صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : درر الحكام في شرح مجلة الأحكام
مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
[ الكتاب مشكول ومرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

النص غير مستند إلى عرف وعادة يعمل بالنص ولا عبرة بالعادة ، ومع ذلك يجب أن لا يفهم أن حضرة الإمام أبي يوسف يذهب في رأيه إلى ترك النص والعمل بالعرف والعادة ، فالنص أقوى من العرف والعادة من غير شبهة حتى النص الذي يصدر من الناس ، وإنما رأيه بمثابة تأويل للنص .
مثال ذلك إن وضع الطعام أمام الضيف بحكم العرف والعادة ، إذن له بأن يتناول من ذلك الطعام إلا أن صاحب البيت إذا منع الضيف من تناول الطعام فقد صدر منه نص بخلاف العرف والعادة ، فعلى الضيف أن يعمل بحكم النص ويمتنع عن الطعام ، ولا يعمل بالعرف والعادة ، فإذا أكل يكون مخالفا للنص فيضمن والعرف والعادة يكونان على وجهين : الأول يقسم إلى ثلاثة أقسام : 1 - العرف العام .
تعريف العرف العام : هو عرف هيئة غير مخصوص بطبقة من طبقاتها ، وواضعه غير متعين ، والعرف العام عندنا هو العرف الجاري منذ عهد الصحابة حتى زماننا والذي قبله المجتهدون وعملوا به ، ولو كان مخالفا للقياس .
مثال ذلك : إذا حلف شخص قائلا " والله لا أضع قدمي في دار فلان " يحنث سواء دخل تلك الدار ماشيا أو راكبا ، أما لو وضع قدمه في الدار دون أن يدخلها لا يحنث ؛ لأن وضع القدم في العرف العام بمعنى الدخول .
2 - العرف الخاص تعريفه : هو اصطلاح طائفة مخصوصة على شيء كاستعمال علماء النحو " لفظة الرفع " وعلماء الأدب كلمة " النقد " .
3 العرف الشرعي هو عبارة عن الاصطلاحات الشرعية " كالصلاة والزكاة والحج ، فباستعمالها في

(1/66)


المعنى الشرعي أهمل معناها اللغوي .
هذا ، وفي الحكم بالعرف العام والعرف الخاص فرق وإليك التفصيل : يثبت بالعرف العام حكم عام .
مثال ذلك : لو حلف شخص فقال " لا أضع قدمي في دار فلان ، فبما أن معنى ذلك في اللغة ( لا أضع رجلي ) وفي العرف العام ( لا أدخل ) يثبت ذلك في حق العموم .
أما العرف الخاص فإنه يثبت به حكم خاص فقط مثال ذلك : لو تعورف في بلدة وقف المنقول غير المتعارف وقفه في غيرها يحكم بصحة وقف ذلك المنقول فيها فقط .
وكذا إذا كان إعطاء أجزاء النقود بدلا عن أصل النقود جائزا عرفا في بلدة يحكم بصحة إعطاء الأجزاء في تلك البلدة فقط ، ولا يجوز في غيرها .
والوجه الثاني يقسم أيضا إلى قسمين : ( 1 ) العرف العملي .
( 2 ) والعرف القولي .
العرف العملي : كتعود أهل ، بلدة مثلا أكل لحم الضأن أو خبز القمح ، فلو وكل شخص من تلك البلدة آخر بأن يشتري له خبزا أو لحما فليس للوكيل أن يشتري للموكل لحم جمل أو خبز ذرة أو شعير استنادا على هذا الإطلاق ، وهذا العرف عند الحنفية يسمى عرفا عاما مخصصا أي عرف مقيد .
العرف القولي : وهو اصطلاح جماعة على لفظ يستعملونه في معنى مخصوص حتى يتبادر معناه إلى ذهن أحدهم بمجرد سماعه ، وهذا العرف أيضا يسمى عند الحنفية والشافعية عرفا مخصصا .
مثال ذلك : لو قال شخص في الحال الحاضر لآخر اشتر لي فرس فلان بعشرة جنيهات ، ولم يعين النوع فللوكيل أن يشتري الفرس بعشرة جنيهات مصرية ، وهي العملة المتعامل

(1/67)


بها في فلسطين ، وكذا لو قال هذا القول قبل النفير العام ، فيحمل على الليرات الإفرنسية التي كانت مستعملة حينئذ ، ولا يحق للوكيل أن يشتري ذلك الفرس بجنيهات إنكليزية مثلا .
إن المادة ( 230 ) تذكر أن الأشياء التي تدخل في البيع عادة تدخل في البيع بدون ذكر لها .
مثال ذلك : يدخل ضمن بيع الفرس رسنه ، ولو لم يذكر للمشتري أخذه ، وكذا يجوز إعطاء أجزاء المسكوكات بدل أصلها في بلدة إذا كان ذلك متعارفا فيها راجع مادة ( 244 ) .
وكذلك إذا كان العرف في بلدة في البيع المطلق يدفع مقسطا ، يعتبر ثمن المبيع مقسطا حسب العرف انظر المادة ( 576 ) ، وكذا إذا وضع رجل ولده عند صاحب صنعة بقصد تعلمها ولم يشترط أحدهما على الآخر أجرة وبعد أن تعلم الولد الصنعة طالب كل منهما الآخر بالأجرة يعمل بعرف البلدة ، فإذا كانت الأجرة عادة على المعلم يجبر عليها وإن كانت على الصبي المتعلم يجبر على دفعها للمعلم ، وإن كانت العادة لا تقضي على كل منهما يحكم بمقتضاها انظر المادة ( 569 ) ، كذلك يجب على المكاري وضع الحمل داخل الدار أو المخزن إن كان ذلك متعارفا انظر مادة ( 575 ) ، كذلك استئجار المرضع جائز عملا بالعرف والعادة مع أنها في الأصل إجارة فاسدة لجهل المنفعة

(1/68)


( المادة 37 ) : استعمال الناس حجة يجب العمل بها .
يعني أن وضع اليد على شيء والتصرف فيه دليل على الملك ظاهرا ، واستعمال الناس إن كان عاما يعد حجة في حق العموم ، وإن كان خاصا ببلدة مثلا لا يكون حجة خلافا لمشايخ بلخ فإنهم يرونه حجة في تلك البلدة ويكون حينئذ من العرف الخاص الذي بيناه فيثبت به حكم خاص ، واعتبار الإجماع العمومي الشرعي حجة يعمل بها إنما هو لاستحالة تواطؤ ذلك الجمع على الكذب والضلال ، والحاصل أن استعمال الناس غير المخالف للشرع ولنص الفقهاء يعد حجة كالبيع بالوفاء وبيع السلم مثلا ، فقد اتفق الفقهاء وأجمع الناس على جوازه لما مست الحاجة إليه مع أنه في الأصل غير جائز .
مثال ذلك : إذا استعان شخص على شراء مال وبعد وقوع البيع والشراء طلب المستعان به من المستعين أجرة فينظر إلى تعامل أهل السوق فإذا كان معتادا في مثل هذه الحال أخذ أجرة فللمستعان به أخذ الأجرة المثلية من المستعين وإلا ، فلا .
وكذلك لو أهدي شخص شيئا كالتفاح مثلا في صحن يجب رد الصحن ؛ لأنه يرد عادة ، ولو أهدي بلحا أو عنبا في سل لا يرد السل لصاحبه لجريان العادة بعدم رد السل .
وكذلك لو استأجر شخص عاملا ليعمل له في بستانه يوميا ، فتعيين وقت العمل من اليوم عائد إلى العرف والعادة في تلك البلدة ، وكذلك لو تعورف في بلدة وقف المنقول كوقف الكتب الشرعية والعلمية والمصاحف الشريفة حكم بجوازه ، ويكون الوقف صحيحا مع أن وقف المنقول في

(1/69)


الأصل غير صحيح .
إن العرف والعادة يكون حجة إذا لم يكن مخالفا لنص أو شرط لأحد المتعاقدين ، كما لو استأجر شخص آخر لأن يعمل له من الظهر إلى العصر فقط بأجرة معينة ، فليس للمستأجر أن يلزم الأجير العمل من الصباح إلى المساء بداعي أن عرف البلدة كذلك ، بل يتبع المدة المعينة بينهما .
قد ذكرنا أن اجتهاد الإمام أبي يوسف في النص أنه إذا كان مبنيا على العرف والعادة كالحديث الوارد في الذهب والفضة أنهما من الموزونات ، والملح والشعير والبر من المكيلات ، يترك ويصار إلى العرف والعادة إذا تبدلت بتبدل الأزمان ، فالذهب والفضة في زماننا يقربان أن يكونا عدديين ، والتمر والملح أصبحا وزنيين ، والقمح والشعير كادا أن يصيرا وزنيين .
وأما إذا كان النص غير مستند على العرف والعادة فيعتبر النص ولا يصار إلى العرف والعادة خلافا للإمام أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله فإنهما يعتبران النص كيفما كان ولا يتركانه بداعي تغير الأحوال بتغير الأزمان ، والمختار للمجلة قول أبي يوسف .

(1/70)


( المادة 38 ) : الممتنع عادة كالممتنع حقيقة .
يعني أن ما استحال عادة لا تسمع فيه الدعوى كالمستحيل عقلا ، كما لو ادعى شخص بأن الجنين الذي في بطن هذه المرأة قد باعني المال الفلاني ، أو أقر بأنه استقرض منه كذا مبلغا ، فلأنه قد أسند ادعاءه وإقراره لسبب مستحيل عادة ، فإقراره وادعاؤه غير صحيحين .
وكذلك إذا ادعى من عرف بالفقر على من عرف بالغنى بأنه استدان منه مبلغا لا تجوز العادة وقوع مثله لا تسمع فيه الدعوى ، وكما لو ادعى أن زيدا ابنه ولا يولد مثله لمثله ، وكذا لو أقر إنسان قائلا لفلان عندي ثوب في عشرة أثواب يكون إقراره بثوب واحد لا بعشرة أثواب ؛ لأن العشرة أثواب لا يجوز أن تكون ظرفا فالثوب واحد ، فإن ذلك ممتنع عادة ، وبما أن الممتنع عادة كالممتنع حقيقة فتكون كلمة ( في عشرة ) لغوا ولا يعمل بها .

(1/71)


( المادة 39 ) : لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان .
إن الأحكام التي تتغير بتغير الأزمان هي الأحكام المستندة على العرف والعادة ؛ لأنه بتغير الأزمان تتغير احتياجات الناس ، وبناء على هذا التغير يتبدل أيضا العرف والعادة وبتغير العرف والعادة تتغير الأحكام حسبما أوضحنا آنفا ، بخلاف الأحكام المستندة على الأدلة الشرعية التي لم تبن على العرف والعادة فإنها لا تتغير .
مثال ذلك : جزاء القاتل العمد القتل .
فهذا الحكم الشرعي الذي لم يستند على العرف والعادة لا يتغير بتغير الأزمان ، أما الذي يتغير بتغير الأزمان من الأحكام ، فإنما هي المبنية على العرف والعادة ، كما قلنا ، وإليك الأمثلة : كان عند الفقهاء المتقدمين أنه إذا اشترى أحد دارا اكتفى برؤية بعض بيوتها ، وعند المتأخرين لا بد من رؤية كل بيت منها على حدته ، وهذا الاختلاف ليس مستندا إلى دليل ، بل هو ناشئ عن اختلاف العرف والعادة - في أمر الإنشاء والبناء ، وذلك أن العادة قديما في إنشاء الدور وبنائها أن تكون جميع بيوتها متساوية وعلى طراز واحد ، فكانت على هذا رؤية بعض البيوت تغني عن رؤية سائرها ، وأما في هذا العصر فإذ جرت العادة بأن الدار الواحدة تكون بيوتها مختلفة في الشكل والحجم لزم عند البيع رؤية كل منها على الانفراد .
وفي الحقيقة اللازم في هذه المسألة وأمثالها حصول علم كاف بالمبيع عند المشتري ، ومن ثم لم يكن الاختلاف الواقع - في مثل هذه المسألة المذكورة

(1/72)


تغييرا للقاعدة الشرعية ، وإنما تغير الحكم فيها بتغير أحوال الزمان فقط ، وكذا تزكية الشهود سرا وعلنا ، ولزوم الضمان غاصب مال اليتيم ومال الوقف مبنيان على هذه القاعدة ، وقد رأى الإمام الأعظم عدم لزوم تزكية الشهود في دعوى المال ما لم يطعن الخصم فيهم ، وسبب ذلك صلاح الناس في زمانه ، أما الصاحبان وقد شهدا زمنا غير زمنه تفشت فيه الأخلاق الفاسدة فرأيا لزوم تزكية الشهود سرا وعلنا والمجلة قد أخذت بقولهما وأوجبت تزكية الشهود : وكذا من القواعد أن لا يجتمع أجر وضمان إلا أن المتأخرين من الفقهاء لما وجدوا أن الناس في عصرهم لا يبالون باغتصاب مال اليتيم والأوقاف والتعدي عليها كلما سنحت لهم فرصة أوجبوا ضمان منافع المال المغصوب العائد للوقف واليتيم قطعا للأطماع ، ونختم قولنا مكررين - أن الأحكام الثابتة بناء على النص لا تتغير أحكامها ؛ لأن النص أقوى من العرف ، إذ لا يحتمل أن يكون مستندا على باطل بخلاف العرف والعادة فقد تكون مبنية على باطل ، كأن يتعامل الناس مثلا بالبيوع الفاسدة وغيرها من الممنوعات فذلك لا يجعلها جائزة شرعا .

(1/73)


( المادة 40 ) : الحقيقة تترك بدلالة العادة .
يعني : لو وكلت إنسانا بشراء طعام وليمة لا يشتري إلا الطعام المعتاد في مثلها لا كل ما يؤكل ، كنا أوضحنا سابقا أن اللفظ إما أن يكون له معنى حقيقي ، وإما أن يكون له معنى مجازي ، وقد بين علماء البيان أن للفظ معنى ثالثا ، وهو المعنى الكنائي .
وقد ذكر علماء الأصول أن المعنى الكنائي إما أن يكون حقيقيا أو يكون مجازيا ، فالمعنى الحقيقي للفظ هو كإلباس الشخص لباسه المملوك له ، والمعنى المجازي كاللباس المستعار فاستعمال اللفظ بمعناه الحقيقي لا يحتاج إلى قرينة ودليل ، أما لأجل استعمال ذلك اللفظ في المعنى المجازي ، يجب وجود قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي للفظ .
هذا وأن القرينة أو الدليل الذي يمنع استعمال اللفظ في معناه الحقيقي متنوعة ، منها أن يكون المعنى الحقيقي للفظ مهجورا ، وهذا هو المراد في هذه المادة ، وهو الذي نشرحه الآن .
إذا أصبح المعنى الحقيقي للفظ مهجورا عادة وعرفا وشاع استعماله في معنى آخر يستعمل في المعنى الذي استعمل فيه ويكون العرف والعادة القرينة - المانعة من إرادة معناه الحقيقي ، وقد بين علماء أصول الفقه لذلك النوع ثلاثة أوجه : الوجه الأول : - عدم استعمال الحقيقة واستعمال المجاز لتعذر استعمال المعنى الحقيقي أو لأن استعماله مهجور عادة أو شرعا .
فاستعمال المجاز في هذا الوجه يبنى على أحد أسباب ثلاثة : الأول تعذر قصد معنى الحقيقة ومعنى التعذر عدم التمكن

(1/74)


من الوصول للشيء إلا بمشقة .
مثال ذلك : لو أقسم شخص قائلا : إنني لا آكل من هذه الشجرة ، فالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة هو أكل خشب الشجرة إلا أن قصد المعنى الحقيقي لما كان متعذرا يحمل على المجاز أي على ثمر الشجرة إذا كانت ذا ثمر ، وعليه لو أكل ذلك الشخص الحالف من حطب الشجرة لا يحنث بيمينه ؛ لأنه لم يكن هو المقصود بالحلف ؛ لأنه أصبح مهجورا .
الثاني والثالث : أن يكون اللفظ الحقيقي مهجورا عادة أو شرعا كأن يقول رجل لخادمه : اقلب " نعال الضيوف " فالمقصود هنا عادة صفها وترتيبها لا قلبها وجها لبطن ، وكلمة " فنارياق " باللغة التركية وإن كانت في الحقيقة بمعنى احرق الفانوس فمعناها المستعمل أشعل الفانوس ، وفيما يلي بعض الأمثلة لبعض الألفاظ التي هجرت معانيها الحقيقية عادة وشرعا واستعملت في معان أخرى مجازا : مثال للمهجور عادة : لو حلف شخص قائلا لا أدوس دار فلان ، فالمقصود له أنه لا يدخل دار ذلك الرجل لا أن لا يدخل رجله فيها .
مثال : للمهجور شرعا : لو قال شخص إنني وكلت فلانا بالخصومة فإن معنى الخصومة الحقيقي هو النزاع والمقاتلة ، ولكن لقوله تعالى في كتابه العزيز : { لا تنازعوا } الآية .
هجر معناها الحقيقي شرعا وأصبح إنما يقصد التوكيل بالمجاوبة والمرافعة عن الوكيل في الدعوى المقامة عليه أو التي أقامها هو .
الوجه الثاني - استعمال الحقيقة وعدم استعمال المجاز ، أو أن يكون استعمال الحقيقة والمجاز على حد سواء ، أو استعمال الحقيقة بصورة

(1/75)


أكثر من المجاز ، وفي هذه الأحوال لا يستعمل المجاز .
والحقيقة أولى بالاستعمال .
الوجه الثالث - أن يكون استعمال المجاز أكثر أو أرجح من استعمال الحقيقة ، فرأي الإمام الأعظم هنا حمل الكلام على الحقيقة أولى ؛ لأن المستعار لا يحق له أن يزاحم الأصل ورأي الإمامين المجاز أولى .
مثال : لو حلف شخص قائلا : إنني لا آكل من هذا القمح ، أو لا أشرب من هذا النهر فعلى رأي الإمام الأعظم أنه لو أكل من الدقيق أو الخبز المصنوع من ذلك القمح أو شرب من إناء مملوء من ذلك النهر لا يحنث ما لم يشرب من النهر كرعا ، ويأكل من القمح حبا ، أما رأي الإمامين فإنه يحنث سواء أكل من القمح حبا أم أكل من طحينه وخبزه ، وسواء شرب من ماء النهر كرعا أم شرب منه بإناء .
وقد ذكر الفقهاء أن المفتي عندما يستفتى عن مسألة يجب عليه إذا كان المستفتي من بلدة أخرى أن لا يفتي قبل أن يعلم المعنى المستعمل للفظ المستفتى به في بلدة المستفتي .
هذا والمادة 1584 تصرح بأن الإقرار المعلق على شرط باطل ، ولكن إذا كان الإقرار معلقا على زمن يعرف به الناس أجل الدين يعتبر إقرار المقر إقرارا بدين مؤجل .
مثال : لو قال شخص : إذا وصلت إلى القدس فأنا مديون لك بألف قرش فإقراره باطل لكونه معلقا على شرط ، أما لو قال على البيدر أنا مديون لك بألف قرش فيكون قد أقر بدين مؤجل لذلك الرجل ، وكذلك يحمل الإقرار بالدين المعلق بالموت على الإشهاد فيجب على المقر دفع الدين إذا كان حيا

(1/76)


أو على ورثته إذا كان ميتا ، وكذلك الإبراء المعلق على الموت يعتبر ويحمل على الوصية .

(1/77)


( المادة 41 ) : إنما تعتبر العادة إذا اطردت أو غلبت .
يعني لا يلزم أن يكون جهاز العرس إلا على العادة الغالبة ، فلو جهزت عروس بأكثر من العادة الغالبة لا يعتبر ولا يقاس عليه ، قلنا : إن العادة يجب أن تعتبر ، وهذه المادة تشترط في العادة لكي تكون معتبرة أن تكون مطردة أي أن لا تتخلف ، أو غالبة أي إن تخلفت أحيانا فإنها لا تتخلف على الأكثر ، هذا وقد ذكر صاحب الأشباه أن الشيء الذي يحمل على العرف والعادة يجب أولا أن يكون حمله على العرف الموجود وقت التلفظ لا أن يحمل الشيء الذي وضع قبلا على عرف حدث مؤخرا ، ثانيا أن يكون العرف سابقا ومقارنا أي ألا يكون متأخرا وطارئا .
مثال : لو باع شخص منذ عشر سنوات في يافا فرسا بعشرين ليرة ولم يذكر في العقد نوع الليرة ، وتحدث بالدعوى الآن فلأن البيع وقع قبل عشر سنوات يوم كانت الليرة الفرنسية هي الرائجة في يافا يجب الحكم بأن الثمن ليرات إفرنسية ، ولا عبرة بالعرف والعادة الطارئين بعدئذ ، والحاصل أن العرف لا يكون معتبرا إلا إذا كان مطردا أو غالبا وأن يكون زمنه مقارنا وسابقا لزمن العقد الذي يراد فيه تحكيم العرف ، والعادة .

(1/78)


( المادة 42 ) : العبرة للغالب الشائع لا للنادر .
الشائع هو الأمر الذي يصبح معلوما للناس وذائعا بينهم .
مثال : إن الحكم بموت المفقود لمرور 90 سنة من عمره مستند على الشائع الغالب بين الناس من أن الإنسان لا يعيش أكثر من تسعين عاما على أن البعض قد يعيش أكثر من ذلك إلا أنه نادر ، والنادر لا حكم له ، بل يحكم بموته على العرف الشائع وتقسم أمواله بين ورثته ، كذلك يحكم ببلوغ من له من العمر خمس عشرة سنة ؛ لأنه هو السن الشائع للبلوغ وإن كان البعض لا يبلغ إلا في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة إلا أنه نادر ، فلا ينظر إليه ، كذلك الحكم بسبع سنين لمدة حضانة الصبي وتسع لحضانة البنت ، مبني على الشائع المتعارف من أن الصبي إذا بلغ السابعة من عمره يستغني عن معين له في لباسه وأكله واستنجائه مثلا : والبنت إذا صار عمرها تسع سنوات تصبح مشتهاة في الغالب ، واختلاف النمو في البعض زيادة ونقصانا بتأثير التربية والإقليم لا عبرة له ، بل المعتبر السبع سنوات للصبي والتسع للبنت ؛ لأنه الشائع الغالب .

(1/79)


( المادة 43 ) : المعروف عرفا كالمشروط شرطا وفي الكتب الفقهية عبارات أخرى بهذا المعنى " الثابت بالعرف كالثابت بدليل شرعي " و " المعروف عرفا كالمشروط شرعا " و " الثابت بالعرف كالثابت بالنص " والمعروف بالعرف كالمشروط باللفظ ، وقد سبق لنا أن عرفنا العرف والعادة .
فإليك الأمثلة على هذه القاعدة : لو اشتغل شخص لآخر شيئا ولم يتقاولا على الأجرة ينظر للعامل إن كان يشتغل بالأجرة عادة يجبر صاحب العمل على دفع أجرة المثل له عملا بالعرف والعادة ، وإلا فلا ، كذلك إذا اشترى شخص من آخر شيئا بعشر ليرات ولم يعين نوع الليرة يرجع إلى النوع المتعارف في تلك البلدة كأن يكون المتعارف الليرة العثمانية مثلا فتعتبر هي التي وقع عليها العقد ، كما لو ذكرت .
كذا لو اشترى شخص بقرة فتبين له بعد شرائها أنها غير حلوب وأراد ردها ، ينظر إن كان هذا الشخص معروفا أنه ممن يشتري للذبح كأن يكون قصابا لا يجوز له الرد ، وإن كان من يشتري لأجل الانتفاع بحليبها ترد ، كذلك لو سكن شخص دارا لآخر معدة للأجرة بدون إذنه وبدون تأويل ملك أو تأويل عقد ، يلزمه دفع أجرة المثل عرفا ، ويكون كأن الساكن شرطها على نفسه حين سكناه للدار ، وكذا الذي ينام في الفندق والمغتسل في الحمام يجب عليه دفع الأجرة ؛ لأن العرف والعادة توجب دفعها وإن لم تذكر .
وكذلك لو دفع الأب لابنته العروس حليا أو بعض جهاز لبيتها ، وادعى بعد العرس أنه عيارة ، فإن كان المتعارف في مثل هذه

(1/80)


الأحوال أن ما يعطيه الأب يكون عيارة يحكم برده إليه ، وإلا فلا ويكون هبة ، وكذا لو كان ترك راعي القرية المواشي على رأس زقاق القرية معتادا ، ثم هي تتفرق إلى دور أهلها ، فلا يضمن وإن كان المعتاد أن يوصل كل ثلة إلى محل صاحبها يضمن ، ويعد مقصرا لتركه إياها على رأس الزقاق .
( المادة 44 ) : المعروف بين التجار كالمشروط بينهم .
إن هذه المادة هي عين المادة السابقة

(1/81)


( المادة 45 ) : التعيين بالعرف كالتعيين بالنص .
يتفرع من هذه المادة فروع منها الإعارة المطلقة المتقيدة بالعرف والعادة .
مثال ذلك : لو أعار شخص آخر دابة إعارة مطلقة لا يجوز للمستعير أن يركبها أو يحملها غير المعتاد المتعارف ، فلو حملها حديدا أو سلك بها طريقا وعرا وكان تحميل الحديد وسلوك تلك الطريق غير معتاد يضمن .
كذلك الوكيل ببيع شيء وكالة مطلقة تعتبر عادة بأن لا يكون تصرفه مضرا بالموكل ، فلو وكل شخص آخر ببيع شيء وكالة مطلقة فله أن يبيع ذلك المال بثمن معجل أو مؤجل إلى أجل متعارف التأجيل بين التجار ، ولا يجوز له أن يبيعه لأجل أبعد من المعتاد ، كذا لو وكله في بيع شيء ، كما جاء في مادة ( 1499 ) لا يحق له أن يبيع بعضه إن كان في تبعيضه ضرر عادة .

(1/82)


( المادة 46 ) : إذا تعارض المانع والمقتضي يقدم المانع أي إذا وجد في مسألة سبب يستلزم العمل بها وسبب آخر يمنع العمل يرجح المانع .
مثال ذلك : الرهن ، لو رهن رجل عند آخر داره مثلا يمنع الراهن من بيعها مع أنه مالك لها ، وبيان ذلك أن ملكية الدار تقتضي أن يتصرف صاحبها بها كيف شاء ، إلا أن حق المرتهن في الدار وجعلها وثيقة في يده لحفظ ماله مانع ، والمانع مرجح على المقتضي فيعمل به ، كذلك لو بيع شيء معلوم وآخر مجهول صفقة واحدة لا يصح لمعارضة المانع ، وهو جهالة أحد المبيعين في الصفقة الواحدة للمقتضي ، وهو صحة العقد في المبيع المعلوم ، كذا لو باع شخص من آخر متقوما وغير متقوم معا كمية ، كذلك البناء الذي أسفله مملوك لشخص وأعلاه ملك شخص آخر ليس لأحدهما أن يتصرف في ملكه بمقتضى ملكيته بدون رضاء الآخر بصورة مضرة لمعارضة المانع ، وهو الإضرار ، كأن يكشف صاحب البناء العلوي سقف البناء السفلي الذي هو أرض محله ، أو يهدم صاحب البناء السفلي حائطا مرتكزا عليها قسم من البناء العلوي .
كذلك لو أقر شخص لوارثه ولأجنبي معه بمال في مرض الموت لا يصح ؛ لأن الإقرار للوارث في مرض الموت لا يعتبر فيكون مانعا .

(1/83)


( المادة 47 ) : التابع تابع .
يعني : التابع للشيء في الوجود تابع لذلك الشيء في الحكم ، فلو بيعت بقرة مثلا : في بطنها جنين دخل الجنين في البيع بلا نص عليه ؛ لأنه تبع لها فيتبعها في الحكم ، كذلك لو باع شخص بستانا من آخر وقبل التسليم أثمر شجر ذلك البستان ، فلا يحق للبائع أن يجني ذلك الثمر لنفسه ، بل يكون مملوكا للمشتري تبعا ، كما جاء في المادة ( 236 ) أن الزوائد التي تحصل في البيع بعد العقد وقبل القبض تكون مملوكة للمشتري ، كذا زوائد المغصوب الحاصلة في يد الغاصب هي تابعة للمغصوب بالوجود أيضا فتكون ملكا للمغصوب منه .
مثال : لو اغتصب شخص فرسا من آخر ونتجت عنده مهرا مثلا : فالمهر لصاحبها تبعا لها وليس للمغتصب أن يدعيه لنفسه .
كذلك في الرهن ، فلو رهن رجل عند شخص ناقة ونتجت عند المرتهن فالنتاج يكون رهنا أيضا تبعا له ، ولا يحق للراهن أن يأخذه قبل فك الرهن .

(1/84)


( المادة 48 ) : التابع لا يقرر بالحكم فالجنين الذي في بطن الحيوان لا يباع منفردا عن أمه ، كذلك لا يجوز هبة الحيوان الموجود في بطن أمه حتى لو وهب شخص بقرة حاملا واستثنى حملها من الهبة تكون الهبة للاثنين معا .
ويكون الاستثناء لغوا ، كذلك إذا بيع شيء من الموزونات وكان في تبعيضه ضرر وظهر عند التسليم زيادة عن المقدار المذكور عند البيع فالزيادة للمشتري وليس للبائع أن يفسخ البيع .
مثال ذلك : لو باع شخص حجرا من الماس على أن وزنه خمسة قراريط فظهر أثناء التسليم أن وزنه خمسة ونصف يصبح ذلك الحجر للمشتري بنفس الثمن الذي صار الاتفاق عليه ؛ لأن نصف القيراط تابع للكل ، فلا يقرر بالحكم .
" مستثنيات هذه القاعدة " لهذه القاعدة مستثنيات ، وهي كما يلي : إذا أقر شخص لجنين أي لحمل بمال مع بيان سبب معقول يكون إقراره صحيحا بشرط أن يولد ذلك الحمل في بحر ستة أشهر من تاريخ الإقرار ، فهنا مع كون الجنين تابعا في الوجود لوالدته فقد أقر بالحكم واعتبر الإقرار له ، كما أن الجنين إذا ولد حيا يرث من والده المتوفى قبلا .
كذلك إذا أبرأ المكفول إليه الكفيل يصبح بريئا ، والحال أن الكفالة تابعة للدين والدين باق فكان من الواجب ألا يفرد الكفيل بحكم ، كذلك لو أن شخصا يطلب له من آخر عملة خالصة فأسقط حقه من أخذ دينه بتلك العملة ، وقبل أن يأخذها عملة ( مغشوشة ) فإسقاطه هذا صحيح ، والحال أن خلوص العملة صفة للدين وتابعة له فكان الواجب عدم

(1/85)


إعطاء حكم بحقها .

(1/86)


( المادة 49 ) : من ملك شيئا ملك ما هو من ضروراته .
إذا اشترى رجل دارا مثلا ملك الطريق الموصلة إليها ؛ لأن الطريق من ضرورات الدار والدار بدون طريق لا يمكن الانتفاع بها والسكنى فيها ، فعليه كل دار تباع من المشتري تدخل طريقها في البيع بدون ذكر ولا يحق للبائع أن يقول إنني لم أبع الطريق ، بل بعت الدار فقط ، كذلك كل من يملك أرضا أو عقارا يصبح مالكا ما فوقها وما تحتها توفيقا للمادة ( 1174 ) ، فعليه يحق لمالك الأرض إنشاء ما يشاء من البناء وإعلاء سمكه إلى القدر الذي يريد ، كما يحق له أن يحفر في الأرض إلى أعماقها .

(1/87)


( المادة 50 ) : إذا سقط الأصل سقط الفرع .
إن هذه المادة مذكورة في الأشباه بعبارة ( يسقط الفرع إذا سقط الأصل ) ومن هذا القبيل أيضا قاعدة ( التابع يسقط بسقوط المتبوع ) والذي يفهم من هذه القاعدة أنه يسقط التابع بسقوط المتبوع أو يسقط الفرع بسقوط الأصل أما إذا سقط الفرع أو سقط التابع ، فلا يسقط المتبوع .
مثال ذلك .
لو أبرأ الدائن المدين من الدين فكما أنه يبرأ المدين يبرأ منه الكفيل أيضا ؛ لأن المدين في الدين أصل والكفيل فرع فبسقوطه عن الأصل يسقط عن الفرع طبعا ، أما لو عكست القضية وكان الكفيل هو المبرأ من قبل الدائن ، فلا يسقط الدين عن المدين بسقوطه عن الكفيل ؛ لأن سقوط الدين عن الفرع لا يوجب سقوطه عن الأصل على أنه قد يجوز أن يثبت الفرع دون أن يثبت الأصل وإليك المثال : لو ادعى شخص على اثنين بأن أحدهما استدان منه ألف قرش والثاني كفله في ذلك المبلغ فأنكر المدين الدين والمدعي عاجز عن إثبات مدعاه إلا أن الكفيل أقر بالكفالة فيحكم على الكفيل الذي هو الفرع بمقتضى اعترافه بالدين دون الأصل الذي هو الأصل .

(1/88)


( المادة 51 ) : الساقط لا يعود .
يعني إذا أسقط شخص حقا من الحقوق التي يجوز له إسقاطها يسقط ذلك الحق وبعد إسقاطه لا يعود .
أما الحق الذي لا يقبل الإسقاط بإسقاط صاحبه له .
مثال : لو كان لشخص على آخر دين فأسقطه عن المدين ، ثم بدا له رأي فندم على إسقاطه الدين عن ذلك الرجل ، فلأنه أسقط الدين ، وهو من الحقوق التي يحق له أن يسقطها ، فلا يجوز له أن يرجع إلى المدين ويطالبه بالدين ؛ لأن ذمته برئت من الدين بإسقاط الدائن حقه فيه ، أما لو أبرأ شخص آخر من طريق له أو سيل أو كان له قطعة وأبرأه بها ، فلا يسقط حقه بالطريق والمسيل والأرض ؛ لأنه لا يسقط الحق بما ذكر بمجرد الترك والإعراض ويجب لإسقاط الحق فيها إجراء عقد بيع أو هبة مثلا .
هذا وإليك بعض الأمثلة : إذا اشترى المشتري مالا من آخر فللبائع حق حبس المبيع عنده لحين قبض الثمن ، كما تبين في المادة ( 281 ) ، ولكن إذا سلم البائع المبيع قبل قبض الثمن فيكون أسقط حقه في حبس المبيع فليس له بعد ذلك أن يسترجع المبيع ويحبسه عنده لحين قبض الثمن ؛ لأن الساقط لا يعود ، كما قلنا : كذلك الذي يشتري مالا بدون أن يراه له حق خيار الرؤية فهو إذا باعه من آخر أو وهبه أو أجره قبل أن يراه أو بعد أن رآه يسقط حق خياره بمقتضى المادة ( 335 ) فعلى هذا لو أراد بعد ذلك رد المبيع بحق خيار الرؤية فليس له رده كذا الصلح الذي يجري بين الطرفين ؛ لأنه يتضمن إسقاط بعض الحقوق ، فليس للطرفين حق الفسخ

(1/89)


فيه ، كذلك لو رد الحاكم شهادة شاهد بتهمة الفسق في دعوى من الدعاوى ، فليس له أن يقبل شهادته في نفس الدعوى فيما لو تبين له بعد ذلك بطلان تلك التهمة .

(1/90)


( المادة 52 ) : إذا بطل شيء بطل ما في ضمنه .
فقاعدة " المبني على الفاسد فاسد " من هذا القبيل أيضا .
ومعنى هذه المادة : أن الشيء الذي ثبت ضمنا إذا بطل متضمنه لا يبقى له الحكم .
مثال : لو اشترى شخص من آخر اليمين الموجه عليه في المحاكمة فلما كان هذا الشراء باطلا فإسقاط اليمين الذي في ضمنه باطل أيضا ، كذا لو تصالح طرفان فأبرأ الواحد منهما الآخر وكتبوا بذلك سندات فيما بينهما فظهر أن ذلك الصلح فاسد ، فكما أنه يكون باطلا يكون الإبراء الذي في ضمنه باطلا أيضا .
" مستثنيات هذه القاعدة " ولهذه القاعدة مستثنى واحد وذلك إذا تصالح الشفيع والمشتري ببدل معلوم على حق الشفعة ، فالصلح غير صحيح ، ولكن يسقط حق الشفيع في الشفعة ، فهنا مع بطلان الصلح لم يبطل إسقاط الشفعة الذي هو من ضمن الصلح ، كما تقتضي القاعدة .

(1/91)


( المادة 53 ) : إذا بطل الأصل يصار إلى البدل .
يفهم من هذه المادة أنه يجب إيفاء الأصل ولا يجوز إيفاء البدل بدون رضاء صاحب المال ما دام إيفاء الأصل ممكنا .
لأن إيفاء الأصل هو ( الأداء ) أما إيفاء بالخلف عن الأصل والرجوع إلى الخلف مع وجود الأصل غير جائز .
كالمال المغصوب مثلا فهو إذا كان موجودا في يد الغاصب يجب رده عينا ولا يجوز إيفاء بدله مع وجوده .
مثال : لو اغتصب شخص من آخر شيئا وأراد أن يدفع قيمته للمغصوب منه مع وجود المال المغصوب تحت يده والمغصوب منه لم يقبل بذلك ، فلا يجوز للحاكم أن يحكم بالبدل ، إن الأصوليين يعبرون عن إيفاء المغصوب بالذات بالأداء الكامل ؛ لأن رد عين المغصوب هو أداء حقيقة ، هذا غير أن المال المغصوب إذا تلف في يد الغاصب أو فقد منه وأصبح رده عينا غير ممكن يصار حينئذ إلى البدل ، فإن كان من المثليات يؤمر الغاصب بإيفائه بمثله ويسمى ذلك ( القضاء بالمثل المعقول أو القضاء الكامل ) لأن الأموال المثلية مطابقة لبعضها صورة ومعنى ، وقيمة الشيء هي معنى ذلك الشيء ، فالأموال المثلية متساوية في القيمة على الغالب أو متقاربة في ذلك .
أما إذا كان المال من القيميات فتؤدى قيمته ويسمى ذلك ( القضاء القاصر ) لأن قيمة المال المغصوب من النقود لا تماثل المال المغصوب لا صورة ولا معنى .

(1/92)


( المادة 54 ) : يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في غيرها .
هذه القاعدة مأخوذة من كتاب الأشباه وقاعدة ( يغتفر لشيء ضمنا ما لا يغتفر قصدا ) قريبة من هذه القاعدة ، وتترجم هذه القاعدة من التركية قد يجوز تبعا ما لا يجوز ابتداء .
مثال ذلك : لو وكل المشتري البائع في قبض المبيع فالوكالة لا تصح ، أما لو أعطى المشتري البائع كيسا ليضع فيه المبيع اعتبر ذلك قبضا من المشتري والسبب في عدم جواز الوكالة في الصورة الأولى وجوازها في الثانية أن البائع كان في الصورة الأولى مسلما ومستلما في وقت واحد ، والحال أنه من الواجب في كل عقد أن يتولاه اثنان وأن يسلم البائع المبيع للمشتري ، أما في الصورة الثانية فلأن المشتري أعطى وعاء للبائع ، والبائع عمل بإشارته يعد ذلك قبضا من المشتري وقبض البائع المبيع كان تبعا فصح .
كذلك لو اشترى شخص من آخر قمحا وطلب إليه أن يطحن القمح والبائع طحنه يكون المشتري قابضا القمح تبعا لطلبه من البائع أن يطحنه ، كذلك لو وقف شخص عقارا بما فيه من الأموال المنقولة التي لا يجوز وقفها ولم يكن جائزا عرفا وعادة يصح وقفها تبعا وإن كان الوقف فيها غير جائز ابتداء ، كذا وقف حق الشرب غير الجائز يصح إذا وقف تبعا للأرض ، كذلك بيع من له حق في شرب أياما من حقه في الشرب لا يجوز إلا إذا بيع تبعا للأرض مثلا .

(1/93)


( المادة 55 ) : يغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء .
فقاعدة يغتفر في الابتداء ما لا يغتفر في الانتهاء .
هي من قبيل هذه المادة .
مثال ذلك : هبة الحصة الشائعة ، فإنها وإن لم تكن جائزة ابتداء فتصح انتهاء ، وتفصيل ذلك لو وهب شخص لآخر حصة شائعة في دار مثلا : فالهبة لا تصح ، أما لو وهب له الدار جميعها ، ثم ظهر مستحق لحصة في تلك الدار ، فالهبة لا تبطل ويبقى للموهوب له الباقي من الدار بعد أخذ تلك الحصة المستحقة منها .
كذلك لو وهب شخص في مرض موته داره التي لا يملك سواها ، ثم توفي الموهب تبطل الهبة في الثلثين وتصح في الثلث فقط إذا لم تقرها الورثة ، والسبب في صحة الهبة في الثلث هنا - مع أنه حصة شائعة ، ولا تصح هبة الشائع هو أن الشيوع طارئ والهبة كانت لجميع الدار .
كذلك الوكيل يبيع مالا له ، لا يصح له أن يوكل آخر ببيع ذلك المال الموكل ببيعه ، لكن لو جاء رجل وباع المال فضولا والوكيل أجاز البيع تكون إجازته صحيحة والبيع نافذا ، كذلك لا يصح بيع أحد الشركاء للأجنبي حصته في الأثمار غير الناضجة ؛ لأن الأجنبي لو أراد قطف الأثمار وأخذ حصته منها لتضرر الشريك ، أما لو اتفق الشريكان على بيع الثمر لشخص أجنبي ، ثم بعد البيع فسخ أحدهما البيع بالتراضي مع المشتري لا يفسخ البيع في النصف الآخر ويبقى صحيحا .

(1/94)


( المادة 56 ) : البقاء أسهل من الابتداء .
بما أن البقاء أسهل من الابتداء فالذي لا يجوز ابتداء قد يجوز بقاء مثال : للشريك أن يؤجر حصته الشائعة لشريكه الآخر ، ولكن لا يجوز له أن يؤجر حصته لأحد شركائه إذا كانوا متعددين أو لشخص أجنبي ، أما لو أجر الدار جميعها على أنها له ، ثم بعد إجراء عقد الإيجار ظهر مستحق لنصف تلك الدار وأثبت المستحق ملكيته بنصفها لا تفسخ الإجارة في النصف الآخر وتكون صحيحة بقاء ، وإن لم تكن جائزة ابتداء ، كذلك لو نصب حاكم نائبا عنه في الحكم ، وهو غير مأذون بذلك فذلك النصب غير صحيح والأحكام التي يحكم بها تكون غير معتبرة ، ولكن إذا حكم ذلك النائب في شيء والحاكم الذي أنابه أجاز ذلك الحكم يصبح الحكم معتبرا وصحيحا فالإنابة هنا جازت بقاء أيضا وإن لم تكن جائزة ابتداء .

(1/95)


( المادة 57 ) : لا يتم التبرع إلا بقبض هذه القاعدة مأخوذة من الحديث الشريف القائل { لا تجوز الهبة إلا مقبوضة } على أنه لو كانت الهبة تتم بدون القبض لأصبح الواهب حينئذ مجبرا على أداء شيء ليس بمجبر على أدائه ، وذلك مخالف لروح التبرع فالتبرع هو إعطاء الشيء غير الواجب ، إعطاؤه إحسانا من المعطي .
مثال : لو وهب شخص مالا لآخر فما لم يقبضه بإذن الواهب لا يحق له أن يتصرف بذلك المال .
كذا لو عدل شخص - بعد أن أخرج نقودا بيده ليعطيها فقيرا ولم يسلمها إليه - عن إعطائه إياها ، فلا يجبر على ذلك .
والحاصل أن الهبة سواء كانت بلا عوض أو كانت بشرط العوض فتمامها موقوف على القبض ، ولكن لأن الوصية تمليك مضاف إلى ما بعد الموت لا تتوقف على القبض ، ولزومها للورثة ناشئ عن وفاة المورث الذي له وحده حق الرجوع عن تبرعه .

(1/96)


( المادة 58 ) : التصرف على الرغبة منوط بالمصلحة .
هذه القاعدة مأخوذة من قاعدة " تصرف القاضي فيما له فعله من أموال الناس والأوقاف مقيد بالمصلحة " أي أن تصرف الراعي في أمور الرعية يجب أن يكون مبنيا على المصلحة ، وما لم يكن كذلك لا يكون صحيحا .
والرعية هنا : هي عموم الناس الذين هم تحت ولاية الولي .
مثال ذلك : إذا لم يوجد ولي للقتيل فالسلطان وليه فكما أن له حقا بأن يقتص من القاتل له أن يقبل الدية بدلا عن القصاص ، إلا أنه يشترط هنا أن لا تقل الدية عن الدية الشرعية .
كذلك القاضي لا تعتبر تصرفاته في الأمور العامة وأحكامه ما لم تكن مبنية على المصلحة .
مثال : لو أمر القاضي شخصا بأن يستهلك مالا من بيت المال أو مالا لشخص آخر فإذنه غير صحيح حتى أن القاضي نفسه لو استهلك ذلك المال يكون ضامنا .
كذلك لا يجوز للقاضي أن يهب أموال الوقف وأموال الصغير ؛ لأن تصرفه فيها يجب أن يكون مقيدا بمصلحتها أيضا .
كذلك لو نصب حاكم مخالفا شرط الواقف فراشا في مسجد فكما أن أخذ الأجرة حرام على الفراش فالحاكم أيضا يكون ارتكب حرمة بنصبه .
كذلك إذا صالح ولي الصبي عن دعواه يصح إن لم يكن فيه ضرر بين ، وذلك حسب منطوق المادة ( 1540 ) كما أنه ليس للوصي أن يقبل من مدين الصغير حوالة ما له على شخص ما لم يكن أملأ ، أي أغنى من المحيل ، وإلا فقبوله لا حكم له عملا بالمادة ( 685 ) والحاصل يجب أن يكون تصرف السلطان والقاضي والوالي والوصي والمتولي

(1/97)


والولي مقرونا بالمصلحة وإلا فهو غير صحيح ولا جائز .

(1/98)


( المادة 59 ) : الولاية الخاصة أقوى من الولاية العامة .
يراد بالولاية هنا نفاذ تصرف الولي في حق الغير شاء أم أبى ، والولي : هو الذي يحق له التصرف في مال الغير بدون استحصال إذن برضاء صاحب المال ، وهذا بعكس الوكيل فالوكيل وإن تصرف في مال الغير فتصرفه مقرون برضاء صاحب المال .
هذا والولاية الخاصة إما أن تكون ولاية في النكاح والمال ، والولي في ذلك الجد أو الأب أو أبو الجد ، وإما أن تكون في النكاح فقط أو في المال فقط فالولي في النكاح فقط جميع العصبات والأم وذوي الأرحام ، والولي في المال فقط أولا أبو الصغير .
ثانيا الوصي الذي اختاره أبوه ونصبه في حال حياته إذا مات أبوه .
ثالثا الوصي الذي نصبه الوصي المختار في حال حياته إذا مات .
رابعا جده الصحيح أي أبو أب الصغير .
خامسا الوصي الذي اختاره الجد ونصبه في حال حياته .
سادسا الوصي الذي نصبه هذا ، كما هو مذكور في المادة ( 974 ) وولاية الوقف هي من هذا القبيل ولاية خاصة أيضا .
مثال ذلك : لو أجر القاضي عقارا للوقف بما له من الولاية العامة على الوقف ، وأجر متولي الوقف ذلك العقار نفسه ، يكون إيجار المتولي صحيحا ولا يعتبر إيجار القاضي ؛ لأن الولاية الخاصة أقوى من الولاية العامة ، ولا يحق لصاحب الولاية العامة أن يتصرف بمال الوقف مع وجود صاحب الولاية الخاصة ، وإن كان القاضي هو الذي عين ذلك المتولي ، كذلك لا يحق للقاضي عزل المتولي المنصوب من قبل الواقف ما لم تظهر عليه خيانة ؛ لأن ولاية

(1/99)


الواقف على الوقف ولاية خاصة ، وهي أقوى من ولاية القاضي ، كذلك لا يحق للقاضي أن يتصرف بمال اليتيم الذي نصب عليه وصي ، ولا أن يزوج اليتيم أو اليتيمة عند وجود الولي ، والحاصل أنه إذا وجدت الولاية الخاصة في شيء لا تأثير للولاية العامة ولا عمل لصاحبها ، وأن تصرف الولي العام عند وجود الولي الخاص غير نافذ .
( مستثنيات هذه القاعدة ) ولهذه القاعدة مستثنى ، وهو : إذا كان الصبي ولي القتيل فوصيه ، وإن كان له حق الصلح عن القصاص بمال لا يكون أقل من الدية الشرعية ، فليس له قصاص القاتل أو إعفاؤه من القصاص مع أن القاضي له حق القصاص بما له من الولاية العامة ، فالقاضي هنا يملك بولايته العامة مالا يملكه الوصي بولايته الخاصة .

(1/100)


( المادة 60 ) إعمال الكلام أولى من إهماله هذه القاعدة مأخوذة من كتاب الأشباه ، وقد ذكرت فيه على الصورة الآتية : ( إعمال الكلام أولى من إهماله متى أمكن فإن لم يمكن أهمل ) يعني أنه لا يجوز إهمال الكلام واعتباره بدون معنى ما أمكن حمله على معنى حقيقي له أو معنى مجازي ؛ لأنه لما كان إهمال الكلام إنما هو اعتباره لغوا وعبثا ، والعقل والدين يمنعان المرء من أن يتكلم بما لا فائدة فيه ، فحمل كلام العاقل على الصحة واجب .
هذا وبما أن الأصل في الكلام الحقيقة فما لم يتعذر حمل الكلام على معناه الحقيقي لا يحمل على المجازي ؛ لأن هذا خلف لذاك والخلف لا يزاحم الأصل .
على أنه سواء حمل الكلام على المعنى الحقيقي أم حمل على المعنى المجازي له فهو إعمال للكلام إلا أن اللفظ المراد إعماله إذا كان مما يحتمل التأكيد والتأسيس فحمله على التأسيس أولى ؛ لأن التأسيس أولى من التأكيد ، وبعبارة أخرى الإفادة أولى من الإعادة ، ولأنه لما كان اللفظ في الأصل إنما وضع لإفادة معنى غير المعنى الذي يستفاد من غيره فحمله على التأكيد دون التأسيس إهمال لوضعه الأصلي ، التأكيد هو اللفظ الذي يقصد به تقرير وتقوية معنى لفظ سابق له ، ويقال له ( إعادة أيضا ) التأسيس هو اللفظ الذي يفيد معنى لم يفده اللفظ السابق له ، ويقال له ( إفادة ) أيضا .
فعليه لو أقر شخص بأنه مديون لآخر بعشر جنيهات مثلا بدون أن يذكر سبب الدين وأعطى سندا بذلك وأشهد على نفسه ، ثم بعد ذلك أقر

(1/101)


للشخص نفسه مرة ثانية بعشر جنيهات أيضا وعمل له سندا ولم يبين سبب الدين ، يحمل إقراره في كلتا المرتين على تأسيس ويعتبر دين السند الثاني غير دين السند الأول لا أن السند الثاني كتب تأكيدا للسند الأول ، كذا لو قال رجل لزوجته ( أنت طالق طالق طالق ) تكون طالقا ثلاثا ولا يلتفت لكلام الزوج إذا هو قال بعد ذلك إنني قصدت التأكيد في تكراري كلمة الطلاق هذا غير أنه وإن كان حمل الكلام الذي يحتمل التأكيد والتأسيس معا على التأسيس أولى ، فقد يحمل أحيانا على التأكيد ، كأن يقول الموكل لوكيله ( بعه وبعه من فلان ) فللوكيل حينئذ أن يبيع المال الموكل ببيعه لذلك الشخص المعني بكلام الموكل أو لغيره ، ولو حمل الكلام على التأسيس لما حق للوكيل أن يبيع المال لغير ذلك الشخص الذي عناه الموكل .

(1/102)


( المادة 61 ) إذا تعذرت الحقيقة يصار إلى المجاز .
يعني : إذا تعذرت إرادة المعنى الحقيقي للكلام لا يهمل ، بل يستعمل في معناه المجازي .
فالمعنى المهجور أي غير المستعمل شرعا وعرفا هو في حكم المتعذر .
والتعذر على ثلاثة أقسام : أولا : تعذر حقيقي .
ثانيا : تعذر عرفي .
ثالثا : تعذر شرعي .
وللتعذر الحقيقي وجهان : الأول : أن تكون إرادة المعنى الحقيقي ممتنعة .
مثال ذلك : لو وقف شخص ليس له أولاد وله أحفاد - مالا له على ولده فبما أن الواقف هنا ليس له من الأولاد من يطلق عليهم أولاد حقيقة وهم الأولاد الصلبية فيتعذر حمل الكلام على معناه الحقيقي ، وبما أن الكلام يجب أن لا يهمل ما أمكن حمله على معنى فيحمل على أحفاده الذين يطلق عليهم أولاد مجازا .
الثاني : أن تكون إرادة المعنى الحقيقي للفظ ممكنة مع المشقة الزائدة .
مثال ذلك : لو حلف شخص قائلا ( لا آكل من شجرة النخل هذه وأشار إليها ) .
فلأن الأكل من خشب تلك الشجرة وإن كان ممكنا لا يكون إلا بصعوبة والمعلوم أن المتكلم لا يقصد بكلامه الأكل من خشب الشجرة يحمل كلامه على ثمرها إذا كانت مثمرة ، وعلى ثمن خشبها إذا لم تكن ، كذلك حتى أنه لا يكون حانثا بيمينه فيما لو أكل من النخلة خشبها .
التعذر العرفي : وهو أن يكون المعنى الحقيقي للفظ مهجورا ومتروكا للناس كأن يحلف إنسان قائلا ( لا أضع قدمي في دار فلان ) فلأن المعنى الحقيقي لهذه الكلمة أصبح مهجورا من الناس والمعنى المستعملة

(1/103)


فيه هو الكناية عن الدخول في الدار لا يحنث الحالف فيما لو وضع قدمه في باب الدار ولم يدخلها .
التعذر الشرعي : هو أن يكون المعنى الحقيقي للفظ مهجورا شرعا ككلمة ( الخصومة ) مثلا : فإنها لما ترك معناها الأصلي شرعا فعليه إذا سمعت رجلا يقول : إني قد وكلت فلانا بالخصومة عني في دعوى إرث مثلا : تصرف كلمة الخصومة إلى ما استعملت فيه شرعا ، وهو المرافعة والمدافعة عنه في دعوى أقيمت عليه أو أقامها على غيره دون المعنى الحقيقي لها ، وهو بأن يقوم ذلك الرجل الموكل بمنازعة ومضاربة من يناوئ الموكل أو من يريد الموكل مناوأته .

(1/104)


( المادة 62 ) إذا تعذر إعمال الكلام يهمل يعني أنه إذا لم يمكن حمل الكلام على معنى حقيقي أو مجازي أهمل .
وقد ذكرت هذه القاعدة في الأشباه بالصورة الآتية : ( وإن تعذرت الحقيقة والمجاز أو كان اللفظ مشتركا بلا مرجح أهمل لعدم الإمكان أي إمكان إعمال الكلام ) يعني أنه إذا كان حمل الكلام على معناه الحقيقي أو على المجازي خارجا عن الإمكان وممتنعا أو كان اللفظ مشتركا بين معنيين ولا يوجد مرجح لأحدهما على الآخر يهمل بحكم الضرورة حينئذ ولا يعمل .
والحاصل أن الأسباب التي توجب إهمال الكلام : أولا : امتناع حمل الكلام على المعنى الحقيقي والمجازي .
ثانيا : أن يكون اللفظ مشتركا بين معنيين ولا يوجد ما يرجح أحدهما .
مثال ذلك : لو ادعى شخص في حق من هو أكبر منه سنا أو في حق من نسبه معروف بأنه ابنه لا تكون دعواه صحيحة ، كما سيجيء في المادة ( 1629 ) لأن ذلك متعذر حقيقة ، إذ ليس من المعقول أن يكون شخص والدا لرجل يكبره في السن كذا من المتعذر شرعا أن يكون الشخص المعروف النسب ولدا لذلك الرجل الذي يدعيه .
كذلك لو أقر وارث لوارث آخر بزيادة عن حصته الإرثية ، كأن يتوفى شخص عن ولد وبنت ويعترف الولد لأخته بنصف ما خلف والدهما من الأموال المنقولة ، فلا يعتبر إقراره هذا لتعذره شرعا وتقسم التركة بينهما حسب الفريضة الشرعية .
كذلك لو أقر شخص قائلا : إنني قطعت يدي فلان ، وإنني مديون له بخمسمائة درهم دية يديه وكانت يدا الشخص المذكور

(1/105)


سالمتين لم تقطع يهمل ذلك الكلام ولا يعتد به .
هذا وإليك مثلا : على اللفظ الذي يتنازعه معنيان أو المشترك بين معنيين وليس من مرجح لإرادة أحدهما .
المثال : لو كان لرجل معتق ( بكسر التاء ) وآخر معتق ( بفتحها ) وأوصى بمال قائلا : ( إنه لمولاي بعد موتي ) ولم يعين فلما كانت كلمة ( مولاي ) تشمل المنعم والمنعم عليه وتطلق على ( السيد ) ، وهو المعتق ، وعلى ( العبد ) ، وهو المعتق وبما أن القصد والغرض في الوصية إذا كانت من الأدنى إلى الأعلى أن تكون بمثابة اعتراف بجميل الموصى له وكشكر له على أياديه ، وإذا كانت من الأعلى للأدنى فهي بمثابة إحسان وزيادة تلطف ، ولأن الاسم المشترك لا يعد من قسم العموم ، ويجب تحديد أحد المعنيين المقصود للاسم المشترك وهنا القصد مجهول ، إذ بتعدد المقصود للفظ الواحد لا يمكن تعيين أحدهما ، فلا تصح له وصية .

(1/106)


( المادة 63 ) ذكر بعض ما لا يتجزأ كذكر كله .
إن هذه القاعدة مأخوذة من الأشباه والمجامع ، والمفهوم منها أنه يكفي في الأشياء التي لا تتجزأ ذكر بعضها عن الكل وإن البعض منها إذا ذكر كان الكل مذكورا ؛ لأنه لو كان ذكر البعض لا يقوم مقام ذكر الكل لكان ذلك موجبا لإهمال الكلام ، والحال أن المادة ( 60 ) من المجلة تصرح بأن إعمال الكلام أولى من إهماله .
مثال : لو أراد شخص أن يكفل شخصا آخر على نفسه ، فقال في عقد الكفالة إنني كفيل بنصف أو ربع هذا الشخص فبما أن نفس الرجل مما لا يقبل التجزئة والتقسيم ، وذكر البعض منها بحكم ذكر الكل ، فالكفالة صحيحة ويكون قد كفل نفس الرجل كلها .
كذلك في الشفعة ، كما هو مذكور في المادة 1041 لو سلم الشفيع نصف العقار المشفوع يكون بذلك مسقطا حق شفعته في الكل ؛ لأن الشفعة مما لا يتجزأ .
كذا يسقط القصاص كله إذا كان ولي القتيل واحدا وعفا عن القاتل بجزء من القصاص ؛ لأن القصاص لا يتجزأ ؛ لأنه ليس من الممكن إماتة قسم من الإنسان مع الإبقاء على القسم الآخر منه حيا .
أما إذا ذكر بعض الشيء الذي يتجزأ فهو بعكس ذلك وإليك المثال : إذا قال شخص لآخر إنني كفلتك على مائتين من الستمائة القرش المطلوبة منك لفلان ، فبما أن الدين المذكور مما يقبل التجزئة تنعقد الكفالة على المائتين فقط ولا يكون الكفيل كفيلا بجميع الدين المذكور .
كذا لو قال شخص لآخر : قد أبرأتك في ربع الدين المطلوب لي منك فيكون الإبراء لذلك

(1/107)


القسم من الدين فقط .
( مستثنيات هذه القاعدة ) ولهذه القاعدة مستثنى واحد وهو : لو قال شخص لآخر إن نصفي أو ثلثي يكفلك على كذا ، فلا تنعقد الكفالة ولا تكون تسمية الجزء في ذلك قائمة مقام تسمية الكل .

(1/108)


( المادة 64 ) المطلق يجري على إطلاقه إذا لم يقم دليل التقييد نصا أو دلالة إن هذه القاعدة ذكرت في المجامع على الصورة الآتية ( المطلق يجري على إطلاقه ، كما أن المقيد يجري على تقييده ) وقد وردت في الكتب الفقهية الحنفية ( المطلق ينصرف إلى الكمال ) فالمطلق مقابل المقيد أي أن المطلق ضد المقيد .
المطلق تعريفه : هو الحصة التي قد تشمل حصصا غيرها بدون تعيين في الشيء الذي تكون شائعة في جنسه ، وحقيقتها وماهيتها من حقيقته وماهيته وقد عرف المطلق تعريفا آخر ، وهو أنه الأمر المجرد من القرائن الدالة على التخصيص والتعميم والتكرار والمرة .
والمقيد : هو المقارن لإحدى هذه القرائن مثال : إذا اتفق شخص مع خياط على خياطة جبة له ولم يشترط الرجل على الخياط بأن يخيطها بنفسه يحق للخياط أن يعهد بخياطة تلك الجبة إلى أجيره ولا يضمن الخياط الجبة فيما لو تلفت بيد الأجير بدون تعد ولا تقصير ؛ لأن العقد جرى مطلقا ولم يقيد ، والمطلق يجري على إطلاقه كما مر .
بخلاف ما لو اشترط صاحب الجبة على الخياط أن يخيطها بنفسه وعهد الخياط بخياطتها لأجيره فتلفت يكون الخياط ضامنا .
كذلك لو أعار شخص مالا لآخر ولم يقيد العارية بنوع الانتفاع أو لم يقيدها بانتفاع المستعير بها فقط يحق للمستعير توفيقا للمادة 819 من المجلة أن ينتفع بالمال المعار بذاته أو بإعارته لآخر ينتفع به وله أن ينتفع به بأي من أنواع الانتفاع ، بخلاف ما لو قيد المعير

(1/109)


الإعارة بنوع من أنواع الانتفاع أو قيدها بانتفاع المستعير فقط ، فلا يحق للمستعير أن يتجاوز قيود المعير للإعارة .
كذلك الوكيل بالبيع على وجه الإطلاق يحق له حسب المادة 1494 أن يبيع المال الموكل ببيعه بالثمن الذي يراه مناسبا قليلا كان أو كثيرا ، بخلاف ما لو عين الموكل للوكيل المقدار الذي يقبله ثمنا لماله ، فلا يحق للوكيل حينئذ حسب المادة 1459 أن يبيع المال بأقل من ذلك المقدار المعين ؛ لأن الموكل قد قيد الوكالة ببيان الثمن الذي يرتضيه ثمنا لماله .
هذا وإن الأمثلة التي مرت معنا هنا كلها أمثلة على التقييد بالنص وفيما يلي بعض الأمثلة على التقييد بالدلالة وهي : إذا وكل مكار شخصا آخر ليشتري له فرسا بدون أن يعين له وصفا ، فالوكالة هنا مقيدة بحال الموكل وعمله فليس للوكيل بداعي الإطلاق في الوكالة أن يشتري فرسا للموكل من جياد الخيل بمائتي جنيه ، بل إنما له أن يشتري الفرس الذي يتناسب ثمنه مع حال موكله وعمله فهنا وإن لم يوجد تقييد بالنص فالتقييد بالدلالة مانع من أن يشتري الوكيل فرسا من جياد الخيل لذلك الموكل المكاري ، ولو اشترى الوكيل على الفرض فرسا جوادا لا يلزم به الموكل ويبقى للوكيل .
كذلك الوكالة المطلقة بشراء شيء فإنها وإن لم يوجد بها قيد للثمن فالدلالة توجب على الوكيل الشراء بالقيمة المثلية وإلا فمع الغبن اليسير ولا يحق للوكيل أن يشتري ذلك الشيء بثمن يكون به غبن فاحش على الموكل المادة (

(1/110)


1482 ) ، كذلك لو وكل شخص آخر قرب عيد الأضحى بأن يشتري له خروفا أو في فصل الصيف بشراء ثلج أو في فصل الشتاء بشراء فحم ولم يعين له مدة الشراء فعقد الوكالة وإن كان بالظاهر لا يحتوي على قيد لعدم وجود نص للتقييد فيه فالقيد هنا موجود دلالة فعليه لا يحق للوكيل شراء الخروف بعد مرور عيد الأضحى ، والثلج بعد دخول فصل الشتاء ، والفحم بعد انقضاء الشتاء وإن فعل لا يلزم الموكل بالشيء المشترى .

(1/111)


( المادة 65 ) الوصف في الحاضر لغو وفي الغائب معتبر .
مثلا : لو أراد البائع بيع فرس أشهب حاضر في المجلس وقال في إيجابه : بعت هذا الفرس الأدهم وأشار إليه ، وقبل البائع صح البيع ولغا وصف الأدهم ، أما لو باع فرسا غائبا وذكر أنه أشهب والحال أنه أدهم ، فلا ينعقد البيع .
يعني : لو عرف شخص شيئا ببيان جنسه ووصفه ينظر فإذا كان الموصوف حاضرا وكان مشارا إليه حين الوصف وكان الموصوف والمسمى من جنس المشار إليه فالوصف لغو ولا حكم له ، وأما إذا كان الموصوف غائبا عن مجلس الوصف فالوصف معتبر .
يجري حكم هذه القاعدة في النكاح ، والبيع ، والإجارة ، وفي سائر العقود .
قد ذكر في متن هذه المادة أن البائع ( لو باع فرسا غائبا وذكر أنه أشهب والحال أنه أدهم لا ينعقد البيع ) ولكن المادة 310 تصرح بأن البيع يكون منعقدا وإنما يكون للمشتري حق الفسخ بخيار الوصف ، وقد جاء في الأشباه ( ألا ترى أن من اشترى فصا على أنه ياقوت فإذا هو زجاج لا ينعقد البيع لاختلاف الجنس ، أما لو اشتراه على أنه ياقوت أحمر فإذا هو أخضر ينعقد العقد لاتحاد الجنس ) فيفهم من ذلك كله أنه إذا كان الجنس متحدا فاختلاف الوصف لا يكون مانعا من الانعقاد .
هذا وإن المادة 107 قد عرفت البيع غير المنعقد بالبيع الباطل فعليه يفهم من عبارة ( غير منعقد ) في هذه المادة أن البيع باطل إلا أنه نظرا لكون العبارة هذه مخالفة للنقل فيجب أن يفهم منها أن البيع لا يعقد لازما .
كذا لو ادعى شخص

(1/112)


بحضور القاضي قائلا : إن هذا الحديد الذي وزنه مائة رطل هو مالي فظهر وزنه أكثر من ذلك فالدعوى والشهادة مقبولتان ؛ لأن الوزن في المشار إليه صفة ، وهي لغو والحاصل لأجل أن يكون الوصف لغوا يجب وجود شرطين اثنين : الأول : أن يكون الشيء الموصوف موجودا في مجلس الوصف .
الثاني : أن يكون ذلك الشيء الموجود في مجلس الوصف من جنس الموصوف حتى إذا لم يوجد الشرط الأول - أي إذا لم يكن الموصوف حاضرا - ووجد الشرط الثاني فقط يكون الوصف معتبرا .
كذلك لو وجد الشرط الأول ولم يوجد الشرط الثاني - أي إذا لم يكن الموصوف من جنس الوصف - يعتبر الوصف أيضا ، هذا وإن الشيء المسمى والموصوف إذا كان مخالفا لجنس المشار إليه ؛ كان العاقدان لا يعلمان أنه كذلك فيكون الوصف حينئذ معتبرا ويتعلق العقد بالشيء المسمى أي بذلك الشيء الموصوف لا بالشيء المشار إليه ؛ لأن المسمى هو مثل للمشار إليه وليس بوصف تابع له ، والحاصل أن التسمية والوصف أقوى من الإشارة من جهة ، والإشارة أقوى من التسمية والوصف من جهة أخرى .
وإيضاح ذلك أن التسمية والوصف هما وصف للماهية وتعريف لها ، وبما أن اعتبار المعنى أرجح فيهما تكون تسميتها والوصف أقوى من الإشارة ، وبما أن الإشارة تقطع الاشتراك وتزيل احتمال المجاز فهي من هذه الجهة أقوى من التسمية والوصف ، فعليه في حالة وجود المسمى مخالفا لجنس المشار إليه يرجح القسم الأول ، أما إذا كان المسمى من جنس المشار إليه فيكون من القسم

(1/113)


الثاني .
مثال ذلك : إذا أشار البائع إلى فص ووصفه بقوله مخاطبا المشتري قد بعتك هذا الألماس وكان ذلك الفص بلورا فبما أن البيع تعلق بالألماس وبما أن الوصف هنا معتبر والألماس معدوم في هذا البيع فالبيع باطل ، أما إذا كان المسمى مخالفا لجنس المشار إليه وكان العاقدان عالمين بذلك فالعقد يتعلق بالمشار إليه ويكون البيع صحيحا .
مثال ذلك : لو أشار شخص إلى جمل قائلا للمشتري قد بعتك هذا الحمار وكان المشتري عالما بأن البيع لم يكن حمارا ، بل جملا ، وقبل الشراء ، فالبيع ينعقد بحق الجمل ولا ينعقد بحق الحمار المسمى ؛ لأن العقد هنا يتعلق بالمشار إليه ، إذ التعريف بالشيء إنما يكون بأمرين : الأول : بالإشارة لعينه .
والثاني : بتسميته .
فإذا اجتمع الاثنان فالاعتبار للعين لا للتسمية .

(1/114)


( المادة 66 ) السؤال معاد في الجواب يعني أن ما قيل في السؤال المصدق كان المجيب المصدق قد أقر به .
هذه القاعدة مذكورة في الأشباه ، وبما أن الفقهاء قد ذكروها بصورة مطلقة فيفهم من ذلك أن حكمه يجري في جميع أبواب الفقه .
قلنا : إن القاعدة مذكورة بصورة مطلقة ولكنها في الحقيقة مقيدة وإليك التفصيل : إذا ورد كلام جوابا على سؤال فإذا كان الكلام بمقدار ما يحتاج إليه الجواب فالكلام المذكور يكون مقصورا على السؤال ويكون السؤال معادا في الجواب ضمنا ، وأما إذا كان الكلام زائدا عما يحتاج إليه الجواب فيكون الكلام إنشاء في الظاهر ، ولكن قد يكون جوابا خلاف الظاهر ، فإذا قال المجيب : إنما قصدت الجواب بكلامي يصدق ديانة لا قضاء .
مثال : لو باع شخص بطريق الفضول مالا من آخر وبلغ البائع صاحب المال ، وبينما هو يفتكر في ذلك سأله سائل قائلا : هل تأذنني بإجازة ذلك البيع .
؟ فأجابه بقوله : نعم فقوله بمعنى أذنتك بالإجازة فينفذ البيع إذا أجازه ذلك الشخص المأذون بالإجازة ، كذا لو قال شخص لآخر قد بعتك داري بكذا مبلغا أو أجرتك دكاني بكذا بدلا ، وأجابه بقوله : نعم فيكون ذلك قبولا منه بالبيع والإجارة ، ويكون البيع والإجارة منعقدين ، كذلك إذا قال شخص لمدينه هل تقر بما في هذا السند وأجاب المدين قائلا : نعم .
فيكون قد أقر بجميع ما ورد في السند المذكور ، كذلك لو قال شخص لآخر : إن لي عندك عشر جنيهات فأوفني إياها فأجابه قائلا : نعم .
فيكون قد أقر بذلك المبلغ ،

(1/115)


ومكلفا بأدائه إلى المقر له ، كذلك لو قال شخص لشخص مريض : هل أوصيت بثلث مالك ليصرف في وجوه البر والإحسان .
؟ وهل نصبتني وصيا لتنفيذ وصيتك هذه .
؟ وأجابه بكلمة أوصيت أو فعلت ، فيكون قد أوصى بذلك المال ونصبه وصيا .

(1/116)


( المادة 67 ) لا ينسب إلى ساكت قول لكن السكوت في معرض الحاجة بيان .
يعني : أنه لا يعد ساكت أنه قال كذا ، لكن السكوت فيما يلزم التكلم به إقرار وبيان ، وذلك كما إذا رأيت أحدا يتصرف في شيء تصرف المالك بلا إذن منك وسكت بلا عذر يعد ذلك إقرارا منك بأنك غير مالك له .
إن الفقرة الأولى من هذه المادة مأخوذة من ( الأشباه ) والثانية مأخوذة من علم أصول الفقه ، وقد ورد في كتاب ( المرأة ) ( ومنه أي من بيان الضرورة السكوت لدى الحاجة إلى البيان بما يدل عليه أي على كون السكوت بيان حال المتكلم أي الذي شأنه التكلم في الحادثة لا أنه المتكلم بالفعل ، فإن السكوت ينافيه ) فالأمثلة على الفقرة الأولى هي كما يأتي : إذا باع شخص مال غيره على مرأى ومسمع منه وسكت عن عمله أي أنه لم ينهه عن البيع ، فلا يعد هذا السكوت من صاحب المال كما ورد في المادة ( 1659 ) رضاء منه بالبيع ، أو إجازة له ، كذا إذا أخبر شخص صاحب مال بأن شخصا باع ذلك المال من آخر فسكت صاحب المال ، فلا يعد سكوته إجازة لبيع الفضولي .
كذلك : إذا أتلف شخص مال آخر بحضوره وسكت ، فلا يعد ذلك من صاحب المال إذنا بإتلاف المال ، كذا : إذا رأى القاضي قاصرا ليس له وصي يتعاطى التجارة وسكت ، فلا يعد ذلك إذنا منه للقاصر بتعاطي التجارة .
كذلك إذا جمع شخص أناسا في مرض موته وأشهدهم على أنه ليس مدينا لأحد من الناس ، وكان لرجل من الحضور عليه دين ولم يتكلم فذلك لا يمنع الرجل بعد وفاة المشهد من الادعاء

(1/117)


بما له عليه من الدين والأمثلة على الفقرة الثانية كما يلي : إذا قبض المشتري المبيع بحضور البائع الذي له حق حبس المبيع ، وسكت ولم يمنعه يعد ذلك منه إجازة له بالقبض ، ولا يحق للبائع بعد قبض المشتري المبيع عملا بالمادة ( 281 ) : استعادة المبيع وحبسه ، كذلك : إذا أراد شخص شراء مال وفيما هو يستلمه من صاحبه أخبره رجل - بأن في المال عيبا فسكت فسكوته يعد رضاء منه بالعيب ، فإذا اشتراه بعد ذلك فليس له أن يرده بخيار العيب .
كذلك : إذا كان شخص ساكنا بطريق الغصب أو العارية في دار آخر ، وقال له صاحب المال ( اسكن في الدار بأجرة كذا وإلا فاخرج منها ) فسكت الساكن وبقي في الدار فيكون قد استأجر تلك الدار ، ورضي بدفع البدل الذي ذكره صاحبها .
كذلك : إذا كان عند رجل راع يرعى له غنمه ، وقال له : إني لا أرعى غنمك بمائة قرش أجرة سنوية ، بل أريد مائتين فسكت صاحب الغنم وبقي الراعي يرعى فيكون صاحب المال قد قبل استئجار الراعي بمائتي قرش ، ويلزمه دفع المائتين .
كذا : إذا باع الراهن المال المرهون بحضور المرتهن وسكت فيكون قد أجاز البيع وأصبح الرهن باطلا ، كذلك : إذا قبض الموهوب له المال الموهوب بحضور الواهب وسكت فيكون ذلك منه بمقتضى المادة ( 843 ) : إذنا بالقبض ، كذلك : إذا باع شخص مال زوجته أو أحد أقاربه من آخر بحضورها على أنه له وسكتت ، فليس للزوجة أو للقريب بعد ذلك أن تدعي بملكية ذلك المال ؛ لأن سكوتها على بيع ذلك المال بحضورها وعدم اعتراضها

(1/118)


إقرار منها بعدم ملكيتها ذلك المال .
كذلك : إذا وهب الدائن الدين لمدينه وسكت المدين فالهبة صحيحة ويسقط الدين .
والسكوت هنا يعد قبولا للهبة .
كذا : إذا ترك شخص مالا عند آخر قائلا : إن هذا المال وديعة وسكت المستودع تنعقد الوديعة ، كذلك : إذا وكل شخص آخر بشيء والوكيل سكت ، وبعد سكوته باشر إجراء الأمر الموكل به ، فلا يكون عمله فضولا .
كذا : سكوت المقر له يعد قبولا كأن يقر شخص بمال لآخر ويسكت المقر له ، فسكوته يعد تصديقا وقبولا بالإقرار .

(1/119)


( المادة 68 ) دليل الشيء في الأمور الباطنة يقوم مقامه .
يعني أنه يحكم بالظاهر فيما يتعسر الاطلاع على حقيقته .
هذه القاعدة مأخوذة من المجامع ويفهم منها أنه إذا كان شيء من الأمور التي لا تظهر للعيان ، فسببه الظاهري يقوم بالدلالة على وجوده ؛ لأن الأمور الباطنة لا يمكن للإنسان أن يستدل عليها إلا بمظاهرها الخارجية .
تعريف الدليل : هو الشيء الذي يستلزم العلم به العلم بشيء آخر : كما لو رأى راء دخانا ينبعث من مكان فيستلزم ذلك بأن يستدل على وجود نار في ذلك المكان .
وإليك الأمثلة الآتية إيضاحا لهذه المادة : إذا أوجب أحد الفريقين البيع وقبل أن يقبل الفريق الآخر ظهر منه قول أو فعل يدل على الإعراض يبطل الإيجاب ، وذلك بمقتضى المادة ( 183 ) فالإعراض هنا هو من الأمور الباطنة ولا يمكن الاطلاع على إعراض إنسان عن شيء إلا بما يظهره من الأفعال ، ومتى ما أظهر شيئا يدل على إعراض ، ولو لم يقصد ذلك حقيقة ، فلأن الأفعال الظاهرة تقوم مقام تلك الأمور ، يتخذ دليلا على الإعراض ، وإيضاحا لهذا المثال نقول : ينعقد البيع بإيجاب وقبول فالإيجاب أول كلام يصدر من أحد العاقدين ، والقبول ثاني كلام يصدر من أحدهما ، ويشترط اتحاد المجلس وعدم وقوع ما يدل على الإعراض بينهما ، ولكن إذا حصل ما يدل على الإعراض قبل القول بطل الإيجاب ، على أنه لا ينعقد البيع فيما لو قبل الفريق الآخر بعد ذلك في نفس المجلس ، كأن يقول شخص لآخر : بعتك المال الفلاني بكذا قرشا

(1/120)


وسكت ذلك الشخص مدة طويلة ، ولم يعمل عملا يدل على إعراض أو غيره ، ثم قال : قبلت .
ينعقد البيع ، ولكن إذا أعرض بقول أو فعل بعد وقوع الإيجاب ، كما لو أخذ يتكلم في موضوع آخر ، أو قام من المجلس أو أجرى أي عمل آخر يدل على الإعراض ، ثم قبل لا ينعقد البيع ؛ لأنه أبطل الإيجاب بإعراضه ، فيلزم تجديد الإيجاب والقبول حتى ينعقد البيع .
كذلك : إذا اشترى شخص حيوانا من آخر ، ولما اطلع على عيب فيه أخذ يداويه ، فبما أن الرضا بالعيب من الأمور الباطنة وما لم يبد من الأمور ما يدل عليه ، وبما أن الأخذ في مداواة الحيوان دليل على الرضاء بالعيب الذي فيه لا يحق له رد المبيع بالعيب الذي فيه .
كذلك : بما أن الملتقط ( وهو الذي أصاب لقطة ) يكون حكمه حكم الغاصب إذا قصد أخذها لنفسه ، وحكم الأمين إذا قصد إعادتها لصاحبها ، وبما أنه لا يمكننا أن نعرف ما يكنه ضميره ويشتمل عليه وجدانه إلا بما يظهره من الأفعال أو الأقوال .
فإذا أشهد حينما وجد اللقطة على أنه إنما التقطها ليعيدها لصاحبها ، وأعلن في الصحف عنها مثلا يستدل من ذلك على أنه يقصد إعادتها وتكون بيده وديعة ، وإذا أخفاها ولم يخبر أحدا بها ولم يعلن عنها فيكون حكمه حكم الغاصب كما تقدم ، فعليه إذا تلف ذلك الملتقط بلا تعد ولا تقصير ، وهو عند الأول لا يضمنه ؛ لأنه أمين والثاني يكون ضامنا على كل حال فيما لو تلف بيده ، كذلك : شهادة الشاهد على ملكية واضع اليد وإن كانت أحيانا تكون بناء على

(1/121)


اطلاعه على سبب من أسباب الملكية كالشراء مثلا ، فهي في الغالب تكون مستندة على الدلائل الظاهرة من تصرف وغيره ، ولو لم تكن تلك الدلائل تقوم مقام مدلولها في الأشياء الباطنة لما حق للشاهد أن يشهد على الملكية ؛ لأنها ليست من الأمور المحسوسة التي تظهر للعيان ، بل لكان ذلك داعيا لسد باب الشهادة على كل حال ، كذلك القصد في القتل يثبت بالأعمال التي تصدر من القاتل ، كاستعماله الآلات الجارحة وضرب المقتول بها عدة ضربات مثلا .

(1/122)


( المادة 69 ) : الكتاب كالخطاب .
هذه المادة هي نفس قاعدة ( الكتاب كالخطاب ) المذكورة في الأشباه .
والمقصود فيها هو أنه كما يجوز لاثنين أن يعقد بينهما مشافهة عقد بيع أو إجارة أو كفالة أو حوالة أو رهن أو ما إلى ذلك من العقود ، يجوز لهما عقد ذلك مكاتبة أيضا .
والكتب على ثلاثة أنواع : ( 1 ) المستبينة المرسومة ( 2 ) المستبينة غير المرسومة ( 3 ) غير المستبينة .
فالمستبينة المرسومة هي أن يكون الكتاب منها مما يقرأ خطه ، ويكون وفقا لعادات الناس ورسومهم ومعنونا .
وقد كان من المتعارف في زمن صاحب ( مجمع الأنهر ) أن يكتب الكتاب على ورق ويختم أعلاه ، وكل كتاب لا يكون على هذه الصورة مكتوبا على ورق ومختوما لا يعد مرسوما ، أما في زماننا فالكتاب يعد مرسوما بالختم والتوقيع على حد سواء ، وذلك بمقتضى المادة ( 1610 ) ولكن إذا كتب كتاب في زماننا على غير الورق مثلا ينظر إذا كان المعتاد أن تكتب الكتب على غير الورق يعتبر ذلك الكتاب ، كما لو كتب على ورق وإلا فلا .
والحاصل أن كل كتاب يحرر على الوجه المتعارف من الناس حجة على كاتبه كالنطق باللسان .
والمستبينة غير المرسومة : هي أن يكون الكتاب مكتوبا على غير ما هو متعارف بين الناس كأن يكون مكتوبا على حائط أو ورق شجر أو بلاطة مثلا ، فالكتاب الذي يكتب على هذه الصورة لغو ولا يعتبر حجة في حق صاحبه إلا إن نوى أو أشهد على نفسه حين الكتابة ، والإملاء يقوم مقام الإشهاد أيضا ؛ لأن الكتابات التي تكون على هذه

(1/123)


الصورة ، كما أنها قد تكون بقصد بيان الحقيقة تكون في الغالب بقصد التجربة أو عبثا ، فتحتاج إلى ما يؤيدها كالنية أو الإشهاد أو الإملاء حتى تعتبر حجة بحق كاتبها .
وغير المستبينة : هي كالكتابة على الماء ، وحكمها حكم الكلام غير المسموع لا يترتب على كاتبها حكم وإن نوى مثال ذلك ، لو كتب شخص عبارة ( إنني مدين بكذا قرشا لفلان ) على سطح ماء نهر أو في الهواء لا يعد مقرا بذلك المبلغ للشخص المذكور .
والمقصود هنا بالكتابة على الماء أو في الهواء - كما لا يخفى - هو تحريك اليد بحروف الكلمات ، كما تحرك بالقلم على صفحة القرطاس .
وفيما يأتي أمثلة على هذه المادة : إذا كتب شخص تحريرا معنونا ومرسوما إلى شخص غائب قائلا فيه : إنني قد بعت منك المال الفلاني بكذا قرشا وقبل المرسل إليه المبيع بذلك المبلغ في مجلس قراءة الكتاب ، أو حرر كتابا للبائع ينبئه بالقول ينعقد البيع ، وذلك بمقتضى المادة ( 173 ) وكذلك الإجارة ، كما ورد في المادة ( 436 ) تنعقد بالمكاتبة ، وكذا ينعزل الوكيل بمجرد اطلاعه على الكتاب المرسل من موكله لعزله .

(1/124)


( المادة 70 ) : الإشارات المعهودة للأخرس كالبيان باللسان .
يفهم من هذه المادة أن إشارة الأخرس المعهودة منه كالإشارة باليد أو الحاجب هي كالبيان باللسان ؛ لأنه لو لم تعتبر إشارته لما صحت معاملته لأحد من الناس ، ولكان عرضة للموت جوعا .
ويفهم من إيراد هذه المادة مطلقة أن إشارة الأخرس تكون معتبرة سواء كان عالما بالكتابة أو غير عالم .
لأن الكتابة والإشارة بدرجة واحدة تقريبا من حيث الدلالة على المراد وإليك ما يختلفان فيه من النقاط .
فالكتابة مقدمة على الإشارة من حيث إنها تتضمن ما يقصده الكاتب عينا ، والإشارة مقدمة على الكتابة من حيث إنها تكون بالرأس واليدين وهما العضوان اللذان يستعين بهما المتكلم للإعراب عن ضميره .
فعليه قد جعل للأخرس الخيار بين أن يستعمل الكتابة في التعبير عن أفكاره ؛ لأنه لا مرجح لواحدة منهما على الأخرى كما قلنا ( تكملة البحر ) .
على أنه قد قال ابن الهمام إشارة الأخرس المقصودة في الكلام هي الإشارة المقارنة لتصويته ؛ لأن الأخرس من عادته عند التعبير عن شيء أن يقرن الإشارة ( بالتصويت ) .
وقد زاد الحموي عليه بقوله : ويشترط أن تكون قراءة الأخرس مقرونة بالتصويت .
فما تقدم من قول ابن الهمام والحموي يفهم أنه من الواجب اقتران التصويت بالإشارة عند القراءة والكلام ، ولكن هل يجب اقتران الإشارة بالتصويت في الإجارة وغيرها من العقود أم لا ؟ فاقتران الإشارة بالتصويت واجب على كل حال بدليل ما أورده

(1/125)


ابن الهمام .
هذا وإشارة الأخرس إذا كانت غير معلومة يحقق من أقاربه وأصدقائه وجيرانه عما يقصد بها ولا ريب في أنه يجب أن يكون المستخبر منهم عدولا موثوقي الشهادة ، وقد قال شراح الهداية أن الإشارة التي تصدر من الأخرس على نوعين : الأول : تحريك الأخرس رأسه عرضا ، فهذه الإشارة إشارة الإنكار .
الثاني : تحريك الأخرس رأسه طولا ، وهي إشارة الإقرار .
وهاتان الإشارتان إذا كانتا معروفتين للأخرس تعد الأولى إذا صدرت منه إنكارا والثانية إقرارا ، على أن الأخرس إذا كان ممن يحسن الكتابة فكتابته معتبرة كإشارته المعروفة .
وقد قيدت الإشارة في هذه المادة بالأخرس ؛ لأنه كما ورد في المادة ( 1586 ) لا تعتبر إشارة الناطق ، كما لو قال شخص لناطق : هل لفلان عليك كذا دراهم .
؟ فلا يكون قد أقر بالدراهم إذا خفض رأسه ، كذا لو باع شخص مال شخص ناطق فبلغه الخبر ، وبينما هو يفكر ويتأمل خاطبه شخص بقوله : هل تجيز البيع .
؟ فحرك رأسه طولا علامة الموافقة للأخرس ، فلا يعتبر ذلك منه إجازة للبيع .
وقد وردت هذه المادة في الأشباه ، وهي كما يأتي : الإشارة من الأخرس مقيدة وقائمة مقام العبارة في كل شيء من بيع ، وإجارة ، وهبة ورهن ، ونكاح ، وطلاق ، وإبراء ، وإقرار ، وقصاص ، والحاصل أنه يحق للأخرس بإشارته المعهودة أن يأتي كل ما يأتيه الناطقون ، يعقد أي عقد أراد ، يجيز ، ويقر ، وينكل عن حلف اليمين ، ويوكل بإدارة أموره ، وذلك بمقتضى المادة ( 174 و 436 و 1586 ) هذا

(1/126)


وإذا نظمت وصية الأخرس بحضوره ، وخاطبه الحاضرون قائلين له هل نشهد عليك ، فأشار بتحريك رأسه الحركة المتعارفة بأنها إشارة له على الموافقة ، يكون قد أوصى بما في الوصية ، بيد أن الخرس على نوعين ( 1 ) خرس أصلي ( 2 ) وخرس عارض .
وبما أنه قد جاء في المادة ذكر الأخرس بدون تعيين فهي شاملة للاثنين ، إلا أنه لما كان المقصود في المادة حقيقة هو الخرس الأصلي والخرس العارض يسمى ( اعتقال اللسان ) وهو يحدث للإنسان بمرض أو خوف أو سقوط من شاهق أو غير ذلك ، وربما زال فانطلق اللسان ، ولما كانت الإشارة إنما جوزت للضرورة ، والضرورة لا تكون إلا عند اليأس من انطلاق اللسان ، فإشارة معتقل اللسان لا تعتبر ، ولا تتخذ حجة بحقه ، ولكن إذا استدام الاعتقال في إنسان حتى موته ، فإقراره قبل موته بإشارته المعروفة يكون معتبرا ، كما لو كان أخرس أصليا .
على أن إشارة الأخرس وكتابته إنما تعتبران وتتخذان حجة في المعاملات الحقوقية فقط ، فشهادة الأخرس إشارة وكتابة لا تعتبر في العقوبات عملا بقاعدة " وجوب درء الحدود بالشبهات "

(1/127)


( المادة 71 ) : يقبل قول المترجم مطلقا .
هذه القاعدة مأخوذة من الأشباه ، والمترجم هو الذي يفسر لغة بأخرى ، والشيخان يريان أنه يقبل قول المترجم الواحد ، أما الإمام محمد فذهب إلى أن من اللازم أن يكون عدد المترجمين لا يقل عن نصاب الشهادة ، ولما جاء ذكر المترجم في هذه المادة وفي المادة ( 127 ) بصيغة المفرد استدل على أن المجلة قد أخذت بقول الشيخين ، وقد اشترط الإمام الأعظم في المترجم ألا يكون أعمى .
فعليه وبمقتضى هذه المادة إذا كان الحاكم غير عارف بلسان المدعي أو المدعى عليه أو شهودهما فعليه أن يستمع ادعاء المدعي أو دفاع المدعى عليه أو شهادة الشهود بواسطة المترجم ، ويجب أن يعتبرها ، كما لو كانت صادرة رأسا من أصحابها ، ويشترط في المترجم أن يكون عدلا وغير أعمى ، كما قلنا ، وإذا أمكن أن يكون مترجمان ، فلا بأس في ذلك احتياطا .

(1/128)


( المادة 72 ) : لا عبرة بالظن البين خطؤه .
هذه القاعدة مأخوذة من الأشباه ويفهم منها أنه إذا وقع فعل بناء على ظن كهذا لا يعتبر ذلك ، فإذا حدث فعل استنادا على ظن ، ثم تبين أنه مخالف للحكم الشرعي يجب عدم اعتباره .
مثال ذلك : لو أوفى كفيل الدين الذي كفل به أحد الناس ، ثم تبين له أن الأصيل كان قبل ذلك أوفى الدين المذكور يحق للكفيل أن يسترد المال المدفوع ، كما يحق للأصيل أيضا فيما لو دفع دينا عليه بعد أن أوفاه عنه الكفيل أن يطالب به الدائن ؛ لأن دفعهما للمال كان عن خطأ لظنهما أن يلزمهما ، ودفع المال خطأ لا يرتب حقا للمدفوع إليه ، ولا يكون مانعا من استرداد ذلك الحق .
كذلك ، إذا ادعى شخص على آخر بألف قرش فقال المدعى عليه للمدعي : إذا حلفت بأن هذا المبلغ الذي تدعيه يلزم ذمتي لك أدفعه لك ، فحلف وظن المطالب بأنه مجبر على أداء المبلغ بموجب الشرط الذي اشترطه على نفسه فدفع المبلغ لكن بعد ذلك إذا تبين له أن اليمين بمقتضى المادة ( 76 ) لا يتوجه على المدعي بل على المدعى عليه المنكر ، يحق له استرداد ما دفعه ، كذلك إذا استهلك أو أتلف شخص مالا لآخر ظانا بأن المال ماله يضمن قيمة ذلك المال .
كذلك : لو كان شخص يشتري من تاجر بضائع ويقيد التاجر ما يشتريه الرجل بدفتره وأراد المشتري دفع ثمن ما أخذه فطلب من التاجر أن يجمع كل ما أخذه منه فغلط التاجر فبدلا من ألف طلب ألفين ودفع المشتري الألفين ، ثم بعد ذلك تبين

(1/129)


له أن المطلوب منه ألف قرش فقط فدفع الألف الثانية للتاجر خطأ ، لا يمنعه من استردادها .
كذلك : لو أعطى شخص آخر مبلغا ظانا بأنه مدين له به ، ثم تبين له أنه غير مدين يحق له استرداد ما دفعه .
كذلك : لو أعطى شخص آخر مبلغا ظانا بأن المبلغ مطلوب من والده لذلك الرجل ، ثم تبين له أن والده لم يكن مدينا لذلك الشخص ، يحق له استرداد المال ( مستثنى هذه القاعدة ) لهذه القاعدة مستثنى واحد ، وهو أنه لو باع شخص حيوانا من آخر فطلبه جاره بالشفعة فظن المشتري بأن الشفعة تجري في المنقول كما في غيره ، وسلم الحيوان للشفيع برضاه واختياره ، فليس له بعد ذلك إذا اطلع على خطئه استرداد الحيوان ؛ لأنه بتسليمه المبيع يكون قد عقد بينه وبين ذلك الرجل عقد تعاط .

(1/130)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية