صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : فتاوى ابن الصلاح
اسم الكتاب / فتاوى ابن الصلاح
المؤلف / الإمام العلامة / عثمان بن
عبد الرحمن المعروف بابن الصلاح /
المتوفى ـ 643 هـ
عدد الأجزاء / 2

وجميع صالحيهم والمتكلمون من أصحابنا لا يقدحون في هذه الطريقة وإن كان الخوض شغلهم وفيهم فهم يرون جواز الخوض من غير قدح في هذا بل يرونه أولى لمن سلم له وأسلم للعامة ولأكثر الناس وهذا الإمام الغزالي
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:116
رحمه الله قد صنف في تقرير مثل هذا الجواب الذي أجاب شيخنا كتابا هو آخر تصانيفه سماه إلجام العوام عن علم الكلام بين فيه بالأدلة الساطعة كل ما في جواب شيخنا وذكر أنه لا خلاف بين السلف في أن ذلك هو الجواب على كل العوام ولولا أن هذا الكتاب موجود مشهور لنقلت منه بسط ما أشار إليه شيخنا في جوابه من الدليل على صحته لكنا عرضنا من بيان بطلان ما قاله هذا المعترض لا يتوقف على التطويل بل ينقل ذلك إلى ها هنا إرشاد من أراده إلى موضعه وأشار إمام الحرمين على نظام الملك فيما صنفه له بإلزام العامة بسلوك السبيل واستفتى الإمام الغزالي مثل هذا الاستفتاء فأجاب بجواب موجود منقول قرر فيه مثل ما أجاب شيخنا بكلام من جملته وأما الكلام في أن كلامه حرف وصوت أو ليس كذلك فهو بدعة لأن السلف لم يخوضوا في هذا ولم يزيدوا علي قولهم القرآن كلام الله غير مخلوق فالسكوت عما يسكت عنه السلف تقصير والخوض فيما لم يخوضوا فيه فضول قال وكل من يدعوا العوام إلى الخوض في هذا فليس من أئمة الدين وإنما هو من المضلين ومثاله من يدعوا الصبيان الذين لا يعرفوا السباحة إلى خوض البحر ومن يدعوا الزمن المقعد إلى السفر في البراري من غير مركوب وقال في رسالته إلى الزاهد الفقيه أحمد بن سلامه الدممي رحمهما الله في كلام أجراه في هذا المعنى الصواب للخلق كلهم الآن الشاذ النادر الذي لا تسمح الأعصار إلا بواحد منهم أو اثنين سلوك مسلك السلف في الإيمان المرسل والتصديق المجمل بكل ما أنزله الله تعالى وأخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غير بحث وتفتيش والاشتغال بالتقوى ففيه شغل شاغل هذا كلامه بعينه ثم إن في سؤال أصحاب

(1/70)


الاستفتاء المذكور مزيد اقتضاء لذلك إذا فيه سؤالهم عما كان عليه الخلفاء الراشدون والتابعون وما أجابه به شيخنا هو الذي يطابق هذا لأن الخوض والتفصيل الكلامي وفي الاستفتاء أيضا الشك به مما وقع بينهم من الشر والتكفير بسبب تنازعهم في ذلك وسألوا أن يجتهد لهم في تعطيل هذه الفتن فهل يليق بهذا المراد ويقرب من حصول هذا المرتاد ما أجابهم به شيخنا أو التفصيل الذي إذا ورد على هؤلاء من قبل فقهائهم ورد ضده على أولئك الآخرين من قبل فقهائهم فتمسك
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:117
كل فريق منهم بقول فقهائهم ولا يتعدونه على ما تقدمت تجربته في حق أصحاب هذه الفتيا خصوصا وفي حق غيرهم من العامة عموما فيتنازعون ويتجادلون مع عامتهم وجهالهم فيزداد الضال منهم ضلالا ويشارف المهتدي منهم بخوضه بلا ألة زيغا وغواية ويتفاقم ما سيل إطغاؤه من ثائرة الفتن التي أثار ما بينهم التنازع ولا يبرح من ساحتهم ما شكوه من التباغض والتقاطع وأما شنع به هذا الرجل على شيخنا من أنه في جوابه في طعن على من خاض من العلماء في ذلك ومن صنف فيه فهذا التشنيع يلحق للإمام الغزالي لا له فإنه سوى في كتابه إلجام العوام وفي غيره بين طوائف العوام وطوائف العلماء في المنع من الخوض ولم يكون ذلك إلا لكبار الصالحين والأولياء العارفين بالله تعالى وأما جواب شيخنا فهو مخصوص بالعوام وأصحاب الواقعة وهم أقوام فلاحون وقد بين هذا الخصوص بقوله أولا لقد حرم هؤلاء ثم بقوله ثانيا يمنع هؤلاء القوم وأشباههم عن الحيد عن هذا السبيل وحسبنا الله ونعم الوكيل وهو أعلم

(1/71)


فصل ومن عجائب هذا الرجل أنه بعث إلى شيخنا فتوتين له زعم أنه أخطأ فيهما وقد حكى في الورقة صورة الإستفتاء والفتوى ثم أملى تحت ذلك الأخذ عليه فوجده شيخنا من الفضائح ومما لا ينبغي أن يجاب عنه بغير السكوت والإعراض لكن تجاوز وأملى جوابا بليغا موجزا آرسله إليه وإن أورده ها هنا بمعناه ومقاصده بعبارة واضحة لا يتمشى له معها ما تعاطاه في ذلك مما سأحكيه بعد الجواب إن شاء الله تعالى الكريم وهذه حكاية صورة ذلك في رقعة استفتاء ما يقول السادة الفقهاء في رجل تزوج بإمرأة بكر عاقلة بالغة وله معه دون السنة ولم يطأها وإن أهلها طلبوا أن يطلقوها منه لذلك والرجل لم يشته أن يطلقها فهل يصح لأهلها أن يطلقوها منه بغير اختياره بناء على كرنه عنينا أم لا
الجواب إنه ليس ذلك لأهلها استقلالا وإنما ذلك إليها إذا ثبت كونه عنينا بإقراره أو يمينها بعد نكوله وألفين أن يكون في عضوه مرض دائم قد أسقط قوته وانتشاره ثم لا يثبت لها الفسخ بعد ثبوت التعنين حتى يضرب له الحاكم أجل سنة فإذا مضت السنة ولم يطأها فلها الفسخ بحكم الحاكم والله أعلم
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:118

(1/72)


الأخذ من شرط دوام المرض من العلماء ومن شرط سقوط القوة والإنتشار مع أنه قد يعن عن امرأة دون أخرى وهل لا فصل إذا مضت السنة ولم يطأ بين أن يكون امتناعه من الوطئ العائق غير العجز من سفر أو مرض لا يتأتى معه الوقاع أو حبس أو غير ذلك من الأعذار وبين أن يكون لعجزه عن الوطئ هذا ما أملاه في رقعته على جهته فنقول أما قوله من شرط دوام المرض من العلماء فانظروا إلى ما ابتلي به شيخنا منه أنكر أن يكون أحد من العلماء شرط ذلك وكل علمائنا مع غيرهم شرطوا ذلك في ذلك وجميع المختصرات في المذهب فضلا عن المبسوطات ناطقة بذلك فإن كلهم قد اشترط في مرض التعنين حصول اليأس من زواله ولم يضربوا أجل سنة بعد إقراره بالعجز والتعنين إلا لتبين اليأس والاستثبات فيه وهذه تصانيف الناس الوسيط فما فوقه وما دونه ينادي كلها بذلك وإذا كان ميئوسا من زواله فهذا هو المعنى بكونه مرضا دائما في كلام الناس وعرفهم لهذا وصف في الوسيط وغيره مرض الإستحاضة وغيره من الأمراض التي يوئس من زوالها بكونها أمراضا دائمة وهكذا إلا فيما أنكره من اشتراطهم سقوط قوة العضو وانتشاره بل إنكاره لهذا أنكروا طم أزلا عنين عند الناس أجمعين إلا من سقطت قوة عضوه وانتشاره بالنسبة إلى من أعن عنها وهذا أمر محسوس في العنين ومن لم يوجد ذلك فيه فليس عنينا بلا خلاف بينهم ولا إشكال وفي الوسيط معين العنة سقوط القوة الناشرة للألة والأمر أوضح من أن يحتاج إلى الاحتجاج بالوسيط فإنه من الشائع الذائع بين المتعلمين فضلا عن العلماء فمن قال التعنين مثبتا كعلمائنا ومن وافقهم لم يثبت ذلك إلا إذا كان بهذه المثابة ومن خالف وقال العنة لا تثبت الخيار فلا يعني بالعنة أيضا إلا ذلك وإلا لم يتوارد النزاع على محل واحد فصار ذلك إذا قول الجميع وأما شبهته واحتجاجه بأنه قد يعن عن امرأة دون أخرى فنقول إنما شرحنا وشرح العلماء العنة حيث وجدت وفي حق من تعلقت به لا حيث لم يوجد تعلقها فإن

(1/73)


كان ما شرحناها به متحققا بالنسبة إلى المرأة التي أعن عنها كما شهد به الحسن واقتضاه البيان الواضح الذي قدمناه فتقول أصحابنا قد لا يعن عن امرأة أخرى لا يدعوا من له أقل فهم إلى إنكار هذا المحسوس المقطوع
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:119
بوجوده بالإضافة إلى من أعن عنها بل ينتظر فإن استقام له كون العنة أمرا إضافيا يوجد بالنسبة إلى امرأة وينتفي بالنسبة إلى أخرى كما علم مثله في الأمور الإضافية اعترف بذلك وقاله وإن لم يستقم له ذلك فينكر احتمال انتفاء ذلك بالنسبة إلى امرأة أخرى ونقول إذا عن عن امرأة أعن فقد أعن عن غيرها لا أن تكابر المحسوس وينكر وجود المرض الميؤس منه المسقط لقوة الانتشار في حق المرأة التي علم تعنينه عنها ولهذا كان المعهود في مباحث الفقهاء والمتفقهة إذا انتهوا إلى هذا الباب أن يورد أحدهم ما شرحنا به العنة من سقوط القوة والانتشار وحصول اليأس من زواله على قول المصنف أو المدرس قد لا يعن عن امرأة أخرى ويجعله إشكالا عليه ولا يجسر أحد منهم يغفل منهم على أن يعكس هذا كما فعله هذا الرجل فيجعل كونه لا يعن عن امرأة أخرى أصلا وتورده على ما لا ريب فيه في معنى العنة من سقوط القوة وحصول اليأس من عودها وبعدها فبيان أنه لا تنافي بين الأمرين سهل على الفقيه وذلك أن العنة عجز نسبي إضافي إذ يقوي ميله إلى امرأة بعينها بحيث يثور من فرط اشتهائه لها ما يكون ناشرا لعضوه جالبا لحرارة تقطع معارضة غالبه لما حل فيه من المعارض المسقط لقوة انتشاره الذي ليس ينقل عنه بالنسبة إلى غير تلك المرأة فمن لا تميل إليها ذلك الميل ولا يعظمه تأثير شهوته لها وهذا بين غير خاف وأما ما أخذه على قول شيخنا إذا مضت السنة ولم يطأ فلها الفسخ حيث أطلق ولم يفصل بين أن يكون امتناع وطئه لعجز التعنين أو لعائق آخر من سفر أو غيره فالشيخ الإمام من أخذه هذا أخذ على أئمة الناس قديما وحديثا في الفتوى وغير الفتوى إذا هكذا أفتى إمام

(1/74)


الهدى الذي جعل العلماء فتياه أصلا في هذا الباب وهو عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنه قال فيما روى الشافعي بإسناده عنه يؤجل العنين سنة فإن جامع ولا فرق بينهما وهكذا قال صاحب المذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه وتكرر ذلك في مواضع من كلامه من جملها قوله فإن أصابها مرة فهي امرأته وإن لم يصبها خيرها السلطان وهكذا قال من لا نحصيه من علماء الناس منهم إمام الحرمين قاله في غير موضع وكذا قال والده الشيخ أبو محمد الجويني وهكذا الشيخ أبو إسحاق الشيرازي لم يزد في مهذبه مع بيانه على أن
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:120
قال وإن لم يجامعها حتى انقضاء الأجل وطالبت بالفرقة ففرق الحاكم بينهما فهذا الذي أوردته كاف من حيث الإجمال ثم أتبرع بتفصيل السبب الذي لأجله ترك شيخنا ومن قبله من العلماء التفصيل الذي ألزم به هذا الرجل وكما ذكر ذلك منه على ذهابه عن كلام العلماء فكذلك دل على ذهابه عن إدراك مواضع الألفاظ وذلك أنه ليس في الكلام المذكور إطلاق حتي يقال هلا فصلت وقيدت بل فيه ما يقيده بما وقع فيه الكلام من مانع التعنين فإنه جرى فيه ذكر امتناع الوطئ عقيب ذكر مانع التعنين فيسبق إلى فهم الخاصي والعامي أن امتناعه كان من أجله لا لمانع آخر لم يجز ذكره فيكون ترتيب الفسخ على ذلك صحيحا إلا أنه إذا قال القائل عثر فلان عن زوجته ولت يطأها حتي فارقها وهي بكر بعد فإن الخاص والعام يفهمون منه حواله عدم وطئه ما ذكر من التعنين دون غيره من الموانع والحمد الله وحده
المسألة الثانية نقلا لما كان في رقعته على وجهه استفتاء ما تقول الفقهاء في رجل عنده قماش يكريه لجنائز الأموات وغيره مثل ثياب بيض وخضر وأقبية وشرابيش أطلس حمر وخضر وثياب مذهبة فهل يجوز له إكراؤها بطريق الحلال أم لا
الجواب لا يجوز له ذلك في الأطلس والحرير وكل ما المقصود منه الزينة ولا بأس به فيما المقصود به سترة الميت وصيانته والله أعلم

(1/75)


الأخذ هذا الإطلاق لا يصح لأن النساء يجوز أن يكفن في الحرير وإن كان الأولى أن لا يفعل وإذا كان تكفينهن فيه غير محرم فلم لا يجوز إجارته وإذا كان تكفينهن في الحرير لا يحرم مع أن الكفن يصير إلي الثوي والعفن فلم لا يجوز سترهن بما لا يكون عاقبته إلى ذلك وأما قوله وكل ما المقصود منه الزينة فمن ذهب من العلماء إلى تحريم التكفين فيه كالرفيع من الكتان والقطن والصوف والمرتفعات الموشية بغير الحرير هذا أخذه الذي أملاه على جهته وشنع مع ذلك وأشاع عن شيخنا أنه ارتكب بذلك إحدى عظيمات الخطأ وهذا من المنكرات
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:121

(1/76)


الشائعة التي سعى أستاذنا في إبطالها وتقليلها فأبى الشيخ المذكور إلا السعي في إبقائها أو تكثيرها فإن هذا الذي اعتاده أهل هذه البلدة من تزيين الجنائز وإجارة ثياب الزينة لذلك من البدع السخيفة والمنكرات الفاحشة التي يبادر إلى إنكارها قلوب المؤمنين وذلك أن لمورد الموت الهادم للذات الفاضح للدنيا حتى لم يدع لها قدرا من القول ما يكبر عن الوصف والمجهز متردد بين أمرين عظيمين يسار به لا يدري إلى روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار فهل يليق بهذه الحالة سوى الخضوع والانكسار وهل تكون الزينة فيها والتزي فيها بذي أهل السرور والفرح إلا من أعظم الحمق وأبلغ السرف والسخف فنقول ما أفتى به شيخنا في ذلك هو الصواب والحق الذي تشهد به أصول الشريعة ثم أصل مذهبه الذي يفتي عليه أما قول هذا الرجل إن هذا الإطلاق لا يصح لأن ذلك جائز في النساء بدليل جواز تكفينهن في الحرير فيجوز إجارته لذلك فقد أخطأ فيه واحتج بغير مسلم له لأن تكفينهن في الحرير حرام أيضا على وجه لنا صحيح مذكور في زوائد المهذب تأليف صاحب البيان قال لأنه لا زينة بعد الموت ومن قال تكفينهن في الحرير غير حرام فتخريج هذا الرجل ما نحن فيه من تزيين جنائزهن من ذلك تخريج باطل لأن تكفينهن فيه من قبيل لبسهن له وتزيين جنائزهن به من قبيل تنجيد بيوتهن وتزيينها بتعليق الديباج وقد حكى الشيخ أبو محمد الجويني في التبصرة من غير خلاف أن ذلك غير مباح وأنه يستوي فيه الرجال والنساء قال لأن ذلك يقصد به المراياة والمكاثرة أو نقول هو من قبيل افتراشهن للحرير هو حرام على ما قطع به الشيخ أبو محمد الجويني وصاحب التهذيب وغيرهما وهو الوجه الصحيح فيه لأنهن استثنين في لبس الحرير على الرجال لما فيه من تحسينهن لأزواجهن وتزينهن في أعينهم مما لا يحصل لهن فيه ذلك من ذلك فهن والرجال فيه سواء وموجب تحريمه يجمع الفريقين وهذا كما أنهن استثنين في جواز التحلي بالذهب والفضة سوى

(1/77)


بينهن وبين الرجال في تحريمه وهذا واضح ثم نقول من جواز افتراشهن للحرير في حال الحياة فلا يلزم من تجويزه ذلك تجويز تزيين جنائزهن به ليكون هذا واقعا في حالة الموت الهادم للذات المنافية للتصنع والتزيين وذلك واقع في حال
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:122
الحياة وفي مظنة الزينة والنظر إلى المظنة معهود فإن قلت فكيف جوز تكفينهن في الحرير بعض أصحابنا وهو في حالة الموت قلنا لا جرم كان ضعيفا بما قدمنا ذكره ومع ذلك فلا يتخرج منه وجه في جواز تزيين جنائزهن بالحرير فضلا عن أن يقطع من أجله بخطأ من أفتى بالمنع من تزيين جنائزهن به وشنع عليه كما فعله هذا المؤذي وهذا لأن قول القائل يجوز تكفينهن فيه لا يعطى أكثر من أنه يجوز استعماله لما يقصد بالتكفين من سره الميت وإكرامه بذلك ليس فيه أنه يجوز ذلك مقصودا به الزينة والتجمل وكلامنا فيما نحن فيه إنما هو في التزيين بذلك وهكذا ما نقله من فتوى شيخنا إنما هو في المنع من التزيين وما المقصود منه الزينة والإجارة لذلك فإنما يصح استدلاله بفضل الكفران لو قال أحد بجواز تكفينهن في الحرير مقصودا به الزينة وهذا لم يوجد عن أحد من أصحابنا ولا عن أحد من العلماء قاطبة فقد بطل إذا تخريجه من الكفن على كل وجه وأما تعميم شيخنا المنع في تزيين الجنائز بغير الحرير حيث قال وكلما المقصود منه الزينة فمن أصول ذلك وشواهده تزيين القبر فما أشبه تزيين النعش بتزيين القبر وقد صح نهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن تجصيص القبور وعلله الإمام الشافعي رضي الله عنه بأن ذلك يشبه الزينة والخيلاء وليس الموت موضع واحد منهما وقال في موضع آخر نهى فيه عن بعض ما يراد به تزيين الميت الميت لا يزين ونظير فتوى شيخنا يبقى الجواز في ذلك على العموم في غير الحرير من فتاوي أئمة مذهبنا فتوى قاضي القضاة ببغداد أبي بكر الشامي وهو أحد الأئمة في طبقة الشيخ أبي أسحاق فإنه سئل عن تستير جدر المسجد بالحرير

(1/78)


فأجاب لا يجوز أن تعلق على حيطان ستور من حرير ولا من غيره ولا يصح وقفها عليه وهي باقية على ملك الوقف ثم اعتذر عن تستير الكعبة زادها الله شرفا فإنما لا يخفى أفتي بذلك في دار العلم والعلماء وما فاتهم إلا جهبذنا هذا حتى ينتقد عليه ويكون ذلك الإمام بذلك منه أولى من شيخنا فإن نفي الجواز فيما ذكره شيخنا أوضح بدرجات وفيما أوردته إيضاح لبعضها قال في أخذه على هذا أما
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:123
قوله وكلما المقصود منه الزينة فمن ذهب من العلماء الى تحريم التكفين في الرفيع من الكتان والقطن فانظروا هذا المنتقد ما كان أغناه عن الانتقاد إنما قال شيخنا لا يجوز التزيين والإجارة له فجعله قائلا أنه يحرم وأخذ يتكلم على التحريم ومعلوم من أصول الفقه وبين فقهاء هذه الأقطار أنه لا يلزم في نفي الجواز حصول التحريم وإن انتفاء الجواز قد يكون بالكراهة فالمكروه عندهم غير جائز ولا يقال إنه حرام وإنما الجواز تسوية الشرع بين الفعل والترك ومن أراد ذلك من المستصفي فهو فيه

(1/79)


مسألة إذا فسخ الوجوب هل يبقى الجواز وخلاف أهل بخار ألا يذكر في هذا المقام الذي هذا الرجل فيه مخطىء أحد فإن قال فالمفتي لا يقول في المكروه لا يجوز فإنه قلنا لو سلمنا لك أن النهي عن تزيين الجنائز على فحشه وسخفه نهي كراهة يحن بالمفتي أن يقول فيه لا يجوز فإنه من حيث الحقيقة حق على ما قدمناه وهو أبلغ في أن لا يفعله السائل ولهذا كان الشارع - صلى الله عليه وسلم - ثم الفقهاء الشيخ أبو إسحاق ومن لا يحصى منهم يطلقون لفظ النهي في المنهى عنه على سبيل الكراهة والتنزية مع أن ظاهر النهي التحريم وقد سبقت حكايتنا قول قاضي القضاة الشامي من تستير جدر المسجد بغير الحرير وقول إنه لا يجوز فلهذا اسوة بذلك سواء كان ذلك على وجه التحريم أو على وجه الكراهة هذا مضى ثم إنه يعجز فيه فقراء إلى التكفين الذي لا ذكر له في الفتوى وأخذ مسلما أنه إذا قال لا يجوز التزيين فقد قال لا يجوز التكفين وهذا سوء فهم لما تقدم بيانه من أن قول القائل يجوز التكفين فيه ليس فيه أكثر من تجويز استعماله لما يراد بالكفن من سترة الميت وصيانته وكرامته وليس فيه أنه يجوز استعماله في ذلك مقصودا به التزيين وهذا قد سبق وبعد هذا فالتكفين في الرفيع الغالي من القطن والكتان وأشباههما قد نهى علماؤنا عنه محتجين به بالحديث المشهور لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سلبا سريعا إلى لا تكفنوا في الغالي ونسأل الله رضاه وحسبنا الله ونعم الوكيل
فهذا والحمد لله جواب عن أخذه في المسألتين واضح وضوحا يلجمه عما تعاطاه فيما كان اختصره شيخنا عن هذا أو أملاه في جواب رقعته وذلك أنه كان قد جامله في الخطاب ولم يبح بما في أخذه من الفضائح ولا وصفه بما يستحقه من
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:124

(1/80)


الصفات المذمومة وأشار في بعضه إلى موضوع الحجة بعبارة مختصرة بليغة ظنا من أن ذلك يكفيه ويكفه فيستحي ويرعوي من غير حاجة إلى ما بان أنه أولى به من الكشف فجازاه على هذا بأن جمع له في الجامع لفيفا وتصدر بينهم وأخذ يجيب عن الجواب ويطعن ويعترض وما بينه وبين من يعترض عليه إلا خطوات فهلا شافهه بذلك أو كتبه إليه كما كتب أصل الأخذ فكانت اعتراضاته على ذلك من جنس كان الشيخ أبو إسحاق رحمه الله ينشد فيه سارت مشرقة وسرت مغربا شتان بين مشرق ومغرب ومن جنس ما حكاه لنا شيخنا عن بعض مشايخ الكرامية وهم مشبهة خراسان أنه اعترض واحد على النحويين في قولهم المبتدأ مرفوع وقال هذا باطل بقوله تبارك وتعالى 2 والشمس وضحاها 2 فإنه ابتدأ بالشمس وهي مكسورة وأنا أقتصر على حكاية غير ما اعترض به مع أنها عين عمياء كان شيخنا في معرض حكايته عن العلماء ووصفهم لمرض التعنين بالدوام قد حكى عن الشيخ أبي إسحاق ذلك وانه وصفه بكونه خلقه فاعترض على هذا وأخذ في الأوصاف الخلقية تنقسم إلى ما تدوم وإلى مالا يدوم

(1/81)


يا هذا قد حكي لك ذلك عن الشيخ أبي إسحاق وحكي طرق كلامه فكيف صبرت على الاعتراض قبل أن تنظر في كلامه الميسر لمن أراده وتنصر هل للأمر على ما حكاه وهذا كلام الشيخ في مهذبه قال فإذا اختلفت المرأة أي على التعنين واعترف الزوج أجله الحاكم سنة لأن العجز عن الوطىء قد يكون بالتعنين وقد يكون العارض من حرارة أو برودة أو رطوبة أو يبوسة فإذا مضت عليه الفصول الأربعة واختلفت عليه الأهوية ولم يزل علم أنه خلقة فانظروا كيف يتهيأ أن يكون كلمة الخلقة ها هنا من قبيل ما يقبل التقسيم الذي أورده هذا الرجل وهل يمكن أن يكون المراد بها إلا معناها العرفي الذي شأنه الدوام أو اللزوم فإنهم يقولون فيما كان من الاوصاف لازما لبنية الإنسان لا ينفك عنها هذا خلقة وخلقي وجبلة وطبع وطبعي أما معنى الخلقة في أصل الوضع الذي يقبل ما أورده الانقسام فأي معنى له ها هنا واعترض على استشهاد شيخنا بقول القائل عن فلان عن زوجته فلم يطأها وقال إنما فهم ذلك من حرف الفاء لا من كونه مذكورا عقيبه وهذا خبط منه فإنه لو لم
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:125

(1/82)


يكن بحرف الفاء لكان الفهم حاصلا فإنه لو قال عن فلان عن زوجته ولم يطأها حتى فارقها بكرا لفهم العام والخاص حواله ذلك على ما تقدم من ذكر التعنين وإن لم يكن بحرف الفاء وكذا ليس حرف الفاء موجودا في شواهد ذلك مما حكيناه منها عن من سميناه من الأئمة وما لم نحك ولعله اشتبه عليه هذا بباب زنا ماعز فرجم والبابان مفترقان فإن ذلك وقع النظر فيه في أصل سببه ما تقدم للمذكور عقيبه وما نحن فيه إنما هو نظر في تعيين السبب بعد معرفة سببية ما ذكر وسببية غيره ثم إني أقول لا يخفى من حيث الإجمال على أحد من الفهماء الفقهاء أن ما تعاطاه من الأخذ الثاني على الجواب عن الأول من جملة العجائب لأن ذلك الجواب كلام فقيه قد ساقه مقررا مدلولا عليه في قضية فقهية مما سبيله الظنون وليس من سبيل القطعيات وما هذا شأنه فلن يورد عليه أبدا ما يكون قاطعا لا جواب له بل لا يزال الفقيه يجيب عن ما يورد في مثل ذلك مقاما مقاما مثل ما هو معهود في مباحث الفقهاء ترى المستدل يستدل فيورد المعترض عليه ما إذا سمعه القاصر يقول هذا قاطع مفحم لا جواب عنه حتى إذا شرع المستدل في جوابه يضمحل شيئا فشيئا فمتى عهد في مثل ذلك مثل ما فعله هذا الرجل ونسأل الله الكريم إعزاز العلم وأهله وإذلال الجهل وأهله آمين

(1/83)


فصل وأملى هذا الموصوف على الشيخ صدر الدين بن البكري رفع الله قدره أخذه على فتيا شيخنا في مسائل سبق بعضها وبقي منها رجل كان له طاحونة فأحرقها رجل فجابر أجل الوالي إلى بيت أخت الذي أحرق فاستنزلها من البيت حتى يريهم بيت أخيها ثم إنها طرحت بعد أيام وماتت فالضمان يلزم صاحب الطاحونة أم الراجل فذكر أن جواب شيخنا فيها لا يلزمهما شيء إذا إذا لم يكن قد وجد من واحد منهما ما أوجب الطرح والموت من إفزاع أو غيره وان وجد ذلك وجب الضمان على من وجد ذلك منه ثم قال الأخذ أن الدية إنما تجب في هذا على العاقلة وله زمان يبالغ في الشناعة بهذا ويزعم أنه خطأ فاحش في حكم المسألة وقد تكرر من شيخنا الفتوى في هذه المسألة فإن كان لفظ فتياه في بعضها الذي أنكره غير منكر بل هو معروف عند أهل العلم موجود في كلام الأئمة
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:126
والدليل على صحته ظاهر وكل واحد من هذين الأمرين كاف في حال المشنع
أما دليل صحته فإن الدية في ذلك وفي سائر هذا الباب يجيب على الرأي الصحي على الجاني ثم يتحملها عنه عاقلته وهذا معروف مقرر في كتب المذهب فحصر المعترض وقوله إنما يجيب على العاقلة نافيا لوجوبها على الجانب خطأ في في مقام الأخذ ظاهر ومن قال تجب على من وجدت منه الجناية ولم ينف وجوبها على عاقلته فقد أصاب والمذكور من فتوى شيخنا هو هكذا ليس فيه تعرض لتحمل العاقلة بنفي ولا إثبات

(1/84)


ومثل هذا يحسن إذا اجتمع في الحادثة فعل شخصين أو أكثر وقع النظر والسؤال عن تعيين من يكون فعله منهم هو الموجب للضمان فلا بأس أن يقال في جوابه يجب الضمان على الشخص الفلاني منهم ويقتصر على هذا من غير تعرض لتحمل العاقلة فإن ذلك واف بما سئل عنه من بيان ما تعلق الضمان بفعله وليس عليه أن يبين أن الضمان يستوفى من صاحب الفعل الذي تعلق الضمان به أو يستوفى من عاقلته بتحمله عنه أو ولي ينوب عنه فإن ذلك من تفاصيله التي لم يتوجه نحوها السؤال وما يجري ذكره لا في موضعه لسبب من الأسباب فإن المتكلم يمر به مرا ولا يعرج عن تفصيله واستقصائه فإن الغرض حينئذ غير ذلك فهو واضح لا غبار عليه
ولنا أن الذي أنكره مستعمل موجود في كلام الأئمة فيقتصر فيه على حكاية كلام الشيخ أبي إسحاق رضي الله عنه في المهذب فإنه كاف في إظهار قلة خبرة الرجل وفيه غنية عن التطويل بحكاية كلام غيره
قال رضي الله عنه في مهذبه وإن حفر بئرا في الطريق ووضع آخر حجرا فتعثر رجل بالحجر ووقع في البئر فمات وجب الضمان على واضع الحجر وقال أيضا إن وضع رجل حجرا في الطريق ووضع آخر حديدة بقربه فتعثر رجل بالحجر ووقع على الحديدة فمات وجب الضمان على واضع الحجر فهذا كلام هذا الإمام أضاف وجوب الضمان إلى من وجدت منه الجناية وسكت عن العاقلة مع إنه واجب
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:127
عليها بطريق التحمل مثل ما قاله أستاذنا سواء وزاد الشيخ أبو إسحاق على ذلك فأطلق مثل ذلك في صور لم يجتمع فيها فعل شخصين حتى يجيء فيها ما ذكرناه من المعنى المحسن للسكون عن ذكر العاقلة فقال وإن حفر بئرا في طريق الناس أو وضع حجرا أو طرح فيه ماء أو قشر بطيخ فيهلك به إنسان وجب الضمان عليه لأنه تعدى به فضمن من هلك به فعلى هذا ما شنع به هذا الشخص لا حق بهذا الإمام وزيادة والكل جائز مطعن فيه لما تقدم بيانه وشرحه ولله الحمد

(1/85)


وقد كلم بعض أصحابنا هذا الرجل في شناعته في ذلك وأفهمه ما تقدم ذكره من وجوب الضمان أولا على الجاني فلم يرتدع ولم يخجل وقال فهذا يوهم العامي أن الضمان لا يؤخذ من العاقلة وأين يقع هذا من تقرير ما ادعاه على شيخنا من الخطأ في حكم المسألة ثم أنه قد علم أن الفتوى في هذه الواقعة وأمثالها التي يقع فيها التداعي والتنازع بين خصمين لا يرجع إمضاؤها والعمل بها إلى العوام وإنما ذلك إلى القضاء يحمل إليهم ويسألون العمل بها وهم لا يخفى عليهم تحمل العاقلة عن الجاني المذكور ولا يخشى عليهم التوهم الذي ذكره وحسب المتكلم من مفت أو غيره أن يكون كلامه في نفسه صحيحا وما عليه من توهمات أهل النقص والقصور وما خلا كلام أحد من المفتين والمصنفين وسائر المتكلمين المتقدمين والمتأخرين عن مثل ما زعمه هذا الزاعم من غير أن يلحقهم به عتب وطعن ثم إني أقول هذا من العجائب بينما هو ينسب شيخنا إلى أنه أخطأ في حكم المسألة خطأ فاحشا إذ أرجع أمره إلى استدراك لفظي من جنس المؤاخذات اللفظية التي كان المبتدئون يردونها قبل سنة الستمائة على فتاوي المستدلين في مجالس المناظرات ويستخف بها أهل التحقيق فقدر هذا الرجل قدرها حتى بلغ بها إلى أن جعلها عمدة في تخطئة المفتين وتضليلهم والله حسيبه ومنها قال سئل عن كفلا كفلوا بدين على الروس وكفل كل واحد مما على الآخرين فأدى أحدهم ما عليه وما على الآخرين فهل يرجع عليهم فزعم هذا الرجل أن شيخنا أجاب بأنه يرجع عليهم وخطأه من حيث لم يقيد إذا كان الضمان بإذن المضمون عنه وقد علم الله تعالى أن شيخنا بدأ من الفتوى على الصورة التي زعم وأما تمسكه بخطئه وأنه ليس فيه ذكر القيد
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:128

(1/86)


المذكور فلذلك سبب نحن وغيرنا نعرفه جعله الله تعالى فتنة لذلك المسكين وذلك أن أصحاب الواقعة استفتوا شيخنا ولم يكن في رقعة الإستفتاء قيد الإذن وطلب شيخنا منهم الوقوف على وثيقة الكفالة لينظروا ذلك منها فأحضروا الوثيقة فوجد فيها الإذن فقال أصلحوا الاستفتاء وقال زيدوا فيه ذكر الإذن وقال لصاحبه الفقيه الإمام السيد الجليل كمال الدين إسحاق افعل ذلك وكتب شيخنا له الرجوع والحالة هذه إشارة منه إلى حالة الإذن التي قال له اذكرها فبينها الفقيه كمال الدين إسحاق عن ذكر ذلك وزيادته في صدر الاستفتاء ونحن كنا حاضرين ما جرى على الصورة التي حكيتها ونعلم أيضا أن أصحاب الواقعة وفيهم شاب من بني القواس ويعلم ذلك من كان حاضرا من الفقهاء وهم حاضرون يشهدون بجريان الأمر على ذلك ثم ظاهر الحال شاهد بذلك أيضا فإن هذا الأمر من الواضحات وهو مسطور في التنبيه فضلا عن غيره ويعرفه المبتدئون فضلا عن مثل شيخنا وما هو معروف به من التأني والتثبت في غفلة صدرت منه عن عجلة ونسأل الله التوفيق والعصمة
ومنها امرأة ماتت وخلفت ورثة بعضهم فقراء وأوصت أن تخرج عنها حجة وخلفت خمس مائة درهم فهل تحج عنها أو يصرف إلى الفقراء من ورثتها فزعم أنه في جواب شيخنا إن كانت حجة فرض فهي مقدمة من رأس المال وقال الأخذ أنها غير مقدمة من رأس المال بل يجب التفصيل أنه إن كانت الحجة من الميقات أو من دويرة أهله هذا كلامه الذي أملاه على الشيخ صدر الدين وفقه الله تعالى وكتب بخطه وهو كلام رجل يتصرف في الأحكام من عنده هذه المسألة مسطورة فيما لا نحصيه من كتب الفقه على الوجه الذي ذكر أستاذنا قالوا إذا وصى بحجة الإسلام وأطلق حسب من رأس المال على المذهب أو على الأصح ونحو هذا من العبادات ولم يلتزموا التفصيل الذي يزعم هذا الرجل أنه لازم وما زال الفقهاء يتناطقون بذلك كذلك في هذه المسألة وفيما حكمه في ذلك حكمها من المسائل

(1/87)


وسبب ذلك أن الكلام في ذلك يقع في نفس حكم الحج فيذكر الحكم
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:129
مضافا إلى مسمى الحج وأما التعرض لكونه من الميقات أو من بلده فأمر زائد يفردونه بمسألة أخرى على أنا نقول قول القائل إذا كان حجة الإسلام أو حجة الفرض فهي من رأس المال حتى يتوجه ما ذكره المعترض لأن الحج وغيره إذا ذكر مطلقا فهو محمول في كيفيته على القدر الواجب منه دون ما هو نافلة فيه فإذا قيل يجب عليك الحج والصلاة أو غيرهما فلا يفهم منه سوى ما ذكرناه وإذا كان ذلك كذلك فقولنا حجة الإسلام مقدمة من رأس المال محمول على ما هو من الميقات فهو إذا المفهوم وهو المراد ونسأل الله تعالى بلوغ المراد وليختم عند هذا المنتهى خوفا من محذور التطويل والإملال وقد كان في مسألتين أو مسائل منه غنية
ونسأل الله سبحانه أن لا يحرمنا ثواب الذب عن العلم وأهله وحسبنا الله ونعم الوكيل
قال الشيخ تقي الدين بن الصلاح لم سمى الغزالي بذلك فقال حدثني من أثق به عن الشيخ أي الجرم الماكشي الأديب قال حدثني أبو الثناء محمود القرصي قال حدثنا تاج الاسلام ابن خميس قال قال لي الغزالي رحمه الله الناس يقولون الغزالي ولست الغزالي وإنما أنا منسوب إلى قرية يقال لها غزالة وهي قرية من قرى طوس والحمد لله الكريم وحده
عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه روى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال إن الله عز وجل يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها

(1/88)


رواه أبو داود في سننه ثم ذكر بإسناده عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله وغيره أنه كان في المائة الأولى عمر بن عبد العزيز وفي الثانية الإمام الشافعي رضي الله عنهما قال وعن غير أحمد وكان على رأس المائة الثالثة أبو الحسن الأشعري وقال بعضهم بل هو أبو العباس أحمد بن عمر بن شريح الفقيه وكان على رأس المائة الرابعة ابن الباقلاني القاضي أبو بكر وقيل أبو الطيب سهل بن محمد الصعلوكي وكان على رأس المائة الخامسة أمير المؤمنين المسترشد بالله قال الحافظ بن عساكر رحمه الله وعندي أن الذي كان على رأس الخمس مائة
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:130
الإمام أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي الفقيه لأنه كان عالما فقيها فاضلا أصوليا كاملا مصنفا عاقلا انتشر ذكره بالعلم في الآفاق وبرز على من عاصره بخراسان والشام والعراق

(1/89)


قال رحمه الله وقول من قال على رأس الثلاث مائة أبو الحسن الأشعري أصوب لأن قيامه بنصرة السنة إلى تجديد الدين أقرب فهو الذي انتدب للرد على المعتزلة وسائر أصناف المبتدعة المضللة وحالته في ذلك مشتهرة وكتبه في الرد عليهم مشهورة مشتهرة وقول من قال العاصي بن الباقلاني على رأس الأربع مائة أولى من الثاني لأنه أشهر من أبي الطيب الصعلوكي مكانا وأعلى في رتب العلم شأنا وذكره أكبر من أن ينكر وقدره أظهر من أن يستر وتصانيفه أشهر من أن تشهر وتآليفه أكثر من أن تذكر فأما عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس فكانت وفاته رضي الله عنه لأربع بقين من رجب سنة إحدى ومائة وهو ابن تسع وثلاثين سنة ونصف وقيل توفي يوم الجمعة لخمس بقين من رجب وقبره بدير سمعان وكانت ولايته سنتين وخمسة أشهر وخمسة أيام وأما الشافعي فكانت وفاته في آخر رجب سنة أربع ومائتين وأما الحسن الأشعري فكانت وفاته ببغداد سنة أربع وعشرين وثلاث مائة وقيل سنة عشرين وثلاثة مائة وقيل سنة ثلاثين وقيل سنة نيف وثلاثين وثلثمائة قال وهذا القول الأخير لا أراه صحيحا والأصح سنة أربع وعشرين وأما وفاة ابن الباقلاني فكانت يوم السبت لسبع بقين من ذي القعدة سنة ثلاث وأربع مائة وأما وفاة أبي حامد الغزالي فكانت يوم الاثنين الرابع عشر من جمادي الآخرة سنة خمس وخمس مائة وذكر الحافظ بن عساكر رحمه الله ذلك بأسانيده رضي الله عنهم أجمعين نقل من نسخة صورته كذا نقل من نسخة ذكر كاتبها أنه نقلها من نسخة كتاب تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الأشعري
قال الشيخ الإمام مطلقا ذو الفنون والتحقيق فيها تقي الدين أبو عمر وعثمان عبد الرحمن النصري المعروف بابن الصلاح رحمه الله في إسناد طريقته في
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:131

(1/90)


النفقة أما طريقة الخراسانين فإني تفقهت على أبي رحمه الله وتفقه هوشيا على شيخ المذهب في زمانه أبي القسمة بن البرزي الجزري بجزيرة ابن عمر وتفقه ابن البرزي على الإمام أبي الحسن الكيا الطبري وتفقه الكيا على إمام الحرمين أبي المعالي وتفقه أبو المعالي على والده الشيخ أبي محمد الجويني وتفقه أبو محمد على الإمام أبي بكر القفال المروزي وتفقه القفال على أبي زيد المروزي وتفقه أبو زيد على أبي إسحاق المروزي وتفقه أبو اسحاق على أبي العباس بن سريج وتفقه ابن سريج على أبي القسم الأنماطي وتفقه الأنماطي علي أبي إبراهيم المزني وتفقه المزني على الإمام الشافعي رضي الله عنهم
وأما طريقة العراقيين فإني تفقهت على والدي كما سبق وتفقه هو على الشيخ المعمراني سعد بن أبي عصرون الموصلي وتفقه أبو سعد على القاضي أبي علي الغارقي وتفقه القاضي أبو علي على الشيخ أبي اسحاق الشيرازي وعلى أبي نصر بن الصباغ صاحب الشامل وتفقها على القاضي الإمام أبي الطيب الطبري وتفقه أبو الطيب على أبي الحسن الماسرخسي وتفقه الماسرخسي على أبي اسحاق المروزي وقد تقدم ذكر إسناده بالتفقه والله أعلم
صورة استفتاء جاء إلى الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ تقي الدين أبي عمرو عثمان المعروف بابن الصلاح مصنف هذا الكتاب رحمه الله ما تقول السادة الفقهاء في رجل قيل له هل محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الآن رسول أم لا فقال كان مرسلا ونحن الآن في حكم الرسالة المتقدمة وليس هو في زماننا هذا مرسلا فهذا صواب أم خطأ أفتونا مأجورين مشكورين
أجاب رضي الله عنه هو - صلى الله عليه وسلم - رسول الله الآن ومن حيث أرسل وهو جزاء ولا يتوقف وصفه بذلك على قيام ما به اتصف من الابتداء بهذه الصفة كما في أحوال كثيرة كانت له - صلى الله عليه وسلم - لم يكن له ذلك فيها ثم كان موصوفا بهذه الصفة

(1/91)


والأنبياء أحياء بعد انقلابهم إلى الآخرة من الدنيا فليحذر المرء من أن يطلق لسانه في نفي ذلك عنه الآن - صلى الله عليه وسلم - فإنه من عظيم الخطأ وقد كانت الكرامية شنعت
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:132
بخراسان على الأشعري بمثل هذا فبين أبو محمد الجويني والقشيري وغيرهما براءته من ذلك ثم أشغل المرء قلبه ولسانه بمثل هذا من الفضول المجانب للفضل والورع والله أعلم
وكتب ابن الصلاح ثم
والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد نبي الرحمة وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا مباركا طيبا دائما إلى يوم الدين وحسبنا الله ونعم الوكيل
بلغ مقابلة بحسب الطاقة والإمكان والله أعلم
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:133
فتاوي ومسائل
ابن الصلاح
في التفسير والحديث والأصول والفقه
ومعه
أدب المفتي والمستفتي
حققه وخرج حديثه وعلق عليه
الدكتور عبد المعطي امين قلعجي
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:135
بسم الله الرحمن الرحيم
وهو حسبي وكفى
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين والصلاة والسلام الأكملان أبدا على سيد المرسلين وسائر النبيين وآلهم وصحبهم أجمعين اللهم ألهمنا رشدنا وأعذنا من شرور أنفسنا ومن شر الأشرار وكيد الفجار وارزقنا طهارة الأسرار وموافقة الأبرار وأعذنا من عذاب النار برحمتك يا عزيز يا غفار
هذه الفتاوي التي صدرت من شيخنا سيدنا الإمام العالم العامل مفتي الشام شيخ الإسلام تقي الدين أبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان ابن موسى بن أبي نصر البصري الشهرزوري المعروف بابن الصلاح أثابه الله الجنة وغفر له ولهم وللمسلمين أجمعين آمين اعتنى بجمعها وترتيبها على حسب الإمكان من تلامذته وأصحابه من طلب
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:137

(1/92)


الفائدة ورجاء الأجر والمثوبة الشيخ كمال الدين إسحق بن أحمد بن عثمان عفا الله عنه وعن والده وعن جميع المسلمين آمين وأسأل الله عز وجل أن ينفع بها إنه قريب مجيب وعلى ذلك قدير وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت واليه أنيب
رتبتها على أربعة أقسام
قسم في شرح آيات من كتاب الله تعالى
وقسم في شرح أحاديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما يتعلق بها من الرقائق
وقسم ثالث يطلق بالعقائد والأصول
وقسم رابع في الفقه على ترتيبه
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:138
القسم الأول في شرح آيات من كتاب الله تعالى
1 مسألة في قوله تبارك وتعالى 2 الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت 2 إلى آخر الآية
قال المستفتي يريد تفسيرها على الوجه الصحيح بحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الصحاح أو بما أجمع أهل الحق على صحته وقوله تبارك وتعالى 2 قالوا أضغاث أحلام 2 وما معنى أضغاث أحلام ومن أين يفهم المنام الصالح من المنام الفاسد
وهل يجب على الزوج أن يعلم زوجته فرائض الصلاة وجميع الواجبات التي عليها أم لا وإذا وهب من إنسان شيئا أو تصدق به عليه فهل له أن يشتريه منه أم لا أجاب رضي الله عنه أما قوله تبارك وتعالى 2 الله يتوفى الأنفس 2
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:139
الآية فتفسيره الله يقبض الأنفس حين انقضاء أجلها بموت أجسادها والتي يقبضها أيضا عند نومها فيمسك التي قضى عليها الموت بموت أجسادها فلا يردها إلى أجسادها ويرسل الأخرى التي لم تقبض بموت أجسادها حتى تعود إلى أجسادها إلى أن يأتي أجلها المسمى لموتها 2 إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون 2 لدلالات المتفكرين على عظيم قدرة الله سبحانه وعلى أمر البعث فإن الاستيقاظ بعد النوم شبيه به ودليل عليه

(1/93)


نقل أن في التوراة يا ابن آدم كلما تنام تموت وكلما تستيقظ تبعث فهذا واضح والذي يشكل في ذلك أن النفس المتوفاة في المنام أهي الروح المتوفاة عند الموت أم هي غيرها فإن كانت هي الروح فتوفيها في النوم يكون بمفارقتها الجسد أم لا وقد أعوز الحديث الصحيح والنص الصريح والإجماع أيضا لوقوع الخلاف فيه بين العلماء فمنهم من يرى أن للانسان نفسا تتوفى عند منامه غير النفس التي هي الروح والروح لا تفارق الجسد عند النوم وتلك النفس المتوفاة في النوم هي التي يكون بها التمييز والفهم وأما الروح فيها تكون الحياة ولا تقبض إلا عند الموت ويروى معنى هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:140
ومنهم من ذهب إلى أن النفس التي تتوفى عند النوم هي الروح نفسها واختلف هؤلاء في توفيها فمنهم من يذهب إلى أن معنى وفاة الروح بالنوم قبضها عن التصرفات مع بقائها في الجسد وهذا موافق للأول من وجه ومخالف من وجه وهو قول بعض أهل النظر ومن المعتزلة ومنهم من ذهب الى أن الروح تتوفى عند النوم بقبضها من الجسد ومفارقتها له وهذا الذي نجيب به وهو الأشبه بظاهر الكتاب والسنة
وقد أخبرنا الشيخ أبو الحسن بن أبي الفرج النيسابوري بها قال أنا جدي أبو محمد العباس بن محمد الطوسي عن القاضي أبي سعيد الفرخزاذي عن الإمام أبي اسحق أحمد بن محمد الثعلبي رحمه الله تعالى قال قال المفسرون أن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فتتعارف ما شاء الله فإذا أرادت جميعها الرجوع إلى أجسادها أمسك الله أرواح الأموات عنده وحبسها وأرسل أرواح الأحياء حتى ترجع إلى أجسادها
ولفظ هذا الإمام في هذا الشأن يعطي أن قول أكثر أهل العلم بهذا الفن وعند هذا فيكون الفرق بين القبضتين والوفاتين أن الروح في حالة النوم تفارق الجسد على أنها تعود إليه فلا تخرج خروجا ينقطع به العلاقة بينها وبين الجسد بل يبقى أثرها الذي هو حياة الجسد باقيا فيه فأما في حالة
---

(1/94)


فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:141
الموت فالروح تخرج من الجسد مفارقة له بالكلية فلا تخلف فيه شيئا من أثرها فلذلك تذهب الحياة معها عند الموت دون النوم ثم إن إدراك كيفية ذلك والوقوف على حقيقته متعذر فانه من أمر الروح وقد استأثر بعلمه الجليل تبارك وتعالى فقال سبحانه 2 قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا 2 ) وأما قوله تبارك وتعالى 2 قالوا أضغاث أحلام 2 فإن الأضغاث جمع ضغث وهو الحزمة التي تقبض بالكف من الحشيش ونحوه والأحلام جمع حلم وهي للرؤيا مطلقا وقد تختص بالرؤيا التي تكون من الشيطان ولما روى في حديث الرؤيا من الله والحلم من الشيطان فمعنى الآية أنهم قالوا للملك إن الذي رأيته أحلام مختلطة ولا يصح تأويلها
وقد أفرد بعض أهل التعبير اصطلاحا لأضغاث أحلام فذكر أن من شأنها أنها لا تدل على الأمور المستقبلة وإنما تدل على الأمور الحاضرة والماضية ونجد معها أن يكون الرأي خائفا من شيء أو راجيا لشيء وفي معنى
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:142
الخوف والرجاء والحزن على شيء والسرور بشيء فاذا أنام من اتصف بذلك لذلك رأى في نومه ذلك الشيء بعينه أن يكون خاليا من شيء هو محتاج إليه كالجائع والعطشان يرى في نومه كأنه يأكل ويشرب أو يكون ممتلئا من شيء فيرى كأنه يتجنبه كالممتلىء من الطعام يرى كأنه يقذف وذكر أن هذه الأمور الأربعة مهما سلم الرأي منها فرؤياه لا تكون من أضغاث الأحلام التي لا تعبير لها وهذا الذي ذكره ضابط حسن لو سلم في طرفيه لكن الحصر شديد وما ذكره فعنده من المنامات الفاسدة شاركته في الاندراج في قبيل الأضغاث
وأما سؤاله من أين يفهم المنام الصالح من المنام الفاسد فإن للرؤيا الفاسدة أمارت يستدل بها عليها وما تقدم حكايته في شرح أضغاث الأحلام طرف منها

(1/95)


فمنها أن يرى ما لا يكون كالمحالات وغيرها مما يعلم أنه لا يوجد بأن الله سبحانه وتعالى على صفة مستحيلة عليه أو يرى نبيا يعمل عمل الفراعنة أو يرى قولا لا يحل التفوه به ومن هذا القبيل ما جاء في الحديث الصحيح من أن رجلا قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إني رأيت رأسي قطع وأنا أتبعه الحديث المعروف وهذه هي الرؤيا الشيطانية التي ورد الحديث بأنها تحزين من الشيطان أو تلعب منه بالانسان ومن هذا النوع
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:143
الاحتلام فإنه من الشيطان ولهذا لا تحتلم الأنبياء عليهم السلام
ومن أمارات الرؤيا الفاسدة أن يكون ما رآه في النوم قد رآه في اليقظة وأدركه حسه بعهد قريب قبل نومه وصورته باقية في خياله فيراه بعينها في نومه
ومنها أن يكون ما رآه مناسبا لما هو عليه من تغيير المزاج بأن تغلب عليه الحرارة من الصفراء فيرى في نومه النيران والشمس المحرقة أو يغلب عليه البرودة فيرى الثلوج أو يغلب عليه الرطوبة فيرى الأمطار والمياه أو يغلب عليه اليبوسة والسوادء فيرى الأشياء المظلمة والأهوال فالرؤيا السوداوية فجميع هذه الآنواع فاسدة لا تعبير لها فاذا سلم الانسان في رؤياه من هذه الأمور وغلب على الظن سلامة رؤياه من الفساد ووقعت العناية بتعبيرها واذا انضم الى ذلك كونه من أهل الصدق والصلاح قوي الظن بكونها صادقة صالحة وفي الحديث الثابت عنه - صلى الله عليه وسلم - أصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا
ومن أمارات صدقها من حيث الزمان كونها في الأسحار لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أصدق الرؤيا بالأسحار
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:144
وكونها عند اقتراب الزمان لقوله - صلى الله عليه وسلم - فيما صح عنه إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب

(1/96)


واقتراب الزمان قيل هو اعتداله وقت استواء الليل والنهار ويزعم المعبرون أن أصدق الرؤيا ما كان أيام الربيع وقيل اقتراب الزمان قرب قيام الساعة ومن أمارات صلاحها أن يكون تبشير بالثواب على الطاعة أو تحذير من المعصية ثم إن القطع على الرؤيا بكونها صالحة لا سبيل إليه إنما هو غلبة الظن ونظير ذلك من حال اليقظة الخواطر ومعلوم أن إدراك ما هو حق منها فما هو باطل وعر الطريق أن ظن الأظنان والله أعلم
وأما تعليم الزوجة ما يجب عليها تعلمه من الفرائض فهو واجب عليه وعلى غيره ممن يتمكن من تعليمها فرضا على الكفاية فإذا لم يقم به غيره ولم يقم هو به أثم وأثموا ويتعين عليه الوجوب في تعليمها الواجبات التي يحتاج تعليمها إلى سماع صوتها كالفاتحة وغيرها إذا لم يوجد لها محرم ولا امرأة يتمكن من تعليمها فذلك يخصه الوجود منه ذهابا إلى أن غير المحرم والمرأة لا يجوز لها تعليمها والوجهان فيما إذا أصدقها تعليم سورة ثم طلقها قبل التعليم
وكذلك يتعين عليه فرض تعليمها إذا لم يعلم بحاجتها إلى التعليم غيره والله أعلم
وأما ابتياعه شيئا وهبه أو تصدق به من المهتب والمتصدق عليه فيصح ذلك ولكن يكره في الصدقة ذلك للحديث الصحيح في كتاب مسلم وغيره أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حمل على فرس في سبيل الله
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:145
ثم وجده عند صاحبه وقد أضاعه فاستأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يشتريه منه فقال - صلى الله عليه وسلم - لا تشتريه وإن أعطيته بدرهم فإن مثل العائد في صدقته كمثل الكلب يعود في قيئه
ورواه سفيان بن عيينة وقال لا تشتريه ولا شيئا من نتاجه
وقد نهى الشافعي رضي الله عنه على كراهة ذلك
وأما الهبة فالأمر فيها أهون ومع ذلك فأصل الكراهة في استفادة الموهوب بالشراء ثابت أيضا فيما يظهر لي بأن حديث عمر المذكور دل على كون المشتري عائدا والعود مكروه في الهبة

(1/97)


وروى البخاري في صحيحه عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه والله أعلم
2 مسألة قول الله عز وجل 2 اتقوا الله حق تقاته 2 ما هي الخصال التي إذا فعلها الانسان كان متقيا لله عز وجل حق تقاته وهل نسخت هذه الآية بقول الله عز وجل 2 فاتقوا الله ما استطعتم 2 أم لا
أجاب رضي الله عنه لم تنسخها بل فسرتها وحق تقاته أن يطاع فلا يعصى غير إذا تجنب الكبائر ولم يصر على صغيرة وإذا عمل صغيرة يعقبها بالإستغفار كان من جملة المتقين والله أعلم
3 مسألة قوله عز وجل إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:146
إلى آخر الآية
ما الكبائر وما الصغائر وكم المتفق عليه من الكبائر وما الفرق بين الصغائر والكبائر وهل تحتاج الصغائر إلى توبة أم لا وهل تذهب الصغائر بالصلوات كما جاء في الحديث أم لا بد من ذلك من التوبة وإن احتاجت إلى التوبة فما الفرق بينهما وبين الكبائر وبماذا يعد المصر على الصغيرة مصرا بفعل الصغيرة مرة واحدة أم مرارا أم بالعزم والنيه فإن قلنا بالفعل مرارا فما عدد تلك المرات
أجاب رضي الله عنه قد اختلف الناس في الصغائر والكبائر في وجوه منهم من نفى الفرق من الأصل وجعل الذنوب كلها كبائر وهو مطرح
والذين أثبتوا الفرق وهم جماهير اضطربت أقوالهم في تحديد الكبائر وتعديدها
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:147

(1/98)


وقد قلت في ذلك قولا رجوت أنه صواب وهو أن الكبيرة ذنب كبير وعظم عظما يصح معه أن يطلق عليه اسم الكبير ووصف بكونه عظيما يصح معه أن يطلق عليه اسم الكبير ووصف يكون عظيما على الإطلاق فهذا فاصل لها عن الصغيرة التي وان كانت كبيرة بالإضافة الى ما دونها فليست كبيرة يطلق عليها الوصف بالكبر والعظم اطلاقا ثم إن لكبر الكبيرة وعظمها أمارات معروفة بها منها إيجاب الحد ومنها ألا يعاد عليها بالعذاب النار ونحوها في الكتاب أو السنة ومنها وصف فاعلها بالفسق نصا ومنها اللعن كما قي قوله لعن الله من غير منار الأرض في أشباه لذلك لا نحصيها وعند هذا يعلم أن عدد الكبائر غير محصور والله أعلم
والصغائر قد تمحى من غير توبة بالصلوات وغيرها كما جاء به الكتاب والسنة وذلك أن فاعل الصغيرة لو أتبعها حسنة أو حسنات وهو غافل عن التندم والعزم على عدم العود المشترطين في صحة التوبة لكان ذلك ماحيا لصغيرة ومكفرا لها كما ورد به النص وإن لم توجد منه التوبة لعدم ركنها لا لتلبسه بأضدادها والمصر على الصغيرة من تلبس من أضداد التوبة باستمرار العزم على المعاودة أو باستدامة الفعل بحيث يدخل به ذنبه في حيز ما يطلق
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:148
عليه الوصف بصيرورته كبيرا وعظيما وليس لزمان ذلك وعدده حصر والله أعلم
4 مسألة في قوله تعالى 2 وأن ليس للإنسان إلا ما سعى 2 وقد ثبت أن أعمال الأبدان لا تنتقل وقد ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له
وقد اختلف في القرآن هل يصل إلى الميت أم لا كيف يكون الدعاء يصل إليه والقرآن أفضل

(1/99)


أجاب رضي الله عنه هذا قد اختلف فيه وأهل الخير وجدوا البركة في مواصلة الأموات بالقرآن وليس الاختلاف في هذه المسألة كالاختلاف في الأصول بل هي من مسائل الفروع وليس نص الآية المذكورة دالا على بطلان قول من قال أنه يصل فإن المراد أنه لا حق له ولا جزاء إلا فيما سعى فلا يدخل فيما يتبرع عليه الغير من قراءة أو دعاء فانه لا حق له في ذلك ولا مجازاة وإنما أعطاه إياه الغير تبرعا وكذلك الحديث لا يدل على بطلان قوله فإنه في عمله وهذا من عمل غيره
5 مسألة قوله عز وجل الذاكرين الله كثيرا والذكرات ما هو الذكر
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:149
وما هو مقداره الذي يصير به المؤمن من الذاكرين الله كثيرا وهل قراءة القرآن أفضل من سائر الأذكار من التسبيح والتهليل والتكبير وما معنى الحديث الذي روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات مع أنا نعلم ذلك بقوله عز وجل 2 من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها 2 فتخصيص الخير بقراءة القرآن بكل حرف عشر حسنات لا بد له من فائدة وما الحكمة في ذلك وأفضل أوقات الذكر ما هي
أجاب رضي الله عنه إذا واظب على الأذكار المأثورة المثبتة صباحا ومساء وفي الأوقات والأحوال المختلفة في ليل العبد ونهاره وهي مبينة في كتاب عمل اليوم والليلة كان من الذاكرين الله تبارك وتعالى كثيرا وقراءة القرآن أفضل من سائر الأذكار
وقوله له بكل حرف عشر حسنات فيه فائدة زائدة وهي الأعلام بأن الحسنة هنا ليست مخصوصة في أن يأتي بالكلمة محصورة بكمالها بل تحصل بحرف منها وأفضل أوقات الأذكار هي الأوقات الشريفة المعروفة إذا اقترنت بالأحوال الصافية
6 مسألة قوله عز وجل فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:150
هن يراؤن ويمنعون الماعون من الساهون والمراؤن والذين يمنعون الماعون وهل إذا فعل إحدى هذه الثلاث كان من أصحاب الويل أم إذا فعل الثلاث

(1/100)


أجاب رضي الله عنه الساهون الغافلون عن الصلاة التاركون لها والمراؤن هم من يعمل ما هو طاعة لغير الله أو لله ولغير الله والذين يمنعون الماعون اختلفوا فيه والأظهر أن الماعون مهمات آلات البيت من قدر ومغرفة وفاس ومجرفة وأشباههما هذا لما كانت الإعارة واجبة وهو ظاهر الآية ثم نسخ والأظهر أن استحقاق الويل مخصوص بمن جمع بين الثلاث والله أعلم
7 مسألة قول الله تبارك وتعالى فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى لم أمر بالنظر
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:151
إلى الأثر ولم يأمر بالنظر إلى الرحمة وهل يجوز لأحد أن يفسر القرآن بما يخطر في نفس أو يغلب على ظنه من غير نقل عن أحد المفسرين ومن غير علم بالعربية واللغة
أجاب رضي الله عنه إنما كان ذلك كذلك لأن الآية واردة للأمر بالنظر إلى المطر الذي يحيي الأرض بعد موتها والمطر الذي هذا شأنه وسائر صنوف الأنعام آثار للرحمة لأنفس الرحمة فإن الرحمة عند المحققين من صفات الذات نحو الارادة ولا سبيل إلى النظر اليها ومهما سمي المطر وغيره من وجوه الإنعام رحمة فعلى سبيل التجوز والأصل هو الأول
وأما تفسير القرآن ممن هو على الصفة المذكورة فمن كبائر الإثم ورووا عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار
وفي رواية من قال في القرآن بغير علمه فليتبوأ مقعده من النار خرجه أبو عيسى الترمذي في جامعه وخرج أيضا عن جندب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ
الحديث الأول من حسانها وهذا دونه والمفسر الموصوف قائل في القرآن قولا لا يستند إلى أصل وحجة تعتمد وهذا هو القول بالرأي المذموم قائله وقوله في الرواية الأخرى من قال في القرآن بغير علم كالمفسر لهذا ونسأل الله العصمة من ذلك ومن سائر ما يسخطه سبحانه وهو سبحانه أعلم

(1/101)


8 مسألة في قوله الله عز وجل كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:152
الجلال والإكرام هل يجوز الوقف على قوله سبحانه ويبقى والابتداء بما بعده وفي الوقف على فان وفيمن قال إنما الوقف على قوله عز وجل ويبقى دون قوله فان
أجاب رضي الله عنه الوقف على ويبقى مما يجب أن يعاف ويتقى لأنه مع أنه مخالف قول من تناهى إلينا قوله من مفسري القران العظيم ومقرئيه والعلماء فإنه يدفعه الدليل ويأباه لأنه ترك للظاهر الأسبق الى الفهم وقد تقرر أنه غير سائغ إلا مستند يقوي قوة يصير به خلاف الظاهر أرجح منه وليس الوقف على يبقى مستند يتنزل هذه المنزلة ولا قريبا منها وقصارى الصائر إليه أن يبين اتجاه معنى أو مجيئه على متقدم نقلا واحتماله معنى لا يسوغه مع أن الأظهر غيره ونقله غير متقدم لو ترك في يده لم ينفعه لأنه لا يجوز العدول عن قول الجماهير بمجرد قول فأرد وهذا وإن فيه إثبات تفسير الاية أو نحوه يبعث الشذوذ في القران كما في الأصل والجرأة عليه عظيمة وإنما يتوقاها المتقون والله أعلم
9 مسألة ما قول أئمة الحديث والتفسير والعلماء بالأيام والسير
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:153
في البقرة المذكورة في القرآن العزيز في سورة البقرة هل هي أنثى أو ذكر وفي بغلة النبي - صلى الله عليه وسلم - المسماه بدلدل هل هي أنثى أو ذكر بينوا ذلك

(1/102)


أجاب رضي الله عنه كل منهما أنثى لا ذكر ولا تستفيد ذلك من هاء التأنيث فيهما فإنه يقال للذكر بقرة وبغلة أيضا حتى صار بعض أئمة الشافعيين إلى أنه لو أوصى ببقرة أو بغلة جاز إخراج الذكر والأنثى ومن خصص بالأنثى فلغة عرف الاستعمال فيها لا لأنها في اللغة مخصوصة بالأنثى وإنما استفدنا الأنوثة في المذكورتين من معارف غير ذلك أما البقرة ففي إناثها ما يوضح الأنوثة فيها وذلك في غير موضع مما ذكره الله تبارك وتعالى في صفاتها فمن ذلك قوله سبحانه وتعالى 2 عوان بين ذلك 2 فان صفة الأنثى النصف وفي التفسير أنها الأنثى التي ولدت بطنا أو بطنين ومن ذلك قوله 2 صفراء فاقع لونها 2 فإنه إذا قيل للذكر بقرة قيل عند الوصف بقرة أصفر لا صفراء ولذلك لا يقال تسر بل يسر وفي ذلك غير هذا
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:154
وأما بغلة النبي - صلى الله عليه وسلم - المسماه بدلدل فمن الدليل على أنها كانت أنثى ما جاء في خبرها عن موسى بن محمد بن إبراهيم عن أبيه قال كانت دلدل بغلة النبي - صلى الله عليه وسلم - أول بغلة رؤيت في الإسلام أهداها له المقوقس
قال الراوي وبقيت حتى كان زمن معاوية وروى محمد بن سعد بسند له أن اسم بغلة النبي - صلى الله عليه وسلم - الدلدل وكانت شهباء وكان بينبع حتي ماتت ثم قال ابن سعد وهو ثقة أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي وقبيصة بن عقبة قالا حدثنا سفيان الثوري عن جعفر عن أبيه قال كانت بغلة النبي - صلى الله عليه وسلم - تسمى الشهباء وهذا إسناد رجاله أثبت وبمثل هذا لا يوصف به الذكر وإن أجازوا فيه أن يقال بغلة فلم يخبروا في صفة وفيما يرجع إليه من الضمائر مثل هذا الذي تراه وبابه ولا التفات في ذلك إلى تأنيث اللفظ كما في قولنا طلحة وحمزة فلا يقال طلحة سرتني أو كانت ونحو ذلك ولا حمزة البيضاء بل الأبيض فقط والله أعلم
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:155

(1/103)


ثم إذا ضم ما أردته من أمر دلدل إلى ما رواه البخاري في صحيحه عن الحارث صهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخي جويرية بنت الحارث أم المؤمنين وهو أحد الصحابة الذين تفرد البخاري عن مسلم بإخراج حديثهم قال ما ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند موته درهما ولا دينارا ولا عبدا ولا أمة ولا شيئا إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها وسلاحه وأرضا جعلها لابن السبيل صدقة
ظهر من ذلك أن بغلته - صلى الله عليه وسلم - المسماه بدلدل هي التي تسمى البيضاء وكانت تسمى الشهباء ذكره السهيلي صاحب الروض الأنف في شرح السيرة من أن المسماة بالبيضاء غير المسماة بدلدل غير مرض ومعتمد والله أعلم
10 مسألة قوله سبحانه وتعالى ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم فعلم الله السابق وهو قوله
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:156
حتى نعلم المجاهدين منكم أو هو علم يأتي وسمعت شخصا يقول في هذه الآية حتى نعلم يتجدد له علم ثان والحق سبحانه وتعالى له علمان أو علم واحد بين لنا هذا على الوجه الصحيح الذي لا ريب فيه في الدين
أجاب رضي الله عنه الذي قاله الشخص خطأ ولا يتجدد لله سبحانه علم وإنما علمه يختلف متعلقة فتعلق قبل وجود مجاهدتهم بأنه يستوجد مجاهدتهم وبعد وجودها بأنها قد وجدت فإذا معنى الآية حتى نعلم مجاهدتكم موجودة فنجازيكم عليها والله أعلم
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:157
القسم الثاني في شرح أحاديث وردت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
فمن ذلك
11 مسألة في قوله - صلى الله عليه وسلم - يؤتى بالعالم يوم القيامة فيقال إنما تعلمت العلم ليقال كذا وكذا وقد قيل الحديث
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:158

(1/104)


ما معناه أيحل على أنه كانت له حسنات غير العلم فأحبطت نيته في العلم حسناته وهذا خلاف قوله سبحانه وتعالى إن الحسنات يذهبن السيئات أو يحمل على أنه لم يكن له حسنة سوى العلم وكذا المجاهد وهذا خلاف الظاهر أم له معنى غير هذين
أجاب رضي الله عنه هذا في شخص كان بمثابة لو أخلص فيها في علمه لنجاه علمه من العذاب الذي وجد مقتضاه فلما لم يخلص نزل به موجب المقتضى لعذاب أو هذا فيمن ترجحت سيئاته لريائه بالعلم على حسناته فلم تدفع عنه حسناته عذاب ذنب الرياء فعذب والله أعلم
21 مسألة قوله - صلى الله عليه وسلم - الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:159
وإذا كانت الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينها فما يكفر الجمعة ورمضان بين لنا
أجاب رضي الله عنه هي كفارات وإن لم تصادف شيئا تكفره بمعنى أنها أسباب للتكفير وقد ينتفي عن السبب مسببه لأمر من الأمور فلا يخرجه ذلك عن كونه سببا ثم جواب آخر وهو أن الصلوات الخمس كفارة للصغائر على ما نطق به الحديث والمرجو أن الكفارة الثانية إذا لم تصادف صغيرة تكفر بعض الكبائر والله أعلم
13 مسألة في أن الخبر إذا ورد من جهة الله سبحانه وتعالى لا يتصور وجوده على خلاف المخبر به وهل هو كما أطلق أم ثم فرق بين وعد ووعيده وإذا لم يصح الإطلاق فما الفرق بينهما وهل يكفي في الفرق أن يقال إن إخلاف الوعيد لا يليق بجانب الله تعالى والعفو عن الوعيد لائق به أم لا

(1/105)


أجاب رضي الله عنه نعم هو على أصح إطلاقه فلا يقع أصلا شيء من أخباره على خلاف مخبره ومن ذلك الوعد وأما الوعيد فالعفو متطرق إليه وليس ذلك خلفا في خبره فيه فإن الوعيد مقيد من حيث المعنى بحالة عدم العفو فإذا قال لأعذبن الظالم مثلا فتقديره إن لم أعف عنه أو إلى أن أسامحه أو أتكرم عليه ونحو هذا وهذا القيد عرف من عادة العرب في إيعاداتها ومن أخبار الشارع عن ذلك على الجملة والعموم في مثل قوله - صلى الله عليه وسلم - فيما رويناه عن وعد الله على من عمل ثوابا فهو
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:160
منجز له ومن وعده على عمل عقابا فهو بالخيار إن شاء عذبه وإن شاء غفر له والله أعلم
14 مسألة روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال يدخل فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائها بنصف يوم فهل هذا يطلق على الفقير الذي قد جمع بين العلم والعمل أم الفقير الذي قد منع الدنيا ولا حظ له فيها فيكون دخوله الجنة جبرا لقلبه يوم القيامة حيث يتمنى شيئا لا يقدر عليه وإن أطلق ذلك على الفقير الذي قد جمع بين العلم والعمل فذلك هو الغني الأكبر وما هو الفقير والغني الذي ورد فيهم بين لنا
أجاب رضي الله عنه يدخل في هذا الفقير الذي لا يملك شيئا والمسكين الذي يملك شيئا ولكن لا يملك تمام كفايته إذا كانوا مؤمنين غير مرتكبين شيئا من الكبائر ولا مصرين على شيء من الصغائر ويشترط في ذلك أن يكونا صابرين على الفقر والمسكنة راضين بهما والله أعلم
15 مسألة قوله - صلى الله عليه وسلم - خير القرون قرني الذي أنا فيه ثم
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:161
الذي يلونهم الحديث ما الفرق بين هذا وبين قوله - صلى الله عليه وسلم - على تقدير صحته أمتي كالغيث لا يدري أوله خير أم آخره وما معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - للصائم فرحتان فرحة عند إفطاره وفرحة عند لقاء ربه الفرحة عند افطاره ما هي كونه يفرح بالأكل والشرب وفرحة كونه حصلت له عبادة هذا اليوم

(1/106)


أجاب رضي الله عنه أما الحديثان الأولان فلا تناقض بينهما لأن آخر الأمة في الحديث الثاني المضطرب عبارة عن المهدي وعيسى بن مريم - صلى الله عليه وسلم - ومن معهما وأما فرحة الصائم عند إفطاره فجائز حملها على الأمرين فرحة النفس بما تتناول ولا محذور فيها وفرحة بتمام العبادة الفاضلة له والله أعلم
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:162
16 مسألة قوله - صلى الله عليه وسلم - إنها من الطوافين عليكم على ماذا يحمل وهو أنا نغفل عن الصبيان الصغار من الأولاد الذين لا يمكنهم التحرر منهم كما لا يمكن في الطوافات للعلة ولو تيقنت النجاسة منهم في محل العفو عنها في مثله منها وهل يجوز استنقاذ كتب المسلمين من بلاد الفرنج والقراءة فيها بناء على أنه متى جاز بها دفعها اليه بلا شيء ولا عوض
أجاب رضي الله عنه الطوافون الخدم والطوافات الخدامات وأفواه الأطفال التي يغلب نجاستها الظاهر أنها كأفواه السناير في العفو والله أعلم واستنقاذ الكتب المذكورة حسن ثم لا يجوز القراءة فيها والانتفاع بها في الحال والظاهر أنه اذا قرفها سنة كما في تعريف اللقطة جاز له تملكها كما يتملك اللقطة
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:163
17 مسألة روى أبو عبد الله البخاري وأبو الحسن مسلم رحمهما الله تعالى في صحيحيهما من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال حدثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق المصدوق أن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله الملك وذكر باقي الحديث
وفي الحديث الذي انفرد مسلم بإخراجه من حديث أبي شريحة حذيفة بن أسيد الغفاري أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وذكر باقي الحديث
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:164

(1/107)


ففي الحديث الأول إشعار بأن الله تعالى يرسل الملك بعد مائة وعشرين ليلة وفي الحديث الثاني تصريح بأن الملك يبعث بعد أربعين ليلة فكيف الجمع بين هذين الحديثين
أجاب رضي الله عنه حديث حذيفة بن أسيد هذا لم يخرجه البخاري في كتابه ولعل ذلك لكونه لم يجده يلتئم مع حديث ابن مسعود رضي الله عنهما ووجد حديث ابن مسعود أقوى وأصح فارتاب بحديث حذيفة الذي مداره على أبي الطفيل عامر بن وائلة عنه فأعرض عنه وأما مسلم فإنه خرج الحديثين معا في كتابه فأحوجنا إلى تطلب وجه يلتئمان به ولا يتنافران وقد وجدناه ولله الحمد الأتم فأقول الملك يرسل غير مرة إلى الرحم يرسل مرة عقيب الأربعين الأولى بدلالة حديث حذيفة بن أسيد بألفاظه في رواياته المتعددة فيكتب رزقه وأجله وعمله وحاله في السعادة والشقاء وغير ذلك ويرسل مرة أخرى عقيب الأربعين الثانية فينفخ فيه الروح بدلالة حيث ابن مسعود وغيره ثم أنه يشكل وراء هذا من حديث حذيفة في قوله في بعض رواياته عند ذكر إرسال الملك عقيب الأربعين الأولى فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم قال يا رب ذكر أو أنثى فيقضي ربك ما شاء ويكتب إلى آخره
ومن المعلوم أن هذا التصوير لا يكون في الأربعين الثانية فإنه يكون فيها علقة وإنما يكون هذا التصوير قريبا من نفخ الروح وهكذا روينا ذلك مصرحا به في بعض روايات حديث حذيفة خارج الصحيح وسبيل الجواب عن هذا الإشكال أن يحمل قوله فصورها على معنى فصورها قولا كتابا لا فعلا أي فذكر تصويرها وكتب ذلك والدليل على صحة هذا أن جعلها
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:165
ذكرا أو أنثى يكون مع التصاوير المذكورة وقد قال في جعله ذكرا أو أنثى فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك الى آخره

(1/108)


ويشكل أيضا من حديث ابن مسعود أن البخاري رواه بهذا اللفظ وهو أن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما أو أربعين ليلة ثم يكون علقة مثله ثم يكون مضغة مثله ثم يبعث الله إليه الملك فيؤذن بأربع كلمات فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد ثم ينفخ فيه الروح فقوله ثم يبعث إليه الملك بحرف ثم تقتضي تأخير كتب الملك الأمور الأربعة إلى ما بعد الأربعين الثالثة وحديث حذيفة بن أسيد قاضي بتقديم كتب الملك لذلك عقيب الأربعين الأولى وسبيل الخروج عن إشكال ذلك أن يجعل قوله ثم يبعث الله إليه الملك فيؤذن فيكتب معطوفا على قوله يجمع في بطن أمه أربعين يوما ومتعلقا بهذا إلا بالذي يليه قبله وهو قوله ثم يكون مضغة مثله ويكون قوله ثم يكون علقة مثله ثم يكون مضغة مثله إعتراضا وقع بين المعطوف والمعطوف عليه والاعتراض بأمثال ذلك في كلام الله تبارك وتعالى وكلام العرب غير قليل
ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى 2 فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون 2 فقوله وعشيا ليس متعلقا بالذي يليه قبله وهو قوله وله الحمد في السموات والأرض ومعطوفا عليه بل متعلقا بما سبق من قوله وحين تصبحون وقوله وله الحمد في السموات والأرض اعتراضا بينهما
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:166
إذا عرفت هذا فقوله ثم ينفخ فيه الروح متصل بقوله ثم يكون مضغة مثله لأنه في نية التأخير لما ذكرناه فافهم ذلك واعرفه فإنه مشكل عويص جدا لا أحد نعلمه تقدم بحله وقد أوضحته ايضاحا ينشرح له صدر الفاهم الآهل والله سبحانه المحمود حقا

(1/109)


وقد كان الحافظ عياض بن موسى القاضي من المغاربة قد تعرض لذلك مقتصرا على رواية مسلم لحديث ابن مسعود وذلك فيها بحرف الواو لا بحرف ثم ولفظها ثم يرسل الملك فينفخ فيه الورح ويؤمر بأربع كلمات يكتب رزقه إلى آخره وأجاب بأن الواو لا تقتضي ترتيبا وهذا الذي أتى به سهل إلايتاء مثله في رواية البخاري التي هدانا الله الكريم لشرح معناها وله الحمد كله والله أعلم
18 مسألة قوله - صلى الله عليه وسلم - التائب من الذنب كمن لا ذنب له هل خرج في الصحيح أم لا وهل يصير في عقيب التوبة كمن لا
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:167
ذنب له ليحكم القاضي برشده في تزويج ابنته أو موليته أم لا بد من إصلاح العمل بعد التوبة إلى مدة معلومة وكيف حكم الله في ذلك
أجاب رضي الله عنه لم يخرج في الصحاح ولم نجد له إسنادا يثبت بمثله الحديث والتائب يلحق عند بعض أصحابنا بالمستور من غير توقف على إصلاح العمل في المدة المعلومة ولا بأس بالعمل بهذا والمستور يلي التزويج ولا يخرج على الخلاف في الفاسق
19 مسألة رجلان تشاجرا في قوله - صلى الله عليه وسلم - ينزل ربكم في كل ليلة إلى سماء الدنيا الحديث بتمامه فقال أحدهما ينزل وكذا في جميع الصفات وجميع الآيات والأخبار لا تتأول وكل واحد يدعي الصحة في قوله
أجاب رضي الله عنه الذي عليه الصالحون من السلف والخلف رضي الله عنه الاقتصار في ذلك وأمثاله على الإيمان الجملي بها والإعراض عن الخوض في معانيها مع اعتقاد التقديس المطلق وانه ليس معناها ما يفهم من مثلها في حق المخلوق والله أعلم
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:168

(1/110)


20 مسألة في معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي يرويه أبو هريرة رضي الله عنه وهو قوله كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه فهل المراد بالفطرة المذكورة هي فطرة الإسلام والفطرة التي هي الخلق والإبداع والاختراع أجاب رضي الله عنه معناه والله أعلم أنه يولد غير متلبس بحقيقة الكفر فإنه بالاعتقاد ولا وجود قطعا فأبواه يهودانه قبل البلوغ من حيث الأحكام تبقى وبعد البلوغ بتقليده لهما في حقيقة الكفر مباشرة منه وملابسه منه للكفر وأما ما ورد من أن الشقي من شقي في بطن أمه فالمراد به أن يكتب الملك عليه ذلك إخبارا عما يوجد منه إذا باشر الكفر وفي قوله والله أعلم بما كانوا عاملين اشعارا بأنه قد يكتب عليه الشقاء ويحكم به عليه بناء على ما يعلمه الله تعالى منه من أنه لو أحياه الى
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:169
حين يستقل بالإيمان والكفر لاختار الكفر وكفر كما جاءت الرواية بذلك مصرحا به في بعض الأحاديث فيخرج من ذلك أنا لا نستلزم الحكم بأن من مات من أطفال المشركين فهو في الجنة وكذا في أشباههم من المجانين والله أعلم
21 مسألة في معنى قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - على أبي 2 لم يكن الذين كفروا 2 بأمر الله تعالى ما المراد بذلك وما وجه تخصيص هذه الصورة بالذكر وما الحكم في ذلك
أجاب رضي الله عنه في ذلك فوائد منها كونه يسن بذلك عرض القرآن على ما يحفظه ويعرف كما هو المعروف من قراءة القارىء على المقرىء ومنها أن أبيا كان موثوقا به في الأخذ والأداء عنه - صلى الله عليه وسلم - ففعل ذلك ليؤدي عنه وفيه حض له على القصد وفي قراءة القرآن عليه فكان رضي الله عنه بعده - صلى الله عليه وسلم - رأسا وإماما
وأما تخصيص هذه السورة فمن المعنى فيها أنها مع وجازتها جامعة
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:170
لأصول وقواعد ومهام عظيمة وكان الوقت يقتضي ترك التطويل والله أعلم

(1/111)


22 مسألة قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر فهل يكون هذا السوق قبل موت الخلق أو بعد خروجهم من الأجداث
أجاب رضي الله عنه بل قبل موت الخلق وقوله لا تقوم الساعة شاهد بذلك والله أعلم
23 مسألة فيما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لعن الله من أكرم غنيا لغناه وأهان فقيرا لفقره
وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لعن الله من أكرم بالغنى وأهان بالفقر هل يدخل تحت هذا اللعن شيخ يزار يجيئه الفقير والغني وأبناء الدولة ومن هو من ذوي الولايات والتسلط يتكلف لأبناء الدنيا ويحضر للفقير ما يتيسر أم لا
أولا فان هذين الحديثين لا نعرفهما من جهة تصح تقوم بها
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:171
الحجة وقد أخرج أبو شجاع شيروية الهمداني صاحب الفردوس فيه من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أنه - صلى الله عليه وسلم - قال قال لعن الله فقيرا تواضع لغني من أجل ماله من فعل ذلك منهم فقد ذهب ثلثا دينه لكن ليس مما يقع عليه الاعتماد فان صاحب كتاب الفردوس جمع فيه بين الصحيح والسقيم وبلغ به الإنحلال إلى أن أخرج أشياء من الموضوع ويداني هذا الحديث في معناه ما يروى من أنه من تضعضع لغني ذهب نصف دينه
وأخبرت عن أبي الفتوح الشاذ ياخي وغيره قالوا أنبأنا الأستاذ أبو القاسم القشيري قال سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق رحمه
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:172

(1/112)


الله تعالى يقول في الخبر من تواضع لغني لأجل غناه ذهب ثلثا دينه فان اعتقد فضله بقلبه كما تواضع له بلسانه ونفسه ذهب دينه كله هذا كلام ثم أنا نعلم أن هذه الأحاديث وإن لم تثبت من حيث الرواية فما تقتضيه من ذم إكرام الغني لغناه وإهانة الفقير ثابت صحيح وذلك إن لم ينته بفاعله إلى فظاعة اللعن وذهاب ثلثي الدين فهو منكر قبيح على الجملة فإن فيه تعظيم الدنيا التي هي مجمع الآفات وأم الخبائث ويستلزم ذلك من ضعف قوى التقوى أمرا عظيما لكنها لا تتناول من أكرم الغني مطلقا بل من أكرم الغني من أجل غناه أي كان الباعث له على إكرامه ما عنده من الدنيا واستعظام ما اتصف به من الغنى فلا يدخل في ذلك من أكرم الغني لمعنى آخر لا يذمه الشرع ويأباه بأن يقصد به حفظ قلب الغني لعلمه بأنه إن لم يفعل تأذى أو ترغيبه في إكرام الأضياف أو يريد به دفع شره وصيانة نفسه وإياه عن محذور غيبته أو توطيئته لما يريد أن يأمره به من الخير فهذا وما أشبهه من المقاصد الصحيحة إذا اقترن بفعل ذلك فهو حسن غير مذموم والفاعل له بنية التقرب مأجور غير مأزور وتكلف هذا المذكور لأبناء الدنيا إذا كان لشيء من هذه المقاصد المستقيمة فليس في إكرام الغني لغناه في شيء أصلا وكذلك اقتصاره في حق الفقير على إحضار ما تيسر إذا كان ذلك يكفي الفقير ويرضيه من غير أن يقترن به استحقار منه للفقير وفقره ليس من إهانة الفقير لفقره بسبيل وقد أخرج أبو داود صاحب السنن فيه عن ميمون بن أبي شبيب أن عائشة رضي الله عنها مر بها سائل فأعطته كسرة ومر عليها رجل عليه ثياب واهية فأقعدته فأكل فقيل لها في ذلك
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:173

(1/113)


فقالت أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ننزل الناس منازلهم فهذا الحديث أصل في هذا الذي نحن بصدده فليصحح الممتحن بذلك مقاصده فيما يأتي منه ومن غيره ويذر ففي صحتها صحة أعماله وفي فسادها فسادها والله المسؤول توفيقنا وإياه لما يحبه ويرضاه ومن نحبه والمسلمين أجمعين وصلى الله على محمد وآله أجمعين
24 مسألة روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن رجلا من أهل الصفة توفي فوجد معه ديناران فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - كبتان فما السر في ذلك وما المعنى فيه مع أن الدينارين لا حق فيهما لله تعالى
أجاب رضي الله عنه من الأسباب في ذلك أنه رحمه الله أظهر الفقر وقعد مع الفقراء أهل الصفة الذين لا يملكون دينارا ولا درهما ولم يخرج ديناريه على نفسه ولا رفقائه والله أعلم
25 مسألة سأل سائل المولى العالم الحافظ تقي الدين أبا عمرو عثمان المعرف بابن الصلاح أثابه الله الجنة وقال ذكرت في كتابك الذي صنفته في علوم الحديث فوائد جمة إلا أن في أوله أو قالوا في حديث أنه غير صحيح فليس ذلك قطعا بأنه كذب في نفس الأمر إذ قد يكون صدقا في نفس الأمر وإنما المراد به أنه لم يصح إسناده على الشرط المذكور والله أعلم
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:174
وقد رأينا قد ذكر عن الأئمة أنهم قالوا في الحديث حديث إسناده صحيح ومتنه غير صحيح أو إسناده غير صحيح ومتنه صحيح أو صحيح أو إسناده ضعيف ومتنه ضعيف وأيضا لهم كتب الموضوعات ويقولون من فلان الله أعلم من وضعه فهذا يدل على أنه في نفس الأمر غير صحيح فان رأى أن يذكر في شرح هذا ما يشفي به غلة الطالب فعل ذلك

(1/114)


أجاب رضي الله عنه الذي يرد من هذا على ذلك قولهم اسناده صحيح ومتنه غير صحيح وجوابه أن في كلامي احتراز عنه وذلك في قولي أنه يصح إسناده على الشرط المذكور ومتى كان المتن غير صحيح فمحال أن يكون له إسناد صحيح على الشرط المذكور لأنه من الشرط المذكور فلا يكون شاذا أو لا معللا والذي أوردتموه لا بد أن يكون في إسناده شذوذ أو علة تعلله ولأجل ذلك لا يصح به المتن فإن أطلق عليه أنه إسناد صحيح فلا بالتفسير الذي ذكرته بل بمعنى أن رجال إسناده عدول ثقات هذا فحسب وما بعد هذا لا يمس ما ذكرته إلا قولهم في بعض الأحاديث أنه موضوع
والجواب أنه ليس في الكلام الذي ذكرته إنكار لذلك وإنما فيه أنه لا يستفاد ولا يفهم من قولهم هذا الحديث غير صحيح أكثر من أنه لم يصح له إسناد على الشرط المذكور وهذا كذلك لأن هذا الكلام لا يظهر من معناه أنه كذب في نفس الأمر ومهما أردنا أن نذكر أنه كذب في نفس الأمر احتجنا إلى
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:175
زيادة لفظ مثل أن يقول هو موضوع أو كذب أو نحو ذلك والله أعلم
قولي لم يصح اسناده عام أي لم يصح له أسناد والله أعلم
26 مسألة في رجل يقرأ الحديث على المحدث ويقول في كل حديث وبالاسناد حدثنا فلان عن فلان ولا يقول قال حدثنا فهل يصح هذا السماع أم لا
أجاب رضي الله عنه هذا خطأ من فاعله وأما بطلان السماع به ففيه احتمال والأظهر أنه لايبطل من حيث أن حذف القول اختصارا مع كونه مقدرا في كثير من كتاب الله تعالى وغيره والله أعلم

(1/115)


27 مسألة روي أنه - صلى الله عليه وسلم - مات ودرعه مرهونة عند يهودي على صاع أو صاعين من شعير وأنه - صلى الله عليه وسلم - مات وله حصون وأرض فهل هذه الأحاديث صحاح أنه - صلى الله عليه وسلم - مات وهو فقير بينوا لنا أدلة موته على الفقر والكلمات التي علمها النبي - صلى الله عليه وسلم - للفقراء ففضلوا على الأغنياء بتلك الكلمات وغيرها من الأحاديث الصحيحة والذي ذهب من العلماء الى أن الفقير الصابر أعلى من الغني الشاكر من هو من العلماء
أجاب رضي الله عنه روى البخاري في صحيحه عن عائشة
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:176
رضي الله عنها قالت توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودرعة مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير وكان له مما أفاء الله تبارك وتعالى أراض بخيبر وفدك وغيرهما وكانت معدة لنوائبه ولم تورث منه لقوله - صلى الله عليه وسلم - إنا لا نورث ما تركنا صدقة وكل هذا صحيح ولا تناقض فيه
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:177
والفقر صفته اللازمة عند موته وقبل ذلك - صلى الله عليه وسلم - ولا يقدح فيه ما كان في ملكه من إعداده إياه لمصالح المسلمين وإخراجه ما يحصل عند حصوله
وحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمس مائة عام حديث ثابت وحديث
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:178

(1/116)


أبي هريرة رضي الله عنه أيضا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن فقراء المهاجرين أتوه فقالوا ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم فقال وما ذاك قالوا يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون ولا نتصدق ويعتقون ولا نعتق فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفلا أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم وتسبقون من بعدكم ولا يكون أحد أفضل من منكم الا من صنع مثل ما صنعتم قالوا بل قال تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين مرة فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا سمع أخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 2 ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء 2 هذا لفظ الحديث في صحيح مسلم
وأخبرني بعض الأشياخ بخراسان قال أخبرنا أبو الفتوح عبد الوهاب بن شاه الصوفي قال أخبرنا الأستاذ أبو القاسم القشيري
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:179
قال سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول تكلم الناس في الفقر والغنى أيهما أفضل وعندي أن الأفضل أن يعطى الرجل كفايته ثم يصان فيه والله أعلم
28 مسألة صوم رجب كله هل على صائمه إثم أم له أجر وفي حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يرويه ابن دحية الذي كان بمصر أنه قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن جهنم لتسعر من الحول إلى الحول لصوام رجب هل صح ذلك أم لا
أجاب رضي الله عنه لا إثم عليه في ذلك ولم يؤثمه بذلك أحد من علماء الأمة فيما نعلمه بلى قال بعض حفاظ الحديث لم يثبت في فضل صوم رجب حديث أي فضل خاص وهذا لا يوجب زهدا في صومه فيما ورد من النصوص في فضل الصوم مطلقا والحديث الوارد في كتاب السنن لأبي داود وغيره في صوم الأشهر الحرم كاف في الترغيب في صومه وأما الحديث في تسعير جهنم لصوامه فغير صحيح ولا تحل روايته والله أعلم
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:180

(1/117)


29 مسألة إذا أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أقوام أنهم من أهل الجنة وهم مؤمنون مصدقون بخبره - صلى الله عليه وسلم - فهل يأمنوا المكر لما أخبرهم به من أنهم من أهل الجنة وسمعنا عن عمر رضي الله عنه أنه قال لا آمن مكره ورجلي الواحدة في الجنة والأخرى برا فهل هذا عن عمر رضي الله عنه صحيح أم لا
أجاب رضي الله عنه هذا القول عن عمر رضي الله عنه لسنا نصححه بل أصل كونه لم يأمن مكر الله تعالى وأنه كان شديد الخوف مما بين يديه ثابت عنه وذلك له وجوه أحدها أنه كان يرى جواز النسخ في مثل ذلك وأنه روى عنه أنه كان يدعو اللهم إن كنت كتبتني شقيا فامح ذلك واكتبني سعيدا أو ما معناه هذا والثاني أنه وأمثاله أن آمنوا من كونهم من أهل الجنة فلا يأمنوا أهوالا تصيبهم قبل دخول الجنة الثالث وإن كانوا لا يجوزون النسخ في مثل ذلك فقد يجوزون أن يكون ذلك مشروطا بشرط فلا يوجد منهم وخفي عليهم ذلك الشرط عافانا الله تعالى
30 مسألة أول من يدخل الجنة قالوا الأنبياء صلوات الله عليهم فيدخل كل نبي مع أمته أو الأنبياء كلهم يدخلون الجنة قبل أممهم
أجاب رضي الله عنه نبينا - صلى الله عليه وسلم - يدخل الجنة قبل الجميع والظاهر أن كل الأنبياء يدخلون قبل الأمم كلها
31 مسألة عيسى بن مريم - صلى الله عليه وسلم - وعلى نبينا والنبيين وآلهم
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:181
وسلم رأى رجلا يسرق فقال أسرقت قال كلا والذي لا إله إلا هو قال آمنت بالله وكذبت عيني وحديث آخر أن بعض الناس أذنب ذنبا فسئل عنه فقال والله الذي لا إله إلا هو ما فعلته أو كما قال فقال - صلى الله عليه وسلم - غفر الله لك ذنبك بصدقك في قولك لا إله إلا الله
أجاب رضي الله عنه كأنه - صلى الله عليه وسلم - لما وجد السارق ربه تعالى غمرته الهيبة والعظمة حتى أنسته ما استيقنه حاله الابصار وبقي في صورة من يرى الشيء من بعد ولا يتحققه فإذا نوزع فيه كذب رؤيته

(1/118)


وأما الحديث الآخر ففيه إشارة إلى أن حسنة الصدق في التوحيد كفرت المعصية والله أعلم
32 مسألة الخبر الذي لا يتطرق إليه النسخ والخبر الذي يدخله الأمر فيتطرق إليه النسخ ما هو وما من فرق بين الخبرين
أجاب رضي الله عنه من أمثلة الخبر الذي لا يدخله النسخ قوله تعالى 2 إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم 2 ومن أمثلة الخبر المشتمل على قوله - صلى الله عليه وسلم - توضئوا مما مست النار
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:182
ومن أمثلة ما لا يدخله النسخ من الخبر في أخبار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوله شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي والفرق أن ما فيه الأمر تكليف فلا ممتنع إسقاطه بالنسخ بخلاف الخبر المحض فإن النسخ فيه الحلف وكون ذلك وقع كذبا والله أعلم
33 مسألة في الفقير الصابر والغني الشاكر أيهما أعلا بينوا ذلك ليحصل معرفتها والذي لا يجب عليه التكسب ببيان دليله وما هو عليه
أجاب رضي الله عنه هذا باب واسع ومما يحتج به من فضل الفقير الصابر وإياه لخيار حديث دخول الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمس مائة عام ومما يحتج به من فضل الغني الشاكر قوله - صلى الله عليه وسلم - فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء في حديث الذكر الذي علمه النبي - صلى الله عليه وسلم - الفقراء فلما بلغ ذلك الأغنياء شاركوهم فيه ومن قال لا يجب عليه التكسب فدليله أنه الآن غير واجد وليس عليه واجب من ذلك فلا يجب عليه التحصيل لتجب عليه النفقة كما لا يجب عليه تحصيل المال لتجب عليه الزكاة والله أعلم

(1/119)


34 مسألة هل ورد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على كل قدم نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولي من أولياء الله تعالى وسمعنا أن القطب على قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسمعنا أن في الأرض سبعة أوتاد وابدال ونجباء ونقباء كلما مات رجل أقام الله عز وجل عوضه رجلا ولا تزال الوراثة دائمة في علم الباطن وفي علم الظاهر إلى قيام الساعة الأمر على ما ذكر أم لا
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:183
أجاب رضي الله عنه لا يثبت هذا الحديث وأما الأبدال فأقوى ما رويناه فيهم قول علي رضي الله عنه أنه بالشام يكون الأبدال وأيضا فإثباتهم كالمجمع عليه بين علماء المسلمين وصلحائهم وأما الأوتاد والنخباء والنقباء فقد ذكرهم بعض مشايخ الطريقة ولا يثبت ذلك ولا تزال طائفة من الأمة ظاهرة على الحق إلى أن تقوم الساعة وهم العلماء
35 مسألة هل ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في علماء الباطن الذين أقامهم الله تعالى لتربية أرباب الأحوال والمقامات الشريفة ويوصلوا المريد إلى الله سبحانه وتعالى بقوتهم التي أعطاهم الله وبدعوتهم المجابة كالجنيد وأمثاله من أئمة الطريق المكاشفين الذين لهم
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:184
الكشف المصون الموافق للشريعة المطهرة هل يجب عليهم أن يشهروا أنفسهم بذلك ويتصدوا بالقعود للخلق كما يجب على علماء الشريعة التصدي والقعود للخلق لفوائد المسلمين أجمعين منهم أم لا والخضر عليه السلام هل ورد أنه حي إلى الوقت المعلوم وهل هو نبي أو ولي أم لا
أجاب رضي الله عنه لا يجب عليهم ذلك ولا يحتمل حالهم وحال الخلق ذلك وفي الشريعة كفاية فيما يرجع إلى إرشاد الخلق
وأما الخضر عليه السلام فهو من الأحياء عند جماهير الخاصة من العلماء والصالحين والعامة معهم في ذلك وإنما شذ بإنكار ذلك بعض
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:185

(1/120)


أهل الحديث وهو - صلى الله عليه وسلم - وعلى نبينا والنبيين وآلهم وسلم نبي واختلفوا في كونه مرسلا والله أعلم
36 مسألة في الأبوة هل يجوز أن يطلق في الكتاب العزيز والحديث الصحيح على الأب من غير صلب وايش الفرق بين آدم أبي البشر وبين ابراهيم الخليل صلى الله على نبينا وعليه وعلى النبيين والكل وسلم أب فآدم أبو البشر وإبراهيم أبو الإيمان أو لمعنى آخر ونرى مشايخ الطريق يسموهم آباء المريدين فيجب بيان هذا من الكتاب العزيز والحديث الصحيح وأيهما أعلا الأب أو الأخ أو الصاحب نرى الصحابة رضي الله عنهم كان إخوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - من حيث الإسلام والإيمان ونراهم خصوا باسم الصاحب بين لنا هذا
أجاب رضي الله عنه قال الله تبارك وتعالى قالوا نعبد إلهك وإله آباءك إبراهيم وإسماعيل وإسماعيل من أعمامه لا من آبائه
وقال سبحانه وتعالى 2 ورفع أبويه على العرش 2 وأمه كان قد تقدم وفاتها قالوا والمراد خالته ففي هذه استعمال الأبوين من غير ولادة حقيقية وهو مجاز صحيح في اللسان العربي
واجراء ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - والعالم والشيخ والمراد سائغ من حيث اللغة والمعنى وأما من حيث الشرع فقد قال الله سبحانه وتعالى ما
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:186
كان محمد أبا أحد من رجالكم وفي الحديث الثابت عنه - صلى الله عليه وسلم - إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم فذهب لهذا بعض علمائنا إلى أنه لا يقال فيه - صلى الله عليه وسلم - أنه أب المؤمنين وإن كان يقال في أزواجه أمهات المؤمنين وحجته ما ذكرت فعلى هذا يقال هو مثل الأب أو كالأب أو بمنزلة أبينا ولا يقال هو أبونا أو والدنا ومن علمائنا من جوز وأطلق هذا أيضا وفي ذلك للمحقق مجال بحث يطول والأحوط التورع والتحرز عن ذلك

(1/121)


وأما الأخ والصاحب وكل واحد منهما أخص من الآخر وأعم فأخ ليس بصاحب وصاحب ليس بأخ فاذا قابلت بينهما فالأخوة أعلا وأما في حق الصحابة رضي الله عنهم فإنما اختير لهم لفظ الصحبة لأنها خصيصة لهم وإخوة الإسلام شاملة لهم ولغيرهم أيضا فلفظ الصحابة يشعر بالأمرين أخوة الدين والصحبة لأنه لا يطلق ذلك في العرف على الكافر وإن صاحبه - صلى الله عليه وسلم - مدة والله أعلم
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:187
37 مسألة شخص قال من سب الصحابة رضي الله عنهم لا يغفر له وإن تاب واحتج بالحديث الذي روي سب صحابتي ذنب لا يغفر وقال قال لي الشيخ عندي لا يتوب الله عليه فقيل له إن تاب تاب الله عليه فقال لا يتوب الله عليه فهل يتوب الله عليه أم لا
أجاب رضي الله عنه أخطأ هذا القائل في قوله وفي احتجاجه خطأ فاحش أما خطؤه في قوله فإنه نفى مغفرة الله تعالى لهذا المذنب من غير توبة ومع التوبة وهو مخطىء مبتدع فأخطأ وابتدع في الموضعين أما اذا لم يتب فلأن السبب ذنب دون الشرك وكل ذنب دون الشرك فيجوز أن يغفر الله تعالى لفاعله وإن لم يتب أما منه سبحانه وتعالى ابتداء أو بشفاعة الشافعين أو بأن يرزق حظا من الحسنات اللاتي يذهبن السيآت شهد بذلك دليل النصوص وغيرها ومن قال في شيء من الذنوب التي هي دون الشرك إن الله تعالى لا يغفر لفاعله فقد تأول على الله تعالى بذلك وتعرض لعقابه وأما إذا تاب فلأنه ليس شيء من الذنوب لا توبة منه وليس هذا بأعظم من الشرك ثم لا يقال الشرك لا توبة منه فإن إسلام الكافر حاصلة التوبة من الشرك
وأجمعت الأمة على أن الله لم يجعل فيما خلق ذنبا لا توبة منه أصلا ونصوص الكتاب والسنة متظاهرة على ذلك غير أنه ينبغي أن يعلم أن التوبة من ذنب السب لا يكفي فيها توبة الساب فيما بينه وبين الله تعالى فإن سب الصحابة رضي الله عنهم ظلم لهم والتوبة من مظالم العباد طريقها إلى
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:188

(1/122)


البراءة اليهم بإجلالهم أو غيره وذلك متعذر فيمن مات ومع ذلك فطريق الخلاص غير متعذر على التائب من سب الصحابة من وجوه
أحدها الاستغفار لهم والدعاء لم بالرحمة والرضوان ولا سيما في أعقاب الصلوات
الثاني أن يكثر من الأعمال الصالحة حتى تقع بعض حسناته عوضا عن هذه المظلمة ويفضل له ما يسعد به إن شاء الله تعالى
الثالث أن يلجأ الى الله سبحانه وتعالى في أن يضمن عنه تبعاته ويرضى عنه من فضله من ظلمه بالسب وغيره فهو سبحانه وتعالى جدير بإجابة دعائه
وهذه الوجوه لها أصول منها حديث حذيفة أنه شكى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذرب لسانه على أهله فقال أين أنت عن الاستغفار أخرجه النسائي وغيره
وحديث أبي سعيد الخدري المخرج في الصحيح في الشخص الذي قتل مائة نفس ثم تاب وعاجله الموت بين القريتين فليتب هذا التائب نفسا فإن الرحمة واسعة فقد جعل الاستغفار والتوبة من هذين الحديثين مخلصا من مظالم العباد وهو خارج على أحد الوجوه المذكورة
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:189

(1/123)


وأما خطأ هذا الرجل في حجته ففي موضعين أيضا أحدهما أن الحديث الذي ذكره من أحاديث العوام التي لا أصل لها يعرف والثاني أنه احتج بالشيخ عندي وهذا من العجائب عند أهل المعرفة فإنه لا يخفى على مسلم إنه لا حجة في دين الله عز وجل إلا فيما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى معرفة ما جاء عنه - صلى الله عليه وسلم - إلا بنقل الثقات من أهل العلم والأخذ عنهم فمن لم يكن من أهل ذلك كان جاهلا وإن كان زاهدا فان الزهد لا يجعله نبيا يوحى اليه والقلوب لا يتعرف منها أحكام الدين وشرائع الإسلام ومن انتسب إلى العلم الذي زعم أنه يطلعه على الصواب ويمنعه من الخطأ سألناه عن شيء من أحكام القرآن المعلومة والسنن الصحيحة وأظهرنا بهذا إخلاله فانه لو كان كما زعم لم يجهل ذلك وإذا جعل ذلك فهو لغيره أجهل فليتق الله ربه هذا القائل ولا يقلد دينه من لا علم له وليستغفر الله مما جرى منه غفر الله لنا وله ولجميع المسلمين
38 مسألة رجل اغتاب رجلا مسلما وجاء إليه وقال اغتبتك وقلت عنك كذا وكذا اجعلني في حل فما فعل بجعله في حل هل هو مخطىء بكونه لم يجعله في حل وهذا الذي اغتابه بقي عليه تبعة أم لا
وهل يجوز للانسان أن يسبح بسبحة خيطها حرير والخيط تخين وهل يجوز الدروزة للفقراء على أوجه الإنكسار أم لا
أجاب رضي الله عنه ليس عليه أن يجعله في حل ولكن حرم
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:190
نفسه فائدة العفو ومثوبة إسعاف السائل والتبعة باقية على المغتاب وينبغي أن يكثر من أن يقول اللهم اغفر لي ولمن اغتبته ولمن ظلمته وقد روي في حديث لا أعلمه يقوي إسناده كفارة الغيبة إن تستغفر لمن أغتبته وإن لم يثبت فله أصل

(1/124)


ولا يحرم ما ذكره في السبحة المذكورة والأولى إبداله بخيط آخر والدروزة جائزة إن سلمت من التذلل في السؤال أو من الإلحاح في السؤال ومن أن المسؤل وكان المسؤل له فمن يحل له السؤال لعجزه عن الكسب ولا مال له فإذا كان سؤاله سليما عن الخلل ومن يسأل له أهل يحل له المسألة فذلك حسن والله أعلم
39 مسألة فيمن اغتاب هل الاستغفار كفارة للغيبة والحديث عنه - صلى الله عليه وسلم - كفارة الغيبة أن تستغفر لمن أغتبته مع أن الحديث غير ثابت وان كان إسناده قويا له أصل في الكتاب العزيز وفي الحديث الصحيح أم لا وهل يجوز إذا كانوا جماعة قد اجتمعوا على الخير وبينهم أخ من الأخوان وطريقه طريق دبره يجتمع ببعض الأخوان ويقول قد وجهني اليك فلان ويقول حدثني بما عندك ومراده بهذا أنه يبصر ما عنده وما يكون ذلك وجهه إلا كذب من عنده ويجيء إلى المشايخ يمتحنهم ويدخل عليهم بالكذب ويقول أنت شيخي ويقول للآخر أنت شيخي ويخرج من عندهم ويغتابهم ويؤذيهم بلسانه فهل يجوز أن يحذر الناس المشايخ والأخوان من هذا الرجل
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:191
أجاب رضي الله عنه الاستغفار لمن اغتبته كفارة ذلك والحديث وإن لم يعرف إسناد يثبته فمعناه يثبت بالكتاب والسنة المعتمدة أما الكتاب فقوله تعالى إن الحسنات يذهبن السيئات وإن كان هذا نزل في الصلوات فهو عام فالعام لا يختص بالسبب وقد بين ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ رضي الله عنه أتبع السيئة الحسنة تمحها وأما السنة فمنها هذا ومنها حديث حذيفة أنه شكا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذرب لسانه على أهله فقال أين أنت من الاستغفار وذرب اللسان على الغير أخو الغيبة فإن كلام جنايات اللسان على الغير
وأما التحذير من الرجل الموصوف فحسن بشرط أن يكون المقصود نصيحة المحذور وما هو من الأغراض الدينية الصحيحة من غير أن يشوبه غير ذلك مثل أن يقصد التفكه بغرضه أو التشفي منه ونحو هذا والله أعلم

(1/125)


40 مسألة هل يجوز للانسان أن يقرأ القرآن ويهديه لوالديه ولأقاربه خاصة ولأموات المسلمين عامة وهل تجوز القراءة من القرب والبعد على القبر خاصة وهل يجوز للشخص أن يسمع كلام المظلوم عند الظالم وهو أن يقول لصديقه أو لأخيه يا أخي ظلمني وأخذ من عرضي وشتمني ذلك الفاعل الصانع وتكلم في حقه بما لا يحل فهل يجوز له سماعه أم لا
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:192
أجاب رضي الله عنه أما قراءة القرآن ففيه خلاف بين الفقهاء والذي عليه عمل أكثر الناس تجويز ذلك وينبغي أن يقول إذا أراد ذلك اللهم أوصل ثواب ما قرأته لفلان ولمن يريد فيجعله دعاء ولا يختلف في ذلك القريب والبعيد وأما سماع كلام المظلوم في ظالمه فهو قرع على كلام المظلوم فما جاز للمظلوم أن يقوله فجائز لغيره سماعه وما لا فلا يجوز الإصغاء إليه ثم الذي هو جائز للمظلوم ما تدعوه حاجته اليه على وجه الشكاية أو على وجه الايضاح لكونه قد ظلمه أو على وجه آخر من الاحتجاج لنفسه عليه مثل قول أحد المتخاصمين عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما جعل اليمين على خصمه يا رسول الله إنه فاجر لا يتورع عن شيء والله أعلم
41 مسألة قول لا إله إلا الله في رفع الوسوسة نافع هل على ذلك دليل
أجاب رضي الله عنه قول لا إله إلا الله له أثر في تنوير القلب ولذلك اختاره جماعة من المشايخ لأهل الخلوة وقد علم أن الشيطان الوسواس الخناس إذا ذكر العبد الله سبحانه وتعالى يخنس أي يتأخر ويبعد ولا إله إلا الله في أول درجات الذكر فإنه التوحيد الناصع الباهر والله أعلم
42 مسألة رجل يمدح فتفرح نفسه ويذم فتتألم
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:193
نفسه ورجل إذا مدح بما فيه يكره ذلك فهل هذا الفرح من النفس مقبول في الشرع أو مذموم والتقبل له والذي يكره المدح في نفسه لا يحب ان يمدح فهل هذا موافق للشرع أم لا

(1/126)


أجاب رضي الله عنه هذا كله يختلف باختلاف مستنده في السرور والكراهة فإذا سر بالمدح لما دل عليه من إنعام الله تعالى عليه بالستر والقبول مع عدم الاعجاب وغيره من الأخلاق المذمومة فلا بأس وكذلك إذا تأذى بالذم كما يتأذى بغيره من أنواع البلاء مع سلامته من السخط ونحوه فلا بأس وإذا كره المدح تخوفا من الفتنة والعجب ونحو ذلك فلا بأس والله أعلم
43 مسألة في تحميل المنن بأي شيء يزول مع كون الانسان فقيرا ما له شيء فإذا جاءه شيء من الناس كيف الطريف فيه أن يأخذه ولا يكون عليه منه من أعطاه وكم يجب على الفقير المعسر المتزوج في السنة من النفقة والكسوة
وعند موت المسلم المؤمن يرى ربه عند الموت وإذا رآه عرفه في الدار الآخرة بتلك الرؤية الأولة أو بطريق أخرى بين لنا هذا بدليل من الكتاب والسنة والاجماع
وهل يجوز أن يعطي الله تعالى لولي من أوليائه أن يعرف أنه من أهل الجنة بإلهام يلهمه الله تعالى إياه ويخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو بطريق آخر بين لنا الطريق وأوضح لنا دلالة لا شك فيها ولا ريب والإلهام الذي هو من الله سبحانه عرفنا ماهيته في الانسان كيف هو حتى يعرف
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:194
أجاب رضي الله عنه يتفقد حال المعطى فإذا وجده مطيعا لله تعالى فأخذه من الله تعالى لا منه فيه وعده مجرد سبب وحقق النظر إلى المسبب ذهبت المنة وطاحت ان شاء الله تعالى

(1/127)


وعلى المعسر من النفقة كل يوم مد من القمح ها هنا وهو ثلاثة أواق ونصف بهذا الرطل وعليه مؤنة الحجر والخبز وإن تراضيا على أخذ الخبز لا على وجه المفاوضة جاز ويجب لها من الأدم قدر ما يصلح هذا القدر من الطعام وذلك من إدام البلد ويجب لها آلة الشطيف من مشط ونحوه ويجب لها من الكسوة في السنة مرتين من غليظ القطن أو الكتان وذلك قميص وسراويل ومقنعة ويزداد في الشتاء جبة ويجب لها ما يجلس عليه وما ينام فيه من المنازل من جنس ذلك ولها مداس في رجلها ومنم أثاث البيت ونحو ذلك على قياسه والله أعلم
وأما رؤية المؤمن ربه تعالى بعد موته فمخالف لرؤيته له تبارك وتعالى في الآخرة فان تلك رؤية البصر من العين الجسدانية بخلاف هذه التي هي إدراك من الروح فحسب والعلم عند الله تعالى
ويجوز أن يعرف المؤمن كونه من أهل الجنة بخبر من الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما في النفر الذي شهد لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجنة وهم العشرة وأهل بدر وعائشة وثابت بن قيس بن شماس وخديجة في سادة آخرين وأما بغير ذلك فكلا وإنما يرجو رجاء مصحوبا بخوف
وقد اختلفوا في أن الولي هل يجوز أن يعرف كونه وليا فمنهم من قال يجوز ذلك لكن قال ليس من شرط الولاية سلامة العاقبة فاذا لا يلزم على هذا من معرفته لكونه وليا معرفته لكونه من أهل الجنة
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:195
وأما الإلهام فهو خاطر حق من الحق تعالى فمن علامته أن ينشرح له الصدر ولا يعارضه معارض من خاطر آخر والله أعلم

(1/128)


44 مسألة سأل سائل في كلام الصوفية في القرآن كالجنيد وغيره وكان السائل عن هذا ينكر ما سمع من ذلك وكان يجالس شيخا من المفتين فجرى ذلك في مجلسه بابتدأ الشيخ وقال كالمستحسن لكلام الصوفية وقال أيضا هم لا يريدون به تفسير القرآن وإنما هي معاني يجدونها عند التلاوة وقال أيضا يقولون 2 يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار 2 قالوا هي النفس وكان الشيخ المفتي يشرح ذلك ويقول أمرنا بقتال من يلينا لأنهم أقرب شرا إلينا وأقرب شرا إلى الانسان نفسه وقال الشيخ أيضا يقولون 2 إنا أرسلنا نوحا إلى قومه 2 يقول نوح العقل والغرض أنهم يلقي الله عندهم في كلامه ما ينتفعون به وهذا قد صدر عن أكابرهم والجم الغفير وأنتم بذلك أعلم والسائل لهذا ليس بجاهل وليس غرضه إلا الاعتضاد بما يسمع من الشيخ تقي الدين رضي الله عنه واحد لا يجهل أن قوله تعالى قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ليس المراد به النفس وإن المراد ظاهر ومن قال غير ذاك فهو مخطىء
أجاب رضي الله عنه وجدت عن الإمام أبي الحسن
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:196
الواحدي المفسر رحمه الله أنه قال صنف أبو عبد الرحمن السلمي حقائق التفسير فإن كان قد اعتقد أن ذلك تفسير فقد كفر وأنا أقول الظن بمن يوثق به منهم أنه اذا قال شيئا من أمثال ذلك أنه لم يذكر تفسيرا ولا ذهب به مذهب الشرح للكلمة المذكورة في القرآن العظيم فإنه لو كان كذلك كانوا قد سلكوا مسالك الباطنية وإنما ذلك ذكر منهم لنظير ما ورد به القرآن فان النظير يذكر بالنظير فمن ذكر قتال النفس في الآية المذكورة فكأنه قال أمرنا بقتال النفس ومن يلينا من الكفار ومع ذلك فيا ليتهم لم يتساهلوا بمثل ذلك لما فيه من الإيهام والإلتباس والله أعلم

(1/129)


45 مسألة رجل طلب العلم وهاجر اليه من وطنه فسمع داعيا الى الزهد في الدنيا وله نفس جموح وخاف أن لا ينجو من آفات الدنيا مع النفس الأمارة بالسوء فما الحيلة في نجاته وبم يكون علاج النفس الجموح وماذا يقربه من الله الزهد أم العلم أو السياحة أو العزلة
أجاب رضي الله عنه سبيله والله الموفق الهادي أن يزهد في الدنيا ولكن زهد الراشدين العالمين لا زهد الجاهلين فيطلب العلم مخلصا لله تعالى متقربا به إليه ولا يترك التسبب الذي يغنيه عن الحاجة إلى الناس ولا يعتزل الناس بل يقيم بينهم صابرا عليهم مصححا نيته في ذلك فان هذه طريقة
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:197
الأنبياء عليهم السلام والخلفاء وأئمة المتقين ويجاهد نفسه بالعلم وآدابه وتسديده وتقويمه وليس الطريق إلى السلامة من الآفات الهرب من الناس ولا متابعة القوم الذين تظاهروا بالفقر والزهد غير ملتفتين إلى الشريعة وآدابها معرضين عن ذلك وعن ما شرحناه معتمدين على خواطرهم متمسكين برسوم لا أصل لها في الشريعة معتضدين بأحوال لم يأت بها كتاب ولا سنة زاعمين أنهم مع الحقيقة وليس عليهم الوقوف مع الشريعة فإن هذا سبيل المغرورين المفتونين وطريق المضلين الدجالين والسالك لسبيلهم قارع باب الإلحاد وهو والج فيه عن قريب شهد بما ذكرته أعلام العلوم والمعارف وبراهينها والله أعلم
46 مسألة رجل قال إن الله لا يسمع دعاء ملحونا قيل وما الدعاء الملحون قال أن يدعو الانسان بالجزم ويقول بالرفع قال الآخر بل هو أن يقول الانسان يا رب قصر عمر فلان أو قتر رزق فلان أو خذه فهذا من جملة الدعاء الملحون

(1/130)


أجاب رضي الله عنه ليس ما ذكره الثاني من الدعاء الملحون نعم هو من الاعتداء في الدعاء الذي ورد النهي عنه اذا كان قصده بالدعاء على فلان غير صحيح فان كان صحيحا بأن كان في قصر عمره صلاح للمسلمين لظلمه أو نحو ذلك فليس اعتداء ثم إن الدعاء الملحون ممن لا يستطيع غير الملحون لا يقدح في الدعاء ويعذر فيه والله أعلم
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:198
47 مسألة قراءة القرآن بعد صلاة الصبح أفضل أو بعد صلاة المغرب أي الوقتين أفضل
أجاب رضي الله عنه في كل واحد من الوقتين فضل وفي ادراك الأفضل عسر ويظهر أنه بعد صلاة الصبح أفضل لما يرجى من أن يلحقه من بركة عاصمة له في نهاره الذي هو مظنة تصرفاته وتقلباته والله أعلم
48 مسألة رجل له والد والوالد غير مفتقر إليه في القيام بأموره من إنفاق عليه أو مباشرة لخدمته بل لا يمكن ولده من ذلك فأحب الولد الانقطاع إلى الله تعالى والتفرغ لعبادته في قرية لعلمه أن مقامه في بلده لا يسلم فيه من المآثم لمخالطة الناس إلا بمشاق يضعف عزمه عن تجشمها ووالده يكره مفارقته ويتألم لها مع أن له أولادا يأنس بهم غير هذا الولد فهل يحل له مخالفة الوالد والانتقال الى القرية بنية طلب سلامة دينه والتفرغ للعبادة أم لا يحل مخالفته في ذلك
وسيتبع هذه المسألة ثلاث مسائل
أحداها لو كان دينه في المقام سالما لكنه في الانتقال أكثر توفرا على العبادة هل الأولى الانتقال أو المقام مع مخالفة الوالد
المسألة الثانية لو كان الانتقال لطلب الراحة والتنزه هل له مخالفته في ذلك أم لا هذا كله مع تعهده لوالديه بالزيارة
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:199
في المسائل المذكورة كلها والسؤال في ذلك عن تعريف المباح والأولى مفصلا
المسألة الثالثة تعرف حق العقوق ما هو

(1/131)


أجاب رضي الله عنه لا يحل له ذلك ومخالفة الوالد في ذلك مع تألمه بها محرمة وعليه الطواعية له في الإقامة والحالة هذه ثم ليجاهد نفسه في التصون مما يحرم دينه بسبب مخالطة الناس فلا يخالط من جانب الطريق المحمودة ولا يجالس من من شأنه الغيبة وليكن مع الناس بين المنقبض والمنبسط
بلغنا عن الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه أنه قال الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة والانبساط مجلبة لقرناء السوء فكن بين المنقبض والمنبسط وليصحح نيته في مواتاه والده وطاعته فإنها من أكبر أسباب السعادة في الدارين وثبت في الحديث الصحيح أن بر الوالدين يقدم على الجهاد فكيف لا يقدم على ما ذكر هذا مع أن ما يرجوه في القرية يناله في البلدة بحضرة والده إن استمسك وإنما هذا خاطر فاسد من عمل الشيطان وتسويله وقد جاء أن أويسا القرني فوت صحبة النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسير إليه من اليمن بسبب بره بأمه وحمد على ذلك وفي هذا جواب المسألة الثانية وإيضاح لكون المقام أولى
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:200
وكذلك المسألة الثالثة فلا يحل مخالفته مع تألمه بها بسبب التنزه أصلا وأما أن العقوق ما هو فإنا قائلون فيه العقوق المحرم كل فعل يتأذى به الوالد أو نحوه تأذيا ليس بالهين مع كونه ليس من الأفعال الواجبة وربما قيل طاعة الوالدين واجبة في كل ما ليس بمعصية ومخالفة أمرهما في كل ذلك عقوق وقد أوجب كثير من العلماء طاعتهما في الشبهات وليس قول من قال من علمائنا يجوز له السفر في طلب العلم وفي التجارة بغير اذنهما مخالف لما ذكرت فإن هذا كلام مطلق وفيما ذكرته بيان لتقييد ذلك المطلق والله أعلم
49 مسألة رجل تصدق بصدقة التطوع على صلحاء الأمة وسبق إلى الأخذ الآخذ من الله لا من معطي الصدقة فأيهما أفضل يد المعطي أو يد الآخذ

(1/132)


أجاب رضي الله عنه المعطي عطاء بعده من الله خير من الآخذ أحذا يعده من الله وإن غفل عن المسبب ولحظ السبب في الجانبين فالمعطي أيضا أفضل وان وجد شهود جانب المسسبب في أحد الجانبين دون الآخر والأفضل هو الذي وجد فيه ذلك والله أعلم
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:201
القسم الثالث يتعلق بالعقائد والأصول فمن ذلك
50 مسألة إمام الحرمين والإمام الغزالي والإمام أبو اسحق رضي الله عنهم هل بلغ أحد هؤلاء الأئمة المذكورين درجة الاجتهاد في المذهب على الإطلاق أم لا وما حقيقة الاجتهاد على الاطلاق وما حقيقة الاجتهاد في المذهب وهل بلغ أحد منهم رتبة الاجتهاد على الإطلاق
أجاب رضي الله عنه لم يكن لهم الاجتهاد المطلق وبلغوا الاجتهاد المقيد في مذهب الشافعي رضي الله عنه ودرجة الاجتهاد المطلق يحصل بتمكنه من تعرف الأحكام الشرعية من أدلتها استدلالا من غير تقليد والاجتهاد المقيد درجته تحصل بالتبحر في مذهب إمام من الأئمة بحيث يتمكن من إلحاق ما لم ينص عليه ذلك الإمام بما نص عليه معتبرا قواعد مذهبه وأصوله
51 مسألة كتاب من كتب أصول الفقه ليس فيه شيء من علم
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:203
الكلام ولا المنطق ولا يتعلق بغير أصول الفقه فهل يحرم الاشتغال به أو يكره وهل يسوغ إنكار الاشتغال به وحالته ما ذكر سوى ذلك
أجاب رضي الله عنه لا يحرم ولا يكره إذا لم يكن فيه مع ذلك تقرير بدعة أو إمالة إلى فلسفة بأن يكون مصنفه من أهلها وكلامه في كتابه في أصول الفقه يؤنس بحسن كلامه حتى في الفلسفة كما وقع في كلام هذا النابغ في عصرنا أو نحو هذا أو شبهه فإذا سلم عن كل ذلك فالإشتغال به عند صحة القصد وكيف لا وهو باب التحقيق في الفقه وعماده والله أعلم
52 مسألة ما الفرق بين القياس والاستدلال فإنه يتفرع على ما يتفرع عليه القياس فإن كان مدلول الاسمين واحدا فما وجه تنويع الاسمين وإن كانا شيئين فيحمل كل واحد من القياس والاستدلال بحد يحصره

(1/133)


أجاب رضي الله عنه الفرق بين القياس والاستدلال أن القياس يشتمل على أصل وفرع يجمع بينهما بجامع والاستدلال ليس كذلك من التلازم الذي هو مثل قوله تعالى 2 لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا 2 ) 53 مسألة هل كان داود الظاهري صاحب المذهب رضي
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:204
الله عنه ممن يعتد به في انعقاد الإجماع في زمانه أم لا وهل كان بحيث إذا حدثت في زمانه فخالف فيها وحده يعد خارقا للإجماع وكذلك من لم ير نقض الوضوء بالنوم إلا إذا أخبر بخروج الحدث كسعيد بن المسيب وأبي موسى الأشعري هل ينعقد الإجماع بدونهم أم لا
أجاب رضي الله عنه أما الاعتداد بداود يرحمه الله في الاجماع وفاقا وخلافا مهما وقع فيه الاختلاف بين الفقهاء والأصوليين منا ومن غيرنا فذكر الأستاذ الإمام أبو اسحق الاسفرائيني رحمه الله أن أهل الحق اختلفوا فذهب الجمهور منهم الى أن نفاة القياس لا يبلغون منزلة الاجتهاد ولا يجوز توليهم القضاء وهذا ينفي الاعتداد بداود في الاجماع ونقل صاحب الإسناد أبو منصور البغدادي عن أبي علي بن أبي هريرة وطائفة من متأخري الشافعيين أنه لا اعتبار بخلافه وسائر نفاة القياس في فروع الفقه لكن يعتبر خلافهم في الأصوليات
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:205
وقال الإمام أبو المعالي بن الجويني ما ذهب إليه ذوو التحقيق أنا لا نعد منكري القياس من علماء الأمة وحملة الشريعة فإنهم أولا باقون على عنادهم فيما ثبت استفاضة وتواترا وأيضا فان معظم الشريعة صادرة عن الاجتهاد والنصوص لا تفي بالعشر من أعشار الشريعة فهؤلاء ملتحقون بالعوام وكيف يدعون مجتهدين ولا اجتهاد عندهم وهذا منه نوع إفراط
وكان أبو بكر الرازي من أئمة المحققين يذهب في داود وأضرابه إلى نحو هذا المذهب ويغلو فذكر داود في مقدمة كتابه في أحكام القرآن ومال عليه فأفرط وقال فيما قال لو تكلم داود في مسألة حادثة في عصره وخالف فيها بعض أهل زمانه لم يكن خلافا عليهم

(1/134)


قال وكان ينفي حجج العقول ومشهور عنه أنه كان يقول بل على العقول وقال بعد كلام كثير ولأجل ذلك لم يعد خلافه أحد من الفقهاء خلافا ولم يذكروه في كتبهم فقد انعقد الاجماع على أطراحه وترك الاعتداد به هذا الرازي فيه وهو كما ترى لا يخلو عن نوع من الحنيفة الذي قد كان فيه وكان شديد الميل والعصبية على من يخالفه من
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:206
حيث أنه قد وصف داود في هذا الموضع من كتابه بما يأباه عنه الثابت المعروف من زهده وتحريه
والذي اختاره الأستاذ أبو منصور في هذا وذكر أنه الصحيح من المذهب أنه يعتبر خلافه في الفقه الذي استقر عليه الأمر آخرا فيما هو الأغلب الأعرف من صفوة الأئمة المتأخرين الذين أوردوا مذاهب داود في إثبات مصنفاتهم المشهورة في الفروع كالشيخ أبي حامد الإسفرائيني وصاحبه المحاملي وغيرهم رضي الله عنهم فانه لولا اعتدادهم بخلافه لما أوردوا مذاهبه في أمثال مصنفاتهم هذه لمنافاة موضوعها لذلك وبهذا أجبت مستخيرا الله تعالى مستعينا مما بناه داود من مذاهبه على أصله في نفي القياس الجلي وما اجتمع عليه القياسيون من أنواعه أو على غيره من أصوله التي قام الدليل القاطع على بطلانها فاتفاق من عداه في مثله على خلافه إجماع منعقد وقوله في مثله معدود خارقا للاجماع وكذلك قوله في المتغوط في الماء الراكد وتلك المسائل الشنيعة فيه وكقوله في الربا فيما سوى الأشياء الستة فخلافه في هذا وأمثاله غير معتد به لكونه مبنيا على ما يقطع ببطلانه والاجتهاد الواقع على خلاف الدليل القاطع كاجتهاد من ليس من أهل الاجتهاد في انزالهما بمنزلة ما لا يعتد به وينقض الحكم به وهذا الذي اخترته يثبت بدليل القول بتحرير يجز منصب الاجتهاد وقد تقرر جواز ذلك وإن العالم قد يكون مجتهدا في نوع دون غيره والعلم عند الله
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:207

(1/135)


سبحانه وتعالى ثم لا فرق فيما ذكرناه بين زمانه وما بعده فإن المذاهب لا تموت بموت أصحابها وأما من لم ير نقض وضوء النائم إلا إذا أخبر بخروج حدث كأبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب رضي الله عنهما ان كان سعيد قال ذلك فإنه غير معروف عنه فالإجماع لا ينعقد مع خلافهما فإن أبا موسى أحد فقهاء الصحابة ومن المفتين في عصرهم وكان سعيد صدرا في العلم والفتيا وغيرهما في ذلك الصدر وترجح على أجلاء التابعين وكان السؤال عن انعقاد الاجماع في هذه المسألة خاصة على خلاف هذا القول فعدم انعقاده فيها في ذلك العصر لازم من هذا وأما فيما بعده فقد أجمع على خلافه فيمن قال إن الإجماع بعد عصر المختلفين على أحد قوليهم إجماع صحيح رافع للخلاف فقد تحقق عنده انعقاد الإجماع في المسألة على خلاف ذلك القول ومن قال أنه لا يرفع الخلاف فلا إجماع في هذه المسألة مطلقا وهذا المذهب هو الصحيح في ذلك والله أعلم
54 مسألة في جماعة من المسلمين المنتسبين إلى أهل العلم والتصوف هل يجوز أن يشتغلوا بتصنيف ابن سينا وأن يطالعوا في
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:208
كتبه وهل يجوز لهم أن يعتقدوا أنه كان من العلماء أم لا
أجاب رضي الله عنه لا يجوز لهم ذلك ومن فعل ذلك فقد غرر بدينه وتعرض للفتنة العظمى ولم يكن من العلماء بل كان شيطانا من شياطين الإنس وكان حيران في كثير من أمره ينشد كثيرا
إن كنت أدري فعلى بدنه
من كثرة التخليط من أنه

(1/136)


55 مسألة فيمن يشتغل بالمنطق والفلسفة تعليما وتعلما وهل المنطق جملة وتفصيلا مما أباح الشارع تعليمه وتعلمه والصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون والسلف الصالحون ذكروا ذلك أو أباحوا الاشتغال به أو سوغوا الاشتغال به أم لا وهل يجوز أن يستعمل في إثبات الأحكام الشريعة الاصطلاحات المنطقية أم لا وهل الأحكام الشرعية مفتقرة إلى ذلك في إثباتها أم لا وما الواجب على من تلبس بتعليمه وتعلمه متظاهرا به ما الذي يجب على سلطان الوقت في أمره وإذا وجد في بعض البلاد شخص من أهل الفلسفة معروفا بتعليمها وإقرائها والتصنيف فيها وهو مدرس في مدرسة من مدارس العلم فهل يجب على سلطان تلك البلاد عزله وكفاية الناس شره
أجاب رضي الله عنه الفلسفة رأس السفه والانحلال
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:209
ومادة الحيرة والضلال ومثار الزيغ والزندقة ومن تفلسف عميت بصيرته عن محاسن الشريعة المؤيدة بالحجج الظاهرة والبراهين الباهرة ومن تلبس بها تعليما وتعلما قارنه الخذلان والحرمان واستحوذ عليه الشيطان وأي فن أخزى من فن يعمي صاحبه أظلم قلبه عن نبوة نبينا - صلى الله عليه وسلم - كلما ذكره ذاكر وكلما غفل عن ذكره غافل مع انتشار آياته المستبينة ومعجزاته المستنيرة حتى لقد انتدب بعض العلماء لاستقصائها فجمع منها ألف معجزة وعددناه مقصرا إذا فوق ذلك بأضعاف لا تحصى فإنها ليست محصورة على ما وجد منها في عصره - صلى الله عليه وسلم - بل لم تزل تتجدد بعده - صلى الله عليه وسلم - على تعاقب العصور وذلك أن كرامات الأولياء من أمته وإجابات المتوسلين به في حوائجهم ومغوثاتهم عقيب توسلهم به في شدائدهم براهين له - صلى الله عليه وسلم - قواطع ومعجزات له سواطع ولا يعدها عد ولا يحصرها حد أعاذنا الله من الزيغ عن ملته وجعلنا من المهتدين الهادين بهديه وسنته

(1/137)


وأما المنطق فهو مدخل الفلسفة ومدخل الشر شر وليس الاشتغال بتعليمه وتعلمه مما أباحه الشارع ولا استباحه أحد من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين والسلف الصالحين وسائر من يقتدي به من أعلام
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:210
الأئمة وسادتها وأركان الأمة وقادتها قد برأ الله الجميع من مغرة ذلك وأدناسه وطهرهم من أوضاره
وأما استعمال الاصطلاحات المنطقية في مباحث الأحكام الشرعية فمن المنكرات المستبشعة والرقاعات المستحدثة وليس بالأحكام الشرعية والحمد الله فالافتقار إلى المنطق أصلا وما يزعمه المنطقي للمنطق من أمر الحد والبرهان فقعاقع قد أغنى الله عنها بالطريق الأقوم والسبيل الأسلم الأطهر كل صحيح الذهن لا سيما من خدم نظريات العلوم الشرعية ولقد تمت الشريعة وعلومها وخاض في بحار الحقائق والدقائق علماؤها حيث لا منطق ولا فلسفة ولا فلاسفة ومن زعم أنه يشتغل مع نفسه بالمنطق والفلسفة لفائدة يزعمها فقد خدعه الشيطان ومكر به فالواجب على السلطان أعزه الله وأعز به الإسلام وأهله أن يدفع عن المسملين شر هؤلاء المشائيم ويخرجهم من المدارس ويبعدهم ويعاقب على الاشتغال بفنهم ويعرض من ظهر منه اعتقاد عقائد الفلاسفة على السيف أو الاسلام لتخمد نارهم وتنمحي آثارها وآثارهم يسر الله ذلك وعجله ومن أوجب هذا الواجب عزل من كان مدرس مدرسة من أهل الفلسفة والتصنيف فيها والإقراء لها ثم سجنه وألزامه
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:211
منزله ومن زعم أنه غير معتقد لعقائدهم فإن حاله يكذبه والطريق في قلع الشر قلع أصوله وانتصاب مثله مدرسا من العظائم جملة والله تبارك وتعالى ولي التوفيق والعصمة وهو أعلم

(1/138)


56 مسألة قول بعض المصنفين مستدلا على إثبات القياس بخوض الصحابة رضي الله عنهم في حوادث واختلافهم وذكر من جملتها مسألة الجد والأخوة قائلا أنهم قضوا فيها بقضايا مختلفة وصرحوا فيها بالتشبيه بالحوضين والخليجين وما وجه التشبيه وما ضبط اللفظين المشبه بهما وقول بعضهم بلغ رأس المال أعلى مراتب الأعيان فيبلغ المسلم فيه أعلى مراتب الديون ما المراتب المشار إليها في أصل القياس وفرعه
أجاب رضي الله عنه أما التشبيه بالخليجين فعن علي رضي الله عنه أتى به ردا لقول من أسقط الأخ بالجد فشبه ذلك بواد سال بمائة فانشعبت فيه شعبة ثم انشعبت من الشعبة شعبتان فلو سدت احدى هاتين الشعبتين لرجع ماؤها على الشعبة الباقية من الشعبتين وعلى الشعبة التي هي أصلها فكذلك إذا مات أحد الأخوين أخذ ميراثه أخوه الباقي والجد الذي هو أصلها جميعا وشبه ذلك زيد بن ثابت رضي الله عنه بشجرة خرج منها غصن ثم خرج من الغصن غصنان ولو قطع أحد الغصنين لرجع ماؤه على الغصن الباقي من الغصنين وعلي الغصين الذي هو أصلها كذلك من خلفه الميت من إخوته مع الجد الذي هو أصلهم
---
فتاوى ابن الصلاح ج:1 ص:212
فأما ما ذكره من التشبيه بالحوضين فموجود في المستصفى في أصول الفقه وذلك لا يعرف ولا أراه إلا تصحيفا من الخوطين والخوط بضم الخاء المنقوطة والطاء المهملة هو الغض الناعم فاعلم ذلك والله أعلم
وأما قول القائل بلغ رأس المال إلى آخره فهذا دليل يذكر في المنع من السلم الحال وأعلى مراتب الأعيان أن ينضم الى العينية القبض في مجلس العقد وأعلى مراتب الديون أن ينظم إلى الدينية وصف الأجل ثم أنه لا يتوقف صحة العبارة على تبيين الزيادة على مرتبتين فلسنا نتكلفه والله أعلم
57 مسألة قال بعضهم عن الامام مالك رضي الله عنه أنه جمع بين السنة والحديث فما الفرق بين السنة والحديث

(1/139)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية