صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : درر الحكام في شرح مجلة الأحكام
مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
[ الكتاب مشكول ومرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

( المادة 73 ) لا حجة مع الاحتمال الناشئ عن دليل .
هذه القاعدة قد وردت في المجامع ويفهم منها أن كل حجة عارضها احتمال مستند إلى دليل يجعلها غير معتبرة ، ولكن الاحتمال غير المستند إلى دليل فهو بمنزلة العدم .
مثال ذلك : لو أقر أحد لأحد ورثته بدين ، فإن كان في مرض موته لا يصح ما لم يصدقه باقي الورثة ، وذلك لأن احتمال كون المريض قصد بهذا الإقرار حرمان سائر الورثة مستندا إلى دليل كونه في المرض ، وأما إذا كان الإقرار في حال الصحة جاز ، واحتمال إرادة حرمان سائر الورثة حينئذ من حيث إنه احتمال مجرد ونوع من التوهم لا يمنع حجة الإقرار .
ولكن إقرار المريض لغير الوارث ؛ لأن في إمكان المريض إيصال المنفعة للأجنبي بطريق الوصية لا يوجد فيه ما يوجد للوارث من الاحتمال فهو صحيح ومعتبر .

(1/131)


( المادة 74 ) لا عبرة للتوهم .
هذه القاعدة ذكرت في كثير من الكتب الفقهية ، ومنها ( مجمع الفتاوى ) ويفهم منها أنه ، كما لا يثبت حكم شرعي استنادا على وهم لا يجوز تأخير الشيء الثابت بصورة قطعية بوهم طارئ .
مثال ذلك : إذا توفي المفلس تباع أمواله وتقسم بين الغرماء ، وإن توهم أنه ربما ظهر غريم آخر جديد ، والواجب محافظة على حقوق ذلك الدائن المجهول ألا تقسم ولكن ؛ لأنه لا اعتبار للتوهم تقسم الأموال على الغرماء ، ومتى ظهر غريم جديد يأخذ حقه منهم حسب الأصول المشروعة .
كذا إذا بيعت دار وكان لها جاران لكل حق الشفعة ، أحدهما غائب فادعى الشفيع الحاضر الشفعة فيها ، يحكم له بذلك ولا يجوز إرجاء الحكم بداعي أن الغائب ربما طلب الشفعة في الدار المذكورة ، كذلك إذا كان لدار شخص نافذة على أخرى لجاره تزيد على طول الإنسان ، فجاء الجار طالبا سد تلك النافذة بداعي أنه من الممكن أن يأتي صاحب النافذة بسلم ويشرف على مقر النساء ، فلا يلتفت لطلبه ، كذا لا يلتفت لطلبه فيما لو وضع جاره في غرفة مجاورة له تبنا وطلب رفعه بداعي أنه من المحتمل أن تعلق به النار فتحترق داره .
كذا : إذا جرح شخص آخر ، ثم شفي المجروح من جرحه تماما وعاش مدة ، ثم توفي فادعى ورثته بأنه من الجائز أن يكون والدهم مات بتأثير الجرح ، فلا تسمع دعواهم .

(1/132)


( المادة 75 ) الثابت بالبرهان كالثابت بالعيان يعني إذا ثبت شيء بالبينة الشرعية مثلا كان حكمه كالمشاهدة بالعيان .
البرهان - هو الدليل الذي يفرق بين الحق والباطل ويميز الصحيح من الفاسد .
يستعمل الفقهاء كلمة ( برهن عليه ) بمعنى أقام شهودا ، والشهادة التي يقصدها الفقهاء بهذه الكلمة هي الشهادة العادلة .
ذلك غير ما يريده الأصوليون بها .
العيان - رؤية الشيء بصورة واضحة لا يبقى معها مجال للاشتباه .
يقال : فلان عاين الشيء الفلاني يراد بذلك أنه نظره بعينه .
مثال : إذا ادعى شخص على آخر بحق ما فكما أن إقراره - فيما لو أقر - يتخذ حجة ومدارا للحكم عليه تتخذ الشهادة مدارا للحكم أيضا ، فيما لو أنكر المدعى عليه وأثبت المدعي ذلك بالشهادة العادلة .

(1/133)


( المادة 76 ) : البينة للمدعي واليمين على من أنكر .
هذه القاعدة مأخوذة من الحديث الشريف القائل { البينة على من ادعى واليمين على من أنكر } ويؤيدها الدليل العقلي ؛ لأن كلام المدعي مخالف للظاهر فهو ضعيف يحتاج لبينة تدعمه ، وكلام المدعى عليه لما كان موافقا للظاهر فهو لا يحتاج لتقوية ما سوى اليمين .
البينة - هي الشهادة العادلة التي تؤيد صدق دعوى المدعي .
وبما أن الشهادة تقيد بيانا سميت بينة وسميت حجة ؛ لأن الخصم يتغلب بها على خصمه .
الدعوى - هي طلب أحد حقه من آخر في حضور المحاكم ، ويقال للطالب المدعي وللمطلوب منه المدعى عليه ( مادة 1613 ) المدعى - هو الشيء الذي ادعاه المدعي ، ويقال له المدعى به أيضا ( مادة 1614 ) .
اليمين - هو تأييد الحالف لخبره بالقسم باسم الله .
هذا ويعلم بعض أحكام هذه القاعدة عقلا وبعضها شرعا وإليك البيان : من المعلوم عقلا أن كل خبر يحتمل الصدق والكذب فالادعاء المجرد لا يخرج عن كونه خبرا فما لم يدعم ببنية ، فلا مرجح لأحد الاحتمالين .
والحكم الشرعي هو أنه متى ما أثبت المدعي استحقاقه بالمدعى به استحقه .
فعليه إذا ادعى مدع على آخر بحق له بحضور الحاكم ، والمدعى عليه أنكر دعوى المدعي ، فالحاكم بمقتضى المادة ( 1817 ) يطلب من المدعي بينة على دعواه ولا تطلب البينة من المدعى عليه مطلقا ، فإذا عجز المدعي عن البينة يحلف المدعى عليه المنكر اليمين ، وذلك بمقتضى المادة ( 1818 ) ولا يحلف

(1/134)


المدعي مطلقا .
مثال : لو اشترى شخص مالا من آخر فادعى البائع على المشتري قائلا له : إنه اشترى مني المال الفلاني بالوكالة ، وأضاف العقد لنفسه ، وأخذ المال فليدفع لي الثمن ، وادعى المدعى عليه أنه لم يكن وكيلا بالشراء ، بل رسولا وأنه لذلك بمقتضى المادة ( 1463 ) غير مطالب بدفع الثمن ، فتطلب البينة من المدعي ؛ لأنه يدعي بأن المشتري أضاف العقد لنفسه ، ويكلف المشتري باليمين ؛ لأنه ينكر إضافة العقد لنفسه .
إن هذه القاعدة لا يعدل عنها مطلقا حتى لو ادعى شخص على آخر بمبلغ في ذمته وقال المدعى عليه للمدعي : إذا حلفت بأن هذا المبلغ يلزم ذمتي أدفعه لك فحلف المدعي اليمين ، فلا يلزم المدعى عليه بدفع المبلغ المذكور .
هذا ومن الأمور اللازمة والمهمة في الدعوى تفريق المدعي من المدعى عليه وتعيينهما ؛ لأنه في بعض الأحيان يشتبه المدعي بالمدعى عليه ، كأن يكون رجل واضعا يده على مال مثلا فيجيء أجنبي ويدعي بأنه له ، وأن ليس لواضع اليد من حق في المال ، ويدعي واضع اليد مثل ذلك ، فظاهر الحال يدل على أن كلا منهما مدع ومنكر معا ، ولكن بما أن نفس ملكية ذي اليد يدخل في دعوى الأجنبي ضمنا ؛ لأن قصده إثبات الملك لنفسه ، وإثبات واضع اليد الملكية لنفسه يدخل في دعواه ؛ لأنه يقصد نفس الملكية عن الأجنبي .
وبما أن المدعي هو الذي يقول خلاف الظاهر والذي يكون قوله : موافقا للظاهر هو المدعى عليه ، فواضع اليد في هذه المسألة هو

(1/135)


المدعى عليه ، والمدعي هو الأجنبي .
مثال آخر : إذا ادعى شخص على آخر بدين في ذمته فادعاؤه هذا ادعاء يشغل ذمة المدعى عليه ، وبما أن اشتغال الذمة خلاف الظاهر ، والأصل براءتها فالذي يدعي خلاف الظاهر مدع والثاني هو المدعى عليه .
على أن الإمام الشافعي رضي الله عنه قد ارتأى أنه يتوجه اليمين على المدعي في حالين هما : الحال الأولى - إذا لم يكن عند المدعي بينة وطلب من المدعى عليه حلف اليمين فلم يحلف فترد اليمين على المدعي ، فإن حلف يحكم له وإلا فلا .
وقد استند في ذلك على ما رواه البخاري في صحيحه { بأن الرسول الكريم ردها على صاحب الحق أي اليمين } وما كان يفعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمحضر من الصحابة .
الحال الثانية : - إذا كان للمدعي شاهد واحد وعجز عن إقامة الشاهد الثاني ، وتحليف المدعي في هذه الحال على أن ما شهد به الشاهد هو صدق وأنا مستحق للحق المشهود به .
ولكن للمدعي في هذه الحال أن يمتنع عن حلف اليمين ويكلف المدعى عليه بالحلف وللمدعى عليه حينئذ أن يردها على المدعي أيضا .
إلا أن يمين المدعي قبل أن يكلف بها المدعى عليه غير اليمين التي ترد عليه بعد تكليف المدعى عليه بها وامتناعه عنها ، فهذه الأخيرة لتقوية جانبه بنكول الخصم ، وتلك لتقوية جانبه بالشاهد ، والفرق بينهما أنه لا يقضى بالأولى إلا في الأموال ويقضى بالثانية في جميع الحقوق ، فإذا لم يحلف المدعي يمين الرد سقط حقه من اليمين .

(1/136)


( المادة 77 ) : البينة لإثبات خلاف الظاهر واليمين لبقاء الأصل .
لأن الأصل يؤيده ظاهر الحال ، فلا يحتاج لتأييد آخر ، والذي يكون خلاف الظاهر يتراوح بين الصدق والكذب فيحتاج إلى مرجح لأحدهما على الآخر .
هذه القاعدة مأخوذة من المجامع .
خلاف الظاهر وخلاف الأصل - خلاف الظاهر وخلاف الأصل كالموجود في الصفات العارضة ، واشتغال الذمة ، وإضافة الحوادث إلى أبعد أوقاتها ، والأصل والظاهر في الصفات العارضة العدم ، كبراءة الذمة وإضافة الحادث إلى أقرب أوقاته ( انظر المادة 8 و 9 و 11 ) كما إذا ادعى شخص قائلا : إنني بعت المال الفلاني من فلان حينما كنت صبيا ، وبما أن البيع المذكور بمقتضى المادة ( 967 ) غير نافذ فاطلب رده ، وأجاب المدعى عليه قائلا : إنه باعني إياه أثناء ما كان بالغا والبيع نافذ ، فلأن الصغر وعدم البلوغ أصل ، فالقول مع اليمين لمدعي الصغر .
وبما أن البلوغ عارض ، وهو خلاف الأصل فتطلب البينة من مدعي البلوغ ، كذلك إذ ادعى أحد المتبايعين أن البيع الذي وقع بينهما كان بيع وفاء ، وادعى الآخر أنه كان بيعا باتا فبما أن الظاهر والأصل أن يكون البيع باتا ، فالقول لمن يدعي بأن البيع بات وبما أن وقوع البيع وفاء هو خلاف الأصل وخلاف الظاهر ، فتطلب البينة من مدعي الوفاء .
كذلك إذا اختلف البائع والمشتري في كون البيع وقع بإكراه أو برضاء ، فالقول لمن يدعي الرضاء ؛ لأنه أصل والبينة تطلب من مدعي الإكراه ؛ لأنه خلاف الأصل .
كذا لو ادعى شخص

(1/137)


على آخر مطالبا إياه بدين والمدعى عليه أنكر ذلك فالبينة تطلب من المدعي ؛ لأنه يدعي خلاف الأصل ، وهو اشتغال الذمة راجع ( المادة الثامنة ) والقول مع اليمين للشخص الثاني ؛ لأنه يدعي براءة الذمة .
( مستثنيات هذه القاعدة ) يصدق الأمين بمقتضى المادة ( 1174 ) بيمينه على براءة ذمته وإليك الإيضاح : إذا ادعى المودع طالبا من المستودع الوديعة ، وادعى المستودع أنه ردها له أو أنها تلفت بلا تعد ولا تقصير ، فالقول مع اليمين للمستودع ، والحال أن الرد والهلاك من الصفات العارضة والأصل حسب المادة التاسعة عدمها ، وكان من اللازم بمقتضى هذه المادة أن يكون مكلفا بإقامة البينة على رده الوديعة أو هلاكها بلا تعد ولا تقصير ؛ لأن ذلك خلاف الأصل والظاهر .

(1/138)


( المادة 78 ) البينة حجة متعدية والإقرار حجة قاصرة هذه القاعدة الشرعية وردت في كثير من الكتب الفقهية ، منها تنوير الأبصار وشرحه ، وقد وردت فيهما على الصورة الآتية ( والأصل أن البينة حجة متعدية والإقرار حجة قاصرة على المقر لعدم ولايته على غيره ) البينة : هي الشهادة التي تظهر الشيء الثابت في نفس الأمر والموجود قبل الشهادة في المشهود به .
، وقد عرفت في المادة ( 1676 ) بأنها الحجة القوية .
ومتعدية : مأخوذة من التعدي ، والتعدي بمعنى التجاوز على الغير ، والمقصود بالغير هنا هو غير المشهود عليه .
الإقرار : كما ورد في المادة ( 1572 ) هو إخبار الإنسان عن حق عليه لآخر ويقال لذلك : مقر ، ولهذا : مقر له وللحق : مقر به .
وقاصرة : من القصر يقال ( قصر الشيء على كذا ) أي لم يتجاوزه إلى غيره ويفهم من هذه المادة أن الإقرار حجة تقتصر على نفس المقر ولا تتجاوزه إلى الغير ، أما البينة فهي حجة متعدية تتجاوز إلى الغير ؛ لأن حجة البينة القضاء من الحاكم ، والحكم منه ، والحاكم له الولاية العامة ، فلا تقتصر الحجة على المحكوم عليه ، وتتجاوز إلى كل من له مساس بالقضية ، وقد جاء في الدرر ( الحكم المقضي به استنادا على بينة في الحرية ، والنكاح ، والنسب والولاء يكون شاملا لعموم الناس ) فعليه لما كانت الشهادة موقوفة على حكم الحاكم ، فلا تجوز إقامة البينة بها بلا خصم .
أما الإقرار فلما كانت حجته مستندة على زعم المقر فهي قاصرة

(1/139)


عليه ، ولا تكون معتبرة بحق سواه ، وهو جائز بدون خصم على أن لا يكون بحق أحد غير المقر .
لو أقر الوصي بدين على الميت فإقراره باطل ولا يأخذ المقر به من تركة المتوفى ، ولا يلزم الوصي أيضا بأدائه .
كذلك : لو توفى شخص وترك ولدين فأقر أحدهما لرجل بأنه أخوه وأنكره الآخر فيلزم المقر بإعطاء ثلث ما أخذه من التركة للمقر له للأخ الثالث ، ولا يلزم الأخ المنكر بشيء استنادا على القول الذي أخذت به المجلة في المادة ( 1642 ) .
هذا وقد بين الفقهاء أن الإقرار لا تهمة فيه ، وهو حجة شرعية مقدمة على حجة البينة ، فلدى اجتماع الحجتين معا تقدم حجة الإقرار ويحكم بها ما لم تمس الحاجة للحكم بالبينة .
مثال ذلك : إذا أقام شخص دعوى استحقاق في مال اشتراه شخص من آخر ، وبعد أن أنكر استحقاق المدعي بالمال المدعى به ، وأثبت المدعي ملكيته له بالبينة ، عاد المدعى عليه وأقر بملكية المدعي ، يحكم الحاكم للمدعي بالمال بناء على إقرار المدعى عليه دون البينة ؛ لأن الإقرار حجة أقوى ، ولكن إذا كان المدعى عليه في حاجة إلى الرجوع على البائع بالثمن فيحكم بالبينة حفظا لحق المشتري ، ومنعا للإضرار به .
حتى يحق له الرجوع على البائع واسترداد ثمن المبيع .
هذا وإليك على هذه القاعدة الأمثلة الآتية : مثال : إذا ادعى شخص بحضور أحد ورثة المتوفى بأن له في ذمة المتوفى دينا ، وأثبت مدعاه بالبينة ، وحكم الحاكم بالدين المذكور ، فالحكم يكون

(1/140)


ساريا على عموم الورثة ، ولا يحق للورثة الذين لم يكن الحكم بمواجهتهم أن يطالبوا المدعي بإثبات الدين بحضورهم أيضا ، أما إذا كان الحكم لم يكن مبنيا على بينة ، بل على إقرار من ذلك الوارث ، فإنه لا يسري بحق أحد من الورثة ما عدا المقر ؛ لأن الإقرار حجة قاصرة على المقر ، كما أسلفنا .
كذلك : إذا استحق شخص مالا وأثبت ذلك بالبينة ، وحكم الحاكم له به فللمحكوم عليه إذا كان مشتريا حق الرجوع على البائع بالثمن ، ولا يحق لهذا أن يتعلل عن الدفع بداعي أنه لم يحضر المحاكمة ، فلا يلزمه ، وبعكس ذلك فيما لو لم يثبت المستحق استحقاقه بالبينة ، بل بإقرار المشتري ، فليس له حق الرجوع على البائع بالثمن .
كذلك : لو أقر المؤجر بأن الملك المأجور هو ملك لغيره ، فإقرار المقر صحيح ومعتبر ولكنه لا يسري بحق المستأجر ولا تفسخ الإجارة ، وبعد انقضاء مدة الإجارة يحكم للمقر له بذلك الملك .
كذلك إذا كفل شخص آخر قائلا : إني أكفل فلانا بما هو مطلوب منه لفلان ، فإذا أثبت مقدار الدين ببينة ضمن الكفيل ذلك المقدار ، أما إذا لم يثبت الدائن الدين بالشهادة ، فالقول من اليمين للكفيل ولا يسري على الكفيل إقرار المكفول بدين أكثر مما اعترف به الكفيل نفسه .
كذا لا يسري إقرار الراهن بملكية المرهون للغير على المرتهن ، هذا والقول بأن الإقرار حجة أقوى من البينة لا يتباين مع القول بأن الإقرار حجة قاصرة على المقر ، والبينة حجة متعدية ؛ لأن

(1/141)


الضعف والقوة هما غير التعدي والاقتصار .
فاقتصار الإقرار على المقر لا ينافي قوة الإقرار على البينة ، وضعف البينة بالنسبة إلى الإقرار لا ينافيه كونها متعدية .
( مستثنيات هذه القاعدة ) لهذه القاعدة بعض المستثنيات هي : إذا أقر المؤجر بدين فإقراره صحيح ومعتبر ، وتفسخ الإجارة عن العقار المؤجر من قبله لآخر ، ويباع فيما إذا كان ليس له سوى العقار ما يؤدي به الدين المقر به .
كذلك : إذا أقرت الزوجة بدين عليها والزوج كذبها فالإقرار صحيح وتحبس رغم ما يلحق الزوج بذلك من الضرر .
هذه المستثنيات قد ارتآها الإمام الأعظم ، ولكن الإمامين يريان أنه لا يجوز حبس الزوجة بإقرارها بدين ، ولا فسخ الإجارة وبيع المأجور إذا أقر المؤجر لآخر بدين .

(1/142)


( المادة 79 ) : المرء مؤاخذ بإقراره إلا إذا كان إقراره مكذبا شرعا وقد أخذت هذه عن المجامع .
فعليه إذا أقر شخص بمال لآخر وادعى أنه كان عن خطأ لا تسمع دعواه .
مثال : إذا ادعى شخص على آخر بدين وبعد أن أقر به ادعى بأنه كان أوفى ذلك الدين ينظر إذا كان الادعاء بالأداء في مجلس الإقرار لا يقبل حيث يكون رجوعا عن الإقرار وتناقضا في القول ، أما إذا كان في مجلس غير مجلس الإقرار يقبل توفيقا للمادة ( 1632 ) .
كذا : إذا قبض المؤجر الأجرة وبعد إقراره بذلك ادعى أن النقود التي قبضها مزيفة لا يقبل ادعاؤه .
هذا وإن المادة ( 1581 ) من المجلة التي تنص على أنه لا يجوز الرجوع عن الإقرار في حقوق العباد هي فرع لهذه القاعدة .
فعليه إذا أقر شخص بأنه مدين لآخر بكذا ثم عاد فقال : رجعت عن إقراري هذا فلا يعتبر رجوعه ويلزم بإقراره .
والمادة ( 1127 ) فرع من فروعها أيضا .
قلنا في شرح هذه المادة ما معناه : إذا كذب الإقرار شرعا فلا يلزم المقر بإقراره وقد جاء في المادة ( 1654 ) أن الإقرار الذي يكذب شرعا باطل والمقر غير مؤاخذ به وإليك المثال : إذا تخاصم البائع والمشتري على ثمن المبيع وادعى المشتري أن البيع وقع له بألف قرش وادعى البائع أنه بألفين وبعد أن أثبت هذا مدعاه وحكم له الحاكم أقام الشفيع الدعوى على المشتري بالمبيع المذكور فللشفيع أن يتملك تلك الدار بألفي قرش لا بالألف بداعي أن المشتري اعترف في دعواه مع البائع بأن الثمن ألف ؛ لأنه وإن كان

(1/143)


إقراره بألف فقد كذب ذلك الإقرار وأصبح باطلا بحكم الحاكم .
كذلك إذا ادعى شخص بأن فلانا قد كفل المدين له بأمره وطلب إلزامه بأداء المبلغ من جهة الكفالة وبناء على إنكار المدعى عليه الكفالة أثبتها المدعي واستوفى بدلها يحق للكفيل أن يرجع على المدين بالبدل المدفوع منه ولا عبرة لإنكاره الكفالة ؛ لأنه كذب شرعا .
هذا ويشترط في الإقرار .
كما جاء في المادة ( 1512 ) أن يكون المقر عاقلا بالغا فلا يصح إقرار الصغير والصغيرة والمجنون والمجنونة والمعتوه والمعتوهة .
وفي المادة ( 1575 ) يشترط رضاء المقر فلا يصح الإقرار الواقع بالجبر .
وفي المادة ( 1577 ) أن لا يكذب المقر ظاهر الحال .

(1/144)


( المادة 80 ) لا حجة مع التناقض لكن لا يختل معه حكم الحاكم .
يوجد تصرف في ترجمة هذه المادة وذلك هو المراد فيها لكن الترجمة الحقيقية لأصلها التركي هي ( لا حجة مع التناقض لكن لا يطرأ خلل على حكم المتناقض عليه ) .
يفهم من هذه المادة أنه إذا حصل تناقض في الحجة تبطل ولكن لو حكم القاضي قبل أن يتبين بطلانها فلا يختل الحكم .
مثال ذلك ؛ لو رجع الشاهدان عن شهادتهما لا تبقى شهادتهما حجة لكن لو كان القاضي حكم بما شهد به أولا لا ينقض ذلك الحكم وإنما يلزم على الشاهدين ضمان المحكوم به وقد أخذت هذه القاعدة من ( باب الرجوع عن الشهادة ) الوارد في الكتب الفقهية ومن ذلك ما ورد في الهداية ( وإذا رجع الشهود عن شهادتهم قبل الحكم بها سقطت ؛ لأن الحق إنما يثبت بالقضاء والقاضي لا يقضي بكلام متناقض ولا ضمان عليهما ؛ لأنهما ما أتلفا شيئا لا على المدعي ولا على المدعى عليه فإن حكم بشهادتهم ثم رجعوا لم يفسخ الحكم ؛ لأن آخر كلامهم يناقض أوله فلا ينقض الحكم بالتناقض ) .
لقد عرفت الحجة في الأشباه بأنها " بينة عادلة ، أو إقرار ، أو نكول عن اليمين .
وجاء عنها في المادة ( 78 ) بأنها تشمل الشهادة والإقرار ولكن بما أن الحجة المقصودة هنا ليست سوى البينة والشهادة ، وقد جاء في شرح المجامع عند تعليق الشارح على قول المتن ( التناقض لا يمنع صحة الإقرار ) مثلا لو أنكر شخص شيئا ثم بعد ذلك أقر به فيعتبر الإقرار رغما مما حدث من التناقض ؛ لأن

(1/145)


المقر لا يكون متهما بإقراره هذا - فليس من مأخذ في ذلك أو خطأ .
الرجوع تعريفه : الرجوع لغة نقيض الذهاب واصطلاحا نفي الشاهد أخيرا ما أثبته أولا .
هذا وقد مر معنا أن الحكم لا يختل ؛ لأنه لما كان الحكم بالكلام المتناقض غير جائز فلا يجوز أيضا نقض الحكم به .
وبما أن الكلامين المتناقضين متساويان في الدلالة على الحقيقة ، وقد رجح الأول على الثاني باتصاله بالقضاء ، والمرجوح لا يعارض الراجح فلم يختل الحكم ولم ينقض .
ولكن لما كان الشهود متسببين في الحكم فقط والحاكم هو المباشر به فمن الواجب بمقتضى المادة ( 190 ) لا يترتب الضمان إلا على الحاكم .
ولكن بما أن القاضي بعد أن يؤدي الشهود الشهادة وبعد التثبيت من عدالتهم مجبر على الحكم فورا فلو تأخر ولم يحكم يكون مسئولا شرعا ومستحقا للتعزير والعزل .
وبما أن تضمين الحكام يستلزم امتناع الناس من قبول منصب القضاء خوفا من الضمان ، وحيث إنه مما تقدم يتعذر الحكم على المباشر في هذه المسألة فقد وجب الحكم بضمان الشهود المتسببين والمعتدين دون الحاكم المباشر .
لقد ذكر عدم اختلال الحكم في هذه المسألة بصورة مطلقة في هذه المادة ( 1729 ) أي أنه لم يقيد عدم اختلال الحكم بما إذا قبض المحكوم له به أم لا .
مع أن هذه المسألة موضع لاختلاف العلماء فالبزازية وخزانة المفتين والبحر تقول بالضمان سواء أقبض المحكوم به أم لم يقبض .
أما الكنز ، والدرر ، وملتقى الأبحر ، والهداية ، والمحتار ،

(1/146)


والإصلاح ، ومواهب الرحمن ، فكلها يشترط القبض في ذلك .
ولكن الدر المنتقى يرى أنه إذا حصل قبض أو لم يحصل فالحكم موجب للضمان وحتى لو شهدت الشهود في عقار ثم رجعت فيجب ضمان قيمة العقار للمحكوم عليه .

(1/147)


( المادة 81 ) : قد يثبت الفرع مع عدم ثبوت الأصل .
هذه القاعدة مأخوذة من الأشباه وقد جاءت فيه ( قد يثبت الأصل وإن لم يتثبت الفرع ) .
مثال ذلك : لو قال رجل : إن لفلان على فلان كذا دينا وأنا كفيل به أي ( بدون أمر المدين ) وبناء على إنكار الأصيل ادعى الدائن على الكفيل بالدين لزم على الكفيل أداؤه .
قلنا بدون أمر المدين ؛ لأنه لو قال المدين لرجل : اكفلني بالمبلغ المطلوب مني لفلان وكفله يعتبر أمره هذا إقرارا بالدين ويؤاخذ به الكفيل .
كذلك يؤاخذ الكفيل وهو الفرع في الدين دون الأصيل الذي هو الأصل فيه فيما لو أثبت بالبينة وفاءه الدين قبل كفالة الكفيل .
وهذا المثال يصح أن يتخذ مثالا لقاعدة ( الإقرار حجة قاصرة ) أيضا ؛ لأن إقرار الكفيل بالدين إقرار على نفسه وحجة قاصرة عليه وحده لا تتعداه للأصيل

(1/148)


( المادة 82 ) المعلق بالشرط يجب ثبوته عند ثبوت الشرط هذه القاعدة وردت في المجامع ( المعلق بالشرط يجب ثبوته ويكون معدوما قبل ثبوت شرطه ) يعني أن الشيء المعلق على شرط يكون معدوما قبل ثبوت الشرط الذي علق عليه ؛ لأنه لو ثبت الشيء قبل وجود الشرط لاستوجب ذلك وجود المشروط بدون الشرط وذلك محال .
المعلق ، تعريفه : المعلق اسم مفعول من التعليق وهو ربط حصول مضمون جملة بحصول مضمون جملة أخرى فإحداهما تسمى ( الشرط ) والثانية تسمى ( الجزاء ) .
ويشترط في صحة التعليق أن يكون الشرط معدوما على خطر الوجود أي أن يكون معدوما ممكنا حصوله .
لهذا فلو علق شيء موجود يعتبر تعليقه تنجيزا أي أن المعلق يثبت في الحال .
مثال ذلك : لو قال شخص لآخر : إذا كان لي عليك دين فقد أبرأتك منه وكان في الحقيقة ذلك الشخص مديونا له فيصبح بذلك بريئا من الدين في الحال .
كذلك : لو قال شخص لآخر : إن فلانا باع مني مالك الفلاني بكذا ، فقال : إذا باعه منك بهذا الثمن فإني أجيز البيع فإذا ثبت أن المال المذكور بيع بذلك الثمن أو بأكثر منه تصح الإجازة .
ومع أن الوقف المعلق على شرط لا يكون صحيحا فالوقف المعلق على موجود ومحقق يصح تنجيزا ، كما لو قال شخص : إذا كان هذا المال مالي .
وأشار إلى عقار يملكه - فإني قد وقفته يكون الوقف صحيحا .
إذا كان التعليق على شيء مستحيل الوقوع فهو باطل .
أدوات الشرط .
( إن ، كلما ، متى ، إذا ) وما أشبه ذلك من الألفاظ .
وإليك فيما يلي بعض المسائل

(1/149)


المتفرعة عن هذه المادة .
لو قال شخص : إذا لم يدفع لك فلان ما لك عليه من الدين فأنا كفيل بأداء دينك فتثبت الكفالة المعلقة على شرط عند ثبوته وحينئذ يطالب الكفيل بالمكفول به .
ويشترط في التعليق أن يكون في الأمور والخصوصيات التي يجوز التعليق فيها شرعا وإلا فلو علقت بعض الأمور التي لا يجوز التعليق فيها على شرط فالتعليق فاسد أي ( إن الشيء المعلق لا يثبت ولو ثبت الشرط ) وفي العقود الآتية يصح التعليق ويكون التعليق صحيحا إذا كان الشرط المعلق عليه ملائما أي ( أن يكون الشرط مؤيدا للعقد ) وهو من موجباته ومقتضياته ، وفاسدا إذا كان غير ملائم وهي : ( 1 ) الوكالة ( 2 ) الإذن بالتجارة ( 3 ) عزل القاضي ( 4 ) القضاء ( 5 ) الإمارة ( 6 ) الكفالة ( 7 ) الإبراء في الكفالة ( 8 ) تسليم الشفعة بعد الشراء ( 9 ) الوصية ( 10 ) الحوالة .
مثال : لو قال الموكل لوكيله ( كلما عزلتك فأنت وكيل ) تنعقد الوكالة بعد العزل كلما عزله ، ولو قال للسفيه وليه : قد أذنتك بالتجارة إذا صلحت أحوالك يكون السفيه مأذونا بالتجارة إذا صلحت أحواله ، كذلك لو قال ولي الصبي له : إذا طلع الفجر فقد أذنتك بالتجارة فبطلوع الفجر يكون الصبي مأذونا .
كذلك لو قال السلطان لشخص : إذا بلغت البلد الفلاني فقد نصبتك واليا عليه أو قاضيا له فثبوت الشرط يثبت الحكم المعلق عليه .
كذا لو قال شخص لدائن : إذا عاد مديونك فلان من سفرته فأنا كفيل لك بما لك عليه من الدين .
فمتى رجع المديون تنعقد الكفالة .
كما

(1/150)


لو قال المكفول له لكفيل : إذا أعطيتني القدر الفلاني من الدين فإني أبرئك من الكفالة والكفيل دفع المبلغ المطلوب فيبرأ منها .
كذلك لو قال شخص لآخر : إذا أجاز فلان وصيتي فقد أوصيت لك بالمال الفلاني وأجازها لك الشخص تثبت الوصية .
والحاصل أنه بمقتضى هذه المادة كل شيء من الأشياء المذكورة علق على شرط ملائم يكون ثابتا وصحيحا لدى ثبوت الشرط المعلق عليه .
أما إذا كان الشرط غير ملائم فلا يثبت وإليك المثال : لو قال شخص لآخر إذا هبت الريح أو إذا دخل فلان دار فلان وما أشبه ذلك فأنت وكيلي بالشيء الفلاني أو أبرأتك من الكفالة أو غير ذلك مما مر معنا في الأمثلة العشرة فلا يثبت المعلق على الشرط ولو ثبت .
أما العقود التي لا يجوز فيها التعليق فهي كما يأتي : ( 1 ) البيع ( 2 ) الإجارة ( 3 ) الإعارة ( 4 ) الاستئجار ( 5 ) الهبة ( 6 ) الصدقة ( 7 ) إجازة العقد ( 8 ) الإقرار ( 9 ) الإبراء من الدين ( 10 ) الصلح عن المال ( 11 ) المزارعة ( 12 ) المساقاة ( 13 ) الوقف ( 14 ) التحكيم ( 15 ) الإقالة ( 16 ) التسليم بالشفعة قبل البيع ( 17 ) إبطال حق رد المبيع بخيار العيب ( 18 ) إبطال حق رد المبيع بخيار الشرط ( 19 ) عزل الوكيل ( 20 ) حجر المأذون .
مثال : لو قال شخص لآخر : إذا حضر فلان من سفره فقد بعتك داري بكذا قرشا أو أجرتك إياها أو أعرتها لك أو وهبتها لك أو تصدقت بها عليك ، فكما أنه لا يصح شيء من هذه العقود ولا ينعقد فإذا بلغ رجلا بأن شخصا باع ماله أو أجره أو وهبه وقال : إذا رضي فلان

(1/151)


بذلك فقد أجزت البيع أو الإجارة أو الهبة وكان المذكور قد فعل ذلك حقيقة لا يثبت شيء من ذلك مطلقا ولا يصح .
كذلك لو قال شخص لآخر : إذا جاء فلان ، أو إذا داينتني كذا مبلغا ، أو إذا لم أدفع لك غدا خمسين قرشا ، أو إذا حلفت لي بأنني مديون لك .
فأنا مديون لك بألفي قرش فلا يثبت المبلغ ولا يترتب بذمة المقر ولو ثبت الشرط المعلق عليه .
كذلك لو قال شخص لآخر : إذا دخلت بيتي أو إذا جاء فلان من المحل الفلاني أو إذا دفعت لي خمسمائة قرش من الألف القرش المطلوبة لي منك فأنت بريء من الدين الذي بذمتك لي فلا تثبت البراءة وإن ثبتت الشروط المعلقة عليها .
( مستثنيات هذه القاعدة ) قلنا : إن الإقرار والإبراء المعلقين على شرط غير صحيحين إلا أنه يستثنى من ذلك مسألتان : الأولى - لو علق الدائن إبراء المدين من الدين على موته يحمل ذلك على الوصية ويكون التعليق صحيحا .
مثال ذلك : لو قال الدائن عمرو للمدين بكر إذا أنا مت فأنت بريء من ديني فيحمل ذلك منه على الوصية فإذا مات الدائن وكان نكث ماله مساعدا على ذلك ( أي إذا كان بمقدار ذلك الدين أو يزيد عنه ، فيكون المدين بريئا ) .
الثانية - لو علق الإقرار بزمن صالح لحلول الأجل في عرف الناس يحمل على الإقرار بدين مؤجل ( راجع المادة 1584 ) .
مثال ذلك : لو قال أحد لآخر : إن ابتدأ الشهر الفلاني أو يوم المولد النبوي أو يوم قاسم فإني مديون لك بكذا يحمل على الإقرار بدين مؤجل ويلزمه تأدية الدين عند حلول ذلك

(1/152)


الوقت .
( فائدة ) تتعلق بالعقود التي تجوز إضافتها للزمن المستقبل والتي لا تجوز فالعقود التي تجوز إضافتها للمستقبل هي كما يأتي : ( 1 ) الإجارة ( 2 ) فسخ الإجارة ( 3 ) المزارعة ( 4 ) المساقاة ( 5 ) المضاربة ( 6 ) الوكالة ( 7 ) الكفالة ( 8 ) الإيصاء ( 9 ) الوصية بالمال ( 10 ) القضاء ( 11 ) الإمارة ( 12 ) الوقف ( 13 ) الإعارة ( 14 ) إبطال الخيار .
مثال : لو قال أحد لآخر : قد أجرتك داري اعتبارا من الغد ببدل قدره كذا ، وقال شخص لشخص قد فسخت إجارة الدار التي آجرتك إياها ببدل شهري اعتبارا من أول الشهر القادم فيكون ذلك صحيحا ( راجع المادة 408 و 494 ) .
كذلك لو قال رجل لرجل : أعطيتك مزرعتي الفلانية وبستاني الفلاني مزارعة أو مساقاة اعتبارا من التاريخ الفلاني فيصح ذلك ، كما لو قال : قد وكلتك اعتبارا من رأس الشهر الفلاني ببيع مالي هذا فتكون الوكالة صحيحة أيضا وليس للوكيل قبل حلول رأس ذلك الشهر أن يبيع المال المذكور .
كذلك لو قال السلطان لشخص : قد نصبتك اعتبارا من التاريخ الفلاني حاكما أو واليا على البلد الفلاني فالتولية والنصب صحيحان .
والعقود التي لا تصح إضافتها للزمن المستقبل هي ( 1 - البيع ، 2 - إجازة البيع ، 3 - فسخ البيع ، 4 - القسمة ، 5 - الشركة ، 6 - الهبة ، 7 - الصلح على المال ، 8 - الإبراء من الدين ) .
مثال ذلك : لو قال شخص لآخر : قد بعتك مالي هذا اعتبارا من أول الشهر القادم وقبل ذلك الشخص البيع على هذا الوجه لم يصح ولو أتى رأس الشهر المضروب وهلم جرا

(1/153)


( المادة 83 ) يلزم مراعاة الشرط بقدر الإمكان .
هذه مأخوذة من المجامع .
قدر : بفتح القاف وسكون الدال على وزن ( بدر ) معناها ( الطاقة والاستطاعة ) ، والشروط ثلاثة أنواع : منها ما هو جائز ومنها الفاسد واللغو وما تجب مراعاتها إنما هي الجائزة : أي الموافقة للشرع الشريف كما سنأتي عليها بالتفصيل فيما يلي : والشرط المقصود في هذه القاعدة هو الذي يكون خلوا من أداة الشرط كقولك بعت مالي على الشرط الفلاني أو بعت هذه السراويل على أن أرفعها ويسمى ( الشرط التقييدي ) .
أما الشرط الذي تستعمل به أدوات الشرط وقد سبق تفصيله في المادة الفائتة فيسمى ( الشرط التعليقي ) وفيما يلي بعض الأمثلة المتفرعة عن هذه المادة كل تحت العنوان الذي يناسبه : البيع - يكون البيع صحيحا والشرط معتبرا كما جاء في المادة ( 186 ) إذا كان الشرط من مقتضيات عقد البيع والمواد ( 187 ، 188 ، 287 ، 98 ) من المسائل المتفرعة عن هذه القاعدة .
إجارة - يجب مراعاة كل شرط يشترطه العاقدان بخصوص تعجيل الأجرة أو تأجيلها كما هو مبين في المادة ( 468 ، 474 ) .
الأمانة - إذا كان شرط الوارد في عقد الوديعة ممكن الإجراء ومفيدا للمودع فهو معتبر كما في المادة ( 884 ) .
الشركة - إذا اشترط في المقاسمة أن يكون لحصة طريق في الحصة الأخرى أو مسيل فيجب مراعاة أحكام ذلك الشرط كما جاء في المادة ( 1166 ) كذلك يجب على المضارب في عقد شركة المضاربة المقيدة مراعاة الشروط التي يشترطها رب المال ( انظر المادة 1420 ) .
الدين -

(1/154)


إذا اشترط الدائن في الدين المقسط بأنه إذا لم يدفع المدين الأقساط في أوقاتها المضروبة يصبح الدين معجلا فيجب مراعاة الشرط فإذا لم يدفع المدين بالشرط ولم يدفع القسط الأول مثلا عند حلول أجله يصبح الدين جميعه معجلا .
الوقف - لما كان شرط الواقف كنص الشارع رئي أنه كما يجب مراعاة نص الشارع واتباعه يجب أيضا مراعاة واتباع شرط الواقف الموافق للشرع - فهو من المسائل المتفرعة عن هذه القاعدة أما إذا كان شرط الواقف مخالفا للشرع الشريف فلا يتبع هذا وقد أشرنا فيما مر إلى أن الشرط المخالف للشرع الشريف ( أي الشرط الفاسد واللغو الباطل ) فإليك المثال : البيع - الشرط الذي يشترط في عقد البيع ولا يكون فيه نفع لأحد العاقدين لغو والبيع صحيح ( راجع المادة 189 ) .
مثال ذلك : لو باع البائع فرسه من شخص واشترط عليه ألا يبيعه من أحد فالبيع صحيح والشرط لغو فلا يجب مراعاته فللمشتري بيع الفرس لمن أراد وليس للبائع حينئذ أن يفسخ البيع الذي بينه وبين المشتري لإخلاله بالشرط المذكور ؛ لأنه غير مفيد لأحد العاقدين فلا يلزم المشتري القيام به .
رهن - إذا شرط في عقد الرهن عدم الضمان أي أنه إذا تلف في يد المرتهن لا يسقط شيء من الدين فالرهن صحيح والشرط باطل فلو تلف المرهون بيد المرتهن يسقط من الدين بقدر قيمته .
الأمانة - إذا لم يكن الشرط المورد في عقد الإيداع ممكن الإجراء ومفيدا على الوجه المذكور في المادة ( 784 ) فهو لغو .
كذلك إذا اشترط

(1/155)


المودع أو المعير ضمان الوديعة أو العارية فيما لو تلفت بيد المستودع أو المستعير بلا تعد ولا تقصير .
فيما أن هذا الشرط مخالف للمادة ( 777 و 813 ) لا يصح ولا يعتبر .
فلو تلفت الوديعة أو العارية بيد المستودع أو المستعير بلا تعد ولا تقصير لا يضمن .
الشركة - لما كانت حاصلات الملك والأموال المشتركة بمقتضى المادة ( 1071 ) تقسم بين الشركاء كل بقدر حصته فلو حصل شرط بين الشركاء بأن يأخذ أحد الشركاء حصة في الحاصلات زيادة عن حصته في الملك والأموال فالشرط غير صحيح كما إذا اشترط أحد الشريكين حصة في الربح فالشرط لغو ( راجع المادة 1402 ) ويقسم المال بين الشركاء كل بقدر حصته في الشيء المشترى .
كذلك إذا عقدت الشركة على أن يعطى شيء مقطوع لأحد الشركاء فالشركة باطلة .
يفهم مما مر معنا من التفصيلات أن بعض الشروط التي لا تعتبر شرعا لا تفسد العقد وتلغى هي فقط وبعضها يكون مفسدا للعقد وإليك فيما يلي بعض الإيضاحات .
يوجد عقود تصح مع الشرط الفاسد أي الذي ليس من مقتضيات العقد ويكون غير ملائم له ، ويكون الشرط لغوا وغير معتبر وهي : ( 1 ) الوكالة ( 2 ) القرض ( 3 ) الهبة ( 4 ) الصدقة ( 5 ) الرهن ( 6 ) الإيصاء ( 7 ) الإقالة ( 8 ) حجر المأذون .
مثال : إذا قال شخص لآخر : إنني وكلتك في الأمر الفلاني بشرط أن تبرئني من الدين والوكيل قبل بذلك فالوكالة صحيحة ولكن الشرط لغو .
كذلك إذا نصب السلطان قاضيا أو واليا على بلدة وشرط على نفسه عدم عزله فالنص صحيح

(1/156)


والشرط باطل فمتى أراد السلطان عزله عزله ؛ لأن القاضي والوالي وكلاء عن السلطان ، وللموكل في كل وقت عزل وكيله .
كذلك لو قال شخص لآخر : إنني أقرضك المبلغ الفلاني على شرط أن تشتغل عندي شهرا واحدا والشخص المذكور قبل الشرط فتسلم المال فالقرض صحيح والشرط باطل .
كذلك إذا قال شخص لآخر : إنني نصبتك وصيا بشرط أن تزوجني بنتك فالإيصاء صحيح والشرط باطل .
وقصارى القول أن الشروط التي لا تكون من مقتضيات العقد إذا وقعت في أحد العقود التي سبق ذكرها تكون العقود صحيحة والشروط بما أنها مخالفة للشرع الشريف تكون لغوا فلا تجب مراعاتها .
وعقود لا تصح مع الشروط الفاسدة وهي كما يلي : ( 1 ) البيع ( 2 ) القسمة ( 3 ) الإجارة ( 4 ) إجازات العقد ( 5 ) الصلح عن سكوت أو عن إنكار أو إقرار بمال عن مال ( 6 ) الإبراء عن الدين ( 7 ) المزارعة ( 8 ) المساقاة ( 9 ) الوقف .
مثال : لو قال شخص لآخر : إنني بعتك حصاني بشرط أن أركبه شهرا يكون البيع فاسدا بهذا الشرط ؛ لأنه إنما يعود نفعه على أحد المتعاقدين فهو فاسد .
كذلك لو قال شخص لآخر : إنني أجرتك داري بكذا قرشا على أن تقرضني كذا مبلغا أو تهديني هدية أو قال شخص لآخر إنني أبرأتك من ديني بشرط أن تشتغل عندي مدة كذا فلا تصح هذه العقود .
والحاصل أن هذه العقود التسعة إذا شرط فيها شرط فاسد فإنه يفسدها .

(1/157)


( المادة 84 ) ( المواعيد بصور التعاليق تكون لازمة ) ؛ لأنه يظهر فيها حينئذ معنى الالتزام والتعهد .
هذه المادة مأخوذة عن الأشباه من كتاب ( الحظر والإباحة ) حيث يقول ( ولا يلزم الوعد إلا إذا كان معلقا ) وقد وردت في البزازية أيضا بالشكل الآتي : " لما أن المواعيد باكتساء صور التعليق تكون لازمة " .
يفهم من هذه المادة أنه إذا علق وعد على حصول شيء أو على عدم حصوله فثبوت المعلق عليه أي الشرط كما جاء في المادة ( 82 ) يثبت المعلق أو الموعود .
مثال ذلك : لو قال رجل لآخر : بع هذا الشيء من فلان وإذا لم يعطك ثمنه فأنا أعطيك إياه فلم يعطه المشتري الثمن لزم على الرجل أداء الثمن المذكور بناء على وعده .
أما لو توفي المدين قبل أن يطالبه الدائن بالدين بطل الضمان أي أنه لا يلزم الكفيل ؛ لأن المعلق على شرط يكون معدوما ولا يثبت إلا بثبوت الشرط المعلق عليه وذلك كما جاء في المادة ( 82 ) ( وهذه المادة بمثابة فرع منها ) وما لم يطالب المدين بالدين ويمتنع أو يماطل فلا يتحقق امتناع المدين عن الأداء ولما لم يثبت هنا شرط الامتناع بموت المدين فلا يلزم الضمان المعلق على ذلك الشرط .
أما إذا كان الوعد وعدا مجردا أي غير مقترن بصورة من صور التعليق فلا يكون لازما .
مثال ذلك : لو باع شخص مالا من آخر بثمن المثل أو بغبن يسير وبعد أن تم البيع وعد المشتري البائع بإقالته من البيع إذا رد له الثمن فلو أراد البائع استرداد المبيع وطلب إلى المشتري أخذ الثمن

(1/158)


وإقالته من البيع فلا يكون المشتري مجبرا على إقالة البيع بناء على ذلك الوعد ؛ لأنه وعد مجرد .
كذلك : لو قال شخص لآخر ادفع ديني من مالك والرجل وعده بذلك ثم امتنع عن الأداء فلا يلزم بوعده هذا على أداء الدين .
( مستثنيات هذه القاعدة ) قلنا إن الوعد المجرد لا يلزم الواعد بشيء ولكن يستثنى من هذا الحكم مسألة واحدة وهي : لو باع شخص من آخر مالا بثمن دون ثمن المثل بكثير أي بغبن فاحش بيعا مطلقا والمشتري أشهد بمحضر من الناس أن البائع إذا رد له الثمن يفسخ له البيع فيجب القيام بذلك الوعد من المشتري نفسه إذا كان في قيد الحياة أو من ورثته بعد وفاته ويكون ذلك البيع بيع وفاء .
ومعنى ذلك على ما يظن أنه لما عقد البيع المذكور على غبن فاحش والمشتري وعد بإعادة المبيع للبائع عند رده الثمن فهو بالحقيقة بيع وفاء وبما أن بيع الوفاء حكمه حكم الرهن فيمكن لكل من البائع والمشتري فسخه .

(1/159)


( المادة 85 ) : الخراج بالضمان هذه المادة هي نفس الحديث الشريف { الخراج بالضمان } وهي المادة 87 ( الغرم بالغنم ) : والمادة 88 كلها بمعنى واحد وإن اختلفت الألفاظ فكان من الواجب الاكتفاء بواحدة منها .
الخراج : هو الذي يخرج من ملك الإنسان أي ما ينتج منه من النتاج وما يغل من الغلات كلبن الحيوان ونتائجه ، وبدل إجارة العقار ، وغلال الأرضين وما إليها من الأشياء .
ويقصد بالضمان المؤنة كالإنفاق على الحيوان ومصاريف العمارة للعقار ويفهم منها أنه من يضمن شيئا لو تلف ينتفع به في مقابلة الضمان مثلا لو رد المشتري حيوانا بخيار العيب وكان قد استعمله مدة لا تلزمه أجرته ؛ لأنه لو كان قد تلف في يده قبل الرد لكان من ماله .
يعني أن من يضمن شيئا إذا تلف يكون نفع ذلك الشيء له في مقابلة ضمانه حال التلف ومنه أخذ قولهم الغرم بالغنم .
وقد حكم عمر بن عبد العزيز في هذه المسألة بالأجرة للبائع ولكنه لما اطلع بعد ذلك على الحديث الشريف { الخراج بالضمان } نقض ذلك الحكم .
وقد أورد صاحب الأشباه على هذه القاعدة سؤالين وأجاب عليهما وذلك ما يأتي : السؤال الأول : لو كان الانتفاع في الشيء مقابل ضمانه لكان من اللازم أن تكون الزيادة الحاصلة في المبيع قبل القبض للبائع ؛ لأن البيع كما جاء في المادة ( 393 ) في ضمان البائع والحال أنه بمقتضى المادة ( 236 ) أن الثمرة أو الزيادة التي تحصل في المبيع بعد العقد وقبل القبض تعود للمشتري فما الوجه في ذلك يا ترى ؟

(1/160)


جواب هذا السؤال : فالوجه في ذلك هو أن الانتفاع بالمبيع قبل القبض يقابل الملكية .
وبعد القبض يكون مقابل الملك والضمان معا .
السؤال الثاني : لما كان المال المغصوب بمقتضى المادة ( 891 ) هو في ضمان الغاصب فكان من الواجب أن تكون زوائد المغصوب ملكا له ما دام الانتفاع في الشيء مقابل ضمانه والمادة ( 903 ) تقول زوائد المغصوب للمغصوب منه فما الوجه في ذلك ؟ .
جوابه - أن الضمان في هذه ضمان خاص أي يقصد به ضمان الملك .
وخلاصة ذلك هو أن نفع الشيء يعود للشخص الذي إذا تلف ذلك الشيء يتلف عليه أما الغاصب وإن كان المال في ضمانه فليس مالكا له .

(1/161)


( المادة 86 ) : الأجر والضمان لا يجتمعان هذه القاعدة مأخوذة من المجامع .
ويفهم منها أنه لا تجب الأجرة في الحال التي يجب فيها الضمان يعني أن الإنسان إذا استأجر دابة وهلكت بلا تعد لا يضمن سوى الأجرة .
وإذا غصب دابة فهلكت يضمن قيمتها ولا أجرة عليه .
والضمان كما عرف في المادة ( 416 ) هو إعطاء مثل الشيء إذا كان من المثليات وقيمته إذا كان من القيميات .
مثال : إذا استكري حيوان للركوب لا يجوز تحميله وذلك بمقتضى المادة ( 550 ) فإذا حمل وتلف يضمن المستأجر قيمة الحيوان ومن ثم لا يجوز تكليفه بتأدية الأجر المسمى .
كذلك إذا غصب شخص حيوانا واستعمله فبما أنه لو تلف بيده يكون ضامنا فإذا رده لصاحبه لا تلزمه أجرة على استعماله إياه ما لم يكن مال يتيم أو وقفا أو مالا معدا للاستغلال .
كذلك إذا استعمل المستأجر الحيوان المأجور مدة تزيد عن مدة الإجارة فبما أنه يكون حينئذ حكمه حكم الغاصب ويكون ذلك الحيوان في ضمانه فلا تلزمه أجرة عن المدة الزائدة .
ويشترط في عدم اجتماع الأجرة والضمان اتحاد السبب والمحل فيهما وإلا فالاثنان قد يلزمان في وقت معا ومثال ذلك : لو أجر شخص حيوانا من آخر ليركبه وحده إلى محل معين فركب الرجل وأردف خلفه شخصا آخر ولو صغيرا ( بحيث يستطيع الوقوف بنفسه ) فتلف الحيوان بعد الوصول إلى المحل المقصود ، ينظر فإذا كان الحيوان قادرا على حمل الاثنين يلزم الأجر المسمى مع ضمان نصف قيمة ذلك الحيوان .
فيلزم الأجر على

(1/162)


المستأجر ؛ لأنه قد استوفى المنفعة المرادة من استئجار ذلك الحيوان بوصوله للمكان المقصود ويلزم ضمان نصف قيمة الحيوان ؛ لأنه يكون قد تعدى بإردافه شخصا خلفه والحاصل أنه لما كان سبب لزوم الأجر وسبب الضمان مختلفين يلزمان في وقت معا ولا يقال بأن الضمان قد اجتمع والأجر فلكل سبب غير سبب الآخر .

(1/163)


( المادة 87 ) : الغرم بالغنم هذه المادة مأخوذة من المجامع وهي عكس المادة ( 85 ) أي أن من ينال نفع شيء يجب أن يتحمل ضرره مثلا أحد الشركاء في المال يلزمه من الخسارة بنسبة ما له من المال المشترك كما يأخذ من الربح .
وإليك فيما يلي بعض المسائل المتفرعة عن هذه القاعدة كل مسألة تحت عنوان من نوعها .
البيع - أجرة كتابة سند المبايعة وحجة البيع تلزم المشتري ؛ لأن منفعة السند تعود عليه لا على البائع ( راجع المادة 292 ) .
الشركة - إذا احتاج ملك مشترك للتعمير والترميم فعلى كل واحد من الشركاء أن يدفع من النفقات بنسبة حصته في الملك ( راجع المادة 1308 ) .
كذلك النهر المشترك إذا احتاج إلى تصليح فيشترك في التعمير كل من لحقه ضرر بالخراب وكلما انتهى التصليح لأرض أحدهم وتجاوزها خلص صاحب تلك الأرض من الاشتراك في نفقات التصليح حيث تكون مضرته قد انتهت وهلم جرا إلى آخر النهر .

(1/164)


( المادة 88 ) : ( النعمة بقدر النقمة والنقمة بقدر النعمة ) إن الفقرة الأولى من هذه المادة مرادفة للمادة السابقة ، والثانية مأخوذة عن كلمة ( لأن الغنم بالغرم ) الواردة في الكتب الفقهية وهي عبارة عن المادة ( 85 ) إلا الألفاظ .
مثال ذلك : لما كانت نفقة اللقيط ( وهو الولد المتروك في الشوارع مجهول الأب والأولياء ) تلزم بيت المال ويؤدى عنه من بيت المال فيما لو قتل شخصا دية القتيل .
فتركته تعود إلى بيت المال لو مات فبيت المال الذي يغرم نفقات اللقيط ويتحمل عنه الدين يغنم تركته .

(1/165)


( المادة 89 ) : يضاف الفعل إلى الفاعل لا الآمر ما لم يكن مجبرا .
هذه المادة فرع للمادة ( 95 ) ، وقد أخذت من كلمة " الآمر لا يضمن بالأمر " الواردة في المجامع ووكالة الأشباه .
مثال ذلك : لو قال إنسان لآخر : أتلف مال فلان ففعل كان الضمان على المأمور إذا فعل حيث لا يعد الآمر مجبرا شرعا كما يعلم من باب الإكراه ولأن الآمر إذا لم يكن مالكا فأمره بالتصرف في ملك الغير باطل ( راجع المادة 295 ) .
كذلك لو أمر شخص رجلا بذبح شاة قد باعها من آخر ولم يسلمها فذبحها الرجل وهو يعلم أنها مبيعة فللمشتري حق تضمينها للذابح وليس لهذا أن يرجع بذلك على الآمر والحاصل أنه لا يرجع بالضمان على الآمر ما لم يكن مكرها إكراها معتبرا .
( مستثنيات هذه القاعدة ) لهذه القاعدة مستثنى واحد : وهو أنه لو أمر رجل بالغ عاقل صبيا بإتلاف مال فأتلفه الصبي فالضمان في مال الصبي حسب المادة ( 960 ) إلا أن لوليه الرجوع على الآمر بما دفعه من مال الصبي بخلاف ما لو كان الآمر صبيا فليس للولي حق الرجوع عليه .

(1/166)


( المادة 90 ) : إذا اجتمع المباشر والمتسبب أضيف الحكم إلى المباشر هذه القاعدة مأخوذة من الأشباه .
ويفهم منها أنه إذا اجتمع المباشر أي عامل الشيء وفاعله بالذات مع المتسبب وهو الفاعل للسبب المفضي لوقوع ذلك الشيء ولم يكن السبب ما يؤدي إلى النتيجة السيئة إذا هو لم يتبع بفعل فاعل آخر ، يضاف الحكم الذي يترتب على الفعل إلى الفاعل المباشر دون المتسبب وبعبارة أخصر يقدم المباشر في الضمان عن المتسبب .
تعريف المباشر - هو الذي يحصل التلف من فعله دون أن يتخلل بينه وبين التلف فعل فاعل آخر .
مثال : لو حفر رجل بئرا في الطريق العام فألقى أحد حيوان شخص في ذلك البئر ضمن الذي ألقى الحيوان ولا شيء على حافر البئر ؛ لأن حفر البئر بحد ذاته لا يستوجب تلف الحيوان ولو لم ينضم إليه فعل المباشر وهو إلقاء الحيوان في البئر لما تلف الحيوان بحفر البئر فقط .
ورب قائل يقول بأنه لو لم يحصل فعل الحفر لما تأتى فعل الإلقاء .
فبما أن فعل الإلقاء هو الوصف الأخير فقد أضيف التلف إليه وقد ورد في الولوالجية ( كل حكم يثبت بعلة ذات وصفين يضاف الحكم إلى الوصف الذي وجد منهما أخيرا ) .
أما إذا كان ذلك الحيوان سقط بنفسه في البئر فإذا كان حافر البئر قد حفره بدون أمر من ولي الأمر فالضمان كما سيرد في المادة الآتية يترتب على حافر البئر .
كذلك لو دل شخص لصا على مال لآخر ليسرقه فسرقه اللص فليس على الدال ضمان وإنما الضمان على اللص .
كذلك لو فتح

(1/167)


أحد باب دار آخر وفك فرسه من قيوده فجاء لص وسرق الفرس فالضمان على السارق .
كذلك لو أمسك شخص بآخر وجاء ثالث فاغتصب ما مع الرجل من النقود فالضمان على المغتصب المباشر لاستلاب المال دون الآخر المتسبب بذلك .
أما إذا كان السبب ما يقضي مباشرة إلى التلف فيترتب الحكم على المتسبب .
مثال ذلك لو تماسك شخصان فأمسك أحدهما بلباس الآخر فسقط منه شيء كساعة مثلا فكسرت فيترتب الضمان على الشخص الذي أمسك بلباس الرجل رغما من كونه متسببا والرجل الذي سقطت منه الساعة مباشر ؛ لأن السبب هنا قد أفضى إلى التلف مباشرة دون أن يتوسط بينهما فعل فاعل آخر .
كذا لو شق شخص زقا مملوءا زيتا أو قطع حبلا معلقا به قنديل فتلف الزيت الذي فيه فيترتب الضمان عليه وإن لم يخرج عن كونه متسببا فقط ؛ لأن فعل الشق وفعل القطع سببان نشأ عنهما التلف مباشرة .
( مستثنيات هذه القاعدة ) لو دل مودع لصا على مكان الوديعة التي أودعت عنده فسرقها اللص فالضمان على المودع المتسبب لتقصيره بحفظ الوديعة وذلك بمقتضى المادة ( 787 ) واللص بما أنه مباشر ويترتب الضمان عليه حسب هذه المادة فيحق للمودع أن يرجع بالضمان عليه أيضا .
كذلك القضاء هو من مستثنيات هذه المادة وإيضاح ذلك هو أنه إذا رجع الشهود عن شهادتهم بعد أن حكم الحاكم بمقتضاها يترتب الضمان على الشهود المتسببين دون الحاكم المباشر مع أنه بمقتضى هذه المادة كان من الواجب أن يكون الضمان على الحاكم دون

(1/168)


الشهود وقد ذهب الإمام الشافعي إلى هذا الرأي تمسكا بهذه القاعدة ، ووجه استثناء هذه المسألة هو أنه لما كان الحاكم مجبرا على الحكم بعد أداء الشهود الشهادة وتحققه من عدالتهم ويأثم فيما لو امتنع عنه فهو بمنزلة المكره على الحكم ، والشهود هم المكرهون له على ذلك ، ولو وجب الضمان على الحاكم لامتنع الناس عن تقلد القضاء .
وفي ذلك ما فيه من اختلال الأمور .
فقد ترتب الضمان على الشهود وهم المتسببون دون الحاكم المباشر .

(1/169)


( المادة 91 ) : الجواز الشرعي ينافي الضمان هذه القاعدة مأخوذة من المجامع ، ويفهم منها أنه لو فعل شخص ما أجيز له فعله شرعا ونشأ عن فعله هذا ضرر ما فلا يكون ضامنا للخسارة الناشئة عن ذلك .
مثال : لو حفر إنسان في ملكه بئرا فوقع فيه حيوان رجل وهلك لا يضمن حافر البئر شيئا ؛ لأن تصرف المرء بملكه غير مقيد بشرط السلامة ، أما لو تلف الحيوان في بئر حفره شخص في الطريق العام بدون إذن ولي الأمر أو في ملك الغير أو في الملك المشترك فيلزم حينئذ ضمانه ؛ لأنه لا يحق لأحد أن يحفر بئرا في أرض بدون مسوغ شرعي .
ولكن المقدار الذي يلزم ضمانه فيما لو كانت الأرض مشتركة بين اثنين مناصفة مثلا وحفر أحدهما فيها بئرا فسقط فيه حيوان وتلف - نصف قيمة الحيوان .
ويتفرع عن هذه القاعدة بعض فروع الإجارة ، والأمانات ، والهبة ، والشركة وهي كما يلي : إجارة - لو حمل المستأجر الحيوان الذي استأجره المقدار الذي اشترط على صاحبه تحميله إياه ومثله أو ما دونه فتلف ذلك الحيوان فلا ضمان عليه " راجع الفقرة الثانية من المادة ( 605 ) " الأمانات - كذلك لا يضمن المستودع فيما إذا كان صاحب الوديعة غائبا كما ورد في المادة ( 799 ) وفرض الحاكم من الدراهم المودعة نفقة لمن يلزم صاحب الوديعة الإنفاق عليه ، والمستودع أدى تلك النفقة المفروضة من المال المودع فالمواد ( 796 ) و ( 822 ) و ( 824 ) هي من متفرعات هذه القاعدة .
الهبة - إذا أباح شخص لآخر شيئا من طعامه فليس له أن يطالبه

(1/170)


بقيمته بعد ذلك بإباحته له إياه .
الشركة بما أن الشريك كما جاء في المادة ( 1075 ) أن يسكن في الدار مدة بدون إذن الشريك فإذا سكنها أحد الشريكين بدون إذن الآخر واحترقت الدار أثناء سكناه فلا ضمان عليه .
الوكالة - بما أن للوكيل بمقتضى المادة ( 1500 ) أن يأخذ مقابل ثمن المال الذي باعه بالنسيئة رهنا أو كفيلا فإذا تلف الرهن أو أفلس الكفيل فلا يكون الوكيل ضامنا .
كذلك إذا وكل المتولي وكيلا عنه وترتب بذلك ضرر على الوقف فبما أن للمتولي شرعا أن يوكل فلا يضمن .
إن المادة ( 33 ) تقيد هذه المادة بعض التقييد ؛ لأنه مع وجود جواز شرعي للأكل من طعام الغير في حالة الوصول إلى درجة الهلاك كما مر معنا يكون الضمان لازما .
كذلك المادة ( 1086 ) من مستثنيات هذه القاعدة .

(1/171)


( المادة 92 ) : المباشر ضامن وإن لم يتعمد أي أنه سواء تعمد المباشر إتلاف مال الغير أو لم يتعمد يكون ضامنا .
والفرق بينه وبين المتسبب هو أنه يشترط لضمان المتسبب أن يكون متعديا والمباشر يضمن على حالين كما أسلفنا والسبب في ذلك أن المباشرة هي علة مستقلة وسبب للتلف قائم بذاته فلا يجوز إسقاط حكمها بداعي عدم التعمد .
وبما أن السبب ليس بالعلة المستقلة لزم أن يقترن العمل فيه بصفة الاعتداء ليكون موجبا للضمان .
فعليه لو أتلف أحد مال غيره الذي في يده أو في يد أمينه قصدا أو من غير قصد فيكون بمقتضى المادة ( 912 ) ضامنا .
كذا يضمن من يتلف مالا لآخر بسقوطه عليه وذلك بمقتضى المادة ( 913 ) مثال : - لو دخل شخص حانوت بقال فزلقت رجله فسقط على زق عسل فشقه يضمن .
كذلك لو تطايرت شرارة من دكان حداد وهو يطرق الحديد فحرقت لباس إنسان لزمه ضمانها .
كذا لو تطايرت قطعة حطب والحطاب يكسر الحطب فكسرت زجاج نافذة دار الجار يكون الحطاب ضامنا .
كذا لو استأجر شخص إنسانا لأن يهدم له حائطا فوقع من الحائط حجر فأصاب شخصا فتجب الدية على العامل .
كذلك لو أطلق شخص عيارا ناريا فأتلف مالا لآخر فيلزمه الضمان ؛ لأنه لما كان مباشرا لا يشترط التصدي للزوم الضمان .

(1/172)


( المادة 93 ) - ( المتسبب لا يضمن إلا بالتعمد ) قد أخذت هذه المادة عن قاعدة ( المباشر ضامن والمتسبب غير ضامن إلا إذا كان متعمدا ) الواردة في الأشباه ويشترط في ضمان المتسبب شيئان : ( 1 ) : أن يكون متعمدا .
( 2 ) : أن يكون معتديا .
فعليه لو ذعر حيوان شخص من آخر وفر فلا ضمان على الشخص الذي فر منه الحيوان ما لم يكن متعمدا كذلك لو أحرق شخص أعشابا جافة في أرضه فسرت النار إلى شيء لأحد ما فأحرقته فلا ضمان عليه إلا إذا كان متعديا بأن كان إحراق الأعشاب في يوم شديد الريح .
كذا لو حفر شخص بئرا في الطريق العام ولم يكن مأذونا بذلك من قبل ولي الأمر فسقط في البئر حيوان وتلف فيكون ضامنا بافتياته على ما ليس له فيه حق وتعديه بخلاف ما لو استأذن لحفره فلا ضمان عليه .
أما لو حفر إنسان بئرا في ملكه فليس عليه ضمان ؛ لأن للإنسان أن يتصرف في ملكه كيفما شاء فلا يعد تصرفه فيه مهما كان تعديا ( انظر 924 ) .
كذلك : لو أسقى من له حق الشراب أراضيه حسب العادة فطفت المياه على أراضي جيرانه فأحدثت ضررا فيها فليس من ضمان عليه .
أما لو كان الإسقاء على خلاف العادة فيكون ضامنا .
فائدة - إذا اجتمع مسببان كاجتماع حال القيد وفاتح الباب كما سيأتي فالضمان على فاتح الباب مثال : لو وضع شخص فرسه مقيدا في إصطبله فجاء شخصان فحل أحدهما قيد الفرس وفتح الآخر باب الإصطبل فالضمان على فاتح الباب .

(1/173)


( المادة 94 ) : ( جناية العجماء جبار ) هذه القاعدة مأخوذة من الحديث الشريف المروي عن أبي هريرة رضي الله عنه { العجماء جبار } وقد فسره بقوله ( إتلاف البهيمة هدر لا ضمان على صاحبها ) .
أي : إن الحيوان إذا أتلف شيئا أو تسبب بخسارة وضرر لأحد الناس فليس على صاحبه شيء من الضمان ما لم ينشأ ذلك عن تعد منه أو تقصير .
مثال ذلك : لو ربط شخصان فرسيهما في مكان معد لذلك فأتلف فرس أحدهما فرس الآخر فليس من ضمان على صاحب الحيوان المتلف ( راجع المادة 929 ) .
كذلك لا يترتب على صاحب الهرة ضمان فيما لو أتلفت طيرا لإنسان وإن نطحت جاموسة إنسان إنسانا فقتلته فلا ضمان على صاحبها وإذا رفس حيوان إنسان حيوانا لآخر وتلف فلا ضمان كذلك على صاحب الحيوان المتلف .
قلنا ( ما لم ينشأ ذلك عن تعد من صاحب الحيوان أو تقصير ) ؛ لأنه إذا أتلف الحيوان شيئا وكان ذلك بتعد من صاحبه أو تقصير يكون بما أتلف الحيوان ضامنا وإليك المثال .
لو أطلق شخص حيوانه في مزروعات آخر يكون ضامنا بما يتلف الحيوان .
ولو رأى إنسان حيوانه وهو في مزروعات آخر ولم يمنعه فيكون ضامنا بكل ما يحدثه الحيوان من الأضرار ؛ لأنه يكون متعديا في الحال الأولى ومقصرا في الحال الثانية ( راجع المادة 929 ) .
ولو ترك إنسان حيوانه مطلقا في الطريق العام وهو ما لا يطلق في الشوارع فأتلف مالا أو قتل إنسانا فتلزمه دية القتيل أو قيمة المال المتلف وقد ورد في المادة ( 929 ) أن صاحب الثور النطوح والكلب العقور

(1/174)


يكون ضامنا بما أتلفاه فيما إذا تقدم إليه أحد من أهل محلته أو قريته بقوله : حافظ على حيوانك ولم يحافظ عليه .

(1/175)


( المادة 95 ) : الأمر بالتصرف في ملك الغير باطل هذه المادة قد أخذت من المجامع الملك هو ما ملكه الإنسان سواء أكان عيانا أو منافع ( راجع المادة 125 ) ويفهم منها أنه إذا أمر شخص آخر بالتصرف في ملك الآخر فالأمر غير صحيح ولا معتبر ولا يترتب عليه حكم من الأحكام ؛ لأنه لما كان الأمر الباطل وغير الصحيح بمنزلة المشورة والنصيحة فلا يترتب بحق الأمر حكم .
لو أمر شخص آخر بأن يأخذ مال إنسان أو يلقيه في البحر أو يحرق لباس أحد الناس ، أو يذبح شاة لآخر فأخذ المال أو ألقاه أو مزق اللباس أو ذبح الشاة فالضمان على الفاعل دون الآمر ( راجع المادة 151 ) .
فعليه ليس لإنسان حق الادعاء على آخر بأنه أمر شخصا بإتلاف ماله فعليه ضمانه ما لم يكن مجبرا ( راجع المادة 1007 ) .
أما لو أمر إنسان آخر بإتلاف مال إنسان والمأمور لا يعلم إلا أنه مال الآمر وأن الأمر صحيح فيحق للمأمور بعد أن يضمن المال المتلف أن يرجع به على الآمر بتقريره إياه .
كذلك لو أمر إنسان مدينه بأن يلقي الدين المطلوب له منه في البحر فبما أن هذا الأمر لم يكن مضافا لمال يملكه الآمر فهو غير صحيح فإذا ألقى المأمور بالمقدار الذي يساوي الدين إلى البحر فيكون قد غرر بنفسه وأضاع المبلغ الملقى على نفسه .
كذلك لو أمر إنسان بناء بفتح باب في حائط وفعل الرجل ثم علم بأن الحائط ليست للآمر فالضمان على المأمور وليس له أن يرجع به على الآمر .
أما إذا قال الآمر : افتح لي بابا في حائطي أو كان

(1/176)


ساكنا في البيت الذي فيه الحائط وقال افتح بابا في هذه الحائط فللبناء أن يرجع بالضمان على الآمر .
كذا لو أمر رجل ولده بأن يتلف مال إنسان وأتلفه فالضمان يترتب بحق المتلف ولا يترتب بحق الأب الآمر وخلاصة القول أنه يشترط في بطلان الأمر : 1 - أن يكون في ملك الغير 2 - أن لا يكون ولاية للآمر فإذا أمر إنسان آخر بأن يتصرف فيما يملكه من مال أو غيره فأمره صحيح فلو ندم الآمر على أمره وطلب تضمين المأمور فلا ضمان عليه

(1/177)


( المادة 96 ) : لا يجوز لأحد أن يتصرف في ملك الغير بلا إذنه هذه المادة مأخوذة من المسألة الفقهية ( لا يجوز لأحد التصرف في مال غيره بلا إذنه ولا ولايته ) الواردة في الدر المختار .
فعليه إذا أراد شخص أن يبني بناء محاذيا لحائط بناء إنسان فليس له أن يستعمل حائط ذلك الشخص بدون إذنه حتى ولو أذنه صاحب الحائط فله بعدئذ حق الرجوع عن إذنه .
كذلك ليس لأحد أن يدخل دار الآخر أو مزرعته المسيجة بدون إذنه ؛ لأنه بدخوله الدار أو المزرعة يكون قد استعملها .
كذلك ليس لأحد الشركاء أن يركب الحيوان المشترك أو أن يحمله متاعا بدون إذن الشريك الآخر فإذا ركبه أو حمله وتلف يكون ضامنا حصة الشريك .
كذلك لو كانت حائط مشتركة بين اثنين واتفقا على نقضها وأراد أحدهما أن يزيد ارتفاعها عما كانت عليه قبلا فيحق للشريك أن يمنعه عن ذلك .
فعدم جواز فتح باب على طريق خاص من شخص ليس له حق المرور بتلك الطريق واشتراط كون البائع والمؤجر والواهب والمصالح مالكا لذلك المال أو وكيلا عن صاحبه أو وصيا عليه أو وليا لنفاذ البيع ، والإجارة والهبة والصلح عن المال من المسائل المتفرعة عن هذه القاعدة ( راجع المواد 1219 و 365 و 446 و 857 و 1546 و 1075 ) قد ذكر بهذه المادة قيد وهو ( عدم الإذن ) ؛ لأن التصرف في ملك الإنسان بإذنه جائز .
والإذن إما أن يكون صراحة وهو كما مر معنا في المادة ( 95 ) وإما أن يكون دلالة وهو كما سيأتي بيانه في المادتين ( 1078 و 1079 ) .
فالإذن

(1/178)


صراحة هو كالذي يحصل في توكيل إنسان آخر لأن يشتغل في إحدى الخصوصات التي يمكن للموكل القيام بها كتوكيل إنسان آخر لأن يبيع له مالا أو أن يؤجر له عقارا وما أشبه ذلك .
أما الإذن دلالة فهو كذبح الراعي شاة مشرفة على الهلاك فالراعي وإن لم يكن مأذونا صراحة فقد اعتبر استحسانا مأذونا .
أما لو كان ذابح الشاة غير الراعي فقد اختلف الفقهاء في ذلك فالبعض منهم يقول بعدم ضمان الذابح ؛ لأنه يعد كالراعي مأذونا والبعض قال بوجوب الضمان عليه .
قد مر معنا في شرح هذه المادة بأن ( للولي والوصي حق التصرف بلا إذن الشخص الذي هو تحت ولايته أو وصايته ) ؛ لأن تصرف الولي والوصي كما ورد في المادتين ( 365 و 637 ) .
نافذ فإذا شبت النار في دار مثلا فلإمام المسلمين أن يأمر بهدم الدور التي في جانبها منعا لسريان النار ؛ لأنه لما كان للإمام ولاية عامة فأمره صحيح ومشروع .
أما إذا وجد ضرورة فيجوز لكل إنسان التصرف في ملك الغير بدون إذنه كما لو سقط رداء شخص على دار جاره وخاف من الجار أن يخفيه فلصاحب الرداء دخول الدار بدون إذن صاحبها وإن عد ذلك منه تصرفا فيما ليس له فيه حق فقد جوز للضرورة ( راجع المادة 27 ) .
وإليك فيما يلي بعض الأمثلة على الإذن بالدلالة : إذا مرض الولد أو الوالد فللوالد أو الولد أن يصرف بدون إذن المريض من ماله لمداواته وإطعامه ؛ لأن الإذن بمداواة المريض وإطعامه ثابت عادة فاحتياج المريض للمداواة والإطعام بمنزلة الإذن الصريح .

(1/179)


كذلك : إذا خرج جماعة إلى سفر فمات أحدهم في الطريق فلرفقائه بيع أمتعته لتجهيزه منها وتسليم ما بقي إلى ورثته .
كذا : لو أغمي على شخص وهو مسافر فلرفقائه أن ينفقوا عليه من ماله ؛ لأن الرفيق في السفر بمنزلة الأهل والعيال .

(1/180)


( المادة 97 ) : لا يجوز لأحد أن يأخذ مال أحد بلا سبب شرعي هذه القاعدة مأخوذة من المجامع وقد ورد في الحديث الشريف { لا يحل لأحد أن يأخذ متاع أخيه لاعبا ولا جادا فإن أخذه فليرده } فإذا أخذ أحد مال الآخر بدون قصد السرقة هازلا معه أو مختبرا مبلغ غضبه فيكون قد ارتكب الفعل المحرم شرعا ؛ لأن اللعب في السرقة جد فعلى ذلك يجب أن ترد اللقطة التي تؤخذ بقصد امتلاكها أو المال الذي يؤخذ رشوة أو سرقة أو غصبا لصاحبها عينا إذا كانت موجودة وبدلا فيما إذا استهلكت ( راجع المادتين 899 و 891 ) .
كذا لو ادعى إنسان على آخر بحق وبعد أن تصالحا ظهر بأن ليس للمدعي حق بما ادعى فيحق للمدعى عليه استرداد بدل الصلح منه .
كما لو صالح البائع المشتري على عيب ادعاه في المبيع بعد أن أنكره هو فتبين له بعد ذلك أن المبيع خال من العيب أو كان فيه فزال بنفسه فللبائع حق استرداد بدل الصلح من المشتري .
وهكذا إذا دفع إنسان شيئا إلى آخر غير واجب عليه أداؤه فله استرداده ما لم يكن أعطاه إياه على سبيل الهبة ووجد ما يمنع من ردها .
فإذا دفع إنسان رشوة لقاض فندم على إعطائه إياها فله حق استردادها قد قيدت هذه المادة بقوله ( بلا سبب شرعي ) لأنه بالأسباب الشرعية كالبيع ، والإجارة ، والهبة ، والكفالة ، والحوالة يحق أخذ مال الغير ، فلو باع إنسان مالا بخمسين قرشا فللمشتري بمقتضى المادة 369 أخذ ذلك المال كما للبائع أيضا أخذ الخمسين قرشا .

(1/181)


( المادة 98 ) : تبدل سبب الملك قائم مقام تبدل الذات .
هذه القاعدة مأخوذة من قاعدتي ( اختلاف الأسباب بمنزلة اختلاف الأعيان ) و ( تبدل سبب الملك قائم مقام تبدل الذات ) الواردتين في المجامع .
ويفهم منها أنه إذا تبدل سبب تملك شيء ما وإن لم يتبدل هو حقيقة يعد متبدلا .
فعليه إذا وهب شخص فرسا لآخر وسلمه إياه فوهبه الرجل لآخر وتسلمه منه فعاد الموهوب له الأخير وتصدق بالفرس على الموهوب له الأول أو باعه منه فليس للواهب الأول أن يسترد الفرس لاختلاف سبب الملك " راجع المادة ( 869 ) " .
وهذه حيلة شرعية يتخذها الموهوب لهم عادة لمنع الواهبين من استرداد هباتهم .
كذلك يجوز زيادة الثمن المسمى بعد عقد البيع من المشتري في حياته ومن الورثة بعد وفاته كما سيجيء في شرح المادة ( 255 ) ؛ لأنه يشترط لصحة ذلك وجود الشيء المبيع .
فإذا اشترى أحد بغلا من آخر مثلا ثم باعه من غيره ثم اشتراه من ذلك الشخص فأرجعه إلى ملكه ثانية فبما أن رجوع البغل إلى ملكه بسبب غير السبب الأول وتبدل السبب تبدل للذات فليس للمشتري أن يزيد في الثمن المسمى ولو زاد فزيادته غير صحيحة .

(1/182)


( المادة 99 ) : من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه .
هذه القاعدة مأخوذة من قواعد ( من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه ) و ( من استعجل ما أخره الشرع يجازى برده ) و ( من استعجل شيئا قبل أوانه ولم تكن المصلحة في ثبوته عوقب بحرمانه ) الواردة في الأشباه ، والكفاية ، وزواهر الجواهر .
فعليه إذا قتل شخص مورثه قتلا يوجب القصاص أو الكفارة يحرم من الميراث ؛ لأنه بقتله مورثه تعجل الوقت الذي يرثه به فيعاقب بالحرمان فلا يكون وارثا للمورث .
كذلك لو أوصى شخص لآخر بمال فقتل الموصى له الموصي على الوجه الذي ذكرناه فيحرم من المال الموصى به .
قد قيدنا القتل الذي يوجب الحرمان من الإرث بالذي يوجب القصاص أو الكفارة ؛ لأن القتل الذي لا يوجب ذلك غير مانع من الميراث فالقتل الذي يوقعه الصبي أو المجنون والقتل بسبب وقتل الزوجة أو إحدى المحارم من ذوات الرحم بسبب الزنا فلا توجب الحرمان من الإرث .
هذا وقد جاء في علم الكلام ( المقتول ميت بأجله أي الوقت المقدر لموته ) فكان من الواجب نظرا إلى هذه القضية المشهورة ألا يعد قتل المورث أو الموصي فرعا لهذه القاعدة .
ولكن بما أن إجراء العقاب والقصاص وأمثاله في حق القاتل إنما لارتكابه الأمر المنهي عنه وإقدامه على الفعل الذي ينشأ عنه الموت عادة فذلك أمر تعبدي لا تعلق له بالأمور الدنيوية والشئون الاجتماعية .
( مستثنيات هذه القاعدة ) يوجد لهذه القاعدة بعض المستثنيات : منها لو قتل

(1/183)


الدائن مدينه الذي تأجل ما عليه من الدين إلى سنة قبل حلول الأجل فيحل الأجل بموت المدين كما هو معلوم للقاتل حالا استيفاء دينه من تركة المقتول .

(1/184)


( المادة 100 ) : من سعى في نقض ما تم من جهته فسعيه مردود عليه .
هذه القاعدة مأخوذة من الأشباه .
ويفهم منها أنه إذا عمل شخص على نقض ما أجراه وتم من جهته فلا اعتبار لعمله .
مثال : لو باع إنسان ماله من آخر فادعى أحدهما بأنه قد جرى فضولا وهو غير لازم فالقول قول مدعي الصحة والنفاذ حتى ولو جاء رجل وادعى بأنه باع المال بدون إذنه وأقام على ذلك بينة .
كذلك لو باع رجل مالا من آخر وجاء رجل فكفله على الوجه المطلوب في المادة ( 616 ) فلا يقبل ادعاؤه بعد ذلك بملكية ذلك المال ؛ لأن الكفالة لما كانت مشروطة في عقد البيع والبيع لا يتم إلا بها فادعاء الكفيل بملكيته للمال نقض لما تم من جهته فهو غير مقبول منه .
كذلك لو رهن شخص مالا لآخر وسلمه إليه ثم بعد ذلك أقر بأن المال المرهون هو لفلان فإقراره هذا وإن كان غير مصدق بحق المرتهن فهو ملزم به بعد أدائه الدين واسترداده الرهون .
كذلك إذا طلب شخص وديعة من المستودع مدعيا أنه وكيل المستودع بالقبض فإذا سلمه المستودع الوديعة فليس له بعد ذلك استردادها منه بداعي أنه لم يثبت وكالته ؛ لأن ذلك يستلزم نقض ما تم من جهته .
كذلك لو باع الصبي المميز المحتمل البلوغ أو اشترى واعترف بالبلوغ ثم ادعى عدم البلوغ فلا يلتفت لادعائه وينفذ بيعه وشراؤه .
( مستثنيات هذه القاعدة ) لو باع والد الصغير أو متولي الوقف أو وصي التركة مال الصغير أو مال الوقف أو مال التركة من آخر وادعى أن

(1/185)


البيع وقع بغبن فاحش يقبل ادعاؤه وينقض البيع المذكور عند ثبوت ذلك إلا أنه لو أقر والد الصغير مثلا بأن البيع قد وقع بثمن المثل فلا يحق له بعد ذلك أن يدعي بالغبن الفاحش ؛ لأن ذلك تناقض مانع من سماع الدعوى ( راجع المادة 97 ) .
كذلك لو ادعى أحد المبايعين بعد وقوع البيع بوجود فساد ما في البيع وهو غير عالم به حين البيع فكما أن ادعاءه يكون مقبولا فلو ادعى شخص اشترى شيئا وقبضه بأن البائع كان قد باع الشيء المذكور من شخص غيره غائب قبل أن يبيعه منه فيقبل منه الادعاء والإثبات أيضا .
كذلك يقبل ادعاء المشتري بعقار بأن البائع قبل بيعه منه كان اتخذه مسجدا أو مقبرة أو أن البائع وقفه على مسجد من المساجد وينقض البيع بعد إقامة البينة .

(1/186)


الكتاب الأول : البيوع ينقسم إلى مقدمة وسبعة أبواب ( كتاب ) لغة بمعنى الكتابة واصطلاحا هو جمع المسائل المستقلة ( بحر ) تقديم البيع على غيره من المعاملات كالإجارة ، والكفالة ، والحوالة وغيرها إنما هو لكثرة استعماله ، بيوع جمع - بيع ، وهو من الأضداد .
فإذا قيل ( قد باع فلان الشيء الفلاني ) فكما يفهم أنه أخرج ذلك المال من ملكه يفهم أيضا أنه أدخله إلى ملكه .
إلا أنه لما كان استعمال هذه الكلمة في المعنى الأول هو الغالب أصبحت لا تحمل إلا عليه .
ترد كلمة ( البيع ) بمعنى ( مبيع ) حملا على اسم المفعول ولكن بما أن للمبيع أنواعا مختلفة ( منقول ، وعقار ، وحيوان ، ومكيل ، وموزون ) وغيره فقد جاءت هنا بصيغة الجمع .
وترد على أصلها بمعنى المصدر وتجمع حينئذ بالنسبة لأنواع البيع .
فالبيع باعتبار نفسه نافذ وموقوف وفاسد وباطل أما باعتبار المبيع ( فمقايضة ، سلم ، صرف ومطلق ) وباعتبار الثمن ( مرابحة ، تولية ، وضيعة ، ومساومة ) .
وسنأتي إن شاء الله على بيان ذلك كله بالتفصيل .
مشروعية البيع - إن مشروعية البيع ثابتة بالكتاب ، والسنة ، والإجماع .
فقد ورد في القرآن الكريم { أحل الله البيع } والنبي صلى الله عليه وسلم قد باشر البيع بنفسه وشاهد الناس يتعاطون البيع والشراء فأقرهم ولم ينهاهم عنه وقد أجمع الأئمة على مشروعية البيع وأنه أحد أسباب التملك .
وقيل : إن أفضل الكسب التجارة .

(1/187)


مقدمة في بيان الاصطلاحات الفقهية المتعلقة بالبيوع الاصطلاح : لغة الاتفاق ، واصطلاحا : هو إخراج طائفة من الناس معينة لفظا من الألفاظ عن معناه اللغوي ووضعه لمعنى آخر وتخصيصه به .
وذلك كوضع الفقهاء كلمة ( الإيجاب ) للمعنى الوارد في المادة ( 101 ) وكلمة البيع للمعنى الوارد في المادة ( 105 ) وكلمة الإجارة للمعنى الوارد في المادة ( 405 ) .
فكلمة الإيجاب مثلا معناها اللغوي : الإثبات فاصطلح الفقهاء على استعمالها ( لأول كلام يصدر من أحد العاقدين ) كما سيجيء في المادة التالية : ( المادة 101 ) الإيجاب أول كلام يصدر من أحد العاقدين لأجل إنشاء التصرف وبه يوجب ويثبت التصرف .
ولا فرق بين أن يقع الكلام من البائع أو يقع من المشتري فإذا قال البائع : قد بعتك هذا المتاع والمشتري قال : اشتريته ، أو قال المشتري : اشتريت منك هذا المتاع بكذا ، فقال البائع : وأنا قد بعتك إياه ، فكما أن كلام البائع في الصورة الأولى إيجاب وفي الثانية قبول فكلام المشتري في الصورة الثانية إيجاب وفي الأولى قبول أيضا .
ويفهم من عبارة ( لإنشاء التصرف ) الواردة في التعريف أن الإيجاب لا يحصل بصيغة الإخبار راجع المادة ( 168 ) .
الإيجاب : لغة الإثبات الذي هو نقيض السلب ولقد سمي الإيجاب إيجابا لكون الموجب بإيجابه يثبت للآخر حق القبول .
يستفاد مما مر معنا في التفصيلات الآنفة أن الوجوب المذكور هنا ليس بالوجوب الشرعي الذي يأثم تاركه .
هذا وينطبق تعريف الإيجاب الوارد في هذه المادة على

(1/188)


الإيجاب في عقد الإجارة والهبة وغيرها إذا هو جرد من بعض القيود التي اقتضاها المقام في شرح هذه المادة .
قد يعترض البعض على تعريف الإيجاب الوارد هنا قائلا : 1 - يستدل من كلمة ( ثاني كلام ) الواردة في المادة الآتية مادة ( 102 ) بأن المقصود في كلمة ( أول كلام ) الواردة في المادة هذه هو وجوب تقديم الإيجاب على القبول ولما كان البيع كما سيجيء في المادة ( 167 ) ينعقد إذا صدر الإيجاب والقبول معا في آن واحد فالتعريف هذا غير جامع لأفراده .
2 - وذكر في التعريف أنه ( كلام ) ( أي الإيجاب ) والحال أنه كذلك ينعقد البيع بالتعاطي أيضا كما جاء في المادة ( 115 ) وفي التعاطي لا يستعمل كلام فعلى ذلك لا يكون تعريف الإيجاب الوارد في هذه المادة وتعريف القبول الذي سيأتي في المادة التالية جامعين لأفرادهما أيضا .
3 - بما أن كلمة ( بعت ، واشتريت ) من الألفاظ الموضوعة للإخبار وليست من ألفاظ الإنشاء فكيف ينشأ بهما عقد البيع .
فجواب ذلك كما يأتي : جواب الأول : لقد اختلف الفقهاء في صحة البيع وعدمه إذا صدر الإيجاب والقبول معا ولم يتقدم أحدهما الآخر فالبعض منهم يقول بانعقاده والبعض الآخر يقول بعدم الانعقاد ( مجمع الأنهر ، الدر المنتقى ، البحر ) والمجلة وإن لم تذكر ما يفيد ترجيحها أحد القولين فكلمة ( أول ) في المادة ( 101 ) وكلمة ثاني في المادة ( 102 ) يستدل منهما بأنها اختارت القول الثاني أي عدم الصحة فليس بذلك من مأخذ يؤخذ عليها .
جواب الثاني : أجل إن الإيجاب لا

(1/189)


يكون إلا في البيع الذي يحصل بالقول أما في البيع الذي ينعقد بالفعل فليس ثمة إيجاب فيه وإنما يكون بعد معرفة الثمن تعاط ليس إلا .
جواب الثالث : أما كلمتا ( بعت ، واشتريت ) وإن كانتا بحسب الوضع الأصلي للإخبار فقد استعملها الشرع بمعنى الإنشاء فأصبحت من ألفاظ الإنشاء بحسب الاصطلاح الشرعي ، فإذا قال شخص لآخر : قد بعتك مالي ، وقال الآخر : قد اشتريت فلا يكون معنى ذلك إخبارا ببيع وقع قبلا بل إنشاء لعقد بيع في ذلك المال مجددا ؛ لأن صيغ العقود لا تدل على زمن .
هذا وإن كلمتي بعت واشتريت كثير ما يراد بهما الإخبار فمتى أريد بهما هذا المعنى فلا ينعقد بهما بيع فلو سأل شخص آخر قائلا : ما فعلت بفرسك فأجابه بعته من زيد ، فقال له السائل : قد اشتريته منك فلا ينعقد البيع ؛ لأنه إنما أريد بكلمة " بعت " هنا الإخبار ليس إلا ، كما يتبين ذلك من سياق الكلام .

(1/190)


( المادة 102 ) القبول ثاني كلام يصدر من أحد العاقدين لأجل إنشاء التصرف وبه يتم العقد .
أي أن كل كلام جاء بعد الإيجاب لإنشاء التصرف وبقصد إتمام العقد سمي قبولا وسواء في ذلك أكان المشتري هو المتكلم أم كان البائع فلو قال البائع للمشتري : بعتك مالي هذا بكذا قرشا فقال المشتري : اشتريته ، أو قال المشتري : بعت مالك الفلاني بكذا - ، فقال البائع : بعته لك ، فكما أن كلام المشتري في الصورة الأولى قبول فكلام البائع في الصورة الثانية قبول أيضا .

(1/191)


( المادة 103 ) العقد التزام المتعاقدين وتعهدهما أمرا وهو عبارة عن ارتباط الإيجاب بالقبول .
يقال عقد البيع كما يقال عقد الحبل .
والمراد بالعقد هنا الانعقاد فعقد البيع مثلا المراد في هذه المادة يقصد به التزام وتعهد كل من البائع والمشتري بالمبادلة المالية .

(1/192)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية