صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : اختلاف الفقهاء ـ للطبرى
المؤلف / أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري
عدد الأجزاء / 1

وقال أبو ثور إذا أسلم الرجل في الشيء الذي قد ينقطع ولا يوجد في أيدي الناس مما يكال أو يوزن فلا بأس أن يسلم فيه في الوقت الذي لا يكون في أيديهم فإن حل الأجل وهو موجود أخذه وإن لم يكن موجود ا أخر الذي عليه السلم إلى وجود الشيء المسلم فيه وكان حقا لزمه فلم يكن عنده فينظر إلى أن يكون أو يتفاسخا البيع ويأخذ رأس ماله
واختلفوا في السلم فيما خلط بغيره
فقال الأوزاعي لا بأس بالسلم في الزنبق كيلا واجلا حدثت
بذلك عن الوليد عنه وكذلك لا بأس بالسلم في الخفاف إذا سمي صنوفا وأجلا
وقال الشافعي كل صنف حل السلف فيه وحده فخلط منه شيء بشيء من غير جنسه مما يبقي فيه فلا يزايله بحال سوى الماء وكان الذي يخلط به قائما فيه وكانا مختلطين لا يتميزان فلا خير في السلف فيه من قبل أنهما إذا اختلطا فلا يتميز أحدهما من الآخر لم أدر كم قبضت من هذا ولا هذا فكنت قد أسلفت في شيء مجهول وذلك مثل السلم في سويق ملتوت وسويق لوز بسكر لأني لا أعرف قدر السويق من الزيت واللتات يزيد في كيل السويق وفي هذا المعنى السلم في الحيس واللحم المطبوخ بالأبزار وفي الفالوذق
ولا يجوز أيضا السلم في اللحم المشوي لأن صفته تخفى مشويا فلا يبين أعجفه من سمينه ومثل السلم في اللحم المشوي السلم في عين على أنها تدفع إليه مغيرة مثل السلم في صاع حنطة على أن يوفيه إياها دقيقا شرط
كيل الدقيق أم لا لأنها إذا طحنت أشكلت فلا يعرف المائي من الشامي ويقل ويكثر

(1/66)


ولو أسلم في دقيق جاز ومثل ذلك السلم في غزل موصوف على أن يعمله له ثوبا وكلما أسلم فيه وكان يصلح بشيء منه لا بغيره فشرطه مصلحا فلا بأس به مثل السلم في ثوب وشي أو مسير أو غيرهما من صبغ الغزل وذلك أن الصبغ هو كأصل لون الثوب في السمرة والبياض وأن الصبغ لا يغير صفة الثوب في دقة ولا صفاقة كما يتغير السويق والدقيق باللتات ولا خير في أن يسلم إليه في ثوب موصوف على أن يصبغه مضرجا لأنه لا يوقف على حد التضريج وإن من الثياب ما يأخذ من التضريح أكثر مما
يأخذ مثله ولا يعرف قدر الصبغ والفرق بين ذا وبين السلم في الثوب العصب أنه لم يشتر الثوب إلا والصبغ قائم فيه قيام العمل من النسج ولون الغزل والمشترى بلا صبغ ثم أدخل الصبغ فيه قبل أن يستوفي الثوب ويعرف الصبغ فلا يعرف غزل الثوب ولا قدر الصبغ ومثل السلم في العصب أن يسلفه في ثوب موصوف يوفيه إياه مقصورا قصارة معروفة أو مغسولا غسلا نقيا من دقبقه الذي ينسج به ومثل اللحم المشوي السلم في ثوب قد لبس وغسل غسله لأنه لا يوقف على حد ما أنهك منه اللبس ومثل السلم في السويق الملتوت السلم في الحنطة المبلولة والمجمر المطري والغالية والأدهان التي فيها الأتفال لأنه لا يوقف على صفته
وكذلك السلم في الأثواب المطيبة مثل الأدهان المطيبة والغالية لأنه لا يوقف على حد الطيب ومثل ذلك أن يسلم في عمل آنية أو طس من نحاس وحديد أو نحاس ورصاص لأنهما لا يخلصان فيعرف قدر كل واحد
منهما ومثله السلف في قلنسوة محشوة والخفين والنعلين لأن القلنسوة لا يعرف قدر حشوها ولا يوقف من النعل على صفة جلدها بطول ولا عرض ومثل القلنسوة النبل ولا بأس بالسلم في الآجر إذا وصف كما يوصف الأقداح والأواني ولو شرط موزونا كان أحب إلي ومثل الأجر السلم في دهن حب البان الذي ييبس حدثنا بذلك عنه الربيع وحكى أبو ثور عنه انه أجاز السلم في الزنبق والخيري والبنفسج ولم يجز في الغالية والأدهان المطيبة بالأفواه

(1/67)


وقال أبو ثور السلم في ذلك كله جائز وكذلك السلم في اللبن المخيض
وقال أبو حنيفة وأصحابه مثل ذلك
وقول أبي ثور إن اللبن والأشياء غيره إذا مازجه غيره فحكمه حكم الغالب إن كان الغالب اللبن فحكمه حكم اللبن وكذلك إن كان الماء الغالب فحكمه حكم الماء
واجمعوا على جواز بيع الذهب بالدراهم وفي بعض الدنانير فضة إلا أنها مستهلكة في الذهب وقد تخرج بالعلاج فكان هذا دليلا على أن الحكم حكم الذهب إن كانت غالبة للفضة والفضة مغمورة
واختلفوا في السلم فيما بعد
فقال مالك ما سمعت بالسلم في البطيخ أخبرني بذلك يونس عن ابن وهب عنه
وقال الأوزاعي وقيل له أأسلف في البيض والجوز قال نعم وتسمي عددا إذا جاء به فهو سلفك وليس لك فيه خيار حدثت بذلك عن الوليد عنه
وقال الشافعي لا يجوز السلف في البطيخ ولا القثاء ولا الرمان والسفرجل والخوخ والجوز والموز والبيض وغيره مما يتبايعه الناس عددا إلا الحيوان المضبوط بالجنس والسن والصيغة والثياب التي تضبط بالجنس والحلية والذرع والخشب الذي يضبط بجنس وصفة وذرع إلا أن يقدر على أن يضبط بالوزن والكيل حدثنا بذلك عنه الربيع
وقال أبو حنيفة وأصحابه لا يجوز السلم في البطيخ والقثاء والخيار والرمان و يجوز في البيض والجوز
وقال أبو ثور ما كان منه يوزن فأسلم فيه وزنا فلا بأس به وإلا فلا يصلح السلم فيه
واختلفوا في السلم في السمك
فقياس قول مالك إنه لا بأس بذلك
وقياس قول الثوري إن ذلك جائز إذا كان متقاربا مثل الجوز والبيض
وما كان غير متقارب فباطل
وقال الأوزاعي وسئل عن السلف في الحيتان الطرية قال لا يصلح لأنها ليست في أيدي الناس وهو غرر حدثت بذلك عن الوليد عنه

(1/68)


وقال الشافعي إذا كان السلف فيها يحل في وقت لا ينقطع ما أسلف فيه من أيدي الناس بذلك البلد جاز السلف فيها وإذا كان الوقت الذي يحل فيه في بلد ينقطع ولا يوجد فيه فلا خير في السلف فيها كالقول في لحم الوحش ويسلم في المالح بوزن والطري ولا يلزم المشتري ذنب السمك من حيث يكون لا لحم فيه ويلزمه ما يقع عليه إسم ذنب مما عليه لحم ولا يلزمه أن يوزن عليه فيه الرأس ويلزمه ما بين ذلك حدثني بذلك عنه الربيع
وقال أبو حنيفة وأصحابه لا يجوز السلم في السمك الطري ويجوز في المالح
وقال أبو ثور لا بأس بالسلم فيها إذا وصفت الجنس وكان موزونا ووصف الكبر والصغر والطول والعرض والسمن
واختلفوا في السلم في اللحم
فقال مالك لا بأس به إذا سمى الوزن حدثنا بذلك يونس عن ابن وهب عنه
وقياس قول الثوري إن السلم في اللحم جائز إذا بين الموضع الذي يأخذ منه لأن من قوله إن ما حد بوزن فجائز فيه السلم إذا ضبطته الصفة وكان لا يخلف في وقت من الأوقات
وقال الأوزاعي وقيل له دفعت دينارا على مائة رطل آخذ منه حاجتي قال لا بأس بذلك وإن أردت سفرا فلك أن تأخذ منه ما بقي من دينارك حدثت بذلك عن الوليد عنه
وقال الشافعي كل لحم موجود ببلد من البلدان لا يخلف في الوقت الذي يحل فيه فالسلف فيه جائز وكل ما كان يخلف في وقت محله فلا خير فيه وإن كان لا يخلف في البلد الذي أسلم فيه ويخلف في بلدة أخرى جاز في البلد الذي لا يخلف فيه وفسد في البلد الذي يخلف إلا أن يكون مما لا يتغير في المحمل فيحمل فأما ما كان رطبا وكان
إذا حمل تغير لم يجز فيه السلف في البلد الذي يخلف فيه وهكذا كل سلعة
وقال إذا اسلم فيه اشترط لحم ماعز ذكر خصي أو ذكر أو أنثى فصاعدا أو جدي رضيع أو فطيم وسمين أو منقى من موضع كذا وقال أكره أن يشترط أعجف وإن شرطا موضعا من اللحم وزن ذلك الموضع بما فيه من العظم لأنه لا يتميز من اللحم حدثنا بذلك عنه الربيع وقال أبو ثور مثله

(1/69)


وقال أبو حنيفة وأصحابه لا يجوز السلم في اللحم
واختلفوا في السلم في الرؤوس
وقال مالك وسئل عن السلم في رؤوس الكباش فقال لا يصلح إلا بصفة معلومة بعضها يكون أسمن من بعض وبعضها أصغر من بعض ولا يصلح إلا بصفة معلومة قيل أرأيت إن سلف فيها بغير صفة ثم قضاه فيجاوز عنه فقال أصل البيع ليس بجائز أخبرني بذلك يونس عن ابن وهب عنه
وقال الشافعي لا يجوز عندي السلف في شيء من الرؤوس من
صغارها ولا من كبارها ولا الأكارع لأنا لا نجيز السلف في شيء سوى الحيوان حتى يحده بذرع أو كيل أو وزن فأما عدد فلا وذلك أنه يكون فيه ما يقع عليه اسم الصغير وهو متباين واسم الكبير وهو متباين فإذا لم يحد فيه كما حددناه في مثله من الوزن والكيل والذرع أجزناه غير محدود
وقال إنما نرى الناس تركوا وزن الرؤوس لما فيها من سقطها الذي يطرح فلا يؤكل مثل الصوف والشعر عليه وأطراف مشافره ومناخره وجلود خديه وما أشبه ذلك مما لا يؤكل ولا يعرف قدره منه غير أنه فيه غير قليل فلو وزنوه وزنوا معه غير ما يؤكل من صوف وشعر وغير ذلك ولا يشبه ذلك النوى في التمر لأنه قد ينتفع بالنوى ولا ينتفع به حدثنا
بذلك عنه الربيع
وقال أبو حنيفة وأصحابه مثل قول الشافعي
وقال أبو ثور لا يجوز السلم في الرؤوس والأكارع إذا كانت متبانية إلا وزنا
وقالوا جميعا غير مالك لا يجوز السلم في الأهب والجلود والادم
وقال أبو ثور إن حد منه شيء بطول وعرض وذرع أو وزن فجائز وإلا فلا
وقياس قول الثوري إن السلم في الرؤوس وزنا وعددا جائز لأن ما يعد ويوزن فجائز عنده فيه السلم
واختلفوا في السلم في اللؤلؤ والزبرجد والياقوت والحجارة التي تكون حليا
فقال الشافعي لا يجوز السلف في شيء من ذلك حدثنا بذلك عنه الربيع وعلته أنه يتفاضل بالثقل والجودة وإن كانت موزونة فإذا تباينت في الوزن كانت غير موزونة أولى أن تتباين حدثنا بذلك عنه الربيع

(1/70)


وقال أبو حنيفة وأصحابه لا يجوز السلم في شيء من ذلك وقالوا لا يجوز في الزجاج إلا أن يكون مكسورا
وقال أبو ثور لا بأس بالسلم في ذلك إذا كان بصفة ووزن ولون
وقد كان أهل الصناعة يتعارفونه
وقياس قول مالك إنه إن كان يوقف على حده وصفته حتى لا يشكل عند المنازعة والخصومة فيه كان جائزا
وقياس قول الثوري أنها إن ضبطت بحد وصفة فجائز وإن لم تضبط فباطل
ولا بأس بالسلم في الفلوس وزنا في قول الشافعي
وقال أبو حنيفة وأصحابه لا يجوز السلم في الفلوس عددا
وقال أبو ثور لا بأس بالسلم فيها عددا إذا لم تتباين تباينا شديدا وإن تباينت تباينا شديدا لم يجز السلم فيها إلا وزنا
وإذا أسلم رجل في طعام وقال جيد أو رديء أو وسط فالسلم جائز في قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابه وأبي ثور
وحكى أبو ثور عن الشافعي أنه قال لا يصلح السلم في الرديء والذي حكاه الربيع عنه انه قال لا يجوز إذا قال أردأ الطعام أو أجوده لأنه لا يوقف على حد الأجود وإلا ردأ
ولا بأس بالاستسلاف في الحيوان كله بصفة أو بحلية معروفة وبرد مثله إلا ما كان من الإماء في قول مالك والشافعي وأبي ثور وعلة الشافعي أن من استسلف جارية فله أن يردها بعينها فإذا كان له ذلك
وهو مالك لها بالسلف كان له وطؤها وردها وقد حاط الله عز وجل ثم رسوله - صلى الله عليه وسلم - ثم المسلمون الفروج فنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يخلو بها رجل في حضر أو سفر ولم يحرم ذلك في شيء مما خلق غيرها وجعل الأموال مبيعة ومرهونة بغير بينة ولم يجعل المراة هكذا حتى حاطها فيما حللها بالولي والشهود ففرقنا بين حكم الفروج وغيرها بما فرق الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه والمسلمون بينها
وقال أبو حنيفة وأصحابه لا يجوز استسلاف الحيوان كله وقالوا إن باع المستقرض الحيوان أجزت ذلك وضمنته قيمته والدور والثياب والأرضون والسفن في قولهم مثل الحيوان

(1/71)


آخر كتاب البيوع والصرف والسلم وصلى الله على محمد وآله وسلم
وكتب محمد بن أحمد بن إبرهيم الإمام
المزارعة والمساقاة
من اختلاف الفقهاء تأليف أبي جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري
بسم الله الرحمن الرحيم
بحمد الله نبتديء واياه نستهدي وبه نستعين على كل خطب فإنه لا حول ولا قوة إلا به وصلى الله على محمد عبده ورسوله وعلى آله وسلم
أجمع العلماء جميعا لا خلاف بينهم أن استئجار الرجل من يقوم بسقي نخلة والقيام بمصالح ثمره وزراعة أرضه البيضاء وحرثها ومصالحها بأجرة معلومة من الذهب والفضة والعروض والثمار غير ما يخرج من النخل والأرض المستأجر على القيام بها الأجير إلى مدة معلومة وغاية معروفة جائز
ثم اختلفوا في الرجل يدفع نقله إلى رجل يقوم عليه من سقيه وإصلاحه
على أن للمدفوع إليه ذلك بعض ما يخرج من النخل أو يدفع إليه أرضه على أن يقوم بعمارتها وزراعتها ولرب الأرض بعض ما تخرج الأرض وللعامل بعض
فقال مالك لا ينبغي أن تساقى الأرض البيضاء وذلك أنه يحل لصاحبها كراؤها بالدنانير والدراهم وما أشبه ذلك من الأثمان المعلومة فأما الذي أعطى أرضه البيضاء بالثلث أو الربع مما يخرج منها فذلك مما يدخله الغرر لأن الزرع يقل مرة ويكثر مرة وربما هلك رأسا فيكون صاحب الأرض قد ترك كراء معلوما يصلح له أن يكري به أرضه وأخذ غررا لا يدري أيتم أم لا فهذا مكروه وإنما مثل ذلك رجل استأجر أجيرا لسفر بشيء معلوم ثم يقول الذي استأجر الأجير هل لك أن أعطيك عشر ما أربح في سفري هذا أجرة لك فلا يحل ذلك ولا ينبغي للرجل أن يؤاجر نفسه ولا أرضه ولا سفينته إلا بشيء معلوم لا يزول إلى غيره وإنما فرق بين المساقاة في النخل والأرض البيضاء إن صاحب النخل لا يقدر على بيع ثمرها حتى يبدو صلاحها وصاحب الأرض

(1/72)


يكريها وهي أرض بيضاء لا شيء فيها وقال في المساقاة إذا كان البياض تبع الأصل وكان الأصل أعظم ذلك وأكثره فلا بأس بذلك وذلك أن يكون النخل الثلثين أو أكثر ويكون البياض الثلث أو أقل فإن كان ذلك كذلك جازت المساقاة وذلك أن البياض حينئذ يكون تبعا للأصل وإذا كانت الأرض البيضاء فيها الأصل من النخل والكرم وما أشبه ذلك من الأصول فيكون ذلك الثلث أو أقل ويكون البياض الثلثين أو أكثر فإن ذلك الكراء جائز ولم تقع المساقاة فيه وذلك أن أمر الناس على أنهم يساقون الأرض وفيها البياض ويكرون البياض وفيه الشيء اليسير من الأصل ومثل ذلك أنه يباع المصحف وفيه شيء من الحلي من الفضة والسيف وفيه مثل ذلك بالفضة
لم يزل على ذلك بيوع الناس بينهم يبيعونها ويبتاعونها جائزة بينهم ولم يأت في ذلك وقت موصوف إذا هو بلغ كان حراما أو قصر عنه كان حلالا فكان الذي عمل به الناس وأجازوا بينهم أنه إذا كان ذلك تبعا لما فيه حل بيعه وجاز حدثني بذلك عن ابن وهب عنه
وقال الأوزاعي وسئل عن الأرض تعطى على النصف أو على الثلث أو على الثلثين فقال مكروه حدثني بذلك ابن البرقي قال حدثنا عمرو بن أبي سلمة التنيسي عنه
وقال الثوري لا بأس بمزارعة الأرض البيضاء على الثلث والنصف والمعاملة على الثمرة حدثني بذلك علي عن زيد عنه
وقال الشافعي السنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على معنيين أحدهما أن تجوز المعاملة في النخل على الشيء مما يخرج منها وذلك اتباع لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأن الأصل موجود يدفعه مالكه إلى من عامله عليه أصلا بثمر ليكون للعامل بعمله المصلح

(1/73)


للنخل بعض الثمرة ولرب المال بعضها وإنما أجزنا المقارضة قياسا على المعاملة على النخل ووجدنا رب المال يدفع ماله إلى المقارض يعمل فيه المقارض فيكون له بعمله بعض الفضل الذي يكون في المال المقارض به ولولا القياس على السنة والخبر عن عمر وعثمان رضي الله عنهما بإجازتها أولى ألا تجوز من المعاملة على النخل وذلك أنه قد لا يكون في المال فضل كثير وقد يختلف الفضل فيه اختلافا متباينا وان ثمرة النخل قل ما تختلف فإذا اختلفت تقارب اختلافهما وإن كانا قد يجتمعان في أنهما مغيبان معا يكثر الفضل فيهما ويقل ويختلف
وتدل سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ألا تجوز المزارعة على الثلث ولا الربع ولا جزء من أجزاء وذلك أن المزارعة في أرض بيضاء لا أصل فيها ولا زرع ثم يستحدث فيها زرعا والزرع ليس بأصل والذي هو في معنى المزارعة الإجارة فلا يجوز أن يستأجر الرجل الرجل على أن يعمل له شيئا إلا بأجر معلوم يعلمانه قبل أن يعمله المستأجر لما وصفت من السنة وخلافها للأصل والمال يدفع إذا كان النخل منفردا
والأرض للزرع منفردا فإذا كان النخل منفردا فعامل عليه رجل وشرط أن يزرع ما بين ظهراني النخل على المعاملة وكان ما بين ظهراني النخل لا يسقى إلا من ماء النخل ولا يوصل إليه إلا من حيث يوصل إلى النخل كان هذا جائزا وكان في حكم ثمرة النخل ومنافعها من الجريد والكرانيف وإن كان الزرع منفردا عن النخل له طريق يؤتى منها أو ماء يشرب متى شرب به لا يكون شربه ريا للنخل ولا شرب النخل ريا له لم تحل المعاملة عليه وجازت إجازته وذلك أنه حكم المزارعة لا حكم المعاملة على الأرض وسواء قل البياض في ذلك أو كثر حدثنا بذلك عنه الربيع

(1/74)


قال وإن أراد أن يساقي على أرض النخل منفردا دون النخل فلا يجوز قال وأما المصحف يباع أو السيف وعلى كل واحد منهما حلية من ذهب فلا يجوز أن يباع بالذهب قل الذهب أو كثر وذلك أن للذهب الذي عليهما حصة من الذهب الذي اشتراهما به فيدخل في ذلك أن يكون
الذهب بالذهب متفاضلا أو مجهولا أو أو بجمعهما وهما لا يحلان إلا مثلا بمثل وزنا بوزن
وقال أبو حنيفة لا تجوز مزارعة الأرض البيضاء ولا المعاملة على شيء من الغرس ببعض ما يخرج منها
وقال يعقوب ومحمد المزارعة بالثلث والربع جائزة وكذلك المعاملة على النخل
وقال أبو ثور المزارعة بالثلث والربع أو بعض ما يخرج من الأرض باطل لا تجوز ولا نعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاسم أهل خيبر زرعا ولا أخذ منهم شيئا وإنما كان يبعث بإبن رواحة فيخرص بينه وبينهم النخل ولا نعلمه أخذ منهم مما كان في الأرض شيئا ففي هذا ما يدل على أن ما كان في الأرض من الزرع لا شيء فيه
وعلة من قال بقول مالك في كراهية مزارعة الأرض البيضاء وإجازته مساقاة النخل الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنهي عن المزارعة على الربع والثلث ومعاملته أهل خيبر على النخل وأنه كان يبعث عبد الله بن رواحة فيخرص عليهم
وعلة من قال بقول أبي حنيفة في كراهته المزارعة والمساقاة إجماع الكل على أن الأجرة لا تجوز إلا معلومة فلما كان العامل في الأرض إنما هو مستأجر الأرض ببعض ما تخرجه الأرض من بذرة والخارج من الأرض مجهول لا يدري
كم قدره لأنه قد يقل ويكثر وقد لا تخرج شيئا كانت إجارة مجهوله وكانت باطلة قياسا على ما أجمعوا عليه وكذلك المعاملة على النخل لأن العامل إنما هو أجير ببعض الحادث من الثمر المجهول قدره

(1/75)


وأما علة من قال بقول أبي يوسف ومحمد فالقياس على إجماع الكل على جواز المقارضة وذلك أصل مال مشروط للعامل فيه من الربح ما قد يوجد ولا يوجد وهو مجهول قبل وجوده معلوم عند وجوده فكذلك المزارعة والمعاملة مجهول مبلغ ما لكل واحد منهما قبل حدوث الخارج من الأرض والنخل معلوم بعد حدوثه منهما فكان حكمهما حكم المقارضة
وعلة من قال بقول مالك في إجازة المعاملة على ما يحدث من النخل والأرض معاملة النبي - صلى الله عليه وسلم - أهل خيبر على النخل والزرع
وعلة من أبي ذلك خبر رافع وإن ذلك لو جاز في أرض النخل لجاز في الأرض البيضاء
واختلفوا في كراء الأرض البيضاء بشيء من جنس المكترى له بعد إجماعهم على أنها إذا اكتريت بالذهب والورق فجائز
فقال مالك وسئل عن رجل أكرى أرضه بمائة صاع من تمر أو حنطة مما يخرج منها أو من غيرها فكره ذلك حدثني بذلك يونس
عن ابن وهب عنه
وقال الشافعي يجوز كراء الأرض للزرع بالذهب والفضة والعروض كما يجوز كراء المنازل وإجازة العبيد والأحرار ولا بأس أن يكري أرضه البيضاء بالتمر وبكل ثمرة يحل بيعها إلا أن من الناس من كره أن يكريها ببعض ما يخرج منها ومن قال هذا القول قال إن زرعت حنطة كرهت كراءها بالحنطة لأنه نهي أن يكون كراؤها بالثلث والربع
وقد قال غيره كراؤها بالحنطة وإن كان إلى أجل غير ما يخرج منها جائز لأنها حنطة موصوفة لا يلزمه إذا جاء بها على صفته أن يعطيه مما يخرج من الأرض ولو جاءت الأرض بحنطة على غير صفتها لم يكن للمكتري أن يعطيه غير صفته وإذا تعجل المكري الأرض كراءها من الحنطة فلا بأس بذلك في القولين جميعا حدثنا بذلك عنه الربيع
وقال أبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور لا بأس بكراء الأرض البيضاء بالذهب والفضة والعروض وكل شيء يجوز أن يكون كراء إلى أجل أو حالا
واختلفوا في حكم المزارع على الأرض البيضاء إذا حاكم رب الأرض وقد زرع

(1/76)


فقال مالك لرب الأرض مثل أرضه والزرع لصاحب البذر حدثني بذلك يونس عن ابن وهب عنه
وقال الشافعي إذا اشترك الرجلان من عند أحدهما الأرض ومن عندهما معا البذر ومن عندهما معا البقر أو من عند أحدهما ثم تعاملا على أن يزرعا أو يزرع أحدهما فما أخرجت الأرض فهو بينهما نصفان أو لأحدهما فيه أكثر مما للآخر فلا تجوز المعاملة في هذا إلا على معنى واحد أن يبذرا معا ويموتا الزرع بالبقر وغيره مونة واحدة ويكون رب الأرض متطوعا بالأرض لرب الزرع فأما على غير هذا الوجه من أن يكون الزارع يحفظ أو يمون بقدر ما سلم له رب الأرض الأرض فتكون البقر من عنده أو الآلة أو الحفظ أو ما يكون من صلاح الزرع فالمعاملة على هذا فاسدة فإن ترافعا بعدما يعملان فسخت وسلم الزرع لصاحب البذر وإن كان البذر منهما معا فلكل واحد منهما نصفه وإن كان من أحدهما فهو للذي له البذر ولصاحب الأرض كراء مثلها وإذا كانت
البقر من العامل أو الحفظ أو الإصلاح للزرع ولرب الأرض من البذر شيء أعطيناه من الطعام حصته ورجع الحافظ وصاحب البقر على رب الأرض بقدر ما يلزم حصته من الطعام من قيمة عمل البقر والحفظ وما أصلح به الزرع حدثنا بذلك عنه الربيع
وقال أبو حنيفة وأصحابه إذا اشترك أربعة في زرع فقال أحدهم علي البذر وقال الآخر علي الأرض وقال الآخر علي العمل وقال الآخر على البقر فعملوا على ذلك فسلم الزرع كان الزرع كله لصاحب البذر وعلى صاحب البذر أجر مثل البقر وأجر مثل الرجل العامل وأجر مثل الأرض وينظر صاحب الزرع فيما بينه و بين الله عز وجل من غير أن يجبر على ذلك وينظر إلى الزرع فيخرج منه بذره فيسلم له طيبا ثم ينظر إلى قدر ما غرم من الأجر لصاحب العمل وصاحب الأرض وصاحب البقر فيأخذ مثل ذلك مما بقي فإن بقي شيء بعد ذلك تصدق ولم يأكله

(1/77)


ولو دفع رجل إلى رجل أرضا وبذرا على أن يعمل الآخر في ذلك بنفسه وأجرائه وبقره سنة فما أخرج الله عز وجل من ذلك من شيء فلصاحب الأرض والبذر النصف ولصاحب العمل النصف فإن ذلك باطل في قول أبي حنيفة وكذلك لو دفع إليه أرضا على أن يزرعها ببذره وبقره وأعوانه فما خرج من شيء فلصاحب الأرض منه كذا فزرعها فما خرج من شيء فلصاحب البذر في قول أبي حنيفة وهي معاملة فاسدة
وقال أبو يوسف ومحمد في المسألتين جميعا هما على ما تشارطا عليه
وهذه معاملة جائزة ولو لم تخرج الأرض شيئا لم يكن لصاحب الأرض ولا لصاحب العمل شيء وكذلك لو كان البذر والبقر والأرض لواحد وقال لآخر اعمل فيها فما أخرج الله عز وجل من شيء فلك منه كذا كان ذلك جائزا في قولهم على ما تشارطا وقالا لو أن صاحب الأرض دفع الأرض على أن الأرض والبقر عليه وعلى الآخر العمل والبذر كانت أجرة فاسدة وكان الزرع لصاحب البذر والعمل وعليه أجر البقر والأرض ويأخذ من ذلك صاحب البذر ما بذر وما غرم ويتصدق بالفضل قالا ولو لم تخرج الأرض شيئا غرم صاحب البذر أجر البقر والأرض من قبل أن البقر لا يجوز أن تكترى ببعض ما يخرج من الأرض والأرض لا يجوز أن تكترى ببعض ما يخرج منها
وقال أبو ثور إذا اشترك أربعة في زرع فقال أحدهم علي البذر وقال الآخر علي الأرض وقال الآخر علي العمل وقال الآخر علي البقر فعملوا على ذلك فسلم الزرع فما خرج من ذلك فلصاحب البذر ولصاحب البقر عليه كراء بقره ولصاحب العمل كراء مثله ولصاحب الأرض مثل كراء أرضه وذلك كله على صاحب البذر
وإذا دفع رجل إلى رجل أرضا وبذرا على أن يعمل الآخر في ذلك بنفسه وأجرائه وبقره سنة فما أخرج الله عز وجل من ذلك من شيء فلصاحب الأرض والبذر النصف ولصاحب العمل النصف فذلك باطل لا يجوز فإن عمل على ذلك كان لصاحب العمل كراء مثله وكراء مثل أجرائه وبقره وكان الزرع لصاحب الأرض والبذر

(1/78)


وأجمع الذين أجازوا المساقاة على إجازتها في النخل والكرم ثم اختلفوا في إجازتها في غيرهما من الغروس والزرع
فقال مالك المساقاة في كل أصل نخل أو كرم أو زيتون أو تين أو رمان أو فرسك أو أشبه ذلك من الأصول جائز قال والمساقاة أيضا في الزرع إذا خرج واستقل فعجز صاحبه عن سقيه وعمله وعلاجه فالمساقاة أيضا في ذلك جائزة حدثني بذلك يونس إن ابن وهب عنه
وقال الشافعي المساقاة جائزة في النخل والكرم لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ منها بالخرص وساقى على النخل وثمرها مجتمع لا حائل دونه وليس هكذا شيء من الثمر الثمر كله دونه حائل وهو متفرق غير مجتمع فلا تجوز المساقاة في شيء غير النخل والعنب وهي في الزرع أبعد من أن
تجوز ولو جازت إذا عجز عنه صاحبه جازت إذا عجز صاحب الأرض عن زرعها أن يزرع فيها على الثلث والربع وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنها حدثنا بذلك عنه الربيع
وقال أبو حنيفة لا تجوز المعاملة في شيء من الأصول وغيرها
وقال أبو يوسف ومحمد إن دفع رجل إلى رجل أرضا معاملة وفيها نخل أو شجر أو رطاب أو باذنجان أو ما يكون له ثمر قائم أو لا ثمر له من الزرع فذلك جائز إذا بين ما للعامل ورب الأرض من ذلك
وقال أبو ثور لا بأس بالمعاملة في كل أصل قائم له ثمر أو لا ثمر له
وعلة مالك ومن قال بقوله القياس على معاملة النبي - صلى الله عليه وسلم - أهل خيبر على النخل وهو أصل فكان كل أصل في معناه جائز فيه المعاملة
وعلة من قال بقول الشافعي إن العامل في معنى الأجير وقد أجمع الكل أن الإجارة لا تجوز إلا أن تكون معلومة فالمعاملة باطلة إلا فيما أجاز النبي - صلى الله عليه وسلم - المعاملة فيه أو خصته حجة يجب التسليم لها
وقد ذكرنا علة أبي حنيفة وأصحابه فيما مضى قبل

(1/79)


وأجمع القائلون بإجازة المساقاة إن لرب الأرض أن يساقي العامل ببعض ما تخرجه نخله في كل وقت من وقت جداد النخل إلى أن يطيب الثمر ويحل بيعه وكذلك في كل ما جازت فيه المعاملة
إن ساقاه وعامله قبل ظهور الثمرة أو بعد أن تؤبر النخل أو في حال إطلاعه
وأجمعوا أيضا جميعا على أن المعاملة على أصول الرطبة إلى غير وقت مسمى باطلة وذلك أن الرطبة ليس لنباتها غاية يوقف عليها
إلا أن أبا ثور قال فيها قولين أحدهما هذا والقول الآخر إنها على أول جزة كما تكون النخل على أول الثمرة قال والأول أحب إلي
وقال أبو يوسف ومحمد لو كانت للرطبة غاية تذهب ثم تعود كان جائزا والمعاملة على ذلك على أول جزة
واختلفوا في المعاملة ببعض تمر المساقى عليه بعد بدو الصلاح ووقت جواز البيع
فقال مالك لا يساقى في شيء من الأصل مما تحل فيه المساقاة إذا كان فيه ثمر قد بدا صلاحه وطاب وحل بيعه من الثمار وحذه لأنه إنما ساقاه صاحب الأصل على ثمر قد بدا صلاحه على أن يكفيه إياه ويحذه
له فإنما هو بمنزلة الدنانير والدراهم يعطيه إياها ليس ذلك بالمساقاة إنما المساقاة بين أن يحذ النخل إلى أن يطيب الثمر ويحل بيعه وقال في رجل ساقى ثمرا في أصل قبل أن يبدو صلاحه ويحل بيعه فتلك المساقاة بعينها جائزة حدثني بذلك يونس عن ابن وهب عنه

(1/80)


وقال أبو يوسف ومحمد إذا دفع رجل إلى رجل نخلا فيه طلع أو بسر قد اخضر أو أحمر أو قد انتهى وعظم ولم يرطب فلا تجوز المعاملة فيه وإن كان يزداد فالمعاملة جائزة وإذا عامله عليه وقد انتهى فقام عليه وحفظه كانت الثمرة لصاحب النخل وللعامل كراء مثله وكذلك الكرم والشجر وكل شيء له أصل قائم تجوز المعاملة عليه وقالا إن دفع رجل إلى رجل رطبة قد صارت قداحا معاملة على أن يسقيها ويقوم عليها فما كان فيها من شيء فبينهما نصفان سنة أو أشهر معلومة فذلك جائز وإن دفعها وقد انتهت ولم يخرج لها بزر فقال قم عليها حتى يخرج بزرها فما كان من شيء فهو بيننا نصفان من البزر والرطبة فهي معاملة فاسدة والرطبة والبزر لصاحب الأرض وللعامل كراء مثله قالا وإن كانت الرطبة انتهت فعامله على البزر فجائز وما خرج من بزر فهو بينهما نصفان والرطبة لصاحبها قالا وإن
دفع إليه الرطبة وهي قداح على أن يقوم عليها ويسقيها حتى يخرج بزرها فما أخرج الله عز وجل من شيء فالرطبة والبزر بينهما نصفان كانت معاملة جائزة
وقال أبو ثور إذا دفع رجل إلى رجل نخلا فيه طلع أو بسر قد اخضر أو احمر أو قد انتهى وعظم وليس يطعم بعد ولم يرطب وكان يحتاج إلى سقي وتعاهد حتى يرطب ويصير ثمرا كانت هذه المعاملة جائزة وإن كان إذا عظم وانتهى لم يحتج إلى القيام عليه كانت المعاملة في ذلك باطلة وفيما دون ذلك جائزة وان عامله عليه وقد انتهى فكانت المعاملة فاسدة فقام عليه وحفظه كانت الثمرة لصاحب النخل وللعامل كراء مثله وكذلك الكرم والشجر وكل شيء له أصل قائم قال وإذا دفع الرجل إلى الرجل رطبة قد صارت قداحا مثل قول أبي يوسف وقال إن دفعها وقد انتهت ولم يخرج لها بزر فقال قم عليها حتى يخرج بزرها فما كان من شيء فبيننا نصفان من البزر والرطبة فهذا جائز وذلك إن خروج البزر زيادة فيها وكذلك ما كان من زيادة تحدث كان ذلك جائزا

(1/81)


واختلفوا في حكمها إذا دفع إليه نخلا أو شجرا قد علق في الأرض ولم يطعم على أن ما خرج من شيء فبينهما على ما اشترطا
فقال مالك لا يجوز أن يساقى على شجر لم يثمر لأنه تعظم مؤونته وإنما تجوز المساقاة فيما خفت مؤونته حدثنا بذلك يونس عن ابن وهب عنه
وقال أبو يوسف ومحمد إذا لم يكن الشجر أطعم وان كان قد علق في الأرض فالمعاملة عليها فاسدة فإن عمل العامل فما خرج من ذلك من شيء فلرب الأرض وما عمل فله كراء مثله قالا وان دفع إليه سنين على أن
يقوم عليه ويلقحه فما أخرج الله عز وجل من ذلك من شيء فهو والأصول بينهما نصفان كان جائزا قالا وإذا أطعم الشجر وبلغ فليس لربه أن يعطيه معاملة على أن يكون للعامل نصفه وإنما تجوز المعاملة عند ذلك على الثمرة
وقال أبو ثور إذا كانت الأشجار والنخيل قد علقت ولم تطعم فالمعاملة على أن ما أخرج الله عز وجل من شيء بينهما على ما تشارطا جائزة إذا كانت معاملة على سنين معلومة ولو دفعها معاملة سنين معلومة على أن ما أخرج الله عز وجل فبينهما نصفان مع الأصول كانت معاملة فاسدة
واختلفوا في حكم الدافع أرضه إلى رجل على أن يغرس المدفوعة إليه الأرض على أن ما أخرج الله من غرس فبينهما
فقال مالك فيما حدثني يونس عن أشهب عنه انه سئل عن الرجل يعطي الرجل الأرض البيضاء فيقول له اغرس هذه نخلا أو رمانا فإذا بلغت فهي بيني وبينك فقال لا بأس بذلك لم يزل هذا من أمر الناس عندنا ها هنا ثم قيل أرأيت الرمان أيطول ثبوتها إذا غرست ورمانها فقال نعم إنها دوحة من الدوح وقلت له إذا غرس هذا الغارس وبلغ الأصل كان له نصف ذلك إن شاء باع وان شاء قاسمه فقال نعم إذا غرسه إن شاء باع نصفه وان شاء قاسمه يصنع به ما شاء فقلت له ولا يكون ذلك حتى يثبت الأصل فقال نعم
وعلى قول الشافعي المعاملة على ذلك باطلة
وهو قول أبي حنيفة

(1/82)


وقال أبو يوسف ومحمد لا بأس بذلك وقالا إذا دفع رجل إلى رجل أرضا بيضاء وغرسا فقال اغرس أرضي هذه وقم عليها واسقها فما أخرج الله عز وجل من شيء فهو بيننا نصفان فعمل على ذلك فما خرج من شيء فلرب الأرض وعليه كراء العامل
وقالا إن دفع رجل إلى رجل أرضا بيضاء على أن يغرسها نخلا وشجرا وكرما سنين على أن ما أخرج الله عز وجل من ذلك من شيء فهو بينهما نصفان مع الأرض فهي معاملة فاسدة فإن أخذها على هذا وعمل فيها فما أخرجت الأرض من شيء فلصاحب الأرض ولصاحب الغرس قيمة غرسه وأجر مثله لأنه حين اشترط شيئا من الأرض يغرسها كان ما غرس لصاحب الأرض
قالا وكذلك لو قال رب الأرض أغرسها على أن ما خرج من شيء فبيننا نصفان وعلى أن لك مائة درهم أوكر حنطة أو عرضا من العروض وقالا لو دفع رجل إلى رجل أرضا بيضاء على أن يزرعها كرا من حنطة سنة ويقوم عليها ويسقيه فما أخرج الله عز وجل من شيء فبينهما نصفان وعلى أن للمزارع على رب الأرض مائة درهم أو شيئا من العروض موصوفا أو بعينه فعمل على ذلك كان ما خرج من شيء لرب الأرض وللزارع عليه كر مثل كره وأجر مثله أخرجت الأرض شيئا أو لم تخرج
وإن دفع رجل إلى رجل أرضا على أن يزرعها ويغرسها ما شاء من غلة الصيف والشتاء فما أخرج الله من شيء فبينهما نصفان وعلى أن لرب الأرض على الزارع مائة درهم فعمل على ذلك فما خرج من شيء فهو للمزارع وعليه
كراء مثل أرضه يأخذ من ذلك ما لزمه ويتصدق بالفضل

(1/83)


فإن كان البذر والغرس من عند رب الأرض واشترط رب الأرض على العامل مائة درهم يعطيه على أن ما خرج من شيء فبينهما كانت معاملة فاسدة وما خرج من شيء فللمزارع وعليه قيمة الغرس ومثل البذر وأجر الأرض وذلك أن المزارع كأنه اشترى غرسه وبذره واستأجر أرضه بمائة درهم ونصف ما خرج منها قالا ولو دفع رجل إلى رجل نخلا أو شجرا أو كرما فقال قم عليه واسقه ولقح نخله واكسح كرمه فما خرج من شيء فبيني وبينك ولك علي مائة درهم أو قال صاحب الأرض للعامل لي عليك مائة درهم أو قال اعمله لنفسك أو اعمله لي أو قال اعمله ولم يقل لي ولا لك فذلك كله سواء فما خرج من ذلك من شيء فهو لصاحب الأرض وللعامل كراء مثله
وقال أبو ثور إذا دفع رجل إلى رجل أرضا بيضاء على أن يغرسها نخلا وشجرا وكرما سنين على أن ما أخرج الله عز وجل من ذلك من شيء فهو بينهما نصفان وكذلك الأرض بينهما نصفان فهذه معاملة فاسدة فإن أخذها على هذا وعمل فيها فما أخرجت الأرض من ثمرة فلصاحب الغرس ويقلع غرسه ويكون له على صاحب الأرض ما بين غرسه قائما ومقلوعا وذلك أنه غره ويكون لصاحب الأرض على صاحب الغرس كراء مثل أرضه وما نقص أرضه وذلك أنه غره
وأي موضع أفسدنا المعاملة وقد زرع أو غرس العامل فالزرع لرب البذر والغرس لربه كان اشترط الذي له البذر على الآخر دراهم أو لم يشترط أو اشترط الذي ليس له من البذر والغرس شيء أو لم يشترط وإن دفع رجل إلى رجل أرضا بيضاء وغرسا فقال اغرس أرضي هذه فما أخرج الله من شيء فلرب الأرض وعليه مثل كراء العامل
واختلف الذين أجازوا المعاملة على النخل والأصول فيما يجوز اشتراطه على العدل

(1/84)


فقال مالك في السنة في المساقاة التي يجوز لصاحب الأرض أن يشترطها على المساقي سد الحظار وخم العين وسرو الشرب وإبار النخل وقطع الجريد وجد الثمر وما أشبه على أن للمساقي شطر الثمر أو أقل من ذلك أو اكثر إذا تراضيا عليه غير أن صاحب الأصل لا يشترط على من ساقى عملا جديدا يحدثه فيها من بئر يحفرها أو عين يرفعها أو غراس يغرسه يأتي به من عنده أو ضفيرة يثبتها تعظم فيها وإنما ذلك بمنزلة أن يقول رب الحائط لرجل من الناس ابن لي ها هنا بيتا أو احفر لي بئرا أو أجر لي عينا أو إعمل لي عملا بنصف ثمر حائطي هذا قبل أن يطيب ثمر الحائط ويجوز بيعه فهذا بيع الثمر قبل أن
يبدو صلاحه وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فأما إذا طاب الثمر وحل بيعه ثم قال رجل لرجل اعمل لي بعض هذه الأعمال بنصف ثمر حائطي فإنما استأجره بشيء معلوم معروف قد رآه ورضيه
وأما المساقاة فإنه إن لم يكن للحائط ثمر أو قل أو فسد فليس له إلا ذلك حدثني بذلك يونس عن ابن وهب عنه
وحدثني يونس عن أشهب قال سئل مالك عن الشرط على الرجل الداخل في المساقاة أن عليك إصلاح القفة والتل والزرنوق فقال لا بأس بذلك إلا الزرنوق فلا يشترط عليه أرأيت لو انهدم البئر أيكون عليه وسئل فقال له رجل ساقيت حائطي وشرطت على الداخل أن عليه نقل تراب قد رآه وعرفه فقال أصل السقاء ليس بجائز وما أراه حسنا في ذلك أنك شرطت عليه نقل ذلك التراب وإنما كان يكون عليك قال ولا بأس أن لا يشترط رب الحائط على الداخل الخرص ولا يصلح أن يشترطه الداخل على رب الأرض

(1/85)


وقال الشافعي كلما كان مستزادا في الثمر من إصلاح الماء وطريق الماء وتصريف الجريد وأبار النخل وقطع الحشيش الذي يضر بالنخل وينشف عنه الماء حتى يضر بثمرتها جاز شرطه على المساقاة فأما سد الحظار فليس فيه مستزاد ولا صلاح في الثمر ولا يصلح شرطه على المساقي فإن قال فإن أصلح للنخل أن تسد الحظار كذلك أصلح لها أن يبنى عليها حظار لم تكن وليس هذا الإصلاح من الاستزادة في شيء من النخل إنما هو دفع الداخل حدثنا بذلك عنه الربيع
وقال أبو يوسف ومحمد إن اشترط رب النخل أو الغرس على العامل على أن يقوم عليه ويكسحه ويلحقه ويسقيه فذلك جائز فإن اشترط عليه صرام الثمرة أو لقاط الرطب أو جداد البسر أو لقاط ما يلقط مثل الباذنجان وثمر الشجر فذلك باطل والمعاملة على هذا الشرط فاسدة فإن عمل كان له
كراء مثله وما أخرج النخل من شيء فلصاحبه وكذلك إن اشترط أحدهما على صاحبه الحصاد أو الدياسة أو حمله إلى موضع من المواضع كانت مزارعه فاسدة
قال وإذا استحصد الزرع فالحصاد عليهما جميعا في المزارعة الصحيحة وكذلك لو كان قصيلا فأراد بيعه لم يكن على واحد منهما جزه وكان عليهما جميعا
وقالا الحفظ على المزارع حتى يجف الزرع ويستحصد فإذا صار كذلك فمنعهم السلطان من الحصاد كان الحفظ عليهما جميعا وكذلك الثمر إذا صار تمرا أو إلى الجداد عليهما جميعا على قدر مالهما
وقال أبو ثور على العامل سقيه وكسحه وتلقيحه فإن اشترط صاحب الأرض في ذلك صرام النخل أو لقاط الرطب أو لقاط ما يلقط مثل الباذنجان وثمر الشجر فإن في هذا قولين أحدهما إن هذا جائز كما جاز لقحه وكسحه وغير ذلك والآخر إن هذا ليس مما يكون في المعاملة وذلك أن الثمرة إذا أدركت فقد انقضت المعاملة وصارت بينهما على ما اشترطا ولكل واحد منهما أن يأخذ حقه ويلزمه من الأجرة في صرامها ولقاطها ما يصيبه بقدر ما له فيها

(1/86)


وأجمع الذين أجازوا المساقاة على أن للرجل أن يعقد عقدة مساقاة على سنين وإن كثرت إذا كانت معلومة محصورة بقدر يبينانه
ثم اختلفوا في فسخ ما تعاقدا من ذلك بينهما إذا كان المريد للفسخ أحدهما دون صاحبه
فقال مالك إذا دخل المساقي في الحائط فلا يجوز لصاحب الحائط أن يخرجه منه حتى يتم عمله في المساقاة وليس للداخل أن يخرج أيضا حتى تتم مساقاته وإن ناسا ليقولون للداخل أن يخرج إذا بدا له وما يعجبني ذلك وما أراه له حتى يفرغ من شرطه إلا أن يتراضيا حدثني بذلك يونس عن أشهب عنه قال وسئل عن المساقي يسقي الشهر ثم تنهدم البئر أو تعور العين فقال إن كان الثمر قد جف فهو على مساقاته يقاسمه وإن لم يكن جف فإن أحب الداخل أن يعمر ويكون على مساقاته وإن أحب ترك المساقاة قيل له أرأيت إن ترك المساقاة أيكون له من الثمر بقدر ما عمل وسقى فقال ما أدري
وعلى قول الشافعي إذا تعاقدا بينهما المساقاة إلى أجل معلوم فليس لواحد منهما أن يفسخها إلا برضى الآخر واجتماعهما على الفسخ
وقال أبو يوسف ومحمد إذا وقعت عقدة المعاملة وتراضيا في المساقاة خاصة ثم قال الذي أخذ النخل معاملة لا أعمل في هذا ولا في غيره وأنا أريد ترك هذا العمل وأعمل في غيره أو أريد أن أسافر وأبى صاحب النخل أن يدعه فإنه يجبر على ذلك وليس شيء مما ذكرنا عذرا وكذلك لو قال صاحب النخل أنا أريد أن أعمل في نخلي وأقوم عليه وأخرجك منه لم يكن ذلك له وليس لصاحب النخل أن يخرجه إلا أن يكون عليه دين فادح ليس عنده قضاه إلا من ثمن ذلك النخل
قالا وإن خرج في الشيء الذي أخذه معاملة أو اطلع فيه شيء
من الثمرة ثم لزم صاحب الأرض دين فادح لم تبع الأرض وكانت المعاملة إلى مدتها حتى تنقضي قالا ومن العذر أن يكون العامل رجل سوء يخاف على فساد النخل وقطع السعف فلرب الأرض إخراجه من الأرض والعذر للعامل أن يمرض مرضا شديدا لا يستطيع أن يعمل أو يضعف عن ذلك

(1/87)


وقالا إذا أخذ الأرض رجل بمزارعة على أن يزرعها هذه السنة ببذره وبقره فما أخرج الله عز وجل منها من شيء فلصاحب الأرض النصف وله النصف فلما صحت المزارعة بينهما ودفع إليه قال المزارع لا أريد أن أزرع هذه السنة شيئا ولا أزرع هذه الأرض وأزرع غيرها فإن هذا له ولا يجبر على زرعها وله تركها ولا يلزمه شيء
قالا ولو دفع رجل إلى رجل أرضا وبذرا فقال اعمل لي في أرضي هذه السنة وازرعها فما خرج من شيء فلك النصف فلما وقعت المزارعة قال الذي أخذ الأرض والبذر لا حاجة لي في ذلك ولست أزرع هذه السنة شيئا لم يكن له وأجبر على أن يزرع وذلك أنه في هذا الموضع أجير
ولو قال رب الأرض في هذه المسألة بعدما انعقدت المزارعة بينهما لست أريد أن يزرع أرضي وقال العامل أنا أريد ذلك لم يجبر صاحب الأرض على ذلك وكان ذلك إليه ولو كان العامل أخذ الأرض على أن يزرعها ببذره وبقره ونفسه سنة على أن ما يخرج من شيء فبينهما نصفان فلما وقعت العقدة قال صاحب الأرض لست أريد أن يزرع أرضي هذه السنة وقال العامل أنا أريد ذلك لم يكن لصاحب الأرض أن يمنعه ذلك ولا يحول بينه وبينها إلا من
عذر والعذر أن يكون على صاحب الأرض دين ليس عنده قضاه إلا من ثمن هذه الأرض فتباع
وقال أبو ثور إذا دفع رجل إلى رجل شيئا له أصل معاملة فأراد أن يخرج صاحب الأرض العامل قبل أن تنقضي المدة لم يكن ذلك له وكان عليه أن يدعه حتى تنقضي المدة التي بينهما ولا يكون له عذر في شيء مما نزل به حتى تمضي المدة وكذلك العامل لو قال لصاحب الأرض لا حاجة لي في العمل لم يكن ذلك له حتى تنقضي المدة وكل شيء انعقد بين اثنين فليس لأحدهما إبطاله إذا كان الشيء لا يبطل إلا بهما فأما إذا اختلفوا فالشيء بحاله لا يبطل باحدهما ولا بعذر كان من أحدهما إذا اختلفوا إلا أن يجمع أهل العلم من ذلك على شيء أو تكون سنة تبين ذلك

(1/88)


فإن ضعف العامل عن القيام بذلك فأقام رجلا مقامه في ذلك كان ذلك له ولم يكن لصاحب الأرض منعه من ذلك وإن قال العامل لا حاجة لي في ذلك ولم يكن عنده ما يكتري به رجلا اكترى صاحب الأرض عليه رجلا يقوم مقامه فيعطيه ما يصيبه من الثمرة أو يتراضيان من ذلك على شيء
واختلفوا في حكمهما إن باعا الثمرة قبل الجداد أو مات أحدهما استحقت الثمرة
فقال مالك وسئل عن رجل كان في حائط مساقاة على النصف فيبيع الحائط فأراد الداخل في الحائط أن يخرج منه بشيء يعطاه فقال لا يصلح
شيء من ذلك إلا أن يخرج بغير شيء يأخذه أو يعمل حتى تتم مساقاته أرأيت لو كان صاحب الحائط نفسه هو بيعه ثم أراد أن يخرج منه بشيء يعطاه فهو مثله فلا يصلح من هذا شيء إلا أن يخرج منه بغير شيء أو يقيم على مساقاته قيل له أرأيت إن كان ساقاه على النصف فلما بيع الحائط أراد أن يخرج منه بأن يعطى سدس الثمر في الجداد فقال هو بمنزلة صاحب الحائط الأول لو لم يبع حدثني بذلك يونس عن أشهب عنه
واخبرني يونس عن ابن وهب عنه قال سئل مالك عن الرجل يبتاع الأرض وقد ساقاها صاحبها رجلا قبل ذلك بسنين فقال المساقي أنا أحق به وليس له أن يخرجني فقال ليس له أن يخرجه حتى يفرغ من سقائه إلا أن يتراضيا وأخبرني يونس عن أشهب قال سألته عن الداخل في المساقاة يموت فقال إن لم يترك مالا ورغب ورثته في المساقاة فذلك لهم إذا كانوا أمناء أقوياء على ذلك وإن ترك مالا فرغب الذي ساقاه أن يأخذ ورثته بالمساقاة فذلك له عليهم
وقال أبو يوسف ومحمد لا يجوز أن تباع الثمرة حتى تنقضي الأجرة وإن كان بسرا أو طلعا لا في دين فادح ولا في غيره قالا فإن انقضت المعاملة والبسر أخضر بحاله فالخيار في ذلك إلى صاحب العمل إن أحب أن يعمل على ذلك كان له وإن أبى كان البسر بينهما نصفان إلا أن يشاء صاحب الأرض أن يعطيه قيمة ما له ويكون البسر له ولو خرم
كتاب الغصب

(1/89)


من اختلاف الفقهاء تأليف أبي جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله عز وجل ) يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ( الآية وقال عز وجل ) إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا ( الآية فنص تبارك وتعالى تحريم أكل أموالنا بيننا في كتابه بالباطل إلا بما أباحه لنا من التجارة عن التراضي بيننا في كتابه وأوجب لآكل أموال اليتامى ظلما النار
أجمل ذكر التحريم لآكلها ظلما وباطلا في محكم تنزيله وأوضح المعاني التي يستحق بها آكل مال غيره اسم الآكل ظلما وباطلا وما اللازم له من الأحكام في عاجل الدنيا وفسره على لسان رسول الله عليه وسلم
نقل بعض ذلك التفسير الكل مجمعين عليه عامتهم وخاصتهم
ونقل بعضه الحجة مجمعة عليه وبعضه مختلفة فيه ونحن مبينو كل ذلك إن شاء الله بعونه وقته فانا به وله وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم
أجمع جميع الخاصة والعامة إن الله عز وجل حرم أخذ مال امرء مسلم أو معاهد بغير حق إذا كان المأخوذ منه ماله غير طيب النفس بأن يؤخذ منه ما أخذ وأجمعوا جميعا أن آخذه على السبيل التي وصفنا بفعله آثم وبأخذه ظالم وأجمعت الحجة التي وصفناها جميعا أن آخذه على السبيل التي وصفنا إن كان اخذه من حرز مستخفيا بأخذه وبلغ المأخوذ ما يجب فيه القطع أنه يسمى بما أخذ سارقا وإن كان أخذه مكابرة من صاحبه في صحراء أنه يسمى محاربا وقد ذكرنا في كتاب المحاربين اختلافهم في اسمه إذا أخذ ذلك مكابرة في مصر فأغنى عن إعادته في هذا الموضع
وأنه إن اخذ ما أخذ على السبيل التي وصفنا اختلاسا من يد صاحبه أنه يسمى مختلسا وأنه إن أخذه على هذه السبيل مما اوتمن عليه أنه يسمى خائنا وأنه إن اخذه على ما ذكرنا قهرا للمأخوذ منه وقسرا بغلبة ملك أو فضل قوة انه يسمى غاصبا
خرم
القيمة استحسانا

(1/90)


وقال أبو ثور عليه ثمنها وثمن ولدها فإن كان ثمنها أنقص مما كان يوم غصبها بنقص دخلها كان عليه ما نقصها وإنما قلنا بالثمن لأن الجارية ليست بمستهلكة فلا تجوز عليه القيمة وهي في يده ولم يحكم بها للمدعي لأنها قد صارت أم ولد له ولها منه ولد فلا يصدق على إبطال حقها وحق ولدها ولم يكن له أن يطأ ولا يستمتع بجارية لغيره إلا بشراء وأما الولد فإن كان وطؤه وطء زناء لم يلحق به النسب ولا يصدق على نفيهم لقوله وهو ولده في الحكم وهي أم ولد له وإذا مات عتقت
وقال إذا اغتصب رجل دارا فباعها وقبضها المشتري ثم أقر الغاصب أنه اغتصبها فإن لم تكن لرب الدار بينة كان على الغاصب ثمن الدار وذلك أنه أقر أنه أتلف مالا لإنسان ولا يقدر على تخليصه فعليه ثمنه
وقياس قول مالك إن اقراره باطل وعليه ضمان قيمة الجارية للذي أقر له بها مع قيمة الولد
واختلفوا في حكم المغصوب يجني عليه في يد الغاصب أو يجني أو يصيبها ما ينقصها
فقال الشافعي إذا اغتصب رجل جارية فباعها فجنى عليها أجنبي في يد المشتري أو الغاصب جناية تأتي على نفسها أو بعضها فأخذ الذي هي في يده أرش الجناية ثم استحقها المغصوب فهو بالخيار في أخذ أرش الجناية من يدي من أخذها إذا كانت نفسا أو تضمينه قيمتها على ما وصفنا وإن كانت جرحا فهو بالخيار في أخذ أرش الجرح من الجاني والجارية من الذي

(1/91)


هي في يده أو تضمين الذي هي في يده ما نقصها الجرح بالغا ما بلغ وكذلك إن كان المشتري قتلها أو جرحها فإن كان الغاصب قتلها فلمالكها عليه الأكثر من قيمتها يوم قتلها أو قيمتها في أكثر ما كانت قيمة لأنه لم يزل لها ضامنا فإن كان المغصوب ثوبا فباعه الغاصب من رجل فلبسه ثم استحقه المغصوب أخذه وكان له ما بين قيمته يوم اغتصبه وبين قيمته التي نقصه إياها اللبس كأن قيمته يوم غصب عشرة فنقصه اللبس خمسة فيأخذ ثوبه وخمسة وهو بالخيار في تضمين الأرش للمشتري أو الغاصب فإن ضمن الغاصب فلا سبيل له على اللابس وإذا اغتصب جارية فأصابها عيب من السماء أو بجناية أحد فسواء وسواء أصابها ذلك عند الغاصب أو المشتري يسلك بما أصابها من العيوب التي من السماء ما يسلك بها في العيوب التي يجنيها عليها الأدميون وإذا اغتصب الرجل جارية فباعها من آخر محدث بها عند المشتري عيب ثم جاء المغصوب فاستحقها أخذها وكان بالخيار في أخذ ما
نقصها العيب من الغاصب فإن أخذ منه لم يرجع على المشتري وإن أخذه من المشتري رجع به المشتري على الغاصب وبثمنها الذي أخذ منه لأنه لم يسلم له ما اشترى وسواء كان العيب من السماء أو بجناية آدمى حدثنا بذلك عنه الربيع
وروى أبو ثور عن الشافعي أنه قال إذا اغتصب الرجل عبدا أو أمة فجنت عليه جناية ثم جاء ربها فاستحقها أن على الغاصب أرش ما نقصها الجناية وذلك أن العبد والأمة إذا عرف بالجناية نقص من أثمانها فليس على الغاصب إلا أقل الأمرين من الجناية والقيمة وذلك أن عليه أن يدفع الجارية أو العبد سليما كما أخذه
وقال أبو حنيفة وأصحابه إذا اغتصب الرجل جارية وقيمتها ألف فجنى عليها إنسان وقيمتها ألفان ضمن ذلك رب الجارية الجاني ألفي درهم إن شاء وإن شاء ضمن الغاصب ألفا ويرجع الغاصب على الجاني بألفين فإن كان خطأ كان على عاقلته في ثلاث سنين فإذا أخذها الغاصب تصدق بألف وأخذ ألفا مكان ألفه

(1/92)


وقالوا إن اغتصب رجل جارية أو عبدا فعطب عنده ضمن الغاصب قيمته بالغة ما بلغت ولو أن رجلا قتل عبد رجل ضمن القيمة إن كانت أقل من عشرة آلاف وإن كان أكثر ضمن عشرة آلاف إلا عشرة دراهم
وإن اغتصب رجل عبدا أو أمة فجنت عنده جناية ثم جاء ربها فاستحقها قيل ادفع أو إفد فإن دفعها أو فداها كان له على الغاصب قيمتها وإن ماتت في يد الغاصب بعد الجناية كان عليه قيمتان قيمة الجارية للمولى فإذا دفعها قال له أولياء القتيل هذه قيمة الجارية التي قتلت صاحبنا فيأخذونها منه ثم يرجع على الغاصب فيقول له هذه قيمة لم تسلم لي وذلك لما كان عندك من الجناية فيأخذ منه قيمة أخرى
وإذا اغتصب دارا فسكنها أو لم يسكنها فانهدمت الدار فليس عليه شيء وذلك أنه لم يجرحها ولم يهدمها
وقالوا في الحيوان كله إذا مات من غير أن يستخدمه أو يستعمله فعليه الضمان
وقال أبو ثور إذا اغتصب جارية وقيمتها ألف فجنى عليها إنسان وقيمتها ألفان ضمن رب الجارية الجاني ألفين فإن لم يجده ضمن الغاصب الفي درهم وكان للغاصب أن يأخذ الجاني بقيمتها وذلك أنه استهلكها وهي في يده وقد ضمن قيمتها وإن جنت الجارية عند الغاصب جناية ثم جاء ربها فاستحقها مثل قول الشافعي
وقال إن ماتت في يدي الغاصب بعد الجناية فإن عليه للجناية أن يدفع الثمن أو الفدية وكان عليه للمولى قيمتها وقال في الغصب إذا تلف في يدي الغاصب بجناية أو حدث من السماء مثل قول الشافعي سواء في ذلك الدور والحيوان
وقياس قول مالك إن المغصوب إن كان عبدا أو أمة فجنى عليهما
جان في يد الغاصب كان لربه أن يتبع أيهما شاء إن شاء الغاصب وإن شاء الجاني فإن ضمن الغاصب رجع على الجاني بما ضمن وإن ضمن الجاني لم يرجع على أحد بشيء وكذلك إن كان ثوبا وكل شيء
واختلفوا في حكم غلة المغصوب

(1/93)


فقال مالك إذا آجر الغاصب المغصوب وكان دوابا فإن لأرباب الدواب إذا علموا ذلك كراء ما حمل عليه غرما عليه إن سلمت الدابة وإن تلفت خير أهل الدابة بين الثمن والكراء حدثني بذلك يونس عن ابن وهب عنه وحدثني يونس عن أشهب عن مالك أنه سئل عن رجل اشترى أرضا على ما يجوز له الشراء فمكثت في يده سنين يزرعها ويأكل غلتها ثم يجيء صاحبها فيستحقها وقد بذر فيها بذره وعمل فيها فيريد أن يأخذ أرضه وقد قال المشتري قد بذرت وسقيت وقد كان لي فيما مضى من السنين فهذه السنون مثلها فقال مالك ليس ذلك للذي يستحق وأرى له عليه كراء تلك السنة التي جاء فيها فقط
وقال الشافعي إذا اغتصب الرجل من الرجل الدابة فاستغلها أو لم يستغلها ولمثلها غلة أو دار فسكنها أو أكراها أو لم يسكنها ولم يكرها ولمثلها
كراء أو شيئا ما كان مما له غلة استغله أو لم يستغله انتفع به أو لم ينتفع به فعليه كراء مثله من حين أخذه حتى رده ولا يكون لأحد غلة بضمان إلا للمالك حدثنا بذلك عنه الربيع
وقال أبو حنيفة وأصحابه إذا اغتصب الرجل دابة رجلا فآجرها أوداره أو عبده فالأجرة للغاصب ويتصدق بها لأنه ضامن فلا يجتمع ضمان وأجرة
وقالوا إن باع الغاصب الدابة وقد استعملها فماتت عند المشتري فأخذ رب الدابة المشتري بالقيمة فإن المشتري يرجع على الغاصب ولا يكون للغاصب أن يعطي في قيمتها للمشتري من غلتها شيئا إلا أن يكون عنده وفاء فيعطي منها
وقال أبو ثور إذا اغتصب الرجل الدابة أو الدار أو العبد فواجره فلا يحل له شيء من أجرته وأجرته فاسدة ولرب السلعة على المستأجر
مثل كراء سلعته ويرجع المستأجر على الغاصب بما أخذ منه من الأجرة وإذا اغتصب رجل شيئا فآجره فعطب عند الذي استأجره فأخذ رب السلعة المستأجر بالقيمة وذلك عند عدم الغاصب فإن الإجارة فاسدة ويرجع رب السلعة على المستأجر بكراء المثل وقيمة سلعته ويرجع المستأجر على الغاصب بالقيمة التي أخذت منه للرقبة فقط لأنه غره

(1/94)


واختلفوا في حكم المغصوب إذا خلطه الغاصب بشيء لا يتميز من ماله
فقال مالك إن الغاصب إذا اختلط المغصوب بما لا يتميز من ماله أن المغصوب منه والغاصب يضرب بقيمة ماله في ذلك وذلك أن يونس حدثني عن ابن وهب عنه أنه سئل عن الرجل يبضع معه القوم بضائع فيخلط مالهم كله ثم يموت قال يضرب كل انسان منهم في ذلك المال بقدر حقه
وقال الشافعي في الشيء الذي يخلطه الغاصب بما اغتصب فلا يتميز أو يغصب مكيال زيت فيصبه في زيت مثله أو خير منه فيقال
للغاصب إن شئت أعطيت مكيال زيت مثل زيته وإن شئت أخذت من هذا الزيت مكيالا ثم كان غير مزداد إذا كان زيتك مثل زيته وكنت تاركا للفضل إذا كان زيتك أكثر من زيته ولا خيار للمغصوب لأنه غير منتقص فإن كان صب ذلك المكيال في زيت شر من زيته ضمن الغاصب له مثل زيته لأنه قد انتقص زيته بتصييره فيما هو شر منه وإن كان صب زيته في بان أو شيرق أو دهن طيب أو سمن أو عسل ضمن في هذا كله لأنه لا يتخلص منه الزيت ولا يكون له أن يدفع إليه مكيالا منه وإن كان المكيال منه خيرا من الزيت من قبل أنه غير الزيت
قال ولو كان صبه في ماء ان خلصه منه حتى يكون زيتا لا ماء فيه وتكون مخالطة الماء غير ناقصة له كان لازما للمغصوب أن يقبله وإن كانت مخالطة الماء ناقصة له في العاجل والمتعقب كان عليه أن يعطيه مكيالا مثله مكانه قال ولو غصبه زيتا فأغلاه على النار فنقص كان عليه
أن يسلمه إليه وما نقص مكيلته ثم إن كانت النار تنقصه شيئا في القيمة لم يكن عليه وقال ولو غصبه حنطة جيدة فخلطها برديئة كان كما وصفت في الزيت يغرم له مثلها بمثل كيلها إلا أن يقدر على أن يميزها حتى تكون معروفة وإن خلطها بمثلها أو أجود كان كما وصفت في الزيت وإن خلطها بشعير أو ذرة أو حب غير الحنطة كان عليه أن يوخذ بتمييزها حتى يسلمها إليه بعينها بمثل كيلها وإن نقص كيلها ضمنه حدثنا بذلك عنه الربيع

(1/95)


وقال أبو حنيفة وأصحابه إذا استودع رجل رجلا حنطة وآخر شعيرا فخلطهما فعلى المستودع حنطة وشعير لهما مثل ما استودعاه أو قيمة ذلك قالوا وإن كان الخلط من غيره فإن الحنطة والشعير يباعان ويقسم الثمن على قيمة حنطة هذا وعلى قيمة شعير هذا وكذلك كل غاصب خلط متاع الناس بعضه ببعض فإن باع صاحب الحنطة والشعير سلعتهما جزافا فقال صاحب الحنطة كانت حنطتي كرين وقال صاحب الشعير بل كانت كرا أو قال صاحب الشعير كان شعيري كرين وقال صاحب الحنطة بل شعيرك كان كرا أحلف كل واحد منهما لصاحبه واقتسما الثمن على ما أقر كل واحد منهما لصاحبه
وقال أبو ثور إذا خلط المستودع الحنطة والشعير كان الحنطة والشعير بين الرجلين فإن كان نقص من قيمتها شيئا بالخلط كان على المستودع لأنه جان وكذلك إن كان الخلط من غير المستودع فالحكم واحد وكذلك في كل جان على شيء مما يكال أو يوزن إذا خلط بعضه ببعض وإذا اختلف رب الحنطة والشعير فيما كان لهما من مبلغ الحنطة والشعير مثل قول أبي حنيفة
واختلفوا حكم الغاصب يتلف ما غصب بسببه على يدي مالكه أو في مال مالكه
فقال الشافعي إذا اغتصب رجل رجلا زعفرانا وثوبا فصبغ الثوب بالزعفران كان رب الثوب بالخيار في أن يأخذ الثوب مصبوغا لأنه زعفرانه وثوبه ولا شيء له غير ذلك أو يقوم ثوبه أبيض وزعفرانه صحيحا فإن كانت قيمته ثلثين قوم ثوبه مصبوغا بزعفران فإن كانت قيمته خمسة وعشرين ضمنه الخمسة لأنه أدخل عليه النقص وكذلك لو كان غصبه سمنا وعسلا ودقيقا فعصده كان للمغصوب الخيار في أن يأخذه معصودا ولا شيء للغاصب في الحطب والقدر والعمل من قبل أن ما له فيه أثر ولا عين أو يقوم له العسل منفردا والسمن والدقيق منفردين فإن كانت

(1/96)


قيمته عشرة وهو معصود قيمته سبعة غرامات له ثلاثة من قبل انه ادخل عليه النقص وإن غصبه دابة وشعيرا فعلف الدابة الشعير رد الدابة والشعير لأنه هو المستهلك له وليس في الدابة عين من الشعير يأخذه إنما فيها منه أثر
ولو غصبه طعاما فأطعمه إياه والمغصوب لا يعلم كان متطوعا بالطعام وكان عليه ضمان الطعام وإن كان المغصوب يعلم أنه طعامه فلا شيء عليه من قبل أن سلطانه إنما كان على أخذ طعامه فقد أخذه وإن اختلفا فقال المغصوب أكلته ولا أعلم أنه طعامي وقال الغاصب أكلته وأنت تعلم فالقول قول المغصوب مع يمينه إذا أمكن أن يكون يخفي ذلك بوجه من الوجوه حدثنا بذلك عنه الربيع
وقال أبو حنيفة وأصحابه إذا اغتصب رجل رجلا ثوبا أو
حنطة أو تمرا أو شئيا مما يخفى ثم إن الغاصب وهبه لربه فأكله أو لبس الثوب حتى خرقة فلا شيء على الغاصب
قالوا فإن كان تمرا فاتخذ منه خلا ثم أهداه إلى صاحب التمر أو جعله نبيذا فسقاه فعليه قيمة التمر وكذلك كل شيء غيره عن حاله فهو ملك له وعليه قيمة الذي غيره الجوزجاني عن محمد
وقال أبو ثور إذا اغتصبه شيئا ثم أهداه إليه أو أطعمه إياه فلا شيء على الغاصب لأنه قد رد إليه ملكه وإن كان لا يعلم فإن كان تمرا فاتخذ منه خلا ثم أهداه إلى صاحب التمر كان عليه ما بين الخل والتمر من القيمة فإن كان الخل أكثر من قيمة التمر فهو لصاحب التمر وكذلك إن اغتصبه حنطة فجعلها سويقا أو دقيقا أو سميذا أو إطرية أن نشاستج ثم أهداه إلى صاحب الحنطة فإن عليه ما بين الحنطة وما جعله من النقصان وإن كانت قيمته أكثر أو مثل قيمته فلا شيء عليه
وقياس قول مالك في الغاصب يتلف ما غصب بسببه على يدي مالكه أو في مال مالكه إن كان استهلكه فليس له أن يرجع على الغاصب بشيء إلا أن يكون دخله عنده نقص قبل أن يجني عليه المغصوب منه فإن كان دخله نقص ضمن قيمة النقصان وكان ما بقي بعد ذلك من قيمته ساقطا عن الغاصب باستهلاك المغصوب منه إياه

(1/97)


وأجمعوا جميعا أن الرجل إذا استهلك لرجل بعض ما يكال أو يوزن أن
عليه مثله وأنه إن لم يجد له مثله من جنسه فأراد أن يأخذه غيره بيعا بما لزمه مما لا يجوز أن ينسأ أحدهما في الآخر أنه جائز وأنه لا يجوز لهما الافتراق حتى يتقابضا وذلك مثل أن يهلك له حنطة فلم يجد المستهلك الحنطة لصاحبها حنطة مثل حنطته فأراد أن يعطيه شعيرا بحقه ورضي به صاحبه إن ذلك جائز إن تقابضا ذلك في مجلسهما الذي تبايعا فيه وإن افترقا قبل التقابض بطل البيع فيه
واختلفوا في حكم المسلم يتلف خمر الذمي
فقال مالك عليه قيمتها حدثني بذلك يونس عن ابن وهب عنه
وقال الشافعي لا شيء على من أهلك خمرا لمسلم أو نصراني وكذلك إن قتل له خنزيرا حدثنا بذلك عنه الربيع
وقال أبو حنيفة وأصحابه إن اغتصب النصراني لنصراني خمرا فاستهلكها حكم عليه بقيمة الخمر فإن أسلما لم يحكم عليه بشيء وإن أسلم أحدهما لم يحكم على المسلم ولا له بقيمة خمر وإن كان خنزيرا فأسلما أو أسلم أحدهما فإنه يقضى بينهما بالقيمة رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة روى محمد عن زفر وعافية عن أبي حنيفة أنه كان يقول إن أسلم المغصوب فطلب الخمر لم يقض له به وإن أسلم الغاصب فعليه قيمة الخمر وإن أسلما جميعا بطلت وهو قول محمد
وقالوا إن اغتصب مسلم ذميا خمرا كانت عليه قيمتها ولا يكون عليه خمر مثلها وإن اغتصب مسلم ذميا خمرا فجعلها خلا كان له أخذها أو قيمة الخل وإن اغتصبه جلد ميتة فدبغه ثم استهلكه لم يكن عليه شيء في قول أبي حنيفة والفرق عنده بين الخمر إذا صارت خلا والجلد إذا دبغ أن صاحب الخل لو أصاب خله كان له أخذه ولم يغرم شيئا وإن صاحب
الجلد لو أصاب الجلد كان له أخذه ويغرم ما زاده الدابغ
وقال أبو يوسف ومحمد عليه إن استهلكه قيمة الجلد ويعطيه صاحب الجلد قيمة الدباغ

(1/98)


وقال أبو ثور إن اغتصب الذمي ذميا خمرا ثم ارتفعوا إلينا فاخترنا الحكم عليهم لم نحكم عليه إلا بما نحكم به بين المسلمين ولا نحكم عليهم بثمن خمر ولا خنزير ولا حرام وإن اغتصبها مسلم من مسلم واستهلكها فلا شيء عليه قال وإن اغتصبه جلد ميتة مما يؤكل لحمه فدبغه فهو للذي اغتصب منه وإن استهلكه كانت عليه قيمته وذلك أنه لما دبغه حل بيعه وكان بالدباغ متطوعا لا شيء له فلما استهلكه بعد أن حل كان له قيمة والخمر لا قيمة لها فلا يحل بيعها
وأجمعوا أنه إذا اغتصبه عبدا أو أمة فلا شيء على المغصوب منه آخر كتاب الغصب من الاختلاف والحمد لله وصلى الله على محمد وآله وسلم
وكتب محمد بن أحمد بن إبراهيم الإمام
خرم
الضمان والكفالة والحوالة
قضائه اياه ذلك وذلك انه كان يقول الكفالة والضمان والحوالة معنى واحد وفي ضمان الضامن للمضمون له ما على غريمه وقبوله الضمان منه عنده براءة المضمون عنه من المال ووجوبه له على الضامن فللضامن من أجل ذلك المطالبة بالمال الذي كان عليه للمضمون له مثل الذي كان من ذلك للمضمون له على قوله
فإن اتبع المضمون له بما كان له على غريمه الضامن فلم يقضه الضامن ما ضمن له عن صاحبه حتى قضى المكفول عنه الكفيل ما تكفل عليه لغريمه فذلك حق للكفيل كان له قبل المكفول عليه يفعل به ما بدا له بمنزلة دين كان له قبل غريم له فقضاه إياه وذلك أن اتباع الغريم الكفيل براءة للمكفول عليه مما كان له قبله وتحول منه بحقه الذي كان له عليه على الكفيل وإن قضى ذلك المضمون عليه الضامن بعد اتباع الغريم بدينه الذي عليه الأصل وهو المضمون عنه كان للمضمون عنه حينئذ عندنا الرجوع على الضامن بما أعطاه من ذلك لأنه أعطاه مالا يحسب أنه لازم له إعطاؤه وهو له غير لازم فالواجب عليه رده عليه وغير جائز له إنفاقه ولا التصرف به وذلك أن الضامن قد بريء من الضمان باتباع المضمون له المضمون عنه فلا شيء للضامن قبل المضمون عنه عندنا

(1/99)


وأما على قول مالك فإن كان المضمون عنه أعطى الضامن ما أعطاه من
ذلك ليؤديه إلى المضمون له فليس للضامن إنفاقه ولا التصرف به وذلك أن الضامن في هذه الحال على قوله فيما أعطى على سبيل ما وصفت وكيل المضمون عنه في إيصال ما دفع إليه ليوصله إلى غريمه فليس له في ذلك إلا ما لوكيل الرجل في ماله وإن كان أعطاه ما أعطاه على أنه قضاء منه له ما لزمه له بسبب ضمانه عنه ما ضمن لغريمه فإن الواجب على قوله أن لا يتصرف به وأن يرده على المضمون عنه لأنه لا سبيل للمضمون له على الضامن في قوله ما كان المضمون عنه مليا في القول الذي رجع إليه آخرا وإذا كان ذلك كذلك لم يكن للضامن في الحال التي لا سبيل للمضمون له اخذ ما للمضمون عنه على وجه الإقتضاء مما لزمه بضمانه لغرمائه ما ضمن له
وأما على قياس قول الأوزاعي والثوري والشافعي فإنه ليس للضامن التصرف به ولا إنفاقه والواجب عليه إما رده على المضمون عنه وإما قضى غريمه ذلك عنه ليبرأ به من حقه قبله لأن قياس قولهم إنه ليس للضامن قبل المضمون عنه مال بضمانه عنه ما لم يقض غريمه الدين الذي ضمن له عنه
وقال أبو حنيفة وأصحابه إن قضى المكفول عنه الكفيل المال الذي كفل عنه قبل أن يقضي المكفول له ما كفل له على صاحبه فجائز
قالوا وللكفيل أن يتصرف به أو يكون له فضله من قبل أنه له
ولو هلك منه كان ضامنا له من قبل أنه أخذه على وجه الأقتضاء
قالوا ولو اقتضاه الطالب من الذي عليه الأصل وغاب الكفيل ثم تقدم فإن للذي عليه الأصل أن يرجع بذلك على الكفيل من قبل انه أداها إلى الكفيل الأول مرة وأداها إلى الذي له الأصل
قالوا ولو أن الذي عليه الأصل لم يؤدها إلى أحد ولكنه دفعها إلى الكفيل فقال أنت رسولي بها إلى فلان الطالب فهلكت من الكفيل كان الكفيل مؤتمنا في ذلك ويرجع به على الذي عليه الأصل

(1/100)


قالوا ولو لم يهلك من الكفيل ولكنه عمل به فربح كان له الربح وإن وضع كانت عليه الوضيعة ويتصدق بالربح من قبل أن المال هو غاصب له قالوا ولو كان الدين طعاما فأرسل به الذي عليه الأصل مع الكفيل إلى الطالب فباعه الكفيل ثم اشترى طعاما مثله بدون ذلك فقضاه الذي عليه الأصل فإن الربح له في قول أبي حنيفة
وقال أبو حنيفة يتصدق به أحب إلي
قال ولو كان أعطاه الطعام اقتضاه مما كفل به فباعه فربح فيه فإن الربح له ولو تصدق به كان أحب إلي وقال أبو يوسف ومحمد لا يتصدق به
وأما على قول أبي ثور فإن المضمون عنه إذا أعطى الضامن المال الذي ضمنه عنه لغريمه فقد ملكه لأنه دين له عليه اقتضاه منه فله انفاقه والتصرف به وسواء كان قبضه ذلك من المضمون عنه قبل أدائه إلى المضمون له ما ضمن له عنه أو بعد أدائه ذلك إليه لأنه بضمانه ما ضمن عنه قد صار المضمون عنه غريما
له وبرئ المضمون عنه مما كان للمضمون له قبله في قوله
قال وكفالة الرجل على كل من كفل عليه بمال المكفول له به ممن له على المكفول ذلك عليه جائز كائنا من كان ذلك المكفول عليه من ذكر أو أنثى قريب أو بعيد ولد أو والد صغير أو كبير بعد أن يكون المتكفل بذلك ممن يجوز فأما إن كان غير جائز حكمه في ماله فكفالته بما تكفل به من ذلك باطلة وهذا الذي قلناه قياس قول مالك والأوزاعي والثوري وهو نص قول أبي حنيفة وأصحابه وقياس قول الشافعي وأبي ثور

(1/101)


ولو أن رجلا له على رجل ألف درهم إلى اجل فكفل بها رجل ولم يسم في الكفالة الأجل وتصادق الكفيل المكفول له على الأجل غير أن المكفول له طالب الكفيل إذ لم تكن وقعت عليه له شهادة بضمانه إلى الأجل الذي يحل بمجيئه المال على المكفول عليه فإنه لا يجب للمكفول له على الكفيل مطالبة قبل محل الأجل الذي إليه المال على صاحب الأصل لأن المال المضمون عن المضمون عنه إلى أجل فلا يصير حالا على الذي هو عليه إلا بإبطاله الأجل وإنما يقوم الضامن إذا اتبعه المضمون له مقام المضمون عنه ولا يصير المال عليه حالا بضمانه إياه
وقال أبو حنيفة وأصحابه لو كان لرجل على رجل ألف درهم إلى أجل فكفل بها رجل ولم يسم في الكفل إلى أجل فان كفل فإن الكفيل لها ضامن إلى ذلك الأجل وإن لم يسم شيئا
فإن مات الكفيل قبل محل الأجل فأراد المكفول له أخذ حقه من مال الكفيل ولم يكن اختار قبل ذلك مطالبة الذي عليه الأصل ولا اتبعه به بعد ضمان الضامن له به إلى أن أراد أخذه من مال الضامن بموته قبل مجيء الأجل
الذي إليه المال على الذي عليه الأصل فإن ذلك للمضمون له لأن الذي على الميت إلى أجل يحل بموته وإن كان اتبع بذلك المضمون عنه قبل قيامه بالمطالبة به في مال الضامن بعد موته لم يكن له ذلك وكان حقه على المضمون عنه والضامن منه بريء لما قد وصفنا قبل وإذا كان الضامن منه بريئا لم يكن للمضمون له بسبب ما كان منه بريئا على ماله سبيل

(1/102)


وقال أبو حنيفة وأصحابه إن مات الكفيل قبل الأجل فهي عليه حالة تؤخذ من ماله قال فإن أخذ المكفول له ذلك بقيامه في مال الكفيل من مال الكفيل قبل اتباعه الذي عليه الأصل لم يكن لورثة الكفيل بسبب ما اخذ المكفول له من ماله مطالبة المكفول عنه قبل انقضاء الأجل الذي بمجيئه يحل المال عليه من أجل أنه لم يكن للمكفول له اتباع الكفيل به قبل انقضاء ذلك الأجل لو كان حيا وإنما كان له أخذه من ماله بموته لما ذكرنا من العلة وهي أن ما كان عليه من دين إلى أجل صار حالا بموته فليس لورثته من اتباع المكفول عنه الأصل الذي كان له في حياته وكذلك لو كان الميت هو الذي عليه الأصل قبل الأجل فأخذ حقه من ماله بحلول ما عليه من ديون غرمائه إلى أجل واختياره القيام بأخذه من ماله دون اختياره اتباع الكفيل به كان ذلك له إلا أن يكون قد كان اتبع الكفيل به قبل موت المكفول عنه أو قبل قيامه بذلك في مال الذي كان عليه الأصل فلا يكون له حيئذ على ماله سبيل وإنما يكون له اتباع الكفيل حينئذ ويصير الكفيل باتباع المكفول له إياه بدينه غريما من غرماء المكفول عنه يضرب في ماله بما اتبعه به المكفول له مع سائر غرمائه
وقال أبو حنيفة وأصحابه إن أخذ المكفول له حقه من مال الكفيل بموته لم
يرجع ورثته على الذي عليه الأصل حتى يحل الأجل قالوا و لو مات الذي عليه الأصل قبل الأجل حلت عليه ولم تحل على الكفيل إلا إلى الأجل
وقال ولو أن رجلا له على رجل ألف درهم حال من ثمن بيع فكفل به له رجل إلى سنة فالكفالة جائزة في قول الجميع ولا سبيل لرب المال على الكفيل حتى ينقضي الأجل وله إن شاء اتباع المكفول عنه بحقه حالا فإن اتبع المكفول عنه به بريء الكفيل من تباعته قبله بذلك للعلة التي قد بينا قبل

(1/103)


وقال أبو حنيفة وأصحابه ليس للطالب أن يأخذ الذي عليه الأصل بها حتى يحل الأجل قالوا وهذا من الطالب تأخير عن الذي عليه الأصل وقالوا ألا ترى أنه لو كان عليه ذكر حق بألف درهم وفلان كفيل به إلى سنة كان عليهما جميعا إلى سنة
وهذا إغفال منهم على مذهبهم لأن لرب المال عندهم لو أبرأ الضامن مما ضمن له لم يبرأ المضمون عنه وكان للمضمون له اتباع المضمون عنه بحقه حتى يستوفى جميعه فكذلك كان الواجب عليهم أن يقولوا إذا أخر الضامن بما ضمن لم يكن ذلك تأخيرا منه للمضمون عنه
القول في الكفالة بالمال إلى الأجال
وإذا كفل رجل لرجل بمال له على أخر إلى العطاء أو خروج الرزق أو الحصاد أو الدياس أو النوروز أو المهرجان أو صوم النصارى أو فصحهم أو ما أشبه ذلك فهو حائز للعلة التي ذكرناها في الحوالة وكذلك كان أبو حنيفة وأصحابه يقولون
ولو كان الكفيل قال للمكفول له إن مات فلان قبل أن يعطيك الألف الدرهم الذي لك عليه فأنا به كفيل لك أو كان ذلك إلى أجل فقال إن حل فلم يعطه فأنا به لك كفيل أو فهو لك علي فإن ذلك جائز وللمكفول له أخذ الكفيل به إن انقضى الأجل أو مات الذي عليه الأصل قبل أن يعطيه حقه أو يبرأ منه لإجماع جميعهم على إجازة الكفالة إلى أجل معلوم فالأجل المجهول غير مبطل الصحيح من الكفالة صح الأجل أو بطل إذا لم يكن ذلك على وجه المخاطرة وذلك أن الجميع مجمعون على أن رجلا لو قال لرجل بايع فلانا فما أوجب لك عليه من كذا إلى كذا فهو لك علي فبايعه المقول ذلك له ولزمه له مال مبلغه الحد الذي حده له أو دون ذلك إن ذلك لازم الآمر بمبايعة صاحبه وذلك أحل لا شك فيه مجهول لأنه لم يحد له في ذلك أجلا محدودا وإنما حد لمبلغ المال حدا فكذلك قوله إذا مات فلان أو انقضى الأجل وكالذي قلنا في ذلك قال أبو حنيفة وأصحابه

(1/104)


وإن كفل رجل على رجل بألف درهم لرجل له عليه ذلك إذا مطرت السماء أو هبت الريح أو إذا قدم فلان فإن الآجال في ذلك كله عندنا باطلة والكفالة جائزة والمال على الكفيل إن اتبعه به رب المال على ما بينا قبل حال وإنما أبطلنا الأجل في ذلك وجعلنا المال حالا لإجماع الحجة على ذلك وكذلك كان أبو حنيفة وأصحابه يقولون
وإذا كفل رجل على رجل بألف درهم لغريم له على أن يعطيه إياه من وديعة عنده لرجل آخر فإن ذلك كفالة باطلة لا يلزم الكفيل بها شيء لأنه إنما وعد رب المال أن يقضيه ما له على غريمه من مال لا يجوز له قضاؤه منه لأنه له غير مالك ولم يضمن له على أنه عليه فيكون ذلك ضمانا
وقال أبو حنيفة وأصحابه هذه كفالة جائزة وقالوا إن هلكت الوديعة فلا ضمان على الكفيل
وإذا كان لرجل عند رجل ألف درهم وديعة وعلى الذي له الوديعة ألف درهم لرجل فسأل الذي له الوديعة الذي عنده ذلك له أن يضمن الوديعة حتى يدفعها إلى الذي له عليه الألف الدرهم دينا قضاء من دينه ففعل ذلك الذي عنده الوديعة كان ذلك ضمانا باطلا ولم تكن الوديعة عند المودع مضمونة إلا أن يحدث فيها المودع حدثا يلزمه به ضمانها وكان لربها أخذها من المودع ولم يكن لغريم رب الوديعة على المودع سبيل بسبب ضمانه الوديعة لربها وإن هلكت الوديعة عنده لم يكن للمودع ولا للغريم عليه بسبب ذلك سبيل إذا لم يكن أحدث فيها حدثا يلزمه بسببه ضمانها وذلك أن الأمانة لا تصير مضمونة على المؤتمن إلا بإحداثه فيها من الحدث ما يلزمه به ضمانها فأما بقوله أنا لها ضامن فلا تصير مضمونة بإجماع الجميع على ذلك إذا كانت على غير وجه ضمانها لغريم لربها فكذلك حكمها في جميع الأحوال
وقال أبو حنيفة وأصحابه إن طلب رب الوديعة إلى الذي عنده الوديعة أن يضمن الوديعة حتى يدفعها إلى فلان قضاء بدينه ففعل كان ذلك جائزا ولم يكن لصاحب الوديعة أن يأخذها من الكفيل

(1/105)


قالوا فإن هلكت برئ الكفيل وإن اغتصبها إياه رب الوديعة برئ الكفيل وإن اغتصبها إنسان آخر فاستهلكها برئ الكفيل قالوا وكذلك لو ضمن له ألف درهم على أن يعطيه إياه من ثمن هذه الدار فلم يبعها لم يكن على الكفيل ضمان
ولو كفل رجل على رجل بمال عليه لرجل على جعل جعله له المكفول
عليه فالضمان على ذلك باطل ولا يلزم الضامن للمضمون له شيء إن كان ضمن له ما ضمن على شرط جعل على الذي عليه المال أو على المضمون له في حال الضمان وإن كان ضمانه للمضمون له ما ضمن عن غريمه بغير شرط كان في حال الضمان عليه الجعل ولا على غريمه كان للمضمون له اتباع الضامن بما ضمن له عن غريمه ولم يكن للضامن من اتباع من جعل له على ذلك جعلا بما جعل له وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه
ولو أن رجلا كفل على رجل بمال عليه لأخر معلوم فاختلف الذي له المال والكفيل والمكفول عنه فقال الكفيل هو مائة وذلك جميع ما كفلت له عنه وقال المكفول عنه هو مائتان وذلك الذي كفل علي للغريم وقال المكفول له هو ثلثمائة فإن القول فيما يلزم الضامن إن اتبعه المضمون له بما ضمن له دون غريمه الذي عليه الأصل قول الضامن مع يمينه فيما أقر به أنه ضمن له عن غريمه إذا لم تكن للمضمون له بينة وعلى المضمون عنه الفضل عما أقر الضامن أنه ضمن عنه مما أقر به على نفسه والقول قول المضمون عنه في الزيادة التي ادعاها عليه المضمون له عما أقر به له مع يمينه لأنه لا يلزم أحدا مال بدعوى مدع ذلك عليه
وإن كان الضامن ضمن مالا عن المضمون عنه للمضمون له غير محدود المبلغ وقال له أنا ضامن لك ما لك على فلان من المال من غير أن يبين له مبلغ ذلك فإن ذلك عندنا ضمان باطل لا يلزم الضامن له شيء لإجماع الجميع على أن رجلا لو قال ما لزم فلانا اليوم من دين فهو علي من غير أن يبين المضمون ذلك له أن ذلك ضمان باطل فكذلك ذلك إذا لم يكن المضمون للمال مبينا

(1/106)


وقال أبو حنيفة وأصحابه إذا ضمن ضامن لرجل مالا على رجل ولم يحد له مبلغ ذلك فالضمان جائز فإن اختلف الضامن والمضمون له والمضمون عنه فأقر الكفيل أنه مائة درهم وادعى الطالب أكثر من ذلك وأقر المكفول عنه بما قال الطالب فإن القول في ذلك قول الكفيل مع يمينه على عمله ويؤخذ بما أقر به به ويؤخذ المكفول عنه بالفضل الذي أقر به
ولو قال الضامن الذي ضمنت للمضمون له مائة درهم وقال المكفول له بل كفل لي عشرين دينارا وقال المضمون عنه بل ضمن له عني كر حنطة وذلك علي دون ما يدعى من الدنانير فإن القول في ذلك قول الكفيل مع يمنيه إن كان اتبعه به دون المضمون عنه إلا أن تكون له بينة على ما يدعي وإن نكل المتبوع منهما عن اليمين استحلف المكفول له ولزمه ما ادعى قبله من حقه إن حلف وبريء المتبوع والذي كان عليه الأصل في الحكم بما أقر له به لأنه يبرئهما منه
وقال أبو حنيفة وأصحابه لو أقر الكفيل بمائة درهم وادعى المكفول له عشرين دينارا وأقر المكفول عنه بكر حنطة فإن للطالب أن يحلف الكفيل على العشرين الدينار فإن حلف بريء منها وإن نكل عن اليمين لزمته ويحلف المكفول عنه عليها فإن حلف بريء منها وإن نكل عن اليمين لزمته وهما جميعا بريئان من الدراهم والطعام لأن الطالب لم يدعي شيئا من ذلك على واحد منهما
وإذا كان لرجل على رجل ألف درهم إلى أجل فقال رجل إن حل
مالك هذا على فلان فلم يوفكه فهو لك علي فإن حل المال فلم يوفه مع حلوله فهو على الكفيل وكذلك إن قال إذا حل مالك على فلان فهو علي فإن حل الأجل الذي ضمن له بمضيه إن لم يوفه غريمه ما له عليه فإن للمكفول له بمضيه إن لم يوفه غريمه بماله الخيار في اتباع من شاء من غريمه والكفيل بماله فأيهما اتبع بذلك كان الآخر بريئا ولزم ذلك المتبع به ولو كان المال حالا فقال له إن لم يعطك مالك فلان فهو علي فتقاضى الطالب المطلوب فلم يعطه حتى تقاضاه كان للمكفول له الخيار على ما وصفنا

(1/107)


وقال أبو حنيفة وأصحابه في ذلك مثل الذي قلناه وقد بينا العلة في المسألة قبلها
القول في الجماعة يضمنون عن رجل عليه لاخر مال ثم يضمن ذلك الضمناء له بعضهم عن بعض
وإذا كان لرجل على رجل ألف درهم من ثمن متاع باعه إياه وكفل بذلك عليه ثلاثة نفر كل واحد منهم بثلثه وكفل الكفلاء بذلك بعضهم على بعض وضمنوه له فإن للذي له المال أن يتبع بحقه من شاء من الذي عليه أصل ماله ومن الكفلاء فإن اتبع الذي عليه أصل ماله برئ الكفلاء كلهم من كفالتهم له لم بما كفلوا له وإن اتبع بعض الكفلاء بذلك كله دون الآخرين برئ الذي عليه الأصل والكفيلان اللذان ترك اتباعهما به وكانت له مطالبة الذي اتبعه بجميع حقه وذلك أن كل واحد ضامن له جميع ماله الثلث من ذلك بضمانه إياه له عن الذي عليه الأصل والثلثان الآخران بضمانه ذلك عن صاحبيه اللذين هما معه في الضمان عن الذي عليه الأصل فإذا كان ذلك كذلك فبين أن له على القول الذي دللنا على صحته أن يتبع بجميع حقه من شاء من صاحب الأصل

(1/108)


والكفلاء على ما قد بينا وأنه إن اتبع أحد الكفلاء بجميع ماله برئ الآخرون من تباعته قبلهم وإن اتبع بعضهم بما كفل له عن صاحب الأصل خاصة دون ما كفل له من ذلك عن صاحبيه فله ذلك لأن الذي كفل له من ذلك عن كل واحد منهم غير الذي كفل له عن الآخرين فإذا كان ذلك كذلك فاتباعه إياه بما وجب له من قبل بعضهم غير موجب للآخرين براءة من مطالبته قبلهم بما لزمهم له وإنما ذلك براءة لمن انتقل عنه بما له عليه إلى من انتقل إليه وإذا اتبعه بما كفل له عن صاحب الأصل برئ الذي كان عليه أصل ماله إذ الكفلاء ثلاثة من ثلث ماله وبريء أيضا من ذلك شريكاه في الكفالة ثم كان له أيضا الخيار في الثلثين الآخرين إن شاء اتبع بذلك الذي عليه الأصل وإن شاء اتبع بجميعه أحد الكفلاء الثلاثة فأيهم اتبع به كان برءاة للآخرين منه وإن اتبع بعضهم بثلث آخر وهو نصف الباقي من حقه كان ذلك أيضا براءة لمن ترك تباعته به وكان له من الخيار في اتباع من شاء أيضا بالثلث الآخر على نحو ما قد بيناه وهذا على مذهب ابن شبرمة في القول الذي ذكرنا عنه في الضمان
وأما على قول مالك فإنه لا سبيل للمضمون له في قوله الآخر على أحد من الضمناء ما دام الذي عليه الأصل مليا بحقه فإن أعدم كان له حينئذ اتباع الضمناء بحقه
وأما على قياس قول الأوزاعي والثوري وهو قول أبي حنيفة وأصحابه فإن لرب المال أخذ الذي عليه الأصل والكفلاء جميعا أو من شاء منهم بجميع حقه
إن شاء اخذهم بجميعه جميعا معا وإن شاء أخذ به بعضهم دون بعض ولا يبرئ أخذه من أحد منهم بجميع حقه اخذه به منه الباقين حتى يستوفي جميع حقه منهم أو من بعضهم سواء في ذلك كان بعضهم به مليا أو غير ملي في أن له اتباع الآخرين بجميع ذلك على ما وصفت في قولهم
وهذا القول أيضا قياس قول الشافعي

(1/109)


وأما على قياس قول ابن أبي ليلى فإن النفر الثلاثة إذا ضمنوا عن الذي عليه أصل المال بأمره لرب المال ما له عليه برئ المضمون عنه من مطالبة غريمه إن كان الضمناء أملياء بما ضمنوا عنه لغريمه وكان الغريم اتباع كل واحد من الضمناء بثلث ما كان له على صاحبه وكذلك ذلك إذا ضمن له كل واحد من الضمناء الثلاثة عن كل واحد من صاحبيه ما عليه له بضمانه عن صاحب الأصل لأن ما على كل واحد منهم بذلك الضمان يتحول على ضامنه ذلك عنه فيصير عليه ويبرأ المضمون ذلك عنه
وهذا قياس قول أبي ثور في ذلك
فإن أخذ بعض الكفلاء رب المال بحقه كله فأداه إليه والمسألة على ما ذكرنا قبل كان للمؤدي اتباع صاحب الأصل بثلث ما أدى إلى غريمه عنه بضمانه عنه لأن الذي ضمن عنه لغريمه كل واحد من الضمناء الثلاثة الثلث دون الجميع وكان له الخيار بعد في اتباع من شاء من صاحبيه بنصف جميع المال وذلك ثلث
جميعه وسدسه وهو حصة من اتبع منهما مما لزمه بكفالته لرب المال عن الذي كان عليه الأصل ونصف حصة الثالث وهو السدس فإن اتبع أحدهما بذلك برئ صاحبه الآخر من مطالبته قبله فيما أدى إليه صاحبه عنه وكان له اتباعه بالسدس الباقي له عليه وإنما كان له اتباع من شاء منهما على ما وصفت لأنه بأدائه إلى الغريم جميع ما كان له على المضمون عنه قد أدى عن كل واحد من صاحبيه بأمره إياه إلى الغريم جميع ما لزمه له بضمانه ما ضمن له عن الذي عليه الأصل وما لزمه له بضمانه عن شريكيه في الضمان
وإنما لم نجعل للذي أدى جميع المال أن يرجع على أحد الشريكين في الكفالة بالثلثين كله لأن الثلث الذي كان لزم الثالث كان كفيلا عنه به الثاني ومؤدى الجميع فإنما كان له اتباعه بنصف ذلك وإن شاء اتبع كل واحد منهما بنصف الثلثين وذلك ما ضمنه عنه مما كان عليه بضمانه عن الذي كان عليه الأصل دون الذي لزمه بضمانه عن شريكيه في الضمان معه

(1/110)


وقال أبو حنيفة وأصحابه إذا كان لرجل على رجل ألف درهم من ثمن متاع باعه إياه وكفل به عنه ثلاثة نفر وبعضهم كفيل على بعض ضامنين لذلك فأدى أحد الكفلاء المال فإن له أن يرجع على الذي عليه الأصل بالمال كله وله أن يرجع على شريكيه في الكفالة إن شاء بثلثي المال ويترك صاحب الأصل وإن شاء ترك أحد الكفيلين وأخذ الآخر بالنصف ثم يتبع هو الذي أدى إليه النصف الكفيل الآخر بالثلث ثم يتبعون الذي عليه الأصل بالمال كله
قالوا ولو كان ثلاثة نفر عليهم جميعا ألف درهم وبعضهم كفلاء عن
بعض فأدى المال أحدهم كله فإنه إن شاء رجع على كل واحد منهما بالثلث وإن شاء رجع على أحدهما بالثلث وبالسدس حتى يكون قد أدى حصته وشريكه في الغرم ثم يتبعان الآخر بالثلث
وهذا الذي قاله أبو حنيفة وأصحابه في الثلاثة يضمنون عن رجل ألف درهم بأمره إياهم بضمان ذلك ويضمن كل واحد منهم عن كل واحد من صاحبيه ما لزمه من ذلك بضمانه على قولهم إذا كان ضمان كل واحد منهم عن المضمون عنه جميع الألف
فأما على مذهبنا فإن القول في ذلك خلاف ما قالوا والقول في ذلك عندنا إذا كان كل واحد منهم ضامنا عن صاحب الأصل جميع ما عليه لرب المال وهو ألف درهم وكان كل واحد من الكفلاء كفيلا عن كل واحد من صاحبيه بجميع ما ضمن عن صاحب الأصل لرب المال إن لرب المال اتباع من شاء من الذي عليه الأصل والكفلاء فإن اتبع بحقه الذي عليه الأصل بريء الكفلاء كلهم مما لزمهم له بضمانهم عن الذي عليه الأصل حقه ومن كفالة بعضهم على بعض له به وان اتبع بعض الكفلاء بذلك بريء الذي عليه الأصل وسائر الكفلاء من ذلك ولم يكن لرب المال قبل أحد منهم مطالبة فإن أدى المتبع من الكفلاء بذلك الجميع كان له اتباع الذي عليه الأصل به

(1/111)


ولو كان أصل المال على ثلاثة نفر دينا عليهم وكل واحد منهم كفيل على كل واحد من صاحبيه بجميع ما عليه بأمره إياه بذلك فلقي رب المال أحدهم فطالبه بجميع حقه بريء صاحبا المطلوب منهم من مطالبة رب المال لأنه باتباعه أحدهم به قد ابرأ الاخرين من مطالبته للعلة التي بينت قبل فإن أدى المتبع جميع ما لرب المال عليه وعلى شريكيه كان له اتباع من شاء من صاحبيه بثلث وسدس
جميع ما كان لرب المال عليهم الثلث بأدائه ما كان عليه له بضمانه ذلك عنه والسدس بأدائه إليه ما كان لزمه بكفالته عن شريكه ثم يتبعان جميعا الثالث بما أديا عنه مما كان لزمهما بكفالتهما عليه وإنما لم نجعل لمؤدي جميع حق صاحب المال إليه اتباع الثاني بالثلثين لأنه إنما كفل عليه لرب المال ما كان له عليه وهو الثلث من جميع حقه وإن ما كان على الثالث فإنه والثاني كانا شريكين في الكفالة له عليه فإنما كان لزم كل واحد منهما نصف ذلك دون الجميع وهو السدس من أصل المال
وإذا كفل رجل عن رجل بألف درهم لآخر ثم كفل الذي عليه الأصل آخر فذلك جائز في قول الجميع
ولصاحب الحق عندنا أن يتبع أي الثلاثة شاء بجميع حقه فإن اتبع الذي عليه الأصل برئ الكفيلان من تباعته قبلهما وإن اتبع أحد الكفيلين بذلك برئ الكفيل الأخر

(1/112)


والذي عليه الأصل فإن أدى المتبع من الكفيلين ذلك كان له الرجوع به على صاحب الأصل ولم تكن له على الكفيل الآخر سبيل في قول الجميع لأنه إنما كفل ما كفل على صاحب الأصل دون الكفيل الأخر فإن لم يتبع رب المال بذلك أحدا من هؤلاء الثلاثة حتى قال الكفيلان جميعا له كل واحد منا لك على صاحبه كفيل بما لزمه لك من هذا المال بكفالته ذلك على فلان لك فكان ذلك من كل واحد منهما بأمر صاحبه إياه به ثم اتبع رب المال أحدهما بالمال كله فأداه إليه كان له إن شاء اتباع الذي كان عليه الأصل بجميع الألف وله إن شاء اتباع صاحبه في الكفالة بالنصف من الأول فإذا اتبعه بذلك النصف برئ الذي عليه الأصل من تباعته بذلك النصف فإذا قبض ذلك النصف منه كان له وللكفيل الآخر اتباع المكفول عليه بجميع ما كانا كفلا عنه
وهذا قياس قول ابن شبرمة
وأما على قول مالك فإنه ليس لرب المال سبيل إلا على غريمه دون الكفيلين ما دام مليا فإن صار معدما كان له اتباع من شاء من الكفيلين بما له فإن اتبع أحدهما به فقضاه حقه كله كان له الرجوع به على المتحمل عنه
وأما على قول الثوري والأوزاعي وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وقياس قول الشافعي فإن لرب المال إذا كان الأمر على ما وصفنا اتباع من شاء من غريمه وكل واحد من الكفيلين حتى يستوفي جميع حقه فأيهم اتبع بذلك لم يبرأ الآخران من مطالبته به فإن أدى ذلك الغريم برئ هو والكفيلان منه وإن أداه أحد الكفيلين رجع بجميعه إن شاء على الذي عليه الأصل وإن شاء رجع بنصفه على شريكه في الكفالة ثم رجعا جميعا على الذي عليه الأصل كل واحد منهما بنصفه

(1/113)


وأما على قول أبي ثور فإن الذي عليه المال بضمان الكفيل الأول عنه ما ضمن عنه قد برئ مما كان لرب المال عليه له وصار المال على الكفيل وكفالة الثاني عنه له ما كفل عنه من ذلك باطلة لأنه في حال ما كفل عنه لم يكن لرب المال عليه شيء وإنما لرب المال اتباع الكفيل بماله فإن كفل على قوله على الكفيل كفيل آخر وقبل الكفالة رب المال فقد برئ الكفيل الأول على قوله وصار المال على الكفيل الثاني فإن أدى ذلك الثاني إلى رب المال ما كفل عن كفيل الذي عليه الأصل رجع به على من كفل به عنه وهو الكفيل الأول ورجع به الكفيل الأول على الذي عليه الأصل
وإذا كان لرجل على رجل ألف درهم فكفل به عليه رجل بأمره ثم إن الذي له المال أخذ الكفيل بذلك فأعطاه به كفيلا آخر فأداه الآخر إلى الطالب باتباع المكفول له إياه فإنه لا سبيل له على الذي كان عليه الأصل بسبب أدائه ذلك إلى رب المال لأنه لم يأمره بضمان ذلك عنه ولا ضممه عنه ولكنه إن أراد
اتباع الكفيل الأول الذي أمره بكفالته لرب المال به عليه كان له ذلك لأنه عنه ضمن لا عن الذي عليه الأصل وللكفيل الأول اتباع الذي عليه الأصل به
وهذا الذي قلنا في ذلك قياس قول مالك والأوزاعي والثوري وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وقياس قول الشافعي وأبي ثور
وإذا كان لرجل على رجل ألف درهم فكفل به عنه رجلان ولم يقل كل واحد منهما كل واحد منا لك كفيل على صاحبه فإن كل واحد منهما يؤدي النصف ولا يرجع واحد منهما على صاحبه بشيء ولكن صاحب المال إن اتبع الذي عليه الأصل بماله برئ الكفيلان وإن اتبع أحد الكفيلين بما كفل كان له أخذه بنصف ما على صاحب الأصل وبرئ صاحب الأصل من ذلك النصف ورجع الكفيل المتبع بذلك على صاحب الأصل ثم إن اتبع بالنصف الآخر غريمه كان ذلك له وبرئ الكفيل الآخر من ذلك النصف وإن اتبع به الكفيل الآخر برئ منه صاحب الأصل ورجع به المتبع على الذي عليه الأصل وهذا قياس قول ابن شبرمة

(1/114)


وقال أبو حنيفة وأصحابه إذا كان لرجل على رجل ألف درهم فكفل به عنه رجلان ولم يقل كل واحد منهما إنه كفيل عن صاحبه فإن كل واحد منهما يؤدي النصف ولا يرجع على صاحبه بشيء فإن لم يؤد واحد منهما شيئا حتى قالا للطالب أينا شئت أخذت به أو كل واحد منا كفيل ضامن له فهو جائز ويأخذ أيهما شاء بالمال كله فإذا أداه رجع على صاحبه بالنصف
قالوا وإن كانت هذه الكفالة متفرقة أو مجتمعة أو قالا هذه المقالة حين كفلا فهو سواء وإن لقي أحدهما فاشترط ذلك عليه بأمر صاحبه ولقي الآخر
فاشترط مثل ذلك عليه بأمر صاحبه فهو سواء عندهم وأيهما أدى المال رجع على الكفيل معه بالنصف

(1/115)


وإذا كتب رجل ذكر حق على رجل بألف درهم وفلان وفلان كفيلان به وأيهم شاء أخذه به فأقر المطلوب والكفيلان بذلك فهو جائز فإن اتبع رب المال أحد الكفيلين بما له عليه بالكفالة فأداه إليه لم يكن له الرجوع بما أدى من ذلك على المكفول به عنه إن لم يكن كفل عنه ما كفل بأمره وإن اختلف الكفيل المؤدي والمكفول عنه فقال الكفيل أديت ما أديت عنك إلى غريمك بأمرك فهو عليك وقال المكفول عنه بل أديت ذلك عني بغير أمري وكنت به متبرعا كان القول في ذلك قول المكفول عنه مع يمينه في أنه أدى ما أدى عنه بغير أمره فإن حلف بريء إلا أن يأتي الكفيل ببينة عادلة أنه أدى ما أدى عنه إلى غريمه بأمره إياه بأدائه إليه فإن احضر الكتاب الذي ذكرنا فشهد الشهود على الذي كان عليه المال وعلى الكفيلين بما فيه ولم يكن فيه إلا فلان وفلان كفيلان بذلك وأيهما شاء أخذه به لم يكن للكفيل المؤدي على المؤدي عنه سبيل بما أدى عنه إلا أن يكون في الكتاب وفلان وفلان كفيلان بذلك على فلان بأمره إياهما بذلك وشهد الشهود على إقرارهم بذلك فإن كان في ذكر الحق وشهد الشهود على إقرارهم به فقضى حينئذ للكفيل المؤدي عنه بما أدي عنه إلى غريمه من ذلك والذي يلزمه كل واحد من الكفيلين اللذين كفلا لرب الألف الدرهم الذي على المكفول عليه على ما وصفت في كتاب ذكر الحق النصف منه وهو خمس مائة وذلك أنهما جميعا كفلا لرب المال بالألف ولم يتفرد كل واحد منهما بضمان جميع ما له عليه فإن كان في كتاب ذكر الحق وكل واحد من فلان وفلان كفيل لفلان بجميع الألف أو بجميع ذلك أو بجميع ما عليه من المال المسمى مبلغه في هذا الكتاب وهو ألف درهم فاتبع غريم المكفول عليه أحد الكفيلين بجميع ما له على المكفول عليه
كان ذلك له حينئذ وإنما جعلنا ذلك له لأن كل واحد من الكفيلين قد ضمن له على انفراده جميع ما له على غريمه

(1/116)


وقال أبو حنيفة وأصحابه لو كتب الغريم ذكر حق على رجل بألف درهم وفلان وفلان كفيلان به وأيهم شاء أخذه به فأقر المطلوب والكفيلان بذلك فهو جائز وإن أدى أحد الكفيلين المال رجع على الذي عليه الأصل به كله وإن شاء رجع على الكفيل معه بنصفه قالوا وإقرارهما بهذا القيل بمنزلة طلب الذي عليه الأصل إليهما أن يكفلا عنه
وإذا كان لرجل على ثلاثة أنفس ألف درهم وبعضهم كفيل بذلك عن بعض بأمر بعضهم بعضا فاتبع رب المال أحدهم بالألف فإن كان كل واحد من النفر الثلاثة كفل له على كل واحد من صاحبيه بجميع ما له عليه بالقرض وبالكفالة فذلك له ويبرأ الآخران من المال والكفالة ولم يكن له سبيل إلا على الذي اتبعه بماله فإن أدى المتبع منهم المال كله رجع على صاحبيه بما أدى عنهما بأمرهما وذلك الثلثان وإن اتبع رب المال أحدهم بما عليه في خاصة نفسه مما اقترضه منه دون الذي له عليه بالكفالة عن صاحبيه فأدى ذلك وذلك ثلث الألف لم يكن للمؤدي ذلك سبيل على واحد من صاحبيه لأن ذلك هو الذي عليه باقتراضه من غريمه دون صاحبيه ولم يؤد عن الغريمين الأخرين شيئا بسبب الكفالة عنهما فيكون له الرجوع به على من أدى ذلك عنه
فإن كان رب المال اتبع أحدهما بما عليه من دينه بسبب القرض وبسبب كفالته ما كفل له عن أحد صاحبيه في الكفالة دون ما على الثالث برئ الذي اتبع بحصته من الذي على صاحبه المتضمن عنه فإن أدى جميع ذلك كان للمؤدي ذلك

(1/117)


حينئذ الرجوع على الذي أدى حصته من الدين بالنصف مما أدى إلى رب المال وذلك ثلثا جميع حقه نصف ذلك كان على المؤدي دينا في نفسه بسبب اقتراضه ذلك ونصفه الآخر بسبب كفالته عن الذي أدى عنه وإن كان رب المال اتبعه بجميع ما عليه بسبب اقتراضه ما اقترض منه وبسبب ما لزمه به بكفالته عن صاحبيه برئ حينئذ الغريمان الآخران من تباعته قبلهما فإن أدى الألف كله رجع حينئذ على كل واحد من صاحبيه إن شاء بما كان عليه جميع ما لرب المال وهو النصف بعد حصة المؤدي من الدين عليه وإن شاء رجع عليه بجميع ما عليه بسبب القرض والكفالة وذلك ثلث وسدس وهو نصف جميع ما لرب المال الثلث من ذلك بأدائه عنه ما كان عليه من دين غريمه ونصف الثلث الآخر لأنه كان والمؤدي شريكين في الكفالة عن الثالث فإنما أدى عنه المؤدي ما لزمه بسبب الكفالة وذلك نصف الثلث ثم يتبع كل واحد منهما الثالث بالسدس وذلك نصف جميع ما كان عليه لرب المال بسبب القرض
وقال أبو حنيفة وأصحابه إن كان لرجل على ثلاثة رهط ألف درهم وبعضهم كفلاء على بعض به فأدى أحدهم مائة درهم فإنه لا يرجع على صاحبيه بشيء منها لأنها من حصته وكذلك كلما أدى حتى يبلغ الثلث فهو من حصته قالوا ولو قال هذا المال عن صاحبي جميعا لم يكن ذلك على ما قال لأن المال واحد وكل شيء أدى من ذلك فهو عن نفسه خاصة ما بينه وبين الثلث فإن زاد على الثلث فالزيادة عن صاحبيه لا يستطيع أن يصرفها إلى أحدهما دون الآخر ولكن عن كل واحد منهما النصف إن لقيه أخذه بذلك وبنصف ما غرم عن الآخر
وقالوا إذا كان لرجل على رجل ألف درهم فكفل به عنه رجلان على أنه يأخذ أيهما شاء به فأدى أحدهما مائة فقال هذه من حصة صاحبي الكفيل معي
فإنه لا يكون على ما قال ولكنها من جميع المال ويرجع على صاحبه بنصفها حتى يشاركه في الغرم

(1/118)


وإذا كان لرجل على رجلين ألف درهم وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه فلزم رب المال أحدهما فأعطاه كفيلا به فأخذ الكفيل فأداه فإن الكفيل يرجع بذلك كله على الذي طلب إليه أن يكفل به ولا يرجع على الآخر منه بشيء لأنه لم يطلب إليه أن يكفل عنه بشيء فإذا أداه الذي طلب إليه أن يكفل رجع على صاحبه بالنصف في قولنا وقول أبي حنيفة وأصحابه
وإذا كان لرجل على رجل ألف درهم وكفل به عنه رجلان أحدهما عبد أو مكاتب فإنه لا تجوز كفالة المكاتب والعبد وأما كفالة الحر فجائزة ويلزمه نصف الألف بكفالته إن اتبعه بذلك المكفول له وإنما لم تجز كفالة العبد والمكاتب لأن ذلك ضرر عليهما فيما في أيديهما من الأموال وليس لهما أن يعملا فيما في أيديهما من الأموال إلا بما فيه الصلاح له إلا أن يكون مولى العبد لم يأذن له أن يتصرف فيما في يده فلا يكون له أن يحدث فيه حدثا بوجه من الوجوه لا بما فيه الصلاح له ولا بما فيه الفساد عليه
وقال أبو حنيفة وأصحابه إذا كان لرجل على رجل ألف درهم يكفل به عنه رجلان أحدهما عبد أو مكاتب فإنه لا يجوز على المكاتب ولا على العبد ولا يجوز على الآخر النصف فإن عتق المكاتب يوما أو العبد جاز عليه النصف قالوا ولو كان اشترط إن كل واحد منهما كفيل ضامن عن صاحبه فعتق العبد فأخذه بالمال فأداه كان للعبد أن يرجع على الكفيل معه بالنصف ثم يتبعان الذي عليه الأصل فما أدى إلى أحدهما شركه فيه الآخر
ولو أن رجلا كفل لرجل على آخر بمال له عليه وهو ألف درهم بأمره إياه

(1/119)


بذلك فاتبع الذي له المال الكفيل فأداه الكفيل إليه من ماله ثم رجع الكفيل على المكفول عليه بما أدى عنه فأنكر المكفول عنه أن يكون امره أن يكفل عنه أو يكون كان للمؤدي إليه شيء مما ذكر أنه أداه إليه عنه فأقام الكفيل البينة انه كان لفلان بن فلان على فلان بن بن فلان هذا الألف الدرهم وأن فلانا هذا امره أن يضمن ذلك له عنه وأنه ضمن ذلك له بأمره وأداه إلى المضمون ذلك له فإن اللازم للحاكم أن يقبل ذلك منه ويسمع من بينته ويقضي له بالمال على المكفول عليه فإن استوفاه ثم قدم المكفول له فادعى المال وجحد القبض لم يكلف الحاكم الكفيل المؤدي ولا الغريم الذي حكم به عليه بقضاء الكفيل ما أدى عنه أعادة البينة وامضى الحكم الذي حكم به على المكفول عليه على رب المال وبرئ الغريم والكفيل من مطالبته قبلهما بما شهدت شهود الكفيل عليه باقتضائه من كفيل غريمه
وكالذي قلنا في ذلك قال أبو حنيفة وأصحابه
أحكام الكفالة بالنفس
اختلفوا في حكم الكفالة بالنفس وهل يلزم بها المتكفل للمتكفل له بشيء
فقال مالك وسئل عن الذي يتحمل بعين الرجل الذي عليه الحق فقال إن تحمل بعينه مبهمة فلم يأت به رأيت عليه ما كان عليه من الحق إلا أن يقول حين تحمل به إنما أتحمل بعينه آتيك به لست من الذي عليه في شيء فذلك له
وقال الأوزاعي في الرجل يتكفل بوجه الرجل إلى أجل قال إن
جاء به وإلا ضمن ما عليه قيل له فهل يضرب له أجل قال ينفس بقدر ما يرى أنه يجده فإن هو جاء به وإلا ضمن حدثت بذلك عن عمر بن عبد الواحد عنه وحدثني ابن البرقي قال حدثنا عمرو بن أبي سلمة التنيسي قال سألت الأوزاعي عن رجل اجتعل بوجه رجل ثم هرب المجتعل به قال يؤجل حتى يجئ به قلت فإنه ادعى أنه بمصر قال مصر بعيد قلت الشام قال نعم قلت فإن الإمام أجله فلم يأت به فضمنه الإمام الحق ثم جاء المجتعل به بعد فقال هذا جعيلك قال ليس ذلك له إذا ضمنه الإمام ولكن يكون له الحق بأخذه منه

(1/120)


وقال الثوري في رجل كفل لرجل برجل فهرب قال يحبس حدثنا بذلك علي قال حدثنا زيد عنه
وقال أبو يوسف سألت أبا حنيفة عن الرجل يكفل بنفس الرجل هل يحبس به حتى يجيء به قال نعم إذا لم يأت به حبس ولا يكون ذلك في أول ما يتقدم به الجوزجاني عن محمد عن أبي يوسف
وقال أبو حنيفة وأصحابه إذا كان المكفول له به غائبا في بلاد أخرى قد علم القاضي أو قامت به بينة أجل الكفيل أجلا مقدار الذهاب والجيئة فإن جاء به وإلا حبسه
وقالوا إذا كفل رجل بنفس رجل فمات الكفيل والمكفول به حي فإنه لا سبيل للمكفول له على ورثة الكفيل ولا في شيء من تركته من قبل أنه لم يكفل بالمال
قال وإذا كفل الرجل بنفس الرجل ثم أقر الطالب أنه لا حق له قبل المكفول به وأراد أخذ الكفيل به فإن له أخذه به وقالوا ألا ترى أنه يكون وصيا لميت له عليه حق أو وكيل رجل في خصومة له قبل ذلك الرجل حق فيأخذ الكفيل بذلك وقالوا إذا كفل رجل بنفس رجل ثم إن الطالب لقي المكفول له فخاصمه ولزمه وأخذ منه كفلاء أخر أو لم يأخذ منه فإن أبا حنيفة قال لا يبرأ الكفيل الأول من قبل أنه لم يدفعه ولم يبرأ منه ولم يبرئه الطالب الجوزجاني عن محمد
وقال الشافعي الكفالة بالوجه ضعيف حدثنا بذلك عنه الربيع

(1/121)


وقال أبو ثور أما الكفالة بالنفس فليس لها في الكتاب ولا في السنة ولا في إجماع الناس أصل يرجع إليه وليست تشبه الضمانات فترد قياسا عليها وذلك أن كل من ضمن شيئا أو كفل به فلا يبرأ منه إلا بأدائه أو يبرئه الذي له الحق فلما كانت الكفالة يبرأ الكفيل منها بغير أدائها ولا يبرئه من هي له في قول من قال بالكفالة كانت مخالفة لجميع الضمانات التي لا يختلفون فيها فلم نر بها تشبيها وكانت عندنا بمنزلة العدة التي ينبغي لصاحبها أن يقر بها ولا تلزم في الحكم ولا يحكم بها ولا ينبغي لأحد أن يغر رجلا من نفسه ولا يؤخذ أحد بما لا يلزمه في الحكم وذلك أنهم قالوا إذا كفل رجل بنفس رجل ثم مات المكفول برئ الكفيل فيبرأ الكفيل من غير أن يبرئه صاحب
الحق ويؤدي إليه ما كفل له به
وعلة من قال بقول مالك والأوزاعي في أن الكفالة بالنفس مأخوذ بها المتكفل كما يؤخذ بالكفالة بالمال إجماع الجميع من الحجة على أن ذلك كذلك وأنها كفالة كسائر الكفالات المجتمع على لزومها موجها على نفسه على ما أوجبها
وعلة مالك في أن المتكفل بالنفس إن لم يواف بالمتكفل به صاحبه المتكفل به له ولم يكن شرط في عقد الكفالة أنه إنما يتكفل له بعينه وأنه لا شيء له عليه إن هو لم يقدر على موافاته به فما على المكفول عليه لازم له لأن الكفيل هو السبب بكفالته لمن كفل عليه لتعريض مال رب المال للتلف إن تلف إذا هو لم يحضره إياه ويتبرأ إليه حتى يتخلص منه حقه ومن كان سببا لتلف مال غيره فعليه غرم ما أتلف من ذلك إذا كان إتلافه إياه بغير حق

(1/122)


وأما علة الثوري ومن أوجب عليه الحبس إذا لم يسلمه إلى من تكفل له عنه فالقياس على إجماع الحجة على أن كفالته عليه لو كانت بمال له عليه حال ثم اتبعه به المكفول له فلم يخرج إليه مما كفل له عن غريمه وهو على الخروج إليه منه قادر وسأل رب المال الحاكم حبسه له بحقه حتى يخرج إليه منه قالوا فكذلك اللازم للحاكم حبس الكفيل بالنفس إذا لم يسلم المكفول به إلى المكفول له وهو على تسليمه إياه إليه قادر إذ كانتا كلتاهما كفالة بحق يجب على الكفيل الخروج إلى من تكفل له بها
وأما علة من أبطل الكفالة بالنفس فقد بينتها مع حكاية قول قائل ذلك

(1/123)


والصواب من القول عندنا إن الكفالة بالنفس حق واجب يلزم الحاكم إذا احتكم إليه القضاء بها على الكفيل وأخذه بالخروج إلى المتكفل له منها فإن لم يفعل ذلك ومطل المتكفل له بالخروج منها وهو على الخروج منها إليه قادر وسأل المتكفل له الحاكم حبسه بها حتى يسلم إليه من تكفل له بنفسه لزمه حبسه وإنما ألزمناه ذلك لإجماع الحجة على إلزامه إياه ولا معنى لاعتلال من اعتل في إبطال الكفالة بالنفس بأنها لما كانت تبطل بموت المتكفل به عن الكفيل من غير إبراء المكفول له إياه منها كان معلوما أنها باطلة لأنه يوجب المتكفل له بالمال ويلزم المتكفل ما كفل به من ذلك ونرى أن الذي كفل به للمكفول له تزول مطالبته إياه به بعدمه وإفلاسه وعجزه عن أدائه إلى المكفول له به من غير إبراء المكفول له به إياه منه ولم تبطل بزوال ذلك عنه بسبب عجزه عن أدائه إليه صحة وجوبه فكذلك الكفالة بالنفس غير موجبة زوال مطالبة المكفول له عن الكفيل بسبب عجزه عن تسليم المكفول به إليه بموته وبطولها وغير موجب ذلك خروجها من أن تكون صحيحة صحة الكفالة بالمال وأما اعتلاله بأنها ليس لها في الكتاب ولا في السنة ولا في الإجماع أصل فلا أصل أثبت حجة ولا أصح صحة مما جاءت به الحجة من علماء الأمة وراثة عن نبيها صلى الله عليه شاهدة بوجوبها ولزوم الأمة الحكم بها ويقال لمنكري أخذ الكفيل بنفس رجل لآخر في مال له عليه ما حجتكم في وجوب أخذ الضامن لرجل عن أخر بما له عليه فإن اعتلوا في ذلك بخبر أبي قتادة أنه لما ضمن عن الميت الذي كان النبي صلى الله عليه ممتنعا أن يصلي عليه قبل ضمانه صلى عليه قيل لهم أفبلغكم أن رسول الله صلى الله عليه ألزمه ذلك بعد ضمانه واخذه به فإن قالوا نعم ادعوا في الخبر ما ليس فيه وعلم إبطالهم في دعواهم وإن قالوا لا قيل لهم فما برهانكم إذا على أن الضامن مأخوذ بما ضمن أحب أو سخط من كتاب أو سنة أو

(1/124)


إجماعهم فإن فزعوا إلى الإجماع إذ أعياهم ذلك من كتاب أو اثر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مأثور وكلفوا الفصل بين الإجماع في الكفالة بالمال والكفالة بالنفس وقيل لهم من المخالف من سلف الأمة ممن يجوز الإعتراض به على ما نقلته الحجة في الكفالة بالنفس القائل إنها لا تلزم الكفيل حتى استجزتم لأنفسكم قيل ما قلتم في إبطالها أعوزنا نظيره في الكفالة بالمال فلم يجز لنا الاعتراض في الكفالة بالمال بالإبطال من اجله ثم يسألون الفرق بين الحكمين فلن يقولوا في أحدهما قولا إلا ألزموا في الآخر مثله فقد استقضينا البيان عن ذلك في كتابنا المسمى لطيف القول في أحكام شرائع الدين بما اغني عن إعادته في هذا الموضع
واختلف موجبو اخذ الكفيل بالنفس بالمكفول به إذا طلب ذلك المكفول له بما يجوز الكفالة بالنفس فيه
فالواجب على قول مالك ان لا تجوز الكفالة بالنفس في حد ولا قصاص ولا تجوز إلا في مال وذلك إذا كان يقول في الكفيل بالنفس اذا لم يكن له سبيل إلى الخروج من المكفول به إلى المكفول له فإنه يحكم عليه بما على المكفول به للمكفول له ولا سبيل في الحد والقصاص إلى اخذ الكفيل به اذ كان انما هو حق وجب في نفس بعينها لا ينقل إلى غيرها كما ينقل المال عمن وجب عليه في ماله إلى مال غيره
وهذا قياس قول الأوزاعي
وأما النعمان واصحابه فانهم قالوا إذا كفل رجل بنفس رجل

(1/125)


والطالب يدعي قبله دم عمد أو قصاصا دون النفس أو حدا في قذف أو سرقة أو خصومة في دار أو وديعة أو عارية أو إجارة أو كفالة بنفس أو مال أو شركة فالكفالة بالنفس في ذلك جائزة قالوا وكذلك لو ادعى قبله وكالة أو وصية قالوا ولو لم يدع شيئا من ذلك غير انه كفل له بنفس رجل فانه جائز وكذلك لو ادعى قبله غصبا في حيوان أو مال أو عروض أو دار أو أرض فإن الكفالة بالنفس جائزة في هذا كله وقال إذا ادعى الرجل قبل الرجل حدا في قذف فقدمه إلى القاضي فأنكر المدعي قبله ذلك وسأل الطالب القاضي أن يأخذ له كفيلا بنفسه وقال بينتي حاضرة فإنه لا ينبغي للقاضي في قول أبي حنيفة أن يأخذ له منه كفيلا بنفسه ولكن يقول له الزمه ما بينك وبين قيامي فان احضر شهوده على ذلك قبل أن يقوم القاضي وإلا خلي سبيله وكذلك لو أقام عليه شاهدا واحدا فان أقام عليه شاهدين أو شاهدا عدلا يعرفه القاضي فإن القاضي ينبغي له أن يحبسه حتى يسأل عن الشهود ويأتي بشهادة الآخر ولا يكفله وهو قول أبي يوسف الأول وقال أبو يوسف بعد وهو قول محمد إذا قال بينتي حاضرة اخذت منه كفيلا ثلاثة أيام حتى تحضر بينته وقالوا جميعا إذا ادعى رجل على رجل متاعا سرقه منه أو مالا وقال بينتي حاضرة فإنه يؤخذ له كفيل بنفسه ثلاثة أيام من قبل انه ادعى مالا وقالوا ولو قال قد قبضت السرقة منه ولكن أريد أن أقيم عليه الحد فخذ منه كفيلا حتى أحضر الشهود لم يؤخذ منه كفيل حتى يحضر الشهود قالوا ولو أن قوما اخذوا رجلا مع امرأة فقدموهما إلى القاضي وقالوا انا وجدنا هذا مع هذه المرأة وعليهما شهود بالزناء فخذ منهما كفيلا بأنفسهما حتى تحضرك الشهود عليهما لم يأخذ منهما القاضي كفيلا بأنفسهما وكذلك الحد في الخمر والسكر فان قامت على الزناء أربعة شهود أو على الخمر والسكر شاهدان أو على سرقة شاهدان فإنه لا كفالة في شيء من ذلك ولكنه يحبس حتى يسأل عن الشهود فإن شهد على ذلك واحد لا يعرفه القاضي لم يحبس

(1/126)


المشهود عليه في شيء من
ذلك فان كان في الزنا فطلب المشهود عليه حد القذف من الشاهد فإنه يؤخذ له بحقه فان قال الشاهد عندي أربعة شهداء عليه بالزناء فان الشاهد يؤجل في ذلك إلى قيام القاضي ولا يخلى عنه ولا يؤخذ منه كفيل ولكن الطالب يلزمه ولو قال الشاهد ان المشهود عليه عبدا كان القول قوله وعلى المشهود عليه البينة انه حر فإن طلب المقذوف إلى القاضي أن يأخذ له من الشاهد كفيلا حتى تحضر البينة على أنه حر فإنه لا يؤخذ منه له كفيل ولكن يحبس القاذف ويؤجل المقذوف أياما فإن أحضر البينة أخذ له بحقه وإن أقام رب السرقة شاهدين على السارق والسرقة بعينها في يديه فإنه لا يؤخذ منه كفيل ولكنه يحبس وتوضع السرقة على يدي عدل فإن زكي الشهود أمضى عليه الحد وقضى بالسرقة للطالب
قالوا فإذا ادعى رجل قبل رجل شتيمة أو أمرا فيه تعزير فأراد كفيلا حتى تحضر بينته وقال بينتي على ذلك حاضرة فإنه يؤخذ له منه كفيل بنفسه ثلاثة أيام في قول أبي يوسف ومحمد لأن هذا ليس بحد وهذا تعزير وهذا من حقوق الناس ألا ترى أنه لو عفا عنه وتركه جاز ذلك وإذا ادعت امرأة قبل زوجها أنه قذفها بالزنا وقالت بينتي حاضرة فخذ لي منه كفيلا بنفسه فإنه لا يؤخذ لها منه كفيل بنفسه في قول أبي حنيفة لأن اللعان حد وكذلك لو كان زوجها عبدا وهي حرة وكذلك الرجل الحر تقذفه امرأته وكذلك الرجل الحر يقذفه العبد بالزناء وكذلك المكاتب يقذف الحر بالزناء وكذلك أم الولد تقذف الرجل الحر أو المدبر يقذف الحر أو الذمي يقذف الحر المسلم فيقدمه إلى القاضي في جميع ذلك فينكر المدعي قبله القذف فإنه لا يؤخذ منه كفيل بنفسه ولكنه يؤمر أن يلزمه فيما بينه وبين قيام القاضي في قول أبي حنيفة وكذلك

(1/127)


كل ذي رحم محرم وكذلك الولد يقذف والده أو أمه فإن ذلك كله سواء وإذا ادعى الولد قبل الوالد القذف وطلب أن يأخذ له منه كفيلا بنفسه فإنه يوخذ منه كفيل بنفسه ولا يترك أن يلزمه وكذلك الولد يدعي قبل أمه القذف وكذلك العبد يدعي قبل مولاه أنه قذف أمه وهي حرة ميتة فإنه لا يؤخذ له منه كفيل بنفسه ولا يؤمر أن يلزمه لأنه لو أقام بينة على ذلك لم يضرب الحد وإذا ادعى رجل قبل عبد قذفا فأراد أن يؤخذ له منه كفيل بنفسه وبنفس مولاه فخاف أن لا يقام عليه الحد إلا بمحضر من مولاه فإنه لا يؤخذ له من واحد منهما كفيل بنفسه في ذلك ولكن يؤمر أن يلزم العبد ومولاه إلى أن يقوم القاضي في قياس قول أبي حنيفة
قالوا وإذا ادعى رجل قبل رجل حدا في قذف وأقام عليه شاهدين على شهادة شاهدين وطلب كفيلا بنفسه فإنه لا يؤخذ منه كفيل بنفسه ولا يحبس له لأن هذا لا يقبل في الحدود قالوا ولو كان هذا في سرقة أخذ منه كفيل بنفسه حتى يسأل عن الشهود فإن زكوا قضي عليه بالمال وكذلك شهادة امرأتين ورجل في ذلك قالوا وإذا ادعى رجل قبل رجل عبد قذفا فأقام عليه بينة بمحضر من مولاه فإن العبد يحبس له فيؤخذ له من مولاه كفيل لأن العبد لا يقضي عليه بالحد إلا بمحضر من مولاه وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه وقال أبو ويوسف في العبد إذا قامت عليه بينة بقذف أو بحد زناء أو بقتل عمد فإني أقبل عليه البينة وإن لم يحضر المولى من قبل أنه لو أقر بذلك جاز عليه
وقال أبو حنيفة لا أقبل البينة عليه في ذلك إلا بمحضر من مولاه ولو أقر جاز ذلك عليه وقال محمد مثل قول أبي حنيفة

(1/128)


وقالوا جميعا إذا ادعى رجل قبل رجل قصاصا في نفس أو دونها فقدمه إلى القاضي فأدعى ذلك وأنكر الرجل ذلك وقال الطالب عندي شهود حضور فخذ لي كفيلا بنفسه حتى احضر الشهود فإنه لا يأخذ له كفيلا بنفسه وإن أقام على ذلك شاهدا واحدا لم يؤخذ له منه كفيل بنفسه وقالوا لا كفالة في قصاص في نفس ولا فيما دونها وهو في ذلك بمنزلة الحد قالوا ولو أقام شاهدين على شهادة شاهدين أو رجلا وامرأتين على ذلك لم يحبس له بذلك لأن شهادة النساء لا تجوز في ذلك ولا شهادة على شهادة
قالوا وكذلك في كل ما وجب فيه القصاص فإنه لا يؤخذ فيه كفيل بالنفس قالوا وكل ما لا قصاص فيه وكان يكون فيه الأرش فإنه يؤخذ فيه كفيل بنفسه إذا ادعى الطالب بينة حاضرة قالوا وإذا ادعى رجل قبل رجلين قصاصا في نفس وقال عندي بينة حاضرة فأقر أحدهما وجحد الآخر فإن المقر منهما يحبس ويلزم الطالب المطلوب الذي جحد ما بينه وبين أن يقوم القاضي فإن شهد له شاهدان حبس وإن لم يشهد له شاهدان خلي سبيله ولم يحبس له ولم يؤخذ له منه كفيل
قالوا وإذا ادعى رجل قبل رجل قتل خطأ أو جراحة دون النفس خطأ وادعى بينة حاضرة وسأل القاضي أن يأخذ له كفيلا بنفسه فإنه يأخذ له منه كفيلا بنفسه ثلاثة أيام فإن أحضر بينته أخذ له بحقه وإن لم يحضر له بينة خلى سبيله وأبرأ كفيله ولو أقام شاهدين عدلين على ذلك قضي له بالدية ولا حبس على القاتل في ذلك ولا كفالة إلا أن يكون القاتل داعرا فيحبس لدعارته
قالوا وإذا ادعى رجل حر قبل امرأة قطع يد عمدا أو شجة عمدا
وقال لي بينة حاضرة فإنه يؤخذ له منها كفيل لأنه لا قصاص بينهما وكذلك الحر يدعي قبل العبد قطع يد عمدا أو جراحة عمدا

(1/129)


قالوا ولو أن رجلا ادعى قبل رجل منقلة عمدا أو هاشمة أو آمة أو جائفة أو قطع يد من غير مفصل أو كسر يد أو سن ضربها فاسودت أخذ بذلك في ذلك كله كفيل بنفسه إن ادعى بينه حاضرة ثلاثة أيام في قول أبي يوسف وإن قال بينتي غيب لم يؤخذ له كفيل في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد يأخذ في هذا كله كفيلا بنفسه ثلاثة أيام في العمد وغيره وفيما فيه القصاص حتى تقوم البينة فيما بينه وبين ثلاثة أيام فإن قامت البينة حبس في القصاص ولا يؤخذ منه كفيل وأبرأ ذلك الكفيل قالوا وإذا ادعى رجل قبل رجل شتيمة فاحشة وادعى بينة حاضرة وطلب كفيلا بنفسه فإنه يؤخذ له كفيل بنفسه ثلاثة أيام فإن لم تحضر بينته أبرأ كفيله و لو أقام عليه شاهدين بالشتيمة لم يحبس المدعى عليه ولكن يؤخذ منه كفيل بنفسه حتى يسأل القاضي عن الشهود فإن زكوا عزر أسواطا ولا يحده ولا يحبسه وإن رأى الحاكم أن لا يضربه وأن يحبسه أياما عقوبة فعل وقالوا ألا ترى أنا نجعل الحبس عقابا فكيف يحبسه قبل البينة قالوا وإن كان المدعى عليه رجلا له مروة وخطر اسحتسنا أن لا نحبسه ولا نعزره إذا كان ذلك أول ما فعل الجوزجاني عن محمد
وقال بكير بن عبد الله بن الأشج بما حدثني يونس قال حدثنا ابن وهب قال حدثني مخرمة بن بكير بن عبد الله عن أبيه قال قال لا تقبل حمالة في دم ولا في سرقة ولا شرب خمر ولا في شيء من حدود الله وتقبل فيما سوى ذلك

(1/130)


وروي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يرون الكفالة في الحدود حدثنا هارون بن اسحق الهمداني قال حدثنا مصعب بن المقدام قال حدثنا اسرائيل قال حدثنا أبو اسحق قال صليت الغداة مع ابن مسعود فلما سلم قام رجل فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فوا لله لقد بت البارحة وما في نفسي على أحد من الناس حنة فما دريت ما الحنة حتى سألت شيخا إلى جنبي فقال العدواة والغضب والشحناء ثم قال الرجل إني كنت استطرقت رجلا من بني حنيفة فرسي وإنه أمرني أن آتيه بغلس فأتيته ثم ذكر قصة فيها طول ذكر فيها أن مؤذنهم أذن فقال في اذانه اشهد أن مسيلمة رسول الله وان امامهم صلى بهم فقرأ في صلاته بما كان مسيلمة سجع به قال فأرسل إليهم عبدالله فأتي بهم فأمر بابن النواحة فقتل قال ثم ان عبد الله شاور أصحاب محمد في بقية القوم فقام عدي بن حاتم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فثؤلول من الكفر طلع رأسه فاحسمه فلا يكن بعده شيء وقال جرير والأشعت استتبهم وكفلهم عشيرتهم فاستتابهم وكفلهم عشيرتهم
وعلة من قال لا تجوز الكفالة في حد ولا قصاص ما ذكرت قبل
وأما علة من أجاز ذلك بالقياس على إجماع الجميع من الحجة على إجازة
الكفالة بالنفس في المال فكذلك كفالة بعين المكفول به في حق يجب عليه الخروج منه إلى من يكفل له به من ماله فمثله الكفالة به فيما يجب عليه الخروج من نفسه من حق لزمه لله جل وعز أو لآدمى

(1/131)


والصواب في ذلك من القول عندنا ما صح به الخبر عن ابن مسعود وجرير والأشعت أن الكفالة بنفس من لزمه حق لله جل ثناؤه أو لآدمي جائزة وإن على الكفيل به التسليم إلى من يكفل له به لأن المكفول به هو الشخص الذي لزمه الحق لا ما لزم جسمه فالكفيل بتسليم ما لزمه تسليمه إلى من لزمه تسليمه إليه مأخوذ فإن ظن ظان أن الحد حق لله جل وعز يجب على الإمام إقامته على من لزمه وليس بحق لآدمي وإذا كان ذلك كذلك لم يكن للمكفول به خصم في الحد فيحكم عليه بإعطاء الكفيل بنفسه فإن الخصم في مطالبته بذلك الإمام الذي جعل إليه إقامة الحد الذي لزمه عليه فله أخذ الكفيل منه في ذلك إذا قامت عليه بينة بما يوجب عليه الحد حتى يسأل عن البينة إذا لم يكن يعرفهم بالعدالة إن رأى ذلك وخاف هرب المشهود عليه وأما فيما كان من قصاص فالخصم فيه المجني عليه إذا كان فيما دون النفس فإذا كفل للمجني عليه كفيل بنفس الجاني ثم طالبه به المجني عليه فلم يسلمه إليه وهو على تسليمه إليه قادر حبس له حتى يخرج إليه من كفالته وإن كنا لا نرى للحاكم إلزام أحد احتكم إليه مع خصم له إعطاء خصمه كفيلا بنفسه لأنه لا حال له إلا اثنتان إما حال قد بان للحاكم فيها وجه الحكم فلا وجه لامرء قد توجه عليه الحكم بإعطاء خصمه كفيلا بل الواجب عليه إمضاء الحكم عليه أو حال لم يبن له فيها الحكم فلا وجه أيضا لتعنت من لم يثبت عليه حق لخصمه بتكفيله وإعطائه الكفيل بنفسه من وجه الحكم ولكنه إن رأى فعل ذلك على وجه المصلحة ففعله لم أره مخطئا إذ كان للسلطان حمل رعيته
على ما فيه مصلحتهم مما لا يكون فيه خروج عما أطلق الله له وأذن له به
واختلف القائلون بإجازة الكفالة بالنفس فيما يكون براءة للكفيل بالنفس من كفالته
فقال الأوزاعي في رجل كفل بنفس رجل فمات قبل أن يأتي به فقال غرم حدثت بذلك عن عمر بن عبد الواحد عنه
وهذا قياس قول مالك إذا لم يخلف المكفول به وفاء بحق غريمه

(1/132)


وقال الثوري في رجل كفل لرجل برجل ولم يسم مكانا يدفعه إليه فلقيه في البرية فأراد أن يدفعه إليه قال لا يبرأ حتى يدفعه إليه في ناحية المصر حدثنا بذلك علي عن زيد عنه
وقال أبو حنيفة وأصحابه إذا مات المكفول به برئ الكفيل من الكفالة وقالوا إذا أبرأ الكفيل الطالب من الكفالة أو قال قد برئ إلي من صاحبي أو قد دفعه إلي أو قال قد أبرأته منه فإن الكفيل بريء من الكفالة قالوا وكذلك لو قال الطالب لا حق لي قبل الكفيل فإنه بريء من الكفالة لأن الكفالة حق من حقوق الناس
قالوا وإن خاصم الكفيل بالنفس الطالب إلي القاضي وقال الكفيل إنه لا حق له قبل الذي كفلت به فإن القاضي لا ينبغي أن يسأله عن ذلك ولكنه يأخذه بالكفالة فإن أقر الطالب أنه لا حق له قبل المكفول وأنه ليس بوصي لميت له قبله حق أو خصومه وليس بوكيل لأحد له قبله حق أو خصومة على وجه من الوجوه فإن الكفيل بريء من الكفالة
قالوا وكذلك لو جحد الطالب هذه المقالة وشهد عليه بذلك شاهدا عدل فإن الكفيل بريء من كفالته قالوا وإذا دفع الكفيل بالنفس المكفول به إلى الطالب وبريء إليه منه فأبى الطالب أن يقبله منه أو أن يبرئه منه فإن الكفيل بريء من الكفالة

(1/133)


قالوا ولو حبس رجل المكفول به في دين له وقد كفل رجل بنفسه لآخر فأخذه به فإنه يؤخذ له به ألا ترى أنه يقدر على أن يقضي دينه وأن يخرجه فيدفعه إليه قالوا وكذلك لو حبس في غير دين قالوا وإذا دفع الكفيل إلى الطالب المكفول به في السجن وقد حبسه غيره فإنه لا يبرأ منه من قبل أنه لا يستطيع أن يخرجه وكذلك لو دفعه إليه في مفازة أو في موضع يستطيع المكفول به أن يمتنع من الطالب فإن أبا حنيفة قال لا يبرأ منه الكفيل وإذا دفعه إليه في مصر فيه سلطان غير المصر الذي كفل له به فإنه يبرأ منه وأما في قول أبي يوسف ومحمد فإنه لا يبرأ منه حتى يدفعه في المصر الذي كفل به وقالوا إذا دفع المكفول به نفسه إلى الطالب فقال اشهدوا أني قد دفعت نفسي إليه من كفالة فلان فالكفيل بريء وإن لم يقبل الطالب ذلك قالوا وكذلك لو كان الكفيل هو دفع المكفول به على هذا الوجه وكذلك لو دفعه رسوله أو كفيل به أو وكيل فهو بريء وإن لم يبرئه الطالب قال وكفالة المرأة بها ولها جائزة وهي مثل الرجل في ذلك كله وكفالة أهل الذمة والحربي والمستأمن والكفالة به جائزة على مثل كفالة المسلم
والذي نقول به في الكفيل بنفس رجل لآخر ثم يموت المكفول به أنه لا سبيل للمكفول له على الكفيل لإجماع الجميع على أن كفالته له لو كانت بمال وأفلس ولم يكن له سبيل إلى أداء ما كفل له به أن لا سبيل للمضمون له عليه إذا كان معدما فكذلك حكم الكفيل بالنفس إذا لم يكن له السبيل إلى تسليم المكفول به إلى المكفول له فلا سبيل للمكفول له عليه بسبب ذلك وأما ما

(1/134)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية