صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : المذاكرة في ألقاب الشعراء
المؤلف : النشابي الإربلي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

ويروى عن أبي بكر عباس أنه قال: كنت إذا أصبت بأمر لم أبك، وكنت أتجلد، وكنت أستضر ويأخذني الكمد. فمررت يوما، فإذا أنا بذي الرمة ينشد:
لعل انحدار الدمع يعقب راحة ... من الوجد، أو يشفي نجي البلابل
فأصيبت بعد ذلك، فبكيت فاسترحت.
وأخذ المعنى الفرزدق فقال:
ألم تر أني يوم جو سويقة ... بكيت، فنادتني هنيدة: ماليا
فقلت لها: إن البكاء لراحة ... به يشتفي من ظن ألا تلاقيا
وذكر أن ذا الرمة كان يشبب بامرأة من بني منقر، وإسمها مي، وما رأى وجهها قط. وكانت تعاديه امرأة من سلبهة، فعملت شعرا تهجوميا، ونحلته إياه، ومنه:
على وجه مي مسحة من ملاحة ... وتحت الثياب الشين، لو كان باديا
فلما بلغ ذلك ذا الرمة امتعض، وحلف أنه ما قاله. وبلغ ذلك ميا فنذرت إذا رأت ذا الرمة تنحر بدنه. فلما رأته، وكان دميما، قالت: واسوأتاه، وابؤساه.
فبلغه ذلك، فقال: ما كنت قلت ذلك الشعر، وإنما أنا الآن أقوله وأزيد عليه.
وقوله فيه:
على وجه مي مسحة من ملاحة ... وتحت الثياب الشين، لو كان باديا
ألم تر أن الماء يخبث طعمه ... وإن كان لون الماء أبيض صافيا
وكان أيضا يشبب بامرأة أخرى اسمها خرقاء، وكانت من ولد ربيعة.
وروى محمد بن الحجاج بن عمرو بن يزيد بن أخي ذي الرمة، قال: حججت، فمررت على خرقاء التي كان يشبب بها ذو الرمة، وهي بفلجة، فملت إليها، فقالت: أقضيت حجك وأتممته؟ قلت نعم، قالت: أما علمت أني منسك من مناسك الحج؟ أما سمعت عمك يقول:
تمام الحج أن تقف المطايا ... على خرقاء، بادية اللثام
فقلت: لقد أثر فيك الدهر! فقالت: أما سمعت قوله أيضا:
وخرقاء لا تزداد إلا ملاحة ... ولو عمرت تعمير نوح، وجلت
ثم قالت: رحم الله عمك، شهرني بين الناس، وما رأى وجهي، ولا سمع كلامي. ومما يستحسن من قوله فيها:
لها بشر مثل الحرير، ومنطق ... رخيم الحواشي، لا هراء ولا نزر
وعينان، قال الله: كونا، فكانتا ... فعولان بالألباب ما تفعل الخمر
وتبسم لمح البرق عن متوضح ... كلون الأقاحي، شاب ألوانها القطر
ومما يستحسن من معانيه المبتدعة:
وأرمي إلى الأرض التي من ورائكم ... لترجعني، يوما، إليك الرواجع
ووالله، إن هذا معنى حسن، وسبك بديع. وقوله:
لئن قطع اليأس الرجاء، فإنه ... رقوء لتذراف الدموع السوافك
لقد كنت آتي الأرض، لا يستفزني ... لها الشوق، إلا أنها من ديارك
ومن غزله:
ألا لا أرى الهجران يشفي من الهوى ... ولا واشيا عندي بسوء يعيبها
إذا هبت الأرواح من نحو جانب ... به أهل مي، هاج شوقي هبوبها
هوى تذرف العينان منه، وإنما ... هوى كل نفس حيث حل حبيبها
قال المبرد: مات ذو الرمة بأصبهان بالجدري، وآخر ما قاله ساعة مات:
يا مخرج الروح من جسمي إذا احتضرت ... وفارج الكرب، زحزحني عن النار
وكان مسعود أخو ذي الرمة شاعرا مجيدا. وله يرثي أوفى ابن دلهم:
نعى الركب أوفى، حين آبت ركابهم ... لعمري لقد جاءوا بشر، فأوجعوا
نعوا باسق الأفعال، لا يخلفونه ... تكاد الجبال الصم منه تصدع
خوى المسجد المعمور بعد ابن دلهم ... وأضحى بأوفى رهطه قد تضعضعوا
تعزيت عن أوفى بغيلان بعده ... عزاء، وجفن العين ملآن مترع
ولم ينسني غيلان من مات قبله ... لكن نكاء القرح بالقرح أوجع
وكان له أخو اسمه هشام. ومن شعره:
وخرق تموت الريح في حجراته ... دآميمه موصولة، وسباسبه
قطعت، ويوم ذي هماذي تلتظي ... به القور من وهج اللظا، وقراهبه
القور: الظباء. والقراهب: مسان الخمر. وهماذي من الحر: مثل جمادى بالبرد.
كأني ورحلي فوق أحقب لاحه ... من الصيف أجاج تلظى صياهبه
طوى بطنه طول الطراد، فأصبحت ... تقلقل من طول الطراد زواجبه

(1/32)


ومن الأخوة الشعراء: بنو مرة القردي. كان بنو مرة عشرة، وهم أبو خراش، وعروة، وأبو جندب، والأبح، والأسود، وأبو الأسود، وعمرو، وزهير، وجناد، وسفيان. وامهم لبنى، وبها شهرتهم، يقال لهم: بنو لبنى. وذكر أن هؤلاء كلهم قالوا الشعر، وما اشتهر إلا ثلاثة، وسنذكرهم، ونذكر أشعارهم، وهم أبو خراش، واسمه خويلد، وعروة، وأبو جندب.
وكان أبو خراش شاعرا، وأدرك الإسلام. فمن أجود شعره المختار، الذي لم يسبق إليه قوله يرثي أخاه عروه، وقد سلم ولده خراش:
حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا ... خراش، وبعض الشر أهون من بعض
فوالله لا أنسى قتيلا رزئته ... بجانب قوسى ما مشيت على الأرض
بل إنها تعفو الكلوم، وإنما ... نوكل بالأدنى، وإن جل ما يمضي
ولم أدر من ألقى عليه رداءه ... سوى أنه قد سل عن ماجد محض
ولما قتل عروة ألقى عليه رجل من دارم رداءه.
وقول طرفة:
أبا منذر أفنيت، فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض
وقال دعبل:
وإذا انقضى هم امرئ، فقد انقضى ... إن الهموم أشدهن الأحدث
وقال أبو خراش من باقي تلك القصيدة يرثي عروة:
ولم يك مثلوج الفؤاد مهبجا ... أضاع الشباب في الربيلة والخفض
ولكنه قد نازعته مخامص ... على أنه ذو مرة، صادق النهض
يقول: لم يكن مثقلا مقيما في الدعة والأكل والشرب، ولكنه جاذبه الجوع، وكان إذا نهض بحقيقة لم يكذب. ثم وصف سرعة انهزام خراش من القتل، وحسن نجايته وأصحابه:
كأنهم يشبثون بطائر ... خفيف المشاش، عظمه غير ذي نحض
يبادر قرب الليل فهو مهابذ ... يحث الجناح بالبسيط، أو القبض
يقول: هؤلاء الذين يعدون خلف خراش كأنهم يتعلقون بطائر. ومهابذ: جاد مسرع.
فقال خراش ولده يذكر مفره وسرعة النجاة من بني خزاعة:
رفوني، وقالوا: يا خويلد لا ترع ... فقلت: وأنكرت الوجوه: هم هم
تذكرت ما أين المفر، وأنني ... بعون الذي ينجي من الموت معصم
فوالله ما ربداء أو علج عانة ... أقب، وما إن بين رمل مصمم
بأسرع مني إذ عرفت عديهم ... كأني لأولاهم من القرب توأم
أوائل بالشد الذليق، وحثني ... لدى المتن مشبوح الذراعين، خلجم
فلولا دراك الشد ظلت حليلتي ... لدى المتن في خطابها، وهي أيم
فتسخط، أو ترضى مكاني خليفة ... وكاد خراش، يوم ذاك، ييتم
وقل أبو خراش:
لما رأيت بني نفاثة أقبلوا ... يشلون كل مقلص خناب
فنشيت ريح الموت من تلقائهم ... وكرهت وقع مهند، قرضاب
أقبلت لا يشتد شدي واحد ... علج أقب، مسير الأقراب
ورفعت ساقا لا يخاف عثارها ... وطرحت عني بالعراء ثيابي
وقال أبو خراش يرثي اخاه عروة:
لعمري لقد راعت أميمة طلعتي ... وإن ثواني عندها لقليل
تقول: أراه بعد عروة لاهيا ... وذلك رزء، لو علمت، جليل
فلا تحسبي أني تناسيت عهده ... ولكن صبري، يا أميم، جميل
أبى الصبر أني لا يزال يهيجني ... مبيت لنا، فيما خلا، ومقيل
وأني إذا ما الصبح آنست ضوءه ... يعاودني قطع علي ثقيل
ألم تعلمي أن قد تفرق قبلنا ... خليلا صفاء: مالك وعقيل
ومن شعره:
وإني لأثوي الجوع حتى يملني ... فيذهب لم تدنس ثيابي ولا جرمي
أرد شجاع الجوع قد تعلمينه ... وأوثر غيري من عيالك بالطعم
مخافة أن أحيا برغم وذلة ... وللموت خير من حياة على رغم
ومات أبو خراش زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بنهشة حية. فقال قبل موته:
لعمرك والمنايا غالبات ... على الإنسان تطلع كل مجد
لقد أهلكت حية بطن أنف ... على الفتيان ساقا ذات فقد
ذكر أبي جندب بن مرة
قال: قتل رجل من بني قردة، يقال له ناصرة بن رباب بن مؤمل الأسود بن مرة أخي بني جندب، فقال أبو جندب يرثيه:

(1/33)


فقدت بني لبنى، فلما فقدتهم ... صبرت، فلم أقطع عليهم أباجلي
حسان الوجوه، طيب حجزاتهم ... كريم ثناهم، غير لف المغازل
رماح من الخطي، زرق نصالها ... حداد نواحيها، شداد الأسافل
فلهفي على عمرو بن مرة، لهفة ... ولهفي على ميت بقوسى المعاقل
فتلت فتيلا لا يخالف عدوة ... ولا سوأة لا زلت أسفل سافل
أذلوه هذيلا، يا ابن لبنى، وجدعوا ... أنوفهم باللوذعي الحلاحل
ومن شعره:
وغربت الدعاء، وليس مني ... أناس بين مر، وذي ردوم
هنالك ناصري، وهم أرومي ... وبعض القوم، ليس بذي أروم
هنالك لو دعوت أتاك منهم ... رجال بين أرمية الحميم
أرمية الحميم: سحابات شديدات القطر. الواحدة: رمى. والحميم: حر الصيف، وذلك أن سحاب الصيف أشد بياضا.
ومن شعر عروة:
سح من القوم، عريان أشاجعه ... خف النواشز منه، والظنابيب
المعرقون من القواد
ومن الشعراء المعرقين من القواد والأمراء والوزراء
حمزة بن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب بن رزيق، مولى خزاعة، لعبد الله أبي طلحة الطلحات الجواد. وكان عبد الله بن خلف كاتبا لعمر بن الخطاب.
فالذين قالوا الشعر من الحسين بن مصعب أربعة على التوالي: طاهر بن الحسين، وعبد الله بن طاهر، وعبيد الله بن عبد الله، وحمزة بن عبيد الله. ومن ولد عبد الله بن طاهر: محمد بن عبد الله، وسليمان بن عبد لله. وطاهر بيت، وحمزة وأخوته معرقون.
ولم يدخل هؤلاء في نمط الشعراء المتكسبين، ولكنهم قوم حظوا بالرئاسة والسياسة، وأحبوا الشعر وعدوه أجمل فضائلهم. ولهؤلاء فضائل وتواريخ وسير وفتوح وعزائم وملك قد نطقت به التواريخ والسير. ومع ذلك افتخروا بما أبانوا به عن فصاحتهم وبلاغتهم في الشعر والرسائل، وعلموا أن الملك يفنى، والفضائل تبقى. وقد كان الشعر في ذلك الوقت شريفا جليلا. أما ترى الجوائز عليه من المائة ألف درهم إلى ما دون ذلك؟ لأن شعراء ذلك الوقت كانوا يعزونه، ويأتون به في وقته، وكانوا كما يقال على الحقيقة شعراء. وفي عصرنا كل من صح له الوزن والقافية ظن أنه شاعر، فمدح وتعاطى. فإذا وقفت على أشعارهم تجد ألفاظهامتداولة في الشعر، ومعانيها قد ملئت بها دواوين الشعراء. فلا تعثر منها على معنى بديع، ولا لفظ ظريف، ولا طرز مبتكر، ولا أسلوب مبتدع. ويتعاطى أحدهم أنه ينظم في يومه قصيدة، فرخص الشعر ودحض ورفض، وأصبح يتعاطاه من ليس من شكله، ويدخل فيه من يزري بالأدب وأهله، مع كثرة منتحليه وقلة طالبيه، وكما قيل:
ومع الكساد يخان فيه، ويسرق
ذكر ذي اليمينين طاهر بن الحسين
لما دخل بغداد، وقتل محمدا الأمين، وجاء برأسه إلى المأمون، ونصب جثته، واستتر في مستتره، بلغه أن إبراهيم المهدي عازم على الخروج للطلب بدم الأمين، واتصل به أن أبراهيم قال:
ألا إنما حزني عليك سجية ... وما عذر مثلي أن يكون مقصرا
بكيتك إذ قل النصير، ولم أجد ... عميرة وهن في العدو، فأثأرا
واتصل بالمأمون. فيروى أن المأمون كان إذا رآه بعد ذلك قال: وجدتها بعد يا بن شكلة. وكانت أم إبراهيم اسمها شكلة. فكتب إليه طاهر: عافانا الله وإياك من السوء، أما أنه قد كان يعز علي أن أكتب إلى رجل من أهل الخلافة بغير الإمرة، ولكني ظننت بك، وتوهمت عليك أنك مائل بالرأي، مضيع بالهوى إلى الناكث المخلوع. فإن يك ما ظننت بك كالذي ظننت بك، فكثير ما كتبت به إليك، وإن يكن غير ذلك فالسلام عليك، أيها الأمير، ورحمة الله وبركاته. وقد كتبت إليك بأبيات:
ركوبك الأمر ما لم تبل فرصته ... جهل، ورأيك بالأقحام تغرير
أقذر بدنيا ينال المخطئون بها ... حظ المصيبين، والمغرور مغرور
تالله ما زالت الدنيا، وصاحبها ... يضحي سليما، ويمسي وهو مقبور
فإن ظفرت مصيبا، أو هلكت به ... فأنت، عند ذوي الألباب، معذور
فاعمل صوابا، وخذ بالحزم مأثرة ... فلن يذم لأهل الحزم تدبير
فإن ظفرت، على جهل، ففزت به ... قالوا: جهول أعانته المقادير

(1/34)


وهذه أبيات رضية حسنة جدا، جزلة بها حكمة. وله أيضا:
ملكت الناس قهرا واقتدارا ... وقتلت الجبابرة الكبارا
ووجهت الخلافة نحو مرو ... إلى المأمون تبتدر ابتدارا
نصبت لا المنايا فاستدارت ... لقاحا، بعد ما كانت نوارا
حبيت المترف المخلوع حتى ... نسجت من الدماء له إزارا
هتكت حجابه، وسريت عنه ... رداء الملك ذلا واقتسارا
فتكت به برغم بني أبيه ... ولو نطقوا لصاروا حيث صارا
أصم عن العتاب، ويزدهيني ... قراع الخيل، إما النقع ثارا
وكان طاهر، مع جودة شعره، ظاهر البلاغة. ولما قتل علي بن عيسى بن ماهان، كتب إلى المأمون بخطه: كتابي إلى أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه، من مضرب ابن ماهان، ورأسه بين يدي، وخاتمه في إصبعي. والسلام. ولما قتل الأمين ما في الكتاب الآن إنشاء رسالة، لتعرض على طاهر، فيكتب ما يستحسن، فدعا بكاتبه، وقال: اكتب: أما بعد، فإن المخلوع، وإن كان قسيم أمير المؤمنين في النسب واللحمة، فقد فرق بينهما حكم الكتاب في الولاية والحرمة، لمفارقته وفيه عصمة الدين، وخروجه عن الأمر الجامع للمسلمين. يقول الله عز وجل في حق نوح وابنه: " يا نوح إنه ليس من أهلك، إنه عمل غير صالح " ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وكتابي إلى أمير المؤمنين، وقد قتل الله المخلوع، ورداءه رداء عمله ونكثه، وأحمد لأمير المؤمنين أمره، وأنجز له ما كان ينتظر من صدق وعده، والحمد لله رب العالمين.
ولما قدم المأمون مدينة السلام ولى طاهرا خراسان، وصار إلى سمرقند، فصعد المنبر فحمد الله، واثنى عليه، وصلى على نبيه صلى الله عليه، ثم قال: من كان أقلته خوف، أو أرقه جور، فهذا أوان العدل، فلينم. فلما تمكن بخراسان، جعل إبراهيم بي المهدي وغيره يحضون المأمون على قتله، ويحذرونه غائلته، فهم المأمون بالإيقاع به، وإعمال الحيلة عليه. فاتصل به بعض ذلك، فقال:
عتبت على الدنيا، فجفت ضروعها ... فما الناس إلا بين راج فعايف
وأصبحت في دهر، كثير صروفه ... كأني فيه من ملوك الطوائف
قتلت أمير المؤمنين، وإنما ... بقيت فداء، بعده، للخلائف
وقد بقيت في أم رأسي فتكة ... تكون لحزم، أو لرأي مخالف
فاتصل شعره بالمأمون، فأظهر خلاف ما كان عزم عليه.
ذكر أبي العباس عبد الله بن طاهر
أجمع الرواة أن عبدالله بن طاهر أشعر من أبيه. وكان المأمون يدعي تربيته، ويسميه غرس يدي. وكان ذا بأس ونجدة وسخاء وحلم. ومن شعره:
إذا أنا لم أقض الحقوق، ولم تكن ... تغول يدا جودي العقيلة من مالي
فلا كان لي مال، ولا زلت معدما ... فأحسن من بخل على الناس إقلالي
دعي عنك لومي يا أميم، وأيقني ... بأن قضاء الحق مني على بالي
يلومونني أن أكسب الحمد والثنا ... بهذا الحطام الزائل التافه البالي
لهجت بأبيات امرئ القيس هذه ... فأكثرن إسراجي وحطي وترحالي
فلو أن ما أدعي لأدنى معيشة ... كفاني، ولم أطلب، قليل من المال
ولكنني أسعى لمجد مؤثل ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
وله أيضا:
واعجبني من فتى، شبيبته ... في عنفوان، وماؤها خضل
وهو مقيم بدار مضيعة ... طباعه، في امتحانه، الفشل
راض بقوت المعاش، متضع ... على تراث الآباء يتكل
لا حفظ الله ذاك من رجل ... ولا رعاه، ما حنت الإبل
كلا، وربي حتى يكون فتى ... قد محنته الأسفار والرحل
تغدو به همة تنازعه ... وطرفه بالسهاد مكتحل
تخاله المرهف الحسام إذا ... هم بأمر لم يثنه الكسل
نال بلا ذلة، ولا ضرع ... ولا بوجه تقوده الحيل
إلا بعضب أومت بشقوته ... كف تمطى به فتى بطل
فتاه طولا على السيوف، كما ... أدبها في الجماجم العمل
أعلت له ذكره فكافأها ... ما إن تولت في طغوها القبل
حتى متى تخدم الرجال، ولا ... تخدم يوما، لأمك الهبل

(1/35)


متى يرجى الغنى، إذا نزلت ... بعقوتيك الأسقام والعلل
ومما يستحسن من شعره:
فتى إذا ما الحرب قامت به ... قام مقام الأسد الورد
تحسبه عبدا لأخوانه ... وليس فيه خلق العبد
قال: وأخذه من قول عروة بن الورد:
وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا ... وما في إلا تلك من خلق العبد
وقال الآخر:
مخدمون، كرام في مجالسهم ... وفي الرحال، إذا صاحبتهم، خدم
وما أجالس من قوم فأذكرهم ... إلا يزيدهم حبا إلي هم
وقال آخر:
لعمر أبيك الخير إني لخادم ... صحابي، وإني، إذ ركبت، لفارس
وإني لعبد الله من غير ريبة ... وحاميهم بالسيف، والدين قابس
وقال الآخر:
عبيد أخوانهم، حتى إذا ركبوا ... يوم الكريهة، فالآساد في الأجم
وقد أكثر الشعراء في هذا المعنى، ومما يستحسن من شعره في الغزل:
نحن قوم تذيبنا الأعين النج ... ل، على أننا نذيب الحديدا
وترانا عند الكريهة أحرا ... را، وفي السلم للغواني عبيدا
نملك البيض، ثم تملكنا البي ... ض الرقيقات أوجها وخدودا
لا نصد الوجوه من خشية المو ... ت، ونخشى من الغواني صدودا
أخذ هذا المعنى المحدثين فقال:
تقتنص الآساد من غيلها ... وأعين الغيد لها صائدة
ينبو الحسام العضب عنا، وقد ... تقدح فينا أعين قاصدة
تهابنا الأسد، ونخشى المها ... آبدة ما مثلها آبدة
ومن هذا قول صريع الغواني:
نبادر ابطال الوغى فنبيدهم ... ويقتلنا، في السلم، لحظ الكواعب
وليست سهام الحرب تعني نفوسنا ... ولكن سهام فوقت بالحواجب
ومن هذا:
فيا عجبا أن الليوث تهابنا ... وتلعب بالألباب منا الجآذر
ومات عبد الله بن طاهر وهو ابن ثمان وأربعين سنة. ومن جيد قصائده:
سحاب الصبى عنا جميعا تقشعا ... فأورق عود الحلم فينا، وأينعا
خليلي قد بان الشباب، وأصبحت ... ديار التصابي واللذاذة بلقعا
عنيت زمانا بالشباب، ولم أزل ... بحدته، قبل المشيب، ممتعا
فلما تفرقنا كأن الذي مضى ... من العيش لم ننعم به ليلة معا
وعاذلة هبت بليل تلومني ... على أربع، أكرم بما هن أربعا
رأتني أهين المال في طلب العلى ... وأبذله للضيف جاء مروعا
وأغضي على أشياء، مما تريبني ... ولو شئت غص المرء بالماء مجرعا
وأركب حد السيف في حومة الوغى ... إذا لم أجد إلا إلى السيف مفزعا
وأسحب ذيلي في الرخاء بخرد ... حسان، كنظم الدر لما ترصعا
فيوما تراني في شباب أجرها ... ويوما تراني في الحديد مقنعا
أعاذل من لم يبذل المال في العلى ... يكن للتي يسمو إليها مطيعا
فلست ببدع في سموي إلى العلى ... ورفضي دنيات الأمور ترفعا
أبي رجع الإسلام غضا لأهله ... وقد مال ركناه، بهم، وتضعضعا
وآب على مخلوعها بمصمم ... فطار من الدنيا جنانا مفزعا
عشية ألقى الموت بالخلد بركه ... ولله يوم كان ما كان أشنعا
وكان حسين لا كفاء لفضله ... وجد أبي كان الرئيس المشيعا
أولئك أصل، لم تخنه قرومه ... ولم يلدوا إلا هماما سميدعا
أعاذل من لم يغض عينا على قذى ... يعش واحدا في الناس، حتى يودعا
ومن مراثي عبد الله قوله يرثي أخاه:
من ذا يساعدني على الدهر ... أم من يعين بعبرة تجري
دهر غدا من غير مأثرة ... عندي، ولا نبل، ولا وتر
إلا تكن ترة لديك له ... فلقد رماك بقاصم الظهر
فغدا على كهف الأنام، إذا ... ما ضن عنا الغيث بالقطر
عمت مصيبته، ولا جلل ... ما عم أهل البدو والحضر
ولقد يكون وحوله عصب ... كالليث وسط مزاعم غبر
لا يسأمون، ولا يرون لهم ... حصنا، سوى الهندي، والصبر

(1/36)


فمضى وقلبي له ألم ... متوقد كتوقد الجمر
عجبا لأرض كان يسكنها ... ولقد يضيق بجوده الغمر
حتى إذا أودى به حدث ... وارته عنا ظلمة القبر
لا كالحسين نما لصاحبه ... وشجى لأهل النكث والغدر
يا ابن الجحاجحة الذين مضوا ... فضلوا الأنام بأحسن الذكر
الواهبين طريف ما لهم ... وتليده في العسر واليسر
يسقون ضيفهم الحليب من ال ... لأدم الغزار، مواتر الدر
حتى إذا ضنت بدرتها ... درت لضيفهم من النحر
وهم الملوك على الأنام، وهم ... أهل القباب، وساسة الأمر
فورثت صالح ما حووا، ولقد ... زينت ذاك بأطيب الخبر
ذكر أبي أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر
كان عبيد الله أغزر القوم شعرا، واكثرهم بيتا نادرا، وله أشعار قديمة، أيام أبيه، وكان له بنون يقولون الشعر كلهم، منهم: محمد وسليمان. وقال:
وإني لأعطي كل أمر بقسطه ... إذا الخطب عن حزم الروية أجهضا
فأستعتب الأحباب، والخد ضارع ... وأستعتب الأحباب، والسيف منتضى
وقال في ابن له سماه يحيى فاخترم:
وسميته يحيى ليحيا، فلم يكن ... لرد قضاء الله فيه سبيل
تيمنت فيه الفأل لما رزقته ... ولم أدر أن الفأل فيه نبيل
وله أيضا:
وإني لأعفى ما أكون، إذا اعتلت ... بالانتقام أناملي وذراعي
والناس يلزم أن يكون أمنهم ... بالعفو أقدرهم على الإيقاع
وقول الأخطل:
شمس العداوة، حتى يستقاد لهم ... وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا
وقال أيضا:
إذا بلغ المكروه أقصى حدودهم ... ولم تك فيه حيلة لمحاول
فهبه، إذا، كالموت، واجعل أشده ... كأهونه، وافزع إلى صبر عاقل
وله أيضا:
ألم تر من تذوي عليه يمينه ... فيقطعها عمدا، ليسلم سائره
فكيف تراه بعد يمناه فاعلا ... بمن ليس منه حين تذوي سرائره
وله ايضا:
ليس في كل حالة وأوان ... تتهيا صنائع الأخوان
فإذا أمكنت تقدمت فيها ... حذرا من تعذر الإمكان
وهذا المعنى مأخوذ من قول الأول:
وما كل حين يسعد الدهر أهله ... ولا يمكن المعروف أهل التواصل
وما الناس إلا حالة بعد حالة ... فمهما ترد من فعل خير، فعاجل
وقال في الغزل:
حمى الأعادي علينا الوصل فاتفقت ... أسرارنا، فتقاطعنا بإعلان
وحسبنا أن تراضينا على ثقة ... بجفوة، فتواصلنا بهجران
وله أيضا:
تريدين أن أرضى وترضي، وتمسكي ... زمامي، ما عشنا معا، وعناني
إذا، فانظري الدنيا بعيني، واسمعي ... بأذني، وانطقي بلساني
وله أيضا:
فبتنا على رغم الحسود، وبيننا ... حديث كريح المسك شيبت به الخمر
حديث لو أن الميت يحيى بذكره ... لأصبح حيا، بعدما ضمه القبر
وله أيضا:
ولما رأيت البين قد جد جده ... وقد حان من ليل الفراق ركود
بكيت فأمطرنا دموعا، سماؤها ... جفون عيون، والبقاع خدود
أخذه من أبي تمام:
مطر من العبرات خدي أرضه ... حتى الصباح، ومقلتاي سماؤه
وقال:
ومنتصب لصبوح المدام ... نازعته الراح حتى انجدل
ومنجدل بنعاس الخمار ... نازعته الراح حتى اعتدل
وله أيضا:
يا صاح هلا زرتنا في مجلس ... حضر السرور به، فنعم الحاضر
زمن المغني فيه من إحسانه ... والكأس دائرة، وغنى الزامر
ذكر محمد بن عبد الله ابن طاهر، ابي العباس
كان محمد شعرا دون شعر أبيه. إنما كان بليغا في التوقيعات والرسائل، وكان يعرف النجوم معرفة حسنة. ومرض مرة، فلم يعه أخوه، فكتب إليه:
إني رأيت على سلو ... ك من فعالك شاهدا
إني اعتللت فما فقد ... ت، سوى رسولك، عائدا
ولو اعتللت، ولم أجد ... شيئا إليك مساعدا
لاستشعرت عيني الكرى ... حتى أزورك راقدا

(1/37)


فكتب إليه عبيد الله:
كحلت مقلتي بشوك القتاد ... لم أذق، مذ حممت، طعم الرقاد
يا أخي الحافظ المودة، والنا ... زل من مقلتي مكان السواد
منعتني، الغداة، رقة قلبي ... من دخولي عليك في العواد
لو بأذني سمعت منك أنينا ... لتقطع مع الأنين فؤادي
وهذا المعنى مأخوذ من قول محمد بن مسعود البجلي، حيث يقول:
لا تلمني إذا لم أعدك، فإني ... لم تطق أن تراك عيني مريضا
ودخل سوار بن عبد الله القاضي على محمد بن عبد الله فقال:
لنا حاجة، والعذر فيها مقدم ... خفيف معلاها، مضاعفة الأجر
فإن تقضيها، فالحمد لله وحده ... وإن عاق مقدار، ففي أوسع العذر
وأعلم أن الله معط ومانع ... وللنجح أسباب بها قدر يجري
فقال محمد بن عبد الله بديها:
فسلها، تجدني موضعا لمكانها ... سريعا إليها، لا يخالجني فكر
وإني لذو جود عليك بضعفها ... وإن لم يكن فيما حوته يدي شطر
فهذا قليل في الذي قد رعيته ... بحقك، لا من عليك، ولا فخر
فقال القاضي: اريد كتابا إلى موسى بن عبد الملك في تعجيل أرزاقي. قال: أوخير من ذلك أعجلها من مالي، وأكتب إلى موسى، فإذا وصلت كنت مخيرا في ردها أو أخذها. قال: وأنت والله يا أمير كما قال القائل:
فبابك ألين أبوابهم ... ودارك مأهولة عامره
وكفاك أندى من المع ... صرات في الليلة الثجة الماطره
وكفك ألف بالمعتفي ... ن من الأم بابنتها الزائره
فمنك العطاء، ومنا الث ... ناء بكل محبرة سائره
ومن قصائده المختارة التي ذهب فيها مذهب العرب، واستطرف قافيتها ورويها، وهذب ألفاظها:
يا من لصب أصاب مقلته ... بين مشت، بالأمس، حم له
فشفه همه، وكابد من ... حندس ليل التمام أطوله
ولم تذق عينه الرقاد إلى ... أن شق نور الصباح عيطله
لما تقضى بالهم آخره ... أعاد ذكر الفراق أوله
وبات يرعى النجوم مرتفقا ... قد غره دمعه فأهمله
فانهل كالغرب أعملوه ... وقد أوهت يمين الصناع أسفله
يجري على الخد والسوالف حتى ... غاص في ثوبه فبلله
ما كان ألهاه قبل ذاك، وما ... كان بقرب الحبيب أجذله
فإن يكن حادث الزمان رمى ... الجسم بخطب، تراه أنحله
وأصبح الشيب في المفارق قد ... غال قناع الصبا، وبدله
كما حدا الليل بعد عسعسة ... ضوء نهار بدا، فرحله
فقد ترى الخرد الحسان به ... يطفن أو يقتربن منزله
يلهيه منهن من يشاء ومن ... شاء بحلو الحديث علله
يقلن جهرا، وفي الضمائر ما ... أحسن هذا الفتى، وأجمله
لو لم تبذر كفاه ما حوتا ... ولم يباشر في البأس أهوله
أردن نصحا فيما كرهن له ... ولم تكن نفسه لتقبله
لن يدرك المجد من يحاوله ... حتى ينال الغنى فيبذله
ويرهب المعتدون صولته ... ورمحه، في الوغى، ومنصله
إن يعمهم من خطوب دهرهم ... يكفيهم الرأي منه مفصله
فيحمد المعتقون نائله ... والخائف المستجير موئله
يا رب غيث قد بت أرقبه ... أشتم من برقه تهلله
كأنما لمعه مهند ذي ... طائلة سله، فأعمله
وخلته، والعراق مهبطه ... يضيء من ليل نجد ليله
ورعده إذ دنا له رحل ... كجندل الطود، هد جندله
ما زال نوء السماك يجمعه ... حتى إذا ما استتم، أسبله
فأمرع الناس والسوام حيا ... أحيى به الله حين أنزله
ثم اغتدينا للصيد، حيث سقى ... من طف أرض القرى فأخضله
بأعوجي في عطفه أرن ... أدمج في خلقه، فأكمله
صافي أديم الأهاب تعرف من ... ذي العنق، في حده، تسهله
فهو كأثفية ململمة ... لا عيب فيه لمن تأمله
تراه يوم الرهان من زمع ... يبدي استماع الصهيل أو كله

(1/38)


وإن تراه والخيل في قور ... سمعت بين الضلوع أزمله
مجاهد الصيد، مبتغيه به ... ولم يضائل شخصا ليختله
كأنما كن إذ دعون به ... قطا تراءت بالجو أجدله
وكفه بالعنان قابضة ... ليبصر القصد، ثم أرسله
فبل شأو الجواد في طلق ... ظليمه راغما، ومسحله
والناشط المستطير بعدهما ... ألحق حد السنان مقتله
والظبي لما شآه أدركه ... بالعفو من جريه، فجدله
فكلهم لم يبل بمهجته ... ولم يفت جهده تمهله
عفر منها الوجوه فارشة ... من قبل، بل الحميم أيطله
بذي غرانين كالهلال إذا ... خالط عضوا، أبان مفصله
يعله من نجيعه دفعا ... من بعدما كان منه أنهله
وراح والغاديات قد خضبت ... بالدم أرساغه وأكحله
ومن مختار غزله ومليح تشبيهه:
وأحور مسترخي الجفون كأنه ... به سنة، أو قد أطاف به السكر
له وجنات من بياض وحمرة ... فحافاتها بيض، وأوساطها حمر
رقاق يجول الماء فيها كأنها ... زجاج تلالا في جوانبها الخمر
تروق عيون الناظرين نعوتها ... ويجرحها، في نورها، النظر الشزر
وله أيضا:
أما عجبي مني وقوفي على الدهر ... وطول انتظاري في الهوى دولة الصبر
أكاتم حبيها، مخافة هجرها ... فقد خفت منه أن أموت ولا أدري
أراني سأبدي عند أول سكرة ... هواي إليها في سكون وفي ستر
فإن رضيت كان الرضا سبب الهوى ... وإن سخطت مني أحلت على السكر
ذكر سليمان بن عبد الله بن طاهر
لم تكن له قصيدة طويلة، وإنما كانت له مقطعات حسنة. منها يصف جارية مغنية، وهي أبيات مشهورة ما رأيت أحدا يعرف قائلها:
جاءت بوجه كأنه قمر ... على قوام كأنه غصن
غنت فلم تبق في جارحة ... إلا تمنيت أنها أذن
وله أيضا:
ما استضحك الطيب إلا عن تراقيك ... ولا بدا الحسن إلا في نواحيك
من مقلتيك رأينا الحسن مبتسما ... زهوا، كما ابتسم الأغريض من فيك
يا منية النفس ردي غير صاغرة ... علي قلبا ثوى رهنا بحبيك
ما استحسنت مقلتي شيئا فأعجبني ... إلا رأيت الذي استحسنته فيك
أسماء شعراء الكتاب
وما يختار من اشعارهم
لم يكن للكتاب: ، في صدر الغسلام، كبير حظ في الشعر ولا في ايام مروان، لأن عبد الملك كان كاتبا لمعاوية، وزيادا كاتب المغيرة، وعمرو الأشدق كاتب المدينة، وقبيصة بن ذؤيب كاتب عب الملك، والحسن البصري كاتب الربيع بن زياد، ومحمد بن سيرين كاتب أنس، والشعبي كاتب عبد الله بن مطيع، وسعيد بن نصير كاتب عبد الله بن عروة، وعبد الحميد كاتب مروان. هؤلاء الكتاب المعروفون. وإنما لم يكثر الكتاب من الشعر والبلاغة إلا في ايام بني العباس، وصل الله أيامهم بيوم الساعة، وفرض لهم على الخلائق أجمعين صدق الإخلاص ومحض الطاعة، خصوصا على أغزرهم جودا، وأنجزهم وعودا، واشدهم قوة، وأوفرهم مروءة، سيدنا ومولانا الإمام أمير المؤمنين، الذي أصبحت أيامه في وجه الدهر غرة شادخة، وخلافته في الإسلام عزة باذخة، وإمامته لبني العباس رتبة شامخة، وكما قلت فيه:
كسا بني العباس كل مفخر ... أسلف منه رحمة للسلف
وأكرم القوم الألى من هاشم ... لما سما أشرفهم للشرف
أعطى، إلى أن قال جود كفه ... كف، فقد جاوزت حد السرف
تمشي عفاة بره جائزة ... بما حباها، لتعود تقتفي
ولي فيه:
خليفة من بني العباس ما تركت ... آلاؤه مفخرا ينمى إلى أحد
وكلما ازداد إنعاما، يقول له ... علو همته في المكرمات: زد
وفيه أيضا:
روت الخلافة عنه كل فضيلة ... بيد الكرام الكاتبين تبجل
ما زينته وإنما هو انها ... وكذا المليحة للحلي تجمل
وفيه أيضا:
قرشي نماه من محتد العب ... اس فرع يعلو به كيوانا
كل جد يروي الخلافة عن جد ... د، فيرضي النبي والرحمانا

(1/39)


شرفوا دهرهم، وشرفهم من ... هم إمام قد شرف الايمانا
لو رأوه صلوا عليه، وألفو ... ه إماما يدعونه مولانا
فلهذا أجنى لهم ذكر فخر ... قد غدا، في كتابهم، عنوانا
وفيه ايضا:
قسما لو رأته يوما قريش ... فضلته على بني البطحاء
أو أتاهم يوم السقيفة لم يل ... تف للعذر سعدها بكساء
وفيه أيضا:
يروي الخلافة فيه عن آبائه ... بأصح إسناد، وعن أعمامه
أعطى إلى أن لم يدع في عصره ... ذا فاقة شكواه من إعدامه
وإذا حبا البحر السحاب بمائه ... فغلامه يعطي الندى لغلامه
تجد العفاة ببابه، فتظنهم ... من كثرة الإكرام، من ألزامه
فمن شعراء الكتاب من كان شعره حسنا، وله سعادة. ومنهم من كان شعره جيدا، وكان متجملا. ومنهم من جمع بين السعادة وجودة الشعر. فممن نذكره في هذا الباب، في دولة بي العباس: يعقوب بن الربيع، وغبراهيم بن العباس الصولي، وسعيد بن حميد، وأحمد بن يوسف، والحسن بن وهب، ومحمد بن عبد الملك، والحسن بن رجاء، وجابر بن يزيد الكاتب، وإبراهيم بن المدبر، وعلي بن يحيى.
ذكر يعقوب بن الربيع
كان يعقوب شاعرا حلوا، طريفا، مقبولا. وأكثر شعره، الذي اشتهر عنه، ما رثى به ملك جاريته. ولها وله قصة عجيبة، وحكاية غريبة. وذلك أنه هوى جارية اسمها ملك، هوى كاد يتلفه. وبقي سبع سنين يجتهد في تحصيلها، ويبذل في ثمنها كل ما يقدر عليه، فلا يتهيأ له. فلما رأى أهله ما يحل به، ويقاسي من البكاء والحزن، عذلوه ولاموه، ثم حثوه على مداومة اللهو ومعاقرة الشراب، والتسلي بغيرها، لعسى يجد في ذلك بعض سلو وراحة مما هو عليه من عذاب المحبة. فأجاب إلى ذلك اياما، فما رؤي يزداد إلا غراما على غرامه، وهياما على هيامه. فترك ذلك، ورفض اللهو والشراب، وقال:
زعموا أن من تشاغل بالله ... و، سلا عن حبيبه، وأفاقا
كذبوا، ما كذا بلونا، ولكن ... لم يكونوا، فيما أرى، عشاقا
كيف شغلي بلذة عنك، واللذ ... ات يحدثن لي إليك اشتياقا
كلما رمت سلوة، تذهب الحر ... قة، زادت قلبي عليك احتراقا
وله أيضا:
زعموا أن من تشاغل باللذ ... ات عمن يحبه يتسلى
كذبوا، والذي تقاد له البد ... ن، ومن طاف بالحجيج وصلى
لرسيس الهوى أحر من الجم ... ر على قلب عاشق يتقلى
والناس في طريق السلو على اختلاف. فمنهم من زعم أن التشاغل يسلي، ومنهم من زعم أن الأسفار وإدمان السير يسلي، ومنهم من زعم أن قطع الرجاء واستعمال اليأس يسلي ومنهم من زعم أن العاشق إذا تسلى بمن يماثل محبوبه، أو يماثله ويشغل قلبه بمحبوب آخر يتسلى. وسنذكر في ذلك ما يسنح.
فمن صرف الهوى إلى غير من يهوى، زعم أن ذلك زاد غرامه وصبابته، وهيج شوقه وكآبته. وقال دعبل:
ولما أبى إلا جماحا فؤاده ... ولم يسل عن ليلى بمال، ولا أهل
تسلى بأخرى غيرها، فإذا التي ... تسلى بها تغري بليلى، ولا تسلي
وقال الآخر خلاف ذلك:
ولما رأيتك خوانة ... ترين القبيح فعالا جميلا
تسليت عنك بما لا أحب ... ودب السلو قليلا قليلا
وقال الآخر:
سألت المحبين الذين تكلفوا ... تكاليف هذا الحب في سالف الدهر
فقالوا: شفاء الحب حب يزيله ... لآخر، أو نأي طويل على بحر
وقال الآخر:
إذا ما شئت أن تسلو حبيبا ... فأكثر دونه عدد الليالي
وقال الآخر يرد ذلك:
وقد زعموا أن المحب إذا دنا ... يمل، وأن النأي يشفي من الوجد
بكل تداوينا فلم يشف ما بنا ... على ذاك قرب الدار خير من البعد
فقال دعبل يرد ذلك:
فلا البعد يسليني، ولا القرب نافعي ... وفي الطمع الأدناء، واليأس لا يبري
وقال الآخر:
تداويت من ليلى بليلى من الهوى ... كما يتدوى شارب الخمر بالخمر
يقولون عن ليلى صبرت، وإنما ... بي اليأس من ليلى، وما بي من صبر
وقال الآخر، وهو مليح:

(1/40)


فإن تسل عنك النفس، أو يذهل الهوى ... فباليأس أسلو عنك، لا بالتجلد
وقال الحارث بن حلزة:
ويئست مما قد شغفت به ... منها، ولا يسليك كاليأس
وقال الآخر يرد هذه الأقاويل:
أرى الألف يسلو للتنائي وللهوى ... ولليأس، إلا أنني لست ساليا
وقال الزبير بن بكار:
ولما بدا لي أنها لا تحبني ... وأن فؤادي ليس عني بمنجل
تمنيت أن تهوى سواي، لعلها ... تذوق حرارات الهوى، فترق لي
ثم قال الآخر: طريقنا إلى السلو وبرد الأكباد من الغرام والاكتئاب، وكأنه أصاب في هذا الباب:
شفاء الحب تقبيل وضم
وقال بعض أهل العصر:
والله ما يشفي المحب ... سوى اعتناق والتزام
ودوام ما تختاره ... حتى تمل من الدوام
رجعنا إلى قصة يعقوب بن الربيع وقصة ملك، التي كان يهواها. قال: فلما جاوز السبع سنين ظفر بها، فلم تلبث عنده إلا ستة أشهر، ثم ماتت. فناله من الحزن والجزع عليها أكثر مما كان يلقاه من حبها. فما رثاها به قوله:
إنما حسرتي، إذا ما تفكر ... ت، عنائي بها، وطول طلابي
لم أزل في الطلاب سبع سنين ... أتأتى لذاك من كل باب
فاجتمعنا على اتفاق وقدر ... وغنينا، من فرقة، باصطحاب
أشهر ستة صحبك فيها ... كن كالحلم، أو كلمع السراب
فأتى في شعره بجملة خبره. وقال في شعر آخر:
خلس الزمان أعز مختلس ... ويد الزمان كثيرة الخلس
لله هالكة فجعت بها ... ما كان أبعدها عن الدنس
أتت البشارة والنعي معا ... يا قرب مأتمها من العرس
فشاركه في هذا المعنى جماعة. وألطف ما سمعت قول لبابة بنت علي بن المهدي، وكانت زوجة الأمين، فقتل ولم يدخل بها:
أبكيك لا للنعيم والأنس ... بل للمعالي والرمح والفرس
أبكي على فارس فجعت به ... أرملني قبل ليلة العرس
ولإبراهيم بن المهدي يرثي ابنه أحمد:
بكيت على أحمد المختلس ... بدمع يرد مجاري النفس
وناديت في القبر جثمانه ... فلا الرمس رد، ولا المرتمس
ويوم وفاتك يوم الملاك ... ويوم الختان، ويوم العرس
وممن أجاد وبرز في وصف قرب الحياة من الممات محمد بن حسان، في قوله يرثي ولده أحمد، وقد توفي طفلا:
هيي لأحمد في الثرى بيت ... وخلا له من أهله بيت
فكأن مولده ومأتمه ... صوت دعى، فأجابه صوت
ولمحمد الأموي يرثي طفلا له:
فطمتك المنون قبل الفطام ... واعتراك النقصان قبل التمام
بأبي أنت ظاعن، لم أمتع ... بوداع منه، ولا بسلام
ومن أحسن ما سمعت في هذا الباب للتهامي في طفل له:
يا كوكبا ما كان أقصر عمره ... وكذا تكون كواكب الأسحار
وأحسن من هذا لابن رومي:
بني الذي أهدته كفاه للثرى ... فيا عزة المهدى، ويا خسرة المهدي
لقد قل بين اللحد والمهد لبثه ... فلم ينس عهد المهد، إذ ضم للحد
عجبت لقلبي كيف لم ينفطر له ... ولو أنه أقسى من الحجر الصلد
وهذا باب يطول. وقال يعقوب، أيضا، يرثي ملكا:
أمر بقبر فيه ملك مجانبا ... كأني لا أعنى بصاحبة القبر
أمر إذا جاوزته متلفتا ... تلاحظه عيني، ودمعتها تجري
فلو أنني إذ حل وقت حمامها ... أحكم في عمري، لشاطرتها عمري
فحل بنا المقدار في ساعة معا ... فماتت ولا أدري، ومت ولا تدري
فإن تبقني الأيام للدهر لعبة ... فقد كنت، قبل اليوم، ألعب بالدهر
وهذا معنى مليح جدا. وقد تقدم في ذلك قول بشار:
الله صيرها وصورها ... لاقتك، أو أتبعتها ترها
نصبا لعينك لا ترى نزها ... إلا ذكرت بها لها شبها
إني لأشفق أن أؤخرها ... بعدي، وأكره أن أقدمها
وقول الآخر مطبوع:
لا مت قبلك، بل حيينا ... نكوي قلوب الحاسدينا
نحيى جميعا، والسرو ... ر لنا جميعا ما حيينا

(1/41)


فإذا المنية أقصدت ... كنا جميعا ميتينا
ومن هاهنا أخذ محمد بن يزيد:
لا مت قبلك يا أخي، لا بخلة ... بالنفس عنك، ولا تمت قبلي
وبقيت لي، وبقيت منك كذا ... متمتعين بأجمع الشمل
حتى إذا حضر الحمام لبيتنا ... فرمى لمدة غاية المهل
متنا جميعا، لا يؤخر واحد ... عن واحد، لحرارة الثكل
وكفاك من نفسي شهيد صادق ... يا صاح إنك عندها مثلي
وحكى الأصمعي قال: عرضت على الرشيد جاريتان، فقالت الأولى منهما وسابقت: السابقون السابقون، أولئك المقربون. ثم تقدمت الثانية فقالت: وللآخرة خير لك من الأولى، فاشتراهما لظرفهما. فقلت: يا أمير المؤمنين أتأذن لي أن أفاكههما؟ قال: شأنك. فقلت لإحداهما: من أحسن عيشا؟ قالت: من قنع ثن ساعده القدر، فاستمتع بهواه قبل أن تخلفه الأيام. ثم أقبلت على صاحبتها لأسألها، فقالت: يا بغيض، الجواب واحد، والقلوب متفقة، ولا فرق بيننا، ونحن كما قال الشاعر:
نحيى معا، ومعا نمو ... ت، ولا نموت، كذا، سريعا
وكما اجتمعنا في الحيا ... ة، نفارق الدنيا جميعا
وله أيضا فيها:
يا أعظم بليت في قعر مظلمة ... في حفرة قد سلا عنا بواكيها
لو تسمعين دعائي لاستجبت له ... وهل تجيب عظام من يناديها
صوت يناديك أن لو تعلمين به ... أغررت دعوته ألا تجيبيها
هذا الذي كنت في الدنيا ضجيعته ... لم تستعض نفسه إلفا يسليها
وله أيضا:
حتى إذا افتر اللبان، وأصبحت ... للموت قد ذبلت ذبول النرجس
وتسهلت منها محاسن وجهها ... وعلا الأنين تحثه بتنفس
رجع اليقين مطامعي يأسا، كما ... رجع اليقين مطامع المتلمس
فلما أكثر يعقوب المراثي وأفرط، وبقي لا ينام الليل، وقل أكله، وكثر جزعه، خيف عليه الهلاك. وكان لملك رفيقة يقال لها طرب أنس بها، فاشتروها له، وأمروها بمداعبته وملازمته، ليسلو بها عن ملك. فكان ذلك كما راموا، أن طربا تمكنت من قلبه. فقال:
فجعت بملك وقد أينعت ... وتمت، فأعظم بها من مصيبه
فأصبحت مغتربا بعدها ... وأمست بحلوان ملك غريبه
أراني غريبا، وإن أصبحت ... منازل أهلي مني قريبه
حلفت على أختها بعدها ... فصادفتها ذات عقل، أديبه
وقلت لها: مرحبا، مرحبا ... بوجه الحبيبة أخت الحبيبه
سأصفيك ودي حفاظا لها ... كذاك الوفاء بظهر المغيبه
أراك كملك، وإن لم تكن ... لملك من الناس عندي ضريبه
فلم تلبث، أيضا، طرب أن لحقت بملك. فلقي جهدا، واشفى على الموت، وقال:
لقد سخنت عيني بملك، وسهدت ... فما رقدت حتى وصلت سهادها
وكانت لنا نار توقد في الحشا ... فما خبأت، حتى شببت وقودها
أنست بروعات المصائب بعدها ... وبعدك، حتى ما أبالي مزيدها
رأيت ثياب الناس في كل مأتم ... إذا اختلفوا، بيض الثياب وسودها
وإني على ملك لبست ملاءة ... من الحزن لم يبل الزمان جديدها
قال مؤلف الكتاب: وجدت أبا الحسن محمد بن عبد الله الموصلي، مؤلف كتاب أصناف الشعراء قد أطنب في وصف بيت واحد في هذه القطعة، وهو:
أنست بروعات المصائب بعدها ... وبعدك، حتى ما أبالي مزيدها
وذكر أنه من نادر الشعر، مع ما فيه من الجزالة والرقة. وللخنساء في معنى هذا البيت، ولليلى الأخيلية، ولخرنق بنت هفان، وعقيل بن علقمة. فأما الخنساء فقالت:
وقائلة، والنفس قد فات خطوها ... لتدركه: يا لهف نفسي على صخر
ألا هبلت أم الذين اغتدوا به ... إلى القبر، ماذا يحملون إلى القبر
فشأن المنايا إذ أصابك ريبها ... لتغدو على الفتيان بعدك، أو تسرى
وقالت ليلى الأخيلية ترثي توبة:
فأقسمت أبكي بعد توبة هالكا ... وأحفل من دارت عليه الدوائر
وقلت خرنق ترثي زوجها بشرا:
فلا، وأبيك، آسي بعد بشر ... على حي يموت، ولا صديق
وقال عقيل:

(1/42)


كأن المنايا تبتغي في خيارنا ... لها ترة، أو تهتدي بدليل
لتأت المنايا حيث شاءت، فإنها ... محللة بعد الفتى بن عقيل
فتى كان مولاه يحل بنخوة ... محل الموالي بعده بمسيل
أخذ هذا المعنى جماعة، منهم الأحنف، فقال:
لئن كانت الأحداث أطولن عبرتي ... لفقدك، أو أسكن قلبي التخشعا
لقد آمنت نفسي المصائب كلها ... فأصبحت منها آمنا أن أروعا
فما أتقي للدهر، بعدك، نكبة ... ولا أرتجي للدهر، ما عشت، مرجعا
فسلم على اللذات، واللهو، والصبى ... تولى بها ريب الزمان فأسرعا
فأخذه ابن المقفع، فقال يرثي أبا عمرو بن العلاء:
رزينا، أبا عمرو، ولا حي مثله ... فلله صرف الحادثات بمن يقع
فإن تك قد فارقتنا وتركتنا ... ذوي خلة، ما في السواد لها طمع
فقد جر نفعا فقدنا لك، أننا ... أمنا على كل الرزايا من الطمع
وأخذ هذا يعقوب بن الربيع فقل:
لئن كان قربك لي نافعا ... لبعدك أصبح لي أنفعا
لأني أمنت رزيا الدهور ... وإن جل خطب، بأن أجزعا
وأخذه أبو نواس فقال:
طوى الموت ما بيني وبين محمد ... وليس لما تطوي المنية ناشر
وكنت عليه أحذر الموت وحده ... فلم يبق لي شيء عليه أحاذر
لئن عمرت دور بمن لا نحبه ... لقد عمرت ممن نحب المقابر
وقال العتبي:
فيا فجعة الدنيا بمن شبت بعده ... فسيان مضنون به وضنين
وقال مروان:
رمتنا المنايا، يوم بان، بحادث ... بطيء تداني شعبه المتبدد
فقل للمنايا ما أردت بقية ... علينا، فعيشي كيفما شئت، وافسدي
وأنشد مؤرج:
وفارقت حتى ما أبالي من النوى ... وإن بان جيران علي كرام
فقد جعلت نفسي، على النأي، تنطوي ... وعيني، على فقد الصديق، تنام
وقول الآخر:
روعت بالبين، حتى ما أراع له ... وبالمصائب في أهلي وجيراني
لم يترك الدهر لي شيئا أضن به ... إلا أتاه بموت، أو بهجران
ولله قول أبي الطيب إذ قال:
فصرت إذا أصابتني نصال ... تكسرت النصال على النصال
وها أنا لا أبالي بالرزايا ... لأني ما انتفعت بأن أبالي
وقوله:
أنا الغريق، فما خوفي من البلل
وقوله:
أنكرت طارقة الحوادث مرة ... حتى ألفت بها فصارت ديدنا
ذكر إبرهيم بن العباس
كان إبراهيم مولى لبني المهلب بن أبي صفرة. فلذلك كان يفخرفي شعره بالعرب، ويذهب فيه مذهبهم. ورأيت جماعة من أدباء أهل الموصل خاصة يقدمون إبراهيم لى شعراء الكتاب، ويقولون: قد جمع مع رقة شعره فخامة اللفظ وجزالته وإصابة المعنى. ولشعره ديباجة ورونق ظاهر فيه. وشعره لا يفرق بينه وبين شعر العرب في الجاهلية والمخضرمين. فمن شعره قوله:
لنا إبل غن يضيق بها الفضا ... وتفتر عنها أرضها وسماؤها
فمن دونها أن تستباح دماؤنا ... ومن دوننا أن تستذم دماؤها
حمى وقرى، فالموت دون مرامها ... وأيسر خطب، يوم حق فناؤها
وله ايضا:
تلج السنون بيوتهم، وترى لها ... عن بيت جارهم ازورار الناكب
وتراهم بسيوفهم وشفارهم ... متسرعين لراغب، أو راهب
حامين، أو قارين حيث لقيتهم ... نهب العفاة، ونهزة للراغب
ومما يتمثل به من شعره:
خل النفاق لأهله ... وعليك فانتهج الطريقا
واذهب بنفسك أن ترى ... إلا عدوا، أو صديقا
وقوله في الفضل بن سهل:
لفضل بن سهل يد ... تقاصر عنها المثل
فنائلها للغنى ... وسطوتها للأجل
وباطنها للندى ... وظاهرها للقبل
وقوله:
أسد ضار إذا ما نعته ... وأب بر إذا ما قدرا
يعلم الأبعد إن أثرى، ولا ... يعلم الأدنى إذا ما افتقرا
وله أيضا:
ولكن عبد الله لما حوى الغنى ... وصار له من بين أخوانه مال
تلقى ذوي الخلات منهم بماله ... فساهمهم حتى استوت بهم الحال

(1/43)


ومما يسحسن له من المراثي قولهك
لئن كنت ملى للعيون، وقرة ... لقد صرت قرحا للقلوب الصحائح
وهون ما بي أن يومك مدركي ... وأني غدا من أهل تلك الضرائح
أخذ هذا البيت من دريد بن الصمة في قوله يرثي أخاه:
وهون وجدي أنما هو فارط ... أمامي، وني وارد اليوم، أوغد
وأخذه الآخر فقال:
وهون ما ألقى من الوجد أنني ... مجاوره في قبرهش اليوم أو غدا
وقال إبراهيم في إخوانه:
يا من رماني لما ... رأى الزمان رماني
ومن ذخرت لدهري ... فصار ذخر الزمان
لو قيل لي: خذ أمانا ... من أعظم الحدثان
لما التمست أمانا ... إلا من الأخوان
وله أيضا:
بلوت الزمان، وأهل الزمان ... وكل بلوم وذم خليق
وله أيضا:
دعوتك عن بلوى ألمت صروفها ... وقدرت من ضغن علي سعيرها
وإني إذا أدعوك عند ملمة ... كداعية، بين القبور، نصيرها
وله أيضا:
وإني وإعدادي لدهري محمدا ... كملتمس إطفاء نار بنافخ
أخذه من قوله:
والمستعين بعمرو عند شدته ... كالمستغيث من الرمضاء بالنار
وله أيضا:
لئن صدرت بي زورة عن محمد ... بمنع، لقد فارقته ومعي قدري
أليست يدا عندي لمثل محمد ... صيانته عن مثل معروفه شكري
وله أيضا:
من يشتري مني إخاء محمد ... بل من يريد إخاءه مجانا
بل من يخلص من إخاء محمد ... وله مناه كائنا من كانا
وله أيضا:
كان إخاء، فصار لي أملا ... فبت بين الرجاء والأمل
تصبح أعداؤه على ثقة ... منه، وأخوانه على وجل
وله ايضا:
ولرب خدن كان إن ... عد الصديق، يعد وحده
رفعته عيني رتبة ... فذممت خلته وعهده
فالدهر كم من صاحب ... إبتزنيه، ثم رده
وكتب إبراهيم إلى إسحاق بن إبراهيم:
ولي ثناءان فاختر، والخيار لمن ... في مثلك أن لا تأخذ الفينا
واعلم بأنك ما أسديت من حسن ... أو سيء، أبدا، أوفيتك الثمنا
وكتب لرجل طلب شفاعته إلى عانمل السند، وركب في البحر:
إن امرءا رحلت إليك به ... في البحر بعض مراكب البحر
تجري الرياح به فتحمله ... وتكف أحيانا، فلا تدري
ويرى المنية كلما عصفت ... ريح به للهول، والذعر
للمستحق بأن تزوده ... كتب الأمان له من الفقر
وكتب لأبي الهذيل المتكلم إلى أحمد بن يوسف:
إن الضمير، متى سألتك حاجة ... لأبي الهذيل، خلاف ما أبدي
فألن له كنفا ليحسن ظنه ... في غير منفعة، ولا رفد
وامنعه دفع اليأس، ثم امدد له ... حبل الرجا بتخلف الوعد
حتى إذا طالت شقاوة جده ... بتردد، فأجبه بالرد
ثم ختم الرقعة. وكان أبو الهذيل قد كف بصره، فلما خرج من عنده دفعها إلى من قرأها. فلما سمع ما فيها رجع إلى إبراهيم، فقال: ما هذا؟ قال: وما أنكرت؟ قال: كل ما كتبت. قال: يا ابا الهذيل أنت متكلم، والذي كتبت إليه كذلك، و، ما قلت:
إن الضمير متى سألتك حاجة ... لأبي الهذيل، خلاف ما أبدي
فأبديت فيك المكروه، وضميري على خلافه، فإذا وقف على ما كتبت عاملك بخلاف ظاهره، فبرك وأكرمك، وأحسن سراحك. فانقطع أبو الهذيل.
وله في مغنية:
وغريرة لما تغنت خلتنا ... وكأننا، مما ننود، يهود
تمت محاسنها، وساعد صوتها ... إذ رجعته زميرها والعود
وكأننا في الخلد نسقى قهوة ... مشمولة، وكأنها داود
وله أيضا:
أما من معين لصب حزين ... كثير الأنين، طويل الحنين
وقد أثر الحزن في خده ... أخاديد تجري بماء الشؤون
عدو الرقاد، صديق السهاد ... صحيح الجفون، قريح الجفون
أخي زفرات، تأوبنه ... صباح، مساء لريب المنون
وله أيضا:
نجوم سماء الله تشهد أنني ... إذا رقد العشاق، أكلأها فردا

(1/44)


وآرق حتى لو تكلفت عدها ... لأحصيتها، في ليلتي، كل ما عدا
فيا ويلتي كم ذا العذاب الذي أرى ... أبعد خرج الروح تلعقني شهدا
وله أيضا:
يا صديقي بالأمس صرت عدوا ... سؤتني ظالما، ولم تر سوا
صرت تغري بي الهموم، وقد كن ... ت لقلبي، من الهموم، سلوا
أي واش وشى، وأي عدو ... نم حتى نبوت عني نبوا
كلما ازددت ذلة لك في الح ... ب، تزايدت جفوة وعتوا
وله أيضا:
يمضي الأمور على بديهته ... فيعم شاهدها، وغائبها
فتريه فكرته عواقبها ... فيظل يوردها، ويصدرها
وله أيضا:
سلكت بي منهجا أعيت صوادره ... فلست أدري، أأمضي فيه، أم أقف
ذكر سعيد بن حميد ابن سعيد بن بختيار الكاتب
كان سعيد بن حميد كاتبا مجيدا، وشاعرا مفلقا، وكان كلامه عذبا، ومعانيه حلوة. فمن مختار شعره الذي كتب به إلى بعض إخوانه في عتاب:
أقلل عتابك، فالبقاء قليل ... والدهر يعدل مرة، ويميل
لم أبك من زمن ذممت صروفه ... إلا بكيت عليه حين يزول
ولكل نابية ألمت مدة ... ولكل حال أقبلت تحويل
وأراك تكلف بالعتاب، وودنا ... صاف، عليه من الوفاء دليل
ولعل أيام الحياة قصيرة ... فعلام يكثر عتبنا ويطول
وأما قوله: لم أبك من زمن ذممت صروفه فمأخومذ من قول القائل:
رب دهر بكيت منه، فلما ... صرت في غيره بكيت عليه
ومن قول الآخر:
عتبت على سلم، فلما فقدته ... وجربت أقواما، بكيت على سلم
وقول الآخر:
كم من أخ يتشكى من خلائقه ... ناس عليه، وتبكيه إذا بانا
وقول محمود الوراق:
لم أبك من خبث دهر ... إلا بكيت عليه
وقوله:
ولعل أيام الحياة قصيرة ... فعلام يكثر عتبنا ويطول
فهو من قوله:
العمر أقصر مدة ... من أن يصرم بالعتاب
وقول الآخر في الحث على العتاب:
إذا كنت لا تعتب ... ولا أنا أستعتب
تطاول هجراننا ... وأيامنا تذهب
وقال أيضا:
نقضت لباناتي، وأعتبت عاذلي ... فلم يبق من أيام لهوي سوى الذكر
وأصبحت قد ودعت ما كنت آلفا ... كذلك أحكام الحوادث والدهر
إذا كنت قد أيقنت أني راحل ... وقصرت في زاد الرحيل، فما عذري
ولسعيد بن حمي أيضا:
قل لمن شط المزار به ... ليت شعري عنك ما خبرك؟
أعلى حفظ لحرمتنا ... أم عفى من ودنا أثرك
لو تكون الدار دانية ... نم بالمكتوم لي نظرك
وهذا أيضا قد إشترك الشعراء فيه، غير أن سعيدا دققه. وهو من قول الآخر:
لا شاهد عندي على غائب ... أعدل من طرف على قلب
وقال الآخر:
تخبرك العين بكل الذي ... في القلب من من بغض، ومن حب
وقال الآخر:
إن العيون تدل بال ... نظر الملح على الدخيل
إما على حب شدي ... د، أو على بغض وبيل
وقال آخر:
وأعرف منها في الحب لين طرفها ... وأعرف منها البغض بالنظر الشزر
وقال آخر:
إن العيون لتبدي في تقلبها ... ما في الضمائر من بغض، ومن ومق
إذا وددن امرءا، أو حزن بغضته ... أفضى الضمير بما تهوى إلى الحدق
وقال سعيد بن حميد:
قربت، وما ترجو اللقاء، ولا ترى ... لنا حيلة يدنيك منا احتيالها
وأصبحت كالشمس المنيرة، ضوؤها ... قريب، ولكن أين منك منالها
كطاعنة ضنت بها غربة النوى ... علينا، ولكن قد يلم خيالها
تقربها الآمال، ثم تعوقها ... مماطلة الدنيا بها، واعتلالها
أخذ هذا المعنى بعضهم، فقال:
كالشمس مخلوع عليك شعاعها ... أبدا، وليس لقاؤها لك هينا
وقال ابن عيينة:
فقلت لأصحابي هي الشمس، ضوءها ... قريب، ولكن في تناولها بعد
وقال العباس بن الأحنف:
لعمري لقد جلبت نظرتي ... إليك على بلاء طويلا

(1/45)


فيا ويح من كلفت نفسه ... بمن لا يطيق إليه السبيلا
هي الشمس مسكنها في السما ... ء، فعز الفؤاد عزاء جميلا
فلن تستطيع إليها الصعو ... د، ولن تستطيع إليك النزولا
آخر:
وأضحت مكان الشمس يقرب ضوءها ... ويا بعدها عن قبضة المتطاول
ولسعيد بن حميد:
ولو كتمت الحب خوف العدا ... لأخبر الدمع بما أضمره
أو يعذل العاذل في حبها ... فالوجه منها في الهوى يعذره
أخذ هذا المعنى الحسين بن الضحاك، فقال:
فإن عنفني الناس ... ففي وجهك لي عذر
وقال آخر:
عذلاني على هواها، فلما ... أبصرا حسن وجهها عذراني
وقل إبرهيم بن المهدي:
ويد لحسنك لا أقوم بشكرها ... في بسط معذرتي ولوم العاذل
وأخذ هذا البحتري فأجاد:
يلام العاشقون إذا أحبوا ... ويلحى كل ذي كلف سوائي
وذاك لأنني أحببت بدرا ... يره الناس كلهم برائي
وللابن حميد:
وكم من قائل قد قال: دعه ... فلم يك وده لك بالسليم
فقلت: إذا جزيت الغدر غدرا ... فما فضل الكريم على اللئيم
ولمحمود الوراق:
إني شكرت لظالمي ظلمي ... وغفرت ذاك له على علم
ورأيته أسدى إلي يدا ... لما أبان بجهله حلمي
وقال آخر:
شكرت أخي، وقد أبدى جفاء ... وبخلا، ثم فاجأني بظلم
فلولا بخله ما بان جودي ... ولولا جهله ما بان حلمي
ولسعيد:
وكنت إذا ما صاحب خفت غدره ... صددت، وبعض الصد في الود أمثل
إذا حل ضيم منزلا لم أقم به ... على الضيم، إلا ريثما أتنقل
أرى الموت عزا، والحياة ذميمة ... إذا نالني فيه أذى وتذلل
أبت لي أن أقتاد للضيم همة ... سمت، ولها بين السماكين منزل
وهذه أبيات حسنة جدا، والبيت الثاني منها مأخوذ المعنى. وأول من جاء به امرؤ القيس في قوله:
وإذا أذيت ببلدة ودعتها ... حتى أقيم بغير دار مقام
واتبعه الشعراء، فأكثروا فيذلك. فمن ذلك قول بعضهم:
وكنت إذا دار نبت بي تركتها ... لغيري، ولم أقعد على غير مقعد
ولابن منير:
وإذا الفتى لاقى الهوان نزيله ... في بلدة، فالعزم أن يترحلا
ولمؤلف الكتاب:
وإن نبت بك دار فانتقل عجلا ... فإن رزقك يوما غير منتقل
وما بقي أحد إلا وق ألم بهذا المعنى.
وقال سعيد:
إذا نأى عنكم، فالقلب عندكم ... فقلبه، أبدا، منه على سفر
وهو مأخوذ من قول ابن أبي عيينة:
جسمي معي، غير أن القلب عندكم ... فالجسم في غربة، والقلب في وطن
فليعجب الناس مني أن لي بدنا ... لا قلب فيه، ولي قلب بلا بدن
ومما يستظرف من معانيه قوله:
فرقا بيني وبين ال ... هم بالراح الشمول
وأصبحاني قبل أن يص ... بحني عذل العذول
مال بي عن طاعة العذ ... ل إلى السكر الطويل
ما أرى من سخط الدن ... يا على أهل العقول
وهي مأخوذة من قول الأعرابي حين قال:
لما رأيت الدهر دهر الجاهل ... ولم أر المحروم غير العاقل
شربت كأسا من كروم بابل ... فرحت من عقلي على راحل
ولابن حميد:
أطع الشباب، فإنما ... دنياك أيام الشباب
فإذا انقضى سكر الشبا ... ب، فمل إلى سكر الشراب
ومثله لأبي نواس:
لا عيش إلا في زمان الصبا ... فإن تقضى، فزمان المدام
وله في وصف مغنية:
غناء، ريا، خير ما تسمع ... يشفى به ذو السقم، الموجع
أوتارها تنطق حتى ترى ... أجفان ذي الشوق لها تدمع
لقد تمنيت لها أن لي ... في كل عضو أذنا تسمع
ومثله لبي تمام:
يود وداداأن أعضاء جسمه ... إذا أنشدت، شوقا إليها، مسامع
وللآخر:
غنت فلم تبق في جارحة ... إلا تمنيت أنها أذن
ولابن حمي:
نائي المحل يناله النظر ... حلو الشمائل، قلبه حجر

(1/46)


وقف الجمال على محاسنه ... فبكل جارحة له قمر
ضمنت محاسنه لواصفه ... ألا يكذب وصفه النظر
وهو مأخوذ من قول أبي نواس:
يا من رضيت من الخلق الكثير به ... أنت القريب، على بعد من الدار
وقال آخر:
أبلغ أخاك أخا الإحسان، بي حسنا ... أني، وإن كنت لا ألقاه، ألقاه
وأن طرفي معقود بناظره ... وإن تباعد عن مثواي مثواه
ووجدت هذا المعنى سبكا حسنا، وابلغ لابن منير الأطرابلسي قوله:
وأقرب ما يكون هواك مني ... إذا ما غاب شخصك عن عياني
كأنك قد ختمت على ضميري ... فغيرك لا يمر على لساني
وأما قوله: فبكل جارحة له قمر، فإنه مخوذ من قول الأول:
كأنما أفرغت من ماء لؤلؤة ... في كل جارحة من خلقها قمر
وأول من ابدع هذا مسلم في قوله:
في كل عضو فيك بدر طالع ... ومدامعي من كل عضو تذرف
ومن قول سعيد:
بكرت أوائل للربيع، فنشرت ... حلل الرياض بجدة وشباب
وغدا الحساب يكاد يسحب في الثرى ... أذيال أسحم، حالك الجلباب
يبكي ليضحك نورهن، فياله ... ضحكا تبسم عن بكاء سحاب
وترى السماء وقد أسف ربابها ... وكأنما لحقت جناح غراب
وترى الغصون إذا الرياح تناوحت ... ملتفة، كتعانق الأحباب
وهذا بديع جدا، فأما قوله: فياله ضحكا تولد عن بكاء سحاب، فهذا المعنى أول من ابتدعه أبو الشيص، حيث قال:
بكت السماء بها، فقد ضحكت ... منها الرياض بدمعها السرب
وذكروا أنه أخذه من قول ابن مطير، حيث قال:
كل يوم يسرنا اقحوان ... تضحك الأرض عن بكاء السماء
ثم تداولته الألسن. وقال آخر:
إذا ما بكت عين السماء تهللت ... مضاحك وجه الأرض من كل جانب
وقال عبيد الله بن عبد الله:
شموس وأقمار من الزهر طلع ... لذوي اللهو في أكنافها متمتع
كأن عليها من مجاجة زهرها ... لآلي، إلا أنها منه ألمع
نشاوى تثنيها الرياح فتنتشي ... فيلثم بعض بعضها، ثم يرجع
وأنا أحسن قول الآخر في السرو:
حفت بسرو كالقيان تلحفت ... خضر الحرير على قوام معتدل
وكأنها، والريح تخطر بينها ... تنوي التعانق، ثم يمنعها الخجل
ومن قول سعيد:
تمتعت باللهو حتى انقضى ... ولم تبق لذة ما قد مضى
وأغفلت ما كنت أولى به ... من العمل الصالح المرتضى
أخب وأرفل في الظاعنين ... قرين الكلال، قعيد الرضا
أروم وأطلب قرب البعيد ... وهيهات هيهات طال الفضا
ولي أجل حنق ثائر ... على مهجة شاهر المنتضى
هما للضراب، وآياته ... فوادح شيب، كنور أضا
يحث الفؤاد على رشده ... ويأباه مستأثرا معرضا
فيا لذة أورثت حسرة ... ويا غفلة أورثت مرمضا
ديونك من قبل أن تنتضى ... ونفسك من قبل أن تقبضا
ومما يستحسن من غزله:
الله يعلم، والدنيا مفرقة ... والعيش منتقل، والدهر ذو دول
لأنت عندي، وإن ساءت ظنونك بي ... أحلى من الأمن عند الخائف الوجل
وللفراق، وأن هانت فجيعته ... عليك، أخوف في نفسي من الأجل
وكيف أفرح بالدنيا وزينتها ... واليأس يحكم للأعداء في أملي
ومما يختار من مراثيه، قوله يرثي عبد الله بن صالح الحسيني:
بأي يد أسطو على الدهر بعدما ... أطار يدي عضب الذبابين، قاضب
وهاض جناحي حادث جل خطبه ... فسدت على الصبر الجميل المذاهب
ومن عادة الأيام أن خطوبها ... إذا سر منها جانب، ساء جانب
لعمري لقد عاق التجلد أننا ... فقدناك فقد الغيث، والعام جادب
فقدنا فتى قد كان للأرض زينة ... كما زينت وجه السماء الكواكب
لعمري لئن كان الردى بك فاتني ... وكل امرئ يوما، إلى الله، ذاهب
لقد أخذت مني النوائب حكمها ... فما تركت حقا علي النوائب

(1/47)


سقى جدثا أمسى الكريم بن صالح ... يحل به، دان من المزن، صائب
إذا بشر الوارد بالغيث ودقه ... مرته الصبا، واسحلبته الجنائب
ومما يستحسن من هجائه:
يا حجة الله في الأرزاق والقسم ... ومحنة لذوي الأخطار والهمم
ما أن رأيناك في نعماء سابغة ... إلا وربك غضبان على النعم
ومثل هذا قول أبي هفان:
ليست الغمة، عبد الل ... ه في مثلك نعمه
وله معنى مطبوع، وإن كان فحشا وسفها: أخذ هذا المعنى من قول دعبل في يزيد بن مزيد:
وكان يزيد أبو خالد ... إذا بات متخما عاقدا
يضيق بأولاده بطنه ... فيخراهم واحدا، واحدا
ذكر أحمد بن يوسف كاتب المأمون
وأحمد أقدم من إبرهيم وسعيد، واجل مرتبة، غير أنهما أشعر منه. فمن شعره:
يا أبا عيسى إليك المشتكى ... وأخو الضر إذا اعتل شكا
ليس لي صبر على هجرانكم ... وأعاف المشرب المشتركا
ومما يستظرف من شعره:
ألا إن قلبي له خلقة ... قليس أرى مثلها في الخلق
سريع العلوق إذ ما اشتهى ... سريع النزوع إذا ما علق
فبينا يرى عاشقا إذ صحا ... وبينا يرى صاحيا قد عشق
رأيت الوصال وهجرانه ... يكونان منه معا في نسق
فصرت إذا ما هوى لم أخف ... هواه، وإما صحا لم أثق
وأخذه بعض المتأخرين فقال:
رأيت فؤادي على شؤمه ... كثير الولوع، كثير النزوع
كثير التصرف في حبه ... لموحا إلى كل برق لموع
يحب ثلاثين في ساعة ... ويقطع بالغدر قلب الجميع
وأخذه ابن ابي طاهر، فقال:
عدمت فؤادي من فؤاد، فما أشقى ... وأكثر ما يبلي، وأكثر ما يلقى
فلو كان يهوى واحدا لعذرته ... ولكنه، من شؤمه، يعشق الخلقا
أرى ذا فأهواه، وأبصر غيره ... فأبلى بذا سقما، وأبلى بذا عشقا
ثمانون لي في كل يوم أحبهم ... وما في فؤادي واحد منهم يبقى
ومما يستجا من شعره:
وجوار الديار نأي سحيق ... حين ينأى الجوار بين القلوب
وأخذه أبوتمام فقال:
إذا باعد قلبي عنك منحرفا ... فليس يدنيك مني أن تكون معي
وممن المستحسن قوله:
تطاول باللقاء العهد منا ... وطول العهد يقدح في القلوب
أراك، وإن نأيت بعين قلبي ... كأنك نصب عيني من قريب
وهذا المعنى خذه من قول الأول:
أما والذي لو شاء لم يخلق النوى ... لئن غبت عن عيني، لما غبت عن قلبي
يوهمنيك الشوق، حتى كأنما ... أناجيك من قرب، وإن لم تكن قربي
وأنشد ابو عبيدة في هذا المعنى:
إني لأضمر ذكرها، فكأنها ... دون النديم نديمتي في المجلس
وقال آخر:
وغائبة عن مقلتي، ولم تغب ... عن القلب في حال لمستحلم الود
يمثلها قلبي لطرفي، فأشتكي ... إليها الذي ألقى، وأحسبها عندي
آخر:
فإن حجبت، ولم أرها بعيني ... وأحرمت الزيارة من لقاها
فلي قلب يمثلها لعيني ... فعيني، كلما نظرت، تراها
وله أيضا:
الناس في الدنيا أحاديث ... تبقى، ولا تبقى المواريث
فرحمة الله على دارج ... طابت له فيها الأحاديث
أخذ هذا المعنى محمود الوراق، فقال:
المرء، بعد الموت، إحدوثة ... تبقى، وتفنى منه آثاره
فأحسن الحالات حال امرئ ... تطيب، بعد الموت، أخباره
يفنى ويبقى ذكره بعده ... إذا خلت، من شخصه، داره
وقال أيضا:
وسيبقى الحديث، بعدك، فانظر ... خير أحدوثة تكون، فكنها
وغيره:
وكن أحدوثة حسنت، فإني ... رأيت الناس كلهم حديثا
وقال أحمد بن يوسف:
تركتك والهجران، لا لملالة ... ورددت يأسا من إخائك في صدري
وألزمت نفسي من فراقك خطة ... حملت بها نفسي على مركب وعر
فإني، وإن رقت عليك جوانحي ... فما قدر حبي أن أذل له قدري

(1/48)


سأحمد مني، ما حييت، عزيمتي ... ويعجب، طول الدهر، هجرك من صبري
وقال آخر في ضد هذا المعنى، وهو إبراهيم بن عباد المكي:
تعيرني قومي بذلي في الهوى ... وكم من ذليل، في الهوى، اكتسب العزا
إذا كنت تهوى فاجعل الذل جنة ... فإني رأيت الكبر من ذي الهوى عجزا
وقال آخر:
أذل لمن هوى لا درك عزة ... فكم عزة قد نالها المرء بالذل
ومن مستظرف قول أحمد:
قلبي يحبك يا منى ... قلبي، ويبغض من يحبك
لأكون فردا في هوا ... ك، وليت شعري كيف قلبك
ذكر الحسن وسليمان ابني وهب
كان الحسن كثير الشعر الحسن، وإنما كان يطول فيسقط من شعره كثير. وأما سليمان فليس بغزير الشعر، وله أبيت صالحة المعاني، حلوة الألفاظ. ومنها أنه لما حبس الواثق سليمان والحسن ابني وهب، كتب الحسن إلى المتوكل كتابا في اسفله:
أقول، والليل ممدود سردقه ... وقد مضى الثلث منه، أو قد انتصفا
ودمع عيني على الخدين منحدر ... وليس تملك في الأجفان إن وقفا
يا رب ألهم أمير المؤمنين رضى ... عن خادمين له قد شارفا التلفا
فإن يكونا أساءا في الذي سلفا ... فلن يسيئا، بإذن الله، مؤتنفا
وقال يذكر أخاه سليمان:
خليلي من عبد المدان تروحا ... ونصا صدور العيس حسرى، وطلحا
فإن سليمان بن وهب بمنزل ... أصاب صميم القلب مني، فأقرحا
أسائل عنه الحارسين لحبسه ... إذا ما أتوني: كيف أمسى وأصبحا
فلا يهنئ الأعداء أسر ابن حرة ... يراه العدى أندى بنانا وأسمحا
وأنهض في الأمر المهم بعزمه ... وأقرع للباب الأصم، وافتحا
فإن أمور الملك أضحى مدارها ... عليه، كما دارت على قطبها الرحا
وكتب إلى سليمان أخيه:
صبرا أبا أيوب حل مجلج ... وإذا جزعت من الخطوب، فمن لها
إن الذي عقد الذي انعقدت به ... عقد المكاره فيه، يملك حلها
فاصبر، فعل الصبر يعقب راحة ... وعسى تكون قريبة، ولعلها
فأجابه سليمان:
صبرتني، ووعظتني، فأنا لها ... وسنجلي، بل لا أقول: لعلها
ويحلها من كان صاحب عقدها ... ثقة به، إذ كان يملك حلها
وللحسن شعر يلتحق بشعر العرب، كتب به إلى أبي عبد الله أحمد بن ابي دؤاد الإيادي:
يا واحد العرب الذي كرمت له ... منها منابتها، وطاب حجورها
وعميها المأمول فيها نابها ... فيه، إذا وهنت، تناط أمورها
ومقيم حكم الله في توحيده ... بمقالة قد كان خيف وقورها
حتى تلافاها الإمام، وحاطها ... بك، فاكتست عزا، وأشرق نورها
وخبت من التشبيه نار ضلالة ... قد كان أضرم، بالنفاق، سعيرها
هل أنت سامع دعوة، فمعيرها ... غوثا، ومنقذ أمة، فمجيرها
تحت الحوادث من رجالك عصبة ... ما إن ينام من الهموم سميرها
هل غير أن ربعوا مرابع وخمة ... قد كان غيب عنهم محذورها
فأذاقهم حكم الإمام وبالها ... بنوازل كان الزمان يديرها
فليعف عنهم، إنما هي عثرة ... ما إن يعز على الأمام جبورها
أترى الأمام، ابن الأئمة، والذي ... بطحاء مكة بيته، فثبيرها
وهو المردد في الخلافة عودها ... منها، ومنبرها له، وسريرها
يعطيك يوما في تخلص أنفس ... تسعى لفك رقابها، فيثيرها
فإذا لينتصحن رأيك فيهم ... ويسره، في ملكه، تدبيرها
فليحم أنفك للكرام، فإنما ... نعش الرجال شريفها وخطيرها
ولك الذؤابة في نزار كلها ... وعليك ترخى حجبها وستورها
لا زلت في نعم، يعمك حفظها ... ودوامها، وسرورها، وحبورها
فأصلح ابن ابي دؤاد مرهما عند الواثق، فقال الحسن فيه يمدحه ويشكره:
وإذا الزمان أرادني بملمة ... يوما، دعوت لها الوزير الأكبرا
لا زال حظك، في الحياة، موفرا ... وعدوك الباغي عليك مثبرا

(1/49)


أضحى سليمان بن وهب شاكرا ... نعماك، حق لمثلها أن يشكرا
ومن مشهور غزل الحسن:
بأبي كرهت النار حتى أبعدت ... فعرفت ما معناك في إبعادها
هي ضرة لك في التماع ضيائها ... وبحسن صورتها لدى إيقادها
وأرى صنيعك بالقلوب صنيعها ... بسيالها، وأراكها، وعرادها
شركتك من كل الجهات بحسنها ... وضيائها، وصلاحها، وفسادها
يا بؤس نفس أولعت بسعادها ... لعبت سعاد بعقلها وفؤادها
ما إن حوت من قبلها مثلا لها ... كفا محمدها، ولا حمادها
غاد المدامة، يا خليلي، غادها ... وأنعم بظلماء الدجى، فسوادها
واجعل شهادك في احتساءش سلافها ... إذ حظ عينك في طويل سهادها
وإنما جعل يذكر بنانا جارية محمد بن حماد، لأنه كان يعشقها عشقا مبرحا، وكان يكني عنها بسعاد، فاجتمعا في مجلس فيه نار، فكرهتها وتأذت بها، فأمر الحسن بإخراجها، وقال ما تقدم.
ومن شعره:
قالت: تصنع بالبكاء، فقلت: هل ... يبكي الفتى إلا لما في قلبه؟
فلقد ألفت الدمع، حتى ربما ... جرت الدموع به، ولم أعلم به
وكتب إلى بعض أصدقائه:
سرك الله بمن تلهو به ... وبنوروزك يوم الجمعه
وبدجن ألبس الشمس، على ... أنها طورا ترى ملتمعه
كفتاة الخدر أبدت وجهها ... من أعالي قصرها، مطلعه
عندنا ورد ومسك عبق ... ورياحين لنا مجتمعه
خبر خبرته، فاسمع، ولا ... تقعدن من بعد أن تستمعه
ذكر محمد بن عبد الملك الزيات كاتب، ووزير
كان شاعرا حلو الألفاظ، عذب المعاني. له أشعار في ايام المأمون، ومدائح في المعتصم والواثق. وكذلك له أهاج بينه وبين عبد الله بن طاهر، وابن ابي دؤاد مشهورة، وغير ذلك من غزل وعتاب، واشعار وهو معتقل، وفي فنون أخرى. وسنذكر من ذلك لمعا، ومختصرا.
فمن شعره ما وجه به إلى المأمون، لما هم بالصفح عن إبراهيم بن المهدي، يذكر ما كان منه في طلب الملك، ويحرضه عليه، وهو قوله:
فإن قلت قد رام الخلافة غيره ... فلم يؤت، فيما كان حاول، من جد
فلم أجزه، إذ خيب الله سعيه ... على خطأ، إن كان منه، ولا عمد
ولم أرض بعد العفو حتى فقدته ... وللعم أولى بالتغمد والرفد
فليس سواء خارجي رمى به ... إليك سفاه الرأي، والرأي قد يردي
تعادت له من كل أوب عصابة ... متى يوردوا، لا يصدروه عن الورد
وآخر في بيت الخلافة تلتقي ... به وبك الآباء في ذروة المجد
فمولاك مولاه، وجندك جنده ... وهل يجمع القين الحسامين في غمد
وقد رابني من أهل بيتك أنني ... رأيت لهم وجدا بهم، أيما وجد
وجرد إبراهيم للموت سيفه ... وأبدى سلاحا فوق ذي منعة، نهد
فأبلى، ولم يبلغ من الأمر جهده ... فليس بمذموم، وإن كان لم يجد
وهذي أمور قد يخاف ذوو النهى ... مغبتها، والله يهديك للرشد
فهذا تحريض حسن في تلويح جميل، وتعريض مشبع لا يعرف لمحدث مثله. ومن شعره المطبوع في برذون أشهب، كان المعتصم أخذه منه، وكان أحمد بن ابي خالد وشى به إليه، وفي هذه الأبيات أبيات لو أنها مرثية في ولد لحق لها، وهو قوله:
قالوا: جزعت، فقلت: إن مصيبة ... جلت رزيتها، وضاق المذهب
كيف العزاء، وقد مضى لسبيله ... عنا، فوعنا الأحم الأشهب
دب الوشاة فباعدوه، وربما ... بعد الفتى، وهو الحبيب الأقرب
لله يم عدوت عني ظاعنا ... وسلبت قربك، أي علق أسلب
نفسي مقسمة، أقام فريقها ... وغدا لطيته فريق يجنب
الآن إذ كملت أداتك كلها ... ودعا العيون إليك خلق معجب
أنساك؟ لا برحت، إذا، منسية ... نفسي، ولا زالت بمثلك تنكب
أضمرت منك اليأس حين رأيتني ... وقوى حبالي من حبالك تقضب
ورجعت، حين رجعت منك، بحسرة ... لله ما صنع الأصم الأشيب
ومن مديحه في المعتصم رضي الله عنه:

(1/50)


حلفت، ومن حق الذي قلت إنني ... أقول واثني بعد ذاك، وأحلف
لما هاب هل الظلم مثلك سائقا ... ولا أنصف المظلوم مثلك منصف
وكان الذي بينه وبين أحمد بن ابي دؤاد سيئا جدا في ايام الواثق، وبسببه حبس، وأخذت ضياعه، وناله ما ناله من العذاب المشهور، مرة في صندوق، ومرة في تنور. فمن قوله في أحمد:
يا سائلي عن أبي عبد الإله لقد ... سألت عن رجل، جم الخسارات
اللئيم، بكت ... عليه أهل قرى هيت وعانات
فأجابه أحمد:
قلت لها حين أكثرت عذلي ... ويحك أزرت بك المودات
قالت: فأين الكرام، قلت لها: ... لا تسألي عنهم، فقد ماتوا
قالت: ولم ذاك، قلت: فاعتبري ... هذا وزير الإمام زيات
وقال محمد فيه:
إن الجديد إذا ما زيد في خلق ... تبين الناس أن الثوب مرقوع
ولعبد الله بن طاهر في محمد:
أحسن من تسعين بيتا هجا ... جمعك معناهن في بيت
ما أحوج الملك إلى مطرة ... تذهب عنها وضر الزيت
فأجابه محمد:
يا أيها المأفون في رأيه ... عرضت حوباءك للموت
قيرتم الملك، فلم ننقه ... حتى غسلنا القار بالزيت
ومن أشعاره وهو في الأعتقال:
ربت دار بعد عمرانها ... أضحت خلاء، ما بها أهل
لم تدخل البهجة دار امرء ... إلا وما يهدمها داخل
ما يأمن الدنيا وأيامها ... بعدي، إلا عاجز جاهل
أما ترى العيش بها زائلا ... تبا لدنيا عيشها زائل
وقال في ذلك، وكان المتوكل يأمر إبراهيم بن العباس أن يكتب فيه كتابا، فكتبه، ثم أرسل إليه نسخته. فقرأها محمد، فقال يعزي نفسه:
أرى الدهر لا تفنى عجائب صرفه ... وأيامه ليست تقضى غرورها
لئن راعني يوما كتاب قرأته ... لقد نفدت كتبي، فحلت أمورها
وقد سار في الأمثال بيت لخالد ... وسر أقاويل الرجال فجورها
فلا تجزعن من سنة أنت سرتها ... فأول راض سنة من يسيرها
ومما يتمثل به من شعره النادر:
يا سوأتي لفتى له أدب ... أمسى هواه قاهرا أدبه
يأتي الدنية، وهو يعرفها ... أعمى عن العيب الذي ارتكبه
وكتب رجل من الكتاب يقال له عيسى إلى محمد بن عبد الملك رقعة يذكر فيها حرمته، وأنه من أهل البلاغة والأدب، ووقع على موضع العنوان: عيسى. فوقع محمد على ظهر رقعته:
أنى تكون بليغا ... ونصف إسمك عي
ونصف إسمك أيضا ... ثلثا حروف مسي
ذكر الحسن بن رجاء ابن أبي الضحاك الكاتب
كان شاعرا مفلقا، لا يكاد يسقط من شعره شيء، كما يسقط من أشعار نظرائه. وليس شعره بكثير: ، وابياته المروية عنه حسنة النظم، مشبعة المعاني، جيدة التركيب. ومن شعره الذي يمدح المأمون:
صفوح عن الإجرام، حتى كأنه ... من العفو، لم يعرف من الناس مجرما
وليس يبالي أن يكون به الأذى ... إذا ما الأذى لم يغش بالكره مسلما
ومن ذلك قوله:
قد يصبر الحر على السيف ... وينكر الصبر على الحيف
ويؤثر الموت على حالة ... يعجز فيها عن قرى الضيف
وقد كفانا ذكرنا في هذا الباب من ذكر من شعراء الكتاب، عدولا عن الاسهاب. وغرضنا، في الذي أحضرناه، أن يعلق، ومتى كان مطولا منعه السأم أن يعلق. وإذا رصع هذا الكتاب على خاطر أديب أشغل به المجلس الذي يحضره، وأعجب الحاضرين مما يذكره. لأني التقطت كل ما يتردد معناه في مغاني الأدب، ويحسن أن يذكر بين يدي الملوك وأهل الرتب، وغربت في الأخبار، وعدلت عن الأشياء التي سمجت بطريق الإكثار والإشتهار.
شعراء عبيد العرب
وما احتضر من أخبارهم، واستحسن من اشعارهم

(1/51)


منهم: نصيب، عبد بني الحسحاس، ميسرة الأول، ميسرة الأخير، وورك، ابو عطاء، ذكوان، مورق، ذو الركبة، السابل، منتجع، فتحس، عبد بني بكر، المندلث، الحيقطان، زامل، أبو التيار، المثلم، الهزر، روح، وله قصيدة يعد فيها هؤلاء، وهم عشرون شاعرا، نذكر القصيدة، ثم نذكر هؤلاء، ثم نتبع ذلك بأبي دلامة، ودهيقين، وفائق، ولهذم، والمرقال، وعجب، وشنير، وجندل، وأبو العراف، وكوكب، ومن النساء الجواري المماليك: عنان، الذلفاء، خنساء، ملك، صرف، فضل، مخنثة، مدام، خشف، علم، ريم، سكن.
قال روح بن الطائفية، وهو عبد لخاله أنس بن أبي شيخ الكاتب، يفتخر على العرب، بمن ذكرنا من شعراء العبيد:
فخرتم علينا بالقيافة والشعر ... وبالنسب المحفوظ في سالف الدهر
ففي وزر، والعبد ميسرة الذي ... أبر على همام في صفة القدر
وفي ورك، والعبد ذكوان، والذي ... أناخ على بشر بقاصمة الظهر
وعبد بني الحسحاس، والشيخ مورق ... وذي الركبة العوجاء، والسابل المثري
ومنتجع، والحدرجان، وفلحس ... وأبين خلق الله عبد بني بكر
وكان نصيب، والمثلم قبله ... وفي الهزر المنبوذ في البلد القفر
فقد كان مفتوق اللهاة، وداهيا ... وأشدق يفري حين لا أحد يفري
ترى اللفظ إرسالا إليه، وكله ... يخير مطبوع، ورايه عمر
دليل بأن الحر منهم كعبده ... وأنا سواء في الفصاحة والشعر
ولونهم لون، وطبع لسانهم ... سواء، كمن قد الشوال على السطر
ومولاهم ينتاف مثل صميمهم ... ويقضي بلا فكر، ويحزم في الأمر
ويحفظ من أنسابهم مثل حفظهم ... ويقتفي الآثار في السهل والوعر
وقد كان في دهر الأكاسر عالم ... يحوطون أنساب الأكاسرة الزهر
ومن عرف الأسباط كيف انتسابهم ... تراجع خزيانا، وعض على الصخر
ذكر من سماه روح في قصيدته
فأما نصيب: فكان عبدا لرجل من بني كنانة، من أهل ودان، هو وأهل بيته. وكان مقدما عند الملوك، يجيد مدحهم ومراثيهم. وكان أهل البادية يدعونه نصيبا، تفخيما له، ويروون شعره. وكان كبير النفس. وقيل: إنه كان عبدا لبني كعب بن ضمرة بن بكر بن عبد مناف، وزعم الجاحظ مثل ذلك. وفي ذلك يقول:
رأت لأخي كعب بن ضمرة هجمة ... ثمانين يعطى الضيف منها، وينعم
وقيل لنصيب: قد تعرض لك جرير، فأرسل حصته من الهجاء، فلم يفعل. ولما اجتدى الملوك وأخذ جوائزهم وتمول، تتبع من كان بينه وبينه مودة يشتريه، أو من العبيد أقاربه يبتاعه. وجعل يبتاعهم ويعتقهم. فكان ممن اشتراه ابن عم له يقال له سحيم بأغلى ما يكون من الثمن. فمر به يوما، والنانس مجتمعون عليه، وسحيم بينهم وهو سكران يزمر ويرقص، فلما رآه نصيب ناداه: ويك يا سحيم ما هذا لعنك الله وخزاك، ويك لهذا اشتريتك وأعتقتك؟ فقال: إن كنت أعتقتني لما أحب، فهذا الذي أحب. فقال نصيب:
نسيت إعمالي لك الرواحلا
وقرعي الأبواب فيك سائلا
وليتني منك القفا والكاهلا
أخلقا شكسا، ولونا حائلا
فسوف أعدو لسحيم طائلا
إن سحيما لم يثبني طائلا
وكان نصيب ذا عبلة ودين ومنطق، وكان لا يهجو أحدا، وكان عبدا أسود.
وسئل جرير عنه فقال: هو أشعر أهل جلده. وذكر عند الفرزدق فقال: سهام صوائب. وذكر أن نصيبا أنشد جريرا شعره، وقال: كيف ترى يا أبا حرزة؟ قال: أنت أشعر أهل جلدتك.
ومن جملة شعره:
فما ضر أثوابي سوادي، وإنني ... لكالمسك لا يسلو عن المسك ذائقه
ولا خير في ود امرئ متكاره ... عليك، ولا في صاحب لا توافقه
إذا المرء لم يبذل من الود مثلما ... بذلت له، فاعلم بأني مفارقه
وقيل: إن شخصا عيره بسواد فقال:
ليس السواد بناقصي ما دام لي ... هذا اللسان، إلى فؤاد ثابت
من كان تعليه منابت بيته ... فبيوت أشعاري خلقن منابتي
كم بين أسود ناطق من كلة ... ماضي المقال، وبين أبيض صامت
إني ليحسدني الرفيع ببيته ... من فضل ذاك، وليس لي من شامت

(1/52)


ويروى أن سكينة بنت الحسين عليه السلام عتبت على نصيب في شيء، وقالت له: إذهب فلست أكلمك حتى يشيب الغراب. فرحل وأقام بالحجاز حتى شابت لحيته. وجاء ووقف بابها، وقال: قاق، قاق، قاق، ها قد شاب الغراب. فأذنت له، وأحسنت جائزته.
وقل مسلمة بن عبد الملك لنصيب: يا أسود أمدحت شيئا؟ وعنى به رجلا من أهل بيته، قال: نعم. قال: فهل أعطاك شيئا؟ قال: لا والله، قال: فلم لا تهجوه؟ قال: نفسي أحق بالهجاء منه، حين دعتني إلى مدح مثله. فأعجبه جوابه، فقال له: تمن ولا تشطط، فقال: لا أفعل، قال: ولم؟ قال: لأني أعلم أن كفك بالعطية أبسط من لسني بالمسألة. فأعطاه عشرة آلاف دينار.
وقال أبو الأسود الدؤلي: امتدح نصيب عبد الله بن جعفر، فأجزل له من كل صنف. فقيل له: تعطي لمثل هذا العبد الأسود؟ فقال: أما والله إن كان جلده أسود، إن مدحه وثناءه لأبيض، وقد استحق بما قال أكثر مما نال، وإنما أخذ رواحل تنضى، وثيابا تبلى، ودراهم تفنى، وأعطى مديحا يروى، وثناء يبقى، وذكرا لا يبلى.
وكان، هو وكثير، أمدح شعراء الإسلام للملوك عند الرواة، كما أن النابغة أمدح شعراء الجاهلية عندهم للملوك. وقال كثير: ما تمنيت شعرا قط أ، أكون قلته، كما تمنيت بيتين سمعتهما من نصيب، وهما:
من النفر البيض الذين إذا أنتجوا ... أقرت لنجواهم لؤي بن غالب
محيون بسامين طورا، وتارة ... محيون عباسين شوس الحواجب
قال الزبير: بلغ كثيرا وجميلا أن نصيبا يشبب ببنات العرب، فقال جميل لكثير: إمض بنا إلى نصيب حتى نملأ أسيافنا منه. فقل كثير لجميل: أخر هذا لأمر حتى نلقاه، فإذا لقيناه أفضناه في التشبيب، فإذا سمعنا منه وأنشدنا، يكون قد اعترف، فتلزمه الحجة، فنملو عذرنا عند الناس في الفتك به، ونشكر على ذلك لصيانة أعراض الحرم. فبيناهما يسيران يوما إذ لقياه، فأخذا بيده، وقالا له: إنا قد عزمنا على القول فتساعدنا. قال: قولا حتى أقول. فقال جميل:
لطاف الحشا، بيض الخدود، أوانس ... عذاب الثنايا قد مثلن بنا مثلا
فقال كثير:
إذا دفن بالجاذي مسكا أنلنه ... عرانين شما دنيت حدقا كحلا
فقال نصيب:
وقربن للأحداج كل عذافر ... كأن كحلا
فقالا: نحن نشبب، وأنت تصف الإبل؟ قال: أنتم مدحتم بنات عمكم، وأنا حملت سيداتي. فأمسكا عنه، وفارقاه.
وقيل: دخل الفرزدق، ومعه نصيب على سليمان بن عبد الملك، فقال للفرزدق: أنشدني، فأنشده:
وركب كأن الريح تطلب عندهم ... لها سلبا من جديها بالعصائب
إذا استوضحوا نارا، يقولون: ليتها ... وقد خصرت أيديهم، نار غالب
فأسود وجه سليمان، وكان يظن أنه إذا استنشده أنشده مديحا له. فلما رأى ذلك نصيب قال: يا امير المؤمنين ألا أنشدك؟ قال: بلى، فأنشده:
أقول لركب قافلين لقيتهم ... على ذات أوشال، ومولاك قارب
قفوا، أخبرونا عن سليمان، أنني ... لمعروفه من أهل ودان طالب
فعاجوا، فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
فقل له سليمان: احسنت، وامر له بصلة، وقل: كيف تسمع يا فرزدق؟ قال: هو أشعر الجاهلية. وما أعطى الفرزدق شيئا، فخرج وهو يقول:
وخير الشعر أكرمه رجالا ... وشر الشعر ما قال العبيد
وقال جعفر بن سعيد: قال نصيب: مااجترأت، أنشد شيئا من شعري حتى قلت:
بزينب ألمم قبل أن يظعن الركب
وروى المبرد أن جريرا قال: لوددت أن نبيت هذا العبد لي بكذا وكذا من شري، يعني قوله:
بزينب ألمم قبل أن يظعن الركب
وقيل لنصيب: إيما أشعر، أنت أم جرير في البيت الذي نازعك فيه؟ قال: ما هو؟ قيل: قولك:
أضر بها التهجير حتى كأنها ... بقايا سلال لم يدعها سلالها
أو قول جرير:
إذا بلغوام المنازل لم تقيد ... وفي طول الكلال لها قيود
قال: قاتل الله ابن الخطفي حيث يقوله. قيل: قد فضلته على نفسك! قال: هو ذاك وقال نصيب:
لقد كانت الأيام إذ نحن جيرة ... تحسن لي، لو دام ذاك التحسن
ولكن دهرا بعد ذاك تقلبت ... لنا من نواحيه ظهور وأبطن

(1/53)


وإني، على أني تعزيت بعدكم ... وأعرضت لما كان ذو الضعن يفطن
لكالمدنف المنبي العوائد أنه ... إلى صحة مما به، وهو مثخن
وأما عبد بني الحسحاس: فهو سحيم بن هبد بن سفيان بن عصاب بن كعب بن سعد بن ثعلبة بن دودان. وكان رقيق لحواشي، أسود، فعير بذلك فقال:
إن كنت عبدا فنفسي حرة كرما ... أو أسود الخلق إني أبيض الخلق
ويقال: إن أول شعر قال: أنهم أرسلوه رائدا، فجاء وهو يقول:
أنعت غيثا حسنا نباته ... كالحبشي حوله بناته
فقالوا: شاعر والله.
وأنشد:
عميرة ودع إن تجهزت غاديا ... كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا
فقال له عمر: أما أنك لو كنت قدمت الإسلام على الشيب لأجزتك. فلما أنشده فيها:
وبتنا وسادانا إلى علجانة ... وحقف تهاداه الرياح تهاديا
وهبت شمال، آخر الليل، قرة ... ولا ثوب إلا درعها وردائيا
فما زال بردي طيبا من ثيابها ... إلى الحول، حتى أنهج البرد باليا
توسدني كفا، وترفع معصما ... علي، وتحنو رجلها من ورائيا
أميل بها ميل النزيف، وأتقي ... بها الريح، والشفان من عن شماليا
فقال عمر: زنى العبد.
ومن قصيدته هذه:
فما بيضة بات الظليم يحفها ... ويرفع عنها جؤجؤا متجافيا
ويجعلها بين الجناح ورفه ... ويفرشها وحفا من الريش عافيا
بأحسن منها يوم قالت: أراحل ... مع الركب، أم ثاو لدينا لياليا
ألكني إليها، عمرك الله، يا فتى ... بآية ما جاءت إلينا تهاديا
ألا ناد في آثارهن الغوانيا ... سقين سماما، ما لهن وماليا
وراهن ربي مثل ما قد ورينني ... وأحمى على أكبادهن المكاويا
أشارت بمدراها، وقالت لتربها ... أعبد بني الحسحاس يزجي القوافيا
رأت رجلا رثا، وسحق عباءة ... وأسود، مما يملك الناس عاريا
كأن الثريا علقت فوق نحرها ... وجمر غضى هبت به الريح ذاكيا
فإن تقبلي بالود أقبل بمثله ... وإن تدبري أدبر على حال باليا
وكان نصيب وسحيم أشعر شعراء العبيد، ومن نذكر بعدهما لم يكن في طبقتهما، ولبعضهم الأبيات القليلة. ونحن نذكرهم: ذكر وزر: كان عبدا لبني العنبر، من تميم. وهو القائل:
لعمر بني الملوك، ما عاش، انه ... وإن أعجبته نفسه، لذليل
ترى الناس أنصارا عليه، وماله ... من الناس إلا ناصرون قليل
وأما ميسرة وميسرة: فهما عبدان لبني العنبر. أحدهما ميسرة أبي الدرداء، وهو الذي رثى معاوية فقال:
فهاتيك النجوم، وهن خرس ... ينحن على معاوية الشآمي
والآخر: ميسرة أبي نصر، وكان عبدا لعمر بن شريك. ولطمه رجل من بني دارم، فافترى عليه ميسرة، فقدمه إلى صاحب اليمامة، فجلده أربعين سوطا. قال: والله لئن لم تجلدني ثمانين، لأهجونك هجاء تتمنى أنك لم تكن سمعته. فوفاه ثمانين، فأنشده:
قذفت أخا زيد فكملت قذفه ... فكمل، هداك الله، جلد أبي نصر
ولا تتركني ناقصا، فتعيبني ... تميم بن مر، والقبائل من قسر
فلست بعبد يلطم الناس وجهه ... ويلفى، غداة الروع، منتفخ السحر
وإنما كان غرضه أن يحده تمام الحد، ليحقق أنه حر، لأن العبد يحد نصف الحد. وقد كان حد القذف عندهم الثمانين. وقد روي أنه أتى عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، بسكران ، فقال: ما سمعنا من النبي صلى الله عليه وسلم حد الخمر. فاستدعى عليا عليه السلام، فقال: ما عندك في حد الخمر؟ فقال: الشاؤب إذا شرب سكر، وإذا سكر افترى، فاجعل حد الخمر حد القذف، أربعين جلدة.
ولما قال الفرزدق:
وقدر كحيزوم النعامة أحمست ... بأجذال خشب، زال عنها هشيمها
قال ميسرة: ما حيزوم النعامة؟ والله ما يشبع رجلين. ولكني أقول:
وقدر كجوف الليل أحمشت غليها ... ترى الفيل فيها طافيا لم يفصل
ولما قال الفرزدق أيضا:
وقدر كجوف العير ملآن مترع ... يطيف به ولدان قيس وخندف

(1/54)


قال ميسرة: وما جوف العير؟ ومن يذكر من ولدان قيس وخندف مع هذا القدر؟ ولكني أقول:
وقدر كجوف الباقري تحجه ... على العسر والإيسار أهل المواسم
وقال ميسرة للفرزدق:
لقد ذل من يحمي الفرزدق عرضه ... كما ذلت الأخناف تحت المناسم
فلما بلغ الفرزدق ذلك غضب، وتطلب ميسرة، فسمع ميسرة فقال:
متى تلقني تلق امرء غير طائل ... وليس بنجاء من الغمرات
يرى المجد أن يلقى أصرة ذوده ... منفخة الأطراف، مستويات
فرآه الفرزدق يوما فشد عليه بالسيف، وقال له: استغث بمولاك، فصاح بمولاه، فقال مولاه للفرزدق: ليس هو عبدا، إنما حر. قال الفرزدق: ذلك أردت. وكان غرضه يشيع أنه حر. فأدناه وأعطاه.
وميسرة الذي يقول:
لعمري لإعرابية في عباءة ... لها حسب زاك كريم، ومنصب
أعييت باسلام وعتق وصبغة ... وإن يك سوء، فهو عنها مجنب
أحب إلينا من ضناك ضفنة ... عليها من الكتان والقطن منهب
لعمري وشيخ قاعد وسط هجمة ... تروح عليه بالشياء، وتغرب
أحب إلينا من صفن نرى له ... عظاما وأثوابا تصان وتحجب
وأما ورك: فكان عبدا لبشر النهشلي. ويقال: إن مولاه سلم إليه ناقة عسراء، وقال له: إياك أن تحمل عليها شيئا. فحمله فأجهضت. فأنشأ عند ذاك يقول:
ألا لا أبالي أن يضيع جنينها ... إذا لم يلمني، في اللمام، رفيق
يخوفني بشر، وبشر محكم ... وليس ببشر، إن تشاء، صديق
وله:
لا أخمد النار أخشى أن يضل بها ... عان، يريد سناها، جائع صرد
لكن أقول لمن يعروا مناكبها ... ألقوا الضرام عليها، علها تقد
إما أقوم إلى سيفي فأشحذه ... أو يستهل عليكم محلب زبد
إني لأحمد ضيفي حين ينزل بي ... أن لا يكلفني فوق الذي أجد
قال مؤلف الكتاب: لقد سمعت هذه الأبيات من جماعة من الفضلاء وأهل الأدب، وأسألهم عن قائلها، فيعزونها إلى غير قائلها. وكذا في هذا الكتاب أبيات كثيرة تضرب بها الأمثال، ويتداول بها، ولا يعلم لمن هي.
وأما ذكوان: فكان عبدا لمالك الدار مولى عثمان بن عفان. فعتق ذكوان، وعظم شأنه، وولي بعض أطراف الشام في زمن معاوية. وكان شاعرا خطيبا، وكان أشد الناس سيرا، لم يدرك أسير منه. سبق الحاج إلى المدينة، فدخلها في يوم وليلة، فقدم على أبي هريرة، وهو خليفة مروان على المدينة، فصلى معه العشاء، فقال له: حجك غير مقبول، قال: ولم؟ توشك أنك قد نفرت قبل الزوال. فأخرج كتبا كانت معه، وهي من بعد الزوال، فقال في ذلك:
فأقسم لا تنفك، ما عشت، سيرتي ... حديثا لمن وافى بجمع المحصب
وذكوان الذي يقول للضحاك بن قيس الفهري:
تطاول لي الضحاك حتى رددته ... إلى نسب، في قومه، متقاصر
فلو شهدتني من قريش عصابة ... قريش البطاح، لا قريش الظواهر
لغطوك حتى لا تنفس بينه ... كما غط في الدوار والمتزاور
ولكنهم غابوا، وألفيت حاضرا ... فقبحت من حامي ذمار، وناصر
قال أبو عبيدة: ذكوان أول من فرق بين قريش البطاح، وبين قريش الظواهر. فقريش البطاح قبائل كعب بن لؤي، وقريش الظواهر بنو محارب والحارث ابني فهر، وبنو الأدرم بن غالب بن فهر، وعامة بني عامر.
وأما مورق: فكان عبدا لرجل يكنى أبا الحوساء من مذحج، وكان شجاعا. فضربه يوما مولاه ضربة آلمته، وما كان يعرف أنه يقول الشعر، فقال:
خفت أبا الحوساء خوفا يقلق
كأنه موج محيط محدق
فبت، والقلب مروع يخفق
يكاد من بين الضلوع يمرق
فقال له مولاه: والله إنك لم ترد مدحي، وإنما أردت أن تعرفني أنك شاعر فأتقيك. فلما سمع ذلك مورق هرب. فبلغه أن مولاه يطلبه، فخافه، وخافه أيضا مولاه، خوفا أن يهجوه. فزاد مورق في أرجوزته يتوعد منه ويسخر أخرى:
قد علم الغربي والمشرق
أنك في القوم صميم ملصق
عوداك نبع وهشيم بروق
جد لئيم، وكريم معرق
فأنت نار وربيع مغدق
وأنت ليل ونهار مشرق

(1/55)


كيف الفوات، والطلوب مورق
شيخ مغيط، وسنان يبرق
وحنجر رحب، وصوت ملصق
وشدق ضرغام، وناب يحرق
وشاعر باقي الرسوم، مغلق
وأما ذو الركبة: فكان عبدا. وسمي ذا الركبة بقوله:
سخر الغواني إذ رأين مويهنا ... كالبو، أكهب شاحب منهوك
والركبتان مفارق رأساهما ... والظهر أحدب، والمعاش ركيك
سئم الحياة، ولاح في أعطافه ... قشف القتير، وذلة المملوك
فجنى جناية، فباعوه في بعض الأسواق إلى رجل، فضربه يوما، فقال:
ولولا عريق في من حبشية ... يرد إباقي بعد حول محرم
وبعد السرى في كل طخياء حندس ... وبعد طلوعي مخرما بعد مخرم
علمت بأني خير عبد لنفسه ... وأنك عندي مغنم، أي مغنم
وأما المندلث: فكان عبدا لبني عبد شمس، فقتل عبدا آخر فخاف، فلحق بحاجب، أحد بني الخطاب بن عبد شمس، فقال:
أقول لأدنى صاحب أستشيره ... وللأخطل الطائي ما تريان
فقال الذي يبدي النصيحة ... أرى اليوم أن تختار أرض عمان
فإن لا تكن في حاجب وبلاده ... نجاة، فقد زلت بك القدمان
فتى من بني الخطاب يهتز للندى ... كما اهتز ماضي الشفرتين، يمان
وأما الحيقطان: فكان شاعرا وخطيبا، وكان عبدا أسود. وهجاه جرير فقال:
كأنه لما بدا للناس
أسود في بيض من اللباس
أير حمار لف في قرطاس
فقال الحيقطان:
إن يك لوني حائة في الناس
فذاك في قومي، وفي أجناسي
فلم ينكس ذكره براسي
ولي لسان، وحجابي آس
لكل ما أعيا على النطاس
وبه ضرب الشاعر المثل فقال:
وما كان شاعرهم دغفل ... ولا الحيقطان، ولا ذو الشفه
دغفل ابن حنظلة. وذو الشفة: خالد بن سلمة المخزومي.
وأما زامل: فإنه كان عبدا لمعقل بن صبيح، ثم اشتراه جعفر بن سليمان الهاشمي. وكان فصيحا يروي عن الأصمعي. وله:
أرى معقلا لا قدس الله معقلا ... يريد زبالي كلما قل حامله
ويكلح في وجهي، ويخبط بالعصا ... ولوشئت قد أضحت فقارا منازله
فما أنت في الأمحال أضيق حالة ... من العبد، إلا أن يحطم كاهله
وأما أبو التيار: فكان إعرابيا فصيحا، وراجزا، محسنا، وكان مكاتبا لإسحق ابن الفضل بن عبد الرحمن الهاشمي، وكان اشترى نصفه فاعتقه، فقال:
إسحاق يا أكرم أهل الأرض
أعتقت بعضي، وتركت بعضي
فأتبع البعض ببعض يمضي
وأما المثلم: فكان عبدا لبني سعد، فاشتراه زائدة من مزيد الأشعري وانتقل إلى الحارثي فضربه يوما اذلالا فشكاه إلى زائدة فلم يشكه فقال:
أغرك مني أن مولاي زائدا ... سريع إلى داعي الطعام، ضروط
غلام أتاه الذل من نحو شدقه ... له حسب، في الموغلين، بسيط
له نحو دور الكأس إما دعوته ... لسان كنصل الزاغبي، سليط
وإن تلقه في غارة الصبح، تلفه ... خضبا عليه برقع وسموط
فلو كنت في سعد أرنت نوائح ... عليك، وحاشى بعد ذاك ربيط
فليت مليكي من خراسان أغتم ... أرب، طوال الساعدين، حبوط
وليت مليكي بين كوثى وبارق ... وكان مكان الأشعرين ينيط
وأما الهزر: فهو القائل:
ولما رأيت العام عام شضية ... أغيبر محلاه، تصر جنادبه
شددت له أزري، وأيقنت أنه ... أخو الهلك من سدت عليه مذاهبه
وأما أبو عطاء: فمشهور وهو أبو عطاء السندي، وكان عبدا لبني أسد. وهو القائل في يوم من بني عبد المطلب:
لا بكت عين الذي تبكي لهم ... آفة الدين، وأعداء العرب
وكان حائل اللون، في لسانه عجمة لا يكاد يفصح عن شئ. فكان إذا عمل شعرا استعام بمن يورده عنه. فعمل بعض الأيام شعرا، وأعوزه من ينشده عنه، فكتب إلى صديق له معلم، يسأله أن ينفذ إليه غلاما ينشد له شعرا، كان امتدح به بعض الأشراف:
أعوزتني الرواة يا ابن سليم ... وأبى أن يقيم شعري لساني

(1/56)


وغلا بالذي أجمجم صدري ... وشكاني من عجمتي شيطاني
وعدتني العيون أن كان لوني ... حائلا سيئا من الإلوان
فضربت الأمور ظهرا لبطن ... كيف أحتال حيلة لبياني
وتمنيت أنني كنت بالشع ... ر فصيحا، وبان بعض بناني
ثم أصبحت قد أنخت ركابي ... عند رحب الثناء والأعطان
عند من إن سألت أعطى، وإن يع ... ط جزيلا، فليس بالمنان
فألى من سواك يا ابن سليم ... أشتكي حيرتي وفك عناني
فاكفني ما يضيق عنه روائي ... بغلام من صالح الغلمان
يفهم الناس ما أقول من الشع ... ر، فإن البيان قد أعيياني
ثم خذني بالشكر يا ابن سليم ... حيث ما كنت حاضر البلدان
فقديما ما كان مني جزاء ... كل ذي نعمة بما أولاني
وأما دهيقين: فكان عبدا لبني سعد، وكان أهله يجفونه، فقال:
ومالي من أم، إذا جئت، برة ... ولا من أب يكفيني الجفوات
سوى أنني يوما إذا جئت ساغبا ... تقدم لي الحثان في النقبات
وأطعم في كفي، وإخرج صاغرا ... أبادر أولاهن في السترات
فما في كتاب الله أن يجفوانني ... وأن يعملا ساقي على الكسلات
وأما مادم: فكان عبدا لنزار، وكان به جافيا، فإبق وأنشأ يقول:
أقران هل لي من رسول إليكم ... أخي ثقة يقري السلام ويخبر
أأنكرتم أن تعتقوني، وإنني ... لإن تملكوني، آخر الدهر، أنكر
وأما بسطام: فكان عبدا لبني عدي، وهو الذي يقول:
لئن قصرت في أعين الناس قامتي ... فأن لساني في الندي طويل
أطال لساني طائل لا أغبه ... ووجه كمصباح الظلام، جميل
وعرض كأن النجم لا يستطيعه ... وأبيض من ماء الحديد، صقيل
وما ضرني إن كنت عبدا، وناصري ... عزيز، ورأي، يعد ذاك، أصيل
وحول قناتي عصبة عدوية ... تميل على الأعداء حين أميل
وأما لهذم: فكان عبدا لبني منقر، وكان مكاتبا، وهو القائل:
بقبر ابن ليلى عذت حيران، بعدما ... خشيت الردى، أو أن أرد على قسر
بقبر امرئ يقري المئين عظامه ... ولم نر، إلا غالبا، ميتا يقري
فقال لي: استقدم أمامك، إنما ... فكاكك أن تلقى الفرزدق بالنصر
وأما المر قال: فكان عبدا مكاتبا لزياد، وهو القائل:
يا فارج الهم وكرب الكارب
إليك أشكو طالع المكاتب
وعض غرم في زمان كارب
وزاهدا في الأخر غير راغب
وله في العار:
لم يعجل الرحمن بالعقاب
لعامرات البيت بالخراب
حتى تسرعن إلى الثياب
كحل العيون، وقص الرقاب
مكتسيات دكن الحباب
مستتبعات خلفها الأذناب
مثل مداري الحصن السلاب
أهوى لهن أنمر إهاب
مهرت الشدق، حديد الناب
كأنما يوثق بالحراب
وأما شنير: فكان عبدا، وهو القائل:
ما زلت أرعى كل نجم يسري
حتى إذا لاح عمود الفجر
خرجت منهم في الفضاء أجري
فواحد ملتزم بصدري
وآخر ملتزم بنحري
وآخر ملاصق بفكري
أسبقهم إلى أصول الخدر
كأنهم خنافس في حجر
إذا بكوا عللتهم بالنحر
لم يتشكوا تخمة في الدهر
وكلهم في ساعة يستمري
ليس لهم باللحم بعد الفطر
عهد، ولا يرجوه حتى الحشر
وأما جندل: فكان عبدا، وهو القائل:
وما فك رقي ذات دل خبرنج ... ولا شان مالي صدفة وعقول
ولكن نماني كل أبيض ماجد ... فأصبحت أدري اليوم كيف أقول
وأما أبو دلامة: فكان عبدا لفضافض الأسدي، وملكه فأعتقه، فكان من صحابة أبي جعفر المنصور. وكان أبو دلامة غزير الشعر، مفتنا في أساليبه، وكان مع ذلك كثير النادرة والهزل. ويروى أنه مثل بين يدي أبي جعفر المنصور، فأنشده:
إني أرقت، وقد باتت تعاتبني ... أم الدلامة لما شفها الجزع

(1/57)


لا والذي، يا أمير المؤمنين، حوى ... لك الخلافة، في أكنافها الرفع
ما زلت أكسبها مالا فتأكله ... دوني، ودون عيالي، ثم تضطجع
ناشدتها بكتاب الله حرمتنا ... فلم تكن بكتاب الله ترتفع
فاخرنطمت، ثم قالت، وهي معرضة ... أأنت تتلو كتاب الله يا لكع
إذهب تبغ لنا نخلا ومزدرعا ... كما لجيراننا نخل ومزدرع
واخدع خليفتنا، إن كنت سائله ... إن الخليفة للسؤال ينخدع
فقال له الخليفة: قد انخدعنا لك، سل حاجتك. قال: جريب مساحه في بيت المال، قال: هو لك. فخرج إلى الخزان فخط ستين في ستين، فدخلت بيوت الأموال فيه، فقال الخزان: يا أمير المؤمنين ورد اليوم أمر من أمرك احتجنا فيه إلى مناظرتك، قال: وما هو؟ قالوا: إن أبا دلامة أتانا فخط ستين في ستين وقال: قد أمر أمير المؤمنين بهذا صلة تحوي بيوت الأموال. فقال: علي به، فقال: ويلك تسألني مسألة محال؟ فقال: والله، يا أمير المؤمنين، لقد علمت أن ذلك لا يسوغ لي، ولكن لك ضيعتين على شاطئ الفرات، إحداهما نورا، والأخرى برنورا، وهما مشتقان من اسم النار، وأبو دلامة عياله أحق بالنار منك. فقال: خذهما، لا بارك الله لك، فهما ومغلهما خمسون ألف دينار. فكانت في يدي أبي دلامة وورثته إلى أن بادوا. وفي رواية أخرى أنه قال له المنصور: قد أقطعتك أربعمائة جريب، نصفها عامر ونصفها غامر، قال: وما الغامر؟ قال: الذي لا شيء فيه، قال له: فقد أقطعتك من العذيب إلى الثعلبية. فضحك منه، وأقطعه ما أراد.
وروى ابن عائشة قال: خرج المهدي إلى الصيد، ومعه علي بن سليمان الهاشمي، فرمى المهدي ظبيا فصاده، ورمى علي آخر فأخطأه وأصاب الكلب. فقال المهدي: من ها هنا من الشعراء؟ فقالوا: أبو دلامة، فقال له: قل في هذا شيئا، فأنشأ يقول:
قد رمى المهدي ظبيا ... شك بالسهم فؤاده
وعلي بن سليما ... ن رمى كلبا فصاده
فهنيئا لهما كل ... امرئ يأكل زاده
فقال المهدي: صدق والله، لتأكلنه أو لتفدينه. ففداه علي بن سليمان ألف درهم دفعت إلى أبي دلامة.
وقيل: إن أبا دلامة كان ليلة عند المنصور، فقال له المنصور: أشتهي أن أقيم معك غدا، وفلان وفلان، ولا يدخل إلينا أحد، فبكر إلي. فلما سمع ذلك علي بن سليمان قال له: يا أبا دلامة أنت تبكر إلى الدار وأنا أبكر، فبت عندي الليلة، فقال: أخاف أن تسقيني خمرا، فأبطئ عن المصير إلى أمير المؤمنين. قال له: لا تشرب شيئا أصلا. فلما صار إلى منزل علي بن سليمان، دعا بالعشاء، ثم دعا بالستائر فضربت، وغناء المغاني، وأمر علي بن سليمان برطل فشربه، فقال أبو دلامة: لو شربت رطلا واحدا ما كان به بأس، فقال له ابن سليمان: لا تفعل. فما سمع منه، وأخذ وشرب، وأمر الجواري لا يقطعن الغناء. فشرب أبو دلامة حتى سقط سكرا، وأمر الجواري لا يسكتن، والشموع لا تطفأ، والطعام لا يزال، وأبو دلامة في عيش طيب. فبقي كذلك ثلاثة أيام، وهو يظن أنه في ليلته، حتى تطلبه المنصور فلم يجده، فأمر بهدم داره. فقال له ابن سليمان: هو، والله يا أميرالمؤمنين، عندي. وقص عليه قصته، فأمر به، فأحضر وهو سكران لا يعي بنفسه. فأمر به فضرب ضربا وجيعا، وحبسه في المطبخ، في بيوت الدجاج. فبقي نائما والدجاج يسلح عليه وعلى وجهه، وينقر أنفه. فانتبه في الليل فصاح إلى جواريه: فلانة، فلانة، وإلى خدمه: فلان، وفلان، ما جاوبه أحد، وهو يظن أنه في منزله. فقال له الطباخ: أتدي أين أنت؟ قال: لا والله. فقص عليه القصة، وعرفه ما اعمد المنصور معه، فبقي حائرا. فما كان إلا ساعة، وجاء رسول المنصور يطلبه. فلما مثل بين يديه أنشأ يقول:
أمير المؤمنين وقتك نفسي ... علام ضربتني، وخرقت ساجي
وفيم حبستني من غير جرم ... كأني بعض عمال الخراج
فلو فيهم حبست، لكان ذاكم ... ولكني حبست مع الدجاج
وقد كانت تحدثني ذنوبي ... بأني من عقابك غير ناج
على أني، وإن لاقيت شرا ... لخيرك، بعد ذاك الشر، راج
أفي صفراء صافية المزاج ... كأن شعاعها لهب السراج
وقد طبخت بنار الله، حتى ... لقد صارت من النطف النضاج

(1/58)


فقال ابن سليمان: شرب الخمر يا أمير المؤمنين، فسله بأي نار طبخت؟ قال أبو دلامة: بنار الله الموصدة، التي تطلع على فؤاد من علمك. فضحك المنصور منه وأجازه.
الإماء من شواعر النساء
وهن: عنان، والذلفاء، ورييم، وفضل، وملك، وخنساء، وصرف، ومخنثة، ومدام، وخشف، وعلم، وريا، وسكن. وسكن أغزرهن وأشهرهن ذكرا، وإنما أكثرهن افتنانا عنان، جارية الناطفي.
عنان جارية الناطفي وهي صاحبة أبي نواس، وبينهما معاتبات ومضاحكات، وتهاجيا في آخر أمرهما. وكان لها ظرف بارع، وأدب كامل، في سرعة جواب. وكان لها مجلس ينتابه السراة والشعراء وأهل الأدب، يطارحونها الأشعار ويناشدونها.
فمن شعراها ترثي مولاها:
يا موت أفنيت القرون، ولم تزل ... حتى سقيت، بكأسك، النطافا
يا ناطفي، وأنت عنا نازح ... ما كنت أول من دعوه فوافى
وقالت:
نفسي على زفراتها موقوفة ... فوددت لو خرجت من الزفرات
لا خير بعدك في الحياة، وإنما ... أبكي مخافة أن تطول حياتي
قال محمد بن سليمان الكاتب: إفتصد الرشيد يوما، فأهدى له يحيى بن خالد جارية عوف الخياط. فأقامت عنده شهرا، قم وهبها لخزيمة بن خازم.
ففي ذلك تقول عنان، تمدح يحيى، وتطلب أن يبتاعها:
نفى النوم عن عيني حوك القصائد ... وآمال نفس، همها غير واحد
إذا ما نفى عني الكرى طول ليلتي ... تعوذت منه باسم يحيى بن خالد
وزير أمير المؤمنين، ومن له ... فعالان من جود: طريف وتالد
على وجه يحيى غرة يهتدي بها ... كما يهتدي ساري الدجى بالفراقد
بلغت الذي لم يبلغ الناس مثله ... فأنت مكان الكف من كل ساعد
تعود إحسانا، فأصلح فاسدا ... وما زال يحيى مصلحا كل فاسد
وكانت رقاب من رجال تعطلت ... فقلدها يحيى كرام القلائد
على كل حي من أياديه نعمة ... وآثاره محمودة في المشاهد
ففعلك محمود، وكفك رحمة ... ووجهك بدر، نوره غير خامد
مننت على أختي منك بنعمة ... صفت لهما منها عذاب الموارد
فمن بما أنعمت منها عليهما ... علي، وقاك الله كيد المكائد
أعوذ من الحرمان منك بخالد ... وطيب تراب، فيه أعظم خالد
وذكرها يحيى لهارون الرشيد، فأمر بشرائها، فاشتراها بثلاثمائة ألف درهم، وأمر صاحب بيت المال برفع المال إلى مولاها. فقال لمولاها: اجعل لي من هذا المال عشرة آلاف درهم، فأبى أن يفعل. فأمر صاحب بيت المال بثلاثين حمالا، فحملت البدر، وأدخلها على الرشيد، فقال: ما هذا؟ قال: هذا ثمن عنان. قال: ويلك هذا كله سرف، رده إلى بيت المال. وأبطل شراءها. ثم بعد ذلك عزم يحيى على معاودة الرشيد في أمرها، فعاق عن ذك حادثهم.
وقال: أحمد بن إبراهيم: هويت عنان فتى من أهل بغداد، لا نبات له بعارضيه، في غاية من الحسن، وكان يدعي النسك والعفاف. فطلبت وصاله فأبى. ثم أن الفتى بعد ذلك نبتت لحيته، وضجر من طول الزهد، فأتاها يلتمس منها ما كانت تلتمس منه، فأنشأت تقول:
هلا وأنت بماء وجهك تشتهي ... رؤد الشاب، قليل شعر العارض
ألآن إذ نبتت بخدك لحية ... ذهبت بملحك، ملء كف القابض
مثل السلافة عاد خمر عصيرها ... بعد اللذاذ خل خمر، حامض
وقالت:
إلى الله أشكو طارقات من الهوى ... لها في فؤادي جمرة تتضرم
فلا مشتكى إلا إليه، فأنه ... أرق، وأحفى بالعباد، وأرحم
وحكى عنها أبو ثابت قال: خطر بقلبي بيت شعر قلته، وتعسر علي ثانيه، وطلبت من يجيزه. فتذكرت عنان جارية الناطفي، فأتيتها وأوردت عليها الشعر، فقلت:
وما زال يشكو الحب حتى سمعته ... تنفس في أحشائه، أو تكلما
فأطرقت، ساعة، ثم قالت:
ويبكي فأبكي رحمة لبكائه ... إذا ما بكى دمعا بكيت له دما

(1/59)


ويروى عن زريق الشاعر قال: أتيتها يوما، فلما رأتني قالت: مرحبا يا عم، لقد جاء الله بك على حاجة إليك. قلت: وما ذاك؟ قالت: إن هذا الأعرابي الذي تراه سألني أن أقول بيتا، وقد صعب علي الابتداء، فابتدئ علي بالقول.
فقلت:
لقد عز العزاء، وغيل صبري ... غداة جمالهم للبين زفت
فقال الأعرابي:
نظرت إلى أواخرها ضحيا ... وقد رفعوا لها عصيا فرنت
فقالت عنان:
كتمت هواهم في الصدر مني ... على أن الدموع علي نمت
قال: ودخلت إلى بعض الأمراء فكتب إليها:
ماذا تقولين فيمن شفه سقم ... من فرط حبك، حت ظل حيرانا
فكتبت تحت هذا الشعر:
إذا رأينا محبا قد أضر به ... جهد الصبابة، أوليناه إحسانا
وعرضت على عيسى بن جعفر، فأعجبته، فغمزها وقال:
جودي لصب حزين ... يكفيه منك قطيره
فقالت:
إياي تعني ... بهذا؟ عليك فاجلد عميره
ودخل عليها أبو نواس، وقد ضربها مولاها، وهي تبكي، فقال:
بكت عنان فجرى دمعها ... كالدر قد توبع في خيطه
فقالت:
أجل، ومن يضربها ظالم ... تيبس يمناه على سوطه
وقالت تهجو أبا نواس:
يا نواسي، يا نفاية خلق الل ... ه، قد نلت بي سناء وفخرا
مت متى شئت، قد ذكرتك في الشع ... ر، وجرر أطراف ثوبك كبرا
لا تسبح، فما عليك جناح ... جعل الله بين لحييك دبرا
فإذا ما أردت أن تولي الل ... ه على ما أبلى وأولاك، شكرا
فاذكر الله بالضمير وبالاي ... ما، ولا تذكرن ربك جهرا
فأخذ هذا المعنى البلاذري فقال:
يسبح لا من تقى أحمد ... يحب التظرف بالسبحة
ويخرج أنفاسه كالفسا ... يفتقه السرم عن سلحة
أبا جعفر فتوق الإله ... ولا تذكر الله من فقحة
وقالت تمدح جعفرا بن يحيى:
يا لائمي، جهلا، ألا تقصر ... من ذا على حر الهوى يصبر
لا تلحني أني شربت الهوى ... صرفا، وممزوج الهوى يسكر
أحاط بي الحب، فخلفي له ... بحر، وقدامي له أبحر
تخفق رايات الهوى بالردى ... فوقي، وحولي للردى عسكر
سيان عندي، في الهوى، لائم ... أقل فيه، والذي يكثر
أنت المصفى من بني برمك ... يا جعفر الخيرات، يا جعفر
لا يبلغ الواصف في وصفه ... ما فيه من فضل، ولا يحصر
ما عصرت عودا يد لامرئ ... أطيب من عودك إذ يعصر
من وفر العرض بأمواله ... فجعفر أعراضه أوفر
ديباجة الملك على وجهه ... وفي يديه العارض الأحمر
سحت علينا منهم ديمة ... ينهل منها الذهب الأحمر
لو مسحت كفاه جلمودة ... نضر فيها الورق الأخضر
لا يستتم الحمد إلا فتى ... يصبر للبذل، كما يصبر
يهتز تاج الملك من فوقه ... فخرا، ويزهز تحته المنبر
يشبهه البدر إذا ما بدا ... أو غرة في وجهه تزهر
والله ما ندري أبدر الدجى ... من وجهه، أم وجهه أنور
يستمطر الزوار منك الغنى ... وأنت بالزوار تستبشر
عودت طلاب الندى عادة ... إن قصروا عنك، فما تقصر
قال جامع الكتاب: لقد طربت لهذه الأبيات، حتى كررتها فحفظتها.
وأما الذلفاء: فكانت أمة لابن الطرخان، وكان الشعراء أيضا يأتونها ويطارحونها، وكانت حسنة الجواب. ودخل عليها مروان بن أبي حفصة، وعندها أبو نواس وغيره من الشعراء، فقال مولاها لمروان: يا أبا يحي إختر لها بيتا لتجيزه. فقل: قول جرير:
غيضن من عبراتهن، وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى، ولفينا
فقالت، وكانت تشبب بالرشيد:
هيجت بالبيت الذي أنشدتني ... حبا بقلبي، للإمام، دفينا
قال: فقام أبو نواس مغضبا، وهو يقول:
عجبا من حماقة الذلفاء ... تشتهى ... الخلفاء
فقالت:
إن أحرى الأمور عندي منالا ... شهوات الأكفاء للأكفاء
ويقال: إن العباس بن الأحنف دخل على الذلفاء يوما، فقال: أجيزي:

(1/60)


أهدى له أحبابه أترجة ... فبكى، وأشفق من عيافة زاجر
فقالت:
متطيرا مما أتاه، لأنها ... لونان: باطنها خلاف الظاهر
وأما ريم: فكانت جارية إسحق بن عمرو السلمي. وكانت شاعرة مجيدة. فامتحنها أبو اليدين عبد الرحمن، وكتب إليها:
ألا من لعين لا ترى أسود الحمى ... ولا ناضر الريان إلا استهلت
طروب إذا حنت، لجوج إذا بكت ... بكت فأدقت في الهوى، وأجلت
فكتبت الجواب في ظهر الرقعة:
فليس مدنيه البكاء من الحمى ... وإن كثرت منه الدموع، وقلت
يحن إلى أهل الحمى، فدموعه ... تسح، كما سحت سماء تدلت
فلم يصدق أن الشعر لها، فكتب إليها شعرا لجحاف لا يعرفه أحد، وهو:
كيف المقام بأرض لا أشد بها صوتي ... إذا ما اعترتني سورة الغضب
فكتبت في الجواب:
ما إن يطيب مقام المرء في بلد ... فيه يخاف ملمات من العطب
فاحلل بلاد أناس لا رقيب بها ... فما يطيب لمر عيش مرتقب
وأما فضل الشاعرة: فقد قال أحمد بن أبي طاهر: كنا نجتمع معها كثيرا. فجلسنا يوما، أنا وهي وسعيد بن حميد الكاتب، فكتب إليها سعيد:
علم الجمال تركتني ... بهواك أشهر من علم
فجابته:
وتركتني يا سيدي ... غرض العواذل والتهم
صلة المحب حبيبه ... الله يعلمها كرم
وكتبت إلى سعيد بن حميد، وقد رأته يكثر العبث بقينة:
يا حسن الوجه، سيء الأدب ... شبت، وأنت االغلام في اللعب
ويحك إن القيان كالشرك الل ... منصوب بين الغرور والعطب
بينا تشكى إليك، إذ خرجت ... بعد التشكي منها إلى الطلب
لا يتصدين للفقير، ولا ... يطلبن إلا معادن الذهب
تلحظ هذا وذا، وذاك وذا ... لحظ محب، ولحظ مكتسب
وكتبت إلى آخر كانت توده:
يا من تزينت العلوم بفضله ... وعلا، ففات مراتب الأدباء
ما هكذا يجفو الأديب أديبة ... حلت، وحل مراتب العلماء
صرف الإله عن المودة بيننا ... وعن الإخاء شماتة الأعداء
وقالت فضل: استدعاني يوما أميير المؤمنين المتوكل، فلما دخلت عليه قال: إن بعض الجواري قالت بيتا فما يجيزه سواك. فقلت: ما هو؟ فقال:
أقام الإمام منار الهدى ... وأخرس ناقوس عموريه
فقلت:
فأضحى به الدين مستبشرا ... وأضحت زناد التقى موريه
وأما خنساء: فكانت جارية للفضل بن يحيى بن خالد. قال أبو عمرو: كتبت إلى خنساء:
خنساء، يا خنساء حتى متى ... يرفع ذو الحب، وينحط
وكيف منجاتي، وبحر الهوى ... قد حف بي، ليس له شط
قكتبت:
يدركك الوصل فتنجو به ... أو يقع الهجر فتنغط
وأما ملك: فكانت جارية لأم جعفر. وروى أبو زيد مر بن شبة، قل: كتب بعض الشعراء إلى ملك، وكان يهوها:
يا ملك قد صرت إلى خطة ... رضيت فيها منك بالضيم
يلومني الناس على حبكم ... والناس أولى منك باللوم
أشكو إليك الشوق يا منيتي ... والموت من نفسي على سوم
فكتبت إليه:
إن كانت الغلمة هاجت فقم ... وعالج الغلمة بالصوم
ليس بك الشوق، ولكنما ... تدور من هذا على كوم
وأما صرف: فكانت مملوكة لابن عمرو، وكانت شاعرة مصافية لعبد الصمد بن المعذل. قال أبو زيد: كتب إليها عبد الصمد يوما:
حبوت صرفا بهوى صرف ... لأنها في غاية الظرف
يا صرف ما تقضين في عاشق ... بكاؤه يبدي الذي يخفي
فكتبت له:
لبيك من داع، أبا قاسم ... يا غاية الآداب واللطف
صرف التي أصفتك محض الهوى ... يقصر عن حبكم وصفي
وأما خشف: فكانت جارية للعباس بن الفضل. وهي القائلة في رجل كانت تهواه:
لو كنت رزقي ما أردت زيادة ... ولقلت: أحسن رازقي وأصابا
وأما علم: فكانت جارية لأحمد بن يزداد. ومن شعرها، وروى عنها المبرد، قولها:
شكى صاحبي أتعابه العيس في السرى ... فلم يلف في الشكوى علي معولا

(1/61)


وأتعب عندي من مطايا بقفرة ... وبعدها منها شقة وترحلا
حشا يمتطيها الشوق في كل ساعة ... تقربها البلوى إلى الحتف منزلا
وأما مدام: فكانت جارية، وكانت للعباس بن الفضل مواصلة. فكتب إليها:
كوني بخير، وإن أصبحت في شغل ... القلب قلبك أعيت دونه حيلي
لو كنت أحسن هجرا ما هجرتكم ... أو كنت أعرف غير الوصل لم أمل
أقررت بالذنب، خوفا من عقابك لي ... وقلت: ما الذنب إلا لي، ومن عملي
لما لحظت سوائي لحظ مكتتم ... علمت أنك قد وفيتني أجلي
كتبت، والدمع في القرطاس منحدر ... وإن شككت تبينيه في البلل
فأجابته:
كم قد تعللت بالتسويف والأمل ... وكم تجرعت من لوم، ومن عذل
وكم رجوت، إذا ما الدهر باعدني ... بأن أدال على قلبي، فلم أدل
لم يكف أن حزت نومي عن مسالكه ... فليس يطرق في ريث، ولا عجل
إن كنت خنتك في عهدي مختالة ... أو عمد عين، أو استبدلت من بدل
فلا رأيتك يوما إذا ... عني بغير، ولا من أملي
أمسى كتابك مبلولا، وقد درست ... منه السطور، ورسم الدمع لم يزل
إذا بي، أو خنت خالصتي ... أو غبت عني، فذا أقصى عقابك لي
وكتب إليها أيضا:
تبرمت بعذالي ... وبث القيل والقال
فما يخطر من بعد ... ك في الحب على بالي
فكفي من تجنيك ... الذي هيج بلبالي
وعودي كالذي كنت ... لنا في الزمن الخالي
وإلا كان شكوانا ... إلى الشاه بن ميكال
فكتبت إليه:
بنفسي أنت من قال ... وبالأهل، وبالمال
إذا ما كنت أرعى ل ... ك حبيك، وترعى لي
ولم تسأل من واش ... فما الشكوى إلى الوالي
وأما ريا: فكانت جارية لابن القراطيسي، وكانت شاعرة. أنشد السيد بن أنس التليدي:
وإذا ترعرع من تليد ناشئ ... جعل الحسام ضجيعه في المسهد
فكتبت:
قوم لهم شرف وعز تالد ... يفنى الزمان وعزهم لم ينفد
الله خص قديمهم وحديثهم ... دون البرية بالعلى والسؤدد
أضحى يقرهم بكل فضيلة ... من كان يجحدهم، ومن لم يجحد
وتمام فخرهم إذا ما فاخروا ... يوم التناصل بالنجيب السيد
وأما مخنثة: فكانت جارية لزهير. وقال ابن أبي خلصة: بعث يوما زهير إلى أبي نواس فأحضره، وعرض عليه مخنثة، وكانت من أطرف الناس. فلما رآها قال:
للحسن فيه صنيع ... له القلوب تريع
فما إليه سبيل ... ولا إليه شفيع
فقالت في وقتها:
أبو نواس خليع ... له الكلام البديع
وواحد الناس طرا ... له أقر الجميع
وقالت ترثي ابن مولاها، وقتل ببغداد مع الأمين:
أسأل ناعيه، والذي شهد ال ... ليث عليه الكلاب تقتتل
تنهش شلوا، أعزز علي به ... يسحب طورا والمتن منخذل
أأنت أبصرته يلاب به ... في أرض بغداد أيها الرجل
إن كنت أبصرته كذاك فما ... ينجو شديد القوى، ولا فشل
فلو تراه عليه شكته ... والموت دان، والحرب تشتعل
لخلت أن القضاء في يده ... أو المنايا في كفه رسل
كأنه آمن منيته ... في الروع لما تشاجر الأسل
فانظر، بالله، أيها المتصفح هذا الكتاب ما أحسن هذه المعاني العجيبة، والألفاظ المرققة العذاب! فما الذي أبقت هذه المرأة العبدة للرجال الأحرار؟.
وأما سكن: فكانت جارية لمحمود بن الحسن الوراق الشاعر. وكانت شاعرة مجيدة، حسنة النظر في العلوم. وهي القائلة تمدح أبا عدنان دلف بن أبي دلف:
أهدت لقلبك غصة التلف ... ودعت إليك دواعي الأسف
عادات مقلتها إذا نظرت ... رشق القلوب بأسهم الشغف
كم من أسير هوى لمقلتها ... بادي الصبابة، ظاهر الكلف
وقف على الأسقام مهجته ... سمح المقادة، غير منتصف
إن المكارم بعد قاسمها ... ألقت أعنتها إلى دلف

(1/62)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية