صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : المعاني الكبير
المؤلف : ابن قتيبة الدينوري
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

أي لين اللبان واسعه، واللبان مجرى اللبب، ويقال للدابة إذا جعل يتثنى في شقيه أنه ليتغوج، يقول: لم يقلد من داء ولا ربو إنما قلد للحسن خوفا من العين، وقال عبد المسيح يذكر نبتا رعاه أو صاد فيه:
صبحته صاحبي كالسيد معتدل ... كأن جؤجؤه مداك أصداف
مداك الطيب وهو الصلابة، شبه جؤجؤه وهو عظم صدره به، وقال سلامة بن جندل:
تم الدسيع إلى هادله تلع ... في جؤجؤ كمداك الطيب مخضوب
وقد فسر شبهه بالصلاية لإملاسه وبريقه ويقال بل شبهه به لضيق جؤجؤه، وقال امرؤ القيس:
كأن على الكتفين منه إذا جرى ... مداك عروس أو صراية حنظل
يقول هو أملس فكأن على كتفيه فهر عروس أو حنظلة براقة قد أصفرت وهي الصرابة، قال أبو عبيدة صراية بالكسر وهو الماء الذي ينقع فيه الحنظل لتذهب مرارته. شبه عرقه بمداك العروس لأنه أصفر أو بصراية الحنظل، وجعلها مداك عروس لأنها قريبة عهد بالسحق فهي تبرق في القول الأول، وفي القول الآخر فيها صفرة، وقال الجعدي:
ولوح ذراعين في بركة ... إلى جؤجؤ رهل المنكب
كل عظم لوح، والبركة الصدر بكسر الباء فإن حذفت الهاء قلت برك ففتحت الباء، وقوله في بركة معناه مع بركة، ويستحب أن يكون في جلد الصدر وجلد المنكبين رهل وهو مسترخى جلد المنكب فهو يموج ليس بضيق، وقال أيضا:
في مرفقيه تقارب وله ... بركة زور كجبأة الخزم
الجبأة خشبة الحذاء ويقال الجفنة أيضا، والخزم شجر يتخذ من لحائه الحبال، قال أصمعي: وبالمدينة سوق يقال لها سوق الخزامين، وقال بعضهم الخزم شجر الجوز.
الجنبان والجوف وما يحمد من إجفاره وانطواء الكشح
قال مزرد:
له طحر عوج بضيعها ... قداح براها صانع الكف نابل
الأصمعي قال: الطحر هاهنا الأضلاع مشتق من قولهم طحره إذا دفعه وباعده لأن اللحم قد ذهب عنها، والبضيع اللحم، والنابل الحاذق. وقال بشر:
على كل ذي ميعة سابح ... سقطع ذو أبهريه الحزاما
الأبهر عرق مستبطن الصلب وهو واحد فجعله اثنين وإنما أزاد ذوا أبهره يعني جنبيه يقول: يقطعان الحزام إذا زفر، وقال مطير بن الأشيم:
له زفرة بعد طول الجراء ... يقطع منها الحزام الشديدا
وقال العجاج:
يقطع إبزيم الحزام جشمه
يقول يجشم الحزام ما لا يطيق من انتفاخ جنبيه فإذا زفر انكسر الإبزيم، وقال لبيد:
ومقطع حلق الرحالة سابح ... باد نواجذه على الإطراب
يقطعها من انتفاخ جنبيه وقد فسر البيت فيما تقدم، وقال الجعدي:
خيط على زفرة فتم ولم ... يرجع إلى رقة ولا هضم
يقول كأنه زافر أبدا من عظم جوفه، والهضم استقامة الضلوع ودخول أعاليها وهو عيب، يقال فرس أهضم، والاخطاف لحوق ما خلف المحزم من بطنه وهو عيب، يقال فرس مخطف، قال الأصمعي: لم يسبق الحلبة أهضم قط والفرس بعنقه، وقال آخر - وهو الجعدي أيضا:
شديد قلات الموقفين كأنما ... نهى نفسا أو قد أراد ليزفرا
الموقفان رؤوس الفخذين وهما الحارقتان، نهى نفسا كأنه أراد أن يزفر فانتفخ لذلك ثم نهى نفسه أي رده. والثجل خروج الخاصرة ورقة في الصفاق، يقال فرس أثجل وهو عيب، وقال الراعي في الإبل:
حوزية طويت على زفراتها ... طي القناطر قبدأن بزولا
كقوله: خيط على زفرة.
وقال ابن أحمر:
حبطت قصيراه وسوند ظهره ... وإذا تدافع خلته لم يسند
القصيري آخر ضلع في جنبه، يريد أنه منتفخ الجنبين وسوند ظهره يريد أن ظهره مشترف إذا وقف، وإذا تدافع في مشبه اعتدل ودخل بعضه في بعض.
وقال ابن مقبل:
إلى كبد كأن منهاة سوطها ... بفرج الحزام بين قنب ومنقب
وما انتقصت من حالبيه ومتنه ... صفيحة ترس جوزها لم يثقب
منهاة سوطه حيث ينتهي السوط إليه منها، وفرج الحزام حيث ينفرج من الحزام، والحالبان عرقان يكتنفان السرة، أي كأن متنه وما وصف من هذه المواضع صفيحة ترس، والمنقب حيث ينقب البيطار.
وقال أبو داود:

(1/32)


فرشت كبدها على الكبد السفلى فأضت كأنها فرزوم
يريد أنها مجفرة انبسطت كبدها على موضعها، والفرزوم خشبة الحذاء ويقال للقصار: قال أبو عبيدة للفرس كبد وليس له طحال، شبهها بالفرزوم في صلابتها.
وقال النابغة:
لقد لحقت بأولى الخيل تحملني ... كبداء لا شنج فيها ولا طنب
كبداء ضخمة الوسط، شنج قصر، وطنب طول مع اضطراب يقول هي معتدلة، وقال امرؤ القيس:
له أيطلا ظبي وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل
أيطلا ظبي كشحاه، ويروى اطلا - وهما سواء، وشبهها بكشحى ظبي لأنه طاو، وساقا نعامة لقصر ساقيها ويستحب قصر الساقين في الفرس وقال المعذل بن عبد الله:
لها قصريا رئم وشدقا حمامة ... وسائقتا هيق من الربد أربدا
وقال أبو داود:
وقصرى شنج الإنسا ... ء نباح من الشعب
القصرى الضلع الأخرى التي تلي الكشح وإنما أراد الكشح، نباح يقال للظبي إذا كبر وهرم نباح، والشعب جمع أشعب وهو الظبي وإنما قيل له أشعب لانفراج ما بين قرنيه، وقال آخر:
تردى به ملث الظلام طمرة ... مرطى الجراء طوالة الأقراب
الأقراب واحدها قرب وهو منقطع حصيري الجنبين، قال أبو عبيدة القرب والموفف والأيطل والحقو كل ذلك قريب بعضه من بعض وهو الخاصرة وما يليها، وهم يذمون طول الصقلة وهي الطفطفة، يقال: ما طالت صقلة الأقصر جنباه وذلك عيب وقال الجعدي:
كأن مقط شرا سيفه ... إلى طرف القنب فالمنقب
لطمن بترس شدن الصفا ... ق من خشب الجوز لم يثقب
الشراسيف مقاط الأضلاع، والقنب غلاف قضبيه والمنقب موضع نقب البيطار من بطنه، أي كأن ذلك الموضع منه ألصق بترس من خشب الجوز وإنما يعني الجوز ثم رجع إلى نعت الفرس فقال شديد الصفاق والصفاق الجلد الأسفل دون الجلد الأعلى الذي عليه الشعر.
وقال يذكر فرسا:
ويبقي وجيف الأربع السود جوفه ... كما خلق التابوت أحزم مجفرا
أي بعد ما يوجف أربع ليال يبقى جوفه مثل التابوت، أحزم عظيم المحزم.
فلما أبى أن ينقص القود لحمه ... نقصت المديد والمريذ ليضمرا
المديد دقيق وما يمده به المريذ أن يمرذ له خبزا وتمرا أو غيره يقال مرذ ومرث ومرس سواء.
وبطن كظهر الترس لوشل أربعا ... فإصبح صفرا بطنه ما تخرجوا
شل طرد أربع ليال فأصبح خالي الجوف ما اضطرب بطنه ولا تغير عن حاله.
وقال سلمة بن الخرشب:
إذا كان الحزام لقصرييها ... أما ما حيث يتمسك البريم
يقول إذا قلق الحزام واضطرب وسفل عن موضعه، أما ما أي صار قداما أي قدام القصرى، والبريم الحقاب، أي حيث يكون الحقاب من المرأة وهذا مثل.
وقال المرقش:
ومغيرة نسج الجنوب شهدتها ... تمضي سوابقها على غلوائها
بمحالة تقص الذباب بطرفها ... خلقت معاقمها على مطوائها
نسج الجنوب أي هم مجتمعون كسحاب نسجته الجنوب وجمعته من الآفاق، والغلواء الارتفاع، وقال آخرون أراد أن المغيرة تمر مثل مر الريح والمحالة الشديدة المحال وهو الفقار، تقص الذباب تقتله بطرفها إذا سقط ودنا منها، والمعاقم الفصوص وهي المفاصل، أراد أنها كأنها تمطت فخلقت على ذلك، وشبيه به قول الجعدي:
خيط على زفرة
وقال سلمة بن يزيد الجعفي:
كأن مواضع الدأيات منه ... وجفرة جنبه حشيت ثماما
الظهر والقطاة والمتن وما يوصف به
وقال سلمة بن يزيد الجعفي: قال امرؤ القيس:
وصم صلاب ما يقين من الوجى ... كأن مكان الردف منه على رال
صم صلاب حوافره ما يقين من الوجى، وشبه قطاته بقطاة الظليم لأنها مشرفة ويستحب إشراف قطاة الفرس.
وقال أيضا:
يدير قطاة كالمحالة اشرفت ... إلى سند مثل الغبيط المذأب
المحالة البكرة، إلى سند أراد مع سند وهو الظهر، والغبيط الرحل، والمذأب له ذئب أي فرج، قال أبو داود:
يعلو بفارسه منه إلى سند ... عال وفيه إذا ما جد تصويب

(1/33)


أي ظهر مشرف إذا وقف وفيه إذا سار طمأنينة وتصويب وذلك محمود، وقال الفرزدق يهجو سليطا:
سائل سليطا إذا ما الحرب أفزعها ... ما بال خيلكم قسا هواديها
القعس أن يطمئن الصلب من الصهوة وترتفع القطاة وذلك عيب، فإن اطمأنت القطاة والصلب فذلك البزخ يقال فرس أبزخ وأقعس وهما عيبان، وإنما أراد الشاعر أنكم تتأخرون عن الحرب وتجذبون أعنة الخيل فقد دخلت أصلا بها وخرجت صدورها والصهوة مغق الفارس وقال أبو داود:
ومتنان خظانان ... كزحلوف من الهضب
وكزحلوق أيضا وهو بمعناه، يقال لحمه خظا بظا إذا كان كثير اللحم صلبة والزحلوق الحجر الأملس، وقال امرؤ القيس:
لها متنتان خطانا كما ... أكب على ساعديه الغمر
ويقال هو خاظى البضيع إذا كان كثير اللحم مكتنزه، وقوله خظاتا فيه قولان أنه أراد خظاتان كما قال أبو داود: ومتنان خظاتان، فحذف نون الاثنين يقال متن خظاة ومتنة خظاة، والآخر أنه أراد خظتا أي ارتفعتا فاضطر فزاد ألفا، والقول الأول أجود، وقوله " كما أكب على ساعديه النمر " أراد كأن فوق متنها نمرا باركا لكثرة لحم المتن وقال:
كميت يزل اللبد عن حال متنه ... كما زلت الصفوأ بالمتنزل
حال متنه موضع اللبد، قال الأصمعي لم أسمع به إلا في هذا البيت، وشبه زليل اللبد عنه بصخرة تزل في هبوط، وقال أوس:
كميت يزل اللبد عن دأياتها ... كما زل عن عظم الشجيج المحارف
الدأيات الفقار، وقال علقمة:
وجوف هوا تحت متن كأنه ... من الهضبة الخلقاء زحلوق ملعب
وقال خداش بن زهير:
دحض السراة إذا علوت سراته ... صافي الأديم صبيحة الأعمال
السراة الظهر، أي لا يثبت فوقه شيء لملاسته يزلق عنه، وقال عمرو بن معدي كرب:
وعجلزة يزل اللبد عنها
العجلزة الشديدة وقال النجاشي:
كأن بمنهى سرجه وقطاته ... ملاعب ولدان على صفوان
الملاعب الزحاليق، وقال دكين:
كأن غر متنه إذ نجنبه ... من بعد يوم كامل نؤوبه
سير صناع في خيرز تكلبه
غر المتن طريقته وكذلك غر كل شيء، قال واشترى رؤبة ثوبا من بزاز فلما استوجبه قال: أطوه على غره أي على كسره، والتأويب سير اليوم إلى الليل، يقول طريقة متنه تبرق كأنها سير في خريز، والكلب أن يبقى السير في القربة وهي تخرز فتدخل الخارزة يدها وتجعل معها عقبة فتدخلها من تحت السير ثم تخرق خرقا بالأشفى فتخرج رأس الشعرة منها فإذا خرج رأسها جذبتها فاستخرجت السير، وقال ابن مقبل:
جرى قفصا وارتد من أسر صلبه ... إلى موضع من سرجه غير أحدب
القفص الذي لا ينطلق في جريه، وأسر صلبه اندماجه، وارتد يقول رجع بعضه إلى بعضه لأنه لم يستقم جريه وليس ذاك من حدب. وقال كعب بن زهير:
شديد الشظى عبل الشوى شنج النسا ... كأن مكان الردف من ظهره وعا
أي كأنه كسر ثم جبر وإنما أراد أن فيه ارتفاعا، وقال الجعدي:
أمر ونحى من صلبه ... كنتيجة القتب المجلب
على أن حاركه مشرف ... وظهر القطاة لم يحدب
أمر فتل وأدمج، ونحى حرف، يقول في عظامه قنا أي تحنيب وهو أن يكون فيه كالحدب وهو يستحب في المحال والذراع، وأنشد الأصمعي:
أقنى المحال مجفر مجرى الضفر
الذنب وما يوصف به
قال النمر بن تولب:
جموم الشد شائلة الذنابى ... تخال بياض غرتها سراجا
جموم الشد يقول إذا ذهب شد جاء شد كما تجم البئر إذا ذهب ماء جاء آخر، ويستحب من الفرس أن يرفع ذنبه إذا عدا، يقال هو من شدة صلبه، ويقال الذنابي شعر ذائل منتشر في أصل الذنب من جانبيه.
وقال دكين:
فهو كأن يد ساط ذنبه
يريد أنه قد رفع ذنبه في عدوه فكأنه رجل ساط قد رفع يده ليدخلها في حياء ناقة، وجاء في الحديث " لا بأس أن يسطو الرجل على المرأة " وقال زهير:
عواسر يمزعن مزع الظبا ... ء يركضن ميلا وينزعن ميلا
عواسر رافعة أذنابها، ويروى يمزعن ميلا، أي يثبن، وقال امرؤ القيس:

(1/34)


ضليع إذا استدبرته سد فرجه ... بضاف فويق الأرض ليس بأعزل
ضاف سابغ، سد فرجه ما بين فخذيه، يريد كثرة الذنب، والعزل أن يعزل ذنبه في أحد الجانبين وذلك عادة لا خلقة، والعصل التواء عسيب الذنب حتى يبرز بعض باطنه الذي لا شعر عليه، والكشف أكثر من ذلك، والصبغ بياض الذنب كله، والشعل أن يبيض عرضه - وهذه عيوب الذنب، وقال أيضا:
وإن أدبرت قلت سرعوقة ... لها خلفها ذنب مسبطر
سرعوفة جرادة، مسبطر ممتد، مدحها بطول الذنب، وقال أيضا:
لها ذنب مثل ذيل العروس ... تسد به فرجها من دبر
أراد الفرج بين فخذيها، وقال خداش بن زهير:
لها ذنب مثل ذيل الهدي ... إلى جؤجؤ أيد الزافر
أيد شديد، الزافر الصدر لأنه يزفر منه، وقال النابغة:
بكل مدجج في البأس يسمو ... إلى أوصال ذيال رفن
الذيال الطويل الذنب الطويل فإن كان الفرس قصيرا وذنبه طويلا قالوا ذائل والأنثى ذائلة وذيال الذنب فيذكرون الذنب، ورفن ورفل واحد، وقال ابن مقبل:
وكل علندي قص أسفل ذيله ... فشمر عن ساق وأوظفة عجر
- العلندي الجمل والكندي إذا غلظ - قص أسفل ذيله أي حذف، وعجر غلاظ، وقال امرؤ القيس:
على كل مقصوص الذنابي معاود ... وجيف السرى بالليل من خيل بربرا
إذا قلت روحنا أرن فرانق ... على جلعد واهى الأباجل أبترا
يعني البريد وكانت دواب البريد الخيل، واهى الأباجل منفتق الأباجل بالجرى، أبتر محذوف.
العجز والفخذان
قال امرؤ القيس:
سليم الشظى عبل الشوى شنج النسا ... له حجبات مشرفات على الفال
الشظى عظم لاصق بالذراع، فإذا تحرك قيل شظى الفرس، شنج النسا قصيره والنسا عرق مستبطن الفخذين حتى يصير إلى الحافر فإذا هزلت الدابة ماجت فخذاه فخفى وإذا سمنت انفلقت فجرى بينهما واستبان كأنه حية وإذا قصر كان أشد لرجله، قال:
بشنج موتر الأنسا
فإذا كان فيه توتير فهو أسرع لقبض رجليه وبسطهما غير أنه لا يسمح بالمشي، وضروب من الحيوان توصف بشنج النسا وهي لا تسمح بالمشي كالظبي، قال أبو داود:
وقصرى شنج الأنسا ... ء نباح من الشعب
ومنها الذئب وهو أقزل وإذا طرد فكأنه يتوجى، ومنها الغراب وهو يحجل كأنه مقيد، قال الطرماح:
شنج النسا حرق الجناح كأنه ... في الدار إثر الظاعنين مقيد
والحجبات واحدتها حجبة وهي رأس الورك التي تشرف على الجاعرة، والفال عرق يخرج من فوارة الورك، يقول قد أشرفت حجبته على هذا العرق، وقال أبو النجم:
طامحة الطرف نباة الفائل
نباة مشرفة والفائل والفال واحد، أراد مشرفة موضع الفال وقال طفيل:
على كل منشق نساها طمرة ... ومنجرد كأنه تيس حلب
منشق نساها يريد به موضع نساها، منشق لأنها سمينة فقد انفلقت فخذاها كما يقال فلان شديد الاخدع يراد شديد العنق، والأخدع عرق في العنق، وفلان شديد الأبهر وهو عرق في الظهر يريد الظهر.
وقال النابغة - الجعدي:
فليق النسا حبط الموقفين ... يستن كالتيس في الحلب
فليق النسا مثل منشق النسا، والموقف ما دخل في وسط الشاكلة إلى منتهى الأطرة من منتهى الخاصرة، أراد أنه منتفج وقال أبو ذؤيب:
متفلق أنساؤها عن قانى ... كالقرط صاو غبره لا يرضع
تفلقت أنساؤها عن ضرع أحمر كالقرط في صغره، وصاو يابس، والغبر بقية اللبن، وإنما أراد أنها لم تحمل وإذا لم تحمل كان أصلب لها، ومثله في الكلام " فلان لا يرجى خيره " أي ليس له خير يرجى.
وقال دكين:
على ضروع كقرون الأوعال
شبهها بقرون الأوعال لرقتها ولأنها لم تحمل قط ولم ترضع فتستفيض ضروعها وللضروع باب ألفته في كتاب الإبل.
وقال ابن الرقاع:
وترى لغر نساه غيبا غامضا ... فلق الخصيلة من فويق المفصل

(1/35)


الغر تكسر الجلد وجمعه غرور، وسئل رجل من العلماء بالخيل: متى يبلغ الفرس، فقال: إذا ذبل فريره وتفلقت غروره وبدا حصيره واسترخت شاكلته، الفرير موضع المجسة من معرفته والغرور واحدها غر وهو كل تكسر في الجلد، والحصير ما بين العرق الذي يظهر في جنب الفرس والبعير معرضا فما فوقه إلى منقطع الجنب، وقال آخر: الحصير العصبة التي تبدو في الجنب بين الصفاق ومقط الأضلاع وأنشد الأصمعي:
كأن سفينة طليت بقار ... مقطا زوره حتى الحصير
والحصير في غير هذا الملك وأنشد:
بني مالك جار الحصير عليكم
والشاكلة الجلدة التي بين الثفنة وعرض الخاصرة، وقال آخر هي الطفطفة، وقوله غيبا، يريد انفلقت فخذاه بلحيتين عند سمنه فجرى النسا بينهما واستبان، والخصيلة كل لمحة فيها عصبة.
وقال امرؤ القيس:
لها عجز كصفاة المسيل ... أبرز عنها جحاف مضر
يريد أن عجزه ملساء ليس بها فرق والفرق إشراف أحد الوركين على الأخرى يقال فرس أفرق وذلك عيب، جحاف مجاحفة السيل الصخرة، مضر دان متقارب، وقال عوف بن عطية بن الخرع:
لها كفل مثل متن الطرا ... ف مدد فيه البناة الحتارا
الطراف الفسطاط من أدم، والحتار ما أطاف به من أطرافه وهو موقع الطنب من الطراف، ومثله الإطار وإنما شبه الكفل بمتن الطراف في استوائه، وقال:
كميتا كحاشية الأتحمى ... لم يدع الصنع فيه عوارا
شبهها بحاشية البرد في استوائه وسفاقته، أنشدني السجستاني عن أبي عبيدة للعديل:
ومهرين كالرمحين تنشق عنهما ... عجاجة نقع ساطع فتجردا
شجيرين طار الكبو والربو عنهما ... إذا الربو في أكفالهن تصعدا
قال أبو عبيدة يقال فرس شجير أي لطيف الشجر ليس بمنتفج يربو ولكنه لطيف لا ينتفج ولا يربو، والكبو هاهنا أن لا يعرق كما تكبو الركية إذا ذهب ماؤها فلم تبض، وقال غيره كما يكبو الزند إذا لم يور، قال أبو عبيدة وإذا صعد الربو في كفل الفرس وذلك من طول ما يعلف سقطت رجلاه فقام، والربو هاهنا من ربا يربو ربوا.
القوائم
قال الشاعر - ويروى لطفيل الغنوي:
وأحمر كالديباج أما سماؤه ... فريا وأما أرضه فمحول
سماء الفرس ما كان من عجب ذنبه إلى المعذر، وأرضه قوائمه يريد أن قوائمه ممحصة ليست برهلة وأن أعلاه ريان ليس بمهزول ولا ضعيف، وأرضه في غير هذا الموضع تكون حوافره، قال حميد الأرقط:
ولم يقلب أرضها البيطار ... ولا لحبليه بها حبار
يقول لم تكن بها علة فيحتاج البيطار إلى تقليب حوافرها، والحبار الأثر، قال أبو داود:
أيد القصريين ما قيد يوما ... فيعنى لصرعه بيطار
أراد لم يقد يوما إلى بيطار ليصرعه ويعالجه.
وقال الجعدي:
سليم السنابك لم يقلب
وقال آخر:
إذا ما استحمت أرضه من سمائه ... وباع كبوع الخاضب المتطلق
يقول عرق حتى سال العرق على قوائمه، والخاضب الظليم، وقال سلمة بن الخرشب:
إذا ما استحمت أرضه من سمائه ... جرى وهو مودوع وواعد مصدق
مودوع مودع، وواعد مصدق أي يعدك صدقا في العدو، وقال العجاج:
قد لاح منه فالسراة أشحمه
أي أسمنه سراته وهو أعلاه، وقال دكين بن رجاء:
ينجيه من مثل حمام الأغلال ... وقع يد عجلى ورجل شملال
يظمأ من تحت ويروى من عال
يعنى من خيل مثل - حمام - 1 - الأغلال والأغلال جمع غلل وهو الماء الجاري على وجه الأرض وإذا كانت الحمام تريد الماء فهو أسرع لها، والشملال الخفيفة، وقال أبو النجم:
عبل الأعالي مرس الأسافل ... مشترف محتجز الخصائل
عن سلبات ذبل المفاصل
أراد بالأعالي كاهله وبأسافله قوائمه، مرس شديد، مشترف عالي النظر سام، محتجز يقول قد احتجز بعض لحمه من بعض من شدته، ومثله لحمها زيم أي مفترق في أعضائها ليس بمجتمع فتبدن، عن سلبات عن قوائم سلبات أي طوال، ذبل يبس والخصائل العضل ومثله:
من كل عريان الشوى جسام ... محتجز الحم على العظام

(1/36)


أي هو ممحص القوائم ليست قوائمه برهلة.
وقال الأسدي:
كميت أمر على زفرة ... طويل القوائم عريانها
أمر كأنه فتل وطوى على زفرت.
وقال خداش بن زهير:
ولا حنكل عاري الظنابيب اكزما ... الحنكل والأكرام والحاذي القصير
ولميسمع بأحد ذم العري في الظنابيب غيره والعري محمود وقال امرؤ القيس:
وساقان كعباهما صمعا ... ن لحم حمايتهما منبتر
الحماة عضلة الساق ويحب انبتارها، والكعوب المفاصل، يريد أنهما ليستا برهلتي المفاصل، والصمع اللزوق، ومنه أذن صمعاء أي صغيرة لازقة بالرأس، ويقال خرج السهم متصمعا أي قد انضم ريشه من الدم، منبتر متقطع.
وقال زيد الخيل:
نسوف للحزام بمرفقيها ... شنون الصلب صمعاء الكعاب
نسوف للحزام قطوع، يقال نسفه أي قطعه.
ومثله قول بشر:
نسوف للحزام بمرفقيها ... يسد خواء طبييها الغبار
الأطباء لكل ذات حافر، والضرع لكل ذات ظلف والخلف لكل ذات خف، والخواء فرجة ما بينها، شنون الصلب سمينة، صمعاء الكعاب لازقتها وقال أبو داود:
لها ساقا ظليم خا ... ضب فوجى بالرعب
ساقا ظليم قصيرتان ويستحب قصر ساقي الفرس.
ومثله قول الآخر:
له متن عير وساقا ظليم
وقال امرؤ القيس:
له أيطلا ظبي وساقا نعامة
وقال أبو داود:
بين النعام وبين الخيل خلقته ... خاظى البضيع أجش الصوت يعبوب
يريد أن فيه من خلقة النعامة قصر ساقيها وإشراف قطاتها ومشيها في بعض أحوالها وعدوها.
وقال آخر يمدحه بطول القوائم:
شرجب سلهب كأن رماحا ... حملته وفي السراة دموج
الشرجب الطويل العاري أعالي العظام، والسلهب أيضا الطويل القوائم.
وقال زهير:
وملجمنا ما إن ينال قذاله ... ولا قدماه الأرض إلا أنامله
فنضربه حتى أطمان قذاله ... ولم يطمئن قلبه وخصائله
القذال من الإنسان ما بين النقرة والأذن ومن الفرس معقد العذار والخصائل جمع خصيلة وهي كل لحمة في عصبة، وقوله: اطمأن قذاله كان رافعا رأسه فضربناه حتى نكس، يقول وهو فإن كان قد اطمأن قذاله فليس يناله ملجمنا ولا تنال الأرض قدماه لأنه قد قام على أطراف أصابعه، ومثله قول الآخر:
كأن هاديها إذ قام ملجمها ... قعو على بكرة زوراء منصوب
وقال خفاف بن ندبة:
ربذ الخناف إذا اتلأب ورجله ... في وقعها ولحاقها تجنيب
الربذ سرعة رجع اليد وليس الربذ سعة الشحوة، والخناف في الحافر كلها أن يهوي بيده إلى وحشيته والتجنيب كالروح في الرجلين والتجنيب انحناء وتوتير وذلك محمود: وإذا كانت رجلاه منتصبتين، غير محنبتين فهو أقسط والاسم القسط وذلك عيب، قال طرفة:
وكرى إذا نادى المضاف محنبا
في وقعها، يريد مع وقعها وكذلك قولك فلان عاقل في حلم، وقال زهير:
قد عوليت فهي مرفوع جواشنها ... على قوائم عوج لحمها زيم
وقال العماني الراجز:
يرى له عظم وظيف أحدبا ... مسقفا عبلا ورسغا مكربا
وقال يزيد بن عمرو الحنفي:
يخطو على عسب عوج سمون به ... فيهن أطر وفي أعلاه تقتيب
وقال أبو داود:
وفي اليدين إذا ما الماء أسهله ... ثنى قليل وفي الرجلين تجنيب
وقال طرفة:
جافلات فوق عوج عجل ... ركبت فيها ملاطيس سمر
ملاطيس جمع ملطاس وهو معول للصخر شبه الحافر به. وقال رجل من الأنصار:
وأقدر مشرف الصهوات ساط ... كميت لا أحق ولا شيئت
ويروى: وأقدر من جياد الخيل ناج، قال أبو عبيدة الأقدر من الخيل الذي يجاوز حافرا رجليه موضع حافري يديه والأقدر أفسح الخيل عنقا والأنثى قدراء، وروى أبو عبيد القاسم بن سلام عن بعضهم، أن الأقدر إذا سار وقعت رجلاه مواقع يديه.
قال أبو عبيدة: والأحق الذي يطبق حافرا رجليه موضع حافري يديه، ورواية أبي عبيد: الأحق الذي لا يعرق، الشئيت الذي يقصر حافرا رجليه عن موضع حافري يديه، والساطي البعيد الخطو، وروى القاسم بن سلام عن بعضهم: أن الشئيت العثور.

(1/37)


وأنشد أبو عبيدة لعياض بن كثير الضبي:
إذا ما الشئيت أمسك الربو ماءه ... تحدر لا وإن ولا متفاتر
وقال أبو داود:
حديد الطرف والمكب والعرقوب والقلب
التحديد في العرقوب محمود وفي جميع ما ذكر، ومن العراقيب المؤنف وهو الذي حدت إبرته وهو محمود، ومنها الأدرم وهو الذي عظمت إبرته وهي طرفه، ومنها أقمع وهو الذي عظم رأس عرقوبيه وذلك القمع.
وقال آخر:
لطاف الفصوص نيام الشظى ... صحاح الأباجل لم تضرب
نيام الشظى يريد أنها غير منتشرة.
وقال عوف بن عطية بن الخرع:
لها شعب كأياد الغبي ... ط فضض عنها البناة الشجارا
شعب قوائم، والغبيط مركب النساء، وأياده جانبه، والبناة الذين بنوه وركبوه، فضض كسر وفرق، والشجار عيدان الهودج، وقوله ولا العرق فارا، يقول: لم يكن بها داء فتودج فيفور الدم، وقال عمرو بن معدي كرب:
يقول له الفوارس إذ رأوه ... نرى مسدا أمر على رماح
أي يشبه بحبل فتل على رماح وهي قوائمه وشبهه بالحبل في ضمره واندماج خلقه، وقال الأعشى:
منه وجاعرة كأن حماتهالما كشفت الجل عنها أرنب
الحماة عضلة الساق ويستحب انقطاعها واجتماعها، وقال عبد الرحمن بن حسان:
كأن حماتيها أرنبان ... تقبضتا خيفة الأجدل
؟؟الأرساغ وما يحمد من يبسها وغلظها
قال امرؤ القيس:
تبارى الخنوف المستقل زماعه ... ترى شخصه كأنه عود مشجب
الخنوف الذي يرى بيديه في السير فهو أسرع له وأوسع، والزماع جمع زمعة والزمعة تكون لما له ظلف ولكنه أراد المستقل ثنته وهو الشعر المعلق في مآخير قوائمه وأراد أنها لا تمس الأرض ولكنه يستقل بها لأن أرساغه غير لينة، وقال أبو داود:
وأرساغ كأعناق ... ضباع أربع غلب
الغلب الغلاظ الرقاب واحدتها غلباء، وقال الجعدي:
كأن تماثيل أرساغه ... رقاب وعول على مشرب
وقال امرؤ القيس:
لها ثنن كخوافي العقا ... ب سود يفين إذا تزبئر
يريد تنتفش أخبرك أنها غير معرة والمعر مكروه وجعلها سودا لأن البياض كله رقة في الخيل وشبهها بالخوافي في رقتها ويستحب أن تكون الثنن والناصية والسبيب لينا، قال أبو عمرو: يفين لا يهمز أي يكثرن يقال وفي شعره إذا كثر، وقال غيره: يفئن مهموز أي يرجعن بهذا الازبئرار، وقال في وصف ناقة:
تطاير شذان الحصا بمناسم ... صلاب العجى ملثومها غير أمعرا
العجاية عصبة في الوظيف وجمعها عجى، ويقال أن الانتشار منها يكون، والملثوم الذي لثمته الحجارة.
وقال طرفة وذكر ناقة:
تتقى الأرض بملثوم معر
فهذا وصفها بالمعر وقال لبيد:
صاجب صاجب غير طويل المحتبل
أي غير طويل الأرساغ والمحتبل موضع الحبل من رسغه وإنما يحمد قصر الرسغ إذا لم يكن معه انتصاب وإقبال على الحافر فإذا كان منتصبا مقبلا على الحافر فهو أقفد والقفد عيب، قال أبو عبيدة: والقفد لا يكون إلا في الرجل، قال والفحج: تباعد ما بين الكعبين والصكك اصطكاك الكعبين والبدد بعد ما بين اليدين، والصدف تداني الفخذين وتباعد الحافرين في التواء من الرسغين والتوجيه نحو من ذلك إلا أنه أقل منه، والفدع التواء الرسغ من عرضه الوحشي.
الحوافر وما توصف به
قال امرؤ القيس:
ويخطو على صم صلاب كأنها ... حجارة غيل وارسات بطحلب
الغيل الماء الجاري على وجه الأرض، وارسات داخلات في الطحلب وإذا كان الطحلب على حجارة صلبت، ويقال وارسات أي صفر والحجارة تصفر إذا كان عليها الطحلب ولم يرد أن الحافر أصفر، وإنما أراد أن الحجر مصفر من الطحلب صلب، والنقد في الحافر عيب وذلك أن تراه مثل المتقشر، وقال الجعدي في مثله:
كأن حواميه مدبرا ... خضبن وإن كان لم يخضب
حجارة غيل برضراضة ... كسين طلاء من الطحلب
الحوامي جوانب الحوافر، يقول هي سود كأنها خضبت، والرضراضة حجارة ترصف بعضها إلى بعض وإذا أصابها الماء وركبها الطحلب كان أصلب لها وأشد، وقال ساعدة بن جؤية:

(1/38)


وحوافر تقع البراح كأنما ... ألف الزماع بها سلام صلب
البراح ما استوى من الأرض، تقع تضرب، ومنه يقال وقعت السكين إذا ضربتها بالمطرقة، والزماع أصله في الظلف في مؤخر الحافر وهي الزوائد كأنها الزيتون، أراد كأن ذلك الموضع حجارة صلب وواحد السلام سلمة، وقال النابغة:
برى وقع الصوان حد نسورها ... فهن لطاف كالصعاد الذوابل
الصوان الصلابة في الأرض واليبس، يقال وقعت الدابة توقع وقعا إذا أصابها وجع في الحافر ولا يكون ذلك إلا من وطئها في الغلظ فالغلظ هو أوقعها، وبرى نسورها والنسور ما ارتفع من باطن الحافر كأنه النوى أو الحصى، وقال علقمة بن عبدة:
سلاءة كعصا النهدي غل لها ... منظم من نوى قران معجوم
ويروى: ذو فيئة من نوى قران، سلاءة يقول هذه الفرس دقيقة المقدم كسلاءة النخل غليظة المؤخر، ومثله قول امرئ القيس:
إذا أقبلت قلت دباءة
شبهها بقرعة في دقة مقدمها وغلظ مؤخرها ويستحب ذلك في الإناث من الخيل، وعصا النهدي أراد النبع والنبع نبت ببلاد نهد، وقيل أيضا: شبهها بالسلاءة في صلابتها وضمرها، وقال آخر نهدينزلون الجبل فشجرهم أصلب من شجر غيرهم، غل لها أدخل لها، ذو فيئة أي ذو رجوع، وذلك أن الإبل تطعم النوى فإذا هي بعرت غسلوا البعر فإذا أصابوا نوى صحاحا أطعمته الإبل ثانية وهو أصلب النوى أراد بذلك أن نسورها كنوى القسب من صلابته، معجوم يعني النوى أنه مما أكل ولم يطبخ وإذا طبخ كان أضعف له والمأكول أصلب، وقال أبو داود:
ترى بين حواميه ... نسورا كنوى القسب
وقال آخر:
مفج الحوامي عن نسور كأنها ... نوى القسب ترت عن جريم ملجلج
مفج واسع يقال أفج أي اتسع، والجريم النوى، ترت ندرت شبهها بنوى ندر عن المرضحة ويقال الجريم هاهنا التمر المصروم والجرام الصرام، والملجلج تمر لجلج في الفم، وقال أبو النجم:
سمر الحوامى وأبة الآثار ... كالأقعب البيض من النضار
ركبن في كاسية عوارى ... يهمشن جوز القلع الصرار
الحافر يوصف بالسمرة والخضرة والورقة وإذا كان كذلك كان أصلب له، وأبة الآثار أي مقعبة الآثار فهو أحمد لها، وقوله: من النضار، وإنما أراد صفاء الحوافر ولم يرد البياض، والصفاء فيها أحمد من أن تكون كمدة متقشرة، كاسية قوائم كسيت بالجلد والعصب وهي عوار من اللحم، والقلع الصخر الأسود يصر لصلابته إذا وطئته الحوافر ولا يتكسر، يقول فحوافر هذه تكسره، وقال عوف بن عطية بن الخرع:
لها حافر مثل قعب الوليد ... يتخذ الفأر فيه مغارا
يتخذ الفأر مغارا في الحافر، شبهه في تقعيبه بالقعب يريد لو كان الفأر يتخذ فيه مغارا لكان له فيه مغار، ومثله جاءنا بجفنة يقعد فيها ثلاثة أي لو قعد فيها ثلاثة لوسعتهم، ويقال بل أراد يتخذ الفأر مغارا في القعب لأن القعب للوليد لا يزال يكون فيه الشيء من الطعام يعلل به الوليد فالفأر يدخله.
وقال آخر - وهو أبو النجم:
بكل وأب للحصى رضاح ... ليس بمصطر ولا فرشاح
ضافي الحوامي مكرب وقاح
أي مقعب، مصطر ضيق، فرشاح منبسط، مكرب شديد.
وقال طرفة:
تتقى الأرض برح وقح ... ورق تقعر أنباك الأكم
الرح جمع أرح وهو الحافر الكثير الأخذ من الأرض الواسع وهو ضد المصطر والوقح الصلاب، ورق في لونها.
وقال أبو داود:
سلطات ركبن في عجرات ... مكربات لم يخفها التقليم
ونسور كأنهن أواق ... من حديد يشقى بهن الرضيم
سلطات طوال، أراد القوائم، عجرات حوافر غليظة فهو من المعجور الذي فيه كالعقد، والأواقي مكاييل الزيت، والرضيم الحجارة المرضومة.
وقال دكين:
يبثن نبثا كالجراء الأطفال ... بسلطات كمساحى العمال
أي يقلعن من الطين بحوافرهن مثل الجراء من شدة عدوهن، سلطات حوافر طوال.
وقال سلمة بن الخرشب:
ومختاض تبيض الربد فيه ... تحومي نبته فهو العميم
غدوت به تدافعني سبوح ... فراش نسورها عجم جريم

(1/39)


مختاض بلد يخاض خوضا كأنه بحر أو ليل من كثرة نبته وخضرته، والفراش كل عظم رقيق، وكل رقيق من حديدة أو عظم يتقشر فهو فراشة، أراد أن ما يتقشر من نسورها مثل العجم وهو النوى، جريم مصروم، وجعله مصروما لأنه قد بلغ واشتد نواه.
تم الخلق
أنشدني السجستاني لأبي ميمون النضر بن سلمة العجلي هذا الشعر وقال قرأته على أبي عبيدة والأصمعي:
قدنا إلى الشأم جياد المصرين ... آل الحرون قد سحقن العصرين
قال أبو عبيدة: آل الحرون أولاد الحرون وهو فرس كان لمسلم بن عمرو بن أسيد الباهلي، والذائد من نسل الحرون.
شهرا فشهرا فاغتفرن الشهرين ... فهن قب مالئات للعين
اغتفرن أي احتملن ذاك لأنها تطعم قوتا على قدر فاحتملت ذاك.
مثل قداح النبع مما يبرين ... أنضجهن الطبخ طبخ الصرعين
الصرعان غدوة وعشية وهما العصران والبردان، والطبخ هو الحناذ وهو التسخين للخيل بعد التقريب حتى يذهب الشحم ويبقى اللحم، وتستوكع على الجري ويفعل ذلك بها في البردين.
والركض بعد الركض حتى يمهين ... والقود بعد القود قد تمكين
يمهين يستخرج عرقهن كما تمهى الركية يستخرج ماؤها، أمهت وأمهيت الحديدة سقيتها الماء وماهت هي، تمكين ابتللن وخمص فضولهن.
مستقبلات الريح حين يلقين ... للأرض يعركن بها ما يأذين
أذيت به بعلت به، يعركن بالأرض يريد التمريغ.
عرك ذوي العرة جربي يطلين ... حتى تبعثن وقد تثرين
أي لصق بهن ثرى الأرض.
ثم انتفضن مرة أو اثنتين ... نفض عتاق الطير حين يندين
ثم توذفن كأن لن يجرين ... وجلن في الأرسان حتى يخلين
أصل التوذف التبختر، يخلين تعلق عليهن المخالي.
كل طويل الساق حر الخدين ... مقسم الوجه هريت الشدقين
مقسم الوجه حسن الوجه، رجل قسيم ووسيم.
مؤلل الأذنين صافي العينين ... ذي حاجبين أشرفا كالصفين
مؤلل محدد، والحاجب يستحب منه الخشوع كما قال ابن مقبل:
وحاجب خاشع وماضغ الهز
ومدح هذا بإشرافه:
ومنخرين رحبا كالكيرين ... صلت الجبين رحب شجر اللحيين
الكير زق الحداد، والشجر ما بين لحييه من اللحم من ظاهر وباطن.
في فهقة غامضة المقذين ... وعنق كالجذع حر الليتين
الفهقة الفقرة التي هي مركب الرأس في العنق، والليتان صفحتا العنق.
ضافي السبيب مدبر العلباوين ... في منكبين رهلين ضخمين
ضافي سابغ، والسبيب شعر ناصيته وذنبه، والعلباء يدبر فتلين العنق وهما عصبتان في العنق وقد فسر ذلك، والرهل في المنكب والزور يستحب وإنما يكون ذلك لسعة الجلد.
ذي حافر كقعب بين القعبين ... مستقدم السنبك وافي العرضين
النسور في باطن الحافر مثل النوى واللوز، والأشعر ما أحاط بالحافر من الشعر، والبريم المخلوط، يريد في الأشعر بياضا، وكل شيئين خلطا فهما بريم.
وثنن تحمى حواميها الشين ... مثل الخوافئهن للأرض الزين
الثنة الشعر المعلق في مؤخر كل قائمة من قوائمه، وشبهها بالخوافي لطولها، وطولها يستحب ويكره المعر وهو شينها، وحواميها جوانبها.
وحوشب لا يتشكاه القين ... هادي العروق سالم الشظاتين
الحوشب موصل الوظيف في الرسغ والقينان حرفا وظيفي اليدين، يقول هو شديد الحوشب وثيقه فليس يتشكى الوظيف، وقوله: هادي العروق أي هي غير منتشرة كما قال الآخر:
نيام الأباجل لم تضرب
والشظاة عظم لاصق بالركبة فإذا شخصت شظى الفرش:
في عصبات مصح لا يخشين ... عارى الوظيف أحدب الذراعين
يقول عصباته قد خفيت لأنها غير منتشرة فلا يخشى عليها الانتشار، والعرى في الوظيف محمود، واعوجاج الذراعين أيضا محمود وأنشد - للعماني:
ترى له عظم وظيف أحدبا
مستقدم البركة ضخم العضدين ... مشترف الكتف طوال القرنين
نهد الغراب ناهد المعدين ... معقرب منبتر الحماتين

(1/40)


البركة الصدر، والغرابان ملتقى أعالي الوركين، والقطاة بينهما على العجز والمعدان موضع السرج من جنبي الفرس، ويستحب أن ترتفع القطاة وإذا ارتفعت اشتد الغرابان، والحماة عضلة الساق ويستحب انتبارها وقد فسر ذلك:
قليل لحم الشدق ضخم الفخذين ... أشق قاسى الظهر عاري الكعبين
غوج جهيز الشد حين يبلين ... ترى الغلام بعد ركض الميلين
يقال هو يتغوج في مشيته إذا تثنى في شقيه، والشد العدو، ويبلين يختبرن، جهيز سريع.
وبعد تقريب أفاض العطفين ... في ربذ منه يوارى الساقين
أفاض عطفيه ماء أي عرقا.
مستمسكا منه بلهب العرشين ... ترمي به الرجل فروع الكتفين
الهلب الشعر، والعرشان منبت العرف، يقول قد استمسك بالعرف خوفا من أن يسقط:
يقول قد حنت وما منه الحين ... ثم ثنى يجذبه بالكفين
بالسبق فوق السبق بين الجمعين ... ثم مشى فاهتز بين الحزبين
يريد أنه سبق سبقا بينا كأنه تجاوز السبق فهناك حبسه الغلام بكفيه.
مثل اهتزاز الرمح بين النصلين ... فمثل هذا نعم كحل العينين
بين النصلين بين السنان والزج.
ونعم حشو السرج بين الخيلين ... ونعم تالى الحمر حين يتلين
فالخيل منى أهل ما أن يدنين ... وأن يقربن وأن يقصين
وأن يبأ بأن أن يفدين ... وأن يكون المحض مما يسقين
وأهل إن أغلين أن يغالين ... بالطرف والتلد وأن لا يجفين
وأهل ما صحبننا أن يقفين ... وأهل ما أعقبننا أن يجزين
قوله أعقبننا يريد أهل أن يجزين بما أعقببنا من إحساننا إليهن كما قال الآخر:
فأعقب خيرا كل أهوج مهرج
ألسن عز الناس فيما أبلين ... والحسب الزاكي إذا ما يثنين
والأجر والزين إذا رمت الزين ... وأي يوم حظوة لم يحظين
وأي يوم غارة لم يدمين ... وكم كريم جده قد أغلين
وكم طريد خائف قد أنجين ... ومن فقير عائل قد أغنين
وكم برأس في لبان أجرين ... وجسد للعافيات أعرين
يقول مثل رؤوس الجوارح تجعل في أعناقها وتجرئ والعافيات الطير والسباع تعفو أجساد القتلى تأتيها.
وأهل حصن ذي امتناع أدين ... وكم لها في الغنم من ذي سهمين
يكون فيما اقتسموا كالرجلين ... وكم وكم أنكحن من ذي طمرين
المنكحات البيض مما يسبين ... بغير مهر عاجل ولا دين
كل معروف البلا أبلين ... فالخيل مخ في سلامى أو عين
ما بلل الصوفة ماء البحرين
ما أنقين ما كان لهن مخ وهو النقى، ويقال أن المخ يبقى في السلامى والعين بعد أن يذهب من جميع العظام، وأنشدني أيضا لأبي صدقة العجلي في هذا الوزن عن أبي عبيدة:
أعددت سامي الطرف حدر العينين ... في محجرين سهلا كاللصين
يقال عين حدرة وحادرة وهي الضخمة الصافية.
عار من اللحم صبيا اللحيين ... مؤلل الأذن أسيل الخدين
الصبيان مجتمع اللحيين من مقدمهما، وقلة اللحم هناك محمود.
في هامة بهية وصدغين ... تم له هاد طويل العرشين
منتصب العلباء تحت الخشين ... منفرج المنخر رحب الشدقين
الخشاء والخششاء عظم ناتئ خلف الأذن وهما اثنان، وكان ينبغي أن يقول الخشاوين.
مستنتل المنكب رسل العضدين ... طالت ذراعاه تمام الحبلين
مستنتل متقدم.
ذا عصب تم على الوظيفين ... وثنتين
وحافرين أدمجا كالقعبين ... وأبين قد لما كلم الفهرين
وحوشبين فيهما سليمين ... تحرزا في سنبك ونسرين
وبركةمثل مقيل الفهدين ... لط بها زور نبيل العرضين

(1/41)


منتفج الجوف رحيب الجنبين ... إلى قطاة زانت الغرابين
وذنب أضمر كالعسيبين ... نازي الحماتين عريض الفخذين
محدد العرقوب أظمى الكعبين ... إذا تعالى طلقا أو اثنين
خلت بعطفيه له جناحين ... ولثق الشرسوف بعد العطفين
وانحدر الماء كفيض الغربين ... وصار للناظر لونين اثنين
يهتز في المشية بين القترين ... حتى إذا حان رهان المصرين
وقد صنعن قبل ذاك شهرين ... حتى تملين وقد تعزين
تملين قال أبو عبيدة أطلن المكث في ذلك المضمار وتمتعن به ومنه يقال تمليت حبيبك وشبابك، وتعزين تشددن وقوله عزيته إنما هو شددته وعززته.
قودن بالليل ولم يعنين ... حتى تخففن وقد تطوين
أخذن بالتقريب حتى يندين ... طورا يقربن وطورا يجرين
وبالجناذ بعد ذاك يعلين ... حتى إذا رفه عنها أفضين
يعركن بالأرض إذا ما يلقين ... عرك هناء الجرب حين يطلين
حتى إذا بعثتها تمطين ... ثم انتفضن مرة أو اثنتين
حتى تشققن ولما يشقين ... شبه قداح النبع حين يبرين
أبو عبيدة تشققن ضمرن وهو من الأشق والأشق الضامر، وقال الأصمعي الأشق الطويل، ولما يشقين أي لم يفعل ذلك بهن للشقاء، والحناذ أن يعتصر ماؤها، وفي أخرى:
فهي إذا رفقتها تمطين ... يخلطن من جهل وحلم خلطين
وأنشد الدكين:
أعددت للروع ويوم التشلال ... مطهم الصورة مثل التمثال
التشلال الطرد والمطهم التام الخلق.
قاظ بقيد مقفل وتطوال ... في تولج ممرد وتظلال
مفرج الرفغ مرخى الأذيال ... فهو ممر كقناة المنوال
حتى إذا كان غداة الإرسال ... وأشرف الدير له والطربال
وصاح من مبرذن وبغال ... وجعل السوط شمال الشمال
بشر منه بصهيل صلصال ... بين خفاقي مأزق ذي أهوال
جاء يفدي بالأبين والخال ... ينجيه من مثل حمام الأغلال
وقع يد عجلى ورجل شملال ... ظمأى النسا من تحت ريا من عال
ينبثن نبثا كالجراء الأطفال ... بسلطات كمساحى العمال
خضر النواحي ريثات الأنصال ... كأنما غلامنا في تلتال
يرمي به المنسج جالا عن جال ... تطاوح الأرجاء مدلاة الدال
على ضروع كقرون الأوعال ... يخرجن من قرطف جون منجال
وقال لا أملكه على حال ... بهبة مني ولا بيع غال
قد فسرنا ما يحتاج إلى التفسير منها فيما تقدم.
وأنشد ابن الأعرابي:
يا رب مهر مزعوق ... مقيل أو مغبوق
من لبن الدهم الروق ... حتى شتا كالذعلوق
أسرع من طرف الموق ... وذي جناح أو فوق
وكل شيء مخلوق
الذعاليق بقل شبيه بالكراث يلتوى طيب يؤكل، وقال آخر:
وربرب حماض ... يطعن بالصياصي
ينظرن من خصاص ... بأعين شواص
كفلق الرصاص ... يأكلن من قراص
أو 5 حمصيص واص
تمت معاني الخيل والحمد لله تعالى وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
الجزء الثاني
كتاب السباع
فيه الأبيات في صفة الذئب والأرنب والضبع والكلاب والأسد والغراب، والتطير من الغربان وسائر ما يتطير منه، والعقاب والنسر والصقر والرخم والحبارى والمكاء والحمام وغيرها من الطير والقطا، والأبيات في النعام من كتاب المعاني لابن قتيبة.
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه معونتي وعليه توكلي
أبيات المعاني في وصف الذئب

(1/42)


أنشدني أبو حاتم السجستاني عن أبي زيد:
عوى ثم قوقا بعد ما لعبت به ... حوامين أمثال الذئاب السوافد
قال السجستاني سألت عنه الأصمعي فقال: السافد أضم ما يكون وأذهبه سخنة وأشده غبرة فأراد أنها حوامين غبر، وحوامين جمع حومانة وهي القطعة من الأرض فيها غلظ وانقياد، وقال ابن مقبل وذكر بقرة:
حتى احتوى بكرها بالجزع مطرد ... هملع كهلال الشهر هذلول
لم يبق من زغب طار الشتاء به ... على قرى ظهره إلا شماليل
يعني ذئبا أكل ولدها، والهملع الخفيف، كهلال الشهر في دقته وضمره، شماليل بقايا متفرقة يقال للنخلة إذا أكلت فلم يبق فيها إلا أشياء يسيرة متفرقة في الأعذاق ما يقي الأشماليل، وقال كعب بن زهير وذكر ذئبا:
إذا ما عوى مستقبل الريح جاوبت ... مسامعه فاه على الزاد معول
الأصمعي يقول: إذا عوى مستقبل الريح ردت الريح الصوت فسمع لذلك طنينا، ويقال: أراد أنه إذا عوى صوتت مسامعه من فمه لأنه ليس بينهما حاجز وذلك إذا جاع، معول باك إذا لم يجد الزاد، ويروى: مرمل، أي هو مرمل من الزاد.
كسوب لدن أن شب من كسب واحد ... محالفه الأقتار ما يتمول
رواه الأصمعي: كسوب له المعدوم من كسب غيره، يقول ما يعدم غيره أصابه، وقال أعرابي في رجل: هو آكلكم للمأدوم وأعطاكم للمحروم وأكسبكم للمعدوم: ومن قال كسوب لدن أن شب من كسب واحد فإنه يريد أن الذئب يكسب قد ما يكسب واحد.
كأن دخان الرمث خالط لونه ... يغل به من باطن ويجلل
بصير بأدغال الضراء إذا غدا ... يعيل ويخفي بالجهاد ويمثل
يعيل يميل في مشيته يتبختر، ويمثل يظهر منتصبا، ويقال يعيل في البلاد مثل قولك يعير.
تراه سمينا ما شتا وكأنه ... حمى إذا ما صاف أو هو أهزل
قال: كل السباع يسمن في الشتاء حتى السنانير في البيوت، حمى محتم، قال الأصمعي: وصفه بالسمن في الشتاء لأنه يأكل من الأسلاء فإذا جاء الصيف جهد.
كأن نساه شرعة وكأنه ... إذا ما تمطى وجهة الريح محمل
محمل حمالة السيف، شبه الذئب به أي هو ممتد خميص، وشرعة وتر، يريد أنه معرق القوائم ليس برهل فنساه مثل الوتر والذئب يوصف بشنج النسا.
وقال وذكر ناقة:
تجاوب أصداء وحينا يروعها ... تصور كساب على الركب عائل
يعني ذئبا، عائل محتاج، أي تضوره على الركب.
وقال الراجز يذكر ذئبا:
يستخبر الريح إذا لم يسمع ... بمثل مقراع الصفا الموقع
أي يستروح إذا لم يسمع صوتا بخرطوم مثل مقراع الصفا وهو الفأس التي يكسر بها الصخر، وجعل تشممه استخبارا.
وقال طفيل وذكر فرسا شبهه بالذئب:
كسيد الغضا الغادي أضل جراءه ... على شرف مستقبل الريح يلحب
سيد الغضا أخبث الذئاب يقال ذئب خمر والذئب يستقبل الريح ليشم أرواح جرائه أو غير ذلك وقال الجعدي وذكر جؤذرا:
رأى حيث أمسى أطلس اللون شاحبا ... شحيحا تسميه الشياطين نهسرا
فبات يذكيه بغير حديدة ... أخو قنص يمسى ويصبح مفطرا
إذا ما رأى منه كراعا تحركت ... أصاب مكان القلب منه وفرفرا
نهسر خفيف، يقول إذا تحركت قائمة من قوائمه غمز بطنه وعضه فلا يزال يفعل ذلك حتى تسكن حركته ويموت وهكذا تفعل السباع، وقال ابن مقبل وذكر ذئب:
كأنما بين أذنيه وزبرته ... من صبغه في دماء الناس منديل
الزبرة موضع المنسج، من صبغه أي مما يأكل ويكرع في الدماء.
وقال آخر:
إني رأيتك كالورقا يوحشها ... قرب الأليف وتغشاه إذا نحرا
يعني ذئبة تنفر من الذئب وهو صحيح فإذا رأت به دما غشيته لتأكله وهذا طبع الذئب، ومثله - لرؤبة:
فلا تكوني يا بنة الأشم ... ورقاء دمى ذئبها المدمي
وقال آخر - وهو الفرزدق:
وكنت كذئب السوء لما رأى دما ... بصاحبه يوما أحال على الدم
أي أقبل عليه يقال أحال عليه بالسوط، وقال مغلس بن لقيط:

(1/43)


إذا هن لم يلحسن من ذي قرابة ... دما هلست أجسامها ولحومها
وقال أبو كبير يرثي رجلا:
ولقد وردت الماء لم يشرب به ... بين الربيع إلى شهور الصيف
الأعواسر كالمراط معيدة ... بالليل مورد أيم متغضف
عواسر ذئاب ترفع أذنابها.
وأنشدنيه الرياشي: الأعواسل، عن الأصمعي أي ذئاب تعسل تمر مرا خفيفا، والمراط القداح المتمرطة الريش، معيدة معاودة لذلك مرة بعد مرة يقال أبدأ وأعاد في الأمر، والأيم الحية والأصل بالتشديد إلا أن الناس خففوا فقالوا أيم كما قالوا ميت وهين ولين، ويقال له أين أيضا، متغضف متثن متطو.
ينسلن في طرق سباسب حوله ... كقداح نبل محبر لم ترصف
يقال نسل الذئب وعسل سواء، والسباسب الأرض المستوية البعيدة والواحد سبسب، وأراد حوله ذئاب كقداح، والمحبر المحسن للشيء المزين له، لم ترصف من الرصاف وهو العقب الذي فوق الرعظ، والرعظ مدخل سنخ النصل في القدح.
تعوي الذئاب من المخافة حوله ... إهلال ركب اليامن المتطوف
اليامن الذي يجيء من اليمين.
زقب يظل الذئب يتبع ظله ... من ضيق مورده استنان الأخلف
الزقب الضيق، أي يمر الذئب مائلا على شقه من ضيقه، والأخلف الذي يمشي على أحد شقيه كأن به عسرا، والاستنان العدو.
وقال رؤبة:
يشقى بي الغيران حتى أحسبا ... سيدا مغيرا أو لياحا مغربا
يقول أتقى على الحرم كما يتقي الذئب على الغنم، واللياح الثور الوحشي الأبيض، وكانوا يتطيرون من المغرب ويتشاءمون به، أي فكأني ذلك لكراهتهم للنظر إلي.
وقال ابن كراع يذكر ناقة:
كأن خيال الذئب دفوفها ... إذا ما غدت فتلا مرافقها دفقا
يقول هي خفيفة كأن ظلالها ظلال الذئب من خفتها، ويروى: كأن خروف الذئب، يريد كأن ولد الذئب ينيب في جنبها فتعدو، والفتل أن يفتل المرفق عن الإبط فلا يحزه ولا ينكته، دفقا متدفقة بالعدو.
وقال مغلس بن لقيط:
فما لكم طلسا إلى كأنكم ... ذئاب الغضا والذئب بالليل أطلس
أي سواده يشبه سواد الليل فهو في الليل أخفى يريد أنه يختطف الشاة وهم لا يعملون، وقال آخر يصف ذئب:
أطلس يخفي شخصه غباره ... في شدقه شفرته وناره
وقال ابن أحمر وذكر بقرة وولدها:
طلت تماحل عنه عسعسا لحما ... يغشى الضراء خفيا دونه النظر
تماحل عن ولدها أي تخادع وتماكر، والعسعس يغشى الضراء أن يستتر فيما يواريه ليختل، خفيا دونه النظر، يقول لا يتبينه الناظر لطلسته ولأنه على لون الأرض في الغبرة.
تربى له وهو مسرور بغفلتها ... طورا وطورا تسناه فتعتكر
تربى لولدها أي تشرف له، والذئب مسرور بغفلتها عنه إذا غفلت، طورا تسناه أي تغشاه فتركبه وتعتكر ترجع إليه، وقال خداش بن زهير يصف رجلا:
يخالس الخيل وهس محضرة ... كأنما ساعداه ساعدا ذئب
شبه سرعة اختلاسه للطعن بسرعة يدي الذئب، وقال:
فلما دنونا للقباب وأهلها ... أتيح لنا ذئب مع الليل فاجر
ويروى غادر وكافر، يعني رجلا شبهه بالذئب، وقال الراعي:
كهداهد كسر الرماة جناحه ... يدعو بقارعة الطرق هديلا
يقول أنا كحمامة يهدهد في صوته وقد كسر جناحه يدعو بأعلى الطريق وهو لا يستطيع البراح.
وقع الربيع وقد تقارب خطوه ... ورأى بعقوته أزل نسولا
يعني ذئبا قد طمع فيه لضعفه وسوء حاله.
متوضح الأقراب فيه شبهة ... نهش اليدين تخاله مشكولا
نهش اليدين يريد أنه خفيف في العدو، وتخاله مشكولا من بغيه في مشيته.
كدخان مرتجل بأعلى تلعة ... غرثان ضرم عرفجا مبلولا
يقول لونه كدخان رجل يطبخ في مرجل بالعرفج الندي، ويقال مرتجل رجل صاد رجلا من جراد فهو يشويه، وقال أبو النجم يذكر جنينا ألقته الناقة:
يشق عنه كفنا لم يخلق ... عاري الشوى مثل الدخان الأورق

(1/44)


كفنا يعني السلا، عاري الشوى ذئب لا لحم على قوائمه، مثل الدخان الأورق في لونه، وقال الطرماح يصف ذئبا:
عملس دلجات كأن مسافه ... قرا حنظب أخلى له الجو مقمح
العملس الذئب، ومسافه خطمه لأنه يسوف به أي يشم، قرا ظهر، والحنظب الجعل شبه خطمه لسواد فيه بظهر جعل، أخلى له كثر خلاه، مقمح رافع رأسه.
كلون الغرى الفرد أجسد رأسه ... عتائر مظلوم الهدي المذبح
الغرى الصنم، أجسد رأسه يقول يبس الدم على رأسه من كثرته، والعتائر الذبائح في رجب واحدتها عتيرة، مظلوم يذبح لغير علة، والهدي ما يهدي للصنم، ومثل هذا قوله يصف الذئب:
كغري أجسدت رأسه ... فرع بين رياس وحام
الفرع الذبائح واحدتها فرعة، وكان الرجل إذا تمت له مائة شاة ذبح على النصب منها شاة ويسمون تلك الفرعة، والرياس يقال أنه ذبح الأم التي تلد للصنم، والحامي كان الفحل إذا نتج له عشر إناث متتابعات ليس منهن ذكر قيل حمى ظهره فلم يركب ولم يجز وبره وخلى في الإبل يضرب فيها، ويروى بين رءوس وهي الناقة تشق أذنها ليكون لبنها للرجال دون النساء ويكون الأضياف، ويقال الفرع أول ما تلده الناقة وكان يذبح لآلهتهم، وقال يصف الذئب:
إذا امتل يهوى قلت ظل طهاءة ... درى الريح في أعقاب يوم مصرح
امتل عدا، والطهاءة والطخاءة السحابة تراها في ناحية السماء، شبه الذئب بظلها، وأعقاب يوم أي آخر يوم، مصرح فقد ذهب سحابة وأضاءت شمسه.
وإن هو أقعى خلته من أمامه ... على حاله ما لم يرم جذم مصطح
جذم أصل، والمصطح صفا عريض واسع يحوط حوله حائط لماء المطر والمصطح أيضا عود من عيدان الخباء.
بمنتاط ما بين النياطين موره ... من الأرض يعلو صحصحا بعد صحصح
منتاط معلق، موره متردده، يقول طرفه متصل بأرض أخرى.
وقال جرير:
وسودا من نبهان تثنى نطاقها ... بأخجى قعور أو جواعر ذيب
أخجى كثير الماء يعني فرجها، أو جواعر ذئب يصفها بالرسح والذئب أرسح ولذلك يقال له أزل، والجاعرة موضع الرقمة من مؤخر الحمار.
وقال الأخطل وذكر ناقة:
يشق سماحيق السلا عن جنينها ... أخو قرة بادي السغابة أطحل
سماحيق السلى الغرس، أخو قفرة الذئب، والسغابة الجوع والأطحل كدر إلى السواد.
وقال الراجز:
في بلدة لا يستطيع سيدها ... حسرى الأراكيب ولا يهيدها
يقول الذئب في هذه البلدة لا يمس الحسرى ولا يقربها لأن الماء بعيد منها فهو يخاف إن أكل أن يعطش.
وقال ابن ميادة في مثله:
ودوية قفر يكاد يهابها ... من القوم مصلات الرحيل دليل
يعاف بها المعبوط بعد مائهاوإن جاع مقرام السباع نسول
المصلات الماضي، والمعبوط اللحم الذي ينحر بعيره وهو صحيح من غير داء، والمقرام القرم إلى اللحم.
وقال ذو الرمة وذكر ماء:
به الذئب محزونا كأن عواءه ... عواء فصيل آخر الليل محثل
محزون لأنه لا يجد به ما يأكل، والمحثل الذي أسئ غذاؤه وجعل عواءه في آخر الليل لأنه لم يسق في أول الليل من اللبن فهو أجوع ما يكون في آخر الليل فشبه صوت الذئب بصوت هذا الفصيل في ضعفه:
أفل وأقوى فهو طاو كأنما ... يجاوب أعلى صوته صوت معول
أفل وقع في أرض فل وهي التي لم تمطر ولا نبات فيها، وأقوى صار في القواء وهو الخلاء، يقول إذا صاح أجابه الصدى.
وقال يذكر صائدا:
كأنما أطماره إذا عدا ... جللن سرحان فلاة معمدا
ممعد قال الأصمعي إما أن يكون يجذب العدو أو يجذب شيئا سرقه يقال امتعده إذا اختلسه.
وقال الأخطل يذكر عدوا:
ولو أواجهه مني بقارعة ... ما كان كالذئب مغبوطا بما أكلا
يقول لو أصبته بقارعة لم يسلم كما يسلم الذئب، بذي بطنه أي بما في بطنه. ويقال في مثل: الذئب يغبط بذي بطنه، لأنه وإن كان جائعا ضريرا فليس يظن به إلا البطنة لعدوه على الناس والماشية.
وهو مثل قول آخر:
ومن يسكن البحرين يعظم طحاله ... ويغبط بها في بطنه وهو جائع
وقال يصف ناقة:

(1/45)


على أنها تهدي المطي إذا عوى ... من الليل ممشوق الذراعين هبهب
هبهب سريع خفيف يعني ذئبا.
وقال الشماخ:
بها السرحان مفترشا يديه ... كأن بياض لبته صديع
الصديع يقال أنه الفجر ويقال أنه ثوب يصدع وسطه وتجتابه المرأة ولا يجيب فإذا جيب فهو بقير وربما لبسه الدارع تحت الدرع، قال عمرو بن معدي كرب:
إذا أبطنت دا البدن الصديعا
أراد هذا الثوب تحت الدرع. شبه البياض الذي في نحر الذئب تحت غبسة سائر لونه بهذا الثوب تحت الدرع، قال ابن غلفاء:
سوى آثار عرجلة حفاة ... خفاف الوطء ليس لهم نعال
قليل فضل كاسبهم عليهم ... سوى ما نال في دهش ونالوا
أخبرني عبد الرحمن عن عمه الأصمعي قال: هذه ذئاب، يقول: رئيسهم قليل الكسب عليهم إلا أن يختلس شيئا ويختلسوه، وقال غيره هؤلاء رجالة لصوص.
وقال آخر - وهو دكين - :
فصبحته سلق تبربس ... تهتك خل الخلق الملسلس
سلق جمع سلقة وهي الذئبة، ويقال إذا مر مرا خفيفا مر يتبربس، والخل الطريق في الرمل، والحلق حلق من الرمل تعقد أي دارات فهي تخلله، وأراد بالملسلس المسلسل فقلب، وقال الشماخ يذكر ماء ورده:
ذعرت به القطا ونفيت عنه ... مقام الذئب كالرجل اللعين
مقام الذئب يريد الذئب نفسه أي نفيت الذئب عن مقامه واللعين المطرود وهو الخليع لكثرة جناياته، أبو عبيدة قال إنما يريد مقام الذئب اللعين كالرجل.
وقال آخر:
ظللنا معا جارين نحترس الثأى ... يسائرنا من نطفة ونسائره
وصف ذئبا، نحترس الثأى أي الفساد منا ومنه، يسائرنا من السؤر أي يبقى لنا ونبقى له يرد هو الماء ونرده نحن تارة، والنطفة من الماء يكون الكثير منه والقليل، وقال آخر:
وزيد إذا ما سيم خسفا رأيته ... كسيد الغضا أربى لك المتظالع
أربى لك أشرف لك، والغضا خمر وسيده أخبث الذئاب، والمتظالع الذي يظلع من البغي، وقال حميد بن ثور في ذكر الذئب وذكر المرأة:
تلوم ولو كان ابنها قنعت به ... إذا هب أرواح الشتاء الزعازع
يريد لو كان الذئب ابنها قنعت به لما يسرق من أغنام الناس ويأتيها به.
فقامت تعشى ساعة ما تطيقها ... من الدهر نامتها الكلاب الظوالع
الظالع من الكلاب لا ينام إلا بعد أن تنام الكلاب لأنه ينتظر أن تسفد الكلاب ثم يسفد هو بعدها لضعفه وظلعه، وفي مثل للعرب " افعل ذلك إذا نام ظالع الكلاب " .
رأته فشكت وهو أطحل مائل ... إلى الأرض مثنى إليه الأكارع
يقول رأته وقد ربض قوضع قوائمه بعضها على بعض على بعض فشكت فيه أهو الذئب أم غيره، أطحل في لونه يضرب إلى السواد.
طوي البطن الأمن مصير يبله ... دم الجوف أو سؤر من الحوض ناقع
المصير واحد مصران والمصارين جمع الجمع، يقول ليس في جوفه شيء من الطعم إنما هو مصيره الذي يبله دم جوفه أو شيء يناله من الماء.
ترى طرفيه يعسلان كلاهما ... كما اهتز عود الساسم المتتايع
يعني مقدمه ومؤخره وذلك من لين ظهره.
إذا خاف جورا من عدو رمت به ... قصايته والجانب المتواسع
وإن بات وحشا ليلة لم يضق بها ... ذراعا ولم يصبح لها وهو خاشع
وحش جائع خالي الجوف، ومنه قيل فلان يتوحش للدواء، يقول هو صبور على الجوع.
إذا اختل حضنى بلدة طر منهما ... لأخرى خفي الشخص للريح تابع
هذا مثل أي كما يختل الرمح حضنى الإنسان أي ينفذهما، وقوله: للريح تابع يقول يتشمم فإذا وجد ريح شيء اتبع الرائحة، ونحو منه قول الآخر:
يستخبر الريح إذا لم يسمع
وإن حذرت أرض عليه فإنه ... بغرة أخرى طيب النفس قانع
يقول: إن حذره أهل أرض وقعدوا له وطلبوه ليقتلوه خرج إلى أرض أخرى طيب النفس بها يغير على أهلها وعلى شائهم وهم له آمنون.
ينام بإحدى مقلتيه ويتقي المنايا بأخرى فهو يقظان هاجع أخبر أنه يفتح عينا ويغمض عينا لشدة حذره.

(1/46)


إذا قام ألقى بوعه قدر طوله ... ومدد منه طلبصلبه وهو بائع
بائع من البوع ويعني أنه يتمطى.
وفكك لحييه فلما تعاديا ... صأى ثم أقعى والبلاد بلاقع
إذا ما عدا يوما رأيت عنانة ... من الطير ينظرن الذي هو صانع
يقول ينتظرن أن يفرس شيئا فيسقطن معه عليه، ويروي رأيت ظلاله، أنشد أبو زيد:
أنعت ذئبا من ذئاب قعرين ... منهرت الشدق حديد النابين
تبري له طلساء ذات جروين ... مألولة الأذنين كحلاء العين
ومنخرين خلقا مسودين ... لكل ريح نفخت معدين
يعني أنها تستروح فإذا وجدت ريح شيء طلبته.
تعدو العراضات بشوطين اثنين
وقال كعب بن زهير:
يقول حياي من عوف ومن جشم ... يا كعب ويحك ألا تشتري غنما
مالي منها إذا ما أزمة أزمت ... ومن أويس إذا ما أنفه رذما
يعني الذئب إذا جاع سال أنفه، يريد أنه يأكلها.
أخشى عليها كسوبا غير مدخر ... عاري الأشاجع لا يشوى إذا ضغما
إذا تولى بلحم الشاة نبذها ... أشلاء برد ولم يجعل لها وضما
أشلاء برد كما يخرق البرد قطعا.
إن يعد في شيعة لا يثنه نهر ... وإن عدا واحدا لا يتقي الظلما
نهر نهار، يقال ليلة نهرة أي مضيئة، ويروى: نهر أيضا.
وقوله في شيعة يعني أصحابه من الذئاب، والظلم جمع ظلمة.
وإن أغار فلم يحلأ بطائلة ... في ظلمة ابن جمير ساور الفطما
ابن جمير أظلم ليلة في الشهر وهي التي لا يطلع فيها القمر من أولها ولا آخرها، والفطم السخال التي قد فطمت، يقول جاء يطلب الكبار فلما لم يجدهن ساور الصغار.
إذا لا يزال فريس أو مغببة ... صيداء تنشج من دون الدماغ دما
المغببة التي دنت من الموت وفيها بقية، صيداء ملتوية العنق، تنشج أي لها صوت من الدم.
وقال آخر:
لا تأمريني ببنات أسفع ... فالعين لا تمشي مع الهملع
أسفع الكبش، وبناته الغنم والسفعة سواد، والعين العظام العيون يريد أن الغنم لا تمشي أي لا تكثر، يقال قد مشت الماشية إذا كثرت وأمشى الرجل إذا كثرت ماشيته، والهملع الخفيف يريد الذئب يعني أن الماشية لا تكثر والذئب يعدو عليها يفنيها، وقال النابغة:
وكل فتى وإن أن أمشي فأرى ... ستخلجه عن الدنيا منون
أمشى كثرت ماشيته، يقال الرجل مشى بعد ما أمشى وذلك إذا افتقر بعد الغنى، وقال كثير وذكر ماء ورده:
وصادفت عيالا كأن عواءه ... بكا مجرذ يبغى المبيت خليع
عيال يعني ذئبا يعيل في البلاد كما يقال عار يعير فهو عيار ويقال عيال في مشيته كأنه يميل، خليع خلعه أهله لجنايته، والمجرذ الذي ذهب ماله.
عوى ناشز الحيزوم مضطمر الحشا ... يعالج ليلا قارسا مع جوع
فصوت أذناي بباق على الطوى ... محنب أطراف العظام هبوع
أي بصوت باق على الجوع، محنب ماطور، هبوع يستعين بعنقه في مشيته من الضعف، لذلك قيل لما تضعه الناقة في آخر النتاج هبع لأنه ضعيف فإذا مشى مع أمه هبع أي استعان بعنقه.
فلم يجترس الأمعرس راكب ... تأيا قليلا واسترى بقطيع
الاجتراس الإصابة يقال هل اجترست شيئا ويقال النحل جوارس لأنها تصيب من الشجر، ويروى يحترس أي يسرق ويقال للذي يسرق الغنم المحترس وللشاة التي تسرق حريسة، تأيا تلبث قليلا، استرى افتعل من السرى وهو سير الليل، بقطيع أي بقطع من الليل.
وموقع حرجوج على ثفناتها ... صبور على عدوى المناخ جموع
عدوى المكان وتعاديه واحد وهو أن يرتفع بعض وينخفض بعض.
ومطرح أثناء الزمام كأنه ... مزاحف أيم بالفناء صريع
الأيم الحية وهو الأين أيضا، وقال ذو الرمة في هذا المعنى وذكر أرضا:
إذا اعتس فيها الذئب لم يلتقط بها ... من الكسب الأمثل ملقى المشاجر
اعتس طلب ما يأكل والمشاجر أعواد الهودج واحدها مشجر، شبه آثار قوائم الناقة حيث بركت بمشاجر ملقاة.

(1/47)


وبينهما ملقى زمام كأنه ... مخيط شجاع آخر الليل ثائر
أي بين الرجل والناقة ملقى زمام كأنه ممرحية، يقال خاط بنا فلان خيطة أي مر بنا مرة، ثائر أي قد قتل أخوه فجاء يطلب ثأره وهو الشجاع.
ومغفى فتى حلت له فوق رحله ... ثمانية جردا صلاة المسافر
أي ولم يجد هذا الذئب إلا الموضع الذي أغفى فيه الفتى: حلت له أي ثمانية أشهر جرد أي تامة صلاة المسافر أراد تقصير الصلاة.
سوى وطأة في الأرض من غير جعدة ... ثنى أختها في غرز عوجاء ضامر
أي ولم يجد سوى وطأة وطئها هذا الرجل وضع واحدة في غرز الناقة والأخرى في الأرض، من غير جعدة يقول هذه الرجل ليست بكزة وهي سبطة سهلة.
وموضع عرنين كريم وجبهة ... إلى هدف من مسرع فاجر
ولم يجد أيضا غير أثر سجود الرجل صلى إلى هدف أي شرف من الأرض صلى عليه، من رجل مسرع غير فاجر لأنه مسافر إنما يصلي ركعتين ثم يمضي، وقال الطرماح في مثل هذا:
أطاف بها طمل حريص فلم يجد ... بها غير ملقى الواسط المتباين
الطمل الذئب، والواسط العمود الذي يكون في وسط البيت، ورواها أبو عمرو: فلم يجد سوى مثل ملقى.
ومخفق ذي زرين في الأرض متنه ... وفي الكف مثناه لطيف الأسائن
مخفق حيث وقع يعني الزمام، والأسائن القوي وهي الطاقات التي تفتل يريد سيور الزمام.
خفي كمنحار الشجاع وذبل ... ثلاث كحبات الكباث القرائن
خفي يعني أثر الزمام خفي، ثم شبهه بممر شجاع وهو الحية، والذبل بعرات ثلاث شبههن بحب الكباث لصغرهن وهو ثمر الأراك.
وضبثة كف باشرت بيمينها ... صعيدا كفاها فقد ماء المصافن
الضبثة القبضة، يقال ضبث به إذا قبض عليه، والصعيد التراب كفاها فقد الماء يريد تيمم فاكتفى بالصعيد من الماء، والمصافن الذي يقاسم الماء في السفر.
ومعتمد من صدر رجل محالة ... على عجل من خائف غير آمن
معتمد موطئ أي حيث اعتمد فوطئ، محالة مرفوعة وإذا رفعت رجلك فقد أحلتها، من رجل خائف بهذه الفلاة.
مقلصة طارت قرينتها بها ... إلى سلم في دف عوجاء ذاقن
مقلصة مشمرة يعني الرجل التي في الأرض، وقرينتها الرجل الأخرى، والسلم يريد الغرز، والدف الجنب، وذاقن تطأطئ رأسها وعنقها إذا سارت.
وموضع مثنى ركبتين وسجدة ... توخي بها ركن الحطيم الميامن
وقال كعب بن زهير في مثل هذا وذكر ذئبا وغرابا:
فلم يجدا الأمناخ مطية ... تجافي بها زور نبيل وكلكل
ومضربها وسط الحصى بجرانها ... ومثنى نواج لم يخنهن مفصل
وموضع طولي وأحناء قاتر ... يئط إذا ما شد بالنسع من عل
طولى زمام، ويقال قطع يكون فوق البرذعة، والقاتر الرجل الحسن الوقوع على ظهر الناقة.
وأتلع يلوى بالجديل كأنه ... عسيب سقاه من سميحة جدول
وسمر ظماء واترتهن بعدما ... مضت هجعة من آخر الليل ذبل
أراد بعرات، واترتهن تابعتهن.
سفي فوقهن الترب صاف كأنه ... على الفرج والحاذين قنو مذلل
يعني فوق البعر، ضاف يعني ذنبا سابغا طويلا، مذلل مهيأ مسوي.
ومضطمر أراد الطرف خائف ... لما تضع الأرض القواء وتحمل
مضطمر أراد شخص الرجل يعني نفسه واضطماره انضمامه، لما تضع الأرض وتحمل أي خائف لما يكون عليها، وقال المرار:
على صرماء فيها أصرماها ... وخربت الفلاة بها مليل
صرماء مفازة لا ماء بها ولا علف، والأصرمان الذئب والغراب والخريت الدليل، مليل محترق من الشمس من الملة، وقال كثير:
ومن قاو يصيح أصرماه
وقال الطرماح يذكر الفلاة:
يظل غرابها ضرما شذاه ... شج بخصومة الذئب الشنون
شذاه حده يريد هاهنا صوته، وضرم كثير الصياح، شج حزين وذلك أنه إذا رأى الذئب قد طرده عن شيء صاح وصفق بجناحيه وذلك خصومته للذئب.
على حولاء يطفو السخد فيها ... فراها الشيذمان عن الجنين

(1/48)


الحولاء التي تقع بعد الولد من البطن، يطفو يرتفع، والسخد الماء يكون فيها، فراها شقها، والشيذمان الذئب، والجنين الولد، وقال الراجز:
ما زلت أسعى معهم وألتبط حتى إذا جن الظلام المختلط
جاؤوا بضيح هل رأيت الذئب قط
يريد لبنا ممزوجا صار أورق كلون الذئب من كثرة مائه. وأنشد ابن الأعرابي:
شربنا فلم نهجأ من الجوع نقرة ... سمارا كإبط الذئب سودا حواجره
يقال شربنا شيئا ما هجأنا أي لم يغن عنا شيئا إلا أن رد أنفسنا، وأنشد:
سجاجا كأقراب الثعالب أورقا
وقال الكميت:
ومستطعم يكنى بغير بناته ... جعلت له حظا من الزاد أوفرا
يعني الذئب يكنى أبا جعدة ولا تسمى ابنته جعدة.
وقال وذكر أرضا:
لقينا بها ثلبا ضريرا كأنه ... إلى كل من لاقى من الناس مذنب
الثلب الهرم.
مضيعا إذا أثرى كسوبا إذا عدا ... لساعته ما يستفيد ويكسب
أي لا يدخر.
تضور يشكو ما به من خصاصة ... وكاد من الإفصاح بالشكو يعرب
فنشنا له من ذي المزاود حصة ... وللزاد أسآر تلقي وتوهب
نشنا تناولنا، وذو المزاود الزاد، وأسآر بقايا جمع سؤر.
وقلنا له هل ذاك فاستغن بالقرى ... ومن ذي الأداوي عندنا لك مشرب
وصب له شول من الماء غابر ... به كف عنه الحيبة المتحوب
ذو الأداوي الماء، الشول القليل من الماء، والحيبة الإثم والمتحوب المتأثم.
وقال حين أضاف الذئب أيضا:
فقلت له اشرب هذه ليس مطعم ... من الناس لا يسقي برائش ما يبري
يقول من أطعم ولم يسق بمنزلة من برى سهما ولم يرشه.
وقال وذكر أرضا:
بنائية المناهل ذات غول ... لسرحان الفلاة بها خيب
يراني في الطعام له صديقا ... وشادنة العسابر رعبليب
إذا اشتكيا إلي رأيت حقا ... لمحرومين شفهما السغوب
العسابر واحدها عسبارة وهو ولد الذئب من الضبع، والشادنة ما شدن، رعبليب ملاطفة، شفهما هزلهما، والسغوب الجوع، وأنشد ابن الأعرابي:
لشخص خفي قد رأيت مكانه ... يضائل مني شخصه ويقاصره
دفعت بكفي الليل عنه وقد بدت ... هوادي ظلام الليل فالليل غامره
يعني بالشخص الخفي الذئب، وقوله دفعت بكفي الليل عنه يريد أنه وضع يده فوق حاجبه وعينه كما يفعل من يستثبت في النظر إلى الشيء البعيد أو الشمس كما قال - العجاج:
أدفعها بالراح كي تزحلفا
إذا الذئب قد أعيته كل بغية ... وآيسة من كل فج مصادره
وقال لقد أمسيت عطشان لاغبا ... وأحببت أن ألقي رفيقا أوازره
فقلت التمس فوق الحقيبة مركبا ... ولا تغش حنو الرحل إنك كاسره
فاهوى يديه للحقيبة فاستوى ... عليها فثارت وهي عجلى تبادره
فأجلت بنا إجلاءة ثم راجعت ... وقد علقت في النسعتين أظافره
فبت على رحلي وبات مكانه ... أراقب ردفي تارة وأباصره
أراقب رد في خشية أن يخونني ... وفي منكبي إن حاول الغدر زاجره
يعني أن في منكبه سيفه.
فلما وردنا الماء فرق بيننا ... وكل دعت أهواؤه وأواصره
وقمت أصلي وهو ملقي كأنه ... لجام جواد قد تحنت مكاسره
أنشد للعبدي وذكر ناقة - وهو المثقب:
كأن مناخها ملقي لجام ... على معزائها وعلى الوجين
فقلت له خذ مزودي فاستعن به ... على الدهر إن الدهر جم بوادره
فعهدي به قد جاوز الماء صادرا ... يجر جرابي تارة ويناثره
وقال النجاشي وذكر ماء:
وماء كلون البول قد عاد آجنا ... قليل به الأصوات ذي كلأ مخلي
لقيت عليه الذئب يعوي كأنه ... خليع خلا من كل مال ومن أهل

(1/49)


فقلت له يا ذئب هل لك في أخ ... يواسي بلا أثر عليك ولا بخل
فقال هداك الله إنك إنما ... دعوت لما لم يأته سبع قبلي
فلست بآتيه ولا أستطيعه ... ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل
فقلت عليك الحوض إني تركته ... وفي صغوه فضل القلوص من السجل
فطرب يستعوي ذئابا كثيرة ... وعديت كل من هواه على شغل
وقال الغنوي:
ولو أخاصم ذئبا في أكيلته ... لجاءني جمعهم يسعى مع الذيب
يريد أنهم يعينون عليه وإن كان مظلوما والمثل يضرب بظلم الذئب وظلم الحية يقال: أظلم من ذئب وأظلم من حية.
وقال مغلس بن لقيط:
لعمرك إني لو أخاصم حية ... إلى فقعس ما أنصفتني فقعس
فيالكم طلسا إلي كأنكم ... ذئاب الغضا والذئب بالليل أطلس
وقال تأبط شرا:
وواد كجوف قفر قطعته ... به الذئب يعوي كالخليع المعيل
الخليع الذي قد خلعه أهله لجناياته، والمعيل الذي ترك يذهب ويجيء حيث شاء، وقال الأصمعي أنشدني خلف الأحمر:
نسقي قلائصنا بماء آجن ... وإذا يقوم به الخليع يعيل
طرحت له نعلا من السبت طلة ... خلاف ندى من آخر الليل مخضل
يقول لما ابتلت طرحتها له، خلاف ندى، أي بعد ندى، والمخضل المندى.
وقلت له لما عوي إن ثابتا ... قليل الغنى إن كنت لما تمول
كلانا مضيع لا حراثة عنده ... ومن يحترث حرثي وحرثك يهزل
يقول إن كنت لا مال لك فأنا لا مال لي، وثابت اسم تأبط شرا، لا حراثة عنده أي ليس عنده إصلاح مال.
وقال الهذلي - ربيعة بن الجحدر:
وقرن صريع قد تركت مجدلا ... يطوف عليه العاسلات اللغاوس
يعني الذئاب، واللغاوس اللواتي تأكل أكلا سريعا يقال تلغوس ما هناك أي أكله أكلا سريعا واحدها لغوس.
وقول أبي النجم:
واكتن من لفح الأوار الوعوع
يعني الذئب والثعلب يدخلان الكن من شدة الحر.
الأبيات في الأرانب
قال الشاعر:
وطالبت بي الأيام حتى كأنني ... من الكبر البادي بدت لي أرنب
يريد انحنيت فكأني صائد يحتل أرنبا فهو يتقاصر لها كيلا تراه. ومثله:
وقد طالت بي الأيام حتى ... كأني خاتل يدنو لصيد
وقال - عمرو - بن قميئة:
شركم حاضر وخيركم در ... خروس من الأرانب بكر
الخروس النفساء والخرسة ما تأكله، والخرس طعام الولادة الذي يدعي إليه الناس، وطعام الختان إعذار، وطعام القادم من السفر نقيعة وطعام البناء الوكيرة وكل طعام صنع مأدبة و مأدبة، والبكر التي لم تلد الأمرة وهو أقل للبنها وأضيق لمخرجه، والمثل يضرب بقلة لبن الأرانب، وقال عبد الله بن همام السلولي لمعاوية:
لقد ضاقت رعيتكم وأنتم ... تدرون الأرانب غافلينا
وقال الشماخ وذكر عقابا:
فما تنفك حول عوير ضات ... تجر برأس عكرشة زموع
يقال زموع تطأ على زمعاتها وهي مواضع الثنن من الدواب وذلك هو التوبير لئلا يعرف أثرها والتوبير للأرنب وللثعلب ولكثير من صغار السباع إذا طمع في صيد أو خاف أن يصاد فربما ضم براثنه ووطئ ببطن الكف وربما وطئ على زمعاته وذلك كله في السهل، وقال امرؤ القيس يهجو:
مرسعة وسط أرباعه ... به عسم يبتغي أرنبا
ليجعل في كفه كعبها ... حذار المنية أن يعطبا
وكانوا يقولون في الجاهلية من علق كعب أرنب لم يصبه عين ولا سحر وكانت عليه واقية من الجن لأن الجن تهرب منها للحيض ولا تمتطيها، ويقال رجل مرسع ومرسعة وهو الفاسد العين، ويروى مرسعة بين أرساغه من الترسيع وهو سير يضفر ويرسع ثم يشد في الساق وأنث لأنه يرده على قوله لا تنكحي بوهة مرسعة، وأما قول المخبل:
كما قال سعد إذ يقود به ابنه ... كبرت فجنبني الأرانب صعصعا

(1/50)


فإن الأرانب في هذا البيت أحقاف من الرمل منحنية يريد خذ بي في طريق مستو وجنبني الوعث والرمل والصعود، وكذلك قول الكلح الذهلي يصف راحلته:
قوداء تملك رحلها ... مثل اليتيم من الأرانب
أراد أن رحلها على سنام مثل اليتيم وهي الهضبة المنفردة وكل شيء انفرد فقد يتم، والأرانب الأحقاف من الرمل واحدها أرنب.
أبيات المعاني في الضبع
قال الكميت:
كما خامرت في حضنها أم عامر ... لدى الحبل حتى عال أوس عيالها
أم عامر الضبع، وأوس الذئب، والضبع من أحمق الدواب وتبلغ من حمقها أنه يدخل عليها في مغارها فيقال: ليست هذه أم عامر، فتسكن حتى تقاد، ويقال لها: خامري أم عامر، ثم يشد في عرقوبها حبل ثم تجر به، وقوله خامرت سكنت وانخدعت وأصل المخامرة المخالطة، وقوله لدى الحبل يريد الصائد، وقوله: حتى عال أوس عيالها، يقال إن الضبع إذا صيدت عال الذئب ولدها وأتاها باللحم وذلك أنه يثبت على الضبع فتحمل منه وتلد له، وكان بعضهم يرويه: غال أوس عيالها أي أكل جراءها، وقال آخر:
كمرضعة أولاد أخرى وضيعت ... بنيها ولم ترقع بذلك مرقعا
أراد الذئبة يقال إنها تدع ولدها وترضع ولد الضبع ولذلك تقول العرب: أحمق من جهيزة يعنونها، ويقولون أيضا: أحمق من نعامة لأنها تدع الحضن على بيضها ساعة تحتاج إلى الخروج لطلب الطعم فإن رأت بيض نعامة قد خرجت للطعم حضنت وتركت بيض نفسها.
وقال ابن هرمة:
كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا
وأنشد أبو عبيدة:
والذئب يغذو بنات الذيخ ناقلة ... بل يحسب الذئب أن النجل للذيب
الذيخ ذكر الضباع وهو الضبعان أيضا، والنجل الولد.
وقال جرير:
تراغيتم يوم الزبير كأنكم ... صباغ بذي قار تمنى الأمانيا
يقول صحتم صياح الضباع إذا جهدت، يقول لم يكن عندكم إلا أن يشكو بعضكم إلى بعض، وقوله تمنى الأمانيا هو قولهم للضبع في وجارها: خامري أم عامر أبشري بجراد عضال وكمر رجال، فلا يزالون يقولون ذلك حتى تقر فيدخل عليها الرجل فيربط يديها ورجليها ويكعمها والعظال الجراد الذي يركب بعضه بعضا إذا أراد أن يبيض ولذلك قيل يوم العظالى لأن الناس - كان - يركب بعضهم بعضا، وقوله كمر رجال يقال إن الضبع إذا وجدت قتيلا قد انتفخ جرد أنه ألقته على قفاه ثم ركبته لتستعمله أبدا حتى يلين.
وقال العباس بن مرداس:
فلو مات منهم جرحنا لأصبحت ... ضباع بأكناف الأراك عرائسا
أراد هذا المعنى.
وقال آخر:
تضحك الضبع لقتلى هذيل ... وترى الذئب لها يستهل
وعتاق الطير تهفو بطانا ... تتخطاهم فما تستقل
وقال الكميت يهجو قوما:
أما أخوك أبو الولي ... د فلابس ثوبي مخامر
فعل المقرة للمقا ... لة خامري يا أم عامر
حتى إذا نشب الضفي ... ر بجاذب للحبل باتر
ذهبت تحير إليه وه ... ي بغير منزلة المحاور
وقال كثير بذكر ناقة:
وذفري ككاهل ذيح الرفيض ... أصاب فريقة ليل فعاثا
الذيح ذكر الضباع، والرفيض قطعة من الجبل وجمعه رفض، والفريقة الغنم الضالة يقال أفرق غنمه أي أضلها، وقال جران العود وذكر نفسه حين أسن:
أصبحت قد جحمت في كسر بيتكم ... كما حجم الضبعان بين السخابر
الضبعان ذكر الضباع، والسخابر شجر الواحدة سخبرة، ويقال جحم فلان إذا نظر نظرا حديدا حتى ينظر إلى عينه كأنها جاحظة - قال قيس - ابن عيزارة الهذلي:
فإنك إذ تحذوك أم عويمر ... لذو حاجة حاف مع القوم ظالع
أم عويمر الضبع، أي تتبعك تطمع أن تقتل فتأكل منك، وقال العجاج يذكر سني جدب:
يدعن ذا الثروة كالمعيل ... وصاحب الأقتار لحم المأل
أي يتركن الفقير لحما للضبع أي يمتنه، وقال آخر - المشعث:
وجاءت جيأل وأبو بنيها ... أحم المأقيين به خماع
أبو بنيها الذكر وهو الضبعان، وقال مدرك بن حصين الأسدي:

(1/51)


رغا جزعا بعد البكاء كما رغت ... موشمة الجنبين رطب عرينها
يريد ضبعا موشمة بها وشوم، وقال الكميت:
نطعم الجيأل اللهيد من اللح ... م ولم ندع من يشيط الجزورا
الجيأل الضبع، واللهيد مثل الحسير، ويقال شاط دمه إذا بطل وأشطته أبطلته وقال ساعدة بن جؤية وذكر ميتا:
وغودر ثاويا وتأوبتهمذرعة اميم لها فليل
تأوبته أتته ليلا مذرعة ضبع بذراعيها توقيف أي آثار خطوط والفليل ما تكبب من الشعر واحدتها فليلة.
لها خفان قد ثلبا ورأس ... كرأس العود شهبرة نؤول
أراد أن لها خفا غليظا، ثلبا تكسرا من قولك ثلب فلان عرض فلان أي كسره، وشهبرة مسنة، والنهشلة مثلها، والنؤول التي تمشي كأنها مثقلة من حمل يقال مر ينأل بحمله نألانا إذا مر يتدافع به ومر يدلح.
تبيت الليل لا يخفي عليها ... حمار حيث جر ولا قتيل
كمشي الأقبل الساري عليها ... عفاء كالعباءة عفشليل
يريد أنها تمشي في الليل كمشي الرجل الأقبل وهو الذي في عينه شبيه بالحول وذلك أنها تلتفت وتدير عينيها، وجعله ساريا لأن الضبع أكثر جولانها في الليل لأكل الجيف، وعفاؤها شعرها ووبرها، والعفشليل الجافي، وكذا خلقة الضبع وهي كثيرة الشعر ولذلك قيل عثواء لأنها كثيرة الشعر.
فذاحت بالوتائر ثم بدت ... يديها عند جانبه تهيل
ذاحت مرت مرا سريعا سهلا، والوتائر طرائق مرتفعة من الأرض منقادة، بدت يديها أي فرقت بين الأصابع وفتحتها لتحفر عند جانب القبر، تهيل تحثو التراب وتنبش، وقال الأعلم يخاطب رجلا يذمه:
تشايع وسط ذودك مقبئنا ... لتحسب سيدا، ضبعا تبول
المشايعة والشياع رغاء الإبل، يريد إنك ذو مال فأنت تنادي وسط إبلك، والمقبئن المجتمع، وقوله ضبعا أراد يا ضبعا تبول فشبه بها.
عشنزرة جواعرها ثمان ... فويق زماعها وشم حجول
العشنزرة الغليظة، وسألت الرياشي عن قوله جواعرها ثمان فقال الجواعر أربع في رقمتي الحمار مواصل أطراف عظام وأراه أراد زيادة في تركيب خلقها، وإنما سميت الضبع جعار من الجواعر، والزماع جمع زمعة وهي شيء مثل الزيتونة تكون خلف ظلف الشاة، وشم من الخطوط، وحجول مثل الخلاخيل.
تراها الضبع أعظمهن رأسا ... جراهمة لها حرة وثيل
الضبع جمع ضبع، جراهمة عظيمة الرأس.
وقوله لها حرة أي حر فزاد الهاء، وثيل وعاء القضيب، وأراد أنها خنثى، ويروي لها حر بتشديد الراء للضرورة.
كما قال: " كأن مهواها على الكلكل " وقال:
وتجر مجرية لها ... لحمى إلي أجر حواشب
مجرية ضبع ذات جراء، حواشب منتفخات الجنوب.
سود سحا ليل كأن ... جلودهن ثياب راهب
سحاليل لينة واحدها سحليل شبه جلودها بثياب الرهبان لأن ثياب الرهبان سود.
آذانهن إذا احتضر ... ن فريسة مثل المذانب
المذانب المغارف واحدتها مذنبة.
ينزعن جلد المرء نز ... ع القين أخلاق المذاهب
أخلاق المذاهب أخلة تجعل مذهبة على جفن السيف فإذا أخلقت نزعت عن الجفن وأعيد عليه غيرها، وأنشدني الرياشي في وصف ضبع:
دفوع للقبور بمنكبيها ... كأن بوجهها تحميم قدر
يريد أن وجهها سوادا والتحميم السواد.
قال ابن الأعرابي يقال في مثل: إنما أنت خلاف الضبع الراكب.
قال لأن الضبع إذا رأت راكبا خالفته وأخذت في ناحية، يقول فأنت تخالف الناس أبدا فيما يصنعون، والذئب يعارضه وهو أخبث.
قال الهذلي - عبد بن حبيب:
تركنا ضبع سمي إذا استباءت ... كأن عجيجهن عجيج نيب
استباءت يقال رجعت إلى القتلى من باء يبوء ويقال استباءت أرادت الباءة من القتلى وهو النكاح والضبع تستعمل ذكر القتيل.
وقال آخر:
فارتث كلما هم عشية هزمهم ... حي بمنعرج المسيل مقيم
يعني الضباع جعلها بمنزلة حي من الأحياء.
أبيات المعاني في الكلاب
قال الشاعر يصف الكلاب - والبيت للبعيث المجاشعي:
محرجة حص كأن عيونها ... إذا آذن القناص بالصيد عضرس

(1/52)


محرجة في أعناقها الحرج وهو الودع، والعضرس بقلة حمراء الزهرة، أراد أعين الكلاب تجمر من شدة الغضب، ومثله - لامرئ القيس:
مغرثة زرقا كأن عيونها ... من الذمر والإيساد نوار عضرس
مغرثة مجوعة، والذمر الإغراء والزجر، وقال عنترة:
أقل عليك ضرا من قريح ... إذا أصحابه ذمروه سارا
ويقال آسدت الكلاب إذا قلت لها خذي، ويقال العضروس في البيت الأول البرد يعني أنها تبيض عيونها حين تشخص للصيد، ويقال العضرس الورق الذي يصبح عليه الندى شبه العيون به، وقال الراعي وذكر الصائد والثور والكلاب:
يشلى سلوقية زلا جواعرها ... مثل اليعاسيب في أصلابها أود
زل رسح، قال الأصمعي: يستحب من الكلب أن يكون في ظهره أحد يدأب قليلا وأن يكون في سبته سعة وفي شدقيه سعة.
فجال إذ رعنه ينأى بجانبه ... وفي سوالفها من مثله قدد
يريد أن في أعناق الكلاب قلائد من جلد ثور، وقال امرؤ القيس وذكر كلبا:
فيدركنا فغم داجن ... سميع بصير طلوب نكر
فغم حريص على الصيد، يقال للكلب ما أشد فغمه، قال الأعشى: " وأنت بآل عقيل فغم " أي حريص مولع.
ألص الضروس حتى الضلوع ... تبوع أريب نشيط أشر
قال الأصمعي: لا أعرف ألص الضروس ولكني أعرف ألص الثنيتين إذا كانت إحداهما على الأخرى ويقال للزنجي ألص الأليتين إذا كان صغيرهما قريب ما بينهما، وقال يذكر الثور:
فكر عليه بمبراته ... كما خل ظهر اللسان المجر
فظل يرنح في غيظل ... كما يستدير الحمار النعر
المبراة القرن وأصلها التي تبرى بها القوس، والمجر الذي يثقب لسان الفصيل ويجعل فيه عودا لئلا يرضع، يرنح يقال ضربة حتى رنحه أي غشي عليه فمال كما يميل السكران، غيظل شجر ملتف، والجلبة والأصوات يقال لها أيضا غيظل، النعر الذي دخلت في أنفه نعرة وهي ذبابة تدخل في أنف الحمار فيضرب بنفسه الأرض ويقلق، وقال النابغة وذكر صائدا وثورا:
من حس أطلس يسعى تحته شرع ... كأن أحناكها السفلى مآشير
شرع كلاب شبهها في دقتها بالأوتار.
يقول راكبها الجنى مرتفقا ... هذا لكن ولحم الشاة محجور
راكبها يعني صاحب الكلاب الذي هو خلفها يوسدها، مرتفقا في رفق، هذا لكن أي لحم الثور ولكن هيهات أن تدركه ولحم الشاة - يعني الثور - محجور عنهن ولا يدركنه.
وقال وذكر القانص والكلاب والثور:
فبثهن عليه واستمر به ... صمع الكعوب بريات من الحرد
الحرد يكون بالبعير وهو استرخاء في عصب يديه من شدة العقال فهو ينفضهما ويضرب بهما راد ليس بالكلاب عيب ولم يرد الحرد نفسه، صمع الكعوب - لازقة خفية.
فكان ضمران منه حيث يوزعه ... طعن المعارك عند المحجر النجد
ضمران اسم كلب، حيث يوزعه أي حيث يغريه صاحبه يقال هو يوزع بالشيء إذا كان مولعا به أي كان الكلب من الثور حيث أمره الكلاب أن يكون كما تقول للرجل أنا بحيث تحب، ضرب المعارك أراد كضرب المعارك وهو المقاتل، والمحجر الملجأ المدرك، ويروي النجد والنجد، والنجد الذي يعرق من الكرب والشدة واسم العرق النجد ومنه قوله في هذه القصيدة: " بعد الأين والنجد " يقال رجل منجود، والنجد من نعت المحجر، وإن قلت النجد فهو من نعت المعارك والنجد الشجاع من النجدة، قال أبو عبيدة: حيث يوزعه طعن، طعن بالرفع، وقال رفع ضمران بكان وجعل الخبر في " منه " أي كان الكلب من الثور كأنه قطعة منه في قربه وارتفع الطعن بيوزعه، وقال سمعت يونس بن حبيب يجيب بهذا الجواب في هذا البيت:
شك الفريصة بالمدرى فأنفذها ... شك المبيطر إذ يشفي من العضد
المدرى قرنه، والمبيطر البيطار والعضد داء.
كأنه خارجا من جنب صفحته ... سفود شرب نسوه عند مفتأد
أي كأن القرن في حال خروجه سفود، والمفتأد الموضع الذي يختبز فيه ويطبخ ومثله قول أبي ذؤيب:
فكأن سف لماودين لما يقترا ... عجلاله بشواء شرب ينزع

(1/53)


أي فكأن سفودين لم يقترا بشواء شرب ينزع أي هما حديدان شبه قرنيه بالسفودين، عجلا له أي الثور بالطعن الواقع بالكلاب.
فظل يعجم أعلى الروق منقبضا ... في حالك اللون صدق غير ذي أود
أي ظل الكلب يمضغ أعلى القرن لما خرج من جنبيه، في حالك اللون أي أسود يعني القرن، صدق صلب، أود اعوجاج، ومن عادة الشعراء إذا كان الشعر مديحا وقال كأن ناقتي بقرة أو ثور أن تكون الكلاب هي المقتولة فإذا كان الشعر موعظة ومرثية أن تكون الكلاب هي التي تقتل الثور والبقرة ليس على أن ذلك حكاية بقصة بعينها.
وقال ذو الرمة وذكر الصائد:
يجنب ضروا ضاريا مقلدا ... أهضم ما خلف الضلوع أجيدا
موثق الخلق بروقا مبعدا ... وانقض يعدو الرهقى واستأسدا
لابس أذنيه لما تعودا
أهضم منضم الجنبين، أجيد طويل العنق، بروق شائل ذنبه ويكون البروق الواضح اللون، مبعد مبعد، والرهقى عدو يرهق به المطلوب، استأسدا صار كالأسد، لابس أذنيه أي صرهما وجمعهما فألصقهما بصماخه.
وقال سويد بن أبي كاهل: " وضراء كن أبلين السرع " السرع السرعة، يقول أبلين صدقا في الإسراع.
قال الأعشى: " إن ريثا وإن سرعا " وقال يذكر الكلاب والثور:
وتراهن على مهلته ... يختلين الأرض والشاة يلع
مهلته تقدمه، يلع يعدو ولا يصدق في عدوه، ويقال كذب وولع.
وأنشد:
إلا بأن تكذبا علي ولاأملك أن تكذبا وأن تلعا
ولم أسمع ولع وحدها إلا ها هنا، يختلين الأرض يقطعن الأرض بأرجلهن إذا عدون، وقال لبيد:
حتى إذا يئس الرماة وأرسلوا ... غضفا دواجن قافلا أعصامها
أي يئس الرماة من بلوغ السهام فأرسلوا كلابا، دواجن متعودة للصيد، قافلا أعصامها أي يابسا قلائدها.
ويقال الأعصام الأمعاء وهي الأعصال أيضا.
وقال يصف الثور والكلاب:
فجال ولم يعكم بغضف كأنها ... دقاق الشعيل يبتدرن الجعائلا
جال الثور، ولم يعكم لم يرجع، والشعيل الفتائل واحدتها شعيلة، والجعائل ما جعل للكلاب من رزقهن.
وقال الكميت وذكر الكلاب:
حتى إذا أطعمت أحناك ضارية ... هن المساريف يوم الغنم والنجل
ضارية كلاب، يقول ينجلن على صيدهن ويسرفن في أكله.
وقال وذكر الكلاب:
فدع أيد فج العراقيب كالأق ... دح إلا سمومها والغرورا
الأفدع المائل اليد، والسموم الثقب مثل المنخرين والفم، والغرور غضون الجلد.
وقال يصفها:
مؤللة الآذان عقد كأنها ... يعاسيب لا يأدو الضراء اختيالها
مؤللة محددة الآذان، والكلاب توصف بالغضف، والأعقد الذي إذا عدا رفع ذنبه، وقال الفرزدق: " مشية الجاذف الأعقد " يريد الكلب، يأدو يختل، يقول لا تختل ولكنها تحمل، والضراء ما استترت به.
تولت بإجريا ولاف كأنما ... تحول شختا بعد جأب خيالها
إجريا من الجري، ولاف مؤتلف، يقول إذا عدت دقت شخوصها وإذا وقفت كانت أعظم خلقا، وقال الطرماح وذكر صائدا:
يورع بالأمراس كل عملس ... من المطعمات الصيد غير الشواحن
يورع يكف، والأمراس الحبال واحدها مرس والعملس أصله الذئب سمي بذلك لسرعته وشبه الكلاب بالذئاب، والمطعمات الصيد المرزوقات ويقال للرجل إنه لمطعم إذا كان مرزوقا من الصيد، والشواحن اللواتي يبعدن في الطلب ولا يصدن شيئا.
معيد قمطر الرجل مختلف الشبا ... شرنبث شوك الكف شثن البراثن
المعيد الذي عاود الصيد، والقمطر الرجل الذي كأنه به عقالا من اعوجاج ساقيه وهو الشديد، والشبا حد أنيابه، والشرنبث الخشن الكف، والشوك المخالب، والبراثن ما وطئ به الأرض.
توازنه صي على الصيد همها ... تفارط أحراج الضراء الدواجن
توازنه تساويه وتعاونه، صي كلبة من قولك صارت تصيء صيئا وهو صوت دقيق، تفارط تسابق، أحراج جمع حرج يقال هو نصيبهن الذي يجعل لهن من الصيد، الضراء الكلاب جمع ضرو.
وقال يذكر الكلاب:
يبتدرن الأحراج كالثول والحر ... ج لرب الضراء يصطفده

(1/54)


يبتدرن يعني الكلاب، والأحراج أنصباؤها من الصيد ما سقط من البطون وغيرها، والثول الزنابير وشبهها بها، يصطفده يأخذه يفتعل من الصفد.
مرغنات لأخلج الشدق سلعا ... م ممر مفتولة عضده
مرغنات مطيعات، أخلج الشدق واسعه، سلعام عظيم الخلق والبطن، ممر مفتول شديد.
يضغم النابئ الملمع بين ال ... روق والعين ثم يقصده
يضغم يعض، والنابئ الثور يخرج من بلد إلى بلد وكذلك الناشط، والملمع الذي في يديه لمع سواد وبياض.
مستنيع يصر مثل صرير ال ... قعو لما أصاحه مسده
مستنيع متقدم، يصوت صوتا كصرير القعو وهو الذي يكون فيه المحور من خشب فإن كان من حديد فهو خطاف، والمسد حبل من ليف وهو كل ما ضفر فتل، وقال وذكر كلبة:
عولق الحرص إذا أبشرت ... لعوة تضبح ضبح النهام
عولق لا يفلت منها شيء، أبشرت من المباشرة، لعوة حريصة على الصيد، والنهام ذكر البوم، وتقول العرب: أحرص من لعوة، وقال العجاج:
غضفا طواها الأمس كلابي ... بالمال إلا كسبها شقي
يريد بالمال شقي إلا من كسبها، وقال وذكر الكلاب بعد طعن الثور لها:
حتى إذا ميث منها الري ... وعظعظ الجبان والزئني
ميث أي لين من الكلاب، الري السكر من الطعن، عظعظ اضطرب، والزئني الصغير من الكلاب، والعامة تقول الصيني.
وطاح في المعركة الفزنى ... تواكلته وهو عجرفي
الفرني الضخم، تواكلته الكلاب أي اتكل بعضها على بعض وأحبت أن يكفي بعضها بعضا، وقال وذكر الثور:
مبتكرا فاصطاد في البكور ... ذا أكلب نواهز ذكور
اصطاد في البكور هذا هزء يريد أنه خرج فأصاب الصائد كقولك خرج فلان يصطاد فوقع على أسد فأكله، فيقال بئس الصيد وقع عليه، نواهز تنتهز الصيد.
" يهمدن للاجراس والتشوير " يهمدن يجددن، ويسرعن في العدو، والاجراس أن تسمع الجرس، والتشوير أن شير بيده يقال أشار وشور، قال جرير:
رأى عبد قيس خفقة شورت بها ... يدا قابس ألوى بها ثم أخمدا
أي أشار بها، وقال آخر: " حتى إذا أجرس كل طائر " أي صوت، وقول ذي الرمة يصف الكلاب: " لاحها التغريث والجنب " والتغريث الجوع، والجنب لصوق الرئة بالجنب من العطش.
وقال جرير:
فلا تحسبني شحمة من وقيفة ... تسرطها مما تصيدك سلفع
الوقيفة التي تلجئها الكلاب أو الرامي إلى موضع لا تخلص منه يريد إني ممتنع، تسرطها تزدردها يقال في المثل الأكل سريطي والقضاء ضريطي، ويقال الأكل سلجان والقضاء ليان، وسلفع اسم كلبة، وقال أبو خراش الهذلي لابنه حين هاجر في خلافة عمر:
فإنك وابتغاء البر بعدي ... كمخضوب اللبان ولا يصيد
هذا مثل يعني الكلب تلطخ صدره وحلقه بالدم ترى الناس أنه قد صاد ولم يصد شيئا، وقال آخر:
فلا ترفعي صوتا وكوني قصية ... إذا ثوب الداعي فأنكرني كلبي
إنما ينكره كلبه إذا لبس سلاحه يخبر أن سلاحه تام يقول إياك والصراخ إذا عاينت الجيش، وقال آخر:
إذا خرس الفحل وسط الحجور ... وصاح الكلاب وعق الولد
الفحل إذا عاين الجيش وبوارق السيوف لم يلتفت لفت الحجور، والكلاب تنج أربابها لأنها لا تعرفهم للبسهم الحديد، والمرأة تذهل عن ولدها ويشغلها الرعب فجعل ذلك عقوقا، قالوا ومنه يقال: أمر لا ينادي وليده، أي تشتغل المرأة عن ولدها فلا تناديه.
وقال آخر - وهو طفيل الغنوي:
أناس إذا ما الكلب أنكر أهله ... حموا جارهم عن كل شنعاء مضلع
وقال آخر:
وفينا إذا " ما " الكلب أنكر أهله ... غداة الصباح المانعون الدوابرا
وقال الكميت:
واستثفر الكلب إنكارا لمولغه ... في حولة قصرت عن نعتها الحول
اسثفر الكلب أدخل ذنبه بين رجليه، لم يعرف من يسقيه لأنه قد لبس الحديد فأنكره، والحولة الداهية.
وقال زيد الخيل:
يتبعن نضلة أير كلب منعظ ... عض الكلاب بعجبه فاستثفرا
وقال الكميت:
فإنكم ونزارا في عداوتها ... كالكلب هر جدا وطفاء مدار

(1/55)


الأصل في هذا أن كلبا ألحت عليه السماء بالمطر أياما ثم طلعت الشمس فذهب يتشرق فلم يشعر إلا بسحابة قد أظلته ففزع ورفع رأسه وجعل ينبح، ويقال في المثل " وهل يضر السحاب نباح الكلاب " .
وقال آخر:
وما لي لا أغزو وللدهر كرة ... وقد نبحت نحو السماء كلابها
يقول: كنت أدع الغزو قبل الغيث فما عذري اليوم وقد جاء المطر وامتلأت الغدران، والكلب ينبح السحاب من الحاج المطر.
وقال الأفوه الأودي وذكر سحابا:
فباتت كلاب الحي ينبحن مزنه ... وأضحت بنات الماء فيه تعمج
أي تتلوى.
وقال آخر:
إذا عمى الكلب في ديمة ... وأخرسه الله في غير ضر
يخرسه إفراط البرد، كما قالت الهذلية - وهي جنوب أخت عمرو ذي الكلب - وذكرت ليلة:
لا ينبح الكلب فيها غير واحدة ... من العشاء ولا تسرى أفاعيها
وقوله عمى الكلب مثل قول الآخر - مرة بن محكان - :
وليلة من جمادي ذات أندية ... لا يبصر الكلب من ظلمائها الطنبا
وقال الفرزدق:
ولا يدع للأضياف إلا الفتى الذي ... إذا ما ابى أن ينبح الكلب أوقدا
يأبى الكلب أن ينبح لشدة البرد فيوقد ناره ليراها الطارقون، وقال الأعشى:
وتسخن ليلة لا يستطيع ... نباحا بها الكلب إلا هريرا
وأما قول الآخر:
مالك لا تنبح يا كلب الدوم ... قد كنت نباحا فمالك اليوم
فإن هذا الرجل كان ينتظر عيرا له تجيء وكان الكلب إذا جاءت ينبح فاستبطأ العير فقال مالك لا تنبح أي ما للعير لا تجيء وقال ابن هرمة:
كيف يلقونني إذا نبح الكل ... ب وراء الكسور نبحا خفيا
من شدة البرد، وقال آخر:
ومبد لي الشحناء بيني وبينه ... دعوت وقد طال السرى فدعاني
يعني كلبا وذلك أن المسافر إذا كان في الليل فلم يدر أين البيوت نبح ليسمع الكلاب فتجيبه وتنبح له أي لما نبح للكلب نبح الكلب فجعل ذلك دعاء، وقال الكميت يمدح قوما:
ولا لقاحهم إلا معودة ... ذل الكلاب وأن لا تسمن الفصل
ذل الكلاب أن لا تنبح الأضياف، وأن لا تسمن الفصل لأنهم يسقون ألبان الأمهات، وقال آخر في مثله:
وما يك في من عيب فإني ... جبان الكلب مهزول الفصيل
وقال حاتم:
إذا ما بخيل القوم هرت كلابه ... وشق على الضيف الغريب عقورها
فإني جبان الكلب بيتي موطأ ... جواد إذا ما النفس شح ضميرها
وإن كلابي قد أقرت وعودت ... قليل على من يعتريها هريرها
وقال آخر وذكر ضيفا:
حبيب إلى كلب الكريم مناخه ... كريه إلى الكوماء والكلب أبصر
يحب الكلب مناخه لأنهم ينحرون له فيأكل الكلب ويخصب، وتكرهه الناقة السمينة لأنها تخاف النحر، وقال ابن هرمة:
وفرحة من كلاب الحي يتبعها ... شحم يزف به الراعي وترعيب
الأسعر بن حمران الجعفي:
باتت كلاب الحي تنبح بيننا ... يأكلن دعلجة ويشبع من عفا
الدعلجة الاختلاف يقال بينهم دعلجة، وقال الحطيئة:
تسدينها من بعد ما نام ظالع ال ... كلاب وأخبى ناره كل موقد
الظالع من الكلاب لا يسفد حتى يسفد الكلاب كلها لضعفه، ويقال في مثل - أفعل ذاك إذا نام ظالع الكلاب - أي في آخر الأوقات لأن الظالع لا ينام إلا بعد الكلاب كلها، وقال حميد بن ثور وذكر امرأة:
فقامت تعشى ساعة ما يطيقها ... من الناس نامتها الكلاب الظوالع
وقال أبو ذؤيب وذكر امرأة:
بأطيب من فيها إذا جئت طارقا ... وأشهى إذا نامت كلاب الأسافل
قال الأصمعي: كلاب الأسافل يريد أسافل الأحوية يكون فيها الرعاء والكلاب وهم آخر من يهدأ، وقال رؤبة:
لاقيت مطلا كنعاس الكلب ... وعدة عجت عليها صحبي
يقول مطلا دائما لأن الكلب تراه أبدا ناعسا مغضيا عينيه وإنما يفعل هذا بالنهار فإما بالليل فلا، وقال أبو حية وذكر فلاة:
يكون بها دليل القوم نجم ... كعين الكلب في هبى قباع

(1/56)


هذه الأرض جدبة ذات غبرة لا تبصر فيها النجوم فينظر الدليل إلى النجم الذي يهتدي به كأنه عين الكلب إنما يبدو له منه شيء يسير كأنه عين الكلب لأن الكلب ناعس أبدا مغض، في هبى يعني النجم في نجوم هبى وهي التي تراها مظلمة من القتام والواحد هاب مثل غاز وغزى قباع قد قبعت في الغبار دخلت فيه ويقال للقنفذ إذا أدخل رأسه قد قبع.
وقال الأخطل يهجو رجلا:
سبنتي يظل الكلب يمضغ ثوبه ... له في ديار الغانيات طريق
السبنتي الجريء، ولذلك قيل للنمر سبنتي، يمضغ الكلب ثوبه من أنسه به ومعرفته له، يريد أنه يخالف إلى جاراته فيدارى الكلاب بالشيء يطعمها إياه فهي آنسة به، وقال آخر:
إني لعف عن زيارة جارتي ... وإني لمنشوء إلي اغتيابها
إذا غاب عنها بعلها لم أكن لها ... زؤورا ولم تأنس إلي كلابها
وقال الفرزدق:
وضاربة ما مر إلا اقتسمنه ... عليهن خواض إلى الطنء مخشف
ضاربة كلاب، يقول إذا مر بهن أحد لريبة اقتسمنه بالنهش والخدش، والطنء الريبة والتهمة، مخشف سريع في أموره ومروره دليل يقال خشف يخشف خشفا، وقال الأعشى - وهو أعشى تغلب واسمه عمرو بن الأيهم - :
إذا حلت معاوية بن عمرو ... على الأطواء خنقت الكلابا
يهجوهم يقول يخنقون الكلاب لئلا تنبح فيستدل بذلك الأضياف.
وقال الحطيئة:
دفعت إليه وهو يخنق كلبه ... ألا كل كلب لا أبا لك نابح
وقال الكميت:
وأحلب إسمعيل فيها ومنذر ... بأوبط من كيد الفراشة والجعل
ليستبعيا كلبا بهيما مخزما ... ومن يك أفيالا أبوته يفل
أحلب أعان، أوبط أضعف، يستبعيا يستعينا وأصل البعو الجناية يقال بعا عليهم فهو باع، بهيم أسود لا لون فيه غير لونه وجعله كذلك لأنه يقال إن الأسود البهيم شيطان، مخزم خزم أنفه بخزامة من ذله، شبه رجلا بهذا الكلب، والأفيال واحدهم فيل وهو الكثير الخطأ، وأبوته آباؤه جمع أبا على فعولة كما يقال صقر وصقورة وحمو وحموة وكذلك أب وأبوة.
أنشد أبو عبيدة:
أرسلت أسدا على سود الكلاب فقد ... أمسى شريدهم في الأرض فلاد
قال لأن سود الكلاب أكثرها عقورا ولذلك أمر بقتل الكلاب السود منها.
قال وهي للذئاب وأنشد: " كخوف الذئب من سود الكلاب " وأنكر على من يرويه: من بقع الكلاب، وأنشد غيره:
إذا تخازرت وما بي من خزر ... ثم كسرت العين من غير عور
لقيتني ألوى بعيد المستمر ... أبذي إذا بوذيت من كلب ذكر
أسود قزاح يغذى في الشجر
قزاح يقزح ببوله يزج به ويغذى ببوله.
وقال الخذلي:
أأجعل نفسي عدل علج كأنما ... يموت به كلب إذا مات أبقع
قال البقع شر الكلاب والتبقع هجنة وسوادها أكثرها عقورا وهي للذئاب وهي شرها، وخيرها ما شاكه الأسد في لونه.
وقال الراجز:
كأنه ملبس درانكا ... يقصر يمشي ويطول باركا
أراد يقصر ماشيا، ومما يتحاجى الناس به: ما شيء إذا قام كان أقصر منه إذا قعد، يريدون الكلب لأن قعوده إقعاء.
وقال عمر بن لجأ:
عليه حنوا قتب مستقدم ... مقع كإقعاء الكليب المعصم
وقال مزرد وذكر ضيفا نزل به فأمر بإطعامه:
فجاءا بخرشاوى، شعير عليهما ... كراديس من أوصال أعقد سافد
الأعقد الكلب الرافع ذنبه على ظهره وإذا كان سافدا فهو أشد لهزاله وأخبث للحمه، أخبرك أنه قرى ذيفه لحم كلب، وقال ابن الأعرابي أراد تيسا. وقال مساور بن هند:
إذا أسدية ولدت غلاما ... فبشرها بلؤم من الغلام
يخرسها نساء بني دبير ... بأخبث ما يجدن من الطعام
ترى أظفار أعقد ملقيات ... براثنها على وضم الثمام
يخرسها من الخرسة وهو ما تطعمه النساء يريد أنها تطعم لحم الكلب.
وقال الفرزدق:
إذا أسدى جاع يوما ببلدة ... وكان سمينا كلبه فهو آكله
وقال مساور:
بني أسد إن تمحل العام فقعس ... فهذا إذا دهر الكلاب وعامها

(1/57)


وقول العرب في مثل أمثالها " فلان يثير الكلاب عن مرابضها " يراد به لؤمه وطمعه وأنه يثيرها يطمع أن يجد في مواضعها شيئا يأكله، ومن أمثالهم " ألأم من كلب على عرق " ومن أمثالهم " سمن كلب في جوع أهله " وذلك إذا وقع في الإبل السواف فماتت فأكل، وأنشدني الرياشي:
قد شيب الرأس حتى ابيض مفرقه ... أن قلت يا عمرو إني نابح الظرب
وفسره غيره فقال هذا رجل به الكلب فهو ينبح على الظرب وهو دون الجبل، قال والكلب الكلب إذا عض إنسانا إحاله نباحا مثله ثم أحبله وألقحه بأجر صغار يراها علقا في صورة الكلاب، وقال ابن فسوة عتيبة بن مرداس وكان به الكلب فداواه ابن المحل فأخرج اجرى الكلاب علقا مثل صور النمل فبرأ.
لولا دواء ابن المحل وعلمه ... هررت إذا ما الناس هر كليبها
وأخرج بعد الله أولاد زارع ... مولعة أكتافها وجنوبها
الكليب جمع كلب مثل عبد وعبيد، وأولاد زارع الكلاب، وقال امرأة في رجل أصابه الكلب:
أبالك أدراصا وأولاد زارع ... وتلك لعمري نهية المتعجب
ويقولون أن دماء الملوك شفاء من الكلب، قال رجل من كندة لبني أسد في قتلهم حجرا:
عبيد العصا حبتم بقتل ربيبكم ... تريقون تامورا شفاء من الكلب
التامور الدم، وقال الفرزدق:
ولو شرب الكلبي المراض دماءنا ... شفتها وذو الخبل الذي هو أدنف
وقال آخر:
بناة مكارم وأساة كلم ... دماؤهم من الكلب الشفاء
وقال دريد بن الصمة حين ضرب امرأته بالسيف ليقتلها فسلمت:
اقر العين أن عصبت يداها ... وما أن تعصبان على خضاب
وابقاهن ان لهن جنا ... وواقية كواقية الكلاب
يقال أن على الكلاب واقية من عبث الصبيان والسفهاء بها، وقال آخر:
إني وأتيي ابن غلاق ليقريني ... كالغابط الكلب يبغى الطرق في الذنب
الغابط الذي يجس الموضع من الشاة لينظر أسمينة هي أم لا، والطرق الشحم، وقال أعرابي يوصي بكلبه:
استوص خيرا به فإن له ... عندي يدا لا أزال أحمدها
يدل ضيفي علي في غسق ال ... ليل إذا النار خف موقدها
أبيات المعاني في الأسد
قال أبو زبيد يذكر الأسد:
بثني القريتين له عيال ... بنوه وملمع نصف ضروس
الثني العقبة، والملع التي قد قاربت أن تضع فاشرق ضروعها، ضروس عضوض يريد لبؤة، نصف ليست بشابة.
غذين بكل منعفر سليب ... يجاء به وقد نسل الدريس
نسل سقط، والدريس خلقان الثياب.
رأى بالمستوى سفرا وعيرا ... أصيلالا وجنته الغميس
أصيلالا عشية، وجنته سترته، والغميس الأجمة التي ينغمس فيها وقيل الظلمة.
تواصوا بالسرى هجرا وقالوا ... إذا ما ابتز أمركم النعوس
فإياكم وهذا العرق واسموا ... لموماة مآخذها مليس
يقول تواصلوا نصف النهار بأن يتحفظوا في سرى ليلهم من الأسد، والنعوس الذي يحرسهم فينام، والعرق واحد العراق، يقول سيروا في موماة ملساء فإن جاءكم الأسد رأيتموه.
وحقوا بالرحال على المطايا ... وضموا كل ذي قرن وكيسوا
القرن الكنانة، يقول ضموا إليكم الرماة، ويكون أيضا أن يضموا إليهم كلهم ذي قرن من أبلهم والقرن الحبل، وروى الأصمعي: وزموا كل ذي قرن - يقول اجعلوا الأوتار في أفواق سهامكم، ويقال يصف مخالبه:
بسمر كالمجالق في فتوخ ... يقيها قضة الأرض الدخيس
السمر المخالب، والمحالق المواسي شبهها بها في حدتها، ويروى كالمعابل وهي نصال سهام، لي فتوخ في استرخاء ولين، والقضة الحصى الصغار، والدخيس اللحم الذي في كفيه.
كأن بنحره وبمنكبيه ... عبيرا بات تعبؤه عروس
العبير عند العرب الزعفران، تعبؤه تهيئه.
وقال يصف الأسد وما في عرينه:
ومن فلائل هام القوم محتلقا ... بمستحى من أمين الجلد إتعابا

(1/58)


الفلائل واحدتها فليلة وهي الخصلة من الشعر، بمستحى أي بمقشور من الجلد قشر بإتعاب وهو مفتعل من سحوت القرطاس أي قشرته.
ومن سرابيل أهباب مضرجة ... بصائك من دم الأجواف قد رابا
أهباب أخلاق من الثياب والصائك الدم الذي له ريح، راب أي غلظ كما يروب اللبن.
كأن أثواب نقاد قدرن له ... يعلو بخملتها كهباء هدابا
النقاد صاحب النقد وهي الغنم الصغار، شبه جلد الأسد وشعره المتدلي بالقطيفة التي على الراعي.
وقال يصفه حين زجره القوم:
كأنما كان تأييها ليأتيهم ... في كل إيعاده يدنو تقرابا
التأييه الدعاء، يقول كأن زجرهم إياه ليتنحى عنهم فكأنه إنما كان ليأتيهم.
وثار إعصار هيجا بينهم وجلوا ... يضيء محراثهم جمرا وإحطابا
هذا مثل، يريد بالجمر نار الحرب بينهم، والمحراث ما حرك به النار أي سلاحهم يستثير نار الحرب.
وقال يصفه:
ورد كأن على أكتاده حرجا ... في قرطف من نسيل البخت مخدور
الكتد مغرز العنق في الكاهل، والحرج الهودج، شبه ما على كتده من الشعر بالحرج، والقرطف القطيفة، وقوله: من نسيل البخت أي هذا القطيفة متخذة مما نسل أي سقط من أوبار الإبل فقد جلل بها ذلك الهودج.
أو ذا شصائب في أحنائه شمم ... رخو الملاط غبيظا فوق صرصور
الشصائب عيدان الرحل واحدها شصيبة، في أحناء الرحل وهي عيدانه، شمم أي ارتفاع، رخو الملاط أي لم يشد شدا جيدا والملاط جنب البعير وهو هاهنا جنب الرحل، والغبيط مركب النساء، والصرصور البازل من الإبل ويقال هو الفالج ويقال ولد البختية من العربي.
إذا تبهنس يمشي خلته وعثا ... وعي السواعد منه بعد تكسير
تبهنس تبختر، وعثا يمشي في وعث وهو ما كثر فيه الرمل، وعي السواعد يقول كأنها كانت قد انكسرت ثم جبرت بعد.
أقبل يريدي معاردي الحصان إلى ... مستعسب أرب منه بتمهير
الرديان ضرب من العدو، والحصان الفرس، والمستعسب مثل المستطرق من العسب أي أقبل هذا الأسد إلى هؤلاء القوم كما يقبل هذا الفرس إلى هذا الرجل الذي معه هذه الفرس الأنثى، أرب ذو إربة وحاجة، بتمهير بطلب مهر، وعسب الفحل وطرقه سواء.
خان العذار بما في الرأس من طول ... وسير الجل عنه أي تسيير
أي قصر عنه عذاره لطول رأسه، وسير الجل أي ألقاه.
وفي القوائم والأقرب باقية ... منه هذاليل تبطين وتصدير
الأقرب الخواصر، والهذاليل المقطع وقوله تبطين وتصدير يقول بقي من الجل في موضع البطان والتصدير، شبه الأسد بالفرس في هذه الحال.
وصاح من صاح في الأجلاب وابتعثت ... وعاث في كبة الوعواع والعير
الكبة الجماعة، والوعواع الصوت، وعاث أفسد، وابتعثت الإبل.
فكعكعوهن في ضيق وفي دهش ... ينزون من بين مأبوض ومهجور
كعكعوهن كفوا إبلهم في ضيق، مأبوض مشدود بالإباض، وهو حبل يشد من العنق إلى الرجل.
للصدر منه عويل فيه حشرجة ... كأنما هي في أحشاء مصدور
يريد هماهم الأسد كأنما هي في أحشاء رجل يشتكي صدره.
وغودر السيف لم يخرج وخلته ... أهباب دام على السربال معفور
خلة السيف بطانة جفنه وجمعها خلل، والأهباب الأخلاق المنقطعة، معفور قد انعفر في التراب.
ثم استمر إلى ترج فأسنده ... إلى فريسين ذي كفل وذي كور
أي مضى الأسد بهذا الرجل إلى ترج وهو موضعه، وأسنده إلى فريسين أي صريعين قد كان افترسهما قبل ذلك، ذي كفل يقول كان مكتفلا بكساء له، وقال في أخرى:
تمهل ربعيا وزايل شيخه ... بمأربة لما اعتلى وتمهرا
تمهرا تثبت، ربعيا في أول شباب أبيه، وزايل أباه بمأربة أي قضى إربه منه، لما اعتلى أي قوي على الصيد، وتمهر ومهر سواء.
وعايشه حتى رأى من قوامه ... قواما وخلقا خارجيا مصبرا
أي عايش الجرو أباه حتى رأى من استقامة خلقه، مضبرا موثقا.
تريبل لا مستوحشا لصحابة ... ولا طائشا أخذا وإن كان أعسرا

(1/59)


تريبل صار ريبالا، والأسد لا يضرب إلا بشماله.
خبعثنة في ساعديه تزايل ... تقول وعي من بعدما قد تكسرا
خبعثنة ضخم يقول كأن ساعديه كسرا ثم جبرا، وقوله يصف أسنانه:
مطلن ولم يلفتن في الرأس مثغرا
مطلن طولن والأسد لا يسقط أسنانه، وقال يصف الأسد:
ينيخ نهار بالرفاق
أي ينيخ الرفاق من خوفه نهارا، وقال في أخرى يصف الأسد:
له لبد كاللبد طارت رعابلا ... وكتفان كالشرخين، عبل مضبر
اللبد ما تلبد من شعره على عنقه، والرعابل المتقطع، والشرخان عودان في مقدم الرحل وآخرته يتكئ عليهما الراكب والمضبر الموثق المحكم.
كأن غضونا من لهاه وحلقه ... مغار هيام عدملي منهور
الغضون ما تغضن بعضه على بعض من الجلد الذي فوق حلقه ولهاه، والهيام الرمل الذي يتناثر، والعدملي القديم، والمنهور الواسع أخذه من النهر، وقيل المنهور المتهدم، وقوله:
كأن الجوش منه مشجر
الجوش والجاش الصدر، مشجر قد أدخل بعضه في بعض.
يعرد منه ذو الحفاظ مدججا ... ويحبق منه الأحمري المدور
أي يفر الذي يحافظ على القتال، ويحبق يضرط الرجل الأحمر المدور السمين لأنه لا يقدر على الهرب فهو يضرط.
يظل مغبا عنده من فرائس ... رفات حطام أو غرض مشرشر
يقال أغب اللحم إذا أنتن وغب أيضا، غريض طري، مشرشر مقطع وقوله:
وراح على آثارهم يتقمر
أي يسير في القمر وينتظر أوبته.
ففاجأهم يستن ثاني عطفه ... له غبب كأ،ما بات يمكر
المكر المغرة، يقول كأنما خضب غببه بها، ويقال يمكر ينفخ يقال زق ممكور أي منفوخ، ومنه يقال امرأة ممكورة إذا كانت ممتلئة، وقال كثير يذكر أسدا:
يرى أن أحدان الرجال غفيرة ... ويقدم وسط الجمع والجمع حافل
غفيرة أي يغتفر الواحد لا يلتفت إليه من احتقاره إياه، وقال أوس:
ليث عليه من البردي هبرية ... كالمزبراني عيال بآصال
الهبرية ما تطاير من البردي، والمزبراني الشديد الزبرة وهو يعنيه كما تقول رأيت رجلا ذي الهيئة، وأنت تعنيه والعيال يعيل أي يتبختر في مشيته يقول يتبختر بالعشيات، وقال مالك بن خالد الهذلي:
يحمي الصريمة أحدان الرجال له ... صيد ومستمع بالليل هجاس
الصريمة موضع هاهنا، أحدان الرجال ما انفرد منهم، يقول لا يمر في هذا الموضع إلا الجماعة، ويقال الصريمة رميلة فيها شجر. وقال زهير:
يصطاد أحدان الرجال فما ... تنفك أجريه على ذخر
أجريه يغنى جراءه، على ذخر من لحوم الناس وقال العجاج:
ليث غاب لم يرم بأبس
الأبس أن يصغر الرجل ويحقر.
يقال أبسه أبسا وأبسته تأبيسا مثله، وقال الفرزدق:
هزبر هريت الشدق ريبال غابه ... إذا سار عزته يداه وكاهله
ريبال يصيد وحده، يقال خرج الناس يتريبلون إذا خرجوا للغارة والسرق متخففين، غابة أجمة إذا سار من قولك هو يسور، عزته يداه وكاهله أي صار أعظم شيء فيه، وقال أبو النجم يصف أسدا:
كان سفافا بخوص سففا ... من سعف النخل كميتا سعفا
السفاف الذي يعمل السفيف من الخوص أراد سفف سعفا كميتا من سعف النخل فقدم النعت، كميت أحمر، يقول السعف يابس قد احمر.
ناط على المتنين منه خصفا ... وابتز منه الصدر بطنا أهيفا
ناط علق على متني الأسد، خصفا أي جلال الواحدة خصفة وسميت الجلة بذلك لأنها تخاط، وابتز منه - يقول: صدره عظيم وبطنه خميص فكأن الصدر غلب البطن على السمن.
وإن رآه مدلج تلهفا ... وصدق الظن الذي تخوفا
تلهف قال والهفاه، وصدق الأسد خوفه:
عدوا وإلهابا يمد الطفطفا
يقول إذا امتد في عدوه امتدت خواصره.
كأن عينيه إذا ما ألغفا ... الشعريان لاحتا بعد الشفا
ألغف وألعف أولع به ويقال ألغف وألعف ولغ في الدم وهما سواء وشبههما بالشعريين بعد دنو الشمس للمغيب لأنهما في أول الليل حمراوان ثم تبيضان بعد ذلك في الليل، يقول فعيناه حمراوان، وقال عمرو بن معدي كرب:

(1/60)


بعفروس تبادره يداه ... وصمصام يصمم في العظام
العفروس الأسد تبادره يداه أنه اضبط يعمل بيديه جميعا عملا واحدا، وقال لبيد:
أو ذو زوائد لا يطاق بأرضه ... يغشى المهجهج كالذنوب المرسل
في أرساغه زوائد مثل الزوائد في الأصابع، والمهجهج الذي يصيح به ويزجره، يقول يغشاه ولا يباليه كالذنوب وهو الدلو قد أرسل في سرعته. وقال القطامي:
لعل الصيد سوف يصير شثنا ... يبين حين ينهم أو يقوم
يقول لعلك تطلب صيدا فتقع على أسد، والشثن الغليظ الكف.
وقال ابن هرمة يصف أسدا:
مطرقا يكذب عن أعدائه ... ينقض الكلم إذا الكلم التأم
يكذب عنهم إذا قال إنسان لأعداء هذا الأسد من القوم أنه لا يقدم عليهم جبنا أكذب هو ذاك وظهر منه أنه إنما امتنع من الإقدام عليه - ؟ - لخبث الأسد وشدته، وقال الأعشى:
فلم يسبقوه أن تلافي رهينة ... قليل المساك عنده غير مفتدي
يقول ارتهن من القوم رهينة قليل البقاء عنده لا يفتدي نفسه منه كما يفتدى الأسير.
فأسمع أولى الدعوتين صحابه ... وكان التي لا يسمعون لها قدي
يقول دعا فأسمع ثم دعا ثانية لم يرفع بها صوته حتى أتى على نفسه وكانت قد، أي حسب، وقال رجل من بني أسد:
رضينا بحظ الليث طعما وشهوة ... فسائل أخا الحلفاء إن كنت لا تدري
بنو أسد تعير بأكل لحوم الكلاب والأسد يأكل الكلاب ويحرص على لحومها، وأخو الحلفاء الأسد لأنه يسكن الحلفاء في الغياض، وقال الشاعر - الفرزدق:
إذا أسدي جاع يوما ببلدة ... وكان سمينا كلبه فهو آكله
وقد مر في هذا أبيات في باب الكلاب.
وقال ساعدة بن جؤية يذكر أسدا:
إذا احتضر الصرم الجميع فإنه ... إذا ما أراحوا حضرة الدار ينهد
أي إذا احتضروا نهدلهم، ومثله: لما رأى العدو نهدلهم، يريد أراحوا إبلهم حضرة الدار، والصرم هم الجماعة من البيوت، والجميع أهل الحواء ما بين ثلاثين بيتا إلى أربعين بيتا، يريد أنه ينهض إليهم إذا اجتمعوا وأراحوا إبلهم فهدرت ولم يكترث لهم جرأة وشجاعة.
وقاموا قياما بالفجاج وأوصدوا ... وجاء إليهم مقبلا يتورد
أوصدوا صاروا في الوصيد وهو الفناء، أراد حضروا الدار، يتورد يغشاهم في بيوتهم، والفجاج الطرق.
يقصم أعناق المطي كأنما ... بمفرج لحييه الزجاج الموتد
يقول كأن زجاج الرماح وتدت مكان أنيابه، يقصم يكسر، وقال مالك بن خالد الهذلي:
يا مي لا يعجز الأيام مجترئ ... في حومة الموت رزام وفراس
أحمي الصريمة أحدان الرجال له ... صيد ومستمع بالليل هجاس
مجترئ من الجرأة، رزام يرزم على قرنه أي يبرك، والصريمة رميلة فيها شجر، وأحمي جعلها حمي يقال أحميت المكان جعلته حمى لا يقرب، ومستمع نعت له بكسر الميم، والهجس الاستماع.
الأصمعي قال أنشدني عيسى بن عمرو:
يصطاد أحدان الرجال وإن يجد ... ثناءهم يفرح بهم ثم يزدد
وقال أبو الطمحان القيني وذكر أسدا:
يظلتغنيه الغرانيق فوقه ... أباء وغيل فوقه متآصر
يقول هو في أجمة فيها طير الماء فهي تصوت واحدها غرنيق.
وقال المعطل الهذلي:
كأنهم يخشون منك محربا ... بحلية مشبوح الذراعين مهزعا
المحرب المغيظ، يعني أسدا، مشبوح الذراعين عريضهما، مهزع مدق يقال تهزعت عظامه إذا تكسرت.
له أيكة لا يأمن الناس غينها ... حمى رفرفا منها سباطا وخروعا
قال الأصمعي: لا أدري ما الرفرف هاهنا.
وقال غيره الأيكة الشجر الملتف والرفرف أصله ما انعطف واسترخى أراد ما تهدل من غصون الشجر، والخروع النبت الناعم الأخضر، والسباط الممد.
وقال أبو زبيد يصف أسدا:
أقبل يردي معا ردي الحصان إلى ... مستعسب أرب منه بتمهير
وقال الكميت:
صارت هناك لبصرييك دولتهم بعد الذي أنت فيه الهترك البيد
الهترك الأسد، والبيد الذي يبيد كل شيء.
أبيات المعاني في الغراب
قال كعب بن زهير:

(1/61)


وحمش بصير المقلتين كأنه ... إذا ما مشي مستكره الريح أقزل
حمش يعني الغراب يقول هو دقيق الساقين، مستكره الريح أي يستقبل الريح وترده، والأقزل الأعرج.
يكاد يرى ما لا ترى عين واحد ... يثير له ما غيب الترب معول
يقول يبلغ نظره ما لا يبلغه واحد، معول منقار مثل الفأس يستخرج به ما في التراب.
الغردة جمع غرد وهو كمء صغير ويقال له مغرود والجمع مغاريد وقالوا غرد وغردة كما قالوا فقع وفقعة للكمأة أيضا ويقال فقع أيضا بفتح الفاء، قالوا الغراب أعرف شيء بموضع الكمأة.
وقال النابغة:
ولرهط حراب وقد سورة ... في المجد ليس غرابها بمطار
السورة الفضيلة والشرف، ليس غرابها بمطار أي هو ثابت، فهذا مثل أصله أن المكان إذا وصف بالخصب وكثرة الشجر والنخل قيل لا يطير غرابه، يراد أنه يقع في المكان فيجد ما يشبع به فلا يحتاج إلى أن يتحول عنه فضربه مثلا لمجدهم أي مجدهم ثابت كثير.
وقال آخر:
يا عجبا للعجب العجاب ... خمسة غربان على غراب
هذا رأى خمسة غربان على غراب بعير قد مات، والغراب رأس الورك المتصل بالصلب، وهو من الإنسان الحرقفة ومن الفرس القطاة.
وقال:
سأرفع قولا للحصين ومالك ... تطير به الغربان شطر المواسم
يريد هجاء يسير به الركبان نحو المواسم، والغربان غربان الإبل واحدها غراب وهو مقعد الراكب، وقال ابن ميادة:
ألا طرقتنا أم أوس ودونها ... حراج من الظلماء يعشى غرابها
خص الغراب لصحة بصره، يقال أبصر من غراب وأصفى عينا من غراب، فإذا عشى الغراب من هذه الظلمة فكيف غيره، وإنما قيل للغراب أعور لحدة بصره على الضد كما قيل للحبشي أبو البيضاء وللفلاة مفازة، قال الكميت:
نطعم الجيأل اللهيد من الكو ... م ولم ندع من يشيط الجزورا
والحوار التمام ذا السر منه ... ن صحاح العيون يدعين عورا
الجيأل الضبع، واللهيد من الكوم مثل الحسير، يشيط ينحر، ونطعم الحوار صحاح العيون يعني الغربان، وقال آخر لرجل طويل العمر صحيح البدن:
قد أصبحت دار آدم خربت ... وأنت فيها كأنك الوتد
تسأل غربانها إذا حجلت ... كيف يكون الصداع والرمد
خص الغراب بالمسألة لصحة بصره وبدنه يقال فلان أصح من غراب، وقال أبو الطمحان:
إذا شاء راعيها استقى من وقيعة ... كعين الغراب صفوها لم يكدر
وقال آخر:
قد قلت يوما للغراب إذ حجل ... عليك بالقود المسانيف الأول
تغد ما شئت على غير عجل
المسانيف المتقدمات يقول للغراب تغد مما عليها فإنها قد تقدمت الإبل والركاب فليس أحد يعجلك ولا ينفرك.
وقال آخر في مثله - والرجز للاجلح ويقال للجليح بن شميذ - :
تقدمها كل علاة عليان ... حمراء من معرضات الغربان
علاة مشرفة وإذا قيل كعلاة القين فهو الصلاية، والعلاة السندان، حمراء يقال أجلد الإبل وأصبرها الحمر، معرضات مهديات من العراضة وهي الهدية يعني أن الناقة تتقدم الإبل فتأكل الغربان من التمر الذي عليها لتباعدها من الحادي، وقال الكميت يمدح رجلا في غزاته:
في داره حين يغدو من وضائعه ... مال تنافسه الغربان والرخم
يقول إذا حسر بعير أو وجيت دابة ترك ذلك للسباع والطير ولم يرج شيئا منها ولم ينحره لسرعته في السير، وقال الراعي:
بملحمة لا يستقل غرابها ... دفيفا ويمشي الذئب فيها مع النسر
الملحمة موضع القتال، لا يستقل غرابها أي لا يطير مخلفا فيذهب ولكنه يطير عن قتيل ويقع على آخر، وقوله ويمشي الذئب فيها مع النسر يقول قد تملأ النسر فليس يقدر على الطيران كما قال في العقاب:
قرى الطير بعد الناس زيد فأصبحت ... بساحة زيد ما يدف عقابها
أي لا يقدر على الدفيف لشبعه وثقله، وكما قال الآخر - تأبط شرا:
وعناق الطير تهفو بطانا ... تتخطاهم فما تستقل
وقال آخر لناقته:

(1/62)


فمثلك أو خير تركت رذية ... تقلب عينيها إذا مر طائر
يعني الغراب وذلك أنه يقع على دبر الإبل، والعرب تسمي الغراب ابن داية لأنه إذا وجد دبرة في ظهر البعير سقط عليها ونقرها حتى يبلغ الدايات، وقال أبو حية:
وإذا تحل قتودها بتنوفة ... مرت تليح من الغراب الأعور
تليح تشفق من الغراب الأعور لوقوعه على الدبر وإذا كان بظهر البعير دبرة غرزوا في سنامه إما قوادم ريش أسود وإما خرقا سودا ليفزع الغراب فلا يقع عليه، وقال الشاعر - وهو ذو الخرق الطهوي:
لما رأت إبلي جاءت حمولتها ... هزلي عجافا عليها الريش والخرق
وقال آخر:
كأنها ريشة في غارب دبر ... في حيث ما صرفتها الريح تنصرف
وقول الآخر:
يهب الجياد بريشها ورعائها ... كالليل قبل صباحه المتبلج
فأنه لم يرد ريش الدبر وإنما أراد ريشا يغرز في أسنمتها علامة لها وذلك إذا كانت الملك فدفعها وأراد تشريف صاحبها، ويروى أن نابغة بني ذبيان رجع من عند النعمان بن المنذر وقد وهب له من عصافيره بريشها.
وقال الراعي يذكر إبلا دبرة:
رأيت ردافي فوقها من قبيلة ... من الطير يدعوها أحم تشخوج
يقول يقع الغراب على دبرها، ردافى ما ترادف، أحم غراب أسود، وقال الفرزدق:
إذا ما نزلنا قاتلت عن ظهورها ... حراجيج أمثال الأهلة شسف
يقول يقع الغربان على دبرها فتقاتل عن ظهورها، وحراجيج مرفوع لأنها فاعلة ولم يذكر المفعول، شسف يابسة، وقال الأخطل وذكر إبلا:
إذا كلفوهن الفيافي لم يزل ... غراب على عوجاء منهن أو سقب
عوجاء اعوجت من الهزال، والسقب الصغير، يقول هن يتقدمن فيقع الغربان على الدبرة منهن والجنين الذي تلقيه، وقال يصف نساء:
نواعم لم يقظن بجد مقل ... ولم يقذفن عن حفض غرابا
الجد البئر جيدة الموضع من الكلاء، والحفض البعير الذي يحمل عليه القوم متاعهم وكل ردى وسقط من متاع أو غيره فهو حفض، والغراب يقع على البعير الدبر يقول فهن لا يرمين الغراب لأنهن خفرات.
؟الأبيات في التطير من الغربان
وغيرها
قال المرقش - السدوسي:
ولقد غدوت وكنت لا ... أغدو على واق وحاتم
فإذا الأشائم كالأيا ... من والأيامن كالأشائم
الحاتم الغراب لأنه يحتم بالبين والفراق، وقال عوف بن الخرع:
ولكني أهجو صفي بن ثابتمثبجة لاقت من الطير حاتما
والواقي الصرد.
وقال آخر:
وليس بهياب إذا شد رحله ... يقول عداني اليوم واق وحاتم
ولكنه يمضي على ذاك مقدما ... إذا صد عن تلك الهنات الخثارم
الخثارم المتطير من الرجال، وأنشد الأصمعي:
وهون وجدي إنني لم أكن لهم ... غراب شمال ينتف الريش حاتما
يقال مر له طير شمال أي طير شؤم.
وقال الطرماح:
وجرى بالذي أخاف من البي ... ن لعين ينوض كل مناض
صيدحي الضحى كأن نساه ... حين يحتث رجله في إباض
اللعين الغراب، ينوض يذهب، صيدحي في صوته من صدح يصدح، والغراب يوصف بشنج النسا، يقول فهو يحجل إذا مشى كأنه مأبوض والإباض حبل يشد من رسغ البعير إلى مأبضه.
وقال ذو الرمة يصف الغربان:
ومستشحجات بالفراق كأنها ... مثاكيل من صيابة النوب نوح
مستشحجات غربان استشحجن فشحجن، شبهها بنساء مثاكيل من النوب وصيابة النوب خالصهم يقال فلان من صيابة قومه أي من صميمهم، وإنما قيل غراب البين لأنه إذا بان أهل الدار للنجعة وقع في موضع بيوتهم يلتمس ويتقمم فتشاءموا به وتطيروا إذا كان يعتري منازلهم إذا بانوا، ويقال إنما سمي غراب البين لأنه بان عن نوح عليه السلام واغترب، وليس شيء مما يزجرونه من الطير والظباء وغيرها أنكد منه ولست تراه محمودا في شيء من الأحوال ويشتقون من اسمه الغربة.
قال الشاعر:
دعى صرد يوما على غصن شوحط ... وصاح بذات البين منها غرابها

(1/63)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية