صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ البرهان في أصول الفقه - أبو المعالي الجويني ]
الكتاب : البرهان في أصول الفقه
المؤلف : عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني أبو المعالي
الناشر : الوفاء - المنصورة - مصر
الطبعة الرابعة ، 1418
تحقيق : د. عبد العظيم محمود الديب
عدد الأجزاء : 2

واستشهدوا بقوله تعالى إنك ميت وإنهم ميتون قيل لهم نكاحها يتردد بين النفوذ عند تقدير الإجازة من الولى وبين الرد عند فرض الرد منه ولا يسوغ والحالة هذه التعبير عن إحدى العاقبتين مع تجويز الأخرى وإنما يعبر عما سيكون بالكائن فيما يكون لا محالة كالموت الذي إليه مصير كل ذي روح
433 - ومن تأويلاتهم أنهم يحملون لفظ الرسول على الأمة وزعموا أنه لا يمتنع تسمية الأمة امرأة كما لا يمتنع تسمية السيد وليا ورد ذلك عليهم بوجهين أحدهما أنه نكاح صحيح موقوف كما ذكرنا في الصغيرة ومنتهى الكلام فيه كما سبق والثاني أنه عليه السلام قال
فإن مسها فلها المهر ومهر الأمة لمولاها
434 - وزعم من يدعي التحقيق والتحذق من متأخريهم أن الحديث محمول على المكاتبة واستفادوا بالحمل عليها على زعمهم استحقاقها المهر ثم الأمر عند هؤلاء قريب في حمل المرأة على الأمة والولي على المولى ومن هذا المنتهى منشأ مقصود المسألة
435 - ذهب معظم الفقهاء من أصحابنا وغيرهم إلى أن هذا الصنف من التأويل مقبول
436 - وقال القاضي هو مردود قطعا وعزا هذا المذهب إلى الشافعي قائلا إنه على علو قدره كان لا يخفى عليه هذه الجهات في التأويلات وقد رأى الاعتصام بحديث عائشة اعتصاما بنص وقدمه على الأقيسة الجلية وكان ذلك شاهد

(1/340)


عدل في أنه رضي الله عنه كان لا يرى التعلق بأمثال هذه المحامل
ومجموع ما نوضح به هذه المسألة طرق نعددها
437 - الأولى أنه عليه السلام ذكر أعم الألفاظ إذ أدوات الشرط من أعم الصيغ وأعمها ما و وأي فإذا فرض فرض الجمع بينهما كان بالغا في محاولة التعميم وقرائن الأحوال متقبلة عند الكافة فإذا قال من ظهرت به مخايل الضجر لمرضه أو إلمام مهم به لبوابه لا تدخل على أحدا فلو أدخل البواب كل ثقيل ولم يدخل أقواما مخصوصين زاعما أني حملت لفظك على الذين منعته لم يقبل ذلك منه
فإذا ابتدأ الرسول عليه السلام حكما ولم يجره جوابا عن سؤال ولم يضفه إلى حكاية حال ولم يصدر منه حلا للإعضال والإشكال في بعض المحال بل قال مبتدئا وإليه ابتداء الشرع بأمر الله وشرح ما أعضل من كتاب الله أيما امرأة فانتحى أعم الصيغ وظهر من حاله قصده تأسيس الشرع بقرائن بينة فمن ظن والحالة هذه أنه أراد المكاتبة على حيالها دون الحرائر اللواتي هن الغالبات والمقصودوات فقد قال محالا ولا يكاد يخفى أن الفصيح إذا أراد بيان خاص شاذ فإنه ينص عليه ولا يضرب عن ذكره وهو يريده ولا يأتي بعبارة مع قرائن دالة على قصد التعميم وهو يبغى النادر قال الشافعي الشاذ ينتحى بالنص عليه ولا يراد على الخصوص بالصيغة العامة
438 - الطريقة الثانية أن التعلق بالظاهر يقتضي ظهوره في مقصود المتكلم من جهة وضع اللسان ومن جهة العرف والتأويل الذي يصغى إليه ثم

(1/341)


يطالب بالدليل عليه وهو الذي ينساغ من ذي الجد من غير أن يتولج في فن الهزء والهزل واللغز وما يقع كذلك فهو مردود
وبيان ذلك بالأمثلة أن الرجل إذا قال رأيت أسدا فقد يعني السبع المعروف وقد يعني به رجلا عجوما مقداما فهذا مساغ لا ينافيه الجد ولكنه تأويل فلو قال رأيت أسدا ويعني رجلا دميما أو أبخر لم يكن ذلك وجها منساغا فإن هذا لا يطلقه أرباب اللغات على انتحاء مسالك التأويل ولا على الجريان على الظواهر فإن أراد مريد ذلك كان ملغزا وإن ادعى جاهل تأويل مثل هذا الوجه لم يقبل ذلك منه ومن الأمثلة التي ذكرناها أن من قال رأيت جمعا من العلماء ثم لما روجع فسر بقطيع من البقر ذهابا منه إلى أنها على علوم تتعلق بمصالحها ومضارها ومنافعها وكذلك لو فسره برؤية سفلة من الجهلة ثم زعم أنهم من العلماء لم يقبل ذلك ولم يعد من المحامل المسوغة وإذا قال القائل لا تمنع فلانا شيئا من مالي ثم فسره بكسرة أو شربة عد جاهلا أو هازلا
439 - ثم اختتم كلامه بطريقة ثالثة تعضد ما تقدم وتستقل بنفسها فقال فقد سلم لرسول الله صلى الله عليه و سلم المخالف والمؤالف أنه كان على النهاية القصوى من الفصاحة ولا حاجة إلى الإطناب في إثبات هذا ولا يخالف من معه مسكة من العقل أن الحمل على ما ذكره هؤلاء يحط الكلام عن مرتبة الفصاحة والجزالة ويحل المتكلم به محل الحصر العيى الذي يعمم في غير غرض ويبتغي التخصيص من غير إشعار به وكل ما يتضمن إلحاق كلام رسول الله صلى الله عليه و سلم بالمستهجن الغث

(1/342)


فهو مردود على قائله
440 - ثم لما استكمل رضي الله عنه الطرق ختم كلامه بأن قال كل ما قدمته توطئة وتمهيد وضرب أمثال وأنا أعلم على الضرورة والبديهة أن الرسول صلى الله عليه و سلم لم يرد بقوله أيما امرأة المكاتبة دون غيرها
فهذا منتهى القول في هذا ولا مزيد على ما ذكره القاضي
441 - فإن احتج من يسوع هذا الفن بأن قال الإماء والمكاتبات داخلان تحت العموم عند فرض التمسك بظاهر العموم وكل ما يدخل تحت الظاهر في العموم لا يبعد تنزيل العموم عليه تخصيصا وهذا الذي ذكروه فإنه لا يعارض ما نبهنا عليه فليس المعتبر فيما يقبل ويرد أقيسة وتشبيهات وتلفيق عبارات ولكن إنما يسوغ في التأويلات ما يسوغه الفصحاء وقد قدمنا في صدر هذا المجموع انحسام مسلك القياس في اللغات فإن إرادة النوادر مع إرادة الظواهر ليست بدعا وكذلك إرادة بعض ما يظهر باللفظ العام ليس مستنكرا على شرائط ستأتي فأما إرادة الأقل الأخص باللفظ الأعم الأشمل فهو مردود بالوجه الذي قدمناه
442 - فإن قالوا التخصيص حال في تمييز حكم عموم اللفظ محل الاستثناء ثم يجوز إطلاق لفظ عام يعقبه استثناء لا ينفى إلا الشاذ الأخص فليسغ ذلك في التخصيص أيضا وهذا من الطراز الأول فإنه قياس وتشبيه وتلفيق عبارات مع معاندة القطع
ثم لا يجوز أن يصدر من الرسول عليه السلام مثل هذا الاستثناء وقد منع القاضي

(1/343)


مثله من غير الرسول عليه السلام على ما ذكرناه في مسائل الاستثناء ومن جوز ذلك من غير الرسول عليه السلام فهو في حكم النص المصرح به وإن جىء به في صيغة ركيكة والرسول منزه عن مثل ذلك فقد لاح الغرض من هذه المسألة
مسألة
443 - استدل الشافعي رضي الله عنه في اشتراط تبييت النية في صوم رمضان بقوله صلى الله عليه و سلم لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل فذكر المخالفون أسئلة تداني ما اشتلمت عليه المسألة الأولى ونحن نعيدها على الإيجاز ونتعداها إلى فن آخر من التأويل المردود
444 - فمما ذكروه حمل الحديث على القضاء والنذر المطلق وهذا مردود بالمسالك المقدمة فإنه عليه السلام قال ابتداء لا صيام ولا النافية إذا اتصلت على حكم التبرئة باسم منكور وجاء الاسم بعدها مبنيا على الفتح كان بالغا في اقتضاء العموم فإذا قال المصطفى صلى الله عليه و سلم ابتداء لابناء على سؤال ولا تطبيقا للكلام على حال لا صيام فظن ظان أن الصوم الذي هو ركن الإسلام وهو القاعدة في الصيام لم يعنه ولم يرده وإنما أراد ما يقع فرعا للفرائض الشرعية كالمنذورات وفرعا للأداء كالقضاء فقد أبعد ونأي عن مأخذ الكلام وهلم جرا إلى استتمام الطرق المقدمة في المسألة الأولى
445 - وذكر أصحاب أبي حنيفة مسلكا آخر في التأويل وعزوه إلى الطحاوي وذكروا أنه كان يتبجح به وهو أنه قال أراد صلى الله عليه و سلم نهى الرجل عن

(1/344)


الاكتفاء بنية صوم الغد في بياض نهار اليوم فقال فعليه أن يؤخر النية إلى غيبوبة الشمس حتى يكون بإيقاع النية في الليل مبيتا وزعم هذا المؤول أن مسلكه هذا يجري في جميع أنواع الصيام فرضها ونفلها وهذا كلام غث لا أصل له وهو يحط من مرتبة الطحاوي أن صح النقل عنه
446 - والدليل على بطلانه وجهان قريبان أحدهما أن هذا اللفظ لو سمعه عربي ناشىء من منبع اللغة لم يسبق إلى فهمه النهي عن إيقاع نية صوم الغد في يوم قبله وبالجملة هذه صورة شاذة نادرة تجري في أدراج الكلام للوسواس يضعها المتكلفون وظاهر الخطاب ينزل على ما يفهمه المخاطبون فإن أنكر الخصم أن المفهوم من الخطاب ما ذكرناه سقطت مكالمته ولم يبق إلا أن يرد إلى حكم اللسان وتفاهم أهل التحاور وإن اعترف أن هذا هو الظاهر فحمل كلام الرسول عليه السلام على نادر شاذ باطل بالمسلك الذي ذكرناه
447 - والوجه الثاني أن هذا الفن إنما يذكر نهيا عن الذهول وتحذيرا من الغفلة واستحثاثا على تقديم التبييت وهذا يجري مجرى الفحوى التي لا ينكرها محصل فإذا حمل حامل ذلك على النهي عن التقديم على الليل كان ذلك نقيض مقصود الخطاب
448 - والكلام الوجيز فيه أن مقصود الخطاب الأمر بتقديم النية والنهي عن تأخيرها عن وقت التبييت وموجب ما ذكره النهي عن التقديم والأمر بالتأخير وليس تخيل ما ذكره هذا القائل في اليوم الذي يلي الغد بأولى من تخيله من يوم قبله بسنة
449 - واعلم هديت لرشدك أن هذه الفنون من الكلام ما كانت تجري في عصور العلماء الأولين وإنما أقدم عليها المتأخرون لأمرين أحدهما التعري عن

(1/345)


مأخذ الكلام والثاني الاستجراء على دين الله تعالى والتعرض لخرق حجاب الهيبة نعوذ بالله منه
450 - مما وجه على هذا الحديث من التأويل حمل النفي فيه على نفي الكمال وهذا أقرب قليلا إلى مسالك التأويلات ولكنه مردود من وجهين أحدهما أن حمل هذا اللفظ على نفي الكمال غير ممكن في القضاء والنذر وهما من متضمنات الحديث وإذا تعين حمل اللفظة على حقيقتها في بعض المسميات تعين ذلك في سائرها فإن الإنسان الفصيح ذا الجد لا يرسل لفظه وهو يبغي حقيقتها من وجه ومجازها من وجه
فإن قالوا ليس القضاء والنذر مقصودين كما ذكرتم قلنا نعم ولكن الشاذ لا يعني باللفظ العام تخصيصا واقتصارا عليه وانحصارا عليه ولا يمتنع أن يشمله العموم مع الأصول
والذي يحقق هذا أنه لو حمل لفظه على نوع من الصوم ثم حمل فيه على نفي الكمال لما كان اللفظ عاما أصلا وكان مختصا بنوع واحد وهو من أعم الصيغ كما تقدم تقريره والدليل عليه أن ما ذكروه من أن الرسول عليه السلام لم يرد القضاء والنذر ليس مذهبا لذي مذهب فإنه إذا امتنع قبول التأويل من غير دليل فلأن يمتنع من غير مذهب أولى
مسألة
451 - استدل الشافعي رضي الله عنه في نكاح المشركات بالقصص المشهورة في الذين أسلموا على العشر والخمس والأختين فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لغيلان وقد أسلم على عشر نسوة ثم راجع الرسول عليه السلام في مفارقتهم أو إمساكهن

(1/346)


فقال عليه السلام
أمسك أربعا وفارق سائرهن وقال للذي أسلم على اختين
أمسك أيتهما شئت وفارق الاخرى
فجرت تلك الأقاصيص نصوصا عند الشافعي في أن الكفار إذا أسلموا على عدد من النساء لا يوافق حصر الإسلام فعليهم أن يمسكوا عدد الإسلام ويفارقوا الباقيات ولا يؤاخذون برعاية الأوائل والأواخر ولا يكلفون الجريان على أحكام التواريخ ووجه التمسك بين فإنه عليه السلام علم أنهم على حداثة العهد بالإسلام ولم يخبروا تفاصيل الأحكام ثم أطلق لهم الخيرة في إمساك من شاءوا على شرط رعاية عدد الإسلام
452 - فوجه المتأخرون من أصحاب أبي حنيفة سؤالين ركيكين أحدهما يسقطه اللفظ فلتقع البداية به ومقصود المسألة السؤال الثاني فأما ما
يدفعه اللفظ فدعواهم أنه أمرهم أن يختاروا الأوائل وهذا
يدفعه قوله عليه السلام لصاحب الأختين
اختر أيتهما شئت وفارق الأخرى وقال عليه السلام لبعضهم وقد أسلم على خمس
اختر أربعا وفارق واحدة قال صاحب الواقعة فعمدت إلى أقدمهن صحبة ففارقتها فلا حاجة إلى الإطناب في ذلك وهو على معاندة اللفظ
453 - فأما الثاني وهو المقصود الذي عقدت المسألة له فهو أنهم قالوا إنه عليه السلام أراد بقوله
أمسك أربعا أن يمسكهن ويجدد عليهم الأنكحة على موجب الشرع

(1/347)


وهذا عند المحققين سرف ومجاوزة حد وقلة احتفال بكلام الشارع فإن الرسول عليه السلام ذكر لفظ الإمساك أولا وموجبه الاستدامة واستصحاب الحال والثاني أن النقلة لم ينقلوا تجديد العقود بل رووا الحكايات رواية من لا يستريب أنهم استمروا في عدد الإسلام على مناكحتهم فيهن وكان المخاطبون على قرب عهد والرسول صلى الله عليه و سلم لا يخاطبهم إلا بما يقرب من أفهامهم والتعبير عن ابتداء النكاج بالإمساك بعيد جدا ناء عن المحامل الظاهرة وفي القصص أنهم جاءوا سائلين عن الفراق أو الإمساك فانطبق جواب رسول الله صلى الله عليه و سلم على سؤالهم ثم النكاح على الابتداء لا يختص بهن بل جوازه سائغ في نسوة العالم وقوله
أمسك أمر وما ذكروه تخيير فينتظم من جوامع الكلام ما يحل محل قرائن الأحوال التي تفضى إلى العلم بإرادة المتكلم
وهذا وإن كان يستدعي مزيد تقرير في النظر ففي هذا المقدار تأصيل الكلام والمحصل ذو المنة يورده إيرادا مقررا وإن أردنا أن نأتي بكلام قريب جدا يستوي في نيله و الإفهام به المتشدق البليغ وذو العي الحصر قلنا
454 - إن جحدا معاند إفضاء ما ذكرناه إلى الغرض نصا لم يجحد ظهور ما ذكرناه وغلبة الظن في صغو قصد الشارع إلى ما قررناه ولا خلاف بين العالمين بالظواهر أن تأويلاتها لا تقبل غير مقترنة بأدلة وغاية المتمسك بهذا المسلك أن يأتي بقياس مظنون ومعنى الظن في أنه يحسبه أنه منصوب الشارع ظنا منه وتقديرا وقد غلب على الظن مقصود الشارع في لفظه فما يغلب متصلا بلفظه على الظن أولى مما يغلب على الظن كونه منصوبا للشارع في فنون الأقيسة وهذا يقع من الظن بعيدا بدرجات عن الظن المختص بلفظ المصطفى عليه السلام

(1/348)


455 - فإن قيل كأنكم تبنون هذا على تقديم الخبر على القياس فتثبتون استواء الظنين ثم تقدمون إحدى المرتبتين وقد لا تساعدون على تقديم الخبر على القياس قلنا ما أهون إثبات هذا علينا وسنذكره مستقصى في كتاب الأخبار
ثم هذه المسألة لا تختص بهذا المأخذ فإن من يرى هذا الفن من التأويل يطرده في تأويل ظواهر القرآن والأخبار المتواترة وإن كان القياس لا يقدم على نصوص القران والسنة المتواترة
456 - والذي يقطع مادة الإشكال في ذلك أنا نعلم أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم كانوا إذا وجدوا ما يظهر عندهم قصد رسول الله صلى الله عليه و سلم فيه اكتفوا به ولم يميلوا إلىغيره ورأوا من يركن إلى القياس لإزالة ظاهر ما صح عندهم في حكم الراد لخبر رسول الله صلى الله عليه و سلم ولو تتبع المتتبع الأخبار التي رويت لهم فعملوا بها لوجدها ظواهر والجحد في هذا المقام الآن إنكار البديهة ومداره الضرورة ثم معتضد القياس عملهم به لا غير فإن أنصف الخصم علم أنهم كانوا لا يقيسون في هذه الحال وإن ركب رأسه وطرد شماسه لم يمكنه أن يثبت قياسهم في هذه الصورة ولهذا لا يطمع فيه إلا أخرق ولا شك أنهم ما قاسوا في كل محل
457 - فليتخذ الناظر هذا الفصل معتضدة الأقوى في هذه المسألة وأمثالها وهنالك استبان أن كل ما ظهر في قصد الشارع لم يجر مخالفة ظاهر قصده بقياس فلهذا لم يشتغل الأوائل المتقدمون بما أنشاه ناشئة الزمان من التأويلات

(1/349)


المزخرفة ولم يكن ذلك لغفلتهم عن أمثالها
مسألة
458 - مما يجريه أبناء الزمان في أدراج الاعتراضات ادعاء أمور من طريق الاحتمال من غير نقل فحاولوا بها مداراة الاستدلال
وهذا بمثابة قول بعض أصحاب أبي حنيفة في المسألة التي تقدمت في نكاح المشركات حيث قالوا لم يكن في عدد النساء حصر في ابتداء الشرع ولعل الذين أسلموا كانوا نكحوا في الشرك حين لا حصر وكانت تلك الأنكحة على الصحة ولما أسلموا كان الحصر مستقرا في الشرع فلم يبطل رسول الله صلى الله عليه و سلم أنكحتهم السابقة الموافقة في وقت وقوعها موجب الشرع ولم يقرر عليها بالكلية
459 - وسبيل الكلام على هذا الصنف أن نقول لم يثبت ما ذكروه من أحكام الإسلام في ابتداء الأيام ولا مبالاة بما جاءوا به فلفظ الرسول عليه السلام محمول على ما الشرع عليه الآن ومن قدر أمرا على مخالفة ما يصادفه الآن فدعواه من غير حجة مردودة عليه وهذا متفق عليه فإن أمثال هذه الاحتمالات لو طرقت إلى حكايات الأحوال وأقوال الرسول فيها لما انتظم الاستدلال بواحد منها فإن هذه الفنون المدافعة للاستدلال ممكنة في كل أصل
460 - فإن قيل أليس تأويل الظواهر مقبولا بالإحتمال قلنا ليس الاحتمال مقتضيا قبول التأويل ولكنا رأينا الأولين على الجملة يتمسكون بالتأويلات وكما

(1/350)


رأيناهم متفقين على التأويل مع التعويل على دليل يعضده رأيناهم غير مكتفين بهذه الإمكانات وهذا بمثابة دعوى النسخ من غير ثبت فإن من ادعى نسخا فقد ادعى ممكنا ولكن لا يقبل منه بالإجماع إلا بثبت يعول عليه
فإن نقل أصحاب أبي حنيفة من التواريخ الصحيحة أن الحصر لم يكن في ابتداء الإسلام فيعسر التمسك بتلك الأقاصيص وعلى المتمسك بها أن يثبت وقوعها بعد الحصر وإلا كان الاستدلال معرضا لإجمال واحتمال ومثل هذا الاحتمال مع ثبوت الأصل في حكايات الأحوال ينزل منزلة الاحتمال في صيغ الأقوال
461 - ولكن لو صح ما ذكروه انقدح وراءه نوعان من الكلام
أحدهما أنه إن استقام النقل فيما ادعوه وهيهات فهو مما ادعاه ناشئة الزمان في الحصر في العدد فأما الجمع بين الأختين فلم يصر أحد إلى أنه عهد مسوغا في صدر الشريعة وقوله تعالى وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف معدود عند المفسرين من باب الاستثناء من غير الجنس والمراد من قوله إلا ما قد سلف ما سلف في الجاهلية قبل مبعث المصطفى صلى الله عليه و سلم والدليل عليه أنه قال إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا وكان إذا جرى على صيغته فصيفته تتضمن الإخبار عما مضى فهذا وجه
462 - والوجه الاخر أنا نقول لو صح ما ادعوه من صحة مناكح المشركين لكان قياس الشرع يقتضي أن يبطل جميعها عند ورود الحجر والحصر بالتدافع كما إذا نكح الرجل رضيعتين جميعا أرضعتهما امرأة وثبتت الأخوة بينهما فاستدامة نكاحهما ممتنعة وتخصيص ارتفاع النكاح بأحدهما لا سبيبل إليه فلزم تدافع

(1/351)


النكاحين فإذا سلموا أن طريان الحجر لا يوجب التدافع قام عليهم مسلك في القياس قبل لهم به كما ذكرناه في مسائل الفقه فليطرد الناظر مقصود هذه المسألة في أمثالها وليحمل الخصم على تصحيح النقل فيما يدعيه ولا يكتفي بمجرد الاحتمال أصلا
مسألة
463 - إن صح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قوله
من ملك ذا رحم محرم فهو حر فلا يصح تأويل متبعي الشافعي إذا حاولوا حمل اللفظ على الذين هم عمود النسب وهم الأصول أو الفصول وهذا الفن مما لا يلفى في الزمان من يجحده وهو باطل قطعا عند ذوي التحقيق وهذه المسألة عبرة لأمثالها فليمعن الناظر النظر فيها مستعينا بالله تعالى
464 - فنقول قصد رسول الله صلى الله عليه و سلم للتعميم واضح لائح في قوله
من ملك ذا رحم محرم فإن ذلك مما نقل عنه ابتداء لا في حكاية حال ولا جوابا عن سؤال ولا في قصد حل إعضال وكان يعتاد تأسيس الشرع ابتداء فإذا قال من ملك ذا رحم محرم تبين أنه أراد المحارم من ذوي الرحم أجمعين ولو أراد الاباء والأمهات والبنين وعلم تخصيصهم بهذه القضية لنص عليهم فإذا ذكر الأقارب ثم علم أنهم ينقسمون إلى المحارم وغيرهم فخص الحكم الذي نص

(1/352)


عليه بالمحارم من ذوي الأرحام تقرر أنه قصد بذلك الضبط والتشوف إلى ما يسميه أهل الصناعة الحد فكيف يستقيم أن يظن به عليه السلام أنه أراد الذين هم عمود النسب وجرى أيضا كلامه مجرى تعظيم أمر الرحم إذا انضمت إليه المحرمية فانتظم من مجموع ما ذكرناه ظهور قصد التعميم من الرسول فمن رام مخالفة قصده لم يقبل منه وإن عضده بقياس فمستنده ظن المستنبط أنه مراد الشارع وليس له في ألفاظه ذكر فما يظهر من لفظ الرسول عليه السلام كيف يترك بما يظنه القايس على بعد من لفظ الرسول صلى الله عليه و سلم
465 - والقول الضابط في ذلك أنه لو تقدم قياس مظنون على ظاهر من لفظ الرسول عليه السلام لاقتضى ذلك تقديم مرتبة القياس على مرتبة الخبر وسنبين أن الخبر مقدم على القياس
466 - والقدر المقنع فيها أن لو رددنا إلى عقولنا لما سفكنا الدماء المحقونة في أهبها ولما حللنا الأبضاع المعظمة بأقيسة مستندها ظنون ولكنا ألفينا صحب رسول الله صلى الله عليه و سلم الأكرمين يقيسون في غير موارد النصوص وثبت عندنا بالقاطع السمعي أن الإجماع حجة فإذا وقع العمل عند القياس بإجماعهم والإجماع مقطوع به ثم كانوا لا يقيسون ما وجدوا خبرا وكان الراوي البدوي الموثوق به إذا روى خبرا وظهر لهم قصد رسول الله صلى الله عليه و سلم في تعميم حكم لم

(1/353)


يعرجوا على التأويلات البعيدة لأقيسة تعن لهم
فإذا الألفاظ المأثورة على ثلاث مراتب عندنا
467 - المرتبة الأولى أن يلوح للمؤول أن الشارع لم يقصد التعميم بها فما كان كذلك فلا يسوغ الاستدلال بحكم العموم فيه ولا حاجة إلى التأويل فيه وهذا نضرب فيه أمثالا منها أن الرسول عليه السلام قال ما سقت السماء ففيه العشر وما سقي بنضح أو دالية ففيه نصف العشر فإذا استدل الحنفي بهذا الظاهر في إثبات العشر في كل ما تنبته الأرض كان ذلك مردودا عليهم فإن الرسول استاق كلامه هذا للفرق بين السيح والنضح لا للتعرض لجنس ما يجب فيه العشر فإذا ظهر أن هذا الفن من العموم لم يقصده الشارع وإن جرى في كلامه اللفظ الصالح له وهو ما سقت السماء فالاستمساك به في قصد التعميم باطل إذ ظهر من كلامه خلافه ومن أمثلة ذلك استدلال من استدل من أصحاب أبي حنيفة بقوله تعالى وثيابك فطهر أن قالوا كل ما يقع به التطهير مندرج تحت مقتضى الأمر قال الشافعي الغرض من الآية التعرض لأصل التطهير لا التعرض لأصل التخصيص والتعميم في آلات التطهير والذي يحقق ذلك أن الباحث عن آلة التطهير عند اتصال هذا الخطاب به سائل عن الشيء على وجهه والذي يحقق ذلك قوله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم استاق الاية لبيان كيفية الوضوء ولم يخصص الغسل بآلة مخصوصة مع اختصاصها بالماء وفاقا

(1/354)


فهذه مرتبة فلتقس على الأمثال التي ذكرناها ما في معناها
468 - والمرتبة الثانية أن يظهر قصد التعميم من الشارع عليه السلام فهذا لا يسوغ تأويله بقياس مظنون كما سبق
469 - والمرتبة الثالثة أن يرد اللفظ ولا يقترن به ما يدل على قصد التعميم ولا ما يدل على نقيضه فهذا ملتطم التأويل وموقف التشاجر بين المستدل باللفظ وبين مدعى التأويل بمعاضدة بالقياس
والقول في هذه المرتبة عندي هين مدركه والحكم الجم لى فيه أن الأمر في ذلك أيضا ليس متروكا سدى بل على الناظر أن يزن حكم ظنه قياسه ومبلغ ظنه في عموم اللفظ وضعا فإن رجحت كفة ظنه في القياس حكم يغالب ظنه وإن غلب الظن في الشق الآخر أتبع الحكم موجب اللفظ وإن استويا فقد قال القاضي يقف الناظر فلا يعمل بهما وأنا أقول يعمل بالخبر فإن الظنين إذا تساويا فالخبر مرجح لعلو المرتبة وهذا مثله قوله عليه السلام إنما الأعمال بالنيات فإذا تمسك الشافعي به في الطهارة كان تمسكه به معرضا للتأويل على القانون المقدم فنتخذ هذه عبرة في مسائل الشرع

(1/355)


مسألة
470 - مما رده المحققون من طرق التأويل ما يتضمن حمل كلام الشارع من جهة ركيكة تنأى عن اللغة الفصحى فقد لا يتساهل فيه إلا في مضايق القوافى وأوزان الشعر فإذا حمل حامل آية من كتاب الله أو لفظا من ألفاظ رسول الله صلى الله عليه و سلم على أمثال هذه المحامل وأزال الظاهر الممكن إجراؤه لمذهب اعتقده فهذا لا يقبل
471 - ومن أمثلة ذلك حمل الكسر على الجوار في قوله وأرجلكم إلى الكعبين من غير مشاركة المعطوف عليه في المعنى وهذا في حكم الخروج عن نظم الإعراب بالكلية وإيثار ترك الأصول لإتباع لفظة لفظة في الحركة وهذا ارتياد الأردأ من غير ضرورة وإذا اضطر الشاعر إليه في مضايق القوافي لم يعد ذلك من حسن شعره كما قال امرؤ القيس ... كأن ثبيرا في عرانين وبله ... كبير أناس في بجاد مزمل ...
فقوله مزمل خبر عن قوله كبير أناس جار معه مجرى الصفة ووجه الكلام كبير أناس مزمل في بجاد ولكنه أتبع كسرة اللام الكسرات المتقدمة لما كانت القافية على الكسرة
472 - وقال من أحاط بعلم هذا الباب حمل قراءة من قرأ وأرجلكم بالفتح على المسح في الرجل والمصير إلى أنه محمول على محل رءوسكم أمثل وأقرب إلى قياس الأصول من حمل قراءة الكسر على الجوار فإن كل مجرور

(1/356)


اتصل الفعل به بواسطة الجار فمحله النصب وإنما الكسر فيه في حكم العارض فاتباع المعنى والعطف على المحل من فصيح الكلام ومن كلامهم يا عمر الجواد فإن المنادى المفرد العلم وإن كان مبنيا على الرفع فأصله النصب فرد الصفة إلى محله وأصله حسن بالغ
473 - فالمختار إذا في قوله وأرجلكم ما ذكره متبوع الجماعة وسيد الصناعة سيبويه إذ قال الكلام الجزل الفصيح يسترسل في الأحايين استرسالا ولا تختلف مبانيه لأدنى تغيير في معانيه وترى العرب المسح قريبا من الغسل فإن كل واحد منهما إمساس العضو ماء فإذا جرى في الكلام عطف مقتضاه التشريك وتقارب المعنيان لم يبعد إتباع اللفظ اللفظ وهو كقول قائهم ... ولقد رأيتك في الوغى متلقدا سيفا ورمحا ...
والرمح يعتقل ويتأبط ولا يتقلد ولكن التقلد والاعتقال حملان قريبان وهو مسكوت عنه في المعطوف فسهل احتماله ومنه قول الاخر ... فعلا فروع الأيهقان وأطفلت ... بالجهلتين ظباؤها ونعامها ...
قال سيبويه وهذا الذي ذكرناه وجه لا يخرج الكلام عن أساليب البلاغة والجزالةوتبسط المتكلم واسحنفاره وعدم انصرافه عن استرساله في التفاصيل أحسن وأبلغ من خرم اتساق الكلام لدقائق في المعاني لا تحتفل بها العرب ثم عضد ما قاله بأن قال ذكر الرب تعالى فرض الرجلين ذكره فرض اليدين

(1/357)


وربط منتهى الغرض في الرجلين بالكعبين ربطه واجب منتهى فرض اليدين بالمرفقين ومن يكتفي بالمسح فلا معنى لذكر الكعبين عنده وهذا راجع إلى إطباق حملة الشريعة قبل ظهور الاراء على غسل الرجلين ولما أراد رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يبين الوضوء غسل رجليه فاجتماع هذه الأمور في القرآن والسنة وفعل السلف أظهر من الجريان على ما يقتضيه ظاهر العطف
474 - ومال الكلام في المسألة راجع إلى أن من حمل كلام الشارع على وجه ركيك من غير ضرورة مخققه ولا قافية مضيقة جره ذلك إلى نسبة الشارع إلى الجهل باختيار فصيح الكلام أو إلى ارتياد الركيك من غير غرض وكلا الوجهين باطل
475 - فإن قيل بناء فعالل و فعاليل مما لا ينصرف في معرفة ولا نكرة وصرفه معدود من ضرورات الشعر وفي القران قراءات عصبة من القراء سلاسلا وأغلالا وقواريرا فما وجه صرف ذلك وليس صرفه مسوغا في سعة الكلام
قلنا اختلف أصحاب المعاني في ذلك فقال قائلون الألف في سلاسلا تضاهى إطلاق القوافى ثم قد تبدل العرب الألف نونا فتستروح إلى عينها استرواحها إلى استرسال الألف وفي الغايات ومقاطع الآيات بعض أحكام القوافى والصحيح أن الأصل صرف كل اسم متمكن وليس في صرف ما لا ينصرف خروج عن وضع الكلام وإنما منع الصرف في حكم تضييق طارىء على الكلام وأما كسر الجوار فخارج عن القانون كما سبق تقريره

(1/358)


ولسنا نلتزم الان تتبع كل مشكلة في القرآن وإنما غرضنا أن نبين أن الاحتكام بتأويل يتضن صرف الكلام إلى وجه ركيك في محل الظن غير سائغ من غير غرض
مسألة
476 - مما غلظ الشافعي فيه القول على المؤولين كل ما يؤدي التأويل فيه إلى تعطيل اللفظ
وخرج الشافعي على ذلك مسائل مستفادة ونحن نرى أن نفردها مسألة مسألة
477 - ونبدأ الان بالكلام على قوله تعالى إنما الصدقات للفقراء الآية قال الشافعي أضاف الله تعالى الصدقات بلام الاستحقاق إلى أصناف موصوفين بأوصاف فرأى بعض الناس جواز الاقتصار على بعضهم ذاهبا إلى أن المرعى الحاجة وهذا في التحقيق تأسيس معنى يعطل تقييدات أمر الله تعالى فلو كانت الحاجة هي المرعية لكان ذكرها أكمل وأشمل وأولى من الأقسام التي اقتضاها اللفظ ومقتضاها الضبط
فإذا قال المؤول الغرض التعرض للحاجة في جهة من هذه الجهات كان معطلا مؤولا فإن الحاجة قد لا تستمر في بعض الأصناف كالعاملين عليها وكبعض الغارمين الذين يتحملون الحمالات لتطفئة النائرة والفتن الثائرة فقد بطل التعويل على الحاجة
وإن كان أبو حنيفة يرعى الحاجة في جميع الأصناف فالمصير إلى

(1/359)


الكفاية ببعض جهات الحاجات تحكم والنص مصرح بذكر جميع الحاجات في معرض التشريك والعطف والتمليك ولو كان المراد ما تخيله المؤول لكان وجه الكلام إنما الصدقات للفقراء والمساكين فاستبان أن ما صار إليه المعترضون تعطيل وليس بتأويل
478 - واحتج الشافعي بالوصية على هؤلاء ولم يظن أن أحدا يجسر أن يقدم فيها على منع وتمام كلامه أنه إذا تعين اعتبار لفظ الموصى واعتقاده نصا فيجب تنزيل لفظ الكتاب على مثل ذلك وقد أحدث بعض المتأخرين منعا في الوصية وزعموا أنها بمثابة الصدقات فيجوز صرفها إلى واحد من ذوي الحاجات وهذا باطل قطعا فإن الوصايا تتلقى من ألفاظ الموصين فإذا صرف واحد طائفة من ماله إلى جهات عددها كان كما لو صرفها إلى أشخاص معينين فهذا منتهى المراد في هذه المسألة
مسألة
479 - مما عده الشافعي من القبيل المقدم الكلام على قوله تعالى فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى فقال علق الله الاستحقاق بالقرابة ولم يتعرض لذكر الحاجة فاعتبر أبو حنيفة الحاجة ولم يشترط القرابة والذي ذكره مضادة ومحادة
وقد ينقدح عندي نوع من الكلام في ذلك وهو أن يقال حرمت الصدقات على ذوي القربى فكان فائدة ذكرهم في خمس الفىء والغنيمة إيضاح أنه لا يمتنع من صرف ذلك إليهم امتناع صرف الصدقات وهذا مما لا ينبغي أن يغتر

(1/360)


به فإن صيغة الآية ناصة على سبب الاستحقاق لهم على حكم التخصيص والتشريف والتنويه والتنبيه على عظم أقدارهم فمن أراد حمل ذلك مع ما ذكرناه على جواز أن يصرف إليهم مع معارضة هذا الجواز جواز حرمانهم فقد عطل فحوى الاية
وهذا يعظم وقعه عليهم مع مصيرهم إلى أن اشتراط الإيمان في رقبة الظهار زيادة على النص فإن الرقبة مطلقة والقرابة في الاية مطلقة فيلزمهم أن يعتقدوا اشتراط الحاجة معها في حكم الزيادة
والذي نختتم المسألة به وهو البالغ أنهم لو حتموا صرف شيء إلى القرابة وشرطوا الحاجة لقرب ما ذكروا بعض القرب فأما وأصلهم أن المخصوصين من نسب الرسول والدانين من شجرته كالعجم الطماطم فلا يبقى مع هذا لمذهبهم وجه
مسألة
480 - من فاسد تصرفات أصحاب أبي حنيفة قولهم في قوله تعالى فإطعام ستين مسكينا تقديره فإطعام طعام ستين مسكينا قصدوا بهذا رد العدد إلى الطعام كي ينتظم لهم مذهبهم في جواز صرف الأطعمة إلى مسكين واحد
وهذا كلام خارج عن الضبط لا يخفى درك فساده على من شدا طرفا من العربية ونحن نذكر في ذلك على الإيجاز قولا بليغا
فنقول الإطعام مما يتعدى إلى مفعولين والفعل المتعدى إلى مفعولين ينقسم قسمين قسم يتعدى إلى مفعولين لا ينتظم منها مبتدأ وخبر لو فرض حذف الفعل

(1/361)


فتقول أعطيت زيدا درهما وأطعمت عمرا طعاما فلا يتسق من زيد والدرهم وعمرو والطعام مبتدأ وخبر عند تقدير حذف الفعل فلا تقول زيد درهم ولا عمرو طعام
والقسم الثاني ما يتعدى إلى مفعولين ينتظم منهما مبتدأ وخبر إذا حذف الفعل كقوله ظننت زيدا عالما فلو حذفت الفعل فقلت زيد عالم لكان كلاما مفيدا فما كان مفعولاه مبتدأ وخبرا تقديرا فإذا ذكر المتكلم أحد المفعولين تعين ذكر الثاني لما بين المفعولين من ارتباط الخبر بالمخبر عنه وما يختلف المفعولان فيه كالقسم المقدم فلا يمنع ذكر أحدهما والسكوت عن الثاني فتقول أعطيت زيدا وتقتصر وتقول أعطيت درهما ولا تذكر الموهوب له وقد تذكرهما والكل فصيح بالغ والسبب فيه أنه لا ارتباط لأحد المفعولين بالثاني من طريق الإخبار وإنما البناء للفعل والمخبر يتخير إن أحب أسنده إليهما وإن أحب أسنده إلى أحدهما فالتعويل على الفعل في باب الإعطاء ولهذا لا يسوغ تعطيل عمله وإن تقدم المفعولان في وجه الكلام فتقول زيدا درهما أعطيت فإذا تقدم مفعولا ظننت لم يقع فعل الظن موقعا فتقول زيد عالم ظننت لا يتجه غيره وإن وسطت الفعل تخيرت بين الإعمال والإلغاء فإن شئت قلت زيد ظننت عالم وإن شئت قلت زيدا ظننت عالما وإن قدمت الفعل فوجه الكلام الإعمال لظهور الاعتناء بالفعل إذا قدم
481 - فإذا ثبت ما نبهنا عليه من هذه القاعدة رجع بنا الكلام بعد هذا إلى قوله تعالى فإطعام ستين مسكينا والمساكين معطون والطعام في هذاالتقدير المفعول الثاني فقد جرى الكلام على إظهار أحد المفعولين وترك الثاني لما في الكلام من الدليل عليه وقد أوضحنا أن ذلك سائغ غير ممتنع وإذا ظهر أحد المفعولين أشعر ظهوره بقصد المتكلم إلى تصديق الاعتناء به والاكتفاء في الثاني

(1/362)


بما في الكلام من الدلالة عليه وطعام المسكين مشعر بقدر سداده وكفايته فلم يجر للقدر المذكور ذكر ووقع الاعتناء بذكر عدد الاخذين
هذا بيان الكلام فمن عذيرنا ممن يقدر حذف المظهر المعتبر وإظهار المفعول المسكوت عنه وهذا عكس الحق ونقيض الصدق وتغيير قصد الكلام بوجه لا يسيغه ذو عقل وقد أجرينا في الأساليب والعمد مسائل ومعتمد المذاهب فيها الأخبار وتناهينا في الكلام عليها فمن أرادها فليطلبها في مواضعها كمسألة خيار المجلس وبيع العرايا والمصراة وغيرها
ومن أعظم ما انبسط الكلام فيه نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن بيع البر بالبر في مسألة الحفنة بالحفنتين فلم نرسم هذه المسائل واكتفينا بإيرادها في مواضعها
مسألة
482 - إذا ظهر من رسول الله صلى الله عليه و سلم لفظ يدل على تعليل حكم فلا يرى الشافعي إزالة ذلك الظاهر بقياس وهذا كما روى أن النبي صلى الله عليه و سلم لما سئل عن بيع الرطب بالتمر قال للسائل
أينقص الرطب إذا يبس فقال نعم قال عليه السلام
فلا إذا فعلل منع بيع الرطب بالتمر بنقصان الرطب عند الجفاف عن التمر وهذا وإن لم يكن نصا في وضع اللسان في التعليل بحيث لا يقبل إمكان التأويل فهو ظاهر فيه فمن أراد أن يزيل هذا الظاهر بقياس كان ما يحاوله مردوا عليه والسبب فيه أن أصل قياسه إذا كان القياس قياسا معنويا معلل والقايس مطالب بإثبات العلة

(1/363)


وسيتعلق إذا طولب بمسلك من الظنون وظهور كلام الرسول في التعليل مقدم على ما يظهر في ظن المستنبط ويرجع بناء الكلام إلى تقديم مرتبة الخبر على مرتبة ظن القياس وهذا إذا لم يجد المؤول العاضد تأويله بالقياس لأصل قياسه كلاما يظهر للشارع في تعليل أصل القياس فإن وجد ذلك من كلام الشارع استوت المنزلتان والتحق ذلك بالتعارض وسيأتي قول بالغ في التعارض في كتاب الأخبار إن شاء الله تعالى
مسألة
483 - إذا وردت مناه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في عقود وظهر من شيم العلماء القائمين بالشرع حملها على الفساد فإذا اتفق التعلق بنهي عن العقد وهو على صيغ سائر المناهى فالشافعي لا يقبل حمله على الكراهية وهذا كنهيه عليه السلام عن نكاح الشغار فمن أراد حمله على الكراهية قيل له قد ثبت من عادات السلف الماضين حمل أمثال ما ذكرناه وتمسكنا به على الفساد وهذا الذي تعلقنا به على صورة سائر المناهى ونحن نعلم بما تحقق عندنا من شيم الماضين أن هذا لو نقل إليهم لجروا فيه على ما القوه في أمثاله فمن أراد مخالفة ما ظهر لنا منهم كان في حكم المخالف لهم
484 - وهذا عندي لا يبلغ في السقوط مبلغ ما تقدم من التأويلات في المسائل لا سيما والذي مثلنا به نواه في البيع والنكاح في وضعه بعيد الشبه بالبيع فلا يلزم من جريانهم على حمل المناهى في البيع القابل للفساد بالشروط الحكم بمثل ذلك عليهم في النكاح البعيد عن قبول الفساد بالشرط
وهذا الذي ذكرناه من المسائل لم نقصد بها حصر ما يفسد ويصح فإن

(1/364)


ذلك لا ينحصر ولكن رمنا بإيرادها الإيناس بها وإجراءها أمثالا وشواهد في تمهيد الأصول
485 - والضابط المنتحل من مسائل هذا الكتاب أن المؤول يعتبر بما يعضد التأويل به فإن كان ظهور المؤول زائدا على ظهور ما عضد التأويل به فالتأويل مردود وإن كان ما عضد التأويل به أظهر فالتأويل صائغ معمول به وإن استويا وقع ذلك في رتبة التعارض والشرط استواء رتبة المؤول وما عضد التأويل به فإن كان مرتبة المؤول مقدمة فالتأويل مردود وكل ذلك إذا كان التأويل في نفسه محتملا فإن لم يكن محتملا فهو في نفسه باطل والباطل لا يتصور أن يعضد بشيء
فليتخذ الناظر ما ذكرناه مرجوعه ومعتبره في جميع مسائل الشريعة
عود إلى ترتيب الكتاب
486 - وقد نجز مرادنا في التأويل تفصيلا وتأصيلا ونحن الآن نجدد العهد بترتيب يشتمل على ما مضى من الكتاب وعلى ما سيأتي منه حتى يتجدد عهد الناظر بترتيب أبواب الكتاب فإن معرفة الترتيب من أظهر الأعوان على درك مضمون العلوم القطعية
فنقول والله المستعان
487 - مقصود هذا الفن ذكر أصول الفقه على حقائقها ومراتبها ومناصبها وتفاصيلها وجملها

(1/365)


فأصول الفقه أدلته كما صدرنا الكتاب به وما يحال عليه أحكام الشرع وتعتقد مرتبطا لها ثلاثة أقسام نطق الشارع والإجماع الحاصل من حملة الشريعة وهم علماؤها ومسالك الاستنباط من مواقع ألفاظ الشارع وهو القياس
فأما نطق الشارع فنعني به قول الله تعالى وقول الرسول عليه السلام وينقسم الصنفان إلى النص والمجمل والظاهر وقد سبقت مفصلة فيقع القول في مقتضيات الألفاظ فنا كبيرا وصنفا عظيما ويحوي العموم والخصوص وصيغة الأمر والنهي وما يلحق بهذه الأبواب وقد مضى جميع ذلك
ثم قول الرسول عليه السلام ينقسم إلى متواتر وإلى ما ينقله الاحاد كما سيأتي إن شاء الله تعالى
فأما قول الله فهو الذي أجمع المسلمون عليه من السور والآيات في القرآن وألحق بعض المتكلمين القراءات الشاذة بأخبار الآحاد وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى والحق المختار عندنا في كتاب الأخبار
وقد ذكرنا أحكام الألفاظ وبقى علينا تقاسيم أخبار الرسول عليه السلام ومواقعها والمقطوع به منها والظنون
ونحن الآن نفتح كتاب الأخبارعلى أشمل وجه وأوجزه فإذا انتجز عقبناه بالإجماع ثم نذكر بعده كتاب القياس ثم نعقبه بكتاب الترجيح ثم نذكر بعده النسخ ثم إذا انتجز ذكرنا الفتوى وصفات المفتين والاستفتاء وما على المستفتين وأوصاف المجتهدين ونختتم الكتاب بالقول في تصويب المجتهدين وهو غاية الغرض من هذا المجموع فنبتدىء الآن

(1/366)


باب الأخبار
488 - الأخبار صنف من أصناف الكلام وهو قائم بالنفس عند معتقد كلام النفس والعبارات تراجم عنه وقد ذكرنا في إثبات كلام النفس والغوائل المتطرقة إلى مثبتيه ما فيه مقنع للمعتبر ومضطرب للمتفكر
والخبر هو الذي يدخله الصدق والكذب ويتميز بذلك عن جميع أقسام الكلام كالأمر والنهي والاستخبار على ما قدمنا رأى كل فريق في تقاسيم الكلام
فرأى القاضي الصدق والكذب على التنويع بلفظ أو إذ ذلك أمثل من الإتيان بهما فإن من قال الخبر يدخله الصدق والكذب أو هم إمكان اتصالهما بخبر واحد وإذا ردد ونوع فقال ما يدخله الصدق أو الكذب فقد تحرز من ذلك والذي تقتضيه صناعة الحد ارتياد أبلغ الألفاظ وأبعدها عن الإيهام وأقربها إلى الأفهام والذي لم يأت بالكلام على صيغة التنويع قال لسنا نحاول حد خبر واحد وإنما نتعرض لجنس الخبر والصدق والكذب يجريان في جنس الخبر والقول في ذلك قريب
489 - فإن قيل لم سمى الأصوليون ما نقله الرواة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أخبارا ومعظمها أوامر ونواه
فأجاب القاضي عن ذلك بوجهين أحدهما أن حاصل جميعها آيل إلى الخبر فالمأمور به في حكم المخبر عن وجوبه وكذلك القول

(1/367)


في النواهي وبهذا دلت المعجزة على وجوب قبولها منه والمعجزة تدل على الصدق والسر فيه أنه عليه السلام ليس آمرا على الاستقلال وإنما الآمر حقا الله تعالى وموضع صيغ الأمر من المصطفى صلى الله عليه و سلم في حكم الأخبار عن أمر الله فهذا وجه تسمية جميع المنقول خبرا
490 - والوجه الثاني أنها سميت أخبارا لنقل النقلة المتوسطين وهم مخبرون عمن روى لهم والذين عاصروا رسول الله صلى الله عليه و سلم كانوا لا يقولون إذا بلغهم أمر أخبرنا رسول الله صلى الله عليه و سلم بل يقولون أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم فالمنقول إذا استجد اسم الخبر في المرتبة الثالثة إلى حيث انتهى
ثم أول ما نبتديه القول في تقاسيم الأخبار إلى المتواتر والمنقول آحادا وإذا تم غرض القمسين نجز بنجازه معظم مقصود الكتاب
فلتقع البداية بالخبر المتواتر
القول في الخبر المتواتر
491 - الذي يقتضيه الترتيب أن نصدر الخبر بذكر شرائطه ونصف الخبر المتواتر ثم نذكر قول الناس فيه وفي إفضائه إلى العلم
فنقول ذكر الأصوليون شرائط الخبر المتواتر
منها أن يخبر المخبرون عما علموه ضرورة فإذ ذاك يتضمن العلم ويقتضيه فأما إذا أخبروا عما علموه نظرا فنفس خبرهم لا يقتضي علما وإن أخبر

(1/368)


أهل الزمان قاطبة بحدث العالم لم يفد خبرهم علما وكانت طلبات العقل قائمة إلى حين قيام البرهان والذين أخبروا عن كثير من النظريات زائدون على عدد النقلة تواترا
والسبب في ذلك أن النظر مضطرب العقول ولهذا يتصور الاختلاف فيه نفيا وإثباتا فلا يستقل بجميع وجوه النظر عاقل والعقلاء ينقسمون أولا إلى راكن إلى الدعة والهويني من برحاء كد النظر وإلى ناظر ثم النظار ينقسمون ويتحزبون أحزابا لا تنضبط على أقدار القرائح في انتهاء ذكائها واتقادها وبلادتها واقتصادها ومن أعظم أسباب اختلافهم اعتراض القواطع والموانع قبل استكمالها النظر فلا يتضمن أخبار المخبرين في مجارى النظريات صدقا ولا كذبا
492 - وقيد طوائف من الأصوليين هذا الركن الذي فيه نتكلم باشتراط إسناد الأخبار إلى المحسوس ولا معنى لهذا التقييد فإن المطلوب صدر الخبر عن العلم الضروري ثم قد يترتب على الحواس ودركها وقد يحصل عن قرائن الأحوال ولا أثر للحس فيها على الاختصاص فإن الحس لا يميز احمرار الخجل والغضبان عن احمرار المخوف المرعوب وإنما العقل يدرك تمييز هذه الأحوال ولا معنى إذا للتقييد بالحس
493 - والوجه اشتراط صدر الأخبار عن البديهة والاضطرار ثم لا نظر إلى تفاصيل مقتضيات العلوم الضرورية فهذا شرط

(1/369)


494 - ومما يشترط في الخبر المتواتر الذي يفضي إلى العلم صدوره عن عدد وقد اضطرب الناس في ذلك اضطرابا فاحشا فنقل أصحاب المقالات عن النظام أنه قال قد يتضمن إخبار الواحد العلم الضروري فلا يشترط على موجب هذا النقل عنده عدد ولا يتضح مذهبه الآن نبين حقيقته عند ذكرنا الحق المختار
495 - وذهب من سواه من الخائضين في هذا الفن إلى اشتراط العدد ثم تباينت مذاهبهم فيه فلم يغادروا على اختلاف الاراء عددا في الشرع وهو مرتبط حكم أو جار وفاقا في حكاية حال إلا مال ذاهبون بالاعتقاد إليه فذهب قوم إلى اعتبار الأربعين مصيرا إلى عدد الجمعة عند بعض الفقهاء وذهابا إلى أن هذا العدد هو الذي نزل فيه قوله تعالى يايها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين نزلت هذه الاية لما امن أربعون من الرجال وكملت العدة بإسلام عمر وذكر بعضهم عدد رجال بدر وهم ثلثمائة وثلاثة عشر وذكر آخرون عدد أهل بيعة الرضوان وهم كانوا ألفا وسبعمائة واعتبر آخرون السبعين لقوله تعالى واختار موسى قومه سبعين رجلا وقال طوائف من الفقهاء ينبغي أن يبلغوا مبلغا لا يحويهم بلد ولا يحصيهم عدد وهذا سرف ومجاوزه حد وذهول عند مدرك الحق
496 - وقال القاضي أعلم أن عددهم يزيد على اقصى العدد المرعى في بيانات الشريعة وزعم أن إخبار الأربعة لا يتضمن العلم فإنه عدد بينة الزنا ونحن نعلم أن البينات في تفاصيل الحكومات لا تثمر العلوم وما زال القضاة مكتفين بغلبات الظنون في أقضيتهم ثم لم يقطع القاضي بأن إخبار الخمسة يوجب العلم ولم ينفه وإنما

(1/370)


محل قطعه أن الأربعة لا يوجب إخبارهم العلم
وذكر القاضي رحمه الله في بعض مصنفاته أن الوجه في درك ذلك أن يمتحن اللبيب أخبار المخبرين عن الضروريات فلا يجد من نفسه العلم على عدة مخصوصة والمخبرون يتزايدون والممتحن في ذلك يحس وجدان نفسه وما يدركه من الثلج واليقين ويتخذ العدد الذي اتصل بأخبارهم علمه معتبرا
497 - والذي أراه أن هذه المذاهب منقسمة فمنها ما هو مصروف عن مدرك الحق ومنها ما هو محوم وليس بوارد ونحن نتتبع جميعها بالنقض حتى إذا بطلت لاح من منتهى بطلانها الحق المبين ونستفتح عند ذلك وجه الحق مستعينين بالله
498 - ونبدأ باتباع مذاهب أصحاب الأعداد ونتكلم على جميعهم بثلاثة أنواع من الكلام أحدها أن نعارض بعض المذاهب ببعض فلا يتجه عند تعارضها ترجيح بعض على بعض وإن عن ترجيح فليس ذلك من مدارك الحق المقطوع به فإن الترجيحات ثمراتها غلبات الظنون في مطرد العادة
499 - والثاني أنه لا يتعلق شيء من هذه الأعداد التي هي مستندات المذاهب بالأخبار وإنما هي قضايا واتفاقات جرت في حكايات أحوال وليس في العقل ما يقضى بمناسبة شيء منها لاقتضاء العلم فلا وجه لاعتبار شيء منها

(1/371)


500 - والوجه الثالث أن المطلوب من الخبر المتواتر وجدان الصدق على ثلج من الصدر في المخبر عنه وما من عدد تمسك به طائفة إلا ويمكن فرض تواطئهم على الكذب فكيف يفيد النظر إلى عدد ربط به مقصود غير مناسب للمطلوب من الخبر المتواتر مع إمكان تصور الخبر على حكم الخلف الذي يبغى سامع الخبر انتفاءه
وبالجملة الأعداد التي تمسك بها هؤلاء منقسمة إلى ما تقدر معتبرة في أقاصيص وحكاية أحوال على وفاق وكان لا يمتنع أن يقع أقل من تلك المبالغ أو أكثر وإلى ما ورد في أحكام لا تعلق لها بالصدق والكذب فلا معنى للتمسك بها
501 - وأما ما ذكره القاضي فهو موافق فيما أخرجه عن الضبط ونفاه حيث قال ليس الأربعة عدد التواتر فأما تردده في الخمسة فلا وجه له فإنا لا نبعد في مجرى الاعتياد التواطؤ على الكذب من خمسة وستة وليس ذلك من الأمور البديعة المعدودة من نوادر وقائع الزمان والذي جعله معتبرا من أمر البينات ليس بالمرضى فيما نطلبه فإن مما ورد الشرع به الاستظهار بمزيد العدد في الوقائع الخطيرة وقد يستظهر القاضي بعد تمام عدة البينة بالتماس مزيد في الشهود ثم ما يفرض من مزيد لا يفضى إلى العلم المقطوع به فلئن كان الخامس خارجا عن عدد البينات فهو داخل في الاستظهار المأذون فيه ولم نذكر هذا الفصل لنتخذه معولنا ولكنا عارضنا القاضي بما ينقض عليه مذهبه
502 - وأما من قال إن عدد التواتر لا يحويهم بلد ولا يحصيهم عدد فقد أسرف فإن التواتر يقع بدون ذلك وإذا أخبر جمع كثير في بلدة عن واقعة

(1/372)


شاهدوها واستجمع إخبارهم الشرائط المرعية التي نحن في تفصيلها فيحصل العلم الضروري بإخبارهم وهم بعض من أهل البلدة والخروج عن إمكان العدد لا يعتبر شرطا وليس عدد معظم أهل الدنيا خارجا عن إمكان البشر
فإذا بطلت هذه المذاهب ولم يبق إلا مذهب النظام فسندرجه في مجاري الكلام المشتمل على اختيار الحق
503 - فإن قيل فماذا ترضون في ذلك
قلنا الخوض فيما نؤثره يستدعي تقديم أمر وهو أن العلوم الحاصلة على حكم العادات وجدناها مرتبة على قرائن الأحوال وهي لا تنضبط انضباط المحدودات بحدودها ولا سبيل إلى حجدها إذا وقعت وهذا كالعلم بخجل الخجل ووجل الوجل ونشط الثمل وعضب الغضبان ونحوها فإذا ثبتت هذه القرائن ترتب عليها علوم بديهية لا يأباها إلا جاحد ولو رام واجد العلوم ضبط القرائن وصفها بما تتميز به عن غيرها لم يجد إلى ذلك سبيلا فكأنها تدق عن العبارات وتأبى على من يحاول ضبطها بها
وقد قال الشافعي رحمه الله من شاهد رضيعا قد التقم ثديا من مرضع ورأى فيه اثار الامتصاص وحركات الغلصمة وجرجرة المتجرع لم يسترب في وصول اللبن إلى جوف الصبي وحل له أن يشهد شهادة باتة بالرضاع ولو أنه لم يبت شهادته في ثبوت الرضاع ولكنه شهد على ما رأى من القرائن وأطنب في وصفها واستعان بالوصافين المعرفين فبلغ ذكر القرائن مجلس القاضي فلا يثبت

(1/373)


الرضاع بذلك لأن ما سمعه القاضي وصف لا يبلغ مبلغ العيان والذي يفضي بالمعاين إلى درك اليقين يدق مدركه عن عبارة الوصافين ولو قيل لأذكى خلق الله قريحة وأحدهم ذهنا افصل بين حمرة الخجل وحمرة الغضب وبين حمرة المرعوب لم تساعده عبارة في محاولة الفصل فإن القرائن لا تبلغها غايات العبارات
504 - فإذا تمهد ذلك قلنا
لا يتوقف حصول العلم بصدق المخبرين على حد محدود وعدد معدود ولكن إذا ثبتت قرائن الصدق ثبت العلم به فإذا وجدنا رجلا مرموقا عظيم الشأن معروفا بالمحافظة على رعاية المروءات حاسرا رأسه شاقا جيبه حافيا وهو يصيح بالثبور والويل ويذكر أنه أصيب بوالده أو ولده وشهدت الجنازة ورؤى الغسال مشمرا يدخل ويخرج فهذه القرائن وأمثالها إذا اقترنت بإخباره تضمنت العلم بصدقه مع القطع بأنه لم يطرأ عليه خبل وجنة والذي ذكره النظام ما أراه إلا في مثل هذه الصورة فإنه لا يخفى على غبي من حثالة الناس أن الواحد قد يخبر صادقا وقد يخبر كاذبا فلا تقع الثقة بأخباره
ولكن لعله قال لا يبعد أن يحصل الصدق بإخبار واحد فعزى إليه جزم القول في ذلك مطلقا وليس من الإنصاف نسبة رجل من المذكورين إلى الخروج عن المعقول من غير غرض
505 - وإذ ذكرت إمكان حصول العلم بصدق مخبر واحد فإنى أفرض تخلف العلم بالصدق عن إخبار عدد كثير وجم غفير إذا جمعتهم إيالة وضمنهم في اقتضاء الكذب حالة فإن الملك قد يواطىء قواد الجند في مكيدة ليواطئوا بالمترتبين في جملتهم وغرضه إخفاء أمره ليشن غارة فيقع التواطؤ على الكذب فيما أشرنا

(1/374)


إليه ولا تعويل على العدد بمجرده أصلا
ولكن إذا انتفى ما ذكرناه من تقدير جامع على التواطؤ وبلغ المخبرون مبلغا لا يقع في طرد العادة اتفاق تعمد الكذب فيهم ولا يجري ذلك من امثالهم سهوا وغلطا أيضا فتصير حينئذ الكثرة مع انتفاء أسباب التواطؤ قرينة ملحقة بالقرائن التي ترتبت عليها العلوم فالعدد في عينه ليس مغنيا إذ يتصور معه تقدير حالة ضابطة وإيالة حاملة على الكذب رابطة للكذب
506 - وأنا الآن أنخل للناظر جميع مصادر المذاهب ليحيط بها ويقضى العجب من الاطلاع عليها ويتنبه لسبب اختلاف الاراء فيها ويجعل جزاءنا منه دعوة بخير
507 - أما النظام فإنما نظر إلى إمكان الصدق مع القرينة وإن اتحد المخبر ولم يطرد ذلك في كل أحد
508 - ونقل النقلة عن السمنية أنهم قالوا لا ينتهى الخبر إلى منتهى يفضي إلى العلم بالصدق وهو محمول على أن العدد وإن كثر فلا يكتفي به حتى ينضم إليه ما يجري مجرى القرينة من انتفاء الحالات الجامعة
509 - وذهب الكعبي إلى أن العلم بصدق المخبرين تواترا نظرى وقد كثرت

(1/375)


المطاعن عليه من أصحابه ومن عصبة الحق والذي أراه تنزيل مذهبه عند كثرة المخبرين على النظر في ثبوت إيالة جامعة وانتفائها فلم يعن الرجل نظريا عقليا وفكرا سبريا على مقدمات ونتائج وليس ما ذكره إلا الحق
510 - وظن ظانون أن العدد معتبر فانقسموا قسمين فاختبط قوم ولم يجدوا متعلقا عقليا فارجحنوا إلى أعداد سمعية وكان هؤلاء أبعد البرية عن درك الحق
وتفطن آخرون لبطلان هذا المأخذ مع الاصرار على التشوف إلى العدد فغلا غالون فقالوا هم الذين لا يحويهم بلد وهذا كلام ركيك واقتصد القاضي فضبط ما رآه دون عدد التواتر وبقى على تردد في عدد التواتر
511 - ومن عجيب الأمر وهو خاتمة الكلام ما أبديه الان قائلا الكثرة من جملة القرائن التي تترتب عليه العلوم المجتناة من العادات مع انضمام انتفاء الإيالات عنها وكل قرينة تتعلق بالعادة يستحيل أن تحد بحد أو تضبط بعد وما عندي أن ذلك يخفى على المستطرفين في هذا الفن فليت شعري كيف تشوفوا إلى ضبط ما يستحيل ضبطه ثم اختلفوا وتقطعوا
512 - وأنا أقول المحكم في ذلك العلم وحصوله فإذا حصل استبان للعاقل ترتبه على القرائن فإن العلم في العادة لا يحصل هزلا وقد يختلف ذلك باختلاف الوقائع وعظم أخطارها وأحوال المخبرين وهذا هو المنتهى الذي ليس بعده مطلب لمتشوف
ونحن نذكر بعد ذلك مجامع من كلام الناس في شرط التواتر وراء ما ذكرناه بعضها قريب مقتصد وبعضها باطل

(1/376)


513 - فمما ذكره الأصوليون في شرط التواتر استواء الطرفين والواسطة وعنوا به أن العصور إذا تناسخت فلا يكفي توافر الشرائط وكمال العدد في طرف النقل من الرسول صلى الله عليه و سلم مثلا بل ينبغي أن يدوم ذلك في كل عصر وقد ينقلب التواتر احادا وقد يندرس ما تواتر دهرا على ما سيأتي ذلك مشروحا
فالمتواتر من أخبار الرسول صلى الله عليه و سلم في حقوقنا ما اطردت الشرائط فيه عصرا بعد عصر حتى انتهى إلينا وهذا لا خفاء به ولكنه ليس من شرائط التواتر وحاصل ذلك أن التواتر قد ينقلب احادا وليس الأمر كذلك ولكنه من تفاصيل القول فيما يتواتر وينقلب احادا وليس من شرائط وقوع التواتر
514 - وذكر بعض أصحاب المقالات عن اليهود أنها اشترطت في التواتر أن يكون في المخبرين أصحاب ذلة وصغار وزعموا أنه إذا كان أصحاب الأخبار أصحاب الاختيار ولم يختلط بهم أقوام هم تحت صغار الانتهار فقد يظن بذوي الاختيار الاستجراء على الكذب
وهذا ساقط فإنا على اضطرار نعلم أن الجمع العظيم مع رعاية القرائن المذكورة إذا أخبروا عن واقعة عاينوها نعلم صدقهم وإن لم يكن من جملتهم أهل ذلة ومثل هذا لا يعارضه تشكيك المتخيلين وما تشبثوا به من اجتراء أهل الاختيار على الكذب معكوس عليهم بإمكان حملهم على الكذب انتهارا وإجبارا
515 - والجملة في ذلك أن التواتر من أحكام العادات ولا مجال لتفصيلات الظنون فيها فليتخذ الناظر العادة محكمة

(1/377)


وقد أتى هذا المقدار على أسرار لا تحويها أسفار وهو على إيجازه لا يغادر وجها من البيان تمس إليه الحاجة وينزل كل كلام وراءه كالفضل المستغنى عنه
فصل في تقاسيم الأخبار
516 - ذكر الأئمة رضي الله عنهم تقاسيم الأخبار وقالوا إنها ثلاثة أقسام
أحدها ما يقطع بصدقه والثاني ما يقطع بكذبه والثالث مالا يقطع فيه بواحد منهما
517 - فأما ما يقطع بصدقه فمنه ما يوافق المعقول ثم المعقول ينقسم إلى ضروري مهجوم عليه وإلى نظري يوصل إليه صحيح النظر فأما الخبر عن الضروري فكقول القائل الضدان لا يجتمعان وكإخبار المخبر عن المحسوسات ونحوها من البدائه وأما الخبر عن النظري فكقول القائل العالم حادث مفتقر إلى صانع مختار إلى غير ذلك
518 - ومما يتخالج في الصدر من هذا القسم أن المعترض قد يعترض فيقول خير المخبر في الفنون التي ذكرتموها ليس مقتضيا صدقا وإنما السبيل المفضى إلى درك المخبر به نظر العقول في ضرورتها والأمر في ذلك قريب فإن الغرض منه عد ما يوصف بالصدق من الأخبار وما ذكرنا بهذه الصفة ومما يحكم بصدقه ما يقتضي اطراد العادة موافقته وهو الخبر المتواتر الذي سبق وصفه ووضح أن تلقى الصدق منه مستند إلى مستقر العادة والقرائن العرفية
519 - وذكر الأستاذ أبو إسحاق رحمه الله قسما اخر بين التواتر والمنقول آحادا وسماه المستفيض وزعم أنه يقتضي العلم نظرا والمتواتر يقتضيه ضرورة ومثل ذلك المستفيض وما يتفق عليه أئمة الحديث

(1/378)


وهذا الذي ذكره مردود عليه فإن العرف واطراد الاعتياد لا يقضي بالصدق فيه ولا نرى وجها في النظر يؤدي إلى القطع بالصدق نعم ما ذكره مما يغلب على الظن الصدق فيه فأما أن يفضي إلى العلم به فلا
520 - وقال الأستاذ أبو بكر بن فورك رحمه الله الخبر الذي تلقته الأئمة بالقبول محكوم بصدقه وفصل ذلك في بعض مصنفاته فقال إن اتفقوا على العمل به لم يقطع بصدقه وحمل الأمر على اعتقادهم وجوب العمل بخبر الواحد وإن تلقوه بالقبول قولا وقطعا حكم بصدقه
521 - قال القاضي لا يحكم بصدقه وإن تلقوه بالقبول قولا وقطعا فإن تصحيح الأئمة للخبر مجرى على حكم الظاهر فإذا استجمع خبر من ظاهره عدالة الراوي وثبوت الثقة به وغيرها مما يرعاه المحدثون فإنهم يطلقون فيه الصحة ولا وجه إذا للقطع بالصدق والحالة هذه
ثم قيل للقاضي لو رفعوا هذا الظن وباحوا بالصدق فماذا تقول فقال مجيبا لا يتصور هذا فإنهم لا يتوصلون إلى العلم بصدقه ولو قطعوا لكانوا مجازفين وأهل الإجماع لا يجتمعون على باطل
522 - ومن أقسام الصدق مدلول المعجزة والتحق به صدق النبي وصدق كل من صدقه النبي عليه السلام
523 - فأما القسم الثاني من الأقسام الثلاثة فهو ما يقطع بكونه كذبا

(1/379)


وهو متنوع فمنه ما يخالف المعقول ضرورة أو نظرا وهو مناقض لما يوافق المعقول في القسم الأول
ومنه ما يجري على وجه يكذبه حكم العادة وهذا يتفنن فنونا منها
أن يخبر آحاد بوقوع حادثة عظيمة حكم العادة فيها أن تشيع لو وقعت فإذا لم تشع تبين كذب المخبرين وهي كإخبار أقوام من الآحاد عن مقتلة هلك فيها أمم في البلدة على قرب من العهد وكالإخبار عن دخول ملك صقعا فهذا وما في معناه حكم العرف فيه الشيوع وهذا من الأصول العظيمة التي تستند إليها امور خطيرة وتتوجه فيها غائلة هائلة ونحن نعددها ونأتي بمجامعها إن شاء الله تعالى
524 - فمما نبينه على ذلك إيضاح بهت الروافض في ادعاء النص على على كرم الله وجهه في الإمامة فإن هذا لو كان لما خفى عن أهل بيعة السقيفة ولتحدثت به المرأة على مغزلها ولأبداه مخالف أو موالف وبهذا المسلك يتبين بطلان قول من يقول إن القرآن الكريم قد عورض فإن ذلك لو جرى لما خفى وبه يتبين فساد قول العيسوية إذ قالوا في التوراة إن موسى آخر مبعوث فإن ذلك لو كان لذكره أحبار اليهود في زمن رسول الله صلى الله عليه و سلم ولما أبدوا عنه معدلا إلى تحريف نعت رسول الله عليه السلام وتبديل الأقرن

(1/380)


بالأبلج والأدهم بالأشقر إلى غير ذلك من تحريفاتهم
525 - والقول الواضح في ذلك أن مسلك العلم بصدق الخبر المتواتر على ما سبق وصفه أن المخبرين لا يتواطئون عند زوال القرائن الضابطه والايالات الحاملة على التواطؤ ويئول مستند القول إلى مطرد العرف وهذا المسلك بعينه مطرد في شيوع الفنون التي ذكرناها
526 - ثم ما يقضى العرف فيه بالشيوع ينقسم فمنه ما يثبت على الشيوع عند الوقوع وينقله المخبرون تواترا زمنا ثم يتناقص اهتمام النقلة بنقله حتى ينتهي إلى نقل الآحاد وقد يفضى طول الأمد إلى دروسه ومنه ما يتمادى زمان التواتر فيه إذا قامت في النفوس دواعي نقله
والقسم الأول يمثل بدخول ملك بلدة أو ما ضاهاها والقسم الثاني يمثل بالأمور الدينية فإن همم أصحاب الدين متوفرة على نقل الجليات فيه فإن وهي فبالحرى أن يتداعى إلى الأخبار الدينية الدروس
527 - ومما يتعلق بذلك أن الجمع العظيم إذ تواطئوا على الكذب لامر إيالى فإن كذبهم يستبين على ممر الزمان في حكم العرف وينكشف الغطاء فيه على قرب
528 - فهذه الأصول مهدناها وبينا ما يستند من أمور الدين إليها

(1/381)


ونحن نوجه الآن أسئلة يتعين الاعتناء بالبحث عنها ونذكرها أولا ثم نتعقبها بالكلام عليها إن شاء الله
529 - فمنها أن حجة الوداع كانت من أظهر الوقائع وقد اختلف الرواة في حج رسول الله صلى الله عليه و سلم فنقل طائفة أنه أفرد ونقل اخرون أنه قرن
ومنها أن انشقاق القمر كان من أعظم الايات ثم لم يثبت النقل فيه تواترا على أنه أمر ديني
ومنها وهو أعوصها إفراد الإقامة وتثنيتها فإن بلالا كان يقيم بعد الهجرة إلى انقلاب رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى رضوانه في اليوم والليلة خمس مرات ثم اختلف النقلة فيه وغاية بعض العلماء أن يثبت ظهور رواياتهم ومحل الإشكال أنه كيف لم ينقل تواترا
530 - فهذه الأسئلة يتعين الاعتناء بالانفصال عنها وتنزيلها محالها
فأما إحرام رسول الله عليه السلام فسبب التردد في نقله أنه صلى الله عليه و سلم

(1/382)


كان على تردد في أمره وقيل إنه مطلقا ينتظر الوحى فنزل عليه جبريل ان يجعله حجا هكذا رواه جابر بن عبد الله وهو أحسن الرواة سياقا للرواية وهذا إلى علم الصحابة بأن الإفراد والقران جميعا مسوغان ولا يبعد في حكم العادة عدم الاعتناء بالأفضل والأكمل ولا يمتنع أن يلتحق بما ذكرناه في أثناء الكلام وهو ما يقتضى العرف إشاعته أولا مع إفضاء الأمر إلى الدروس على قرب وليس هذا ببعيد في السبر
وبالجملة ما ذكرناه من حكم الشيوع متلقى من ضرورات العقول فليس فيه مراء فإن عورضنا بواقعة وجهل السائل فيها جريانها على خلاف الأصل الممهد لم يقبل ذلك منه قطعا واعتقد في الواقعة خروجها عن حكم القاعدة ومباينتها لها في وجه ثم الخيرة إلينا أن أحببنا اقتصدنا على إجمال ذلك وإن أحببنا تكلفنا محملا يقتضي الخروج عن حكم العرف ولا سبيل إلى تشكيك الأنفس

(1/383)


531 - فأما انشقاق القمر فذهب بعض علماء الإسلام إلى أن معنى قوله تعالى وانشق القمر أنه سينشق عند قيام الساعة وشهد لذلك ذكره مقترنا باقتراب الساعة والشيء إذا تناهى قربه يقام الماضي فيه مقام المستقبل قال الله تعالى أتى أمر الله فلا تستعجلوه معناه سيأتي أمر الله وقد مال الحليمي إلى هذا المذهب ويمكن أن يقال انشقاق القمر اية ليلية لعله جرى والخلق نيام والمتيقظون في أكنان لا يترقبون القمر وإن لحظة لاحظ وفاقا فغير بدع أن يحمله على تشعب في أشعة البصر وانعراج عن الاستداد فهذا وجه التكلف فيه فإن وقع الانشقاق فلا محل لعدم الشيوع فيه إلا ما ذكرناه والتعويل على ما سبق من أن الأمر الضروري لا تخرمه التخييلات
532 - وأما أمر الإقامة وهو من أغمض الأسئلة فإنها من الشعائر الجلية المتكررة فلم ينقدح عند القاضي وجه في عدم الشيوع إلا أنه قال لعله كان

(1/384)


يثنى مرة ويفرد أخرى فلم يشع واحد منهما وهذا قد يعترض عليه وجوب الشيوع في أن بلالا رضي الله عنه كان يفعل تارة هكذا وتارة هكذا ثم المعتمد عندي في ذلك أن الصحابة رضي الله عنهم هونت أمر الإفراد والتثنية فلم يعتنوا بالإشاعة فإذا أشاعوا أفضى إلى الدروس وليس ذلك بدعا فيما ليس من العزائم وهذا تنضم إليه بدع ثارت مع تواتر من أصحاب سلطنة واقتهار فإنه جرى من اخر أيام على كرم الله وجهه إلى قريب من مائة سنة دواه تشيب النواصي واستجرأ على تغيير ما كان منوطا بالأمراء وكانت الجماعة وإقامة شعائرها من أهم ما يهتم به الأمراء فلعل الشيوع على حكم العادة كان قد أثبت ثم ألهى الناس عنه ما أحدثه النابغون وحقنا أن نحكم الأصول فيما نأتي ونذر ولا نسلك بمسلك الحقائق ذبا عن مذهب
533 - فإن زعم زاعمون أن ما ذكرتموه يتوجه في النص على على رضي الله عنه قلنا لو كان لظهر يوم السقيفة فإن خلافة أبي بكر رضي الله عنه ما كانت أيدت بشوكة قاهرة وإنما كان الأمر فوضى وهذا واضح وأيضا فإن أمر الولايات من أخطر الأشياء في العادات ولا تتشوف النفوس لنقل شيء تشوفها إلى ما يتعلق بالولايات ففيها تطير الجماجم عن الغلاصم وتتهالك النفوس في

(1/385)


الملاحم وهذا مطرد في أحكام العادات وفي عرف أهل الديانات والولايات
وأما الإقامة فشعار مسنون ليس بالعظيم الوقع في العرف والشرع وقد يمر بالناس أيام لو روجعوا عن كيفية الإقامات في الجماعات لم يذكروها
534 - ومما يلزم من هذا الفن اضطراب الرواة في أن رسول الله صلى الله عليه و سلم فتح مكة عنوة وصلحا وهذا قريب فإن أصل دخوله عليه السلام مع أكمل العدد والعدد منقول متواترا ولا شك أنه عليه السلام لم يلق قتالا والأمر وراء ذلك تقديرات تختبط فيها النقلة فلم يلزم مع تمادى الأمر وطول الزمن استمرار حكم الشيوع فيها
وقد نجز ما حاولناه في هذا القسم إذ قلنا كل خبر يخالفه حكم العرف فهو كذب
535 - ومما نذكره من أقسام الكذب أن يتنبأ متنبىء من غير معجزة فيقطع بكذبه وهذا مفصل عندي
فأقول إن تنبأ متنبىء وزعم أن الخلق كلفوا متابعته وتصديقه من غير آية فهو كاذب فإن مساقه مفض إلى تكليف ما لا يطاق وهو الأمر بالعلم بصدقه من غير سبيل مؤد إلى العلم فأما إذا قال ما كلف الخلق اتباعي

(1/386)


ولكن أوحى إلى فلا يقطع بكذبه
536 - فإن قيل من أصلكم القول بالكرامات الخارقة للعادات فإذا أخبر المخبر أن جبلا يقلع له من أصله فهذا إخبار يخالف حكم العرف والعادة ويلزم منه أن يقال أخبرنا مخبر ونحن في كن أن الجبل المظل القريب منا قد يقلع الآن ينبغي أن يجوز صدقه الآن حملا على الكرامة وهذا يهدم أحكام العرف وما يتلقى منه
قلنا هذا مما نستخير الله فيه فلا وجه للتشكيك في كذب هذا المخبر وإنما تجوز الكرامات وقوعا عند عموم انخراق العادات ومصير الأمر إلى حالة لا يستبعد أهل العادة صدق المخبر فيما يخبر عنه فلينعم المنتهى إلى هذا الفصل نظره وليتدبر غائلته بالبدل
537 - فأما القسم الثالث فهو الذي لا يقطع فيه بالصدق ولا الكذب وهو الذي نقله الاحاد من غير أن يقترن بالنقل قرينة تقتضي الصدق أو الكذب على ما سبقت الإشارة إلى القرائن فهذا الصنف لا يفضى إلى العلم بصدق المخبر ولا يقطع بكذبه أيضا
ونحن نسعين بالله ونستفتح الآن القول في أخبار الآحاد والله الموفق للسداد

(1/387)


أخبار الآحاد
مسألة
538 - ما ذهب إليه علماء الشريعة ومفتوها وجوب العمل عند ورود خبر الواحد على الشرائط التي سنصفها ثم أطلق الفقهاء القول بأن خر الواحد لا يوجب العلم ويوجب العمل وهذا تساهل منهم والمقطوع به أنه لا يوجب العلم ولا العمل فإنه لو ثبت وجوب العمل مقطوعا به لثبت العلم بوجوب العمل وهذا يؤدي إلى إفضائه إلى نوع من العلم وذلك بعيد فإن ما هو مظنون في نفسه يستحيل أن يقتضي علما مبتوتا فالعمل بخبر الواحد مستند إلى الأدلة التي سنقيمها على وجوب العمل عند خبر الواحد وهذا تناقش في اللفظ ولست أشك أن أحدا من المحققين لا ينكر ما ذكرناه
وذهب طوائف من الروافض إلى أن خبر الواحد لا يناط به وجوب العمل وهؤلاء أنكروا الإجماع إذا لم يكن في المجمعين قول الإمام القائم في هذيان طويل
وقد مال إلى ذلك بعض المعتزلة
539 - ثم افترق نفاة العمل بخبر الواحد فذهب بعضهم إلى أن العقل يحيل التعبد بالعمل به وذهب الأكثرون إلى أنه لا يستحيل ورود الشرع به وهو من تجويزات العقل ثم افترق هؤلاء من وجه اخر فذهب ذاهبون إلى أن في الشرع ما يمنع التعلق به وقال اخرون لم تقم دلالة قاطعة على العمل به فتعين الوقف
وقد أكثر الأصوليون وطولوا أنفاسهم في طرق الرد على المنكرين
540 - والمختار عندنا مسلكان أحدهما يستند إلى أمر متواتر لا يتمارى فيه إلا

(1/388)


جاحد ولا يدرؤه إلا معاند وذلك أنا نعلم باضطرار من عقولنا أن الرسول عليه السلام كان يرسل الرسل ويحملهم تبليغ الأحكام وتفاصيل الحلال والحرام وربما كان يصحبهم الكتب وكان نقلهم أوامر رسول الله عليه السلام على سبيل الآحاد ولم تكن العصمة لازمة لهم فكان خبرهم في مظنة الظنون وجرى هذا مقطوعا به متواترا لا اندفاع له إلا بدفع التواتر ولا يدفع المتواتر إلا مباهت فهذا أحد المسلكين
والمسلك الثاني مستند إلى إجماع الصحابة وإجماعهم على العمل بأخبار الاحاد منقول متواترا فإنا لا نستريب أنهم في الوقائع كانوا يبغون الأحكام من كتاب الله تعالى فإن لم يجدوا للمطلوب ذكرا مالوا إلى البحث عن أخبار رسول الله صلى الله عليه و سلم وكانوا يبتدرون التعويل على نقل الأثبات والثقات بلا اختلاف فإن فرض مزاع بينهم فهو آيل إلى انقسامهم قسمين فمنهم من كان يتناهى في البحث عن العدالة الباطنة ولا يقنع بتعديل العلانية وربما كان يضم إلى استقصائه تحليف الراوي ومنهم من كان لا يغلو في البحث فأما اشتراط التواتر فعلى اضطرار نعلم أنهم ما كانوا يرونه فإن أنكر منكر الإجماع فسيأتي إثباته على منكريه في أول كتاب الإجماع إن شاء الله تعالى فهذا هو المعتمد في إثبات العلم بخبر الواحد
541 - وأما الرد على من يزعم أن تكليف العمل بخبر الواحد يستحيل في العقل فهين فقد تكرر مرارا أن إطلاق الاستحالة يتردد بين أن يستحيل وقوعه وجودا كاستحالة اجتماع الضدين ونحوها وهذا ساقط فإن تقدير اتباع العمل عند اتفاق أمر يغلب على الظن غير مستحيل قطعا والواحد منا يكتسبه

(1/389)


في حق مأموره وعبده والمحالات يستحيل تقدير وقوعها شاهدا وغائبا فهذا قسم
وقد نقول ليس يستحيل تقدير وقوعه استحالة اجتماع الضدين ولكن يستحيل وقوعه لما فيه من استفساد الخلق وهذا ينجر الان إلى الصلاح والأصلح والاستفساد والاستصلاح وكل ذلك مرتب على التقبيح والتحسين العقليين وقد سبق القول فيهما في صدر هذا المجموع
542 - على أنا إن رمنا انتقالا عن هذه المحاجة فليس يتجه لهم ادعاء نقيض الاستصلاح فإنه لا يمتنع في العقل أن يقع في علم الله تعالى أن الخلق لو كلفوا اتباع غلبات الظنون لصلحوا ولو تركوا سدى إلى وجدان اليقين لفسدوا أو كادوا فقد بطل جميع ما ذكروه وإذا تقرر الجواز عقلا وقد قامت الدلالة السمعية كما تقدم ذكره لم يبق مضطرب يلوذ الخصم به
فإن قيل ليس في العقل ما يوجب العمل بخبر الواحد وليس في كتاب الله تعالى ناص عليه ولا مطمع في التواتر والإجماع مع قيام النزاع ويستحيل أن يثبت خبر الواحد بخبر الواحد وإذا انحسم المسلك العقلي والسمعي فقد حصل الغرض
قلنا بنيتم كلامكم على أمرين أنتم منازعون فيهما أحدهما أنكم قلتم لم يستند العمل بخبر الواحد إلى التواتر وقد أوضحنا استناده إليه والثاني أنا نقلنا إجماع الصحابة رضي الله عنهم على العمل بخبر الواحد فقولكم أن لا إجماع خطأ ونحن تمسكنا بإجماع سابق على مسائل الخلاف وإن تمسكوا بأن في

(1/390)


إيجاب العمل بخبر الواحد ادعاء العلم بوجوبه بخبر الواحد فقد تكلمنا عليه وبينا القول فيه فهذا لباب المسألة ومقصودها المنتخل المحصل
543 - ولكنا نذكر وراء ذلك عيونا من شبهات المخالفين حتى يشتمل الكلام على المسلك الحق واستيعاب جماهير وجوه القول استدلالا وسؤالا وانفصالا وقد يستدلون بظاهر قوله تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم والمخبر الذي ليس معصموما عن الخطأ وإمكان تعمد الكذب لا يتضمن خبره علما فهو بحكم القران مما لا يجوز اقتفاؤه واحتذاؤه وهذا مما لا يسوغ التمسك به فإن مضمون الآية النهي عن اقتفاء الظنون من غير ضبط متأيد بمراسم الشارع وليس الغرض الإضراب عن كل ما ليس معلوما فالمقصود إذا النهي عن المجازفة في الظنون ثم غاية المتمسك بالاية أن يسلم له عموم معرض للتأويل ولا يجوز التعلق بالظواهر فيما يبتغي القطع فيه فالجواب الحق أن المتبع هو الدليل القاطع على وجوب العمل بخبر الواحد وقد قدمنا ما فيه مقنع في ذلك وذلك الدليل هو المقتفى لا الخبر وفيه غنية وقد تقرر هذا مرارا
544 - وربما يعودون إلى استبعاد تعليق الأمور الخطيرة بأقوال مخبرين لا يمنع أن يعتمدوا الكذب أو يزلوا من غير قصد
فإذا روى واحد ظاهر العدالة خبرا مقتضاه سفك دم فالاستمرار على حقن الدم وانتظار قاطع فيه أغلب على الظن وأرجح في مسلكه وقد تكلمنا على ذلك وأوضحنا أن المعتمد هو الخبر المتواتر من سيرة رسول الله صلى الله عليه و سلم أو

(1/391)


إجماع الأمة وهما يفيدان العلم على قطع ثم ما ذكروه منقوض عليهم بشهادة الشهود في تفاصيل القضاء فإن الأمور الخطيرة تربط بها وإن كانت لا تفضي إلى القطع وهي متلقاة بالقبول وكذلك قول المفتى مقبول وإن كان متعرضا لما ذكروه في مضطرب الأوهام فقد سقط معلوهم فإن اعتذروا عن الشهادات والفتوى وزعموا أنها مستندة إلى الإجماع فهذا قولنا في خبر الواحد
مسألة
545 - ذهبت الحشوية من الحنابلة وكتبة الحديث إلى أن خبر الواحد العدل يوجب العلم وهذا خزى لا يخفى مدركه على ذي لب
فنقول لهؤلاء أتجوزون أن يزل العدل الذي وصفتموه ويخطىء فإن قالوا لا كان ذلك بهتا وهتكا وخرقا لحجاب الهيبة ولا حاجة إلى مزيد البيان فيه
والقول القريب فيه أن قد زل من الرواة والأثبات جمع لا يعدون كثرة ولو لم يكن الغلط متصورا لما رجع راو عن روايته والأمر بخلاف ما تخيلوه
فإذا تبين إمكان الخطأ فالقطع بالصدق مع ذلك محال ثم هذا في العدل في علم الله تعالى ونحن لا نقطع بعدالة واحد بل يجوز أن يضمر خلاف ما يظهر ولا متعلق لهم إلا ظنهم أن خبر الواحد يوجب العمل وقد تكلمنا عليه بما فيه مقنع
مسألة
546 - ذهب الجبائي إلى أن خبر الواحد لا يقبل بل لا بد من العدد وأقله

(1/392)


اثنان وهذا الذي قاله غير متلقى من مسالك العقول فإنها لا تفرق بين الواحد والاثنين وإمكان الخطأ يتطرق إلى اثنين تطرقه إلى الواحد فيتعين عليه أن يسند مذهبه هذا إلى سبيل قطعى سمعي وهو لا يجده أبدا
547 - وما ذكرناه من التمسك بكتب الرسول عليه السلام ورسله يجري عليه فإنه كان لا يتكلق جمع رسولين إلى كل صوب بل كان يبعثهم ويحملهم نقل الشريعة على ما تقتضيه الأحوال مفردين ومقترنين وهذا بين
وكذلك مسلك الإجماع فإنا نعلم قطعا أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم كانوا يعملون في الوقائع بالأخبار التي ترويها الاحاد من جملة الصحابة ولا نستريب أنه لو وقعت واقعة واعتاص مدرك حكمها فروى الصديق رضي الله عنه فيها خبرا عن الصادق المصدوق المصدوق عليه السلام لابتدروا العمل به ومن ادعى أن جملة الأخبار التي استدل بها أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم في أحكام الوقائع رواها أعداد فقد باهت وعاند وخالف ما المعلوم الضروري بخلافه
548 - فإن قيل أليس كان على يستظهر برواية العدد وروى أن أبا موسى الأشعري لما استاذن على عمر ولم يأذن له انصرف ورده عمر وعاتبه في انصرافه وقال هلا وقفت فقال سمعت رسول الله عليه السلام يقول

(1/393)


الاستئذان ثلاثة فإن أذن لكم وإلا فانصرفوا فقال إن جئت بمن يشهد لك وإلا أوجعت طهرك ضربا فجاء بأبى سعيد الخدري فشهد له
ولما التبس على أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم أمر الجدة في الميراث قال المغيرة بن شعبة أشهد أن رسول الله عليه السلام أطعم الجدة السدس قال أبو بكر لا أو تأتي بمن يشهد لك فكان ذلك من أبي بكر اشتراط عدد في الرواة
549 - قلنا أما على كرم الله وجهه فلم ينقل عنه اشتراط العدد ولكنه كان يحلف بعض الرواة وهذا رأى انفرد به استظهارا وأما ما جرى للصديق والفاروق رضي الله عنهما فمحمول على الاستظهار لريبة معترضة وأحوال مقتضية مزيد تغليب على الظن وهذا جرى منهم على شذوذ وندور كدأب القضاة في بعض الحكومات إذا استدعوا مزيدا على الأعداد المرعية في البينات فمن ادعى أن ذلك كان أصلا عاما في جميع الروايات والرواة فقد ادعى نكرا وقال هجرا
ثم ما ذكره يؤدي إلى رد معظم الأحاديث إذا تطاولت العصور وتناسخت الأزمان والدهور فإنه شرط في النقل عن كل راو وراويين والأعداد إذا تضاعفت أربت عند طول الأعصار على عدد التواتر

(1/394)


وهذا منتهى القول في العدد والكلام في بقية الكتاب يتعلق بفصول فصل في صفة الرواة وفصل مشتمل على التعديل والجرح وفصل في الإسناد والإرسال وآخر في كيفية التحمل وآخر في كيفية الرواية
فصل في صفة الرواة
550 - العقل والإسلام والعدالة معتبرة وأصحاب أبي حنيفة وإن قبلوا شهادة الفاسق لم يجسروا أن يبوحوا بقبول رواية الفاسق فإن قال به قائل فقوله مسبوق بإجماع من مضى على مخالفته
551 - فأما البلوغ فقد اختلف الأصوليون في اشتراطه وتردد الفقهاء في ذلك أيضا وعليه بنوا اختلافهم المشهور في قبول قوله في رؤية الهلال والقاضي يرى رد رواتيه وهو المختار عندنا
والدليل عليه أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم ما راجعوا الصبيان الذين كانوا يخالطون رسول الله عليه السلام ويلجون على ستوره مع مسيس حاجتهم إلى من يخبرهم عن دقائق أحوال رسول الله صلى الله عليه و سلم وراء الحجب فلم يؤثر عن أحد من الحكام والمفتين إسناد حكمه في قضية إلى رواية صبي والذين اعتنوا بجمع الروايات وتأليف المسندات لم ينقلوا عن صبي أصلا والذي يعضد الطريقة أن معولنا في إثبات العمل بأخبار الاحاد إرسال رسول الله صلى الله عليه و سلم كتبه ورسله وبعثه ولاته وإجماع الصحابة ولا مأخذ سوى هذين

(1/395)


فأما المأخذ الأول فلم يبعث عليه السلام رسولا صبيا ولم يحمله أداء بيان حكم الشريعة وأما الإجماع فعلى ما سبق تقريره وليس في العقول ما يرشد إلى القبول والرد
552 - ثم ذكر القاضي طريقة لطيفة فقال الصبي إن كان غير متكامل التمييز فلا شك في ردهم روايته وإن كان مميزا فقد بلغه أنه غير مؤاخذ بالكذب ولا يزعه عن الهجوم عليه وازع وهذه الصفة منه تؤمنه عن اللائمة ومحذور المعتبة فبالحري أن يجريه على الخلف وفي النفوس على الجملة صغو بين إلى التحريف ونقل الأعاجيب فإذا الصبا أولى بأن ينتهض ردا للرواية من الفسق وما ذكرناه يغنى عن التمسك برد أقاريره وألفاظ عقوده فإن هذا من القياس الفقهي فلا يثمر قطعا
ونحن نرى القطع برد روايته وفي كلام القاضي في بعض مصنفاته تشبيب بإلحاق هذه المسألة بالمظنونات وهذا ظاهر رأى الفقهاء والذي نراه القطع بالرد كما تقدم
مسألة
في رواية المستور الذي لم يظهر منه نقيض العدالة ولم يتفق البحث الباطن عن عدالته
553 - تردد المحدثون في روايته والذي صار إليه المعتبرون من الأصوليين أنه لا تقبل روايته وهو المقطوع به عندنا
والمعتمد فيه الرجوع إلى اجماع الصحابة فإنا نعلم منهم بمسلك الاستفاضة والتواتر أنهم كانوا لا يقبلون روايات المجان والفسقة وأصحاب الخلاعة ولو ناداهم إنسان برواية لا يبتدروا العمل بروايته ما لم يبحثوا عن حالته ويطلعوا

(1/396)


على باطن عدالته ومن ظن أنهم كانوا يعملون برواية كل مجهول الحال فقد ظن محالا وظهور ذلك مغن عن تقريره وإذا كنا نتعلق في العمل بالرواية بإجماعهم فإن لم نتحقق إجماعهم على التوقف في العمل برواية المستور لم نجد متعلقا نتمسك به في قبول روايته فكيف وقد استمر لنا قطعا منهم التوقف في المجهول المتسور الحال
554 - والذي أوثره في هذه المسألة ألا نطلق رد رواية المستور ولا قبولها بل يقال رواية العدل مقبولة ورواية الفاسق مردودة ورواية المستور موقوفة إلى استبانة حالته ولو كنا على اعتقاد في حل شيء فروى لنا مستور تحريمه فالذي أراه وجوب الانكفاف عما كنا نستحله إلى استتمام البحث عن حال الراوي وهذا هو المعلوم من عادتهم وشيمهم وليس ذلك حكما منهم بالحظر المترتب على الرواية وإنما هو توقف في الأمر فالتوقف عن الإباحة يتضمن الانحجاز وهو في معنى الحظر فهو إذا حظر مأخوذ من قاعدة في الشريعة ممهدة وهي التوقف عند بدء ظواهر الأمور إلى استتبابها فإذا ثبتت العدالة فالحكم بالرواية إذ ذاك
555 - ولو فرض فارض التباس حال الراوي واليأس من البحث عنها بأن يروي مجهول ثم يدخل في غمار الناس ويعسر العثور عليه فهذه مسألة اجتهادية عندي والظاهر أن الأمر إذا انتهى إلى اليأس لم يلزم الانكفاف وانقلبت الإباحة كراهية
556 - فإن قيل أليس روى أن أعرابيا شهد عند رسول الله صلى الله عليه و سلم

(1/397)


على رؤية الهلال فأمر النبي عليه السلام بالصيام ولم يبحث عن حال الأعرابي قلنا لعله علمه وأحاط به علما فلا يصح التمسك بمثل هذا مع تعارض الاحتمالات فيه والمطلوب القطع
557 - فإن قالوا الأصل نقيض الفسق فليطرد قبول الرواية إلى تحقق الفسق قلنا هذه دعوى عرية عن البرهان وهو في التحقيق اقتصار على ترجمة المذهب فإنا نقول الرواية قبولها موقوف على ظهور العدالة ومن يخالف يزعم أن الرد منوط بظهور الفسق وعلى الجملة لسنا نرتضي التمسك بالتخييلات في مسالك القطعيات وفي كل أصل من الأصول قاعدة كلية معتبرة فكل تفصيل رجع إلى الأصل فهو جار على السبيل المطلوب وكل ما لم نجد مستندا فيه ومتعلقه تخييل ظن فهو مطرح والأصل في العمل بالأخبار إجماع الصحابة وقد قررنا سبيله فما ذكروه ليس قادحا فيه فلا يحتفل به
558 - فإن قيل ثبت في الشرع الأمر بتحسين الظن بآحاد المسلمين إلى أن يظهر ما يناقض ذلك وإذا رددنا رواية المستور كان ذلك منافيا لتحسين الظن به قلنا هذا من الطراز الأول فلا احتفال به
على أنا أمرنا بتحسين الظن حتى لا تطلق الألسنة بالمطاعن فهذا فائدة تحسين الظن فأما أن يقال نبتدر إلى إراقة الدماء وتحليل الفروج برواية كل هاجم على الرواية بناء على تحسين الظن فهذا لا يتخيله إلا خلو من التحصيل والله الموفق

(1/398)


فصل في التعديل والجرح
559 - إذا تقرر أن الفاسق مردود الرواية وواضح أن القبول متوقف على ظهور العدالة ولا يقع الاكتفاء بظاهر الستر فنحن نذكر وراء ذلك التعديل والجرح المعتبرين في الرواة ونقدم على غرضنا أصلا وهو مرجوع الكتاب وأصل الباب في أخبار الآحاد
فنقول قد لاح لنا على السبر والمباحثة أن المعنى المعتمد في قبول الرواية ظهور الثقة بقول الراوي وكل ما لا يجزم الثقة فليس شرطا في الرواية وما يجزم الثقة ففيه الكلام وليس في الرواة والروايات تعبدات شرعية كما وردت توقيفات الشرع بأمثالها في رتب الشهادات ومنازل البينات من نحو اعتبار العدد وألفاظ مخصوصة ومكان معلوم إلى غير ذلك ومن التعبدات المرعية في الشهادة اشتراط الحرية فليتخذ الناظر الثقة في الرواية معتبره فيما يأتى ويذر فعليه إحالة معظم الكلام
والدليل القاطع فيه الرجوع إلى شيم الأولين فإنا نعلم أنهم كانوا يقبلون الرواية عند ظهور الثقة من المرأة والمملوك قبولهم من الحر وقد رددنا على من يتخيل اعتبار العدد في الرواية فإذا تمهد ذلك وستكون لنا عودات إليه فالكلام في التعديل والجرح متفرع علىذلك ونحن ننقل المذاهب فيهما ونؤثر المختار عندنا ونؤكده بالحجاج اختيارا للإيجاز إن شاء الله تعالى

(1/399)


560 - فالتعديل والجرح يقعان على وجهين أحدهما التصريح والثاني الضمن فأما وقوعهما تصريحا فقد قال قائلون لا بد من ذكر أسبابها جميعا ولا يكفى إطلاق التعديل والجرح
قال الشافعي رحمه الله إطلاق التعديل كاف فإن أسبابه لا تنضبط ولا تنحصر وإطلاق الجرح لا يكفي فإن أسبابه مما اختلف الناس فيه فقد يرى بعض الناس الجرح بما لو أظهره لم يوافق عليه فلا بد لذلك من ذكر أسباب الجرح وهذا مذهبه رضي الله عنه في تعديل الشهود وجرحهم
وقال بعض الأصوليين يكفي إطلاق التعديل والجرح جميعا ولا حاجة إلى التعرض للأسباب فيهما
وقال القاضي رضي الله عنه إطلاق الجرح كاف فإنه يخرم الثقة وهي المعتبرة وإطلاق التعديل لا يحصل الثقة حتى يستند إلى أسباب ومباحثات وهذا الذي ذكره القاضي رضي الله عنه أوقع في مآخذ الأصول
561 - والذي أختاره أن الأمر في ذلك يختلف بالمعدل والجارح فإن كان المعدل إماما موثوقا به في الصناعة لا يليق به إطلاق التعديل إلا عند علمه بالعدالة الظاهرة فمطلق ذلك كاف منه فإنا نعلم أنه لا يطلقه إلا عن بحث واستفراغ وسع في النظر فأما من لم يكن من أهل هذا الشأن وإن كان عدلا رضا إذا لم يحط علما بعلل الروايات فلا بد من البوح بالأسباب وإبداء المباحثة التامة
والجرح أيضا يختلف باختلاف أحوال من يجرح والعامى العرى عن

(1/400)


والتحصيل إذا جرح ولم يفصل فلا يكترث بقوله فأما من يثير جرحه المطلق خرم الثقة فمطلق جرحه كاف في اقتضاء التوقف
فهذا بيان المذاهب والإيماء إلى مستند كل فريق وذكر المختار مؤيدا بمعتبر الباب هو بيان التصريح بالتعديل والجرح
562 - ثم قال المحققون يكفي في التعديل والجرح قول واحد وذهب بعض المحدثين إلى اشتراط العدد وهذا مما ليس يحتفل به فإنه قد ثبت أن أصل الرواية لا يعتبر فيه العدد فلا معنى للاحتكام باشتراطه في التعديل والجرح ولا يشك منصف أن الصديق رضي الله عنه وغيره من جلة الصحابة رضي الله عنهم لو فرض انفراده بتعديل أو جرح لما كان أهل العصر يعتبرون انضمام قول اخر إلى قول المعدل أو الجارح وهذا كله مرتبط بالثقة كما تقدم فإذا كان قول الواحد يفيد الثقة كفى وإذا كان الجارح الواحد يخرمها أفاد جرحه ردا أو توفقا
563 - فأما التعديل والجرح الواقعان ضمنا فلتقع البداية بالتعديل فمما عد في التعديل ضمنا إطلاق الرجل العدل الرواية عن الرجل من غير تعرض له بجرح أو تعديل فهذا مما اختلف في المحدثون والأصوليون
فذهب ذاهبون إلى أن إطلاق الرواية تعديل ومنع آخرون ذلك والرأى فيه عندي التفصيل فإن ظهر من عادة ذلك الراوي الانكفاف عن الرواية عمن يتغشاه ريب واستبان أنه لا يروي إلا عن موثوق به فرواية مثل هذا الشخص

(1/401)


تعديل وإن تبين من عادته الرواية عن الثقة والضعيف فليست روايته تعديلا وإن أشكل الأمر فلم يوقف على عادة مطردة لذلك الراوي في الفن الذي أشرنا إليه فلا يحكم بأن روايته تعديل وهذا من أصناف ما يعد تعديلا ضمنا
564 - ومما يذكر في هذا القسم عمل الراوي بما رواه مع ظهور إسناده العمل إلى الرواية وقد قال قائلون إنه تعديل وقال اخرون ليس بتعديل
والذي أرى فيه أنه إذا ظهر أن مستند فعله ما رواه ولم يكن ذلك من مسالك الاحتياط فإنه تعديل وإن كان ذلك في سبيل الاحتياط لم يقض بكونه تعديلا فإن المتحرج قد يتوقى الشبهات كما يتوقى الجليات وهذا ينعطف أيضا على الثقة واعتبارها
وهذا نجاز الكلام في هذا الفن
مسألة
565 - قال القاضي أبو بكر رضي الله عنه إذا لم نجد معتصما مقطوعا به في العمل بخبر الواحد قطع برده وإن لم يظهر له قاطع ناص في الرد وبنى ذلك على أن معتمدنا في العمل بأخبار الاحاد قطعا إجماع من قبلنا فحيث لا نجد قاطعا لا نحكم بالعمل إذ لو حكمنا به لكنا بانين القطع بالعمل على غير قاطع وهذا لا سبيل إليه
وهذا الذي ذكره وإن كان مخيلا فالذي أراه أنه يلتحق بالمجتهدات ويتعين على كل مجتهد فيه الجريان على حكم اجتهاده
والدليل القاطع فيه أنا نعلم أنه كان يقع في عصر أصحاب رسول الله

(1/402)


صلى الله عليه و سلم أحاديث يقبلها بعض ويتوقف عن قبولها اخرون ثم كان القابلون لها لا يعابون ولا يكثر النكير عليهم من الرادين وكانوا يجرون ذلك مجرى المجتهدات في مظان الاحتمالات فإذا قطعنا بوقوع ذلك منهم وإلحاقهم ذلك بمواقع التحري والتوخي فقد صادفنا قاطعا في وجوب العمل بالاجتهاد في مجال الظن وهذا بالغ حسن فإذا جرت أمثال من المجتهدات أحلناها على هذا القانون
مسألة
566 - جرى رسم الأصوليين بعقد مسألة في فن من التعديل والجرح مشتملة على تعديل صحب رسول الله صلى الله عليه و سلم وإنما تمس الحاجة إليها في أصول الإمامة ولكنها قد تتعلق ببعض مسائل الشرع ففي الفقهاء من طرق مسالك الطعن والغمز إلى أقوام من مشاهير أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم كأبى هريرة وابن عمر وغيرهما
ونحن نذكر نكتا قاطعة يتخذها المرء وزره ومعتضدة إذا عارضه طعان يحاول مغمزا في رواة أخبار رسول الله صلى الله عليه و سلم من الصحابة
567 - فمما نصدر القول به الآيات المشتملة على تقريظهم وإطرائهم وحسن الثناء عليهم كاية أهل البيعة بيعة الرضوان فإنه تعالى قال لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة والآيات الواردة في المجاهدين مع رسول الله صلى الله عليه و سلم كثيرة واتفق المفسرون على أن قوله تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس واردة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فإذا هم

(1/403)


معدلون بنصوص الكتاب مزكون بتزكية الله تعالى إياهم
568 - ومن أقوى ما يعتصم به على الجاحدين المعاندين سيرة رسول الله صلى الله عليه و سلم فإنه كان يعرف أهل النفاق بأعيانهم لا يخفى عليه مضمر الشقاق بينهم وقد سماهم بأعينهم لصاحب سره ومؤتمنه حذيفة بن اليمان وكان عليه السلام يبجل أهل الإخلاص منهم وينزلهم منازلهم ويحل كلا على خطره في مجلسه وكانوا رضي الله عنهم معدلين بتعديله عليه السلام مزكين أبرارا وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يعتمدهم في نقل آثاره وأخباره ويسألهم عن أخبار غابت عنه وكانوا عنه ناقلين ومخبرين واشتهر ذلك من سيرته صلى الله عليه و سلم فيهم فكان ذلك مسلكا قاطعا في ثبوت عدالتهم بتعديل الرسول عليه السلام إياهم عملا وقولا
569 - ومما يتمسك به في أبي هريرة رضي الله عنه أن عمر مع تنزهه عن المداراة والمداجاة والمداهنة اعتمده وولاه في زمانه أعمالا جسيمة وخطوبا عظيمة وكان يتولى زمانا على الكوفة وكان يبلغه روايته عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فلو لم يكن من أهل الرواية لما كان يقرره عمر رضي الله عنهما مع العلم بإكثاره
وقد اجتمع السابقون على الرواية عن هؤلاء وكذلك الأئمة المعتبرون من أهل الحديث قال محمد بن إسماعيل البخاري روى عن أبي هريرة سبعمائة من أولاد المهاجرين والأنصار وأما ابن عمر فلا يتعرض للقدح فيه إلا

(1/404)


جسور وقد زكاه جبريل عليه السلام إذ قال لرسول صلى الله عليه و سلم نعم الرجل عبد الله
فقد ثبت تعديلهم بنصوص الكتاب وسيرة الرسول عليه السلام واتفاق الصحابة والتابعين وأئمة الحديث رضي الله عنهم أجمعين ولا احتفال بعد ذلك بمطاعن النابغة الثائرين بعد انقراض الأئمة الماضين
570 - فأن قيل ما تمسكتم به من تعديل الرسول عليه السلام إياهم وإكرامه لهم إن سلم لكم فإنه ليس متضمنا نصا بعصمتهم في مستقبل الزمان وقد أحدث بعضهم هنات واقتحموا موبقات يزول بأدناها نعت العدالة واستقامة الحالة وربما اندفعوا في أقاصيص وأحوال جرت في مثار الفتن ولو تتبعناها لطال المغزى والمرام وتعدى الكلام حد الاختصار
فالوجه المحصل لغرضنا القاطع الشغب عنا أن نقول لا يتعلق متعلق بشيء يبغى به طعنا إلا وينقدح مثله متطرقا إلى من يعدله الطاعن ويؤدي مساق إلى الطعن في جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم وكل مسلك يفضي إلى تعميم الطعن في جلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فهو مردود من سالكه فهذا وجه مقطوع به عظيم الوقع والخطر
571 - والذي يعضد ذلك أن من تعلق بشيء من المطاعن في معين من الصحابة فعورض بمثله فيمن يوافق على تعديله فسينتهض الطاعن لحمل ما عورض به على محامل في الجواز وتحسين الظن ويتجه أمثالها وأجلى منها فيمن ذكره وإذا تعارضت الأقوال على نحو واحد وعسر الجمع بينها والقضاء بها ولم يكن بعضها

(1/405)


أولى من بعض فالوجه سقوطها والإضراب عنها والاستمساك بما تمهدت به عدالتهم من المسالك المتقدمة
572 - وإنما تعدينا طور الاقتصار قليلا لسؤال به اختتام الإشكال وفي جوابه تحقيق الانفصال وهو أن قائلا لو قال غايتكم حملكم ما نقل من هناتهم على وجوه ممكنه في الجواز ولستم قاطعين بها بل وافقتم الطاعنين على أنه لا يجب عصمة غير المرسل عليه السلام فإذا ترددت أحوالهم فليقتض ترددها وقوفا عن تعديلهم فإن التردد يناقض الحكم البات
وسبيل الجواب عن هذا أن نقول هذا أولا نزول عن التصريح بالطعن ورضا بأن ينكف عن تعديلهم ففيه ظهور بطلان القطع بالطعن
على أنا نقول ما ذكرتموه مدفوع بالإجماع فإن الأمة مجمعة على أنه لا يسوغ الامتناع عن تعديل جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم وما ذكره هذا السائل يوجب التوقف في تعديل كل نفر من الذين لابسوا الفتن وخاضوا المحن ومتضمن هذا الانكفاف عن الرواية عنهم وهذا باطل من دين الأمة وإجماع العلماء فانتهض الإجماع على بطلان هذا الطرف حجة باتة على بناء الأمر على تحسين الظن وردهم إلى ما تمهد لهم من المآثر بالسبيل السابقة وهذا من نفائس الكلام

(1/406)


ولعل السبب الذي أتاح الله الإجماع لأجله أن الصحابة هم نقلة الشريعة ولو ثبت توقف في رواياتهم لانحصرت الشريعة على عصر رسول الله صلى الله عليه و سلم ولما استرسلت على سائر الأعصار
فصل في المراسيل والمسندات وذكر المذاهب فيها وإيضاح المختار منها
573 - نصدر هذا الفصل بذكر صور المرسلات ثم ننقل المقالات ونشير إلى عمدة كل فريق ونختتم الكلام بالمرتضي المختار عندنا
فمن صور المراسيل أن يقول التابعي قال رسول الله صلى الله عله وسلم فهذا إضافة إلى الرسول عليه السلام مع السكوت عن ذكر الناقل عنه وهذا يجري في الرواة بعضهم مع بعض في الأعصار المتأخرة عن عصر رسول الله صلى الله عليه و سلم
وإذا قال واحد من أهل عصر قال فلان وما لقيه ولا سمى من أخبر عنه فهو ملتحق بما ذكرناه
ومن الصور أن يقول الراوي أخبرني رجل عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أو عن فلان الراوي من غير أن يسميه
ومن الصور أن يقول أخبرني رجل عدل موثوق به رضا عن فلان أو عن رسول الله عليه السلام
ومن صور المراسيل إسناد الأخبار إلى كتب رسول الله صلى الله عليه و سلم وإنما التحق هذا القسم بالمرسلات من جهة الجهل بناقل الكتب ولو ذكر من يعزو الخبر إلى الكتاب ناقله وحامله التحق الحديث بالمسندات فهذه صور المراسيل

(1/407)


حكم العمل بالمراسيل وقبولها
574 - وأبو حنيفة قائل بجميعها قابل لها عامل بها والشافعي رضي الله عنهما لا يعمل بشيء منها ومتعلق أصحاب أبي حنيفة أن الراوي إذا كان في نفسه عدلا ثقة فروايته محمولة على وجه يقتضي القبول ولو عين من روى عنه وعدله وكان من أهل التعديل لقبل تعديله كما قبلت روايته فإذا أرسل الحديث جازما وأطلق الرواية باتة أشعر بنهاية الثقة
575 - وقال بعض أئمة الحديث إذا قال التابعي قال رسول الله صلى الله عليه و سلم كان ذلك أولى من ذكره معينا منهم فإنه لا يحكم بإثبات قول رسول الله صلى الله عليه و سلم مع السكوت عن ذكر من نقله إلا مع انتفاض قلبه عن الشبهات وطرق الريب وإذا ذكر معينا فكأنه لا يتقلد صحة الرواية وإنما يكل الأمر إلى الناظرين فيمن روى عنه
576 - ومما تمسك به القائلون بالمراسيل أن أخبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم مقبولة وإن كان في بعضها إرسال لا سيما أخبار الذين كانوا صبية في عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم وفرت حظوظهم من العلوم بعد انقلاب رسول الله إلى رحمه الله صلى الله عليه و سلم كابن عباس وابن الزبير وغيرهما رضي الله عنهم ثم كانت أخبارهم مقبولة في الصحابة والتابعن مع القطع بأن معظمها مراسيل ونحن نتتبع ذلك على ما ينبغي عند ذكرنا ما نختاره إن شاء الله تعالى

(1/408)


577 - وأما الشافعي رضي الله عنه فإن استدل على رد المراسيل بأن الراوي إذا لم يذكرمن روى له فهو مجهول في حقوقنا وقبول خبر من نجهله ولا نعرفه مستجمعا للصفات المرعية لا وجه له وربما علم الراوي تعديل من روى الحديث ولو ذكره لغيره لعرف المخبر عنه ما لم يعرفه فإذا الإضراب عن ذكر الراوي يخرم الثقة ويطرق إلى القلوب التردد فإذا سمى الراوي من حدثه وعدله وطرد الناظرون الجرح إن وجدوه واستمر الزمن ولم يعثر على سبب جارح فيحصل به الثقة وإذا لم يسم المروى عنه فليست العدالة مقطوعا بها لأن معتمدها أمور ظاهرة وأسباب الجرح أخفى منها والتعديل على الإبهام مع تركه تسمية المعدل لا يتضمن الثقة في حق غير المعدل هذا معتمد الشافعي ويقوى كلامه جدا في بعض الصور كما سننبه عليه إن شاء الله تعالى
578 - وما اعتمده أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه أولا يعارض هذا المسلك فيوهنه
وما ذكروه من أمر الصحابة رضي الله عنهم وإرسالهم الحديث فقد قال القاضي منتصرا للشافعي ثبوت الاحتجاج بما أطلقه أحداث أصحاب رسول الله صلى اللهعليه وسلم من الروايات مع ترددها بين الإسناد والإرسال لا يثبت الاحتجاج بما تحقق الإرسال فيه إلا من جهة القياس والأقيسة الظنية المعنوية منها والشبهية يقتضي ما يصح منها على السبر العمل ولا يسوغ استعمالها في القطعيات في النفى والإثبات
حاصل التمسك بذلك اعتبار ما تحقق فيه الإرسال بما تعارض فيه احتمال الإسناد والإرسال فقد بطل على ما زعم هذا المسلك

(1/409)


579 - فإذا وضح اعتبار ما تمسك به النفاة والمثبتون فقد جاز أن نوضح المختار قائلين
وقد ثبت أن المعتمد في الأخبار ظهور الثقة في الظن الغالب فإن انخرمت اقتضى انخرامها التوقف في القبول وهذا الأصل مستندة الإجماع الذي ثبت نقله من طريق المعنى استفاضة وتواترا فإذا سبرنا ما ردوه وما قبلوه يحصل لنا من طريق السبر أنهم لم يرعوا صفات تعبدية كالعدد والحرية وإنما اعتمدوا الثقة المحضة فلتعتبر هذه قاعدة في الباب
ومساقها يقتضي رد بعض وجوه الإرسال وقبول بعضها فإذا قال الراوي سمعت رجلا يقول قال فلان فليس في هذا المسلك من الرواية ما يقتضي الثقة فالوجه القطع بردها وإن قال سمعت رجلا موثوقا به عدلا رضا يقول سمعت فلانا وكان الراوي من يقبل تعديله لعدالته واستقامة حالته وعلمه بالجرح والتعديل ودرايته فهذا يورث الثقة لا محالة
580 - وليست الثقة على قضية واحدة بل هي على أنحاء ولها مبتدأ ومنتهى ووسائط بينهما ويبعد أن يشترط في الراوي أن يعرفه كل من يبلغه خبر مسند حتى يسنده إليه وإذا استحال اشتراط هذا لزم على الاضطرار تعديل حال من يلتزم موجب الإخبار على تعديل الأئمة المشهورين وعرفانهم فإذا قال أخبرني الثقة أو من لا أتمارى فيه خيرا ونبلا فقد أفضى ذلك إلى المطلب المقصود في الثقة أو من لا أتمارى فيه خيرا ونبلا فقد أفضى ذلك إلى المطلب المقصود في الثقة وكذلك إذا قال الإمام الراوي قال رسول الله صلى الله عليه و سلم

(1/410)


فهذا بالغ في ثقته بمن روى له فليطرد الطارد ما ذكرناه طردا وعكسا في صور الإرسال وليحكم في رده وقبوله بموجب الثقة
581 - ثم مخالفة الشافعي في أصول الفقه شديدة وهو ابن بجدتها وملازم أرومتها ولكني رأيت في كلام الشافعي ما يوافق مسلكي هذا وتقر به الأعين
قال رحمه الله مرسلات ابن المسيب حسنة وشبب بقولها والعمل بها وقال في كتاب الرسالة العدل الموثوق به إذا أرسل وعمل بمرسله العاملون قبلته
وقد تعرض القاضي لتفصح كلام الشافعي في هذا الفصل فقال قوله مراسيل ابن المسيب حسنة لست أدري ما الذي يحسنها وقد بلغت عن هذا الحبر أنه قال في بعض مجموعاته تتبعت مراسيل سعيد فألفيت معظمها مسندا من غير طريقه
وهذا فيه نظر فإن التمسك بإسناد من أسند وعليه إحالة العمل والقبول لا على المراسيل فأما العمل إن لم يكن على وفاق فلا وقع له وإن كان على وفاق فالتمسك بالإجماع فهذا معترضه على الشافعي
582 - والذي لاح لي أن الشافعي ليس يرد المراسيل ولكن يبغي فيها مزيد تأكيد بما يغلب على الظن من جهة أن الإرسال على حال يجر ضربا من الجهالة في المسكوت عنه فرأى الشافعي أين يؤكد الثقة فليثق الناظر بهذا المسلك الذي ذكرته فعلى الخبير سقط وقد عثرت من كلام الشافعي على أنه إن لم يجد إلا المراسيل مع الاقتران بالتعديل على الإجمال فإنه يعمل به فكأن

(1/411)


إضرابه عن المراسيل في حكم تقديم المسانيد عليها وهذا إذا اقترن المرسل بما يقتضي الثقة وهذا منتهى القول في ذلك والله أعلم
583 - وقد سمى الأستاذ أبو بكر بن فورك رحمه الله قول التابعي قال رسول الله عليه السلام وقول تابع التابعي قال الصحابي منقطعا وسمى ذكر الواسطة على الإجمال مرسلا مثل أن يقول التابعي قال رجل قال رسول الله صلى الله عليه و سلم وفي كلام الشافعي إشارة إلى هذا وليس ذلك متعلقا بفرق معنوي وإنما هو ذكر ألقاب في الباب ذكرناها حتى يطلع الناظر عليها إذا وجدها في كلام الأئمة والقول في الرد والقبول على ما تفصل وتحصل
فصل في تحمل الرواية وجهة تلقيها ومن يصح منه تحملها
584 - فنقول إذا روى الشيخ الذي منه التلقى شفاها ونطق بما سمعه لفظا ووعاه السامع وحواه فهذا هو التحمل والتحميل
585 - ولو كان الحديث يقرأ والشيخ يسمع نظر فإن كان يحيط بما يحرفه القارىء ولو فرض منه تصريف وتحريف لرده فسكوته والأخبار التي تقرأ بمثابة نطقه والحديث يستند بذلك فإن قيل هذا تنزيل منكم للسكوت منزلة القول وهذا من خصائص من يجب له العصمة قلنا إخباره تصريحا ونطقا كان تحميلا للرواية من جهة أنه أفهم بما أسمع السامع من عباراته
فإذا كان الحديث يقرأ وهو يقرر ولا يأبى مع استمرار العادات في أمثال ذلك فهذا على الضرورة حال محل التصريح بتصديق القارىء ومن لم يفهم من

(1/412)


هذه القرائن ما ذكرناه فلا يفهم أيضا من الإخبار النطقي
وأما ما ذكره السائل من أن السكوت إنما ينزل منزلة التقرير ممن يجب عصمته فيقال السكوت مع القرائن التي وصفناها ينزل منزلة النطق ثم النطق ممن لا يعصم عرضة للزلل أيضا ولكنا تعبدنا بالعمل بظواهر الظنون مع العلم بتعرض النقلة لإمكان الزلل وتعمد الخلف والكذب ثم ما ذكرناه يتأيد بإجماع أهل الصناعة فما زالوا يكتفون بما وصفناه في تلقى الأحاديث من المشايخ وهذا إذا كان الشيخ يدري ما يجري
ويلتحق بهذا القسم أن يكون عنده للأحاديث التي تقرأ عليه نسخة مهذبة وكان ينظر فيها فهذا ثبت يكتفي بمثله ولا يشترط استقلال الشيخ بحفظ الأحاديث عن ظهر قلبه
586 - وإذا كان لا يحيط بها وكان لا ينظر في نسخة يعتمدها ولو فرض التدليس عليه لما شعر فإذا قرىء عليه على هذه الصفة شيء من مسموعاته فهذا باطل قطعا فإن التحمل مرتب على التحميل فإذا لم يحمل الشيخ السامع الرواية فكيف يحملها وأي فرق بين شيخ يسمع أصواتا وأجراسا لا يأمن تدليسا والتباسا وبين شيخ لا يسمع ما يقرأ عليه والغرض المطلوب الفهم والإفهام
وتردد جواب القاضي فيه إذا كانت النسخة بيد غير الشيخ وكانت الأحاديث تقرأ وذلك الناظر عدل مؤتمن لا يألو جهدا في التأمل وصغوه الأظهر إلى أن ذلك لا يصح فإن الشيخ ليس على دراية فيه فلم ينهض مفهما محملا فلئن جاز الاكتفاء بنظر الغير فينبغي أن يجوز الاكتفاء بقراءة القارىء المعتمد من النسخة المصححة فهذا ما يتعلق بالتحمل وفيه بيان الغرض من التحميل

(1/413)


587 - ثم المرعى في صفة المتحمل الاستمكان من الفهم والتحمل والمعتبر في صفته هو المعتبر في صفة متحمل الشهادة ثم إذا نجزت النوبة والشيخ على خبرة مما يجرى فلا حاجة أن يقول الشيخ للقارىء كما قرأت أو أصبت أو ما جرى هذا المجرى من الألفاظ وقد اشترط بعض المحدثين ذلك فإن كان هذا مذكورا للتأكيد والاستقصاء فالأمر فيه قريب وإن ذكر هؤلاء ذلك شرطا في صحة التحمل والتحميل فهو ساقط عند قرائن الأحوال كما تقدم وصفها حالة محل التصريح بالقول قطعا والتعويل على وقوع الإفهام والفهم وتحقق الإحاطة والعلم ووضوح ذلك يغنى الناظر عن مزيد البيان
مسألة
588 - إذا قال الشيخ المتلقى عنه أجزتك أن تروى عني ما صح عندك من مسموعاتي أو عين كتابا وأجاز له الرواية عنه فقد تردد الأصوليون في ذلك
فذهب ذاهبون إلى أنه لا يتلقى بالإجازة حكم ولا يسوغ التعويل عليها عملا ورواية
589 - والذي نختاره جواز التعويل عليها فإن المعتمد في الباب الثقة فإذا تحقق سماع الشيخ وذكر المتلقى منه سماعه وسوغ له إسناد مسموعاته إلى إخباره فلا فرق بين أن يعلق الإخبار بها جملة وبين أن يعلقه تفصيلا وقد تمهد بما تقدم أن إفصاحه بالنطق ليس شرطا فإن الغرض حصول الإفهام وترتب الفهم عليه وهذا يحصل بالإجازة المفهمة
ثم هي على مراتب

(1/414)


أعلاها الإشارة الى كتاب وربطه إجازة الرواية مع الإخبار عن صحة السماع فيه وقد يؤكد بعض المحدثين هذا القسم بالمناولة وهي أن يناول الشيخ المتلقى عنه كتابا ويقول دونكه فاروه عني ولست أرى في المناولة مزيد تأكيد
فإذا فوض المجيز إلى المتلقى تصحيح المسموعات ولم ينص عليها فهذه إجازة مترتبة على عماية والأمر في تصحيحها موكول إلى صحة بحث الراوي عن ثبوت سماع الشيخ مع انتفاض الشيخ عن التحريفات وهذا يعسر دركه ويتطرق إليه جهات من الجهالات تنخرم الثقة بأدناها
فإن كان المتلقى معولا على خطوط مشتملة على سماع الشيخ فلست أرى ذلك مقنعا
وإن تحقق ظهور سماع موثوق به فإذ ذاك وهيهات
590 - ومما يتعلق بتتميم الكلام في هذا أن الذي مستندة الإجازة يعمل بما يتلقاه ويعمل غيره بما رواه على هذه الجهة ولكن اللائق به أن يذكر جهة تلقيه الإجازة فإن ذلك أدفع للبس وأرفع للريب فإن قال حدثني فلان أو أخبرني مطلقا فلست أرى ذلك خلفا محضا لتحقق الثقة وقد تقدم أن نفس لفظ الشيخ ليس شرطا وليس قوله حدثني في الإجازة عبارة مرضية لائقة بالتحفظ والتصون فالوجه البوح بالإجازة
وللمحدثين مواضعات يرتبونها ويقولون في بعضها أخبرني وفي بعضها حدثني وليست على حقائق وليسوا ممنوعين من اصطلاحهم ولكل طائفة في الفن

(1/415)


الذي تعاطوه عبارات مصطلحة
مسألة
591 - إذا وجد الناظر حديثا مسندا في كتاب مصحح ولم يسترب في ثبوته واستبان انتفاء اللبس والريب عنه ولم يسمع الكتاب من شيخ فهذا رجل لا يروى ما رآه
592 - ولكن الذي أراه أنه يتعين عليه العمل به ولا يتوقف وجوب العمل على المجتهدين بموجبات الأخبار على أن تنتظم لهم الأسانيد في جميعها
والمعتمد في ذلك أن روجعنا فيه الثقة والشاهد له أن الذين كانوا يرد عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه و سلم على أيدي نقلة ثقات كان يتعين عليهم الانتهاء إليها والعمل بموجبها ومن بلغه ذلك الكتاب ولم يكن مخاطبا بمضمونه ولم يسمع من مسمع كان كالذين قصدوا بمضمون الكتاب ومقصود الخطاب
ولو قال هذا الرجل رأيت في صحيح محمد بن إسماعيل البخاري ووثقت باشتمال الكتاب عليه فعلى الذي سمعه يذكر ذلك أن يثق به ويلحقه بما تلقاه بنفسه ورآه ورواه من الشيخ المسمع
ولو عرض ما ذكرناه على جملة المحدثين لأبوه فإن فيه سقوط منصب الرواية عند ظهور الثقة وصحة الراوية وهم عصبة لا مبالاة بهم في حقائق الأصول
593 - وإذا نظر الناظر في تفاصيل هذه المسائل صادفها خارجة في الرد والقبول على ظهور الثقة وانخرامها وهذا هو المعتمد الأصولي فإذا صادفناه لزمناه وتركنا وراءه المحدثين ينقطعون في وضع ألقاب وترتيب أبواب

(1/416)


مسألة
594 - إذا قال الصحابي من السنة كذا فقد تردد فيه العلماء فذهب ذاهبون إلى أن قوله هذا محمول على النقل عن رسول الله صلى الله عليه و سلم كأنه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم كذا فإن السنة إذا أطلقت تشعر بحديث الرسول عليه السلام
وأبي المحققون هذا فإن السنة هي الطريقة وهي مأخوذة من السنن والاستنان فلا يمتنع أن يحمل ما قاله على الفتوى وكل مفت ينسب فتواه إلى شريعة رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم مستند الفتوى قد يكون نقلا وقد يكون استنباطا واجتهادا فالحكم بالرواية مع التردد لا أصل له
وكذلك إذا قال أمرنا بكذا فهو بمثابة قوله من السنة كذا فهذا منتهى القول في التحميل والتحمل ويلتحق الان بذلك مسائل
مسألة
595 - إذا نقل الراوي العدل خبرا من شيخ فروجع الشيخ فيه فأنكره
فالذي ذهب إليه أصحاب أبي حنيفة وطوائف من المحدثين أن ذلك يوهى الحديث ويمنع العمل به
وأطلق الشافعي القول بقبول الحديث وإيجاب العمل به
وذكر القاضي في ذلك تفصيلا ونزل مطلق كلام الشافعي رحمه الله عليه فقال إن قال اشيخ المرجوع إليه كذب فلان الراوي عني أو قال غلط وما رويت له قط ما ذكر فإذا جزم الرد عليه أوجب ذلك سقوط تلك الرواية

(1/417)


فإن ردد الشيخ قوله ولم يثبت الرد على الراوي عنه ولكنه قال لست إذكر هذه الرواية فهذا لايتضمن ردا ررواية إذا كان الراوي عن الشيخ موثوقا به
596 - فأما أصحاب أبي حنيفة فإنهم احتجوا بالشهادة على الشهادة فإن الفروع وإن كانوا عدولا إذا شهدوا ولم يمض القاضي قضاءه بشهادتهم حتى روجع الأصول فتوقفوا في أصل الشهادة اقتضى ذلك أبطال شهادة الفروع وامتنع أيضا التمسك بها والفروع في حكم الناقل عن الأصل شهادته وربما أطلقوا استدلالا وقالوا قد ذكرتم أن التعويل على ظهور الثقة ولا شك أن التردد من الشيخ أو تصريحه بالرد على الراوي عنه يوهى الثقة ويخرمها ويتضمن التوقف
597 - وقال الشافعي أما الشهادة فلا يجوز اعتبار الرواية بها لا فيها من التعبدات التي لا يعتبر شيء منها في الروايات فإذا أمكن حمل ما ذكروه في الشهادة على وجه في التعبد فلا يسوغ اعتبار الرواية بها وإن اتجه للخصم تقدير انخرام الثقى استغنى باتجاه ذلك عن القياس على الشهادة
ثم قال الشافعي رحمه الله الذي يؤكد سقوط اعتبار الرواية بالشهادة أنه لا يجوز اعتماد شهادة الفروع مع إمكان مراجعة الأصول ويجوز اعتماد رواية الثقة من غير مراجعة لشيخه فيها فوضح بذلك افتراق البابين في غر ما دفعنا إليه
ولو شبب مشبب بوجوب مراجعة الشيخ في الرواية عند الإمكان لم يترك ورأيه ورد عليه بقاطع لا استرابة فيه وهو أنا نعلم أن الصحابة رضي

(1/418)


الله عنهم كان يروى بعضهم لبعض أحاديث عن النبي صلى الله عليه و سلم فيتلقونها بالقبول ولا يلتزمون على الطرد مراجعة رسول الله صلى الله عليه و سلم مع الإمكان وكذلك القول في رواية بعضهم عن البعض
وهذا الذي ذكره الشافعي تأكيد متغنى عنه والتعويل على ما ذكرناه من حمل أمر الشهادة على التعبد وإمكان ذلك كاف في إبطال الاستدلال به و أما ما ذكروه من ادعاء وهاء الثقة فباطل لا أصل له والقول فيه عندنا يحققه التفصيل الذي أشار إليه القاضي
598 - فإن قال الشيخ لست أذكر هذه الرواية والراوي عنه قاطع بروايته مع ظهور عدالته واستقامة حالته فالوجه حمل تردد الشيخ على الذهول والنسيان ولا يوهن قطع الذاكر تردد غيره فالثقة إذا لم تسقط ولا تنحزم انخراما يسقط الاعتبار بالرواية
ولكن لو فرض تصديق الشيخ الراوي لدى المراجعة لكان ذلك أظهر في الثقة وأوضح في اقتضاء الاعتماد ونهاية الثقة ليست شرطا في أصل القبول وإنما يؤثر تفاوت الدرجات فيها في الترجيحات على ما سيأتي في كتابها وهذا بمثابة إضافة رواية رجل عدل إلى رواية إمام الدهر وموثوق العصر ومن إليه الرجوع في الأمر فلا شك أن رواية العدل تنحط عن مثل هذا الشخص برتب ظاهرة ولا يوجب ذلك رد رواية العدل بل يتعين حملها على القبول
وقد قال الشافعي لو روى عدل خبرا في أثناء خصومة وكان فحواها حجة على الخصم فالرواية مقبولة ولا تجعل للتهمة موضعا إذا كان الراوي عدلا

(1/419)


وكذلك إذا وقعت الرواية جارة منفعة إلى الراوي أو إلى والده أو ولده فلا ترد الرواية مع ظهور عدالة الراوي وإن كانت الشهادة مردودة في أمثال ذلك فإذا لا يعارض تردد من شيخ قطعا من راو عدل معارضة تحبط الثقة المعتبرة
599 - وهذا إذا لم يصرح الشيخ بالرد فأما إذا كذبه أو قطع بنسيته إلى الغلط فقد يظهر انخرام الثقة في هذه الحالة
واعدى القاضي على الشافعي أنه قال ترد الرواية في مثل هذه الصورة
والذي أختاره فيها أن نزل قول الشيخ القاطع بتكذيب الراوي عنه مع رواية الثقة العدل عنه منزلة خبرين متعارضين على التناقض فإذا اتفق ذلك فقد يقتضي الحال سقوط الاحتجاج بالروايتين وقد يقتضي ترجيح رواية على رواية بمزيد العدالة في إحدى الروايتين أو غير ذلك من وجوه الترجيح فلا فرق بين ذلك وبين تعارض قولين من شيخ وراو عنه فصل في كيفية الرواية وتفصيلها وما يقبل منها وما يرد
مسألة
600 - ما ذهب إليه معظم الأصوليين أن رواية الخبر على المعنى من غير اعتناء باللفظ جائزة إذا كان الراوي المترجم عنه قاطعا بأنه أدى معنى اللفظ الذي بلغه
وامتنع من ذلك معظم المحدثين وشرذمة من الأصوليين
601 - والدليل على الجواز مع القطع وانتفاء الريب أمور

(1/420)


منها أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم كانوا ينقلون معنى واحدا في قصة واحدة بألفاظ مختلفة ولا محمل لذلك إلا اعتناؤهم بنقل المعنى وها قاطع في فنه ومما تواتر عنهم في ذلك أنهم كانوا يرددون العبارات في محاولة إفهام من لا يفهم وهذا بعينه تعرض للمعنى ومما يشهد له في ذلك أن الرسول عليه السلام كان يحمل رسله تبليغ أوامره ونواهيه ولا يكلفهم حفظ ألفاظه ومن جحد ذلك فهو مباهت فكان أصحابه رضي الله عنهم يصرفون عنايتهم إلى الألفاظ التي يفهموم أنهم متعدبون بتحفظها كألفاظ التشهد وغيرها وكانوا لا يجرون جميع ما يسمعون من أوامر رسول الله صلى الله عليه و سلم هذا المجرى
والذي يحقق ذلك أنا على قطع نعلم أن الرسول عليه السلام كان يقصد أن تمتثل أوامره وكان لا يبغى من ألفاظه غيرذلك
والذي يوضح ما قدمناه أنه عليه السلام كان مبتعثا إلى العرب والعجم ولا يتأتى إيصال معنى أوامره إلى معظم خليقة الله سبحانه وتعالى إلا بالترجمة ومن أحاط بمواقع الكلام عرف أن إحلال الألفاظ من ثقة محل الألفاظ أقرب إلى الاقصاد من نقل المعاني من لغة إلى لغة
فإن استدل من منع ذلك بما روى عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال نضر الله امرا سمع مقالتي فوعاها ثم أداها كما سمعها قلنا هذا أولا من أخبار الاحاد ونحن نحاول الخوض في مخاض القطعيات وقد قال بعض المحققين من أذى المعنى على وجهه فقد وعى وأدى والتأويل الصحيح لو رمنا الكلام على الحديث أنه صلى الله عليه و سلم أراد بذلك من لا يستقل بفهم المعنى على القطع وتتميم الحديث شاهد فيه فإنه عليه لسلام قال في اخره فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه

(1/421)


إلى من هو أفقه منه فيشهد مساق الكلام على أن ما قاله فيه إذا كان يتوقع من الناقل زللا ولو ترجم
مسألة
602 - من سمع حديثا مشتملا على أحكام فهل له أن ينقل بعضها دون بعض بقدر مسيس الحاجة ولا يسوق الحديث على وجهه
اختلف العلماء في ذلك فمنع بعضهم الاقتصار على بعض الحديث وهذا قريب من التزام نقل اللفظ على وجهه وأجاز ذلك اخرون
603 - والمرضى عندنا التفصيل فإن كان ما سكت الراوي عنه حكما يتميز عما نقله ولم يكن للمسكوت عنه تعلق بالمنقول وكان لا يختل البيان في المروى بترك بعض الحديث فيجوز تخصيص البعض بالنقل على هذا الشرط وإن كان يختل البيان في القدر المنقول بسبب ترك المسكوت عنه فهذا إخلال في النقل ممتنع
604 - وقد تردد كلام الشافعي على خبرين ونحن نذكر سياق كلامه فيهما وبه يتم غرض المسألة قال الشافعي رحمه الله نل بعض النقلة عن ابن مسعود أنه أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم بحجرين وروثة ليستنجي بها فرمى رسول الله صلى الله عليه و سلم الروثة وقال إنها رجس وروى بعض الرواة أنه رمى بالروثة ثم قال ابغ لي

(1/422)


ثالثا والسكون عن ذكر الثالث ليس يخل بنقل الرواية وبيان أنها رجس ولكن قد يوهم النقل على هذا الوجه جواز الاكتفاء بحجرين فلا يجةو مع هذا الإيهام الاقتصار على بعض الحديث ويحمل رواية المقتصر على أنه لم يبلغه غير ما رواه
605 - والذي أختاره في هذا المسلك أن الراوي إن قصد إثبات منع استعمال الروث ونقل ما يدل على ذلك من رمى رسول الله صلى الله عليه و سلم الروثة وحكمه بأنها نجسة فهذا سائغ غير بعيد وإن لم يعلق روايته بقصده منع استعمال الروثة ولكنه استفتح الرواية غير متعلقة بغرض معين فلا يسوغ الاقتصار على ذكر رمى الروثة فإن ذلك يوهم جواز الاكتفاء بحجرين كما ذكر الشافعي فهذا أحد الخبرين
606 - والخبرالثاني في هذا القبيل حديث ماعز في الرجم في مقابلة ما روى أن رسول الله صلى الله عليه و سلم الثيب بالثيب جلد مائة والرجم
قال الشافعي رحمه الله هذا منسوخ بحديث ماعز فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم أمر برجمه ولم ينقل أنه جلده ثم استوفى الشافعي الكلام في صيغة الأجوبة عن أسئلة وجهها على مانسوقها على وجهها قال فإن قيل لعله جلده ورجمه قيل له كانت فصة مشهورة من مشاهير القصص ولو جلد لنقل

(1/423)


فإن قيل رب تفصيل في القصة لا يتفق نقله ودواعي النفوس إنما تتوفر على نقل كليات الأقاصيص وقد صح في الحديث المقدم التصريح بالجلد فلا يعارضه التعلق بعدم النقل في حديث مع اتجاه وجه ترك النقل فيه
قال الشافعي مجيبا الأمر كذلك والحق أحق أن يتبع ولولا أن أبا الزبير روى عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم رجم ماعزا ولم يجلد لكنا نعارض الحديث الأول بقصة ماعز
607 - قال القاضي ما ذكره الشافعي يتأكد بالإجماع على ترك الجلد وليس ما ذكره القاضي مسلما ففي السلف من يجمع بين الجلد والرجم ولولا ذلك لما اعتني الشافعي بالكلام على الحديث ثم قال القاضي وما أرى الحديث الأول إلا هفوة فإن من يقتل الأحجار أي معنى لجلده مائة وهو يدق بالأحجار إلى الموت فلعل الراوي سمع الجلد في البكر فاطرد على ذكره في الثيب ولا نهاية لمواقع إمكان الغلطات في الروايات
وهذا الذي ذكره القاضي لا يسوغ التعلق بمثله في رد رويات الثقات ولكن تقوى به مسالك التأويل وتظهر غلبات الظنون وهذا منتهى القول في ذلك
مسألة
608 - إذا روى طائفة من الأثبات قصة وانفرد واحد منهم بنقل زيادة فيها

(1/424)


فالزيادة من الراوي الموثوق به مقبولة عند الشافعي وكافة المحققين ومنع أبو حنيفة التعلق بها
واستدل الشافعي بأن انفراد بعض الناقلين بالاطلاع على مزيد ليس بدعا والناقل قاطع بالنقل فلا يعارض قطعه ذهول غيره وإذا ظهرت عدالة الراوي ولم يعارض نقله نقل يعارضه فلا يسوغ اتهام مثبت في نقله لعدم نقل غيره والدليل عليه أنه لو شهد جمع مجلس الرسول عليه السلام فنقل بعضهم حديثا ولم ينقل غيره من الحاضرين شيئا منه فهو مقبول ولا يسوغ تقدير الخلاف فيه فإن معظم الأحاديث التي نقلها الاحاد والأفراد عزوها إلى مشاهد لرسول الله صلى الله عليه و سلم ومجالسه بين أصحابه كان كذلك ولو شرط نقل كل من شهد لرد معظم الأحاديث
والذي يعضد ما ذكرناه أن الشهادات تبر في وجوه من التعبدات على الراويات وهي تضاهيها في أصل اعتبار الثقة ثم لو شهد جمع من العدول رجلا وشهدوا على إقراره لإنسان وانفرد عدلان من الشهود الحضور بمزيد في شهادتهما فهي مقبولة ولا يقدح فيها سكوت الباقين عنها فإذا كان ذلك لا يقدح في الشهادات مع أنها قد ترد بالتهم فالروايات بذلك أولى وليس

(1/425)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية