صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : المسودة
المؤلف : آل ابن تيمية
الناشر : المدني - القاهرة
تحقيق : محمد محيى الدين عبد الحميد
عدد الأجزاء : 1

المصدر : ملتقى أهل الحديث
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=39399

( شيخنا ) فصل
الاستثناء يخرج من الكلام ما لولا هو لوجب دخوله لغة قاله أصحابنا والاكثرون وقال قوم يخرج ما لولا هو لجاز دخوله مسائل البيان والمجمل والمحكم والمتشابه والحقيقة والمجاز ونحو ذلك

مسألة فى المحكم والمتشابه وللنحويين كلام كثير فى أشياء عدة من ذلك يجعل كتاب التأويل مع ذلك وفيه كلام كثير محقق للجوينى والد شيخينا وللمقدسى كلام فى التأويل فى القسم الثانى من الاسماء واللغات قال شيخنا قال القاضى

مسألة فى المحكم والمتشابه ظاهر كلام حمد أن المحكم ما استقل بنفسه ولم يحتج الى بيان والمتشابه ما احتاج الى بيان لانه قد قال فى كتاب السنة بيان ما ضلت فيه الزنادقة من المتشابه من القرآن ثم ذكر آيات تحتاج الى بيان وقال فى رواية ابن ابراهيم المحكم الذى ليس فيه اختلاف وهو المستقل بنفسه والمتشابه الذى يكون فى موضع كذا وفى موضع كذا قال ومعناه ما ذكرنا لان قوله المحكم الذى ليس فيه اختلاف هو المستقل بنفسه وقوله المتشابه الذى يكون فى موضع كذا وفى موضع كذا معناه الذى يحتاج الى بيان فتارة يبين بكذا وتارة يبين بكذا لحصور الاختلاف فى تأويله قال وذلك نحو قوله يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء لان القرء من الاسماء المشتركة تارة يعبر به عن الحيض وتارة عن الطهر ونحو قوله ( وآتوا حقه يوم حصاده ) وهذا قول عامة الفقهاء وكان قد كتب فى

(1/142)



العتق ولهم عن هذا عبارات منهم من يقول المحكم ما خلص لفظه عن الاشكال وعرى معناه عن الاشتباه والمتشابه مالم يخلص لفظه عن الاشكال ولا عرى معناه عن الاشتباه ومنهم من قال المحكم ما تأويله تنزيله ولفظه دليله والمعنى متقارب وقال قوم المحكم هو الامر والنهى والحلال والحرام والوعد والوعيد والمتشابه ما كان من ذكر القصص والامثال لان المحكم ما استفيد الحكم منه والمتشابه مالا يفيد حكما قلت لكن يفيد الدليل
ومنهم من قال المحكم ما وصلت حروفه والمتشابه ما فصلت حروفه وتفصيلها أن ينطق بكل حرف كالكلمة كما فى أوائل السور لان المحكم ما عرف معناه والمشابه مالا يعقل معناه ومنهم من قال المحكم الناسخ والمتشابه المنسوخ فان المنسوخ لا يستفاد منه حكم
قال شيخنا قلت لفظ النسخ فيه اجمال كأنهم أرادوا قوله فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته ولكن القرآن كله محكم بهذا المعنى لقوله ( أحكمت آياته ) وقال أبو الحسين عن أصحابه ان المحكم يستعمل على وجهين أحدهما أنه محكم الصيغة والفصاحة والآخر أنه لا يحتمل تأويلين متشابهين والمتشابه أيضا يستعمل على وجهين أحدهما أنه متشابه فى الحكم والآخر يحتمل تأويلين مختلفين متشابهين احتمالا شديدا
قال شيخنا أبو العباس قلت التشابه الذى هو الاختلاف يعود الى اللفظ تارة كالمشترك مثلا والى المعنى أخرى بأن يكون قد أثبت تارة ونفى أخرى كما فى قوله ( هذا يوم لا ينطقون ) مع قوله ( ولا يكتمون الله حديثا )

(1/143)



ونحو ذلك من المتشابه الذى تكلم عليه ابن عباس في مسائل نافع بن الازرق وتكلم عليه أحمد وغيره فالاول كالوقف لعدم الدليل بمنزلة من ليس له ذكر ولا قيل والثانى كالوقف لتعارض الدليلين بمنزلة الخنثى الذى له فرجان وما كان لعدم الدليل فتارة لان اللفظ يراد به هذا تارة وهذا تارة كالمشترك وتارة لان اللفظ لا دلالة له على القدر المميز بحال كالمتواطىء فى مثل قوله وآتوا حقه يوم حصاده وقوله ففدية من صيام ونحو ذلك من المجملات ففى الاول دل اللفظ على أحدهما لا بعينه وفى الثانى دل على المشترك بينهما من غير دلالة على أحدهما بحال وفى كلام أحمد ومن قبله على التشابه ببيان معناه أو ازالة التعارض والاختلاف عنه ما يدل على أن التأويل الذى اختص الله به غير بيان المعنى الذى أفهمه خلقه فما كان مشتبها لتنافى الخطابين أو الدليلين فى الظاهر فلا بد من التوفيق بينهما كما فعل أحمد وغيره وما كان مشتبها لعدم الدلالة على التعيين فقد نعلم التعيين أيضا لانه مراد بالخطاب وما أريد بالخطاب يجوز فهمه وما كان مشتبها لعدم الدلالة على القدر المميز كما فى صفات الله تعالى فهنا دال القدر المميز ما دل الخطاب عليه وهو تأويل الخطاب لان تأويل الخطاب لا يجب أن يكون مدلولا عليه به ولا مفهوما منه اذ هو الحقيقة الخارجة ومتى دل عليها ببعض أحوالها لا يجب أن يكون قد بين جميع أحوالها فذاك هو التأويل الذى لا يعلمه الا الله ومنه أيضا مواقيت الوعيد فان الخطاب لم يبينها ولا يفهم منه وهو من التأويل الذى انفرد الله بعلمه فتدبر هذا فانه نافع جدا فى هذه المجازات فكل ما دل عليه الخطاب يفهم فى الجملة ولا يجب أن يكون المفهوم من الخطاب هو تأويلة ومالم يدل عليه قد لا يفهم ولا يعلم وان كان تأويلا له وفرق بين أن يدل على معين

(1/144)


ثم يبينه وبين أن لا يدل على خصوصه بحال مع أن المشترك والمتواطىء متقاربان فى هذا الموضع وعلى هذا سبب نزول الآية فى تأويل النصارى صيغ الجمع على أن الآلهه ثلاثة فهو تأويل فى أسماء الله المضمرات وهو نظير مذهب المشبهة كما أن رد المشركين لاسم الرحمن الحاد فى أسمائه الظاهرة نظير مذهب الجهمية المعطلة وتأويل اليهود فى حروف المعجم أنها دلالة على مقادير أزمنة الحوادث من حيث ان اللفظ فيه اشتراك ولم يبين أحد معانيه والتأويل المذموم لا يعدو ما فعله هؤلاء فى الايمان بالله واليوم الآخر بخلاف التأويل العملى وبخلاف البيان الذى يفسر المراد بالخطاب من غير تعيين تأويله
وتحرير هذا ببيان أن لفظ التأويل فى الكتاب والسنة غير التأويل فى ألفاظ المتأخرين وأن بينهما عموما وخصوصا اذ ذاك التأويل هو مالا يدل عليه اللفظ وهذا التأويل هو ما يدل اللفظ على خلافة والتأويل عند الأولين غير مدلول اللفظ والعين لا تعلم بنفس الخطاب وقد كتبت هذا فى غير هذا الموضع

مسألة يجوز أن يشتمل القرآن على مالا يفهم معناه عندنا وكذلك قال ابن برهان يجوز عندنا وقال قوم لا يجوز ذلك ثم بحث أصحابنا يقتضى أنه يفهم على سبيل الجملة لا على سبيل التفصيل ووافقنا أبو الطيب الطبرى وحكاه عن أبى بكر الصيرفى وكلهم تمسك بالآية قال الجوينى كل ما ثبت التكليف فى العلم به يستحيل استمار الاجمال فيه وأما غيره فلا

مسألة فى القرآن مجاز نص عليه بما خرجه فى متشابه القرآن فى قوله ( انا ) و ( نعلم ) و ( منتقمون ) هذا من مجاز اللغة يقول الرجل انا سنجرى عليك رزقك انا سنفعل بك خيرا قال شيخنا قد يكون مقصوده يجوز فى اللغة وبه قالت الجماعة ومنع منه بعض أصحابنا وبعض أهل الظاهر وبعض الشيعة والحاكى لهذا الوجه عن بعض أصحابنا أبو الحسن التميمى قال ابن برهان و قول الامامية من الشيعة وأهل الظاهر

(1/145)



والد شيخنا وحكى القاضى عن أبى الفضل ابن أبى الحسن التميمى أنه قال فى كتابه فى أصول الفقه والقرآن ليس فيه مجاز عند أصحابنا وأنه ذكر عن الخرزى وابن حامد ما يؤيد ذلك وكذلك ابن حامد قال فى أصول الدين ليس في القرآن مجاز
شيخنا وقال ابن أبى موسى والمكنى مثل قوله ( وأسأل القرية ) يريد أهلها وكم قصمنا من قرية أى أهلها قال ومن أصحابنا من منع أن يكون فى القرآن مكنى وحمل كل لفظ وارد فى القرآن على الحقيقة والاول أمكن لان قوله تعالى ( ولو ترى اذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) يقتضى ظاهر هذا أن يكون الخطاب من الله للكفار حقيقة قال ولا أعلم خلافا بين أصحابنا أن الله لا يكلم الكفار ولا يحاسبهم فعلم بذلك أن المراد بالآية غير ظاهرها
قلت الحجة ضعيفة فان القاضى حكى الخلاف بين أصحابنا فى محاسبة الكفار والمحاسبة نوعان قال القاضى رأيت فى كتاب أصول الدين من كتب أبى الفضل التميمى قال والقرآن ليس فيه مجاز عند أصحابنا واستدل بأن المجاز لا حقيقة له ثم قال فأما قوله وأسأل القرية والعير فيجوز أن تكلم الجمادات الانبياء ثم قال وسمعت الخرزى رحمة الله عليه وقد قيل له قوله وأشربوا فى قلوبهم العجل أوجب العجل قال بل العجل نفسه مثل القرية والعير سواء قال القاضى وذكر أبو بكر فى تفسيره اختلاف الناس فى قوله وأشربوا في قلوبهم العجل فذكر ما ذكره أحمد عن قتادة حب العجل وعن السدى نفس العجل قال أبو بكر وأولى التأويلين قول من قال وأشربوا فى قلوبهم حب العجل

(1/146)


لان الماء لا يقال أشرب فى قلبه وانما يقال ذلك فى حب الشيء كما قال واسأل القرية التى كنا فيها والعير التى أقبلنا فيها قال فقد صرح أبو بكر بأن هناك مضمرا محذوفا
مسألة يجوز أن يتناول اللفظ الواحد الحقيقة والمجاز جميعا ذكره القاضى وابن عقيل ومثلاه بقوله ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم هو حقيقة فى الوطء مجاز فى العقد فيحمل عليهما ونحو ذلك ولم يذكر مخالفا وكذلك ذكر الحلوانى وحكاه عن الشافعية وأبى على الجبائى قال خلافا لاصحاب أبى حنيفة وأبى هاشم لا يجوز ذلك وكذلك ذكر ابن عقيل فى موضع آخر مسألة المشترك صريحا وحكى الخلاف كما نقل الحلوانى وهذا قول أبى عبد الله البصرى وذكر القاضى فى ضمن كلامه ما يدل على أن المشترك على هذا الخلاف وكذلك حكى الجوينى فى اللفظ المشترك مذهبين أحدهما ذهب اليه ذاهبون من أصحاب العموم الى أنه يحمل على جميع معانيه مالم يمنع منه مانع سواء كان حقيقة فى الكل أو حقيقة فىالبعض مجازا فى البعض قال وهذا اختيار الشافعى والمذهب الثاني أنه لا يجوز حمله على الكل واختاره ابن الباقلانى وأعظم الانكار على من زعم أنه حقيقة فى الجميع لان اللفظة انما تكون حقيقة اذا انطبقت على ما وضعت له فى الاصل وانما تصير مجازا اذا تجوز بها عن مقتضى الوضع فيصير ذلك جمعا بين النقيضين واختار الجوينى أنه لا يحمل ذلك على الكل باطلاقه ولا يفيد العموم لانه صالح لافادة معان على البدل ولم يوضع وضعا مشعرا بالاحتواء فأما ارادة الجميع بقرينة فجائز وسواء كان فيها حقيقة أوفى أحدها وهذا هو الصحيح لانه يحسن التصريح به وذكر القاضى فى ضمن مسألة ما يحكم به من جهة القياس على أصل منصوص عليه المراد بالقياس فى حجة المخالف أنه لا يجوز أن يراد بالعبارة الواحدة معنيان مختلفان فى حال واحدة فلم يمنع ذلك لكن قال ان المعنيين

(1/147)



اذا كانا مختلفين جعلنا النص كأن الله تكلم به فى وقتين ثم ضرب على ( تكلم ) وكتب ( أمر به فى وقتين ) وأراد به أحد المعنيين فى وقت والمعنى الآخر فى الوقت الآخر وكذلك وجدت قول الحنفية فى كتبهم كما حكينا عنهم فى المجاز والمشترك وبالجواز كذلك قال عبد الجبار والمنع فيهما قال أبو الخطاب وحكى الجواز عن شيخه وعن الشافعية كالمذهبين وذكر القاضى فى أوائل العدة أنه قد قيل انه لا يجوز حمل اللفظ الواحد على حقيقتين مختلفتين ولا على الحقيقة والمجاز ونصر ذلك واستدل باجماع الصحابة على اختلافهم فى لفظ القرء وأنهم أجمعوا على الفرض المولى وله موليان من فوق ومن أسفل ولم يذكر فى هذا الموضع خلاف هذا القول
قال الطرطوشى فى أية الملامسة قولكم لا يجوز حمله على الحقيقة والمجاز فاللفظ هنا حقيقة فيهما فلا نسلم ما قالوه وانما هو عام يتناول الجميع كالحدث يتناول اطلاقه جميع الاحداث وهو حقيقة فى الجماع وما دونه وكاللون والعين حقيقة فى جميع الالوان الابيض والاسود وغيرهما وكذلك العين حقيقة في عين الرجل وعين الشمس وكذلك كل لفظ احتمل الطلاق وغير الطلاق كان حقيقة فى الطلاق والاصل فى هذا أن اللفظ المحتمل لشيئين فصاعدا هو حقيقة فى محتملاته وانما المجاز ما تجوز به عن موضوعه واستعمل فى غير ما وضع له
فرع ( والد شيخنا ) اختلف القائلون بالمنع من استعمال المشترك المفرد فى مفهوماته على الجميع فيما اذا كان بلفظ الجمع سواء كان فى جانب النفى أو الاثبات هل يجوز على مذهبين فان كان بلفظ الواحد المفرد منكرا فى جانب النفى كقوله ( لا تعتدى بقرء ) فقال أبو الخطاب هو كالمشترك فى الاثبات ومنعه قال والذى يظهر لى أنها كالتى قبلها اذ قوله لاتعتدى بالاقراء هو محل الخلاف

(1/148)



( شيخنا ) فصل
استدل القاضى على أن اللفظ الواحد يجوز أن يكون متناولا لموضع الحقيقة والمجاز بقوله فتحرير رقبة متناول للرقبة الحقيقية ولغيرها من الاعضاء على طريق المجاز وكذلك قوله ( اشتريت كذا وكذا رأسا من الغنم ) متناول للرأس الذى هو العضو المخصوص ولسائر الاعضاء
قال شيخنا قلت هذا نقل اللفظ من الخصوص الى العموم وهو من باب الحقيقة العرفية لان الرأس أدخل فى اللفظ من سائر الاعضاء بهذا الوضع لكن اجتمع فيه الوصفان فهو مدلول عليه بهما جميعا فليس هذا من موارد النزاع لكن تقرير كلامه أنه اذا صار يعم موضع الحقيقة وغيره حقيقة فلان يكون ذلك مجازا أولى لكن يقال لفظه فى صدر المسألة يجوز أن يكون اللفظ الواحد متناولا لموضع الحقيقة والمجاز فيكون حقيقة من وجه مجازا من وجه آخر وعلى هذا التقرير يكون مجازا فيقال هذا فى تعميم الخاص نظير البحث فى تخصيص العام الا أنه هناك نقصت الدلالة وهنا زيدت فكما أنه هناك يقال هو حقيقة فى دلالته على الباقى مجازا أو لا حقيقة ولا مجاز فى عدم دلالته على الخارج يقال هنا هو حقيقة فى دلالته على مسماه الاول مجاز فى الزيادة على ذلك واستدل أيضا بقولهم عدل العمرين عند من يقول هما أبو بكر وعمر والمنصوص عن أحمد خلافه قال هو حقيقة فى أحدهما مجاز فى الآخر وكذلك قولهم مالنا طعام الا الاسودان التمر والماء قاله القاضى
فصل ( فى وجوه المجاز )
منها أن يستعمل اللفظ فى غير ما هو موضوع له نحو الحمار أطلقوه على البليد واسم الاسد أطلق على الرجل الشجاع

(1/149)



ومنها المستعمل فى موضعه وغير موضوعة كقوله ( فتحرير رقبة ) يتناول الرقبة وجميع الاعضاء وكذلك اطلاق الشىء على ضده كاطلاقهم السليم على اللديغ والمفازة على المهلكة
ومنها الحذف كقوله واسأل القرية وأشربوا فى قلوبهم العجل ومنها الصلة كقوله فبما كسبت أيديكم يعنى بما كسبتم ومنها أن يطلق اسم المصدر على المفعول كضرب فلان وخلق الله وعلى الفاعل كرجل عدل ومنها اطلاق اسم المفعول كقوله عيشة راضية أى مرضية وعلى المصدر كقولك ( تخشى اللائمة ) يعنى اللوم
ومنها اطلاق اسم المدلول على الدليل يقال سمعت علم فلان أى عبارته عن علمه الدال عليه ومنها أن يطلق اسم المسبب على السبب كاطلاقهم اسم الرحمة على المطر قال فهذه جملة وجوه للمجاز
قال شيخنا رضى الله عنه قلت جماعها اما زيادة واما نقص واما نقل والنقل اما الى النظير واما الى الضد واما الى الاصل واما الى الفرع وقد دخل فى الاصل السبب والفاعل وفى الفرع الدليل والمفعول والمصدر بالنسبة الى الفاعل
فصل
لما قال المخالف المجاز كذب لانه يتناول الشىء على خلاف الوضع قال

(1/150)



القاضى هذا خرق للاجماع لانهم استحسنوا التكلم بالمجاز مع استقباحهم الكذب قال وعلى أن الكذب يتناول الشىء على غير طريق لمطابقة والمجاز قد يطابق الخبر من طريق العرف وان كان لا يطابقة من طريق اللغة قال شيخنا قلت هذا المجاز هو الحقيقة العرفية فليس هو المجاز المطلق وقال القاضى أيضا
فصل
يصح الاحتجاج بالمجاز والدلالة عليه أن المجاز يفيد معنى من طريق الوضع كما أن الحقيقة تفيد معنى من طريق الوضع ألا ترى الى قوله أو جاء أحد منكم من الغائط يفيد المعنى وان كان مجازا لان الغائظ هو الموضع المطمئن من الارض استعمل فى الخارج قال وكذلك قوله تعالى وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة ومعلوم أنه أراد غير الوجوه ناظرة لان الوجوه لا تنظر وانما الاعين وقد احتج الامام أحمد بهذه الآية فى وجود النظر يوم القيامة فى رواية المروذى والفضل بن زياد وأبى الحارث وأيضا فان المجاز قد يكون أسبق الى القلب كقول الرجل لصاحبه ( تعال ) أبلغ من قوله يمنة ويسرة وكذلك قوله ( لزيد على درهم ) مجاز وهو أسبق الى النفس من قوله يلزمنى لزيد كذا درهم واذا كان يقع بالمجاز أكثر مما يقع بالحقيقة صح الاحتجاج به
قال شيخنا قلت كلامه كأنه يشتمل على أن المجاز يصير حقيقة عرفية أو أنه يكون هو الظاهر لما اقترن به فيكون هو الظاهر اما لاستعمال غالب واما لاقتران مرجح فاما مجردا واما مقرونا وقد يكون أدل على المقصود من لفظ الحقيقة وقوله أسبق الى القلب يراد به أن معنى لفظ المجاز أسبق من معنى

(1/151)



حقيقة لفظ المجاز وأن ذلك المعنى أسبق من حقيقة ذلك المعنى فان معنا حقيقتين حقيقة باراء لفظ المجاز وحقيقة بازاء معناه تلك عدل عن معناها وهذه عدل عن لفظها فالمتكلم بالمجاز لا بد أن يعدل عن معنى حقيقة وعن لفظ حقيقة أخرى الى لفظ المجاز ومعناه
( والد شيخنا ) فصل
الذين جوزوا استعمال اللفظ المفرد فى مفهوميه سواء كانا حققيتين أو أحدهما حقيقة والآخر مجازا اختلفوا فيه اذا تجرد عن القرائن المعينة له فى أحد المفهومين هل يجب حمله عليهما أو يكون مجملا فيرجع الى مخصص من خارج ونقل عن الشافعى وابن الباقلانى أنهما قالا بالاول وصرح القاضى وابن عقيل بالثاني وهذا مراد القاضى فيما ذكره فى أول العدة والاول فى غاية البعد وقال القاضى فى آخر الكفاية ان كان بلفظ المفرد فكذلك وان كان بلفظ الجمع فكالمنقول عن الشافعى ان لم يتنافيا وان تنافيا فكالثاني
( شيخنا ) فصل
ذكر القاضى من بيان الجملة قوله ( للرجال نصيب مما ترك الوالدان والاقربون ) قال ثم بينه بقوله ( يوصيكم الله فى أولادكم ) وبحديث الجدة وبالاجماع على أن للجدتين السدس وللجد من الاب السدس
( شيخنا ) فصل
اذا قال لا تعط زيدا حبة فهذا عند ابن عقيل وغيره فى اقتضائه النهى عن اعطاء قيراط من باب فحوى الكلام وذكر عمن قال هذا من باب اللفظ

(1/152)



وخالفه بأن للدينار والقيراط اسما يخصه ويخرجه عن دخوله فى لفظ الحبة فيقول القائل لم آخذ حبة لكن دينارا وما سلمت عل زيد لكن على أهل القرية وان كان فيهم زيد فللتخصيص حكم غير التعميم والشمول
قال شيخنا حاصله أنه يقصد نفى الواحد من الجنس لا نفى الجنس بخلاف ما صار يفهم منه كما قيل مثل هذا فى قوله ما رأيت رجلا بل رجالا وهذا قريب لان دلالة الفحوى قطعية بالعرف ثم التزم أنه اذا ادعى عليه دينارا فقال لا يستحق على حبة لم يكن جوابا قائما مقام قوله لا يستحق على ما ادعاه ولا شيئا منه واعتذر بأن هذا لم يكن لانه ليس بمستفاد من طريق فحوى اللفظ لا المعنى لكن لانه ليس بنص ولا يكتفى في دفع الدعوى الا بالنص دون الظاهر ولهذا لا يقبل فى يمين المدعى والله انى لصادق فيما ادعيته عليه ولا يكتفى فى يمين المنكر والله انه لكاذب فيما ادعاه على كل ذلك طلبا للنص الصريح دون الظاهر
قال شيخنا والصواب أن هذا نكرة فيعم جميع الحبان كسائر النكرات ولكن اقتضاؤه لما لم يندرج فى لفظ حبة من باب الفحوى الا أن يقال مثل هذه الكلمة قد صارت بحكم العرف حقيقة فى العموم فيكون هذا أيضا من باب الحقيقة العرفية لا من باب الفحوى فهذا الباب يجب أن يميز فيه ما عم بطريق الوضع اللغوى وما عم بطريق الوضع العرفى وما عم بطريق الفحوى الخطابى وما عم بطريق المعنى القياسى وذكر ابن عقيل من هذا اذا قال لا تقل عير بعد زيد ولا تمكن القرناء من غنمك من نطح الجماء من غنمه قال اذا قال هذا علم ببادرة هذا اللفظ أنه قصد حسم موارد الاذى
قال شيخنا هذا نوع خامس قد يكون المنطوق غير مقصود وإنما المقصود المسكوت من غير أن يكون قد صار دلالة عرفية وانما هو من باب اللحن ويظهر الفرق بين العموم العرفى والفحوى أنا فى الفحوى نقول فهم المنطوق

(1/153)


ثم المسكوت اذ اللازم تابع وفى العموم نقول فهم الجميع من اللفظ كأفراد العام فعلى هذا يكون من باب نقل الخاص الى العام وعلى الاول يكون من باب استعمال الخاص وارادة العام ولنا فى قوله يدك طالق وجهان بخلاف الرقبة فانه لا تردد فيها للنقل
فصل يجوز الاحتجاج بالمجاز ذكره القاضى وابن عقيل وابن الزاغوني ولم يذكروا فيه خلافا
مسألة لا يقاس على المجاز قاله ابن عقيل ( وتكلم عليه ولم يذكر فيه مخالفا وكذلك ذكره ابن الزغونى وحكى الخلاف فيه عن بعض الاصحاب بناء على أن اللغة تثبت قياسا
قال القاضى فى مسألة ثبوت الاسماء بلقياس وأيضا فان أهل اللغة قد استعملوا القياس فى الاسماء عند وجود معنى المسمى في غيره وأجروا على الشيء اسم الشيء اذا وجد بعض معناه فيه فسموا الرجل البليد حمارا لوجود البلادة فيه وسموا الرجل الشجاع سبعا لوجود الشدة فيه ونظائر ذلك كثيرة وعلى ذلك قول عمر الخمر ما خامر العقل وقول ابن عباس كل مسكر مخمر خمر قيل له هذه التسمية منهم مجاز فقال قد ثبت عنهم أنهم فعلوا ذلك فلا يضر أن يكون أحد الاسمين مجازا والآخر حقيقة على أنهم سموا الابله حمارا حجازا لوجود بعض معانية فلما لم يوجد كل معاينة كان مجازا وأما النبيذ فيوجد فيه معانى الخمر كلها وكذلك اللواط والنباش
قال شيخنا هذا تصريح بأن الاسماء تثبت بالقياس حقائقها ومجازاتها لكن فيه قياس المجاز بالحقيقة فأما قياس المجاز بالمجاز فمقتضى كلامه أنه ان وجد فيه معانى المجاز المقاس عليها كلها جاز كما أن الحقيقة اذا وجد فيه معنى الحقيقة كلها جاز

(1/154)


وقال القاضى قد قيل فى المجاز لا يقاس عليه ووجهه ولم يذكر غيره وقال أبو بكر الطرطوشى أجمع العلماء على أن المجاز لا يقاس عليه فى موضع القياس ذكره فى مسألة الترتيب فى خلافه
مسألة ليس فى القرآن شيء بغير العربية ذكره أبو بكر والقاضى وأبو الخطاب وابن عقيل وابن الزاغوني لكن سلم المعرب فى بحث المسألة وأما القاضى فقال فى المشكاة والاستبرق والقسطاس هى أسماء عربية يجهلها بعض العرب ويعرفها البعض وبه قال عامة الفقهاء والمتكلمين وروى عن ابن عباس وعكرمة أن فيه كلمات بغير العربية وكذلك ذكر ابن برهان ونصره وقال ان القول الاول معروف عن الشافعى نفسه
مسألة لا يجوز تفسير القرآن بمجرد الرأى والاجتهاد من غير أصل ذكره القاضى واستدل بقوله تعالى وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون وبقوله لتبين للناس ما نزل اليهم قال فأضاف البيان اليه وبالاحاديث على وجه يناقض ما ذكره فى الاجتهاد فى الاحكام قال الميموني سمعت أبا عبد الله أحمد يقول ثلاث ليس لهن أصول المغازى والملاحم والتفسير قلت معناه أن الغالب أنه ليس لها اسناد صحيح متصل
قال أبو بكر عبد العزيز فيما حكاه القاضى فى مسألة المنع من تفسيره بالرأى والاجتهاد قال أبو بكر منه مالا يعلم تأويله الا الله الواحد القهار وذلك مثل الخبر عن آجال حادثة وأوقات آتية كوقت قيام الساعة والنفخ فى الصور ونزول عيسى ابن مريم وما أشبه ذلك لقوله لا يجليها لوقتها الا هو ثقلت فى السموات والارض ومنه ما يعلم تأويله كل ذى علم باللسان الذى نزل به القرآن وذلك

(1/155)


بابانة غرائبه ومعرفة المسميات بأسمائها اللازمة غير المشترك فيها والموصوفات بصافاتها الخاصة دون ما سواها فان ذلك لا يجهله أحد منهم وذلك كسامع منهم سمع تاليا يتلو واذا قيل لهم لا تفسدوا فى ارض قالوا انما نحن مصلحون ألا انهم المفسدون ولكن لا يشعرون لم يجهل أن معنى الافساد هو ما ينبغى تركه مما هو مضرة وأن الاصلاح ما ينبغى فعله مما فعله منفعة وان جهل المعانى التى جعلها الله افسادا والمعانى التى جعلها الله اصلاحا
مسألة فأما تعلم التفسير ونقله عمن قوله حجه ففيه ثواب وأجر كتعلم الاحكام من الحلال والحرام وقد فسر أحمد آيات كثيرة رواها عنه المروذى فى سورة متفرقة
مسألة يجوز تفسيره بمقتضى اللغة ذكره أحمد فى مواضع قال القاضى ونقل الفضل بن زياد عنه وقد سئل عن القرآن يتمثل له الرجل بشىء من الشعر فقال ما يعجبنى قال هو وأبو الخطاب وظاهر هذا يقتضى المنع وعندى أن هذا لا يقتضيه بل يفيد الكراهه أو يحمل على من يصرف الآية عن ظاهرها الى معان صالحة محتملة يدل عليها القليل من كلام العرب ولا يوجد غالبا الا فى الشعر ونحوه ويكون المتبادر خلافها وحكى الحلوانى القول بالمنع وجها لاصحابنا والد شيخنا وذكر القاضى أبو الحسين فى التمام فى كتاب الصلاة فى ذلك روايتين وقال أصحهما أنه لا يجوز
مسألة يرجع الى تفسير الصحابى للقرآن ذكره القاضى وأبو الخطاب والد شيخنا ونص عليه أحمد فيما كتبه الى أبى عبد الرحيم الجوزجانى وأما فى الخبر فقال اذا قال هذا الخبر منسوخ وجب قبول قوله ولو فسره بتفسير

(1/156)


وجب الرجوع الى تفسيره وقال أبو الخطاب يتخرج أن لا يرجع اليه اذا قلنا ليس قوله بحجة قال والد شيخنا قال القاضى أبو الحسين هو مبنى على الروايتين فى قول الصحابى هل هو حجة أم لا
مسألة وفى تفسير التابعى اذا لم يخالفه غيره روايتان ذكرهما ابن عقيل احدهما يرج اليه وتأولها القاضى على اجماعهم ورد ابن عقيل تأويله والثانية لا يرجع اليه اختارها ابن عقيل وكلام أحمد فى قول التابعى عام فى التفسير وغيره
مسألة الامر بالصلاة والزكاة والحج ونحو ذلك مجمل هذا ظاهر كلام أحمد بل نصه ذكره ابن عقيل والقاضى أيضا فى أول العدة والد شيخنا وآخر العمدة والحلوانى فى الرابع
شيخنا وذكر القاضى فى مسألة الامر بعد الحظر ومسألة تأخير البيان انما يحمل على عرف الشرع كأبى الخطاب وبه قالت الحنفية ذكره البستى منهم وبه قال بعض الشافعية وقال بعض الشافعية يتناول ما يفهم منه فى اللغة الى أن يوجد البيان الشرعى وقال ابن عقيل وكذا ينبغى أن يكون أصل من قال ان الاسماء غير منقولة بل مشتركة بينهما واختاره ابن برهان والاول مذهب الشافعى ذكره أبو الطيب فى ( وأقيموا الصلاة ) وحكى لهم الوجهين فى الكل وقال أبو الخطاب ويقوى عندى ان تقدم الحقيقة الشرعية لان الآية غير مجملة بل تحمل على الصلاة الشرعية بناء على أن هذه الاسماء منقولة من اللغة الى الشرع وأنها فى الشرع حقيقة لهذه الافعال المخصوصة فينصرف أمر الشرع اليها

(1/157)


قال والد شيخنا والمقدسى اختار مثل أبى الخطاب شيخنا قلت وهذا ليس بصحيح لانه قبل أن يعرف الحقيقة الشرعية أو الزيادات الشرعية كيف يصرف الكلام اليها وبعد ما عرفت ذلك صار ذلك بيانا فما أخرجه عن كونه مجملا فى نفسه أو غير مفهوم منه المراد الشرعى والصحيح أنه اذا كان ذلك بعد ما تقررت الزيادة الشرعية ( أو المغيرة أنه ينصرف اليها لكونه هو أصل الوضع مع الزيادة فصرفه الى زيادة أخرى يخالف الاصل
مسألة قوله وامسحوا برؤوسكم غير مجمل خلافا للحنفية
مسألة قوله وأحل الله البيع وحرم الربا مجمل عند القاضى وبعض الشافعية ( قال والد شيخنا والحلوانى ) وقال بعض الشافعية ليس بمجمل بل يعم كل بيع الا ما خصه دليل وكذا ذكر القاضى فى أوائل العدة فى حدود البيان وعزى هذا الاختلاف الى الشافعى قاله الجوينى وابن برهان ونصر العموم وكذلك أبو اسحاق صاحب اللمع وهو اختيار أبى الخطاب والفخر اسماعيل وقال الجوينى كل بيع لا مفاضلة فيه فهو مستفاد من الآية بلا اجمال وكل صفقة فيها زيادة فالامر فيها مجمل وكلام القاضى يوافق هذا فانه قال لما قالوا وهم أهل اللسان انما البيع مثل الربا افتقر الى قرينة تفسره وتميز بينه وبين الربا
مسألة تأخير البيان عن وقت الخطاب الى قت الحاجة فيه روايتان إحداهما الجواز وهذا ظاهر كلامه في رواية صالح وعبدالله وأكثر أصحابه ولا فرق بين البيان المجمل أو العموم وغيره مما أريد به خلاف ظاهره واختاره بعض المالكية والحلوانى وأبو الخطاب وابن حامد قال شيخنا ذكر

(1/158)


القاضى فى كتاب القولين أن قول ابن حامد فى تأخير البيان ظاهر كلام أحمد فى رواية أبى عبد الرحيم الجوزجانى ومن تأول القرآن على ظاهره من غير دلالة من الرسول ولا أحد من الصحابة فهو تأويل أهل البدع لان الآية تكون عامة قصدت لشيء بعينه ورسول الله صلى الله عليه وسلم المعبر عنها قال فظاهر هذا منه وقف الحكم بها على بيان النبي صلى الله عليه وسلم والقاضى وهو قول الاشعرية وأكثر الشافعية منهم ابن سريج والقفال والاصطخري وابن أبى هريرة والطبرى وأبو الطيب وأبو علي بن خيران ولم يفصلوا وهو قول الاشعرى أبى الحسن نفسه غير أن العام عنده من قبيل المجمل لكونه لا صيغة له وأبو سليمان الذى سماه أبو الطيب لا أدرى أهو الصيرفي أو غيره والرواية الاخرى لا يجوز حكى ذلك أبو الحسن التميمى عن أحمد وهو للمقدسى فى كتاب المجمل واختاره أبو الحسن التميمى والمقدسي وأبو بكر عبد العزيز وأكثر المعتزلة وداود وابنه فى أهل الظاهر وبعض المالكية وبعض الشافعية منهم أبو اسحاق المروزى وأبو بكر الصيرفي وكثير من الحنفية وقال بعض الحنفية وعبد الجبار بن أحمد وبعض الشافعية يجوز تأخير بيان المجمل فأما العموم وما يراد به خلاف ظاهره فلا وهذا التفصيل وهو جواز تأخير بيان المجمل دون العموم ذكره أبو الطيب عن أبى الحسن الكرخى وعن القاضى ابن حامد المروزى قال وهو قول أبى بكر من أصحابنا وقال بعض الشافعية بالعكس وهذا العكس قول أبى الحسين البصرى وقال قوم من المتكلمين يجوز ذلك فى الاخبار دون الامر والنهى وقال قوم عكس ذلك
مسألة لا يجوز للنبي صلى الله عليه وسلم تأخير التبليغ ذكره أبو الخطاب وقالت المالكية فيما ذكره ابن نصر وأكثر المعتزلة والجوينى يجوز الى الوقت الذى يحتاج فيه المكلف الى العبادة واختاره الجوينى ذكره فى ضمن مسألة تأخير البيان

(1/159)



( والد شيخنا ) مسألة هل يجوز للنبي صلى الله عليه وسلم تأخير التبليغ فيؤخر أداء العبادة الى الوقت الذى يحتاج المكلف أن يعرفها اختلف أصحابنا فى ذلك عل وجهين أحدهما يجوز له ذلك ذكره القاضى فى العدة في ضمن مسألة تأخير البيان عن وقت الخطاب وفى الكفاية مسألة مفردة وبه قالت المالكية فيما ذكره ابن نصر والمعتزلة والثاني لا يجوز تأخير التبليغ اختاره أبو الخطاب والظاهر أن هذه المسألة لا تعلق لها بمسألة تأخير البيان عن وقت الخطاب لان أبا الخطاب والقاضى شيخة اختارا شيخه فى تأخير البيان جوازه ثم ان أبا الخطاب قال فى تأخير التبليغ بالمنع ولم يحك لنا خلافا والقاضى قال بالجواز ولم يذكر خلافا والمعتزلة قالوا لا يجوز تأخير البيان ويجوز تأخير التبليغ بعكس مقاله أبى الخطاب والمالكية قالوا بجواز تأخير التبليغ ولم يذكروا لهم خلافا مع خلافهم فى تأخير البيان كالقاضى
قال شيخنا اختلف قول القاضى كسائر العلماء فى قوله وأنزلنا اليك الذكر لنبين للناس ما نزل اليهم فلما احتج بها الشافعى على أن الله جعل السنة بيانا للقرآن فلا يجوز أن يكون القرآن بيانا للسنة قال القاضى المراد به التبليغ ويبين صحى ذلك أنه يجوز تخصيص السنة بالقرآن وكذلك يجوز تفسير مجمل السنه به واحتج على تأخير البيان بقوله ( ثم ان علينا بيانه ) فقيل له معناه ثم ان علينا اظهاره واعلانه لانه اشترط ذلك فى جميع القرآن فقال حقيقة البيان هو اظهار الشيء من الخفاء الى حالة التجلى والاظهار وهذا انما يكون فيما يفتقر الى البيان فأما ما هو مبين فلا يوجد فيه وقوله انه اشترط ذلك فى جميع القرآن فلا يمتنع أن يكون المراد بعضه كما قال ( لتبين للناس ما نزل اليهم ) والمراد بعضه

(1/160)


قال شيخنا قلت هذا ضعيف بخلاف تفسير ابن عباس ولا دلالة فى الآية على محل النزاع
فصل
( شيخنا ) قولهم تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ونقل الاجماع على ذلك ينبغى أن يفهم على وجهه فان الحاجة قد تدعوا الى بيان الواجبات والمحرمات من العقائد والاعمال لكن قد يحصل التأخير للحاجة أيضا اما من جهة المبلغ أو المبلغ أما المبلغ فانه لا يمكنه أن يخاطب الناس جميعا ابتداء ولا يخاطبهم بجميع الواجبات جملة بل يبلغ بحسب الطاقة والامكان وأما المبلغ فلا يمكنه سمع الخطاب وفهمه جميعا بل على سبيل التدريج وقد يقوم السبب الموجب لامرين من اعتقادين أو عملين أو غير ذلك لكن يضيق الوقت عن بيانهما أو القيام بهما فيؤخر أحدهما للحاجة أيضا ولا يمنع ذلك أن الحاجة داعية الى بيان الآخر نعم هذه الحاجة لا يجب أن تستلزم حصول العقاب على الترك ففى الحقيقة يقال ما جاز تأخيره لم يجب فعله على الفور لكن هذا لا يمنع قيام الحاجة التى هى سبب الوجوب لكن يمنع حصول الوجوب لوجود المزاحم الموجب للعجز ويصير كالدين على معسر أو كالجمعة على المعذور
وأيضا فانما يجب البيان على الوجه الذى يحصل المقصود فاذا كان فى الامهال والاستثناء من مصلحة البيان ما ليس فى المبادرة كان ذلك هو البيان المأمور به وكان هو الواجب أو هو المستحب مثل تأخير البيان للاعرابي المسىء فى صلاته الى ثالث مرة وأيضا فانما يجب التعجيل اذا خيف الفوت بأن يترك الواجب المؤقت حتى يخرج وقته ونحو ذلك
مسألة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن على دين قومه نص عليه بل كان متعبدا بما صح عنده من شريعة ابراهيم ذكره ابن عقيل وقال وبه

(1/161)



قال أصحاب الشافعى وقال قوم بالوقف وأنه يجوز ذلك ويجوز أنه لم يكن متعبدا بشىء أصلا ورأينا اختاره الجوينى وابن الباقلانى وأبو الخطاب وبه قال الحنفية فيما حكاه السرخسي أنه لم يكن متعبدا بشىء من الشرائع وانما صار بعد البعثة شرع من قبله شرعا له
قال شيخنا قلت وهذا مأخذ جيد قال الجوينى وذهب قوم الى أنه كان على شريعة نوح وفرقة الى أنه كان على شريعة عيسى لانها آخر الشرائع وقال ابن الباقلانى لم يكن على شرع أصلا وقطع بذلك وقالت المعتزلة كان متعبدا بشريعة العقل بفعل محاسنة واجتناب قبائحه قال شيخنا وقال القاضى وغيره كان متعبدا بشرع من قبله مطلقا وحكاه عن أصحاب الشافعى قال القاضى والحلوانى مسألة ونبينا كان قبل أن يبعث متعبدا باتباع شريعة من قبله على كلتا الروايتين ذكر ابن عقيل فى الجزء التاسع والعاشر أحكاما كثيرة من أحكام النسخ وشروطه وماظن منها وليس كذلك ولعله ذكر أحكام النسخ كلها وفروعا كثيرة وكان القاضى أولا قد فرع ذلك على الروايتين فان قلنا لم يكن متعبدا به بعد المبعث فكذلك قبله وان قلنا كان متعبدا به بعده فقبله أولى ثم ضرب على ذلك وذكر أنه كان متعبدا به على الروايتين جميعا
قلت أما على قولنا باستصحاب الشرع الاول فيستقيم على احدى الروايتين لكن يقال لم يثبت عنده وقال قوم بالوقف وأنه يجوز ذلك ويجوز أنه لم يكن متعبدا أصلا اختاره الجوينى وأبو الخطاب اختار فى نبينا هل كان متعبدا بشرع من قبله الوقف كقول الجوينى وحكاه عن بعض المعتزلة منهم أبو هاشم بن الجبائي وقالت الحنفية فيما حكاه السرخسي انه لم يكن متعبدا بشيء من الشرائع وانما صار بعد البعثة شرع من قبله شرعا له قال شيخنا قلت هذا مأخذ ثم ضرب على ذلك وذكر أنه متعبد به على الروايتين جميعا قال شيخنا أما على قولنا باستصحاب الشرع الاول فيستقيم على احدى الروايتين لكن يقال لم يثبت عنده

(1/162)



وقد أفرد القاضى فصلا فى أنه يجوز أن يكون النبى الثاني متعبدا بما تعبد به النبي الاول والعقل لا يمنع من ذلك فقيل له فما الفائدة فى بعثه واظهار الاعلام على يده اذا لم يأت بشريعة مبتدأة فأجاب بأنه انما حسن اظهار الاعلام على يديه لانه لا بد أن يأتى بما لا يعرف الا من جهته اما أن يكون ما يأتي به شريعة مبتدأة أو يكون ذلك مما كان الاول متعبدا به الا أنه قد درس وصار بحيث لا يعرف الا من جهة النبي الثاني
قال شيخنا قلت وهذا فيه نظر فإنه يجوز عندنا اظهار الكرامات للاولياء فكيف للنبي المتبع وتكون فائدته التقوية كأنبياء بنى اسرائيل ثم قال مسألة اذا ثبت جواز ذلك فهل كان نبينا متعبدا بشريعة من كان قبله أم لا فيه روايتان أحداهما أن كل ما لم يثبت نسخه من شرائع من كان قبل نبينا فقد صار شريعة لنبينا ويلزمه أحكامه من حيث انه قد صار شريعة له لا من حيث كان شريعة لمن كان قبله وانما يثبت كونه شرعا لهم مقطوعا عليه اما بكتاب أو بخبر من جهة الصادق أو بنقل متواتر فأما الرجوع اليهم والى كتبهم فلا وقد أوما أحمد الى هذا فقال فى رواية صالح فيمن حلف بنحر ولده عليه كبش يذبحه ويتصدق بلحمه قال الله تعالى وفديناه بذبح عظيم قال فقد أوجب أحمد الكبش فى ذلك واحتج بالآية عليه وهى شريعة ابراهيم وقال أيضا فى رواية أبى الحارث والاثرم وحنبل والفضل بن زياد وعبد الصمد وقد سئل عن القرعة فقال فى كتاب الله فى موضعين قال الله فساهم فكان من المدحضين وقال اذ يلقون أقلامهم فقد احتج بالآيتين فى اثبات القرعة وهى شريعة يونس ومريم وقال أيضا ( فى رواية أبى طالب وصالح قوله تعالى وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس فلما قال

(1/163)



رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا يقتل مؤمن بكافر ) دل على أن الآية ليست فى النفس على ظاهرها وكأنها أنزلت فى بنى اسرائيل بقوله وكتبنا عليهم فيها قال فقد بين أن الآية على ظاهرها شرع لنا حتى ورد البيان من النبي صلى الله عليه وسلم فعلم أنها خاصة فيهم وكذلك نقل أبو الحارث عنه ( لا يقتل مؤمن بكافر ) قيل له أليس قد قال الله تعالى النفس بالنفس قال ليس هذا موضعه على بن أبى طالب يحكى ما فى الصحيفة ( لا يقتل مؤمن بكافر ) وعن عثمان ومعاوية ( لم يقتلوا المؤمن بكافر ) قال وهذا أيضا يدل على أن الآية على ظاهرها فى المسلمين ومن قبلهم ولكن عارضها بحديث الصحيفة ولو لم يكن كذلك لما عارضها ولقال ذلك خاص لمن قبلنا وبهذه الرواية قال أبو الحسن التميمي فى جملة مسائل خرجها فى الاصول وفيه رواية أخرى أنه لم يكن متعبدا بشىء من الشرائع الا ما دل الدليل على ثبوته فى شرعه فيكون شرعا له مبتدأ أومأ اليه فى رواية أبى طالب فى موضع آخر فقال ( النفس بالنفس ) كتبت على اليهود قال كتبنا عليهم فيها أى فى التوراة ولنا ( كتب عليكم القصاص فى القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والانثى بالانثى )
قال شيخنا قلت فقد ذكر القاضى أنه انما تلزمنا أحكامه من حيث صارت شريعة لنبينا لا من حيث كانت شريعة لم كان قبله فيكون اتباعه لامر الله لنا على لسان محمد صلى الله عليه وسلم بذلك وهو الذى حكاه عن الحنفية ولهذا قالوا لم يكن قبل البعث متعبدا به وعلى ما ذكره أبو محمد البغدادي فى جدله وذكره القاضى فى أثناء المسألة كما ذكره أبو محمد وهو أن الحكم اذا ثبت فى الشرع لم يجز تركه حتى يرد دليل نسخة وليس فى نفس بعثة النبي ما يوجب نسخ الاحكام التى قبله فان النسخ انما يكون عند التنافى ولانه شرع مطلق

(1/164)


فوجب أن يدخل فيه كل مكلف اذا لم ينسخ كشرع نبينا ولان نبينا كان قبل بعثته متعبدا فدل على أنه كان مأمورا بشرع من قبله
قال شيخنا قلت هذا الطريقة فيها نظر وقد تأول القاضى قوله وكل نبى مبعوث الى قومه المتبوع وغيره تبع له والذى ذكره أبومحمد أنه ثابت فى حقنا استصحاب الحال لانه شرع شرعه الله ولم ينسخه وعلى هذا يكون ثبوته فى حقنا اما لشمول الحكم لفظا واما بالعقل بناء على أن الاصل تساوى الاحكام وهو الاعتبار الذى ذكره الله فى قصصهم فصار لها ثلاثة مآخذ اما الكتاب والسنة والاجماع وما الكتاب الاول واما العقل والاعتبار فيكون من باب الخاص لفظا العام حكما والمسألة مبنية على أنه لو لم يبعث الينا محمد صلى الله عليه وسلم هل كان يجوز أو يجب التعبد بتلك الشرائع وهى تشبه حاله قبل البعثة
قال شيخنا قول القاضى من دليل مقطوع عليه قد أعاده فى المسألة وقال انه متى لم يقطع على ذلك ونعلمه من جهة يقع العلم بها لم يجب اتباعه والصحيح أنه يثبت بأخبار الآحاد عن نبينا صلى الله عليه وسلم وأما الرجوع الى ملة أهل الكتاب ففيه الكلام
مسألة التأسي بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم لا يقتضيه العقل لم يذكر ابن برهان فيه خلافا والد شيخنا وذكره القاضى فى الكفاية والعدة وذكره الحلواني وقال خلافا لبعض الناس فى قولهم وجوبها من جهة العقل شيخنا وكذلك حكى ابن عقيل عن بعض الاصوليين ورد عليه
مسألة فأما شرعا ففعله حجة فيما ظهر وجهه ان كان واجبا وجب علينا وان كان ندبا ندب لنا وان كان مباحا أبيح لنا وهو قول الجمهور قال

(1/165)


ابن برهان هو قول الفقهاء قاطبة قال وأما أصحابنا المتكلمون فتوقفوا فى ذلك قلت وقد حكينا هذا فيما مضى عن الاشعرية وبعض الشافعية والتميمى صاحبنا قال ابن برهان وأما الحنفية فانقسموا فى ذلك قسمين كالمذهبين والظاهر أنه يريد المتكلمين منهم والا تناقض قوله
مسألة فعل النبى صلى الله عليه وسلم يفيد الاباحة اذا لم يكن فيه معنى القربة فان كان على جهة القربة ولم يكن بيانا لمجمل أو امتثالا لامر بل ابتداء ففيه روايتان فيما ذكر القاضى احداهما أنه على الندب الا أن يدل دليل على غيره نقلها اسحاق بن ابراهيم والاثرم وجماعة عنه بألفاظ صريحة واختارها أبو الحسن التميمي والفخر اسماعيل والقاضي فى مقدمة المجرد وبها قالت الحنفية فيما حكاه أبوسفيان السرخسى وأهل الظاهر وأبو بكر الصيرفي والقفال والثانية أنها على الوجوب وبها قال أبو علي بن خيران وابن أبي هريرة والاصطخري وابن سريج وطوائف من المعتزلة حكى ذلك الجوينى وبها قال المالكية واختارها الحلواني والقاضي فى مقدمة المجرد وهو قول جماعة من أصحابنا وحكاه فى القولين عن ابن حامد وقطع بذلك ابن أبى موسى فى الارشاد من غير خلاف وأخذها من قوله فى رواية حرب يمسح رأسه كله لان النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الرأس كله ومن قوله فى رواية اذا رمى الجمار فبدأ بالثالثة ثم الثانية ثم الاولى لم يصح قد فعل النبي صلى الله عليه وسلم الرمى وبين فيه سنته وفى رواية الجماعة ( المغمى عليه يقضى لان النبي صلى الله عليه وسلم أغمى عليه فقضى ) وفى هذا كله نظر لان فعله للمسح وقع بيانا لقوله وامسحوا برؤوسكم ورميه بيانا لقوله خذوا عنى مناسككم وليس النزاع فىمثل ذلك وأما أحاديث الاغماء فانه لما علم منه الراوى أنه قضى لزم الوجوب لا من مجرد الفعل بل من كونه قضاء اذ لو حمل على الندب لخرج على كونه قضاء وقال قوم لا يدل على شيء

(1/166)



لان الصغائر والسهو والنسيان تجوز على الانبياء قال القاضي وذهبت المعتزلة والاشعرية الى أن ذلك على الوقف فلا يحمل على وجوب ولا ندب الا بدليل والقول بالوقف اختيار ابن برهان وأبى الطيب الطبرى وحكاه عن أبى بكر الدقاق وأبى القاسم بن كج قال واليرنجي من أصحابنا أعنى حكى عنهم القول بالوقف واختار الجوينى مذهب الندب الا فى زمن أفعاله وهو ما تعلق بقيل ظهرت فيه خصائصه وكأنه وافق فيه الواقفية
والد شيخنا وذكر أن عن أحمد ما يقتضى الوقف وأخذه من وذهب الجوينى الى أن أفعاله عليه السلام يتأسى بها فيستبان بها رفع الحرج عن الامة من ذلك الفعل وزعم أنه قد علم ذلك من حال الصحابة قطعا وأما اذا خوطب بخطاب خاص له بلفظه فانه وقف فى تعدية حكمه الى أمته حتى يدل عليه دليل وقد سبقت
ثم ان كان فى فعله قصد القربة فاختار مذهب من حمله على الاستحباب دون الوجوب وقال فى كلام الشافعى ما يدل على ذلك وحكاه عن طوائف من المعتزلة وذكر مذهب الواقفية وذكر كلاما يقتضى أن معناه أنهم لا يعدون حكمه الى لامة بوجوب ولا ندب ولا غيرهما الا بدليل اذ الفعل لا صيغة له وجائز أن يكون من خواصه قال المصنف
فصل
وفائدة ذلك انما تظهر فى حق أمته اذا قلنا انهم أسوته فأما على قول من قال لا يشاركونه الا بدليل فتقف الفائدة على خاصته والاول قول الجمهور
( شيخنا ) فصل
واذا ثبت أن أفعاله على الوجوب فان وجوبها من جهة السمع خلافا لمن قال تجب بالعقل هذا كلام القاضى وهذا أخص من التأسى

(1/167)



فصل
فأما ما لم يظهر فيه معنى القربة فيستبان فيه ارتفاع الحرج عن الامة لا غير وهذا قول الجمهور واختاره الجوينى والمحققون من القائلين بالوجوب أو الندب فى التى قبلها وغالى قوم ممن قال بالوجوب هناك فذهب اليه هنا أيضا وعزاه بعض النقلة الى ابن سريج قال الجوينى وهذا زلل وقدر الرجل أجل من هذا وذهب جماعة ممن قال بالندب فى التي قبلها الى الندب هنا احتياطا بصفة التوسط وأما الواقفية فعلى قاعدتهم من الوقف وانما أعدنا هذه المسألة تحريرا للقول فيها
قال شيخنا الوقف فى أفعاله له معنيان أحدهما الوقف فى تعدية حكمه الى الامة وثبوت التأسى وان عرفت جهة فعله والثاني الوقف فى تعيين جهة فعله من وجوب أو استحباب وان كان التأسى ثابتا والوقف قول أبى الخطاب وذكره عن أحمد وفى الحقيقة هو بالتفسير الثاني يؤول الى مذهب الندب
والد شيخنا ) فصل
فى معرفة فعله صلى الله عليه وسلم على أى وجه فعله من واجب وندب واباحة ذكر وجوه كل واحد من هذه الرازى فى المحصول قبل النسخ وذكر ذلك أبو الخطاب والقاضي فى الكفاية وبسط القول فيه
( شيخنا ) فصل
قال القاضى النبي صلى الله عليه وسلم لا يفعل المكروه ليبين الجواز لانه يحصل فيه التأسى لان الفعل يدل على الجواز فاذا فعله استدل به على جوازه وانتفت الكراهية وذكر عن الحنفية أنهم يحملون توضؤه بسؤر الهر على بيان الجواز مع الكراهية

(1/168)



( شيخنا ) فصل
يحوز النسيان على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى أحكام الشرع عند جمهور العلماء كما فى حديث ذي اليدين وغيره وكما دل عليه القرآن واتفقوا على أنه لا يقر عليه بل يعلمه الله به ثم قال الاكثرون شرطة تنبيهه صلى الله عليه وسلم على الفور متصلا بالحادثة ولا يقع فيه تأخير وجوزت طائفة تأخيره مدة حياته واختاره أبو المعالي ومنعت طائفة السهو عليه فى الافعال البلاغية والعبادات كما أجمعوا على منعه واستحالته عليه فى الاقوال البلاغية واليه مال أبو اسحاق الاسفرائيني قال القاضى عياض واختلفوا فى جواز السهو عليه صلى الله عليه وسلم فيما لا يتعلق بالبلاغ وبيان الشرع من أفعاله وعاداته وأذكار قلبه فجوزه الجمهور وأما السهو فى الاقوال البلاغية فأجمعوا على منعه كما أجمعوا على امتناع تعمده وأما السهو فى الاقوال الدنيوية وفيما ليس سبيله البلاغ من الكلام الذى لا يتعلق بالاحكام ولا أخبار القيامة وما يتعلق بها ولا يضاف الى وحى فجوزه قوم قال عياض والحق ترجيح قول من منع ذلك على الانبياء فى كل خبر من الاخبار كما لا يجوز عليه خلف فى خبر لا عمدا ولا سهوا لا فى صحة ولا فى مرض ولا رضا ولا غضب وأما جواز السهو فى الاعتقادات فى أمور الدنيا فغير ممتنع
قال شيخنا سيأتي ما يتعلق بهذه فى مسألة اجتهاده صلى الله عليه وسلم ودعوى الاجماع فى الاقوال البلاغية لا يصح وانما المجمع عليه عدم الاقرار فقط وقوله لم أنس ولم تقصر وقوله في حديث اليهودية انما تفتن اليهود ثم بعد أيام أوحى اليه أنه يفتنون يدل على عدم ما رجحه عياض
( شيخنا ) فصل
فى دلالة أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم على الافضلية وهى مسألة كثيرة المنفعة وذلك فى صفات العبادات وفى مقاديرها وفى

(1/169)



العادات وكذلك دلالة تقريره وهى حال أصحابه على عهده وترك فعله وفعلهم وكذلك فى الاخلاق والاحوال
( شيخنا ) فصل
فى دلالة أفعاله العادية على الاستحباب أصلا وصفة كالطعام والشراب واللباس والركوب والمراكب والملابس والنكاح والسكنى والمسكن والنوم والفراش والمشى والكلام واعلم أن مسألة الافعال لها ثلاثة أصول
أحدها أن حكم أمته كحكمه فى الوجوب والتحريم وتوابعهما الا أن يدل دليل يخالف ذلك وهذا لا يختص بالافعال بل يدخل فيه ما عرف حكمه فى حقه بخطاب من الله أو من جهته ولهذا ذكرت هذه فى الاوامر أعنى مسألة الخطاب وقد ذكر عن التميمى وأبى الخطاب التوقف فى ذلك وأخذا من كلام أحمد ما يشبه رواية والصواب عنه العكس وعلى هذا فالفعل اذا كان تفسيرا لمجمل شملنا واياه وامتثالا لامر شملنا واياه لم يحتج الى هذا الاصل وقد يكون هذا من طريق الاولى بأن يعلم سبب التحريم فى حقه وهو فى حقنا أشد وسبب الاباحة أو الوجوب
الاصل الثاني أن نفس فعله يدل على حكمه صلى الله عليه وسلم اما حكم معين أو حكم مطلق وأدنى الدرجات الاباحة وعلى تعليل التميمى لتجويز الصغائر يتوقف فى دلالته فى حقه على حكمه وقد اختلف أصحابنا فى مذهب أحمد هل يؤخذ من فعله على وجهين ومثل هذا تعليله بتجويز النسيان والسهو لكن هذا مأخذ ردىء فانه لا يقر على ذلك والكلام فى فعل لم يظهر عليه عتاب فمتى ثبت أن الفعل يدل على حكم كذا وثبت أنا مساوون له فى الحكم ثبت الحكم فى حقنا

(1/170)



الاصل الثالث أن الفعل هل يقتضى حكما في حقنا من الوجوب مثلا وان لم يكن واجبا عليه كما يجب على المأموم متابعة الامام فيما لا يجب على الامام وعلى الجيش متابعة الامام فيما لا يجب على الامام وعلى الحجيج موافقة الامام فى المقام بالمعرف الى افاضة الامام هذا ممكن أيضا بل من الممكن أن يكون سبب الوجوب فى حقه معدوما فى حقنا ويجب علينا لاجل المتابعة ونحوها كما يجب علينا الرمل والاضطباع مع عدم السبب الموجب له فى حق الاولين أو سبب الاستحباب منتفيا فى حقنا وقد نبه القرآن على هذا بقوله ما كان لاهل المدينة ومن حولهم من الاعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه فصار واجبا عليهم لموافقته ولو لم يكن قد تعين الغزو فى ذلك الوقت الى ذلك الوجه وهذا الذى ذكرناه في المتابعة قد يقال في كل فعل صدر منه اتفاقا لا قصدا كما كان ابن عمر يفعل فى المشى فى طريق مكة وكما فى تفصيل اخراج التمر وهذا فى الاقتداء نظير الامتثال فى الامر فالفائدة قد تكون فى نفس تهدينا بهديه وبأمره وفى نفس الفعل المفعول المأمور به والمقتدى به فيه فهذا أحرى في الاقتداء ينبغى أن يتفطن له فانه لطيف وطريقة أحمد تقتضيه وهذا فى الطرف الآخر من المنافاة لقول من قال ان المأمور به قد يرتفع لارتفاع علته من غير نسخ فان أحمد تسرى لاجل المتابعة واختفى ثلاثا لاجل المتابعة وقال ما بلغنى حديث الا عملت به حتى أعطى الحجام دينارا وكان يتحرى الموافقة لجميع الافعال النبوية
( شيخنا ) فصل
احتج القائل بأن فعله لا يدل عل وجوبه علينا بأن المتبوع أوكد حالا من المتبع فاذا كان ظاهر فعله لا ينبىء عن وجوبه عليه فلان لا يدل على وجوبه علينا أولى فقال القاضي هذا يبطل على أصل المخالف بالامر فانهم يجعلونه دالا

(1/171)


على الوجوب فى حق غيره ولا يدل عل وجوبه عليه لان الآمر لا يدخل تحت الامر عندهم قال وعلى أنا نقول ان ظاهر أفعاله تدل على الوجوب في حقه كما يدل على ذلك في حق غيره كما قلنا فى أوامره هى لازمه له وهو داخل تحتها كالمأمور سواء ولا فرق بينهما وهذا قياس المذهب
( شيخنا ) فصل
وليس تركه موجبا علينا ترك ما تركه استدل به المخالف وسلمه القاضى له من غير خلاف ذكره ونقضه بالامر فإن ترك الامر لا يوجب ترك ما ترك الامر به وأمره يوجب امتثال ما أمر به
مسألة شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بنسخه فى أصح الروايتين وبها قال الشافعى وأكثر أصحابه واختاره القاضى والحلواني وأبو الحسن التميمي وبها قالت الحنفية والمالكية وابن عقيل والمقدسي والثانية لا يكون شرعا لنا الا بدليل واختارها أبو الخطاب وبه قالت المعتزلة والاشعرية وعن الشافعية كالمذهبين واختار الاول أبو زيد فيما كان مذكورا فى القرآن ثم القائلون بكونه شرعا لنا منهم من خصه بملة ابراهيم وهو قول بعض الشافعية ومنهم من خص ذلك بشريعة موسى ومنهم من خصه بعيسى لان شرعه آخر الشرائع قبله وعندنا أنه لا يختص بذلك بل كان متعبدا بكل ما ثبت شرعا لاى نبى كان الى أن يعلم نسخه وهذا مذهب المالكية وعلى كلا المذهبين فلا شك فى جواز ذلك عقلا الا عند طائفة من المعتزلة
فصل متعلق بشرع من قبلنا
وهو ما خاطب الله به أهل الكتاب على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم

(1/172)


كقوله يا بنى اسرائيل فى سورة البقرة الى قوله أتامرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وقوله واستعينوا بالصير والصلاة وانها لكبيرة الا على الخاشعين واستدلال عموم الامة بمثل هذه الآيات فى الاحكام دليل على تناول حكمها لسائر الامة وهذا يليق أن يذكر عند مسألة اذا أمر الله نبيه بشيء أو شرع له شيئا فان مشاركة بعض أمته بعضا فى الاحكام كتابيهم وأميهم أقوى من مشاركتهم له لكن هل يدخل بقية الامة من حيث هم أهل كتاب أيضا كقوله ثم أورثنا الكتاب أو يدخل علماؤهم وان دخلوا فهل يدخلون بالعموم اللفظي أو المعنوي هذا يحتاج الى بسط والدلالة على تناول خطابهم لنا قوله عقيب قصة بني النضير فاعتبروا يا أولى الابصار قال شيخنا قلت أما قولنا باستصحاب الشرع الاول فيستقيم على احدى الروايتين لكن يقال لم يثبت عنده

مسائل النسخ
مسألة النسخ جائز عقلا وواقع شرعا في قول الكافة وحكى عن أبى مسلم يحيى بن عمر بن يحيى الاصبهاني أنه كان يمنع من وقوعه شرعا ويجيزه عقلا وهو قول طائفة من اليهود وقالت طائفة منهم لا يجوز عقلا ولا شرعا وأجازه طائفة منهم عقلا وشرعا لكنهم لا يؤمنون بنبينا ولا يقرون بمعجزاته ولا بشريعته

(1/173)


مسألة فى حد النسخ قال القاضى هو عبارة عن اخراج مالم يرد باللفظ العام فى الازمان مع تراخيه عنه وقال قوم من المتكلمين هو اخراج ما أريد باللفظ قال وهذا غلط لانه يفضى الى البداء وقال شيخنا قلت هذا من القاضى مخالف لما قاله فى النسخ قبل الوقت فانه ضعف قول من جعله أمرا بمقدمات الفعل أو أمرا مقيدا وهنا أجاب بما ضعفه هناك
فصل فى حقيقة النسخ والناسخ والمنسوخ عنه لابن عقيل فيه كلام مبسوط
مسألة يجوز نسخ العبادة وان قيد الامر بها أولا بلفظ التأبيد هذا قول أكثر أهل العلم خلافا لمن قال لا يجوز قال القاضى يجوز تأبيد العبادة بأن ينقطع الوحى أو يضطر الى قصد الرسول فيه كما اضطررنا الى قصده فى تأبيد شريعته وأنه لا نبى بعده قال شيخنا قلت فلم يجعل له دليلا لفظيا
مسألة لا يدخل النسخ الخبر فى قول أكثر الفقهاء والاصوليين وقال قوم يجوز ذلك وقال ابن الباقلاني لا يجوز ذلك فى خبر الله وخبر رسوله فأما ما أمرنا بالاخبار به فيجوز نسخه بالنهى عن الاخبار به قال ابن عقيل هذا انما يعطى اجازة النسخ فى الحكم وهو الامر والنهى وقسم ابن برهان الكلام فى ذلك ( والد شيخنا ) وقسم ابن عقيل فى ذلك تقاسيم وتكلم القاضى فى الكفاية فى نسخ الاخبار بكلام كثير جدا وفصل

(1/174)



تفاصيل كثيرة وفرع تفاريع كثيرة وضابط القاضى فى نسخ الخبر أنه كان مما لا يجوز أن يقع الا على وجه واحد كصفات الله وخبر ما كان وما سيكون لم يجز نسخه وان كان ( مما ) يصح تغيره وتحوله كالاخبار عن زيد بأنه مؤمن وكافر وعن الصلاة بأنها واجبة جاز نسخه وهذا قول جيد لكن ما يقبل التحول والتغيير هل يجوز نسخه قبل وقته على وجهين وعليهما يخرج نسخ المحاسبة بما فى النفوس فى قوله ان تبدوا ما فى انفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فان جماعة من أصحابنا وغيرهم أنكروا جواز نسخ هذا والصحيح جوازه
( قال شيخنا ) قال القاضى فى العدة فى الخبر هل يصح نسخه أم لا فان كان خبرا لا يصح أن يقع الا على الوجه المخبر به فلا يصح نسخه كالخبر عن الله تعالى بأنه واحد ذو صفات والخبر بموسى وعيسى وغيرهما من الانبياء أنهم كانوا أنبياء موجودين والخبر بخروج الدجال فى آخر الزمان ونحو ذلك فهذا لا يصح نسخة لانه يفضى الى الكذب
( قال شيخنا ) قلت الا أن النسخ اللغوي كما في قوله تعالى ( فينسخ الله ما يلقى الشيطان ) على قول من قال انه ألقى فى التلاوة ( تلك الغرانيق العلى وان شفاعتهن لترتجى ) وان كان مما يصح أن يتغير ويقع عل غير الوجه المخبر عنه فانه يصح نسخه كالخبر عن زيد بأنه مؤمن أو كافر أو عدل أو فاسق فهذا يجوز نسخه فاذا أخبر عن زيد بأنه مؤمن جاز أن يقول بعد ذلك هو كافر وكذلك يجوز أن يقول الصلاة على المكلف فى المستقبل ثم يقول بعده ليس على المكلف فعل صلاة لانه يجوز أن تتغير صفته من حال الى حال قال رضى الله عنه وعلى هذا يخرج نسخ قوله ( يحاسبكم به الله ) كما قد جاء عن الصحابة والتابعين خلافا لمن أنكره من أصحابنا وغيرهم كابن الجوزى

(1/175)


فضابط القاضي أن الخبر ان قبل التغيير جاز النسخ والا فلا وعلى هذا فيجوز نسخ الوعد والوعيد قبل الفعل كقوله ( من بنى هذا الحائط فله درهم ) ثم رفع ذلك والفقهاء يفرقون بين التعليق وبين التخيير
( شيخنا ) فصل ( يتعلق بما يجوز نسخه )
قد ذكر ابن عقيل وغيره ما كتبه الجد وقال القاضى فى مسألة النسخ واحتج بأنه لو جاز ورود النسخ فى الشرائع لجاز مثله فى اعتقاد التوحيد وقال القاضي والجواب أن الفعل الشرعى يجوز أن يكون مصلحة فى وقت ولا يكون مصلحة فى وقت آخر مع بقاء التكليف ويكون مصلحة لزيد ولا يكون مصلحة لعمرو وأما فعل التوحيد فلا يخرج عن أن تكون المصلحة فيه لجميع المكلفين وفى جميع الاوقات يبين صحة هذا أنه يجوز أن يجمع بين الامر بالفعل الشرعى وبين النهى عن مثله بأن يقول صلوا هذه السنة ولا تصلوا بعدها ولا يجوز أن يجمع بين ايجاب اعتقاد التوحيد وبين النهي عن مثله فى المستقبل
مسألة يجوز نسخ التلاوة مع بقاء الحكم عندنا وعند الشافعية وقال قوم لا يجوز ذلك وحكاه ابن برهان عن المعتزلة وقد نصر مثل الاول وفى هذه المسألة نظر لان دليل المخالف فيها ظاهر وعلى الاول هل يجوز مسها للمحدث ذكر ابن عقيل فيه احتمالين قلت الصحيح الجواز
مسألة يجوز نسخ الحكم مع بقاء التلاوة وهذا بالاجماع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم فانهم ما زالوا يذكرون دخول النسخ على آيات القرآن وقال بعضهم لا يجوز ذكره أبو الخطاب

(1/176)



فصل
فى شروط النسخ وفى الفرق بينه وبين التخصيص لابن عقيل فيه فصل فى آخر كتابه وفى النسخ أيضا وللجوينى والمقدسي
فصل
يجوز نسخ الشيء الى بدل وغير بدل وقال بعضهم لا يجوز وحكاه أبو الخطاب والبدل على أربعة أضرب وقال بعض الاصوليين لا يجوز نسخ العبادة الى غير بدل بناء على أن النسخ يجمع معنى الرفع والنقل وكذلك حكاه الجوينى عن جماعة المعتزلة أنه لا يجوز نسخ الحكم الى غير بدل
( شيخنا ) فصل
كثير المنفعة متعلق بالنسخ والعموم وغيرهما وهو أن الحكم العام أو المطلق هل يجوز تعليله بما يوجب تخصيصه أو تقييده سواء كان ثابتا بخطاب أو بفعل هذا فيه أقسام
القسم الاول ما كان عاما للمكلفين فيدعى تخصيصه بنفى التعليل فمنه ما علم قطعا بالاضطرار عمومه فمخصصه كافر كمدعى تخصيص تحريم الخمر بمن قد سبقه أو بغير الذين آمنوا وعملوا الصالحات وسقوط الصلاة عمن دام حضور قلبه الى غير ذلك من دعوى اختصاص بعض المنتسبين الى العلم أو الى العبادة بسقوط واجب أو حل محرم كما قد وقع لطوائف من المتكلمين والمتعبدين وهذا كفر ومنه ما ليس كذلك لكن هو مثله
القسم الثاني ما كان عاما فى الازمنه لفظا أو حكما فيدعى اختصاصه بزمانه فقط قال شيخنا وقد كتبته فى غير هذا الموضع

(1/177)


القسم الثالث أن يدعى اختصاصه بحال من الاحوال الموجودة فى زمان الشرع مما قد يجوز عودها
القسم الرابع أن يدعى اختصاصه بمكان الشارع كدعوى اختصاص فرضه للاصناف الخمسة فى صدقة الفطر بالمدينة لكونها قوتهم الغالب وكذلك فى الدية والمصراة وغير ذلك وهذا من جنس الذى قبله فانه لا يوجب انقطاع الحكم بل اختصاصه بحال دون حال
القسم الخامس الافعال التى فعلها فى العبادات والعادات اذا ادعى اختصاصها بزمان أو مكان أو حال
فهذه أصول عظيمة مبناها على أصلين أحدهما صحة ذلك التعليل وأن الشارع انما شرع لاجله فقط الاصل الثاني ثبوت الحكم مع عدم تلك العله لعلة أخرى اذ أكثر ما في هذا دعوى ارتفاع الحكم بما يعتقد أن لا علة غيره وقد أجاب أصحابنا بمثل هذا فى مسألة التحليل قائسين على الرمل والاضطباع وزعم من خالفهم أن الاصل المقرر زوال الحكم لزوال علته وانما خولف فى الرمل والاضطباع لدليل وحديث ابن عمر فى الرمل والاضطباع يخالف هذا وانما يزول الحكم بزوال علته فى محاله وموارده وأما زوال نفس الحكم الذى هو النسخ فلا يزول الا بالشرع وفرق بين ارتفاع المحل المحكوم فيه مع بقاء الحكم وبين زوال نفس الحكم ومن سلك هذا المسلك أزال ما شرعه الله برأيه وأثبت ما لم يشرعه الله برأيه وهذا هو تبديل الشرائع
مسألة يجوز نسخ جميع العبادات والتكاليف سوى معرفة الله تعالى على أصل أصحابنا وسائر أهل الحديث خلافا للقدرية في قولهم العبادات مصالح ولا يجوز أن ترفع المصالح عندهم
مسألة لا يشترط للنسخ ان يتقدمه اشعار المكلف بوقوعه وقالت

(1/178)


المعتزلة لا يجوز النسخ الا أن يقترن بالمنسوخ دلالة أو قرينة تشعر المكلف بالنسخ فى الجملة حكاه ابن عقيل وحكاه ابن برهان وأبوالخطاب عن أبى الحسين البصرى وجعله كتأخير بيان العموم على أصله
مسألة يجوز أن يسمع الله المكلف الخطاب العام المخصوص وان لم يسمعه الخاص وبه قال عامة العلماء وقال أبو الخطاب وقال أبو الهذيل والجبائي لا يجوز ذلك لكنهما وافقا فيما يخص بأدلة العقل وان لم يعلم أن أدلة العقل لا تدل على تخصيصه نقله أبو الخطاب
مسألة يجوز نسخ الشىء المكلف به بمثله وأخف منه وأثقل وهو قول الجماعة خلافا لبعض الشافعية واختلف فيه أهل الظاهر فقال أبو بكر ابن داود وطائفة منهم لا يجوز نسخ الاخف بالاثقل وحكاه ابن عقيل وجها للشافعية وقالت طائفة كقولنا وقال قوم يجوز ذلك شرعا لا عقلا وعكسه قوم فقالوا يجوز عقلا لكن منع السمع منه وحكى ابن برهان عن المعتزلة القول بالمنع من ذلك مطلقا
( شيخنا ) فصل
لما قال المخالف ( القرآن كله متساو فى الخير فقوله ( نأت بخير منها ) يدل على أنه لا ينسخ بالاثقل ) فقال ومعلوم أنه لم يرد بقوله بخير منها فضيلة الناسخ علىالمنسوخ لان القرآن كله متساو فى الفضيلة فعلم أنه أراد الاخف فلم يمنع القاضي ذلك بل قال الخير ما كان أنفع اما بزيادة الثواب مع المشقة واما بكثرة انتفاع المغير به فانه سبب لزيادة الثواب فالانفع هو ما كان أكثر ثوابا وكثرة الثواب بأحد السببين ثم فى مسألة نسخ القرآن بالسنة لما قال المخالف التلاوة لا يكون بعضها خيرا من بعض وانما يكون ذلك فى النفع قال القاضي

(1/179)


ولا يصح هذا القول لانه قد يكون بعضها خيرا من بعض على معنى أنها أكثر ثوابا مثل سورة طه ويس وما أشبه ذلك وقد يكون فى بعضها من الاعجاز فى اللفظ والنظم أكثر مما فى البعض وكانت العرب تعجب من بعض القرآن ولا تعجب من بعض قال شيخنا قلت بقى القول الثالث وهو الحق التفاضل الحقيقي كما نطقت به النصوص ( الصحيحة الصريحة )
مسألة لا يجوز نسخ القرآن بالسنة شرعا ولم يوجد ذلك نص عليه فى رواية الفضل بن زياد ( وأبى الحارث ) وأبى داود وبه قال الشافعى وأكثر أصحابه منهم أبو الطيب وغيره وقال أبو الطيب وقال ابن سريج يجوز نسخه بالسنة المتواترة لكنه لم يوجد واختاره أبو الخطاب وقال أكثر الفقهاء المتكلمين يجوز ذلك وقد وجد وقال أبو حنيفة فيما ذكره القاضي وابن نصر يجوز بالسنة المتواترة واختاره أبو الخطاب وحكاه رواية لنا وحكى ذلك عن مالك والمتكلمين من المعتزلة والاشعرية وهذا اختيار ابن برهان وزعم أنه كالاجماع من الفقهاء والمتكلمين قال وشذت طائفة من أصحابه فقالوا لا يجوز نسخه بالسنة المتواترة وعزوه الى الشافعى وصحح ابن عقيل نسخه بالمتواتر واختلف فيه أهل الظاهر وفيه رواية أخرى أنه يجوز نسخ القرآن بالسنة وان كانت آحادا ذكرها ابن عقيل وقطع به فى مسألة تخصيص القرآن بخبر الواحد وهو قول بعض أهل الظاهر قاله أبو الخطاب
والد شيخنا مذهب المالكية فى نسخ القرآن أنه لا يجوز عندهم بأخبار الآحاد وهل يجوز بأخبار التواتر على وجهين لهم والذى نصره ابن نصر الجواز وهو اختيار أبى الفرج شيخنا قال ابن أبى موسى والسنة لا تنسخ القرآن عندنا ولكنها

(1/180)



تخص وتبين وقد روى عنه رواية أخرى أن القرآن ينسخ بالمتواتر من السنة
قال شيخنا حكى محمد بن بركات النحوى فى كتاب الناسخ والمنسوخ أن بعضهم جوز نسخ القرآن بالاجماع وبعضهم جوزه بالقياس قال وهذا يجوز أن يكون مناقضا قال واختلف فى نسخ الاجماع بالاجماع والقياس بالقياس والمشهور عن مالك وأصحابه نسخ القرآن بالاجماع ومنع نسخ الاجماع بالاجماع والقياس بالقياس فقال وهذا ذكره البغداديون المالكيون فى أصولهم
قلت وقد رأيت من قد حكى عن بعضهم أن بعض حروف القرآن السبعة نسخت بالاجماع وهذا الذى حكاه عن المالكية قد يدل عليه ما فى مذهبه من تقديم الاجماع على الاخبار وقد استعظم هذا المصنف هذا القول وتعجب منه ولعل من قال هذا من الائمة أراد دلالة الاجماع على الناسخ قلت من فسر النسخ بأنه تقييد مطلق أو تخصيص عام لم يبعد على قوله أن يكون الاجماع مقيدا أو مخصصا لنص وأن يكون اجماع ثان يقيد ويخصص اجماعا أول كما قالوا اذا اختلفوا على قولين فانه تسويغ للاخذ بكل منهما فاذا أجمع على أحدهما ارتفع ذلك الشرط
( شيخنا ) فصل
اختلف من قال بجواز نسخ القرآن بالسنة هل وجد ذلك ( أم لا ) فقال بعضهم وجد ذلك وقال بعضهم لم يوجد قال أبو الخطاب وهو الاقوى عندي وحكى ابن عقيل فى الفتوى عمن قال ان خبر الواحد والقياس يجوز أن ينسخ حكم القرآن وقرر حنبلى ذلك أظنه نفسه وقال خرج من هذا أن ورود حكم القرآن لا يقطع بثبوته مع ورود خبر الواحد والقياس بما يخالف ذلك الحكم ويصير كأن صاحب الشرع يقول اقطعوا بحكم كلامى مالم يرد خبر واحد أو شهادة

(1/181)



اثنين أو قياس يضاد حكم كلامى ومع وروده فلا تقطعوا بحكم كلامى هذا هو التحقيق وبناه على أن الحكم بهما قطعى لا ظني وذكر ابن الباقلاني فيما ذكر أبو حاتم فى اللامع أنه لا يجوز نسخ القرآن بالسنة قال ولا يجوز نسخه بأخبار الآحاد وأما أخبار الآحاد التى قامت الحجة على ثبوتها وأخبار التواتر التى توجب العلم فقد اختلف الناس فيها فقال جمهور المتكلمين وأصحاب مالك وأبى حنيفة انه يجوز وحكى عن أبى يوسف أنه قال لا يجوز الا باخبار متواترة واختلف هؤلاء فقال بعضهم وجد فى الشرع وقال آخرون يجوز وما وجد ومنع منه الشافعى وجمهور أصحابه ثم منهم من منع منه عقلا قال منع القدرية فى الاصلح ومنهم من اقتصر على منع السمع قال شيخنا قلت وهذا يقتضى أن من أصله أن بعض أخبار الآحاد تجرى مجرى التواتر وأظن الاشعرى قد حكى فى مقالاته أن مذهب أهل السنة والحديث أنه لا ينسخ بالسنة وقال اليه أذهب
( شيخنا ) فصل فأما نسخ القرآن بالسنة المتواترة فيجوز عقلا قاله القاضي وبعض الشافعية خلافا لبعضهم
( شيخنا ) فصل
ذكر القاضى فى ضمن مسألة نسخ القرآن بالسنة أن الخلاف فى نسخ تلاوته بأن يقول النبي لا تقرأوا هذه الآية فتصير تلاوتها منسوخة بالسنة وفى نسخ حكمه مع بقاء تلاوته وأن المجيز يجيزهما جميعا وجعل نسخ التلاوة أعظم من نسخ الحكم فانه منعهما جميعا
قال شيخنا قلت اذا قال الرسول هذه الآية قد رفعها الله فهو تبليغ منه لارتفاعها كاخباره بنزولها فلا ينبغي أن يمنع من هذا وأن منع من نسخ

(1/182)


الحكم فيكون الامر على ضد ما يتوهم فيما ذكره القاضي وقال القاضي وأبو الخطاب فى مسألة قراءة الفاتحة من الانتصار والثابت باليقين كان يحتمل الرفع بخبر الواحد فى زمن الرسول صلى الله عليه وسلم لان الموجب للخير لا يوجب البقاء وانما البقاء لعدم دلالة الرفع والثابت لعدم الادلة يرتفع بأدنى دليل ألا ترى أن القبلة كانت ثابتة الى بيت المقدس ثم ان واحدا أخبر أهل قباء بالنقل الى الكعبة فاستداروا وأقرهم الرسول وذكر القاضي فى ضمن مسألة النسخ أن نسخ القرآن بخبر الواحد والقياس يجوز عقلا وانما منعناه شرعا وعد نسخ تقدم الصدقة بين يدى النجوى نسخ وجوبه الى اباحة الفعل والترك وجعل المنسوخ الى الندب قسما آخر كالمصابرة فانه يجب مصابرة الاثنين ويستحب مصابرة أكثر من ذلك وجعل من المحظور الى مباح زيارة القبور ونسخها بالاباحة بعد الحظر ولم يذكر الا نسخ الوجوب الى وجوب أو ندب أو اباحة ونسخ الحظر الى اباحة فلم يذكر نسخ اباحة
مسألة لا يجوز البداء على الله تعالى فى قول الكافة ويحكى عن زرارة ابن أعين والروافض جوازه وكذبوا على الله تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا
مسألة يجوز نسخ السنة بالقرآن وبه قالت الحنفية والشافعى فيه قولان ذكرهما القاضي وابن عقيل وأبو الطيب ويتخرج لنا المنع اذا منعنا من تخصيصها به والاول قول عامة الفقهاء من المالكية والشافعية والمتكلمين والمعتزلة قال ابن برهان وشذت طائفة من أصحابنا فمنعوا من ذلك وعزوه الى الشافعى قال القاضي فى مقدمة المجرد ولا يجوز نسخ الكتاب بالسنة نص عليه وأما نسخ السنة بالكتاب فكلامه محتمل فيه ففى موضع ما يقتضى أن لا تنسخ السنة الا بسنة مثلها وفى موضع يجوز ذلك وقال فى العدة أومأ اليه أحمد فقال عبد الله سألت أبى عن رجل أسير أخذ منه الكفار عهد الله وميثاقه أن يرجع اليهم فقال فيه اختلاف قلت لابي حديث أبى جندل قال ذاك صالح على

(1/183)


أن يردوا من جاءهم مسلما فرد النبي صلى الله عليه وسلم الرجال ومنع النساء ونزلت فيهم ( فان علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن الى الكفار ) وقال القاضي وظاهر هذا أنه أثبت نسخ القصة بقرآن
قال شيخنا قلت الذى منع نسخ السنة بقرآن يقول اذا نزل القرآن فلا بد أن يسن النبي صلى الله عليه وسلم سنة تنسخ السنة الاولى وهذا حاصل وأما بدون ذلك فلم يقع
مسألة لا يجوز نسخ السنة المتواترة بالآحاد ذكره القاضى وأبو الطيب مستشهدين به ولم يذكرا فيه خلافا وقال ابن برهان اجمع عليه الفقهاء والمتكلمون وقال الجويني أجمع عليه العلماء وذكر القاضي النسخ بخبر الواحد فى ضمن مسألة التخصيص به وقيل يجوز فى زمن النبي صلى الله عليه وسلم خاصة وذكر ابن عقيل عن أحمد رواية أخرى بجواز النسخ بأخبار الآحاد احتجاجا بقصة أهل قباء وبه قال بعض أهل الظاهر قلت ويحتمله عندى قول الشافعى فانه احتج على خبر الواحد بقصة قباء
قلت ومن حجة النسخ بخبر الواحد حديث أنس فى الخمر اذا أراقها وكسر الدنان وذكر الباجي أن من الناس من منع من نسخ المتواتر بخبر الواحد عقلا ومنهم من جوزه عقلا وقال لم يرد به الشرع ومنهم من قال ورد به الشرع فى زمن الرسول قال وهو الصحيح وقال لا يجوز ذلك بعد الرسول بالاجماع على ذلك من جهة فرق بينهما

مسألة يجوز نسخ العبادة وغيرها وان اتصل ذلك بلفظ التأبيد وقال قوم لا يجوز والحالة هذه

مسألة يجوز النسخ قبل وقت الفعل عند ابن حامد والقاضي وهو ظاهر

(1/184)


كلامه وقول الاشعرية وأكثر الشافعية ومنع منه أبو الحسن التميمي والحنفية وأكثر المعتزلة وبعض الشافعية وهو الصيرفي ونقل عن أبى الحسن التميمي أيضا الجواز كالاولين واختار ابن برهان المنع وحكى عن الحنفية كالمذهبين واختار أبو الخطاب الاول وأما النسخ قبل الفعل وبعد دخول الوقت فلا خلاف فيه قاله القاضي ومن النسخ قبل الفعل حديث الاسراء وقوله صلى الله عليه وسلم ان أدركتم فلانا فحرقوه ثم قال لا تحرقوه ولكن عذبوه وقوله اكسروها فقالوا نكسرها أو نغسلها لعله ما فى حديث خيبر وأمره لابى بكر بتبليغ براءة ثم نسخ ذلك لعلي وهذا اشبه بأوامره صلى الله عليه وسلم فانه يقارب عزل الوكيل فان الوكيل مأمور
مسألة الزيادة على النص ليست نسخا عند أصحابنا والمالكية والشافعية والجبائي وابنه أبى هاشم وقالت الحنفية منهم الكرخي وأبوعبد الله البصرى وغيرهما هى نسخ وقالت الاشعرية وابن نصر المالكي والباجي متابعة منهم لابن الباقلاني ان غيرت حكم المزيد عليه كجعل الصلاة ذات الركعتين أربعا فهو نسخ وان لم تغيره كزيادة عدد الجلد واضافة الرجم الى الجلد فليس بنسخ ولم يحك أبو الطيب هذا القول الا عن أبى بكر الاشعري يعنى ابن الباقلاني وحكى ابن برهان هذا عن عبد الجبار بن أحمد وحكى مذهبا آخر
قال شيخنا قلت التحقيق فى مسألة الزيادة على النص زيادة ايجاب أو تحريم أو اباحة أن الزيادة ليست نسخا اذا رفعت موجب الاستصحاب أو المفهوم الذى لم يثبت حكمه الا بمعنى النسخ العام الذي يدخل فيه التخصيص ومخالفة الاستصحاب ونحوهما وذلك يجوز بخبر الواحد والقياس وأما ان رفعت موجب الخطاب فهو نسخ بمعنى النسخ المشهور فى عرف المتأخرين ان كان ذلك الموجب قد ثبت أنه مراد بالخطاب وأما اذا لم يثبت أنه مراد اما مع تأخر المفسر عند من يجوز تأخره أو مع جواز تأخره عند من يوجب الاقتران فانه كتخصيص العموم

(1/185)



مثال الاول ضم النفى الى الجلد ونحو ذلك فانه انما رفع الاستصحاب والمفهوم ولم يرفع موجب الخطاب المنطوق فالزيادة على النص بمنزلة تخصيص العموم وتقييد المطلق ومثال الثاني لو أوجب النفى فى حد القاذف وكذا التفسيق ورد الشهادة متعلقا بالجلد كما يقوله الحنفية فان بعد هذا لو أوجب النفى وجعل التفسيق ورد الشهادة متعلقا بهما فقد قال الغزالى وأبو محمد انه لا يكون نسخا لان ذلك تابع للجلد لا مقصود فأشبه نسخ عدة الحول الى أربعة أشهر وعشر فان ذلك نسخ لوجوب العدة لا لتحريم نكاح الازواج وهكذا قال والصواب أن نسخ العدة لكلا الحكمين نسخ لايجاب الزيادة ولتحريم نكاح الازواج فهو نسخ لبعض موجب الخطاب الذى أريد وأبقاء لبعضه وهو كتخصيص العموم الذى استقر وأبد كآية اللعان ونحوها وكذلك على هذا اذا كانت الزيادة شرطا فى صحة المزيد بحيث يكون وجود المزيد كعدمه بدون الزيادة كزيادة ركعتين فى صلاة الحضر وزيادة الاركان والشروط فى العبادات فان من قال هذا نسخ قال لان الخطاب الاول اقتضى الصحة والاجزاء مع الوجوب وقد ارتفع بالزيادة الصحة والاجزاء وقد أجاب أبو محمد عن هذا بأن النسخ رفع جميع موجب الخطاب لا رفع بعضه اذ رفع بعضه كتخصيص العموم وترك المفهوم وبأنه لو كان نسخا فانما يكون اذا استقر وثبت ومن المحتمل أن دليل الزيادة كان مقارنا والتحقيق أن الكلام فى مقامين أحدهما أن الصحة والاجزاء من مدلول الخطاب فقط أم من مدلول العقل والثاني أنه اذا كان من مدلول الخطاب فرفع بعضه هو كتخصيص العموم يفرق فيه بين ما ثبت أنه مراد وما لم يثبت أنه مراد فان مسألة الزيادة على النص اذا رفعت بعض موجب الخطاب هى بمنزلة تخصيص العموم فالزيادة على الخطاب بالتقييد كالنقص منه بالتخصيص وهذه المسألة هى بعينها مسألة تقييد المطلق فان ذلك زيادة فى اللفظ ونقص فى المعنى كالزيادة فى الحد فانها نقص فى المحدود والتخصيص زيادة خطاب تنقص الخطاب

(1/186)



الاول فنقول أما المقام الاول فان الصحة حصول المقصود والاجزاء حصول الامتثال وهذا يستفاد من معرفة المقصود والامر وهو انما يعلم بالعقل مع الاستصحاب فانه لا بد أن يقال لم يؤمر الا بهذا وقد امتثل وليس المقصود الا هذا وقد حصل فالعلم بالمثبت من جهة الخطاب وبالمنفى من جهة الاستصحاب والمفهوم فاذا أوجب زيادة رفعت موجب الاستصحاب والمفهوم واذا جعلها شرطا رفعت الحكم المركب من السمع والعقل فلم ترفع حكما سمعيا بل انما رفعت ما ثبت بالاستصحاب والمفهوم فانه بهما تثبت الصحة والاجزاء لا بنفس الخطاب فلا يكون رفعه نسخا هذا هو الجواب المحقق دون ما ذكره أبو محمد
المقام الثاني أنه لو رفع بعض موجب الخطاب فان ثبت أنه مراد كما لو ثبت أن الامر للوجوب ثم نسخ الى الندب أو للعموم ثم خصص أو لمطلق المعنى ثم قيد فهذا نسخ وان لم يثبت أنه مراد لم يكن نسخا وتراخى المخصص والمقيد لا يوجب أن يكون مرادا فى ظاهر المذهب وفى الرواية الاخرى يوجب أن يكون مرادا فاذا قيل استقرار العموم والمفهوم ان عنى به انفصال الصارف ففيه الروايتان وان عنى به استقرار حكمه فهذا لا ينبغي أن يكون فيه خلاف مع أن كلام أبي محمد يقتضي خلاف ذلك
فقد تحرر أن الزيادة تارة ترفع موجب الاستصحاب وتارة ترفع موجب المفهوم وتارة ترفع موجب الاطلاق والعموم وفى هذين الموضعين تارة يكون قد ثبت أن المتكلم أراد مقتضى المفهوم أو الاطلاق والعموم وتارة لم يثبت أنه أراده فمتى لم يثبت أنه أراده فهو كتخصيص العموم وأما ان ثبت أنه أراده فهو بمنزلة الاستصحاب الذى قرره السمع رفعه يكون نسخا لكن ذلك لا لانه مجرد زيادة على النص لكن لمعنى آخر فالصواب ما أطلقه الاصحاب من أن الزيادة على النص ليست نسخا بحال والقول فيها كالقول فى تخصيص العموم وتقييد المطلق

(1/187)



سواء وأيضا فالزيادة تارة تكون فىالحكم فقط وتارة فى الفعل فالاول مثل أنه أباح الجهاد أولا ثم أوجبه أو يندب إلى الشيء ثم يوجبه فهنا زاد الحكم من غير أن يرفع الحكم الاول وانما رفع موجب الاستصحاب والمفهوم الا أن يكون الخطاب الاول قد نفى الوجوب
ثم الخطاب اذا دل على عدم الايجاب وعدم التحريم فهو مثل النصوص الواردة فى الخمر قبل التحريم هل هو نسخ فيه خلاف قال أبو محمد هو نسخ والاشبه أنه ليس بنسخ لانه لم ينف الحرج ولم يؤذن فى الفعل واذا سكت عن التحريم أقروا على الفعل الى حين النسخ والاقرار المستقر حجة وأما غير المستقر فبمنزلة الاستصحاب المرفوع فلو فعل المسلمون شيئا مدة فلم ينهوا عنه ثم نهوا عنه لم يكن هذا نسخا وان كان الاقرار على الشيء حجة شرعية لأن الاقرار انما يكون حجة اذا لم ينهوا عنه بحال فمتى نهو عنه فيما بعد زال شرط كونه حجة وقد يقال هو نسخ شيخنا
فصل
قال القاضي واحتج بأنكم قد جعلتم الزيادة على النص نسخا لدليل الخطاب يجب أن يكون نسخا للمزيد عليه وبيانه أنه إذا أمر الله أن يجلد الزاني مائة واستقر ذلك ثم زاد بعد ذلك عليها زيادة كان ذلك نسخا لدليل الخطاب لأن قوله اجلدوا مائة دليله لا تجلدوا أكثر منها وهذا كما قالت الصحابة والتابعون إن قول النبي صلى الله عليه وسلم الماء من الماء منسوخ وإنما المنسوخ حكم دليل الخطاب منه دون حكم النطق فقال القاضي والجواب أن الفرق بينهما ظاهر وذلك أن المزيد عليه لم يتغير حكمه وهو بعد الزيادة كهو قبلها وليس كذلك دليل الخطاب فإنه قد زال لأن تقديره لا تزيدوا على المائة وقد أوجب الزيادة عليها فصار المنع من الزيادة منسوخا قال وربما

(1/188)


قال قائل إن ذلك ليس بنسخ وإنما هو جار مجرى التخصيص للعموم قال لأن دليل الخطاب من القرآن والسنة المتواترة يجوز تركه بالقياس وبخبر الواحد قال القاضي والصحيح أنه نسخ لأن العموم إذا استقر بتأخير بيان التخصيص كان ما يرد بعده مما يوجب تركه نسخا وكذلك دليل الخطاب إذا استقر كان ما يرد بعده مما يوجب تركه نسخا وكذلك ذكر أبو محمد أنه لو ثبت حكم المفهوم واستقر بتراخي البيان يكون نسخا
قال شيخنا قلت هذا ينبني على جواز تأخير البيان إن لم نجوزه فالتراخي يقتضي الإستقرار وإن جوزناه فالتراخي لا يقتضي الإستقرار
فصل فى تمام مسألة الزيادة
حكى أبوالخطاب عن عبد الجبار بن أحمد كما ذكرنا وحكى مذهبا رابعا عن أبى الحسين البصري أن الزيادة ان أزالت حكما ثبت بالعقل كايجاب التغريب لم يكن نسخا وان أزالت حكما ثبت بالشرع فهو نسخ وذكر أبو حاتم فىاللامع أن بعض أصحاب الشافعى قال ان أسقطت دليل الخطاب كانت نسخا وان بقى موجب النص كما فى قوله الماء من الماء مع قوله اذا قعد بين شعبها الاربع فقد وجب الغسل والا فلا وذكر عن بعض الحنفية أنه قال ان منعت اجزاء المزيد عليه وحده كانت نسخا والا فلا
مسألة نسخ بعض العبادة أو شرطها لا يكون نسخا لجميعها خلافا لبعض الشافعية والحنفية والاول قول أكثر الشافعية والكرخي والبصري الحنفيين ذكره القاضى محتجا به على المخالف والثاني حكاه ابن برهان عن الحنفية وأبو الخطاب عن عبد الجبار

(1/189)



فصل والخلاف فيما إذا نسخ جزء العبادة أو شرطها المتصل كالتوجه فأما ( المنفصل ) كالوضؤ فلا يكون نسخا لها اجماعا
( شيخنا ) فصل
اذا نسخ الاصل تبعت فروعه مثله القاضي بمسألتين احداهما نسخ التوضؤ بالنبيذ النىء يتبعه المطبوخ خلافا للحنفية والثانية أن صوم عاشورا كان واجبا عندهم وقد أجزأ بنية من النهار فكذلك كل صوم معين مستحق ثم نسخ وجوبه وبقى حكمه فى غيره والاولى صحيحة وفيها نظر أيضا فان المنسوخ عندهم تجويز شربه فتتبعه الطهورية فانها نفس المسألة وأما المسألة الثانية ففيها نظر والصحيح فيها أن ذلك لا يوجب نسخ ذلك الحكم وأصحابنا كثير ما يسلكون هذه الطريقة الى استدلالهم وذلك بأن المنسوخ هو وجوب صوم يوم عاشورا فسقط اجزاؤه بنية من النهار لعدم المحل فأما كون الواجب يجزىء بنية من النهار فلم يتعرض لنسخه وهذا مثل احتجاجهم فى القرعة بقصة يونس وهى فى الذم ومما يشبه نسخ بعض الاصل قرعة يونس على القاء نفسه فى اليم فان الاقتراع على مثل هذا لا يجوز فى شرعنا لان المذنب نفسه لو عرفناه لم نلقه فهل يكون نسخ القرعة فى هذا الاصل نسخا لجنس القرعة أصحابنا قد احتجوا بهذه الآية على القرعة وأقرب منه قرعة زكرياء فانهم اقترعوا على الحضانة وهو جائز لكن المقترعون كانو رجالا أجانب فاقترعوا لانهم قد كان فى شرعهم له ولاية حضانة المحررة فارتفاع الحكم فى عين الاصل لا يكون رفعا له فى مثل ذلك الاصل اذا وجد ومثل ذلك نهيه لمعاذ عن الجمع بين الائتمام وامامة قومه اذا كان للتطويل عليهم هل يكون نسخا لما دل الجمع عليه من ائتمام المفترض بالمتنفل قال

(1/190)



القاضي فى مسألة نسخ الاصل نسخ لرفعه احتج المخالف بأنه لو نسخ ذلك لكان نسخا بالقياس على موضع النص وهذا لا يجوز بالاجماع فقال والجواب أنه ليس بنسخ بالقياس وانما زال الموجب فزال ما تعلق به كما اذا زالت العلة زال الحكم المتعلق بها قال وانما النسخ بالقياس أن ينسخ حكم الفرع بعد استقراره بالقياس على أصل شرع بعد استقراره وهذا لا يجوز بالاجماع فأما ازالته بنسخ أصله فليس بنسخ بالقياس
قال شيخنا قلت بل هو فى المعنى نسخ بالقياس كما هو اثبات بالقياس لان الحكم الثابت فى الاصل أثبت فى الفرع قياسا ثم اذا ثبت التحريم فى الاصل ثبت فى الفرع قياس الا أن يقول القاضي أنا أزيل حكم الاصل عن الفرع ولا أثبت ضده فلا يمشى هذا لان الفرع كان قد ثبت فيه حكم الاصل فلا بد من مزيل اما خطاب واما حكم والخطاب لم يتناوله فثبت أنه نسخ لحكم الاصل وهذا جائز ولهذا قال لما ذكر المسألة مفردة وأما القياس فلا ينسخ لانه مستنبط من أصل فلا يصح نسخه مع بقاء الاصل المستنبط منه والاصل باق فكان القياس باقيا ببقائه واذا لم يصح نسخه لم ينسخ به أيضا لانه انما يصح مالم يعارضه أصل فان عارضه أصل سقط فى نفسه فبطل أن ينسخ الاصل به
قال شيخنا قلت ولم يتعرض لنسخه مع أصله بفرع الاصل الناسخ لاصله وهى المسألة المتقدمه قلت ومع هذا فلا يمتنع أن ينسخ الفرع دون أصله لكن هذا انما يكون فى زمان النسخ وكذلك لا يمتنع أن ينسخ غيره فى صورتين أحداهما أن تكون موافقته لاصله أقوى من الاصل المنسوخ بأن يكون قطعيا ونحو ذلك والثاني أن ينسخ هو وأصله فرعا آخر وأصله فأما نسخه بعد الرسول فلا يمكن ونسخ أصل منصوص بقياس أضعف منه فلا يمكن هذا تحرير المسألة وتلخص

(1/191)


لاصحابنا فيها أقوال ثم بعد الجواز ما الواقع هذا بحث آخر وقال ابن عقيل فى أواخر كتابه يجوز نسخ القياس فى عصر النبي صلى الله عليه وسلم لان طريق النسخ حاصل وهو الوحى فاذا قال حرمت المفاضلة فى البر لانه مطعوم كان ذلك نصا منه على الحكم وعلى علته وقد اختلف الناس هل نصه على العلة اذن منه فى القياس أم لا على مذهبين فان كان هذا اذنا أو أذن فى القياس نصا فقاسوا الارز على البر فعاد وقال بعد ذلك بيعوا الارز بالارز متفاضلا فقال قوم يكون تخصيصا للعلة بالطعم فى البر خاصة
قال شيخنا قلت هو أشبه بكلام أحمد وكلامه فى مسألة الاستحسان يدل عليه وقال قوم يكون نسخا للقياس والذى لا خلاف فيه أن يصرح فيقول لا تقيسوا الارز على البر فى تحريم التفاضل فهذا غير ممتنع بل الممتنع نسخ قياس استنباطه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فانه لا وحى ينزل بعد عصره فان عثر على نص يخالف حكم القياس كان القياس باطلا
مسألة نسخ القياس والنسخ به مسألة عظيمة والحنفية وغيرهم يقعون فيها كثيرا فانهم يعارضون بين قياس أحد النصين والنص الآخر ويجعلونه ناسخا أو منسوخا وأحمد يخالفهم فى ذلك والنكتة أنه هل يجوز أن يكون بين لفرع والاصل فرق يصح معه الفرق فى الحكم فان لم يصح فرق والا ثبت النسخ الا أن يقال بالتعبد قال شيخنا قلت متى كان أصل القياس متقدما فى الثبوت على النص المخالف له أمكن أن يكون نسخا
مسألة قال أبو الخطاب فى نسخ ماثبت بالقياس ان كان ثبوته بعلة منصوص عليها أو منبه عليها مثل أن ينص على تحريم البر لعلة الكيل ويتعبد بالقياس عليه ثم ينص بعده على اباحته فى الارز ويمنع من قياس البر عليه كان نسخا فأما ماثبت بقياس مستنبط فلا يصح نسخه ومتى وجدنا نصا بخلافه وجب

(1/192)



المصير اليه وتبينا به فساد القياس هذا معنى كلامه وعندي فى تقييده أولا نظر وقال المقدسي ما يثبت بالقياس ان كان منصوصا على علته فهو كالنص ينسخ وينسخ به وان لم يكن منصوصا على علته لم ينسخ ولم ينسخ به وشذت طائفة فأجازته والذى ذكره القاضى أن القياس لا ينسخ ولا ينسخ به وقال الجوينى اذا ورد نص واستنبط منه قياس ثم نسخ النص تبعه القياس المستنبط وقال أبوحنيفة لا يبطل القياس ثم قال الجوينى وعندي أن المعنى المستنبط من الاصل اذا نسخ بقى معنى الاصل له فان صح استدلال نظرنا فيه وان لم يصح أبطلناه وقال شيخنا مسألة النسخ بالقياس لها صور أحدها أن ينسخ حكم الاصل فيتبعه الفروع أولا أو يفصل بين العلة المنصوصة وغيرها الثانية أن يكون حكم الاصل ثابتا ويجىء نص فى الفرع يخالف موجب القياس فهل يكون ذلك نسخا لذلك الحكم الثابت بالقياس طريقة القاضى أن هذا لا يقع لانه يقول ما دام حكم الاصل باقيا وجب بقاء حكم الفرع ولا يزول الفرع الا بزوال أصله وقال غيره بل وجود النص يبين أن القياس فاسد لان جواز استعماله موقوف على فقد النص فتكون العلة مخصوصة وقال أبو الخطاب وغيره ان كانت علة الاصل منصوصة كان نسخا
الثالثة أن يرد نص ثم يجىء بعد نص حكم فرعه يخالف الاول فهل ينسخ الاول بهذا القياس قال القاضى وابن عقيل وغيرهما لا ينسخ به بل يكون فاسدا وفى ضمن تعليله النص على العلة المنصوصة وقيل ينسخ بالقياس المنصوص على علته فالخلاف فى العلة المنصوصة عند القاضى وابن عقيل لا ينسخ ولا ينسخ به وعند أبى الخطاب ينسخ ولا ينسخ به وهل يشترط فى النسخ

(1/193)



به أن يمنع من القياس على الناسخ عند أبى الخطاب يشترط وعند صاحب المغنى ينسخ وينسخ
قال شيخنا هذا الذى فهمته من النقل فليراجع وتعليل القاضى وغيره فى مسألة نسخ المفهوم وغيرها يقتضى اجراءه مجرى المنصوص على علته كما قال صاحب المغنى وتحقيق الامر فى نسخ القياس أنه ان استقر حكم ثم جاء بعده نص يعارضه كان نسخا للقياس فقط سواء كانت العلة منصوصة أو مستنبطة وان لم يستقر حكمها كان مجىء النص دليلا على فساد القياس وهكذا القول فى نسخ العموم والمفهوم وكل دليل ظني بقطعي أو بظني أرجح منه فانه عند التعارض اما أن يرفع الحكم أو دلالة الدليل عليه فالاول هو النسخ الخاص والثاني من باب فوات الشرط أو وجود المانع ونسخ القياس المنصوص على علته يبنى على تخصيص العلة ان جوزنا تخصيصها فهى كنسخ اللفظ العام فيكون نسخ الفرع تخصيصا وان لم نجوز تخصيصها فهو نسخ والذى ذكره أصحابنا والشافعية والمالكية عن الحنفية أنهم احتجوا بحديث الوضوء بالنبيذ فقيل لهم ذلك كان نيئا وعندكم لا يجوز الوضوء بالنىء فقالوا اذا ثبت الوضوء بالنىء فى ذلك الوقت ثبت الوضوء بالمطبوخ لان أحدا لا يفرق بينهما فى ذلك الوقت ثم نسخ النىء وبقى المطبوخ فقال أصحابنا وموافقوهم اذا كان ثبوته بثبوته كان زواله بزواله
قال شيخنا قلت الذى ذكره الحنفية جيد لو فرض أنه لم يحرم من الانبذة الا النىء وذلك لانه على هذا التقرير جاز التوضؤ بهما اذ ذاك ثم صار الاصل حراما دون الفرع فالمعنى الناسخ اختص به الاصل دون الفرع وكذلك قولهم فى مسألة التبييت فى صوم عاشورا فانه اذا ثبت أن صوما واجبا يجزىء بغير تبييت كان حكم سائر الصوم الواجب كذلك ثم نسخ الحكم فى الاصل وانما هو لزوال وجوبه والتحقيق أن هذا ليس من باب نسخ الحكم فى الاصل وانما هو من باب نسخ الاصل نفسه فان الشارع تارة ينسخ الحكم مع بقاء الاصل

(1/194)



فهنا لا يقع ريب أن الفرع يتبعه وتارة يرفع الاصل فلا يلزم رفع الحكم بتقدير وجود الاصل والمسألة محتملة اذ لقائل أن يقول لو بقى الاصل فقد كان يبقى حكمه وقد لا يبقى ومن هذا الباب حديث معاذ اذا قيل ان النبي صلى الله عليه وسلم نهاه عن الامامة بهم
( شيخنا ) فصل
بيان الغاية المجهولة مثل التى فى قوله حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا نسخ عند القاضى وغيره وقال الناسخ قوله الزانية والزاني الآية قال لان هذه الغاية مشروطة فى كل حكم ( مطلق لان غاية كل حكم ) الى موت المكلف أو الى النسخ وكذلك ذكر فى نسخا الأخف بالاثقل ان حد الزنا فى أول الاسلام كان الحبس ثم نسخ وجعل حد البكر الجلد والتغريب والثيب الجلد والرجم وكذلك قال القاضى لما احتج اليهود بما حكوه عن موسى أنه قال شريعتى مؤبدة ما دامت السموات والارض فأجاب بالتكذيب وبجواب آخر وهو أنه لو ثبت لكان معناه الا أن يدعو صادق الى تركها وهو من ظهرت المعجزة على يده وثبتت نبوته بمثل ما ثبتت به نبوة موسى والخبر يجوز تخصيصه كما يجوز تخصيص الامر والنهى
قال شيخنا رضى الله عنه قلت وعلى هذا يستقيم أن شريعتنا ناسخة وهذا قول أبى الحسين وغيره ثم ذكر القاضى ( فى مسألة نسخ القرآن بالسنة ) أن الحبس من الآية لم ينسخ لا النسخ أن يرد لفظ عام يتوهم دوامه ثم يرد ما يرفع بعضه والآية لم ترد بالحبس على التأبيد وانما وردت به الى غاية هو أن يجعل الله لهن سبيلا فأثبت الغاية فوجب الحد بعد الغاية بالخبر ذكر ذلك فى جواب من

(1/195)


زعم أن بعض القرآن نسخ بالسنة كآية الوصية بقوله لا وصية لوارث وآية حد الزنا من الحبس والاذى بقوله خذوا عنى وقوله ولا تقاتلوهم عند لمسجد الحرام بقتل ابن خطل فقال القاضى الوصية منسوخة بآية المواريث وأجاب عن حد الزنا بما تقدم ذكره قال وقد قيل انه فى البكر منسوخ بقوله الزانية والزاني وفى الثيب بآية الرجم التى نسخ رسمها وبقى حكمها وقوله لا تقاتلوهم عند المسجد الحرام منسوخ بقوله فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم
مسألة اذا نص على حكم عين من الاعيان لمعنى وقسنا عليه كل موضع وجدت فيه العلة ثم نسخ حكم الاصل تبعته الفروع عند أصحابنا والشافعية خلافا للحنفية والعلة المستنبطة والمومأ اليها سواء على ظاهر كلامهم لانهم ذكروا من الامثلة وضوء النبيذ وتعليله بأنه ثمرة طيبة وماء طهور وكونه ورد فى النبيذ النىء وقد أجمعنا على زوال الحكم فيه فيزول فى المطبوخ المتنازع فيه خلافا للحنفية فهذا نسخ لنفس الاصل لا لحكمه فالمسألة ذات صورتين نسخ حكم الاصل وهنا يظهر أن تتبعه الفروع المستتبعة والثاني نسخ نفس الاصل الذى هو حكم هل يكون نسخا وذكر ابو الخطاب فى آخر مسألة القياس فى هذه المسألة احتمالين وعندي ان كانت العلة منصوصا عليها لم تتبعه الفروع الا أن يعلل نسخه بعلة فيثبت النسخ حيث وجدت العلة ولابي الخطاب كلام فى نسخ ما يثبت بالقياس بعلة منصوصة
مسألة فأما مفهوم الموافقة اذا نسخ نطقه فلا ينسخ مفهومه كنسخ تحريم التأفيف لا يلزم منه نسخ الضرب العنيف لان التأذى به أعظم ولا يلزم من اباحة يسير الضرب اباحة كثيره ذكره ابن عقيل فى أواخر كتاب الواضح ( والد شيخنا ) وفى القياس أيضا منه بكلام يقارب ذلك وذكره أبو محمد

(1/196)


البغدادي وبه قالت الحنفية خلافا لبعض القائلين بأنه قياس ( جلى ) حكاه ابن عقيل وكذلك قول المقدسي وذكر ابن عقيل فى جوابه على العدة وفى مواضع أخرى كالاول وذكر القاضى فى بعض المواضع أن نسخ النص أو مخالفته لا يرفع دلالة التنبيه ذكره فى النهى عن الشهادة على نكاح المحرم والتفضيل بين الأولاد قال وهذا مختلف فيه فهو تنبيه على المتفق عليه ثم قام الدليل على جواز المختلف فيه وهذا نظير استدلال الحنفية ( فى شهادة أهل الذمة وصرح بأبلغ من هذا فى مسألة القياس لما احتج المخالف بأنه لو كان القياس صحيحا لم يخل المنصوص عليه اذا نسخ وقد قيس عليه فروع أن يثبت الحكم فى فروع حكمه أو ينسخ الحكم فيها بنسخ حكم الاصل فان قلتم يصير منسوخا كان ذلك مبطلا لمذهبكم فى أن نسخ بعض ما تناوله النص لا يوجب نسخ جميعه وان قلتم ان الحكم فى فروعه يكون باقيا كان فيه تبقية الحكم فى الفروع مع نسخ حكم الاصل فقال والجواب أنه لايمتنع عندنا أن يبقى الحكم فى الفروع مع نسخ الحكم فى الاصل كما أن نسخ الحكم فى الاصل لا يوجب ارتفاع ما حكم فى الحوادث بموجب النص قبل ورود النسخ وهذا خلاف ما ذكره فى المسألة المفردة
مسألة مفهوم الموافقة وهو التنبيه ينسخ وينسخ به مثل أن ينهى عن التأفيف للوالد ثم يبيح ضربه فانه يكون نسخا للتأفيف وكذلك لو أباح التضحية بالعمياء ثم نهى عن العوراء كان نسخا لاباحة العمياء ونحو ذلك وبهذا قالت الحنفية وأبو القاسم الانماطي من الشافعية وكذلك ابن برهان ولم يذكر فيه خلافا وذكر أبو الخطاب أنه قول أكثر العلماء وقال بعض الشافعية لا ينسخ ولا ينسخ به لكونه قياس عندهم فيما ذكره أبو الخطاب وكذلك القاضي ولفظه خلافا لاصحاب الشافعى وحكى الخلاف فى النسخ به خاصة
مسألة مفهوم المخالفة اذا استقر حكمه وتقرر فانه يجوز أن ينسخه غيره كما قال به الصحابة فى ( الماء من الماء ) انه منسوخ فأما اذا لم يستقر حكمه وقد

(1/197)


وجدنا منطوقا بخلافه قدم المنطوق عليه وعلمنا أنه غير مراد ولفظ القاضى دليل الخطاب وما فى معناه من التنبيه نحوقوله ولا تقل لهما أف ينسخ وينسخ به وهو قول المتكلمين خلافا لاصحاب الشافعى فيما حكاه الاسفرائينى
( شيخنا ) فصل
اذا نسخ النطق فقال أبو محمد ينسخ أيضا ما ثبت بعلة النص أو بمفهومه أو بدليله خلافا لبعض الحنفية قال شيخنا قلت قد خالفه ابن عقيل وغيره فى انتساخ المفهوم الذي هو الفحوى وكذلك خالفه الجد فى العلة المنصوصة وأما دليل الخطاب فهو كمفهوم الموافقة وأولى ففى هذه المسائل وجهان وجماع هذا أن معقول الاصل الذى هو القياس والتنبيه والدليل اما أن تنسخ مفردة أو تنسخ مع أصلها وعلى التقديرين فالناسخ لها اما نص أو هى فيجىء اثنا عشر قسما أو أربعة وعشرون
مسألة يجوز النسخ فى السماء اذا كان هناك مكلف مثل أن يكون قد أسرى ببعض الانبياء كنبينا عليه الصلاة والسلام ولا يكون ذلك بداء ذكره ابن عقيل خلافا للمعتزلة ومن منع كون الاسراء يقظة فى جحدهم لوقوع ذلك ومنهم من منعه عقلا
مسألة اذا كان الناسخ مع جبريل فلا حكم له قبل أن يصل الى الرسول فاذا وصل اليه فهل يثبت فى حق من لم يبلغه قال أصحابنا لا يثبت وهو ظاهر كلامه ومذهب الحنفية وللشافعية وجهان وحكى ابن برهان أن مذهب أصحابه يثبت حكمه ونصره واختاره أبو الطيب مع حكايته الوجهين وقال أبو الخطاب يتوجه على المذهب أن يكون نسخا بناء على عزل الوكيل قبل العلم والقاضي وابن

(1/198)



عقيل وغيرهما جعلوا هذا وجها واحدا وفرقوا بينه وبين الوكيل بفروق جيدة وقال ابن الباقلاني وصاحبه ابن حاتم وهذا لفظه عندنا يجوز أن يقال قد نسخ عنه الامر واذا بلغه لزمه المصير الى موجب الناسخ لا بالامر المتقدم بل باعتقاد له آخر ولو كان كل شيء آخر فبلغه أنه أمر ثم نسخ عنه وجب أن يصير الى موجب الناسخ وقال جمهور الفقهاء والمتكلمين مثل هذا لا يكون نسخا وأما اذا لم يبلغه الناسخ فلا يلزمه حكم الناسخ كما ( لو ) لم يبلغه حكم المنسوخ
( شيخنا ) فصل
كلام القاضى يقتضى أن هذا لا يختص بمسألة النسخ بل يشمل الحكم المبتدأ فانه قال اذا كان الناسخ مع جبريل ولم يصل الى النبي صلى الله عليه وسلم فانه ليس بنسخ وان وصل الى النبي فهل يكون نسخا ظاهر كلام أصحابنا أنه ليس بنسخ الا عمن بلغه ذلك وعلم لانه أخذ بقصة أهل قباء واحتج بها على اثبات خبر الواحد فى رواية أبى الحارث والفضل بن زيادة ثم قال فى الدليل ولان الخطاب لا يتوجه الى من لا علم له به كما لا يخاطب النائم والمجنون لعدم علمهما وتمييزهما ولانه لا خلاف أنه مأمور بالامر الاول ومتى تركه مع جهله بالناسخ كان عاصيا فدل على أن الخطاب باق عليه قال واحتج المخالف بأنه لا يمتنع أن يسقط حكم الخطاب بما لم يعلم كالموكل اذا عزل وكيله وانعزل قبل العلم فلا يصح بيعه فأجاب بأن فى تلك المسألة روايتين احداهما لا ينعزل ويحكم بصحة بيعه وكذلك لو مات الموكل فباع صح بيعه وعلى هذا قال أصحابنا اذا حلف على زوجته فقال ان خرجت بغير اذني فأنت طالق فأذن لها وهى لا تعلم وخرجت وقع الطلاق ولم يكن لذلك الاذن حكم وفيه رواية أخرى ينعزل الوكيل وان لم يعلم فعلى هذا الفرق بينهما أن أوامر الله ونواهيه مقرونة بالثواب والعقاب فاعتبر فيها العلم بالمأمور به والمنهى عنه وليس كذلك الاذن فى التصرف والرجوع

(1/199)


فيه فانه لا يتعلق به ثواب ولا عقاب وقد ذكرت هذه المسألة فى موضع آخر وبينت أن فيها ثلاثة أقوال لنا
مسألة الاجماع لا ينسخه شىء لانه انما ينعقد بعد انقضاء زمن الوحى والنسخ حينئذ محال فأما النسخ به فجائز لكن لا بنفسه بل بمستنده فاذا رأينا نصا صحيحا والاجماع بخلافه استدللنا بذلك على نسخه وأن أهل الاجماع اطلعوا على ناسخ والا لما خالفوه وكلام الشافعى فى الرسالة يقتضى أن السنة لا يثبت نسخها الا بسنة ولا ينعقد الاجماع على أنها منسوخة الا مع ظهور الناسخ قال فان قال قائل فيحتمل أن يكون له سنة مأثورة وقد نسخت ولا تؤثر له السنة التى نسختها فلا يحتمل هذا وكيف يحتمل أن يؤثر ما وضع فرضه ويترك ما يلزم فرضه ولو جاز هذا خرجت عامة السنن من أيدي الناس بأن يقولوا لعلها منسوخة ولم ينسخ فرض أبدا الا أثبت مكانه فرض قال فان قال قائل فهل تنسخ السنة بالقرآن قيل لو نسخت بالقرآن كانت للنبي صلى الله عليه وسلم فيه سنة تبين أن سنته الاولى منسوخة بسنته الاخرى حتى تقوم الحجة على الناس بأن الشىء ينسخ بمثله قال شيخنا وقد كتبت ما يتعلق بمسألة النسخ بالاجماع قبل هذا
مسألة ولا يجوز النسخ بالقياس قاله القاضى وأبو الخطاب وغيرهما وهو قول ابن الباقلاني وأصحابه وجعل المانع السمع لا العقل وحكى عن أصحاب الشافعى أنهم اختلفوا فى نسخ النص بقياس المعنى والعلة وكان ابن سريج يجيز نسخ القرآن بقياس مستخرج من قرآن وسنة وقال الانماطي يجوز نسخ النص بقياس مستخرج من قرآن ( وحكى عن ابن سريج جواز نسخ القرآن والسنة بقياس مستخرج من السنة ) وكلهم على أنه لا يجوز النسخ بقياس الشبه واختيار الباجى أن القياس المنصوص على علته كالنص ينسخ به كقول الانماطي وحكى عن طائفة أنه يجوز النسخ بكل ما يجوز به التخصيص وقال اتفق أكثر العلماء من الفقهاء

(1/200)



وأصحاب الاصول أنه لا يجوز النسخ بالقياس ومثله ابن عقيل بأن ينص على اباحة التفاضل فى الارز ( بالارز ) فانه لا ينسخ بالمستنبط من نهيه عن بيع الاعيان الستة أو عن بيع الطعام مثلا بمثل ونحو ذلك وقال بعض الشافعية يجوز النسخ بالقياس وكذلك حكاه ابن برهان عن أصحابه وكذلك صدر ابن عقيل كلامه بذلك فى المسألة بعدها واختار ابن برهان أنه يجوز فى زمن النبي صلى الله عليه وسلم ( أن ينسخ ما ثبت بالقياس بالنص أو بقياس علة يومأ اليها وبسط القول فى ذلك ) وهذا قول ابن عقيل وحكى عن عبد الجبار بن أحمد أنه أجاز نسخ القياس وحكى عنه قول آخر بالمنع
( شيخنا ) فصل يتعلق بمسألة النسخ بالقياس
قاعدة أحمد التى ذكرها فى كلامه ودلت عليها تصرفاته أنه اذا تعارض حديثان فى قضيتين متشابهتين داخلتين تحت جنس واحد لم يدفع أحد النصين بقياس النصر الآخر بل يستعمل كل واحد من النصين فى موضعه ويجعل النوعين حكمين مختلفين والمسكوت عنه يلحقه بأحدهما مثل ما عمل فى السجود قبل السلام وبعده ومثل ماعمل فى صلاة الفذ خلف الصف رجلا كان أو امرأة ومثل ما عمل فيمن باع عبدا وله مال مع حديث القلادة الخيبرية وفى مسألة مد عجوة ومثل ما عمل فى حديث هند خذى ما يكفيك وولدك مع قوله أد الامانة الى من أئتمنك وهذا على ثلاثة أقسام
أحدها أن يظهر بين النوعين المنصوصين فرق فهذا ظاهر
والثاني أن يعلم انتفاء الفرق فهذا ظاهر أيضا وأحمد وغيره يقولون بالتعارض مثل أن يكون أحمد النصين فى حق زيد والآخر فى حق عمرو ونحو ذلك

(1/201)



والثالث أن تكون التسوية ممكنة والفرق ممكنا فهنا هو مضطرب الفقهاء فمن غلب على رأيه التسوية قال بالتعارض والنسخ مثلا ومن جوز أن يكون هناك فرق لم يقدم على رفع أحد النصين بقياس النص الآخر وقد يعم كلام أحمد هذا القسم فينظر ويقول هذا من جنس خبر الواحد المخالف لقياس الاصول وأهل الرأى كثيرا ما يعارضون النصوص الخاصة بقياس نصوص أخرى أو بعمومها وفى كلام أحمد انكار على من ( كان ) يفعل ذلك
( شيخنا ) فصل فى النسخ بالعموم والقياس
الحنفية يقولون بهذا كثيرا وأصحابنا والشافعية وغيرهم يدفعونه كثيرا والحاجة الى معرفته ماسة فانه كثيرا ما وقعت أحكام الافعال فى وقت لم يكن نظائر تلك الافعال محرمة ثم حرمت تلك الافعال بلفظ يخصها أو بلفظ يعمها والفعل الآخر فالواجب فيه أن ينظر فان كان ذلك العموم مما قد عرف دخول تلك الصورة فيه كان نسخا وكذلك اذا لم يكن بين الصورتين فرق وهذا مثل ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يعامل المشركين والمنافقين من العفو والصفح قبل نزول براءة وكانت المساجد ينتابها المشركون قبل نزول براءة وكان المسلمون يلون أقاربهم المشركين فى الغسل وغيره كولاية على أباه قبل أن يقطع الله الموالاة بينهم وبالجملة متى كان الحكم الاول قد عرفت علته وزالت بمجىء النص الناسخ أو كان معنى النص الناسخ متناولا لتلك الصورة فلا ريب في النسخ وتختلف آراء المجتهدين فى بعض هذه التفاصيل وهذه القاعدة يحتاج اليها فى الفقه كثيرا
( شيخنا ) فصل
ما حكم به الشرع مطلقا أو فى أعيان ( معينة ) فهل يجوز تعليله بعلة مختصة

(1/202)


بذلك الوقت بحيث يزول الحكم زوالا مطلقا قد ذهب الحنفية والمالكية الى جواز ذلك ذكروه فى مسألة التحليل وذكره المالكية فى حكمه بتضعيف الغرم على سارق الثمر المعلق والضالة المكتومة ومانع الزكاة وتحريق متاع الغال وهو يشبه قول من يقول ان حكم المؤلفة قد انقطع
قال شيخنا وهذا عندى اصطلام للدين ونسخ للشريعة بالرأى وقاله الى انحلال من بعد الرسول عن شرعه بالرأى فانه لا معنى للنسخ الا اختصاص كل زمان بشريعة فاذا جوز هذا بالرأى نسخ بالرأى وأما أصحابنا وأصحاب الشافعى فيمنعون ذلك ولا يرفعون الحكم المشروع بخطاب الا بخطاب ثم منهم من يقول قد تزول العلة ويبقى الحكم كالرمل والاضطباع ومنهم من يقول النطق حكم مطلق وان كان سببه خاصا فقد ثبتت العلة بها مطلقا وهذان جوابان لا يحتاج اليهما واستمساك الصحابة بنهيه عن الادخار فى العام القابل يبطل هذه الطريقة وهذا أصل عظيم وهذا أقسام أحدها أن يكون الحكم ثبت بخطاب مطلق الثاني أن يثبت فى أعيان الثالث أن لا يكون خطابا وانما يكون فعلا أو اقرارا وينبغي أن يذكر هذا فى مسألة النسخ بالقياس ويسمى النسخ بالتعليل فانه تعليل للحكم بعلة توجب رفعه وتسقط حكم الخطاب
( شيخنا ) فصل
فان كان الحكم مطلقا فهل يجوز تعليله بعلة قد زالت لكن اذا عادت يعود فهذا أحق من الاول وفيه نظر وعكسه أن ينسخ الحكم بخطاب فيعلل الناسخ بعلة مختصة بذلك الزمان بحيث اذا زالت العلة زال النسخ والفقهاء يقعون فى هذا كثيرا وهو أيضا خطاب مطلق أو معين أو فعل أو اقرار فأما الفعل والاقرار فيقع هذا فيه كثيرا اذ لا عموم له وكذلك يقع فى القضية التى فى عين كثيرا لكن وقوعه فى الخطاب العام فيه نظر

مسألة يجوز نسخ القول بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم هذا ظاهر كلامه واختيار القاضي وقال أبو الحسن التميمي لا يجوز مع كونه أجاز التخصيص العموم بها كذا حكاه عنه القاضي فى موضع وذكر أنه ذكر ما وقع له عنه والمشهور عنه الذى قدمناه أن فعله لايثبت فى حق غيره فعلى هذا لا يخص به العموم أيضا وقال ابن عقيل لا يجوزالنسخ بها وان جعلناها دالة على الوجوب لان دلالتها دون دلالة ( صريح ) القول والشىء انما ينسخ بمثله أو بأقوى منه فأما بدونه فلا وقد ذكر ابن عقيل فى ضمن مسألة تخصيص العموم بفعله احتمالا كاختيار شيخه وحكى أنه مذهب بعض العلماء من الشافعية وأما أبو الخطاب فاختار الاول وأن الفعل والقول ينسخ المتأخر منهم الاول فقال اذا تعارضا من كل وجه وعلمنا تقدم القول عليه مثل أن ينهى عن التوجه الى بيت المقدس وثبت دخوله فيه ثم رأيناه يصلى اليه كان فعله ناسخا لقوله عنا وعنه وان تقدم الفعل مثل أن رأيناه يصلى الى بيت المقدس وثبت أن حكم غيره حكمه ثم قال الصلاة الى بيت المقدس غير جائزة كان ذلك نسخا للفعل عنا وعنه وهذا مغالاة من أبى الخطاب تخالف مغالاته فيه بالعكس على ماسبق ثم انه حكى عن الشافعية فى ذلك تقديم الفعل وأن بعض المتكلمين قال هما سواء والصحيح ما قاله ابن عقيل من العمل بالقول فى أصل المسألة فأما المثال الثاني الذى ضربه أبو الخطاب ففيه تفضيل
فصل
ولا يجوز النسخ الا مع التعارض فأما مع امكان الجمع فلا وقول من قال نسخ صوم يوم عاشوراء برمضان أو نسخت الزكاة كل صدقة سواها فليس يصح لو حمل على ظاهره لان الجمع بينهما لا منافاة فيه وانما وافق نسخ عاشوراء

(1/203)


فرض رمضان ونسخ سائر الصدقات فرض الزكاة فحصل النسخ معه لا به والد شيخنا هذا قول القاضى ويشبه هذا في الأحكام ما اذا أوصى لرجل بشىء ثم أوصى بشىء آخر فان الايصاء الثاني لا يتضمن رجوعه عن الاول وكذا ان أوصى به لآخر تحاصا وهذه أبعد وكذا الاوصياء وغير ذلك وهذا أظهر من أن يدل عليه شيخنا وآية الوصية منسوخة بالمواريث عند ابن أبى موسى
( شيخنا ) فصل
قال ابن عقيل قال الحنبلي والنسخ لا يحصل تاريخه بالدليل العقلى ولا مجال للعقل فى علم التقديم والتأخير ولا يحصل الا من طريق الخبر
مسألة اذا قال الصحابي هذه الآية منسوخة فانا لا نصير الى قوله حتى يخبر بماذا نسخت قال القاضي أومأ اليه أحمد وبه قالت الحنفية والشافعية وفيه رواية أخرى يقبل قوله ذكرها ابن عقيل وغيره وهكذا كان القاضى قد قال أولا وعندى أنه ان كان هناك نص آخر يخالفها فانه يقبل قوله فى ذلك لان الظاهر أن ذلك النص هو الناسخ ويكون حاصل قول الصحابى الاعلام بالتقدم والتأخر وقوله يقبل فى ذلك والد شيخنا وذكر أبو الخطاب أنه يقبل فى الخبر ولم يفصل كالرواية التى حكاها ابن عقيل ولم يذكر لنا خلافا
شيخنا وذكر الباجي فى هذه المسألة ثلاثة أقوال أحدها أنه لا يقبل بحال حتى يبين الناسخ ليعلم أنه ناسخ لان هذا كفتياه وهو قول ابن الباقلاني والسمنابى واختاره الباجي والثاني أنه ان ذكر الناسخ لم يقع به نسخ وان لم يذكره وقع والثالث يقع به النسخ بكل حال

(1/204)


فصل اذا أخبر الصحابي أن هذه الآية نزلت بعد هذه قبل منه ذكره القاضي من غير خلاف
( شيخنا ) فصل
قال القاضي فأما خبر الواحد اذا أخبر به صحابي وزعم أنه منسوخ فانه على قول من يجوز للرواى نقل معنى الاخبار يجب أن يثبت به النسخ لان ظاهر كلامه أنه معنى كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فى النسخ لامتناع أن يحمل قوله على غير حقيقته وأما على قول من يعتبر اللفظ فلا ينسخ به لجواز أن يكون ما سمعه ظن أنه ناسخ ولو أظهره لم يكن ناسخا عندنا
مسألة اذا قال الراوي كان كذا ونسخ فقال ابن برهان قبل قوله في الاثبات دون النسخ عندنا وقال أصحاب أبي حنيفة قبل قوله فى النسخ قلت وهذا قياس مذهبنا وكذلك ذكر أبو الطيب فى مسألة قول الراوي نهينا عن كذا أو أمرنا بكذا مستشهدا محتجا بأنه لو قال رخص لنا فى كذا ونسخ عنا كذا كان بمنزلة قوله رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونسخ عنا رسول الله وكذلك قال أبو الخطاب اذا قال الصحابي هذا الخبر منسوخ وجب قبول قوله وقد ذكرها القاضى فى أثناء التى قبلها فقال فأما خبر الواحد اذا أخبر به صحابي وزعم أنه منسوخ فان على قول من يجوز للراوي نقل معنى الاخبار يجب أن يثبت به النسخ
قال شيخنا ويجب الفرق بين أن يقول كان كذا ونسخ وبين أن يقول لخبر معلوم بنقل غيره هذا منسوخ فان هذا بمنزلة قوله عن الآية هى منسوخة

(1/205)


كتاب الاخبار
مسألة الخبر ينقسم الى صدق وكذب فالصدق ما تعلق بالمخبر على ما هو به والكذب ما تعلق بالمخبر على ضد ما هو به وقال الجاحظ بقسم ثالث ليس بصدق ولا كذب وهو ما تعلق بالمخبر على ضد ما هو به اعتقادا بلا علم فحذف قيد العلم فى القسمين الاولين قال القاضي للخبر صيغة تدل بمجردها على كونه خبرا كالامر ولا يفتقر الى قرينة يكون بها خبرا وقالت المعتزلة لا صيغة له وانما يدل اللفظ عليه بقرينة وهو قصد المخبر الى الاخبار به كقولهم فى الامر وقالت الاشعرية الخبر نوع من الكلام وهو معنى قائم فى النفس يعبر عنه بعبارة تدل تلك العبارة على الخبر لا بنفسها كما قالوا فى الامر والنهى
قال شيخنا وفى قوله للخبر صيغة مناقشة لابن عقيل حيث يقول للامر والنهى والعموم صيغة وقول القاضي أجود لان الامر والخبر والعموم هو اللفظ والمعنى جميعا ليس هو اللفظ فقط فتقديره لهذا المركب خبر يدل بنفسه على المركب بخلاف ما اذا قيل الامر هو الصيغة فقط فان الدليل يبقى هو المدلول عليه ومن قال هو المدلول أيضا لم يصب ومن الناس من لا يحكى الا القولين المتطرفين دون الوسط
( والد شيخنا ) فصل ومن الاخبار ما يعلم صدقه ومنها ما يعلم كذبه ومنها مالا يعلم صدقه ولا كذبه ثم ينقسم أقساما
فصل
اذا قال الرجل كل أخباري كذب فقيل هذا مما يعلم كذبه قطعا لان هذا الخبر مع اخبار السالفة لا يمكن صدقهما وقال بعض أصحابنا قوله يتناول

(1/206)


ما سوى هذا الخبر اذ الخبر لا يكون بعض المخبر قال وقد نص أحمد على مثل ذلك
مسألة اختلف الناس فى الكذب هل قبحه لنفسه أو بحسب المكان فقال الاكثرون منهم ابن عقيل قبحه بحسب مكانه ولهذا حسن عند العلماء حيث أجازه الشرع ( وذهبت شرذمة الى أن قبحه لنفسه وعند هؤلاء هو قبيح حيث أجازه الشرع أيضا ) قالوا لكنه دفع به ما أقبح منه ويعد ابن عقيل هذا وعلى المذهبين مهما أمكن جعل المعاريض مكانه حرم قال شيخنا وهذه مسألة تبنى على القول بالقبح العقلي فمن نفاه وقال لا حكم الا لله جعله بحسب موضعه ومن أثبته وجعل الاحكام لذوات المحل قبحه لذاته
مسألة الخبر المتواتر يفيد العلم القطعي وهو قول كافة أهل العلم وحكى عن قوم من الاوائل قيل هم السمنية وقيل هم البراهمة أنه لا يقع العلم به وانما يقع العلم بالمحسوسات والمشاهدات وحكى عن السمنية أنهم جمعوا الى المحسوسات العلم بالتواتر وأبوا ما عداهما ذكره الجوينى فى أوائل كتابه
مسألة لا يشترط للتواتر أن يجمع الناس كلهم على التصديق به خلافا لليهود فى قولهم من شرطه أن لا يكون فى الناس من يكذب به وقال طوائف من الفقهاء يشترط أن يكون عدد لا تحويهم بلد ولا يحصيهم عدد
مسألة لا يشترط أن يكونوا مسلمين وقال قوم يشترط وهم بعض الشافعية وقال بعضهم ان لم يطل الزمان لم يعتبر وان طال اعتبر
مسألة ولا يشترط أن يكونوا أهل ذل ومسكنة أو أن يكون فيهم منهم وقال اليهود يشترط ويكفى أن يكون فيهم منهم ولو واحد
مسألة والعلم الحاصل بالتواتر ضروري لا مكتسب وهو قول أكثر أهل العلم من الفقهاء والمتكلمين

(1/207)



والد شيخنا وحكى القاضى أبويعلى فى الكفاية عن البلخي أنه مكتسب أعنى العلم الحاصل بالتواتر واختاره القاضي ونصره وكذلك نصره أبو الخطاب فى التمهيد والذى ذكره فى العدة وابن عقيل وسائر الاصحاب أنه ضرورى فصارت المسألة على وجهين وقال البلخى وهو أبو القاسم المعروف بالكعبي وغيره من المعتزلة يقع اكتسابا لا ضرورة وحكاه ابن برهان عن الكعبى وحده وقال فى الاول اتفق عليه الفقهاء والمتكلمون قاطبة وحكى أبو الطيب مثل الكعبي عن بعض أصحابه قال واليه ذهب أبوبكر الدقاق وحكاه أبو الخطاب عن أبى الحسين البصري ونصره أبو الخطاب واختاره فصار فى المسألة وجهان ورجحه الجوينى بشرط ذكره
فصل من شرط حصول العلم بالتواتر أن يكون مستنده ضروريا من سماع أو مشاهدة فأما ما مستنده تصديق فلا كأخبار الجم الغفير عن قدم العالم ونحوه وكذلك قال الجوينى وابن برهان والمقدسي
( والد شيخنا ) فصل وقد يكون التواتر من جهة المعنى مثاله أن يروى واحد أن حاتما وهب لرجل مائة من الابل وأخبر آخر أنه وهب خمسين من العبيد وأخبر آخر أنه وهب عشرة دنانير ولا يزال يروى كل واحد من الاخبار شيئا فهذه الاخبار تدل على سخاء حاتم
فصل
( والد شيخنا ) ومن شرط حصول العلم بالتواتر أن يستوى منه الطرفان والوسط فى عدد يقع العلم بخبره

(1/208)


مسألة وخبر التواتر لا يولد العلم فينا وانما يقع عنده بفعل الله وهو بمنزلة اجراء العادة بخلق الولد من المنى وهو قادر على خلقه بدون ذلك خلافا لمن قال بالتولد
مسألة لا يجوز على الجماعة العظيمة كتمان ما يحتاج الى نقله ومعرفته وهو قول جماعة من العلماء وزعمت الامامية أنه جائز وعلى ذلك بنوا كلامهم فى ترك نقل النص فى على قال والد شيخنا وبسط القول معهم فى ذلك الرازي فى المحصول
مسألة ولا يعتبر فى التواتر عدد محصور بل يعتبر ما يفيد العلم على حسب العادة في سكون النفس اليهم وعدم تأتى التواطؤ على الكذب منهم اما لفرط كثرتهم واما لصلاحهم ودينهم ونحو ذلك
قال القاضي وأبو الطيب لكن يجب أن يكونوا أكثر من أربعة وكذلك قال ابن الباقلاني وقال الجبائي يعتبر عدد يزيد على شهود الزنا وقال بعضهم اثنا عشر بعدد النقباء وقال بعض الاصوليين يعتبر العدد سبعين بعدد المختارين من قوم موسى وقال بعضهم ثلثمائة ونيف بعدد أهل بدر وقال قوم عشرة لان التسعة آخر عقود الآحاد وقال قوم كأهل بيعة الرضوان ألف وسبعمائة وقال قوم أربعون لانه الذى تنعقد به الجمعة وقال ابن برهان والاجماع منعقد على أن الاربعة ليس من العدد المتواتر وحكى أبوالخطاب والقاضى قولا عن قوم بحصوله بقول اثنين وعن قوم بالأربعة وعن قوم بخمسة فصاعدا وقال قوم من الفقهاء يشترط أن يكونوا عددا لا يحويهم بلد ولا يحصيهم عدد وقرر الجوينى مذهب النظام وتأوله
( شيخنا ) فصل
قال القاضى أبو يعلى متابعة لابي الطيب وقاله قبلهما ابن الباقلاني متابعة

(1/209)



للجبائي يجب أن يكونوا أكثر من أربعة لان خبر الاربعة لو جاز أن يكون موجبا للعلم لوجب أن يكون خبر كل أربعة موجبا لذلك ولو كان هكذا لوجب اذا شهد أربعة على رجل بالزنا أن يعلم الحاكم صدقهم ضرورة ويكون ما ورد به الشرع من السؤال عن عدالتهم باطلا
قال شيخنا رضى الله عنه قلت وقد ألحق القاضي لا يتأتى منهم التواطؤ على الكذب إما لكثرتهم أو لدينهم وصلاحهم وقال فى مسألة خبر الواحد لا يفيد العلم لو كان موجبا للعلم لاوجبه على أى صفة وجد من المسلم والكافر والعدل والفاسق والحر والعبد والصغير والكبير كما أن الخبر المتواتر لما أوجب العلم لم يختلف باختلاف صفات المخبرين بل استوى في ذلك الكفار والمسلمون والصغار والكبار والعدول والفساق
قال شيخنا قلت هذا الكلام مع أنه فى غاية السقوط مناقض لقوله اما لكثرتهم واما لدينهم وصلاحهم وهذا الثاني أصح ثم انه كما تقدم فرق فى وجوب العمل أو فى غلبة الظن بين مخبر ومخبر فكذلك فى العلم والعلم بتأثير الصفات ضرورى وجحوده عناد وهذا الحق يمنع أن يستوى الاربعة ثم هذا باطل من وجوه أحدها أن العشرة وأكثر منها لو شهدوا بالزنا لوجب عليه أن يسأل فلا اختصاص بالاربعة الثاني أنه لو علم أنه زنا اضطرارا بالمشاهدة لم يرجمه الا بالثقات فكذلك اذا أخبره من يعلم صدقه اضطرارا لان القاضي انما يقضى بأمر مضبوط نعم لو شهد بالامر عدد يفيد خبرهم العلم لكل أحد فهذا فيه نظر لكنه لا يكاد يقع لامكان التواطؤ وأما الشاهد نفسه يجوز أن يستند الى التواتر وكذلك الحاكم فيما يحكم فيه بعلمه كعدالة الشهود وفسقهم فمناط الشهادة علم الشاهد بأى طريق حصل ومناط الحكم طريق ظاهرة مضبوطة وان لم تفد العلم لاجل العدل بين الناس

(1/210)


مسألة يجوز التعبد بأخبار الآحاد عقلا فى قول الجمهور ومنع منه قوم قال ابن عقيل وأظنه قول الجبائي وقال ابن برهان صار اليه طائفة من المتكلمين وقال أبو الخطاب العقل يقتضى وجوب قبول خبر الواحد والد شيخنا وكذلك القاضي في الكفاية قصر أن العقل دل على وجوب قبوله والاكثرون قالوا لا يجب التعبد بخبر الواحد عقلا
( شيخنا ) فصل قال ابن عقيل المحققون من العلماء يمنعون رد الاخبار بالاستدلال ومثله برد خبر القهقهة استدلالا بفضل الصحابة المانع من الضحك وكذلك لو شهدت بينة عادلة على معروف بالخير باتلاف أو غصب لم ترد شهادتهم بالاستبعاد ومثه برد عائشة قول ابن عباس فى حديث الرؤية بقولها لقد قف شعرى قال فردت خبره بالاستدلال فلم يعول أهل التحقيق على ردها ومثله أيضا بقوله لازيدن على السبعين حيث قيل له هذا يفيد الصحة فقال هذا رد للاخبار بالاستدلال ولا يجوز ذلك لان السند يأتى بالعجائب وهى من أكثر الدلائل لاثبات الاحكام
مسألة يجوز العمل بخبر الواحد الذى فيه الصفات المعتبرة شرعا نص عليه وهو قول عامة الفقهاء وجمهور المتكلمين وقال قوم من أهل البدعة من الروافض ومن المعتزلة ذكره الجوينى لا يجوز العمل به وقال القاشاني وأبوبكر بن داود والرافضة لا يجوز العمل به شرعا وان كان يجوز ( ورود ) التعبد به وقال الجبائي لا يقبل فى الشرعيات أقل من اثنين وحكى ابن برهان كقول القاشاني عن النهرواني وابراهيم بن اسماعيل بن علية والشيعة وأفرد الكلام مع الجبائي فى مسألة وكذلك أفرد أبو الخطاب وابن عقيل والجوينى واختلف نفاة العمل بخبر الواحد شرعا هل يجوز التعبد به عقلا على مذهبين

(1/211)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية