلك أن السماء سبع والأرض سبع على معنى هذا الجمع، فأما الدنيا فلم يقل فيها شيء من هذا ولو قال: )وخشيت( لصح الوزن وكان أوضح بمراده.
وقال المتنبي:
ومتى يودي شرح حالك ناطق ... حفظ القليل النزر مما ضيعا
هذا من محال الكلام أن المحفوظ ليس من المضيع في شيء والتأمل له ضعيف وهو أن يريد حفظ القليل من جنس الكثير المضيع، وأجود من هذا قول أبي نواس:
فقل لمن يدعي في العلم فلسفة ... جهلت شيئا وغابت عنك أشياء
فهذا صحيح يستغني عن التأويل.
وقال المتنبي:
إن كان لا يدعي الفتى إلا كذا ... رجلا فسم الناس طرا إصبعا
نصب رجلا على خبر ما لم يسم فاعله كأنه قال: )لا يدعي الفتى رجلا إلا كذا( وإصبع غير مليح وقد ذكر بعض النحويين أنه مأخوذ من قول العجاج:
لو كان خلق الله جنبا واحدا ... وكنت في جنب لكنت زائدا

(1/99)


وكان ينبغي أن يقول ينظر إلى قول العجاج وأظنه توهم في مقصد العجاج جنب الإنسان فقال جنبه وإصبعه جزء منه وما أحسب أنه مقصده إنما مقصده: لو كان خلق الله في جنب واحد في الأرض وكنت في جنب آخر لكنت زائدا عليهم كما قال عمر بن أبي ربيعة:
ولو سلك الناس في جانب ... من الأرض واعتزلت جانبا
ليممت طيتها إنني ... أرى حبها العجب العاجبا
قال المتنبي:
إن كان لا يسعى لجود ماجد ... إلا كذا فالغيث أبخل من سعى
هذا البيت عليل الكلام ضعيف النظام لأنه كأن نحبا فالغيث بخيل فأما أن يجعله أبخل الساعين فليس كل الساعين كالممدوح في سعيه والممدوحون من السعاة لا يبلغون إلى أن يسبقوا الغيث في سعيهم فهذا فاسد، وقد قال أبو تمام:
هو الغيث لو أفرطت في الوصف عامدا ... لأفرطت في وصفيه لم أك كاذبا
فأما قول البحتري:
سقيت وكان الغيث أدنى مسافة ... وأضيق باعا من نداك وأقصرا
فهذه مبالغة حسنة لأنه قال: من نداك المفرط وفاصل بين مفرطين ولم يقل أضيق باعا من كل ندى وأنجل من كل باذل ندى.
وبعدها أبيات أولها:
أجارك يا أسد الفراريس مكرم ... فتسكن نفسي أم مهاب فمسلم؟
وهي أبيات فارغة لا يطلب لها استخراج سرقة.
ويتلوها قصيدة أولها:
صلة الهجر لي وهجر الوصال ... نكساني في السقم نكس الهلال
قال أبو تمام ما يقرب منه:
أمسى بنو الإسلام بدرا بعدما ... محقت بشاشته محاق هلال
وقال المتنبي:
فغدا الجسم ناقصا والذي ين ... قص منه يزيد في بلبالي
قال عبد الملك بن عبد الرحيم:
الشوق يزداد كل يوم ... إليك والجسم في انتقاص
فذكر أن نقصان جسمه لزيادة بلباله، وذكر الأول أن الشوق لزيادته سبب لنقصان جسمه وكان الأجود أن يقول أن زيادة بلباله سبب لنقصان جسمه فقلب الكلام من عبد الملك بن عبد الرحيم فهو صححه وهو أولى بمعناه.
وقال المتنبي:
بطلول كأنهن نجوم ... في عراص كأنهن ليالي
أخذه من قول الديك:
ألقى على عرصاتها صرف البلى ... ليلا يرى الزوار فيه نجوما
جعل الطلول مكان الزوار في هذا البيت وهذا يساوي ما قال فصاحبه أولى به.
وقال المتنبي:
ونؤي كأنهن عليه ... ن خدام خرس بسوق خدال
حشو لا ينتفع به إنما المعنى أن انعطافه كانعطاف الخلخال سواء كان الخلخال ناطقا أو أخرس أو على ساق خدل أم خمش، والمليح قول أبي تمام:
أثاف كالخدود لطمن خرسا ... ونؤي مثل ما أنفصم السوار
فهذان تشبيهان في بيت جميع ألفاظه مفيدة ولا حشو فيها وذكر انفصام السوار تحقيقا للتشبيه ولم يذكر أبو الطيب انفصامه ومن جاء بزيادة تشبيه وحذف الحشو وخفق التشبيه فهو أولى بقوله.
وقال المتنبي:
لا تلمني فإنني أعشق العش ... اق يا أعذل العذال
يساوي قول ابن الرومي:
قافلا في علوة اللوم أني ... مطيب في الغرام إن لم يقلا
وكذلك قال ابن الحاجب:
ما أزداد عاذله في عذله شرفا ... إلا يزيد عياء في تصابيه
وقال المتنبي:
ما تريد النوى من الحية الذوا ... ق حر الفلا وبرد الظلال
هذا كلام رديء الصنعة أما قال: )حر الفلا وبردها أو حر الهواجر وبرد الظلال( وجملة البيت أنه شبه نفسه بالحية، وهذا مأخوذ من قول أبي تمام:
والفتى من تعرقته الليالي ... والفيافي كالحية النضناض
وإذا ورد تشبيه في صحة لفظ فصاحبه السابق أولى به.
وقال المتنبي:
ولحتف في العز يدنو محب ... ولعمر يطول في الذل قالي
هذا يشبه قول بعض الأعراب:
سأعمل نص العيس حتى يكفني ... غنى المال يوما أو غنى الحدثان
فللموت خير من حياة يرى لها ... على المرء بالإقلال وسم هوان
ولأبي الطيب زيادة في بيته بالتطبيق بين محب وقال: والعز والذل وقال ابن الرومي:
أبت لي قبول الخسف نفس أبية ... تبيع بعز الموت ذل حياتها

(1/100)


وهو يقرب منه في المطابقة والمعنى لأن الإباء ضد القبول والعز ضد الذل فهو يدخل في قسم المساواة.
وقال المتنبي:
نحن ركب ملجن في زي ناس ... فوق طير لها شخوص الجمال
أخذه من أبي تمام:
في فتنة إن سروا فجن ... أو يمموا شقة فطير
وقال ابن الرومي:
فلو لاقيتهم في يوم حرب ... لقيت الجن في أشباح إنس
فبيت أبي تمام قد جمع المعنيين واستولى على التشبيهين، وابن الرومي أتى ببيت كامل في معنى واحد، وأتى أبو الطيب في صدر بيته فزاد في كلامه معنى هو من تمامه فأبو تمام أولى بما سبق إليه، وابن الرومي قصر عنهما.
وقال المتنبي:
من نبات الجديل تمشي بها في ال ... بيد مشي الأيام في الآجال
ينظر إلى قول مسلم:
موف على مهج في يوم ذي رهج ... كأنه أجل يسعى إلى أمل
وقال المتنبي:
كل هوجاء للدياميم فيها ... أثر النار في سليط الذبال
ينظر إلى قول ابن الأحنف:
أحرم منها بما أقول وقد ... نال به العاشقون من عشقوا
صوت كأني ذبالة نصبت ... تضيء للناس وهي تحترق
وقال المتنبي:
من يزره يزر سليمان في المل ... ك جلالا ويوسفا في الجمال
هذا معنى متداول فأما صدره فمن قول أبي العتاهية:
فكرت في ملك هارون فذكرني ... في الأرض ملك سليمان بن داود
وعجزه من قول أبي تمام:
لم يجتمع فرق الحسن التي افترقت ... من عهد يوسف حتى استجمعت فيه
ولكنه قد استوفى الطويل في الموجز القليل.
وقال المتنبي:
وربيعا يضاحك الغيث فيه ... زهر الشكر من رياض المعالي
هذا كلام مستوفي الأقسام مليح النظام قد ألم فيه بقول ابن الرومي:
أمطر جنابي نوالا يكسه زهرا ... أنت المحيا برياه إذا نفحا
وقال المتنبي:
نفحتنا منه الصبا بنسيم ... رد روحا في ميت الآمال
بينما جاء بيت كله استعارة حتى توهم أن لها حقيقة )نفحت منه الصبا بنسيم( ولا معنى لتخصيصه الصبا بذلك فهو يتعلق برياض المعالي ورد الروح في بيت الآمال: فأما إحياؤه الآمال فمن قول أبي تمام:
أحيا الرجاء لنا برغم نوائب ... كثرت بهن مصارع الآمال
جعل إحياء الرجاء بجود الممدوح، وذكر مصارع الآمال بالنوائب فكلامه أصح استعارة وأولى بالمعنى فأبو تمام بهذا أرجح.
وقال المتنبي:
هم عبد الرحمن نفع الموالي ... وبوار الأعداء والأموال
يشبه قول مسلم:
تظلم المال والأعداء من يده ... لا زال للمال والأعداء ظلاما
وقال المتنبي:
أكبر العيب عنده البخل والطع ... ن عليه التشبيه بالرئبال
يقرب من قول ابن الجهم:
وتظلم أن قسنا بك الليث مرة ... لأنك أحمى للحريم وأبسل
وقال المتنبي:
فخذا ماء رجله وأنضحا في ال ... مدن تأمن بواثق الزلزال
هذا مدح غير مستعمل يصلح أن يكون من أوصاف الأنبياء والصالحين، وهو ينظر إلى قول ابن الرومي:
هم حبل الله الذي لو أزاله ... وحاشاهم ما زال )في( الأرض زلزال
وقال المتنبي:
قابضا كفه اليمين على الدن ... يا ولو شاء حازها بالشمال
يقرب من قول جرير:
يا ضب قد أمست يميني فاعلموا ... خلوا وما شغل القيون شمالي
وقال المتنبي:
نفسه جيشه وتدبيره النص ... ر وألحاظه الظبا والعوالي
قال ابن الجهم:
فهمته جيش وعزمته سرى ... وفكرته حرب وآراؤه جند
وهذا البيت كثير الأوصاف صحيح الأصناف، فأما قوله: )وألحاظه الظبا والعوالي( فمن قول القائل:
لحظات طرفك في الوغى ... تغنيك عن سل السيوف
وقال المتنبي:
رجل طينه من العنبر الور ... د وطين العباد من صلصال
قال ابن مناذر:
إنا نظرنا ما كان جوهره ... فكان مسكا وكان غيره طيبا
هذا يدخل في قسم المساواة، ومثله قول أبي العتاهية:
ما أنت يا عتب إلا بدعة خلقت ... من غير طين وخلق الناس من طين

(1/101)


لم يذكر ما ذكره مما خلقت منه فقد زاد عليه، وقال ابن الرومي:
حظهم وافر من الروح روح ... الله لا وافر من الصلصال
وهذه مبالغة يزيد بها على جميعها، وللرومي أيضا:
جعل الله طينة الناس صلصالا ... وأجراك سائغا سلسالا
وقال المتنبي:
وبقايا وقاره عافت النا ... س فصارت وقارة في الجبال
لا شيء أفضل من الحيوان الناطق المميز. وقوله: عافت الناس إزراءهم ويشبه ما قاله قول الوائلي:
وبنو المعمر إنما أحلامهم ... خلقت جبالا ما خلقن حلوما
فنفى عنهم أن تكون حلومهم بل جبالا وأشبه قوله قول أبي الطيب وإنما قالا هذا على المبالغة لأن الأجسام التي منها الحلوم أخف وزنا من الجبال كما قال ابن دريد:
فلو وزنت أحلامنا في بدننا ... لكانت من الشم الشوامخ أرجحا
فذكر الوزن على المبالغة لأنه شيء أثقل وزنا منها.
وقال المتنبي:
واغتفار لو غير السخط منه ... جعلت هامهم نعال النعال
فإن كان أراد أن يكون هامهم تحت النعال فكأنها نعال للبغال على المجاز فهو جائز وأراد نعال الطراقات فيمكن ذلك ومما أستعمل من هذا قول كثير:
وسعى إلى تغيب عزة نسوة ... جعل المليك خدودهن نعالها
وقال ابن الرومي:
فأغن في نعمة برغم عدو ... جعل الله خده لك نعلا
ولكن الحصني بالغ فقال:
لا زال شانيك تحت نعلك ... لا أكرمه الله بالدنو من قدمك
فهذا نبهه على أن جعل للنعال نعالا لأنه جعل هامهم تحت نعال الممدوح كالبغال.
وقال المتنبي:
لجياد يدخلن في الحرب أعرا ... ء ويخرجن من دم في جلال
زعم أنه يركب أعراء فيخرجن من دم في جلال فدل على فروسته لا يركب خيله غير مسرجة وكذلك قال في قصيدة أخرى:
أو ركبوا الخيل غير مسرجة ... فإن أفخاذهم لها حزم
فدل على فروسيتهم بثبوتهم على ظهورها وهذا البيت الثاني بقوله: أو ركبوا الخيل أجود من الأول لأنه يدل على أنهم إن اضطروا ثبتوا عليها، والبيت الأول إخبار أنها تدخل على هذه الهيبة في الحروب وجميع حروب العرب يدخلها خيلها وفرسانها المشهورون يركبونها مسرجة وليس الخلاف لعادتهم من الفضيلة للممدوح وكأنه ينظر إلى قول البحتري:
سلبوا، وأشرقت الدماء عليهم ... محمرة، فكأنهم لم يسلبوا
وقال المتنبي:
واستعار الجديد لونا وألقى ... لونه في ذوائب الأطفال
ينظر إلى قول أبي تمام:
أي وليد رأى سيوفهم ... في الحرب مشهورة فلم يشب؟
وقال المتنبي:
أنت طورا أمر من نافع السم ... وطورا أحلى من السلسال
السم يوصف بالتوجيه والإهلال فأما بالمرارة فلا، والجيد قول ابن الرومي:
أسوغ لخلاني مساغ شرابهم ... ويلقاني الأعداء كالحنظل الغض
وقال أبو المعتصم في مثله:
أمر على الأعداء من جزع الردى ... وأحلى إذا شاهقته من جني الشهد
فجاء )بمر وحلو( ولكنه أتى بشيء يستعمل على المجاز.
وقال المتنبي:
إنما الناس حيث كنت وما النا ... س بناس في موضع منك خالي
يقرب من قول العكوك:
إنما الدنيا أبو دلف ... بين مبداه ومحتضره
فإذا ولى أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره
غير أن أبا الطيب أتى بالطويل في الموجز القليل.
يتلوها قصيدة أولها:
أمن ازديارك في الدجى الرقباء ... إذ حيث كنت من الظلام ضياء
قال فيها:
قلق المليحة، وهي مسك، هتكها ... ومسيرها في الليل وهي ذكاء
أمن هاهنا )كنم( في قول جحظة:
زائر نم عليه نوره ... كيف يخفي الليل بدرا طلعا
وهي في معنى: )إذ حيث كنت من الظلام ضياء( ونظيره قول البحتري:
غاب دجاها، وأي ليل ... يدجو علينا وأنت بدر
ومن إبانته أعني المتنبي عن معناه قوله: )قلق المليحة( يوجب حركتها فيفوح عطرها ومسيرها وهي ذكاء يفضحها والذكاء الشمس، وهذا من قول إبراهيم بن علي الأنباري:
همت بنا حتى إذا أقبلت ... نم عليها المسك والعنبر
وقال البحتري:

(1/102)


وحاولن كتمان الترحل في الدجى ... فنم بهن المسك لما تضوعا
وملح أيضا في قوله:
فكأن العبير بها واشيا ... وجرس الحلي عليها رقيبا
فزاد معنى آخر في: وشي العبير وجرس الحلي.
وقال المتنبي:
أسفي على أسفي الذي دلهتني ... عن علمه فبه علي خفاء
هذا كلام فيه صعود وحدود، وهو يقرب من قول أبي تمام:
أظله البين حتى إنه رجل ... لو مات من شغله بالبين ما علما
وكلاهما طلب مبالغة فصارت استحالة لأنه يأسف على الأسف فصار الآن غير مدلة عن الأسف الثاني، وأبو تمام يذكر أنه لو مات بالبين ما علم، وأي علم له بعد الموت.
وقال المتنبي:
وشكيتي فقد السقام لأنه ... قد كان لما كان لي أعضاء
أصح من هذا قول القائل:
قد صحت واكبدي إذ كان لي كبد ... فالآن قد قطعت من بعدكم قطعا
وقال المتنبي:
مثلث عينك في حشاي جراحة ... فتشابها كلتاهما نجلاء
كان يجب أن يقول: فتشابهتا ولكن العين تأنيثها غير حقيقي ولو أستعمل القياس على قوله لقال: فكلاهما أنجل أو فشابهتا وكلتاهما نجلاء.
وقال المتنبي:
نفذت علي السابري وربما ... تندق الصعدة السمراء
فأخبر أن عينها نفذت عليه السابري يريد الدرع إعلاما بشدة الطعنة وأبان مراده باندقاق الصعدة السمراء وليس هذا من صفات العيون التي توصف بخرق الدروع حتى توصل إلى حشاه جراحه، هذا من صفات السيوف والرماح وخرق الدروع واندقاق الرمح إنما يكون بالتقاء الأجسام وتصادم الأجرام وإنما النظر عرض له تأثير يؤثر في قلبه كما قال ابن المعتز:
عيني أشاطت بدمي في الهوى ... فأبكوا قتيلا بعضه قاتله
وقال آخر:
وسائلي عن يدي حبي ... فقلت قول الشجي المحب
سواد عيني كما أراه ... أسكنه في سواد قلبي
فخبر أن نظر عينه إلى محبوبه أوجب تأثيرا شكاه، هذا هو المعروف من أفعال العيون في القلوب فأما انحراق الدروع على لابسيها فيصلح أن يكون في لقاء الكماة كما قال عنترة:
ومشك سابغة هتكت فروجها ... بالسيف عن حامي الحقيقة معلم
قال البحتري في صفة سيف:
يلقى الوغى، والدرع ليس بجنة ... من حده، والدرع ليس بمعقل
وقال المتنبي:
أنا صخرة الوادي إذا ما زوحمت ... وإذا نطقت فإنني الجوزاء
لو قال:
أنا صخرة إن زوحمت ... ونجم إذا نظق
قيل إن الصخرة لا يضرها ما زاحمها وأنه قصر بكلامه في محل النجم، فلما خصص صخرة الوادي )والجوزاء احتجنا في هذا التخصيص إلى فائدة ولا فرق بين( صخرة الوادي وغيرها ولا بين الجوزاء وغيرها في العلو، وقال: فإذا نطقت فإنني عطارد كان قد دل على ما دلت عليه الجوزاء وخبر عن جلالة النجم وتأثيره في البلغاء والشعراء.
وقال المتنبي:
وإذا خفيت على الغبي فعاذر ... ألا تراني مقلة عمياء
يساويه قول ابن الرومي:
من لا يرى شمس نكهتها ... فقد استفاد عماه لي نيلى
وقال المتنبي:
شيم الليالي أن تشكك ناقتي ... صدري بها أفضى أم البيداء
فقال: أفضى وهو رباعي من أفضى يفضي وكان ينبغي أن يقول: أشد إفضاء فلحن ومعناه أن الليالي تشكك ناقته أصدره أوسع أم البيداء وأسهل من هذا وأقرب وأوضح وأعذب قول ابن الرومي:
يممته بنا المطايا فأفضت ... من فضاء إلى فضاء رحيب
وقد قال البحتري:
ليس الذي حلت )تميم( وسطها )ال ... دهناء( لكن صدرك الدهناء
فنقض باللحن عن مساواتهما، وأتبع هذا بقوله:
فتبيت تسئد مسئدا في نيها ... إسآدها في المهمة الإنضاء
فالإسآد إعداد الليل ومثله الآساد، وقيل الإسآد سير الليل خاصة، والإنضاء المصدر من أنضاه ينضيه: إذا هزله فإذا به وفائدة هذا الكلام، تبيت هذه الناقة كما يسرع تعبها في شحيمها، والمسئد منصوب على الحال منها والإنضاء مرفوع بمسئد والعائد عليه من هذه الحال الهاء في نيها والإسآد منصوب على المصدر والناصب له مسئد لا تسئد وتقديره فتبيت هذه الناقة تسئد مسئد الإنضاء فإسآدها في المهمة، مثاله:

(1/103)


تبيت هند يصلي مصليا عمر ... في دارها كصلاتها في المسجد
أي تبيت على هذه الحال تصلى فمسئد فعل الإنضاء وجرى حالا على الناقة لما تعلق به من ضميرها الذي في نيها كما يقول: مررت بهند واقفا عندها عمرو، وقد جاء بمعنى غير لطيف ولفظ غير شريف وفيه من التعسف والتعجرف ما لو ورد عن الأنوه الأودي: ما أشتغل الناس بإخراج وجهه فكيف بمحدث جاء على ساقة الشعراء.
ولا يخلو أن يكون قال هذا لا يعرف وجه الخلاص فأتعب المحتج له لو عرف ذلك وهو قاصد أن يسأل فيجيب حرصا منه على أن يحسن به الظن في علم العربية ونحن نعلم ضعفه فيها وقد أتى بهذا المعنى أبو تمام فأحسن بأحسن الكلام وأوضح نظام فقال:
رعته الفيافي بعدما كان حقبة ... رعاها وماء الروض ينهل ساكبه
فهذا يرجح لفظه ويفهم معناه وليس فيه من الصعود والحدود ما أوقعنا فيه المتنبي لتعجرفه.
وقال المتنبي:
أنساعها ممغوطة، وخفافها ... منكوحة وطريقها عذراء
فسر هذا بعض الأدباء فقال معناه أنساعها ممغوطة أي ممدودة وقال: خفافها منكوحة قد أدمتها مقارعة الحصى لما تكلفها من ذلك والعذراء البكر ذكر أنه فصل شدة من سيرها وهذا تفسير نحوي غير عالم بالشعر والمعنى أن أبا الطيب أراد أن خفافها من عادتها معاودة قطع هذه الطريق لم يطأها خف يؤلم بسفكها أحد لبعدها أو مخافتها فهي كالعذراء التي ما افتضت فطابق بين المنكوحة والعذراء على وجه الاستعارة، كقول أبي تمام:
يسر بذلك مهر مطل إنه ... ينوي افتضاض صنيعة عذراء
وقال المتنبي:
بيني وبين أبي علي مثله ... شم الجبال ومثلهن رجاء
نصب مثلهن على الحال لأنه نعت نكرة تقدم عليها يريد رجاء مثلهن فلما قدم نعتها عليها كما يقول: فيها قائما رجل.
وقال المتنبي:
وعقاب لبنات وكيف يقطعها ... وهو الشتاء وصيفهن شتاء
أخذ المعنى من البحتري في صفة دمشق:
وكيف لا يحصيها بالهوى ... وصيفها مثل شتاء العراق؟
وقال المتنبي:
لبس الثلوج بها على مسالكي ... فكأنها ببياضها سوداء
نبهه على هذا المعنى الديك في قوله:
مشيب في العيون له بياض ... ولكن في القلوب له سواد
فهذا استخراج معنى من معنى أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه نقل المشيب إلى الثلج وكلاهما أبيض وذكر أن بياضها في عيونهما أسود وهذا من فطنة الشاعر الحاذق ولا يفطن له إلا كل جيد النقد للشعر.
وقال المتنبي:
في خطه من كل قلب شهوة ... حتى كأن مداده الأهواء
اختصر من مديحه على حسن الخط، وقال ابن الرومي:
به أمست الأهواء يجمعها هوى ... كأن نفوس الناس في حبه نفس
وقال البحتري في الخمر:
أفرغت في الزجاج من كل قلب ... فهي محبوبة إلى كل نفس
فهذه أبيات متساوية وهي من استخراج معنى من معنى احتذى عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
قال أبو محمد: وقلت أنا في معناها:
عشقت من لا ألام فيه وما ... يخلو من اللوم كل من عشقا
رأى الورى في سواه مختلف ... وأنت تلقاه فيه متفقا
فكل قلب إليه منصرف ... كأنه من جميعها خلقا
وقال المتنبي:
ولكل عين قرة في قربه ... حتى كأن مغيبه الأقذاء
هذا بيت رديء الصنعة لأن القرة ضدها السخنة وكان ينبغي أن يقول: )لكل عين حلا في قربه( ليكون ضد الأقذاء، كما قال أبو تمام:
فأحلو القذى عن ناظري بأسطر ... يكشفن عن كربات بال بالي
وقال المتنبي:
من يهتدي في الفعل ما لا يهتدي ... في القول حتى يفعل الشعراء
معناه: من يهتدي ما لا يهتدي الشعراء في القول حتى يفعل كأنه إذا رأت الشعراء محاسن قوله اهتدت به فكأنه مأخوذ من قول ابن الرومي:
على أنه من أحسن القول منهم ... مثال ومن أفعالك أمتارها حسنه
ومن قول ابن المعتز:
إذا ما مدحناه استعنا بفعله ... لنأخذ معنى مدحنا من فعاله
وكلام أبي الطيب أخفى وأصعب وكلاهما أرق وأعذب أحق بقولهما.
وقال المتنبي:

(1/104)


وإغارة فيما احتواه كأنما ... في كل بيت فيلق شهباء
فجعل القوافي تغير على ماله حتى كأن في كل بيت فيلقا شهباء أي تغير كما تغير العساكر، وقد قال البحتري:
بكل معلاة القوافي كأنها ... إذا أنشدت في فيلق القوم فيلق
وقال المتنبي:
من يظلم اللؤماء في تكليفهم ... أن يصبحوا وهم له أكفاء
إن كان الممدوح فقد قصر في مدحه لأنه كان ينبغي أن يقول: من يظلم الكرماء في تكليفهم ليدل أن الكرماء دونه وأن شأوه في الكرام لا يلحق ومداه لا يدرك كما قال هو:
أمهجن الكرماء والمزري بهم ... وتروك كل كريم قوم عاتبا
فأما اللئام إن كلفهم أن يكونوا مثله فما كلفهم إلا وهو مقتصد في الكرام إن كلفهم غايته فيه فليس إعجازها إياهم بمدح طائل ولا أدراكم إياه بفخر معجز، والجيد قول البحتري:
أما للعلى من طالب فتمهلا ... ولو طلبنا ما كان مثلك يلحق
فمنع من لحاقه، وقال البحتري:
أيها المبتغي مساجلة )الفت ... ح( تمنيت نيل ما لا ينال
وقال آخر:
إن للناس غاية للمعالي ... وقفوا عندها وأنت تزيد
وقال المتنبي:
ونديمهم وبهم عرفنا فضله ... وبضدها تتبين الأشياء
هذا من قول القائل:
ضدان لما استجمعا حسنا ... والضد يظهر حسنه الضد
ويشبه قوله قول الحصني:
ولم يك لولا الشر للخير حامدا ... كذلك لولا النقص لم يعرف الفضل
ومنه قول ابن المعتز:
وبخيل ذو سخاء ولولا ... بخل هذا ما قيل هذا كريم
وهي معان متساوية فالسابق أولى بها.
وقال المتنبي:
فالسلم يكسر من جناحي ماله ... بنواله ما تجبر الهيجاء
يريد أن السلم يذهب بما غنمه في الحرب من أعدائه وهو غير موضح المعنى، وقد أوضح المعنى أبو تمام في قوله:
إذا ما أغاروا فاحتووا مال معشر ... أغارت عليهم فاحتوته الصنائع
وكرره فقال:
إلى سالب الجبار بيضة ملكه ... وسائله غاد عليه فسالبه
وأعاد ذلك في قوله:
تغدو مع الحرب للأرواح مغتنما ... فإن سئلت نوالا رحت مغتنما
فلفظ أبي تمام أوضح وأرجح فهو أولى بقوله مع التقدم.
وقال المتنبي:
يعطي فتعطي من لهى يده اللهى ... وترى برؤية رأيه الآراء
يريد تعطي العطايا من عطاياه ويروى بحزم رأيه الآراء حازمة، وقد جود البحتري في هذا المعنى وملح فقال:
ملأت يداه يدي، وشرد جوده ... بخلي فأفقرني كما أغناني
حتى لقد أفضلت من أفضاله ... ورأيت نهج الجود حين أراني
ووثقت بالخلف الجميل معجلا ... منه فأعطيت الذي أعطاني
فأتى البحتري من الزيادة في هذا المعنى بما ينوب بعض بيت منه عن بيت أبي الطيب فصار أحق به لزيادة في كلامه ما هو من تمامه.
وقال المتنبي:
وكأنه ما لا تشاء عداته ... متمثلا لوفوده ما شاءوا
هذا في قول النابغة:
فتى تم فيه ما يسر صديقه ... على أن فيه ما يسوء الأعاديا
وقال أبو تمام:
آبو بنى السبل العافين لأبرم ... إذا توافوا ولاقط إذا سألوا
كأنما خلقوا أخلاقهم لهم ... فجاء لا حبس بها ولا بخل
فبيت النابغة مساو بيت أبي الطيب بغير فرق، وقول أبي تمام )كأنما خلقوا أخلاقهم لهم( يشبه: )متمثلا لعفاته ما شاءوا( وزاد أبو الطيب في كلامه ما هو من تمامه فهو أحق بقوله من الذي أخذه.
وقال المتنبي:
يا أيها المجدي عليه روحه ... إذ ليس يأتيه لها استجداء
ينظر إلى قول أبي تمام:
ولو لم يكن في كفه غير نفسه ... لجاد بها، فليتق الله سائله
معناه: لو استجديت روحك لجدت بها، فقد أجدى عليك بها من لم يستجد منك نفسك، وأبو تمام: لو سئلت روحك لجدت بها ثم حذر السائل من طلبها منه. فهما مبنى ومعنى يتناسبان ولأبي تمام زيادة من تحذير السائل الإثم.
وقال المتنبي:
لا تكثر الأموات كثرة قلة ... إلا إذا شقيت بك الأحياء

(1/105)


لأبي الطيب أبيات المثاني ضئيلة المعاني إذا وقع التفتيش منها على اللفظ الهائل لم يظفر منه بطائل كأنها ثياب خلقان لها روعة وليس لها مفتش ومعناه: إذا ذكرت الأموات قلت الأحياء فشفيت بفقدك فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وهو ينظر إلى قول الخنساء:
أمن بعد عمر ومن آل الشريد ... حلت به الأرض أثقالها
أي كأنما كانت مشدودة بحياته فملت بموته أثقالها، وقد روي أن جلت من الجلية أي زينت الأرض أثقالها.
وقال المتنبي:
لم تسم يا هارون إلا بعدما أف ... ترعت ونازعت أسمك الأسماء
فغدوت وأسمك فيك غير مشاركه ... والناس فيما في يديك سواء
هارون اسم أعجمي لا أعلم له أشتقاقا، وهو أسم مستعمل وقد يسمى به الناس قديما وحديثا وليس له بمعنى ينفرد به ولا هو أول من سمى به فكيف صار غير مشارك فيه، ما أعرف ما انفرد به منه ألفظه أم معناه؟ وذكر أن الناس شركاؤه في ماله دون أسمه، والمفهوم قول ابن الرومي:
يا من غدا ماله في الناس مشتركا ... ومن توحد بالمعروف وانفردا
وقال ابن الرومي:
مشترك المال لا يحصله ... محصل الفضل غير مشترك
فجعله مشتركا )في المال( غير مشترك الفضل فأتى بتحسين في المشترك والمحصل.
وقال المتنبي:
وامدحت فلا لتكسب رفعة ... للشاكرين على الإله ثناء
هذا من قول القائل:
فلو كان يستغني عن الشكر ماجد ... لرفعه قدرا أو علو مكان
لما ندب الله العباد بشكره ... فقال اشكروني أيها الثقلان
ولكنه قد جاء بمراده في بيتين وأتى به المتنبي في بيت واحد فاستوفى الطويل في الموجز القليل.
وقال المتنبي:
لم تلق هذا الوجه شمس نهارنا ... إلا بوجه ليس فيه حياء
قال نصر الخبزأرزي:
ولو لم يكن بدر الدجى ذا وقاحة ... لما كان في أرض بها أنت تطلع
قول نصر أعذب ولا زيادة لأبي الطيب بفضله فهو أحق بقوله.
وقال المتنبي:
فبأيما قدم سعيت إلى العلا ... أدم الهلال لأخمصيك حذاء
أدم استعارة ليست عذبه وهي من قول كثير:
وسعى إلى تعيب عزة نسوة ... جعل الإله خدودهن نعالها
فأدم الهلال استعارة وخدود النسوة استعارة وهو مما احتذى عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وقال المتنبي:
ولك الزمان من الزمان وقاية ... ولك الحمام من الحمام فداء
يشبه قول أبي تمام:
وأنا الفداء إذا الرماح تشاجرت ... لك والرماح من الرماح لك الفدا
فهذا البيت وإن اختلفت ألفاظه فهو يشبه الأول في التأليف.
وقال المتنبي:
لو لم تكن من ذا الورى اللذ منك هو ... عقمت بمولد نسلها حواء
)اللذ( بمعنى الذي لغة مستعملة. قال كثير:
فلم أر بيتا كان أكثر بهجة ... من اللذ له من آل عزة زائر
وبيت أبي الطيب فيه تجاوز فائق به عن الأنبياء والأشراف والصالحين. وقال ابن الرومي:
ولأن يهيأ للزمان أولاكم ... إن الزمان بمثلكم لعقيم
وليس هذا مثل ذاك لأن ابن الرومي قال: هذا في زمانه الذي قد ختمت فيه رسالة النبيين ومضى فيه من سلف الصالحين وأبو الطيب ضيق التأول له بذكر )حواء( فلم يدع للمتأول مساغا.
ويتلوها قصيدة أولها: ومنزل ليس لنا بمنزل يقول فيها: أغناه حسن الجيد عن لبس الحلي هذا ينظر إلى قول أبي تمام:
كأن عليها كل عقد ملاحة ... وحسنا وإن أمست وأضحت بلا عقد
وأشار له إلى هذا المعنى ابن الرومي في قوله:
لم يكتحل مقلتها إلا الكحل ... ولا يحلي جيدها إلا العطل
وقال المتنبي: له إذا أدبر لحظ المقبل قال ابن الرومي:
والفؤاد الذكي للمطرق المع ... رض عين يرى بها ما وراء
وقال المتنبي: إذا تلا جاء المدى وقد تلي ينظر إلى قول أبي النجم: فوافت الخيل ونحن بشكله وقال المتنبي: آثارها أمثالها في الجندل كل أثر يشبه ما أثر فيه ولكن المبالغة في تأثيرها في الجندل شديد ونهاية، وقد أتى بتأثير حافر الفرس في الصخر بعض العرب. فقال: أنشده علي بن سليمان الأخفش:

(1/106)


حوافر كالعنبر المفلق ... ينقشن في الصخر صدور الزرق
وقال المتنبي: موثق على رماح ذبل من قول أبي دؤاد:
سلهب شرجب كأن رماحا ... حملته وفي السراة دموج
فجاء بمعناه وزيادة.
وقال المتنبي:
ذي ذنب أجرد غير أعزل ... يخط في الأرض حساب الجمل
وحساب الجمل بأشكال مقصودة لا يرد مثلها بسحب الكلب ذنبه اتفاقا وأيضا فليس توصف الكلاب بسحب الأذناب وربما أستعمل ذلك في الخيل أن أذنابها سائلة فما قيل في ذلك:
جموم الشد شائلة الذنابي ... تخال بياض غرتها سراجا
فأما الكلاب فما ذكر فيها سحب الذنب، وقال أبو نواس: شائلة الأذناب كالسياط.
وقد نحا أبو الطيب تشبيه أبي نواس فقال: لو كان يبلى السوط تحريك بلى وقال المتنبي: وعقلة الظبي، وحتف التتفل استعارته في )عقلة( يبعد عن استعارة سيد الشعراء في قوله:
وقد أغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل
)فقيد الأوابد( هي نهاية حسن الاستعارة.
وقال المتنبي: أفتر عن مذروبة كالأنصل هذا من قول خلف الأحمر
وحية مسكنها الرمال ... كأنها إذا انثنت خلخال
لطرفها في الظلم اشتعال ... كأنما أنيابها نصال
وقال المتنبي: مركبات في العذاب المنزل أنيابها مركبات في أحناكها وهي لا تضر ولا تنفع في الطرد وكان ينبغي أن يقول مركب فيها العذاب المنزل.
وقال المتنبي: كأنه من علمه بالمقتل علم بقراط فصاد الأكحل جعل الكلب مميزا عارفا بالمقاتل وإذا كان معلما لبقراط لم يؤثر له قتل ما يصد بل سلامته وإمساكه على أصحابه حيا لأن مقصد أبقراط في الفصاد سلامة الأجسام وأملح من قوله قول ابن المعتز:
فلما غدت خيلنا للطراد ... جعلنا إلى الدير ميعادها
فقاد مكلبنا ضمرا ... سلوقية طالما قادها
معلمة من نبات الريا ... ح إذا سألت عدوها زادها
هذا الكلام في عدوها والعبارة عنها أنها إذا سألت عدوها زادها في نهاية الملاحة:
وتخرج أفواهها ألسنا ... كشق الخناجر أغمادها
فأمسكن صيدا ولم تدمه ... كضم الكواعب أولادها
فأخبر أنها لا تدمي الصيد وكلب أبي الطيب تعمد مقاتل الصيد، وقد خبرت عن الكلب بمثل ما خبر عنه ابن المعتز فقلت:
لئيم لا يزال يلم وفرا ... لوارثه فيدفع عن حماه
ككلب الصيد يمسك وهو طاو ... فريسته ليأكلها سواه
وقد خص أبو الطيب أسلم العروق والباسليق والقيفال أعظم خطرا وأخرى أن يكون في فصد المقتل أبلغ، فأما قول أبي العباس الناشئ:
يقصد أخذ مفصل من مفصل ... كأنها عالمة بالمقتل
فإن كان أراد معنى أبي الطيب فمنه سرق وإن كان أراد أنها تتجنب مفاصل المقاتل، وتنشب أظفارها فما يسلم منه الصيد فهو ضده وقد ينساغ فيه التأويل لأنه ما أبان مقصده.
وقال المتنبي:
إذا بقيت سالما أبا علي ... فالملك لله العزيز ثم لي
هذا لفظ فيه تجاوز وهو يشبه قول يحيى بن هلال العبدي:
ملك ليس فوقه عز ملك ... ما خلا ذا الجلال والإعظام
ويتلوها قصيدة أولها:
أحلما نرى أم زمانا جديدا ... أم الخلق في شخص حي أعيدا
عجزه في قول أبي نواس:
وليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
وصدره من معنى آخر يزيد على بيت أبي نواس.
وقال المتنبي:
تجلى لنا فأضاءنا به ... كأنا نجوم لقينا سعودا
قال ابن الرومي:
طلعت فيه طلوع البدر وافقه ... طلوع سعد فوافاه لميعاد
وقال البحتري:
وكالبدر وافاه لوقت سعوده ... فتم سناه واستهلت منازله
وقال المتنبي:
أمير أمير عليه الندى ... جواد بخيل بأن لا يجودا
هذا البيت الملفق من بيتين أما أحدهما فقول أبي تمام:
ألا إن الندى أضحى أميرا ... على مال الأمير أبي الحسين
وباقيه من قول البحتري:
وبخيل بالعرض تصدر منه ... جمل النيل عن جواد بخيل

(1/107)


ولكنه قد استوفى الطويل في الموجز القليل.
وقال المتنبي:
يحدث عن فضله مكرها ... كأن له منه قلبا حسودا
ينظر إلى قول أبي تمام:
وكأنما نافست قدرك حظه ... وحسدت نفسك حين إذ لم تحسد
وقال ابن الرومي:
إن كان يحسد نفسه أحد ... فلا زعمتك ذلك الأحدا
يوم يثار به ندى غده ... لا زال دأبك هكذا أبدا
وقال المتنبي:
كأن نوالك بعض القضاء ... فما تعط منه نجده جدودا
معنى هذا البيت وذلك أنه يريد كأن نوالك بعض القضاء فإذا وصلت أحدا ببر سعد به وشرف فصار جدا له ثم جمع جدا، وهذا كلام ضعيف قد قصر به دون إرادته فكأن كل القضاء للناس جدودا فإذا صار نواله بعضه صار جدا لمن ناله والقضاء جار على الخلق ومنهم المجدود والمحروم. وقد أخذ هذا المعنى من أبي تمام ومسخه وماسخه وذلك قوله:
تدعى عطاياه وفرا وهي إن شهرت ... كانت فخارا لمن يعفوه مؤتنفا
ما زلت منتظرا أعجوبة عننا ... حتى رأيت سؤالا يجتني شرفا
وقال أبو خالد المهلبي:
شرف للشريف منك نوال ... كم نوال تعافه الأحرار
والشعر إن أحسن من شعره ولأصحابها فضل التقدم.
وقال المتنبي:
وربتما حملة في الوغى ... رددت له الذبل السمر سودا
الذي جرت به العادة أن يوصف الدم بالحمرة، كما قال عمرو بن كلثوم:
بأنا نورد الرايات بيضا ... ونصدرهن حمرا قد روينا
فأما إقامة الشاهد على صفة الدم بالحمرة فلا معنى له لأن المشاهدة فيه تنوب عن الخبر، فأما صفته بالسواد فسمعته في شعر منصور النمري:
يروى بكفيه صدور القنا ... من علق الراية مسود
وأظنه يكون من كسل الطاعن لا يمسح قناته حتى يجمد عليها الدم فيعبر عن حمرته إلى السواد وذلك يثنى حد شبائها.
وقال المتنبي:
وهول كشفت ونصل قصفت ... ورمح تركت مبادا مبيدا
ولو أمكنه مبيدا مبادا كان أجود لأنه إنما يندق في المطعون بعد الطعن فبيده ويبيد بالاندقاق وذكر الهول حشو وكان ينبغي أن لا يخرج عن ذكر السلاح وأن يقول:
ودرع هتكت ونصل قللت ... ورمح تركت مبادا مبيدا
وقوله: مبادا مبيدا بمعنى قول أبي تمام:
وما كنت إلا السيف لاقى ضريبة ... فقطعها ثم انثنى، فتقطعا
والعبارة عن السيف بالتقطع وعن الرمح بالتقصف أشبه، وأظن أبا تمام أخذ المعنى والبعيث في قوله:
وإنا لنعطي المشرفية حقها ... فتقطع في أيماننا وتقطع
وقال المتنبي:
ومال وهبت بلا موعد ... وقرن سبقت إليه الوعيدا
يشبه قول البحتري:
يمضي المنايا دراكا ثم يتبعها ... بيض العطايا، ولم يوعد ولم يعد
وقد خالفهما ابن الرومي فقال:
تعطي الجزيل بلا وعد تقدمه ... ولا تعاقب إلا بعد إبعاد
وكلام ابن الرومي أصح وأرجح وهو يوافق أدب الله عز وجل في أنه لا يعد إرسال الرسل والنبيين كما قال: )وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون(.
وقال المتنبي:
بهجر سيوفك أغمادها ... تمنى الطلى أن تكون الغمودا
تفسير هذا الكلام أن سيوفك لا ترجع إلى أغمادها بل تضرب بها أعناق أعدائك دائما فتتمنى الأعناق أن تكون غمود سيوفك حتى لا تجتمع معها أبدا وأتبعه بقوله:
إلى الهام تصدر عن مثله ... ترى صدرا عن ورود ورودا
معناه: أبدا سيوفك تصدر عن هام إلى هام أخرى فهي إذا صادرة عن هام واردة هاما فينبغي أن يكون هذا الممدوح لا يفتر ساعة عن لقاء أعدائه ولا تستقر سيوفه في أغمادها. وهذه معان فخمة المسموع ضئيلة المنفوع ولأنه من ذكرها لنفي لضماننا في الكتاب إنا نخلط السرقات غيرها من ذكر الغث والمحالات واللجون الواردات.
وقال المتنبي:
قتلت نفوس العدا بالحد ... يد حتى قتلت بهن الحديدا
العبارة بالقتل عن الحديد غير مليحة ولكنه يريد التقطع، وما أراد إلا معنى أبي تمام في قوله:
وما كنت إلا السيف لاقى ضريبة ... فقطعها ثم انثنى فتقطعا
فتقطع الحديد أحسن عبارة من قتله.
وقال المتنبي:

(1/108)


فأنفذت من عيشهن البقاء ... فأفنيت مما ملكت النفوذا
يشبه كلام أهل التصوف ومعناه والله أعلم: أنك أنفدت بقاء نفوس العدى وأبقيت نفاد ما تملكه )من( النقود والنافد عدم لا يعبر عنه بناف، هذا كلام غير محصل ولفظ لا يعقل.
وقال المتنبي:
كأنك بالفقر تبغي الغنى ... وبالموت في الحرب تبغي الخلودا
قال الوائلي:
تأتي الوغا عجلا كأنك تبت ... غي طول البقاء من الفناء الأعجل
وقد زاد أبو الطيب عليه بمعنى آخر فهو بالزيادة أحق، وقال أبو تمام:
يستعذبون مناياهم كأنهم ... لا ييأسون من الدنيا إذا قتلوا
ويتلوها قصيدة أولها:
أبعد نأي المليحة البخل ... في البعد ما لا تكلف الإبل
معنى البيت: أن بخلها أبعد من نأيها عني لأن بعد الديار تكلفه الإبل فيقربه وبعد القلوب لا يقدر على تقريبه الإبل وأول من أشار إلى هذا المعنى المثقب في قوله:
أفاطم قبل بينك متعيني ... ومنعك ما سألت كأن تبيني
وقال أبو تمام:
فعلام الصدود في غير جرم ... والصدود الفراق قبل الفراق؟
وقال الآخر:
تدنو الديار وأنت تبعد جاهرا ... وإذا القريب جفاك وأنت بعيد
ومما يدل على إرادته فيه واختصار الإشارة في لفظ شريف ومعنى لطيف القائل وأظنه أبا ذؤيب في قوله:
فما ساكنات عند منقطع اللوى ... بأبعد من ليلى وهاتيك دارها
وجميع هذا البيت إذا قيست إلى بيته كان من نقل العذب من القوافي إلى المستضعف الجافي والسابقون مع التقدم أولى به.
وقال المتنبي:
ملولة ما يدوم ليس لها ... من ملل دائم بها ملل
أطلق مللها ما يدوم، وأنه لا ملل لها من ملل دائم فقد صار كلامه يشبه قول ابن الرومي:
ليكفك من رجعات الملول ... فإن الملول يمل الملالا
ويشبه قول القائل:
لا تأمنن الدهر ذا ملة ... أحدث بعد الوصل هجرانا
يمل هذا مثل ما مل ذا ... فيرجع الوصل الذي كانا
وقال المتنبي:
كأنما قدها إذا انفتلت ... سكران من خمر طرفها ثمل
قد ملح بأن جعل قدها سكران من خمر طرفها فزاد في المعنى ما هو من تمامه وإلا فقد سبقه الشعراء إلى تشبيه القدود بانفتالها وتثنيها بقدود السكارى فأولهم عمرو بن كلثوم:
إذا ما رحن يمشين الهوينى ... كما اضطربت متون الشاربينا
وآخرهم من المحدثين البحتري:
توهمتها ألوى بأجفانها الكرى ... كرى النوم، أو مالت بأعطافها الخمر
ذكر )كرى النوم( حشو وليس فيه إخبار بأن حشوها سكر من خمر طرفها، فصار لأبي الطيب زيادة في كلامه ما هو من تمامه.
وقال المتنبي:
بي حر شوق إلى ترشفها ... ينفصل الصبر حين يتصل
فيشبه لفظ هذا البيت في الملاحة لفظ القائل:
وليست بذكرى تارة بعد تارة ... ولكنها موصولة مالها فصل
وأغرب أبو الطيب بقوله:
ومهمه جبته على قدمي ... تعجز عنه العرامس الذلل
لأن قطع المهامه على الأرض من صفات الفتوح فأما قطعها على الإبل فمن عادة العرب، كما قال مسلم:
وبولدة لمطايا الركب منضية ... أنضيتها بوحيف الأنيق الذلل
وقال المتنبي:
بصارمي مرتد، بمخبرتي ... مجتزئ، بالظلام مشتمل
ولو قال:
بصارمي مرتد وملتحف ... وبعزمتي بالظلام مشتمل
كان أجود في الصنعة لتكون الثلاثة الألفاظ من جنس واحد ارتداء والتحاف واشتمال.
وقال المتنبي:
إذا صديق نكرت جانبه ... لم تعيني في فراقه الحيل
يقرب من قول أبي نواس:
كذاك إني إذا رزئت أخا ... فليس بيني وبيني شيب
وقال البحتري:
وإذا الفتى لزم التباعد واكتسى ... كبرا علي فلست من أصحابه
وقال أيضا:
وإذا ما تنكرت لي بلاد ... أو صديق فإنني بالخيار
وقال المتنبي:
في سعة الخافقين مضطرب ... وفي بلاد من أختها بدل
قال ابن حازم:
الله قد عود الحسنى، فما برحت ... عندي له نعم تترى وتتصل

(1/109)


إن ضاق بي بلد هيا له عوضا ... وإن جفاني صديق كان لي بدل
وقال أبو دلف:
عن كل أرض نبت بالحر مضطرب ... في غيرها وله من أهلها بدل
وقال الحصني:
وإن منزل ضاقت عليك عراصه ... فلم تضق الدنيا ولا سدت السبل
وهذه تدخل في قسم المساواة. ومن الخروج المليح إلى ما أراد من المديح قوله:
وفي اعتماد الأمير بدر بن عما ... ر عن الشغل بالورى شغل
وقال المتنبي:
هان على قلبه الزمان فما ... يبين فيه غم ولا جذل
هو من قول هرمة:
ولست بمفراح إذا الدهور سرني ... ولا جازع من صرفه المتقلب
وقال البحتري:
قليل السرور بالكثير يناله ... فتحسبه وهو المظفر، مخفقا
وهذه أبيات متساوية فالسابق أولى بها من السارق.
وقال المتنبي:
يكاد من طاعة الحمام له ... يقتل من ما دنا له أجل
قال ابن أبي عيينه:
متى أغضب على قوم يموتوا ... ولم يترك لهم أجلا كتاب
وهو يساويه في مبناه ومعناه والسابق أحق به.
وقال المتنبي:
أشفق عند أتقاد فكرته ... عليه منها أخاف يشتعل
وقال البحتري:
وكأن الذكاء يبعث منه ... في سواد الأمور شعلة نار
وقال ابن الرومي:
وإن عنت بذهاب الرأي معضلة ... أذكى فطنا أذكى من اللهب
وقال المتنبي:
أغر أعداؤه إذا سلموا ... بالهرب استكثروا الذي فعلوا
قوله: )أغر( لا يشبه ما تبعه من الكلام إنما ينبغي أن يقول: )يقطان أعداؤه إذا سلموا( أو كان أشبه هذا اللفظ في معنى الشجاعة وهو من قول إبراهيم السواق:
سماؤك تمطر الذهبا ... وحربك يلتظي اللهبا
وأي كتيبة لاقت ... ك إلا تحسن الهربا
واستكثارهم ما فعلوا في الهرب مساو لاستحسانهم.
وقال المتنبي:
يقبلهم وجه كل سابحة ... أربعها قبل طرفها تصل
لأبي الخير الثعلبي عند سماع هذا البيت مجون مضحك وهو أن قال هذه كانت عينها في إستها، وأنا أقول هذه مبالغة وإن كانت مفرطة مستحسنة للأدباء دون بعضهم وهو من قول أبي نواس:
يسود ويبق لا تذم صحبته ... لا تسبق الوثبة منه نظرته
مثل هذا لابن المعتز:
فخطو عدوته كخطو نظرته ... وخطو نظرته من قصده دان
وهذان جعلا نظره وعدوه سواء وذلك ذكر أن أربعه تصل قبل طرفه، فهو أشد مبالغة وكذلك قول ابن الحاجب:
يكون خطو يديها مد نظرتها الق ... صوى إذا خلطت وخذا بتهويد
وقال ابن المعتز:
وإني لتندى لسلمى يدي ... بنيل وتندى لحربي بدم
سبقت عدوي إلى مفخري ... لسبقك باللحظ خطو القدم
وقال المتنبي:
إن أدبرت قلت لا تليل لها ... أو أقبلت قلت مالها كفل
من صفات التليل أن يرتفع حتى يغطي الراكب والكفل فأما الكفل فلا يوصف بالارتفاع حتى يغطي التليل إلا أن يكون موقوصه قد غاب عنقها في صدرها، والمعتاد في هذا قول الوائلي:
إذا أتى مقبلا أبصرت هاديه ... كأنه راكب قدام راكبه
وقال البحتري:
وكأن فارسه وراء قذاله ... ردف، فلست تراه من قدامه
فلا يظن أبو الطيب أنه قد زاد في المعنى بل قصد وذكر كثرة الرجال، وتضايقهم فقال:
بمنعها أن يصيبها مطر ... شدة ما قد تضايق الأسل
تضايق الأسل لا يمنع من وقوع المطر إذ الرماح ليس لاشتباكها من الأجرام ما يستر مطرا عن حامليها وبين الرمح والرمح من جسم الفرس والفارس ما يبعد بين الرمحين وقول ابن الرومي أبين:
فلو حصبتهم بالفضاء سحابة ... لظل عليهم حصبها يتدحرج
وهذا أشد إمكانا لأن الرجال إذا تضايقوا وعليهم البيض وقع عليها البرد وتدحرج وليس المانع كالجامد ولا رؤوس الناس كرؤوس الرماح.
وقال المتنبي:
يا بدر يا بحر يا غمامة يا ... ليث الثرى يا حمام يا رجل
هذه كلها أوصافه يجمعها رجل أي قد اجتمعت فيك فهو يشبه قول مسلم:
كأنه قمر أو ضيغم هصر ... أو حية ذكر أو عارض هطل
وأنشد ابن قتيبة لبعض الخوارج:

(1/110)


يلقاك تحت عجاج الموت مبتسما ... كالغيث والليث إلا أنه رجل
إذا بدا قلت مخلوقا بغير قفا ... وتحته سابق ما أن له كفل
وقال ابن دريد:
عزم هو السيف إلا لأنه عرض ... يمضي به الليث إلا أنه رجل
وكل هذه الألفاظ متقاربات المعاني والسابق أولى بها وإن لم يكن مقصده ما فسرنا وأراد به أنه رجل بعد هذه الصفات أي فيه شهامة ورجولة وهو بارد.
وقال المتنبي:
إن البنان الذي تقلبه ... عندك في كل موضع مثل
)عندك( حشو فارغ ولم يشرح فيما هو مثل ولو قال:
إن البنان الذي تقلبه ... في جوده بالذي حوى مثل
استراح من الحشو وأبان المثل الذي أتى به لأنه قد يمكن أن يكون مثلا في الجود أو في غيره ولم يتبع ذلك بما يشرح مقصده كما قال إبراهيم بن العباس:
لفضل بن سهل يد ... تقاصر عنها المثل
فباطنها للندى ... وظاهرها للقبل
وقال المتنبي:
قلوبهم في مضاء ما امتشقوا ... قاماتهم في تمام ما اعتقلوا
قال الوائلي:
أخذوا مضاء البيض لكن أسرفوا ... في الأخد من طول الرماح الذبل
وهذان البيتان يتساويان مبنى ومعنى فالسابق أولى بما سبق إليه.
وقال المتنبي:
أنت نقيض اسمه إذا اختلفت ... قواضب الهند والقنا الذبل
وأتبعه:
أنت لعمري البدر المنير ول ... كنك في حومة الوغى زحل
إن كان البدر من السعود المشهورة بالسعادة دون غيره ما صح معناه وإلا لم يكن رجلا والمعنى الصحيح قول ابن الرومي:
عطارده ما أخبت الحرب نارها ... ومريخها ما دامت الحرب توقد
وهذا قصد فقصر وابن الرومي أحق بما سبق إليه. وقال المتنبي:
كتيبة لست ربها نفل ... وبلدة لست حليها عطل
وقال البحتري:
وكأن سراج الأرض، والأرض مظلم ... قراها، وحلى الدهر فالدهر عاطل
وهو يساويه، والبيتان يجمعان تشبيهين بتشبيهين والأول أحق بقوله.
وقال ابن المعتز:
وعلى الزمان مصابه ... ما للزمان به بدل
قد كنت حليته فأل ... قاها فبان به العطل
وقال المتنبي:
قصدت من شرقها ومغربها ... تي اشتكتك الركاب والسبل
يشبه قول أبي العتاهية:
إن المطايا تشكيك لأنها ... قطعت إليك سباسبا ورمالا
فإذا وصلن بنا وصلن خفائفا ... وإذا صدرت بنا صدرن ثقالا
وقال المتنبي:
مددت في راحة الطيب يدا ... وما درى كيف يقطع الأمل
ليس قطع عرق الفاصد مما يقطع الأمل منه إلا أن يكون سببا لموته لا لنفعه وقد قال ابن المعتز:
إنما غرق الطبيب شبا ال ... مبضع في نفس مهجة الإسلام
وقال غيره:
يد الندى هي فأحذر لا ترق دمها ... فإن أرزاق طلاب الغنى فيها
وهذا أسوغ من قول أبي الطيب أعني قول ابن المعتز لأنه خبر بتغريق المبضع الذي يجوز أن يكون سببا لمضرة أمام أهل الإسلام، فأما البيت الثاني فقد ألم أبو الطيب بمعناه لأنه أمر أن يحذر على دم يده أن يراق لأنها سبب الأرزاق وهي مبالغة بغير حقيقة أثرى أرزاقهم من دم مفاصل الممدوح فإن كان ذلك من الخوف من ضرر يلحق النفس جاز أن يضر ذلك بأرزاق من هو سبب لرزقه.
وقال المتنبي:
إن يكن النفع ضر باطنها ... فربما ضر ظهرها القبل
النفع لا يضر إنما يجب أن يقول: طلب النفع وما ضر القبل لظاهرها لو دامت عليها ليلا ونهارا ولو قال: إن يكن القصد ضر باطنها كان أحسن وقال ابن الرومي:
أصبحت بين خصاصة وتحمل ... والمرء بينهما يموت هزيلا
فأمدد إلي يدا تعود بطنها ... بذل النوال وظهرها التقبيلا
فقال: تعود ولم يقل ضر وأتى بملاحة تقسيم ومثله ما قدمناه من قول إبراهيم بن العباس وكل من يعبر عن القبل بمضرة.
وقال المتنبي:
أبلغ ما يطلب النجاح به الطب ... ع وعند التعمق الزلل
وقال صالح بن جناح:
فدع التعمق في الأمور فإنما ... قرن الظلام بكل من يتعمق

(1/111)


جاء صالح بما نكر فيه التعمق في بيت كامل وجاء أبو الطيب بمراده في عجز بيت وفي بقيته بمعنى هو من تمامه فهو أحق بما قال.
وبعدها قصيدة أولها:
بقائي شاء ليس هم ارتحالا ... وحسن الصبر زموا لا الجمالا
أما صدره فبين التكلف ظاهر التعجرف وأخذه من أبي تمام:
قالوا الرحيل فما شككت بأنها ... روحي عن الدنيا تريد رحيلا
وهذا من نقل اللفظ العذب إلى المستكره الصعب وما يقي أختصاره بيت أبي تمام في نصف بيت بما جنى من مسخ معناه لا نسخه فأبو تمام أحق بمعناه، وباقي البيت من قول الديك:
ظل حاديهم يسوق بروحي ... ورأى أنهم يسوق الركابا
وقال غيره:
هلا سألت حداتهم يوم النوى ... أحدوا ببينك أم حدوا بفؤادي
هذا النصف البيت يجري مجرى الأول وكلام غيره أعذب وكلام غيره أخفى وأصعب والسابق أولى منه ولا يحتسب له باختصار الكلام مع خفاء النظام.
وقال المتنبي:
فكان مسير غيرهم ذميلا ... وسير الدمع إثرهم انهمالا
وهو في معنى قول البحتري:
إن سير الخليط لما استقلا ... كان عونا للدمع حتى استهلا
وقد ألم بمعنى هذا الكلام، فأما قول ابن الرومي:
لهم على العيس إمعان يشط بهم ... وللدموع على خدي إمعان
فهو يساويه.
وقال المتنبي:
كأن العيس كانت فوق جفني ... مناخات فلما ثرن سالا
ليس بروك العيس على الأجفان مما يتوهم ولكنه أراد أن تثوير العيس كان قرين انحدار دمعه كأنها كانت تحبسه كما قال ابن المعتز:
ما بال ليلي لا يرى فجره ... وما لدمعي دائما قطره
أستودع الله حبيبا نأى ... ميعاد دمعي أبدا ذكره
وقد أنشدني بعض المتعصبين على أبي الطيب بيتا زعم أنه لمتقدمي الزمان لم يذكره لي قال:
إن الجمال على جفوني برك ... فإذا أثرن أقامت المحبوسا
ولست على ثقة من روايته لظهور عصبيته فإن كان صادقا فقول أبي الطيب أحسن لأن مبناه أعذب ومعناه أصوب وقال هذا )إن( فحقق كما يحقق التشبيه فيه فكيف التحقيق له.
وقال المتنبي:
لبسن الوشي لا متجملات ... ولكن كي يصن له الجمالا
قال أبو تمام:
وتنوا على وشي الخدود صيانة ... وشي البرود بمسجف وممهد
وقال ابن الرومي:
يكسي الثياب صيانة وحجابة ... وهو الحقيق بأن يصان ويحجبا
وكلاهما أشار إلى مراد أبي الطيب ولكنه في المعنى أوضح وعبارته أحلى وأرجح على أن اللباس لمن أراده صيانة وخبر هو أنهن غير متجملات ولكن صين باللباس جمالهن فكشف ما كان مستورا فهو أحق بما أخذ.
وقال المتنبي:
وضفرن الغدائر لا لحسن ... ولكن خفن في الشعر الضلالا
أراد أنهن خفن الضلال في شعورهن لكثرتها ولو كانت شعورهن من الآجام ما خيف عليهن الضلال فيها والممكن الذي فيه قصد وتنبيه قول القائل:
تقول يا غمنا نفي جوانبه ... ويلي بليت وأبلى جلدي الشعر
مثل الأساود قد أعيا بواسطه ... يضل فيه مداريه وينكسر
فضلال المداري أسوغ من ضلال الشخص.
وقال المتنبي:
بجسمي من برته فلو أصارت ... وشاحي ثقب لؤلؤة لجالا
نبهه على هذا أبو تمام في قوله:
من الهيف لو أن الخلاخل صيرت ... لها وشحا جالت عليها الخلاخل
جعل أبو تمام الخلخال إذا كان وشاحا لها كان جائلا، وصير أبو الطيب ثقب اللؤلؤة لو كان وشاحا لها لجال وهذا من توليد كلام من كلام معناهما متفق ولفظهما مفترق وقد ولد كلام ابن الرومي فقال:
من الهيف لو شاءت لقامت بكأسها ... وخاتمها في خصرها متختم
والمعنى يفتح المعنى وقد بالغ الخبزأرزي في قوله:
كل الهوى صعب ولكنني ... بليت بالأصعب من أصعبه
قد كان لي قبل الهوى خاتم ... والآن لو شئت بمنطقه
وذبت حتى صرت لي وزج بي ... في ناظر الوسنان لم ينتبه
يا من إذا أقبل قال الورى ... هذا أمير الجيش في موكبه
فشارك ابن الرومي في معناه ولكنه أفسد قوله بزج بي لأنها هجينة يستعملها المولدون.
وقال المتنبي:

(1/112)


ولولا أنني في غير نوم ... لبت أظنني مني خيالا
قوله: )أظنني مني( يشبه كلام أهل التصوف خذني مني وغيبني عني، وأما تشبيهه شخصه بالخيال فقد قال الراضي بالله أنا أذكرها بكمالها:
قلبي لا يقبل المحالا ... وأنت لا تبذل الوصالا
ضللت في حبكم فحسبي ... حتى متى أتبع الضلالا
قد زارني منكم رسول ... فزار إذ زارني خيالا
رأى خيالا على فراشي ... وما أراه رأى خيالا
خبر أن الرسول رأى منه خيالا على الفراش ثم شك في رؤيته ودفع بالظن صحة ما أخبر به فصار أرجح كلاما.
وقال المتنبي:
بدت قمرا، ومالت خوط بان ... وفاحت عنبرا، ورنت غزالا
ووقوع )فاحت عنبرا( بين هذه التشبيهات التي هي أعضاء قلة صنعة وضيق عطن بما يليق في البيت ولو قال: )وماجت لجة( يريد ردفها كان البيت كله تشبيهات وكان أحسن في صنعة الشعر ولو جعل البيت بثلاثة تشبيهات فقال: )تثني ما بدا ورنت غزالا( لاكتفى بذلك وجميع البيت موجود في قول ابن الرومي:
إن أقبلت فالبدر لاح وإن مشت ... فالغصن مال وإن رنت فالريم
وقال البحتري:
فهي الشمس بهجة، والقضيب ال ... غض لينا، والريم طوقا وجيدا
وهذه معان متداولة مستعملة ولكن إذا بسط لأحدها فلا بد من إخراج مواضعها ومع ذلك فقد عرفتك نقصان صنعته فيها وكلاهما بالسلامة من مطعن أرجح وهما أولى بما قالا.
وقال المتنبي:
كأن الحزن مشعوف بقلبي ... فساعة هجرها يجد الوصالا
معكوس هذا من قول ابن أبي فنن:
أعرني ما تكون بي الليالي ... إذا ما قيل قد وصل الحبيب
وقوله أيضا:
فإذا هجرت يعود بي سقمي ... وإذا وصلت برأت من سقمي
وقال المتنبي:
كذا الدنيا على من كان قبلي ... صروف لم يدمن عليه حالا
يشبه قول القائل:
أصبر لدهر نال منك ... فهكذا مضت الدهور
فرح وحزن مرة لا ... الحزن دام ولا السرور
فهكذا مضت الدهور، كذا مضت الدنيا على من كان قبلي وقوله: )لا الحزن دام ولا السرور( هو صروف لم يدمن عليه حالا ولكنه قد استوفى الطويل في الموجز القليل، وقد أختصر أبو العتاهية كاختصاره فقال:
دار سوء لم يدم فرح ... لامرئ فيها ولا حزن
فساواه مبنى ومعنى.
وقال المتنبي:
أشد الغم عندي في سرور ... تيقن عنه صاحبه انتقالا
هذا من قول ابن الرومي:
إذا طاب لي عيش تنغصت طيبه ... يصدق نفسي أن سيذهب كالحلم
ومن كان في عيش يراعي زواله ... فذلك في بؤس وإن كان في نعم
وقال ابن المعتز:
ما أعجب الدهر في تصرفه ... ونقل سلطاته ودولته
من كان يدري أن النعيم إلى ... بؤس رأى الهم في مسرته
أما ابن الرومي فإنه إن كان جاء بمراده في بيتين فإنه قد زاد في كلامه ما هو من تمامه والمعنى في شعر ابن المعتز في البيت الثاني يساوي قول أبي الطيب فقد أستحقه عليه.
وقال المتنبي:
)على( قلق كأن الريح تحتي ... أوجهها جنوبا أو شمالا
ينظر إلى قول القائل:
فلو أني استطعت هوى وشوقا ... ركبت إليك أعناق الرياح
وقال المتنبي:
إلى البدر بن عمار الذي لم ... يكن في غرة الشهر الهلالا
لم ينون عمارا فإن كان ذهب إلى قول الفراء وهو المعروف فقد ذهب مذهبا لأنه يقول: إن حقها لا تصرف لثقلها وأستشهد على ذلك بقوا الشاعر:
لمصعب عند جد الأ ... مر أكثرها وأطيبها
وقد روى الكوفيون:
لما عصى مصعب أصحابه ... أدى إليه الكيل صاعا بصاع
وقال الأصمعي: لأنه لما عصى أصحابه هرب من ترك الصرف وجميع البصريين لا يجيزون ترك صرف ما لا ينصرف هذا إذا فتح عمار فإن كسره فلا وجه إلا على قول عبد الله بن قيس الرقيات:
تذهل الشيخ عن بينه وتبدي ... عن راها العقيلة العذراء
ويرجع إلى المعنى، وقد قال ابن الرومي:
وكل هلال فهو غرة شهره ... ووجهك فينا غرة الشهر والشهر

(1/113)


ذكر أبو الطيب أنه في سائر زمانه بدر ولم يكن هلالا على حال وجعله ابن الرومي هلالا وغرة الشهر فنقصه عن مرتبته عند أبي الطيب ولكن قد قال ابن أبي عون الكاتب:
لقد جانا الأفق الغربي ... بدر ما كان قط هلالا
فساوى أبا الطيب ومن المليح الزيادة البين الإفادة قول ابن الرومي:
أيها البدر لا تزل في كمال الأمر ... بدرا وفي السماء هلالا
فأغرب وزاد على الجماعة.
وقال المتنبي:
ولم يعظم لنقص كان فيه ... ولم يزل الأمير ولن يزالا
ولو قال: )ولم يكمل لنقص كان فيه( لأجاد الكمال ضد النقص، وليس العظم ضده، وأما الصنعة فقد قال البحتري:
وإني لم أزل كلفا بليلى ... على رغم الوشاة، ولن أزالا
فهذا من استخراج معنى من معنى أتذى عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وقال المتنبي:
بلا مثل وإن أبصرت فيه ... لكل مغيب حسن مثالا
قال فيه مثال لكل حسن وهو مع ذلك بغير مثال كأنه يجمع ما في غيره من المحاسن فيه ولا يكمل في غيره جميع ما فيه، وهذا كأنه يشبه قول القائل:
من فيه ما فيكم من كل صالحة ... وليس في كلكم ما فيه من حسن
وقال المتنبي:
حسام لابن رائق المرجى ... حسام المتقي أيام صالا
وأتبعه بأن قال:
سنان في قناة بني معد ... بني أسد إذا دعوا النزالا
)حسام المتقي( معنى معروف. وقوله )أيام صالا( حشو غث فارغ كأنه إنما يكون حسامه في أيام صولته ويسقط عنه هذا الاسم في غيرها وقد جمع منصور النمري بيته في بيته فقال:
فكنت قناة ثابتا في سنانه ... وسيفا له غضبا يقر الهواديا
فاختصر الطويل في الموجز القليل وسلم من الحشو الفارغ فهو أحق بقوله.
وقال المتنبي:
يكون أحق ثنائي عليه ... على الدنيا وأهليها محالا
قال أبو تمام:
إلى واحد الدنيا الذي لو بمدحه ... مدحت بني الدنيا كفتهم فضائله
فخبر عنهم بالاكتفاء بفضائله، وقال أبو الطيب تكون من الحق من الثناء على الممدوح إذا مدحت به الدنيا وأهليها محالا لأنه إفراط يستحيل كونه مثله فهو أشد مبالغة منه فهو بذلك أرجح وأمدح وأولى بما أخذ.
وقال المتنبي:
ويبقى ضعف ما قد قيل فيه ... إذا لم يترك أحد مقالا
تحديد الضعف سديد يتضح لمن وازن بين الفضائل حتى عرف أن الباقي معه منها بمنزلة الماضي وهذا تبعد والممكن ما قاله ابن أبي حفصة:
ولا بلغ المداح في الوصف غاية ... وإن أطنبوا إلا الذي فيك أفضل
وقال أشجع:
وما ترك المداح فيك مقالة ... ولا قال إلا دون ما فيك قائل
وقال أبو العتاهية:
ما قلت في فضله شيئا لأمدحه ... إلا وفضل يزيد فوق ما قلت
هذا هو المدح المعتاد فوق ودون وأكثر فأما ذكر الضعف فيحتاج إلى تعب حتى تعلم حقيقته.
وقال المتنبي:
فيا بن الطاعنين بكل لدن ... مواضع يشتكي البطل السعالا
ذهب إلى قول كثير:
وأقم أن حبك أم عمرو ... لدى عند منقطع السعال
وقال المتنبي:
وقالوا هل يبلغك الثريا ... فقلت نعم إذا شئت استفالا
هذا من محالاته لأن القوم سألوه هل يبلغوه الثريا إلا وهو دونها فكيف يبلغ ما هو أعلى منه إذا شاء يستفل ولو قال: )اقتصادا( لو أمكن ذلك وإذا طلبت دون أملي فيه أوطى بهمته في رفع منزلتي، وأحسن من قوله قول البحتري:
إذا ذكروا بشهرة يوم فخر ... تناسيت النباهة والخمول
قصير المشهور خاملا بالقياس مبالغة ورجحانا على صير الصعود استفالا.
وقال المتنبي:
هو المفني المذاكي والأعادي ... وبيض الهند والسمر الطوالا
إسكانه الأعادي من ضروراته الجائزة في الشعر وجاء بعد بيته بما عطفه على المذاكي كقوله:
وقائدها مسومة خفافا ... على حي تصبحه ثقالا
قال أشجع:
بسيوف ورين من قيس غيلا ... ن ثقال على العدو خفاف
وتبعه ابن أبي زرعة فقال:
إن عندي منها حساما على الها ... م ثقيلا وفي الأكف خفيفا

(1/114)


وهذا من استخراج معنى من معنى أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه جعل المذاكي مكان السيوف في قول غيره، والسابق أولى به.
وقال المتنبي:
جوائل بالقنى مثقفات ... كأن على عواملها الذبالا
قال ابن الرومي:
كان الزجاج اللهذميات بالضحى ... فتيل بأطراف الرديني مسرج
فاكتفى أبو الطيب بفهم المخاطب لمراده، وأحتاط ابن الرومي بمسرج، وأصل هذا التشبيه قول الضحاك بن عمارة:
بكل رديني كأن سنانه ... سنا لهب لم يتصل بدخان
وقال المتنبي:
إذا وطئت بأيديها صخورا ... يفئن لوطء أرجلها رمالا
هذا يساوي قول ابن المعتز:
أمراء قادوا أعنة جيش ... يترك الصخر خلفه كالكثيب
وقال المتنبي:
جواب مسائلي أله نظير ... ولا لك في سؤالك لا ألا لا
أخذه من قول المعتز بالله:
قال العشائر هل بصرت بمثله ... أم هل سمعت به فقلت ألا لا
وقال المتنبي:
لقد أمنت بك الإعدام نفس ... تعد رجاءها إياك مالا
قال ابن الرومي:
ما ترى في اصطناع حر كريم ... قد رآه رجاء مالك ماله
فلأنت الذي إذا أمه الأمل ... عادت آماله أمواله
وقال ابن الرومي:
أعد رجائي فيك مالا محصلا ... إذا بر في قومي عواد زيم
وكل هذا من قسم المساواة.
وقال المتنبي:
وقد وجلت قلوب منك حتى ... غدت أوجالها فيها وجالا
وبسطت الرجاء والخوف حتى ... خافك الخوف وارتجاك الرجالا
أحسن الصنعة في الجمع بين الأضداد من الخوف والرجاء وصارت له زيادة يرجح بها فهو أولى بما قال.
وقال المتنبي:
إذا سألوا شكرتهم عليه ... وإن سكتوا سألتهم السؤالا
قال أبو تمام:
يعطي ويشكر من يأتيه يسأله ... فشكره عوض وماله هدر
فنصفه يشاكل نصف بيت أبي تمام وفي بيت أبي تمام زيادة في كلامه ما هو من تمامه.
وقال ابن الرومي:
يا من إذا سألناه أستهل لنا ... فإن سكتنا تجنى علة الطلب
وهذان البيتان يأتيان على معنى بيت أبي الطيب بكماله، وقال البحتري:
جاد حتى أفنى السؤال، فلما ... باد منها السؤال جاد ابتداء
وهذا أحسن من معنى بشار وابن الرومي وأبي الطيب لأنهم ما تجاوز بالممدوح، أنه إذا سئل الإعطاء أعطى وإذا سكت عنه بالسؤال سأل أن يسأل مشقة أعفى البحتري السائل من ذلها وذكر أنه يجود ابتداء فذهب مذهب سلم الخاسر في قوله:
يحيى بن خالد الذي ... يعطي الجزيل ولا يبالي
أعطاك قبل سؤاله ... فكفاك مكروه السؤال
والمبتدئ النوال أبين كرما ممن سأل أن يسأل وشبه قول البحتري قول ابن الحاجب:
إن سيل كان عطاؤه فوق الغنى ... ويمل سائله السؤال فينتدي
وقال المتنبي:
وأسعد من رأينا مستميح ... ينيل المستماح بأن ينالا
هذا البيت صعود وحدور وسهول وغور، معناه بيت فضله مشهور وهو قول زهير:
تراه إذا ما جئته متهللا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله
وهذا من نقل العذب من القوافي إلى المستكره الجافي ولو كان بعد أبي الطيب قوله لاستحق قوله عليه.
وقال المتنبي:
وأقسم لو صلحت يمين شيء ... لما صلح العباد له شمالا
قال ابن أبي فنن:
قد فضلت الملوك بأسا وجودا ... مثل ما يفضل اليمين الشمالا
وقال البحتري:
فإن قصرت أكفاؤه عن محله ... فإن يمين المرء فوق شماله
فالمعنى المعنى، وفي قول أبي الطيب زيادة أنه إذا صار يمينا لشيء لم تصلح العباد له شمالا، فكلامه أرجح من كلامهم.
وقال المتنبي:
أقلب منك طرفي في سماء ... وإن طلعت كواكبها خصالا
هذا من قول ابن الرومي:
كللت كفه سماء المعالي ... بنجوم المعروف والإحسان
فجعل للمعالي سماء نجومها معروفه وإحسانه، وجعل أبو الطيب الممدوح سماء نجومه خصاله وهذا من قسم المساواة.
ويتلوها أبيات أولها:
إنما بدر بن عمار سحاب ... هطل فيه ثواب وعقاب

(1/115)


قال العروضيون: هذا البيت صحيح لأنه مصرع فتبعت عروضه ضربه فأما ما بعده من هذه القطعة فمضطرب الوزن وهي من الرمل لأنه جعل العروض )فاعلاتن( والعروض هاهنا لم يستكمل إلا محذوفة السبب ووزنها فأعلن، قال عبيد:
مثل سحق البرد عفى بعدك ال ... قطر مغناه وتأويب الشمال
والمعنى من قول ابن الرومي:
بنو مصعب فينا سماء رفيعة ... لها درر ليست مدى الدهر تهدم
سماء أظلت كل شيء وأعلمت ... سحائب شتى صوبها المال والدم
وقد طول ابن الرومي، وكلام أبي الطيب أخصر.
وقال المتنبي:
ما يجيل الطرف إلا حمدته ... جهدها الأيدي وذمته الرقاب
ينظر إلى قول العكوك:
وما مددت مدى طرف إلى أحد ... إلا قضيت بأرزاق وآجال
وقال المتنبي:
ما به قتل أعاديه ولكن ... يتقي إخلاف ما ترجو الذئاب
هذا من طريق المدح أن يمدح الرجل بقتل بني آدم لئلا يخلف رجاء الذئاب وإذا كان لا يقتل أعاديه خوفا منهم ولكن يقتلهم من أجل تحقيق رجاء الذئاب، والذئاب تريد أن تشبع ولا يشترط الشبع من لحوم الناس فإذا كان هذا همه فالحسن أن يشبعها من لحم حلال ليحقق رجاءها ويصير من أهل العفو وتجتنب المآثم والكف عن الاستنكار بالمظالم.
وقال المتنبي:
فله هيبة من لا يترجى ... وله جود مرجى لا يهاب
وليس تمتيع الهيبة من الرجاء ولا الجود من الهيبة والجيد قول أبي نواس:
يرجو ويخشى حالتيك الورى ... كأنك الجنة والنار
فجاء بمعنى صحيح من الرجاء والخشية وزاد بتشبيه فائق ومعنى رائق من ذكر الجنة والنار.
وقال المتنبي:
باعث النفس على الهول الذي ... ليس لنفس وقعت فيه إياب
وصف الممدوح بالجهل لأنه إذا بعث نفسه على ما لا إياب لنفس منه فقد أهلكها وهذه صفة الجاهل، فأما الشجاع، فالحال التي قالها الشاعر تمثل به معاوية:
شجاع إذا ما أمكنتني فرصة ... فإن لم تكن لي فرصة فجبان
وقال المتنبي:
ليس بالمنكر أن برزت سبقا ... غير مدفوع عن السبق العراب
ذكر المؤنث هاهنا ولا فرق بين أن يقول: مثل هذا أو تقول: الهندات قائم وذلك غير جائز وليس تعمد ركوب هذه الضرورات ولكن يغيب علمها.
يليها قصيدة أولها:
في الخد أن عزم الخليط رحيلا ... مطر تزيد به الخدود محولا
قال الأول:
وقفنا فأمطرنا سماء دموعنا ... جفون عيون والبقاع صدود
قال أبو تمام:
مطر من العبرات خدي أرضه ... حتى الصباح ومقلتاي سماؤه
هذان بيتان قد وفيا حقهما من الصنعة لأن شاعريهما لما سميا الدموع أنابا عن المطر وعما يقتضيه ذكره من سماء أو أرض وما يقع عليه وأبو الطيب ذكر الخد والمطر بغير شرح فلولا ما أتبعه مما يخالف عادة المطر من المحول الذي أغرب به وخرج عن فعل المطر إذ المطر يفعل الخصب وأنواع الرياض لكان كلامه فارغا وهو على ذلك ناقص الكلام عن من أخذ عنه فيهما، فهما بما قالاه أحق منه.
وقال المتنبي:
أجد الجفاء على سواك مروءة ... والصبر إلا في هواك جميلا
صدر هذا البيت غير صحيح لأنه إذا كان سواها منصفا فليس جفاؤه مروءة فإن قال قائل: اجتناب المأثم: المروءة قلنا له فحكمها في هذا وحكم سواها واحد، وقوله: والصبر إلا في هواك جميلا مثل قول العتبي:
والصبر يحمد في المواطن كلها ... إلا عليك فإنه مذموم
قال أبو تمام:
الصبر أجمل غير أن تلددا ... في الحب أحرى أن يكون جميلا
فإن اعترضنا معترض أوردت بيتين قد سلم صاحباهما أن الصبر محمود وأنه جميل إلا فيمن وصفناه فكيف صار الجميل قبيحا والمحمود مذموما، قيل له للعشاق حدود يقون عندها ولا تحسن إلا منهم وسنن تحمد إلا عندهم فمنها الحقد على المحبوب وهو مسيء والمكافأة بذلك لا تحسن وحسن الصبر عند فراقه والدعاء عليه إذا ظلم يدخل عندهم في جفاء طباع العشاق ولا تحمد عند الظراف الرقاق فقد صار ذلك عندهم شريعة يدعونها وسنة لا يخالفونها فلذلك انساغ لهم تقبيح الجميل وذم المحمود ألا ترى إلى طعن أبي تمام على من خالف سنة العشق في قوله:

(1/116)


لن يسعد المشتاق وسنان الهوى ... يبس المدامع بارد الأنفاس
فمنع أن يسعد المشتاق من كان بهذه الصفة لقلة البكاء وعدم العزاء وممن قال فيه ابن أبي زرعة:
أرى جزعي إلا لبينك ضلة ... كما الصبر إلا عند بيتك يجمل
وقال المتنبي:
تشكو روادفك المطية فوقها ... شكوى التي وجدت هواك دخيلا
)شكوى المطية أردافها( مبالغة إنما المعتاد الذي يقال أن يقول: شكاء حصرها ردفها وجار عليه، فأما المطايا فهي تحمل أثقل الناس أردافا وجسما وأضخمهم جثة وجرما.
وقال المتنبي:
ويغيرني جذب الزمام لقلبها ... فمها إليك كطالب تقبيلا
ليس من عادة الجمال تقبيل الناس فكيف وقع له هذا الوهم حتى أغاره ولا سيما وهو يشاهد جذب الزمام مشاهدة وإن كان لم يحقق بقوله: كطالب ولكنه تخيل فاسد واضح من هذا قول أبي نواس:
يثرى لأنقاض أضر بها جذ ... ب الزمام فحدودها صغر
فكأنها مصنع لسمعه بعض ... الحديث بإذنه وقر
فبالغ في قوله: بإذنه وفرقه، وقد قال إبراهيم بن المهدي:
إذا حدثت بها الأنساغ أص ... غت كإصغاء النحي إلى النحى
وقال المتنبي:
حدق يذم من القواتل غيرها ... بدر بن عمار بن إسماعيلا
هذا من الخروج المليح إلى ما أراد من المديح، وقد قال أبو دلف:
كم في بني الروم من أعجوبة مثل ... يبقى وفي العرب من ذي نجده بطل
إنا بأسيافنا نعلو أكابرهم قهرا ... ويقتلنا الولدان بالمقل
إذا رجعنا بتسرى من سراتهم ... نالوا التراث بلحظ الأعين البخل
فقوله: )نالوا التراث( ينظر إلى قول أبي الطيب بدم من القواتل غيرها.
وقال المتنبي:
محك إذا مطل الغريم بدينه ... جعل الحسام بما أراد كفيلا
يساوي قول ابن أبي زرعة:
أبى الله إلا أن سيف محمد ... كفيل بنصر الدين والدين ضامن
وفي هذا البيت زيادة يرجح بها على من أخذ منه، وقد قال ابن الرومي:
فافتضيناهم الديون، وقدما ... لم يفتنا بها الغريم الملشط
برماح مداعس، وسيوف ... باترات لهن قد وقط
كأنه قد ألم بمعناه، وقد قال أبو العباس النامي في رسالة له في مأخوذ أبي الطيب، قال أبو تمام:
لا تأخذني بالزمان فليس لي ... تبعا ولست على الزمان كفيلا
وقال: أخذ منه ولا أعلم له به تعلقا إلا بلفظ كفيل فإن كان أول من تكلم بكفيل أبو تمام فقد أخذ لفظه لا معناه وإلا فما يتعلق كلام أبي تمام بكلام أبي الطيب في شيء أصلا، ولو قال أبو العباس إن أبا الطيب أخذ هذا من قول أبي تمام:
ما زال ذاك الصبر وهو عليكم ... للموت في قبض النفوس وكيلا
كان أقرب إلى المعنى وهذا نقد من يساجل أبا الطيب في الشعر ويظن أنه قربه.
وقال المتنبي:
أعدى الزمان سخاؤه فسخا به ... ولقد يكون به الزمان بخيلا
وذكر أنه أعدى الزمان سخاؤه حتى سخى به وتبع أبا تمام فقال:
هيهات لا يسخو الزمان بمثله ... إن الزمان بمثله لبخيل
فمنع وجوده ما أخذه فصار كلامه أمدح ولفظه أرجح، وقال البحتري:
قد لعمري أعدت شمائلك الده ... ر فأضحى من بعد لؤم كريما
وقال المتنبي:
فكأن برقا في متون غمامة ... هندية في كفه مسلولا
وقال أبو عيينة بن أبي عيينة:
وغيث إذا ما لاح لاحت بروقه ... كما هزت الأيدي متون الصفائح
وقال المتنبي:
رقت مضاربه فهن كأنما ... يبدين من عشق الرقاب نحولا
إنما ينحل العاشق بالهجر فإن كان هذا السيف لا يصل إلى الرقاب فيجوز أن ينحل من عشقها وإلا فمنع مواصلتها لا ينحل، ونحن نحتكم إلى قوله:
تعلقها هوى قيس لليلى ... وواصلها فليس به غرام
وقال المتنبي في الأسد:
ورد إذا ورد البحيرة شاربا ... ورد الفرات زئيره والنيلا
وتعظيم زئيره جيد وليس لصوت زئيره في الماء إلا ما له في البر مع عدم الماء فكيف اقتصر على ذكر البحيرة والفرات والنيل أتراه لا يسمع إلا في ماء.
وقال المتنبي:
ما قوبلت عيناه إلا ظنتا ... تحت الدجى نار الفريق حلولا

(1/117)


يشبه قول أبي نواس في باز: كأنما ينظر من سراج وقال المتنبي:
أسد يرى عضويه فيك كليهما ... متنا أزل وساعدا مفتولا
قد ألم في ذلك بقول البحتري:
هزبر مشى يبغي هزبرا، وأغلب ... من القوم لاقى باسل الوجه أغلبا
وقال المتنبي:
في سرج ظامئة الفصوص طمرة ... يأبى تفردها لها التمثيلا
هو موجود في قول ابن الرومي:
أصف الحبيب ولا أقول كأنه ... كلا لقد أمسى من الأفراد
إني لأستحي محاسن وجهه ... ألا أنزهه عن الأنداد
فأبى تفرد الناس التمثيل لها وأتى تفرد محبوب ابن الرومي التشبيه له لتفرده وهذا من استخراج معنى من معنى أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وقال المتنبي:
أنف الكريم من الدنية تارك ... في عينه العدد الكثير قليلا
هذا من قول الأسود بن يعفر:
وللموت خير لامرئ من علاقة ... من العار يرميه بها كل قائل
وقال ابن الجهم:
فقلل في عيني عظم جموعهم ... عزيمة قلب فيه ما جل يصغر
فجعل ابن الجهم قلة عددهم في عينه لكبر قلبه، وجعل أبو الطيب الأنف من الدنية مقللا عدد كثيرهم في عينه وإن أختلف السببان فهما يدخلان في قسم المساواة.
وقال المتنبي:
والعار مضاض وليس بخائف ... من حتفه من خاف مما قيلا
ينظر إلى قول أبي تمام:
فتى لا يرى أن الفريضة مقتلا ... ولكن يرى أن العيون المقاتل
وينظر أيضا إلى معنى أبي الطيب قول أبي تمام:
مثل الموت بين عينيه والعار ... وكلا يراه خطبا عظيما
ثم سارت به الحمية قدما ... فأمات العدى ومات كريما
وقال المتنبي:
قبضت منيته يديه وعنقه ... فكأنما صادفته مغلولا
قد حام في هذا على معنى ابن الرومي في قوله:
حصرت عميد الزنج حتى تخاذلت ... قواه، وأودى زاده المتزود
فطل ... ولم تعتله بلفظ نفسه وظل ولم تأسره وهو مقيد
وقال المتنبي:
وأمر مما فر منه فراره ... وكقتله ألا يموت قتيلا
هذا من قول أبي تمام:
ألفوا المنايا فالقتيل لديهم ... من لم يجل الحرب وهو قتيل
وقال المتنبي:
لو كان علمك بالإله مقسما ... في الناس ما بعث الإله رسولا
أحوج الناس إلى ما غنى عنه يدا لقصور علمهم عما يعلمه.
وقال المتنبي:
لو كان لفظك فيهم ما أنزل ال ... قرآن والتوراة والإنجيلا
جعل لفظه يعني الناس عن الثلاثة كتب المعجزات من قول الباري تعالى عما يقول علوا كبيرا.
وقال المتنبي:
نطقت بسؤددك الحمام تغنيا ... وبما يجشمها الجياد صهيلا
صدره من قول القائل:
ولقد سمعت حمامة أنشدتها ... فيك المديح فعددت تغريدا
وعجزه من قول عنترة:
فأزور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إلي بعبرة وتحمحم
وقال المتنبي:
ما كل من طلب المعالي نافذا ... فيها ولا كل الرجال فحولا
يشبه قول ابن أبي داود:
أكل امرئ تحسبين امرءا ... ونارا توقد بالليل نارا
وينظر إلى قول البحتري:
وأعلم ما كل الرجال مشبع ... ولا كل أسباب الرجال حسام
وأبيات أولها:
نهني بصور أم نهنئها بكا ... وقل الذي صور وأنت له لكا
يشبه قول إبراهيم بن العباس:
أنهنيك بطوس ... أم نهني بك طوسا
أصبحت بعد طلاق ... بك يا فضل عروسا
واستقلاله لبدر من قبله لا يحسن ببدر أن يسمعه ولا يقبله.
وقال المتنبي:
تحاسدت الأمصار حتى لو أنها ... نفوس لسار الشرق والغرب نحوكا
مأخوذ من قول أبي نواس:
تتحاسد الآفاق وجهك بينها ... فكأنهن حيث كنت ضرائر
قال أبو تمام:
فلو أن شوقا رمته فاستطعته ... لصاحبنا شوقا إليك مغاربه
يدخل في قسم التساوي.
بعدها أبيات أولها:
أرى حللا مطواة حسانا ... عداني أن أراك بها اعتلال
يقول فيها:

(1/118)


وهبك طويتها وخرجت عنها ... أتطوي ما عليك من الجمال
يقرب من قول ذي الرمة:
زين الثياب وإن أثوابها استلبت ... على الحشية يوما زانها السلب
يليها قصيدة أولها:
الحب ما منع الكلام الألسنا ... وألذ شكوى عاشق ما أعلنا
النصف الأول من قول القائل:
قالت عييت عن الشكوى فقلت )إنها( ... حد الشكاية أن أعيا عن الكلم
وعجزه من قول أبي العتاهية:
ما خير حب يخفيه صاحبه ... لا خير في الحب دون أن ظهرا
وقال البحتري:
وما الحب ما وريت عنه تسترا ... ولكنه ما ملت فيه إلى الجهر
وقد استوفى أبو الطيب اللفظ الطويل في الموجز القليل.
وقال المتنبي:
وتوقدت أنفاسنا حتى لقد ... أشفقت تحترق العواذل بيننا
هذا معنى قد تكرر من غيره قال الديك:
وضاحك عن برد مشرق ... ناجيته من بين جلاسي
فكلما قبلته خفت أن ... يذوب من نيران أنفاسي
وقال آخر:
لو أنه أطلق أنفاسه ... من صدره أحرق وجه الجليس
وقال آخر:
هاك اتركي فوق قلبي من يديك يدا ... لتعلمي ما الذي ألقى من الحرق
ثم ارفعيها من تلهبها على ... أناملها أخشى من الحرق
وقال نصر الخبزأرزي:
ما أن تركت وداعه من سلوة ... ولقد جزعت لبينه وفراقع
لكن مخافة أن يذيب فؤاده ... نار تعلق منه عند عناقه
وقال أيضا:
إني لأشفق إن ظفرت بوصلها ... من ضم أحشائي إلى أحشائها
لو أنني لايمتها لأذبتها ... بتوقد الأنفاس في برحائها
وكل هذه الأبيات تدخل في قسم التساوي ولكن الخوف والإشفاق ما وقع من قائلها غيره لأنه أشفق العذال الذين قد كثر ذمهم في أشعار الشعراء والداع عليهم، فهم بذلك أرجح منه في قوله.
وقال المتنبي:
أفدي المودعة التي أتبعتها ... نظرا فرادى بين زفرات ثنا
أسكن الفاء من )زفرات( وحقها الحركة والمعنى فيه أنه كان ينظر نظرة بين زفرتين لا يفيد بيته غير هذا والذي قال الحماني أبلغ وهو:
أتبعتها نفسا تدمى مسالكه ... كأنه من حمى الأحشاء مقدود
بقوله: تدمى مسالكه وكأنه من حما الأحشاء مقدود زيادة يرجح بها على أبي الطيب فهو أولى بقوله، وقال الديك في قسم ما يحتذى عليه وإن فارق ما قصد به إليه:
ولعيني دمع تسيل مثانيه ... ويجري رباعه وثلاثه
وقال المتنبي:
أنكرت طارقة الحوادث مره ... ثم اعترفت بها فصارت ديدنا
قال البحتري:
فأنست من خطوب الدهر كثرتها ... فليس يرتاع من خطب إذا طلعا
وقد قيل ما وجدته في كتاب الحماسة:
لقد جعلت نفسي على النأي تنطوي ... وعيني على فقد الحبيب تناه
وفارقت حتى ما جن إلى هوى ... وإن بان جيران على كرام
وقد اختصر خداش بن زهير فقال في هذا المعنى:
وبعد عينيه الخبرين حصن ... وقد باليت حتى ما أبالي
فالتساوي شامل الأبيات والأول أحق بمعناه.
وقال المتنبي:
ووقف منها حيث أوقفني الندى ... وبلغت من بدر بن عمار المنا
)أوقفني( لغة ضعيفة غير مستعملة إلا شاذا وأجرى عمارا على ترك الصرف وهو فعال للتكثير مصروف وقد أجراه مجرى عمر في المعدول فمنعه الصرف.
وقال المتنبي:
وشجاعة أغناه عنها ذكرها ... ونهى الجبان حديثها أن يجبنا
يشبه قول العكوك:
فتى علم الإعطاء كل منحل ... وعلم حب الموت كل جبان
جاء بما جاء به أبو الطيب وزاد بمعنى آخر فرجح كلامه وأستحقه.
وقال المتنبي:
نيطت حمائله بعاتق محرب ... ما كر قط وهل يكر وما انثنى
معناه أن الكر يكون بعد الفر وهذا لم يفر قط فيحتاج أن يكر وهذا إخبار بجنون وهوج والحزم الكر في مكانه والفر على حسب ما يوجبه الرأي فلذلك قال معاوية:
شجاع إذا ما أمكنتني فرصة ... فإن لم تكن لي فرصة فجبان
وقال آخر:
لمثلها سميت مقشعرا ... أعيش حرا وأموت حرا
لا بأس بالفارس أن يكر ... إذا رأى ذاك وأن يفرا
وقال المتنبي:

(1/119)


فكأنه والطعن من قدامه ... متخوف من خلفه أن يطعنا
وقال أبو العتاهية:
كأن المنايا ليس يجرين في الوغى ... إذا التقت الأبطال إلا برائكا
فما آفة الأملاك غيرك في الوغى ... ولا آفة الأموال غير حبائكا
كأنك يوم الكر في الحرب إنما ... تفر من الطعن الذي من ورائكا
كلام أبي الطيب أوضح ومعناهما متساو.
وقال المتنبي:
نفت التوهم عنه حدة ذهنه ... فقضى على غيب الأمور تيقنا
هذا من قول القائل أنشده ابن قتيبة:
بصير بأعقاب الأمور كأنما ... يخاطبه من كل أمر عواقبه
وقال أشجع:
له نظر لا يغمض الأمر دونه ... تكاد ستور الغيب عنه تمزق
وقال البحتري:
وإذا استعان بنظرة من فكره ... يوما فتستر الغيب ليس بمسجف
وقال القاضي التنوخي:
وفطن ترى بعين الرأي ما لم ... تره كما ترى ما قد يرى
وقال المتنبي:
مستنبط من علمه ما في غد ... فكأن ما سيكون فيه دونا
قوله: )دونا( مستكره جدا، والأبيات الماضية كلها من قسم المساواة، ويشبه هذا البيت قول ابن الرومي:
يقطان ما زال تغنيه قريحته ... عن التجارب يلقاهن والدرب
تلمحه تدرك العقبى إذا احتجبت ... عن العقول بغيب كل محتجب
وقال المتنبي:
يتفزع الجبار من بغتاته ... فيظل في خلواته متكفنا
قال أبو تمام:
قصد يخاف المشركون شذاته ... متواضع خول له الجبار
فما زاد كلام أبي تمام عن فزع الجبار منه، ولأبي الطيب من الإخبار بتكفينه في الخلوات خوفا مما يرد منه في البغتات زيادة يرجح بها كلامه فهو أولى بما قال.
وقال أشجع:
منعت محافيل النفوس حديثها ... بالأمر يكرهه وإن لم يعلم
فجاء بما جاء به أبو الطيب.
وقال المتنبي:
يجد الحديد عن بضاضة جلده ... ثوبا أخف من الحديد وألينا
وقال البحتري:
أناس يعدون الرماح مخاصرا ... إذا زعزعوها، والدروع غلائلا
فالحديد الذي عناه أبو الطيب هو الدروع وما أشبهها وهي أثقل من الغلائل، وقد شغل صدر بيته بكلام مليح فصار أرجح كلاما وأوفى نظاما وأولى بما قال.
وقال المتنبي:
لا يسكن الرعب بين ضلوعه ... يوما ولا الإحسان أن ألا يحسنا
هذا من قول القائل:
يحسن أن يحسن حتى إذا ... رام سوى الإحسان لم يحسن
ما قال لا عند سؤال وإن ... هم )بلا( لجليج كمالا لكن
حتى إذا هم بترك الأطم ... )هم( بإفصاح على الألسن
فالبيت الأول عجزه كعجز بيته، ولكن له في صدره من ذكر الرعب زيادة.
وقال المتنبي:
أرج الطريق فما تمر بموضع ... إلا أقام به الشذى مستوطنا
الأرج: هيجان الريح الطيبة، والشذا هاهنا: حدة رائحة الطيب، ويقال بل الشذا: المسك، قال بشار:
غراء حوراء في طيب إذا سكنت ... للبيت والدار من أرواحها أرج
وقال العرجي:
فملت أهوى إلى رحالهم ... أهدي إليها بريحها الأرج
وهو من قسم التساوي.
وقال المتنبي:
لو تعقل الشجر التي قابلتها ... مدت محيية إليك الأغصنا
ليس كل الشجر تصلح للتحيات، ولكنه خصص بقوله )التي قابلتها( فيمكن أن يكون ما قابله منها شجر الأترج والتفاح فتمد أغصانها وفيها ثمرها، وقد قال أبو تمام:
يكاد ركن الحطيم من فرح ... بهم يحييهم إذا استلموا
وقال البحتري:
ولو أن مشتاقا تكلف فوق ما ... في وسعه لسعى إليك المنبر
وهذا استخراج معنى من معنى أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وقال المتنبي:
أقبلت تبسم والجياد عوابس ... يحيين بالحلق المضاعف والقنا
قال مهلهل:
ولقد سبقت سراتهم في مأزق ... والخيل تعتر بالقنا وتعيش
وفي بيت أبي الطيب مطابقة ليست في بيت مهلهل وفي ابتسام الممدوح عند لقاء الخيل ما يدل على الشجاعة فكلامه أرجح.
وقال المتنبي:
عقدت سنابكها عليها عثيرا ... لو تبتغي عنقا عليها أمكنا
وقال البحتري:

(1/120)


لما أتاك يقود جيشا أرعنا ... يمشي عليه كثافة وجموعا
هذا يقارب معنى وينظر إلى إرادته.
وقال المتنبي:
فأغفر فدى لك وأحبني )من ... بعدها( لتخصني بعطية منها أنا
قال الحسن الخليع:
أتراني أنسى حقوق أيادي ... ك وروحي من بعضها وبناني
وذلك يدخل في قسم المساواة.
وقال المتنبي:
وأنه المشير عليك في بضلة ... فالحر ممتحن بأولاد الزنا
قال ابن بسام:
يا من يصادفني والله يصرفه ... عن الحياة سريعا لا عن العمل
أنت الفداء لمن بالأمس فارقني ... يعطي الجزيل بلا من ولا نجل
جرى الحسين على أعراق أوله ... كما جريت على أعراقك الأول
لأصبحن وإن أصبحت ممتحنا ... وإنما أمتحن الأحرار بالسفل
والمعنى المعنى والحر ليس ضد أولاد الزنا والبر أولى بالبيت واللئام ضد الأحرار وكلا البيتين في ضعف الصنعة متساو.
وقال المتنبي:
ومكايد السفهاء واقعة بهم ... وعداوة الشعراء بئس المقتنى
ما قيل في التحذير من عدادة الشعراء أجود من قول ابن الرومي:
لا تعن بالشعراء ثم تعقهم ... فتنام والشعراء غير نيام
واعلم بأنهم إذا لم ينصفوا ... حكموا لأنفسهم على الحكام
وعقوبة الجاني عليهم تنقضي ... وعقابهم يبقى على الأيام
وقال المتنبي:
لعنت مقارنة اللئيم فإنها ... ضيف يجر من الندامة ضيفنا
صنعة هذا البيت على صنعة بيت أنشده أبو الطيب بن الوشاء:
لعنت مواصلة اللئيم فإنه ... يبدي القبيح ويكتم المعروفا
وقال المتنبي:
أمسى الذي أمسى بربك كافرا ... من غيرنا معنا بفضلك مؤمنا
هذا بيت مذموم لأنه جوز وجود الكافر بالله شكا فيه ولا يقع منه شك في فضل الممدوح.
وقال المتنبي:
خلت البلاد من الغزالة ليلها ... فأعاضهاك الله كي لا تحزنا
إن كان عوض الله عز وجل الليل البدر من الشمس لئلا تحزن البلاد لفقده فينبغي أن لا يسر النهار بالشمس لوجود عوض يغني عنها به. وقد قال ابن المعتز:
اسقينها خمرا لا تستخلف الشم ... س سناها على سواد الليالي
فالمستخلف يقوم مقام من أستخلفه في غيبته، وهذا من استخراج معنى من معنى أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
ويليها أبيات أولها:
أصبحت تأمر بالحجاب لخلوة ... هيهات لست على الحجاب بقادر
ثم قال:
من كان ضوء جبينه ونواله ... لم يحجبا، لم يحتجب عن ناظر
أما ضوء جبينه إذا كان لا يحتجب بالحجاب فهو معنى قول أبي نؤاس في الخمر:
ترى ضوءها من ظاهر الكأس ساطعا ... عليك ولو غطيتها بغطاء
وأتبعه بقوله:
فإذا احتجبت فأنت غير محجب ... وإذا بطنت فأنت عين الظاهر
أما نواله فلا يدخل في ظهوره، لأنه قد يكون محجوبا غير محجوب النوال كما قال البحتري:
وإن أتى دونه الحجاب ... فلن يحجب عنا آلاءه حجبه
ذكر أن وجهه محجوب وآلاءه غير محجوبة، وقال أبو تمام:
يا أيها الملك المحجوب غرته ... عنا ونائله من طالب جيب
ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا ... إن السماء ترجى حين تحتجب
وقال أبو تمام أيضا:
فنعمت من شمس إذا حجبت بدت ... من نورها فكأنها لم تحجب
وقد ألم في هذا أبو تمام بقول أبي نواس الذي ذكرته في الخمر، وهذه معاني مما أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وبعد ذلك بيتان هما:
لم تر من نادمت الإكا ... لا لسوى ودك لي ذاكا
)الإك( يجوز استعمالها في الشعر والوجه في الكلام إلا إياك لأن )لا( ليس لها قوة الفعل ولا هي عاملة، وأمتن أبو الطيب على الممدوح لمنادمته إياه وهو وده له وأتبع هذا بقوله:
ولا لحبيها ولكنني ... أمسيت أرجوك وأخشاكا
ومن نادمه لوده إياه فقد جاء بعلة شريفة هي أرفع من العلة الثانية التي جاء بها من الرجاء والخوف والتي لا تتعلق بها رغبة ولا رهبة إنما هي لعين الشخص أفضل.
ويتلوها أبيات أولها:

(1/121)


يا أيها الملك الذي ندماه ... شركاؤه في ملكه لا ملكه
في هذا البيت تجنيس ولكنه غير طائل المعنى لأنه شركة الندماء له في ملكه أن يبسط قدرتهم في دولته ويرفع منازلهم بتواتر نعمه وهذه تجمع الشركة في الملك والملك وقد بين المعنى من جوده وأقصر هو فيه وذلك قول ابن الرومي:
ومن كثرت في ماله شركاؤه ... غدا في معاليه قليل المشارك
فذكر المعالي مكان الشرك في شعر أبي الطيب والمعالي تحسن ألا يشركه فيها أحد وقد أحسن التقسيم فيها ابن الرومي وهذب كلامه، وما أحسن ما قال ابن الرومي أيضا:
مشترك المال لا محصله ... محصل العرض غير مشترك
فجوز الشركة فيما تحسن الشركة فيه ومنع منها فيما يحسن الانفراد به وكلام ابن الرومي أرجح فهو أولى بما قال وسبق إليه.
وبعدها أبيات أولها:
بدر فتى لو كان من سؤاله ... يوما توفر حظه من ماله
هذه مبالغة أغرب فيها ولكن فيها مطعن وكان يجب أن يشترط بغيره عن خلفه في السخاء حتى يتوفر حظه من ماله وإلا فإن كان سخاؤه باقيا فالنصب الحاصل له من ماله دون الأصل الذي فرقه سخاؤه فكيف يوفر عليه بعض ماله وسخاؤه متلف كله.
وقال المتنبي:
سفك الدماء بجوده لا بأسه ... كرما لأن الطير بعض عياله
فأخبر أن سفكه الدماء للجود لا للبأس فبقي من فضيلة الأمر أما هو أحوج إليه وأخص بصفاته ولو كان قائد جيش بخيلا كان أقل عيبا من أن يكون جبانا وقد أستحسن هذا المعنى حتى كرره فقال:
ما به قتل أعاديه ولكن ... يتقي أخلاف ما ترجو الذئاب
فخبر أنه سفك دماء الناس خوفا من أخلاق الذئاب رجاها وكذلك سفكها لأن الطير من عياله وما يحسن أن يسفك دماء بني آدم بغير استحقاق ليشبع بلحومهم الذئاب، والطير قد يسفك لها المفصد دم ما هو أحسن سفك دم من دماء الآدميين وأجل فإن قال قائل فقد قال النابغة:
إذا ما غزا بالجيش حلق فوقهم ... عصائب طير تهتدي بعصائب
جوائح قد أيقن أن كتيبه ... إذا ما التقى الجمعان أول غالب
وقال الأفوه الأوري ومنه أخذ النابغة:
وترى الطير على آثارنا ... رأي عين ثقة أن ستمار
وقال أبو نواس:
تتأبا الطير غدوته ... ثقة بالشبع من جزره
وقال مسلم:
قد عود الطير عادات وثقن بها ... فهن يتبعنه في كل مرتحل
وقد سبقه الناس إلى ما عيب عليه. قلنا ليس الأمر كما ظننت لأن هؤلاء كلهم إنما قصدوا أن الممدوحين مظفرون ويسفكون الدماء في كل حرب، وقد تعودت الطير ذلك منهم فهي تتبعهم واثقة بالعادة منهم ولم يخبر أحد من الشعراء أن دماء الناس يقصد بسفكها إشباع الطير، إنما يسفك بمقصد عقلي فإن سفكت انتفعت الطير بها فهذا الفرق بين المذهبين.
وقال المتنبي:
إن يفن ما يحوي فقد أبقى به ... ذكرا يزول الدهر قبل زواله
هذا من قول منصور النمري:
فإن تك أفنيت الليالي وأوشكت ... فإن له ذكرا سيلي الليالي
ومثله لغيره:
بهجات الثياب يخلقها الده ... ر وحسن الثناء غض جديد
فاكسني ما يبيد أصلحك الل ... ه فإني أكسوك ما لا يبيد
وهذا يدخل في قسم التساوي والسابق أولى به.
وبعدها بيتان وهما:
قد أبت بالحاجة مقضية ... وعفت في الجلسة تطويلها
هذا بيت فارغ والذي يليه:
أنت الذي طول بقاء له ... خير لنفسي من بقائي لها
فذكر أن بقاء الممدوح خير من نفسه ومن بقائها وما يجدي عليه بقاء أكثر العباد خيرا وأعمهم نفعا وميزا بعد ذهاب نفسه وإنما المعتاد أن يقال إذا بقيت لنا لم ينال بمن هلك فأما أن يقال ما نبالي أن تبقى ونهلك نحن فهو ملق كاذب غير صادق وفيه عدول عن طريق الحقائق، والصحيح قول القائل:
لسنا نبالي إذا سلمت لنا ... من خانه دهره ومن سلما
فإنما يقول أنه يريد بقاء من مدحه لصلاح بقائه فهذا هو الصحيح المعنى.
ويتلو هذا قوله:
يا بدر إنك، والحديث شجون ... من لم يكن لمثاله تكوين
قال بعده:
لعظمت حتى لو تكون أمانة ... ما كان مؤتمنا بها جبرين

(1/122)


أرجو أن لا يكون هذا القول صدر منه عن فساد نية ونحن نسأل الله تعالى الإعاذة من فتنة القول كما نسأل الإعاذة من فتنة العمل لأن هذا البيت قد خون فيه مأمونا جعله الله واسطة في أمانته ورضيه أمينا على رسالته وقد أخذ هذا المعنى من أبي فنن أبيات مجن فيها:
قامت تشجعني ضلا بتضليل ... وللشجاعة قلب غير مجهول
هاتي شجاعا بغير القتل منيته ... أريك ألف جبان غير مقتول
لما رأيت سيوف القوم مصلتة ... تجري تحير في عرضي وفي طولي
الله سلمني منهم وخلصني ... مصفر الوجه مخضوب السراويل
والله لو أن جبريلا يضمن لي ... نفسي لما وثقت نفسي بجبريل
فالبيت مثل البيت يدخلان في قسم التساوي، ويليه:
بعض البرية فوق بعض خاليا ... فإذا حضرت فكل فوق دون
هذا من قول أبي نواس:
ألا يا خير من رأت العيون ... نظيرك لا يحسن ولا يكون
خلقت بلا مشاكلة لشيء ... فأنت الخلق والثقلان دون
وقال الحصني:
أنت دون الإله خوفا من الل ... ه ما دون ذاك حاشاك دون
وهذا معنى يدخل في قسم التساوي ويدل هذا القول أنه قد دار في خلده أن يقول هذا القول للحصني ولكنه خاف الله فمنعته التقية وقد هم لولا ذلك بقول المعصية.
وبعدهن أبيات أولها:
فدتك الخيل وهي مسومات ... وبيض الهند وهي مجردات
يقول فيها:
وصفتك في قواف سائرات ... وقد بقيت وإن كثرت صفات
أملح من هذا وأخصر قول ابن الرومي: لم يفن ما قيل بل الكلام وقال أشجع:
وما ترك المداح فيك مقالة ... ولا قال إلا دون ما فيك قاتل
أبو الطيب ذكر أنه بقي عنده صفات، وذكر ابن الرومي أن كلامه فني ولم يفن ما فيه، وكلام أشجع أشعر ما قيل في هذا المعنى لأنه أخبر أن المداح لم يتركوا فيه مقالا وأنهم اجتهدوا فكان اجتهادهم يقصد فهو أرجح وأولى من الأخذ عنه.
وقال المتنبي:
أفاعيل الورى من قبل دهم ... وفعلك في فعالهم شيات
هذا يشبه قول أبي تمام:
قوم إذا أسود الزمان توضحوا ... فيه فغودر وهو منهم أبلق
ويتلو أبيات أولها:
مضى الليل والفضل الذي لك لا يمضي ... ورؤياك أحلى في العيون من الغمض
يشبه قول القائل:
مضى الليل إلا أن ليلي لا يمضي ... وأن جفوني لا تروى من الغمض
وقول أبي الطيب: )ورؤياك أحلى في العيون من الغمض(.
موجود في قول ابن الرومي:
ولطعم أكتحاله منه بالزائ ... ر أحلى في عينه من رقاده
وبيت ابن الرومي أكرم من بيته لأن رؤياه لوجه العافي الزائر قياده إذا كانت أحلى عنده من الرقاد كان ذلك أكرم من رؤياه باستحسان الشخص والرؤيا في الرقاد والرؤيا في النظر.
وقال المتنبي:
على أنني طوقت منك بنعمة ... شهيد بها بعضي لغيري على بعض
هذا يساوي قول ابن بسام:
وقد سبقت لامرئ نعمة ... تقر علي وإن لم أقر
ويليها بيتان أولهما:
نال الذي نلت منه ومني ... لله ما تصنع الخمور
قوله: )نال الذي نلت منه( يشبه قول ابن الرومي:
بينا ترى في الزق مسحوبة ... إذ حكمت أن يسحب الساحب
مسلوبة في الدن مغلوبة ... لها اقتدار سالب غالب
ومثله قول ابن المعتز:
نباكرها ولنا قدرة علي ... ها وتمسي لها القدره
فعند الصباح لها حمرة ... وعند المساء لها سكره
تضاحك في الكأس كف الف ... تى وفي نفسها للفتى عذره
وجميع ما قيل أشرح وأعذب من قوله والسابق أولى به.
ويليها أبيات أولها:
وجدت المدامة عذابة ... تهيج للقلب أشواقه
قال فيها:
تسيء من المرء تأديبه ... ولكن تحسن أخلاقه
لو استعمل مكان )تأديبه( )تمييزه( صح وصفه إياها لأن سوء الأدب أولى بسوء الخلق، وقد قال الشاعر:
رأيت أقل الناس عقلا إذا انتشى ... أقلهم عقلا إذا كان صاحيا
تزيد حمياها السفيه سفاهة ... وتترك أخلاق الكريم كما هيا

(1/123)


فخبر بزيادة سوء أدب السيئ الأدب وزيادة حسن أخلاق الكريم وهو صحيح وقال المتنبي
وأنفس ما للفتى لبه ... وذو اللب يكره إنفاقه
ولا أعرف شيئا دعا الناس إلى محبة الشراب إلا ما يعلمه من إنفاق العقل الذي إن ذهب الليلة عاد غدا وقد أوجد ريحا من السرور ينتهز فرصته وتحلو لذته فقد كره أبو الطيب ما أحبه الناس هذا مع فضائل يكثر عددها وتتواتر مددها منها ما يفعله الفرح في الجسم مع زيادة اللحم والدم وقد قال بعض الحكماء )الأرواح تحتاج إلى أقواتها من الفرح كما تحتاج الأجسام إلى أقواتها من الطعام ولن يفعل الفرح من الشراب الجزء اليسير إنما يفعله الشراب الكثير(.
وقد قال بعض الظرفاء لآخر: أتشرب النبيذ، قال: القدح والقدحين فقال: ما شربته فتوة ولا تركته مروة ولم يوجد طريق إلى الشرور كالشراب أخصر مسافة ولا أسهل مأخذا من غيره معونة من الدهر لما يحدث للقلب سرورا حتى تتغطى عيوبه وتغفر جنايته وذنوبه ويحسن الظن بالله عز وجل فيتسع بذلك ضنك المكان ويرضى عن الزمان هذا إلى ما يحدثه من السماحة في البخلاء والشجاعة في الجبناء وهذه فضائل لا يبعثها إلا أريحية الشراب ومعاقرة الأحباب عند تغير العقل، فكيف كره إنفاق العقل أبو الطيب ولولا ما يخاف من الإثم في الشراب بما يحدثه السكر لوجب غفران ذنبه في جنب محاسنه، ولو قال أبو الطيب: )وأنفس ما للفتى ذنبه( لما أعترض كلامه ولا جاز أن ينكر، ولكنه جعل سبب ترك الشراب الخوف من تغير العقل الذي من أجله شربته العقلاء هربا من عدم اللذات واشتعال النفس بالفكر من العواقب والحوادث الممضات فمن بالغ في الرغبة والحرص على الشراب أبو نواس.
فقال:
اسقني حتى تراني ... حسنا عندي القبيح
والقبيح لا يصير حسنا إلا عند التغير بالسكر، وقد قال أبو نواس:
فما الغبن إلا أن تراني صاحيا ... وما الغنم إلا أن يتعتعني السكر
وقال آخر: لما رأيت العيش عيش الجاهل ولم أر المغبون غير العاقل قدمت عيسا من خمور بابل فبت من عقلي على مراحل وقال البحتري هرب العقلاء من هموم العقل قولا وهو:
أرى العقل بؤسي في المعيشة للفتى ... ولا عيش إلا ما حباك به الجهل
ومن طريف معانيه قوله بعد هذا:
وقد مت أمس بها موتة ... وما يشتهي الموت من ذاقه
كلام لا يصح معناه لأنه لا شهوة لمن مات وما رأينا من يخبر بمذاق الموت هل اشتهاه أو كرهه فليته أعتمد على قوله:
فالموت تعرف بالصفات طباعه ... لم تلق خلقا ذاق موتا آيبا
وبالجملة فما أراد بالموت إلا تشبيه السكر به ومن يذوق السكر فهو يشتهيه وليس السكر موتا بل غيبة تمييز وظل الغيبة هي المستلذة المطلوبة من الشراب ولولاها ما شرب لعلل توجب عنه الانقطاع ومنه الامتناع منها والدخول مما يروى بالمروءة والديانة وتنتهك حرمة الصيانة ومن ذلك الخمار الذي له من المضض ما هو لأعظم المرضى فلولا لذة السكر ما صبر على ذلك منه وفي ذلك أقول صيغة:
إلى الله أشكو هوى شادن ... بعيد المنال قريب المزار
يسيء ويعذره حسنه ... لدى عاشقيه بغير اعتذار
محاسن تغفر ذنب الصدود ... كما غفر السكر ذنب الخمار
والذي قاله الديك في هذا أحسن:
فتراهم صرعى وقد صعقتهم ... بكؤوسها في عدة الأموات
يا حبذا هم ميتين وحبذا ... ذاك الممات لهم فخير ممات
موت تنافسه الملوك ويشترى ... بعقائل تلد ومطرفات
موت أعز من الحياة عليهم ... وألذ في الأفواه واللهوات
ولا بد للمدام إذا أدمنت من حمى الأكباد واحتراق الأجساد ما هو معلوم منها وربما بلغ السكر بالشارب العاقل إلى غاية لا ترضى لصغار الغلمان وخساس العبدان ولكن لها ساعة تقل هذه البلايا في جبينها وتحمل على معاودة شربها وهي الحال التي كرهها أبو الطيب.
وله بعد هذه الأبيات مقاطيع في لعبة، أحضرت مجلس بدر بن عمار وقد طرح من شعره شيئا كثيرا لم يرضه لو ألحقها به كان أوفق، ونحن نستغني عن ذكر أكثرها لفراغها والذي نذكره ما فيه بعض المعنى منها قوله:

(1/124)


جارية ما لجسمها روح ... بالقلب من حبها تباريح
والبرد يعم معانيها، وقال بعد هذا:
في يدها طاقة يشير بها ... في كل طيب من طيبها ريح
لا أعرف كيف صارت طاقة ريحان لكل طيب من طيبها ريح، ثم قال:
سأشرب الكأس عن إشارتها ... ودمع عيني في الخدين مسفوح
ولا معنى لذكر الدمع إلا طلب القافية.
وقال في أبيات أولها:
إن الأمير أدام الله دولته ... لفاخر كسيت فخرا به مضر
يقول فيها:
قامت على فرد رجل من مهابته ... وليس تعقل ما تأتي وما تذر
تعجب من غير عجب، قد يكون في البرك أشخاص من أشكال طير وغيره تدور وتتحرك ولا أعلم لها بما فعلته وقد قال مسلم في سفينة:
إذا ما طفت ألقى الجرير لرأسها ... وملكها عصيانها وهي لا تدري
وقد أعرب أبو الطيب بقوله في أخرى:
ما نقلت في مشيئة قدما ... ولا اشتكت في دوارها ألما
وأتبعه بقوله:
لم أر شخصا من قبل رؤيتها ... يفعل أفعالها وما عزما
فأعدمها التمييز ثم قال:
فلا تلمها على تساقطها ... أطربها أن رأتك مبتسما
فخبر في الأولى أن مهابة الأمير أقامها على فرد رجل وذكر أنها لا تعقل أن تأتي ولا تذر في أثر ذلك ثم خبر في أخرى أنها تفعل أفعالها بغير عزم ثم قال إنها تتواقع طربا برؤيته مبتسما فمرة يجعلها قاصدة مميزة لهيبة الأمير وسروره ومرة يعدمها التمييز وينفيه عنها في حال واحدة وذلك من محال الكلام ولكن المذهب الحسن قول بعض الشعراء:
لو كان حيا قبلهن ظعاينا ... حيا الحطيم وجوههن وزمزم
وهذا احتياط يشبه احتياط البحتري في قوله:
ولو أن مشتاقا تكلف غير ما ... في وسعه لسعى إليك المنبر
فذكر هذا أنه لو أمكن تحية الحطيم هذه الظعائن لحيا أو سعى هذا المنبر، وأبو الطيب جمع بين النفي والإثبات في حال واحدة.
ويلي هذه أبيات في هذه اللعبة أولها:
وذات غدائر لا عيب فيها ... سوى أن ليس تصلح للعناق
وهي مثل ما تقدم في الفراغ وكأن فال قائل ما تقول هذا الشعر كله بديها فلما تواتر هذا منه خجل عليه وأمر بدر برفع اللعبة، فقال له أبو الطيب: ما حملك على ما صنعت قال بدر: أردت نفي الظنة عن أذنك فقال:
زعمت أنك تنفي الظن عن أذني ... وأنت أعظم أهل العصر مقدارا
ثم أتبعه بقوله:
إني أنا الذهب المعروف مخبره ... يزيد في السبك للدينار والدينارا
نعت بالمعروف وجاء بما لا يعرف من الذهب أنه يزيد في السبك ضعف وزنه ولو نعته بأن قال أنا ذهب معروف مخبره يزيد في السبك الضعف لجاز كأنه يريد نوعا من الذهب يخالف عادة أجناسه والمعنى الصحيح قول البحتري:
وقد هذبتك الحادثات وإنما ... صفا الذهب الإبريز قبلك بالسبك
فخبر بفعل الذهب من السبك معتاد من الصفا وليس بمعتاد زيادة الضعف في السبك.
ويلي ذلك أبيات أولها:
برجاء جودك يطرد الفقر ... وبأن تعادى ينفد العمر
قال فيها:
فخر الزجاج بأن شربت به ... وردت على من عافها الخمر
ينظر إلى قول ابن الرومي:
تصبو الكؤوس إلى مراشفه ... وتهش في يده إلى الحبس
وقال المتنبي:
وسلمت منها وهي تسكرنا ... حتى كأنك هابك السكر
هذا من قول ابن دريد:
كأنما الراح وهو يشربها ... تزيد في عقله إذا شربا
وهذا الكلام أرجح من كلام أبي الطيب لأنه خبر عنها بالهيبة له أن يسكره، وابن دريد لم يرض لها بذلك حتى ادعى لها إذا شربها الزيادة في عقله فمبالغته أوضح ومعناه أرجح.
ويلي ذلك قصيدة أولها:
لا افتخار إلا لمن لا يضام ... مدرك أو محارب لا ينام
أخذه من قول ابن دريد:
ولا فخر إلا فخر من لم يكن ل ... ه أمير عليه في الأمور تقدم
كريم حمته نعمة السيف أن يرى ... يمن عليه بالصنيعة منعم
ولكن أبا الطيب جمع اللفظ الطويل في الموجز القليل.
وقال المتنبي:
ليس عزما ما مرض المرء فيه ... ليس هما ما عاق عنه الظلام
نبهه على هذا المعنى الأعشى بقوله:

(1/125)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية