صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : روضة الطالبين وعمدة المفتين
المؤلف : النووي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وأما كيفية اليمين فقال في الشامل إن صدقنا الخياط حلف بالله ما أذنت لي في قطعه قميصا ولقد أذنت لي في قطعه قباء قال وإن صدقنا المالك كفاه عندي أن يحلف ما أذنت له في قطعه ولا حاجة إلى التعرض لأن وجوب الغرم وسقوط الأجرة يقتضيهما نفي الإذن في القباء وإن قلنا بالتحالف جمع كل واحد في يمينه بين النفي والإثبات كما سبق في البيع قال ابن كج والكلام في البداءة بمن هو كما سبق في البيع والمالك هنا في رتبة البائع.
قلت وقال الشيخ أبو حامد إذا صدقنا الخياط حلف لقد أذنت لي في قطعه قباء فقط فإن لم نثبت للخياط أجرة فهذا أصح من قول صاحب الشامل لأن هذا القدر كاف في نفي الغرم عنه وإن أثبتناها فقول صاحب الشامل هو الصواب والله أعلم.
فرع
قال للخياط إن كان هذا الثوب يكفيني قميصا فاقطعه فقطعه فلم يكفه ضمن الأرش لأن الإذن مشروط بما لم يوجد وإن قال هل يكفيني قميصا فقال نعم فقال أقطعه فقطعه فلم يكفه لم يضمن لأن الإذن مطلق.
فصل
اختلاف المتكاريين في الأجرة أو المدة أو قدر المنفعة هل هي عشرة فراسخ أم خمسة أم كل الدار أم بيت منها يوجب التحالف فإذا تحالفا فسخ العقد وعلى المستأجر أجرة المثل لما استوفاه.
الباب الثالث في الطوارئ الموجبة للفسخ
فالفسخ والانفساخ يثبت بخلل يعرض في المعقود عليه وهو ثلاثة أقسام.
إحداها ما ينقص المنفعة ومتى ظهر بالمستأجرة نقص تتفاوت به الأجرة فهو عيب مثبت للفسخ وذلك كمرض العبد والدابة وانقطاع ماء البئر وتغيره بحيث يمنع الشرب وانكسار دعائم الدار واعوجاجها وانهدام بعض جدرانها لكن لو بادر المؤجر إلى الإصلاح وكان قابلا للإصلاح في الحال سقط خيار المستأجر كما سبق وسواء كان العيب سابقا للعقد أو القبض أو حادثا في يد المستأجر ثم إن ظهر العيب قبل مضي مدة لها أجرة فإن شاء فسخ ولا شيء عليه وإن شاء أجاز بجميع الأجرة وإن ظهر في أثناء المدة فالوجه ما ذكره المتولي وهو أنه إن أراد الفسخ في جميع المدة فهو كما لو اشترى عبدين فتلف أحدهما ثم وجد بالباقي عيبا وأراد الفسخ فيهما وإن أراد الفسخ فيما بقي من المدة فهو كما لو أراد الفسخ في العبد الباقي وحده وحكمهما مذكور في البيع وأطلق الجمهور القول بأن له الفسخ ولم يذكروا هذا التفصيل ومتى امتنع الفسخ فله الارش فيعرف أجرة مثله سليما ومعيبا ويعرف التفاوت بينهما هذا كله في إجارة العين أما إذا وجد في إجارة الذمة بالدابة المسلمة عيبا فلا فسخ بل يردها ويلزم المؤجر إبدالها.
فصل لا تنفسخ الإجارة بالأعذار
سواء كانت إجارة عين أو ذمة وذلك كما إذا استأجر دابة للسفر عليها فمرض أو حانوتا لحرفة فندم أو هلكت آلات تلك الحرفة أو حماما فتعذر الوقود وكذا لو كان العذر للمؤجر بأن مرض وعجز عن الخروج مع الدابة أو أكرى داره وأهله مسافرون فعادوا واحتاج إلى الدار أو تأهل فلا فسخ في شيء منها إذ لا خلل في المعقود عليه.
ولو اكترى أرضا للزراعة فزرعها فهلك الزرع بجائحة من سيل أو شدة حر أو برد أو كثرة مطر ونحوها فليس له الفسخ ولا حط شيء من الأجرة لان الجائحة لحقت زرع المستأجر لا منفعة الأرض فصار كما لو اكترى دكانا لبيع البز فاحترق بزه لا تنفسخ الإجارة.
فلو فسدت الأرض بجائحة أبطلت قوة الإنبات في مدة الإجارة انفسخت الإجارة في المدة الباقية ثم إن كان فساد الأرض بعد فساد الزرع فهل يسترد شيئا من الأجرة فيه احتمالان للإمام أصحهما عند الغزالي المنع لأنه لو بقيت صلاحية الأرض لم يكن للمستأجر فيها نفع بعد فوات الزرع والثاني وبه قطع بعض أصحاب الإمام يسترد لأن بقاء الأرض على صفتها مطلوب فإذا زال ثبت الإنفساخ وإن كان فساد الزرع بعد فساد الأرض فأصح الاحتمالين بالاتفاق الاسترداد.
القسم الثاني فوات المنفعة بالكلية حسا.
فمن صوره موت الدابة والأجير المعين فإن كان قبل القبض أو عقبه قبل مضي مدة لمثلها أجرة انفسخ العقد وإن كان في خلال المدة انفسخ العقد في الباقي وفي الماضي الطريقان فيما إذا اشترى عبدين فقبض أحدهما وتلف الثاني قبل القبض هل ينفسخ البيع في المقبوض فإن قلنا ينفسخ في الماضي سقط المسمى ووجب أجرة المثل لما مضى.

(2/229)


وإن قلنا لا ينفسخ فيه فهل له خيار الفسخ وجهان أصحهما عند الإمام والبغوي لا لأن منافعه استهلكت والثاني نعم وبه قطع ابن الصباغ وآخرون لأن جميع المعقود عليه لم يسلم فإن قلنا له الفسخ ففسخ رجع إلى أجرة المثل وإن قلنا لا فسخ أو أجاز وجب قسط ما مضى من المسمى والتوزيع على قيمة المنفعة وهي أجرة المثل لا على نفس الزمان وذلك يختلف فربما تزيد أجرة شهر على أجرة شهرين لكثرة الرغبات في ذلك الشهر وإن كانت مدة الإجارة سنة ومضى نصفها وأجرة المثل فيه مثلا أجرة المثل في النصف الباقي وجب من المسمى ثلثاه وإن كانت بالعكس فثلثه وإذا أثبتنا الخيار بعيب ففسخ العقد في المستقبل ففي الإنفساخ في الماضي طريقان.
فإن لم ينفسخ فطريق التوزيع ما بيناه وإن أجازه فعليه الأجرة المسماة بتمامها كما لو رضي بعيب المبيع لزمه جميع الثمن وسواء حصل التلف بآفة سماوية أم بفعل المستأجر بل لو قتل العبد أو الدابة المعينة كان حكم الإنفساخ والأجرة ما ذكرناه ويلزمه قيمة ما أتلف وعن ابن أبي هريرة أنه تستقر عليه الأجرة المسماة بالإتلاف كما يستقر الثمن على المشتري بإتلافه والصحيح الأول لأن البيع ورد على العين فإذا أتلفها صار قابضا والإجارة واردة على المنافع ومنافع الزمن المستقبل معدومة لا يتصور ورود الإتلاف عليها وعلى هذا لو عيب المستأجر الدار أو جرح العبد فهو كالتعيب بآفة سماوية في ثبوت الخيار.
فرع انهدام الدار يقتضي الانفساخ نص أن انهدام الدار يقتضي الإنفساخ ونص فيما إذا اكترى أرضا للزراعة ولها ماء معتاد فانقطع أن له فسخ العقد وفيهما ثلاثة طرق أحدها تقرير النصين لأن الدار لم تبق دارا والأرض بقيت أرضا ولأن الأرض يمكن زراعتها بالأمطار والثاني القطع بعدم الإنفساخ وأصحها قولان في المسألتين أظهرهما في الانهدام الانفساخ وفي انقطاع الماء ثبوت الخيار وإنما يثبت الخيار إذا انقطعت الزراعة.
فإن قال المؤجر أنا أسوق إليها ماء من موضع آخر سقط الخيار كما لو بادر إلى إصلاح الدار فإن قلنا بالانفساخ فالحكم كموت العبد وإلا فله الفسخ في المدة الباقية وفي الماضي الوجهان.
فإن منعناه فعليه قسط ما مضى من المسمى وإن أجاز لزمه المسمى كله وقيل يحط للانهدام وانقطاع الماء ما يخصه.
فرع لو غصب العبد المستأجر أو أبق أو ندت الدابة فإن كانت الإجارة في الذمة فعلى المؤجر الإبدال فإن امتنع استؤجر عليه وإن كانت إجارة عين أو غصبت الدار المستأجرة فللمستأجر الخيار.
فإن كان ذلك في أثناء المدة فإن اختار الفسخ فسخ في الباقي وفي الماضي الخلاف السابق وإن لم يفسخ وكان قد استأجر مدة معلومة فانقضت بني على الخلاف فيما إذا أتلف أجنبي المبيع قبل القبض هل ينفسخ البيع أم لا إن قلنا ينفسخ فكذلك الإجارة ويسترد الأجرة وإن قلنا لا ينفسخ فكذلك الإجارة ويتخير بين أن يفسخ ويسترد الأجرة وبين أن يجيز ويطالب الغاصب بأجرة المثل والذي نص عليه الشافعي رضي الله عنه والأصحاب انفساخ الإجارة وإن كان البناء المذكور يقتضي ترجيح عدم الانفساخ لكن المذهب الانفساخ وعلى هذا لو عاد إلى يده وقد بقي بعض المدة فللمستأجر أن ينتفع به في الباقي وتسقط حصة المدة الماضية إلا إذا قلنا إن الانفساخ في بعض المدة يوجب الانفساخ في الباقي فليس له الانتفاع في بقية المدة وإن كان استأجره لعمل معلوم فله أن يستعمله فيه متى قدر عليه وإذا بادر المؤجر إلى الانتزاع من الغاصب ولم تتعطل منفعة على المستأجر سقط خياره كما سبق في إصلاح الدار.
فرع إقرار المؤجر بالمستأجرة للغاصب من المستأجر إذا أقر المؤجر بالمستأجرة للغاصب من المستأجر أو لغيره ففي قبول إقراره في الرقبة قولان أظهرهما القبول فإن قبلناه ففي بطلان حق المستأجر من المنفعة أوجه أصحها لا يبطل والثاني يبطل والثالث إن كانت العين في يد المستأجر تركت في يده إلى انقضاء المدة وإن كانت في يد المقر له لم تنزع منه فإن قلنا بالبطلان فهل يحلف المؤجر فيه الخلاف المذكور في أن المرتهن هل يحلف الراهن إذا أقر بالمرهون وقبلناه؟ فرع للمؤجر مخاصمة من غصب المستأجرة أو سرقها وليس للمستأجر المخاصمة على الأصح المنصوص كالمودع والمستعير ويجري الوجهان في أن المرتهن هل يخاصم لأن له حقا؟

(2/230)


فصل الثوب المعين للخياطة
إذا تلف ففي انفساخ العقد خلاف سبق الأصح عند الإمام وجماعة لا ينفسخ وعن العراقيين والشيخ أبي علي أنه ينفسخ لتعلقه بذلك الثوب وبه قطع ابن الحداد وفيما إذا اكترى دواب في الذمة لحمل خمسة أعبد معينين فمات اثنان منهم وحمل ثلاثة فقال له ثلاثة أخماس الكراء وسقط خمساه والصورة فيما إذا تساوت أوزانهم ويشهد له نص الشافعي رضي الله عنه حيث قال إذا نكحها على خياطة ثوب معين فتلف قبل الخياطة لها مهر المثل قال الشيخ أبو علي والخلاف فيما إذا ألزم ذمته خياطة ثوب بعينه أو حمل متاع بعينه أو عبد فإن العقد وإن كان في الذمة فمتعلق بعين الثوب والمتاع.
أما إذا استأجر دابة بعينها مدة لركوب أو حمل متاع فهلكا فلا ينفسخ العقد بل يجوز إبدال الراكب والمتاع بلا خلاف فإن قلنا لا ينفسخ فأتى بثوب مثله فذاك وإن لم يأت لعجزه أو امتنع مع القدرة حتى مضت مدة إمكان العمل ففي استقرار الأجرة وجهان.
قلت أصحهما لا تستقر والله أعلم.
فإن قلنا تستقر فللمستأجر فسخ العقد على الأصح لأنه ربما لا يجد ثوبا آخر أو لا يريد قطعه.
فرع موت الصبي المعين للتعليم كتلف الثوب المعين للخياطة وكذا الصبي المعين للإرضاع إن لم يكن ولد المرضعة فإن كان ولدها فخلاف مرتب وأولى بالانفساخ لأن درور اللبن على ولدها أكثر من الأجنبي فلا يمكن إقامة غيره مقامه.
فرع لو بدأ له في قطع الثوب المعين وهو باق قال الإمام المتجه أنه لا يجب عليه الإتيان به لكن تستقر عليه الأجرة إذا سلم الأجير نفسه ومضى مدة إمكان العمل إن قلنا تستقر الأجرة بتسليم الأجير نفسه وليس للأجير فسخ الإجارة وإن قلنا لا تستقر فله فسخها وليس للمستأجر الفسخ بحال لأن الإجارة لا تنفسخ بالأعذار.
فصل لا تنفسخ الإجارة بموت المتعاقدين
بل إن مات المستأجر قام وارثه في استيفاء المنفعة مقامه وإن مات المؤجر ترك المال عند المستأجر إلى انقضاء مدة الإجارة فإن كانت الإجارة على الذمة فما التزمه دين عليه فإن كان في التركة وفاء استؤجر منها لتوفيته وإلا فالوارث بالخيار إن شاء وفاه واستحق الأجرة وإن أعرض فللمستأجر فسخ الإجارة.
ولو أوصى بداره لزيد مدة عمر زيد فقبل الوصية وأجرها زيد مدة ثم مات في خلالها انفسخت الإجارة لانتهاء حقه بموته.
فصل
إذا أكرى جمالا فهرب فتارة يهرب بها وتارة يهرب ويتركها عند المستأجر فإن هرب بها نظر فإن كانت الإجارة في الذمة اكترى الحاكم عليه من ماله فإن لم يجد له مالا اقترض عليه من بيت المال أو من المستأجر أو غيره واكترى عليه قال في الشامل ولا يجوز أن يكل أمر الاكتراء إلى المستأجر لأنه يصير وكيلا في حق نفسه وإن تعذر الاكتراء عليه فللمستأجر الفسخ كما لو انقطع المسلم فيه عند المحل فإن فسخ فالأجرة دين في ذمة الجمال إذا عاد بما التزمه وإن كانت إجارة عين فللمستأجر فسخ العقد كما إذا ندت الدابة.
وأما إذا تركها عند المستأجر فإن تبرع بالإنفاق عليها فذاك وإلا راجع الحاكم لينفق عليها وعلى من يقوم بتعهدها من مال المؤجر إن وجده وإلا استقرض عليه كما ذكرنا ثم إن وثق بالمستأجر سلم إليه ما اقترضه لينفق عليها وإلا دفعه إلى من يثق به وإذا لم يجد مالا آخر باع منها بقدر الحاجة لينفق عليها من ثمنه ولا يخرج على الخلاف في بيع المستأجرة لأنه محل ضرورة ويبقى في يد المستأجر إلى انتهاء المدة ولو لم يقترض الحاكم من المستأجر ولكن أذن له في الإنفاق ليرجع جاز على الأظهر كما لو اقترض منه ثم دفعه إليه والثاني المنع ويجعل متبرعا.
وعلى الأول لو اختلفا في قدر ما أنفق فالصحيح أن القول قول المنفق وقيل قول الجمال.
قلت قال أصحابنا إنما يقبل قول المستأجر إذا ادعى نفقة مثله في العادة والله أعلم.

(2/231)


ولو أنفق المستأجر بغير إذن الحاكم مع إمكانه لم يرجع وإن لم يكن حاكم فعلى ما ذكرناه في عامل المساقاة إذا هرب قال الإمام ولو كان هناك حاكم وعسر إثبات الواقعة عنده فهو كما إذا لم يكن حاكم وإذا أثبتنا الرجوع فيما إذا أنفق بغير مراجعة الحاكم فاختلفا في قدره فالقول قول الجمال لأن إنفاقه لم يستند إلى ائتمان من جهة الحاكم قال وفيه احتمال لأن الشرع سلطة عليه وإذا انقضت مدة الإجارة ولم يعد الجمال باع الحاكم منها ما يقضي بثمنه ما اقترضه وحفظ باقيها وإن رأى بيعها لئلا تأكل نفسها فعل.
فصل إذا اكترى دابة أو دارا مدة وقبضها
وأمسكها حتى مضت المدة انتهت الإجارة واستقرت الأجرة سواء انتفع بها في المدة أم لا وليس له الانتفاع بعد المدة فإن فعل لزمه أجرة المثل مع المسمى ولو ضبطت المنفعة بالعمل دون المدة بأن استأجر دابة ليركبها إلى بلد أو ليحمل عليها إلى موضع معلوم وقبضها وأمسكها عنده حتى مضت مدة يمكن فيها السير إليه استقرت عليه الأجرة أيضا وسواء تخلف المستأجر لعذر أم لغيره حتى لو تخلف لخوف الطريق أو عدم الرفقة استقرت الأجرة عليه لأن المنافع تلفت في يده ولأنه يمكنه السفر عليها إلى بلد آخر واستعمالها في البلد تلك وليس للمستأجر فسخ العقد بهذا السبب ولا أن يلزم المؤجر استرداد الدابة إلى تيسر الخروج هذا في إجارة العين فإن كانت على الذمة وسلم دابة بالوصف المشروط فمضت المدة عند المستأجر استقرت الأجرة أيضا لتعين حقه بالتسليم وحصول التمكن ولو كانت الإجارة فاسدة استقرت فيها أجرة المثل بما يستقر به المسمى في الإجارة الصحيحة سواء انتفع أم لا وسواء كانت أجرة المثل أقل من المسمى أو أكثر.
فرع أجر الحر نفسه مدة لعمل معلوم وسلم نفسه فلم يستعمله المستأجر حتى مضت المدة أو مدة يمكن فيها ذلك العمل استقرت الأجرة على الأصح.
ويجري الخلاف فيما إذا ألزم ذمة الحر عملا فسلم نفسه مدة إمكان ذلك العمل ولم يستعمله وطرد المتولي الخلاف فيما إذا التزم الحر عملا في الذمة وسلم عبده ليستعمله فلم يستعمله ووجهه بما يقتضي إثبات خلاف في كل إجارة على الذمة ثم إن قلنا لا تستقر فللأجير أن يرفع الأمر إلى الحاكم ليجبره على الاستعمال.
فرع أكرى عينا مدة ولم يسلمها حتى مضت المدة انفسخت الإجارة لفوات المعقود عليه فلو استوفى منفعة المدة فطريقان أحدهما أنه كإتلاف البائع المبيع قبل القبض والثاني القطع بالانفساخ ولو أمسكها بعض المدة ثم سلمها انفسخت الإجارة في المدة التي تلفت منافعها وفي الباقي الخلاف فيما إذا تلف بعض المبيع قبل القبض فإن قلنا لا ينفسخ فللمستأجر الخيار ولا يبدل زمان بزمان ولو لم تكن المدة مقدرة واستأجر دابة للركوب إلى بلد فلم يسلمها حتى مضت مدة يمكن فيها المضي إليه فوجهان أحدهما تنفسخ الإجارة وهو اختيار الإمام وأصحهما وبه قطع الأكثرون لا تنفسخ لأن هذه الإجارة متعلقة بالمنفعة لا بالزمان ولم يتعذر استيفاؤها فعلى هذا قال الأصحاب لا خيار للمستأجر كما لا خيار للمشتري إذا امتنع البائع من تسليم المبيع مدة ثم سلمه وشذ الغزالي فقال في الوسيط له الخيار لتأخر حقه والمعروف ما سبق ولو كانت الإجارة في الذمة ولم يسلم ما تستوفى المنفعة منه حتى مضت مدة يمكن فيها تحصيل تلك المنفعة فلا فسخ ولا انفساخ بحال لأنه دين تأخر إيفاؤه.
القسم الثالث فوات المنفعة شرعا كفواتها حسا في اقتضاء الانفساخ لتعذر الاستيفاء فإذا استؤجر لقلع سن وجعة أو يد متآكلة أو لاستيفاء قصاص في نفس أو طرف فالإجارة صحيحة على الأصح كما سبق فإذا زال الوجع أو عفي عن القصاص فقد أطلق الجمهور أن الإجارة تنفسخ وفيه كلامان أحدهما أن المنفعة في هذه الإجارة مضبوطة بالعمل دون الزمان وهو غير مأيوس منه لاحتمال عود الوجع فليكن زوال الوجع كغصب المستأجرة حتى يثبت خيار الفسخ دون الإنفساخ والثاني حكى الشيخ أبو محمد وجها أن الإجارة لا تنفسخ بل يستعمل الأجير في قلع مسمار أو وتد ويراعى تداني العملين وهذا ضعيف والقوي ما قيل أن الحكم بالانفساخ جواب على أن المستوفى به لا يبدل فإن جوزناه أمره بقلع سن وجعة لغيره.
فصل إذا آجر الوقف البطن الأول

(2/232)


ثم مات في أثناء المدة فوجهان أحدهما تبقى الإجارة بحالها كما لو آجر ملكه فمات وأصحهما المنع لأن المنافع بعد موته لغيره ولا ولاية له عليه ولا نيابة ثم عبارة الجمهور بالانفساخ وعدمه ففي وجه ينفسخ وفي وجه لا ينفسخ واستبعدها الصيدلاني والإمام وطائفة لأن الانفساخ يشعر بسبق الانعقاد وجعلوا الخلاف في أنا هل نتبين البطلان لأنا تبينا أنه تصرف في غير ملكه ثم إن أبقينا الإجارة فحصة المدة الباقية من الأجرة تكون للبطن الثاني فإن أتلفها الأول فهي دين في تركته وليس كما لو أجر ملكه ومات في المدة حيث تكون جميع الأجرة تركة تقضى منها ديونه وتنفذ وصاياه لأن التصرف ورد على خالص ملكه والباقي له بعد الإجارة رقبة مسلوبة المنفعة في تلك المدة فتنتقل خلى الوارث كذلك وإن قلنا لا تبقى الإجارة فهل تبطل فيما مضى قال ابن الصباغ يبنى على الخلاف في تفريق الصفقة فإن قلنا لا تفرق كان للبطن الأول أجرة المثل لما مضى أما إذا أجر الوقف متولية فموته لا يؤثر في الإجارة على الصحيح لأنه ناظر للجميع وقيل تبطل الإجارة كما سيأتي في ولي الصبي إن شاء الله تعالى.
فرع للولي إجارة الطفل وماله أبا كان أو وصيا أو قيما إذا رأى المصلحة فيها لكن لا يجاوز مدة بلوغه بالسن فلو أجره مدة يبلغ في أثنائها بأن كان ابن سبع سنين فأجره عشر سنين فطريقان قال الجمهور يبطل فيما يزيد على مدة البلوغ وفيما لا يزيد قولا تفريق الصفقة والثاني القطع بالبطلان في الجميع وهو الأصح عند البغوي.
قلت واختاره أيضا ابن الصباغ والله أعلم.
ويجوز أن يؤجره مدة لا يبلغ فيها بالسن وإن احتمل بلوغه بالاحتلام لأن الأصل بقاء الصبا فلو انفق في الاحتلام في أثنائها فوجهان أصحهما عند الصاحب ولأن المهذب والروياني بقاء الإجارة وأصحهما عند الإمام والمتولي لا تبقى.
قلت صحح الرافعي في المحرر الثاني والله أعلم.
ثم التعبير عن هذا بالانفساخ أو تبين البطلان كما ذكرنا في مسألة الوقف وإذا قلنا لا تبقى الإجارة جاء فيما مضى خلاف تفريق الصفقة وإذا قلنا تبقى فهل له خيار الفسخ إذا بلغ وجهان أصحهما لا كما لو زوجها ثم بلغت.
فرع تأجير مال المجنون أجر الولي مال المجنون فأفاق في أثناء المدة فهو كبلوغ الصبي بالاحتلام.
فصل أجر عبده ثم أعتقه
لو أجر عبده ثم أعتقه نفذ لأن إعتاق المغصوب والآبق نافذ فهذا أولى ولا تنفسخ الإجارة على الصحيح ولا خيار للعبد على الأصح ولا يرجع على السيد بأجرة المثل للمدة الواقعة بعد العتق على الأظهر الجديد وقيل على الأصح فإن قلنا يرجع فنفقته في تلك المدة على نفسه لأنه مالك لمنفعة نفسه وإن قلنا لا يرجع فهل هي على سيده لإدامة حبسه أم في بيت المال لأنه حر عاجز وجهان أصحهما الثاني.
قلت فإن قلنا النفقة على السيد فوجهان أحدهما تجب بالغة ما بلغت وأصحهما يجب أقل الأمرين من أجرة مثله وكفايته والله أعلم.
ولو ظهر بالعبد عيب بعد العتق وفسخ المستأجر الإجارة فالمنافع للعتيق إن قلنا يرجع بمنافعه على السيد وإلا فهل هي له أم للسيد وجهان.
قلت الأصح كونها للعتيق والله أعلم.
ولو أجر عبده ومات وأعتقه الوارث في المدة ففي انفساخ الإجارة ما سبق فإن قلنا لا انفساخ لم يرجع هنا على المعتق بشيء بلا خلاف ولو أجر أم ولده ومات في المدة عتقت وفي بطلان الإجارة الخلاف المذكور فيما إذا أجر البطن الأول الوقف ومات وكذا الحكم في إجارة المعلق عتقه بصفة قال البغوي وإنما تجوز إجارته مدة لا تتحقق الصفة فيها فإن تحققت فهو كإجارة الصبي مدة يتحقق بلوغه فيها.
قلت هذا الذي قاله البغوي ظاهر إن منعنا بيع العين المستأجرة فإن جوزناه فينبغي أن يقطع بجواز إجارته هنا لأنه متمكن من بيعه وإبقاء الإجارة إلى انقضاء مدتها بخلاف مسألة الصبي لكن قد يقال وإن تمكن فقد لا يفعل والله أعلم.
فرع
كتابة العبد المكرى جائزة عند ابن القطان باطلة عند ابن كج قلت الثاني أقوى والله أعلم. فإن جوزناها عاد الخلاف في الخيار وفي الرجوع على السيد.
قلت ومن مسائل الفصل ما ذكره ابن كج وهو خارج عن القواعد السابقة أنه لو أكرى دارا لعبد ثم قبض العبد وأعتقه فانهدمت الدار رجع على المعتق بقدر ما بقي في المدة من قيمة العبد والله أعلم.

(2/233)


فصل بيع العين المستأجرة
إذا باع العين المستأجرة فله حالان.
الأول البيع للمستأجر وهو صحيح قطعا ثم في الإجارة وجهان أحدهما تنفسخ قاله ابن الحداد ويعبر عنه بأن الإجارة والملك لا يجتمعان وأصحهما لا تنفسخ.
فعلى الأول يرجع المستأجر على المؤجر بقية المدة على الأصح وقال ابن الحداد لا يرجع.
ولو فسخ المستأجر البيع بعيب لم يكن له الإمساك بحكم الإجارة لأنها قد انفسخت بالشراء.
ولو تلفت العين لم يرجع على البائع بشيء لأن الإجارة غير باقية عند التلف وعلى الوجه الثاني الأصح وهو أن الإجارة لا تنفسخ بالشراء ففي صورة فسخ البيع بالعيب له الإمساك بحكم الإجارة ولو فسخ عقد الإجارة رجع على البائع بأجرة بقية المدة وفي صورة التلف تنفسخ الإجارة بالتلف وحكمه ما سبق وتتخرج على الخلاف في أن الإجارة والملك هل يجتمعان مسائل.
إحداها أوصى لزيد برقبة دار ولعمرو بمنفعتها وأجرها لعمرو ففي صحة الإجارة الوجهان.
الثانية مات المستأجر ووارثه المؤجر ففي انفساخها الوجهان.
الثالثة أجر المستأجر العين المستأجرة للمالك جاز على الصحيح المنصوص كما يجوز أن يبيعه ما اشتراه منه ومنعه ابن سريج لاجتماع الملك والإجارة.
الرابعة أجر داره لابنه ومات الأب في المدة ولا وارث له غير الابن المستأجر وعليه ديون مستغرقة بني أولا على أن الوارث هل يملك التركة وهناك دين مستغرق إن قلنا لا يملك بقيت الإجارة بحالها وإن قلنا يملك وهو الصحيح فعلى الأصح لا تنفسخ الإجارة وعلى قول ابن الحداد تنفسخ لأن الملك طرأ على الإجارة بحالها وادعى الروياني أن هذا أصح وإذا انفسخت الإجارة قال ابن الحداد الابن غريم يضارب بأجرة بقية المدة للغرماء ووافقه بعضهم وخالفه المعتبرون لأنه خلاف ما سبق عنه في الشراء أنه لا يرجع وضعفوا الفرق.
ولو مات الأب المؤجر عن ابنين أحدهما المستأجر فعلى الأصح لا تنفسخ الإجارة في شيء من الدار ويسكنها المستأجر إلى انقضاء المدة ورقبتها بينهما بالإرث وقال ابن الحداد تنفسخ الإجارة في النصف الذي يملكه المستأجر وله الرجوع بنصف أجرة ما انفسخ العقد فيه لأن مقتضى الانفساخ في النصف الرجوع بنصف الأجرة لكنه خلف ابنين والتركة في يدهما والدين الذي يلحقها يتوزع فيخص الراجع الربع ويرجع بالربع على أخيه فإن لم يترك الميت سوى الدار بيع من نصيب الأخ المرجوع عليه بقدر ما يثبت به الرجوع وهذا بعيد عند الأئمة لأن الابن المستأجر ورث نصيبه بمنافعه وأخوه ورث نصيبه مسلوب المنفعة ثم قد تكون أجرة مثل الدار في تلك المدة مثلي ثمنها فإذا رجع على الأخ بربع الأجرة احتاج إلى بيع نصيبه فيكون أحدهما قد فاز بجميع نصيبه وبيع نصيب الآخر وحده في دين الميت قال الشيخ أبو علي ولو لم يخلف إلا الابن المستأجر ولا دين عليه فلا فائدة في الانفساخ ولا أثر له لأن الكل له سواء أخذ بالإرث أو أخذ مدة الإجارة بالإجارة وبعدها بالإرث وسواء أخذ بالدين أم بالإرث.
فرع أجر البطن الأول الوقف للبطن الثاني ومات المؤجر في المدة فإن قلنا لو أجر أجنبيا بطلت الإجارة فهنا أولى وإلا فوجهان لأنه طرأ الاستحقاق في مدة الإجارة قال الإمام وهذا أولى بارتفاع الإجارة.
الحال الثاني البيع لغير المستأجر وهو صحيح على الأظهر عند الأكثرين ويجري القولان سواء أذن المستأجر أم لا وإذا صححنا لم تنفسخ الإجارة كما لا ينفسخ النكاح ببيع المزوجة ويترك في يد المستأجر إلى انقضاء المدة وللمشتري فسخ البيع إن كان جاهلا وإن كان عالما فلا فسخ له ولا أجرة لتلك المدة وكذا لو كان جاهلا وأجاز ذكره البغوي ويشبه أن يكون على الخلاف في مدة بقاء الزرع إذا باع أرضا مزروعة.
ولو وجد المستأجر به عيبا وفسخ الإجارة أو عرض ما تنفسخ به الإجارة بمنفعة بقية المدة لمن يكون وجهان قال ابن الحداد للمشتري وقال أبو زيد للبائع لأن المشتري لم يملك منافع تلك المدة وبناهما المتولي على أن الرد بالعيب يرفع العقد من أصله أم من حينه إن قلنا بالأول فهي للمشتري وكأن الإجارة لم تكن وإن قلنا من حينه فللبائع لأنه لم يوجد عند الرد ما يوجب الحق للمشتري.

(2/234)


قال ولو تقايلا الإجارة فإن قلنا الإقالة بيع فهي للبائع وإن قلنا فسخ فكذلك على الصحيح لأنها ترفع العقد من حينها قطعا وإذا حصل الانفساخ رجع المستأجر بأجرة بقية المدة على البائع قال ابن كج ويحتمل أن يرجع على المشتري.
فرع القولان في صحة بيع المستأجر يجريان في هبته وتجوز الوصية به قطعا.
فرع باع عينا واستثنى منفعتها لنفسه لو باع عينا واستثنى منفعتها لنفسه سنة أو شهرا فطريقان أحدهما يحكى عن ابن سريج أنه على قولي بيع المستأجر والمذهب القطع ببطلان العقد.
فصل في مسائل منثورة تتعلق بالباب الأول
إحداها قال ألزمت ذمتك نسج ثوب صفته كذا على أن تنسجه بنفسك لم يصح العقد لأنه غرر فأشبه السلم في شيء معين.
الثانية يصح استئجار الأرض بما يستأجر به الثوب والعبد من الدراهم والطعام وما تنبت الأرض وغيرها إذا عين أو وصف.
الثالثة إذا استأجر دابة ليركبها إلى بلد بعشرة دنانير وجب نقد بلد العقد ولو كانت الإجارة فاسدة فالاعتبار في أجرة المثل بموضع إتلاف المنفعة نقدا أو وزنا.
الرابعة تجوز إجارة المصحف والكتب لمطالعتها والقراءة منها.
الخامسة لا يجوز أن يستأجر بركة ليأخذ منها السمك فلو استأجرها ليحبس فيها الماء حتى يجتمع فيها السمك جاز على الصحيح.
السادسة يصح من المستأجر إجارة ما استأجره بعد قبضه سواء أجر بمثل ما استأجر أم بأقل أم بأكثر وفي إجارته قبل القبض وجهان قال ابن سريج يجوز والأصح المنع فعلى هذا في إجارته المؤجر وجهان كبيع المبيع للبائع قبل قبضه.
قلت الأصح صحة إجارته للمؤجر والله أعلم.
السابعة المستعير لا يكري فلو استعار ليكريه لم يصح على الأصح وقيل يجوز كما لو استعاره ليرهنه.
الثامنة أجر ناظر المسجد حانوته الخراب بشرط أن يعمره المستأجر بماله ويكون ما أنفقه محسوبا من أجرته لم تصح الإجارة لأنه عند الإجارة غير منتفع به.
التاسعة لا تجوز إجارة الحمام بشرط أن تكون مدة تعطله بسبب العمارة ونحوها محسوبة على المستأجر ولا على المؤجر لا بمعنى انحصار الإجارة في المدة في الباقي لأن المدة تصير مجهولة ولا بمعنى استيفاء مثلها بعد المدة لان آخر المدة يصير مجهولا.
العاشرة استأجره ليبيع له شيئا معينا جاز لأن الظاهر أنه يجد راغبا ولشراء شيء معين لا يجوز لأن رغبة مالكه في البيع غير مظنونة ولشراء شيء موصوف يجوز ولبيع شيء معين لا يجوز.
الحادية عشرة لو أراد استئجاره للخروج إلى بلد السلطان والتظلم للمستأجر وعرض حاله في المظالم قال القفال في الفتاوى يستأجر مدة كذا ليخرج إلى موضع كذا ويذكر حاله في المظالم ويسعى في أمره عند من يحتاج إليه فتصح الإجارة لأن المدة معلومة وإن كان في العمل جهالة كما لو استأجره يوما ليخاصم غرماءه قال ولو بدا للمستأجر فله أن يستعمله فيما ضرره مثل ذلك.
الثانية عشرة حكى ابن كج عن نص الشافعي رضي الله عنه أنه لا تصح إجارة الأرض حتى ترى لا حائل دونها من زرع وغيره وفي هذا تصريح بأن إجارة الأرض المزروعة لا تصح توجيها بأن الزرع يمنع رؤيتها وفيها معنى آخر وهو تأخر التسليم والانتفاع عن العقد ومشابهته إجارة الزمان المستقبل ويقرب منه ما لو أجر دارا مشحونة بطعام وغيره وكان التفريغ يستدعي مدة ورأيت للأئمة فيما جمع من فتاوى القفال جوابين فيه.
أحدهما أنه إن أمكن التفريغ في مدة ليس لمثلها أجرة صح العقد وإلا فلا لأنه إجارة مدة مستقبلة.
والثاني أنه إن كان يذهب في التفريغ جميع مدة الإجارة لم يصح وإن كان يبقى منها شيء صح ولزم قسطه من الأجرة إذا وجد فيه التسليم وخرجوا على الجوابين ما إذا استأجر دارا ببلد آخر فإنه لا يتأتى التسليم إلا بقطع المسافة بين البلدين وما إذا باع جمدا وزنا وكان ينماع بعضه إلى أن يوزن.
قلت الصحيح من الجوابين هو الأول بل قد تقدم في الشرط الثالث من الركن الرابع من الباب الأول وجه أنه لا تصح إجارة المشحونة بالقماش وإن أمكن تفريغها في الحال وتقدم هناك أن المذهب صحة إجارة الأرض المستورة بالماء للزراعة وليس هو مخالفا للمذكور هنا لأن التعليل هناك بأن الماء من مصالحها مفقود هنا والأصح عندي فيما إذا استأجر دارا ببلد آخر الصحة وفي الجمد المنع لإمكان بيعه جزافا والله أعلم.

(2/235)


الثالثة عشرة إذا استأجر للخدمة وذكر وقتها من الليل والنهار وفصل أنواعها صح وإن أطلق فقد حكي عن النص المنع والمذهب الجواز ويلزم ما جرت العادة به وفصل القاضي أبو سعد بن أبي يوسف أنواعها فقال يدخل في هذه الإجارة غسل الثوب وخياطته والخبز والعجن وإيقاد النار والتنور وعلف الدابة وحلبها وخدمة الزوجة والغرس في الدار وحمل الماء إلى الدار للشرب وإلى المتوضئ للطهارة وعن سهل الصعلوكي أن علف الدابة وحلبها وخدمة الزوجة لا تدخل إلا بالتنصيص عليها وينبغي أن يكون الحكم كذلك في خياطة الثوب وحمل الماء إلى الدار ويجوز أن يختلف الحكم فيه بالعادة وذكر بعض شراح المفتاح أنه ليس له إخراجه من البلدة إلا أن يشرط عليه مسافة معلومة من كل جانب وأن عليه المكث عنده إلى أن يفرغ من صلاة العشاء الآخرة.
قلت المختار في هذا كله الرجوع إلى عادة الخادم في ذلك البلد وذلك الوقت ويختلف ذلك باختلاف مراتب المستأجرين وباختلاف الأجراء وفي الذكورة والأنوثة من الطرفين وغير ذلك فيدخل ما اقتضته العادة دون غيره والله أعلم.
الرابعة عشرة استأجره على القيام على ضيعة قام عليها ليلا ونهارا على المعتاد.
الخامسة عشرة استأجره للخبز بين أنه يخبز أقراصا أو أرغفة غلاظا أو رقاقا وأنه يخبز في تنور أو فرن وآلات الخبز على الأجير إن كانت إجارة على الذمة وإلا فعلى المستأجر وليس على الأجير إلا تسليم نفسه والقول فيمن عليه الحطب كالحبر في حق الوراق.
السادسة عشرة قال بعض شراح المفتاح لو اكترى دابة ليركبها فرسخين لم يجز حتى يبين شرقا أو غربا فإذا بين فأراد العدول إلى غيرها فللمكري منعه لأن المعين قد يكون أسهل أو له فيه غرض وهذا يخالف ما سبق فليجعل وجها.
فصل في مسائل تتعلق بالباب الثاني
إحداها استأجره لعمل مدة يكون زمن الطهارة والصلوات فرائضها وسننها الرواتب مستثنى ولا ينقص من الأجرة وسواء فيه الجمعة وغيرها وعن ابن سريج جواز ترك الجمعة بهذا السبب حكاه أبو الفضل بن عبدان والسبوت في استئجار اليهودي مستثناة إن أطرد عرفهم قال الغزالي في الفتاوى.
الثانية استأجر مرضعة لتعهد الصبي فالدهن على أبيه فإن جرى عرف البلد بخلافه فوجهان.
الثالثة استأجره لحمل حطب إلى داره وهي ضيقة الباب هل عليه إدخاله الدار فيه قولان للعرف ولا يكلف صعود السطح به.
الرابعة استأجره لغسل ثياب معلومة فحملها إليه حمال فإن شرطت أجرته على أحدهما فذاك وإلا فعلى الغسال لأنه من تمام الغسل.
الخامسة استأجره لقطع أشجار بقرية لم تجب عليه أجرة الذهاب والمجيء لأنهما ليسا من العمل ذكر هذه المسائل الأربع أبو عاصم العبادي.
السادسة استأجر دابة ليركبها ويحمل عليها كذا رطلا فركب وحمل وأخذ في السير فأراد المؤجر أن يعلق عليها مخلاة أو سفرة أو نحوهما من قدام القتب أو من خلفه أو أن يردف معه رديفا فللمستأجر منعه.
السابعة استأجر دابة ليركبها إلى موضع معلوم فركبها إليه فعن صاحب التقريب أن له أن يردها إلى الموضع الذي سار منه إلا أن ينهاه صاحبها وقال الأكثرون ليس له ردها بل يسلمها إلى وكيل المالك إن كان وإلا فإلى الحاكم هناك فإن لم يكن حاكم فإلى أمين فإن لم يجد أمينا ردها أو استصحبها إلى حيث يذهب كالمودع يسافر بالوديعة للضرورة وإذا جاز له الرد لم يجز له الركوب بل يسوقها أو يقودها إلا أن يكون بها جماح لا تنقاد إلا بالركوب وبمثله لو استعار للركوب إليه قال العبادي له الركوب في الرد لأن الرد لازم له فالإذن تناوله بالعرف والمستأجر لا رد عليه.
الثامنة استأجر دابة للركوب إلى مكان فجاوزه لزمه المسمى للمكان وأجرة المثل للزيادة ويصير ضامنا من وقت المجاوزة فإن ماتت لزمه أقصى القيم من حينئذ إن لم يكن معها صاحبها ولا يبرأ عن الضمان بردها إلى ذلك الموضع وإن كان معها صاحبها فإن تلفت بعدما نزل وسلمها إليه فلا ضمان عليه وإن تلفت وهو راكب نظر إن تلفت بالوقوع في بئر ونحوه ضمن جميع القيمة وإن لم يحدث سبب ظاهر فقيل تلزم كل القيمة أيضا والأصح لا يلزمه الكل بل النصف في قول.

(2/236)


ومقتضى التوزيع على المسافتين في قول كما سبق فيما إذا حمل أكثر من المشروط لأن الظاهر حصول التلف بكثرة التعب وتعاقب السير حتى لو قام في المقصد قدر ما يزول فيه التعب ثم خرج بغير إذن المالك ضمن الكل وإذا استأجر ليركب ويعود فلا يلزمه لما جاوز أجرة المثل لأنه يستحق قطع قدر تلك المسافة ذهابا ورجوعا بناء على أن يجوز العدول إلى مثل الطريق المعين.
قلت ولا يجوز أن يركبها بعد المجاوزة جميع الطريق راجعا بل يركبها بقدر تمام مسافة الرجوع والله أعلم.
ثم إن قدر في هذه الإجارة مدة مقامه في المقصد فذاك وإلا فإن لم يزد على مدة المسافرين انتفع بها في الرجوع وإن زاد حسبت الزيادة عليه.
التاسعة أستأجر دابة للركوب إلى عشرة فراسخ فقطع نصف المسافة ثم رجع لأخذ شيء نسيه راكبا انتهت الإجارة واستقر جميع الأجرة لأن الطريق لا تتعين وكذا لو أخذ الدابة وأمسكها يوما في البيت ثم خرج فإذا بقي بينه وبين المقصد يوم استقرت الأجرة ولم يجز له الركوب بعده وكذا لو ذهب في الطريق لاستقاء ماء أو شراء شيء يمينا وشمالا كان محسوبا من المدة ويترك الانتفاع إذا قرب من المقصد بقدره.
العاشرة دفع إليه ثوبا ليقصره بأجرة ثم استرجعه فقال لم أقصره بعد فلا أرده فقال صاحب الثوب لا أريد أن تقصره فأردده إلي فلم يرد وتلف الثوب عنده لزمه ضمانه وإن قصره ورده فلا أجرة له وعلى هذا قياس الغزل عند النساج ونظائره.
قلت صورة المسألة إذا لم يقع عقد صحيح والله أعلم.
الحادية عشرة استأجره ليكتب صكا في هذا البياض فكتبه خطأ فعليه نقصان الكاغد وكذا لو أمره أن يكتب بالعربية فكتب بالعجمية أو بالعكس.
قلت ولا أجرة له ويقرب منه ما ذكره الغزالي في الفتاوى أنه لو استأجره لنسخ كتاب فغير ترتيب الأبواب قال إن أمكن بناء بعض المكتوب بأن كان عشرة أبواب فكتب الباب الأول آخرا منفصلا بحيث يبنى عليه استحق بقسطه من الأجرة وإلا فلا شيء له والله أعلم.
الثانية عشرة استأجر دابة لحمل الحنطة من موضع كذا إلى داره يوما إلى الليل مترددا مرات فركبها في عوده فعطبت الدابة ضمن على الأصح لأنه استأجرها للحمل لا للركوب وقيل لا يضمن للعرف ذكرهما العبادي.
الثالثة عشرة العامل في المزارعة الصحيحة لو ترك السقي متعمدا ففسد الزرع ضمن لأنه في يده وعليه حفظه.
الرابعة عشرة تعدى المستأجر بالحمل على الدابة فقرح ظهرها وهلكت منه لزمه الضمان وإن كان الهلاك بعد الرد إلى المالك.
فصل في مسائل تتعلق بالباب الثالث
إحداها في المنثور للمزني لأنه لو استأجر لخياطة ثوب فخاط بعضه واحترق الثوب استحق الأجرة لما عمل. وإن قلنا ينفسخ العقد استحق أجرة المثل وإلا فقسط المسمى.
ولو استأجره لحمل جرة إلى موضع فزلق في الطريق فانكسرت لا شيء له من الأجرة. والفرق أن الخياطة تظهر على الثوب فوقع العمل مسلما بظهور أثره والحمل لا يظهر على الجرة.
الثانية أجر أرضا فغرقت بسيل أو ماء نبع منها فإن لم يتوقع الخسارة في مدة الإجارة فهو كانهدام الدار وإن توقع فللمستأجر الخيار كما لو غصبت فإن أجاز سقط من الأجرة بقدر ما كان الماء عليها وإن غرق نصفها وقد مضى نصف المدة انفسخ العقد فيه والمذهب أنه لا ينفسخ في الباقي بل له الخيار فيه في بقية المدة فإن فسخ وكانت أجرة المدة لا تتفاوت فعليه نصف المسمى للمدة الماضية وإن أجاز فعليه ثلاثة أرباع المسمى فالنصف للماضي والربع للباقي.
الثالثة تعطل الرحى لانقطاع الماء والحمام لخلل في الأبنية أو لنقص الماء في بئره ونحوه كانهدام الدار وكذا لو استأجر قناة فانقطع ماؤها.
فلو نقص ثبت الخيار ولم ينفسخ ولو استأجر طاحونتين متقابلتين فنقص الماء وبقي ماء تدور به إحداهما ولم يفسخ قال العبادي تلزمه أجرة أكثرهما.

(2/237)


الرابعة قال في التتمة لو دفع غزلا إلى نساج واستأجره لنسج ثوب طوله عشرة في عرض معلوم فجاء بالثوب وطوله أحد عشر لا يستحق شيئا من الأجرة وإن جاء به وطوله تسعة فإن كان طول السدى عشرة استحق من الأجرة بقدره لأنه لو أراد أن ينسج عشرة لتمكن منه وإن كان طوله تسعة لم يستحق شيئا لمخالفته ولو كان الغزل المدفوع إليه مسدى استأجره كما ذكرنا ودفع إليه من اللحمة ما يحتاج إليه فجاء به أطول في العرض المشروط لم يستحق للزيادة شيئا وإن جاء به أقصر في العرض المشروط استحق بقدره من الأجرة وإن وافق في الطول وخالف في العرض فإن كان أنقص نظر إن كان ذلك لمجاوزته القدر المشروط من الصفاقة لم يستحق شيئا من الأجرة لأنه مفرط لمخالفته وإن راعى المشروط في صفة الثوب رقة وصفاقة فله الأجرة لأن الخلل والحالة هذه من السدى وإن كان زائدا فإن أخذ بالصفاقة لم يستحق شيئا وإلا استحق الأجرة بتمامها لأنه زاد خيرا.
الخامسة مهما ثبت الخيار لنقص فأجاز ثم أراد الفسخ فإن كان ذلك السبب بحيث لا يرجى زواله بأن انقطع الماء ولم يتوقع عوده فليس له الفسخ لأنه عيب واحد وقد رضي به وإن كان بحيث يرجى زواله فله الفسخ ما لم يزل لأن الضرر يتجدد كما لو تركت المطالبة بعد مدة الإيلاء أو الفسخ بعد ثبوت الإعسار فلها العود إليه وكذا لو اشترى عبدا فأبق قبل القبض وأجاز ثم أراد الفسخ فله ذلك ما لم يعد العبد.
فصل
لو أراد المستأجر أن يستبدل عن المنفعة فإن كانت الإجارة في الذمة لم يجز وإن كانت إجارة عين قال البغوي هو كما لو أجر العين المستأجرة للمؤجر وفيه وجهان أصحهما الجواز وإن جرى بعد القبض.
فصل لو ضمن رجل العهدة للمستأجر
ففي الفتاوى أنه يصح ويرجع عليه عند ظهور الاستحقاق وعن ابن سريج أنه لا يصح.
قلت ومما يتعلق بكتاب الإجارة مسائل.
إحداها إذا توجه الحبس على الأجير قال الغزالي في الفتاوى إن أمكن العمل في الحبس جمع بينهما وإن تعذر فإن كانت الإجارة على العين قدم حق المستأجر كما يقدم حق المرتهن ولأن العمل مقصود في نفسه والحبس ليس مقصودا في نفسه ثم القاضي يستوثق عليه مدة العمل إن خاف هربه على ما يراه وإن كانت الإجارة في الذمة طولب بتحصيله بغيره فإن امتنع حبس بالحقين.
الثانية لا يلزم المؤجر أن يدفع عن العين المستأجرة الحريق والنهب وغيرهما وإنما عليه تسليم العين ورد الأجرة إن تعذر الاستيفاء وأما المستأجر فإن قدر على ذلك من غير خطر لزمه كالمودع.
الثالثة إذا وقعت الدار على متاع المستأجر فلا شيء على المؤجر ولا أجرة تخليصه.
الرابعة استأجره لبناء درجة فلما فرغ منها انهدمت في الحال فهذا قد يكون لفساد الآلة وقد يكون لفساد العمل والرجوع فيه إلى أهل العرف فإن قالوا هذه الآلة قابلة للعمل المحكم وهو المقصر لزمه غرامة ما تلف.
الخامسة إذا جعل غلة في المسجد وأغلقه لزمه أجرته لأنه كما يضمن المسجد بالإتلاف يضمن منفعته ذكر هذه المسائل الخمس الغزالي في الفتاوى وتقييده في المسجد بما إذا أغلقه لا حاجة إليه بل لو لم يغلقه ينبغي أن تجب الأجرة للعلة المذكورة.
السادسة استأجر بهيمة إلى بلد لحمل متاع ثم أراد في أثناء الطريق بيعه والرجوع وطلب رد بعض الأجرة فليس له شيء لأن الإجارة عقد لازم بل إن باعه فله حمل مثله إلى المقصد المسمى.
السابعة في فتاوى القاضي حسين أنه لو أكره الإمام رجلا على غسل ميت فلا أجرة له لأن غسله فرض كفاية فإذا فعله بأمر الإمام وقع عن الفرض ولو أكرهه بعض الرعية لزمه أجرة المثل لأنه مما يستأجر عليه هذا كلام القاضي حسين ووافقه جماعة قال إمام الحرمين هذا إذا لم يكن للميت تركة ولا في بيت المال سعة فإن كان له تركة فمؤنة تجهيزه في تركته وإلا ففي بيت المال إن اتسع فيستحق المكره الأجرة قال الرافعي في أوائل كتاب السير هذا التفصيل حسن فيحمل عليه إطلاقهم.
الثامنة أجرت نفسها للإرضاع هل عليها الفطر في رمضان إذا احتاج الرضيع إليه فيه كلام سبق واضحا في كتاب الصيام.
التاسعة استأجر ابنة الذي بلغ سنا يعمل مثله فيه ليسقط نفقته عن نفسه عليه وينفق عليه من أجرته جاز كما يشتري ماله ذكره في فتاوى القاضي حسين والله أعلم.
كتاب الجعالة

(2/238)


هي أن يقول من رد عبدي الآبق أو دابتي الضالة ونحو ذلك فله كذا وهي عقد صحيح للحاجة وأركانه أربعة.
أحدها الصيغة الدالة على الإذن في العمل بعوض يلتزمه فلو رد آبقا أو ضالة بغير إذن مالكها فلا شيء له سواء كان الراد معروفا برد الضوال أم لا ولو قال لزيد رد آبقي ولك دينار فرده عمرو لم يستحق شيئا لأنه لم يشرط له ولو رده عبد زيد استحق زيد لأن يد عبده يده ولو قال من رده فله كذا فرده من لم يبلغه نداؤه لم يستحق شيئا لأنه متبرع فإن قصد التعوض لاعتقاده أن مثل هذا العمل لا يحبط لم يستحق شيئا على المذهب ولا أثر لاعتقاده وعن الشيخ أبي محمد تردد فيه ولو عين رجلا فقال إن رده زيد فله كذا فرده زيد غير عالم بإذنه لم يستحق شيئا ولو أذن في الرد ولم يشرط عوضا فلا شيء للراد على المذهب وظاهر النص وفيه الخلاف السابق فيمن قال اغسل ثوبي ولم يسم عوضا.
فصل
لا يشترط أن يكون الملتزم من يقع العمل في ملكه فلو قال غير المالك من رد عبد فلان فله كذا استحقه الراد على القائل ولو قال فضولي قال فلان من رد عبدي فله كذا لم يستحق الراد على الفضولي شيئا لأنه لم يلتزم وأما المالك فإن كذب الفضولي عليه فلا شيء عليه وإن صدق قال البغوي يستحق عليه وكأن هذا فيما إذا كان المخبر ممن يعتمد قوله وإلا فهو كما لو رد غير عالم بإذنه.
قلت لو شهد الفضولي على المالك بإذنه قال فينبغي أن لا تقبل شهادته لأنه متهم في ترويج قوله وأما قول صاحب البيان مقتضى المذهب قبولها فلا يوافق عليه والله أعلم.
فرع
سواء في صيغة المالك قوله من رد عبدي وقوله إن رده إنسان أو إن رددته أو رده ولك كذا.
الركن الثاني المتعاقدان فأما ملتزم الجعل فيشترط أن يكون مطلق التصرف وأما العامل فيجوز أن يكون شخصا معينا وجماعة ويجوز أن لا يكون معينا ولا معينين وقد سبق بيانه في الركن الأول ثم إذا لم يكن العامل معينا فلا يتصور قبول العقد وإن كان لم يشترط قبوله كذا قاله الأصحاب وهو المذهب وقال الإمام لا يمتنع أن يكون كالوكيل في القبول ويشترط عند التعيين أهلية العمل في العامل.
الركن الثالث العمل فما لا تجوز الإجارة عليه من الأعمال لكونه مجهولا تجوز الجعالة عليه للحاجة وما جازت الإجارة عليه جازت الجعالة أيضا على الصحيح وقيل لا للاستغناء بالإجارة ولو قال من رد مالي فله كذا فرده من كان في يده نظر إن كان في رده كلفة كالآبق استحق الجعل وإن لم يكن كالدراهم والدنانير فلا لان ما لا كلفة فيه لا يقابل بالعوض ولو قال من دلني على مالي فله كذا فدله من المال في يده لم يستحق شيئا لان ذلك واجب عليه شرعا فلا يأخذ عليه عوضا وإن كان في يد غيره فدله عليه استحق لأن الغالب أنه يلحقه مشقة بالبحث عنه وما يعتبر في العمل لجواز الإجارة يعتبر في الجعالة سوى كونه معلوما.
قلت فمن ذلك أنه لو قال من أخبرني بكذا فأخبره به إنسان فلا شيء له لأنه لا يحتاج فيه إلى عمل كذا صرح به البغوي وغيره والله أعلم.
الركن الرابع الجعل المشروط وشرطه أن يكون معلوما كالأجرة لعدم الضرورة إلى جهالته فإن شرط مجهولا بأن قال من رد آبقي فله ثوب أو دابة أو إن رددته فعلي أن أرضيك أو أعطيك شيئا فسد العقد وإذا رد استحق أجرة المثل وكذا لو جعل الجعل خمرا أو خنزيرا ولو جعل الجعل ثوبا مغصوبا قال الإمام يحتمل أن يكون فيه قولان كما لو جعل المغصوب صداقا فيرجع في قول بأجرة المثل وفي قول بقيمة المسمى قال ويحتمل القطع بأجرة المثل ولو قال من رد عبدي فله سلبه أو ثيابه قال المتولي إن كانت معلومة أو وصفها بما يفيد العلم استحق الراد المشروط وإلا فأجرة المثل ولو قال فله نصفه أو ربعه فقد صححه المتولي ومنعه أبو الفرج السرخسي.
فصل
لو قال من رد لي عبدي من بلد كذا فله دينار بني على الخلاف في صحة الجعالة في العمل المعلوم فإن صححناها فمن رده من نصف الطريق استحق نصف الجعل ومن رده من ثلثه استحق الثلث وإن رده من مكان أبعد لم يستحق زيادة ولو قال من رد لي عبدين فله كذا فرد أحدهما استحق نصف الجعل ولو قال إن رددتما عبدي فلكما كذا فرده أحدهما استحق النصف لأنه لم يلتزم له أكثر من ذلك وإن قال إن رددتما لي عبدين فرد أحدهما أحدهما استحق الربع.
فصل

(2/239)


قال من رد عبدي فله دينار فاشترك جماعة فالدينار مشترك بينهم ولو قال لجماعة إن رددتموه فردوه فكذلك ويقسم بينهم على الرؤوس ولو قال لزيد إن رددته فلك دينار فرده هو وغيره فلا شيء لذلك الغير لأنه لم يلتزم له وأما زيد فإن قصد الغير معاونته إما بعوض وإما مجانا فله تمام الجعل ولا شيء للغير على زيد إلا أن يلتزم له أجرة ويستعين به وإن قال عملت للمالك لم يكن لزيد جميع الدينار بل له نصفه على الصحيح الذي قاله الأصحاب ورأى الإمام التوزيع على العمل أرجح ولو شاركه اثنان في الرد فإن قصدا إعانة زيت فله تمام الجعل وإن قصدا العمل للمالك فله ثلثه وإن قصد أحدهما إعانته والآخر العمل للمالك فله الثلثان.
فإن قيل هل للعامل المعين أن يوكل بالرد غيره كما يستعين به وهل إذا كان النداء عاما يجوز أن يوكل من سمعه غيره في الرد؟ قلنا يشبه أن يكون الأول كتوكيل الوكيل والثاني كالتوكيل بالاحتطاب والاستقاء.
قلت ولو قال أول من يرد آبقي فله دينار فرده اثنان استحقا الدينار وستأتي هذه المسألة إن شاء الله تعالى في آخر الطرف الثالث من الباب السادس في تعليق الطلاق والله علم.
فرع
قال لرجل إن رددته فلك كذا ولآخر إن رددته فلك كذا ولثالث إن رددته فلك كذا فاشتركوا في الرد قال الشافعي رضي الله عنه لكل واحد ثلث ما جعل له اتفقت الأجعال أم اختلفت قال المسعودي هذا إذا عمل كل منهم لنفسه أما لو قال أحدهم أعنت صاحبي عملت لهما فلا شيء له ولكل منهما نصف ما شرط له ولو قال اثنان عملنا لصاحبنا فلا شيء لهما وله جميع المشروط وقول الشافعي رضي الله عنه لكل واحد الثلث تصريح بالتوزيع على الرؤوس فله رده اثنان منهم فلكل منهما نصف المشروط له وإن أعان الثلاثة رابع في الرد فلا شيء له ثم إن قال قصدت العمل للمالك فلكل واحد من الثلاثة ربع المشروط له وإن قال أعنتهم جميعا فلكل واحد منهم ثلث المشروط له كما لو لم يكن معهم غيرهم ولو قال أعنت فلانا فله نصف المشروط له ولكل واحد من الآخرين ربع المشروط له وعلى هذا القياس لو قال أعنت فلانا وفلانا فلكل واحد منهما ربع المشروط له وثمنه وللثالث ربع المشروط له ولو قال لواحد إن رددته فلك دينار وقال لآخر إن رددته فلك ثوب فرداه فللأول نصف دينار وللثاني نصف أجرة المثل.
قلت ولو قال المعين للثلاثة مثلا في الصورة السابقة أردت أن آخذ الجعل من المالك لم يستحق شيئا وكان لكل من الثلاثة ربع المشروط له والله علم.
فصل في أحكام الجعالة
فمنها الجواز فلكل واحد من المالك والعامل فسخها قبل تمام العمل فأما بعد تمام العمل فلا أثر للفسخ لأن الدين لزم ثم إن اتفق الفسخ قبل الشروع في العمل فلا شيء للعامل وإن كان بعده فان فسخ العامل فلا شيء له لأنه امتنع باختياره ولم يحصل غرض المالك وإن فسخ المالك فوجهان أحدهما لا شيء للعامل كما لو فسخ بنفسه والصحيح أنه يستحق أجرة المثل لما عمل وبهذا قطع الجمهور وعبروا عنه بأنه ليس له الفسخ حتى يضمن للعامل أجرة مثل ما عمل ولو عمل العامل شيئا بعد الفسخ لم يستحق شيئا إن علم بالفسخ فإن لم يعلم بني على الخلاف في نفوذ عزل الوكيل في غيبته قبل علمه.
فرع تنفسخ الجعالة بالموت
ولا شيء للعامل لما عمله بعد موت المالك فلو قطع بعض المسافة ثم مات المالك فرده إلى وارثه استحق من المسمى بقدر عمله في الحياة.
فرع جواز الزيادة والنقص
ومن أحكامها جواز الزيادة والنقص في الجعل وتغير جنسه قبل الشروع في العمل فلو قال من رد عبدي فله عشرة ثم قال من رده فله خمسة أو بالعكس فالاعتبار بالنداء الأخير والمذكور فيه هو الذي يستحقه الراد لكن لو لم يسمع الراد النداء الأخير قال الغزالي يحتمل أن يقال يرجع إلى أجرة المثل وأما بعد الشروع في العمل ففي كلام صاحب المهذب وغيره تقييد جواز الزيادة والنقص بما قبل العمل وفي كلام الغزالي قبل الفراغ فالظاهر أنه في أثناء العمل يؤثر في الرجوع إلى أجرة المثل لأن النداء الأخير فسخ للأول والفسخ في أثناء العمل يقتضي أجرة المثل.
فرع توقف استحقاق الجعل

(2/240)


ومن أحكامها توقف استحقاق الجعل على تمام الجعل على تمام العمل فلو سعى في طلب الآبق فرده فمات في باب دار المالك قبل أن يسلمه إليه أو هرب أو عضب أو تركه العامل فرجع فلا شيء للعامل لأنه لم يرد.
قلت ومنه لو خاط نصف الثوب فاحترق أو تركه أو بنى بعض الحائط فانهدم أو تركه فلا شيء للعامل قاله أصحابنا والله أعلم.
فرع
إذا رد الآبق لم يكن له حبسه لاستيفاء الجعل لأن الاستحقاق بالتسليم ولا حبس قبل الاستحقاق.
فرع
قال إن علمت هذا الصبي أو إن علمتني القرآن فلك كذا فعلمه البعض وامتنع من تعليم الباقي فلا شيء له وكذا إن كان الصبي بليدا لا يتعلم لأنه كمن طلب العبد فلم يجده ولو مات الصبي في أثناء التعليم استحق أجرة ما علمه لوقوعه مسلما بالتعليم بخلاف رد الآبق وإن منعه أبوه من التعلم فله أجرة المثل لما علمه.
فصل جاء بآبق وطلب الجعل
إذا جاء بآبق وطلب الجعل فقال المالك ما شرطت جعلا أو شرطته على عبد آخر أو ما سعيت في رده بل هو جاء بنفسه فالقول قول المالك لأن الأصل عدم الشرط وبراءته.
ولو اختلفا في قدر المشروط تحالفا وللعامل أجرة المثل وكذا لو قال المالك شرطته على رد عبدين فقال الراد بل الذي رددته فقط.
فرع
قال من رد عبدي إلى شهر فله كذا قال القاضي أبو الطيب لا يصح لأن تقدير المدة يخل بمقصود العقد فربما لا يجده فيها فيضيع عمله ولا يحصل غرض المالك كما لا يجوز تقدير مدة القراض.
فرع
قال بع عبدي هذا أو اعمل كذا ولك عشرة دراهم ففي بعض التصانيف أنه إن كان العمل مضبطا مقدرا فهو إجارة وإن احتاج إلى تردد أو كان غير مضبوط فهو جعالة.
فرع لم أجده مسطورا
يد العامل على ما يقع في يده إلى أن يرده يد أمانة فلو رفع يده عن الدابة وخلاها في مضيعة فهو تقصير مضمن ونفقة العبد والدابة مدة الرد يجوز أن تكون كما ذكرنا في مستأجر الجمال إذا هرب الجمال وخلاها عنده ويجوز أن يقال ذاك للضرورة وهنا أثبت العامل يده مختارا فليتكلف المؤنة ويؤيد هذا العادة.
قلت عجب قول الإمام الرافعي في نفقة المردود لا أعلمه مسطورا وأنه يحتمل أمرين وهذا قد ذكره القاضي ابن كج في كتابه التجريد وهو كثير النقل عنه فقال إذا أنفق عليه الراد فهو متبرع عندنا وهذا الذي قاله ظاهر جار على القواعد وقول الرافعي وخلاها في مضيعة لا حاجة إلى التقييد بالمضيعة فحيث خلاها يضمن والله أعلم.
فرع
قال إن أخبرتني بخروج زيد من البلد فلك كذا فأخبره ففي فتاوى القفال أنه إن كان له غرض في خروجه استحق وإلا فلا وهذا يقتضي كونه صادقا وينبغي أن ينظر هل يناله تعب أم لا؟ قلت ومما يتعلق بالباب وتدعو إليه الحاجة ما ذكره القاضي حسين وغيره وهو مما لا خلاف فيه أنه لو كان رجلان في بادية ونحوها فمرض أحدهما وعجز عن السير لزم الآخر المقام معه إلا أن يخاف على نفسه فله تركه وإذا أقام فلا أجرة له وإذا مات أخذ هذا الرجل ماله وأوصله إلى ورثته ولا يكون مضمونا قال القاضي وكذا لو غشي عليه قال وأما وجوب أخذ هذا المال فإن كان أمينا ففيه قولان كاللقطة وعندي أن المذهب هنا الوجوب.
ومنها ما ذكره ابن كج قال إذا وجدنا عبيدا أبقوا فالمذهب أن الحاكم يحبسهم انتظارا لصاحبهم فإن لم يجيء لهم صاحب باعهم الحاكم وحفظ ثمنهم فإذا جاء صاحبهم فليس له غير الثمن وإذا سرق الآبق قطع كغيره والله أعلم بالصواب.
كتاب إحياء الموات
إحياء الموات مستحب وفيه ثلاثة أبواب.
الباب الأول في رقاب الأرضين
وهي قسمان.
أحدهما أرض بلاد الإسلام ولها ثلاثة أحوال.
أحدها أن لا تكون معمورة في الحال ولا من قبل فيجوز تملكها بالإحياء سواء أذن فيه الإمام أم لا ويكفي فيه إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأحاديث المشهورة ويختص ذلك بالمسلمين فلو أحياها الذمي بغير إذن الإمام لم يملك قطعا ولو أحيا بإذنه لم يملك أيضا على الأصح وقال الأستاذ أبو طاهر يملك فإذا قلنا بالصحيح فكان له فيها عين مال نقلها فإن بقي بعد النقل أثر عمارة قال ابن كج إن أحياه رجل بإذن الإمام ملكه وإن لم يأذن فوجهان.
قلت لعل أصحهما الملك إذ لا أثر لفعل الذمي والله علم.

(2/241)


ولو ترك العمارة متبرعا تولى الإمام أخذ غلتها وصرفها في مصالح المسلمين ولم يجز لأحد تملكها.
فرع للذمي الاصطياد والاحتطاب
والإحتشاش في دار الإسلام لأن ذلك يخلف ولا يتضرر به المسلمون بخلاف الأرض وكذا للذمي نقل التراب من موات دار الإسلام إذا لم يتضرر به المسلمون.
فرع المستأمن كالذمي في الإحياء
وفي الاحتطاب ونحوه والحربي ممنوع من جميع ذلك.
الحال الثاني أن تكون معمورة في الحال فهي لملاكها ولا مدخل فيها للإحياء.
الحال الثالث أن لا تكون معمورة في الحال وكانت معمورة قبل فإن عرف مالكها فهي له أو لوارثه ولا تملك بالعمارة وإن لم يعرف نظر إن كانت عمارة إسلامية فهي لمسلم أو لذمي وحكمها حكم الأموال الضائعة قال الإمام والأمر فيه إلى رأي الإمام فإن رأى حفظه إلى أن يظهر مالكه فعل وإن رأى بيعه وحفظ ثمنه فعل وله أن يستقرضه على بيت المال هذا هو المذهب وفيه خلاف سيأتي إن شاء الله تعالى قريبا.
وإن كانت عمارة جاهلية فقولان ويقال وجهان أحدهما لا تملك بالإحياء لأنها ليست بموات وأظهرهما تملك كالركاز وقال ابن سريج وغيره إن بقي أثر العمارة أو كان معمورا في جاهلية قريبة لم تملك بالإحياء وإن اندرست بالكلية وتقادم عهدها ملكت ثم إن البغوي وآخرين عمموا هذا الخلاف وفرعوا على المنع أنها إن أخذت بقتال فهي للغانمين وإلا فهي أرض للفيء قال الإمام موضع الخلاف إذا لم يعلم كيفية استيلاء المسلمين عليه ودخوله تحت يدهم فأما إن علم فإن حصلت بقتال فللغانمين وإلا ففيء وحصة الغانمين تلتحق بملك المسلم الذي لا يعرف وطرد جماعة الخلاف فيما إذا كانت العمارة الإسلامية ولم يعرف مالكها وقالوا هي كلقطة لا يعرف مالكها والجمهور فرقوا بين الجاهلية والإسلامية كما سبق.
القسم الثاني أرض بلاد الكفار ولها ثلاثة أحوال.
أحدها أن تكون معمورة فلا مدخل للإحياء فيها بل هي كسائر أموالهم فإذا استولينا عليها بقتال أو غيره لم يخف حكمه.
الحال الثاني أن لا تكون معمورة في الحال ولا من قبل فيتملكها الكفار بالإحياء وأما المسلمون فينظر إن كان مواتا لا يذبون المسلمين عنه فلهم تملكه بالإحياء ولا يملك بالاستيلاء لأنه غير مملوك لهم حتى يملك عليهم وإن ذبوا عنه المسلمين لم يملك بالإحياء كالمعمور من بلادهم فإن استولينا عليه ففيه أوجه أصحها أنه يفيد اختصاصا كاختصاص المتحجر لأن الاستيلاء أبلغ منه وعلى هذا فسيأتي إن شاء الله تعالى خلاف في أن التحجر هل يفيد جواز البيع إن قلنا نعم فهو غنيمة كالمعمور وإن قلنا لا وهو الأصح فالغانمون أحق بإحياء أربعة أخماسه وأهل الخمس أحق بإحياء خمسه فإن أعرض الغانمون عن إحيائه فأهل الخمس أحق به ولو أعرض بعض الغانمين فالباقون أحق وإن تركه الغانمون وأهل الخمس جميعا ملكه من أحياه من المسلمين.
قلت في تصور إعراض اليتامى والمساكين وابن السبيل إشكال فيصور في اليتامى أن أولياءهم لم يروا لهم حظا في الإحياء ونحوه في الباقين والله أعلم.
والوجه الثاني أنهم يملكونه بالاستيلاء كالمعمور.
والوجه الثالث لا يفيد ملكا ولا اختصاصا بل هو كموات دار الإسلام من أحياه ملكه.
الحال الثالث أن لا تكون معمورة في الحال وكانت معمورة فإن عرف مالكها فكالمعمورة وإلا ففيه طريقة الخلاف وطريقة ابن سريج السابقتان في القسم الأول.
فرع
إذا فتحنا بلدة صلحا على أن تكون لنا ويسكنوا بجزية فالمعمور منها فيء ومواتها الذي كانوا يذبون عنه هل يكون متحجرا لأهل الفيء وجهان أصحهما نعم فعلى هذا هو فيء في الحال أم يحبسه الإمام لهم وجهان أصحهما الثاني وإن صالحناهم على أن تكون البلدة لهم فالمعمور لهم والموات يختصون بإحيائه تبعا للمعمور وعن القاضي أبي حامد وصاحب التقريب أنه إنما يجب علينا الامتناع عن مواتها إذا شرطناه في الصلح والأول أصح.
فرع
قال البغوي البيع التي للنصارى في دار الإسلام لا تملك عليهم فإن فنوا فهو كما لو مات ذمي ولا وارث له فتكون فيئا.
فرع
حريم المعمور لا يملك بالإحياء لأن مالك المعمور يستحق مرافقة وهل نقول إنه يملك تلك

(2/242)


المواضع أحدهما لا لأن الملك بالإحياء ولم يحيها وأصحهما نعم كما يملك عرصة الدار ببناء الدار ولأن الإحياء تارة يكون بجعله معمورا وتارة بجعله تبعا للمعمور ولو باع حريم ملكه دون الملك لم يصح قاله أبو عاصم كما لو باع شرب الأرض وحده قال ولو حفر اثنان بئرا على أن يكون نفس البئر لأحدهما وحريمها للآخر لم يصح وكان الحريم لصاحب البئر وللآخر أجرة عمله.
فرع في بيان الحريم
وهو المواضع القريبة التي يحتاج إليها لتمام الانتفاع كالطريق ومسيل الماء ونحوهما وفيه صور.
إحداها ذكرنا في الحال الثالث إذا صالحنا الكفار على بلدة لم يجز إحياء مواتها الذي يذبون عنه على الأصح فهو من حريم تلك البلدة ومرافقها.
الثانية حريم القرى المحياة ما حولها من مجتمع أهل النادي ومرتكض الخل ومناخ الإبل ومطرح الرماد والسماد وسائر ما يعد من مرافقها.
وأما مرعى البهائم فقال الإمام إن بعد عن القرية لم يكن من حريمها وإن قرب ولم يستقل مرعى ولكن كانت البهائم ترعى فيه الخوف من الإبعاد فعن الشيخ أبي علي خلاف فيه والأصح عند الإمام أنه ليس بحريم وأما ما يستقل مرعى وهو قريب فينبغي أن يقطع بأنه حريم وقال البغوي مرعى البهائم حريم للقرية مطلقا.
فرع
المحتطب كالمرعى.
الثالثة حريم الدار في الموات مطرح التراب والرماد والكناسات والثلج والممر في الصوب الذي فتح إليه الباب وليس المراد منه استحقاق الممر في قبالة الباب على امتداد الموات بل يجوز لغيره إحياء ما في قبالة الباب إذا أبقي الممر له فان احتاج إلى انعطاف وازورار فعل.
فرع
عد جماعة منهم ابن كج فناء الدار من حريمها وقال ابن الصباغ عندي أن حيطان الدار لا فناء لها ولا حريم فلو أراد محي أن يبني بجنبها لم يلزمه أن يبعد عن فنائها لكن يمنع مما يضر الحيطان كحفر بئر بقربها.
الرابعة البئر المحفورة في الموات حريمها الموضع الذي يقف فيه النازح وموضع الدولاب ومتردد البهيمة إن كان الاستقاء بهما ومصب الماء والموضع الذي يجتمع فيه لسقي الماشية والزروع من حوض ونحوه والموضع الذي يطرح فيه ما يخرج منه وكل ذلك غير محدود وإنما هو بحسب الحاجة كذا قاله الشافعي والأصحاب رحمهم الله وفي وجه حريم البئر قدر عمقها من كل جانب ولم ير الشافعي رضي الله عنه التحديد وحمل اختلاف روايات الحديث في التحديد على اختلاف القدر المحتاج إليه وبهذا يقاس حريم النهر المحفور في الموات وأما القناة فآبارها لا يستقى منها حتى يعتبر به الحريم فحريمها القدر الذي لو حفر فيه لنقص ماؤها أو خيف منه انهيار وانكباس ويختلف ذلك بصلابة الأرض ورخاوتها وفي وجه أن حريمها حريم البئر التي يستقى منها ولا يمنع من الحفر إذا جاوزه وإن نقص الماء وبهذا الوجه قطع الشيخ أبو حامد ومن تابعه والقائلون به قالوا لو جاء آخر وتنحى عن المواضع المعدودة حريما وحفر بئرا ينقص ماء الأول لم يمنع منه وهو خارج عن حريم البئر والأصح أنه ليس لغيره الحفر حيث ينقص ماءها كما ليس لغيره التصرف قريبا من بنائه بما يضر به بخلاف ما إذا حفر بئرا في ملكه فحفر جاره بئرا في ملكه فنقص ماء الأول فانه يجوز قال ابن الصباغ والفرق أن الحفر في الموات ابتداء تملك فلا يمكن منه إذا تضرر الغير وهنا كل واحد متصرف في ملكه وعلى هذا فذلك الموضع داخل في حريم البئر أيضا واعلم أن ما حكمنا بكونه حريما فذلك إذا انتهى الموات إليه فإن كان هناك ملك قبل تمام حد الحريم فالحريم إلى حيث ينتهي الموات.
فرع
كل ما ذكرناه في حريم الأملاك مفروض فيما إذا كان الملك محفوفا بالموات أو متاخما له من بعض الجوانب فأما الدار الملاصقة للدار فلا حريم لها لأن الأملاك متعارضة وليس جعل موضع حريما لدار أولى من جعله حريما لأخرى وكل واحد من الملاك يتصرف في ملكه على العادة ولا ضمان عليه إن أقضى إلى تلف فإن تعدى ضمن والقول في تصرف المالكين المتجاوزين بما يجوز وما لا يجوز وبماذا يتعلق الضمان منه ما سبق في كتاب الصلح ومنه ما سيأتي إن شاء الله تعالى في خلال الديات.
فرع
لو اتخذ داره المحفوفة بالمساكن حماما أو إسطبلا أو طاحونة أو حانوته في صف العطارين حانوت حداد أو قصار على خلاف العادة ففيه وجهان أحدهما يمنع للأضرار

(2/243)


وأصحهما الجواز لأنه متصرف في خالص ملكه وفي منعه إضرار به وهذا إذا احتاط وأحكم الجدران بحيث يليق بما يقصده فإن فعل ما الغالب فيه ظهور الخلل في حيطان الجار فالأصح المنع وذلك مثل أن يدق الشيء في داره دقا عنيفا تتزعزع منه الحيطان أو حبس الماء في ملكه بحيث تنتشر منه النداوة إلى حيطان الجار ولو اتخذ داره مدبغة أو حانوته مخبزة حيث لا يعتاد فان قلنا لا يمنع في الصورة السابقة فهنا أولى وإلا ففيه تردد للشيخ أبي محمد واختار الروياني في كل هذا أن يجتهد الحاكم فيها ويمنع إن ظهر له التعنت وقصد الفساد قال وكذلك القول في إطالة البناء ومنع الشمس والقمر.
فرع
لو حفر في ملكه بئر بالوعة وفسد بها ماء بئر جاره فهو مكروه لكن لا يمنع منه ولا ضمان عليه بسببه على الصحيح وخالف فيه القفال.
فرع
لا يمنع من إحياء ما وراء الحريم قرب أم بعد وسواء أحياه أهل العمران أم غيرهم.
فرع موات الحرم يملك بالإحياء
كما أن معمورة يملك بالبيع والهبة وهل تملك أرض عرفات بالإحياء كسائر البقاع أم لا لتعلق حق الوقوف بها وجهان إن قلنا تملك ففي بقاء حق الوقوف فيما ملك وجهان إن قلنا يبقى فذاك مع اتساع الباقي أم بشرط ضيقه على الحجيج وجهان واختار الغزالي الفرق بين أن يضيق الموقف فيمنع أو لا فلا والأصح المنع مطلقا وهو أشبه بالمذهب وبه قطع المتولي وشبهها بما تعلق به حق المسلمين عموما وخصوصا كالمساجد والطرق والرباطات ومصلى العيد خارج البلد.
قلت وينبغي أن يكون الحكم في أرض منى ومزدلفة كعرفات لوجود المعنى والله علم.
فصل الشارع في إحياء الموات متحجر
ما لم يتمه وكذا إذا أعلم عليه علامة للعمارة من نصب أحجار أو غرز خشبات أو قصبات أو جمع تراب أو خط خطوط وذلك لا يفيد الملك بل يجعله أحق به من غيره وحكى ابن القطان وجها أنه يملك به وهو شاذ ضعيف والتفريع على الصحيح.
قلت قال أصحابنا إذا مات المتحجر انتقل حقه إلى ورثته ولو نقله إلى غيره صار الثاني أحق به والله أعلم.
وينبغي للمتحجر أن لا يزيد على قدر كفايته وأن لا يتحجر ما لا يمكنه القيام بعمارته فإن خالف قال المتولي فلغيره أن يحيي ما زاد على كفايته وما زاد على ما يمكنه بعمارته وقال غيره لا يصح تحجره أصلا لأن ذلك القدر غير متعين.
قلت قول المتولي أقوى والله أعلم.
وينبغي أن يشتغل بالعمارة عقيب التحجر فإن طالت المدة ولم يحي قال له السلطان أحي أو ارفع يدك عنه فان ذكر عذرا واستمهله أمهله مدة قريبة يستعد فيها للعمارة والنظر في تقديرها إلى رأي السلطان ولا تتقدر بثلاثة أيام على الأصح فإذا مضت ولم يشتغل بالعمارة بطل حقه وليس لطول المدة الواقعة بعد التحجر حد معين وإنما الرجوع فيه إلى العادة قال الإمام وحق المتحجر يبطل بطول الزمان وتركه العمارة وإن لم يرفع الأمر إلى السلطان ولم يخاطبه بشيء لأن التحجر ذريعة إلى العمارة وهي لا تؤخر عن التحجر إلا بقدر تهيئة أسبابها ولهذا لا يصح تحجر من لا يقدر على تهيئة الأسباب كمن يتحجر ليعمر في السنة القابلة وكفقير يتحجر ليعمر إذا قدر فوجب إذا أخر وطال أن يعود مواتا كما كان هذا كلام الإمام وحكى الشيخ أبو حامد مثله عن أبي إسحاق ثم قال عندي أنه لا يبطل إلا بالرفع إلى السلطان ومخاطبته.
فرع بادر أجنبي قبل أن يبطل حق المتحجر لو بادر أجنبي قبل أن يبطل حق المتحجر فأحيا ما تحجره ملكه المحيي على الأصح المنصوص لأنه حقق سبب الملك وإن كان ظالما كما لو دخل في سوم أخيه واشترى.
والثاني لا يملك لئلا يبطل حق غيره.
والثالث أنه إن انضم إلى التحجر إقطاع السلطان لم يملك المحيي وإلا فيملك.
والرابع إن أخذ المتحجر في العمارة لم يملك المبادر وإلا فيملك وشبهوا المسألة بالخلاف فيما إذا عشش الطائر في ملكه وأخذ الفرخ غيره هل يملكه؟ قلت والأصح أيضا أنه يملكه وكذا لو توحل ظبي في أرضه أو وقع الثلج فيها ونحو ذلك وقد سبقت مسائل تتعلق بهذا في كتاب الصيد والله أعلم.
فرع لو باع المتحجر ما تحجره

(2/244)


وقلنا بالصحيح إنه لا يملك لم يصح بيعه عند الجمهور وقال أبو إسحاق وغيره يصح وكأنه يبيع حق الاختصاص وعلى هذا لو باع فأحياه في يد المشتري رجل وقلنا يملك فهل يسقط الثمن أم لا لحصول التلف بعد القبض وجهان.
قلت أصحهما الثاني وإذا قلنا لا يصح البيع فأحياه المشتري قبل الحكم بفسخ البيع فهل يكون له أم للبائع فيه وجهان حكاهما الشاشي والصحيح الأول والله أعلم.
فرع لإقطاع الإمام مدخل في الموات وفائدته مصير المقطع أحق بإحيائه كالمتحجر وإذا طالت المدة أو أحياه غيره فالحكم كما سبق في المتحجر ولا يقطع إلا لمن يقدر على الإحياء وبقدر ما يقدر عليه.
فصل في بيان الاحياء
قال الأصحاب المعتبر ما يعد إحياء في العرف ويختلف باختلاف يقصد به وتفصيله بمسائل.
إحداها إذا أراد المسكن اشترط التحويط بالآجر أو اللبن أو الطين أو القصب أو الخشب بحسب العادة ويشترط أيضا تسقيف البعض ونصب الباب على الصحيح فيهما.
الثانية إذا أراد زريبة للدواب أو حضيرة فيها الثمار أو يجمع فيها الحطب أو الحشيش اشترط التحويط ولا يكفي نصب سعف وأحجار من غير بناء لأن المتملك لا يقتصر على مثله في العادة وإنما يفعله المجتاز ولو حوط البناء في طرف واقتصر للباقي على نصب الأحجار والسعف حكى الإمام عن القاضي أنه يكفي وعن شيخه المنع ولا يشترط التسقيف هنا وفي تعليق الباب الخلاف السابق.
الثالثة إذا أراد مزرعة اشترط أمور.
أحدها جمع التراب لينفصل المحيا عن غيره وفي معناه نصب قصب وحجر وشوك ولا حاجة إلى التحويط وقال الشيخ أبو حامد عندي إذا صارت الأرض مزرعة بماء سيق إليها فقد تم الإحياء وإن لم يجمع التراب حولها.
الثاني تسوية الأرض بطم المنخفض وكسح المستعلي وحراثتها وتليين ترابها فان لم يتيسر ذلك إلا بماء يساق إليها فلا بد منه لتتهيأ للزراعة.
الثالث ترتيب ماء لها بشق ساقية من نهر أو بحفر بئر أو قناة وسقيها هل يشترط ذلك أطلق جماعة اشتراطه والأصح ما ذكره ابن كج وغيره أن الأرض إن كانت بحيث يكفي لزراعتها ماء السماء لم يشترط السقي وترتيب ماء على الصحيح وإن كانت تحتاج إلى ماء يساق إليها اشترط تهيئة ماء من عين أو بئر أو غيرهما وإذا هيأه نظر إن حفر له الطريق ولم يبق إلا إجراء الماء كفى ولم يشترط الإجراء ولا سقي الأرض وإن لم يحفر بعد فوجهان وأما أرض الجبال التي لا يمكن سوق الماء إليها ولا يصيبها إلا ماء السماء فمال صاحب التقريب إلى أنه لا مدخل للأحياء فيها وبه قال القفال وبنى عليه أما إذا وجدنا شيئا من تلك الأرض في يد إنسان لم نحكم بأنه ملكه ولا نجوز بيعه وإجارته ومن الأصحاب من قال يملك بالحراثة وجمع التراب على الأطراف واختاره القاضي حسين ولا تشترط الزراعة لحصول الملك في المزرعة على الأصح لأنها استيفاء منفعة وهو خارج عن الإحياء وكما لا يشترط في الدار أن يسكنها.
المسألة الرابعة إذا أراد بستانا أو كرما فلا بد من التحويط والرجوع فيما يحوط به إلى العادة قاله ابن كج وقال فإن كانت عادة البلد بناء جدار اشترط البناء وإن كان عادتهم التحويط بالقصب والشوك وربما تركوه أيضا كما في البصرة وقزوين اعتبرت عادتهم وحينئذ يكفي جمع التراب حواليه كالمزرعة والقول في سوق الماء إليه كما سبق في المزرعة ويعتبر غرس الأشجار على المذهب وبه قطع الجمهور وقيل لا يعتبر إذا لم يعتبر الزرع في المزرعة والفرق على المذهب أن اسم المزرعة يقع على الأرض قبل الزرع بخلاف البستان قبل الغرس ولأن الغرس يدوم فألحق بأبنية الدار بخلاف الزرع.
فرع
طرق الأصحاب متفقة على أن الإحياء يختلف باختلاف ما يقصده المحيي من مسكن وحظيرة وغيرهما وذكر الإمام شيئين.
أحدهما أن القصد إلى الإحياء هل يعتبر لحصول الملك فقال ما لا يفعله في العادة إلا المتملك كبناء الدار واتخاذ البستان يفيد الملك وإن لم يوجد قصد وما يفعله المتملك وغيره كحفر البئر في الموات وكزراعة قطعة من الموات اعتمادا على ماء السماء إن انضم إليه قصد أفاد الملك وإلا فوجهان وما لا يكتفي به المتملك كتسوية موضع النزول وتنقيته عن الحجارة لا يفيد الملك

(2/245)


وإن قصده شبه ذلك بالاصطياد بنصب الأحبولة في مدارج الصيود يفيد ملك الصيد وإغلاق الباب إذا دخل الصيد الدار على قصد التملك يفيد الملك ودونه وجهان وتوحل الصيد في أرضه التي سقاها لا يفيد الملك وإن قصده.
الشيء الثاني إذا قصد نوعا وأتى بما يقصد به نوع آخر أفاد الملك حتى إذا حوط البقعة يملكها وإن قصد المسكن لأنه مما يملك به الزريبة لو قصدها قال الإمام الرافعي رحمه الله تعالى أما الكلام الأول فمقبول لا يلزم منه مخالفة الأصحاب بل إن قصد شيئا اعتبرنا في كل مقصود ما فصلوه وإلا نظرنا فيما أتى به وحكمنا بما ذكره وأما الثاني فمخالفته لما ذكره الأصحاب صريحة لما فيه من الاكتفاء بأدنى العمارات أبدا.
فرع إذا حفر بئرا في الموات للتملك لم يحصل الإحياء ما لم يصل إلى الماء وإذا وصل كفى إن كانت الأرض صلبة وإلا فيشترط أن تطوى وقال الإمام لا حاجة إليه وفي حفر القناة يتم الإحياء بخروج الماء وجريانه.
ولو حفر نهرا ليجري الماء فيه على قصد التملك فإذا انتهى رأس النهر الذي يحفره إلى النهر القديم وجرى الماء فيه ملكه كذا قاله البغوي وغيره وفي التتمة أن الملك لا يتوقف على إجراء الماء فيه لأنه استيفاء منفعة كالسكون في الدار.
قلت هذا الثاني أقوى والله أعلم.
فصل في الحمى
هو أن يحمي بقعة من الموات لمواش بعينها ويمنع سائر الناس الرعي فيها وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحمي لخاصة نفسه ولكنه لم يفعله صلى الله عليه وسلم وإنما حمى النقيع لإبل الصدقة ونعم الجزية وخيل المجاهدين.
قلت النقيع بالنون عند الجمهور وهو الصواب وقيل بالباء الموحدة وبقيع الغرقد بالباء قطعا والله أعلم.
وأما غير رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس للآحاد الحمى قطعا ولا للأئمة لأنفسهم وفي حماهم لمصالح المسلمين قولان أظهرهما الجواز وقيل يجوز قطعا فإذا جوزناه فهل يختص بالإمام الأعظم أم يجوز أيضا لولاته في النواحي وجهان حكاهما ابن كج وغيره أصحهما الثاني وسواء حمى لخيل المجاهدين أم لنعم الجزية والصدقة والضوال ومال الضعفاء عن الإبعاد في طلب النجعة ثم لا يحمي إلا الأقل الذي لا يبين ضرره على الناس ولا يضيق الأمر عليهم ثم ما حماه رسول الله صلى الله عليه وسلم نص فلا ينقض ولا يغير بحال هذا هو المذهب وقيل إن بقيت الحاجة التي حمى لها لم يغير وإن زالت فوجهان أصحهما المنع لأنه تغيير المقطوع بصحته باجتهاد وأما حمى غيره صلى الله عليه وسلم فإذا ظهرت المصلحة في تغييره جاز نقضه ورده إلى ما كان على الأظهر رعاية للمصلحة وفي قول لا يجوز كالمقبرة والمسجد وقيل يجوز للحامي نقض حماه ولا يجوز لمن بعده من الأئمة وإذا جوزنا نقضه فأحياه رجل بإذن الإمام ملكه وكان الإذن في الإحياء نقضا وإن استقل المحيي فوجهان ويقال قولان مخصوصان أصحهما المنع لما فيه من الاعتراض على تصرف الإمام وحكمه.
قلت بقيت من الحمى مسائل مهمة.
منها لو غرس أو بنى أو زرع في النقع نقضت عمارته وقلع زرعه وغرسه ذكره القاضي أبو حامد في جامعه.
ومنها أن الحمى ينبغي أن يكون عليه حفاظ من جهة الإمام أو نائبه وأن يمنع أهل القوة من إدخال مواشيهم ولا يمنع الضعفاء ويأمره الإمام بالتلطف بالضعفاء من أهل الماشية كما فعل عمر رضي الله عنه قال القاضي أبو حامد فإن كان للإمام ماشية لنفسه لم يدخلها الحمى لأنه من أهل القوة فإن فعل فقد ظلم المسلمين.
ومنها لو دخل الحمى من هو من أهل القوة فرعى ماشيته قال أبو حامد فلا شيء عليه ولا غرم ولا تعزير ولكن يمنع من الرعي ونقل ابن كج أيضا عن نص الشافعي رضي الله عنه أنه لا غرم عليه وليس هذا مخالفا لما ذكرناه في كتاب الحج أن من أتلف شيئا من شجر النقيع أو حشيشه ضمنه على الأصح.
ومنها أن عامل الصدقات إذا كان يجمعها في بلد هل له أن يحمي موضعا لا يتضرر به أهل البلد ليرعاها فيه قال أبو حامد قيل له ذلك ولم يذكر خلافه وقال ابن كج إن منعنا حمى الإمام فذا أولى وإلا فقولان.
ومنها لا يجوز للإمام أن يحمي الماء المعد لشرب خيل الجهاد وإبل الصدقة والجزية وغيرها بلا خلاف ذكره الشيخ نصر في تهذيبه قال أصحابنا إذا حمى الإمام وقلنا لا يجوز حماه فهو على أصل الإباحة من أحياه ملكه.

(2/246)


ومنها أنه يحرم على الإمام وغيره من الولاة أن يأخذ من أصحاب المواشي عوضا عن الرعي في الحمى أو الموات وهذا لا خلاف فيه وقد نص عليه الماوردي في الأحكام وقاله آخرون والله أعلم.
الباب الثاني في المنافع المشتركة وغيرها
بقاع الأرض إما مملوكة وإما محبوسة على الحقوق العامة كالشوارع والمساجد والمقابر والرباطات وإما منفكة عن الحقوق العامة والخاصة وهي الموات أما المملوكة فمنفعتها تتبع الرقبة وأما الشوارع فمنفعتها الأصلية الطروق ويجوز الوقوف والجلوس فيها لغرض الإستراحة والمعاملة ونحوهما بشرط أن لا يضيق على المارة سواء أذن فيه الإمام أم لا وله أن يظلل على موضع جلوسه بما لا يضر بالمارة من ثوب وبارية ونحوهما وفي بناء الدكة ما ذكرناه في كتاب الصلح ولو سبق اثنان إلى موضع فهل يقرع بينهما أم يقدم الإمام أحدهما وجهان أصحهما الأول وفي ثبوت هذا الارتفاق لأهل الذمة وجهان حكاهما ابن كج وهل لإقطاع فيه مدخل وجهان أصحهما عند الجمهور نعم وهو المنصوص لأن له نظرا فيه ولهذا يزعج من أضر جلوسه وأما إذا تملك شيء من ذلك فلا سبيل إليه بحال وحكي وجه في الرقم للعبادي وشرح مختصر الجويني لابن طاهر أن للإمام أن يتملك من الشوارع ما فضل عن حاجة الطروق والمعروف الأول.
قلت وليس للإمام ولا غيره من الولاة أن يأخذ ممن يرتفق بالجلوس والبيع ونحوه في الشوارع عوضا بلا خلاف والله علم.
فرع من جلس في موضع من الشارع
ثم قام عنه إن كان جلوسه لاستراحة وشبهها بطل حقه وإن كان لحرفة ومعاملة فإن فارقه على أن لا يعود لتركه الحرفة أو لقعوده في موضع آخر بطل حقه أيضا وإن فارقه على أن يعود فالمذهب ما ضبطه الإمام والغزالي أنه إن مضى زمن ينقطع فيه الذين ألفوا معاملته بطل وإن كان دونه فلا وسواء فارق بعذر سفر ومرض أو بلا عذر فعلى هذا لا يبطل حقه بالرجوع في الليل إلى بيته وليس لغيره مزاحمته في اليوم الثاني وكذا الأسواق التي تقام في كل أسبوع أو في كل شهر مرة إذا اتخذ فيها مقعدا كان أحق به في النوبة الثانية وقال الاصطخري إذا رجع ليلا فمن سبقه أحق وقال طائفة منهم القاضي وابن الصباغ إن جلس بإقطاع الإمام لم يبطل بقيامه وإن استقل وترك فيه شيئا من متاعه بقي حقه وإلا فلا وإذا قلنا بالأول فأراد غيره الجلوس فيه مدة غيبته القصيرة إلى أن يعود فإن كان لغير معاملة لم يمنع قطعا وإلا لم يمنع أيضا على الأصح.
قلت وإذا وضع الناس الأمتعة وآلات البناء ونحو ذلك في مسالك الأسواق والشوارع ارتفاقا لينقلوها شيئا بعد شيء منعوا منه إن أضر بالمارة إضرارا ظاهرا وإلا فلا ذكره الماوردي في الأحكام السلطانية والله أعلم.
فرع
يختص الجالس أيضا بما حوله بقدر ما يحتاج إليه لوضع متاعه ووقوف معامليه وليس لغيره أن يقعد حيث يمنع رؤية متاعه أو وصول المعاملين إليه أو يضيق عليه الكيل أو الوزن والأخذ والعطاء.
قلت وليس له منع من قعد لبيع مثل متاعه إذا لم يزاحمه فيما يختص به من المرافق المذكورة والله أعلم.
فرع
الجوال الذي يقعد كل يوم في موضع من السوق يبطل حقه بمفارقته.
فصل الجلوس في المسجد لأغراض
وأما المسجد فالجلوس فيه يكون لأغراض.
منها أن يجلس ليقرأ عليه القرآن أو الحديث أو الفقه ونحوها أو ليستفتى قال أبو عاصم العبادي والغزالي حكمه كمقاعد الأسواق لأن له غرضا في ملازمته ذلك الموضع ليألفه الناس وقال الماوردي متى قام بطل حقه وكان السابق أحق به والأول أشبه بمأخذ الباب.
قلت هذا المنقول عن الماوردي حكاه في الأحكام السلطانية عن جمهور الفقهاء وعن مالك رضي الله عنه أنه أحق فمقتضى كلامه أن الشافعي وأصحابه من الجمهور رضي الله عنهم والله أعلم.
ومنها أن يجلس للصلاة فلا اختصاص له في صلاة أخرى وأما الصلاة الحاضرة فهو أحق فإن فارق بغير عذر بطل حقه فيها أيضا وإن كان بعذر فإن فارق لقضاء حاجة أو تجديد وضوء أو رعاف أو إجابة داع ونحوها لم يبطل اختصاصه على الصحيح للحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إذا قام أحدكم من مجلسه في المسجد فهو أحق به إذا عاد إليه " ولا فرق على الوجهين بين أن يترك إزاره أم لا ولا بين أن يطرأ العذر بعد الشروع في الصلاة أو قبله وإن اتسع الوقت.

(2/247)


ومنها الجلوس للبيع والشراء والحرفة وهو ممنوع منه.
قلت ومنها الجلوس للاعتكاف وينبغي أن يقال له الاختصاص بموضعه ما لم يخرج من المسجد إن كان اعتكافا مطلقا وإن نوى اعتكاف أيام فخرج لحاجة جائزة ففي بقاء اختصاصه إذا رجع احتمال والظاهر بقاؤه ويحتمل أن يكون على الخلاف فيما إذا خرج المصلي لعذر.
ومنها الجالس لاستماع الحديث والوعظ والظاهر أنه كالصلاة فلا يختص فيما سوى ذلك المجلس ولا فيه إن فارقه بلا عذر ويختص إن فارق بعذر على المختار ويحتمل أن يقال إن كان له عادة بالجلوس بقرب كبير المجلس وينتفع الحاضرون بقربه منه لعلمه ونحو ذلك دام اختصاصه في كل مجلس بكل حال وأما مجلس الفقيه في موضع معين حال تدريس المدرس في المدرسة أو المسجد فالظاهر فيه دوام الاختصاص لاطراد العرف وفيه احتمال والله أعلم.
فرع
يمنع الناس من استطراق حلق القراء والفقهاء في المسجد توقيرا لها.
فرع
قال الإمام لا شك في انقطاع تصرف الإمام وإقطاعه عن بقاع المسجد فإن المساجد لله تعالى ويخدشه شيئان.
أحدهما ذكر الماوردي أن الترتب في المسجد للتدريس والفتوى كالترتب للإمامة فلا يعتبر إذن الإمام في مساجد المحال ويعتبر في الجوامع وكبار المساجد إذا كانت عادة البلد فيه الاستئذان فجعل لإذن الإمام أثر.
الثاني عند الشيخ أبو حامد وطائفة رحاب المسجد مع مقاعد الأسواق فيما يقطع للارتفاق بالجلوس فيه للبيع والشراء وهذا كما يقدح في نفي الإقطاع يخالف المعروف في المذهب في المنع من الجلوس في المسجد للبيع والشراء إلا أن يراد بالرحاب الأفنية الخارجة عن حد المسجد.
قلت قال الماوردي في الأحكام إن حريم الجوامع والمساجد إن كان الارتفاق به مضرا بأهل المساجد منع منه ولم يجز للسلطان الإذن فيه وإلا جاز وهل يشترط فيه إذن السلطان وجهان والله أعلم.
فصل الرباطات المسبلة في الطرق
وعلى أطراف البلاد من سبق إلى موضع منها صار أحق به وليس لغيره إزعاجه سواء دخل بإذن الإمام أم بغيره ولا يبطل حقه بالخروج لشراء طعام ونحوه ولا يشترط تخليفه نائبا له في الموضع ولا أن يترك متاعه لأنه قد لا يجد أمينا فإن ازدحم اثنان ولا سبق فعلى ما سبق في مقاعد الأسواق وكذا الحكم في المدارس والخوانق إذا نزلها من هو من أهلها وإذا سكن بيتا منها مدة ثم غاب أياما قليلة فهو أحق إذا عاد وإن طالت غيبته بطل حقه.
قلت والرجوع في الطول إلى العرف ولو أراد غيره النزول فيه في مدة غيبة الأول على أن يفارقه إذا جاء الأول فينبغي أن يجوز قطعا أو يكون على الوجهين السابقين في الموضع من الشارع ويجوز لغير سكان المدرسة من الفقهاء والعوام دخولها والجلوس فيها والشرب من مياهها والاتكاء والنوم فيها ودخول سقايتها ونحو ذلك مما جرى العرف به وأما سكنى غير الفقهاء في بيوتها فإن كان فيه نص من الواقف بنفي أو إثبات اتبع وإلا فالظاهر منعه وفيه احتمال في بلد جرت به العادة والله أعلم.
فرع النازلون في موضع من البادية أحق به وبما حواليه بقدر ما يحتاجون إليه لمرافقهم ولا يزاحمون في الوادي الذي سرحوا إليه مواشيهم إلا أن يكون فيه كفاية للجميع وإذا رحلوا بطل اختصاصهم وإن بقي أثر الفساطيط ونحوها.
قلت ولو أرادت طائفة النزول في موضع من البادية للاستيطان قال الماوردي إن كان نزولهم مضرا بالسابلة منعهم السلطان قبل النزول أو بعده وإن لم يضر راعى الأصلح في نزولهم ومنعهم ونقل غيرهم إليها فإن نزلوا بغير إذنه لم يمنعهم كما لا يمنع من أحيا مواتا بغير إذنه ودبرهم بما يراه صلاحا لهم وينهاهم عن إحداث زيادة إلا بإذنه والله أعلم.
فصل المرتفق بالشارع والمساجد

(2/248)


إذا طال مقامه هل يزعج وجهان أصحهما لا لأنه أحد المرتفقين وقد سبق والثاني نعم لتميز المشترك من المملوك وأما الربط الموقوفة فإن عين الواقف مدة المقام فلا مزيد عليها وكذا لو وقف على المسافرين وإن أطلق الواقف نظر إلى الغرض الذي بنيت له وعمل بالمعتاد فيه فلا يمكن من الإقامة في ربط المارة إلا لمصلحتها أو لخوف يعرض أو أمطار تتواتر وفي المدرسة الموقوفة على طلبة العلم يمكن من الإقامة إلى إتمام غرضه فإن ترك التعلم والتحصيل أزعج وفي الخانقاه لا يمكن هذا الضبط ففي الإزعاج إذا طال مقامه ما سبق في الشوارع.
الباب الثالث في الأعيان الخارجة من الأرض
فيه طرفان.
الطرف الأول في المعادن وهي البقاع التي أودعها الله تعالى شيئا من الجواهر المطلوبة وهي قسمان ظاهرة وباطنة.
فالظاهرة هي التي يبدو جوهرها بلا عمل وإنما السعي والعمل لتحصيله ثم تحصيله قد يسهل وقد يكون فيه تعب وذلك كالنفط وأحجار الرحى والبرام والكبريت والقطران والقار والمومياء وشبهها فلا يملكها أحد بالإحياء والعمارة وإن زاد بها النيل ولا يختص بها أيضا المتحجر وليس للسلطان إقطاعها بل هي مشتركة بين الناس كالمياه الجارية والكلأ والحطب.
ولو حوط رجل على هذه المعادن وبنى عليها دارا أو بستانا لم يملك البقعة لفساد قصده وأشار في الوسيط إلى خلاف فيه والمعروف الأول وإذا ازدحم اثنان على معدن ظاهر وضاق المكان فالسابق أولى ثم قال الجمهور يقدم بأخذ قدر حاجته ولم يبينوا أنها حاجة يوم أو سنة قال الإمام والرجوع فيه إلى العرف فيأخذ ما تقتضيه العادة لأمثاله وإذا أراد الزيادة على ما يقتضيه حق السبق فهل يزعج أم يأخذ ما شاء وجهان أصحهما عند الأصحاب يزعج.
فأما إذا جاءا معا فالأصح أنه يقرع بينهما والثاني يجتهد الإمام ويقدم من يراه أحوج وأحق والثالث ينصب من يقسم الحاصل بينهما وقال العراقيون الأوجه فيما إذا كانا يأخذان للحاجة فإن كانا يأخذان للتجارة يهايأ بينهما فإن تشاحا في الابتداء أقرع بينهما والأشهر إطلاق الأوجه وعلى مقتضى قول العراقيين إذا كان أحدهما تاجرا والآخر محتاج يشبه أن يقدم المحتاج.
فرع المعادن الظاهرة
من المعادن الظاهرة الملح الذي ينعقد من الماء وكذا الجبلي إن كان ظاهرا لا يحتاج إلى حفر وتنحية تراب والجص والمدر وأحجار النورة وفي بعض شروح المفتاح عد الملح الجبلي من المعادن الباطنة وفي التهذيب عد الكحل والجص منهما وهما محمولان على ما إذا أحوج إظهارهما إلى حفر ولو كان بقرب الساحل بقعة لو حفرت وسيق الماء إليها ظهر فيها الملح فليست هي من المعادن الظاهرة لأن المقصود منها يظهر بالعمل فللإمام إقطاعها ومن حفرها وساق الماء إليها وظهر الملح ملكها كما لو أحيا مواتا.
القسم الثاني المعادن الباطنة وهي التي لا يظهر جوهرها إلا بالعمل والمعالجة كالذهب والفضة والفيروزج والياقوت والرصاص والنحاس والحديد وسائر الجواهر المبثوثة في طبقات الأرض وتردد الشيخ أبو محمد في أن حجر الحديد ونحوه من الباطنة أم الظاهرة لأن ما فيها من الجوهر باد والمذهب أنه باطن لأن الحديد لا يستخرج منه إلا بعلاج وليس البادي على الحجر عين الحديد وإنما هو في مخيلته.

(2/249)


ولو أظهر السيل قطعة ذهب أو أتى بها التحقت بالمعادن الظاهرة إذا ثبت هذا فالمعدن الباطن هل يملك بالحفر والعمل قولان لتردده بين الموات والمعدن الظاهر أظهرهما لا رجحه الشافعي والأصحاب رحمهم الله فإن قلنا يملك فذاك إذا قصد التملك وحفر حتى ظهر النيل فأما قبل الظهور فهو كالمتحجر وهذا كما إذا حفر بئرا في الموات على قصد التملك ملكها إذا وصل إلى الماء وإذا اتسع الحفر ولم يوجد النيل إلا في الوسط أو في بعض الأطراف لم يقصر الملك على موضع النيل بل يملك أيضا مما حواليه مما يليق تحريمه وهو قدر ما يقف فيه الأعوان والدواب ومن جاوز ذلك وحفر لم يمنع وإن وصل إلى العروق ويجوز للسلطان أن يقطعه كالموات وإن قلنا لا يملك فالسابق إلى موضع منه أحق به لكن إذا طال مقامه ففي إزعاجه ما ذكرناه في المعادن الظاهرة وقيل لا يزعج هنا قطعا لأن هناك يمكن الأخذ دفعة فلا حاجة حلى الإطالة وهنا لا يحصل إلا بمشقة فقدم السابق ولو ازدحم اثنان فعلى الأوجه التي هناك وفي جواز إقطاعها على هذا القول قولان أحدهما المنع كالمعادن الظاهرة وأظهرهما الجواز ولا يقطع إلا قدرا يتأتى للمقطع العمل عليه والأخذ منه وعلى القولين يجوز العمل في المعدن الباطن والأخذ منه بغير إذن الإمام فإنه إما كالمعدن الظاهر وإما كالموات.
فرع
لو أحيا مواتا ثم ظهر فيه معدن باطن ملكه بلا خوف لأنه بالإحياء ملك الأرض بأجزائها إن لم يعلم بها معدنا فإن علم واتخذ عليه دارا فطريقان أحدهما على القولين السابقين والثاني القطع بالملك وأما البقعة المحياة فقال الإمام ظاهر المذهب أنها لا تملك لأن المعدن لا يتخذ دارا ولا مزرعة فالقصد فاسد وقيل يملكها وكأن ما ذكرناه من الخلاف في المعادن الظاهرة من الوسيط مأخوذ من هذا.
فرع
مما يتفرع على القولين في المعدن الباطن أنه إذا عمل عليه في الجاهلية هل يملك وهل يجوز إقطاعه إن قلنا يملك بالحفر والعمل فهو ملك للغانمين وإلا ففي جواز إقطاعه القولان السابقان.
فرع
مالك المعدن الباطن لا يصح منه بيعه على الصحيح لأن مقصوده النيل وهو متفرق في طبقات الأرض مجهول القدر والصفة فهو كبيع قدر مجموع من تراب المعدن وفيه النيل وهو باطل وحكى الإمام وجها في جوازه لأن المبيع رقبة المعدن والنيل فائدته.
فرع
لو تملك معدنا باطنا فجاء غيره واستخرج منه نيلا بغير إذنه لزمه رده ولا أجرة له ولو قال المالك اعمل فيه واستخرج النيل لي ففعل ففي استحقاقه الأجرة الخلاف فيمن قال اغسل ثوبي فغسل.
ولو قال اعمل فما استخرجته فهو لك أو قال استخرج لنفسك فالحاصل لمالك المعدن لأنه هبة مجهول وكان يمكن تشبيهه بإباحة ثمار البستان ولكن المنقول الأول وفي استحقاقه الأجرة وجهان لكونه عمل لنفسه لكن لم يقع له ولا هو متبرع وبثبوتها قال ابن سريج.
قلت ثبوتها أصح والله أعلم.
ولو قال اعمل فما استخرجته فهو بيننا مناصفة أو قال فلك منه عشرة دراهم لم يصح لأن الأول أجرة مجهولة والثاني قد لا يحصل هذا القدر.
الطرف الثاني في المياه وهي قسمان.
أحدهما المباحة النابعة في موضع لا يختص بأحد ولا صنع للآدميين في إنباطه وإجرائه كالفرات وجيحون وسائر أودية العالم والعيون في الجبال وسيول الأمطار فالناس فيها سواء فإن حضر اثنان فصاعدا أخذ كل ما شاء فإن قل الماء أو ضاق المشرع قدم السابق فإن جاءا معا أقرع وإن أراد واحد السقي وهناك محتاج للشرب فالشارب أولى قاله المتولي ومن أخذ منه شيئا في إناء أو جعله في حوض ملكه ولم يكن لغيره مزاحمته فيه كما لو احتطب وفي النهاية وجه أنه لا يملكه لكنه أولى به من غيره والصحيح الأول وبه قطع الجمهور وإن دخل شيء منه ملك إنسان بسيل فليس لغيره أخذه ما دام فيه لامتناع دخول ملكه بغير إذنه فلو فعل فهل يملكه أم للمالك استرداده وجهان أصحهما الأول فإذا خرج من أرضه أخذه من شاء.
فرع

(2/250)


إذا أراد قوم سقي أرضيهم من مثل هذا الماء فإن كان النهر عظيما يفي بالجميع سقى من شاء متى شاء وإن كان صغيرا أو كان الماء يجري من النهر العظيم في ساقية غير مملوكة بأن انخرقت بنفسها سقى الأول أرضه ثم يرسله إلى الثاني ثم الثاني إلى الثالث وكم يحبس الماء في أرضه وجهان الذي عليه الجمهور أنه يحبسه حتى يبلغ الكعبين والثاني يرجع في قدر السقي إلى العادة والحاجة وقد قال الماوردي ليس التقدير بالكعبين في كل الأزمان والبلدان لأنه مقدر بالحاجة والحاجة تختلف وباختلاف الأرض باختلاف ما فيها من زرع وشجر وبوقت الزراعة ووقت السقي.
وحكي وجه عن الداركي أن الأعلى لا يقدم على الأسفل لكن يسقون بالحصص وهذا غريب باطل ولو كانت أرض الأعلى بعضها مرتفعا وبعضها منخفضا ولو سقيا معا لزاد الماء في المنخفضة على الحد المستحق أفرد كل بعض بالسقي بما هو طريقه.
قلت طريقه أن يسقي المنخفض حتى يبلغ الكعبين ثم يسده ثم يسقي المرتفع والله أعلم.
وإذا سقى الأول ثم احتاج إلى السقي مرة أخرى مكن منه على الصحيح فلو تنازع اثنان أرضاهما متحاذيتان أو أرادا شق النهر من موضعين متحاذيين يمينا وشمالا فهل يقرع أو يقسم بينهما أو يقدم الإمام من يراه فيه ثلاثة أوجه حكاها العبادي.
قلت أصحها يقرع والله أعلم.
ولو أراد رجل إحياء موات وسقيه من هذا النهر نظر إن ضيق على السابقين منع لأنهم استحقوا أرضهم بمرافقها والماء من أعظم مرافقها وإلا فلا منع.
فرع
عمارة حافات هذه الأنهار من وظائف بيت المال.
فرع
يجوز أن يبني عليها من شاء قنطرة لعبور الناس إن كان مواتا وأما ما بين العمران فهو كحفر البئر في الشارع لمصلحة المسلمين ويجوز بناء الرحى عليها إن كان الموضع ملكا له أو مواتا محضا وإن كان بين الأرض المملوكة وتضرر الملاك لم يجز وإلا فوجهان أحدهما المنع كالتصرف في سائر مرافق العمارات وأصحهما الجواز كإشراع الجناح في السكة النافذة.
فصل
هذا الذي سبق إذا لم تكن الأنهار والسواقي مملوكة أما إذا كانت مملوكة بأن حفر نهرا يدخل فيه الماء من الوادي العظيم أو من النهر المنخرق منه فالماء باق على إباحته لكن مالك النهر أحق به كالسيل يدخل ملكه فليس لأحد مزاحمته لسقي الأرضين وأما للشرب والاستعمال وسقي الدواب فقال الشيخ أبو عاصم والمتولي ليس له المنع ومنهم من أطلق أنه لا يدلي أحد فيه دلوا ويجوز لغيره أن يحفر فوق نهره نهرا إن لم يضيق عليه وإن ضيق فلا فان اشترك جماعة في الحفر اشتركوا في الملك على قدر عملهم فإن شرطوا أن يكون النهر بينهم على قدر ملكهم من الأرض فليكن عمل كل واحد على قدر أرضه فإن زاد واحد متطوعا فلا شيء له على الباقين وإن زاد مكرها أو شرطوا له عوضا رجع عليهم بأجرة ما زاد وليس للأعلى حبس الماء على الأسفل بخلاف ما إذا لم يكن النهر مملوكا وإذا اقتسموا الماء بالأيام والساعات جاز ولكل واحد الرجوع متى شاء لكن لو رجع بعدما استوفى نوبته وقبل أن يستوفي الشريك ضمن له أجرة مثل نصيبه من النهر للمدة التي أجرى فيها الماء وإن اقتسموا الماء نفسه فعلى ما سنذكره في القناة المشتركة ولو أرادوا قسمة النهر وكان عريضا جاز ولا يجري فيها الإجبار كما في الجدار الحائل ولو أراد الشركاء الذين أرضهم أسفل توسيع النهر لئلا يقصر الماء عنهم لم يجز إلا برضى الأولين لان تصرف الشريك في المشترك لا يجوز إلا برضى الشريك ولأنهم قد يتضررون بكثرة الماء وكذا لا يجوز للأولين تضييق النهر إلا برضى الآخرين وليس لأحد منهم بناء قنطرة أو رحى عليه ولا غرس شجرة على حافته إلا برضى الشركاء ولو أراد أحدهم تقديم رأس الساقية التي يجري فيها الماء إلى أرضه أو تأخيره لم يجز بخلاف ما لو قدم باب داره إلى رأس السكة المنسدة لأنه يتصرف هناك في الجدار المملوك وهنا في الحافة المشتركة ولو كان لأحدهم ماء في أعلى النهر فأجراه في النهر المشترك برضى الشركاء ليأخذه من الأسفل ويسقي به أرضه فلهم الرجوع متى شاءوا لأنه عارية وتنقية هذا النهر وعمارته يقوم بها الشركاء بحسب الملك وهل على كل واحد عمارة الموضع المتسفل عن أرضه وجهان أحدهما لا وبه قطع ابن الصباغ لأن المنفعة فيه للباقين والثاني نعم وهو الأصح عند العبادي لاشتراكهم وانتفاعهم به.
فرع

(2/251)


كل أرض أمكن سقيها من هذا النهر إذا رأينا لها ساقية منه ولم نجد لها شربا من موضع آخر حكمنا عند التنازع بأن لها شربا منه ولو تنازع الشركاء في النهر في قدر أنصبائهم فهل يجعل على قدر الأرضين لأن الظاهر أن الشركة بحسب الملك أم بالسوية لأنه في أيديهم وجهان وبالأول قال الاصطخري رحمه الله تعالى.
قلت هو أصحهما والله أعلم.
فرع
لو صادفنا نهرا تسقى منه أرضون ولم ندر أنه حفر أم انخرق حكمنا بأنه مملوك لأنهم أصحاب يد وانتفاع فلا يقدم بعضهم على بعض وأكثر هذه المسائل يشتمل عليها كتاب المياه للعبادي رحمه الله تعالى.
القسم الثاني المياه المختصة ببعض الناس وهي مياه الآبار والقنوات.
واعلم أن البئر يتصور حفرها على أوجه.
أحدها الحفر في المنازل للمارة.
والثاني الحفر في الموات على قصد الارتفاق لا للتملك كمن ينزل في الموات فيحفر للشرب وسقي الدواب.
والثالث الحفر بنية التملك.
والرابع الحفر الخالي عن هذه القصود.
فأما المحفورة للمارة فماؤها مشترك بينهم والحافر كأحدهم ويجوز الاستقاء منها للشرب وسقي الزروع فإن ضاق عنهما فالشرب أولى.
وأما المحفورة للارتفاق دون التملك فالحافر أولى بمائها إلى أن يرتحل لكن ليس له منع ما فضل عنه عن محتاج إليه للشرب إذا استقى بدلو نفسه ولا منع مواشيه وله منع غيره من سقي الزرع به وفيه احتمال للإمام لأنه لم يملكه والاختصاص يكون بقدر الحاجة وبهذا قطع المتولي فحصل وجهان.
قلت الأول هو الصحيح المعروف والله أعلم.
ويعتبر في ألفاضل الذي يجب بذله أن يفضل عن نفسه وماشيته وزرعه قال الإمام وفي المزارع احتمال على بعد.
قلت المراد الفاضل الذي يجب بذله لماشية غيره أما الواجب بذله لعطش آدمي محترم فلا يشترط فيه أن يفضل عن المزارع والماشية والله أعلم.
وإذا ارتحل المرتفق صارت البئر كالمحفورة للمارة فان عاد فهو كغيره.
وأما المحفورة للتملك وفي ملك فهل يكون ماؤها ملكا وجهان أصحهما نعم وبه قال ابن أبي هريرة وهو المنصوص في القديم وحرملة لأنه نماء ملكه كالثمرة واللبن ويجري الخلاف فيما إذا انفجرت عين في ملكه فإن قلنا لا يملك فنبع وخرج منه ملكه من أخذه وإن قلنا بالأصح لا يملكه الآخذ ولو دخل رجل ملكه وأخذه ففي ملكه الوجهان وسواء قلنا يملك أم لا فلا يجب على صاحب البئر بذل الفاضل عن حاجته لزرع غيره على الصحيح ويجب بذله للماشية على الصحيح.
وللوجوب شروط أحدها أن لا يجد صاحب الماشية ماء مباحا.
والثاني أن يكون هناك كلأ يرعى وإلا فلا يجب على المذهب وقال المتولي فيه وجهان.
الثالث أن يكون الماء في مستقره فأما الماء الموجود في إناء فلا يجب بذل فضله على الصحيح ثم عابروا السبيل يبذل لهم ولمواشيهم وفيمن أراد الإقامة في الموضع وجهان لأنه لا ضرورة به إلى الإقامة.
قلت الأصح الوجوب كغيره وإذا وجب البذل مكن الماشية من حضور البئر بشرط أن لا يكون على صاحب الماء ضرر في زرع ولا ماشية فإن لحقه ضرر بورودها منعت لكن يجوز للرعاة استقاء فضل الماء لها قاله الماوردي والله أعلم.
وهل يجب البذل للرعاة كما يجب للماشية وجهان حكاهما ابن كج أصحهما يجب لأن البذل لسقاة الناس رعاة كانوا أو غيرهم أولى من البذل للماشية على أن الإمام نقل في المنع من الشرب على الاطلاق وجهين إذا قلنا مملوك وإذا أوجبنا البذل هل يجوز أن يأخذ عليه عوضا كإطعام المضطر وجهان الصحيح لا للحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع فضل الماء.
قلت قال الماوردي لو كان هناك ماءان مملوكان لرجلين لزمهما البذل فإن اكتفت الماشية ببذل أحدهما سقط الفرض عن الآخر قال وإذا لم توجد شروط وجوب البذل جاز لمالكه أخذ ثمنه إذا باعه مقدرا بكيل أو وزن ولا يجوز بيعه مقدرا بري الماشية ولا الزرع والله أعلم.
وأما المحفورة بلا قصد ففيها وجهان أصحهما لا اختصاص له بمائها والناس كلهم فيه سواء والثاني يختص بقدر حاجته كما أن الإحياء يفيد الملك وإن لم يقصده.
فصل حكم القنوات والآبار في ملك مياهها

(2/252)


حكم القنوات حكم الآبار في ملك مياهها وفي وجوب البذل وغيرهما إلا أن حفرها لمجرد الارتفاق لا يكاد يقع ومتى اشترك المتملكون في الحفر اشتركوا في الملك بحسب اشتراكهم في العمل أو الارتفاق كما ذكرنا في النهر المملوك ثم لهم قسمة الماء بأن تنصب خشبة مستوية الأعلى والأسفل في عرض النهر ويفتح فيها ثقب متساوية أو متفاوتة على قدر حقوقهم ويجوز أن تكون الثقب متساوية مع تفاوت الحقوق إلا أن صاحب الثلث يأخذ ثقبة والآخر ثقبتين ويسوق كل واحد نصيبه في ساقية إلى أرضه وله أن يدير رحى بما صار له ولا يشق أحد منهم ساقية قبل المقسم ولا ينصب عليه رحى وإن اقتسموا بالمهايأة جاز أيضا وقد يكون الماء قليلا ينتفع به إلا كذلك ولكل واحد الرجوع كما ذكرنا في البئر هذا هو الصحيح المعروف وقيل تلزم المهايأة ليثق كل واحد بالانتفاع وقيل لا تصح القسمة بالمهايأة لأن الماء يقل ويكثر وتختلف فائدة السقي بالأيام.
قلت لو أراد أحدهم أن يأخذ نصيبه من الماء ويسقي به أرضا ليس لها رسم شرب من هذا النهر منع منه لأنه يجعل شربا لم يكن والله أعلم.
فرع سقاية الأرض من الأودية المباحة الذين يسقون أرضهم من الأودية المباحة لو تراضوا بمهايأة وجعلوا للأولين أياما وللآخرين أياما فهذه مسامحة من الأولين بتقدم الآخرين وليست بلازمة والظاهر أن من رجع من الأولين مكن من سقي أرضه.
فصل في بيع الماء
أما المحرز في إناء أو حوض فبيعه صحيح على الصحيح وقد سبق فيه الوجه وليكن عمق الحوض معلوما ولا يجوز بيع ماء البئر والقناة فيهما لأنه مجهول ويزيد شيئا فشيئا فيختلط فيتعذر التسليم وإن باع منه آصعا فإن كان جاريا لم يصح إذ لا يمكن ربط العقد بمقدار وإن كان راكدا وقلنا إنه غير مملوك لم يصح وإن قلنا مملوك فقال القفال لا يصح أيضا لأنه يزيد فيختلط المبيع والأصح الجواز كبيع صاع من صبرة وأما الزيادة فقليلة فلا تضر كما لو باع القت في الأرض بشرط القطع وكما لو باع صاعا من صبرة وصب عليها صبرة أخرى فإن البيع بحاله ويبقى البيع ما بقي صاع من الصبرة ولو باع الماء مع قراره نظر إن كان جاريا فقال بعتك هذه القناة مع مائها أو إن لم يكن جاريا وقلنا إن الماء لا يملك لم يصح البيع في الماء وفي القرار قولا تفريق الصفقة وإلا فيصح ولو باع بئر الماء وأطلق أو باع دارا فيها بئر ماء جاز ثم إن قلنا يملك فالموجود حال البيع يبقى للبائع وما يحدث للمشتري قال البغوي وعلى هذا لا يصح البيع حتى يشترط أن الماء الظاهر للمشتري لئلا يختلط الماءان وإن قلنا لا يملك فقد أطلقوا أن المشتري أحق بذلك الماء وليحمل على ما نبع بعد البيع فأما ما نبع قبله فلا معنى لصرفه إلى المشتري.
قلت هذا التأويل الذي قاله الإمام الرافعي فاسد فقد صرح الأصحاب بأن المشتري على هذا الوجه أحق بالماء الظاهر لثبوت يده على الدار وتكون يده كيد البائع في ثبوت الاختصاص به والله أعلم.
ولو باع جزءا شائعا من البئر أو القناة جاز وما ينبع مشترك بينهما إما اختصاصا مجردا وإما ملكا.
فرع سقى أرضه بماء مملوك لغيره فالغلة لصاحب البذر وعليه قيمة الماء ولو استحل صاحب الماء كان الطعام أطيب. قلت ومما يتعلق بالكتاب ما ذكره صاحب العدة أنه لو أضرم نارا في حطب مباح بالصحراء لم يكن له منع من ينتفع بتلك النار فلو جمع الحطب ملكه فإذا أضرم فيه النار فله منع غيره منها والله أعلم.
كتاب الوقف
فيه بابان.
الباب الأول في أركانه وشروطه
وفيه طرفان.
الطرف الأول في أركانه وهي أربعة.
الركن الأول الواقف ويشترط كونه صحيح العبارة أهلا للتبرع.
الركن الثاني الموقوف وهو كل عين معينة مملوكة ملكا يقبل النقل يحصل منها فائدة أو منفعة تستأجر لها احترزنا بالعين حق المنفعة وعن الوقف الملتزم في الذمة وبالمعينة عن وقف أحد عبديه وبالمملوكة عما لا يملك وبقبول النقل عن أم الولد والملاهي وأردنا بالفائدة الثمرة واللبن ونحوهما وبالمنفعة السكنى واللبس ونحوهما وقولنا تستأجر لها احتراز من الطعام ونحوه ونوضحه بمسائل.

(2/253)


إحداها يجوز وقف العقار والمنقول كالعبيد والثياب والدواب والسلاح والمصاحف والكتب سواء المقسوم والمشاع كنصف دار ونصف عبد ولا يسري الوقف من نصف إلى نصف.
فرع
وقف نصف عبد ثم أعتق النصف الآخر لم يعتق الموقوف.
الثانية يجوز وقف ما يراد لعين تستفاد منه كالأشجار للثمار والحيوان للبن والصوف والوبر والبيض وما يراد لمنفعة تستوفى منه كالدار والأرض ولا يشترط حصول المنفعة والفائدة في الحال بل يجوز وقف العبد والجحش الصغيرين والزمن الذي يرجى زوال زمانته كما يجوز نكاح الرضيعة.
الثالثة لا يصح وقف الحر نفسه لأن رقبته غير مملوكة وكذلك مالك منافع الأموال دون رقابها لا يصح وقفه إياها سواء ملك مؤقتا كالمستأجر أم مؤبدا كالموصى له بالمنفعة.
الرابعة لا يصح وقف أم الولد على الأصح فإن صححنا فمات السيد عتقت قال المتولي لا يبطل الوقف بل تبقى منافعها للموقوف عليه كما لو أجرها ومات وقال الإمام تبطل لأن الحرية تنافي الوقف بخلاف الإجارة وهذا مقتضى كلام ابن كج ويجري الوجهان في صحة وقف المكاتب.
ويصح وقف المعلق عتقه بصفة فإذا وجدت الصفة فإن قلنا الملك في الوقف للواقف أو لله تعالى عتق وبطل الوقف وإن قلنا للموقوف عليه لم يعتق ويبقى الوقف بحاله ويجوز وقف المدبر ثم هو رجوع إن قلنا التدبير وصية فإن قلنا تعليق بصفة فهو كالمعلق عتقه.
الخامسة لا يصح وقف الكلب المعلم على الأصح وقيل لا يصح قطعا لأنه غير مملوك.
السادسة في وقف الدراهم والدنانير وجهان كإجارتهما إن جوزناها صح الوقف لتكرى ويصح وقف الحلي لغرض اللبس وحكى الإمام أنهم ألحقوا الدراهم ليصاغ منها الحلي بوقف العبد الصغير وتردد هو فيه.
السابعة لا يصح وقف ما لا يدوم الانتفاع به كالمطعوم والرياحين المشمومة لسرعة فسادها.
الثامنة وقف ثوبا أو عبدا في الذمة لم يصح كما لو أعتق عبدا في الذمة ولو وقف أحد عبديه لم يصح على الصحيح كالبيع وقيل يصح كالعتق.
التاسعة يجوز وقف علو الدار دون سفلها.
العاشرة يصح وقف الفحل للضراب بخلاف إجارته لأن الوقف قربة يحتمل فيها ما لا يحتمل في المعاوضات.
الحادية عشرة لا يصح وقف الملاهي.
فرع أجر أرضه ثم وقفها
صح على المذهب وبه قطع الشيخ أبو علي لأنه مملوك بشرائطه وليس فيه إلا العجز عن صرف منفعته إلى جهة الوقف في الحال وذلك لا يمنع الصحة كما لو وقف ماله في يد الغاصب وفي فتاوى القفال أنه على الخلاف في الوقف المنقطع الأول وقيل إن وقفه على المسجد صح لمشابهته الاعتاق وإن وقف على إنسان فخلاف.
فرع استئجار الأرض للبناء أو الغرس
استأجر أرضا ليبني فيها أو يغرس ففعل ثم وقف البناء والغراس صح على الأصح ولو وقف هذا أرضه وهذا بناءه صح بلا خلاف كما لو باعاه وإذا قلنا بالصحة ومضت المدة وقلع مالك الأرض البناء فإن بقي منتفعا به بعد القلع فهو وقف كما كان وإن لم يبق فهل يصير ملكا للموقوف عليه أم يرجع إلى الواقف فيه وجهان وأرش النقص الذي يؤخذ من القالع يسلك به مسلك الوقف.
قلت الأصح صحة وقف ما لم يره ولا خيار له عند الرؤية والله أعلم.
الركن الثالث الموقوف عليه وهو قسمان.
القسم الأول أن يكون شخصا معينا أو جماعة معينين فشرطه أن يمكن تمليكه فيجوز الوقف على ذمي من مسلم وذمي كما تجوز الوصية له ولا يصح الوقف على الحربي والمرتد على الأصح لأنهما لا دوام لهما.
فرع لا يصح الوقف على من لا يملك
كالجنين ولا يصح على العبد نفسه قال جماعة هذا تفريع على قولنا لا يملك فإن ملكناه صح الوقف عليه وإذا عتق كان له دون سيده وعلى هذا قال المتولي لو وقف على عبد فلان وملكناه صح وكان الاستحقاق متعلقا بكونه عبد فلان حتى لو باعه أو وهبه زال الاستحقاق ولك أن تقول الخلاف في أنه هل يملك مخصوص بما إذا ملكه السيد فأما إذا ملكه غيره فلا يملك بلا خلاف وحينئذ إذا كان الواقف غير السيد كان الوقف على من لا يملك أما إذا أطلق الوقف عليه فهو وقف على سيده كما لو وهب له أو أوصى له وإذا شرطنا القبول جاء خلاف في استقلاله به كالخلاف في أنه هل يستقل بقبول الهبة والوصية وقد سبق في باب معاملات العبيد.
فرع لو وقف على مكاتب

(2/254)


قال الشيخ أبو حامد لا يصح كالوقف على القن وقال المتولي يصح في الحال وتصرف الفوائد إليه ونديم حكمه إذا عتق إن أطلق الوقف وإن قال تصرف الفوائد إليه ما دام مكاتبا بطل استحقاقه وإن عجز بأن لنا أن الوقف منقطع الابتداء.
فرع وقف على بهيمة وأطلق
هل هو كالوقف على العبد حتى يكون وقفا على مالكها وجهان أصحهما لا لأنها ليست أهلا بحال ولهذا لا تجوز الهبة لها والوصية والثاني نعم واختار القاضي أبو الطيب أنه يصح وينفق عليها منه ما بقيت وعلى هذا فالقبول لا يكون إلا من المالك وحكى المتولي في قوله وقفت على علف بهيمة فلان أو بهائم القرية وجهين كصورة الإطلاق قال والخلاف فيما إذا كانت البهيمة مملوكة فلو وقف على الوحوش أو علف الطيور المباحة فلا يصح بلا خلاف.
فرع وقف الإنسان على نفسه
في وقف الإنسان على نفسه وجهان أصحهما بطلانه وهو المنصوص والثاني يصح قاله الزبيري وحكى ابن سريج أيضا وحكى عنه ابن كج أنه يصح الوقف ويلغو شرطه وهذا بناء على أنه إذا اقتصر على قوله وقفت صح وينبغي أن يطرد في الوقف على من لا يجوز مطلقا ولو وقف على الفقراء وشرط أن تقضى من غلة الوقف زكاته وديونه فهذا وقف على نفسه وغيره ففيه الخلاف وكذلك لو شرط أن يأكل من ثماره أو ينتفع به ولو استبقى الواقف لنفسه التولية وشرط أجرة وقلنا لا يجوز أن يقف على نفسه ففي صحة هذا الشرط وجهان كالوجهين في الهاشمي هل يجوز أن يأخذ سهم العاملين إذا عمل على الزكاة.
قلت الأرجح هنا جوازه قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ويتقيد ذلك بأجرة المثل ولا يجوز الزيادة إلا من أجاز الوقف على نفسه والله أعلم.
ولو وقف على الفقراء ثم صار فقيرا ففي جواز أخذه وجهان إذا قلنا لا يقف على نفسه لأنه لم يقصد نفسه وقد وجدت الصفة ويشبه أن يكون الأصح الجواز ورجح الغزالي المنع لأن مطلقة ينصرف إلى غيره.
واعلم أن للواقف أن ينتفع بأوقافه العامة كآحاد الناس كالصلاة في بقعة جعلها مسجدا والشرب من بئر وقفها ونحو ذلك.
قلت ومن هذا النوع لو وقف كتابا على المسلمين للقراءة فيه ونحوها أو قدرا للطبخ فيها أو كيزانا للشرب بها ونحو ذلك فله الانتفاع معهم والله أعلم.
فرع
لو قال لرجلين وقفت على أحدكما لم يصح وفيه احتمال عن الشيخ أبي محمد.
القسم الثاني الوقف على غير معين كالفقراء والمساكين وهذا يسمى وقفا على الجهة لأن الواقف يقصد جهة الفقر والمسكنة لا شخصا بعينه فينظر في الجهة إن كانت على المعصية كعمارة الكنيسة وقناديلها وحصرها وكتب التوراة والإنجيل لم يصح سواء وقفه مسلم أو ذمي فنبطله إذا ترافعوا إلينا أما ما وقفوه قبل المبعث على كنائسهم القديمة فنقره حيث نقر الكنائس.
ولو وقف لسلاح قطاع الطريق أو لآلات سائر المعاصي فباطل قطعا.
وإن لم تكن جهة معصية نظر فإن ظهر فيه قصد القربة كالوقف على المساكين وفي سبيل الله تعالى والعلماء والمتعلمين والمساجد والمدارس والربط والقناطر صح الوقف.
وإن لم يظهر القربة كالوقف على الأغنياء فوجهان بناء على أن المرعي بالوقف على الموصوفين جهة القربة أم التمليك فحكى الإمام عن المعظم أنه القربة ولهذا لا يجب استيعاب المساكين بل يجوز الاقتصار على ثلاثة منهم وعن القفال أنه قال التمليك كالوصية وكالوقف على المعين وهذا الوجه اختيار الإمام وشيخه وطرق العراقيين توافقه حتى ذكروا أن الوقف على المساجد والربط تمليك المسلمين منفعة الوقف فإن قلنا بالأول لم يصح الوقف على الأغنياء واليهود والنصارى والفساق والأصح الجميع ويجوز أن يخرج على هذا الأصل الخلاف في صحة الوقف على قبيلة كالعلوية وغيرهم ممن لا ينحصر فيهم في صحته قولان كالوصيته لهم فإن راعينا القربة صح وإلا فلا لتعذر الاستيعاب والاشبه بكلام الاكثرين ترجيح كونه تمليكا وتصحيح الوقف على هؤلاء ولهذا صحح صاحب الشامل الوقف على النازلين في الكنائس من مارة أهل الذمة وقال هو وقف عليهم لا على الكنيسة لكن الأحسن توسط لبعض المتأخرين وهو تصحيح الوقف على الأغنياء وإبطاله على اليهود والنصارى وقطاع الطريق وسائر الفساق لتضمنه الإعانة على المعصية.
فصل في مسائل تتعلق بهذا الركن
إحداها يجوز الوقف على سبيل الله تعالى وهم المستحقون سهم الزكاة.

(2/255)


الثانية إذا وقف على سبيل البر أو الخير أو الثواب صح ويصرف إلى أقارب الواقف فإن لم يوجدوا فإلى أهل الزكاة وقال في التهذيب الموقوف على سبيل البر أو الخير أو الثواب يجوز صرفه إلى ما فيه صلاح المسلمين من أهل الزكاة وإصلاح القناطر وسد الثغور ودفن الموتى وغيرها وقال بعض أصحاب الإمام إن وقف على جهة الخير صرف في مصارف الزكاة ولا يبنى به مسجد ولا رباط وإن وقف على جهة الثواب صرف إلى أقاربه والذي قطع به الأكثرون ما قدمناه قالوا ولو جمع بين سبيل الله تعالى وسبيل الثواب وسبيل الخير صرف الثلث إلى الغزاة والثث إلى أقاربه والثلث إلى الفقراء والمساكين والغارمين وابن السبيل وفي الرقاب وهذا يخالف ما سبق.
الثالثة يصح الوقف على أكفان الموتى ومؤنة الغسالين والحفارين وعلى شراء الأواني والظروف لمن تكسرت عليه.
الرابعة يصح الوقف على المتفقهة وهم المشتغلون بتحصيل الفقه مبتدئهم ومنتهيهم وعلى الفقهاء ويدخل فيه من حصل منه شيئا وإن قل.
الخامسة الوقف على الصوفية حكي عن الشيخ أبي محمد أنه باطل إذ ليس للتصوف حد يعرف والصحيح المعروف صحته وهم المشتغلون بالعبادة في أغلب الأوقات المعرضون عن الدنيا وفصله الغزالي في الفتاوى فقال لا بد في الصوفي من العدالة وترك الحرفة ولا بأس بالوراقة والخياطة وشبههما إذا تعاطاها أحيانا في الرباط لا في الحانوت ولا تقدح قدرته على الكسب ولا اشتغاله بالوعظ والتدريس ولا أن يكون له من المال قدر لا تجب فيه الزكاة أو لا يفي دخله بخرجه وتقدح الثروة الظاهرة والعروض الكثيرة ولا بد أن يكون في زي القوم إلا أن يكون مساكنا فتقوم المخالطة والمساكنة مقام الزي قال ولا يشترط لبس المرفعة من شيخ وكذلك ذكر المتولي.
السادسة وقف على الأرقاء الموقوفين لسدانة الكعبة وخدمة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم صح على الأصح.
السابعة لو وقف على دار أو حانوت قال الحناطي لا يصح إلا أن يقول وقفت على هذه الدار على أن يأكل فوائده طارقوها فيصح على الأصح.
الثامنة وقف على المقبرة لتصرف الغلة في عمارة القبور قال المتولي لا يصح لأن الموتى صائرون إلى البلى فلا تليق بهم العمارة.
التاسعة وقف ضيعة على المؤن التي تقع في قرية كذا من جهة السلطان ففي فتاوى القفال أنه صحيح وصيغته أن يقول تصدقت بهذه الضيعة صدقة محرمة على أن تستغل فما فضل عن عمارتها صرف إلى هذه المؤن.
العاشرة في فتاوى القفال أنه لو قال وقفت هذه البقرة على الرباط الفلاني ليشرب من لبنها من نزله أو ينفق من نسلها عليه صح فإن اقتصر على قوله وقفتها عليه لم يصح وإن كنا نعلم أنه يريده لان الاعتبار باللفظ.
وقد بقيت مسائل من هذا الفصل تأتي منثورة في آخر الباب إن شاء الله تعالى.
الركن الرابع الصيغة فلا يصح الوقف إلا بلفظ لأنه تمليك للعين والمنفعة أو المنفعة فأشبه سائر التمليكات لأن العتق مع قوته وسرايته لا يصح إلا بلفظ فهذا أولى فلو بنى على هيئة المساجد أو على غير هيئتها وأذن في الصلاة فيه لم يصر مسجدا وكذا لو أذن في الدفن في ملكه لم يصر مقبرة سواء صلي في ذاك ودفن في ذا أم لا.
وألفاظ الوقف على مراتب.
إحداها قوله وقفت كذا أو حبست أو سبلت أو أرضي موقوفة أو محبسة أو مسبلة فكل لفظ من هذا صريح هذا هو الصحيح الذي قطع به الجمهور وفي وجه كل هذا كناية وفي وجه الوقف صريح والباقي كناية وفي وجه التسبيل كناية والباقي صريح.
الثانية قوله حرمت هذه البقعة للمساكين أو أبدتها أو داري محرمة أو مؤبدة كناية على المذهب لأنها لا تستعمل إلا مؤكدة للأولى.
الثالثة تصدقت بهذه البقعة ليس بصريح فإن زاد معه شيئا فالزيادة لفظ أو نية فأما اللفظ ففيه أوجه أصحها إن قرن به بعض الألفاظ السابقة بأن قال صدقة محرمة أو محبسة أو موقوفة أو قرن به حكم الوقف فقال صدقة لا تباع ولا توهب التحق بالصريح لانصرافه بهذا عن التمليك المحض والثاني لا يكفي قوله صدقة محرمة أو مؤبدة بل لا بد من التقييد بأنها لا تباع ولا توهب ويشبه أن لا يعتبر هذا القائل في قوله صدقة موقوفة مثل هذا التقييد.
والثالث لا يكون صريحا بلفظ ما لأنه صريح في التمليك المحض.

(2/256)


وأما النية فإن أضاف إلى جهة عامة بأن قال تصدقت به على المساكين ونوى الوقف فوجهان أحدهما أن النية لا تلتحق باللفظ في الصرف عن صريح الصدقة إلى غيره وأصحهما تلتحق فيصير وقفا وإن أضاف إلى معين فقال تصدقت عليك أو قاله لجماعة معينين لم يكن وقفا على الصحيح بل ينفذ فيما هو صريح فيه وهو التمليك المحض كذا قاله الإمام ولك أن تقول تجريد لفظ الصدقة عن القرائن اللفظية يمكن تصويره في الجهات العامة ولا يمكن في معينين إذا لم نجوز الوقف المنقطع فإنه يحتاج إلى بيان المصارف بعد المعينين وحينئذ فالمأتي به لا يحتمله غير الوقف كما أن قوله تصدقت به صدقة محرمة أو موقوفة لا يحتمل غير الوقف.
فرع
لو قال جعلت هذا المكان مسجدا صار مسجدا على الأصح لإشعاره بالمقصود واشتهاره فيه وقطع الأستاذ أبو طاهر والمتولي والبغوي بأنه لا يصير مسجدا لأنه لم يوجد شيء من ألفاظ الوقف قال الأستاذ فإن قال جعلته مسجدا لله تعالى صار مسجدا وحكى الإمام خلافا للأصحاب في استعمال لفظ الوقف فيما يضاهي التجريد كقوله وقفت هذه البقعة على صلاة المصلين وهو يريد جعلها مسجدا والأصح صحته.
فصل إذا كان الوقف على جهة
كالفقراء وعلى المسجد والرباط لم يشترط القبول ولو قال جعلت هذا للمسجد فهو تمليك لا وقف فيشترط قبول القيم وقبضه كما لو وهب شيئا لصبي وإن كان الوقف على شخص أو جماعة معينين فوجهان أصحهما عند الإمام وآخرين اشتراط القبول فعلى هذا فليكن متصلا بالإيجاب كما في البيع والهبة والثاني لا يشترط كالعتق وبه قطع البغوي والروياني قال الروياني لا يحتاج لزوم الوقف إلى القبول لكن لا يملك عليه إلا بالاختيار ويكفي الأخذ دليلا على الاختيار وخص المتولي الوجهين بقولنا ينتقل الملك في الموقوف إلى الموقوف عليه وإلا فلا يشترط قطعا.
قلت صحح الرافعي في المحرر الاشتراط والله أعلم.
وسواء شرطنا القبول أم لا لو رده بطل حقه كالوصية والوكالة وشذ البغوي فقال لا يبطل بالرد كالعتق فعلى الصحيح لو رد ثم رجع قال الروياني إن رجع قبل حكم الحاكم برده إلى غيره كان له وإن حكم به لغيره بطل حقه هذا في البطن الأول أما البطن الثاني والثالث فنقل الإمام والغزالي أنه لا يشترط قبوله قطعا لأن استحقاقهم لا يتصل بالإيجاب ونقلا في ارتداده بردهم وجهين لأن الوقف قد ثبت ولزم فيبعد انقطاعه وأجرى المتولي الخلاف في اشتراط قبولهم وارتداده بردهم بناء على أنهم يتلقون الحق من الواقف أم من البطن الأول إن قلنا بالأول فقبولهم وردهم كقبول الأولين وردهم وإلا فلا يعتبر قبولهم وردهم كالميراث وهذا أحسن ولا يبعد أن لا يتصل الاستحقاق بالإيجاب مع اشتراط القبول كما في الوصية.
الطرف الثاني في شروط الوقف وهي أربعة.
الأول التأبيد بأن يقف على من لا ينقرض كالفقراء والمساكين أو على من ينقرض ثم على من لا ينقرض كقوله وقفت على ولدي ثم على الفقراء أو على زيد ثم عقبه ثم الفقراء والمساجد والربط والقناطر كالفقراء والمساكين فإن عين مساجد أو قناطر فوجهان وفي معنى الفقراء العلماء على الصحيح وفي فتاوى القفال خلافه لأنهم قد ينقطعون.
فصل
لو قال وقفت هذا سنة فالصحيح الذي قطع به الجمهور أن الوقف باطل وقيل يصح وينتهي بانتهاء المدة وقيل الوقف الذي لا يشترط فيه القبول لا يفسد بالتوقيت كالعتق وبه قال الإمام ومن تابعه وفي مطلق الوقف قول آخر سنحكيه في الهبة إن شاء الله تعالى.
فصل
إذا وقف وقفا منقطع الآخر بأن قال وقفت على أولادي أو قال وقفت على زيد ثم على عقبه ولم يزد ففي صحته ثلاثة أقوال أظهرها عند الأكثرين الصحة منهم القضاة أبو حامد والطبري والروياني وهو نصه في المختصر والثاني البطلان وصححه المسعودي والإمام والثالث إن كان الموقوف عقارا فباطل وإن كان حيوانا صح لأن مصيره إلى الهلاك وربما هلك قبل الوقوف عليه فإن صححنا فإذا انقرض المذكور فقولان أحدهما يرتفع الوقف ويعود ملكا للواقف أو إلى ورثته إن كان مات وأظهرهما يبقى وقفا.
وفي مصرفه أوجه أصحها وهو نصه في المختصر يصرف إلى أقرب الناس إلى الواقف يوم انقراض المذكور.
والثاني إلى المساكين.
والثالث إلى المصالح العامة مصارف خمس الخمس.
والرابع إلى مستحقي الزكاة.

(2/257)


فإن قلنا إلى أقرب الناس إلى الواقف فيعتبر قرب الرحم أم استحقاق الإرث وجهان أصحهما الأول فيقدم ابن البنت على ابن العم لأن المعتبر صلة الرحم وإذا اجتمع جماعة فالقول في الأقرب كما سيأتي في الوصية للأقرب وهل يختص بفقراء الأقارب أم يشاركهم أغنياؤهم قولان أظهرهما الاختصاص وهل هو على سبيل الوجوب أم الاستحباب وجهان وإن قلنا يصرف إلى المساكين ففي تقديم جيران الواقف وجهان أصحهما المنع لأنا لو قدمنا بالجوار لقدمنا بالقرابة بطريق الأولى.
فرع
قال وقفت هذا على زيد شهرا على أن يعود إلى ملكي بعد الشهر فباطل على المشهور وفي قول يصح فعلى هذا هل يعود ملكا بعد الشهر أم يكون كالمنقطع حتى يصرف بعد الشهر إلى أقرب الناس إلى الواقف قولان حكاهما البغوي.
الشرط الثاني التنجيز فلو قال وقفت على من سيولد لي أو على مسجد سيبنى ثم على الفقراء أو قال على ولدي ثم على الفقراء ولا ولد له فهذا وقف منقطع الأول وفيه طريقان أحدهما القطع بالبطلان والثاني على القولين في منقطع الآخر والمذهب هنا البطلان وهو نصه في المختصر فإن صححنا نظر إن لم يمكن انتظار من ذكره كقوله وقفت على ولدي ولا ولد له أو على مجهول أو ميت ثم على الفقراء فهو في الحال مصروف إلى الفقراء وذكر الأول لغو وإن أمكن إما بانقراضه كالوقف على عبد ثم على الفقراء وإما بحصوله كولد سيولد له فوجهان أحدهما تصرف الغلة إلى الواقف حتى ينقرض الأول وعلى هذا ففي ثبوت الوقف في الحال وجهان والثاني وهو الأصح تنقطع الغلة عن الواقف وعلى هذا أوجه أصحها تصرف في الحال إلى أقرب الناس إلى الواقف فإذا انقرض المذكور أولا صرف إلى المذكور بعده وعلى هذا فالقول في اشتراط الفقر وسائر التفاريع على ما سبق والثاني يصرف إلى المذكورين بعده في الحال والثالث أنه للمصالح العامة.
فرع وقف على وارثه في مرض الموت ثم على الفقراء وقلنا الوقف الوارث باطل أو صحيح فرده باقي الورثة فهو منقطع الأول وكذا لو وقف على معين يصح الوقف عليه ثم على الفقراء فرده المعين وقلنا بالصحيح إنه يرتد بالرد فمنقطع الأول.
فرع إذا علق الوقف فقال إذا جاء رأس الشهر أو قدم فلان فقد وقفته لم يصح على المذهب وقيل على الخلاف في منقطع الأول وأولى بالفساد.
فرع وراء منقطع الأول فقط أو الآخر فقط صور.
إحداها أن يكون متصل الأول والآخر والوسط فصحيح.
الثانية أن يكون منقطعها جميعا فباطل قطعا.
الثالثة متصل الطرفين منقطع الوسط بأن وقف على أولاده ثم رجل مجهول ثم الفقراء فإن صححنا منقطع الآخر فهذا أولى وإلا فوجهان أصحهما الصحة ويصرف عند توسط الانقطاع إلى أقرب الناس إلى الواقف أو إلى المساكين أو المصالح أو الجهة العامة المذكورة آخرا فيه الخلاف السابق.
الرابعة أن ينقطع الطرفان دون الوسط وقف بأن على رجل مجهول ثم على أولاده فقط فإن أبطلنا منقطع الأول فهذا أولى وإلا فالأصح بطلانه أيضا فإن صححنا ففيمن يصرف إليه الخلاف السابق.
الشرط الثالث الإلزام فلو وقف بشرط الخيار أو قال وقفت بشرط أني أبيعه أو أرجع فيه متى شئت فباطل واحتجوا له بأنه إزالة ملك إلى الله سبحانه وتعالى كالعتق أو إلى الموقوف عليه كالبيع والهبة وعلى التقديرين فهذا شرط مفسد لكن في فتاوى القفال أن العتق لا يفسد بهذا الشرط وفرق بينهما بأن العتق مبني على الغلبة والسراية وعن ابن سريج أنه يحتمل أن يبطل الشرط ويصح الوقف ولو وقف على ولده أو غيره بشرط أن يرجع إليه إذا مات فهو باطل على المذهب وعن البويطي أنه على قولين أخذا من مسألة العمرى ولو وقف وشرط لنفسه أن يحرم من شاء أو يقدم أو يؤخر فالشرط فاسد على الأصح هذا إذا أنشأ الوقف بهذا الشرط فلو أطلقه ثم أراد أن يغير ما ذكره بحرمان أو زيادة أو تقديم أو تأخير فليس له قطعا فإن صححنا شرطه لنفسه فشرطه لغيره ففاسد على الأصح وإن أفسدناه ففي فساد الوقف خلاف مبني على أن الوقف كالعتق أم لا.
هذا مجموع ما حضرني من كتب الأصحاب والذي قطع به جمهورهم بطلان الشرط والوقف في هذه الصور كلها وشذ الغزالي فجعل هذه الصور ثلاث مراتب.
الأولى وقفت بشرط أن أرجع متى شئت أو أحرم المستحق وأحول الحق إلى غيره متى شئت ففاسد.
الثانية بشرط أن أغير قدر المستحق للمصلحة فهو جائز.

(2/258)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية