صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع
مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
[ الكتاب مشكول ومرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

بينهما على كل من الأقوال السابقة ( قوله : ، فإن عدمه ) أي الوجوب ( قوله : أي القياس المشتمل على الحكم المذكور ) تحويل للعبارة عن ظاهرها من عود الضمير على الحكم لكونه المحدث عنه مع أنه لا يصح إذ المركب هو القياس لا الحكم ( قوله أي بناؤه ) قال بعض المحققين فيه إشعار بأن مركبا في مركب الأصل ومركب الوصف من التركيب بمعنى البناء أي ترتب شيء على الآخر لا من التركيب ضد الأفراد كما تقتضيه عبارة العضد حيث قال والظاهر أنه إنما سمي مركبا لإثباتهما الحكم كل بقياس فقد اجتمع قياساهما ، ثم إن الأول اتفقا فيه على الحكم وهو الأصل باصطلاح دون الوصف الذي يعلل به المستدل فسمي مركب الوصف تمييزا له عن صاحبه بأدنى مناسبة ا هـ .
أي فلما وقع الاتفاق على الأصل في الأول وعلى الوصف في الثاني سمي الأول بمركب الأصل والثاني بمركب الوصف ، وإنما قال بأدنى مناسبة ؛ لأن التركيب في الحقيقة لم يقع على الأصل والوصف ، وإنما وقع في الاتفاق من الخصمين وربما يتوهم من قوله فقد اجتمع قياساهما أن التركيب في القياس فيعترض أنه إنما يصلح تعليلا لتسمية القياس مركبا لا مركب الأصل والوصف ويمكن أن يقال إن التركيب في كلام الشارح من التركيب ضد الأفراد أيضا كما أشار إلى ذلك بقوله على العلتين بالنظر إلى الخصمين ولا ينافي ذلك كونه بمعنى البناء من حيث هو لا يستلزم التعدد إلا إن كان على متعدد وفي قوله بالنظر إلى الخصمين دفع لما يقال إنه لا

(5/14)


يصح بناؤه على العلتين لما بينهما من التنافي والجواب أن البناء عليهما بالنظر إلى مجموع الخصمين ا هـ .
نجاري .
( قوله : يمنع الخصم وجودها إلخ ) لا يخفى أن منع وجودها فيه صادق مع قوله بها وبعدمها فمنع الحنفي في المثال وجود التعليق في الأصل لا يقتضي أنه علة عنده وإلا تخالفا في الفرع في المثال ا هـ .
سم .
( قوله : في الأصل ) أي المشبه به ( قوله : والعلة ) أي عندنا معاشر الشافعية ( قوله : هو تنجيز ) أي فلا يصح القياس المذكور لعدم وجود العلة في الفرع ؛ لأن الفرع تعليق والأصل تنجيز ( قوله : فمركب وصف ) قال ابن الهمام المراد بالوصف في قولهم مركب الوصف هو وجود العلة في الأصل فإن وجودها فيه وصف لها ومعنى كونه مركبا أنه مختلف فيه فأحدهما يثبته والآخر ينفيه ( قوله : ولا يقبلان ) أي لا ينهضان على الخصم أما بالنسبة إلى القياس فيعتد به ( قوله : في الفرع ) وهو كونه مال صبية ( قوله : ولو سلم الخصم إلخ ) بأن سلم أن العلة في الربا المطعومية ولم يسلم أنها موجودة في البر فأثبت المستدل وجودها فيه ثم إن هذا معلوم من قوله أو لعلة يمنع الخصم إلخ فإن مفاده أنه سلم أن العلة ما ذكر لكن منع وجودها وكأنه أعاده لقوله فأثبت المستدل إلخ لكنه لا يتوقف عليه ( قوله : فأثبت المستدل وجودها ) أي في الأصل في القسم الثاني حيث اختلف الخصمان في وجودها في الأصل وقوله أو سلمه إلخ أي سلم كون الوصف الذي عينه المستدل في القسم الأول

(5/15)


وهو العلة وأنها موجودة في الفرع ا هـ .
خالد .
ومراده بالقسم الأول مركب الأصل وكلامه صريح في أن هذا الكلام على التوزيع وربما يدل عليه قول شيخ الإسلام قوله وجودها أي في الأصل أو الفرع وكلام سم حيث قال أي في الفرع ربما يدل على عدم التوزيع فتأمله ( قوله : حيث اختلفا فيه ) أخذه من عطف قوله أو سلمه المناظر عليه فالمناظر هو المعبر عنه أولا بالخصم واختلاف العبارة مجرد تفنن مع وضوح المقصود ( قوله : المناظر ) الأولى حذفه لإيهامه أنه غير الخصم مع أنه هو ( قوله : انتهض الدليل عليه ) أي على الأصل ( قوله : من حيث الحكم والعلة ) أخذه من قوله ولكن رام المستدل إلخ ( قوله : ثم إثبات العلة بطريق إلخ ) عبر في جانب العلة بطريق ليجاري عبارتهم في أن دليل العلة يسمى مسلكا وطريقا ( قوله : فالأصح قبوله ) لا ينافي ما قدمه من تصحيح اشتراط اتفاق الخصمين على حكم الأصل كما مرت الإشارة إليه ؛ لأن ما هنا مقيد لإطلاق مفهوم ذاك من عدم صحة القياس عند عدم الاتفاق والحاصل أن المشترط إما الاتفاق على حكم الأصل أو إثبات المستدل ما ذكر إذا رامه ا هـ .
زكريا .
( قوله : بمنزلة اعتراف إلخ ) أي فكأن الحكم متفق عليه من أول الأمر فوجد الشرط السابق

(5/16)


( والصحيح ) أنه ( لا يشترط ) في القياس ( الاتفاق ) أي الإجماع ( على تعليل حكم الأصل ) أي على أنه معلل ( أو النص على العلة ) المستلزم لتعليله ؛ لأنه لا دليل على اشتراط ذلك بل يكفي إثبات التعليل بدليل وقد تقدم أنه لا يشترط الاتفاق على وجود العلة خلافا لمن زعمه وإنما فرق بين المسألتين لمناسبة المحلين .

الشرح
( قوله : أي على أنه معلل ) أي لا تعبدي ( قوله : المستلزم لتعليله ) لأن النص على العلة هو بيان أن علة الحكم كذا ولا يخفى أن هذا يستلزم كونه معللا ( قوله : عن الانتشار ) لأن الكلام حينئذ يصير في كل من الأصل والفرع لا في الفرع فقط قوله : لمناسبة المحلين ) يعني أن المسألة الأولى وهي عدم اشتراط الاتفاق على وجود العلة محلها الأصل ؛ لأنه محل وجودها فناسب ذكرها في مباحث الأصل ، والمسألة الثانية وهي عدم اشتراط الاتفاق على أن حكم الأصل لعل محلها حكم الأصل ؛ لأنها من مباحثه فناسب ذكرها فيه والحاصل أن وجود العلة من عوارض الأصل والتعليل من عوارض الحكم فالمناسب ذكر المعارض عند ذكر مباحث معروضة ا هـ .
ناصر

(5/17)


( الثالث ) من أركان القياس ( الفرع وهو المحل المشبه ) بالأصل ( وقيل حكمه ) وقد تقدم أنه لا يتأتى قول كالأصل بأنه دليل الحكم ( ومن شرطه ) أي الفرع ( وجود تمام العلة ) التي في الأصل ( فيه ) من غير زيادة أو معها كالإسكار في قياس النبيذ على الخمر والإيذاء في قياس الضرب على التأفيف ليتعدى الحكم إلى الفرع وعدل كما قال عن قول ابن الحاجب أن يساوي في العلة علة الأصل لإيهامه أن الزيادة تضر ( فإن كانت ) أي العلة ( قطعية ) فإن قطع بعلية الشيء في الأصل وبوجوده في الفرع كالإسكار والإيذاء فيما تقدم ( فقطعي ) قياسها حتى كان الفرع فيه تناوله دليل الأصل فإن كان دليله ظنيا كان حكم الفرع كذلك ( أو ) كانت ( ظنية ) بأن ظن علية الشيء في الأصل وإن قطع بوجوده في الفرع ( فقياس الأدون ) أي فذلك القياس ظني وهو قياس الأدون ( كالتفاح ) أي كقياسه ( على البر ) في باب الربا ( بجامع الطعم ) فإن العلة عندنا في الأصل ويحتمل ما قيل إنها القوت أو الكيل وليس في التفاح إلا الطعم فثبوت الحكم فيه أدون من ثبوته في البر المشتمل على الأوصاف الثلاثة فأدونية القياس من حيث الحكم لا من حيث العلة إذ لا بد من تمامها كما تقدم ، والأول أي القطعي يشمل أقياس الأولى والمساوي أي ما يكون ثبوت الحكم فيه في الفرع أولى منه في الأصل أو مساويا كقياس الضرب للوالدين على التأفيف لهما وقياس إحراق مال اليتيم على أكله في التحريم فيهما .

الشرح

(5/18)


( قوله : إنه لا يتأتى ) أي مع عده ركنا ؛ لأنه نفس القياس كما مر ( قوله : ومن شرطه إلخ ) أتى بمن لينبه على أنه لم يستوف صريحا شروط الفرع إذ بقي منها أن لا يعارض على ما يأتي ( قوله : تمام العلة ) يشمل المركبة ( قوله : فيه ) أي الفرع بمعنى المحل المشبه ولا يصح أن يكون الحكم ؛ لأن وجود تمام العلة إنما يكون في المحل لا في الحكم ( قوله : من غير زيادة ) المراد بالزيادة القوة ( قوله : لإيهامه أن الزيادة تضر ) ولإيهامه أن علة الفرع مغايرة لعلة الأصل مفهوما وإن تساويا صدقا مع أن علتهما واحدة ا هـ .
زكريا قال الناصر إن صح هذا الإيهام هنا فليصح أيضا في قول المصنف في حد القياس لمساواته في علة حكمه فيضر فيه بخروج القياس الأولى منه ا هـ .
وأجاب سم بأن الاحتراز عن الإيهام وإن ضعف أرجح من تركه قطعا وأن مراعاته في أحد الموضعين أو المواضع أمر مستحسن وإن أهمل في غيره ( قوله : وبوجوده في الفرع ) ليس هذا من مفهوم العلة القطعية بل زائد عليها ذكر تتميما لما يكون به القياس قطعيا إذ معنى كون العلة قطعية أن الشارع اعتبرها دون غيرها ( قوله : فقطعي قياسها ) أي أن إلحاق الفرع بالأصل مجزوم به ولا يلزم من ذلك قطعية الحكم ( قوله فإن كان دليله ظنيا ) أشار إلى أنه لا يلزم من قطعية القياس قطعية الحكم بل إذا كان الدليل قطعيا ( قوله : المشتمل على الأوصاف الثلاثة ) أي فالعلة موجودة فيه على كل تقدير بخلاف التفاح فإن العلة إنما هي

(5/19)


موجودة فيها على تقدير أنها الطعم ( قوله : لا من حيث العلة ) قال شيخ الإسلام لا بعد في أن أدونيته من حيث العلة للاحتمال الذي ذكره ولا ينافي ذلك تمامها في نفسها ( قوله إذ لا بد من تمامها ) لأنه لا بد من وجود الجامع الذي هو الوصف المشترك بتمامه في الفرع وفي كلامه دفع لما يتوهم من أن الأدونية من حيث العلة باعتبار أن الأصل أوصاف كل منها صالح للعلية وليس في الفرع إلا واحد منها ؛ لأن ذلك ليس من الأدونية في العلة في شيء ؛ لأن ذلك الواحد على تقدير أنه العلة تمام العلة وإن كان غير العلة لم توجد العلة من أصلها في الفرع فلا يتصور أدونية ؛ لأن الأدونية تقتضي وجود أصل العلة بدون تمام ا هـ .
نجاري .
( قوله : يشمل قياس إلخ ) كما يشير إليه قول المصنف فقياس الأدون ( قوله : وقياس إحراق إلخ ) فإنه مساو في الإتلاف على اليتيم وإن كان الإحراق أشد

(5/20)


( وتقبل المعارضة فيه ) أي في الفرع ( بمقتض نقيض أو ضد لا خلاف الحكم على المختار ) وقيل لا تقبل وإلا لانقلب منصب المناظرة إذ يصير المعترض مستدلا وبالعكس وذلك خروج عما قصد من معرفة صحة نظر المستدل في دليله إلى غيره .
وأجيب بأن القصد من المعارضة هدم دليل المستدل لا إثبات مقتضاها المؤدي إلى ما تقدم وصورتها في الفرع أن يقول المعترض للمستدل ما ذكرت من الوصف وإن اقتضى ثبوت الحكم في الفرع فعندي وصف آخر يقتضي نقيضه أو ضده ، مثال النقيض المسح ركن في الوضوء فيسن تثليثه كالوجه فيقول المعارض مسح في الوضوء فلا يسن تثليثه كمسح الخف ، ومثال الضد الوتر واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم فيجب كالتشهد فيقول المعارض مؤقت بوقت صلاة من الخمس فيستحب كالفجر .
وأما المعارضة بمقتضى خلاف الحكم فلا تقدح قطعا لعدم منافاتها لدليل المستدل كما يقال اليمين الغموس قول يأثم قائله فلا يوجب الكفارة كشهادة الزور فيقول المعارض قول مؤكد للباطل يظن به حقيته فيوجب التعزير كشهادة الزور ( والمختار ) في دفع المعارضة المذكورة زيادة على دفعها بكل ما يعترض به على المستدل ابتداء ( قبول ) ( الترجيح ) لوصف المستدل على وصف المعارض بمرجح مما يأتي في محله لتعين العمل بالراجح وقيل لا يقبل لأن المعتبر في المعارضة حصول أصل الظن لا مساواته لظن الأصل لانتفاء العلم بها وأصل الظن لا يندفع بالترجيح ( و ) المختار بناء على قبول الترجيح (

(5/21)


أنه لا يجب الإيماء إليه في الدليل ) ابتداء وقيل يجب ؛ لأن الدليل لا يتم بدون دفع المعارض .
وأجيب بأنه لا معارض حينئذ فلا حاجة إلى دفعه قبل وجوده وهذه المسألة ذكرها الآمدي ومن تبعه في الاعتراضات وذكرها هنا أنسب ؛ لأنها تئول إلى شرط في الفرع وهو أنه لا يعارض كما عده الآمدي هنا ووجهه أن الدليل لا يثبت المدعى إلا إذا سلم عن المعارض .

الشرح

(5/22)


( قوله : وتقبل المعارضة إلخ ) هي اصطلاحا مقابلة الدليل بدليل آخر ممانع للأول في ثبوت مقتضاه وقيل في تفسيرها غير ذلك كما بسطناه في حواشي الولدية الكبرى ( قوله : بمقتض ) أي بدليل مقتض بأن يأتي الخصم بقياس يدل على نقيض أو ضد ما دل عليه قياس المستدل وقوله نقيض أو ضد إلخ كل من الثلاثة منصوب بمقتض والمضاف إليه محذوف من الأولين لذكره في الثالث ثم إن نقيض كل شيء رفعه كإنسان ولا إنسان بناء على أن التناقض يجري في المفردات كالقضايا وتحقيقه ذكرناه في حواشي الخبيصي .
وأما الضدان فهما الأمران الوجوديان الممتنع اجتماعهما في محل واحد والخلافان أعم ، وكان الأولى حذف قوله أو ضد ؛ لأن النقيض أخص منه ولا يلزم من ذكر الأخص ذكر الأعم فإن السواد الذي هو ضد البياض يشمله قولنا لا بياض ( قوله : عما قصد ) أي قصده المتناظران بالمناظرة ( قوله إلى غيره ) متعلق ب " خروج " وضمير غيره راجع إلى ما قصد إلخ وذلك الغير هو معرفة صحة نظر المعترض في دليله ( قوله : بأن قصد ) أي قصد المعترض ( قوله : لا إثبات مقتضاها ) أي المعارضة وإن كان حاصلا لكنه غير مقصود ( قوله : إلى ما تقدم ) أي الانقلاب ( قوله : فعندي إلخ ) أشار بالفاء إلى أن العلة الركنية أي فبسبب ركنيته يسن تثليثه ( قوله : فلا يسن ) نقيض يسن ( وقوله فيستحب ) ضد يجب ( وقوله فيوجب التعزير ) خلاف لا يوجب الكفارة ولا منافاة بينهما ( قوله : كمسح الخف ) بجامع أن كلا مسح في الوضوء (

(5/23)


قوله : وأما المعارضة إلخ ) فيه تورك على المصنف من حيث إن كلامه يقتضي أن فيه خلافا وليس كذلك ( قوله : كما يقال إلخ ) أي من طرف الإمام مالك رحمه الله ( قوله : كشهادة الزور ) بجامع أن كلا يأثم قائله ( قوله فيوجب التعزير ) فهذا خلاف وجوب الكفارة إلا أنه لا ينافيه ( قوله : زيادة على دفعها ) أي من جهة المستدل بكل قادح يعترض به على المستدل كإبداء فارق في مسألة المسح بأن يقول هناك فارق بين مسح الرأس والخف بأن مسح الخف بعينه بخلاف الرأس وحاصله إبداء قادح من المستدل في دليل المعترض ( قوله : ؛ لأن المعتبر في المعارضة حصول أصل الظن ) أي بنقيض الحكم أو ضده ورد ذلك بأنه لو صح لاقتضى منع قبول الترجيح مطلقا ؛ لأن الترجيح إنما يفيد رجحان ظن على ظن وهو خلاف الإجماع على قبول الترجيح مطلقا فيكون باطلا ( قوله : حصول أصل الظن ) وهو موجود فيهما ( قوله : لا يجب الإيماء إليه في الدليل ) أي لأن ترجيح وصف المستدل على وصف معارضه خارج عن الدليل ( قوله : ابتداء ) إنما قال ابتداء ؛ لأن المعارض صار مستدلا ( قوله : حينئذ ) أي حين ابتداء الاستدلال ( قوله : في الاعتراضات ) أي في مبحث الاعتراضات ( قوله : لأنها تئول ) أي فيئول ذلك إلى جميع الشرط والمشروط ( قوله : وهي أن لا يعارض ) أي دليل الفرع الذي هو القياس ( قوله : ووجهه ) أي وجه اشتراط هذا الشرط

(5/24)


( ولا يقوم القاطع على خلافه ) أي خلاف الفرع في الحكم ( وفاقا ) إذ لا صحة للقياس في شيء مع قيام الدليل القاطع على خلافه ( ولا ) يقوم ( خبر الواحد ) على خلافه ( عند الأكثر ) فيقدم عندهم على القياس كما تقدم في مبحثه ( وليساو ) الفرع ( الأصل وحكمه حكم الأصل فيما يقصد من عين أو جنس ) أي عين العلة أو جنسها بالنسبة إلى الأول وعين الحكم أو جنسه بالنسبة إلى الثاني مثال المساواة في عين العلة قياس النبيذ على الخمر في الحرمة بجامع الشدة المطربة فإنها موجودة في النبيذ بعينها نوعا لا شخصا .
ومثال المساواة في جنس العلة قياس الطرف على النفس في ثبوت القصاص بجامع الجناية فإنها جنس لإتلافهما ومثال المساواة في عين الحكم قياس القتل بمثقل على القتل بمحدود في ثبوت القصاص فإنه فيهما واحد والجامع كون القتل عمدا عدوانا ، ومثال المساواة في جنس الحكم قياس بضع الصغيرة على مالها في ثبوت الولاية للأب أو الجد بجامع الصغر فإن الولاية جنس لولايتي النكاح والمال ( فإن خالف ) المذكور ما ذكر أي لم يساوه فيما ذكر ( فسد القياس ) لانتفاء العلة عن الفرع في الأول وانتفاء حكم الأصل عن الفرع في الثاني ، على أن اشتراط المساواة في العلة مستغنى عنه بما تقدم من اشتراط وجود تمام العلة في الفرع ولو قال هناك من عينها أو جنسها المقصود بالذكر هنا لوفى به مع السلامة من التكرار ومن الوقوع فيما عدل عنه هناك من لفظ المساواة ، وعبارة ابن الحاجب أن يساوي في العلة علة

(5/25)


الأصل فيما يقصد من عين أو جنس وأن يساوي حكمه حكم الأصل فيما يقصد من عين أو جنس .
( وجواب المعترض بالمخالفة ) فيما ذكر ( ببيان الاتحاد ) فيه مثاله أن يقيس الشافعي ظهار الذمي على ظهار المسلم في حرمة وطء المرأة فيقول الحنفي الحرمة في المسلم تنتهي بالكفارة والكافر ليس من أهل الكفارة إذ لا يمكنه الصوم منها لفساد نيته فلا تنتهي الحرمة في حقه فاختلف الحكم فلا يصح القياس فيقول الشافعي يمكنه الصيام بأن يسلم ويأتي به ويصح إعتاقه وإطعامه مع الكفر اتفاقا فهو من أهل الكفارة فالحكم متحد والقياس صحيح .

الشرح

(5/26)


( قوله : ولا يقوم إلخ ) منصوب بأن مضمرة بعد واو المعية لعطفه على مصدر صريح وهو وجود ، ثم إن هذا شرط للعمل وإلا فالقياس صحيح غايته أنه قدم عليه ما هو أقوى منه فقول الشارح إذ لا صحة إلخ فيه نظر ( قوله : أي خلاف الفرع ) أي مخالفة الفرع الأصل ( قوله : ولا يقوم خبر الواحد إلخ ) فيه أنه لا يخرج عن كونه دليلا في نفسه بذكر المعارض ، وإنما يمنع المعارض العمل ( قوله : وليساو إلخ ) معناه ولتكن مساواته للأصل ومساواة حكمه لحكم الأصل فيما ذكر فمفاد هذا الكلام اشتراط كون المساواة فيما ذكر لا اشتراط نفس المساواة ؛ لأنها تقدمت فلا تكرار ، وإسناد الأمر بالمساواة إلى الفرع والحكم مجاز عقلي والأصل وليساو القائس ( قوله : بالنسبة إلى أول ) أي مساواة الفرع الأصل ( قوله : مثال المساواة ) أي مثال قياس المساواة ( قوله : في عين العلة ) بأن يكون نوعها واحدا ( قوله : قياس النبيذ ) أي المساواة في قياس النبيذ إذ لا بد في الحمل من اتحاد الخبر بالمبتدأ في الصدق وكذا القول فيما بعده ( قوله : فإنها موجودة في النبيذ ) فالشدة المطربة مختلفة بالعدد دون الحقيقة فلذلك كانت بهذا الاعتبار نوعا بخلاف الجناية على النفس والطرف فإن حقيقتهما مختلفة والدليل على أن المراد بالعين هنا النوع استحالة إرادة الشخص ؛ لأن المعاني إنما تتشخص بمحالها فالشخص الذي في الأصل يستحيل أن يكون بنفسه في الفرع ( قوله : لا شخصا ) فالشدة القائمة بالخمر غير القائمة بالنبيذ فإن

(5/27)


العرض لا يقوم بمحلين ( قوله : قياس الطرف ) أي الجناية عليه ( قوله : فإنها جنس ) ولم تجعل نوعا ؛ لأن إتلاف الطرف كلي فهو نوع وكذلك إتلاف الأصل ( قوله : أو الجد ) فيه رد على الإمام مالك فإنه لا يثبت الولاية للجد ( قوله : فإن الولاية ) أي مطلق الولاية ( قوله : فإن خالف المذكور ) أي الفرع أو حكمه ما ذكر أي الأصل أو حكمه فيما ذكر أي فيما يقصد من عين أو جنس وقوله في الأول أي مخالفة الفرع الأصل وقوله في الثاني أي مخالفة حكم الفرع الأصل ( قوله : لانتفاء العلة ) أي مساواتها ( قوله : المقصود ) بالنصب صفة لمعمول قال وفيه إشارة إلى دفع ما يقال إنه ذكر هنا تبعا للمساواة في عين الحكم وجنسه .
وقد أجاب سم عن التكرار بما تقدم لكنه قد يناقش في جوابه بأن ما تقدم وجود العلة على أنه لا معنى لاشتراط المساواة في حد ذاتها مع قطع النظر عن الوجود وفي قوله المقصود دفع لما قد يتوهم أنه ذكر بطريق التبع للمساواة في عين الحكم أو جنسه لكون الكلام في الفرع وقوله وعبارة ابن الحاجب إلخ أشار به إلى سلامة كلامه من التكرار وإن وقع في لفظ المساواة فالاعتراض عليه من وجه واحد بخلاف المصنف فإن الاعتراض عليه من وجهين : الوقوع في التكرار ، والوقوع فيما فر منه هناك من لفظ المساواة ( قوله : بيان الاتحاد ) المناسب للسياق بيان المساواة وهو خبر جواب وقوله بالمخالفة متعلق بالمتعرض ( قوله : إذ لا يمكنه الصوم منها ) أي حال كونه بعض خصالها أو بعض

(5/28)


الكفارة إذ المراد بالكفارة المكفر به ( قوله : فاختلف الحكم ) أي فيما قصد من عينه فإن هذه حرمة مؤبدة وتلك مغياة بحصول الكفارة فلا يصح القياس ؛ لأنه لو صح قياسه لم يمكنه الكفارة فيلزم تأبيد الحرية وهذا غير حكم الأصل فلا ينعقد الظهار

(5/29)


( ولا يكون ) الفرع ( منصوصا ) عليه ( بموافق ) للقياس للاستغناء حينئذ بالنص عن القياس ( خلافا لمجوز دليلين ) مثلا على مدلول واحد في عدم اشتراطه ما ذكر لما جوزه ويفيد القياس عنده معرفة العلة ( ولا بمخالف ) للقياس لتقدم النص على القياس ( إلا لتجربة النظر ) فإن القياس المخالف صحيح في نفسه ولم يعمل به لمعارضة النص له .

الشرح

(5/30)


( قوله : ولا يكون الفرع منصوصا إلخ ) أي بنص غير شامل لحكم الأصل فلا يتكرر مع قوله ولا يكون دليل حكمه شاملا لحكم الفرع ، وإنما جرى الخلاف هنا دون ما تقدم لانتفاء التحكم اللازم فيما تقدم ويحتمل أن يراد هنا ما هو أعم والخلاف حينئذ باعتبار صورة عدم الشمول تأمل ( قوله : بموافق ) أي بنص موافق ( قوله : للاستغناء حينئذ ) أي حين الموافقة ( قوله : خلافا لمجوز دليلين إلخ ) هذا نقله في شرح المختصر عن الأكثر ونقل الأول عن البعض ورجحه هنا لقوة دليله عنده والمختار ما نقله عن الأكثر ورجحه هنا أيضا بعد ، فيجوز أن يكون حكم الفرع منصوصا عليه أي لا مع حكم الأصل فلا ينافي قوله فيما مر وأن لا يكون دليل حكمه شاملا لحكم الفرع ا هـ .
زكريا .
( قوله : في عدم اشتراط ما ذكر ) أي لا يكون منصوصا ( قوله : لما جوزه ) أي من اجتماع دليلين إلخ وهو علة لعدم اشتراطه ( قوله : ويفيد القياس إلخ ) أي وهذه فائدة لا تستفاد من النص ثم لا يخفى أن المفيد في الحقيقة للعلة هو أحد مسالك العلة ولكن لما كان القياس سببا باعثا عليه نسبت الإفادة إليه ولو حذف الشارح هذا كان أولى ؛ لأن من جوز اجتماع الأدلة يقول على طريق تقوية بعضها لبعض .
( قوله : ولا بمخالف ) أي بنص مخالف كما أشار الشارح بقوله لتقدم النص على القياس ثم إن هذا تكرار مع قوله ولا يقوم القاطع على خلافه إلخ فإن النص إما قاطع أو خبر آحاد ولعله أعاده ليرتب عليه قوله إلا لتجربة إلخ ثم إن

(5/31)


المخالف للقياس قد يكون متقدما في التاريخ على دليل حكم الأصل فيجوز حينئذ القياس ويكون ناسخا لذلك النص المخالف كما مر في النسخ من أنه يجوز نسخ النص بالقياس فيجب تخصيص قوله ولا بمخالف بهذا النص المنسوخ بالقياس ( قوله : إلا لتجربة ) هي تمرين الذهن ورياضته على استعمال القياس في المسائل وهو استثناء منقطع ؛ لأن الكلام في القياس في استنباط الأحكام ( قوله : صحيح في نفسه ) أي فهو صالح لتجربة النظر ( قوله : لمعارضة النص ) أي لا لفساد صورته

(5/32)


( ولا ) يكون حكم الفرع ( متقدما على حكم الأصل ) في الظهور كقياس الوضوء على التيمم في وجوب النية فإن الوضوء تعبد به قبل الهجرة والتيمم إنما تعبد به بعدها إذ لو جاز تقدمه للزم ثبوت حكم الفرع حال تقدمه من غير دليل وهو ممتنع ؛ لأنه تكليف بما لا يعلم .
نعم إن ذكر ذلك إلزاما للخصم جاز كما قال الشافعي للحنفية طهارتان أنى تفترقان لتساويهما في المعنى ( وجوزه ) أي جوز تقدمه ( الإمام ) الرازي ( عند دليل آخر ) يستند إليه حالة التقدم دفعا للمحذور المذكور وبناء على جواز دليلين أو أدلة على مدلول واحد وإن تأخر بعضها عن بعض كمعجزات النبي صلى الله عليه وسلم المتأخرة عن المعجزة المقارنة لابتداء الدعوة .

الشرح

(5/33)


( قوله : ولا يكون حكم الفرع متقدما إلخ ) أي وإلا لزم ثبوته قبل علته ؛ لأنها مع الأصل المتأخر والمتقدم على ما مع الشرح متقدم عليه ويندرج هذا تحت شرط التعدية لاستدعائها تقدم المعدى عنه ( قوله : في الظهور ) أي للمكلف لا في الواقع ؛ لأن الأحكام قديمة لا ترتيب فيها ( قوله : فإن الوضوء تعبد به إلخ ) هذا المثال إنما يتم إذا ثبت أن النية في الوضوء تعبد بها قبل التعبد بالنية في التيمم وإلا فيجوز أن يكون مع التعبد بالوضوء قبل التعبد بالتيمم قد تعبد بالنية في التيمم قبل التعبد بالنية في الوضوء فيصح القياس وتأمل ( قوله : قبل الهجرة ) عند مشروعية الصلاة ( قوله : إنما تعبد به بعدها ) قيل نزلت آيته في سنة أربع وقيل في سنة خمس في غزوة بني المصطلق وقيل بعدها في غزوة أخرى ا هـ .
زكريا .
( قوله : للزوم ثبوت حكم الفرع ) أي ظهوره للمكلفين وعلمهم به وهو وجوب النية ؛ لأن الفرع متى ما حصل حصل معه حكمه ( قوله : من غير دليل ) لأن دليله القياس وهو متأخر عن حكم الأصل المتقدم على حكم الفرع فإذا فرض تقدم حكم الفرع على حكم الأصل لزم تقدمه على القياس فيلزم ثبوته من غير دليل وهو ممتنع ؛ لأنه تكليف بما لم يعلم ( قوله : لأنه تكليف بما لا يعلم ) لعدم الدليل قال الناصر : والأول تكليف لا يعلم .
ذلك لأن التكليف بما لا يعلم من التكليف بالمحال وتقدم فيه خلاف والمختار عند المصنف جوازه وأما التكليف الذي لا يعلم فهو

(5/34)


تكليف محال وذلك ممتنع اتفاقا ( قوله : إلزاما ) أي لا استدلالا على الحكم ؛ لأن أصل الحكم ثابت بالقياس ( قوله : كما قال الشافعي إلخ ) جعل هذا مثالا للإلزام عند عدم دليل للفرع مع أن للوضوء دليلا فيحمل كلامه على أنه مثال بتقدير أن لا دليل ودليل الوضوء وهو ما يستند إليه المجتهد كحديث { إنما الأعمال بالنيات } وأشار بالإفراد في الشافعي وبالجمع في الحنفية إلى أن المراد به الإمام الشافعي رحمه الله ( قوله : بتساوي الفرع والأصل ) أي وإذا استويا في المعنى لزم أن يتساويا في الحكم وقد فرق بعضهم بأن التراب لما كان مجرد تعبد غير معقول المعنى ؛ لأنه غير مطهر في الحس احتيج فيه للنية بخلاف الوضوء فإن الماء مطهر في الحس بذاته فهو معقول المعنى فلم يحتج فيه للنية يرده أنه لو كان كذلك ما اشترط الماء المطلق ، واشتراط النية لدفع المانع شرعا لا لوصف طبيعي والماء والتراب فيه سواء ووصف الماء الطبيعي لا دخل له في ذلك ( قوله : لتساوي الأصل ) وهو كون كل طهارة ( قوله : يستند إليه ) فإذا وجد الدليل الآخر الذي هو القياس تبين أن هذا الفرع كان مقيسا على الأصل في علم الله تعالى ( قوله : دفعا للمحذور ) أي وهو قوله فيما تقدم ؛ لأنه تكليف بما لا يعلم ( قوله : وبناء على جواز دليلين ) أي على طريق التأكيد

(5/35)


( ولا يشترط ) في الفرع ( ثبوت حكمه بالنص جملة ) ( خلافا فالقوم ) في قولهم يشترط ذلك ويطلب بالقياس تفصيله قالوا فلولا العلم بورود ميراث الجد جملة حرام لما جاز القياس في توريثه مع الإخوة ورد اشتراطهم ذلك بأن العلماء من الصحابة وغيرهم قاسوا أنت حرام على الطلاق والظهار والإيلاء بحسب اختلافهم فيه ولم يوجد فيه نص لا جملة ولا تفصيلا .

الشرح
( قوله : جملة ) حال من النص كما يعلم من الشيخ خالد أي إجمالا أي بدليل إجمالي ( قوله : جملة ) أي بقطع النظر عن كون إرثه مع الإخوة أو لا وقوله لما جاز القياس أي على الأب فلا يأخذ الأخ معه أو على الأخ فيشارك الإخوة ودليل عدم جواز القياس حينئذ أنه تجارؤ على الشرع من غير مستند ورد بأن القياس نفسه مستند ( قوله : بحيث اختلافهم فيه ) أي هل حرمته كحرمة الطلاق كمذهب مالك أو كحرمة الظهار فينتهي بكفارته كأحد القولين عن أحمد أو كحرمة الإيلاء فيجب فيه كفارة يمين كالمرجح عند الشافعي ا هـ .
زكريا

(5/36)


( ولا ) يشترط في الفرع ( انتفاء نص أو إجماع يوافقه ) في حكمه أي لا يشترط انتفاء واحد منهما بل يجوز القياس مع موافقتهما أو أحدهما له ( خلافا للغزالي والآمدي ) في اشتراطهما انتفاءهما مع تجويزهما دليلين على مدلول واحد نظرا إلى أن الحاجة إلى القياس إنما تدعو عند فقد النص والإجماع وإن لم تقع مسألته بعد بخلاف قول ابن عبدان السابق .
وأجيب بأن أدلة القياس مطلقة عن اشتراط ذلك نعم في نفي المصنف اشتراط انتفاء النص مخالفة لقوله أولا ولا يكون منصوصا .

الشرح

(5/37)


( قوله : بل يجوز القياس مع موافقتهما إلخ ) أي كما يجوز عند انتفائهما لا عند مخالفتهما ؛ لأن القياس لا يخالف النص والإجماع ( قوله : مع تجويزهما إلخ ) قيل محل تجويزهما ما لم يكن أحد الدليلين قياسا فلا يجوز ( قوله : نظرا إلخ ) المناسب لقوله بعد وأجيبا أن يقرأ بألف التثنية من غير تنوين ويكون في معنى التعليل ( قوله : وإن لم تقع مسألته إلخ ) مبالغة على قوله تدعو يعني أن الحاجة تدعو إلى القياس عند مجرد فقد النص والإجماع سواء وقعت مسألته أو لم تقع بخلاف قول ابن عبدان فإنها لا تدعو إليه عنده إلا عند فقدهما ووقوع مسألته ( قوله بأن أدلة القياس إلخ ) أي الأدلة الدالة على جواز القياس كقوله تعالى { فاعتبروا يا أولي الأبصار } ( قوله مطلقة ) أي والأصل عدم التقييد فلا يرتكب إلا بدليل ( قوله : نعم إلخ ) استدراك على الجواب المذكور الموهم أنه لا اعتراض على المصنف قال شيخ الإسلام قد نقل في شرح المختصر عن الأكثر ما هنا من نفي الاشتراط مع أن الزركشي جمع بينهما بأن ذلك في الفرع نفسه وهذا في النص على مشبهه قال العراقي وفيه نظر فكيف يتخيل أن النص على مشبهه يمنع جريان القياس فيه وهل النص على مشبهه إلا النص على أصله الذي هو مشبهه وذلك مقتض للقياس لا مانع منه وحاصله أن جمع الزركشي بما ذكره بين الكلامين لا يصلح جمعا فالمخالفة بينهما ظاهرة كما أفاده كلام الشارح ( قوله : مخالفة إلخ ) حاول بعض الجواب بأن المراد بما مر أن

(5/38)


لا يكون منصوصا عليه بخصوصه وما هنا فيما يشبهه وفيه أن مشبهه هو الأصل والنص عليه مصحح للقياس

(5/39)


( الرابع ) من أركان القياس ( العلة ) وفي معناها حيثما أطلقت على شيء في كلام أئمة الشرع أقوال ينبني عليها مسائل تأتي ( قال أهل الحق ) هي ( المعرف ) للحكم فمعنى كون الإسكار علة أنه معرف أي علامة على حرمة المسكر كالخمر والنبيذ .

الشرح

(5/40)


( قوله : وفي معناها ) أي معنى لفظ العلة وأطلق عليها لفظ العلة لما أن تأثيرها في الحكم كتأثير العلة في المريض ( قوله : حيثما أطلقت ) أي في جميع أماكن الإطلاق والمعنى ذكرت مطلقة كأن قيل مثلا العلة الإسكار وقوله في كلام أئمة الشرع احترز به عن المتكلمين والحكماء حيث يطلقونها على المؤثر ( قوله : تنبني عليها مسائل تأتي ) منها مجيء الخلاف في ثبوت حكم الأصل بها أو بالنص ومنها جواز كونها حكما شرعيا ( قوله : هي المعرف للحكم ) اعترضه صدر الشريعة في التوضيح بأنه غير مانع لشموله العلامة مع أن بينهما فرقا وهو أن الأحكام بالنسبة إليها مضافة لها كالملك إلى الشراء والقصاص إلى القتل وليست الأحكام مضافة إلى العلامات كالرجم إلى الإحصان والأذان للصلاة فإن العلامة ما يعرف به وجود الحكم من غير أن يتعلق به وجوده ولا وجوبه قال التفتازاني وغير جامع أيضا لخروج المستنبطة عنه ؛ لأنها عرفت بالحكم ؛ لأن معرفة علية الوصف متأخرة عن طلب علته المتأخرة عن معرفة الحكم فلو عرف الحكم بها لكان العلم بها سابقا عن معرفة الحكم فيلزم الدور وجوابه أن المعرف للعلة المتقدم عليها هو حكم الأصل والمعرف بالعلة المتأخر عنها هو حكم الفرع فلا دور ، فإن قيل هما مثلان يشتركان في الماهية ولوازمها قلنا لا ينافي كون أحدهما أجلى من الآخر بعارض ا هـ .
( قوله : أي علامة إلخ ) يعني أننا إذا اطلعنا على العلة استفدنا منها علما وهو حرمة المسكر

(5/41)


في المثال هذا هو معنى كون العلة علامة عند الجمهور على هذا القول فهو غير معناها على قول الغزالي الآتي ( قوله على حرمة المسكر ) أي تعلق الحرمة بشرب المسكر أي على ظهور الحكم وإلا فهو قديم ( قوله كالخمر والنبيذ ) مثال للفرع والأصل ؛ لأن العلة تنسب لهما

(5/42)


( وحكم الأصل ) على هذا ( ثابت بها لا بالنص ) ( خلافا للحنفية ) في قولهم بالنص ؛ لأنه المفيد للحكم قلنا لم يفده بقيد كون محله أصلا يقاس عليه والكلام في ذلك والمفيد له هو العلة إذ هي منشأ التعدية المحققة للقياس ( وقيل ) العلة ( المؤثر بذاته ) في الحكم بناء على أنه يتبع المصلحة والمفسدة وهو قول المعتزلة ( وقال الغزالي ) هي المؤثر فيه ( بإذن الله ) أي بجعله لا بالذات ( وقال الآمدي ) هي ( الباعث عليه ) وقال إنه مراد الشافعية في قولهم حكم الأصل ثابت بها أي أنها باعث عليه وأن مراد الحنفية أن النص معرف له وأن كلا لا يخالف الآخر في مراده وتبعه ابن الحاجب في ذلك قال المصنف ونحن معاشر الشافعية إنما نفسر العلة بالمعرف ولا نفسرها بالباعث أبدا ونشدد النكير على من فسرها بذلك ؛ لأن الرب تعالى لا يبعثه شيء على شيء ومن عبر من الفقهاء عنها بالباعث أراد أنها باعثة للمكلف على الامتثال نبه عليه أبي رحمه الله تعالى وسيأتي بيانه .

الشرح

(5/43)


( قوله : وحكم الأصل ) أي كون محله أصلا يقاس عليه وإلا فالحكم ثبت بالنص والمحل للفاء فكان الأولى فحكم ؛ لأنه تفريع ( قوله : على هذا ) احترز عن بقية الأقوال فلا يجيء فيها خلاف الحنفية أو عن مجموعهما لاحتمال مجيئه على الأخير وإن لم ينقل عنهم فيما أعلم ا هـ زكريا ( قوله : ثابت بها ) انظر ما معنى الثبوت إن كان عند الله لزم كون العلة مؤثرة وإن كان عند المكلف لزم أن المكلف يعرف الحكم بمجرد معرفة العلة مع أنه لا يعرف الحكم إلا من النص لكن يؤخذ من كلام الشارح الآتي أن المراد الثبوت من جهة كون محله أصلا يقاس عليه وهذا ظاهر ( قوله : قلنا لم يفده ) أي الحكم فإن العلة تعرف الحكم منوطا بها حتى إذا وجدت بمحل آخر ثبت الحكم فيه أيضا ، والنص يعرف الحكم من غير نظر إلى ذلك فليسا معرفين لشيء واحد عند من يجوز تعدد الأدلة عند اتحاد المدلول ( قوله : والكلام ) أي النزاع في ذلك أي إفادة الحكم مع كون محله أصلا يقاس عليه ( قوله : والمفيد له العلة ) فيه نظر إذ لا نسلم أن العلة مفيدة للحكم لا من حيث ذاته ولا من حيث تعديه ، وإنما المفيد له النص وهو منوه بالعلة .
وأجاب سم بأن المراد تقيده بعد تقرر النص وعليه فالخلاف لفظي وأنه لا بد من الأمرين ( قوله : إذ هي منشأ التعدية ) أي المحل وأورد أن التعدية ثمرة القياس فكيف تكون هي المنشأ ورده سم بأنا لا نسلم ذلك ؛ لأن التعدية هي المحل المأخوذ في تعريفه فهي

(5/44)


المحققة له ( قوله : وقيل العلة المؤثر بذاته ) أي حقيقة كالعلل العقلية لقولهم بالوجوب على الله ورعاية الأصلح فالقتل العمد العدوان يوجب عندهم شرع القصاص عليه تعالى ، وعندنا كما أن آثار العلل العقلية مخلوقة لله تعالى ابتداء ، ومعنى تأثيرها جريان سنة الله تعالى بخلقها عقبها كذلك العلل الشرعية أمارات لإيجاب الله تعالى الأحكام عندها وإن كانت مؤثرة بالنسبة إلينا بمعنى نوطه المصالح بها تفضلا وإحسانا حتى أن من أنكر التعليل فقد أنكر النبوة إذ كون البعث لاهتداء الناس وكون المعجزة لتصديقهم لازمها فمنكره منكرها لكن لا لأنه لو لم ينطها بها لكان عبثا وإلا لوجب عليه تعالى ، وإنما يصير عبثا لو لم يترتب عليها المصالح وليست أغراضا ؛ لأنه لم تشرع لقصد حصولها ، وإنما حصلت بعده بإرادته وإلا كان مستكملا بها حيث ترجح أحد طرفيها بالنسبة إليه فهي مصالح لأغراض التعليلات الواردة مثل : { إلا ليعبدون } استعارة تبعية تشبيها لها بالأغراض والبواعث كذا في فصول البدائع للغزي ( قوله : وهو قول المعتزلة ) مبني على ما تقرر عندهم من الحسن والقبيح العقليين وأن الحكم حادث بناء على نفيهم الكلام النفسي ( قوله : وقال الغزالي هي المؤثرة فيه ) أي في تعلقه لا في نفسه ؛ لأنه عند الغزالي كغيره من الأشاعرة قديم يمتنع التأثير فيه فاندفع ما يقال إن العلة حادثة والحكم قديم والحادث لا يؤثر في القديم ( قوله : بإذن الله ) فهي

(5/45)


بمنزلة السبب العادي ( قوله : أي يجعله ) بمعنى أنها متى تحققت العلة وجد الحكم على وجه الارتباط العادي باعتبار التعلق التنجيزي وبهذا يرجع كلامه إلى كلام الجمهور وإن كان الفرق بينهما أنه على كلام الجمهور الارتباط بين العلم بالعلة والحكم وعلى كلام الغزالي بين الأمرين ( قوله : وأن مراد الحنفية ) أي في قولهم حكم الأصل ثابت بالنص ( قوله : لأن الرب تعالى لا يبعثه شيء إلخ ) لأن أفعاله تعالى لا تعلل بالأغراض .
وأما ما اشتهر عند الفقهاء من أن أفعال الباري تابعة للحكم والمصالح تفضلا لا وجوبا كما يقول المعتزلة فمرادهم أنها مرتبطة بالحكم والمصالح لا بمعنى أنها تابعة لها في الوجود بل بمعنى ترتب الحكم والمصالح على شرعيتها وأنها ثمرات لتعلقها تعود تلك الحكم والمصالح علينا لا أنها تابعة لها في الوجود حتى تكون علة غائية باعثة له تعالى كما تقول المعتزلة وما ورد مما يخالف ذلك كقوله تعالى { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } وقوله { من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل } وقوله { إنما نملي لهم ليزدادوا إثما } محمول على ما ذكرناه من اشتمال الأفعال على المصالح التي تعود علينا دون الغرض والعلة الغائبة ، وعلى ذلك يحمل كلام الآمدي السابق ومن هنا قال ابن الحاجب في شروط العلة ومنها أن تكون بمعنى الباعث أي مشتملة على حكمة مقصودة للشارع من شرع الحكم يقينا أو ظنا وإذا كان هذا هو المراد بالباعث لم يلزم التشنيع المذكور ( قوله :

(5/46)


أراد أنها باعثة للمكلف ) هذا أمر مخترع لوالد المصنف لا معنى له ؛ لأن البعث للحاكم على شرع الحكم أي إظهار تعلقه بأفعال المكلفين لا للمكلف وقد أشار إلى ذلك الشارح بقوله الباعث عليه أي على الحكم قاله الكوراني وكلام سم معه هنا غير ظاهر

(5/47)


( وقد تكون ) العلة ( دافعة ) للحكم ( ورافعة ) له ( أو فاعلة الأمرين ) أي الدفع والرفع مثال الأول العدة فإنها تدفع حل النكاح من غير الزوج ولا ترفعه كما لو كانت عن شبهة ومثال الثاني الرضاع فإنه يدفع حل النكاح ويرفعه إذا طرأ عليه .

الشرح

(5/48)


( قوله : دافعة للحكم هنا إلخ ) في التعبير بالدفع والرفع بعد معرفة الاصطلاح المتقدم تسمح وإلا فكان الأنسب أن يقول وقد تكون علامة للدفع أو الرفع إذ التعبير بالدفع والرفع يقتضي أنها مؤثرة ومعنى كونها دافعة للحكم أنها دافعة لحدوثه وطروه بتعلقه تنجيزا وقوله أو رافعة أي قاطعة لاستمراره .
وأورد الناصر أن ما تدفعه أو ترفعه لا يصلح أن يكون المراد به الحكم الذي يثبت بها ؛ لأن العلة تقتضي وجوده ، فإن كان المراد حكما آخر وهو ضده فالمناسب ذكر الدافع والرافع في أقسام المانع ؛ لأن العلة باعتبار ضد حكمها مانعة ؛ لأن ذلك ليس من مباحث العلة من حيث إنها علة وهو كلام ظاهر وكلام سم لا يخرج عن كون المراد ضد حكمها فالأحسن في الجواب أنه اصطلاح لا مشاحة فيه ( قوله : ولا ترفعه ) أي النكاح أو حله بمعنى حل استمراره ( قوله : كما لو كانت عن شبهة ) فإنها لا ترفع نكاح الزوج وإلا لم تحصل له بعدها إلا بعقد جديد ، وإنما ترفع حل الاستمتاع ، وإنما قال كما لو كانت إلخ ؛ لأنه لا يعقل عدة حقيقية مع وجود النكاح من قبل ( قوله : إذا طرأ عليه ) أي إذا طرأ الرضاع على النكاح كما إذا تزوج برضيعة فأرضعتها زوجته

(5/49)


( و ) تكون العلة ( وصفا حقيقيا ) وهو ما يتعلق في نفسه من غير توقف على عرف أو غيره ( ظاهرا منضبطا ) كالطعم في باب الربا ( أو ) وصفا ( عرفيا مطردا ) لا يختلف باختلاف الأوقات كالشرف والخسة في الكفاءة ( وكذا ) تكون ( في الأصح ) وصفا ( لغويا ) كتعليل حرمة النبيذ بأنه يسمى خمرا كالمشتد من ماء العنب بناء على ثبوت اللغة بالقياس ومقابل الأصح يقول لا يعلل الحكم الشرعي بالأمر اللغوي .

الشرح

(5/50)


( قوله : وتكون العلة ) لم يعد قد إشارة إلى أن هذا كثير ( قوله : أو غيره ) أي من لغة أو شرع بدليل المقابلة فيما بعد ( قوله : على عرف أو غيره ) أي من لغة أو شرع وإن كان تعريف الوصف للحكم لا يستفاد إلا من الشرع ( قوله : ظاهرا ) أي متميزا عن غيره لا خفيا وذلك كعلوق الرحم أو الإنزال أو الوطء فلا تعلل به العدة ؛ لأنه قد يخفى ، وإنما تعلل بالخلوة ( قوله : منضبطا ) أي لا يختلف باختلاف الأفراد فخرج المشقة بالنظر إلى القصر والفطر فلا يعلل به بل يعلل بالمشاقة ( قوله : أو وصفا عرفيا ) في زيادة وصفا إشارة إلى أن قوله أو عرفيا قسيم قوله حقيقيا ولم يقيده وما بعده بكونه ظاهرا منضبطا ؛ لأنه لا يكون إلا كذلك ( قوله : لا يختلف باختلاف الأوقات ) إذ لو اختلف باختلافها لجاز أن يكون ذلك العرف في زمن النبي صلى الله عليه وسلم دون غيره من الأوقات فلا يعلل به ( قوله : كالشرف ) مثال للنفي وهو الاختلاف لا النفي فإنه قد يختلف باختلاف الأوقات والأحوال ( قوله : وكذا يكون إلخ ) قال شيخنا الشهاب محل كذا نصب صفة لمصدر مقدر أي تكون في الأصح وصفا لغويا كونا كذا أي مثل هذا الكون السابق ا هـ .
وأقول إنما يظهر هذا إن جوزنا نصب الفعل الناقص لمصدره كما قال به جماعة بخلاف ما إذا منعناه كما هو الأصح فينبغي تعلق هذا الجار والمجرور بالفعل ا هـ .
سم .
( قوله : كالمشتد إلخ ) مرتبط بقوله يسمى قوله : لا يعلل الحكم الشرعي إلخ ) لأنه لا دخل للأمور

(5/51)


اللغوية في الشرع

(5/52)


( أو حكما شرعيا ) سواء كان المعلول حكما شرعا أيضا كتعليل جواز رهن المشاع بجواز بيعه أم كان أمرا حقيقيا كتعليل حياة الشعر بحرمته بالطلاق وحله بالنكاح كاليد وقيل لا تكون حكما ؛ لأن شأن الحكم أن يكون معلولا لا علة ، ورد بأن العلة بمعنى المعرف ولا يمتنع أن يعرف حكم حكما أو غيره ( وثالثها ) تكون حكما شرعيا ( إن كان المعلول حقيقيا ) هذا مقتضى سياق المصنف وفيه سهو وصوابه أن يزاد لفظه بعد قوله وثالثها وذلك أن في تعليل الحكم الشرعي بالحكم الشرعي خلافا وعلى الجواز الراجح هل يجوز تعليل الأمر الحقيقي بالحكم الشرعي ؟ قال في المحصول الحق الجواز فمقابله المانع من ذلك مع تجويزه تعليل الحكم الشرعي بالحكم الشرعي هو التفصيل في المسألة .

الشرح

(5/53)


( قوله : أم كان أمرا ) عبر به دون الوصف ؛ لأن المعلول قد يكون على غير وصف ( قوله : كتعليل حياة الشعر ) أي كتعليل ثبوت الحياة للشعر ليكون المعلل نسبة وحكما ثم لا يخفى أنه لا يلزم على حياة الشعر عدم تأثره بالمنافر كالإحراق والقطع مثلا لما أن ذلك الإحساس بالعصب المنبث ولا عصب فيها ولذلك لا إحساس للعظم وما نحسه ألم الأسنان والأضراس مع أنها من قبيل العظم على الراجح عند المشرحين ، ففي الحقيقة الإيلام إنما هو مع المادة المحتبسة تحتها بسبب الانضغاط ودفع الطبيعة للجسم الغريب أما على أنها من نوع الأعصاب فلا إشكال كما أوضحنا ذلك في شرح منظومتنا التي في علم التشريح ( قوله : هذا مقتضى ) أي قوله تكون إلخ ( قوله : والتفصيل ) أي بين أن يكون المعلول حقيقيا أو شرعيا ، فإن كان حقيقيا امتنع وإن كان شرعيا جاز

(5/54)


( أو ) وصفا ( مركبا ) وقيل لا ؛ لأن التعليل بالمركب يؤدي إلى محال فإنه بانتفاء جزء منه تنتفي عليته فبانتفاء آخر يلزم تحصيل الحاصل ؛ لأن انتفاء الجزء علة لعدم العامة قلنا لا نسلم أنه علة وإنما هو عدم شرط فإن كل جزء شرط ولو سلم أنه علة فحيث لم يسبقه غيره أي انتفاء جزء آخر كما في نواقض الوضوء ، ومن التعليل بالمركب تعليل وجوب القصاص بالقتل العمد العدوان لمكافئ غير ولد قال المصنف وهو كثير وما أرى للمانع منه مخلصا إلا أن يتعلق بوصف منه ويجعل الباقي شروطا فيه ويئول الخلاف حينئذ إلى اللفظ ( وثالثها ) يجوز لكن ( لا يزيد على خمس ) من الأجراء حكاه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي كالماوردي عن بعضهم في شرح اللمع وحكاه عن حكايته الإمام في المحصول بلفظ سبعة وكأنها تصحفت في نسخته كما قال المصنف قال أي الإمام ولا أعرف لهذا الحصر حجة وقد يقال في حجيته الاستقراء من قائله وتأنيث العدد عند حذف المعدود المذكر كما هنا جائز عدل إليه المصنف من الأصل اختصارا .

الشرح

(5/55)


( قوله : أو مركبا ) معطوف على لغويا فهو من مدخول الخلاف السابق والأولى أمرا مركبا ليشمل ما إذا كانت العلة مركبة من أحكام شرعية كتعليل حياة الشعر بحله بالنكاح وحرمته بالطلاق ( قوله : إلى محال ) أي محال عقلي ( قوله : فإنه ) أي المركب لا التعليل به ( قوله : تنتفي عليته ) أي كونه علة فإنه موقوف على وجود الكل ( قوله : يلزم تحصيل الحاصل ) أي وهو إعدام المعدوم ورد زيادة على ما رد به الشارح بأن هذا اللزوم إنما يأتي في العلل العقلية لا المعرفات وكل من الانتفاءات هنا معروف لعدم العلية ولا استحالة في اجتماع معرفات على شيء واحد ا هـ .
زكريا .
( قوله : لأن انتفاء الجزء ) أي والحكم يدور مع علته وجودا أو عدما فكلما انتفى جزء انتفت معه العلة ( قوله : قلنا لا نسلم أنه ) أي انتفاء الجزء مطلقا ( قوله : ، وإنما هو عدم شرط ) أي فلا نسلم أنه علة هذا هو المقصود من الجواب الأول إذ لا يلزم منه دفع تحصيل الحاصل ؛ لأن الشرط يؤثر أيضا بطريق العدم والدافع لذلك إنما هو الجواب الثاني ( قوله : فحيث لم يسبقه إلخ ) فبعد انعدام الجزء الأول لا يقال الباقي علة ( قوله : بالقتل إلخ ) فالوصف هنا مركب من خمسة أجزاء ( قوله : غير ولد ) لا حاجة إليه لخروج الولد بالمكافئ إذ معنى المكافأة أن لا يفضل القاتل قتيله بإسلام أو أمان أو حرية أو أصلية أو سيادة ومقتضى ذلك أن انتفاء الوالدية جزء من العلة فالوالدية مانع علة فجعلها فيما مر في

(5/56)


المقدمات مانع حكم فيه تجوز .
ا هـ .
زكريا ومذهب الإمام مالك أنه كفؤ له ، وعدم القتل ؛ لأنه تسبب في وجوده فلا يكون سببا في عدمه ( قوله : قال المصنف وهو ) أي التعليل بالمركب ( قوله : ويؤول الخلاف إلخ ) لأنه حينئذ اتفق على أنها مطلوبة والخلاف في التسمية ، ومنع كون الخلاف لفظيا بأن من قال بعلية كل جزء منها يشترط المناسبة في جميعها ومن قال جزء منها العلة والباقي شروط لا يشترط المناسبة في الباقي ( قوله : وكأنها تصحفت في نسخته ) أي الإمام من شرح اللمع ( قوله : ولا أعرف لهذا الحصر ) أي في سبعة ( قوله : حجيته الاستقراء إلخ ) اعترض بأن الاستقراء يدل على عدم وجود الزائد لا على امتناعه الذي هو المدعى .
وأجيب بأن الاستقراء لا يدل على الامتناع قطعا لكنه يدل عليه ظنا ؛ لأن الظاهر أنه لو جاز مع كثرة التعليلات لوقع ولو قليلا فعدم وقوعه يوجب ظن امتناعه ( قوله : وتأنيث العدد ) أي الإتيان فيه بالصيغة التي تستعمل في المؤنث وهي المجردة من التاء ( قوله : عن الأصل ) أي الكثير الغالب أو الأصل الذي تبعه

(5/57)


( ومن شروط الإلحاق بها ) أي بسبب العلة ( اشتمالها على حكمة تبعث ) المكلف ( على الامتثال وتصلح شاهدا لإناطة الحكم ) بالعلة كحفظ النفوس فإنه حكمة ترتب وجوب القصاص على علته من القتل العمد إلى آخره فإن من علم أنه إذا قتل اقتص منه انكف عن القتل وقد يقدم عليه توطينا لنفسه على تلفها وهذه الحكمة تبعث المكلف من القاتل وولي الأمر على امتثال الأمر الذي هو إيجاب القصاص بأن يمكن كل منهما وارث القتيل من الاقتصاص ، وتصلح شاهدا لإناطة وجوب القصاص بعلته فيلحق حينئذ القتل بمثقل بالقتل بمحدد في وجوب القصاص لاشتراكهما في العلة المشتملة على الحكمة المذكورة وقوله تبعث على الامتثال أي حيث يطلع عليها وسيأتي أنه يجوز التعليل بما لا يطلع على حكمته ( ومن ثم ) أي من هنا وهو اشتراط العلة على الحكمة المذكورة أي من أجل ذلك ( كان مانعها وصفا وجوديا يخل بحكمتها ) كالدين على القول بأنه مانع من وجوب الزكاة على المدين فإنه وصف وجودي يخل بحكمة العلة لوجوب الزكاة المعلل بملك النصاب وهي الاستغناء بملكه فإن المدين ليس مستغنيا بملكه لاحتياجه إلى وفاء دينه به ولا يضر خلو المثال عن الإلحاق الذي الكلام فيه .

الشرح

(5/58)


( قوله : أي بسبب العلة ) أشار به إلى أن الباء في قوله بالعلة للسببية لا للتعدية ؛ لأن الملحق به هو الأصل فباء التعدية محذوفة مع مدخولها أي ومن شروط الإلحاق بالأصل بما إلخ .
( قوله : اشتمالها ) أي اشتمال ترتب الحكم عليها وقوله على حكمة أي في الجملة فلا ينافي ما سيأتي أنه قد ينقطع بانتفائها في صورة وقوله يصلح شاهدا لإناطة الحكم أي دليلا لتعلق الحكم بالعلة كأن يقال لماذا كان السفر سببا للرخصة فيقال للمشقة ولا بد من ضميمة مقدمة وهي أن ديننا يسر مثلا وتلاحظ المقدمة في قولنا مثلا لماذا ترتب وجوب القصاص على علته ؟ فيقال لحفظ النفوس بواسطة مقدمة وهي أن الشارع نهى عن تضييع النفوس ونحو ذلك ( قوله : حكمة ترتب ) بالإضافة وعدمها ولا يرد على الإضافة اقتضاؤها أن المشتمل على الترتيب الحكمة دون العلة مع أنه خلاف مفاد المصنف ؛ لأن الحكمة لها ارتباط بالعلة ( قوله : وقد يقدم إلخ ) إشارة إلى أن الحكمة هنا تقليل مفسدة القتل لا دفعها بالكلية إذ قد يقدم الإنسان على القتل موطنا نفسه على تلفها ( قوله : وهذه الحكمة تبعث إلخ ) أما ولي الأمر فظاهر ؛ لأن فيه مصلحة .
وأما القاتل نفسه إذا رجع إلى مقتضى الشرع ومال عن التعصب لنفسه أو من حيث امتثال أمر الشارع ، والأول أولى ؛ لأن الكلام في أمر يرجع إلى ذات الحكمة ( قوله : وتصلح ) عطف على قوله تبعث ( قوله : حينئذ ) أي حين وجود شرط الإلحاق بسبب العلة وهو اشتمالها على

(5/59)


الحكمة المذكورة ( قوله : وسيأتي إلخ ) أي فلا تنافي بين الموضعين ( قوله ومن ثم إلخ ) قال زكريا لا يخفى أن المترتب على اشتراط ما ذكر إنما هو كون مانع العلة ما يخل بحكمتها لا كونه وصفا وجوديا أيضا وكأنه ضمه إليه ليفيد تفريع مانع العلة باختصار على أن المترتب على ذلك حقيقة إنما هو مانع الإلحاق بها لا مانعها ( قوله يخل بحكمتها ) هذا هو محط التفريع ( قوله على القول بأنه مانع ) أي لا على أنه عدم اشتراط أو عدم تأثيره ( قوله : ولا يضر خلو المثال ) أي فإن المثال للمانع المخل بالحكمة في حد ذاته فإن الكلام في العلة من حيث هي

(5/60)


( ومن ) شروط الإلحاق بها ( أن تكون ) وصفا ( ضابطا لحكمة ) كالسفر في جواز القصر مثلا لا نفس الحكمة كالمشقة في السفر لعدم انضباطها ( وقيل يجوز كونها نفس الحكمة ) ؛ لأنها المشروع لها الحكم ( وقيل ) يجوز ( إن انضبطت ) لانتفاء المحذور .

الشرح
( قوله : ومن شروط الإلحاق بها إلخ ) ظاهره أن العلة في حد ذاتها صحيحة ولكن لا يصح الإلحاق بها والظاهر أن هذا مانع من التعليل ويلزم منه عدم الإلحاق فالأولى أن تجعل هذه الشروط للعلة في حد ذاتها ثم هذا إنما يناسب من يخص القياس بالفقه .
وأما من يجيزه في اللغويات فلا يتأتى هذا ؛ لأن اللغويات والعقليات لا حكم فيها ولا حكمة يناط بها ( قوله : لعدم انضباطها ) ؛ لأن مراتب المشقة لا تحصى لاختلافها بحسب اختلاف الأشخاص والأحوال اختلافا كثيرا فلا يمكن جعل كل مرتبة منها مناطا ولا تتعين مرتبة منها إذ لا طريق إلى تمييزها بنفسها فنيط القصر ونحوه برخص السفر بالسفر الخاص ا هـ .
نجاري ( قوله : إن انضبطت ) أي كحفظ النفوس ( قوله : لانتفاء المحذور ) أي وهو عدم الانضباط

(5/61)


( و ) من شروط الإلحاق بها ( أن لا تكون عدما في الثبوتي ) ( وفاقا للإمام ) الرازي ( وخلافا للآمدي ) هذا انقلب على المصنف سهوا وصوابه ما قال في شرح المختصر وفاقا للآمدي وخلافا للإمام الرازي أن في تجويزه تعليل الثبوتي بالعدمي لصحة أن يقال ضرب فلان عبده لعدم امتثاله في أمره .
وأجيب بمنع صحة التعليل بذلك ، وإنما يصح بالكف عن الامتثال وهو أمر ثبوتي والخلاف في العدم المضاف كما يؤخذ من الدليل وجوابه لكن الآمدي إنما منع العدم المحض أي والمطلق وأجاز المضاف الصادق بالوجودي كالإمام والأكثر ويجري الخلاف فيما جزؤه عدمي ويجوز وفاقا تعليل العدمي بمثله أو بالثبوتي كتعليل عدم صحة التصرف بعدم العقل أو بالإسراف كما يجوز قطعا تعليل الوجودي بمثله كتعليل حرمة الخمر بالإسكار ومن أمثلة التعليل الثبوتي بالعدمي ما يقال يجب قتل المرتد لعدم إسلامه وإن صح أن يقال لكفره كما يصح أن يعبر عن عدم العقل بالجنون ؛ لأن المعنى الواحد قد يعبر عنه بعبارتين منفية ومثبتة ولا مشاحة في التعبير ( والإضافي ) كالأبوة ( عدمي ) كما هو قول المتكلمين وسيأتي تصحيحه في أواخر الكتاب ففي جواز تعليل الثبوتي به الخلاف كذا قال الإمام الرازي والآمدي لكن تقدم في مبحث المانع التمثيل للوجودي بالأبوة وهو صحيح عند الفقهاء نظرا إلى أنها ليست عدم شيء ومرجع القياس إليهم فلا يناسبهم أن يقال فيه والإضافي عدمي .

الشرح

(5/62)


( قوله : وأن لا يكون عدما إلخ ) الوجه عدم هذا الاشتراط بناء على أنها بمعنى المعرف فهو جار على القول بأن العلة بمعنى المؤثر لأن العدمي لا يؤثر فيه الثبوتي وقوله في الثبوتي أي الحكم الثبوتي بمعنى النسبة بدليل المثال الآتي في قوله ضرب فلان عبده فلا يتقيد الحكم بالشرعي ( قوله : وصوابه ) أي لمجرد موافقة النقل وإن كان يأتي له أن الخلاف لفظي ( قوله : في تجويزه تعليل إلخ ) المناسب أن يقول في تجويزه عند الإلحاق عند تعليل الثبوتي بالعدمي ؛ لأن الكلام في الإلحاق ( قوله : والخلاف ) أي فرضا وتقديرا وقوله في الاستدراك إنما مع إلخ نفي للخلاف في الواقع والحقيقة ومراده بذلك الاعتراض بعدم توارد الخلاف على شيء واحد ؛ لأن عدم الجواز في العدم المحض والجواز في المضاف ( قوله : يؤخذ من الدليل إلخ ) جهة الأخذ من الدليل إضافة العدم فيه إلى امتثال أمر السيد ومن الجواب الإشارة إلى العدم المذكور بقوله ذلك مع التفسير بالكف عن الامتثال ( قوله : وأجاز ) أي الآمدي المضاف أي التعليل به وقوله الصادق بالوجودي أي كما في المثال السابق إذ يصدق عدم الامتثال بكف النفس عن الامتثال وهو أمر وجودي كما مر وفي قوله الصادق بالوجودي دفع لتوهم أن الصادق بالوجودي ليس من العدم الذي هو محل الخلاف بل من الوجودي المتفق عليه والحاصل أنه حيث عبر بالعدم الإضافي فهو محل الخلاف وإن صدق بالوجودي ا هـ .
نجاري .
( قوله : ويجري الخلاف إلخ ) أي بأن تكون

(5/63)


العلة مركبة من جزأين مثلا وأحدهما عدمي كأن يعلل تعين الدية المغلظة في شبه العمد بأنه قتل بفعل مقصود لا يقتل غالبا ( وإن صح أن يقال لكفره ) أي فصحة هذا لا تخرجه عن كون التعليل بعدم الإسلام من محل الخلاف ( قوله : عدمي ) نظرا إلى أنه لا وجود لها في الخارج ( قوله : ففي جواز تعليل إلخ ) كتعليل ولاية الإجبار بالأبوة ( قوله : نظرا إلى أنها ليست عدم شيء ) لأن المراد بالوجودي ما ليس عدم شيء ( قوله : أن يقال فيه ) أي في القياس وهو على حذف مضاف أي في مبحث القياس أو في باب القياس

(5/64)


( ويجوز التعليل بما لا يطلع على حكمته ) كما في تعليل الربويات بالطعم أو غيره ويفهم من ذلك أنه لا تخلو علة عن حكمة لكن في الجملة لقوله ( فإن قطع بانتفائها في صورة فقال الغزالي و ) صاحبه محمد ( بن يحيى يثبت الحكم ) فيها ( للمظنة وقال الجدليون لا ) يثبت إذ لا عبرة بالمظنة عند تحقق المئنة مثاله من مسكنه على البحر ونزل منه في سفينة قطعت به مسافة القصر في لحظة من غير مشقة يجوز له القصر في سفره هذا .

الشرح

(5/65)


( قوله : أو غيره ) أي كالثمنية في الأثمان ( قوله : ويفهم من ذلك إلخ ) ينظر ما وجه الفهم منه فإن قول المصنف بما لا نطلع على حكمته صادق بأن لا يكون هناك حكمة أصلا أو تكون ولم نطلع عليها لكن لو ضم ما هنا قوله : فيما تقدم ومن شروط الإلحاق بها اشتمالها على حكمة لفهم ذلك تأمل .
( قوله : عند تحقق المئنة ) أي الجزم بالعدم فاندفع ما قاله الناصر أن الأولى عند تخلف المئنة على أن المئنة بمعنى العلامة وتحققها تبينها من نفي أو إثبات ولا حاجة لقول الشهاب عميرة أنه على حذف مضاف أي انتفاء المئنة ( قوله : يجوز له القصر في سفره هذا ) أي على رأي الغزالي وابن يحيى الموافق للمعروف عندنا ومثله استبراء الصغيرة إذ حكمة وجوب الاستبراء تحقق براءة الرحم به وهي منتفية فيها ؛ لأن البراءة متحققة فيها بدون استبراء وليس ثبوت الحكم في ذلك مطردا بل قد يرجع فيه انتفاؤه كمن قام من النوم متيقنا طهارة يده ولا يكره له غمسها في ماء قليل قبل غسلها ثلاثا خلافا لإمام الحرمين وعلى رأي الغزالي من ثبوت الحكم فيما ذكر يجوز الإلحاق كإلحاق الفطر بالقصر للمظنة فما مر من أنه يشترط في الإلحاق بالعلة اشتمالها على حكمة شرط للقطع بجواز الإلحاق

(5/66)


( و ) العلة ( القاصرة ) وهي التي لا تتعدى محل النص ( منعها قوم ) عن أن يعلل بها ( مطلقا والحنفية ) منعوها ( إن لم تكن ) ثابتة ( بنص أو إجماع ) قالوا جميعا لعدم فائدتها وحكاية القاضي أبي بكر الباقلاني الاتفاق على جواز الثابتة بالنص معترضة بحكاية القاضي عبد الوهاب الخلاف فيه كما أشار إلى ذلك المصنف بحكاية الخلاف ( والصحيح جوازها ) مطلقا ( وفائدتها معرفة المناسبة ) بين الحكم ومحله فيكون أدعى للقبول ( ومنع الإلحاق ) بمحل معلولها حيث يشتمل على وصف متعد لمعارضتها له ما لم يثبت استقلاله بالعلية ( وتقوية النص ) الدال على معلولها بأن يكون ظاهرا ( قال الشيخ الإمام ) والد المصنف ( وزيادة الأجر عند قصد الامتثال لأجلها ) لزيادة النشاط فيه حينئذ بقوة الإذعان لقبول معلولها ومن صورها ما ضبطه بقوله ( ولا تعدي لها ) أي للعلة ( عند كونها محل الحكم أو جزأه الخاص ) بأن لا يوجد في غيره ( أو وصفه اللازم ) بأن لا يتصف به غيره لاستحالة التعدي حينئذ .
مثال الأول تعليل حرمة الربا في الذهب بكونه ذهبا وفي الفضة كذلك ومثال الثاني تعليل نقض الوضوء في الخارج من السبيلين بالخروج منهما ومثال الثالث حرمة الربا في النقدين بكونهما قيم الأشياء وخرج بالخاص واللازم غيرهما فلا ينتفي التعدي عنه كتعليل الحنفية النقض فيما ذكر بخروج النجس من البدن الشامل لما ينقض عندهم من الفصد ونحوه وكتعليل ربوية البر بالطعم

الشرح

(5/67)


( قوله : منعها قوم ) معنى المنع في جانب النص أنه لا يجوز أن يراد بها النص لا أنه إذا ورد بها النص يقال هذه ممنوعة إذ منع النص بعد وقوعه لا يستقيم ( قوله : كما أشار إلى ذلك ) أي الاعتراض ( قوله : مطلقا ) أي ثبتت بنص أو إجماع أولا .
وأورد الشهاب أن الثابتة بالنص أو الإجماع لا يمكن إنكارها قال سم وهو إشكال وارد ويمكن الجواب بأن المراد أنهم يمنعون عليتها ويتأولون النص الدال عليها تأمل ( قوله : قالوا جميعا ) أي المانعون المطلقون وغيرهم ( قوله : لعدم فائدتها ) يأتي جوابه ( قوله : كما أشار إلى ذلك ) أي الاعتراض على القاضي أبي بكر ( قوله : وفائدتها معرفة المناسبة ) أي فليست الفائدة منحصرة في التعدية وهو إشارة إلى الجواب عن احتجاج المانعين للتعليل بها بعدم فائدتها ( قوله : بين الحكم ) كحرمة الخمر وقوله ومحله أي كونه خمرا ( قوله : فيكون أدعى للقبول ) أورد أن { أفضل العبادات أحمزها } ومعرفة المناسب تؤدي إلى التخفيف والتعبد بعدمها أفضل فلا حاجة إلى معرفة المناسبة ؛ لأنه يؤدي إلى أنه إنما عبد لتلك المناسبة كذا اعترض الكوراني ويجاب بأن النظر للمناسبة من حيث أمر الله لا من حيث ذاتها وهو أشد في الامتثال لامتثال النص وامتثال حكمة الشارع وهذا هو المراد هنا ( قوله : ومنع الإلحاق إلخ ) كتعليل حرمة الربا بكونه برا فهذه العلة تمنع إلحاق الأرز بالبر والبر اشتمل على وصف متعدد وهو الطعم فتعارضا فتساقطا ( قوله : حيث يشتمل على

(5/68)


وصف متعد إلخ ) قيد بهذه الحيثية ليندفع بها الاعتراض بدونها على من قرر الفائدة المذكورة بأنه إذا علم قصور العلة علم امتناع إلحاق فرع بمحل معلولها لانتفائها عنه فاعترض عليه بأن ذلك معلوم من موضوع القياس إذ لا يتحقق بلا فرع ولا فرع هنا .
فأجاب الشارح كغيره بأن الفائدة تكون حيث اشتمل محل المعلول على وصف آخر متعد إذ القاصرة تعارضه فلا يقاس إذ يحتمل أن يكون جزئي العلة فلا تعدية وأن يكون كل منهما علة مستقلة فتحصل التعدية وحينئذ فلا بد من دليل يثبت به أن الوصف المتعدي مستقل بالعلية لا جزء لتصح التعدية ولا ينافي هذا ما سيأتي في الترجيحات من أنهما إذا اجتمعا قدمت المتعدية على قول ؛ لأن ذاك محله فيما إذا كانتا لحكمين متعارضين كما سيأتي ا هـ .
زكريا ( قوله : لمعارضتها ) أي العلة القاصرة لجواز أنها هي العلة في الواقع أو المجموع ( قوله : بأن يكون ظاهرا ) أي لا قطعيا حتى يحتاج إلى التقوية وإلا فالنص القطعي قوي بنفسه لعدم قبوله التأويل ، وفيه أن مراتب النص واليقين تتفاوت ( قوله : لزيادة النشاط ) علة لزيادة الأجر عند قصد الامتثال لأجل العلة ؛ لأنه يكون هناك عبادتان امتثال الأمر والحكمة وهذا قدر زائد على معرفة المناسبة والنشاط لا ينافي كون أفضل العبادات أحمزها أي أشدها على النفس ؛ لأن المراد الأشدية بكثرة العبادة وصعوبته في نفسه لا لعدم انشراح الصدر له لعدم الاطلاع على حكمته وإن قل وهذا لا

(5/69)


ينافي النشاط فاندفع بحث الكوراني بأن ما لا يطلع على حكمته أشق على النفس وأفضل العبادات أحمزها ( قوله : لقوة الإذعان ) علة لزيادة النشاط وفيه إشارة إلى بناء هذه الفائدة على الفائدة الأولى ( قوله : أو وصفه اللازم ) يعني اللازم الخاص كما نبه عليه الشارح بقوله بأن إلخ ليخرج اللازم العام فإنه كالجزء العام ا هـ زكريا .
وفيه أن اللازم لا يكون خاصا بل إما أن يكون عاما أو مساويا ثم إن تعبيره أولا بالخاص وثانيا باللازم تفنن وكذا قوله بأن لا يوجد وأن لا يتصف ( قوله : بكونه ذهبا ) فيه أن هذا من التعليل بالوصف ومقتضى كون العلة المحل أن تجعل العلة الذهب نفسه قاله الناصر .
وأجاب سم بأن هذا محط التعليل إلا أنه لما كان يلزم الركة إذا قال حرمة الذهب بالذهب عدلوا عنه ( قوله : في الخارج ) أي في مسألة الخارج ( قوله : بالخروج منهما ) لأن الخروج منهما جزء معنى الخارج منهما إذ معنى الخارج ذات ثبت لها وصف الخروج فالخارج هو محل الحكم أعني النقض إذ هو الناقض ولا يتوهم أن محل الحكم هو الوضوء حتى لا يصح التمثيل ؛ لأن الوضوء محل الانتفاض ( قوله بالطعم ) فإنه وصف عام لوجوده في غير البر

(5/70)


( ويصح التعليل بمجرد الاسم اللقب ) كتعليل الشافعي رضي الله عنه نجاسة بول ما يؤكل لحمه بأنه بول كبول الآدمي ( وفاقا لأبي إسحاق الشيرازي وخلافا للإمام ) الرازي في نفيه ذلك حاكيا فيه الاتفاق موجها له بأنا نعلم بالضرورة أنه لا أثر في حرمة الخمر لتسميته خمرا بخلاف مسماه من كونه مخامرا للعقل فهو تعليل الوصف ( أما المشتق ) المأخوذ من الفعل كالسارق والقاتل ( فوفاق ) صحة التعليل به ، ( وأما نحو الأبيض ) من المأخوذ من الصفة كالبياض ( فشبه صوري ) وسيأتي الخلاف فيه .

الشرح

(5/71)


( قوله : بمجرد الاسم إلخ ) المراد باللقب ما ليس بمشتق ولا شبه صوري بدليل مقابلته بهما علما كان أو اسم جنس أو مصدرا وإن اقتصر الشارح على الأولين في مسألة المفاهيم إلا اللقب حجة لغة ا هـ .
زكريا .
ثم إن هذا مكرر مع ما مر فإنه إما لقب شرعي أو لغوي أو عرفي ( قوله : بأنه بول ) فيه أن هذا يرجع إلى التعليل بالوصف وجوابه أن المراد باللقب ما ليس بمشتق إلى آخر ما تقدم ( قوله : لا أثر ممنوع ) لأن العلة ليست بمعنى المؤثر بل هي علامة ولا مانع من أن يجعل الشارع مجرد الاسم علامة على الحكم ( قوله : بخلاف مسماه إلخ ) أي وصف مسماه ؛ لأن كونه مخامرا للعقل ليس مسماه إنما مسماه الماء المتخذ من العنب المسكر والظاهر أن الخلاف لفظي فإن التعليل بمجرد الاسم لا يصح بل من حيث معناه ( قوله : المأخوذ ) إشارة إلى أن المراد الفعل الاصطلاحي والصفة المعنوية ودائرة الأخذ أوسع من دائرة الاشتقاق فلا يرد أن المشهور أن الاشتقاق من المصادر لا الأفعال وإرادة الفعل اللغوي وهو الحدث الصادر باختيار فاعله وبالصفة المعنى القائم بالموصوف بغير اختيار كالبياض والسواد للأبيض والأسود خلاف المتبادر ( قوله : فوفاق ) ممنوع ففي التقريب لسليم الرازي حكاية قول بالمنع نبه عليه الزركشي وغيره ا هـ .
زكريا .
( قوله : صحة التعليل به ) إشارة إلى أن وفاق خبر مبتدأ محذوف ويصح أن يكون وفاق خبرا للمشتق على تقدير مضاف أي ذو وفاق ( قوله : من الصفة )

(5/72)


أي القائمة بالغير ( قوله : فشبه صوري ) لأنه لا مناسبة فيه ولا فيما هو نحوه كالأسود لجلب مصلحة ولا لدرء مفسدة ( قوله : وسيأتي الخلاف فيه ) أي في مسالك العلة

(5/73)


( وجوز الجمهور ) ( التعليل ) للحكم الواحد ( بعلتين ) فأكثر مطلقا ؛ لأن للعلل الشرعية علامات ولا مانع من اجتماع علامات على شيء واحد ( وادعوا وقوعه ) كما في اللمس والمس والبول المانع كل منها من الصلاة مثلا ( و ) جوزه ( ابن فورك والإمام ) الرازي ( في ) العلة ( المنصوصة دون المستنبطة ) لأن الأوصاف المستنبطة الصالح كل منها للعلية يجوز أن يكون مجموعها العلة عند الشارع فلا يتعين استقلال كل منها بخلاف ما نص على استقلاله بالعلية وأجيب بأنه يتعين الاستقلال بالاستنباط أيضا وحكى ابن الحاجب عكس هذا أيضا أي جوازه في المستنبطة دون المنصوصة ؛ لأن المنصوصة قطعية فلو تعددت لزم المحال الآتي بخلاف المستنبطة لجواز أن تكون العلة فيها عند الشارع مجموع الأوصاف وأسقط المصنف هذا القول لقوله لم أره لغيره ( ومنعه إمام الحرمين شرعا مطلقا ) مع تجويزه عقلا قال ؛ لأنه لو جاز شرعا لوقع ولو نادرا لكنه لم يقع .
وأجيب على تقدير تسليم اللزوم بمنع عدم الوقوع وأسند بما تقدم من أسباب الحدث والإمام يجعل الحكم فيها متعددا أي : الحكم المستند إلى واحد منها غير المستند إلى آخر وإن اتفقا نوعان ( وقيل يجوز في التعاقب ) دون المعية للزوم المحال الآتي لها بخلاف التعاقب ؛ لأن الذي يوجد في الثانية مثلا مثل الأول لا عينه ( والصحيح القطع بامتناعه ) عقلا للزوم المحال من وقوعه ( كجمع النقيضين ) فإن الشيء باستناده إلى كل واحدة من علتين يستغني عن

(5/74)


الأخرى فيلزم أن يكون مستغنيا عن كل منهما وغير مستغن عنه وذلك جمع بين النقيضين ويلزم أيضا تحصيل الحاصل في التعاقب حيث يوجد بالثانية مثلا نفس الموجود بالأولى ومنهم من قصر المحال الأول على المعية .
وأجيب من جهة الجمهور بأن المحال المذكور إنما يلزم في العلل العقلية المفيدة لوجود المعلول فأما الشرعية التي هي معرفات مفيدة للعلم به فلا وعلى المنع حيث قيل فما يذكره المجيز من التعدد إما أن يقال فيه العلة مجموع الأمرين مثلا أو أحدهما لا بعينه كما قيل بذلك أو يقال فيه بتعدد الحكم كما تقدم عن إمام الحرمين ومال إليه المصنف .

الشرح

(5/75)


( قوله : للحكم الواحد ) أي بالشخص إذ الواحد بالنوع يجوز تعدد علله كتعليل حل قتل زيد بالردة وعمر بالقود وبكر بالزنا كذا قالوا وإذا تأملت وجدت عدم التعدد ؛ لأن كل حكم معلل بعلة .
وأما النوع وهو القدر المشترك بين أفراد القتل فلم يعلل ، وإنما التعليل لأفراده فتدبر ( قوله : مطلقا ) أي مستنبطة أولا ( قوله : علامات ) أي لا مؤثرات حتى يلزم اجتماع مؤثرين على أثر واحد ( قوله : المانع كل منها إلخ ) أي فكل واحد علة للمنع يستقل به ( قوله : دون المستنبطة ) أي فلم يجزم بالجواز فيها بدليل التعليل إذ لو كان جازما بالنفي ما صح التعليل ( قوله : لجواز أن يكون مجموعها العلة ) أي في نفس الأمر وإن اعتبر المجتهد كلا منها علة برأسها ( قوله : فلا يتعين ) أي فلا نجزم به بل يحتمل ويحتمل قوله بأن يتعين الاستقلال إلخ أي فلا فارق بينهما ( قوله : بالاستنباط ) أي استنباط العقل كل وصف بالعلية ( قوله : لزم المحال الآتي ) الذي هو جمع النقيضين وتحصيل الحاصل ؛ لأن دلالتها قطعية لا تتخلف وفيه أنه ليس كل منصوص قطعي على أنه يجوز تعدد العلامات ( قوله : لجواز أن تكون العلة إلخ ) أي فلا يلزم المحال الآتي وفيه أنه إذا جاز ذلك يهدم ما ادعاه من التعدد إلا أن يريد جواز التعدد ظنا وهو لا ينافي الاحتمال المذكور ( قوله : عند الشارع ) أي وإن كان كل منها علة عند المجتهد إذ العبرة باعتبار الشارع ( قوله : لم أره لغيره ) أي لم أره محكيا

(5/76)


لغيره فإن هذا ليس قولا لابن الحاجب ( قوله : مطلقا ) أي منصوصة كانت أو مستنبطة في التعاقب أو في المعينة ( قوله : على تقدير تسليم إلخ ) وإلا فالجواز لا يستلزم الوقوع ( قوله : وأسند ) أي قوى المنع ( قوله : وإن اتفقا نوعا ) أي والحال أنهما اتفقا نوعا في مطلق الحدث ولا يخفى أن هذا تعسف لا مستند له ومجرد تجويز التعدد لا يكفي الإمام ؛ لأنه مستدل ( قوله : في التعاقب ) أي تعاقب العلل بأن يكون العلة أحدهما على البدل لا ذكرهما في زمانين كما قرر ؛ لأنه غير ملتفت إليه إذ الملتفت إليه علة الحكم ( قوله : مثل الأول إلخ ) نظير ما تقدم لإمام الحرمين إلا أن هذا خاص بالتعاقب وفيه إذا كان الثاني مثل الأول كان التعدد ظاهريا فقط وإلا فلا تعدد حينئذ لاختلاف الحكم ( قوله : امتناعه عقلا ) قال سم يوهم التقييد بقوله عقلا جوازه شرعا ولا ينبغي أن يكون مرادا إذ الممتنع عقلا ممتنع شرعا ا هـ .
وقوله مطلقا أي منصوصة كانت أو مستنبطة في التعاقب أو في المعية قال المصنف في الأشباه والنظائر لا يجوز عقلا اجتماع علتين على معلول واحد وهذا الأصل مهدناه في شرح المختصر وناضلنا عنه وادعينا قيام القاطع عليه وحكمنا بأن مخالفه محجوج ببراهين العقول .
وكلام العقلاء في جميع العلوم من المتكلمين والأصوليين والفقهاء مطابق على هذا وما هي عندي إلا قاعدة كامنة في أفئدة العقلاء واختلاف الأصوليين فيه إنما هو عند نظرهم في المسألة بخصوصها ، ثم إذا خاضوا بعيدا

(5/77)


عنها وجدت أفئدتهم تحوم حول المنع فلا يوجد وصفان فصاعدا يحسن أن يضاف الحكم إلى كل منهما لو انفرد والحال أن ذلك على وجهين أحدهما أن يتعاقبا وحينئذ فقد يضاف الحكم إلى الأول كما في السببين إذا اجتمعا كمن أحدث حدثا على حدث لم يتخللهما طهارة أن الحدث الثاني لم يفعل شيئا ويظهر أثر ذلك إذا فرعنا على القديم في أن سبق الحدث لا يبطل الصلاة أنه لو أخرج باقي حدثه عمدا لم تبطل صلاته ، وقد يضاف إلى الثاني فقط كما في اجتماع السبب والمباشرة ، وقد يضاف إلى أمثلهما وأشبههما سواء كان الأول أو الثاني الوجه الثاني أن يوجدا معا فإما أن يبطل عملهما بالكلية أو يعمل أنسبهما أو يعمل واحد منهما لا بعينه أو يعمل كل منهما ولكن يكون الناشئ حكمين لا حكما واحدا فهذه خمس طرق لا سادس لها وليس في شيء منها إعمال علتين مستقلتين بل إما لا إعمال فلا حكم فرارا من العمل بعلتين ، وإما إعمال ولكن حكمان أو إعمال ولكن لعلة والشريعة على هذا جارية وفروع الفقه دائرة ثم ذكر فروعا نفيسة أذكر لك بعضها منها أنه إذا وكل اثنين في خلع امرأته هذا على ألف وهذا على ألفين فأوقعا الخلع معا ، فقالت قبلت منكما أو كانت وكلت وكيلين فطلق كل واحد من وكيلي الزوج مع واحد من وكيلي الزوجة قال البغوي في الفتاوى لا يقع شيء ؛ لأن الخلع من جانب الرجل معاوضة فهو كما لو وكل وكيلا ببيع عبد بألف وآخر ببيعه بألفين فباعا معا لا يصح ومنها القاتل المرتد ازدحم على

(5/78)


قتله علتان القتل فنأخذه قصاصا ، والردة فنأخذه تطهيرا للأرض من المفسدين ولا يمكن إعمالهما لضيق المحل عنهما ولو ارتفع أحدهما بأن يعود إلى الإسلام أو يعفو عنه ولي الدم لعملت العلة الأخرى عملها غير أن الغرض ازدحام العلتين فنعمل علة القصاص ونسلمه إلى ولي الدم ، والسر في ذلك أن غرض الشارع من تطهير الأرض من المفسدين حاصل بإزهاق الوجه بأي وجه كان وغرض ولي الدم من التشفي لا يحصل إلا بمباشرة القتل فيسلم إليه ولم يقل أحد بإعمال العلتين وأن القتل يقع عن الأمرين ، ومنها لو استولد مدبرته فالذي أورده أكثر سلف الأصحاب وخلفهم أنه يبطل التدبير ؛ لأن الاستيلاد أقوى فيرتفع به الأضعف كما يرتفع النكاح بملك اليمين ولذلك لا يصح تدبير المستولدة ؛ لأن الاستيلاد أقوى من التدبير ومنها الوارث الحائز إذا كان له دين على مورثه ففيه سببا الإرث والدين ، وإنما يؤخذ بالأول لقوته إذ لا يتوقف على شيء في جهة الدين تتوقف على إقباض وتعويض وهما متعذران ؛ لأن التركة ملكه ، ومنها عتق الراهن الموسر واقع لكونه مالكا موسرا وبهذا خرج المعسر والعلة مجموع المالكية واليسار ، ثم قال وإذا ازدحم علتان عامة وخاصة فالعلة العامة لعمومها وتسقط الخاصة عن درجة الاعتبار مطلقا وقد يقال العلة في موضع الخصوص الخاصة وفيما عداه العامة وهذا إجحاف وإخراج لوصف العموم عن صلاحية العلة في موضع الخصوص بلا داع فمن ذلك منفعة الدار

(5/79)


والعبد ونحوهما تضمن بالتفويت والفوات تحت يد عادية .
كذا قالوا وأنا أرى العلة الفوات لا التفويت وأن خصوص التفويت يلغى فإذا كان بين العلتين عموم وخصوص من وجه فالعمل منهما لما هو أقوى في كل صورة بخصوصها وله نظائر ، منها إذا كان للقاضي وصية على يتيم فهو يتصرف له من حيث إنه قاض وتلك صفة تعم اليتيم وغيره من اليتامى ومن حيث إنه وصي وتلك صفة تبقى وإن زالت صفة القضاء فهي أعم من القضاء من هذا الوجه ؛ لأنه إذا زال خصوص كونه قاضيا بالنسبة إلى هذا اليتيم بقي عموم كونه وصيا فلا يختص تصرفه بزمن القضاء ، وقد تتعقب المحل علتان مقتضى كل واحدة مقتضى أختها ونعلم أنهما غير مجتمعين وأن إحداهما واقعة والأخرى زائلة غير أنا لا ندري عين الذاهبة ولا نميز بين الحاضرة والغائبة وليس ذلك من قبيل التعليل بالمبهمة كما قد يتوهم بل هاهنا وصفان أجمع على انتفاء أحدهما ولم يعلم عينه فهل يضر ذلك ويبطل الحكم للجهل بالتأخير أو لا لأن مثل هذا الجهل لا يضر إذ كل منهما كافية في إقامة الحكم ؟ هذا موضع تردد فمن ذلك ما لو اشترى زوجته بشرط الخيار فهل له وطؤها في مدة الخيار ؛ لأنها لا تخرج عن كونها منكوحة أو مملوكة أو لا ؛ لأنه لا يدري بأي الأمرين يطأ ؟ فيه وجهان المنصوص منهما الثاني ومنها ما لو لم يكن له إلا وارث واحد وأوصى له بماله فوجهان أصحهما أنه يأخذ التركة إرثا والثاني يأخذ وصية وذكر صاحب التتمة أن فائدة الخلاف

(5/80)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية