صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : شرح الكوكب المنير
مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
[ الكتاب مشكول ومرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

( والرابع ) من أقسام مفهوم المخالفة الستة : الغاية ، وهو مد الحكم بأداة الغاية ( ك ) إلى ، وحتى ، واللام ومن ذلك من جهة المعنى قوله سبحانه وتعالى { فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } وحديث { لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول } وهو حجة عند الجمهور ، وإليه ذهب معظم نفاة المفهوم ( وهو أقوى من ) القسم ( الثالث ) من جهة الدلالة ؛ لأنهم أجمعوا على تسميتها حروف الغاية ، وغاية الشيء نهايته ، فلو ثبت الحكم بعدها لم يفد تسميتها غاية .
وذهب أكثر الحنفية وجماعة من الفقهاء والمتكلمين إلى المنع .

(2/272)


( والخامس ) من أقسام مفهوم المخالفة " العدد " وهو تعليق الحكم بعدد مخصوص ( ك ) نحو قوله تعالى { فاجلدوهم ثمانين جلدة } وبه قال أحمد ومالك وداود ، رضي الله تعالى عنهم وبعض الشافعية .
قال سليم منهم : وهو دليلنا في نصاب الزكاة ، والتحريم بخمس رضعات .
ونقله أبو حامد وأبو المعالي والماوردي عن نص الشافعي ، قال ابن الرفعة : القول بمفهوم العدد هو العمدة عندنا في تنقيص الحجارة في الاستنجاء من الثلاثة ، ونفاه الحنفية والمعتزلة والأشعرية .
والقول به أصح ؛ لئلا يعرى التحديد به عن فائدة .
ومحل الخلاف : في عدد لم يقصد به التكثير كالألف والسبعين ، وكل ما يستعمل في لغة العرب للمبالغة ، نحو جئتك ألف مرة فلم أجدك ، { وقول النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل عليه { إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم } لأزيدن على السبعين } استمالة للأحياء ، وجعل أبو المعالي وأبو الطيب وجمع مفهوم العدد من قسم الصفات ؛ لأن قدر الشيء صفته .

(2/273)


( والسادس ) من أقسام مفهوم المخالفة " اللقب " وهو ( تخصيص اسم بحكم وهو حجة ) عند أحمد ومالك وداود رضي الله تعالى عنهم والصيرفي والدقاق وابن فورك وابن خويز منداد وابن القصار ونفاه القاضي أبو يعلى وابن عقيل والموفق ، وقال : ولو كان مشتقا كالطعام .
وقال المجد ومن وافقه : إنه حجة بعد سابقة ما يعمه ، كقول النبي صلى الله عليه وسلم { وترابها طهور } بعد قوله { جعلت لي الأرض مسجدا } وكما لو قيل : يا رسول الله ، أفي بهيمة الأنعام زكاة ؟ فقال " في الإبل زكاة " أو هل نبيع الطعام بالطعام ؟ فقال " لا تبيعوا البر بالبر " تقوية للخاص بالعام ، كالصفة بالموصوف قال : وأكثر ما جاء عن أحمد في مفهوم اللقب لا يخرج عن هذا .
وجه القول الأول : أنه لو تعلق الحكم بالعام لم يتعلق بالخاص ؛ لأنه أخص وأعم ، ولأنه يميز مسماه ، كالصفة .

(2/274)


( فصل إذا ) ( خص نوع ) من جنس ( بالذكر بمدح أو ذم أو غيرهما ) أي بشيء غير المدح والذم ( مما لا يصلح لمسكوت عنه ) ( فله ) أي فلذلك الذكر ( مفهوم ) ومن ذلك قوله تعالى { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } فالحجاب عذاب فلا يحجب من لا يعذب ، ولو حجب الجميع لم يكن عذابا قال الإمام مالك رحمه الله : لما حجب أعداءه تجلى لأوليائه حتى رأوه .
وقال الشافعي رضي الله عنه لما حجب هؤلاء في السخط كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه في الرضا وقال أيضا : في الآية دلالة على أن أولياءه يرونه يوم القيامة بأبصار وجوههم وبهذه الآية استدل الإمام أحمد وغيره من الأئمة رضي الله تعالى عنهم على الرؤية للمؤمنين قال الزجاج : لولا ذلك لم يكن فيها فائدة ، ولا حسنت منزلتهم بحجبهم ( وإذا اقتضى حال أو ) اقتضى ( لفظ عموم الحكم لو عم ، فتخصيص بعض بالذكر له مفهوم ) ذكره الشيخ تقي الدين وغيره ومن ذلك قوله تعالى " { وفضلناهم على كثير ممن خلقنا } وقوله تعالى { ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض } - إلى قوله - { وكثير من الناس } ( وفعله ) أي فعل النبي صلى الله عليه وسلم ( له دليل كدليل الخطاب ) عند أكثر أصحابنا ، وأخذوه من قول أحمد رضي الله تعالى عنه : لا يصلى على ميت بعد شهر ؛ لحديث أم سعد رواه الترمذي ورواته ثقات عن سعيد بن المسيب { أن أم سعد ماتت ، والنبي صلى الله عليه وسلم غائب ، فلما قدم صلى عليها وقد مضى لذلك شهر } وضعف

(2/275)


هذه الدلالة بعض أصحابنا وغيرهم قال ابن عقيل : ليس للعقل صيغة تعم ولا تخص ، فضلا عن أن يجعل لها دليل خطاب ( ودلالة المفهوم كلها بالالتزام ) بمعنى أن النفي في المسكوت لازم للثبوت في المنطوق ملازمة ظنية لا قطعية .

(2/276)


( فصل : كلمة ) ( " إنما " بكسر وفتح ) أي بكسر همزتها وفتحها ( تفيد الحصر ) ( نطقا ) أي من جهة النطق عند أبي الخطاب وابن المنى والموفق والفخر منا وبعض الحنفية والشافعية ، وعند القاضي وابن عقيل والحلواني والأكثر فهما يعنى بالمفهوم ، وعند أكثر الحنفية والآمدي والطوفي من أصحابنا ومن وافقهم : لا تفيد الحصر نطقا ولا فهما ، بل تؤكد الإثبات واختاره أبو حيان .
وقال : كما لا يفهم ذلك من أخواتها المكفوفة بما مثل : ليتما ، ولعلما ، وإذا فهم من " إنما " حصر ، فإنما هو من السياق ، لا أنها تدل عليه بالوضع ونقله عن البصريين قال البرماوي : وفيه نظر فإن إمام اللغة نقل عن أهل اللغة أنها تفيده لجواز " إنما المرء بأصغريه يعني قلبه ولسانه أي كماله بهذين العضوين لا بهيئته ومنظره ثم قال نعم لهم طرق في إفادتها الحصر أقواها نقل أهل اللغة استقراء استعمالات العرب إياها في ذلك ، وأصعبها طريقة الرازي وأتباعه : أن " إن " للإثبات و " ما " للنفي .
ولا يجتمعان ، فيجعل الإثبات للمذكور والنفي للمسكوت ورد بمنع كل من الأمرين ؛ لأن " إن " لتوكيد النسبة ، نفيا كان أو إثباتا نحو إن زيدا قام ، وإن زيدا لم يقم ، و " ما " كافة لا نافية على المرجح .
وبتقدير التسلم : فلا يلزم استمرار المعنى في حالة الإفراد أو حالة التركيب قال السكاكي : ليس الحصر في " إنما " لكون " ما " للنفي ، كما يفهمه من لا وقوف له على النحو ؛ لأنها لو كانت للنفي لكان لها الصدر .
ثم

(2/277)


حكى عن الربعي : [ أن ] إن لتأكيد إثبات المسند للمسند إليه ، و " ما " مؤكدة فناسب معنى الحصر .
دليل القائل بالحصر : تبادر الفهم بلا دليل واحتج ابن عباس رضي الله تعالى عنه على إباحة ربا الفضل بقوله صلى الله عليه وسلم { إنما الربا في النسيئة } وهو في الصحيحين وشاع في الصحابة ولم ينكر ، وعدل إلى دليل ، لكن قال البرماوي : فيه نظر ، فإن ابن عباس رواه عن أسامة بلفظ { ليس الربا إلا في النسيئة } كما في مسلم .
فيحتمل أنه مستند ابن عباس وقد يجاب بأنهم قد رووا أنه استدل بذلك ، وأنهم لما وافقوه كان كالإجماع .

(2/278)


( وقد ) ( ترد ) إنما ( لتحقيق منصوص ، لا لنفي غيره ) نحو " إنما الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم " ( و ) لفظ { تحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم } يفيد الحصر نطقا ؛ لأنه مضاف إلى ضمير عائد إلى الصلاة ، وفيها السلام ، وبه احتج أصحابنا ، وأصحاب الشافعي على تعيين لفظي التكبير والتسليم بقوله صلى الله عليه وسلم { تحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم } ومنعه الحنفية لمنعهم المفاهيم ورد بأن التعيين مستفاد من الحصر المدلول عليه بالمبتدأ والخبر ، فإن التحريم منحصر في التكبير كانحصار زيد في صداقتك ، إذا قلت : صديقي زيد أما إذا كان الخبر نكرة ، نحو زيد قائم ، فالأصح أنها لا تفيد الحصر ، كما في الحديث { الصيام جنة } فإنه لا يمنع أن يكون غيره أيضا جنة .

(2/279)


( و ) لفظ ( صديقي ) زيد ( أو العالم زيد ، ونحو ذلك ) كقولك : القائم زيد ( ولا قرينة عهد تفيد الحصر نطقا ) من صيغ الحصر المعتبر ، مفهومه حصر المبتدأ في الخبر ، وله صورتان وصيغتان ، إحداهما : نحو صديقي زيد قاله المحققون ، مستدلين بأن " صديقي " عام ، فإذا أخبر عنه بخاص - وهو زيد - كان حصرا لذلك العام ، وهو الأصدقاء كلهم في الخبر ، وهو زيد ، إذ لو بقي من أفراد العموم ما لم يدخل في الخبر لزم أن يكون المبتدأ أعم من الخبر ، وذلك لا يجوز قال الغزالي : لا لغة ولا عقلا ، فلا تقول : الحيوان إنسان ، ولا الزوج عشرة ، بل أن يكون المبتدأ أخص أو مساويا ، والصيغة الثانية : العالم زيد ونحوه ، كالقائم زيد ، إذا جعلت اللام للحقيقة أو للاستغراق لا للعهد ، والحكم فيهما كالصيغ التي قبلهما .

(2/280)


( ويحصل حصر ) أيضا ( بنفي ) سواء كان النفي بما أو بغيرها ، كلا ، ولم ، وإن ، وليس ( ونحوه ) أي نحو النفي ، كالاستفهام ( واستثناء تام ومفرغ ، وفصل مبتدأ من خبر بضمير الفصل ) فمثال النفي " لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل " ومثال نحو النفي ، وهو الاستفهام { فهل يهلك إلا القوم الفاسقون } ومثال الاستثناء : لا إله إلا الله ، وما لي سوى الله ، وقول الشاعر : رضيت بك اللهم ربا فلن أرى أدين إلها غيرك الله واحدا ومثال فصل المبتدأ من الخبر بضمير الفصل : قوله تعالى { وإن جندنا لهم الغالبون } فإنه لم يسق إلا للإعلام بأنهم الغالبون دون غيرهم ، وكذا قوله تعالى " { وأن المسرفين هم أصحاب النار } { إن الله هو الغفور الرحيم } ولأن ذلك لم يوضع إلا للإفادة ، ولا فائدة في مثل قوله تعالى { ولكن كانوا هم الظالمين } سوى الحصر .

(2/281)


( ويفيد الاختصاص ) بالنصب على أنه مفعول مقدم ليفيد ( وهو الحصر ) جملة اسمية وقعت بين الفعل وفاعله ( تقديم ) بالرفع على أنه فاعل يفيد ( المعمول ) بالجر على أنه مضاف إليه ، ومن ذلك قوله تعالى { إياك نعبد وإياك نستعين } أي نخصك بالعبادة والاستعانة ، وهذا معنى الحصر .
وسواء في المعمول المفعول ، كما تقدم في { إياك نعبد } والحال والظرف والخبر بالنسبة إلى المبتدأ ، نحو تميمي أنا وبه صرح صاحب المثل السائر ، وأنكره صاحب الفلك الدائر ، وقال : لم يقل به أحد ، وإنكاره عجيب ، فكلام البيانيين طافح به ، وبه احتج أصحابنا وأصحاب الشافعي على تعيين لفظي التكبير والتسليم ، بقوله صلى الله عليه وسلم { تحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم } وهو يفيد الاختصاص قاله البيانيون ، وخالفهم في ذلك ابن الحاجب ، وأبو حيان ، فقال ابن الحاجب في شرح المفصل : إن توهم الناس لذلك وهم ، وتمسكهم بنحو { بل الله فاعبد } ضعيف لورود { فاعبد الله } فيلزم أن المؤخر يفيد عدم الحصر ، بكونه يقتضيه ، وأجيب : لا يستلزم حصرا ولا عدمه ولا يلزم من عدم إفادة الحصر إفادة نفيه لا سيما و " مخلصا " في قوله تعالى " { فاعبد الله مخلصا } مغن عن إفادة الحصر وقال أبو حيان في أول تفسيره في رد دعوى الاختصاص : إن سيبويه قال : إن التقديم للاهتمام والعناية ، فهو في التقديم والتأخير كما في ضرب زيد عمرا وضرب عمرا زيد ، فكما أن هذا لا يدل على الاختصاص ، فكذلك مثالنا ، وأجيب بأن تشبيه

(2/282)


سيبويه إنما هو في أصل الإسناد ، وأن التقديم يشعر بالاهتمام والاعتناء ولا يلزم من ذلك نفي الاختصاص وقال صاحب الفلك الدائر : الحق أنه لا يدل على الاختصاص إلا بالقرائن ، والأكثر في القرآن التصريح به مع عدم الاختصاص نحو " { إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى } ولم يكن ذلك خاصا به ، فإن حواء كذلك ، وكون الاختصاص هو الحصر - كما في المتن - هو رأي جمهور العلماء وخالف السبكي ، فقال : ليس معنى الاختصاص الحصر ، خلافا لما يفهمه كثير من الناس ؛ لأن الفضلاء - كالزمخشري - لم يعبروا في نحو ذلك إلا بالاختصاص .
انتهى .
( وأقواها ) أي أقوى المفاهيم ( استثناء ، ف ) يليه ( حصر بنفي ، ف ) يليه ( ما قيل : إنه منطوق ، ف ) يليه ( حصر مبتدأ ) في خبر ( ف ) يليه ( شرط ، فصفة مناسبة ، ف ) صفة هي ( علة ، فغيرها ) أي فصفة غير علة ( فعدد ، فتقديم معمول ) والله سبحانه وتعالى أعلم .

(2/283)


( باب : النسخ لغة : الإزالة ) وهو الرفع ( حقيقة ) يقال : نسخت الشمس الظل : أي أزالته ورفعته ، ونسخت الريح الأثر كذلك ( و ) يراد به ( النقل مجازا ) وهو نوعان ، أحدهما : النقل مع عدم بقاء الأول ، كالمناسخات في المواريث ، فإنها تنتقل من قوم إلى قوم ، مع بقاء المواريث في نفسها ، والثاني : النقل مع بقاء الأول كنسخ الكتاب ومنه قوله تعالى { إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون } وما تقدم هو قول الأكثر ، وقيل : إنه حقيقة في النقل مجاز في الرفع والإزالة عكس الأول وقيل : مشترك بين الإزالة والنقل ( و ) النسخ ( شرعا ) أي في اصطلاح الأصوليين ( رفع حكم شرعي بدليل شرعي متراخ ) أي الدليل عن الحكم ذكر معنى ذلك ابن الحاجب وغيره ، وهو قول الأكثر وقول من قال " بدليل شرعي " أولى ممن قال " بخطاب شرعي " لدخول الفعل في الدليل دون الخطاب وعبر البيضاوي بطريق شرعي ، وهو حسن أيضا .
ومن النسخ بالفعل : نسخ الوضوء مما مست النار بأكل النبي صلى الله عليه وسلم من الشاة ولم يتوضأ ، وقوله " متراخ " لتخرج المخصصات المتصلة ، والمراد بالحكم : ما تعلق بالمكلف بعد وجوده أهلا ، وقل : إن النسخ بيان انتهاء مدة الحكم لا رفعه ، قال في الروضة : ومعنى الرفع : إزالة الشيء على وجه لولاه لبقي ثابتا ، على مثال رفع حكم الإجارة بالفسخ ، فإن ذلك يفارق زوال حكمها بانقضاء مدتها قال : وقيدنا الحد بالخطاب المتقدم ؛ لأن ابتداء العبادات في الشرع مزيل لحكم العقل من براءة الذمة

(2/284)


، وليس بنسخ ، وقيدناه بالخطاب الثاني ؛ لأن زوال الحكم بالموت والجنون ليس بنسخ ، وقولنا " مع تراخيه عنه " ؛ لأنه لو كان متصلا به كان بيانا ، وإتماما لمعنى الكلام ، وتقديرا له بمدة وشرط .
انتهى .
( والناسخ هو الله تعالى حقيقة ) قال ابن قاضي الجبل وغيره : الناسخ يطلق على الله سبحانه وتعالى يقال : نسخ فهو ناسخ ، قال الله تعالى { ما ننسخ من آية أو ننسها } ويطلق على الطريق المعرفة لارتفاع الحكم من الآية ، وخبر الرسول صلى الله عليه وسلم وفعله وتقريره والإجماع على الحكم ، كقولنا : وجوب صوم رمضان نسخ صوم يوم عاشوراء .
وعلى من يعتقد نسخ الحكم ، كقولهم : فلان ينسخ القرآن بالسنة ، أي يعتقد ذلك فهو ناسخ والاتفاق على أن إطلاقه على الأخيرين مجاز ، وإنما الخلاف في الأولين ، فعند المعتزلة : حقيقة في الطريق لا فيه تعالى ، وعند الجمهور : حقيقة في الله تعالى مجاز في الطريق ، والنزاع لفظي .
انتهى .
( والمنسوخ : الحكم المرتفع بناسخ ) كالمرتفع من وجوب تقديم الصدقة بين يدي مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم .

(2/285)


( ولا يكون ) ( الناسخ أضعف ) يعني من المنسوخ عند أصحابنا ، والأكثر .
قال ابن قاضي الجبل يشترط في الناسخ عند الأكثر أن يكون أقوى من المنسوخ أو مساويا له ، ولذلك ذكره أبو الخطاب عن أصحابنا .
انتهى .

(2/286)


( ولا ) ( نسخ مع إمكان الجمع ) بين الدليلين ؛ لأنا إنما نحكم بأن الأول منهما منسوخ إذا تعذر علينا الجمع فإذا لم يتعذر وجمعنا بينهما بكلام مقبول ، أو بمعنى مقبول فلا نسخ .
قال المجد في المسودة وغيره : لا يتحقق النسخ إلا مع التعارض فأما مع إمكان الجمع فلا ، وقول من قال : نسخ صوم عاشوراء برمضان ، ونسخت الزكاة كل صدقة سواها فليس يصح إذا حمل على ظاهره ؛ لأن الجمع بينهما لا منافاة فيه ، وإنما وافق نسخ عاشوراء فرض رمضان ، ونسخ سائر الصدقات فرض الزكاة فحصل النسخ معه لا به ، وهو قول القاضي وغيره .
انتهى .

(2/287)


( ولا ) نسخ ( قبل علم مكلف ) بالمأمور ( به ) ؛ لعدم الفائدة باعتقاد الوجوب والعزم على الفعل ، وجوزه الآمدي ، لعدم مراعاة الحكم في أفعاله تعالى وتقدس .

(2/288)


( ويجوز ) النسخ ( في السماء والنبي صلى الله عليه وسلم هناك ) ذكره ابن عقيل والمجد ، وكثير من العلماء ، وذلك ؛ لأنه قد بلغ بعض المكلفين ، وهو سيد البشر ، فإنه قد اعتقد هو وجوبه وعلمه ، وعليه يدل كلام السمعاني .
حيث قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد علمه واعتقد وجوبه ، فلم يقع النسخ له إلا بعد علمه واعتقاده .

(2/289)


( و ) يجوز النسخ أيضا ( قبل وقت الفعل ) أي قبل دخول وقت الفعل عند أصحابنا والأشعرية وأكثر الشافعية .
وذكره الآمدي ، وهو قول أكثر الفقهاء ، ومنعه أكثر الحنفية والمعتزلة ، والصيرفي وابن برهان واستدل للأول - وهو الصحيح - بما تواتر في ذلك ، ففي الصحيحين وغيرهما في نسخ فرض خمسين صلاة في السماء ليلة الإسراء بخمس قبل تمكنه صلى الله عليه وسلم من الفعل .
وفي البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه في بعث ، وقال { إن وجدتم فلانا وفلانا فأحرقوهما بالنار } ثم قال حين أردنا الخروج { إن النار لا يعذب بها إلا الله ، فإن وجدتموهما فاقتلوهما } { وأمر صلى الله عليه وسلم بكسر قدور من لحم حمر إنسية فقال رجل : أو نغسلها ؟ فقال : اغسلوها } متفق عليه .
وعلم مما تقدم .
أن النسخ قبل الفعل بعد دخول وقته : جائز بلا خلاف قال أبو الخطاب في التمهيد : لا أعلم فيه خلافا قال : ولا فرق عقلا بين أن يعصي أو يطيع وجزم بعضهم بالمنع لعصيانه .
انتهى

(2/290)


( و ) يجوز النسخ ( عقلا ) باتفاق أهل الشرائع سوى السمعتية من اليهود ، وكذا يجوز سمعا باتفاق أهل الشرائع سوى العنانية من اليهود ، فإنهم يجوزونه عقلا لا سمعا ، ووافقهم على ذلك أبو مسلم الأصفهاني ، قال ابن حمدان في المقنع : أنكر طائفة من اليهود وهم العنانية - أتباع عنان - وقوعه عقلا لا شرعا وأنكرت الشمعثية منهم أتباع شمعثا الأمرين ، وحكى ابن الزاغوني عنهم عكسه ، وقال بعضهم : يجوز نسخ عبادة بأثقل منها عقوبة وقال أكثرهم : تجوز شرعا لا عقلا " وأن محمدا وعيسى لم يأتيا بمعجزة ، وقال العيسوية - أتباع غير النبي إنهما أتيا بالمعجزة ، وبعثا إلى العرب والأميين ، انتهى .
وأبو مسلم هذا هو محمد بن بحر الأصفهاني قال ابن السمعاني : وهو رجل معروف بالعلم ، وإن كان قد انتسب إلى المعتزلة ، ويعد منهم وله كتاب كبير في التفسير ، وله كتب كثيرة فلا أدري كيف وقع هذا الخلاف منه ؟ .
انتهى .
( ووقع ) النسخ ( شرعا ) قال في شرح التحرير : والحق الذي لا محيد عنه ولا شك فيه : جوازه عقلا وشرعا وأما الوقوع : فواقع لا محالة ، ورد في الكتاب والسنة قطعا ، وأيضا القطع بعدم استحالة تكليف في وقت ورفعه .
وإن قيل : أفعال الله تعالى تابعة لمصالح العباد كالمعتزلة ، فالمصلحة قد تختلف باختلاف الأوقات .

(2/291)


( ولا يجوز البداء على الله ) سبحانه و ( تعالى ) ، ( وهو تجدد العلم وهو ) أي القول بتجدد علمه جل وعلا ( كفر ) بإجماع أئمة أهل السنة قال الإمام أحمد رحمه الله : من قال : إن الله تعالى لم يكن عالما حتى خلق لنفسه علما فعلم به فهو كافر وقال ابن الزاغوني : البداء : هو أن يريد الشيء دائما ، ثم ينتقل عن الدوام لأمر حادث لا بعلم سابق قال : أو يكون سببه دالا على إفساد الموجب لصحة الأمر الأول ، بأن يأمره لمصلحة لم تحصل فيبدو له ما يوجب رجوعه عنه .
انتهى .

(2/292)


( وبيان غاية مجهولة ) للحكم نحو قوله تعالى { حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا } " ( ليس ) ذلك البيان ( بنسخ ) قال ابن مفلح : اختلف كلام أصحابنا وغيرهم : هل هو نسخ ، أم لا ؟ والأظهر النفي انتهى وللقاضي القولان ، فإنه قال : في موضع قوله تعالى ( { الزانية والزاني } - الآية ) ؛ إن هذه الغاية مشروطة في حكم مطلق ؛ لأن غاية كل حكم إلى موت المكلف ، أو إلى النسخ ، وكذلك ذكر في مسألة الأخف بالأثقل أن حد الزاني في أول الإسلام كان الحبس ثم نسخ ، وجعل حد البكر الجلد والتغريب ، والثيب الجلد والرجم ، وقال في مسألة نسخ القرآن بالسنة : إن الحبس في الآية لم ينسخ ؛ لأن النسخ أن يرد لفظ عام يتوهم دوامه ، ثم يرد ما يرفع بعضه ، والآية لم ترد بالحبس على التأبيد ، وإنما وردت به إلى غاية ، هي أن يجعل الله لهن سبيلا فأثبتت الغاية ، فوجب الحد بعد الغاية بالخبر .
انتهى .

(2/293)


( وينسخ ) بالبناء للمفعول ( إنشاء ، ولو ) كان الإنشاء ( بلفظ قضاء ) في الأصح نحو " قضى الله بصوم عاشوراء " مثلا ، ثم ينسخه وهذا قول الجمهور وقال بعضهم : لا يجوز نسخه ؛ لأن القضاء إنما يستعمل فيما لا يتغير ، نحو قوله تعالى { وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه } ( أو ) كان الإنشاء ( خبرا ) يعني أنه ينسخ الإنشاء ولو كان بلفظ الخبر ، سواء كان بمعنى الأمر أو النهي ، نحو { والمطلقات يتربصن } ونحو { لا تضار والدة بولدها } قال الجمهور : يجوز نسخه باعتبار معناه ، فإن معناه الإنشاء ، وقال أبو بكر الدقاق : يمتنع نسخه باعتبار لفظه .

(2/294)


( أو قيد ) بالبناء للمفعول الإنشاء ( بتأبيد ) أي بلفظ تأبيد ( أو ) بلفظ ( حتم ) نحو " صوموا يوم عاشوراء أبدا ، أو دائما ، أو مستمرا ، أو حتما " وجواز نسخه قول الجمهور وخالف في ذلك جمع من المتكلمين والحنفية قالوا لمناقضته الأبدية ، فيؤدي ذلك إلى البداء .
وجوابه : أن ذلك إنما يقصد به المبالغة لا الدوام ، كما تقول : لازم غريمك أبدا ، وإنما تريد لازمه إلى وقت القضاء ، فيكون المراد هنا لا تخل به إلى أن ينقضي وقته وكما يجوز تخصيص عموم مؤكد بكل ويمنع التأبيد عرفا ، وبالإلزام بتخصيص عموم مؤكد ، والجواب واحد .
قالوا : إذا كان الحكم لو أطلق الخطاب مستمرا إلى النسخ ، فما الفائدة في التقييد بالتأبيد ؟ قلنا : فائدته التنصيص والتأكيد ، وأيضا فلفظ " الأبد " إنما مدلوله الزمان المتطاول ، ولا فرق على قول الجمهور بين كون الجملة فعلية ، نحو صوموا أبدا ، أو اسمية ، نحو الصوم واجب مستمر أبدا ووقع في عبارة ابن الحاجب ما يحتمل خلاف ذلك ولفظه : الجمهور على جواز نسخ مثل : صوموا أبدا بخلاف : الصوم [ واجب ] مستمر أبدا انتهى .
واختلف شارحاه الأصفهاني والعضد في حل لفظه ، ووافق ابن السبكي وغيره على ما قاله القاضي عضد الدين في احتمال كلامه لما قاله الجمهور .

(2/295)


( ويجوز ) ( نسخ إيقاع الخبر ) الذي أمر المكلف بالإخبار به ( حتى بنقيضه ) أي نقيض الخبر الأول ، خلافا للمعتزلة ، قال القاضي عضد الدين ، في شرح المختصر : نسخ الخبر له صورتان ، إحداهما : نسخ إيقاع الخبر ، بأن يكلف الشارع أحدا بأن يخبر بشيء عقلي أو عادي ، [ أو شرعي ] كوجود الباري ، وإحراق النار ، وإيمان زيد ثم ينسخه .
فهذا جائز اتفاقا وهل يجوز نسخه بنقيضه [ أي بأن يكلفه الإخبار بنقيضه ] ؟ المختار جوازه ، خلافا للمعتزلة ، ومبناه على أصلهم في حكم العقل ؛ لأن أحدهما كذب ، فالتكليف به قبيح .
وقد علمت فساده .
قال البرماوي : الثالث : أن يراد مع نسخه التكليف بالإخبار بضد الأول ، إلا أن المخبر به مما لا يتغير كالإخبار بكون السماء فوق الأرض ، ينسخ بالإخبار بأن السماء تحت الأرض .
وذلك جائز وخالف المعتزلة فيه ، كما قال الآمدي ، محتجين بأن أحدهما كذب ، والتكليف به قبيح ، فلا يجوز عقلا .
وهو بناء على قاعدتهم الباطلة في التحسين والتقبيح العقليين فإن قيل : الكذب نقص ، وقبحه بالعقل باتفاق ، فلم لا يمتنع ؟ .
فالجواب : أن القبح فيه بالنسبة لفاعله لا لاعتبار التكليف به بل إذا كلف به صار جائرا فلا يكون قبيحا ، إذ لا حسن ولا قبح إلا بالشرع ، لا سيما إذا تعلق به غرض شرعي ، فإنه من حيث ذلك يكون حسنا .
انتهى .

(2/296)


( و ) لا يجوز نسخ ( مدلول خبر ) إجماعا حكاه أبو إسحاق المروزي .
وابن برهان إذا كان ذلك الحكم ( لا يتغير كصفات الله ) سبحانه و ( تعالى ، وخبر ما كان وما يكون ) وأخبار الأنبياء عليهم السلام ، وأخبار الأمم السابقة والإخبار عن الساعة وأماراتها قال ابن مفلح : ونسخ مدلول خبر لا يتغير محال إجماعا ( أو ) مدلول ( خبر ) يتغير ( كإيمان زيد وكفره مثلا ) يعني فإنه لا يجوز نسخه أيضا على الأصح .
وعليه الأكثر .
قال ابن مفلح : منعه جمهور الفقهاء والأصوليين .
انتهى وقيل : يجوز ذلك .
واختاره الشيخ تقي الدين وجمع من أصحابنا وغيرهم ، ويخرج عليه نسخ المحاسبة بما في النفوس في قوله تعالى { إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } " كقول جماعة من الصحابة والتابعين ، فهو في صحيح مسلم عن أبي هريرة وفي البخاري عن ابن عمر قال الخطابي : النسخ يجري فيما أخبر الله تعالى أنه يفعله ؛ لأنه يجوز تعليقه على شرط ، بخلاف إخباره عما لا يفعله ، إذ لا يجوز دخول الشرط فيه .
قال : وعلى هذا تأول ابن عمر النسخ ، في قوله تعالى " " { إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } فإنه نسخها بعد ذلك برفع المؤاخذة على حديث النفس انتهى .
وقيل : يجوز نسخ مدلول خبر يتغير إن كان مستقبلا ؛ لأن نسخ الماضي يكون تكذيبا وهذا التفصيل مبني على أن الكذب لا يكون في المستقبل .
والمنصوص عن أحمد رحمه الله أن الكذب يكون في المستقبل كالماضي ( إلا خبر عن حكم ) نحو : هذا الفعل جائز ، وهذا الفعل حرام

(2/297)


فهذا يجوز نسخه بلا خلاف ؛ لأنه في الحقيقة إنشاء قاله البرماوي وغيره .

(2/298)


( ويجوز ) ( نسخ بلا بدل ) عن المنسوخ عند أكثر العلماء ومنعه جمع ونقل عن المعتزلة ومنعه بعض العلماء في العبادة ، بناء على أن النسخ يجمع معنى الرفع والنقل واستدل للأول - الذي هو الصحيح - بأنه نسخ تقديم الصدقة أمام المناجاة ، وتحريم ادخار لحوم الأضاحي وفي البخاري أنه { كان إذا دخل وقت الفطر ، فنام قبل أن يفطر يحرم الطعام والشراب ، وإتيان النساء إلى الليلة الآتية } ثم نسخ واحتج الآمدي أنه لو فرض وقوعه لم يلزم منه محال .
ورده بعض أصحابنا وغيرهم بأنه مجرد دعوى قالوا : قال تعالى { نأت بخير منها أو مثلها } رد الخلاف في الحكم لا في اللفظ ثم ليس بعام في كل حكم .
ثم مخصص بما سبق ثم يكون نسخه بغير بدل خيرا ، لمصلحة علمها ثم إنما تدل الآية أنه لم يقع ، لا أنه لا يجوز .
وأيضا المصلحة قد تكون فيما نسخ ، ثم تصير المصلحة في عدمه .
هذا عند من يعتبر المصالح .
وأما عند من لا يعتبرها فلا إشكال فيه وبالجملة : قال الله تعالى { يفعل ما يشاء } قال الباقلاني : كما يجوز أن الله سبحانه وتعالى يرفع التكاليف كلها .
فرفع بعضها بلا بدل من باب أولى ( ووقع ) في قول الأكثر وخالف الشافعي رحمه الله وأول والدليل على الوقوع ما تقدم من الآيات وعبارة الشافعي في الرسالة في ابتداء الناسخ والمنسوخ : وليس ينسخ فرض أبدا ، إلا أثبت مكانه فرض ، كما نسخت قبلة بيت المقدس .
فأثبت مكانها الكعبة .
قال الصيرفي في شرحه : مراده أن ينقل من حظر إلى إباحة

(2/299)


، أو من إباحة إلى حظر أو تخيير على حسب أحوال المفروض .
قال : كنسخ المناجاة ، فإنه تعالى لما فرض تقديم الصدقة ، أزال ذلك بردهم إلى ما كانوا عليه ، فإن شاءوا تقربوا إلى الله تعالى بالصدقة ، وإن شاءوا ناجوه من غير صدقة قال : فهذا معنى قول الشافعي : فرض مكان فرض فتفهمه .
انتهى .
فظهر أن مراد الشافعي بالبدل أعم من حكم آخر ضد المنسوخ كالقبلة أو الرد لما كانوا عليه قبل شرع المنسوخ كالمناجاة ، فالمدار على ثبوت حكم شرعي في المنسوخ في الجملة ، حتى لا يتركوا هملا بلا حكم في ذلك المنسوخ بالكلية ، إذ ما في الشريعة منسوخ إلا وقد انتقل عنه إلى أمر آخر ، ولو أنه إلى ما كان عليه قبل ذلك ، فلم يترك الرب عباده هملا .

(2/300)


( و ) يجوز النسخ ( بأثقل ) من المنسوخ عند أكثر العلماء ، قد تقدم جواز النسخ إلى غير بدل ، وإلى بدل فإذا كان إلى بدل ، فالبدل : إما مساو ، أو أخف ، أو أثقل ، والأولان جائزان باتفاق ، فمثال المساوي : نسخ استقبال بيت المقدس باستقبال الكعبة ومثال الأخف : وجوب مصابرة العشرين من المسلمين بمائتين من الكفار ، والمائة ألفا كما في الآية ، نسخ بقوله - سبحانه وتعالى - { الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين } فأوجب مصابرة الضعف ، وهو أخف من الأول .
ومثله نسخ العدة بالحول في الوفاة بالعدة بأربعة أشهر وعشرا وأما النسخ بالأثقل : فهو محل الخلاف ، والجمهور على الجواز ودليل وقوعه : أن الكف عن الكفار كان واجبا بقوله تعالى " { ودع أذاهم } فنسخ بإيجاب القتال وهو أثقل ، أي أكثر مشقة .
وكذا نسخ وجوب صوم يوم عاشوراء بصوم رمضان ، وهو قول أبي حنيفة أنه كان واجبا وظاهر كلام أحمد رحمه الله وصاحبه الأثرم ، ومذهب الشافعي رحمه الله : أنه لم يكن واجبا ، وإنما كان متأكد الاستحباب ، وبه قال كثير من أصحابنا وغيرهم .

(2/301)


( و ) يجوز ( تأبيد تكليف بلا غاية ) وهذه المسألة مبنية على وجوب الجزاء وجوزه ابن عقيل وغيره ، وأنه قول الفقهاء والأشعرية ، وخالف بعض أصحابنا والمعتزلة .
قال المجد في المسودة ، وتبعه من بعده : يجوز أن يرد الأمر والنهي دائما إلى غير غاية فيقول : صلوا ما بقيتم أبدا ، وصوموا رمضان ما حييتم [ أبدا ] ، فيقضي الدوام مع بقاء التكليف وبهذا قال الفقهاء والأشاعرة من الأصوليين ، وحكاه ابن عقيل في أواخر كتابه قال المجد : ومنعت المعتزلة منه ، وقالوا : متى ورد اللفظ بذلك لم يقتض الدوام ، وإنما هو حث على التمسك بالفعل قال الشيخ تقي الدين : وحرف المسألة أنهم [ لا يمنعون الدوام في الدنيا وإنما ] يمنعون الدوام مطلقا ويقولون : لا بد من دار ثواب غير دار التكليف وجوبا على الله تعالى ، فيكون قوله " أبدا " مجازا ، وموجب قولهم : أن الملائكة غير مكلفين وقد استدل ابن عقيل باستعباد الملائكة ، وإبليس .
( تنبيه : لم تنسخ إباحة إلى إيجاب ولا إلى كراهة ) قال في شرح التحرير : رأيت ذلك في بعض كتب أصحابنا .

(2/302)


( فصل ، يجوز نسخ التلاوة ) أي تلاوة كلمات القرآن ( دون الحكم ) الذي دلت عليه الكلمات المنسوخة ( وعكسه ) أي نسخ الحكم دون التلاوة ، خلافا للمعتزلة في الصورتين ( وهما ) أي التلاوة والحكم معا قال ابن مفلح : ولم تخالف المعتزلة في نسخهما معا ، خلافا لما حكاه الآمدي عنهم .
ا هـ .
وأما نسخ جميع القرآن : فممتنع بالإجماع ؛ لأنه معجزة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم المستمرة على التأبيد ، قال بعض المفسرين في قوله تعالى { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه } أي لا يأتيه ما يبطله ، ثم في كيفية وقوع النسخ في بعضه ثلاثة أنواع : ما نسخت تلاوته ، وحكمه باق ، وما نسخ حكمه فقط ، وتلاوته باقية ، وما جمع فيه نسخ التلاوة والحكم .
مثال الأول : ما رواه مالك والشافعي وابن ماجه { عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم ، أو يقول قائل : لا نجد حدين في كتاب الله ؛ فلقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ورجمنا ] والذي نفسي بيده ، لولا أن يقول الناس : زاد عمر في كتاب الله ، لأثبتها : الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة فإنا قد قرأناها } وفي الصحيحين { عن عمر أنه قال كان فيما أنزل : آية الرجم ، فقرأناها [ ووعيناها ] وعقلناها ، ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورجمنا بعده } قال ابن عقيل في الواضح في قوله " الشيخ والشيخة " المحصنان حدهما الرجم بالإجماع .
وقد تابع عمر جمع من الصحابة على ذلك ، كأبي ذر ، فيما رواه أحمد

(2/303)


وابن حبان والحاكم وصححه وفي رواية أحمد وابن حبان " أنها كانت في سورة الأحزاب " والمراد : بما قضيا من اللذة فهذا الحكم فيه باق ، واللفظ مرتفع ، لرجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ماعزا والغامدية واليهوديين .
ومثال الثاني - وهو ما نسخ حكمه وبقي لفظه ، عكس الذي قبله - آية المناجاة والصدقة بين يديها ، ولم يعمل بهذه الآية إلا علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ففي الترمذي : عنه { أنها لما نزلت قال النبي صلى الله عليه وسلم ما ترى ، دينارا ؟ قال : لا يطيقونه ، قال : نصف دينار ؟ قال : لا يطيقونه ، قال ما ترى ؟ قال شعيرة : قال له النبي صلى الله عليه وسلم : إنك لزهيد قال علي : حتى خفف الله تعالى عن هذه الأمة بترك الصدقة } ومعنى قوله " شعيرة " أي [ وزن شعيرة ] من ذهب وروى البزار عن عبد الرزاق عن مجاهد قال : قال علي " ما عمل بها أحد غيري حتى نسخت " وأحسبه قال " وما كانت إلا ساعة من نهار " .
ومثال آخر لهذا القسم : الاعتداد في الوفاة بالحول ، نسخ بقوله تعالى { يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } على ما ذهب إليه جمهور المفسرين .
ومثال الثالث - وهو ما نسخ لفظه وحكمه معا : - ما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها " كان مما أنزل [ من القرآن ] " عشر رضعات معلومات محرمات " فنسخت بخمس معلومات " فلم يبق لهذا اللفظ حكم القرآن ، لا في الاستدلال ولا في غيره .
فلذلك كان الصحيح عندنا جواز مس المحدث ما نسخ لفظه ، سواء نسخ حكمه أو لا .
ووجه ابن عقيل

(2/304)


المنع لبقاء حرمته ، كبيت المقدس نسخ كونه قبلة ، وحرمته باقية .
والجواز لعدم حرمة كتبه في المصحف .
ووجه الجواز في الكل : أن التلاوة حكم ، وما تعلق بها من الأحكام : حكم آخر ، فجاز نسخهما ، ونسخ أحدهما كغيرهما .
وقال المانعون : التلاوة مع حكمها متلازمان ، كالعلم مع العالمية ، والحركة مع التحريكية ، والمنطوق مع المفهوم ، رد ذلك بأن العلم هو العالمية والحركة هي التحريكية ومنع أن المنطوق لا ينفك عن المفهوم سلمنا المغايرة ، وأن المنطوق لا ينفك ، فالتلاوة أمارة الحكم ابتداء لا دواما ، فلا يلزم من نفيها نفيه ، وبالعكس .
قالوا : بقاء التلاوة يوهم بقاء الحكم ، فيؤدي إلى التجهيل ، وإبطال فائدة القرآن .
رد ذلك بأنه مبني على التحسين العقلي ثم لا جهل مع الدليل للمجتهد .
وفرض المقلد التقليد ، والفائدة الإعجاز وصحة الصلاة به .

(2/305)


( و ) يجوز نسخ ( قرآن ، و ) نسخ ( سنة متواترة بمثلهما ، و ) نسخ ( سنة بقرآن ، و ) نسخ ( آحاد ) من السنة ، وهي الحديث غير المتواتر ( بمثله ) أي بحديث غير متواتر ( و ) نسخ آحاد ( بمتواتر ) .
أما مثال نسخ القرآن بالقرآن : فنسخ الاعتداد بالحول في الوفاة بأربعة أشهر وعشر كما سبق .
وأما مثال نسخ متواتر السنة بمتواترها : فلا يكاد يوجد ؛ لأن كلها آحاد : إما في أولها ، وإما في آخرها ، وإما من أول إسنادها إلى آخره ، مع أن حكم نسخ بعضها ببعض جائز عقلا وشرعا ، ومثال نسخ السنة بالقرآن ما كان من تحريم مباشرة الصائم أهله ليلا نسخ بقوله تعالى : { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } وأما نسخ الآحاد من السنة بمثلها فكما في صحيح مسلم عن بريدة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها } رواه الترمذي بزيادة { فإنها تذكركم الآخرة } وقال : حسن صحيح ، ووجه الشاهد في الحديث : أنه صلى الله عليه وسلم قال { كنت نهيتكم } فصرح بأن النهي من السنة ، وله أمثلة كثيرة .
وأما نسخ الآحاد من السنة بالمتواتر منها : فجائز ، ولكن لم يقع .

(2/306)


( و ) يجوز ( عقلا لا شرعا ) نسخ سنة ( متواترة بآحاد ) عند الجمهور وحكاه بعضهم إجماعا ، وقال الطوفي من أصحابنا والظاهرية : يجوز ، واختار هذا القول الباجي ، ولكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال : لا يجوز بعده إجماعا ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يبعث الآحاد بالناسخ إلى أطراف البلاد قال ابن قاضي الجبل : واختاره أيضا القرطبي المالكي .

(2/307)


( و ) يجوز أيضا عقلا لا شرعا نسخ ( قرآن بمتواتر ) من السنة ، قاله القاضي وغيره .
وقيل : لا يجوز عقلا قال ابن الباقلاني منهم من منعه تبعا للقدرية في الأصح .
انتهى .
قال ابن مفلح : ظاهر كلام أحمد منعه وهذا الخلاف في الجواز عقلا .
وأما الجواز شرعا : فالمشهور عن الإمام أحمد رحمه الله منعه ، وبه قال الشافعي وأكثر أصحابه ، والظاهرية وغيرهم وقيل : يجوز ، وهو رواية عن أحمد ، واختيار أبي الخطاب ، وابن عقيل ، وأكثر الحنفية .
والمالكية وغيرهم وهو الذي نصره ابن الحاجب ، وحكاه عن الجمهور .

(2/308)


( ويعتبر ) لصحة النسخ ( تأخر ناسخ ) عن منسوخ ، وإلا لم يصدق عليه اسم ناسخ ( وطريق معرفته ) أي معرفة تأخر الناسخ من وجوه .
أحدها : ( الإجماع ) على أن هذا ناسخ لهذا ، كالنسخ بوجوب الزكاة سائر الحقوق المالية .
ومثله ما ذكر الخطيب البغدادي : أن زر بن حبيش قال لحذيفة { أي ساعة تسحرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : هو النهار ، إلا أن الشمس لم تطلع } وأجمع المسلمون على أن طلوع الفجر يحرم الطعام والشراب ، مع بيان ذلك من قوله تعالى " { كلوا واشربوا } - الآية قال العلماء في مثل هذا : إن الإجماع مبين للمتأخر ، وإنه ناسخ لا إن الإجماع هو الناسخ .
( و ) الوجه الثاني من طريق معرفة تأخر الناسخ ( قوله صلى الله عليه وسلم ) نحو { كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها } وقريب من هذا : أن ينص الشارع على خلاف ما كان مقررا بدليل ، بحيث لا يمكن الجمع بين الدليلين على تأخر أحدهما ، فيكون ناسخا للمتقدم ( و ) الوجه الثالث ( فعله ) صلى الله عليه وسلم في ظاهر كلام الإمام أحمد رحمه الله واختاره القاضي وأبو الخطاب ، وبعض الشافعية ، وقد جعل العلماء من ذلك نسخ الوضوء مما مست النار بأكله صلى الله عليه وسلم من الشاة ولم يتوضأ وهو ظاهر ما قدمه ابن قاضي الجبل ، ومنع ابن عقيل القول بفعله صلى الله عليه وسلم ، وحكي عن التميمي ، واختاره المجد في المسودة .
لأن دلالته دونه .
( و ) الوجه الرابع من طرق معرفة تأخر الناسخ ( قول الراوي ) للناسخ (

(2/309)


كان كذا ونسخ ، أو رخص في كذا ثم نهي عنه ونحوهما ) كقول جابر رضي الله عنه { كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار } وكقول علي رضي الله عنه { أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالقيام للجنازة ، ثم قعد } وفي معنى ذلك كثير فإن قيل : قول الراوي ينسخ به القرآن والسنة المتواترة ، على تقدير وجودها ، مع أنه خبر آحاد ، والآحاد لا ينسخ به المتواتر ؟ قيل : هذا حكاية للنسخ ، لا نسخ ، والحكاية بالآحاد يجب العمل بها كسائر أخبار الآحاد وأيضا : فاستفادة النسخ من قوله : إنما هو بطريق التضمن ، والضمني : يغتفر فيه ما لا يعتبر فيما إذا كان أصلا ، كثبوت الشفعة في الشجر تبعا للعقار ونحوه ( لا ) قول الراوي ( ذي الآية ) منسوخة ( أو ذا الخبر منسوخ ، حتى يبين الناسخ ) للآية أو الخبر .
قال ابن مفلح : وإن قال صحابي : هذه الآية منسوخة لم يقبل حتى يخبر بماذا نسخت قال القاضي : أومأ إليه أحمد ، كقول الحنفية والشافعية قالوا : لأنه قد يكون عن اجتهاد فلا يقبل .
وذكر ابن عقيل رواية أنه يقبل ، كقول بعضهم بعلمه ، فلا احتمال ؛ لأنه لا يقوله غالبا إلا عن نقل وقال المجد في المسودة : إن كان هناك نص يخالفها عمل بالظاهر .

(2/310)


و ( لا ) نسخ ( بقبلية في المصحف ) ؛ لأن العبرة بالنزول لا بالترتيب في الوضع ؛ لأن النزول بحسب الحكم والترتيب للتلاوة

(2/311)


( ولا ) نسخ أيضا ( بصغر صحابي ، أو تأخر إسلامه ) يعني إذا روى الحديث أحد من صغار الصحابة أو ممن تأخر إسلامه منهم لم يؤثر ذلك ؛ لأن تأخر راوي أحد الدليلين لا يدل على أن ما رواه ناسخ ولجواز أن من تأخر إسلامه تحمل الحديث قبل إسلامه .

(2/312)


( ولا ) نسخ ( بموافقة أصل ) يعني أنه إذا ورد نصان في حكم متضادان ، ولم يمكن الجمع بينهما لكن أحد النصين موافق للبراءة الأصلية ، والآخر مخالف ، لم يكن الموافق للأصل منسوخا بما خالفه وقيل : بلى ؛ لأن الانتقال من البراءة لاشتغال الذمة يقين ، والعود إلى الإباحة ثانيا شك فقدم الذي لم يوافق الأصل .

(2/313)


( ولا ) نسخ ( بعقل وقياس ) ؛ لأن النسخ لا يكون إلا بتأخر الناسخ عن زمن المنسوخ ، ولا مدخل للعقل ولا للقياس في معرفة المتقدم والمتأخر ، وإنما يعرف ذلك بالنقل المجرد

(2/314)


( ولا ينسخ إجماع ) ؛ لأنه لا يكون إلا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى أنه يرد ما ينسخه ، وإذا وقع بعد وفاته فلا يمكن أن يأتي بعده ناسخ ( ولا ينسخ ) حكم ( به ) أي بالإجماع ؛ لأنه إذا وجد إجماع على خلاف نص فيكون قد تضمن ناسخا لا أنه هو الناسخ .
ولأن الإجماع معصوم من مخالفة دليل شرعي ، لا معارض له ولا مزيل عن دلالته فتعين إذا وجدناه خالف شيئا ، أن ذلك إما غير صحيح ، إن أمكن ذلك ، أو أنه مؤول ، أو نسخ بناسخ ؛ لأن إجماعهم حق فالإجماع دليل على النسخ ، لا رافع للحكم ، كما قرره القاضي أبو يعلى والصيرفي والأستاذ أبو منصور ، وغيرهم .

(2/315)


( وكذا القياس ) أي وكالإجماع القياس في كونه لا ينسخ ولا ينسخ قال ابن مفلح : أما القياس فلا ينسخ .
وذكره القاضي وذكره الآمدي عن أصحابنا لبقائه ببقاء أصله قال ابن قاضي الجبل : منعه بعض أصحابنا وعبد الجبار في قول ، محتجين بأن القياس إذا كان مستنبطا من أصل فالقياس باق ببقاء أصله فلا يتصور رفع حكمه مع بقاء أصله .
وهو اختيار ابن الحاجب وغيره .
ومنهم من جوز ذلك في القياس الموجود زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، دون ما بعده وهو اختيار أبي الخطاب وابن عقيل وأبي الحسين وابن برهان وابن الخطيب قال أبو الخطاب : ما ثبت قياسا .
فإما في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بنصه على العلة ، أو تنبيهه عليها فيجوز نسخه بنصه أيضا .
مثاله : أن ينص على تحريم الربا في البر ، وينص على أن علة تحريمه الكيل ، ثم ينص بعد ذلك على إباحته في الأرز ، ويمنع من قياسه على البر فيكون ذلك نسخا ، وإما قياس مستفاد بعد وفاته عليه الصلاة والسلام : فلا يصح نسخه ؛ لأنه لا يجوز أن يتجدد بعد وفاته نص من كتاب أو سنة .
انتهى .
وأما كون القياس لا ينسخ به : فهو الذي عليه أصحابنا والجمهور قاله ابن مفلح .
واختاره الباقلاني .
ونقله عن الفقهاء والأصوليين قال : لأن القياس يستعمل مع عدم النص فلا ينسخ النص ؛ ولأنه دليل محتمل ، والنسخ إنما يكون بغير محتمل .
وأيضا فشرط صحة القياس : أن لا يخالف الأصول ، فإن خالف فسد قال : بل ولا ينسخ قياسا آخر ؛ لأن التعارض إن

(2/316)


كان بين أصلي القياسين فهو نص بنص ، وإن كان بين العلتين ، فهو من باب المعارضة في الأصل والفرع ، لا من باب القياس ، قال ابن مفلح : وجه هذا القول : أن المنسوخ إن كان قطعيا لم ينسخ بمظنون ، وإن كان ظنيا فالعمل به مقيد برجحانه على معارضه ، وتبين بالقياس زوال العمل به ، وهو رجحانه فلا ثبوت له .
والقول الثاني : إن كانت علته منصوصة جاز النسخ به ، وإلا فلا قال الباجي : هذا هو الحق والقول الثالث ، قاله الآمدي : إن كانت منصوصة جاز ، وإلا بأن كان القياس قطعيا ، كقياس الأمة على العبد في السراية ، لكن لا من باب النسخ ، أو كان ظنيا فإن علته مستنبطة فلا وفي المسألة ستة أقوال غير ما ذكرنا أضربنا عنها خشية الإطالة .

(2/317)


( وإن نسخ حكم أصل تبعه حكم فرعه ) يعني إذا ورد النسخ على أصل مقيس عليه ارتفع القياس عليه بالتبعية عندنا وعند الشافعية وخالف في ذلك القاضي من أصحابنا والحنفية قال القاضي في إثبات القياس عقلا : لا يمتنع عندنا بقاء حكم الفرع مع نسخ حكم الأصل ومثله أصحابنا - وذكره ابن عقيل عن المخالف أيضا - ببقاء حكم النبيذ المطبوخ في الوضوء بعد نسخ النيء ، وصوم رمضان بنيته من النهار بعد نسخ عاشوراء عندهم ، وقال المجد في المسودة : وعندي إن كانت العلة منصوصا عليها لم يتبعه الفرع ، إلا أن يعلل في نسخه بعلة فيثبت النسخ حيث وجدت .
انتهى .
وقيل : إن نص على العلة : لم يتبعه الفرع ، إلا أن يعلل في نسخه بعلة ، فيتبعها النسخ - ووجه الأول الذي في المتن - : خروج العلة عن اعتبارها فلا فرع ، وإلا وجد المعلول بلا علة ، فإن قيل : أمارة ، فلم يحتج إليها دواما .
رد بأنها باعثة .
قالوا : الفرع تابع للدلالة ، لا للحكم .
رد زوال الحكم بزوال علته .
وفي التمهيد أيضا : لا يسمى نصا لزوال حكم بزوال علته ومعناه في العدة قال البرماوي : إذا ورد النسخ على الأصل المقيس عليه ارتفع القياس معه بالتبعية .
والمخالف فيه الحنفية .

(2/318)


( ويجوز النسخ بالفحوى ) عند الأئمة الأربعة والمعظم .
قال ابن مفلح : الفحوى ينسخ وينسخ به قال الآمدي : اتفاقا وفي التمهيد : المنع عن بعض الشافعية ، وذكره في العدة عن الشافعية .
قال فيما حكاه الإسفراييني : واختاره بعض أصحابنا لنا : أنه كالنص ، وإن قيل : قياس قطعي .
انتهى .

(2/319)


( و ) يجوز أيضا ( نسخ أصل الفحوى ) وهو التأفيف ، كما لو قال : رفعت تحريم التأفيف مثلا ( دونه ) في أنواع الأذى وهو الفحوى ؛ لأنه لا يلزم من إباحة الخفيف إباحة الثقيل ، وهذا اختيار القاضي أبي يعلى وابن عقيل والفخر إسماعيل البغدادي .
وحكي عن الحنفية وغيرهم وقال الموفق في الروضة ، وتبعه الطوفي : بالمنع وذكره الآمدي قول الأكثر ؛ لأن الفرع يتبع الأصل فإن رفع الأصل فكيف يبقى الفرع ؟ ( وعكسه ) يعني أنه يجوز نسخ الفحوى - وهو الضرب مثلا - دون أصله وهو التأفيف ، كما لو قال : رفعت تحريم كل إيذاء غير التأفيف فيجوز ذلك في ظاهر كلام أكثر أصحابنا .
وعليه أكثر المتكلمين .
قاله البرماوي ؛ لأن الفحوى وأصله مدلولان متغايران فجاز نسخ كل منهما على انفراده ومنع من ذلك المجد وابن مفلح وابن قاضي الجبل وابن الحاجب وغيرهم ، وقيل : إن نسخ أحدهما يستلزم نسخ الآخر قال في جمع الجوامع : والأكثر أن نسخ أحدهما يستلزم نسخ الآخر ، ثم قال المحلي شارحه : واعلم أن استلزام نسخ كل منهما ينافي ما صححه في جمع الجوامع من جواز نسخ كل منهما دون الآخر ، فإن الامتناع مبني على الاستلزام ، والجواز مبني على عدمه .
وقد اقتصر ابن الحاجب على الجواز مع مقابله .
والبيضاوي على الاستلزام وجمع المصنف - يعني صاحب جمع الجوامع - بينهما .

(2/320)


( و ) يجوز أيضا نسخ ( حكم مفهوم المخالفة إن ثبت ) ، وإلا فلا .
يعني أنه يجوز نسخ حكم المسكوت الذي هو مخالف للمذكور ، مع نسخ الأصل ودونه قاله كثير من العلماء .
وقد قال الصحابة رضي الله عنهم " إن قول النبي صلى الله عليه وسلم : { إنما الماء من الماء } : منسوخ بقوله صلى الله عليه وسلم : { إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل } مع أن الأصل باق .
وهو وجوب الغسل بالإنزال .

(2/321)


( ويبطل ) حكم مفهوم المخالفة ( بنسخ أصله ) على الصحيح ، اختاره القاضي وجزم به الموفق في الروضة ، كذلك الطوفي ؛ لأن فرعه وعدمه كالخطابين .
واختاره ابن فورك والقول الثاني : أنه لا يبطل بنسخ أصله .
وهو وجه لأصحابنا ، ذكره القاضي ، قال البرماوي : وأما نسخ الأصل بدون مفهومه الذي هو مخالف له حكما : فذكر الصفي الهندي فيه احتمالين ، قال : وأظهرهما أنه لا يجوز ؛ لأنه إنما يدل على ضد الحكم باعتبار القيد المذكور ، فإذا بطل تأثير ذلك القيد بطل ما ينبني عليه .
انتهى .
وعلى هذا : فنسخ الأصل نسخ للمفهوم منه والمعنى : أنه يرتفع الحكم الشرعي الذي حكم به على المسكوت بضد الحكم المذكور .

(2/322)


( ولا ينسخ به ) أي بمفهوم المخالفة على الصحيح قطع به في جمع الجوامع وصرح به السمعاني ، لضعفه عن مقاومة النص وقيل : بلى ؛ لأنه في معنى المنطوق

(2/323)


( ولا حكم للناسخ مع جبريل عليه السلام اتفاقا ) قبل أن يبلغه جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ( فإذا بلغه ) للنبي صلى الله عليه وسلم ( لم يثبت حكمه في حق من لم يبلغه ) عند أصحابنا والأكثر وهو ظاهر كلام أحمد رحمه الله ؛ لأنه أخذ بقصة أهل قباء والقبلة وقيل : يثبت في الذمة واختاره جماعة من الشافعية ، كالنائم وقت الصلاة واستدل للأول - وهو الصحيح - بأنه لو ثبت لزم وجوب الشيء وتحريمه في وقت واحد ؛ لأنه لو نسخ واجب بمحرم أثم بترك الواجب وأيضا يأثم بعمله بالثاني اتفاقا .

(2/324)


( وليست زيادة جزء مشترط ، أو شرط أو زيادة عبادة مستقلة من الجنس أو غيره : نسخا ) إذا زيد في الماهية الشرعية جزء مشترط ، أو شرط ، أو زيادة ترفع مفهوم المخالفة : لم يكن ذلك نسخا على الراجح .
وعليه الأكثر ، منهم أصحابنا والمالكية والشافعية والجبائية ، وخالفت الحنفية .
واستدلوا بقولهم : إن الزيادة على النصوص نسخ لمسائل كثيرة ، كرد أحاديث وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة ، وأحاديث الشاهد واليمين ، واشتراط الإيمان في الرقبة ، والنية في الوضوء .
وغير ذلك وخالفوا أصولهم في اشتراطهم في ذوي القربى الحاجة .
وهو زيادة على القرآن ، ومخالفة للمعنى المقصود فيه ، وفي أن القهقهة تنقض الوضوء ، مستندين إلى أخبار ضعيفة ، وهي زيادة على نواقض الوضوء المذكورة في القرآن .
وقال الرازي في مسألة الزيادة التي ترفع مفهوم المخالفة : إنها إن أفادت خلاف ما أسند من مفهوم المخالفة كانت نسخا ، كإيجاب الزكاة في معلوفة الغنم ، فإنه يفيد خلاف مفهومه { في السائمة الزكاة } ، وإلا فلا ، وفي هذه المسألة أقوال غير هذه أضربنا عن ذكرها خشية الإطالة .
وأما مسألة زيادة العبادة المستقلة : فإن كانت من غير الجنس ، كزيادة وجوب الزكاة ، ووجوب الصوم على وجوب الصلاة ، أو على وجوب الحج .
فليست نسخا إجماعا ، وإن كانت من الجنس ، كزيادة صلاة زائدة على الجنس : فليست بنسخ أيضا عند الأئمة الأربعة ، وقال بعض أهل العراق : يكون نسخا بزيادة صلاة سادسة لتغير الوسط من الخمس .

(2/325)


(2/326)


( فصل يستحيل تحريم معرفة الله تعالى ) إلا على تكليف المحال وذلك لتوقفه على معرفته وهو دور ( وما حسن ) لذاته ، كمعرفة الله تعالى ( أو قبح لذاته ) كالكفر ( يجوز نسخ وجوبه ) أي وجوب ما حسن لذاته ( و ) يجوز نسخ ( تحريمه ) أي تحريم ما قبح لذاته عند من نفى الحسن والقبح ، ونفى رعاية الحكمة في أفعاله ومن أثبت ذلك منعه ( وكذا ) قالوا ( يجوز نسخ جميع التكاليف سوى معرفته تعالى ) قال المجد : من أصل أصحابنا وأهل الحديث خلافا للقدرية ( ولم يقعا إجماعا ) أي لم يقع نسخ وجوب ما حسن لذاته ، ولا نسخ تحريم ما قبح لذاته بلا خلاف في ذلك ، وإنما الخلاف في الجواز العقلي .

(2/327)


(2/328)


( وأركانه ) أي القياس أربعة ( أصل ، وفرع ، وعلة وحكم ) والمراد بالأركان هنا : ما لا يتم القياس إلا به ، فتكون مجازا ؛ لأن أركان الشيء حقيقة : هي أجزاؤه التي يتألف منها ، كالركوع والسجود بالنسبة إلى الصلاة إلا أن يعني بالقياس مجموع هذه الأمور الأربعة مع الحمل تغليبا فتصير الأربعة شطرا للقياس ، وأما ما حكي عن بعضهم من أن القياس يجوز من غير أصل ، فقال ابن السمعاني : هو قول من خلط الاجتهاد بالقياس والحق أن القياس نوع من الاجتهاد والذي لا يحتاج إلى أصل : هو ما سواه من أنواع الاجتهاد وأما القياس : فلا بد له من أصل .
ثم اعلم أن القياس الشرعي راجع في الحقيقة إلى القياس العقلي المنطقي المؤلف من المقدمتين ؛ لأن قولنا : النبيذ مسكر ، فكان حراما كالخمر مختصر من قولنا : النبيذ مسكر ، وكل مسكر حرام وليس في الأول زيادة على الثاني ، إلا ذكر الأصل المقيس عليه على جهة التنظير به والتأنس ولهذا لو قلنا : النبيذ مسكر فهو حرام ، لحصل المقصود ، وإذا ثبت أن القياس الشرعي راجع إلى العقلي ، لزم فيه ما يلزم في العقلي ، من كونه على أربعة أركان .
وبيانه : أن المقدمتين والنتيجة تشتمل على ستة أجزاء ، من بين موضوع ومحمول فسقط منها بالتكرار جزءان ، وهو الحد الأوسط ، يبقى أربعة أجزاء هي أركان المقصود .
وهي التي يقتصر عليها الفقهاء في أقيستهم مثاله : قولنا النبيذ مسكر ، جزءان : موضوع وهو النبيذ ، ومحمول وهو مسكر ثم نقول : وكل مسكر

(2/329)


حرام .
فهذان جزءان .
ويلزم عن ذلك : النبيذ حرام وهما جزءان آخران صارت ستة أجزاء ، هكذا : النبيذ مسكر ، وكل مسكر حرام ، فالنبيذ حرام ، يسقط منها لفظ " مسكر " مرتين ؛ لأنه محمول في المقدمة الأولى موضوع في الثانية ، يبقى هكذا : النبيذ مسكر ، فهو حرام ، وهو صورة قياس الفقهاء .
( فالأصل محل الحكم المشبه به ) عند الفقهاء وكثير من المتكلمين ، كالخمر في المثال السابق ، لافتقار الحكم والنص إليه وقيل : إن الأصل دليل الحكم ، وحكي عن المتكلمين والمعتزلة .
فيكون في المثال في قوله تعالى { فاجتنبوه } وما في معناه من الكتاب والسنة والإجماع وقيل : إن الأصل نفس حكم المحل ، فهو نفس الحكم الذي في الأصل ، كالتحريم في المثال ؛ لأنه الذي يتفرع عليه الحكم في الفرع .
قال ابن قاضي الجبل وغيره : والنزاع لفظي ، لصحة إطلاق الأصل على كل منهما ، واختار ابن عقيل : أنه الحكم والعلة ( والفرع المحل المشبه ) كالنبيذ في المثال السابق ، وبه قال الفقهاء ، حكاه ابن العراقي عنهم وقيل : إنه حكم المشبه به ، وهو التحريم ، وبه قال المتكلمون .
قال ابن قاضي الجبل : وهو الأصح ، وإنما قدم تعريف الفرع على الحكم والعلة لمقابلته للأصل ، فناسب ذكره لما بين الضدين ، من اللزوم الذهني ، والعلة فرع للأصل وأصل للفرع اتفاقا ، لبناء حكمه عليه ( والحكم ) المستفاد من القياس هو ( المعلل ) لا المحكوم فيه ، خلافا لأبي علي الطبري الشافعي .

(2/330)


ولما فرغ من تعريف أركانه شرع في شروط صحته ، فقال ( وشرط حكم الأصل : كونه شرعيا إن استلحق شرعيا ) وذلك ؛ لأنه القصد من القياس الشرعي .
ولأن القياس لا يجري في اللغات والعقليات ، وعلى تقدير ذلك فلا يكون قياسا .
والكلام إنما هو في القياس الشرعي ، مع أن القياس فيهما صحيح يتوصل به إلى الحكم الشرعي ، كقياس تسمية اللائط زانيا ، والنباش سارقا ، والنبيذ خمرا ، ليثبت الحد والقطع والتحريم ، فإذا قيل : بأن ذلك إنما هو في استلحاق نفس الحكم الشرعي ، فلا بد من اشتراط كونه شرعيا .

(2/331)


( و ) من شرط حكم الأصل : كونه ( غير منسوخ ) ؛ لأن المنسوخ لم يبق له وجود في الشرع ، فيلحق به الأحكام بقياس ولا غيره ( و ) يشترط فيه أيضا أن ( لا ) يكون ( شاملا لحكم الفرع ) إذ لو كان شاملا لحكم الفرع لم يكن جعل أحدهما بعينه أصلا والآخر فرعا أولى من العكس ، ولكان القياس ضائعا وتطويلا بلا طائل .
مثاله في الذرة مطعوم فلا يجوز بيعه بجنسه متفاضلا قياسا على البر ، فيمنع في البر فنقول قال النبي صلى الله عليه وسلم { لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا يدا بيد ، سواء بسواء } فإن الطعام يتناول الذرة كما يتناول البر .
وأنت تعلم مما ذكر أن دليل العلة إذا كان نصا وجب ألا يتناول الفرع بلفظه ، مثل أن تقول : النباش يقطع ؛ لأنه سارق كالسارق من الحي [ فيقال : ولم قلت إن السارق من الحي ] إنما يقطع ؛ لأنه سارق ؟ فنقول لقوله تعالى { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا } رتب القطع على السرقة بفاء التعقيب فدل على أنه المقتضي للقطع ، فيقال : [ فهذا ] يوجب ثبوت الحكم في الفرع بالنص .
فإن ثبوت العلة بعد ثبوت الحكم ولا مخلص للمستدل إلا منع كونه عاما .

(2/332)


( و ) من شرط حكم الأصل أيضا : أن ( لا ) يكون ( معدولا به عن سنن القياس ) أي عن طريقه المعتبر فيه ، لتعذر التعدية حينئذ وذلك على ضربين أحدهما : لكونه لم يعقل معناه ، إما لكونه استثني من قاعدة عامة كالعمل بشهادة خزيمة وحده فيما لا تقبل فيه شهادة الواحد ، أو لم يستثن ( كعدد الركعات ) وتقدير نصاب الزكاة ومقادير الحدود والكفارات .
والضرب الثاني : ما عقل معناه ، ولكن لا نظير له ، وإلى ذلك أشير بقوله ( أو لا نظير له ) وسواء كان ( له معنى ظاهر ) كرخص السفر ( أو لا ) معنى له ظاهر ، كالقسامة .
كذا مثل به ابن مفلح تبعا لابن الحاجب وغيره قال البرماوي ، لكن في جعله القسامة غير معقولة المعنى ، وهو خفي بخلاف شهادة خزيمة ومقادير الحدود : نظر ظاهر .

(2/333)


( وما خص من القياس يجوز القياس عليه و ) يجوز ( قياسه على غيره ) قال أبو يعلى : المخصوص من جملة القياس يقاس عليه ويقاس على غيره .
أما الأول : فلأن أحمد قال فيمن نذر ذبح نفسه : يفدي نفسه بكبش فقاس من نذر ذبح نفسه على من نذر ذبح ولده .
انتهى .
قال ابن مفلح : وهو قول أصحابنا والشافعية ، وبعض الحنفية وإسماعيل بن إسحاق المالكي ؛ لأن الظن الخاص أرجح .
ومنع ذلك أكثر الحنفية والمالكية والمتكلمين ، إلا أن يكون معللا ، كقوله صلى الله عليه وسلم { إنها من الطوافين } أو مجمعا على جواز القياس عليه ، كالتحالف في الإجارة كالبيع ولنا وجه ، كأكثر الحنفية ذكره أبو الخطاب قال : ولهذا لا نقيس على لحم الإبل في نقض الوضوء وغير ذلك من أصولنا .
قال ابن مفلح : كذا قال ، ثم قال : وفيه نظر ، لعدم فهم المعنى ، أو مساواته ولهذا نقيس في الأشهر العنب على العرايا .
وقد قاس الحنفية المقدر ، كالموضحة على دية النفس في حمل العاقلة قال ابن قاضي الجبل : لنا أن الاعتبار بوجود : القياس بشروطه ، وكونه مخصوصا لا يمنع إلحاق ما في معناه قالوا : لا نظير .
قلنا : لا يخلو من نظير .

(2/334)


( و ) من شرط حكم الأصل أيضا ( كونه غير فرع ) قال ابن مفلح في أصوله : ومنه كونه غير فرع ، اختاره القاضي في مقدمة المجرد .
وقال : هو ظاهر قول أحمد وقيل له : يقيس الرجل بالرأي ؟ فقال : لا .
هو أن يسمع الحديث فيقيس عليه ثم ذكر أنه يجوز أن يستنبط من الفرع المتوسط علة ليست في الأصل ويقاس عليه ، وذكر أيضا في مسألة القياس جواز كون الشيء أصلا لغيره في حكم ، وفرعا لغيره في حكم آخر ، لا في حكم واحد .
وجوزه القاضي أيضا وأبو محمد البغدادي منا ، وقال : لأنه لا يخل بنظم القياس وحقيقته ، وكذا أبو الخطاب ومنعه أيضا ثم قال ابن مفلح : والمنع قاله الكرخي والآمدي ، وذكره عن أكثر أصحابهم ، والجواز قاله الرازي والجرجاني وأبو عبد الله البصري وقال ابن برهان : يجوز عندنا ، خلافا للحنفية والصيرفي من أصحابنا قال : وحرف المسألة : تعليل الحكم بعلتين .
انتهى .
وهذه المسألة : مترجمة بمنع القياس على ما ثبت حكمه بالقياس ووجه المنع في أصل المسألة : أن العلة إن اتحدت فالوسط لغو كقول الشافعي : السفرجل مطعوم فيكون ربويا كالتفاح ، ثم يقيس التفاح على البر ، وإن لم تتحد فسد القياس .
لأن الجامع بين الفرع الأخير والمتوسط لم يثبت اعتباره ؛ لثبوت الحكم في الأصل الأول بدونه ، والجامع بين المتوسط وأصله ليس في فرعه ، كقول الشافعي : الجذام عيب يفسخ به البيع ، فكذا النكاح ، كالرتق ثم يقيس الرتق على الجب بفوات الاستمتاع ، وهذا المثال : مثل

(2/335)


به ابن مفلح تبعا لابن الحاجب ، لكن قال التاج السبكي : هو على سبيل ضرب المثال ، وإلا فرد المجبوب عندنا إنما هو لنقصان عين المبيع نقصا يفوت به غرض صحيح لا لفوات الاستمتاع .
وأما إثبات الفسخ بالجب في النكاح فلفوات الاستمتاع ، فالعلتان متغايرتان على كل حال .

(2/336)


( و ) من شرط حكم الأصل أيضا .
كونه ( متفقا عليه بين الخصمين ) فإن كان أحدهما يمنعه ، فلا يستدل عليه بالقياس فيه .
وإنما شرط ذلك ؛ لئلا يحتاج القياس عند المنع إلى إثباته فيكون انتقالا من مسألة إلى أخرى ( لا ) أن يكون متفقا عليه بين ( الأمة ) لحصول المقصود باتفاق الخصمين فقط .
وهذا الصحيح الذي عليه الجمهور ، واشترط قوم اتفاق الأمة على الأصل ، ومنعوا القياس على مختلف فيه لنقل الكلام إلى التسلسل .
وضعفه الموفق كغيره لندرة المجمع عليه .
ولأن كلا من الخصمين مقلد فليس له منع حكم ثبت مذهبا لإمامه ؛ لأنه لا يعلم مأخذه ثم لا يلزم من عجزه عجزه ، ثم لا يتمكن أحدهما من إلزام ما لم يجمع عليه ( ولا ) يشترط - مع كونه متفقا عليه بين الخصمين دون الأمة - أن يكون ذلك ( مع اختلافهما ) وقيل : بلى ، وهو اختيار الآمدي ( ولو ) ( لم يتفقا ) يعني الخصمين على حكم الأصل ، ولم يكن مجمعا عليه ( فأثبت المستدل حكمه ) أي حكم الأصل بنص ( ثم أثبت العلة ) بطريق من طرقها ، من إجماع أو نص ، أو سبر أو إخالة ( قبل ) منه استدلاله في الأصح ، ونهض دليله على خصمه .
مثال ذلك : أن يقول في المتبايعين ، إذا كانت السلعة تالفة : متبايعان تخالفا ، فيتحالفان ويترادان كما لو كانت قائمة ، لقوله صلى الله عليه وسلم { إذا اختلف المتبايعان ، فليتحالفا وليترادا } فيثبت الحكم بالنص وعلته ، وهي التحالف بالأيمان وقيل : لا يقبل ذلك من المستدل حتى يكون حكم

(2/337)


الأصل مجمعا عليه ، أو يتوافق عليه الخصمان .
واستدل للأول - وهو الصحيح - بأنه لو لم يقبل ذلك منه لم تقبل في المناظرة مقدمة تقبل المنع ، واللازم باطل ، بيان الملازمة : أن من يمنع ذلك ويشترط في حكم الأصل الاتفاق عليه بين الخصمين إنما قال ذلك لئلا يحصل الانتقال من مطلوب إلى آخر .
وانتشار كلام يوجب تسلسل البحث ، ويمنع من حصول مقصود المناظرة وهذا لا يختص بحكم الأصل ، بل هو ثابت في كل مقدمة تقبل المنع قال القاضي عضد الدين : وربما يفرق بأن هذا حكم شرعي مثل الأول ، يستدعي ما يستدعيه ، بخلاف المقدمات الأخر .
( وإن ) كان الخصم يقول بحكم الأصل و ( لم يقل بحكم أصله المستدل ف ) هو قياس ( فاسد ) مثال ذلك : قول الحنفي في الصوم بنية النفل : أتى بما أمر به ، فيصح ، كفريضة الحج ، وهو لا يقول بصحة فريضة الحج بنية النفل ، بل خصمه هو القائل به .
ووجه فساده : كونه اعترف ضمنا بخطئه في الأصل ، وهو إثبات الصحة في فريضة الحج والاعتراف ببطلان إحدى مقدمات دليله ، اعترف ببطلان دليله ولا يسمع من المدعي ما هو معترف ببطلانه ، ولا يمكن من دعواه فإن قيل : فذلك يصلح إلزاما للخصم ؛ إذ لو لزمه لزم المقصود ، وإلا كان مناقضا في مذهبه .
لعمله بالعلة في موضع دون موضع .
فالجواب : أن الإلزام مندفع بوجهين أحدهما : أن يقول : العلة في الأصل عندي غير ذلك ، ولا يجب ذكري لها .
الثاني : بأن يقول : يلزم منه خطئي في الأصل أو في الفرع ولا يلزم منه

(2/338)


الخطأ في الفرع معينا وهو مطلوبك ، وربما أعترف بخطئي في الأصل ولا يضرني ذلك في الفرع .
قاله القاضي عضد الدين وغيره .

(2/339)


( وما اتفقا ) يعني الخصمين ( عليه ) من حكم أصل ، لكن ( لعلتين مختلفتين ) فهو قياس مركب ( ويسمى ) هذا ( مركب الأصل ) سمي بذلك لاختلافهما في تركيب الحكم فالمستدل يركب العلة على الحكم ، والخصم بخلافه .
قال القاضي عضد الدين : والظاهر أنه إنما سمي مركبا لإثباتهما الحكم كل بقياس ، فقد اجتمع قياساهما ثم إن الأول اتفقا فيه على الحكم ، وهو الأصل بالاصطلاح دون الوصف الذي يعلل به المستدل فسمي مركب الأصل " وقال ابن مفلح : " قيل : سمي مركبا لاختلافهما في علته وقيل : في تركيبه الحكم عليها في الأصل فعند المستدل : هي فرع له ، والمعترض بالعكس وسمي مركب الأصل للنظر في علة حكمه .
انتهى .
وإن كان الخصم موافقا على العلة ، ولكن يمنع وجودها في الأصل وذلك ما أشير إليه بقوله ( أو لعلة يمنع الخصم وجودها في الأصل و ) هذا ( يسمى مركب الوصف ) سمي بذلك لاختلافهما في نفس الوصف الجامع .
مثال الأول - وهو مركب الأصل - قول الحنبلي ، فيما إذا قتل الحر عبدا : المقتول عبد ، فلا يقتل به الحر ، كالمكاتب إذا قتل وترك وفاء ووارثا مع المولى فإن أبا حنيفة يقول هنا : إنه لا قصاص ، فيلحق العبد به هنا ، بجامع الرق ، فلا يحتاج الحنبلي فيه إلى إقامة دليل على عدم القصاص في هذه الصورة ؛ لموافقة خصمه ، فيقول الحنفي في منع ذلك : إن العلة إنما هي جهالة المستحق من السيد والورثة ، لا الرق ؛ لأن السيد والوارث ، وإن اجتمعا على طلب القصاص لا يزول الاشتباه ؛

(2/340)


لاختلاف الصحابة في مكاتب يموت عن وفاء قال بعضهم : يموت عبدا ، وتبطل الكتابة وقال بعضهم : تؤدى الكتابة من أكسابه ، ويحكم بعتقه في آخر جزء من حياته فقد اشتبه الولي مع هذا الاختلاف ، فامتنع القصاص .
فإن اعترض عليهم بأنكم لا بد أن تحكموا في هذه الحالة بأحد هذين القولين ، إما بموته عبدا أو حرا وأيا ما كان فالمستحق معلوم فيقول الحنفي : نحن نحكم بموته حرا ، بمعنى أنه يورث ، لا بمعنى وجوب القصاص على قاتله الحر ؛ لأن حكمنا بموته حرا ظني ؛ لاختلاف الصحابة رضي الله عنهم ، والقصاص ينتفي بالشبهة .
فهذه جهالة تصلح لدرء القصاص ، ولا يمتنع علمنا بمستحق الإرث .
ومثال الثاني - وهو مركب الوصف - أن يقال في مسألة تعليق الطلاق قبل النكاح : هذا تعليق للطلاق ، فلا يصح كما لو قال : زينب التي أتزوجها طالق .
فيقول الحنفي : العلة التي هي كونه تعليقا مفقودة في الأصل ؛ فإن قوله : زينب التي أتزوجها طالق تنجيز لا تعليق فإن صح هذا : بطل إلحاق التعليق به لعدم الجامع ؛ وإلا منع حكم الأصل ، وهو عدم الوقوع في قوله : زينب التي أتزوجها طالق ؛ لأني إنما منعت الوقوع ؛ لأنه تنجيز ، فلو كان تعليقا لقلت به وحاصله : أن الخصم في هذه الصورة لا ينفك عن منع العلة في الأصل ، كما لو لم يكن التعليق ثابتا فيه ، أو منع حكم الأصل ، كما إذا كان ثابتا ، وعلى التقديرين : لا يتم القصاص وقوله ( ليس بحجة ) خبر لقوله ( وما اتفقا عليه ) .
ومعنى ذلك : أن القياس

(2/341)


المسمى مركب الأصل ، والقياس المسمى مركب الوصف ، ليس كل منهما بحجة عندنا وعند الأكثر أما الأول : فلأن الخصم لا ينفك عن منع العلة في الفرع أو منع الحكم في الأصل فلا يتم القياس وأما الثاني : فلأنه لا ينفك عن منع الأصل ، كما لو لم يكن التعليق ثابتا فيه ، أو منع حكم الأصل إذا كان ثابتا وعلى التقديرين : لا يتم القياس ( و ) قال ابن الحاجب وجماعة كثيرة ( لو سلمها ) أي سلم الخصم العلة للمستدل أنها التي ذكرها المستدل ( فأثبت المستدل وجودها ) فيما اختلفوا فيه ( أو سلمه ) أي سلم وجودها ( الخصم ) حيث اختلفوا فيه ( انتهض الدليل ) عليه ، لتسليمه في الثاني ، وقيام الدليل عليه في الأول وذلك كما لو كان مجتهدا ، أو غلب على ظنه صحة القياس فإنه لا يكابر نفسه فيما أوجبه عليه .

(2/342)


( ويقاس على عام خص ، كلائط وآت بهيمة على زان ) قال ابن عقيل : هو الأصح ، لنا وللشافعية .
وقيل : لا ؛ لضعف معناه للخلاف فيه .

(2/343)


( فصل : ) ( العلة ) التي هي أحد أركان القياس عند أهل السنة من أصحابنا وغيرهم ( مجرد أمارة وعلامة نصبها الشارع دليلا ) يستدل بها المجتهد ( على ) وجدان ( الحكم ) إذا لم يكن عارفا به .
ويجوز أن يتخلف ، كالغيم هو أمارة على المطر ، وقد يتخلف وهذا لا يخرج الأمارة عن كونها أمارة .
وقيل - وهو للمعتزلة - إن العلة مؤثرة في الحكم ، بناء على قاعدتهم في التحسين والتقبيح العقليين ثم قال بعضهم : إنها أثرت بذاتها وقال بعضهم : بصفة ذاتية فيها .
وقال بعضهم : بوجوه واعتبارات وليس عند أهل السنة شيء من العالم مؤثرا في شيء ، بل كل موجود فيه ، فهو بخلق الله سبحانه ، وإرادته .
وقيل : غير ذلك ( زيد ) أي وزاد بعضهم في الحد ( مع أنها ) أي العلة ( موجبة لمصالح دافعة لمفاسد ) ليست من جنس الأمارة الساذجة ، لكن على معنى أنها تبعث المكلف على الامتثال ، لا أنها باعثة للشرع على ذلك الحكم ، أو أنه على وفق ما جعله الله تعالى مصلحة للعبد تفضلا عليه ، وإحسانا له ، لا وجوبا على الله تعالى .
ففي ذلك بيان قول الفقهاء : الباعث على الحكم بكذا هو كذا ، وأنهم لا يريدون بعث الشارع ، بل بعث المكلف على الامتثال ، مثل : حفظ النفس باعث على تعاطي فعل القصاص الذي هو من فعل المكلف أما حكم الشرع : فلا علة له ولا باعث عليه ، فإذا انقاد المكلف لامتثال أمر الله تعالى في أخذ القصاص منه ، وكونه وسيلة لحفظ النفوس كان له أجران ، أجر على الانقياد ، وأجر على قصد حفظ النفس ،

(2/344)


وكلاهما أمر الله تعالى قال الله تعالى " { كتب عليكم القصاص } { ولكم في القصاص حياة } ومن أجل كون العلة لا بد من اشتمالها على حكمة تدعو إلى الامتثال ، كان مانعها وصفا وجوديا يخل بحكمتها ، ويسمى مانع السبب ، فإن لم يخل بحكمتها ، بل بالحكم فقط ، والحكمة باقية ، سمي مانع الحكم .
مثال المقصود هنا - وهو مانع السبب - الدين ، إذا قلنا : إنه مانع لوجوب الزكاة ؛ لأن حكمة السبب - وهو ملك النصاب - غنى مالكه ، فإذا كان محتاجا إليه لوفاء الدين فلا غنى ، فاختلت حكمة السبب بهذا المانع وبنى الأصحاب على كون العلة مجرد أمارة وعلامة صحة التعليل باللقب نص عليه الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه وقاله الأكثر فلهذا قلنا ( فيصح تعليل بلقب ، ك ) ما يصح التعليل ( بمشتق ) .
مثال التعليل باللقب : تعليل الربا في النقدين بكونهما ذهبا وفضة ، وتعليل ما يتيمم به بكونه ترابا ، وما يتوضأ به بكونه ماء ، وقيل : لا يصح التعليل باللقب قال البرماوي : ووقع في المحصول حكاية الاتفاق على أنه لا يجوز التعليل بالاسم ، كتعليل تحريم الخمر بأنه يسمى خمرا قال : فإنا نعلم بالضرورة أن [ مجرد ] هذا اللفظ لا أثر له ، فإن أريد به تعليل المسمى بهذا الاسم من كونه مخامرا للعقل ، فذلك تعليل بالوصف لا بالاسم .
وقولنا " كبمشتق ، اتفاقا " حكاه في جمع الجوامع .
وذلك كاسم الفاعل والمفعول والصفة المشبهة ونحو ذلك ، فهو جائز على أن المعنى المشتق ذلك منه هو علة الحكم ، نحو " {

(2/345)


فاقتلوا المشركين } { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } ، { مطل الغني ظلم } وغير ذلك مما لا ينحصر .

(2/346)


( ولا يشترط اشتمالها على حكمة مقصودة للشارع ) فإن الله - سبحانه وتعالى - لا يبعثه شيء على شيء وقيل : بلى وعليه الأكثر ، بمعنى اشتمال الوصف على مصلحة صالحة أن تكون المقصود للشارع من شرع الحكم وهو مبني على جواز تعليل أفعال الباري تعالى بالغرض .

(2/347)


( ثم قد تكون ) العلة ( رافعة أو دافعة أو فاعلتهما ، وصفا حقيقيا ظاهرا منضبطا ، أو عرفيا مطردا ، أو لغويا ) في الأصح ، فيكون الوصف المجعول علة ثلاثة أقسام ؛ فإنه تارة يكون دافعا لا رافعا ، ويكون رافعا لا دافعا ويكون دافعا رافعا ، وله أمثلة كثيرة فمن الأول : العدة ، فإنها دافعة للنكاح إذا وجدت في ابتدائه ، لا رافعة له إذا طرأت في أثناء النكاح فإن الموطوءة بشبهة تعتد وهي باقية على الزوجية ومن الثاني : الطلاق ، فإنه يرفع حل الاستمتاع ولا يدفعه ؛ لأن الطلاق إلى استمراره لا يمنع وقوع نكاح جديد بشرط ، ومن الثالث : الرضاع ، فإنه يمنع من ابتداء النكاح ، وإذا طرأ في أثناء العصمة رفعها ، وإنما كان هذا وشبهه من موانع النكاح يمنع من الابتداء والدوام لتأبده واعتضاده ؛ لأن الأصل في الارتضاع الحرمة ، وتكون العلة أيضا وصفا حقيقيا ، وهو ما يعقل باعتبار نفسه ، ولا يتوقف على وضع ، كقولنا : مطعوم ، فيكون ربويا فالطعم مدرك بالحس ، وهو أمر حقيقي ، أي لا تتوقف معقوليته على معقولية غيره .
ويعتبر فيه أمران ، أحدهما : أن يكون ظاهرا لا خفيا ، الثاني : أن يكون منضبطا ، أي متميزا عن غيره .
ولا خلاف في التعليل به وتكون العلة أيضا وصفا عرفيا ويشترط فيه أن يكون مطردا لا يختلف بحسب الأوقات ، وإلا لجاز أن يكون ذلك العرف في زمن النبي صلى الله عليه وسلم دون غيره فلا يعلل به .
مثاله : الشرف والخسة في الكفاءة وعدمها فإن الشرف يناسب التعظيم

(2/348)


والإكرام ، والخسة تناسب ضد ذلك فيعلل به بالشرط المتقدم وتكون العلة أيضا : وصفا لغويا مثاله : تعليل تحريم النبيذ لأنه يسمى خمرا .
فحرم كعصير العنب وفي التعليل به خلاف والصحيح : صحة التعليل به قطع به ابن البناء في العقود والخصائل قال : كقولنا في النباش : هو سارق فيقطع ، وفي النبيذ خمر فيحرم وصححه غيره من العلماء .
قال المحلي : بناء على ثبوت اللغة بالقياس ومقابل الأصح قول : بأنه لا يعلل الحكم الشرعي بالأمر اللغوي .

(2/349)


( فلا يعلل ) الحكم الشرعي ( بحكمة مجردة عن وصف ضابط لها ) عند الأكثر من أصحابنا وغيرهم .
وقيل : يصح التعليل بمجرد الحكمة ، سواء كانت ظاهرة أو خفية ، منضبطة أو غير منضبطة وقيل : إن كانت الحكمة المجردة ظاهرة منضبطة صح التعليل بها ، وإلا فلا .
وجه الأول - وهو كون التعليل لا يصح بالحكمة المجردة مطلقا - لخفائها ، كالرضا في البيع ولذلك أنيطت صحة البيع بالصيغ الدالة عليه أو لعدم انضباطها كالمشقة فلذلك أنيطت بالسفر قال الآمدي : منعه الأكثر .

(2/350)


( ويعلل ثبوتي بعدم ) يعني : أنه يصح أن يعلل الحكم الثبوتي بالعدم عند أصحابنا والرازي وأتباعه ، وذكره ابن برهان عن الشافعية ، وحكي المنع عن الحنفية واختاره الآمدي وابن الحاجب وغيرهما واستثنى بعض الحنفية مثل قول محمد بن الحسن في ولد المغصوب : لم يغصب ، واستدل للأول - وهو الصحيح - بأنه كنص الشارع عليه ، وكالأحكام تكون نفيا ، وكالعلة العقلية ، مع أنها موجبة ، وكتعليل العدم به ذكره بعضهم اتفاقا ، نحو : لم أفعل هذا لعدم الداعي إليه ، ولم أسلم على فلان لعدم رؤيته ؛ لأن نفي الحكم لنفي مقتضيه أكثر من نفيه لوجود منافيه ؛ ولأنه يصح تعليل ضرب السيد لعبده بعدم امتثاله ؛ ولأن العلة أمارة تعرف الحكم ، فيجوز أن تكون عدمية ، كما يجوز أن تكون وجودية .
ويدخل في الخلاف ما إذا كان العدم ليس تمام العلة ، بل جزءا منها ، فإن العدمي أعم من أن يكون كلا أو بعضا .
ومن جملة العدمي أيضا : إذا كان الوصف إضافيا ، وهو ما تعلق باعتبار غيره ، كالبنوة والأبوة ، والتقدم والتأخر ، والمعية والقبلية والبعدية ، وإنما قلنا : إنه عدمي ؛ لأن وجوده إنما هو في الأذهان ، لا في الخارج ، والصحيح أنه عدمي .

(2/351)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية