صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : المجموع
مصدر الكتاب : الإنترنت
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

للشافعية جواز التسعير في حالة الغلاء.
وهذا الرأى في نظره مردود وما أوردناه فيه القول الفصل الذى يجعل التسعير يدور مع المصلحة حيث دارت ويقيد ولى الامر بمراعاة طرفي المتبايعين واحقاق العدل بينهما وعدم تغليب طرف على آخر قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) ويحرم الاحتكار في الاقوات، وهو أن يبتاع في وقت الغلاء ويمسكه ليزداد في ثمنه.
ومن أصحابنا من قال: يكره ولا يحرم، وليس بشئ.
لما روى عمر رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الجالب مرزوق والمحتكر ملعون " وروى معمر العدوى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يحتكر الا خاطئ " فدل على أنه حرام.
فأما إذا ابتاع في وقت الرخص أو جاءه من ضيعته طعام فأمسكه ليبيعه إذا غلا فلا يحرم ذلك لانه في معنى الجالب
وقد روى عمر رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " الجالب مرزوق والمحتكر ملعون " وروى أبو الزناد قال: قلت لسعيد بن المسيب: بلغني عنك أنك قلت ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال.
لا يحتكر بالمدينة الا خاطئ، وأنت تحتكر ؟ قال ليس هذا الذى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي الرجل السلعة عند غلائها فيغالى بها، فأما أن يأتي الشئ وقد اتضع فيشتريه، ثم يضعه فإن احتاج الناس إليه أخرجه، فذلك خير وأما غير الاقوات فيجوز احتكاره، لما روى أبو أمامة رضى الله عنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحتكر الطعام، فدل على أن غيره يجوز، ولانه لا ضرر في احتكار غير الاقوات فلم يمنع منه.
(الشرح) أما فصل الاحتكار فحديث عمر رضى الله عنه، رواه ابن ماجه بلفظ " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والافلاس " وفى اسناده الهيثم بن رافع، قال أبو داود روى حديثا منكرا قال الحافظ الذهبي: هو الذى خرجه ابن ماجه، يعنى هذا، وفى اسناده أيضا أبويحيى المكى، وهو مجهول.

(13/44)


وللحديث شواهد أخرى أقوى منه وأصح، كحديث سعيد بن المسيب عن معمر بن عبد الله العدوى " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يحتكر إلا خاطئ " رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وغيرهم.
وحديث معقل بن يسار قال " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من دخل في شئ من أسعار المسلمين ليغليه عليهم كان حقا على الله أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة رواه أحمد والطبراني في معجميه الكبير والاوسط، وفى إسناده زيد بن مرة أبو المعلى، قال في مجمع الزوائد: ولم أجد من ترجمه وبقية رجاله رجال الصحيح.
وحديث أبى هريرة قال " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من احتكر حكرة يريد أن يغلى بها على المسلمين هو خاطئ " رواه أحمد والحاكم وزاد " وقد برئت منه ذمة الله " وفى إسناده أبو معشر، وهو ضعيف، وقد وثقه بعضهم.
وحديث ابن عمر مرفوعا " الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون " رواه ابن ماجه والحاكم وإسحاق بن راهويه والدارمى وأبو يعلى والعقيلي في الضعفاء وضعف إسناده الحافظ ابن حجر.
ومنها حديث آخر عند ابن عمر عند أحمد والحاكم وابن أبى شيبة والبزار وأبى يعلى بلفظ " من احتكر الطعام أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه " زاد الحاكم " وأيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله " وفى إسناده أصبغ بن زيد وكثير بن مرة، والاول مختلف فيه والثانى قال ابن حزم إنه مجهول، وقال غيره: معروف، ووثقه ابن سعد، وروى عنه جماعة، واحتج به النسائي.
قال الحافظ ابن حجر: ووهم ابن الجوزى فأخرج هذا الحديث في الموضوعات وحكى ابن أبى حاتم عن أبيه أنه منكر اه.
أما أحكام الفصل: فهذه الاحاديث بمجموعها لا شك أنها تنتهض حجة للاستدلال على عدم جواز الاحتكار لو فرض عدم ثبوت شئ منها، وأخذت بمجموعها، فكيف وحديث معمر المذكور في صحيح مسلم، والتصريح بأن المحتكر خاطئ كاف في إفادة عدم الجواز، لان الخاطئ هو المذنب العاصى وهو

(13/45)


فاعل من خطئ من باب علم إذا أثم في فعله قاله أبو عبيدة وقال: سمعت الازهرى يقول: خطئ إذا تعمد، وأخطأ إذا لم يتعمد.
قال الاصحاب من الشافعية: إن المحرم إنما هو احتكار الاقوات خاصة لا
غيرها، ولا مقدار الكفاية منها، وإلى ذلك ذهب الزيدية أيضا.
وذهب الشوكاني إلى أن الاحاديث ظاهرها يحرم الاحتكار من غير فرق بين قوت الآدمى والدواب، وبين غيره، والتصريح (بالطعام) في بعض الروايات لا يصلح لتقييد بقية الروايات المطلقة، ويمكن الرد عليه بأن المقرر في قواعد الاصول أن المطلق يحمل على المقيد وأن العام يحمل على الخاص الا أن الشوكاني يخرج من هذا المأزق بقوله انه من باب التنصيص على فرد من الافراد التى يطلق عليها المطلق، وذلك لان نفى الحكم عن غير الطعام انما هو لمفهوم اللقب، وهو غير معمول به عند الجمهور، وما كان كذلك لا يصلح للتقييد على ما تقرر في الاصول أيضا.
ويفرق العلماء بين الاحتكار والادخار، فالاحتكار اختزان السلعة وحبسها عن طلابها حتى يتحكم المختزن في رفع سعرها لقلة المعروض منه أو انعدامه، فيتسنى له أن يغليها حسبما يشاء وهذا حرام بالاجماع في ضرورات الحياة.
مكروه في كمالياتها.
ويمكن أن يلحق بالاقوات ما يترتب على احتكاره من تلف وهلاك يصيب الناس، كاحتكار الثياب في وقت البرد الشديد مع حاجة الناس إليه، وحبس وسائل النقل للجند في ابان الجهاد لما في ذلك من اضعاف لقوة المسلمين واتاحة الفرصة لتفوق العدو عليهم وغلبته.
أما الادخار فقد قال ابن رسلان في شرح السنن ولا خلاف في أن ما يدخره الانسان من قوت وما يحتاجون إليه من سمن وعسل وغير ذلك جائز لا بأس به اه.
ويقول الشوكاني نقلا عن أئمة الشافعية: انما المحرم هو احتكار الاقوات خاصة لا غيرها ولا مقدار الكفاية منها، ويدل على ذلك ما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطى كل واحدة من زوجاته مائة وسق من خيبر.

(13/46)


قال ابن رسلان في شرح السنن: وقد كان رسول الله صلى عليه وسلم يدخر لاهله قوت سنتهم من تمر وغيره.
قال أبو داود: قيل لسعيد - يعنى ابن المسيب - فإنك تحتكر.
قال ومعمر كان يحتكر.
وكذا في صحيح مسلم: قال ابن عبد البر وآخرون: إنما كانا - يعنى ابن المسيب ومعمرا - يحتكران الزيت، وحملا الحديث على احتكار القوت عند الحاجة إليه.
وكذلك حمله الشافعي وأبو حنيفة وآخرون.
قال الشوكاني: ويدل على اعتبار الحاجة وقصد إغلاء السعر على المسلمين قوله في حديث معقل " من دخل في شئ من أسعار المسلمين ليغليه عليهم " وقوله في حديث أبى هريرة " يريد أن يغلى بها على المسلمين " قال أبو داود: سألت أحمد بن حنبل ما الحكرة.
قال ما فيه عيش الناس، أي حياتهم وقوتهم.
وقال الاثرم: سمعت أبا عبد الله - يعنى أحمد بن حنبل - يسئل عن أي شئ الاحتكار، فقال إذا كان من قوت الناس فهو الذى يكره.
وهذا قول عمر وقال الاوزاعي، المحتكر من يعترض السوق، أي ينصب نفسه للتردد إلى الاسواق ليشترى منها الطعام الذى يحتاجون إليه ليحتكره.
قال السبكى " الذى ينبغى أن يقال في ذلك أنه إن منع غيره من الشراء وحصل به ضيق حرم.
وإن كانت الاسعار رخيصة وكان القدر الذى يشتريه لا حاجة بالناس إليه فليس لمنعه من شرائه وادخاره إلى وقت حاجة الناس إليه معنى " قال القاضى حسين والرويانى " وربما يكون هذا حسنة لانه ينفع به الناس " وقطع المحاملى في المقنع باستحبابه.
قال أصحاب الشافعي " الاولى بيع الفاضل عن الكفاية " قال السبكى " أما إمساكه
حالة استغناء أهل البلد عنه رغبة في أن يبيعه إليهم وقت حاجتهم إليه فينبغي أن لا يكره، بل يستحب.
قال الشوكاني " والحاصل أن العلة إذا كانت هي الاضرار بالمسلمين لم يحرم الاحتكار الا على وجه يضر بهم، ويستوى في ذلك القوت وغيره لانهم يتضررون بالجميع " وقال الغزالي في الاحياء " ما ليس بقوت ولا معين عليه فلا يتعدى النهى

(13/47)


إليه وان كان مطعوما وما يعين على القوت كاللحم والفواكه وما يسد مسد شئ من القوت في بعض الاحوال، وان كان لا يمكن المداومة عليه فهو في محل النظر فمن العلماء من طرد التحريم في السمن والعسل والشيرج والجبن والزيت وما يجرى مجراه.
وقال السبكى " إذا كان في وقت قحط كان في ادخار العسل والسمن والشيرج وأمثالها اضرار، فينبغي أن يقضى بتحريمه، وإذا لم يكن اضرار فلا يخلو احتكار الاقوات عن كراهة.
وقال القاضى حسين " إذا كان الناس يحتاجون الثياب ونحوها لشدة البرد أو لستر العورة فكره لمن عنده ذلك امساكه " قال السبكى " ان أراد كراهة تحريم فظاهر، وان أراد كراهة تنزيه فبعيد.
وحكى أبو داود عن قتادة أنه قال " ليس في التمر حكرة " وحكى أيضا عن سفيان أنه سئل عن كبس القت فقال " كانوا يكرهون الحكرة " والكبس بفتح الكاف واسكان الباء الموحدة، والقت بفتح القاف وتشديد التاء الفوقية، وهو اليابس من القضب.
قال الطيبى " ان التقييد بالاربعين يشير إلى حديث ادخار الطعام أربعين يوما، اليوم غير مراد به التحديد " قال الشوكاني " ولم أجد من ذهب إلى العمل بهذا العدد " ونختم هذا الفصل بما أورد الامام النووي رضى الله عنه في شرحه لصحيح
مسلم عند حديث معمر بن عبد الله مرفوعا " من احتكر فهو خاطئ " قال النووي قال اهل اللغة " الخاطئ بالهمز هو العاصى الآثم " وهذا الحديث صريح في تحريم الاحتكار في الاقوات خاصة، وهو أن يشترى الطعام في وقت الغلاء للتجارة ولا يبيعه في الحال بل يدخره ليغلو ثمنه.
فأما إذا جاءه من قريته أو اشتراه في وقت الرخص وادخره، أو ابتاعه في وقت الغلاء لحاجته إلى أكله، أو ابتاعه ليبيعه في وقته فليس باحتكار ولا تحريم فيه.
قال وأما غير الاقوات فلا يحرم الاحتكار فيه بكل حال، هذا تفصيل مذهبنا قال العلماء " والحكمة في تحريم الاحتكار دفع الضرر عن عامة الناس، كما أجمع العلماء على أنه لو كان عند انسان طعام واضطر الناس إليه ولم يجدوا غيره أجبر على بيعه دفعا للضرر عن الناس.

(13/48)


وأما ما ذكر في الكتاب - يعنى في صحيح مسلم - عن سعيد بن المسيب ومعمر راوي الحديث أنهما كانا يحتكران، فقال ابن عبد البر وآخرون: إنما كانا يحتكران الزيت، وحملا الحديث على احتكار القوت عند الحاجة إليه والغلاء، وكذا حمله الشافعي وأبو حنيفة وآخرون.
وهو الصحيح والله تعالى أعلم قال المصنف رحمه الله تعالى: (باب اختلاف المتبايعين وهلاك المبيع) " إذا اختلف المتبايعان في مقدار الثمن، ولم تكن بينة تحالفا، لما روى ابن عباس رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه قال " لو أن الناس أعطوا بدعاويهم لادعى ناس من الناس دماء ناس وأموالهم، لكن اليمين على المدعى عليه " فجعل اليمين على المدعى عليه والبائع مدعى عليه بيع بألف والمشترى مدعى عليه بيع بألفين، فوجب أن يكون على كل واحد منهما اليمين لان كل واحد منهما
مدعى عليه ولا بينة فتحالفا، كما لو ادعى رجل على رجل دينارا وادعى الآخر على المدعى درهما " (فصل) قال الشافعي رحمه الله في البيوع: يبدأ بيمين البائع.
وقال في الصداق: إذا اختلف الزوجان يبدأ بيمين الزوج، والزوج كالمشترى.
وقال في الدعوى والبينات إن بدأ بالبائع خير المشترى، وإن بدأ بالمشترى خير البائع، وهذا يدل على أنه مخير بين أن يبدأ بالبائع وبين أن يبدأ بالمشترى، فمن أصحابنا من قال فيها ثلاثة أقوال (أحدها) يبدأ بالمشترى، لان جنبته أقوى، لان المبيع على ملكه فكان بالبداية أولى (والثانى) يبدأ بمن شاء منهما لانه لا مزية لاحدهما على الآخر في الدعوى فتساويا، كما لو تداعيا شيئا في يديهما (والثالث) أنه يبدأ بالبائع وهو الصحيح، لما روى ابن مسعود رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا اختلف البيعان فالقول ما قال البائع، والمبتاع بالخيار " فبدأ بالبائع ثم خير المبتاع، ولان جنبته أقوى لانه إذا تحالفا رجع المبيع إليه فكانت البداية به أولى.
ومن أصحابنا من قال هي على قول واحد أنه يبدأ بالبائع ويخالف

(13/49)


الزوج في الصداق لان جنبته أقوى من جنبة الزوجة، لان البضع بعد التحالف على ملك الزوج فكان بالتقديم أولى، وها هنا جنبة البائع أقوى لان المبيع بعد التحالف على ملك البائع فكان البائع بالتقديم أولى، والذى قال في الدعوى والبينات ليس بمذهب له، وإنما حكى ما يفعله الحاكم باحتهاده لانه موضع اجتهاد فقال: إن حلف الحاكم البائع باجتهاده خير المشترى، وإن حلف المشترى خير البائع " (الشرح) حديث ابن عباس رضى الله عنهما رواه مسلم في صحيحه بلفظ " لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى "
وفى رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى باليمين على المدعى عليه.
هكذا روى هذا الحديث البخاري ومسلم في صحيحيهما مرفوعا من رواية ابن عباس.
وهكذا ذكره أصحاب السنن وغيرهم قال الامام النووي رضى الله عنه في شرح مسلم: قال القاضى عياض رضى الله عنه، قال الاصيلى: لا يصح مرفوعا، إنما هو قول ابن عباس، كذا رواه أيوب ونافع الجمحى عن ابن أبى مليكه عن ابن عباس رضى الله عنهما، قال القاضى قد رواه البخاري ومسلم من رواية ابن جريج مرفوعا هذا كلام القاضى.
قال النووي (قلت) وقد رواه أبو داود والترمذي بأسانيدهما عن نافع بن عمر الجمحى عن ابن أبى مليكة عن ابن عباس مرفوعا.
قال الترمذي حديث حسن صحيح.
وجاء في رواية البيهقى وغيره بإسناد حسن أو صحيح زيادة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم، ولكن البينة على المدعى، واليمين على من أنكر " اه أما حديث ابن مسعود رضى الله عنه فقد أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه بلفظ " إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة فالقول ما يقول صاحب السلعة أو يترادان " وزاد ابن ماجه " والبيع قائم بعينه " وكذلك أحمد في رواية " والسلعة كما هي " وللدارقطني عن أبى وائل عن عبد الله قال " إذا اختلف البيعان والبيع مستهلك فالقول قول البائع " قال ابن تيمية الجد.
ورفع الحديث إلى النبي

(13/50)


صلى الله عليه وسلم.
ولاحمد والنسائي عن أبى عبيدة: وأتاه رجلان تبايعا سلعة فقال " هذا أخذت كذا وكذا.
وقال هذا بعت بكذا وكذا، فقال أبو عبيدة: أتى عبد الله في مثل هذا فقال: حضرت النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذا فأمر بالبائع أن يستحلف ثم يخير المبتاع إن شاء أخذ وإن شاء ترك "
وحديث ابن مسعود أخرجه أيضا الشافعي من طريق سعيد بن سالم عن ابن جريح عن اسماعيل بن أمية عن عبد الملك بن عمير عن أبى عبيدة عن أبيه عبد الله ابن مسعود، وقد اختلف فيه على اسماعيل بن أمية.
ثم على ابن جريج، وقد اختلف في صحة سماع أبى عبيدة من أبيه.
ورواه من طريق أبى عبيدة أحمد والنسائي والدارقطني، وقد صححه الحاكم وابن السكن، ورواه أيضا الشافعي من طريق سفيان ابن عجلان عن عون بن عبد الله بن عتبة عن ابن مسعود، وفيه أيضا انقطاع، لان عونا لم يدرك ابن مسعود.
ورواه الدارقطني من طريق القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه عن جده.
وفيه اسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة.
ورواه أبو داود من طريق عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الاشعث بن قيس عن أبيه عن جده عن ابن مسعود وأخرجه أيضا من طريق محمد بن أبى ليلى عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه عن عبد الله بن مسعود، ومحمد بن أبى ليلى لا يحتج به وعبد الرحمن لم يسمع من أبيه.
ورواه ابن ماجه والترمذي، من طريق عون بن عبد الله أيضا عن ابن مسعود، وهو منقطع قال العلامة ابن القيم: وأما الحديث المشهور على ألسنة الفقهاء " البينة على من ادعى واليمين على من أنكر " فهذا قد روى ولكن ليس له إسناده في الصحة والشهرة مثل غيره، ولا رواه عامة أصحاب السنن المشهورة، ولا قال بعمومه أحد من علماء الامة، إلا طائفة من فقهاء الكوفة مثل أبى حنيفة وغيره فإنهم يرون دائما اليمين في جانب المنكر، حتى في القسامة يحلفون المدعى عليه ولا يقضون بالشاهد واليمين، ولا يردون اليمين على المدعى عند النكول، واستدلوا بعموم الحديث.

(13/51)


ثم ساق ابن القيم نماذج من أحكام الرسول صلى الله عليه وسلم توافق معنى هذا الحديث في المعاملات: ولا نأخذ به في الجنايات.
قال البيهقى: وأصح إسناد روى في هذا الباب رواية أبى العميس عن عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الاشعث بن قيس عن أبيه عن جده، ورواه أيضا الدارقطني من طريق القاسم بن عبد الرحمن، قال الحافظ ابن حجر: ورجاله ثقات إلا أن عبد الرحمن اختلف في سماعه من أبيه.
ورواية التراد رواها أيضا مالك بلاغا والترمذي وابن ماجه بإسناد منقطع ورواه أيضا الطبراني بلفظ " البيعان إذا اختلفا في البيع ترادا " قال الحافظ ابن حجر: رواته ثقات لكن اختلف في عبد الرحمن بن صالح يعنى الراوى له عن فضيل بن عياض عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود قال: وما أظنه حفظه، فقد جزم الشافعي أن طرق هذا الحديث عن ابن مسعود ليس فيها شئ موصول.
ورواه أيضا النسائي والبيهقي والحاكم من طريق عبد الرحمن ابن قيس بالاسناد الذى رواه عنه أبو داود كما سلف، وصححه من هذا الوجه الحاكم، وحسنه البيهقى، ورواه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند من طريق القاسم بن عبد الرحمن عن جده بلفظ: إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة، ولا بينة لاحدهما تحالفا " ورواه من هذا الوجه الطبراني والدارمى، وقد انفرد بقوله: والسلعة قائمة، محمد بن أبى ليلى وهو ضعيف لسوء حفظه.
قال الخطابى: إن هذه اللفظة يعنى: والسلعة قائمة، لا تصح من طريق النقل مع احتمال أن يكون ذكرها من التغليب، لان أكثر ما يعرض النزاع حال قيام السلعة، كقوله تعالى (في حجوركم) ولم يفرق أكثر الفقهاء بين القائم والتالف انتهى.
قال ابن عبد البر إن هذا الحديث منقطع إلا أنه مشهور الاصل عند جماعة تلقوه بالقبول، وبنوا عليه كثيرا من فروعه، وأعله ابن حزم بالانقطاع وتابعه عبد الحق، وأعله ابن القطان بالجهالة في عبد الرحمن وأبيه وجده.

(13/52)


وقال الخطابى: هذا حديث قد اصطلح الفقهاء على قبوله، وذلك يدل على أن له أصلا وإن كان في إسناده مقال، كما اصطلحوا على قبول: لا وصيه لوارث وإسناده فيه ما فيه اه.
أما لغات الفصل: فقوله (جنبته) أي جانبه، و (البضع) بضم الباء الموحدة وسكون الضاد المعجمة وجمعه أبضاع مثل قفل وأقفال يطلق على الفرج والجماع وقيل البضع مصدر أيضا مثل السكر والكفر.
وأبضعت المرأة إبضاعا زوجتها وتستأمر النساء في أبضاعهن، ويقال ملك بضعها أي جماعها، والبضاع الجماع وزنا ومعنى، وهو اسم من باضعها مباضعة.
أما أحكام الفصل.
فقد اتفق الائمة الاربعة على أنه إذا حصل بين المتبايعين اختلاف في قدر الثمن ولا بينة تحالفا، هذا ما وجدته من مسائل الاتفاق في هذا الفصل.
وأما ما اختلفوا فيه، فمن ذلك قول الامام الشافعي إنه يبدأ بيمين البائع، وهو ما عبر عنه المصنف بقوله.
ولان جنبته أقوى، أما أبو حنيفة وبعض الاصحاب من الشافعية أنه يبدأ بيمين المشترى.
ويبدو أن اختلاف المتبايعين يجعل كل واحد منهما يريد أن يكون له الحظ الاوفر من حكم القاضى لنفسه دون أخيه ومثل ذلك أنه إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة، فقال البائع بعتك بعشرين، وقال المشترى بل بعشرة ولاحدهما بينة حكم بها وإن لم يكن لهما بينة تحالفا وبهذا قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك
في رواية عنه، وشريح، وفى رواية عن مالك القول قول المشترى مع يمينه وبه قال أبو ثور وزفر، لان البائع يدعى عشرة زائدة ينكرها المشترى، والقول قول المنكر.
وقال الشعبى القول قول البائع أو يترادان.
قال ابن قدامة في المغنى ويحتمل أن يكون معنى القولين واحدا، وأن القول قول البائع مع يمينه، فإذا حلف فرضى المشترى بذلك أخذ به، وان أبى حلف أيضا وفسخ البيع بينهما، لان في ألفاظ حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة، ولا بينة لاحدهما تحالفا " ولان كل واحد منهما مدع ومدعى عليه، فان البائع يدعى عقدا بعشرين ينكره المشترى،

(13/53)


والمشترى يدعى عقدا بعشرة ينكره البائع، والعقد بعشرة غير العقد بعشرين فشرعت اليمين في حقهما.
قال الرملي في نهاية المحتاج شرح المنهاج عند الاختلاف في قدر الثمن أو صفة المبيع: والاصح تصديق البائع أو الاجل بأن أثبته المشترى ونفاه البائع أو قدره كشهر أو شهرين، أو قدر المبيع كمد من هذه الصبرة، مثلا بدرهم، فيقول: بل مدين ولا بينة لاحدهما يعول عليها، فشمل ما لو أقام كل بينة وتعارضنا لاطلاقهما أو إطلاق أحدهما فقط، أو لكونهما أرختا بتاريخين متفقين تحالفا، لخبر مسلم (اليمين على المدعى) وكل منهما مدع ومدعى عليه اه.
وأما ما استند إليه القائلون بعدم التحالف كابن المقرى في بعض نسخ الروض من إمكان الفسخ في زمنه فقد رد بأن التحالف لم يوضع للفسخ بل عرضت اليمين رجاء أن ينكل الكاذب فيتقرر العقد بيمين الصادق.
فإذا اختلفا في الصحة أو العقد هل هو بيع أو هبة فلا تحالف كما سيأتي من كلام المصنف، فإذا كان لاحدهما بينة قضى بها، فإن كان لهما بينتان مؤرختان
بتاريخين مختلفين فإنه يقضى بالاولى منهما، ولو اختلفا في الثمن أو المبيع بعد القبض مع الاقالة أو التلف الذى ينفسخ به العقد فلا تحالف، بحلف مدعى النقص، لانه غارم، ولهذا زاد بعضهم قيدا، وهو بقاء العفد إلى وقت التنازع احترازا عما ذكر.
وأورد على الضابط اختلافهما في عين المبيع والثمن معا مثل: بعتك هذه السيارة الركوب بمائة دينار فيقول: بل النقل بمائتي دينار فلا تحالف جزما إذا لم يتواردا على شئ واحد، مع أنهما اتفقا على بيع صحيح واختلفا في كيفيته فيحلف كل على نفى ما ادعى عليه على الاصل.
قال الشافعي في مختصر المزني بعد أن أورد حديث ابن مسعود من طريقي سفيان ومالك الذى رواه مالك بلاغا - يعنى قال: بلغني عن ابن مسعود إلخ.
قال الشافعي " قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم " ن البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه " فإذا تبايعا عبدا فقال البائع: بألف والمشترى بخمسمائة فالبائع

(13/54)


يدعى فضل الثمن، والمشترى يدعى السلعة بأقل من الثمن، فيتحالفان، فان حلفا معا قيل للمشترى: أنت بالخيار في أخذه بألف أو رده، ولا يلزمك ما لا تقر به، فأيهما نكل عن اليمين وحلف صاحبه حكم له.
قال الشافعي رضى الله عنه: وإذا حكم النبي صلى الله عليه وسلم وهما متصادقان على البيع ومختلفان في الثمن بنقض البيع، ووجدنا الفائت في كل ما نقض فيه القائم منتقضا فعلى المشترى رده إن كان قائما أو قيمته إن كان فائتا، كانت أقل من الثمن أو أكثر.
قال المزني: يقول: صارا في معنى من لم يتبايع، فيأخذ البائع عبده قائما أو قيمته متلفا، قال: فرجع محمد بن الحسن إلى ما قلنا وخالف صاحبيه - يعنى
أبا حنيفة وأبا يوسف - وقال: لا أعلم ما قالا إلا خلاف القياس والسنة.
قال والمعقود إذا تناقضاه والسلعة قائمة تناقضاه وهى فائتة، لان الحكم أن يفسخ العقد فقائم وفائت سواء.
قال المزني، ولو لم يختلفا وقال كل واحد منهما: لا أدفع حتى أقبض فالذي أحب الشافعي من أقاويل وصفها أن يؤمر البائع بدفع السلعة، ويجبر المشترى على دفع الثمن من ساعته، فان غاب وله مال أشهد على وقف ماله وأشهد على وقف السلعة، فإذا دفع أطلق عنه الوقف، وإن لم يكن له مال فهذا مفلس والبائع أحق بسلعته ولا يدع الناس يتمانعون الحقوق وهو يقدر على أخذها منهم اه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) ويجب أن يجمع كل واحد منهما في اليمين بين النفى والاثبات، لانه يدعى عقد وينكر عقدا، فوجب أن يحلف عليهما، ويجب أن يقدم النفى على الاثبات.
وقال أبو سعيد الاصطخرى: يقدم الاثبات على النفى كما قدمنا الاثبات على النفى في اللعان، والمذهب الاول.
لان الاصل في اليمين أن يبدأ بالنفى، وهى يمين المدعى عليه، فوجب أن يبدأ ههنا أيضا بالنفى، ويخالف اللعان فانه لا أصل له في البداية بالنفى، وهل يجمع بين النفى والاثبات بيمين واحدة أم لا ؟ فيه وجهان.

(13/55)


أحدهما: يجمع بينهما بيمين واحدة، وهو المنصوص في الام، لانه أقرب إلى فصل القضاء فعلى هذا يحلف البائع أنه لم يبع بألف، ولقد باع بألفين ويحلف المشترى أنه ما اشترى بألفين ولقد اشترى بألف، فان نكل المشترى قضى للبائع وإن حلف فقد تحالفا.
والثانى أنه يفرد النفى بيمين والاثبات بيمين، لانه دعوى عقد وإنكار عقد
فافتقر إلى يمينين، ولانا إذا جمعنا بينهما بيمين واحدة حلفنا البائع على الاثبات قبل نكول المشترى عن يمين النفى، وذلك لا يجوز.
فعلى هذا يحلف البائع أنه ما باع بألف، ثم يحلف المشترى أنه ما ابتاع بألفين، فان نكل المشترى حلف البائع أنه باع بألفين، وقضى له، فان حلف المشترى حلف البائع أنه باع بألفين ثم يحلف المشترى أنه ابتاع بألف.
فان نكل قضى للبائع، وان حلف فقد تحالفا (الشرح) هذا الفصل بين كيفية اليمين ومضمونها لان كل واحد من المتبايعين ينطوى موقفه على حالتى اثبات ونفى ومن ثم ينبغى أن يكون حلفه مشتملا على أركان الدعوى من اثبات ونفى فمثلا المبتدئ باليمين يحلف ما بعته بعشرة وانما بعته بعشرين، فان شاء المشترى أخذه بما قال البائع، والا يحلف ما اشتريته بعشرين، وانما اشتريته بعشرة وبهذا قال الشافعي في الام.
وقال أبو حنيفة يبتدئ بيمين المشترى لانه منكر واليمين في جنبته أقوى ولانه يقضى بنكوله وينفصل الحكم، وما كان أقرب إلى فصل الخصومة كان أولى.
ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " فالقول ما قال البائع " وفى لفظ " ما قال البائع.
والمشترى بالخيار " رواه أحمد ومعناه أن شاء أخذ وان شاء حلف ولان البائع اقوى جنبة.
لانهما إذا تحالفا عاد المبيع إليه.
فكان أقوى كصاحب اليد وقد بينا أن كل واحد منهما منكر من وجه فيتساويان في هذا الوجه.
والبائع إذا نكل فهو بمنزلة نكول المشترى يحلف الآخر ويقضى له فهما سواء.
وإذا حلف البائع فنكل المشترى عن اليمين قضى عليه.
وان نكل البائع حلف المشترى وقضى له.
وان حلفا جميعا لم ينفسخ البيع لان العقد صحيح.

(13/56)


والتحالف لا يفسخ العقد، كما لو أقام كل واحد منهما بينة بما ادعاه، لكن إن
رضى أحدهما بما قال صاحبه أقر العقد بينهما، وإن لم يرضيا فلكل واحد منهما الخيار.
أما على المذاهب تفصيلا فهل يستحب الحلف من البائع أو لا أم المشترى على أربعة أقوال (أصحها) يبدأ في اليمين بالبائع لان جانبه أقوى بعود المبيع الذى هو المقصود بالذات إليه بالفسخ الناشئ عن التحالف، ولان ملكه على الثمن قد تم بالعقد، وملك المشترى على المبيع لا يتم إلا بالقبض، ولانه يأتي بصورة العقد، وصورة المسألة أن المبيع معين والثمن في الذمة، ومن ثم بدئ بالمشترى في عكس ذلك لانه أقوى حينئذ، ويخبر الحاكم بالبداءة بأيهما أداه إليه اجتهاده فيما إذا كانا معينين أو في الذمة.
والزوج في الصداق كالبائع، فيبدأ به لقوة جانبه ببقاء التمتع له، ولان أثر التحالف يظهر في الصداق إلا في البضع وهو باذله فكان كبائعه، والخلاف في الاستحباب لحصول المقصود بكل تقدير (الثاني) يبدأ في اليمين بالمشترى لقوة جانبه بالمبيع، وهو قول أبى حنيفة ووجه عند الاصحاب باعتبار أن رب السلعة في الحال هو المشترى، وللحديث: فالقول ما يقول رب السلعة.
(الثالث) يتساويان لان كل واحد منهما مدع ومدعى عليه، فلا ترجيح فيتخير الحاكم فيم يبدأ به منهما (الرابع) يقرع بينهما فمن قرع بدئ به.
وذلك لان القرعة سبيل لحسم النزاع عند التشاح.
قال الغزالي في الوجيز: أما كيفية اليمين فالبداءة بالبائع، وفى السلم بالسلم إليه وفى الكتابة بالسيد، لانهما في رتبة البائع، وفى الصداق بالزوج لانه في رتبة بائع الصداق، وأثر التحالف يظهر فيه لا في البضع.
وقيل انه يبدأ بالمشترى وهو مخرج، وقيل يتساويان فيقدم بالقرعة أو برأى القاضى.
اه وفى كيفية اليمين أقوال:
(أحدها) أن يجمع بين النفى والاثبات بيمين واحدة مطلقا، والصيغة التى اتفقوا عليها أن يقول: والله ما بعت بكذا ولقد بعت بكذا.
ويقول المشترى: والله ما اشتريت بكذا، ولقد اشتريت بكذا، أو يأتي بلفظ (وإنما) بدل (ولقد)

(13/57)


وأباه بعضهم لما فيه من إبهام اشتراط الحصر، وفى رأى شمس الدين الرملي - وهو الملقب بالشافعي الصغير - لا يكفى قوله ما بعت إلا بكذا، لان الايمان لا يكتفى فيها باللوازم، بل لابد من الصريح.
لان فيها نوعا من التعبد، ومن هنا كان قولا ثانيا وهو: (ثانيها) أن يبدأ بالنفى ثم الاثبات بيمين واحدة لكليهما (ثالثها) أن يبدأ بالاثبات ثم بالنفى بيمين واحدة لكليهما، لانه دعوى عقد وإنكار عقد فافتقر إلى يمينين (رابعها) أن يبدأ بالنفى بيمين ثم بالاثبات بيمين أخرى، وهو المستحب في قول الرملي في نهاية المحتاج (خامسها) أن يبدأ بالاثبات بيمين ثم بالنفى بيمين أخرى (سادسها) أن يبدأ بما شاء منهما بيمين والآخر بيمين أخرى والصواب أن يبدأ القاضى - إذا ترافعا إليه أو أحدهما - بيمين البائع وحسبه في ذلك أن يقول والله ما بعت بكذا ولقد بعت بكذا، والله تعالى أعلم على أن الاختلاف يشمل المبيع والثمن، لان قوله إذا اختلف المتبايعان مع حذف المتعلق مشعر بالتعميم في مثل هذا المقام، على ما قرره علماء المعاني، فيعم الاختلاف في المبيع وفى الثمن وفى كل أمر فرجع اليهما، وفى سائر الشروط المعتبرة، والتصريح بالاختلاف في الثمن في بعض الروايات، كما وقع في أحاديث الباب لا ينافى هذا العموم المستفاد من الحذف وفى حديث ابن مسعود عند أحمد " فالقول ما يقول صاحب السلعة " وصاحب
السلعة هو البائع كما وقع التصريح به في سائر الروايات، فلا وجه لما روى عن البعض من أن رب السلعة في الحال هو المشترى والاختلاف بين المتبايعين في أمر من أمور العقد لا علاج له إلا يمين البائع فإذا حلف المشترى فقد تحالفا ولا يكون لهما خلاص من هذا النزاع إلا التفاسخ على أن سبب الاختلاف بين الفقهاء هو قوله صلى الله عليه وسلم " البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه " لانه يدل بعمومه، على أن اليمين على المدعى عليه والبينة على المدعى من غير فرق بين أن يكون أحدهما بائعا والآخر مشتريا

(13/58)


أو لا.
وحديث ابن مسعود يدل على أن القول قول البائع مع يمينه والبينة على المشترى من غير فرق بين أن يكون البائع مدعيا أو مدعى عليه، فبين الحديثين عموم وخصوص من وجه، فيتعارضان باعتبار مادة الاتفاق.
وهى حيث يكون البائع مدعيا فينبغي أن يرجع في الترجيح إلى الامور الخارجية، وحديث " أن اليمين على المدعى عليه " رواه أحمد ومسلم، وهو أيضا في صحيح البخاري في الرهن وفى باب اليمين على المدعى عليه.
وفى تفسير آل عمران.
وأخرجه الطبراني بلفظ " البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه " وأخرجه الاسماعيلي بلفظ: ولكن البينة على الطالب واليمين على المطلوب.
وأخرجه البيهقى بلفظ " لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، ولكن البينة على المدعى واليمين على من أنكر " وهذه الالفاظ كلها في حديث ابن عباس ممن رام الترجيح بين الحديثين لا يصعب عليه ذلك قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وإذا تحالفا وجب فسخ البيع لانه لا يمكن إمضاء العقد مع التحالف وهل ينفسخ بنفس التحالف أم لا.
فيه وجهان (أحدهما) أنه ينفسخ
بنفس التحالف كما ينفسخ النكاح في اللعان بنفس التحالف، ولان بالتحالف صار الثمن مجهولا والبيع لا يثبت مع جهالة العوض فوجب أن ينفسخ (والثانى) أنه لا ينفسخ إلا بالفسخ بعد التحالف وهو المنصوص لان العقد في الباطن صحيح لانه وقع على ثمن معلوم فلا ينفسخ بتحالفهما، ولان البينة أقوى من اليمين.
ثم لو أقام كل واحد منهما بينة على ما يدعيه لم ينفسخ البيع، فلان لا ينفسخ باليمين أولى.
وفى الذى يفسخه وجهان (أحدهما) أنه يفسخه الحاكم لانه مجتهد فيه فافتقر إلى الحاكم كفسخ النكاح بالعيب (والثانى) انه ينفسخ بالمتعاقدين لانه فسخ لاستدراك الظلامة فصح من المتبايعين كالرد بالعيب (الشرح) قوله " وإذا تحالفا وجب فسخ البيع " لسبق قولنا إنه يشجب التراضي المنصوص عليه في قوله عزوجل " عن تراض منكم " ولقولنا: والاختلاف بين المتبايعين في أمر من أمور العقد لا علاج له إلا يمين البائع،

(13/59)


فإذا حلف البائع ثم حلف المشترى فلا يكون لهما مناص من التفاسخ ليخرجا من محارج النزاع.
ولكن هل ينفسخ بنفس التحالف أم لا ؟ وجهان (أحدهما) أنه ينفسخ بنفس التحالف لانه ذروة النزاع المفضى إلى الفسخ كما ينفسخ النكاح في اللعان بنفس التحالف، واللعان من العقود التى تفسخ بالتحالف فيقع الفسخ ظاهرا وباطنا، لانه فسخ لاستدراك الظلامة، ولان الثمن بعد التحالف صار مترددا بين ادعاءى كل من المتبايعين مما يسبغ عليه جهالة تخل بالعقد خللا ينقضه، لان الثمن حينئذ يصير مجهلا لا مجهولا، لانه معلوم عندهما باطنا، ولكن عراه التجهيل باختلافهما عليه إن كان الاختلاف في مقدار الثمن.
وكذلك اختلافهما في مقدار المبيع كما سيأتي إن شاء الله تعالى، ولان الثمن عوض عن المبيع فلا يثبت العقد مع جهالة الثمن
(والثانى) أنه لا ينفسخ بمجرد التحالف ولكن بفسخه قصدا بعده، وهو المنصوص في الذهب.
قال المزني في المختصر في باب اختلاف المتبايعين: والمعقول إذا تناقضاه والسلعة قائمة تناقضاه وهى فائتة لان الحكم أن يفسخ العقد فقائم وفائت سواء.
ولنا أن العقد لا ينفسخ بنفس الحالف، لان كل واحد منهما يقصد بيمينه إثبات الملك فلم يجز أن تكون موجبة لفسخ الملك لانهما ضدان فعلى هذا لو فسخه المتبايعان فأيهما فسخ صح اعتبارا بفسخ العيوب التى تكون موقوتة على المتعاقدين دون غيرهما والوجه الثاني: أن الفسخ لا يقع إلا بفسخ الحاكم كالفسخ بالعنة وعيوب الزوجين لانها عن اجتهاد.
فعلى هذا لو فسخه المتبايعان لم ينفسخ حتى يفسخه عليهما الحاكم بعد تحالفهما عنده، وتخيير كل منهما في قبول قول الآخر، فإن قبل صح البيع قال الشافعي في الام فيما يتعلق باختلاف المتبايعين: " وإذا تبايع الرجلان عبدا وتفرقا بعد البيع ثم اختلفا، فقال البائع: بعتك على أنى بالخيار ثلاثا.
وقال المشترى بعتني ولم تشترط خيارا تحالفا، وكان المشترى بالخيار في فسخ البيع، أو يكون للبائع الخيار وهذا والله أعلم كاختلافهما

(13/60)


في الثمن، نحن ننقض البيع باختلافهما بالثمن وننقضه بادعاء هذا أن يكون له الخيار، وأنه لم يقر بالبيع إلا بخيار، وكذلك لو ادعى المشترى الخيار كان القول فيه هكذا.
اه ومرادنا من سوق هذا النص: قوله رضى الله عنه: نحن ننقض البيع باختلافهما بالثمن.
والنقض هنا نقض الظاهر، أما النقض في الباطن فلا، لانه يمكن
أن يتراضيا بغير عقد جديد فيمضى العقد على سننه.
وذلك هو قول المصنف (لان العقد في الباطن صحيح) قوله " ولان البينة أقوى من اليمين " لانها مقدمة عليه ولانه بقيامها لا يسوغ اليمين لان وسائل الاثبات إذا كانت كتابية وممهورة بخاتم أو توقيع البائع أو المشترى أو كليهما كان لا محل لليمين هنا ولان العقد وقع بين المتبايعين بالقواعد العامة المقررة شرعا من التراضي بين ذوى أهلية للتعاقد، ويكفينا أن نقول: انه يجب أن يقع التراضي على الامور الثلاثة وهى: ماهية العقد، والمبيع، والثمن فيجب لانعقاد البيع أن تتجه الارادتان إلى البيع والشراء، أما إذا لم تتقابل الارادتان في هذا المعنى بأن قصد أحد المتبايعين البيع والثانى عقدا آخر لم ينعقد عقد بيع ولا عقد آخر، وإذا قصدا معا إلى عقد آخر غير البيع طبقت أحكام هذا العقد ولو سمياه بيعا.
ومن هنا كان اتفاق الارادتين على الشئ المبيع ذاته، كان العقد صحيحا باطنا وظاهرا، فإذا اختلفا فقد أخلا بظاهره دون باطنه لسبق التقاء إرادتيهما على عقده.
أما إذا كانت هناك بينة ثم اختلفا وترافعا إلى القاضى، فإن القاضى يفسر بحكمه إرادة المتعاقدين، فإذا تعذر على القاضى ذلك لعدم توفر الخصائص الذاتية المميزة للتعاقد بموجب البينة المقدمة إليه، كما لو كانت وثيقة مزورة، أو شهادة مفتعلة، أو أمارات لا ينتهض لاقناعه بتوفر العناصر الاساسية للعقد واستحال على القاضى إعطاء الوصف الشرعي لصحة العقد أمر بفسخه، وهل يأمر بفسخه على الفور ؟ أم على التراخي ؟ الصحيح أنه إذا خشى تلف المبيع، أو فوات مصلحة تتعلق بنفوقه أو كساده كان قضاؤه على الفور.
أما إذا ترتب على التراخي عدم ما ذكرنا مع توقع تقدم أحد

(13/61)


طرفي النزاع أو كليهما بالبينة أو (المستندات) كان له إصدار الحكم مع توقيت حينه بتأجيل النطق به إلى الوقت المناسب مناسبة مطابقة لجميع الاحوال مع اتقاء المضارة.
وغنى عن البيان أن عوض المبيع لا يشترط أن يكون نقدا مع الرجوع إلى أحكام الربويات التى مرت للمصنف والشارحين النووي والسبكي رحمهما الله.
ورجح ابن الرفعة أن لا يكون فسخ القاضى على الفور، ولا يشكل عليه ما مر من إلحاقه بالعيب وبقاء المنازعة، فقد يفرق بأن التأخير غير مشعر بالرضا للاختلاف في وجود المقتضى بخلافه.
ومنازعة الاسنوى في قياس ما تقرر على الاقالة الذى نقله المزني والبويطى وأقراه.
بأن كلا لو قال - ولو بحضور صاحبه بعد البيع: فسخته، لم ينفسخ ولم يكن إقالة، إذ لا تحصل الا ان صدرت بإيجاب وقبول، بشرطه المار مردودة بأن تمكين كل بعد التحالف من الفسخ كتراضيهما به.
أي بلفظ الاقالة، فالقياس صحيح، وأن لكل الابتداء بالفسخ، وبه صرح الرافعى على ما سيأتي قال الرملي في النهاية، وهو الملقب بالشافعي الصغير، رحمه الله تعالى: وإذا تحالفا فالصحيح أن العقد لا ينفسخ بنفس التحالف، لان البينة أقوى من اليمين.
وللخبر الثاني فإن تخييره فيه بعد الحلف صريح في عدم الانفساخ به ولو أقام كل منهما بينة لم ينفسخ، فبالتحالف أولى.
بل ان أعرضا عن الخصومة أعرض عنهما ولا ينفسخ، وان تراضيا على ما قال أحدهما أقر العقد وينبغى للحاكم ندبهما للتوافق ما أمكن.
ولو رضى أحدهما بدفع ما طلبه صاحبه أجبر الآخر عليه.
والا بأن لم يتفقا على شئ واستمرا على النزاع، فيفسخانه أو أحدهما، لانه فسخ لاستدراك الظلامة، فأشبه الفسخ بالعيب، أو الحاكم لقطع المنازعة.
ثم فسخ الحاكم والصادق منهما ينفذ ظاهرا وباطنا كالاقالة، وغيره
ينفذ ظاهرا فقط.
ورجح ابن الرفعة عدم وجوب الفور هنا، ولا يشكل عليه ما مر من إلحاقه

(13/62)


بالعيب، فقد يفرق بأن التأخير غير مشعر بالرضا للاختلاف في وجود المقتضى ثم.
قال: وقيل انما يفسخه الحاكم لانه مجتهد فيه كالفسخ بالعنة، وكأنهم اقتصروا في الكتابة على فسخ الحاكم احتياطا لسبب العتق المتشوف إليه الشارع وبعده أيضا على أوجه الوجهين لبقاء ملكه، بل قضية تعليلهم جوازه بعد الفسخ إذا لم يزل به ملك المشترى وهو كذلك على أن لليمين فوائد: (منها) تخويف المدعى عليه سوء عاقبة الحلف الكاذب، فيحمله ذلك على الاقرار بالحق.
(ومنها) القضاء عليه بنكوله عنها على ما قدمنا من القضاء عليه إذا نكل عن اليمين.
(ومنها) انقطاع الخصومة والمطالبة في الحال، وتخليص كل من الخصمين من ملازمة الآخر، ولكنها لا تسقط الحق، ولا تبرئ الذمة باطنا ولا ظاهرا فلو أقام المدعى بينة بعد حلف المدعى عليه، سمعت وقضى بها، وكذا لو ردت اليمين على المدعى فنكل (1)، ثم أقام المدعى بينة، سمعت وحكم بها (ومنها) اثبات الحق بها إذا ردت على المدعى أو أقام شاهدا واحدا.
(ومنها) تعجيل عقوبة الكاذب المنكر لما عليه من الحق، فإن اليمين الغموس تدع الديار بلاقع، فيشتفى بذلك المظلوم عوض ما ظلمه بإضاعة حقه.
__________
(1) نكل عن الشئ امتنع عنه خوفا أو جبنا، ومشروعية اليمين هنا لحكمة
كبرى، وهى اعطاء المتخاصمين فرصة من الوقت يراجع فيها ضميره إذا كان على غير الحق.

(13/63)


ومنها أن تشهد قرائن الحال بكذب المدعى، فمذهب مالك أنه لا يلتفت إلى دعواه، ولا يحلف له، وهذا اختيار الاصطخرى من الشافعية، ويخرج على مذهب أحمد مثله، وذلك مثل أن يدعى الدنئ استئجار أمير أو ذى هيئة وقدر لعلف دوابه، وكنس بابه، ونحو ذلك.
وروى عن شيخ الاسلام ابن تيمية أنه كان عند نائب السلطان في دمشق (1) يجلس إلى جانبه، فادعى بعض الحاضرين أن له قبل ابن تيمية وديعة، وسأل اجلاسه معه واحلافه فقال لقاضي المالكية - وكان حاضرا - أتسوغ هذه الدعوى ؟ وتسمع، فقال: لا، فقال ابن تيمية: فما مذهبك في مثل ذلك، قال تعزير المدعى.
قال ابن تيمية: فاحكم بمذهبك، فأقيم المدعى وأخرج.
(فرع) إذا أقيمت الدعوى وقدمت البينة لا ينفسخ العقد الا بصدور حكم القاضى بالفسخ وهنا كان عدم انفساخه باليمين أولى.
وقوله: وفى الذى يفسخه وجهان، وعند الحنابلة طريقان.
اولهما: وهو الاصح عند الشافعي وأصحابه أن الذى يفسخه هو الحاكم لانه مجتهد فيه، أعنى لان أمر النزاع محل اجتهاد فافتقر إلى من يبذل وسعه، ومن يبلغ بعلمه واحاطته تغطية عناصر النزاع، ومن هنا افتقر أمر الفسخ إلى الحاكم كما يفتقر فسخ النكاح بالعيب إليه.
قال ابن قدامة في المغنى:
ويحتمل ان يقف الفسخ على الحاكم، وهو ظاهر مذهب الشافعي، لان العقد صحيح وأحدهما ظالم، وانما يفسخه الحاكم لتعذر امضائه في الحكم،
__________
(1) كانت مصر والشام والحجاز واليمن يحكمها سلطان واحد مقره في القلعة بمصر وله نائب على دمشق ونائب علن حلب ونائب على الحجاز ونائب على اليمن وذلك على عهد المماليك الايوبيه وهم أبناء قلاوون.

(13/64)


فأشبه نكاح المرأة إذا زوجها الوليان، وجهل السابق منهما اه.
وأما الوجه الثاني على المذهب أو الطريق الاصح عند أحمد فهو أن يفسخه المتعاقدان، لانه يقع منهما صحيحا كالرد بالعيب، وكل ما كان فيه استدراك للظلامة وهو ظاهر الحديث واذعان له " أو يترادان البيع " وظاهره استقلالهما بذلك، وفى قصة بيع ابن مسعود الاشعث بن قيس رقيقا من رقيق الامارة، فقال عبد الله: بعتك بعشرين ألفا.
فقال الاشعث اشتريت منك بعشرة آلاف فقال عبد الله سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة، والمبيع قائم بعينه، فالقول قول البائع، أو يترادان البيع " قال فإنى أرد البيع، رواه سعيد بن منصور عن هشيم عن ابن أبى ليلى عن عبد الرحمن ابن القاسم عن ابن مسعود، ومن هنا لا يتوقف ذلك على فسخ الحاكم، الا إذا لجأ أحدهما إلى المرافعة لديه.
وحديث عبد الملك بن عبيدة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا اختلف المتبايعان استحلف البائع، ثم كان المشترى بالخيار، ان شاء أخذ وان شاء ترك " وهذا ظاهر عند الحنابلة في أنه يفسخ من غير حاكم، لانه جعل الخيار إليه، فأشبه من له خيار الشرط أو الرد بالعيب، ولانه هنا لا يشبه النكاح لان لكل واحد من الزوجين الاستقلال بالطلاق.
ويمكن أن يرد على مفهوم هذين الخبرين على هذا النحو بما يأتي: أولا: ان متعلق النزاع بين ابن مسعود والاشعث هو رقيق الامارة، والامارة كانت لعبد الله بن مسعود، فكان هو بمثابة القاضى الذى طبق النص، وأوضحه لصاحبه، إذ لم يكن بهما من حاجة إلى حاكم وصاحب الشأن، حاكم ثقة يحمل الدليل اللاحب فلا يفيد الخبر استقلال المتبايعين بالفسخ عند التحالف وليس نصا قاطعا في هذا المفهوم.
ثانيا: خبر عبد الملك بن عبيده لا يفيد ذلك أيضا - أعنى ليس دليلا على استقلال المتبايعين بالفسخ دون الرجوع إلى القاضى - فان الخبر ينص بمنطوقه ومفهومه أيضا على عكس ذلك، فقوله (استحلف) دليل على طلب الحلف

(13/65)


المستفاد من السين والتاء، ولا يكون الطلب إلا من غيرهما، وليس سوى الحاكم هو الذى يستحلف البائع والله أعلم.
(مسألة) قال الشافعي في باب المكاتب: إذا اختلف الزوجان في المهر وتحالفا بدأت بالزوج اه.
قلت: وهذا مخالف لقاعدة البدء بالبائع لان الزوج يحل محل المشترى.
وقال الشافعي في كتاب الدعوى والبينات وآداب القضاه: إن بدأ البائع باليمين خير المشترى، وإن بدأ بها المشترى خير البائع.
قلت: وهذا يدل على أن للحاكم تقديم أيهما شاء.
ولعل أقوال الشافعي في الام جعلت الاصحاب يخرجون المسألة على الاقاويل الثلاثة المعروفة.
أحدها: ان يبدأ الحاكم بإحلاف البائع لانه أقوى جانبا.
والثانى: بإحلاف المشترى لانه أقوى جانبا لمشابهته الزوج.
والثالث: وهو أصح الاقوال عند الاصحاب أن الحاكم يبدأ بإحلاف البائع
قبل المشترى ويمكن أن يجاب عن اختلاف الاقاويل بأن ظاهر النص في البيوع بإحلاف البائع قبل المشترى وظاهر النص في الصداق بإحلاف الزوج قبل الزوجة، والفرق بينهما أن تحالفهما في البيع برد المبيع إلى يد بائعه فبدئ بإحلافه، وتحالفهما في المهر لا يرفع ملك الزوج عن البضع، وهو بعد التحالف على ملكه فبدئ بإحلافه.
وأما ما قاله الشافعي في الدعوى والبينات فإنما أراد به أن الحاكم إن أداه اجتهاده إلى تقديم المشترى جاز، وإن أداه اجتهاده إلى تقديم البائع جاز، لان تقديم أحدهما طريقه الاجتهاد دون النص، فجاز أن يؤدى الاجتهاد إلى تقديم كل واحد منهما، وليس كاللعان الذى ورد النص بتقديم الزوج ولا يجوز خلافه فإذا ثبت أن يبدأ بيمين البائع على ما شرحنا من المذهب فهل تقديمه في اليمين من طريق الاولى إلى طريق الاستحقاق ؟ على وجهين.
أحدهما: أن تقديمه على طريق الاستحقاق، فإن قدم عليه المشترى لم يجز الا أن يؤدى اجتهاد الحاكم إلى ذلك.

(13/66)


والوجه الثاني: تقديمه على طريق الاولى، فإن قدم عليه المشترى جاز وان لم يؤده اجتهاده إليه ولما كان الحاكم منصوبا لاستيفاء الحقوق وقطع التخاصم، ولانه مجتهد، يجب تسليم المبيع والثمن إليه حتى إذا قضى بينهما سلم المبيع اما إلى المشترى واما رده إلى بائعه وسلم الثمن اما إلى البائع واما رده إلى المشترى.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وإذا فسخ أو انفسخ فهل ينفسخ ظاهرا وباطنا أم لا فيه ثلاثة أوجه، أحدها ينفسخ ظاهرا وباطنا لانه فسخ بالتحالف فوقع ظاهرا وباطنا كفسخ النكاح باللعان، ولانه فسخ بيع لاستدراك الظلامة فصح ظاهرا وباطنا كالرد بالعيب.
والثانى: أنه ينفسخ في الظاهر دون الباطن، لان سبب الفسخ هو الجهل بالثمن، والثمن معلوم في الباطن مجهول في الظاهر، فلما اختصت الجهالة بالظاهر دون الباطن اختص البطلان بالظاهر دون الباطن.
والثالث: أنه ان كان البائع هو الظالم وقع الفسخ في الظاهر دون الباطن، لانه يمكنه أن يصدق المشترى، ويأخذ منه الثمن، ويسلم إليه المبيع، فإذا لم يفعل كان ممتنعا من تسليم المبيع بظلم، فلم ينفسخ البيع، وان كان البائع مظلوما انفسخ ظاهرا وباطنا، لانه تعذر عليه أخذ الثمن، ووجد عين ماله فجاز له أن يفسخ ويأخذ عين ماله، كما لو أفلس المشترى ووجد البائع عين ماله.
فإن قلنا: ان الفسخ يقع في الظاهر والباطن عاد المبيع إلى ملك البائع والى تصرفه.
وان قلنا: ان الفسخ في الظاهر دون الباطن نظرت، فان كان البائع هو الظالم لم يجز له قبض المبيع والتصرف فيه، بل يلزمه أن يأخذ ما أقر به المشترى من الثمن ويسلم المبيع إليه، وان كان مظلوما لم يجز له التصرف في المبيع بالوطئ والهبة، لانه على ملك المشترى، ولكن يستحق البايع الثمن في ذمة المشترى، ولا يقدر على أخذه منه فيبيع من المبيع بقد حقه، كما تقول فيمن له على رجل دين لا يقدر على أخذه منه ووجد شيئا من ماله.

(13/67)


(الشرح) العقد له ظاهر وهو الايجاب والقبول والتقابض من الماديات الظاهرة أما الباطن فهو التقاء ارادة كل من المتبايعين، ووجود العلم بحقيقة النزاع ولكن في ضمير كل منهما.
ومن هنا إذا انفسخ العقد بصورة مما أسلفنا فهل ينفسخ ظاهرا وباطنا ؟ أم ظاهرا فقط ؟ على ثلاثة أوجه عند الشافعية، ووجهان عند أصحاب أحمد، ووجه عند أحمد.
أولها: ينفذ الفسخ ظاهرا وباطنا بهذا التحالف، كفسخ النكاح باللعان.
ولانه فسخ بيع لاستدراك الظلامة فوقع ظاهرا وباطنا وهو كالر بالعيب.
أو فسخ عقد بالتحالف.
وهذا الوجه هو ظاهر كلام أحمد بن حنبل.
ثانيها: ينفذ الفسخ في الظاهر دون الباطن لان سبب الفسخ هو الجهل بالثمن والثمن معلوم في ضميرهما مجهول في الظاهر.
ولان انفساخ العقد سببه الجهالة بالثمن.
ولان الجهالة قاصرة على الظاهر دون الباطن انحصر الانفساخ في ظاهر العقد واختص البطلان بالظاهر.
وكان العقد في الباطن صحيحا.
وكان القاضى الذى يحاسب المتبايعين على هذا التحالف والنزاع هو الله رب العالمين.
وكأى عقد من العقود التى في ذمة المسلم واجبة الوفاء يكون للعقد طرفان ظاهران وطرف آخر في الباطن يعلمه الذى لا تخفى عليه خافية.
ولقوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " وهو الذى يتولى جزاء الناكثين والناقضين بغير حق يسوغ لهم النقض.
ولانه لو أراد أحد طرفي النزاع أن يوافق الآخر على رأيه ويتنازل عن دعواه.
فانهما لا يفتقران إلى عقد جديد أو ايجاب وقبول آخرين.
ومن هنا يتحرك العقد المنقدح من ضميرهما إلى تنفيذ وامضاء في الظاهر ولانه يحرم عليه أمام الله التصرف في المبيع ان كان ظالما لصاحبه.
وهذا الوجه هو وجه عند أصحاب أحمد أيضا.
قال أبو الخطاب من الحنابلة: ان كان البايع ظالما لم ينفسخ القد في الباطن لانه كان يمكنه امضاء العقد واستيفاء حقه فلا ينفسخ العقد في الباطن ولا يباح له التصرف في المبيع لانه غاصب.
فان كان المشترى ظالما انفسخ البيع ظاهرا وباطنا لعجز البايع عن استيفاء حقه.
فكان له الفسخ.
كما لو أفلس المشترى.

(13/68)


قال الماوردى في الحاوى (1) في المجلد الخامس من النسخة الخطية بمصر، وهى ذات الاربعة والعشرين مجلدا بالخزانة العربية: لا يفسخ العقد بنفس التحالف
لان كل واحد منهما يقصد بيمينه إثبات الملك لانهما ضدان، فعلى هذا بماذا يكون الفسخ بعد التحالف ؟ فيه وجهان (أحدهما) أن الفسخ يكون لكل واحد من المتبايعين، فأيهما فسخ صح اعتبارا بفسخ العيوب التى تكون موقوفة على المتعاقدين دون غيرها والوجه الثاني أن الفسخ لا يقع إلا بفسخ الحاكم كالفسخ بالعنة وعيوب الزوجين، لانها عن اجتهاد، فعلى هذا لو فسخه المتبايعان لم ينفسخ حتى يفسخه عليهما الحاكم، ولا يجوز للحاكم أن يفسخه بغير تحالفهما بعد عرض ذلك على كل واحد منهما، كما يعرض على الثاني بعد تخيير الاول، ثم يفسخه بينهما حينئذ، فلو تراضيا بعد تحالفهما صح البيع وهل يقع الفسخ ظاهرا أو باطنا ؟ ويقع في الظاهر دون الباطن، على ثلاثة أوجه (أحدها) أن الفسخ قد وقع ظاهرا وباطنا، سواء كان البائع ظالما أو مظلوما، كالفسخ باللعان، وكالفسخ عند تحالف الزوجين في نكاح الولى.
فإن ذلك يقع ظاهرا وباطنا، كذلك في البيع، فعلى هذا إذا عادت السلعة إلى البائع كان له ان يتصرف فيها بما شاء من أنواع التصرف كما يفعل في سائر أحواله وإن كانت جارية جاز أن يطأها والوجه الثالث: أن الفسخ يقع في الظاهر دون الباطن، سواء كان البائع ظالما أو مظلوما لانهما يتفقان مع الاختلاف على صحة العقد وانتقال الملك، وحكم الحاكم لا يحيل الامور عما هي عليه في الباطن لقوله صلى الله عليه وسلم " إنما أحكم بالظاهر ويتولى الله السرائر " فعلى هذا إذا عاد المبيع إلى البائع قيل له: إن كنت تعلم فيما بينك وبين الله
__________
(1) المجلد الخامس من النسخة الخطية بدار الكتب تحت رقم 82 فقه شافعي على أن هناك نسخة خطية أخرى تقع في أربعة عشر مجلدا تحت رقم 83
وهى غير كاملة.

(13/69)


أنك كاذب، وأن المشترى صادق، فليس لك أن تتصرف في المبيع بوجه لانه ملك لغيرك، وأنت غير ممنوع من ثمنه فإن تصرفت فيه كنت كمن تصرف في ملك غيره متعديا، وإن كنت تعلم أنك صادق وأن المشترى كاذب فالمبيع للمشترى وأنت ممنوع من ثمنه فليس لك أن تطأه إن كان المبيع جارية وأن لا تهب، وتكون كمن له مال على غيره لا يقدر على أخذه منه أو أي شئ من ماله فيتبع السلعة لتصل إلى حقك من ثمنها وفى المتولي لبيعها، والثانى تولاه الحاكم، فإذا بيعت فإن كان الثمن بقدر حقك فلك أخذ حقك، وإن كان أكثر من حقك فعليك رد الباقي، وإن كان الثمن أقل من حقك فالباقي دين لك في ذمة المشترى والوجه الثالث: ان كان البائع مظلوما والمشترى ظالما وقع الفسخ في الظاهر والباطن.
وقد أشار إلى هذا الوجه أبو إسحاق المروزى تعلقا بأن الملك للمشترى بالعقد، وان كان لم ينتقل ملكه.
وان كان ظالما صار بالظلم مانعا من ثمنها فصار أسوأ حالا من الجنس الذى يزال ملكه بالاولى لتعذر الثمن.
فكذلك هذا يزال ملكه بالظلم لتعذر الوصول إلى الثمن.
فعلى هذا إن كان البائع مظلوما فقد وقع الفسخ ظاهرا وباطنا وجاز للبائع إذا عادت السلعة إليه أن يتصرف كيف شاء.
اه قال المصنف رحمه الله: (فصل) وإن اختلفا في الثمن بعد هلاك السلعة في يد المشترى، تحالفا وفسخ البيع بينهما، لان التحالف يثبت لرفع الضرر واستدراك الظلامة، وهذا المعنى موجود بعد هلاك السلعة، فوجب ان يثبت التحالف، فإذا تحالفا رجع بقيمته ومتى تعتبر قيمته ؟ فيه وجهان (أحدهما) تجب قيمته يوم التلف (والثانى) تجب
قيمته أكثر ما كانت من يوم القبض إلى يوم التلف، وقد ذكرنا دليل الوجهين في هلاك السلعة في البيع الفاسد، فإن زادت القيمة على ما ادعاه البائع من الثمن وجب ذلك.
وحكى عن أبى على بن خيران أنه قال: ما زاد على الثمن لا يجب، لان البائع لا يدعيه فلم يجب، كما لو أقر لرجل بمالا يدعيه، والمذهب الاول.
لانه بالفسخ سقط اعتبار السلعة، فالقول قول المشترى لانه غارم.
فكان

(13/70)


القول قوله كالغاصب، فإن تقايلا أو وجد بالمبيع عيبا فرده واختلفا في الثمن.
فقال البائع الثمن ألف، وقال المشترى الثمن ألفان فالقول قول البائع، لان البيع قد انفسخ، والمشترى مدع، والبائع منكر، فكان القول قوله (الشرح) إذا هلكت السلعة في يد المشترى واختلفا في الثمن تحالفا، ولا اعتبار باليد، إلا أن يكون تلفها قبل القبض.
أما إذا كان تلفها بعد القبض وتلفت في يد المشترى فأبو حنيفه يرى أنه إذا تلف المبيع في خيار الثلاث بعد لزوم العقد فالقول قول المشترى ولا تحالف لان تلف السلعة يمنع من التحالف ويوجب قبول قول المشترى لما روى عن ابن مسعود رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا اختلف المتبايعان ولا بينة لواحد منهما والسلعة قائمة تحالفا أو ترادا.
فشرط التحالف بقاء السلعة فاقتضى عدم قيام التحالف مع تلف السلعة.
قال ولانه فسخ ثبت مع نقل المبيع، فوجب أن يسقط مع تلفه كالرد بالعيب.
قال ولانه تلف عن عقد صحيح فوجب أن يبقى عند الفسخ قال: إذا تلف المبيع في خيار الثلاث بعد لزوم العقد، فهل يستمر العقد أو ينفسخ ؟ قال ولان المبيع أقبض وصار في يد المشترى فهو مضمون على مشتريه بالثمن، فلو جاز تحالفهما بعد الثمن لصار مضمونا عليه بالقيمة دون الثمن.
وهذا مما ينافى ضمان العقد.
ولنا أن الدلالة على صحة ما ذهبنا إليه من تحالفهما مع نقل السلعة وتلفها ما روى في الخبر: " البينة على من ادعى واليمين على من أنكر " وقد مر لنا بيان طرقه ودرجته وتقعيد العمل به، وكل واحد من المتبايعين منكر ومدع، لان البائع يقول بعت بألف ولم أبع بخمسمائة، ويقول المشترى عكس ذلك، فكل واحد منهما يجوز أن يقيم البينة والبينة إنما تسمع من المدعى دون المنكر، فدل على أن كل واحد منهما مدع منكر فوجب أن يتحالفا، لان التحالف يثبت لرفع الضرر واستدراك الظلامة، وهذا المعنى موجود بعد هلاك السلعة، فوجب أن يثبت التحالف

(13/71)


ويدل على ذلك أيضا الحديث الذى رواه الشافعي وغيره عن ابن مسعود " إذا اختلف البيعان فالقول قول البائع، والمبتاع بالخيار " ولم يفرق بين بقاء السلعة وتلفها.
فإن قيل: فقد شرط بقاء السلعة في التحالف في الخبر الآخر، فصار هذا الاطلاق محمولا على ذلك التقييد، كما حملتم إطلاق العتق في كفارة الظهار على تقييد العتق في كفارة القتل، قيل: هذا ليس من المقيد الذى يحمل إطلاق جنسه عليه لان إطلاق خبر ربما يوجب تحالفهما مع بقاء السلعة وتلفها فصار قوله: إذا اختلفا والسلعة قائمة تحالفا مع استواء الحكم في قيامها وتلفها، قيل: يحتمل وجوها: أحدها: البينة على حكم التحالف مع التلف، لان بقاء السلعة يمكن معه اعتبار قيمتها، فيغلب به قول من كانت دعواه أقرب إليه، ومع التلف لا يمكن فلما سقط اعتبار هذا وأوجب التحالف مع قيام السلعة، كان وجوب التحالف مع تلفها أولى.
والثانى: أنه نص على بقاء السلعة، إسقاطا لاعتبار اليد، بخلاف مالك، حتى إذا تحالفا مع وجوب اليد كان تحالفهما مع زوال السلعة، لان تلفها قد يكون مكملا للعقد - كان قبل القبض - وبقاؤها ليس يبطل العقد معه، فيتحالفان مع بقائها، ولا يتحالفان مع تلفها.
فإن قيل: فلا دلالة لكم في هذا الخبر لانه جعل القول قول البائع، وأنتم لا تقولون به، قيل قد جعل المشترى بعده بالخيار، ومن جعل القول قول البايع على الاطلاق لم يجعل للمشترى خيارا، وإذا ثبت خيار المشترى بعد يمين البائع فخياره في قبول السلعة بما حلف عليه البائع، أو يحلف بعده، ويفسخ البيع، وكذا نقول في تحالفهما.
وإنما خص رسول الله صلى الله عليه وسلم البائع بالذكر لانه المبتدئ باليمين ويدل عليه المسألة من طريق المعنى أنه اختلاف في صفة عقد بيع صحيح فاقتضى أن يوجب التحالف فإذا كانت السلعة قائمة، ولان ما يوجب فسخ العقد يستوى فيه الباقي والتالف كالاستحقاق، ولانه فسخ لا يفتقر إلى تراضيهما.
فإذا صح مع تراد الاعيان صح مع تراد القيم.

(13/72)


وإذا اشترى عبدا بجارية وتقابضا ثم تلفت الجارية فوجد بالعبد عيبا فله رده بالعيب واسترجاع قيمة الجارية لفسخ العقد بعد تلفها كما كان له فسخه مع بقائها.
وأما الجواب عن استدلال أبى حنيفة بحديث ابن مسعود فقد مضى في معارضته الخبر الذى رواه الشافعي.
وأما الجواب عن قياسه على الرد بالعيب فالمعنى فيه أن العيب مما تلف يقدر على استدراك ظلامته بالاوفق فلم يفسخ، وليس كذلك في اختلافهما، لان كل
واحد منهما لا يقدر على استدراك ظلامته إلا بالتحالف، فجاز أن يتحالفا مع التلف، ولا وجه لقوله: إن السلعة بعد تلفها لا تقبل الفسخ، كما لا تقبل ابتداء العقد.
وإن إقالة العبد الآبق لا تصح ولا تقبل الاقالة، كما لا يقبل ابتداء العقد، لانه يقول فيمن ابتاع عبدا وقتل في يد البائع إن المشترى بالخيار بين أن يفسخ ويسترجع الثمن، أو يقيم على البيع ويأخذ من القاتل قيمة العبد، فقد جعل العقد بعد التلف قابلا للفسخ كذلك فيما جعلناه أصلا معه من بيع العبد بالجارية إذا تلفت ووجد بالعبد عيبا أن له رده بالعيب واسترجاع قيمة الجارية فجعل العقد بعد التلف قابلا للفسخ كما قبل التلف.
وأما الجواب عن قياسهم على خيار الثلاث فحكم الاصل غير مسلم فلم نسلم.
وأما الجواب عن قولهم ان المقبوض عن البيع الصحيح مضمون بالثمن دون القيمة فهو أن هذا الاستدلال باطل بمبتاع العبد بالجارية إذا تلفت ووجد بالعبد عيبا لان الجارية قد كانت مضمونة بالعبد الذى هو الثمن، ثم صارت بعد الفسخ بالعيب مضمونة بالقيمة دون الثمن.
ومقصد الفصل أن المتبايعين إذا اختلفا في قدر الثمن بعد هلاك المبيع في يد المشترى تحالفا وفسخ البيع ورجع بقيمة المبيع ان كان متقوما، وان كان مثليا وجب على المشترى مثله.
وهذا هو قول الشافعي، ومالك وأحمد في احدى روايتيهما " ومتى تعتبر قيمته، وهل يقوم من حين قبضه، أم يقوم من حين هلاكه ؟ وجهان.

(13/73)


أحدهما: يقوم، وتجب قيمته يوم التلف.
وقد مر بيان ذلك في هلاك السلعة في البيع الفاسد.
فإذا زادت القيمة على ما ادعاه البائع من الثمن وجب ذلك خلافا لابي على بن
خيران بناء على قاعدة عدم إعطاء البائع ما ليس يدعيه وليس بمذهب.
(مسألة) إذا كان الهلاك معنويا بأن وقف المشترى المبيع أو أعتقه أو باعه أو تعلق به حق لازم ككتابة صحيحه - كما سيأتي في المكاتبة إن شاء الله تعالى - أو كان حسيا كأن مات لزمه قيمته إن كان متقوما، وكثيرا ما يعبرون بالقيمة ويريدون بها البدل شرعا، ولو تلف بعضه رد الباقي وبدل التالف وهذه القيمة هي قيمة يوم التلف في أظهر الاقوال كما رجحه الرملي في نهاية المحتاج، وإن كان المصنف رحمه الله ذكر قولا ثانيا وهو وجوب قيمته أكثر ما كانت من يوم القبض إلى يوم التلف.
وموضوع الفسخ العين، والقيمة بدل عنها، ثم تعتبر عند فوات أصلها، وفارق اعتبارها بما ذكر اعتبارها لمعرفة الارش بأقل قيمتي العقد والقبض، والنظر إليها هناك لا للغرم بل ليعرف منها الارش، وهنا المغروم القيمة فكان اعتبار حالة الاتلاف أليق.
قاله الرافعى.
وجعل الرملي القول الاول للمصنف قولا ثانيا عنده فقال: والثانى: قيمة يوم القبض لانه يوم دخوله في ضمانه.
والثالث: أقل القيمتين يوم العقد والقبض.
وجعل الرملي القول الثاني للمصنف قولا رابعا فقال: والرابع: أقصى القيم من يوم القبض إلى يوم التلف لان يده يد ضمان فتعتبر أعلى القيم.
ان تعيب - أي أصابه عيب - رده مع أرشه وهو ما نقص من قيمته لان الكل مضمون على المشترى بالقيمة، فكان بعضه مضمونا ببعضها.
(مسألة) فرق بين اعتبار قيمة يوم التلف هنا وبين ما لو باع عينا فردت عليه بعيب وقد تلف الثمن المتقوم بيد البائع فانه يضمنه بالاقل من العقد إلى القبض بأن سبب الفسخ هنا حلف البائع، فنزل منزلة إتلافه فتعين النظر ليوم التلف.

(13/74)


وثم الموجب للقيمة هو مجرد ارتفاع العقد من غير نظر لفعل أحد، فتعين النظر لقضية العقد وما بعده إلى القبض.
(مسألة) وطئ الثيب ليس بعيب فلا أرش له، وإن كان قد رهنه أي المبيع خير البائع بين أخذ قيمته أو انتظار فكاكه، ولا ينافى ذلك ما ذكر في الصداق أنه لو طلقها قبل الوطئ وكان الصداق مرهونا، وقال: أنتظر الفكاك للرجوع فلها إجباره على قبول نصف القيمة لما عليها من خطر الضمان، فقياسه هنا إجباره على أخذ القيمة، لانا نقول: المطلقة قد حصل لها كسر بالطلاق، فناسب جبرها بإجابتها بخلاف المشترى وذلك للرفق بها ودفع ما أصابها من الكسر.
وإن كان قد أجره رجع فيه مؤجرا، ولا ينتزعه من يد المكترى حتى تنقضي المدة والمسمى للمشترى، وعليه للبائع أجرة المثل للمدة الباقية من وقت الفسخ إلى انقضاءها، ولو كان زكاة معجلة - وتعيب - فلا أرش أو جعله المشترى مثلا - صداقا - وتعيب في يد الزوجة واختار الرجوع إلى الشطر فلا أرش فيه، ولو دبره المشترى لم يمنع رجوع البائع أخذا مما ذكره المصنف في الفلس على ما سيأتي من أنه لا يمنع فيه.
قال في الحاوى: إذا فسخ البيع وجب رد السلعة على بائعها سواء قيل: إن الفسخ قد وقع ظاهرا وباطنا، أو قد وقع في الظاهر دون الباطن، فإن كانت السلعة تالفة فلا يخلو حالها من أحد أمرين إما أن تكون مما لها مثل أو مما لا مثل لها، فإن كانت مما لا مثل لها وجب رد قيمتها وفى اعتبار القيمة وجهان.
أحدهما: وقت التلف.
والثانى: مما كانت قيمته من وقت القبض إلى وقت التلف، فإن اختلفا في قدر القيمة فالقول قول المشترى مع يمينه اعتبارا بها في
ذمته، وسواء كانت القيمة أكثر مما ادعاه البائع أو أقل لبطلان ما ادعاه واستحقاق المبيع، وإن كانت السلعة المبيعة مما له مثل كالحنطة والشعير ففيه وجهان.
أحدهما: عليه رد مثله كالمغصوب.
والثانى وهو الاصح أن عليه غرم قيمته لانه لم يضمنه وقت القبض بالمثل، وإنما ضمنه بالعوض دون المثل بخلاف الغصب

(13/75)


قال: فأما ما أخذه المشترى من المبيع قبل الفسخ من غلة أو ثمرة أو نتاج فكله على ملك المشترى لا يلزمه رد شئ منه على البائع، لانه كان مالكا حين استغله، وإنما زال ملكه بما حدث من الفسخ.
اه وإن تقايلا، وأعفى كل منهما صاحبه من التزامه، أخذ البائع سلعته وأخذ المشترى ثمنه، فإذا اختلفا في الثمن، فقال البائع: الثمن ألف، وقال المشترى ألفان فالقول قول البائع، لانه لا يربطهما عقد لانفساخ البيع، فيكون المشترى بمجرد فسخ البيع مدعيا عليه البينة، فان أتى بالبينة كان القول قوله، فان لم تكن له بينة كان القول قول البائع لانه منكر بيمينه.
ومثل ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ل الرد بالعيب، وذلك إذا اختلفا في الثمن، فان العقد بمجرد الرد بالعيب يعد منسوخا وينسحب على كل منهما من الوصف ما ذكرناه في التقايل فالمشترى مدع عليه البينة والمشترى منكر.
قال ابن قدامة رحمه الله: وإذا اختلفا في ثمن السلعة بعد تلفها فعن أحمد فيها روايتان.
إحداهما: يتحالفان مثل ما لو كانت قائمة، وهو قول الشافعي وإحدى الروايتين عن مالك والاخرى قول المشترى مع يمينه اختارها أبو بكر، وهذا قول النخعي والثوري والاوزاعي وأبى حنيفة لقوله عليه السلام في الحديث " والسلعة قائمة ".
فمفهومه أنه لا يشرع التحالف عند تلفها، ولانهما اتفقا على نقل السلعة إلى
المشترى، واستحقاق عشرة في ثمنها، واختلفا في عشرة زائدة، البائع يدعيها والمشترى ينكرها، والقول قول المنكر، وتركنا هذا القياس حال قيام السلعة للحديث الوارد فيه، ففيما عداه يبقى على القياس.
ووجه الرواية الاولى عموم قوله " إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع.
والمشترى بالخيار ".
وقال أحمد: ولم يقل فيه والمبيع قائم إلا يزيد بن هرون، قال أبو عبد الله وقد أخطأ رواة الحلف عن المسعودي، لم يقولوا هذه الكلمة، ولكنها في حديث معن، ولان كل واحد منهما مدع ومنكر، فيشرع اليمين كحال لقيام السلعة،

(13/76)


وما ذكروه من المعنى يبطل بحال قيام السلعة، فإن ذلك لا يختلف بقيام السلعة وتلفها.
وقولهم تركناه للحديث.
قلنا ليس في الحديث تحالفا.
وليس ذلك بثابت في شئ من الاخبار قال ابن المنذر.
وليس في هذا الباب حديث يعتمد عليه.
اه، وعلى أنه إذا خولف الاصل لمعنى وجب تعديته بتعدى ذلك المعنى فنقيس عليه، بل يثبت الحكم بالبينة، فإن التحالف إذا ثبت مع قيام السلعة مع أنه يمكن معرفة ثمنها للمعرفة بقيمتها فإن الظاهر أن الثمن يكون بالقيمة، فمع تعذر ذلك أولى فإذا تحالفا فإن رضى أحدهما بما قال الآخر لم يفسخ العقد لعدم الحاجة إلى فسخه، وإن لم يرضيا فلكل واحد منهما فسخه، كما له ذلك في حال بقاء السلعة، ويرد الثمن الذى قبضه البائع إلى المشترى، ويدفع المشترى قيمة السلعة إلى البائع فإن كانا من جنس واحد وتساويا بعد التقابض تقاصا وينبغى أن لا يشرع التحالف ولا الفسخ فيما إذا كانت قيمة السلعة مساوية للثمن الذى ادعاه المشترى ويكون القول قول المشترى مع يمينه، لانه لا فائدة
من يمين البائع ولا فسخ البيوع، لان الحاصل بذلك الرجوع إلى ما ادعاه المشترى وإن كانت القيمة أقل فلا فائدة للبائع في الفسخ فيحتمل أن لا يشرع له اليمين ولا الفسخ لان ذلك ضرر عليه من غير فائدة ويحتمل أن يشرع لتحصيل الفائدة للمشترى، ومتى اختلفا في قيمة السلعة رجعا إلى قيمة مثلها موصوفا بصفاتها، فإن اختلفا في الصفة فالقول قول المشترى مع يمينه لانه غارم، والقول قول الغارم وان تقايلا المبيع أو رد بعيب بعد قبض البائع الثمن ثم اختلفا في قدره فالقول قول البائع لانه منكر لما يدعيه المشترى بعد انفساخ العقد، فأشبه ما لو اختلفا في القبض.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وان مات المتبايعان فاختلف ورثتهما تحالفوا لانه يمين في المال فقام الوارث فيها مقام الموروث كاليمين في دعوى المال، وان كان البيع بين وكيلين

(13/77)


واختلفا في الثمن، ففيه وجهان (أحدهما) يتحالفان لانهما عاقدان فتحالفا لمالكين (والثانى) لا يتحالفان لان اليمين تعرض حتى يخاف الظالم منهما فيرجع.
والوكيل إذا أقر ثم رجع لم يقبل رجوعه فلا تثبت اليمين في حقه (الشرح) اعلم أن هذا الفصل يتضمن ما يقع من الاختلاف بين من يحل محل المتبايعين والحال محل المتبايعين اما أن يكون وارثا واما أن يكون وكيلا وفى هذه الحال يقوم الوارث مقام الموروث قولا واحدا أما الوكيلان فوجهان (أحدهما) يتحالفان كالمالكين والوارثين (والثانى) لا يتحالفان لعدم وقوع الظلم من أحدهما للآخر وقد يموت أحد المتبايعين وله وكيل فيجرى عليه الوجهان، أو وارث فهو
حال محل الموروث في الظلامة والتحالف، فكما أن الوارث يأخذ مال موروثه فله أن يأخذ ما عساه يكون حقا له، ويلزمه ما عساه يصير لازما عليه قال المصنف رحمه الله: (فصل) وان إختلفا المتبايعان في قدر المبيع تحالفا لما ذكرنا في الثمن.
وان اختلفا في عين المبيع بأن قال البائع " بعتك هذا العبد بألف.
وقال المشترى بل اشتريت هذه الجارية بألف " ففيه وجهان (أحدهما) يتحالفان لان كل واحد منهما يدعى عقدا يتكره الآخر، فأشبه إذا اختلفا في قدر المبيع (والثانى) أنهما لا يتحالفان، بل يحلف البايع أنه ما باعه الجارية ويحلف المشترى أنه ما اشترى العبد.
وهو اختيار أبى حامد الاسفراينى رحمه الله، لانهما اختلفا في أصل العقد في العبد والجارية، فكان القول فيه قول من ينكر كما لو ادعى أحدهما على الآخر عبدا والآخر جارية من غير عقد، فإن أقام البائع بينة أنه باعه العبد وجب على المشترى الثمن، فإن كان العبد في يده أقر في يده، وان كان في يد البائع ففيه وجهان (احدهما) يجبر المشترى على قبضه، لان البينة قد شهدت له بالملك (والثانى) لا يجبر لان البينة شهدت له بمالا يدعيه، فلم يسلم إليه، فعلى هذا يسلم إلى الحاكم ليحفظه

(13/78)


(فصل) وإن اختلفا في شرط الخيار أو الاجل أو الرهن أو في قدرها تحالفا لما ذكرناه في الثمن، فإن اختلفا في شرط يفسد البيع ففيه وجهان، بناء على القولين في شرط الخيار في الكفالة.
أحدهما: أن القول قول من يدعى الصحة، لان الاصل عدم ما يفسد.
والثانى: أن القول قول من يدعى الفساد، لان الاصل عدم العقد فكان
القول قول من يدعى ذلك، فإن اختلفا في الصرف بعد التفرق، فقال أحدهما: تفرقنا قبل القبض، وقال الآخر: تفرقنا بعد القبض، ففيه وجهان، أحدهما أن القول قول من يدعى التفرق قبل القبض، لان الاصل عدم القبض، والثانى أن القول قول من يدعى التفرق بعد القبض، لان الاصل صحة العقد، وإن اختلفا بعد التفرق فقال أحدهما تفرقنا عن تراض، وقال الآخر تفرقنا عن فسخ البيع ففيه وجهان.
أحدهما أن القول قول من يدعى التراضي، لان الاصل عدم الفسخ وبقاء العقد، والثانى أن القول قول من يدعى الفسخ لان الاصل عدم اللزوم ومنع المشترى من التصرف، فأما إذا اختلفا في عيب المبيع ومثله يجوز أن يحدث فقال البائع عندك حدث العيب وقال المشترى بل حدث عندك، فالقول قول البائع، لان الاصل عدم العيب فان اختلفا في المردود بالعيب فقال المشترى هو المبيع، وقال البائع: الذى بعتك غير هذا فالقول قول البايع لان الاصل سلامة المبيع، وبقاء العقد، فكان القول قوله، فان اشترى عبدين فتلف أحدهما ووجد بالآخر عيبا فرده وقلنا إنه يجوز أن يرد أحدهما واختلفا في قيمة التالف ففيه قولان، أحدهما وهو الصحيح أن القول قول البايع.
لانه ملك جميع الثمن فلا يزال ملكه إلا عن القدر الذى يقر به كالمشترى والشفيع إذا اختلفا في الثمن.
فان القول قول المشترى، لانه ملك الشقص فلا يزال إلا بما يقر به، والثانى.
أن القول قول المشترى لانه كالغارم فكان القول قوله فان باعه عشرة أقفزة من صبرة وسلمها بالكيل فادعى المشترى أنها دون حقه ففيه قولان.
أحدهما: أن القول قول المشترى، لان الاصل أنه لم يقبض جميعه.

(13/79)


والثانى: أن القول قول البايع، لان العادة فيمن يقبض حقه بالكيل أن
يستوفى جميعه فجعل القول قول البايع.
(الشرح) اعلم أن اختلاف المتبايعين على ضربين، أحدهما أن يختلفا في أصل العقد، والثانى في صفته، فإن كان اختلافهما في أصل العقد مثل أن يقول البائع بعتك هذا الشئ بألف فيقول الآخر ما اشتريت، أو يقول المشترى: اشتريت منك هذا الشئ بألف، ويقول المالك: ما بعت، فالقول قول منكر العقد مع يمينه بائعا كان أو مشتريا إلا أن يقيم مدعى العقد بينة ولا تحالف بينهما لقوله صلى الله عليه وسلم " البينة على من ادعى ".
وإن كان اختلافهما في صفة العقد، كاختلافهما في قدر الثمن أو صفته أو في قدر المثمن أو في صفته.
والضرب الثاني أن يكون اختلافهما مما قد يخلو من العقد كاختلافهما في الاجل وفى قدره أو في الخيار أو في قدره أو في الرهن أو في التمييز أو في عينه.
فأما الضرب الاول وهو أن يكون اختلافهما مما يكون يخلو منه العقد من قدر الثمن أو صفته فقد مر تفصيل ذلك في الفصول السابقة، وأما ما يكون من اختلاف في قدر المثمن أو صفته، فالاختلاف في صفة المثمن أن يقول البائع، بعتك عبدا، ويقول المشترى.
بل جارية، فان كان اختلافهما فيما ذكرنا وشبهه فقد اختلف الفقهاء في العقد على خمسة مذاهب قد جئنا عليها في الفصول السابقة قال في نهاية المحتاج ما حاصله: وإن اختلفا في الاجل بأن أثبته المشترى ونفاه البائع، أو قدره كشهر أو شهرين، أو قدر المبيع كمد من هذه الصبرة مثلا بدرهم، فيقول.
بل مدين به ولا بينة لاحدهما يعول عليها، فشمل ما لو أقام كل بينة وتعارضتا لاطلاقهما أو إطلاق أحدهما فقط أو لكونهما أرختا بتاريخين متفقين تحالفا لخبر مسلم " اليمين على المدعى عليه " ولا يشكل الخبران المتقدمان لانه عرف من هذا الخبر زيادة
عليهما وهى حلف المشترى أيضا فأخذنا بها وشمل كلامه ما لو وقع الاختلاف في زمن الخيار فيتحالفان، وهو كذلك كما صرح به ابن يونس والنسائي والاذرعى

(13/80)


وغيرهم، وقد قال الشافعي والاصحاب بالتحالف في الكتابة مع جوازها في حق الرقيق، وفى القراض والجعالة مع جوازهما من الجهتين، وأما ما استند إليه القائل بعدم التحالف كابن المقرى في بعض نسخ الروض من إمكان الفسخ في زمنه رد بأن التحالف لم يوضع للفسخ، بل عرضت اليمين رجاء أن ينكل الكاذب فيتقرر العقد بيمين الصادق.
والاختلاف في الاجل أو الرهن أو في قدرهما أو في شرط الخيار أو غير ذلك من الشروط لصحيحة ففيها للفقهاء طريقان.
أحدهما: وهو قول الشافعي يتحالفان، لانهما اختلفا في صفة العقد فوجب أن يتحالفا قياسا على الاختلاف في الثمن.
والثانى: القول قول من ينفى ذلك مع يمينه، وهو أبى حنيفه، لان الاصل عدمه، فالقول قول من ينفيه، كأصل العقد لانه منكر، والقول قول المنكر، فإن اختلفا في شرط يفسد العقد فقال: بعتك بخمر، أو خيار مجهول، فقال: بعتني بنقد معلوم أو خيار ثلاث، فالقول قول من يدعى الصحة مع يمينه، لان ظهور تعاطى المسلم الصحيح أكثر من تعاطيه للفاسد، وإن قال بعتك مكرها، فأنكره فالقول قول المشترى، لان الاصل عدم الاكراه وصحة البيع، وإن قال بعتك وأنا صبى فالقول قول المشترى، كل ذلك قول الشافعي وأحمد والثوري وإسحاق، إلا أن الشافعي يسوى بين المسلم والكافر في تعاطى الصحة.
قالوا: لان المتبايعين اتفقا على أصل العقد، واختلفا فيما يفسده، فكان القول قول مدعى الصحة.
ويحتمل أن يقبل قول من يدعى الصغر لانه الاصل.
وهو قول بعض أصحاب الشافعي، ويفارق ما إذا اختلفا في شرط فاسد أو إكراه لوجهين: أحدهما: أن الاصل عدمه، وههنا الاصل بقاؤه.
والثانى: أن الظاهر من المكلف أنه لا يتعاطى إلا الصحيح، وها هنا ما ثبت أنه كان مكلفا، وإن قال.
بعتك وأنا مجنون.
فإن لم يعلم له حال جنون فالقول قول المشترى.
لان الاصل عدمه.
وإن ثبت أنه كان مجنونا فهو لصبى.

(13/81)


قال شمس الدين الرملي: ولو ادعى أحد العاقدين صحة البيع أو غيره من العقود وادعى الآخر فساده لانتفاء ركن، أو شرط على المعتمد، كأن ادعى أحدهما رؤيته وأنكرها الآخر على المعتمد أيضا، كما أفتى به الوالد رحمه الله تعالى خلافا لما في فتاوى الشيخ، فالاصح تصديق مدعى الصحة بيمينه غالبا، مسلما كان أو كافرا، لان الظاهر في العقود الصحة، وأصل عدم العقد الصحيح يعارضه عدم الفساد في الجملة.
ومن غير الغالب ما لو باع ذراعا من أرض معلومة الذرع ثم ادعى إرادة ذراع معين ليفسد البيع، وادعى المشترى شيوعه فيصدق البائع بيمينه أيضا لان ذلك لا يعلم إلا من جهته، وما لو زعم أحد متصالحين وقوع صلحهما على إنكار فيصدق بيمينه أيضا لانه الغالب، وما لو زعم أنه عقد وبه نحو صبا وأمكن، أو جنون أو حجر وعرف له ذلك فيصدق بيمينه أيضا كما ذكره الرويانى.
ثم قال: وأما كلام الاصحاب في الجنايات والطلاق فليس من الاختلاف في صحة العقد وفساده، وفارق ما ذكرناه ما سيأتي في الضمان بأن المعاوضات يحتاط فيها غالبا، والظاهر أنها تقع بشروطها وفى البيان للعمراني: لو أقر بالاحتلام لم يقبل رجوعه عنه، ويؤخذ من
ذلك أن من وهب في مرضه شيئا فادعت ورثته غيبة عقله حال الهبة لم يقبلوا إلا إن علم له غيبة قبل الهبة وادعوا استمرارها إليها وجزم بعضهم بأنه لابد في البينة بغيبة العقل - إن تبين ما غاب به - أي لئلا تكون غيبته بما يؤاخذ به كسكر تعدى به، وما لو قال المرتهن: أذنت في البيع بشرط رهن الثمن.
وقال الراهن بل مطلقا، فالمصدق المرتهن، كما قاله الزركشي وغيره.
وهو كما قال، ولكن ليس هذا مما نحن فيه، لان الاختلاف المذكور لم يقع من العاقدين ولا نائبهما ولو أتى المشترى بخمر أو بما فيه فأرة وقال قبضته كذلك فأنكر القبض كذلك صدق بيمينه، ولو أتى المشترى بخمر أو بما فيه فأرة وقال قبضته كذلك فأنكر القبض صدق بيمينه، ولو صبه في ظرف المشترى فظهرت فيه فأرة فادعى كل أنها من عند الآخر صدق البائع لدعواه الصحة، ولان الاصل في كل حادث تقديره بأقرب زمن، والاصل أيضا براءة البائع كما في نظيره من السلم إذا اختلفا

(13/82)


هل قبض المسلم إليه رأس المال قبل التفرق أو بعده ؟ فلو أقاما في المسئلين بينتين قدمت بينة مدعى الصحة.
وقول ابن أبى عصرون إن كان مال كل بيده حلف المنكر وإلا فصاحبه مردود.
وقال الرملي: ولو اشترى عبدا مثلا معينا وقبضه فجاء بعبد معيب ليرده فقال البائع " ليس هذا المبيع " صدق البائع بيمينه، لان الاصل السلامة وبقاء العقد، وفى مثله في المبيع في الذمة والسلم بأن قبض المشترى أو المسلم المدفوع عما في الذمة ثم أحضر معيبا ليرده، فقال البائع أو المسلم إليه ليس هذا المقبوض يصدق المشترى والمسلم بيمينه في الاصح أنه المقبوض عملا بأصل بقاء شغل ذمة البائع والمسلم إليه إلى وجود قبض صحيح، ويجرى ذلك في الثمن، فيحلف المشترى في المعين، والبائع فيما في الذمة، ومقابل الاصح يصدق المسلم إليه كالبيع
ولو قبض المبيع مثلا بالكيل أو الوزن ثم ادعى نقصه فإن كان قدر ما يقع مثله في الكيل أو الوزن عادة صدق بيمينه لاحتماله مع عدم مخالفته الظاهر وإلا فلا لمخالفته الظاهر ولانهما اتفقا على القبض والقابض يدعى الخطأ فعليه البينة كما لو اقتسما ثم جاء أحدهما وادعى الخطأ فيه تلزمه البينة، ولو باع شيئا فظهر كونه لابنه أو موكله فوقع اختلاف، كأن قال الابن " باع أبى مالى في الصغر لنفسه متعديا " وقال الموكل " باع وكيلى مالى متعديا " وقال المشترى " لم يتعد الولى ولا الوكيل " صدق المشترى بيمينه، لان كلا من الاب والوكيل أمين ولا يتهم إلا بحجة.
انتهى أما لغات الفصل فالشقص القطعة من الارض والطائفه من الشئ.
قوله فإن باعه عشرة أقفزة من صبرة فالقفيز مكيال.
قال في الصحاح هو ثمانية مكاكيك والجمع أقفزة وقفزان، قال والمكوك مكيال هو ثلاث كيلجات.
والكيلجة منا وسبعة أثمان منا، والمنا رطلان، ويمكن بهذا أن نعرف أن الكيلجه هي الكيلو بلغة العصر فيكون القفيز أربعة وعشرين كيلو جراما تقريبا بالوزن، وقد مر في قاعدة مد عجوة أن الوزن مقدم على الكيل لانه أدق وأعدل إلا ما كان اطراد الكيل فيه لخفته تجعله غير صالح للوزن، فينطبق عليه قاعدة الكيل فيما يكال والوزن فيما يوزن.

(13/83)


قال الشافعي في باب جماع السلف في الوزن: والميزان مخالف للمكيال في بعض معانيه والميزان أقرب من الاحاطة وأبعد من أن يختلف فيه أهل العلم من المكيال، لان ما يتجافى ولم يتجاف في الميزان سواء: لانه إنما يصار فيه كله إلى أن يوجد بوزنه، والمتجافي في المكيال يتباين تباينا بينا فليس في شئ مما يوزن اختلاف في الوزن، ثم قال الشافعي: فإن قال
قائل: كيف كان يباع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قلنا: الله أعلم، أما الذى أدركنا المتبايعين به عليه، فأما ما قل منه فيباع كيلا والجملة الكثيرة تباع وزنا، ودلالة الاخبار على مثل ما أدركنا الناس عليه.
قال عمر رضى الله عنه: لا آكل سمنا ما دام يباع بالاواقى، وتشبه الاواقى أن تكون كيلا.
اه قال المصنف رحمه الله: (فصل) إذا باعه سلعة بثمن في الذمة ثم اختلفا فقال البائع: لا أسلم المبيع حتى أقبض الثمن، وقال المشترى.
لا أسلم الثمن حتى أقبض المبيع، فقد اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال.
فيه ثلاثة أقوال.
أحدها يجبر البائع على إحضار المبيع، والمشترى على احضار الثمن، ثم يسلم إلى كل واحد منهما ماله دفعة واحدة، لان التسليم واجب على كل واحد منهما، فإذا امتنعا أجبرا كما لو كان لاحدهما على الآخر دراهم، وللآخر عليه دنانير.
والثانى.
لا يجبر واحد منهما، بل يقال من يسلم منكما ما عليه أجبر الآخر على تسليم ما عليه، لان على كل واحد منهما حقا في مقابلة حق له، فإذا تمانعا لم يجبر واحد منهما، كما لو نكل المدعى عليه فردت اليمين على المدعى فنكل.
والثالث.
أنه يجبر البائع على تسليم المبيع، ثم يجبر المشترى وهو الصحيح، لان حق المشترى متعلق بعين، وحق البائع في الذمة، فقدم ما تعلق بعين كأرش الجناية مع غيرها من الديون، ولان البائع يتصرف في الثمن في الذمة، فوجب أن يجبر البائع على التسليم ليتصرف المشترى في المبيع، ومن أصحابنا من قال.
المسأله على قول واحد، وهو أنه يجبر البائع على تسليم المبيع كما ذكرناه، وما سواه من الاقوال ذكره الشافعي عن غيره، ولم يختره، فعلى هذا ينظر فيه

(13/84)


فان كان المشترى موسرا نظرت، فان كان ماله حاضرا أجبر على تسليمه في الحال
وان كان في داره أو دكانه حجر عليه في المبيع، وفى سائر أمواله، إلى أن يدفع الثمن لانه إذا لم يحجر عليه لم نأمن أن يتصرف فيه، فيضر بالبائع.
وان كان غائبا منه على مسافة يقصر فيها الصلاة فللبائع أن يفسخ البيع ويرجع إلى عين ماله، لان عليه ضررا في تأخير الثمن، فجاز له الرجوع إلى عين ماله، كما لو أفلس المشترى، وان كان على مسافة لا تقصر فيها الصلاة ففيه وجهان.
أحدهما ليس له أن يختار عين ماله، لانه في حكم الحاضر.
والثانى له أن يختار عين ماله لانه يخاف عليه الهلاك فيما قرب كما يخاف عليه فيما بعد، وان كان المشترى معسرا ففيه وجهان.
أحدهما.
تباع السلعة ويقضى دينه من ثمنها، والمنصوص أنه يرجع إلى عين ماله لانه تعذر الثمن بالاعسار.
فثبت له الرجوع إلى عين ماله كما لو أفلس بالثمن وان كان الثمن معينا ففيه قولان.
أحدهما يجبران.
والثانى لا يجبر واحد منهما ويسقط القول الثالث أنه يجبر البائع لان الثمن المعين كالمبيع في تعلق الحق بالعين والمنع من التصرف فيه قبل القبض.
(الشرح) في هذا الفصل بيان حكم اختلافهما عند البيع بثمن في الذمة فيه ثلاثة أقوال عند المصنف (أصحها) يجبر البائع على تسليم السلعة ثم يجبر المشترى على تسليم الثمن.
وذلك أنهما ان تمانعا أجبر الحاكم كل واحد منهما على احضار ما عليه من مبيع أو ثمن ثم ينصب عليهما أمينا عدلا يأمر كل واحد منهما بتسليم ما بيده إليه.
حتى إذا صار الجميع معه سلم المبيع إلى المشترى والثمن إلى البائع.
قال الماوردى.
وحكى هذا القول عن سعيد بن سالم القداح.
وقال أبو إسحاق المروزى.
يجعل هذا والقول الاول واحدا.
وتخرج المسألة على ثلاثة أقاويل.
وامتنع سائر أصحابنا ممن جعلهما واحدا، وأن كل واحد منهما مخالف لصاحبه.
قلت: والقول الاول الذى أراد أبو إسحاق المروزى مزجه بقول سعيد بن
سالم القداح هو قول المصنف.
أحدها يجبر البائع على تسليم المبيع والمشترى على تسليم الثمن ثم أعطى كل

(13/85)


واحد منهما ماله دفعة واحدة في لحظة واحدة لتساوي الوجوب في التسليم وعدم اختصاص أحدهما بقدر أكثر من الاذعان من صاحبه، وامتنع أكثر الاصحاب من جعلهما قولا واحدا لما يأتي: (أولا) لان حق المشترى متعلق بعين وحق البائع في الذمة، فقدم ما تعلق بعين كأرش الجناية مع غيرها من الديون، ولان البائع يتصرف في الثمن في الذمة فوجب أن يجبر البائع على التسليم ليتصف المشترى في المبيع (ثانيا) إن الدفع والتسليم في القول الاول إلى الحاكم وكان بحكمه، وها هنا الحكم منه في ذمة الامين والامر بالتسليم منه ومن هنا كان قول المصنف: من الاصحاب من قال فيه ثلاثة أقوال يذكرنا بقول الماوردى فيه أربعة أقوال.
ذلك القول الرابع هو تعيين الامين العدل.
وهذا القول وإن كان قولا رابعا عندنا فإنه ظاهر مذهب الحنابلة فيما إذا كان عرضا بعرض أو عينا بعين.
قال ابن قدامة في المغنى: وإن اختلفا في التسليم، فقال البائع لا أسلم المبيع حتى أقبض الثمن.
وقال المشترى لا أسلم الثمن حتى أقبض المبيع والثمن في الذمة، أجبر البائع على تسليم المبيع، ثم أجبر المشترى على تسليم الثمن، فإن كان عينا أو عرضا بعرض جعل بينهما عدل، فيقبض منهما ثم يسلم اليهما، وهذا قول الثوري وأحد قولى الشافعي وعن أحمد ما يدل على أن البائع يجبر على تسليم المبيع على الاطلاق، وهو قول ثان للشافعي.
وقال أبو حنيفة ومالك يجبر المشترى على تسليم الثمن لان البائع
حبس المبيع على تسليم الثمن، ومن استحق ذلك لم يكن عليه التسليم قبل الاستيفاء كالمرتهن.
ثم قال رأيه الذى يدل على موافقته لما ذهبنا إليه من تساوى المبيع، سواء أكان الثمن عينا أم نقدا فقال ولنا أن تسليم المبيع يتعلق به استقرار البيع وتمامه، فكان تقديمه أولى سيما مع تعلق الحكم بعينه، وتعلق حق البائع بالذمة، وتقديم ما تعلق بالعين أولى لتأكده.
ولذلك يقدم الدين الذى به الرهن في ثمنه على ما تعلق بالذمة، ويخالف

(13/86)


الرهن فإنه لا تتعلق به مصلحة عقد الرهن، والتسليم ها هنا يتعلق به مصلحة عقد البيع.
وأما إذا كان الثمن عينا فقد تعلق الحق بعينه أيضا كالمبيع فاستويا.
وقد وجب لكل واحد منهما على صاحبه حق قد استحق قبضه فأجبر كل واحد منهما على إيفاء صاحبه حقه.
اه قوله " وما سواه من الاقوال " ذكره الشافعي عن غيره ولم يختره، فعلى هذا ينظر فيه.
(قلت) الذى في المزني يدل على اختيار الشافعي لهذا الرأى وتعبيره بكلمة (أحب الشافعي من أقاويل) قال االمزنى في باب اختلاف المتبايعين " وإذا قال كل واحد منهما: لا أدفع حتى أقبض " " ولو لم يختلفا وقال كل واحد منهما لا أدفع حتى أقبض فالذي أحب الشافعي من أقاويل وصفها أن البائع يدفع السلعة ويجبر المشترى على دفع الثمن من ساعته فإن غاب وله مال أشهد على وقف ماله وأشهد على وقف السلعة، فإذا دفع أطلق عنه الوقف، وإن لم يكن له مال فهذا مفلس، والبائع أحق بسلعته، ولا يدع الناس يتمانعون الحقوق وهو يقدر على أخذها منهم " قوله " وإن كان غائبا " قال الماوردى:
وإن كان ماله غائبا فله ثلاثة أحوال (أحدها) أن يكون على مسافة أقل من يوم وليلة، فهذا في حكم الحاضر، وينتظر له حضور ماله بعد الحجر عليه في المبيع وسائر ماله، فإذا احضر الثمن فك حجره وأطلق تصرفه (والثانى) أن يكون على مسافة ثلاثة أيام فصاعدا فلا يلزم انتظار ماله لبعده عنه، وأنه في حكم المعسر.
(والثالث) أن يكون على مسافة أكثر من يوم وليلة وأقل من ثلاثة أيام فعلى وجهين.
(أحدهما) ينتظر حضور ماله، كما لو كانت على أقل من يوم وليلة، ويحجر عليه في المبيع حتى يحضر الثمن (والوجه الثاني) لا ينتظر لبعد المسافة، وأنها في حكم ما زاد على الثلاث، فعلى هذا ما الذى يستحقه البائع إذا لم ينتظر ؟ فيه وجهان (أحدهما) يجعل كالمفلس ويخير البائع بين أن يرجع

(13/87)


بغير ماله وبين أن يصير بالثمن في ذمة المشترى إلى حين وجوده (والوجه الثاني) أن حكم المفلس منفى عنه لوجود المال، وإن بعد منه، ولكن تباع السلعة المبيعة ليصل البائع إلى حقه منها، فإن بيعت بقدر ما للبائع من الثمن دفع إليه ذلك وقد استوفى حقه.
وإن بيعت بأكثر رد الفاضل على المشترى.
وإن بيعت بأقل كان الباقي دينا للبائع في ذمه المشترى.
(قلت) فإن هرب المشترى ولم يكن له مال فسخ البيع لانه إذا جاز فسخه مع حضوره للاعسار ففى هربه أولى.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وإن باع من رجل عينا فأحضر المشترى نصف الثمن ففيه وجهان (أحدهما) لا يجبر البائع على تسليم شئ من البيع، لانه محبوس بدين، فلا يسلم
شئ منه بحضور بعض الدين كالرهن (والثانى) أنه يجبر على تسليم نصف المبيع لان كل واحد منهما عوض عن الآخر، وكل جزء من المبيع في مقابلة جزء من الثمن، فإذا سلم بعض الثمن وجب تسليم ما في مقابلته، ويخالف الرهن في الدين فإن الرهن ليس بعوض من الدين، وإنما هو وثيقة به فجاز له حبسه إلى أن يستوفى جميع الدين، وإن باع من اثنين عبدا بثمن فأحضر أحدهما نصف الثمن وجب تسليم حصته إليه لانه أحضر جميع ما عليه من الثمن، فوجب تسليم ما في مقابلته من المبيع، كما لو اشترى عينا وأحضر ثمنها.
والله أعلم (الشرح) هذا الفصل يبنى على أن العقد إذا لزم في الصفقة كلها كان بعض ما أداه المشترى من ثمنها غير مسوغ لتجزئ المبيع بقدر ما أدى المشترى فلا يجبر على تسليم ما يقابله أم يجبر على تسليم ما يساوى ما أداه المشترى ؟ فيقع الثمن منجما والمبيع منجما: وذلك لمخالفته الرهن، لانه إذا احتجز الصفقة عنده كلها في مقابلة ما بقى من الثمن فقد أشبه الرهن (قلت) إذا ترتب على تجزئ الصفقة تلف باقيها أو نقصه نقصا يبخس بثمنها كما لو أدى بعض الثمن من كتاب له أجزاء مطبوعة فإذا أخذ ما يساوى ما أداه من الثمن من أجزاء ترتب على ذلك خرم الكتاب عند البائع لم يجبر البائع على تسليم بعض الكتاب وجاز له حبسه حتى يستوفى الثمن كله.
والله أعلم

(13/88)


قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) إذا تلف المبيع في يد البائع قبل التسليم لم يخل اما أن يكون ثمرة أو غيرها، فإن كان غير الثمرة نظرت، فإن كان تلفه بآفة سماوية انفسخ البيع، لانه فات التسليم المستحق بالعقد فانفسخ البيع، كما لو اصطرفا وتفرقا قبل القبض فإن كان المبيع عبدا فذهبت يده بآكلة فالمبتاع بالخيار بين أن يرد وبين أن يمسك
فإن اختار الرد رجع بجميع الثمن، وان اختار الامساك أمسك بجميع الثمن، لان الثمن لا ينقسم على الاعضاء فلم يسقط بتلفها شئ من الثمن، وان أتلفه أجنبي ففيه قولان.
(أحدهما) أنه ينفسخ البيع لانه فات التسليم المستحق بالعقد فانفسخ البيع، كما لو تلف بآفة سماوية.
(والثانى) أن المشترى بالخيار بين أن يفسخ البيع ويرجع بالثمن، وبين أن يقر البيع ويرجع على الأجنبي بالقيمة، لان القيمة عوض عن المبيع فقامت مقامه في القبض، فإن كان عبدا فقطع الأجنبي يده فهو بالخيار بين أن يفسخ البيع ويرجع بالثمن، وبين أن يجيزه ويرجع على الجاني بنصف قيمته فإن أتلفه البائع ففيه طريقان.
قال أبو العباس فيه قولان كالأجنبي.
وقال أكثر أصحابنا ينفسخ البيع قولا واحدا لانه لا يمكن الرجوع على البائع بالقيمة لان المبيع مضمون عليه بالثمن فلا يجوز أن يكون مضمونا عليه بالقيمة بخلاف الأجنبي، فان المبيع غير مضمون عليه بالثمن فجاز أن يضمنه بالقيمة، فان كان عبدا فقطع البائع يده ففيه وجهان.
قال أبو العباس " المبتاع بالخيار ان شاء فسخ البيع ورجع بالثمن وان شاء أجاز ورجع على البائع بنصف القيمة " وقال أكثر أصحابنا هو بالخيار ان شاء فسخ البيع وان شاء أجازه ولا شئ له لانه جزء من المبيع فلا يضمنه البائع بالقيمة قبل القبض، كما لو ذهب بآكلة فان أتلفه المشترى استقر عليه الثمن لان الاتلاف كالقبض، ولهذا لو أعتقه جعل اعتاقه كالقبض فكذلك إذا أتلفه، فان كان عبدا فقطع يده لم يجز له أن يفسخ لانه نقص بفعله، فان اندمل ثم تلف في يد البائع رجع البائع على

(13/89)


المشترى بأرش النقص فيقوم مع اليد ويقوم بلا يد ثم يرجع بما نقص من الثمن ولا يرجع
بما نقص من القيمة لان المبيع مضمون على المشترى بالثمن فلا يجوز أن يرجع عليه بما نقص من القيمة وإن كان المبيع ثمرة فإن كان على الارض فهو كغير الثمرة وقد بيناه وإن كانت على الشجر نظرت فان تلفت قبل التخلية فهى كغير الثمرة إذا هلك قبل أن يقبض وقد بيناه، فان تلفت بعد التخلية ففيه قولان (أحدهما) أنها تتلف من ضمان المشترى، لان التخلية قبض يتعلق به جواز التصرف فدخل في ضمانه كالنقل فيما ينقل (والثانى) أنها تتلف من ضمان البائع، لما روى جابر رضى الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " إن بعت من أخيك تمرا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق " وروى جابر أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم " أمر بوضع الجوائح " فان قلنا بهذا فاختلفا في الهالك فقال البائع الثلث، وقال المشترى النصف، فالقول قول البائع، لان الاصل عدم الهلاك، وإن بلغت الثمار وقت الجداد فلم ينقل حتى هلكت كان هلاكها من ضمان المشترى، لانه وجب عليه النقل فلم يلزم البائع ضمانها، والله أعلم (الشرح) حديث جابر الاول رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
وحديث جابر الثاني رواه الشافعي في الام.
قال سمعت سفيان يحدث هذا الحديث كثيرا في طول مجالستي له، لا أحصى ما سمعته يحدثه من كثرته لا يذكر فيه " أمر بوضع الجوائح " لا يزيد على أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع السنين.
ثم زاد بعد ذلك " وأمر بوضع الجوائح " قال الشافعي، قال سفيان: وكان حميد يذكر بعد بيع السنين كلاما قبل وضع الجوائح لا أحفظه، فكنت أكف عن ذكر وضع الجوائح لانى لا أدرى كيف كان الكلام.
وفى الحديث أمر بوضع الجوائح.
أخبرنا سفيان عن أبى الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله " قلت " وحديث " أمر بوضع الجوائح " رواه مسلم وأحمد والنسائي وأبو داود.
وروى عن أنس وعائشة، وقد مر في بيع الثمرة قبل بدو
صلاحها.
قال الربيع، أخبرنا الشافعي قال أخبرنا مالك عن أبى الرجال محمد بن عبد الرحمن عن أمه عمرة أنه سمعها تقول: ابتاع رجل ثمر حائط في زمان

(13/90)


رسول الله صلى الله عليه وسلم فعالجه وأقام فيه حتى تبين له النقصان، فسأل رب الحائط أن يضع عنه فحلف أن لا يفعل، فذهبت أم المشترى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال رسول الله صلى عليه وسلم تألى أن لا يفعل خيرا، فسمع بذلك رب المال، فأتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله " هو له " أما لغات الفصل فالآفة العاهة، وقد إيف الزرع بالبناء للمجهول أي أصابته آفة فهو مئوف على وزن مقول ومعوف، والجوائح جمع جائحة، وهى الآفة التى تصيب الثمار فتهلكها.
يقال حاجهم الدهر واجتاحهم بتقديم الجيم على الحاء فيها إذا أصابهم بمكروه عظيم والآكلة أما الاحكام فقال الشافعي، قال سفيان في حديثه عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم في وضع الجوائح: ما حكيت فقد يجوز أن يكون الكلام الذى لم يحفظه سفيان من حديث حميد يدل على أن أمره بوضعها على مثل أمره بالصلح على النصف.
وعلى مثل أمره بالصدقة تطوعا حضا على الخير لا حتما، وما أشبه ذلك ثم قال الشافعي وحديث مالك عن عمرة مرسل.
وأهل الحديث ونحن لا نثبت مرسلا، ولو ثبت حديث عمرة كانت فيه - والله تعالى أعلم - دلالة على أن لا توضع الجائحة لقولها " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تألى أن لا يفعل خيرا " ولو كان الحكم عليه أن يضع الجائحة لكان أشبه أن يقول ذلك لازم له حلف أو لم يحلف، وذلك أن كل من كان عليه حق قيل هذا يلزمك أن تؤديه إذا امتنعت من حق فأخذ منك بكل حال (قال) ولو لم يكن سفيان وهن حديثه بما وصفت
وثبتت السنة بوضع الجائحة، وضعت كل قليل وكثير أصيب من السماء بغير جناية أحد عليه، فأما أن يوضع الثلث فصاعدا ولا بوضع ما دون الثلث فهذا لا خبر ولا قياس ولا معقول.
فان قال قائل: فما منعك أن تجعل ثمرة النخل قياسا على ما وصفت من كراء الارض، وأنت تجيز بيع ثمر النخل فيترك إلى غاية في نخله كما تجيز أن يقبض الدار ويسكنها إلى مدة.

(13/91)


قال: فقيل له: إن شاء الله الدار تكترى سنة ثم تنهدم من قبل تمام السنة مخالفة للثمرة تقبض من قبل أن سكناها ليس بعين ترى إنما هي بمدة تأتى، فكل يوم منها يمضى بما فيه وهى بيد المكترى يلزمه الكراء فيه وإن لم يسكنها إذا خلى بينه وبينها والثمرة إذا ابتيعت وقبضت وكلها في يد المشترى يقدر على أن يأخذها كلها من ساعته، ويكون ذلك له، وإنما يرى تركه إياها اختيارا لتبلغ غاية يكون له فيها أخذه قبلها وقد يكون رطبا يمكنه أخذه وبيعه وتيبيسه، فيتركه ليأخذه يوما بيوم رطبا ليكون أكثر قيمة إذا فرقه في الايام وأدوم لاهله فلو زعمت أنى أضع الجائحة بعد أن يرطب الحائط كله أو أكثره ويمكن فيه أن يقطع كله فيباع رطبا، وإن كان ذلك أنقص لمالك الرطب أو بيبس تمرا، وإن كان ذلك أنقص على مالكه زعمت أنى أضع عنه الجائحة وهى تمر، وقد ترك قطعه وتمييزه في وقت يمكنه فيه إحرازه.
ثم قال: وجماع الجوائح كل ما أذهب الثمرة أو بعضها بغير جناية آدمى.
ثم قال الشافعي: وكان شببها أن يكون جملة القول فيه أن يكون الثمر المبيع في شجره المدفوع إلى مبتاعه من ضمان البائع حتى يستوفى المشترى ما اشترى منه لا يبرأ البائع من شئ منه حتى يأخذه المشترى أو يؤخذ بأمره من شجره، كما يكون
من ابتاع طعاما في بيت أو سفينة كله على كيل معلوم، فما استوفى المشترى برئ منه البائع، وما لم يستوف حتى يسرق أو تصيبه آفة فهو من مال البائع، وما أصابه من عيب فالمشترى بالخيار في أخذه أو رده وجعل الشافعي المشترى مسئولا عن المبتاع إذا كان مسلطا عليه مسيطرا على المبيع، وليس على البائع من الضمان شئ ما دام يملك أخذها وقطعها وبقاءها فلو تلفت - في يد البائع بآفة سماوية - فلا ضمان على البائع، لان المشترى مقصر في قبضها، وفى الابواب السابقة من البيوع مزيد تفصيل فليرجع إليها.

(13/92)


قال المصنف رحمه الله تعالى: باب السلم السلم جائز لقوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه " قال ابن عباس أشهد أن السلف المضمون إلى أجل قد أجله الله في كتابه وأذن فيه فقال " يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ".
(فصل) ولا يصح السلم الا من مطلق التصرف في المال لانه عقد على مال فلا يصح الا من جائز التصرف كالبيع: قال الشافعي رحمه الله: ويصح السلم من الاعمى.
قال المزني رحمه الله أعلم من نطقه أنه أراد الاعمى الذى عرف الصفات قبل أن يعمى.
قال أبو العباس هذا الذى قاله المزني حسن، فأما الاكمه الذى لا يعرف الصفات فلا يصح سلمه لانه يعقد على مجهول وبيع المجهول لا يصح، وقال أبو إسحاق يصح السلم من الاعمى وإن كان أكمه لانه يعرف الصفات بالسماع (الشرح) قال الشافعي رحمه الله في باب السلف والمراد به السلم: قال الله تعالى " يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل " إلى قوله " وليتق الله ربه " قال الشافعي: فلما أمر
الله عزوجل بالكتاب ثم رخص في الاشهاد إن كانوا على سفر ولم يجدوا كاتبا، احتمل أن يكون فرضا وأن يكون دلالة، فلما قال الله جل ثناؤه: فرهان مقبوضة والرهن غير الكتاب والشهادة، ثم قال " فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذى اؤتمن أمانته وليتق الله ربه " دل كتاب الله عزوجل على أن أمره بالكتاب ثم الشهود ثم الرهن إرشادا لا فرضا عليهم، لان قوله " فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذى اؤتمن أمانته " إباحة لان يأمن بعضهم بعضا، فيدع الكتاب والشهود والرهن، قال: وأحب الكتاب والشهود لانه إرشاد من الله ونظر للبائع والمشترى، وذلك أنهما ان كانا أمينين فقد يموتان أو أحدهما، فلا يعرف حق البائع على المشترى فيتلف على البائع أو ورثته حقه، وتكون التباعة على المشترى

(13/93)


في أمر لم يرده، وقد يتغير عقل المشترى فيكون هذا والبائع، وقد يغلط المشترى فلا يقر فيدخل في الظلم من حيث لا يعلم ويصيب ذلك البائع فيدعى ما ليس له فيكون الكتاب والشهادة قاطعا هذا عنهما وعن ورثتهما، ولم يكن يدخله ما وصفت انبغى لاهل دين الله اختيار ما ندبهم الله إليه ارشادا، ومن تركه فقد ترك حزما وأمرا لم أحب تركه من غير أن أزعم أنه محرم عليه بما وصفت من الآية بعده.
قال الشافعي: قال الله عزوجل " ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله " يحتمل أن يكون حتما على من دعى للكتاب، فإن تركه تارك كان عاصيا، ويحتمل أن يكون كما وصفنا في كتاب جماع العلم: على من حضر من الكتاب أن لا يعطلوا كتاب حق بين رجلين، فإذا قام به واحد أجزأ عنهم، كما حق عليهم أن يصلوا على الجنائز ويدفنوها فإذا قام بها من يكفيها أخرج ذلك من تخلف عنها من الماثم ولو ترك كل من حضر من الكتاب خفت أن يأثموا، بل كأنى لا أراهم يخرجون
من المأثم، وأيهم قام به أجزأ عنهم وهذا أشبه معانيه به والله تعالى أعلم.
أما حديث ابن عباس فقد قال الشافعي: أخبرنا سفيان عن أيوب عن قتادة عن أبى حسان الاعرج عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: أشهد إلى آخر ما أورده المصنف هكذا موقوفا على ابن عباس ورواه سعيد بن منصور أيضا هكذا أما لغات الفصل: فان السلم بفتحتين هو الاستسلام، وسلم إليه الشئ بتشديد اللام تسليما فتسلمه أي أخذه.
والتسليم بذل الرضا بالحكم.
والتسليم أيضا السلام وأسلم في الطعام أسلف فيه، والتسالم التصالح، ولمادة السين واللام والميم معانيها الكثيرة من السلامة والسلامى والسلم واستلام الحجر ما مكانه معاجم اللغة.
وقال الماوردى: السلم لغة أهل الحجاز، والسلف لغة أهل العراق، والاكمه هو الذى يولد أعمى.
وفى الاصطلاح الفقهى: السلم أن يسلم عوضا حاضرا في عوض موصوف في الذمة إلى أجل، ويسمى سلما وسلفا وهذا السلف يهمز ويجرد فيقال: أسلف وسلف، وهو نوع من البيع ينعقد بما ينعقد به البيع، ويعتبر فيه من الشروط ما يعتبر في البيع، وهو جائز بالكتاب والسنة والاجماع.

(13/94)


أما الكتاب فقد ذكرناه والمصنف من آية الدين ولفظها يصلح للسلم ويشمله بعمومه.
وأما السنة فقد روى الشيخان عن ابن عباس رضى الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: من اسلف في شئ فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم، إلى أجل معلوم ".
وروى البخاري عن محمد بن أبى المجالد قال " أرسلني أبو بردة وعبد الله بن شداد إلى عبد الرحمن بن أبزى وعبد الله بن أبى أوفى فسألتهما عن السلف ؟ فقالا كنا نصيب المغانم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يأتينا أنباط من أنباط
الشام فنسلفهم في الحنطة والشعير والزبيب، فقلت: أكان لهم ؟ أم لم يكن لهم زرع ؟ قال: ما كنا نسألهم عن ذلك ".
وفى رواية عند الترمذي والنسائي وابن ماجه " كنا نسلف على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وعمر في الحنطة والشعير والزيت والتمر وما نراه عندهم " عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أسلم في شئ فلا يصرفه إلى غيره " رواه أبو داود وابن ماجه.
وعن ابن عمر رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أسلم شيئا فلا يشرط على صاحبه غير قضائه " وفى لفظ " من أسلف في شئ فلا يأخذ إلا ما أسلف فيه أو رأس ماله " رواهما الدارقطني، وفى إسناده عطية العوفى، قال ابن المنذر: لا يحتج بحديثه وهو وارد في عموم السلم متابع لهذا العموم.
وأما الاجماع فقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم جائز، قلت: وخالف سعيد بن المسيب في جوازه.
وقد اتفق الائمة - ما عدا ابن المسيب - على أن السلم يصح بستة شروط أن يكون في جنس معلوم، بصفة معلومة وبقدر معلوم وبأجل معلوم، ومعرفة مقدار رأس المال، وتسمية مكان التسليم إذا كان لحمله مؤونة لكن أبا حنيفة يسمى هذا التابع شرطا وباقى الائمة يسمونه لازما.
قوله: لا يصح إلا من جائز التصرف كالبيع، أي أنه لا يصح إسلام الكافر

(13/95)


في الرقيق المسلم كما سبق في سرح المجموع للنووي ورد النووي على الماوردى في تصحيحه له وتبعه السبكى، ومثل الرقيق المسلم المرتد كما مر في البيوع ومثل ذلك كل ما يمتنع تملك الكافر له كالمصحف وكتب العلم والسلم في السلاح من الحربى.
أما صحة السلم من الاعمى الذى يعرف الصفات إذا كان عماه مسبوقا بإبصار أو كان أكمه يعرف الصفات بكثرة السماع فإنه إذا كان الامر كذلك، فان بيان ذلك ما يأتي: إذا عرفنا أن التنازع والاختلاف يحتمل أن يقع بين المتبايعين مع توفر صحة الابصار فلان يقع في السلم أولى، ولان يقع التنازع مع فقدان البصر أيسر، وأيسر منه وقوعه مع الاكمه.
ولذلك استشكل بعض فقهاء الشافعية صحة السلم من الاعمى واتفقوا على أنه إذا صح سلمه فانه لا يصح قبضه بل قد يتعين توكيله، ويرد اشكال آخر وهو اشتراط معرفة المتعاقدين الصفات، ويمنع هذا الاشكال بأن المراد بمعرفتها تصورها ولو بوجه من وجوه التصور، والاعمى يتصورها كذلك، وينبغى لاشتراط صحة العقد وجوه عدلين بمحل التسليم أو أكثر، ويكتب العقد بلغة يفهمها العاقدان وعدلان ثم يقع الختم به بعد كل ذلك، ليكون مناطا عند التنازع وليست الكتابة واجبة في قول الشافعي، وانما هي اذعان مباح لقوله تعالى " فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل " وقوله تعالى " وأشهدوا إذا تبايعتم ".
ونعود إلى آية الدين فنقول عما تناولته من أحكام مستندين إلى تفصيل السنة لما أجملته فنقول: في هذه الآية اثنتان وأربعون مسألة.
الاولى: قال سعيد بن المسيب.
بلغني أن أحدث القرآن بالعرش آية الدين.
وقال ابن عباس.
هذه الآية نزلت في السلم خاصة.
قال القرطبى.
معناه أن سلم أهل المدينة كان سبب الاية، وقد استدل بها بعض علمائنا على جواز التأجيل في القروض على ما قال مالك إذا لم يفصل بين القرض وسائر العقود في المداينات، وخالف في ذلك الشافعية.
وقالوا: الاية ليس فيها جواز التأجيل في سائر الديون وانما فيها الامر بالاشهاد إذا كان دينا مؤجلا، ثم يعلم جواز التأجيل في الدين
وامتناعه بدلالة أخرى.

(13/96)


(الثانية) قوله تعالى " بدين " للتأكيد، وحقيقة الدين عبارة عن معاملة كان أحد العوضين فيها نقدا والآخر في الذمة نسيئة.
وقد بين الله هذا المعنى بقوله " إلى أجل مسمى " (الثالثة) قوله تعالى " إلى أجل مسمى " قال ابن المنذر: دل قوله تعالى على أن السلم إلى الاجل المجهول غير جائز (الرابعة) حد العلماء السلم فقالوا هو بيع معلوم في الذمة محصور بالصفة بعين حاضرة أو ما هو في حكمها إلى أجل معلوم (الخامسة) السلم والسلف عبارتان عن معنى واحد، والسلم بيع من البيوع الجائزة مستثنى من نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عندك، فإن صاحب رأس المال محتاج إلى أن يشترى الثمرة وصاحب الثمرة محتاج إلى ثمنها قبل إبانها لينفقه عليها، فظهر أن بيع السلم من المصالح الحاجية، وقد سماه الفقهاء بيع المحاويج، فإن جاز حالا بطلت هذه الحكمة وارتفعت هذه المصلحة، ولم يكن لاستثناء ما ليس عندك فائدة.
(السادسة) شروط السلم المنفق عليها والمختلف فيها وهى تسعة، ستة في المسلم فيه وثلاثة في رأس مال السلم.
أما الستة التى في المسلم فيه، فأن يكون في الذمة، وأن يكون موصوفا، وأن يكون مقدرا، وأن يكون مؤجلا، وأن يكون الاجل معلوما، وأن يكون موجودا عند محل الاجل وأما الثلاثة التى في رأس مال السلم فأن يكون معلوم الجنس مقدرا نقدا.
وهذه الشروط الثلاثة متفق عليها إلا النقد فخالف فيه المالكية قال ابن العربي في أحكام القرآن: وأما الشرط الاول وهو أن يكون في الذمة
فلا إشكال في أن المقصود منه كونه في الذمة لانه مداينة.
ولولا ذلك لم يشرع فينا ولا قصد الناس إليه ربحا ورفقا، وعلى ذلك اتفق الناس.
بيد ان مالكا قال لا يجوز السلم في العين إلا بشرطين (أحدهما) أن يكون قرية مأمونة (والثانى) أن يشرع في أخذه كاللبن من الشاة والرطب من النخلة، ولم يقل ذلك أحد سواه وهاتان المسئلتان صحيحتان في الدليل لان التعيين امتنع في السلم مخافة المزابنة والغرر لئلا يتعذر عند المحل

(13/97)


(السابعة) ليس من شرط السلم أن يكون المسلم إليه مالكا للمسلم فيه لما رواه البخاري عن محمد بن المجالد قال: بعثنى عبد الله بن شداد وأبو بردة إلى عبد الله ابن أبى أوفى - إلى قوله (قلت) إلى من كان أصله عنده ؟ قال: ما كنا نسألهم عن ذلك.
ثم بعثاني إلى عبد الرحمن بن أبزى فسألته فقال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يسلفون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم نسالهم ألهم حرث أم لا ؟ وشرط أبو حنيفة وجود المسلم فيه من حين العقد إلى حين الاجل، مخافة أن يطلب المسلم فيه فلا يوجد فيكون ذلك غررا، وخالفه سائر الفقهاء، وقالوا المراعى وجوده عند الاجل وشرط الكوفيون والثوري أن يذكر موضع القبض فيما له حمل ومؤنة، وقالوا السلم فاسد إذا لم يذكر موضع القبض.
وقال الاوزاعي هو مكروه.
وعند المالكية لو سكتوا عنه لم يفسد العقد، ويتعين موضع القبض، وبه قال أحمد وإسحاق وطائفة من أهل الحديث لحديث ابن عباس وليس فيه ذكر المكان الذى يقبض فيه السلم، ولو كان من شروطه لبينه النبي صلى الله عليه وسلم كما بين الكيل والوزن والاجل، ومثله حديث ابن أبى أوفى (الثامنة) حديث أبى سعيد مرفوعا " من أسلف في شئ فلا يصرفه إلى غيره "
وفيه عطية العوفى.
وقد أخذ به مالك، مستدلا بأنه إذا أخذ غير الثمن الذى دفع إليه أو صرفه في سلعة غير الطعام الذى ابتاع منه فهو بيع طعام قبل أن يستوفى، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك (التاسعة) قوله تعالى " فاكتبوه " يعنى الدين والاجل، وقد أمرنا بالكتابة لئلا ننسى.
روى أبو داود الطيالسي في مسنده عن حماد بن سلمة عن على بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله عزوجل " إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه " إلى آخر الآية " إن أول من جحد آدم، ان الله أراه ذريته، فرأى رجلا أزهر ساطعا نوره، فقال يا رب من هذا.
قال هذا ابنك داود.
قال يا رب فما عمره، قال ستون سنة قال يا رب زد في عمره.
قال لا إلا أن تزيده من عمرك، قال وما عمرى.
قال

(13/98)


ألف سنة، قال آدم فقد وهبت له أربعين سنة.
قال فكتب الله عليه كتابا وأشهد عليه ملائكته، فلما حضرته الوفاة جاءته الملائكة.
قال انه بقى من عمرى أربعون سنة.
قالوا انك قد وهبتها لابنك داود.
قال ما وهبت لاحد شيئا.
قال فأخرج الله تعالى الكتاب وشهد عليه ملائكته، في رواية، وأتم لداود مائة سنة ولآدم عمره ألف سنة، خرجه أيضا الترمذي وفى قوله تعالى " فاكتبوه " إشارة ظاهرة إلى أنه يكتبه بجميع صفته المبينة له المغربة عنه للاختلاف المتوهم بين المتعاملين، المعرفة للحاكم ما يحكم به عند ارتفاعهما إليه (العاشرة) هل الكتابة في الديون واجبة، اختيار الطبري وجوبها.
وقال ابن جريج " من ادان فليكتب، ومن باع فليشهد " وقال الشعبى كانوا يرون أن قوله " فإن أمن " ناسخ لامره بالكتب.
وحكى نحوه ابن جريج، وذهب الربيع
إلى أن ذلك واجب بهذه الالفاظ، ثم خففه الله تعالى بقوله (فإن أمن بعضكم بعضا).
وقال الجمهور الامر بالكتابة ندب إلى حفظ الاموال، وازالة الريب، وإذا كان الغريم تقيا فما يضره الكتاب، وان كان غير ذلك فالكتاب ثقاف له في دينه، وحاجة صاحب الحق.
(الحادية عشرة) قوله " وليكتب بينكم كاتب بالعدل " قال عطاء وغيره واجب على الكاتب أن يكتب.
وقال الشعبى وذلك إذا لم يوجد كاتب سواه، فواجب عليه أن يكتب (الثانية عشرة) قوله تعالى " بالعدل " أي بالحق والمعدلة أي لا يكتب لصاحب الحق أكثر مما قاله ولا أقل، وانما قال بينكم ولم يقل أحدكم، لانه لما كان الذى له الدين يتهم في الكتابة الذى عليه الدين، وكذلك العكس، شرع سبحانه كاتبا غيرهما يكتب بالعدل، لا يكون في قلبه ولا قلمه انحياز لاحدهما (الثالثة عشرة) الباء في قوله تعالى " بالعدل " متعلقة بقوله " وليكتب " وليست متعلقة بكاتب لانه كان يلزم أن يكتب الوثيقة كاتب عدل في نفسه، وقد يكتبها صبى وعبد إذا فقهوا، أما المنتصبون للكتابة - من الكتبة العموميين - فلا يجوز الترخيص لهم بالكتابة إلا إذا كانوا عدولا مرضيين.
قال مالك " لا يكتب الوثائق بين الناس الا عارف بها عدل في نفسه مأمون، لقوله تعالى " وليكتب بينكم كاتب بالعدل "

(13/99)


الرابعة عشرة: قوله تعالى " ولا يأب كاتب أن يكتب " نهى الله الكاتب عن الاباء، فقال الربيع واجب على الكاتب إذا أمر أن يكتب، وقال الحسن: ذلك واجب عليه في الموضع الذى لا يقدر عليه كاتب غيره فيضر صاحب الدين إن امتنع، فإن كان كذلك فهو فريضة، وإن قدر على ذلك غيره فهو سعة إذا قام به غيره، وحكى المهدوى عن الربيع والضحاك أن قوله: ولا يأب منسوخ بقوله
ولا يضار كاتب ولا شهيد " وللقرطبي بحث لطيف في ذلك حيث يقول: هذا - الوجوب - يتمشى على قول من رأى أو ظن أنه قد كان وجب في الاول على من اختاره المتبايعان أن يكتب، وكان لا يجوز له أن يمتنع حتى نسخه قوله تعالى " ولا يضار كاتب ولا شهيد " وهذا بعيد، فانه لم يثبت وجوب ذلك على من أراده المتبايعان كائنا من كان، ولو كانت الكتابة واجبة ما صح الاستئجار بها لان الاجارة على فعل الفروض باطلة، ولم يخلف العلماء في جواز أخذ الاجرة على كتب الوثيقة.
الخامسة عشرة: قوله تعالى " كما علمه الله فليكتب " المعنى كتبا كما علمه الله، أي فليفضل كما أفضل الله عليه.
السادسة عشره: قوله تعالى " وليملل الذى عليه الحق " وهو المديون المطلوب يقر على نفسه بلسانه، والاملاء والاملال لغتان أمل وأملى، فأمل لغة الحجاز وبنى أسد، أما تميم فتقول: أمليت، وجاء القرآن باللغتين " فهى تملى عليه بكرة وأصيلا " وأمره تعالى بالتقوى فيما يمل، ونهاه عن أن يبخس شيئا من الحق، والبخس النقص.
السابعة عشرة: قوله " فان كان الذى عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل فالذي عليه الحق إما مستقل بنفسه فهذا يمل، وإما سفيه مهلهل الرأى في المال لا يحسن الاخذ لنفسه ولا الاعطاء مأخوذ من الثوب السفيه وهو الخفيف النسج الثامنة عشرة: والضعيف قد مر في بابى البيوع والربا مزيد إيضاح له في سوق حديث أبى داود والترمذي عن أنس أن رجلا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان يبتاع وفى عقله ضعف، فأتى أهله نبى الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا نبى الله

(13/100)


احجر على فلان فانه يبتاع وفى عقله ضعف فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فنهاه عن
البيع، فقال: يا رسول الله انى لا أصبر عن البيع ساعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ان كنت غير تارك فقل: ها وها ولا خلابة " وهذا الرجل هو حبان بن منقذ الانصاري والد يحيى وواسع ابني حبان وذكره البخاري في التاريخ.
التاسعة عشرة: والذى لا يستطيع أن يمل كالاخرس والعيى، والابله وما أشبه ذلك واختلاف العلماء فيمن يخدع في البيوع وعمدتهم في ذلك الروايات المستفيضة لقصة حبان بن منقذ.
واختصاصه بالخيار ثلاثا كما أورد ذلك النووي في الجزء الثامن من المجموع الموفية عشرين: قوله تعالى " فليملل وليه بالعدل " ذهب الطبري إلى أن الضمير في " وليه " عائد على الحق، وأسند في ذلك عن الربيع وعن ابن عباس وقيل هو عائد على الذى عليه الحق وهو الصحيح، وكيف تشهد البينة على شئ وتدخل مالا في ذمة السفيه باملاء الذى له الدين، الا أن يمل صاحب الحق ويسمع الذى عجز عن الاملاء إذا لم يعجر عن الاعتراف إذا تحيف صاحب الحق الحادية والعشرون: قوله " فليملل الذى عليه الحق " يدل على أنه مؤتمن فيما يورده ويصدره، وسيأتى في الرهن قبول قول الراهن مع يمينه إذا اختلف هو والمرتهن في مقدار الدين والرهن قائم ان شاء الله تعالى.
الثانية والعشرون: إذا ثبتت صفة الولى كان اقراره جائز على يتيمه كما سيأتي في الرهن والفرائض ان شاء الله تعالى.
الثالثة والعشرون: فساد تصرف الصبى والمحجور عليه وفسخه كما سيأتي في الحجر ان شاء الله تعالى.
الرابعة والعشرون: قوله تعالى " واستشهدوا شهيدين من رجالكم " اختلف الناس هل هي فرض أو ندب، والصحيح أنها ندب.
قال الشافعي في باب السلم وأحب الشهادة في كل حق لزم من بيع وغيره نظرا
في المتعقب لما وصفت وغيره من تغير العقول.
الخامسة والعشرون: قوله تعالى " شهيدين " كل ما يترتب على الشهادة من الحقوق المالية والبدنية والحدود جعل لها شهيدين ما عدا الزنا.

(13/101)


السادسة والعشرون: قوله تعالى " من رجالكم " نص في رفض الكفار والصبيان والنساء والعبيد، واختار القاضى أبو إسحاق المروزى أن المراد به الاحرار لنقص الرق وأجاز الشعبى والنخعي في الشئ اليسير وقوله " من رجالكم " يعنى الذين يتداينون ولهم إرادة كاملة في التصرف، ولا يتفق هذا مع الرقيق وفى الشهادة بحث سيأتي.
السابعة والعشرون: قوله تعالى " فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان " وفى شهادة المرأه فيما لا يحسن الشهادة فيه غيرها بحث سيأتي إن شاء الله تعالى.
الثامنة والعشرون.
جواز شهادة الصبى عند بعض الفقهاء لشهادة الصبيان في الجراح، وهو قول مالك فيما إذا لم يختلفوا ولم يفترقوا في شهادتهم على الكبير أما شهادتهم فيما بينهم فقد قضى بها عبد الله بن الزبير، ومنع الشافعي شهادة الصبيان وكذلك أبو حنيفة وأصحابه وسيأتى مزيد إن شاء الله تعالى.
التاسعة والعشرون.
عند الشافعي ومالك لما جعل الله سبحانه شهادة امرأتين بشهادة رجل وجب أن يكون حكمهما حكمه وسيأتى حكم اليمين في الشهادة واختلاف الفقهاء في ذلك.
الموفية ثلاثين.
شهادة النساء محصورة في المال المحض من غير خلاف.
لان حقوق الاموال أحفظ من حقوق الابدان، ولا تقبل شهادتهن في النكاح والطلاق المحضين على تفصيل سيأتي.
الحادية والثلاثون.
قوله تعالى " ممن ترضون من الشهداء " هذه الآية وان
كان الخطاب فيها لجميع الناس ولكن المتلبس بحكمها هم ولاة الامور.
الثانية والثلاثون.
يدل أيضا قوله تعالى " ممن ترضون من الشهداء " على أن في الشهود من لا يرضى، على تفصيل سيأتي.
الثالثة والثلاثون.
الشهادة ولاية عظيمة ومرتبة شريفة هي قبول قول الغير على الغير، ولذا شرط فيها الله تعالى الرضا والعدالة، لانه يحكم بشغل ذمة المطلوب بشهادته.
الرابعة والثلاثون: " أن تضل إحداهما " والضلال عن الشهادة نسيان جزء منها وذكر جزء، ومن نسى الشهادة جملة فليس يقال.
ضالا.

(13/102)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية