صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : المجموع
مصدر الكتاب : الإنترنت
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

يلزمه أن يشترى جزءا من حيوان مثله ويشارك في ذبحه * وان كان نذرا مطلقا ففيه ثلاثة أوجه (أحدها) أنه لا يجوز أن يأكل منه لانه اراقة دم واجب فلا يجوز أن يأكل منه كدم الطيب واللباس (والثاني) يجوز لان مطلق النذر يحمل على ما تقرر في الشرع والهدي والاضحية المعهودة في الشرع يجوز الاكل منها فحمل النذر عليه (والثالث) انه ان كان أضحية جاز أن يأكل منها لان الاضحية المعهودة في الشرع يجوز الاكل منها وان كان هديا لم يجز أن يأكل منه لان أكثر الهدايا في الشرع لا يجوز الاكل منها فحمل النذر عليها) *
(الشرح) حديث جابر رواه مسلم في صحيحه بحروفه والبضعة - بفتح الباء لا غير - وهي القطعة من اللحم (وقوله) ما غبر أي ما بقى (وقوله) واشركه في هديه أي في ثوابه وانما أخذ بضعة من كل بدنة وشرب من مرقها ليكون قد تناول من كل واحدة شيئا (وقوله) لانه ذبيحة يجوز أن يأكل منها احتراز من جزاء الصيد والمنذورة (أما) الاحكام فللاضحية والهدي حالان (أحدهما) أن يكون تطوعا فيستحب الاكل منهما ولا يجب بل يجوز التصدق بالجميع هذا هو المذهب وبه قطع جماهير الاصحاب وهو مذهب عامة العلماء * وحكى الماوردى عن أبي الطيب بن سلمة وجها أنه لا يجوز التصدق بالجميع بل يجب أكل شئ لظاهر قوله تعالى (فكلوا منها وأطعموا) والصحيح الاول * قال أصحابنا والافضل ان يتصدق بادنى جزء كفاه بلا خلاف لان اسم الاطعام والتصدق يقع عليه *

(8/414)


وفي القدر الذي يستحب أن لا ينقص التصدق عنه قولان (القديم) يأكل النصف ويتصدق بالنصف (والاصح) الجديد قال الرافعي واختلفوا في التعبير عن الجديد فنقل جماعة عنه أنه ياكل الثلث ويتصدق بالثلثين ونقل المصنف وآخرون عنه أنه يأكل الثلث ويتصدق بالثلث على المساكين ويهدى الثلث إلى الاغنياء أو غيرهم وممن حكى هذا الشيخ أبو حامد ثم قال أبو حامد ولو تصدق بالثلثين كان أفضل * قال الرافعي ويشبه أن لا يكون اختلاف في الحقيقة بل من اقتصر على التصدق بالثلثين ذكر الافضل أو توسع فعد الهدية صدقة قال والمفهوم من كتاب الاصحاب أن الهدية لا تغني عن التصدق بشئ إذا أوجبناه وانما لا تستحب من القدر الذي يستحب التصدق به * واتفق أصحابنا على أنه يجوز أن يصرف القدر الذي لا بد من التصدق به إلى مسكين واحد بخلاف سهم الصنف الواحد من الزكاة فانه لا يجوز صرفه إلى أقل من ثلاثة * والفرق أنه يجوز هنا الاقتصار على جزء يسير بحيث لا يمكن صرفه إلى اكثر من واحد * قال أصحابنا وليس له ان يتلف من لحم المتطوع بها شيئا بل يأكل ويطعم ولايجوز تمليك الاغنياء منها شيئا وانما يجوز اطعامهم والهدية إليهم ويجوز تمليك الفقراء منها ليتصرفوا فيه بالبيع وغيره فلو اصلح الطعام ودعا إليه الفقراء قال امام الحرمين الذي ينقدح عندي أنا إذا أوجبنا التصدق بشئ أنه لابد من التمليك كما في
الكفارة وكذا صرح به الروياني فقال لا يجوز أن يدعو الفقراء ليأكلوه مطبوخا لان حقهم في تملكه قال وان دفع مطبوخا لم يجز بل يفرقه نيئا لان المطبوخ كالخبز في الفطرة والله أعلم * وهل

(8/415)


يشترط التصدق منها بشئ أم يجوز اكلها جميعها فيه وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما (احدهما) يجوز أكل الجميع قاله ابن سريج وابن القاص والاصطخري وابن الوكيل وحكاه ابن القاص عن نص الشافعي قالوا وإذا أكل الجميع ففائدة الاضحية حصول الثواب باراقة لدم بنية القربة (والقول الثاني) وهو قول جمهور أصحابنا المتقدمين وهو الاصح عند جماهير المصنفين منهم المصنف في التنبيه يجب التصدق بشئ يطلق عليه الاسم لان المقصود ارفاق المساكين فعلى هذا ان أكل الجميع لزمه الضمان وفي قدر الضمان خلاف (المذهب) منه ان يضمن ما ينطلق عليه الاسم (وفي قول) وبعضهم يحكيه وجها أنه يضمن القدر الذي يستحب أن لا ينقص في التصدق عنه وهو النصف أو الثلث فيه القولان السابقان ودليل الجميع في الكتاب * قال المصنف وغيره وهذا الخلاف مبني على القولين فيمن دفع سهم صنف من أصناف الزكاة إلى اثنين مع وجود الثالث * وحكى ابن كج والماوردي والدارمي وجها شاذا أنه يضمن الجميع باكثر الامرين من قيمتها ومثلها لانه عدل عن حكم الاضحية بأكله الجميع فكأنه أتلفها وهذا الوجه حكي عن ابي اسحق المروزي وأبي على ابن ابي هريرة وحكاه الدارمي عن ابن القطان وعلى هذا يذبح البدل في وقت التضحية فان اخره عن ايام التشريق ففي اجزائه وجهان (اصحهما) يجزئه وفي جواز الاكل من البدل وجهان * وهذا الوجه المحكي عن ابن كج والماوردي وما تفرع عليه شاذ ضعيف والمعروف ما سبق من الخلاف * ثم ما ضمنه على

(8/416)


الخلاف السابق لا يتصدق به دراهم بل فيما يلزمه وجهان (أحدهما) صرفه إلى شقص أضحية (والثاني) وهو الاصح يكفى ان يشتري به لحما ويتصدق به هذا هو المشهور * وحكى صاحب البيان وجها ثالثا انه يتصدق به دراهم وادعى انه الاصح المنصوص * وعلى الوجهين الاولين يجوز تأخير الذبح والتفرقة عن أيام التشريق لان الشقص واللحم ليس باضحية ولا يشترط فيه وقتها ولايجوز أن يأكل منه والله
اعلم * (الحال الثاني) ان يكون الهدي أو الاضحية منذورا قال الاصحاب كل هدى وجب ابتداء من غير التزام كدم التمتع والقران وجبرانات الحج لا يجوز الاكل منه بلا خلاف فلو اكل منه غرم ولا يجب اراقة الدم ثانيا وفيما يغرمه اوجه (اصحها) وهو نصه في القديم يغرم قيمة اللحم كما لو اتلفه غيره (والثاني) يلزمه مثل ذلك اللحم فيتصدق به (والثالث) يلزمه شقص من حيوان مثله ويشارك في ذبيحة لان ما اكله بطل حكم اراقة الدم فيه فصار كما لو ذبحه واكل الجميع فانه يلزمه دم آخر (واما) الملتزم بالنذر من الهدايا فان عينه بالنذر عما في ذمته من دم حلق أو تطيب ولباس وغير ذلك لم يجز له الاكل منه كما لو ذبح شاة بهذه النية بغير نذر وكالزكاة * وإن نذر نذر مجازاة كتعليقه التزام الهدي أو الاضحية بشفاء المريض ونحوه لم يجز الاكل منه ايضا كجزاء الصيد * ومقتضى كلام الاصحاب انه لا فرق بين كون الملتزم معينا أو مرسلا في الذمة ثم يذبح عنه فان اطلق الالتزام فلم يعلقه بشئ وقلنا بالمذهب انه يصح نذره ويلزمه الوفاء نظر فان كان الملتزم معينا بان قال لله علي ان اضحي بهذه أو اهدى هذه ففي جواز الاكل منها قولان ووجه أو ثلاثة اوجه (اصحها) لا يجوز الاكل من الهدي ولا الاضحية (والثاني) يجوز (والثالث) يجوز من الاضحية دون الهدي وادلة الثلاثة في الكتاب * ومن هذا القبيل ما إذا قال جعلت هذه الشاة ضحية من غير تقدم التزام (اما) إذا التزم في الذمة ثم عين شاة عما عليه فان لم نجوز الاكل من المعينة ابتداء فههنا أولى والا فقولان أو وجهان (الاصح) لا يجوز * قال الرافعي هكذا فصل حكم الاكل من الملتزم كثيرون من المعتبرين وهو المذهب وأطلق جماعة في جواز الاكل وجهين ولم يفرقوا بين نذر المجازاة وغيره ولا بين

(8/417)


الملتزم المعين والمرسل بالمنع قال أبو إسحق قال المحاملي وغيره وهو المذهب واختار القفال والامام الجواز قال الرافعي ويشبه أن يتوسط فيرجح في المعين الجواز وفي المرسل المنع سواء عين عينه ثم ذبح أو ذبح بلا تعيين لانه عن دين في الذمة فاشبه الجبرانات وبهذا قال الماوردي وهو مقتضى سياق الشيخ أبي على * وحيث منعنا الاكل في المنذورة فأكل فعليه الغرم وفيما يغرمه الاوجه الثلاثة السابقة في الجبرانات * وحيث جوزنا الاكل ففي قدر ما يأكله القولان في أضحية التطوع كذا
قاله البغوي * قال الرافعي ولك ان تقول ذلك الخلاف في قدر المستحب أكله ولا يبعد أن يقال لا يستحب الاكل وأقل ما في تركه الخروج من الخلاف والله أعلم * (فرع) يجوز ان يدخر من لحم الاضحية وكان ادخارها فوق ثلاثة ايام منهيا عنه ثم اذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه وذلك ثابت في الاحاديث الصحيحة المشهورة * قال جمهور اصحابنا كان النهى نهى تحريم وقال أبو علي الطبري يحتمل التنزيه وذكر الاصحاب على التحريم وجهين في أن النهي كان عاما ثم نسخ ام كان مخصوصا بحالة الضيق الواقع تلك السنة فلما زالت انتهى التحريم وجهين على الثاني في انه لو حدث مثل ذلك في زماننا هل يحكم به والصواب المعروف انه لا يحرم الادخار اليوم بحال وإذا اراد الادخار فالمستحب ان يكون من نصيب الاكل لا من نصيب الصدقة والهدية (واما) قول الغزالي في الوجيز يتصدق بالثلث ويأكل الثلث ويدخر الثلث فغلط ظاهر من حيث النقل والمعنى قال الرافعي هذا غلط لا يكاد يوجد في كتاب متقدم ولا متأخر والصواب المعروف ما قدمناه وقد قال الشافعي في المبسوط احب ان لا يتجاوز بالاكل والادخار الثلث وان يهدي الثلث ويتصدق بالثلث هذا نصه بحروفه وقد نقله ايضا القاضي أبو حامد في جامعه ولم يذكر غيره وهذا تصريح بالصواب ورد لقول الغزالي والله أعلم * (فرع) في مذاهب العلماء في الاكل من الضحية والهدية الواجبين * قد ذكرنا أن مذهبنا أنه لا يجوز الاكل منهما سواء كان جبرانا أو منذورا وكذا قال الاوزاعي وداود الظاهري لا يجوز الاكل من

(8/418)


الواجب * وقال أبو حنيفة يجوز الاكل من دم القران والتمتع وبناه على مذهبه في أن دم القران والتمتع دم نسك لاجبران * وكذا قال احمد لا يأكل من شئ من الهدايا الا من دم التمتع والقران ودم التطوع * وقال مالك يأكل من الهدايا كلها الا جزاء الصيد ونسك الاذى والمنذور وهدى التطوع إذا عطب قبل محله * وحكى ابن المنذر عن الحسن البصري أنه لا بأس أن يأكل من جزاء الصيد وغيره والله أعلم * (فرع) الاكل من أضحية التطوع وهديه سنة ليس بواجب * هذا مذهبنا ومذهب مالك
وابي حنيفة والجمهور وأوجبه بعض السلف وهو وجه لنا سبق * وممن استحب ان يأكل ثلثا ويتصدق بثلث ويهدى ثلثا ابن مسعود وعطاء واحمد واسحاق * (فرع) قال ابن المرزبان من اكل بعض الاضحية وتصدق ببعضها هل يثاب على جميعها أم على ما تصدق به فقط فيه وجهان كالوجهين فيمن نوى صوم التطوع ضحوة هل يثاب من اول النهار ام من وقت النية فقط قال الرافعي ينبغي ان يقال له ثواب التضحية بالجميع وثواب التصدق بالبعض وهذا الذي قاله الرافعي هو الصواب الذي تشهد به الاحاديث والقواعد وممن جزم به تصريحا الشيخ الصالح ابراهيم المروروذي والله أعلم * قال المصنف رحمه الله * (ولا يجوز بيع شئ من الهدى والاضحية نذرا كان أو تطوعا لما روي عن على رضى الله عنه قال (امرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ان اقوم على بدنه فاقسم جلالها وجلودها وامرني ان لا اعطي الجازر منها شيئا وقال نحن نعطيه من عندنا) ولو جاز اخذ العوض عنه لجاز ان يعطي الجازر في اجرته ولانه انما اخرج ذلك قربة فلا يجوز ان يرجع إليه الا ما رخص فيه وهو الاكل) * (الشرح) حديث على رضى الله عنه رواه البخاري ومسلم بلفظه وجلالها - بكسر الجيم - جمع جل * واتفقت نصوص الشافعي والاصحاب على انه لا يجوز بيع شئ من الهدي والاضحية نذرا

(8/419)


كان أو تطوعا سواء في ذلك اللحم والشحم والجلد والقرن والصوف وغيره ولا يجوز جعل الجلد وغيره اجرة للجزار بل يتصدق به المضحي والمهدي أو يتخذ منه ما ينتفع بعينه كسقاء أو دلو أو خف وغير ذلك * وحكى امام الحرمين ان صاحب التقريب حكى قولا غريبا انه يجوز بيع الجلد والتصدق بثمنه ويصرف مصرف الاضحية فيجب التشريك فيه كالانتفاع باللحم * والصحيح المشهور الذي تظاهرت عليه نصوص الشافعي وقطع به الجمهور انه لا يجوز هذا البيع كما لا يجوز بيعه لاخذ ثمنه لنفسه وكما لا يجوز بيع اللحم والشحم * قال اصحابنا ولا فرق في بطلان البيع بين بيعه بشئ ينتفع به في البيت وغيره والله أعلم * ويستحب أن يتصدق بجلالها ونعالها التى قلدتها ولا يلزمه ذلك
صرح به البندنيجي وغيره والله أعلم * (فرع) قال أصحابنا لا يكفي التصدق بالجلد إذا قلنا بالمذهب أنه يجب التصدق بشئ من اللحم لان المقصود هو اللحم قالوا والقرن كالجلد * (فرع) ذكرنا أن مذهبنا أنه لا يجوز بيع جلد الاضحية ولاغيره من أجزائها لا بما ينتفع به في البيت ولا بغيره وبه قال عطاء والنخعي ومالك وأحمد واسحاق هكذا حكاه عنهم ابن المنذر ثم حكى عن ابن عمر واحمد واسحق أنه لا بأس أن يبيع جلد هديه ويتصدق بثمنه * قال ورخص في بيعه أبو ثور وقال النخعي والاوزاعي لا بأس أن يشتري به الغربال والمنخل والفأس والميزان ونحوها قال وكان الحسن وعبد الله بن عمير لا يريان بأسا أن يعطى الجزار جلدها وهذا غلط منابذ للسنة * وحكى أصحابنا عن أبي حنيفة أنه يجوز بيع الاضحية قبل ذبحها وبيع ما شاء منها بعد ذبحها ويتصدق بثمنه قالوا وان باع جلدها بآلة البيت جاز الانتفاع بها * دليلنا حديث علي رضى الله عنه والله أعلم * * قال المصنف رحمه الله * (ويجوز أن ينتفع بجلدها فيصنع منه النعال والخفاف والفراء لما روت عائشة رضى الله عنها قالت (دف ناس من أهل البادية حضرة الاضحى في زمان رسول الله صلى الله

(8/420)


عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ادخروا الثلث وتصدقوا بما بقى فلما كان بعد ذلك قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله لقد كان الناس ينتفعون من ضحاياهم ويجملون منها الودك ويتخذون منها الاسقية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ذاك قالوا يا رسول الله نهيت عن امساك لحوم الاضاحي بعد ثلاث فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انما نهيتكم من أجل الدافة فكلوا وتصدقوا وادخروا) فدل على أنه يجوز اتخاذ الاسقية منها) * (الشرح) حديث عائشة رواه مسلم بحروفه والفراء معروفة وهي بالمد جمع فرو ويقال فروة بالهاء لغتان الفصيح بلا هاء (قوله) دف بالفاء أي جاء قال أهل اللغة الدافة قوم يسيرون جماعة سيرا ليس بالشديد يقال هم يدفون دفيفا (والبادية) والبدو بمعنى وهو ماخوذ من البدو وهو الظهور (قولها)
حضرة هو - بنصب التاء - أي في وقت حضور الاضحى ويجوز فتح الحاء وكسرها وضمها ثلاث لغات ويجوز حضر - بفتح الحاء وحذف الهاء - (قوله) ويجملون الودك هو بالجيم ويجوز فتح الياء وضمها والفتح أفصح - قال أهل اللغة يقال جملت اللحم أجمله بضم الميم جملا واجملته واجتملته إذا أذبته والاول أفصح وأشهر (اما) حكم المسألة قال الشافعي والاصحاب يجوز ان ينتفع بجلد الاضحية بجميع وجوه الانتفاع بعينه فيتخذ منه خفا أو نعلا أو دلوا أو فروا اوسقاء أو غربالا أو نحو ذلك وله ان يعيره وليس له أن يؤجره (واعلم) ان هذا الذي ذكرناه من جواز الانتفاع بالجلد هو في جلد اضحية يجوز الاكل من لحمها وهي الاضحية والهدي المتطوع بهما وكذا الواجب إذا جوزنا الاكل منه وإذا لم نجوزه وجب التصدق به كاللحم ومن نبه عليه الشيخ أبو حامد في تعليقه وصاحب البيان وغيرهما * (فرع) قال الشيخ أبو حامد والبندنيجي والاصحاب إذا أعطى المضحي الجازر شيئا من لحم الاضحية أو جلدها فان أعطاه لجزارته لم يجز وان أعطاه أجرته ثم أعطاه اللحم لكونه فقيرا جاز كما يدفع إلى غيره من الفقراء والله أعلم * قال المصنف رحمه الله *

(8/421)


(ويجوز أن يشترك السبعة في بدنة وفي بقرة لما روى جابر رضى الله عنه قال (نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة) فان اشترك جماعة في بدنة أو بقرة وبعضهم يريد اللحم وبعضهم يريد القربة جاز لان كل سبع منها قائم مقام شاة * فان أرادوا القسمة وقلنا ان القسمة افراز النصيبين قسم بينهم وان قلنا ان القسمة بيع لم تجز القسمة فيملك من أراد القسمة نصيبه لثلاثة من الفقراء فيصيرون شركاء لمن يريد اللحم ثم ان شاؤا باعوا نصيبهم ممن يريد اللحم وان شاءوا باعوا من أجنبي وقسموا الثمن * وقال أبو العباس بن القاص تجوز القسمة قولا واحدا لانه موضع ضرورة لان بيعه لا يمكن وهذا خطأ لانا بينا أنه يمكن البيع فلا ضرورة لهم إلى القسمة) * (الشرح) حديث جابر رضى الله عنه رواه مسلم في صحيحه وقد سبق بيانه في أول هذا الباب
وذكرنا هناك أن البدنة تجزئ عن سبعة وكذلك البقرة سواء كانوا مضحين أو بعضهم مضحيا وبعضهم يريد اللحم وسواء كانوا أهل بيت أو ابيات وسواء كانت أضحية تطوع أو منذورة وذكرنا هناك مذاهب العلماء والدليل عليهم * قال أصحابنا وإذا اشترك جماعة في بدنة أو بقرة وأرادوا القسمة فطريقان (أحدهما) القطع بجواز القسمة للضرورة وهذا قول ابن القاص صاحب التلخيص (والثاني) وهو المذهب وبه قال جماهير الاصحاب أنه يبني على أن القسمة بيع أو فرز النصيبين وفيها قولان مشهوران (الاصح) في قسمة الاجزاء كاللحم وغيره أنها فرز النصيبين (والثاني) انها بيع (فان قلنا) افراز جازت (وان قلنا) بيع فبيع اللحم الرطب بمثله لا يجوز فالطريق أن يدفع المتقربون نصيبهم إلى الفقراء مشاعا ثم يشتريها منهم من اراد اللحم ولهم بيع نصيبهم بعد قبضه سواء باعوه للشريك المريد اللحم أو لغيره أو يبيع مريد اللحم نصيبه للفقراء بدراهم أو غيرها وان شاؤا جعلوا اللحم اجزاء باسم كل واحد جزء فإذا كانوا سبعة قسم سبعة اجزاء فيأخذ كل واحد جزءا إلى يده ثم يشتري كل واحد من كل واحد من اصحابه سبع ذلك الجزء الذي في يده بدرهم مثلا ويبيع

(8/422)


لكل واحد من اصحابه سبع الذي في يده بدرهم ثم يتقاصون في الدرهم والله أعلم * قال المصنف رحمه الله * (إذا نذر أضحية بعينها فالحكم فيها كالحكم في الهدي المنذور في ركوبها وولدها ولبنها وجز صوفها وتلفها واتلافها وذبحها ونقصانها بالعيب وقد بينا ذلك في باب الهدي فأغنى عن الاعادة وبالله التوفيق) * (الشرح) هذا كما قاله والله أعلم * (فرع) في مسائل تتعلق بالباب (احداها) في تعيين الاضحية وغيرها وقد جمعها الرافعي ملخصة فأحسن جمعها فقال قد قدمنا أن النية شرط في التضحية وان الشاة إذا جعلها ضحية هل يكفيه ذلك عن تجديد النية عند الذبح فيه وجهان (الاصح) لا يكفيه فان قلنا يكفيه استحب التجديد * ومتى كان في ملكه بدنة أو شاة فقال جعلت هذه ضحية أو هذه ضحية أو علي أن
أضحي بها صارت ضحية معينة وكذا لو قال جعلت هذه هديا أو هذا هدى أو علي أن أهدى هذا صار هديا وشرط بعض الاصحاب أن يقول مع ذلك لله تعالى والمذهب أنه ليس بشرط * وقد صرح الاصحاب بزوال الملك عن الهدي والاضحية المعينين كما سيأتي تفريعه ان شاء الله تعالى * وكذا لو نذر أن يتصدق بمال بعينه زال ملكه عنه بخلاف ما لو نذر اعتاق عبد بعينه لا يزول ملكه عنه ما لم يعتقه لان الملك في الهدي والاضحية والمال المعين ينتقل إلى المساكين وفي العبد لا ينتقل الملك إليه بل ينفك عن الملك بالكلية (أما) إذا نوى جعل هذه الشاة هديا أو أضحية ولم يتلفظ بشئ فقولان (الصحيح) الجديد أنها لا تصير ضحية (وقال) في القديم تصير واختاره ابن سريج والاصطخري * وعلى هذا فيما يصير به هديا وضحية أوجه (احدها) بمجرد النية كما يدخل في الصوم بالنية وبهذا قال ابن سريج (والثاني) بالنية والتقليد أو الاشعار لتنضم الدلالة الظاهرة إلى النية قاله الاصطخري (والثالث) بالنية والذبح لانه المقصود كالقبض بالنية (والرابع) بالنية والسوق إلى

(8/423)


المذبح * ولو لزمه هدى أو ضحية بالنذر فقال عينت هذه الشاة عن نذري أو جعلتها عن نذري أو قال لله علي أن أضحى بها عما في ذمتي ففي تعينها وجهان (أصحهما) التعين وبه قطع الاكثرون * وحكى إمام الحرمين هذا الخلاف في صور رتب بعضها على بعض فلنوردها بزوائد * فلو قال ابتداء على التضحية بهذه الشاة لزمه التضحية قطعا وتتعين تلك الشاة على الصحيح * ولو قال على أن أعتق هذا العبد لزمه العتق وفي تعين هذا العبد وجهان مرتبان على الخلاف في مثل هذه الصورة من الاضحية والعبد أولى بالتعين لانه ذو حق في العتق بخلاف الاضحية * ولو كان نذر اعتاق عبد ثم عين عبدا عما التزمه فالخلاف مرتب على الخلاف في مثله في الاضحية * ولو قال جعلت هذا العبد عتيقا لم يخف حكمه * ولو قال جعلت هذا المال أو هذه الدراهم صدقة تعينت على الاصح كشاة الاضحية (وعلى الثاني) لا إذ لا فائدة في تعيين الدراهم لتساويها بخلاف الشاة * ولو قال عينت هده الدراهم عما في ذمتي من زكاة أو نذر لغي التعيين باتفاق الاصحاب كذا نقله امام الحرمين لان التعيين في الدراهم ضعيف وتعين ما في الذمة ضعيف فيجتمع سببا ضعف قال وقد يفاد من
تعيين الدراهم لديون الادميين قال ولا تخلوا الصورة من احتمال والله أعلم * (المسألة الثانية) في جواز الصرف من الاضحية إلى المكاتب وجهان حكاهما الدارمي والرافعي (أحدهما) يجوز كالزكاة وهذا هو الصحيح ولايجوز صرف شئ منها إلى عبد الا أن يجعله رسولا به إلى سيده هدية ذكره الدارمي (الثالثة) قال الروياني قال ابو اسحاق من نذر الاضحية في عام فاخر عصى ويلزمه القضاء كمن أخر الصلاة (الرابعة) من ضحى بعدد من الماشية استحب أن يفرقه على أيام الذبح فان كان شاتين ذبح شاة في اليوم الاول وأخرى في آخر الايام وهذا الذي قاله وان كان أرفق بالمساكين فهو ضعيف مخالف للسنة الصحيحة فقد ثبتت الاحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم (نحر مائة بدنة أهداها في يوم واحد وهو يوم النحر فنحر بيده بضعا وستين وأمر عليا رضى الله عنه ينحر تمام المائة) فالسنة التعجيل والمسارعة إلى الخيرات والمبادرة بالصالحات الا ما ثبت خلافه

(8/424)


والله أعلم * (الخامسة) محل التضحية موضع المضحي سواء كان بلده أو موضعه من السفر بخلاف الهدي فانه يختص بالحرم وفي نقل الاضحية وجهان حكاهما الرافعي وغيره تخريجا من نقل الزكاة (السادسة) الافضل أن يضحى في داره بمشهد أهله هكذا قاله أصحابنا * وذكر الماوردي انه يختار للامام أن يضحى للمسلمين كافة من بيت المال ببدنة في المصلى فان لم تتيسر فشاة وانه ينحرها بنفسه وان ضحى من ماله ضحى حيث شاء هذا كلامه * وقد ثبت في صحيح البخاري عن ابن عمر قال (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذبح وينحر بالمصلى) (السابعة) مذهبنا ان الاضحية افضل من صدقة التطوع للاحاديث الصحيحة المشهورة في فضل الاضحية ولانها مختلف في وجوبها بخلاف صدقة التطوع ولان التضحية شعار ظاهر وممن قال بهذا من السلف ربيعة شيخ مالك وابو الوقاد وابو حنيفة * وقال بلال والشعبي ومالك وابو ثور الصدقة افضل من الاضحية حكاه عنهم ابن المنذر (الثامنة) مذهبنا انه لا يجوز لولى اليتيم والسفيه ان يضحى عن الصبي والسفيه من مالهما لانه مأمور بالاحتياط لمالهما ممنوع من التبرع به والاضحية تبرع * وقال أبو حنيفة يضحى من مال اليتيم والسفيه * وقال مالك يضحى عنه إن كان له ثلاثون دينارا بشاة بنصف دينار ونحوه *
دليلنا ما سبق * وأنكر ابن المنذر على أبي حنيفة فقال يمنع اخراج الزكاة التي فرضها الله تعالى من مال اليتيم ويأمر باخراج الاضحية التى ليست بفرض والله أعلم (التاسعة) قال ابن المنذر أجمعت الامة على جواز اطعام فقراء المسلمين من الاضحية واختلفوا في اطعام فقراء أهل الذمة فرخص فيه الحسن البصري وأبو حنيفة وأبو ثور * وقال مالك غيرهم أحب الينا وكره مالك أيضا إعطاء النصراني جلد الاضحية أو شيئا من لحمها وكرهه الليث قال فان طبخ لحمها فلا بأس بأكل الذمي مع المسلمين منه هذا كلام ابن المنذر ولم أر لاصحابنا كلاما فيه ومقتضى المذهب أنه يجوز إطعامهم من ضحية التطوع دون الواجبة والله أعلم (العاشرة) إذا اشترى شاة ونواها أضحية ملكها ولا تصير أضحية بمجرد النية بل لا يلزمه ذبحها حتى ينذره بالقول * هذا مذهبنا

(8/425)


وبه قال أحمد وداود * وقال أبو حنيفة ومالك تصير أضحية ويلزمه التضحية بمجرد النية * دليلنا القياس على من اشترى عبدا بنية أن يعتقه فانه لا يعتق بمجرد النية (الحادية عشرة) يستحب التضحية للمسافر كالحاضر هذا مذهبنا وبه قال جماهير العلماء وقال أبو حنيفة لا أضحية على المسافر وروى هذا عن علي رضى الله عنه وعن النخعي * وقال مالك وجماعة لا تشرع للمسافر بمنى ومكة * دليلنا حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم (ضحى عن نسائه بمنى في حجة الوداع) رواه البخاري ومسلم وعن ثوبان قال (ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحيته ثم قال ثوبان أصلح لحم هذه فلم أزل أطعمه منها حتى قدم المدينة) رواه مسلم * (باب العقيقة) * قال المصنف رحمه الله * (العقيقة سنة وهو ما يذبح عن المولود لما روي بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين عليهما السلام ولا يجب ذلك لما روي عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العقيقة فقال لا أحب العقوق ومن ولد له ولد فاحب أن ينسك له فليفعل فعلق على المحبة فدل على أنها لا تجب ولانه إراقة دم من غير جناية ولا نذر فلم يجب كالاضحية
والسنة أن يذبح عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة لما روت أم كرز قالت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العقيقة فقال للغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة ولانه إنما شرع للسرور بالمولود والسرور بالغلام أكثر فكان الذبح عنه أكثر وان ذبح عن كل واحد منهما شاة جاز لما روي عن ابن عباس رضى الله عنه قال عق رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحسن شاة جاز لما روى ابن عباس رضى الله عنه قال (عق رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحسن والحسين عليهما السلام كبشا كبشا) ولا يجزئ فيه ما دون الجذعة من الضأن ودون التثنية

(8/426)


من المعز ولا يجزئ فيه إلا السليم من العيوب لانه اراقة دم بالشرع فاعتبر فيه ما ذكرناه كالاضحية والمستحب أن يسمى الله تعالى ويقول اللهم لك واليك عقيقة فلان لما روت عائشة رضى الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم (عق عن الحسن والحسين وقال قولوا بسم اللهم لك واليك عقيقة فلان) والمستحب أن يفصل أعضاءها ولا يكسر عظمها لما روي عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت (السنة شاتان مكافئتان عن الغلام وعن الجارية شاة تطبخ جدولا ولا يكسر عظم) ويأكل ويطعم ويتصدق وذلك يوم السابع ولانه أول ذبيحة فاستحب أن لا يكسر عظم تفاؤلا بسلامة أعضائه ويستحب أن يطبخ من لحمها طبيخا حلوا تفاؤلا بحلاوة أخلاقه * ويستحب أن يأكل منها ويهدي ويتصدق لحديث عائشة ولانه إراقة دم مستحب فكان حكمها ما ذكرناه كالاضحية * والسنة أن يكون ذلك في اليوم السابع لما روت عائشة رضى الله عنها قالت (عق رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحسن والحسين عليهما السلام يوم السابع وسماهما وأمر أن يماط عن رؤسهما الاذى) فان قدمه على اليوم السابع أو أخره أجزأه لانه فعل ذلك بعد وجود السبب والمستحب أن يحلق شعره بعد الذبح لحديث عائشة ويكره أن يترك على بعض راسه الشعر لما روى ابن عمر رضى الله عنهما قال (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القزع في الرأس) والمستحب أن يلطخ راسه بالزعفران ويكره أن يلطخ بدم العقيقة لما روت عائشة رضى الله عنها
قالت (كانوا في الجاهلية يجعلون قطنة في دم العقيقة ويجعلونها على رأس المولود فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعلوا مكان الدم خلوفا)) * (الشرح) حديث بريدة رواه النسائي باسناد صحيح (وأما) حديث (لا أحب العقوق) فرواه أبو داود والبيهقي من طريقين عن عمرو بن شعيب عن أبيه قال الراوى أراه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه البيهقي ايضا من رواية رجل من بني ضمرة عن أبيه عن النبي صلى

(8/427)


الله عليه وسلم وهذان الاسنادان ضعيفان كما ترى وقال البيهقي إذا ضم هذا إلى الاول قويا (وأما) حديث ام كرز فصحيح رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي هو حديث صحيح هكذا قاله وفي اسناده عبيد الله بن يزبد وقد ضعفه الاكثرون فلعله اعتضد عنده فصححه * وقد صح هذا المتن من رواية عائشة رواه الترمذي وغيره قال الترمذي حديث حسن صحيح (وأما) حديث ابن عباس (ان النبي صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين كبشا كبشا) فرواه أبو داود باسناد صحيح (وأما) حديث عائشة ان النبي صلى الله عليه وسلم (عق عن الحسن والحسين وقال قولوا باسم الله والله اكبر اللهم لك واليك هذه عقيقة فلان) فرواه البيهقي باسناد حسن (وأما) حديثها الاخر في طبخها جدولا فغريب ورواه البيهقي من كلام عطاء بن رباح (وأما) حديثها الاخر (عق عن الحسن والحسين يوم السابع وأمر أن يماط عن رأسهما الاذى) فرواه البيهقي باسناد حسن وهو بعض من الحديث السابق قريبا عن رواية البيهقي باسناد حسن وهو حديث باسم الله والله أكبر إلى آخره (وأما) حديث ابن عمر في النهي عن القزع فرواه البخاري ومسلم في صحيحيهما (وأما) حديث عائشة قالت (كانوا في الجاهلية يجعلون قطنة) إلى آخره فرواه البيهقي باسناد صحيح (وأما) لغات الفصل والفاظه فالعقيقة مشتقة من العق وهو القطع قال الازهري في التهذيب قال ابو عبيد قال الاصمعي وغيره العقيقة أصلها الشعر الذي يكون على راس الولد حين يولد وانما سميت الشاة التي تذبح عنه في ذلك الوقت عقيقة لانه يحلق عنه ذلك الشعر عند الذبح ولهذا قال في الحديث (أميطوا عنه الاذى) ويعني بالاذى ذلك الشعر الذي
يحلق عنه قال وهذا من تسمية الشئ باسم ما كان معه أو من سببه قال ابو عبيد وكذلك كل مولود من البهائم فان الشعر الذي يكون عليه حين يولد يسمى عقيقة وعقة وعقيق قال الازهري وأصل العق الشق وسمي الشعر المذكور عقيقة لانه يحلق ويقطع وقيل للذبيحة عقيقة لانها تذبح أي يشق حلقومها ومريئها وودجاها كما قيل لها ذبيحة من الذبح وهو الشق * قال صاحب المحكم

(8/428)


يقال منه عق عن ولده يعق ويعق بكسر العين وضمها إذا حلق عقيقته وهي شعره أو ذبح عنه شاة (وأما) حديث (لا احب العقوق) فقال ان معناه كراهة الاسم وسماها نسيكة وهو معنى قوله في تمام الحديث (فاحب أن ينسك) يقال ينسك - بضم السين وكسرها - (قوله) ولانه اراقة دم من غير جناية احتراز من جزاء الصيد وقتل الزانى المحصن (قوله) لما رو ت أم كرز هي - بكاف مضمومة ثم راء ساكنة ثم زاي - وهي صحابية كعبية خزاعية مكية (قوله) صلى الله عليه وسلم (شاتان مكافئتان) أي متساويتان وهو - بكسر الفاء وبهمزة بعدها - هكذا صوابه عند اهل اللغة وممن صرح به الجوهري في صحاحه قال ويقوله المحدثون مكافأتان يعني بفتح الفاء والصحيح كسرها (وقوله) لانه اراقة دم بالشرع احتراز ممن نذر وذبح دون سن الاضحية أو معيبة فانه يصح ويلزمه (وقوله) تطبخ جدولا هو - بضم الجيم والدال المهملة - وهى الاعضاء واحدها جدل - بفتح الجيم واسكان الدال (قوله) اراقة دم مستحبة احتراز من دم جزاء الصيد وجبرانات الحج والاضحية الواجبة (واماطة الاذى) ازالته والمراد بالاذى الشعر الذي عليه ذلك الوقت لانه شعر ضعيف (والخلوف) - بفتح الخاء - وهو طيب معروف مركب يتخذ من الزعفران وغيره من أنواع الطيب وتغلب عليه الحمرة والصفرة والله أعلم (أما) الاحكام ففيه مسائل (إحداها) العقيقة مستحبة وسنة متأكدة للاحاديث المذكورة (الثانية) السنة أن يعق عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة فان عق عن الغلام شاة حصل أصل السنة لما ذكره المصنف ولو ولد له ولدان فذبح عنهما شاة لم تحصل العقيقة ولو ذبح بقرة أو بدنة عن سبعة أولاد أو اشترك فيها جماعة جاز سواء أرادوا كلهم العقيقة أو أراد بعضهم العقيقة وبعضهم اللحم كما سبق في الاضحية (الثالثة) المجزئ في العقيقة هو المجزئ في الاضحية
فلا تجزئ دون الجذعة من الضأن أو الثنية من المعز والابل والبقر هذا هو الصحيح المشهور وبه قطع الجمهور * وفيه وجه حكاه الماوردي وغيره أنه يجزئ دون جذعة الضأن وثنية المعز والمذهب الاول * قال المصنف والاصحاب ويشترط سلامتها من العيوب التي يشترط سلامة الاضحية منها

(8/429)


اتفاقا واختلافا ولا اختلاف في اشتراط هذا الا أن الرافعي قال أشار صاحب العدة إلى وجه مسامح بالعيب هنا (وأما) الافضل ففيه وجهان (أصحهما) البدنة ثم البقرة ثم جذعة الضأن ثم ثنية المعز كما سبق في الاضحية (والثاني) الغنم أفضل من الابل والبقر للحديث السابق (عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة) ولم ينقل في الابل والبقر شئ والمذهب الاول (الرابعة) يستحب ان يسمي الله عند ذبح العقيقة ثم يقول (اللهم لك واليك عقيقة فلان) ويشترط أن ينوي عند ذبحها أنها عقيقة كما قلنا في الاضحية فان كان جعلها عقيقة قبل ذلك فهل يحتاج إلى تجديد النية عند الذبح فيه الخلاف السابق في الاضحية والهدي والاصح أنه يحتاج (الخامسة) يستحب أن تفصل اعضاؤها ولا يكسر شئ من عظامها لما ذكره المصنف فان كسر فهو خلاف الاولى * وهل هو مكروه كراهة تنزيه فيه وجهان (أصحهما) لا لانه لم يثبت فيه نهي مقصود (1) (السابعة) قال جمهور أصحابنا يستحب أن لا يتصدق بلحمها نيا بل يطبخه وذكر الماوردي أنا إذا قلنا بالمذهب أنه لاتجزئ دون الجذعة والثنية وجب التصدق بلحمها نيا وكذا قال إمام الحرمين ان أوجبنا التصدق بمقدار من الاضحية والعقيقة وجب تمليكه نيا والمذهب الاول وهو أنه يستحب طبخه وفيما يطبخ به وجهان (أحدهما) بحموضة ونقله البغوي عن نص الشافعي لحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (نعم الادام الخل) رواه مسلم (وأصحهما) وأشهرهما وبه قطع المصنف والجمهور يطبخ بحلو تفاؤلا بحلاوة أخلاقه وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم (كان يحب الحلوى والعسل) وعلى هذا لو طبخ بحامض ففي كراهته وجهان حكاهما الرافعي والصحيح أنه لا يكره لانه ليس فيه نهي * قال أصحابنا والتصدق بلحمها ومرقها على المساكين بالبعث إليهم أفضل من الدعاء إليها ولو دعا إليها قوما جاز ولو فرق بعضها ودعا ناسا إلى بعضها جاز * قال المصنف والاصحاب ويستحب أن يأكل منها
ويتصدق ويهدي كما قلنا في الاضحية والله أعلم * (فرع) نقل الرافعي أنه يستحب أنه يعطي القابلة رجل العقيقة وفي سنن البيهقي عن علي
__________
(1) هكذا بالاصل وانظر اين المسالة السادسة) *)

(8/430)


رضى الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر فاطمة فقال زني شعر الحسين وتصدقي بوزنه فضة وأعطي القابلة رجل العقيقة وروي موقوفا على علي رضي الله عنه (الثامنة) السنة ذبح العقيقة يوم السابع من الولادة وهل يحسب يوم الولادة من السبعة فيه وجهان حكاهما الشاشي وآخرون (أصحهما) يحسب فيذبح في السادس مما بعده (والثاني) لا يحسب فيذبح في السابع مما بعده وهو المنصوص في البويطي ولكن المذهب الاول وهو ظاهر الاحاديث * فان ولد في الليل حسب اليوم الذي يلي تلك الليلة بلا خلاف نص عليه في البويطي مع أنه نص فيه أن لا يحسب اليوم الذي ولد فيه * قال المصنف والاصحاب فلو ذبحها بعد السابع أو قبله وبعد الولادة أجزأه وان ذبحها قبل الولادة لم تجزه بلا خلاف بل تكون شاة لحم * قال أصحابنا ولا تفوت بتأخيرها عن السبعة لكن يستحب أن لا يوخر عن سن البلوغ * قال أبو عبد الله البوشيحى من أئمة أصحابنا ان لم تذبح في السابع ذبحت في الرابع عشر والا ففي الحادي والعشرين ثم هكذا في الاسابيع * وفيه وجه آخر انه إذا تكررت السبعة ثلاث مرات فات وقت الاختيار * قال الرافعي فان أخر حتى بلغ سقط حكمها في حق غير المولود وهو مخير في العقيقة عن نفسه قال واستحسن القفال والشاشي أن يفعلها للحديث المروي أن النبي صلى الله عليه وسلم (عق عن نفسه بعد النبوة) ونقلوا عن نصه في البويطي أنه لا يفعله واستغربوه هذا كلام الرافعي * وقد رأيت أنا نصه في البويطي قال (ولا يعق عن كبير) هذا لفظه بحروفه نقله من نسخة معتمدة عن البويطي وليس هذا مخالفا لما سبق لان معناه (لا يعق عن البالغ غيره) وليس فيه نفي عقه عن نفسه (وأما) الحديث الذي ذكره في عق النبي صلى الله عليه وسلم عن نفسه فرواه البيهقي باسناده عن عبد الله ابن محرر بالحاء المهملة والراء المكررة عن قتادة عن أنس ان النبي صلى الله عليه وسلم (عق عن
نفسه بعد النبوة) وهذا حديث باطل قال البيهقي هو حديث منكر * وروى البيهقي باسناده عن عبد الرزاق قال إنما تركوا عبد الله بن محرر بسبب هذا الحديث قال البيهقي وقد روي هذا

(8/431)


الحديث من وجه آخر عن قتادة ومن وجه آخر عن أنس وليس بشئ فهو حديث باطل وعبد الله ابن محرر ضعيف متفق على ضعفه قال الحفاظ هو متروك والله أعلم * (فرع) لو مات المولود بعد اليوم السابع وبعد التمكن من الذبح فوجهان حكاهما الرافعي (أصحهما) يستحب ان يعق عنه (والثاني) يسقط بالموت * (فرع) يستحب كون ذبح العقيقة في صدر النهار كذا نص عليه الشافعي في البويطي وتابعه الاصحاب (التاسعة) قال أصحابنا انما يعق عن المولود من تلزمه نفقته من مال العاق لا من مال المولود قال الدارمي والاصحاب فان عق من مال المولود ضمن العاق * قال أصحابنا فان كان المنفق عاجزا عن العقيقة فايسر في الايام السبعة استحب له العق وان ايسر بعدها وبعد مدة النفاس سقط عنه وان أيسر في مدة النفاس فوجهان حكاهما الرافعي لبقاء أثر الولادة * قال أصحابنا وأما الحديث الصحيح في عق النبي صلى الله عليه وسلم عن الحسن والحسين فقد يقال انه مخالف لقول أصحابنا إن العقيقة في مال من عليه النفقة لا في مال المولود * قال الاصحاب وهو متأول على أنه صلى الله عليه وسلم أمر أباهما بذلك أو أعطاه ما عق به أو أن أبويهما كانا عند ذلك معسرين فيكونان في نفقة جدهما رسول الله صلى الله عليه وسلم والله أعلم (العاشرة) قال أصحابنا حكم العقيقة في التصدق منها والاكل والهدية والادخار وقدر المأكول وامتناع البيع وتعين الشاة إذا عينت للعقيقة كما ذكرنا في الاضحية سواء لا فرق بينهما * وحكى الرافعي وجها أنه إذا جوزنا العقيقة بما دون الجذعة لم يجب التصدق وجاز تخصيص الاغنياء بها والله أعلم * (الحادية عشرة) قال أصحابنا يكره أن يلطخ راس المولود بدم العقيقة ولا بأس بلطخه بخلوف أو زعفران وفي استحباب الخلوف أو الزعفران وجهان حكاهما الرافعي (أشهرهما) وبه قطع المصنف وغيره يستحب (الثانية عشرة) يستحب حلق رأس المولود يوم سابعه قال أصحابنا ويستحب أن يتصدق بوزن شعره ذهبا فان لم
يفعل ففضة سواء فيه الذكر والانثى هكذا قاله أصحابنا واستدلوا له بحديث رواه مالك والبيهقي

(8/432)


وغيرهما مرسلا عن محمد بن علي بن الحسين قال (وزنت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شعر حسن وحسين وزينب وأم كلثوم فتصدقت بزنة ذلك فضة) ورواه البيهقي مرفوعا من رواية علي رضى الله عنه (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر فاطمة أن تتصدق بزنة شعر الحسين فضة) وفي اسناده ضعف وفي رواية اخرى ضعيفة (تصدقوا بزنته فضة) فكان وزنه درهما أو بعض درهم (واعلم) ان هذا الحديث روي من طرق كثيرة ذكرها البيهقي كلها متفقة على التصدق بزنته فضة ليس في شئ منها ذكر الذهب بخلاف ما قاله أصحابنا والله أعلم * وهل يقدم الحلق على الذبح فيه وجهان (أصحهما) وبه قطع المصنف والبغوي والجرجاني وغيرهم يستحب كون الحلق بعد الذبح وفي الحديث اشارة إليه (والثاني) يستحب كونه قبل الذبح وبهذا قطع المحاملي في المقنع ورجحه الرويانى ونقله عن نص الشافعي والله أعلم * (الثالثة عشرة) قال المصنف والاصحاب يكره القزع وهو حلق بعض الرأس للحديث الصحيح الذي ذكره المصنف وقد سبقت المسألة مستقصاة في باب السواك وسبق هناك بيان حكم حلق كل الرأس وبيان ما يتعلق باللحية وخضاب الشعر وأشباه ذلك * (فرع) فعل العقيقة أفضل من التصدق بثمنها عندنا وبه قال أحمد وابن المنذر * قال المصنف رحمه الله * (ويستحب لمن ولد له ولد أن يسميه بعبدالله أو عبد الرحمن لما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (أحب الاسماء إلى الله عزوجل عبد الله وعبد الرحمن) ويكره أن يسمى نافعا ويسارا ونجيحا ورباحا وأفلح وبركة لما روى سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا تسمين غلامك أفلح ولا نجيحا ولا يسارا ولا رباحا فانك إذا قلت اثم هو قالوا لا) ويكره أن يسمي

(8/433)


باسم قبيح فان سمي باسم قبيح غيره لما روى ابن عمر (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير اسم
عاصية وقال أنت جميلة) ويستحب لمن ولد له ولد أن يؤذن في أذنه لما روى أبو رافع (أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في أذن الحسن رضي الله عنه حين ولدته فاطمة بالصلاة) ويستحب أن يحنك المولود بالتمر لما روى أنس قال (ذهبت بعبدالله بن أبي طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ولد قال هل معك تمر قلت نعم فناولته تمرات فلاكهن ثم فغر فاه ثم مجه فيه فجعل يتلمظ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حب الانصار التمر وسماه عبد الله)) * (الشرح) حديث ابن عمر الاول (أحب الاسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن) رواه مسلم في صحيحه وحديث سمرة رواه مسلم أيضا وحديث ابن عمر الآخر رواه مسلم أيضا بلفظه وفي رواية له (ان ابنة لعمر كان يقال لها عاصية فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم جميلة) وحديث أبي رافع صحيح رواه أبو داود والترمذي وغيرهما قال الترمذي حديث حسن صحيح * وحديث أنس صحيح رواه مسلم بلفظه ورواه البخاري ايضا مختصرا عن أنس قال (ولد لابي طلحة غلام فاتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فحنكه وسماه عبد الله (وأما) الفاظ الفصل فيقال سميته عبد الله وبعبد الله لغتان مشهورتان (وقوله) فلاكهن أي مضغهن وفغر فاه أي فتحه وهو بالفاء والغين المعجمة (قوله) يتلمظ هو ان يتتبع

(8/434)


بلسانه بقية الطعام في فمه ويخرج لسانه ويمسح به شفتيه (قوله) صلى الله عليه وسلم (حب الانصار) روى - بضم الحاء وكسرها - فالكسر بمعنى المحبوب كالذبح بمعنى المذبوح والباء على هذا مرفوعة أي محبوب الانصار التمر (وأما) من ضم الحاء فهو مصدر وتكون الباء على هذا منصوبة بفعل محذوف أي انظروا حب الانصار التمر وهذا هو المشهور في الرواية وروي بالرفع مع ضم الحاء أي حبهم التمر لازم والله أعلم (أما) الاحكام فيه مسائل (إحداها) قال اصحابنا وغيرهم يستحب ان يسمى المولود في اليوم السابع ويجوز قبله وبعده وقد تظاهرت الاحاديث الصحيحة على ذلك فمن ذلك حديث عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده ان النبي صلى الله عليه وسلم (امر بتسمية المولود يوم سابعه ووضع الاذى عنه والعق) رواه الترمذي وقال حديث حسن *
وعن سمرة بن جندب رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (كل غلام رهين بعقيقة تذبح عنه يوم سابعه ويحلق ويسمى) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم بالاسانيد الصحيحة قال الترمذي حديث حسن صحيح * وعن ابى موسى الاشعري رضى الله عنه قال (ولد لي غلام فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فسماه ابراهيم وحنكه بتمرة ودعا له بالبركة) رواه البخاري ومسلم الا قوله (ودعا له بالبركة) فانه للبخاري خاصة * وعن انس رضي الله عنه قال (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد لي الليلة غلام فسميته باسم ابراهيم صلى الله عليه وسلم) رواه مسلم وعن أنس قال (ولد لابي طلحة غلام فاتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فحنكه وسماه عبد الله) رواه البخاري ومسلم والله اعلم * (الثانية) قال أصحابنا لو مات المولود قبل تسميته استحب تسميته قال البغوي وغيره يستحب تسمية السقط

(8/435)


لحديث ورد فيه (الثالثة) يستحب تحسين الاسم وافضل الاسماء عبد الله وعبد الرحمن للحديث الذي ذكره المصنف * وعن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل (سم ابنك عبد الرحمن) رواه البخاري ومسلم * وعن أنس (أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى ابن أبى طلحة عبد الله) رواه البخاري ومسلم وسمى صلى الله عليه وسلم ابنه ابراهيم * وعن أبي وهب الجشمي الصحابي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (تسموا باسماء الانبياء وأحب الاسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن واصدقها حارث وهمام وأقبحها حرب ومرة) رواه أبو داود والنسائي وغيرهما * وعن أبى الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (انكم تدعون يوم القيامة باسمائكم وأسماء آبائكم فاحسنوا أسمائكم) رواه أبو داود باسناد جيد وهو من رواية عبد الله بن زيد بن اياس بن أبى زكريا عن أبي الدرداء والاشهر أنه سمع أبا الدرداء وقال البيهقي وطائفة لم يسمعه فيكون مرسلا * (فرع) مذهبنا ومذهب الجمهور جواز التسمية باسماء الانبياء والملائكة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ولم ينقل فيه خلاف الا عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه نهى عن التسمية
بأسماء الانبياء وعن الحرد بن مسكن انه كره التسمية باسماء الملائكة وعن مالك كراهة التسمية بجبريل وياسين * دليلنا تسمية النبي صلى الله عليه وسلم ابنه ابراهيم وسمى خلائق من أصحابه بأسماء الانبياء في حياته وبعده مع الاحاديث التي ذكرناها ولم يثبت نهى في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم فلم يكره (الرابعة) تكره الاسماء القبيحة والاسماء التي يتطير بنفيها في العادة لحديث سمرة الذي ذكره المصنف وجاءت أحاديث كثيرة في الصحيح بمعناه فمن الاسماء القبيحة حرب ومرة وكلب وكليب وجرى وعاصية ومغرية - بالغين المعجمة - وشيطان وشهاب وظالم وحمار وأشباهها وكل هذه تسمى بها ناس * ومما يتطير بنفيه هذه الالفاظ المذكورة في حديث سمرة وهي يسار ورباح ونافع ونجاح وبركة وأفلح ومبارك ونحوها والله أعلم *

(8/436)


(فرع) صح عن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ان أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الاملاك) وفي رواية (أخنا) وفي رواية (أغيظ رجل عند الله يوم القيامة وأخبثه رجل كان تسمي ملك الاملاك لا ملك الا الله) رواه البخاري ومسلم الا الرواية الاخرة فانها لمسلم قال سفيان بن عيينة (ملك الاملاك مثل شاهان شاه) ثبت ذلك عنه في الصحيح قال العلماء معنى أخنع وأخنا أذل وأوضع وأرذل قالوا والتسمية بهذا الاسم حرام (الخامسة) السنة تغيير الاسم القبيح للحديث الصحيح الذي ذكره المصنف (أن النبي صلى الله عليه وسلم غير اسم عاصية) وفي الصحيحين عن سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم حمل إليه أبو أسيد ابنا له فقال (ما اسمه قال فلان قال لا ولكن اسمه المنذر) * وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن زينب كان اسمها برة فقيل تزكى نفسها فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب * وفي صحيح مسلم عن زينب بنت أبى سلمة قالت سميت برة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (سموها زينب قالت ودخلت عليه زينب بنت جحش واسمها برة فسماها زينب) وفي صحيح مسلم ايضا عن ابن عباس قال (كانت جورية اسمها برة فحول رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمها جويرية وكان يكره أن يقال خرج من عند برة) وفي صحيح البخاري عن سعد بن المسيب بن حزن عن أبيه أن أباه حزنا
(جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما اسمك قال حزن قال أنت سهل قال لا أغير اسما سمانيه أبي فقال ابن المسيب فما زالت الحزونة فينا بعد - الحزونة غلظ الوجه وشئ من القساوة - وفي سنن أبى داود باسناد حسن (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل ما اسمك قال أصرم قال بل أنت زرعة وأنه قال لرجل يكنى أبا الحكم ان الله هو الحاكم فمالك من الولد قال سريج ومسلم وعبد الله قال فمن أكبرهم قال سريج قال فانت أبو سريج) قال أبو داود وغير النبي صلى الله عليه وسلم اسم العاص وعزيز وعتلة - باسكان التاء وفتحها - وشيطان والحاكم وغراب وحباب وشهاب فسماه هاشما وسمى حربا سليما وسمى المضطجع المنبعث وأرضا يقال لها عقرة سماها خضرة وشعب

(8/437)


الضلالة سماه شعب الهدى وبنو الدنية سماهم بني الرشد وسمى بني مغوية ببني رشدة والله أعلم * (فرع) مما تعم به البلوى ووقع في الفتاوي التسمية بست الناس أو ست العرب أو ست القضاة أو بست العلماء ما حكمه (والجواب) أنه مكروه كراهة شديدة وتستنبط كراهته مما سبق في حديث (أخنع اسم عند الله) ومن حديث تغيير اسم برة إلى زينب ولانه كذب * ثم اعلم ان هذه اللفظة باطلة عدها أهل اللغة في لحن العوام لانهم يريدون بست الناس سيدتهم ولا يعرف أهل اللغة لفظة ست الا في العدد والله اعلم * (السادسة) يجوز التكني ويجوز التكنية ويستحب تكنية أهل الفضل من الرجال والنساء سواء كان له ولد أم لا وسواء كني بولده أم بغيره وسواء كنى الرجل بأبي فلان أو أبي فلانة وسواء كنيت المراة بأم فلان أو أم فلانة * ويجوز التكنية بغير أسماء الادميين كأبي هريرة وأبي المكارم وأبي الفضائل وأبي المحاسن وغير ذلك ويجوز تكنية الصغير * وإذا كنى من له أولاد كنى بأكبرهم * ولا باس بمخاطبة الكافر والفاسق والمبتدع بكنيته إذا لم يعرف بغيرها أو خيف من ذكره باسمه مفسدة والا فينبغي أن لا يزيد على الاسم * وقد تظاهرت الاحاديث الصحيحة بما ذكرته فأما أصل الكنية فهو أشهر من أن تذكر فيه أحاديث الاحاد وفي الصحيحين عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم (كان يقول لاخ لانس صغير يا أبا عمير ما فعل البعير) وفي سنن أبي داود باسناد صحيح عن عائشة أنها قالت (يا رسول الله كل صواحباتي لهن كنى قال فاكتني بابنك
عبد الله) قال الراوي يعني بابنها عبد الله بن الزبير وهو ابن اختها أسماء بنت أبي بكر وكانت عائشة تكنى أم عبد الله * فهذا هو الصواب المعروف أن عائشة لم يكن لها ولد وانما كنيت بابن أختها عبد الله ابن أسماء * وروينا في كتاب ابن السني أنها كنيت بسقط أسقطته من النبي صلى الله عليه وسلم لكنه حديث ضعيف (وأما) تكنية الكافر فمن دلائلها قوله تعالى (تبت يدا أبي لهب) واسمه عبد العزا قيل انما ذكر تكنيته لانه معروف بها وقيل كراهة لاسمه حيث هو عبد العزا * وفى الصحيحين ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لسعد بن عبادة (ألم تسمع إلى ما قال ابو حباب يريد عبد الله بن أبى بن سلول المنافق)

(8/438)


وفي الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم (هذا قبر أبي رغال) وكان أبو رغال كافرا * فهذا كله فيما إذا وجد الشرط الذي قدمناه في تكنية الكافر والا فلا يزاد على الاسم وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (كتب إلى ملك الروم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم) * (فرع) ثبت في الصحيحين من رواية جماعة من الصحابة منهم جابر وأبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (سموا باسمى ولا تكنوا بكنيتي) وصح عن على أبي طالب رضى الله عنه قال (قلت يا رسول الله ان ولد لي من بعدك ولد اسميه باسمك أو أكنيه بكنيتك قال نعم) رواه أبو داود باسناد صحيح على شرط البخاري * واختلف العلماء في التكنية بأبي القاسم على ثلاثة مذاهب (أحدها) مذهب الشافعي أنه لا يحل لاحد أن يكني بأبي القاسم سواء كان اسمه محمدا أم غيره لظاهر الحديث المذكور وممن نقل هذا النص عن الشافعي من أصحابنا الائمة الحفاظ الثقات الاثبات المحدثون الفقهاء أبو بكر البيهقي في باب العقيقة من سننه رواه عن الشافعي باسناده الصحيح وأبو محمد البغوي في كتابه التهذيب في أول كتاب النكاح وأبو القاسم بن عساكر في ترجمة النبي صلى الله عليه وسلم في أول كتابه تاريخ دمشق وحمل الشافعي وأصحابه حديث على رضى الله عنه على الترخص له وتخصيصه من العموم وممن قال بقول الشافعي في هذا أبو بكر بن المنذر (والمذهب الثاني) مذهب مالك أنه يجوز التكني بأبي القاسم لمن اسمه محمد ولغيره ويجعل النهي خاصا بحياة النبي صلى الله عليه وسلم

(8/439)


(والثالث) لا يجوز لمن اسمه محمد ويجوز لغيره * وقال الرافعي في كتاب النكاح يشبه أن يكون هذا الثالث أصح لان الناس لم يزالوا يكتنون به في جميع الاعصار من غير إنكار وهذا الذي قاله هذا الثالث فيه مخالفة ظاهرة للحديث (وأما) اطباق الناس على فعله من أن في المتكنين به والكانين الائمة الاعلام وأهل الحل والعقد والذين يقتدى بهم في أحكام الدين ففيه تقوية لمذهب مالك ويكونون فهموا من النهي الاختصاص بحياته صلى الله عليه وسلم لما هو مشهور في الصحيح من سبب النهي في تكني اليهود بابي القاسم ومناداتهم يا ابا القاسم للايذاء وهذا المعنى قد زال والله أعلم * (فرع) الادب أن لا يذكر الانسان كنيته في كتابه ولا في غيره الا أن لا يعرف بغيرها أو كانت اشهر وقد ثبت في الصحيحين عن ام هانئ واسمها فاختة وقيل فاطمة وقيل هند قالت (اتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال من هذه فقلت انا ام هانئ) وفي الصحيحين عن ابي ذر واسمه جندب قال (جعلت امشي خلف النبي صلى الله عليه وسلم في ظل القمر فالتفت فرآني فقال من هذا

(8/440)


فقلت ابو ذر) وفي صحيح مسلم عن ابي قتادة قال (قال لي النبي صلى الله عليه وسلم من هذا قلت ابو قتادة) وفي صحيح مسلم ايضا عن ابي هريرة قال (قلت يا رسول الله ادع الله ان يهدي ام ابي هريرة) ونظائره كثيرة والله أعلم * (فرع) لا باس بالتكني بابي عيسى وفي سنن ابي داود باسناد جيد (ان المغيرة بن شعبة تكنى بابي عيسى فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه اما يكفيك ان تكنى بابي عبد الله فقال كناني رسول الله صلى الله عليه وسلم) وان عمر ضرب ابنا له تكنى بابي عيسى * دليلنا حديث المغيرة والاصل عدم النهي حتى يثبت ولا يتخيل من هذا كون عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم لا اب له لان المكنى ليس ابا حقيقة والله أعلم (السابعة) قال الله تعالى (ولا تنابزوا بالالقاب) واتفق العلماء على تحريم تلقيب الانسان بما يكره سواء كان صفة كالاعمش والاعمى والاعرج والاحول والاصم والابرص والاصفر والاحدب والازرق والافطس والاشتر والاثرم والاقطع والزمن والمتعد والاشل أو كان
صفة لابيه أو لامه أو غير ذلك مما يكرهه * واتفقوا على جواز ذكره بذلك على جهة التعريف لمن لا يعرفه الا بذلك ودلائل كل ما ذكرته مشهورة حذفتها لشهرتها * واتفقوا على استحباب اللقب الذي يحبه صاحبه فمن ذلك أبو بكر الصديق اسمه عبد الله بن عثمان ولقبه عتيق * هذا هو الصحيح الذي عليه جماهير العلماء من المحدثين وأهل السير والتواريخ وغيرهم (وقيل) اسمه عتيق حكاه الحافظ ابو القاسم بن عساكر في كتابه الاطراف والصواب الاول * واتفقوا على أنه لقب خير واختلفوا في سبب تسميته عتيقا فروينا عن عائشة من أوجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (أبو بكر عتيق الله من النار) فمن يومئذ سمي عتيقا * وقال مصعب بن الزبير وغيره من أهل النسب سمي عتيقا لانه لم يكن في نسبه شئ يعاب به وقيل غير ذلك * ومن ذلك أبو تراب لقب علي بن أبي طالب رضى الله عنه كنيته أبو الحسن ثبت في الصحيح (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجده نائما في المسجد وعليه التراب فقال قم أبا تراب فلزمه هذا اللقب الحسن) روينا هذا في الصحيحين عن سهل بن سعد قال

(8/441)


سهل وكانت أحب أسماء على إليه وأن كان ليفرح أن يدعا بها * ومن ذلك ذو اليدين واسمه الخرباق - بكسر الخاء المعجمة وبالباء الموحدة وآخره قاف - كان في يده طول ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (كان يدعوه ذا اليدين) والله أعلم * (الثامنة) اتفقوا على جواز ترخيم الاسم المنتقص إذا لم يتأذى بذلك صاحبه ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (رخم أسماء جماعة من الصحابة فقال لابي هريرة يا أباهر ولعائشة يا عائش ولانجشة يانجش (التاسعة) يستحب للولد والتلميذ والغلام أن لا يسمى أباه ومعلمه وسيده باسمه روينا في كتاب ابن السني عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم (راى رجلا معه غلام فقال للغلام من هذا قال أبي قال لا تمشي أمامه ولا تستسب له ولا تجلس قبله ولا تدعه باسمه) ومعنى لا تستسب له أي لا تفعل فعلا تتعرض فيه لان يسبك عليه أبوك زجرا وتأديبا * وعن عبد الله بن زحر - بفتح الزاي واسكان الحاء المهملة - قال (يقال من العقوق أن تسمي أباك وأن تمشي أمامه) (العاشرة) إذا لم يعرف اسم من يناديه ناداه بعبارة لا يتأذى بها كيا أخي يا فقير يا فقيه يا صاحب الثوب الفلاني ونحو ذلك وفي سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال لرجل يمشي بين القبور (يا صاحب السبتتين ويحك الق سبتيتيك) وقد سبق بيان هذا الحديث في كتاب الجنائز في زيارة القبور * وفي كتاب ابن السني أن النبي صلى الله عليه وسلم (كان إذا لم يحفظ اسم الرجل قال يا ابن عبد الله) (الحادية عشرة) يجوز للانسان أن يخاطب من يتبعه من ولد وغلام ومتعلم ونحوهم باسم قبيح تأديبا وزجرا ورياضة ففي الصحيحين أن (أبا بكر الصديق رضى الله عنه قال لابنه عبد الرحمن يا غنثر فجدع وسب) (قوله) غنثر - بغين معجمة مضمومة ثم نون ساكنة ثم ثاء مثلثة مفتوحة ومضمومة ومعناه البهيم (قوله) جدع - بالجيم والدال المهملة - أي دعا بقطع أنفه ونحوه (الثانية عشرة) السنة أن يؤذن في اذن المولود عند ولادته ذكرا كان أو انثى ويكون الاذان بلفظ اذان الصلاة لحديث أبي رافع الذي ذكره المصنف * قال جماعة من أصحابنا يستحب أن يؤذن في اذنه اليمنى ويقيم الصلاة في اذنه اليسرى * وقد روينا في كتاب ابن السني عن الحسين بن علي

(8/442)


رضى الله عنهما قال (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ولد له مولود فاذن في اذنه اليمنى واقام في اذنه اليسرى لم تضره ام الصبيان) وام الصبيان التابعة من الجن * ونقل أصحابنا مثل هذا الحديث عن فعل عمر بن عبد العزيز رحمه الله (الثالثة عشرة) السنة ان يحنك المولود عند ولادته بتمر بان يمضغه انسان ويدلك به حنك المولود ويفتح فاه حتى ينزل إلى جوفه شئ منه قال أصحابنا فان لم يكن تمر فبشئ آخر حلو * ودليل التحنيك وكونه بتمر الحديث الصحيح الذى ذكره المصنف وفي سنن ابي داود باسناد صحيح عن عائشة قالت (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتى بالصبيان فيدعو لهم ويحنكهم وفي رواية فيدعو لهم بالبركة) وفي الصحيحين عن اسماء بنت ابي بكر رضى الله عنهما قالت (حملت بعبد الله بن الزبير بمكة فاتيت المدينة فنزلت قبا فولدت بقباء ثم اتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فوضعه في حجره ثم دعا بتمر فمضغها ثم تفل في فيه فكان اول شئ دخل جوفه ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم حنكه بالتمر ثم دعا له وبرك عليه) * وينبغي ان يكون المحنك من اهل الخير فان لم يكن رجل فامراة صالحة (الرابعة عشرة) يستحب ان يهنأ الوالد بالولد قال اصحابنا ويستحب ان يهنأ بما جاء عن الحسين رضى الله عنه (انه علم انسانا التهنئة فقال قل
بارك الله لك في الموهوب لك وشكرت الواهب وبلغ اشده ورزقت بره) ويستحب ان يرد المهنأ على المهنئ فيقول بارك الله لك وبارك عليك أو جزاك الله خيرا أو رزقك الله مثله أو احسن الله ثوابك وجزاءك ونحو هذا * (فرع) ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا فرع ولا عتيرة) قال أهل اللغة الفرع - بفتح الفاء والراء وبالعين المهملة - ويقال له ايضا الفرعة - بالهاء - أول نتاج البهيمة كانوا يذبحونه ولا يملكونه رجاء البركة في الام كثرة نسلها * والعتيرة - بفتح العين المهملة - ذبيحة كانوا يذبحونها في العشر الاول من شهر رجب ويسمونها الرجبية أيضا * هذا الذي ذكرته من تفسير العتيرة متفق عليه (وأما) الفرع فهذا الذي ذكرته فيه هو تفسير

(8/443)


الشافعي وأصحابنا وغيرهم * وفي صحيح البخاري وسنن أبي داود أنه أول النتاج كانوا يذبحونه لطواغيتهم وعن بريشة رضى الله عنه قال (نادى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال انا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية في رجب فما تأمرنا قال اذبحوا لله في أي شهر كان وبروا الله واطعموا قال إنا كنا نفرع فرعا في الجاهلية فما تأمرنا قال في كل سائمة فرع تغدوه ماشيتك حتى إذا استحمل ذبيحة فتصدقت بلحمه) رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة قال ابن المنذر هو حديث صحيح فقال ابو قلابة أحد رواة هذا الحديث السائمة مائة * ورواه البيهقي باسناده الصحيح عن عائشة رضى الله عنها قالت (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفرعة من كل خمسين واحدة) وفي رواية (من كل خمسين شاة شاة) قال ابن المنذر حديث عائشة صحيح * وفي سنن أبي داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه قال الراوى أراه عن جده قال (سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الفرع قال الفرع حق وان تتركوه حتى يكون بكرا ابن ماخض وابن لبون فتعطيه أرملة أو تحمل عليه في سبيل الله خير من أن تذبحه فيلزق لحمه بوبره وتكفأ اناءك وتوله ناقتك) قال ابو عبيد في تفسير هذا الحديث معناه الفرق لكنهم كانوا يذبحونه حين يولد ولا شبع فيه ولذا قال وتذبحه يلصق لحمه بوبره لان فيه ذهاب ولدها وذلك يرفع لبنها ولهذا قال خير من أن تكفأ اناءك يعني
إذا فعلت ذلك فكأنك كفأت اناءك وأرقته وأشار به إلى ذهاب اللبن وفيه انه يفجعها بولدها ولهذا قال وتوله ناقتك فأشار بتركه حتى يكون ابن مخاض وهو ابن سنة ثم يذبح وقد طاب لحمه واستمتع بلبن أمه ولا يشق عليها مفارقته لانه استغنى عنها والله أعلم * وروى البيهقي باسناده عن الحارث بن عمرو قال (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات أو قال بمنى وسأله رجل عن العتيرة فقال من شاء عتر ومن شاء لم يعتر ومن شاء فرع ومن شاء لم يفرع) وعن أبي رزين أنه قال (يا رسول الله انا كنا نذبح في الجاهلية ذبائح في رجب فنأكل منها ونطعم فقال رسول الله صلى الله عليه

(8/444)


وسلم لا بأس بذلك) وعن محنف بن سليم العامدي رضى الله عنه قال (كنا وقوفا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفات فسمعته يقول يا أيها الناس على كل بيت في كل عام أضحية وعتيرة هل تدري ما العتيرة هي التي تسمى الرجبية) وقد سبق بيان هذا الحديث في أول باب الاضحية هذا مختصر ما جاء من الاحاديث في الفرع والعتيرة * قال الشافعي رحمه الله فيما رواه البيهقي باسناده الصحيح عن المزني قال ما سمعت الشافعي يقول في الفرع هو شئ كان أهل الجاهلية يطلبون به البركة في أموالهم فكان أحدهم يذبح بكر ناقته أو شاته فلا يغدوه رجاء البركة فيما يأتي بعده فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عنه فقال (فرعوا إن شئتم) أي اذبحوا ان شئتم وكانوا يسألونه عما كانوا يصنعون في الجاهلية خوفا أن يكره في الاسلام فاعلمهم أنه لا مكروه عليهم فيه وأمرهم اختيارا أن يغدوه ثم يحملوا عليه في سبيل الله * قال الشافعي وقوله صلى الله عليه وسلم (الفرع حق) معناه ليس باطل وهو كلام عربي خرج على جواب السائل قال وقوله صلى الله عليه وسلم (لافرع ولاعتيرة واجبة قال الشافعي والحديث الاخر يدل على هذا المعنى فانه أباح له الذبح واختار له أن يعطيه أرملة أو يحمل عليها في سبيل الله * قال الشافعي والعتيرة هي الرجبية وهي ذبيحة كانت الجاهلية يتبررون بها في رجب فقال النبي صلى الله عليه وسلم (لا عتيرة) أي لا عتيرة واجبة قال (وقوله) صلى الله عليه وسلم (إذبحوا لله في أي وقت كان) أي اذبحوا إن شئتم واجعلوا الذبح لله في أي شهر كان لا أنها في رجب دون غيره من الشهر هذا آخر كلام الشافعي (وذكر ابن كج والدارمي
وغيرهما الفرع والعتيرة لا يستحبان وهل يكرهان فيه وجهان (أحدهما) يكرهان للحديث الاول (لا فرع ولا عتيرة) (والثاني) لا يكرهان للاحاديث السابقة بالترخيص فيهما وأجابوا عن حديث (لا فرع) بثلاثة أوجه (أحدها) جواب الشافعي السابق ان المراد نفي الوجوب (والثاني) ان المراد نفي ما كانوا يذبحونه لاصنامهم (والثالث) ان المراد أنهما ليستا كالاضحية في الاستحباب أو ثواب أراقة الدم فأما تفرقة اللحم على المساكين فبر وصدقة * وقد نص الشافعي في

(8/445)


سنن حرمله أنها ان تيسرت كل شهر كان حسنا فالصحيح الذي نص عليه الشافعي واقتضته الاحاديث انهما لا يكرهان بل يستحبان هذا مذهبنا * وادعى القاضي عياض أن الامر بالفرع والعتيرة منسوخ عند جماهير العلماء والله أعلم * (فرع) عن ابن عباس قال (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معاقرة الاعراب) رواه أبو داود باسناد حسن وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا عقر في الاسلام) رواه البيهقي باسناد صحيح * قال الخطابي وغيره معاقرة الاعراب أن يتبارى رجلان كل واحد منهما يفاخر صاحبه فيعقر كل واحد عددا من ابله فأيهما كان عقره أكثر كان غالبا فكره النبي صلى الله عليه وسلم لحمها لانها مما أهل به لغير الله * قال أهل الغريب العقر هو أن يعقر كل واحد منهما مفاخرة لصاحبه فهو نحو معاقرة الاعراب وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم (نهى عن طعام المتباريين أن يؤكل) رواه أبو داود وقال اكثر الرواة لم يذكروا ابن عباس بل جعلوه مرسلا * (فرع) روى ابو عبيد في كتابه غريب الحديث والبيهقي عن الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم (انه نهى عن ذبائح الجن) قال وذبائح الجن أن يشتري الرجل الدار أو يستخرج العين وما أشبه ذلك فيذبح لها ذبيحة للطير قال ابو عبيد وهذا التفسير في الحديث قال ومعناه أنهم يتطيرون فيخافون ان لم يذبحوا أن يصيبهم فيها شئ من الجن فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ونهى عنه *
(فرع) عن أم كرز الكعبية رضى الله عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (اقروا الطير على مكاناتها) وفي رواية مكانتها - بفتح الكاف - رواه أبو داود وضعفه وروى البيهقي باسناده عن يونس بن عبد الاعلى أن رجلا سأله عن معنى هذا الحديث فقال يونس ان الله يحب الحق كان الشافعي صاحب هذا سمعته يقول في تفسيره كان الرجل في الجاهلية إذا أراد الحاجة

(8/446)


أتي الطير في وكره فنفره فان أخذ ذات اليمين مضى لحاجته وان أخذ ذات الشمال رجع فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك قال يونس وكان الشافعي يسيح وحده في هذه والله أعلم * وذكر امام الحرمين وغيره في تفسير هذا الحديث وجهين (أصحهما) هذا الذي قاله الشافعي (والثاني) ان المراد به النهي عن الاصطياد ليلا قالوا وعلى هذا هو نهي تنزيه * (فرع) في مذاهب العلماء في العقيقة * ذكرنا أن مذهبنا أن العقيقة مستحبة وبه قال مالك وأبو ثور وجمهور العلماء وهو الصحيح المشهور من مذهب أحمد * وقالت طائفة هي واجبة وهو قول بريدة بن الحصيب والحسن البصري وابى الزناد وداود الظاهري ورواية عن احمد * وقال أبو حنيفة ليست بواجبة ولا سنة بل هي بدعة قال الشافعي رحمه الله (افرط في العقيقة رجلان رجل قال انها واجبة ورجل قال انها بدعة * دليلنا على ابي حنيفة الاخبار الصحيحة السابقة قال ابن المنذر الدليل عليه الاخبار الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين قالوا وهو أمر معمول به بالحجاز قديما وحديثا قال وذكر مالك في الموطأ انه الامر الذي لا اختلاف فيه عندهم قال وقال يحيى الانصاري التابعي أدركت الناس وما يدعون العقيقة عن الغلام والجارية * قال ابن المنذر وممن كان يرى العقيقة ابن عمر وابن عباس وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائشة وبريدة الاسلمي والقاسم بن محمد وعروة بن الزبير وعطاء والزهري وأبو الزناد ومالك والشافعي وأحمد واسحاق وأبو ثور وآخرون من أهل يكثر عددهم * قال وانتشر عمل ذلك في عامة بلدان المسلمين متبعين في ذلك ما سنه لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وإذا كان كذلك لم يضر السنة من خالفها وعدل عنها هذا آخر كلام ابن المنذر والله أعلم *
(فرع) في مذاهبهم في قدر العقيقة * قد ذكرنا أن مذهبنا أن عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة وبه قال جمهور العلماء منهم ابن عباس وعائشة واحمد واسحاق وابو ثور قال ابن المنذر وكان ابن عمر يعق عن الغلام والجارية شاة شاة وبه قال أبو جعفر ومالك * وقال الحسن وقتادة لا عقيقة

(8/447)


عن الجارية * دليلنا الاحاديث السابقة * (فرع) مذهبنا جواز العقيقة بما تجوز به الاضحية من الابل والبقر والغنم وبه قال أنس ابن مالك ومالك بن انس * وحكى ابن المنذر عن حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه لا يجزئ الا الغنم * (فرع) ذكرنا ان مذهبنا أنه يستحب أن لا تكسر عظام العقيقة وبه قال عائشة وعطاء وابن جريج * قال ابن المنذر ورخص في كسرها الزهري ومالك * (فرع) ذكرنا أن مذهبنا كراهة لطخ رأس المولود بدم العقيقة وبه قال الزهري ومالك واحمد واسحاق وابن المنذر وداود * وقال الحسن وقتادة يستحب ذلك ثم يغسل لحديث سمره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (الغلام مرتهن بعقيقة تذبح عنه يوم سابعه ويدمى) دليلنا حديث سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (مع الغلام عقيقته فاهرقوا عنه دما وأميطوا عنه الاذى) حديث صحيح سبق بيانه وحديث عائشة السابق في الكتاب (واما) حديث ويدمي فقال أبو داود في سننه وغيره من العلماء هذه اللفظة لا تصح بل هي تصحيف والصواب ويسمي * (فرع) مذهبنا أن العقيقة لا تفوت بتأخيرها عن اليوم السابع وبه قال جمهور العلماء منهم عائشة وعطاء واسحاق وقال مالك تفوت * (فرع) لو مات المولود قبل السابع استحبت العقيقة عندنا * وقال الحسن البصري ومالك لا تستحب * (فرع) مذهبنا انه لا يعق عن اليتيم من ماله وقال مالك يعق عنه منه *
(فرع) قد ذكرنا أن مذهب أصحابنا استحباب تسمية السقط وبه قال ابن سيرين وقتادة والاوزاعي * وقال مالك لا يسمى ما لم يستهل صارخا والله أعلم * قال الشافعي رحمه الله

(8/448)


(باب النذر) * قال المصنف رحمه الله * (يصح النذر من كل مسلم بالغ عاقل (فأما) الكافر فلا يصح نذره ومن أصحابنا من قال يصح نذره لما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم (اني نذرت أن أعتكف ليلة في الجاهلية فقال صلى الله عليه وسلم أوف بنذرك) والمذهب الاول لانه سبب وضع لايجاب القربة فلم يصح من الكافر كالاحرام (وأما) الصبي والمجنون فلا يصح نذرهما لقوله صلى الله عليه وسلم (رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق) ولانه ايجاب حق بالقول فلم يصح من الصبي كضمان المال) * (الشرح) حديث عمر رضي الله عنه رواه البخاري ومسلم (وأما) حديث (رفع القلم) فصحيح سبق بيانه في أول كتاب الصلاة وأول كتاب الصوم * وينكر على المصنف قوله روي في حديث عمر مع أنه صحيح (قوله) سبب وضع لايجاب القربة احتراز من شراء الكافر طعاما للكفارة (قوله) ولانه ايجاب حق بالقول احترز بقوله ايجاب عن وصية الصبي وتدبيره واذنه في دخول الدار إذا صححنا كل ذلك (وبقوله) بالقول من غرامة المتلفات * ويقال نذر وينذر - بكسر الذال وضمها - (أما) الاحكام فقال أصحابنا يصح النذر من كل بالغ عاقل مختار نافذ التصرف فيما نذره ويرد على المصنف اهماله المختار ونافذ التصرف ولا بد منهما (فاما) الصبي والمجنون والمغمى عليه ونحوه ممن اختل عقله فلا يصح نذره لما ذكره المصنف (وأما) السكران ففي صحة نذره خلاف مبني على صحة تصرفه والصحيح صحته وموضع ايضاحه كتاب الطلاق (وأما) الكافر ففي نذره وجهان (الصحيح) أنه لا ينعقد (والثاني) ينعقد ودليلهما في الكتاب وإذا أسلم ان قلنا نذره منعقد لزمه الوفاء به والا فلا يجب الوفاء به

(8/449)


لكن يستحب وتأولوا حديث عمر على الاستحباب (وأما) المكره فلا يصح نذره للحديث الصحيح (رفع عن امتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) وقياسا على العتق وغيره (وأما) المحجور عليه بسفه فيصح منه نذر القرب البدنية (وأما) المال فان التزم شيئا في ذمته من غير تعيين لما في يده صح نذره ويؤديه بعد فك الحجر عنه فان نذر مالا معينا مما يملكه قال المتولي وغيره بني على ما لو اعتق أو وهب هل توقف صحة تصرفه أم يكون باطلا وفيه خلاف مشهور (الصحيح) بطلانه فيكون النذر باطلا وان توقفنا في النذر ايضا * قال ولو نذر عتق المرهون انعقد نذره ان نفذنا عتقه في الحال أو عند اداء المال وان الغينا عتقه فهو كمن نذر عتق عبد لا يملكه وفي صحته تفصيل سنذكره ان شاء الله تعالى * (فرع) يكره ابتداء النذر فان نذر وجب الوفاء به ودليل الكراهة حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النذر وقال انه لا يرد شيئا انما يستخرج به من البخيل) رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما بهذا اللفظ * وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تنذروا فان النذر لا يغني من القدر شيئا وانما يستخرج به من البخيل) رواه الترمذي والنسائي باسناد صحيح * قال الترمذي والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم كرهوا النذر قال ابن المبارك الكراهة في النذر في الطاعة والمعصية قال فان نذر طاعة ووفي به فله أجر الوفاء ويكره له النذر هذا كلام الترمذي *

(8/450)


* قال المصنف رحمه الله * (ولا يصح النذر الا بالقول وهو أن يقول لله على كذا فان قال علي كذا ولم يقل لله صح لان التقرب لا يكون الا لله تعالى فحمل الاطلاق عليه وقال في القديم إذا أشعر بدنة أو قلدها ونوى أنها هدى أو أضحية صار هديا أو أضحية لان النبي صلى الله عليه وسلم (اشعر بدنة وقلدها ولم ينقل انه قال انها هدي فصارت هديا) وخرج أبو العباس وجها آخر انه يصير هديا وأضحية بمجرد النية
ومن أصحابنا من قال إذا ذبح ونوى صار هديا وأضحية والصحيح هو الاول لانه ازالة ملك يصح بالقول فلم يصح بغير القول مع القدرة عليه كالوقف والعتق ولانه لو كتب على دار انها وقف أو على فرس انه في سبيل الله لم يصر وقفا فكذلك ها هنا) * (الشرح) قوله ازالة ملك يصح بالقول احتراز من تفرقة لزكاة والاطعام والكسوة في الكفارة (وقوله) مع القدرة احتراز من الاخرس * وهذا القياس الذي ذكره المصنف ينتقض بوقوع الطلاق بالكتب أو النية فانه ازالة ملك يصح بالقول ويصح بغير القول مع القدرة على أصح القولين فينبغي أن يزاد في القيود ازالة ملك عن مال قال أصحابنا يصح النذر بالقول من غير نية كما يصح الوقف والعتق باللفظ بلا نية * وهل يصح بالنية من غير قول أو بالاشعار أو التقليد أو الذبح مع النية فيه الخلاف الذي ذكره المصنف (الصحيح) باتفاق الاصحاب انه لا يصح الا بالقول ولا تنفع النية وحدها وقد سبقت المسألة واضحة في باب الهدي * والاكمل في صيغة النذر أن يقول مثلا ان شفى الله مريضى فلله على كذا فلو قال فعلي هذا ولم يقل لله فطريقان (المذهب) وبه قال المصنف والجمهور صحته لما ذكره المصنف (والثاني) فيه وجهان حكاهما الرافعي وغيره (الصحيح) منهما صحة نذره (والثاني) لا يصح

(8/451)


الا بالتصريح بذكر الله تعالى وهو قريب من الوجه الضعيف في وجوب اضافة الوضوء والصلاة وسائر العبادات إلى الله تعالى * (فرع) لو قال ان شفى الله مريضى فلله علي كذا ان شاء الله أو ان شاء زيد فشفى لم يلزمه شئ وان شاء زيد كما لو عقب الايمان والطلاق والعقود بقوله ان شاء الله فانه لا يلزمه شئ * * قال المصنف رحمه الله * (ويجب بالنذر جميع الطاعات المستحبة لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من نذر أن يطع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) (وأما) المعاصي كالقتل والزنا وصوم يوم العيد وأيام الحيض والتصدق بما لا يملكه فلا يصح نذره لما روى عمران بن الحصين رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا نذر في معصية الله ولا فيما لا يملكه ابن آدم) *
ولا يلزمه بنذرها كفارة وقال الربيع إذا نذرت المرأة صوم أيام الحيض وجب عليها كفارة يمين ولعله خرج ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم (كفارة النذر كفارة يمين) والمذهب الاول والحديث متأول * (واما) المباحات كالاكل والشرب فلا تلزم بالنذر لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم (مر برجل قائم في الشمس لا يستظل فسأل عنه فقيل هذا أبو إسرائيل نذر أن يقف ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم فقال مروه فليقعد وليستظل وليتكلم ويتم صومه) * (الشرح) أما حديث عائشة فرواه البخاري وحديث عمران بن الحصين رواه مسلم وحديث (كفارة النذر كفارة يمين) رواه مسلم في صحيحه من رواية عقبة بن عامر (وأما) حديث ابي اسرائيل فصحيح رواه البخاري في صحيحه من رواية ابن عباس ويقع في بعض النسخ أبو إسرائيل وهو الصواب وفي بعضها ابن اسرائيل وهو غلط صريح وليس في الصحابة احد يكنى أبا اسرائيل غيره والله أعلم * (أما) أحكام الفصل فقال أصحابنا الملتزم بالنذر ثلاثة أضرب - معصية - وطاعة - ومباح (الاول) المعصية كنذر شرب الخمر أو الزنا أو القتل أو الصلاة في حال الحدث أو الصوم في حال الحيض

(8/452)


أو القراءة في حال الجنابة أو نذر ذبح نفسه أو ولده وشبه ذلك فلا ينعقد نذره فإذا لم يفعل المعصية المنذورة فقد أحسن ولا كفارة عليه * هذا هو المذهب وبه قطع المصنف والجمهور وفي القول الذي حكاه المصنف عن الربيع أنه يلزمه الكفارة واختاره الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقى للحديث المذكور (كفارة النذر كفارة يمين) وحمل الجمهور هذا الحديث على نذر اللجاج والغضب قالوا ورواية الربيع من تخريجه لا من كلام الشافعي * قال الرافعي وحكى بعضهم هذا الخلاف وجهين والله أعلم * (الضرب الثاني) الطاعة وهي ثلاثة أنواع (الاول) الواجبات فلا يصح نذرها لانها واجبة بايجاب الشرع فلا معنى لالتزامها وذلك كنذر الصلوات الخمس وصوم شهر رمضان والزكاة ونحوها * وكذا لو نذر ترك المحرمات بأن نذر أن لا يشرب الخمر ولا يزني ولا يغتاب لم يصح نذره سواء علقه على حصول نعمة أو اندفاع نقمة أو التزمه ابتداء * وإذا خالف ما ذكره ففي لزوم الكفارة الخلاف السابق في المعصية والمذهب انها لا تجب وادعى البغوي أن الاصح هنا وجوبها والصحيح الاول * (النوع الثاني) نوافل العبادات
المقصودة وهي المشروعة للتقرب بها وعلم من الشارع الاهتمام بتكليف العباد ايقاعها كالصوم والصلاة والصدقة والحج والاعتكاف والعتق ونحوها فهذه تلزم بالنذر بلا خلاف لما ذكره المصنف * قال إمام الحرمين وفروض الكفاية التى يحتاج في ادائها إلى بذل مال أو مقاساة مشقة تلزم بالنذر وذلك كالجهاد وتجهيز الموتى قال الرافعي ويجئ مما سنذكره في السنن الراتبة ان شاء الله تعالى وجه انها لا تلزم وقال القفال لا يلزم الجهاد بالنذر (وأما) الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وما ليس فيه بذل مال ولا مقاساة مشقة ففيه وجهان (أصحهما) لزومها بالنذر (والثاني) لا * (فرع) كما يلزم أصل العبادة بالنذر يلزم الوفاء بالصفة المستحبة فيها إذا اشترطت في النذر كمن شرط في الصلاة المنذورة اطالة القيام أو الركوع أو السجود أو شرط المشي في الحجة المنذورة إذا قلنا المشي في الحج أفضل من الركوب * فلو أفردت الصفة بالنذر وكان الاصل واجبا شرعا كتطويل القراءة والركوع والسجود في الفرائض أو أن يقرأ في الصبح مثل سورة كذا أو أن يصلي الفرض

(8/453)


في جماعة وجهان (أصحهما) لزومها لانها طاعة (والثاني) لا لئلا تغير مما وضعها الشرع عليه * ولو نذر فعل السنن الراتبة كالوتر وسنة الصبح وسنة الظهر فعلى الوجهين (الاصح) اللزوم * ولو نذر صوم رمضان في السفر فوجهان (أحدهما) وبه قطع الغزالي في الوجيز ونقله ابراهيم المروروذي عن عامة الاصحاب لا ينعقد نذره وله الفطر لانه التزام يبطل رخصة الشرع (والثاني) وهو اختيار القاضي حسين والبغوي ينعقد ويجب الوفاء به كسائر المستحبات هكذا اطلقوه والظاهر أنهم ارادوا من لا يتضرر بالصوم في السفر فانه له أفضل فيصح نذره (أما) من يتضرر به فالفطر له افضل فلا ينعقد نذره لانه ليس بقربة * قال أصحابنا ويجري الوجهان فيمن نذر اتمام الصلاة في السفر إذا قلنا الاتمام أفضل ويجريان فيمن نذر القيام في النوافل أو استيعاب الرأس بالمسح أو التثليث في الوضوء أو الغسل أو أن يسجد للتلاوة أو الشكر عند مقتضيهما قال امام الحرمين وعلى مساق الوجه الاول لو نذر المريض القيام في الصلاة وتكلف المشقة أو نذر صوما وشرط أن لا يفطر بالمرض لم يلزمه الوفاء لان الواجب بالنذر لا يزيد على الواجب شرعا والمرض مرخص (النوع الثالث) القربات التي تشرع
لكونها عبادات وانما هي أعمال وأخلاق مستحسنة رغب الشرع فيها لعظم فائدتها وقد يبغي بها وجه الله تعالى فينال الثواب فيها وذلك كعيادة المرضى وزيارة القادمين وافشاء السلام بين المسلمين وتشميت العاطس وفي لزومها بالنذر وجهان (الصحيح) اللزوم لعموم حديث (من نذر ان يطع الله فليطعه) (والثاني) لا لئلا تخرج عما وضعها الشرع عليه * وفي لزوم تجديد الوضوء بالنذر وجهان (الاصح) اللزوم لما ذكره (1) قال المتولي ولو نذر الاغتسال لكل صلاة لزمه الوفاء قال الرافعي الصواب ان يبنى على تجديد الغسل هل يستحب * قال المتولي ولو نذر الوضوء انعقد نذره ولا يخرج عنه بالوضوء عن حدث بل بالتجديد وكذا جزم بانعقاد نذره القاضي حسين وغيره * وذكر البغوي فيه وجهين (أصحهما) هذا (والثاني) لا ينعقد نذره واتفقوا على أنه لا يخرج عنه الا بالتجديد ومرادهم تجديد الوضوء حيث يشرع تجديده وهو أن يكون قد صلى بالاول صلاة ما هذا هو الاصح * وفيه

(8/454)


أوجه سبقت في آخر باب صفة الوضوء * قال المتولي ولو نذر أن يتوضأ لكل صلاة لزمه الوضوء لكل صلاة وإذا توضأ لها عن حدث لا يلزمه الوضوء لها ثانيا بل يكفي الوضوء الواحد عن واجبي الشرع والنذر قال ولو نذر التيمم لم ينعقد على الصحيح * قال ولو نذر أن لا يهرب من ثلاثة فصاعدا من الكفار فان علم من نفسه القدرة على مقاومتهم انعقد نذره ولزمه الوفاء وإلا فلا * وفي كلام امام الحرمين انه لا يلزم بالنذر الكفاف قط حتى لو نذر أن لا يفعل مكروها لا ينعقد نذره * ولو نذر ان يحرم بالحج من شوال أو من بلد كذا لزمه على أصح الوجهين (الضرب الثالث) المباح وهو الذي يجوز فعله وتركه شرعا فلم يرد فيه ترغيب ولا ترهيب كالاكل والنوم والقيام والقعود فلو نذر فعله أو تركه لم ينعقد نذره قال أصحابنا وقد يقصد بالاكل التقوى على العبادة وبالنوم النشاط للتهجد وغيره فيحصل الثواب بهذه النية لكن الفعل غير موضوع لذلك وانما حصل الثواب بالنية الصالحة * وهل يكون نذر المباح يمينا يوجب الكفارة عند المخالفة فيه الخلاف السابق في نذر المعاصي والفرائض وقطع القاضى حسين بوجوب الكفارة في المباح وذكر في المعصية وجهين وعلق الكفارة باللفظ من غير حنث قال الرافعي وهذا لا يتحقق ثبوته والصواب في كيفية الخلاف ما قدمناه والصواب على الجملة أنه لا كفارة مطلقا لا عند المخالفة
ولا غيرها في نذر المعصية والفرض والمباح والله أعلم * (فرع) لو نذر الجهاد في جهة بعينها ففي تعينها أوجه مشهورة (أحدها) وهو قول ابن القاص صاحب التلخيص تتعين لاختلاف الجهات (والثاني) قاله أبو زيد لا تتعين بل يجزئه أن يجاهد في جهة أسهل وأقرب منها كما لو نذر الصلاة في مسجد غير المساجد الثلاثة فان له أن يصلى في غيره (والثالث) وهو الاصح وبه قال الشيخ أبو علي السنجي لا تتعين لكن يجب أن تكون التي يجاهد فيها كالمعينة في المسافة والمؤنة فيحصل مسافة الجهات كمسافة مواقيت الحج * (فرع) قال أصحابنا يشترط في نذره القربة المالية كالصدقة والاضحية والاعتاق ان يلتزمها في في الذمة يضيف إلى معين يملكه فان المعين لغيره لم ينعقد نذره قطعا ولا كفارة عليه على المذهب وبه قطع الجمهور

(8/455)


وذكر المتولي في لزومها وجهين وهو شاذ * قال المتولي ولو قال ان ملكت عبدا فلله على أن اعتقه انعقد نذره قال ولو قال إن ملكت عبد فلان فلله على أن أعتقه انعقد نذره في أصح الوجهين (والثاني) لا ينعقد والقولان فيما إذا قصد الشكر على حصول الملك فان قصد الامتناع من تملكه فهو نذر لجاج وسنوضحه ان شاء الله تعالى * قال ولو قال ان شفى الله مريضى وملكت عبدا فلله على أن أعتقه أو ان شفى الله مريضى فلله أن أعتق عبدا ان ملكته انعقد نذره * قال ولو قال إن شفى الله مريضي فكل عبد أملكه حر أو فعبد فلان حر ان ملكته لم ينعقد نذره قطعا لانه لم يلتزم التقرب بقربة لكنه علق الحرية بعد حصول النعمة بشرط وليس هو مالكا في حال التعليق فلغا تعليقه كما لو قال ان ملكت عبدا أو عبد فلان فهو حر فانه لا يصح قطعا * قال ولو قال ان شفي الله مريضى فعبدي حر ان دخل الدار انعقد نذره قطعا لانه مالك وقد علقه بصفتين الشفاء والدخول * قال ولو قال ان شفى الله مريضى فلله على أن اشترى عبدا وأعتقه انعقد نذره قطعا والله أعلم * (فرع) قال البغوي في باب الاستسقاء لو نذر الامام أن يستسقي لزمه أن يخرج بالناس ويصلي بهم * قال ولو نذره واحد من الناس لزمه أن يصلي منفردا وان نذر أن يستسقي بالناس
لم ينعقد لانهم لا يطيعونه * ولو نذر أن يخطب وهو من أهله لزمه وهل له أن يخطب قاعدا مع استطاعته القيام فيه الخلاف الذي سنذكره قريبا ان شاء الله تعالى في أن النذر يسلك به مسلك واجب الشرع أو مسلك جائزه والله أعلم * (فرع) سئل الغزالي رحمه الله في فتاويه عما لو قال البائع للمشتري ان خرج المبيع مستحقا فلله علي أن أهبك مائة دينار هل يصح هذا النذر وان حكم حاكم بصحته هل يلزمه فأجاب بأن المباحات لا تلزم بالنذر وهذا مباح ولا يؤثر فيه قضاء القاضي الا إذا نقل مذهب معتبر في لزوم ذلك النذر *

(8/456)


(فرع) نقل القاضى أبو القاسم ابن كج وجهين فيمن قال ان شفى الله مريضى فلله علي أن أذبح عن ابني هل يلزمه الذبح عن ولده لكون الذبح عن الاولاد قربة * ووجهين فيمن قال ان شفى الله مريضي فلله علي أن أعجل زكاة مالي هل يصح نذره ووجهين فيمن قال ان شفى الله مريضي فلله علي أن أذبح ابني فان لم يجز فشاة مكانه هل يلزمه ذبح شاة ووجهين فيما إذا نذر النصراني ان يصوم أو يصلي ثم أسلم هل يلزمه أن يصلي ويصوم صلاة شرعنا وصومه ؟ هذا نقل ابن كج * والاصح صحة النذر في الصورة الاولى وبطلانه في الصور الثلاث الباقية والله أعلم * (فرع) لو نذر أن يكسو يتيما قال الرافعي قال بعضهم لا يخرج عن نذره باليتيم الذمي لان مطلقه في الشرع يقع للمسلم * هذا نقل الرافعي وينبغى ان يكون فيه خلاف مبنى على أنه يسلك بالنذر مسلك واجب الشرع أو مسلك جائزه كما لو نذر اعتاق رقبة ان قلنا مسلك جائزه جاز صرفه إلى الذمي والا فلا * (فرع) في مذاهب العلماء فيمن نذر شرب الخمر أو الزنا أو نحو ذلك من المعاصي * قد ذكرنا ان مذهبنا ان نذره باطل ولو خالفه فلا كفارة وبهذا قال مالك وأبو حنيفة وداود * وقال احمد ينعقد ولا يجوز فعله بل يجب كفارة يمين وقد ذكر المصنف دليل المذهبين * واحتج احمد أيضا بحديث عن عائشة مرفوع (لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين) ونحوه من رواية عمران بن الحصين رواهما البيهقى وغيره وضعفهما واتفق الحفاظ على تضعيف هذا الحديث بهذا اللفظ فلا حجة فيه * (فرع) إذا نذر صوم يوم الفطر أو الاضحى أو التشريق وقلنا بالمذهب أنه لا يجوز صوم التشريق لم ينعقد نذره ولم يلزمه بهذا النذر شئ هذا مذهبنا وبه قال مالك واحمد وجماهير العلماء * وخالفهم أبو حنيفة فقال ينعقد نذره ولا يصوم ذلك بل يصوم غيره قال فان صامه أجزأه وسقط عنه به فرض
نذره * دليلنا الحديث الصحيح السابق (ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه) * (فرع) إذا نذر ذبح ابنه أو بنته أو نفسه أو أجنبي لم ينعقد نذره ولا شئ عليه وبهذا قال داود واحمد في احدى الروايتين عنه * وقال مالك إذا نذر ذبح ابنه في يمين أو على وجه القربة لزمه الهدي * وقال أبو حنيفة واحمد في أصح الروايتين عنه ينعقد نذره ويلزمه ذبح شاة للمساكين قال أبو حنيفة ولو نذر ذبح عبده لا يلزمه شئ وقال أبو يوسف لا يلزمه شئ في المسألتين * دليلنا قوله

(8/457)


صلى الله عليه وسلم (لا نذر في معصية) وهو حديث صحيح كما سبق بيانه (وأما) ايجاب الشاة فتحكم لا أصل له * (فرع) إذا نذر مباحا كلبس وركوب لم ينعقد عندنا وبه قال مالك وأبو حنيفة وداود والجمهور * وقال احمد ينعقد ويلزمه كفارة يمين * دليلنا انه ليس بقربة والوفاء به لا يجب بالاجماع فلم ينعقد والله أعلم * قال المصنف رحمه الله * (فان نذر طاعة نظرت فان علق ذلك على اصابة خير أو دفع سوء فاصاب الخير أو دفع السوء عنه لزمه الوفاء بالنذر لما روى ابن عباس رضى الله عنهما (ان امرأة ركبت في البحر فنذرت ان نجاها الله ان تصوم شهرا فماتت قبل ان تصوم فأتت اختها أو أمها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم ان تصوم عنها) فان لم يعلقه على شئ بأن قال لله علي ان اصوم أو اصلي ففيه وجهان (أحدهما) انه يلزمه وهو الاظهر لقوله صلى الله عليه وسلم (من نذر ان يطع الله فليطعه) (والثاني) لا يلزمه وهو قول ابي اسحاق وابي بكر الصيرفي لانه التزام من غير عوض فلم يلزمه بالقول كالوصية والهبة * وان نذر طاعة في لجاج وغضب بان قال ان كلمت فلانا فعلي كذا فكلمه فهو بالخيار بين الوفاء بما نذر وبين كفارة يمين لما روى عقبة بن عامر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (كفارة النذر كفارة يمين) ولانه يشبه اليمين من حيث انه قصد المنع والتصديق ويشبه النذر من حيث انه التزم قربة في ذمته فخير بين موجبهما ومن أصحابنا من قال ان كانت القربة حجا أو عمرة لزمه الوفاء به لان ذلك يلزمه بالدخول فيه بخلاف غيره والمذهب الاول لان العتق ايضا يلزمه اتمامه بالتقويم ثم لا يلزمه) *
(الشرح) حديث ابن عباس رواه أبو داود والنسائي باسنادين صحيحين على شرط البخاري ومسلم لكن وقع في المهذب امها أو أختها وفي كتب الحديث اختها أو بنتها (اما) حديث (من نذر ان يطع الله فليطعه) فصحيح سبق بيانه أول الكتاب (وأما) حديث عقبة فغريب بهذا اللفظ وقد رواه ابن ماجه في سننه بلفظ آخر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (من نذر نذرا ولم يسمه فكفارته كفارة يمين) واسناده ضعيف (وقول) المصنف لانه التزام من غير عوض احتراز من نذر المجازاة ومن العوض في عقود المعاوضات (وقوله) فلا يلزمه بالقول احتراز من الاتلاف والغضب والله أعلم

(8/458)


(أما) الاحكام فقال أصحابنا النذر ضربان (أحدهما) نذر تبرر (والثاني) نذر لجاج وغضب (الاول) التبرر وهو نوعان (أحدهما) نذر المجازاة وهو ان يلتزم قربة في مقابلة حدوث نعمة أو اندفاع بلية كقوله ان شفى الله مريضي أو رزقني ولدا أو نجانا من الغرق أو من العدو أو من الظالم أو أغاثنا عند القحط ونحو ذلك فلله علي اعتاق أو صوم أو صلاة أو نحو ذلك فإذا حصل المعلق عليه لزمه الوفاء بما التزم وهذا لا خلاف فيه لعموم الحديث الصحيح السابق (من نذر أن يطع الله فليطعه) (النوع الثاني) ان يلتزمه ابتداء من غير تعليق على شئ فيقول ابتداء لله علي أن أصلي أو أصوم أو أعتق أو أتصدق ففيه خلاف حكاه المصنف وغيره وجهين وحكاهما غيرهم قولين (أحدهما) لا يصح نذره ولا يلزمه به شئ (وأصحهما) عند الاصحاب يصح نذره لما ذكره المصنف والله أعلم (الضرب الثاني) نذر اللجاج والغضب وهو أن يمنع نفسه من فعل أو يحثها عليه بتعليق التزام قربة بالفعل أو بالترك ويقال فيه يمين اللجاج والغضب ويقال له ايضا يمين الغلق ويقال ايضا نذر الغلق - بفتح الغين المعجمة واللام - فإذا قال ان كلمت فلانا أو ان دخلت الدار أو ان لم أخرج من البلد فلله علي صوم شهر أو حج أو عتق أو صلاة ونحو ذلك ثم كلمه أو دخل أو لم يخرج ففيما يلزمه خمسة طرق جمعها الرافعي قال اشهرها على ثلاثة أقوال (أحدها) يلزمه الوفاء بما التزم (والثاني) يلزمه كفارة يمين (والثالث) يتخير بينهما قال وهذا الثالث هو الاظهر عند العراقيين قال لكن الاظهر على ما ذكره البغوي والروياني وابراهيم المروروذي والموفق بن طاهر وغيرهم وجوب الكفارة (والطريق الثاني) القطع بالتخيير
(والثالث) نفى التخيير والاقتصار على القولين الاولين (والرابع) الاقتصار على قول التخيير وعلى وجوب الكفارة (والخامس) الاقتصار على التخيير ولزوم الوفاء بما التزم ونفى وجوب الكفارة (قلت) والاصح التخيير بين ما التزم وكفارة اليمين كما رجحه المصنف وسائر العراقيين * قال الرافعي فان قلنا بوجوب الكفارة فوفى بما التزم لم تسقط الكفارة على الاصح فان كان الملتزم من جنس ما تتادى به الكفارة فالزيادة على قدر الكفارة تقع تطوعا وان قلنا بالتخيير فلا فرق بين الحج والعمرة وسائر العبادات على المذهب وبه قال الجمهور * وفيه قول مخرج وحكاه المصنف وغيره وجها انه ان كان حجا أو عمرة لزمه الوفاء به لما ذكره المصنف والله أعلم * (فرع) إذا التزم على وجه اللجاج اعتاق عبد بعينه فان قلنا واجبه الوفاء بما التزم لزمه اعتاقه

(8/459)


كيف كان وان قلنا عليه كفارة يمين فان كان بحيث يجزئ في الكفارة فله ان يعتقه أو يعتق غيره أو يطعم أو يكسو وان كان بحيث لا يجزئ واختار الاعتاق اعتق غيره * وان قلنا يتخير فان اختار الوفاء أعتقه كيف كان وان اختار التكفير اعتبر في اعتاقه صفات الاجزاء * وان التزم اعتاق عبيده فان اوجبنا الوفاء اعتقهم وان أوجبنا الكفارة اعتق واحدا أو أطعم أو كسا * وان قال ان فعلت كذا فعبدي حر وقع العتق بلا خلاف إذا فعله وانما التفصيل السابق فيمن التزم العتق في العبد التزاما * (فرع) لو قال ان فعلت كذا فعلي نذر أو فلله علي نذر فنص الشافعي رحمه الله انه يلزمه كفارة يمين وبه قطع البغوي وابراهيم المروذي * قال القاضي حسين وغيره هذا تفريع على قولنا تجب الكفارة (فأما) إذا اوجبنا الوفاء بالملتزم فيلزمه قربة من القرب والتعيين إليه ويشترط أن يكون ما يعينه مما يصح التزامه بالنذر * وعلى قول التخيير يتخير بين ما ذكرنا وبين الكفارة ولو قال ان فعلت كذا فعلي كفارة يمين فعليه كفارة يمين على الاقوال كلها * ولو قال فعلي يمين أو فلله علي يمين فوجهان (الصحيح) أنه لغو وبه قطع الاكثرون لانه لم يأت بنذر ولا صيغة يمين وليست اليمين مما ثبت في الذمة (والثاني) يلزمه كفارة يمين إذا فعله حكاه امام الحرمين وغيره قال الامام وعلى هذا فالوجه
أن يجعل كناية ويرجع إلى نيته * ولو قال نذرت لله لافعلن كذا فان نوى اليمين فهو يمين وان أطلق فوجهان * ولو عدد أجناس قرب فقال ان دخلت فعلي حج وعتق وصدقة فان أوجبنا الوفاء لزمه ما التزمه وان اوجبنا الكفارة لزمه كفارة واحدة على المذهب وبه قطع الجمهور وحكى الامام عن والده الشيخ أبي محمد احتمالا في تعددها * فلو قال ابتداء علي أن أدخل النار اليوم قال البغوي المذهب انه يمين وعليه كفارة ان لم يدخل وكذا لو قال لامرأته ان دخلت الدار فلله علي أن أطلقك فهو كقوله ان دخلت الدار فو الله لاطلقنك حتى إذا مات أحدهما قبل التطليق لزمه كفارة يمين * ولو قال ان دخلت الدار فلله علي ان آكل الخبز فدخلها فوجهان (الصحيح) يلزمه كفارة يمين (والثاني) هو لغو فلا شئ عليه * (فرع) لو قال ابتداء مالي صدقة أو في سبيل الله ففيه اوجه (أحدها) وهو الاصح عند الغزالي وبه قطع القاضي حسين أنه لغو لانه لم يأت بصيغة التزام (والثاني) يلزمه التصدق به كما لو قال لله علي

(8/460)


أن أتصدق بمالي (والثالث) يصير ماله بهذا اللفظ صدقة كما لو قال جعلت هذه الشاة أضحية * وقال المتولي ان كان المفهوم من هذا اللفظ في عرفهم معنى النذر أو نواه فهو كما لو قال لله علي أن اتصدق بمالي أو أنفقه في سبيل الله والا فلغو (اما) إذا قال ان كلمت فلانا أو فعلت كذا فمالي صدقة فالمذهب والذي نص عليه الشافعي وقطع به الجمهور انه بمنزلة قوله فلله على أن أتصدق بمالي أو بجميع مالي وطريق الوفاء ان يتصدق بجميع أمواله وإذا قال في سبيل يتصدق بجميع أمواله على الغزاة * وقال امام الحرمين والغزالي يخرج هذا على الاوجه الثلاثة في الصورة الاولى * قال الرافعى والمعتمد ما نص عليه الشافعي وقاله الجمهور والله أعلم * (فرع) قال الرافعي الصيغة قد تتردد فتحتمل نذر التبرر وتحتمل اللجاج فيرجع فيها إلى قصد الشخص وارادته قال وفرقوا بينهما بانه في نذر التبرر يرغب في السبب وهو شفاء المريض مثلا بالتزام المسبب وهو القربة المسماة وفي نذر اللجاج يرغب عن السبب لكراهته الملتزم قال وذكر الاصحاب في ضبطه أن الفعل طاعة أو معصية أو مباح والالتزام في كل واحدة منها تارة يعلق بالاثبات
وتارة بالنفي (أما) الطاعة ففي طرف الاثبات يتصور نذر التبرر بأن يقول ان صليت فلله علي صوم يوم معناه ان وفقني الله للصلاة صمت فإذا وفق لها لزمه الصوم * ويتصور اللجاج بأن يقول له صل فيقول لا أصلي وان صليت فعلي صوم أو عتق فإذا صلى ففيما يلزمه الاقوال والطرق السابقة (واما) في طرف النفي فلا يتصور نذر التبرر لانه لا بر في ترك الطاعة ويتصور في اللجاج بأن يمنع من الصلاة فيقول ان لم اصل فلله علي كذا فإذا لم يصل ففيما يلزمه الاقوال * (وأما) المعصية ففي طرف النفي يتصور نذر التبرر بأن يقول ان لم أشرب الخمر فلله علي كذا وقصد ان عصمني الله من الشرب ويتصور نذر اللجاج بأن يمنع من شربها فيقول ان لم أشربها فلله علي صوم أو صلاة وفي طرف الاثبات لا يتصور الا اللجاج بان يؤمر بالشرب فيقول ان شربت فلله علي كذا (وأما) المباح فيتصور في طرفي النفي والاثبات فيه النوعان معا لتبرر في الاثبات ان أكلت كذا فلله علي صوم يريد ان يسره الله لي واللجاج أن يؤمر بأكله فيقول إن أكلت فلله علي كذا * والتبرر في النفي إن لم آكل كذا فعلي صوم يريد إن أعانني الله على كسر شهوتي فتركته واللجاج ان يمنع من أكله فيقول إن لم آكل فلله علي كذا (أما) إذا قال ان رأيت فلانا فعلي صوم أو غيره فان أراد ان رزقني الله رؤيته فهو نذر

(8/461)


تبرر وان ذكره لكراهة رؤيته فنذر لجاج * وحكى الغزالي وجها في الوسيط في منع التبرر في المباح والمذهب ما سبق * (فرع) نص الشافعي رحمه الله في نذر اللجاج أنه لو قال ان فعلت كذا فلله علي نذر حج ان شاء فلان فشاء فلان لم يلزم القائل شئ * قال المتولي هذا إذا غلبنا في اللجاج معنى النذر (أما) إذا قلنا هو يمين فهو كمن قال والله لاأفعل كذا إن شاء زيد وسيأتي في كتاب الايمان إن شاء الله تعالى أن من قال والله لا أدخلها إن شاء فلان أن لا أدخلها فان شاء فلان انعقدت يمينه عند المشيئة والا فلا * (فرع) إذا قال أيمان البيعة لازمة لي فقد ذكره الاصحاب في هذا الموضع وذكره المصنف في التنبيه وجماعات في باب الايمان * قال أصحابنا كانت في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمصافحة للرجال فلما ولى الحجاج بن يوسف رتبها ايمانا تشتمل على ذكر اسم الله تعالى وعلى
الطلاق والاعتاق والحج وصدقة المال قال أصحابنا فإذا قال ايمان البيعة لازمة لي فان لم يرد الايمان التي رتبها الحجاج لم يلزمه شئ وان أرادها نظر ان قال فطلاقها وعتاقها لازم لي انعقدت يمينه بهما ولا حاجة إلى النية وان لم يصرح بذكرهما لكن نواهما انعقدت يمينه ايضا بهما لانهما ينعقدان بالكناية مع النية وان نوى اليمين بالله تعالى أو لم ينو شيئا لم ينعقد يمينه ولا شئ عليه والله أعلم * * قال المصنف رحمه الله * (إذا نذر ان يتصدق بماله لزمه ان يتصدق بالجميع لقوله صلى الله عليه وسلم (من نذر ان يطع الله فليطعه) وان نذر ان يعتق رقبة ففيه وجهان (أحدهما) يجزئه ما يقع عليه الاسم اعتبارا بلفظه (والثاني) لا يجزئه الا ما يجزئ في الكفارة لان الرقبة التي يجب عتقها بالشرع ما يجب بالكفارة فحمل النذر عليه * وان نذر ان يعتق رقبة بعينها لزمه ان يعقتها ولا يزول ملكه عنها حتى يعتقها فان اراد بيعها أو ابدالها بغيرها لم يجز لانه تعين للقربة فلا يملك بيعه كالوقف وان تلف أو اتلفه لم يلزمه بدله لان الحق للعبد فسقط بموته وان اتلفه اجنبي وجبت القيمة للمولى ولا يلزمه صرفها في عبد آخر لما ذكرناه) * (الشرح) الحديث المذكور صحيح سبق بيانه أول الكتاب ثم في الفصل مسائل (احداها) إذا نذر أن يتصدق بماله لزمه الصدقة بجميع ماله لما ذكره المصنف * وقال أحمد في احدى الروايتين عنه يكفيه أن يتصدق بثلثه * دليلنا أن اسم المال يقع على الجميع (أما) إذا قال مالي صدقة فقد سبق

(8/462)


بيانه مع ما يتعلق به قريبا * ولو قال ان شفي الله مريضي فلله علي ان اتصدق بشئ صح نذره ويجزئه التصدق بما شاء من قليل وكثير * ونقل الرافعي انه لو قال لله علي الف ولم يعين شيئا باللفظ ولا بالنية لم يلزمه شئ (الثانية) إذا نذر اعتاق رقبة فوجهان مشهوران ذكرهما المنصف بدليلهما (اصحهما) يجزئه اعتاق ما يسمى رقبة وان كانت معيبة وكافرة وهو ظاهر نص الشافعي فانه قال اعتق رقبة اية رقبة كانت (والثاني) لا يجزئه الا ما يجزئ في الكفارة وهي المؤمنة السليمة * وبنى اصحابنا هذا الخلاف على اصل مفهوم من معاني كلام الشافعي رحمه الله وهو ان الناذر إذا التزم عبادة بالنذر واطلقها فلم يصفها فعلى اي شئ يحمل نذره وفيه قولان مفهومان من معاني كلام الشافعي (احدهما)
ينزل على أقل واجب من جنسه يجب باصل الشرع لان المنذور واجب فجعل كواجب الشرع ابتداء (والثاني) ينزل على أقل ما يصح من جنسه وقد يقولون على اقل جائز الشرع لان لفظ الناذر لا يقتضي زيادة عليه والاصل براءته * قال الرافعي وهذا الثاني أصح عند امام الحرمين والغزالي قال والاول هو الصحيح عند العراقيين والروياني وغيرهم (قلت) الصواب ان يقال ان الصحيح يختلف باختلاف المسائل ففي بعضها يصححون القول الاول وفي بعضها الثاني وهذا ظاهر يعلم من استقراء كلام الاصحاب في المسائل المخرجة على هذا الاصل فمن ذلك من نذر صوما الاصح وجوب تبييت النية ترجيحا للقول الاول وقطع به كثيرون ولو نذر صلاة لزمه ركعتان على الصحيح باتفاقهم ترجيحا للقول الاول ايضا وكذا لا يجوز الجمع بين صلاتين منذورتين بتيمم واحد على الصحيح باتفاقهم ترجيحا للقول الاول وغير ذلك من المسائل التي رجح فيها القول الاول * ومما رجح فيه القول الثاني ما لو نذر اعتاق رقبة فان الاصح انه يجزئ المعيبة والكافرة ترجيحا للقول الثاني * فحصل ان الصحيح يختلف باختلاف الصور * ويجوز ان يقال مراد الجمهور بتصحيح القول الاول أنه الاصح مطلقا الا في مسألة الاعتكاف وانما اختلف الاصح في هذه المسألة وسائر المسائل لان الاعتاق ليس له عرف مطرد أو غالب يحمل عليه بل وقوع عتق التطوع في العادة أكثر من العتق الواجب فحمل العتق المطلق بالنذر على مسمى الرقبة (وأما) الصوم فيصح فيه عموم قوله صلى الله عليه وسلم (لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل) فخرج النفل بدليل وبقي النذر داخلا في العموم * وهكذا الصلاة صح فيها قوله صلى الله عليه وسلم (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى) فخرج جواز

(8/463)


التنقل بركعة بدليل وبقي النذر داخلا في العموم وكذا يقال في التيمم وغيره والله أعلم * فالحاصل أن الصحيح عند الجمهور أنه ينزل النذر في صفاته على صفات واجب الشرع الا في الاعتاق وهذا الخلاف في صفاته (وأما) أصل فعله والوفاء به فواجب بلا خلاف قال أصحابنا ويبني على القولين في تنزيل النذر مسائل (منها) لو نذر أن يصلي وأطلق ان قلنا بالقول الاول وهو التنزيل على واجب الشرع لزمه ركعتان وهو المنصوص والا فركعة (ومنها) جواز صلاته قاعدا مع القدرة على القيام
فيها وجهان بناء عليها * ولو نذر أن يصلي قاعدا جاز القعود قطعا كما لو صرح بنذر ركعة فانها تجزئه بلا خلاف فان صلى قائما فهو أفضل * ولو نذر أن يصلي قائما لزمه القيام قطعا * ولو نذر أن يصلي ركعتين فصلى أربعا بتسليمة واحدة بتشهد أو تشهدين فطريقان (أصحهما) وبه قطع البغوي جوازه (والثاني) فيه وجهان وهو الذي ذكره المتولي قال الرافعي ويمكن بناؤه على الاصل فان نزلنا النذر على جائز الشرع أجزأه والا فلا كما لو صلى الصبح أربعا * وان نذر أربع ركعات فان نزلنا على واجب الشرع أمرناه بتشهدين فان ترك الاول يسجد للسهو ولا يجوز أداؤها بتسليمتين وان نزلنا على الجائز فهو بالخيار ان شاء اداها بتشهد وان شاء اداها بتشهدين ويجوز بتسليمة وبتسليمتين وهو افضل كما هو في النوافل هكذا نقلوه (والاصح) انه يجوز بتسلميتين على القولين والفرق بين هذه المسألة وباقى المسائل المخرجة على هذا الاصل ظاهر لانه يسمى مصليا اربع ركعات كيف صلاها * ولو نذر صلاتين لم تجزئه اربع ركعات بتسليمة واحدة * ولو نذر ان يصلي ركعتين على الارض مستقبل القبلة لم يجز فعلهما على الراحلة ولو نذر فعلهما على الراحلة فله فعلهما على الارض مستقبلا وان اطلق فعلى ايهما يحمل فيه خلاف مبني على هذا الاصل والله أعلم (أما) إذا نذر ان يتصدق فانه لا يحمل على خمسة دراهم أو نصف دينار بلا خلاف بل يجزئه ان يتصدق بدانق ودونه مما يتمول لان الصلاة الواجبة في الزكاة غير منحصرة في نصاب الذهب والفضة بل تكون في صدقة الفطر وفى الخلطة ويتصور ايجاب دانق ودونه من الذهب والفضة ايضا في الزكاة إذا تلف معظم النصاب بعد الحول وقبل التمكن وقلنا التمكن شرط في الضمان وهو الصحيح كما سبق في بابه والله أعلم * (ومنها) إذا نذر اعتاق رقبة فان نزلنا على واجب الشرع وجبت رقبة مؤمنة سليمة وهو الاصح عند الداركي والا اجزاه كافرة معيبة وهو الصحيح عند الاكثرين منهم المحاملي والمصنف في التنبيه والشاشي وآخرون

(8/464)


وهو الراجح في الدليل كما سبق * فلو قيد فقال لله علي اعتاق رقبة مؤمنة سليمة لم يجزه الكافرة ولا المعيبة بلا خلاف ولو قال كافرة أو معيبة أجزأنه بلا خلاف فلو أعتق مؤمنة سليمة فقيل لا تجزئه لانها غير ما التزمه (والصحيح) الذي عليه الجمهور انها تجزئه لانها أكمل وذكر الكفر والعيب ليس للتقرب
بل لجواز الاقتصار على الناقص فصار كمن نذر التصدق بحنطة رديئة يجوز له التصدق بالجيدة * ولو قال علي أن أعتق هذا الكافر أو المعيب لم يجزه غيره لتعلق النذر بعينه (أما) إذا نذر أن يعتكف فليس من جنس الاعتكاف واجب بالشرع وقد سبق في بابه وجهان في أنه هل يشترط اللبث أم يكفي المرور في المسجد مع النية والاول أصح فعلى هذا يشترط لبث ويخرج عن النذر بلبث ساعة ويستحب أن يمكث يوما * وان اكتفينا بالمرور في أصل الاعتكاف فلامام الحرمين احتمالان (أحدهما) يشترط لبث لان لفظ الاعتكاف يشعر به (والثاني) لا حملا له على حقيقته شرعا والله أعلم (المسألة الثالثة) إذا نذر أن يعتق رقبة بعينها لزمه اعتاقها ولا يزول ملكه عنها بمجرد النذر فان أراد بيعها أو هبتها أو الوصية بها أو ابدالها بغيرها لم يجز * وان تلفت أو أتلفها لم يلزمه بدلها وان أتلفها أجنبي لزمه القيمة للمولى ويتصرف فيها المولى بما شاء ولا يلزمه أن يشتري بها رقبة يعتقها * ودليل جميع هذه الصور في الكتاب وفيه الفرق بينه وبين الهدى والاضحية المنذورتين وقد سبقت المسألة بفروعها وايضاح الفرق في باب الهدي والله أعلم * قال المنصف رحمه الله * (وان نذر هديا نظرت فان سماه كالثوب والعبد والدار لزمه ما سماه وان أطلق الهدي ففيه قولان قال في الاملاء والقديم يهدي ما شاء لان اسم الهدي يقع عليه ولهذا يقال أهديت له دارا أو اهدي لي ثوبا ولان الجميع يسمى قربانا ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في الجمعة (من راح في الساعة الاولى فكانما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكانما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكانما قرب كبشا ومن راح في الساعة الرابعة فكانما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكانما قرب بيضة) فإذا سمى قربانا وجب أن يسمي هديا وقال في الجديد لا يجزئه الا الجذعة من الضأن والثنية من المعز والابل والبقر لان الهدى المعهود في الشرع ما ذكرناه فحمل مطلق النذر عليه * وان نذر بدنة أو بقرة أو شاة فان قلنا بالقول الاول أجزأه من ذلك ما يقع عليه الاسم وان قلنا بالقول الثاني لم يجزه الا ما يجزئ في الاضحية * وان نذر شاة فاهدى بدنة أجزأه لان البدنة بسبع من الغنم وهل يجب الجميع فيه وجهان (أحدهما) ان الجميع واجب لانه مخير بين الشاة والبدنة فايهما فعل كان واجبا كما نقول في العتق والاطعام في كفارة اليمين (والثاني) ان الواجب هو السبع لان كل سبع منها بشاة فكان الواجب هو السبع * وان

(8/465)


نذر بدنة وهو واجد البدنة ففيه وجهان (أحدهما) أنه مخير بين البدنة والبقرة والسبع من الغنم لان كل واحد من الثلاثة قائم مقام الاخر والثاني أنه لا يجزئه غير البدنة لانه عينها بالنذر وان كان عادما للبدنة انتقل إلى البقرة فان لم يجد بقرة انتقل إلى سبع من الغنم ومن أصحابنا من قال لا يجزئه غير البدنة فان لم يجد ثبتت في ذمته إلى أن يجد لانه التزم ذلك بالنذر والمذهب الاول لانه فرض له بدل فانتقل عند العجز إلى بدله كالوضوء * وإن نذر الهدى للحرم لزمه في الحرم وان نذر لبلد آخر لزمه في البلد الذي سماه لما روى عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده (ان امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله أنى نذرت ان أذبح بمكان كذا وكذا مكان كان يذبح فيه أهل الجاهلية قال لصنم قالت لا قال لوثن قالت لا قال أوفي بنذرك) فان نذر لافضل بلد لزمه بمكة لانها أفضل البلاد والدليل عليه ما روى جابر رضى الله عنه قال (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته أي بلد أعظم حرمة قالوا بلدنا هذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم ان دمائكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا) ولان مسجدها أفضل المساجد فدل على أنها أفضل البلاد وان اطلق النذر ففيه وجهان (أحدهما) يجوز حيث شاء لان الاسم يقع عليه (والثاني) لا يجوز الا في الحرم لان الهدى المعهود في الشرع هو الهدى في الحرم والدليل عليه قوله تعالى (هديا بالغ) الكعبة وقال تعالى (ثم محلها إلى البيت العتيق) فحمل مطلق النذر عليه * فان كان قد نذر الهدى لرتاج الكعبة أو عمارة مسجد لزمه صرفه فيما نذر فان أطلق ففيه وجهان (أحدهما) ان له ان يصرفه فيما شاء من وجوه القرب في ذلك البلد الذي نذر الهدى فيه لان الاسم يقع عليه (والثاني) أنه يفرقه على مساكين البلد الذي نذر ان يهدى إليه لان الهدى المعهود في الشرع ما يفرق على المساكين فحمل مطلق النذر عليه * وان كان ما نذره مما لا يمكن نقله كالدار باعه ونقل ثمنه إلى حيث نذر * وان نذر النحر في الحرم ففيه وجهان (أحدهما) يلزمه النحر دون التفرقة لانه نذر أحد مقصودي الهدى فلم يلزمه الاخر كما لو نذر التفرقة (والثاني) يلزمه النحر والتفرقة وهو الصحيح لان نحر الهدي في الحرم في عرف الشرع ما يتبعه التفرقة فحمل مطلق النذر عليه * وان نذر النحر في بلد غير الحرم ففيه وجهان
(أحدهما) لا يصح لان النحر في غير الحرم ليس بقربة فلم يلزمه بالنذر (والثاني) يلزم النحر والتفرقة لان النحر على وجه القربة لا يكون الا للتفرقة فإذا نذر النحر تضمن التفرقة * (الشرح) حديث (من راح في الساعة الاولى) رواه البخاري ومسلم من رواية أبي هريرة

(8/466)


وسبق بيان طرقه وشرحه في صلاة الجمعة * وحديث عمرو بن شعيب غريب ولكن معناه مشهور من رواية ثابت الضحاك الانصاري رضى الله عنه قال (نذر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ببوانة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد قالوا لا قال فهل كان فيها عيد من أعيادهم قالوا لا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أوف بنذرك فانه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم) رواه أبو داود باسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم (وأما) حديث جابر بهذا اللفظ فغريب عنه ورواه البخاري بهذا اللفظ في صحيحه في أول كتاب الحدود في باب طهر المؤمن حما من رواية ابن عمر رضى الله عنهما ويستدل معه ايضا بحديث عدى بن الحمراء رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (وقف في مكة وأشار إليها وقال والله انك لخير أرض الله وأحب أرض الله ولولا أني أخرجت منك ما خرجت) رواه الترمذي وغيره قال الترمذي هو حديث حسن صحيح وسبق بيانه وبيان ما يتعلق به وما يعارضه في آخر باب ما يجب بمحظورات الاحرام والله أعلم (أما) الفاظ الفصل ففيه لغتان مشهورتان (أشهرهما) وأفصحهما هدى - باسكان الدال وتخفيف الياء - وبهذه جاء القرآن (والثانية) هدى - بكسر الدال وتشديد الياء - سمي هديا لانه يهدى إلى الحرم فعلى الاولى هو فعل بمعنى مفعول كالخلق بمعنى المخلوق وعلى الثانية فعيل بمعنى مفعول كقتيل وجريح بمعنى مقتول ومجروح (وأما) حديث من راح في الساعة الاولى فسبق شرحه في باب الجمعة (وقوله) وقال في الجديد أي في معظم كتبه الجديدة والا فالاملاء من الكتب الجديدة (واما) الضأن والمعز والابل والبقر فسبق بيان لغاتها في كتاب الزكاة (قوله) لانه فرض له بدل احتراز من الصلاة ومن زكاة الفطر * وذكر في الجديد الصنم والوثن فقيل هما بمعنى والاصح أنهما متغايران فعلى هذا قيل الصنم ما كان مصورا من حجر أو نحاس أو غيرهما والوثن ما كان غير
مصور * وقيل الوثن ما كان له جثة من خشب أو حجر أو جوهر أو ذهب وفضة ونحو ذلك سواء كان مصورا أو غير مصور والصنم الصورة بلا جثة والله أعلم * (قوله) رتاج الكعبة هو - بكسر الراء وتخفيف التاء المثناة فوق وبالجيم - وأصله الباب وقد يراد به الكعبة نفسها ويقال فيه الرتج أيضا - بفتح الراء والتاء - والله أعلم * (أما) الاحكام ففيها مسائل (احداها) إذا نذر أن يهدي شيئا معينا من ثوب أو طعام أو دراهم أو عبيد أو دار أو شجر أو غير ذلك لزمه ما سماه ولا يجوز العدول عنه ولا ابداله فان كان نذر أن يهديه إلى مكان معين واحتاج إلى مؤنة لنقله لزمه تلك المؤنة من ماله لا من المنذور وان كان مما لا يمكن نقله كالدار والشجر والارض وحجر الرحى ونحوها

(8/467)


لزمه بيعه ونقل ثمنه لقوله صلى الله عليه وسلم (من نذر أن يطع الله فليطعه) قال البغوي وغيره ويتولى الناذر البيع والنقل بنفسه ولا يشترط إذن الحاكم ولا غيره ويتصدق بثمنه * قال أصحابنا وان كان ذلك المعين بالنذر من الحيوان كالعبد والبدنة والشاة وجب حمله إلى ذلك الموضع المعين فان لم يكن شرط موضعا معينا لزمه صرفه إلى مساكين الحرم وسواء المقيمون فيه والواردون إليه هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور * وفيه وجه حكاه الرافعي وغيره أن مساكين الحرم لا يتعينون بل يجوز صرفه في غير الحرم والمشهور الاول * فان كان المنذور بدنة أو شاة أو بقرة وجب التصدق بها بعد ذبحها ولا يجوز التصدق بها قبله لان في ذبحها قربة * قال أصحابنا ويجب الذبح في الحرم فان ذبح في غيره لم يجزه هذا هو المذهب * وفيه وجه آخر مشهور أنه يجوز ذبحه خارج الحرم بشرط أن ينقل اللحم إلى الحرم قبل أن يتغير وقد سبق مثل هذا الخلاف في آخر باب محظورات الاحرام * وان كان من غير الابل والبقر والغنم فما يمكن نقله كالظبية والحمار والطائر والثوب وجب حمله إلى الحرم وعليه مؤنة نقله كما ذكرنا فان لم يكن له مال بيع بعضه لنقل الباقي هكذا جزم به المصنف في التنبيه وجمهور الاصحاب * قال الرافعي واستحسن ما حكى عن القفال أنه قال إن قال أهدى هذا فالمؤنة عليه وان قال جعلته هديا فالمؤنة فيه يباع بعضه قال لكن مقتضى جعله هديا أن يوصل كله إلى الحرم فيلتزم مؤنته كما لو قال أهدى * ثم إذا بلغ الحرم فالصحيح أنه يجب
صرفه الي مساكين الحرم لكن لو نوى صرفه إلى تطييب الكعبة أو جعل الثوب سترا لها أو قربة أخرى هناك صرفه إلى ما نوى وفيه وجه ضعيف أنه وان أطلق فله صرفه إلى ما نوى ووجه ثالث أضعف منه أن الثوب الصالح للستر يحمل عليه عند الاطلاق * قال إمام الحرمين قياس المذهب والذي صرح به الائمة ان ذلك المال المعين يمتنع بيعه وتفرقة ثمنه بل يتصدق بعينه وينزل تعيينه منزلة تعيين الاضحية والشاة في الزكاة فيتصدق بالظبية والطائر وما في معناهما حيا ولا يذبحه إذ لا قربه في ذبحه فلو ذبحه فنقصت القيمة تصدق باللحم وغرم ما نقص هذا هو المذهب * وحكى المتولي وجها ضعيفا انه يذبح وطرد المتولي الخلاف فيما إذا أطلق ذكر الحيوان وقلنا لا يشترط ان يهدى ما يجزئ في الاضحية والله اعلم * (اما) إذا نذر إهداء بغير معيب فهل يذبحه فيه وجهان (احدهما) نعم نظرا إلى جنسه (وأصحهما) لا لانه لا يصلح للتضحية كالضبية والله أعلم * (المسألة الثانية) في الصفات المعتبرة في الحيوان المنذور إذا أطلق النذر * قال أصحابنا إذا قال لله علي ان اهدي بعيرا أو بقرة أو شاة فهل يشترط فيه السن المجزئ في الاضحية والسلامة من العيوب فيه القولان اللذان ذكرهما المصنف بدليلهما وهما مبنيان

(8/468)


على القاعدة السابقة ان النذر هل يحمل على اقل واجب الشرع من ذلك النوع أو اقل جائزه وما يتقرب به (اصحهما) على واجبه فيشترط سن الاضحية والسلامة * ولو قال اضحي ببعير أو ببقرة ففيه مثل هذا الخلاف قال إمام الحرمين وبالاتفاق لا يجزئ الفصيل لانه لا يسمى بعيرا ولا العجل إذا ذكر البقرة ولا السخلة إذا ذكر الشاة * ولو قال أضحى ببدنة أو أهدى بدنة جرى الخلاف ورأي إمام الحرمين هذه الصورة أولى باشتراط السن والسلامة وهو كما رأى * وان أهدى ولم يسم شيئا ففيه القولان (ان نزلناه) على ما يتقرب به من جنسه خرج عن نذره بكل ما يتصدق به حتى الدجاجة أو البيضة أو غيرهما من كل ما يتمول لوقوع الاسم عليه وعلى هذا فالصحيح من الوجهين أنه لا يجب ايصاله مكة وصرفه إلى فقرائها بل يجوز التصدق به على غيرهم وهذا نصه في الاملاء والقديم كما ذكره المصنف والاصحاب (وان نزلناه) على اقل واجب الشرع من جنسه وجب اقل ما يجزئ في الاضحية وهذا هو المنصوص في الجديد وهو الصحيح فعلى هذا يجب إيصاله مكة لان محل الهدى الحرم وقد حملناه على مقتضى الهدى
وفيه وجه ضعيف أنه لا يجب حمله الا أن يصرح به والمذهب الاول * (أما) إذا قال لله على ان اهدى الهدى بالالف واللام فيجب حمله على الهدي المعهود شرعا وهو ما يجزئ في الاضحية وهذا لا خلاف فيه لانه عرفه بالالف واللام فوجب صرفه إلى المعهود والله أعلم * (الثالثة) إذا نذر ذبح حيوان ولم يتعرض لهدى ولا أضحية بأن قال لله على أن أذبح هذه البقرة أو أنحر هذه البدنة فان قال مع ذلك وأتصدق بلحمها أو نواه لزمه الذبح والتصدق وان لم يقله ولا نواه فوجهان (احدهما) ينعقد نذره ويلزمه الذبح والتصدق (وأصحهما) لا ينعقد لانه لم يلتزم التصدق وانما التزم الذبح وحده وليس فيه قربة إذا لم يكن للصدقة ولو نذر أن يهدي بدنة أو بقرة أو شاة إلى مكة أو أن يتقرب بسوقها ويذبحها ويفرق لحمها على فقرائها لزمه الوفاء ولو لم يتعرض للذبح وتفرقة اللحم لزمه الذبح بها أيضا وفي تفرقة اللحم وجهان (أحدهما) لا يجب تفرقته بها الا أن ينوى بل له التفرقة في موضع آخر (وأصحهما) الوجوب وبه قطع الاكثرون ولو نذر الذبح في موضع آخر خارج الحرم وتفريق اللحم في الحرم على أهله قال المتولي الذبح خارج الحرم لا قربة فيه فيذبح حيث شاء ويلزمه تفرقة اللحم في الحرم وكأنه نذر أن يهدى إلى مكة لحما * ولو نذر أن يذبح بمكة ويفرق اللحم على فقراء بلد آخر لزمه الوفاء بما التزم * ولو قال لله على أن أنحر أو أذبح بمكة ولم يتعرض للفظ القربة والتضحية ولا التصدق ففي انعقاد نذره وجهان (اصحهما) ينعقد وبه قطع الجمهور وعلى هذا في وجوب التصدق باللحم على فقرائها الوجهان السابقان * ولو نذر الذبح بأفضل بلد صح نذره ولزمه الوفاء وحكمه حكم من نذر الذبح بمكة لانها أفضل البلاد عندنا وقد سبق

(8/469)


ايضاح المسألة في آخر باب محظورات الاحرام * ولو نذر الذبح أو النحر ببلد أخرى ولم يقل مع ذلك وأتصدق على فقرائها ولا نواه فوجهان مشهوران حكاهما المصنف بدليلهما وحكاهما جماعة قولين (أصحهما) وهو نصه في الام لا ينعقد نذره لانه لم يلتزم الا الذبح والذبح في غير الحرم لا قربة فيه (والثاني) ينعقد ويلزمه الذبح وتفرقة اللحم على الفقراء (فان قلنا) ينعقد أو تلفظ مع ذلك بالتصدق أو نواه فهل يتعين التصدق باللحم أم لا يجوز نقله إلى غيرهم فيه طريقان (المذهب) أنهم يتعينون (والثاني) فيه وجهان مأخوذان من نقل الصدقة (فان قلنا) لا يتعينون لم يجب الذبح بتلك البلدة
بخلاف مكة فانها محل ذبح الهدايا (وان قلنا) يتعينون فوجهان (احدهما) لا يجب الذبح بهابل لو ذبح خارجها ونقل اللحم إليها طريا جاز وبه قطع البغوي وجماعة (والثاني) يتعين اراقة الدم فيها كمكة وبهذا قطع العراقيون وحكوه عن نصه في الام (أما) إذا قال لله علي أن أضحى ببلدة كذا وأفرق اللحم على أهلها فينعقد نذره ويغنى ذكر التضحية عن ذكر التصدق ونيته وجعل إمام الحرمين وجوب التفرقة على أهلها ووجوب الذبح بها على الخلاف السابق قال ولو اقتصر على قوله اضحى بها فهل يتضمن ذلك تخصيص التفرقة عليهم فيه وجهان (الصحيح) الذي جرى عليه الائمة وجوب الذبح والتفرقة بها * وفي فتاوي القفال أنه لو قال ان شفى الله مريضي فلله علي أن اتصدق بعشرة دراهم على فلان فشفاه الله تعالى لزمه التصدق عليه فان لم يقبل لم يلزمه شئ وهل لفلان مطالبته بالتصدق بعد الشفاء قال يحتمل أن يقال نعم كما لو نذر اعتاق عبد معين ان شفي فشفي فان له المطالبة بالاعتاق وكما لو وجبت الزكاة والمستحقون في البلد محصورون فان لهم المطالبة والله أعلم * (الرابعة) إذا قال لله علي أن اضحي ببدنة أو اهدي بدنة قال امام الحرمين البدنة في اللغة مختصة بالواحد من الابل ثم الشرع قد يقيم مقامها بقرة أو سبعا من الغنم وقال الشيخ أبو حامد وجماعة اسم البدنة على الابل والبقر والغنم جميعا وهذا هو الصحيح وقد نقله الازهري وخلافه من اهل اللغة وصرحوا بانه يطلق على الابل والبقر والغنم الذكر والانثى ولكن اشتهر في اصطلاح الفقهاء اختصاص البدنة بالابل * قال اصحابنا فإذا نذر بدنة فله حالان (احدهما) ان يطلق التزام البدنة فله اخراجها من الابل وهل له العدول إلى بقرة أو سبع من الغنم فيه ثلاثة اوجه (احدها) لا (والثاني) نعم (والثالث) وهو الصحيح المنصوص انه ان وجد الابل لم يجز العدول والا جاز وقد ذكر المصنف دليل الاوجه الثلاثة * ويشترط في البدنة والبقرة وكل شاة ان تكون مجزئة في الاضحية (الحال الثاني) أن يقيد فيقول لله علي أن اضحى ببدنة من الابل أو ينويها فلا يجزئه غير الابل إذا وجدت بلا خلاف فان عدمت فوجهان

(8/470)


مشهوران (أحدهما) يصبر إلى أن يجدها ولا يجزئه غيرها (والثاني) وهو الصحيح المنصوص ان البقرة تجزئه بالقيمة فان كانت قيمة البقرة دون قيمة البدنة من الابل لزمه اخراج الفاضل هذا هو
المذهب وفيه وجه آخر أنه لا تتعين القيمة كما في حال الاطلاق والصحيح الاول * واختلفوا في كيفية اخراج الفاضل فذكر الرويانى في كتابه الكافي أنه يشتري بقرة أخرى ان امكن والا فهل يشتري به شقصا أو يتصدق على المساكين بدراهم فيه وجهان وفي تعليق الشيخ أبي حامد أنه يتصدق به وقال المتولي يشارك انسانا في بدنة أو بقرة أو يشتري به شاة والله أعلم * وإذا عدل إلى الغنم في هذه الحالة اعتبرت القيمة أيضا * ثم نقل الروياني في كتابه جامع الجوامع انه إذا لم يجد الابل في حالة التقييد يتخير بين البقرة والسبع من الغنم لان الاعتبار بالقيمة والذي ذكره ابن كج والمتولي وغيرهما أنه لا يعدل إلى الغنم مع القدرة على البقر لانها أقرب * ولو وجد ثلاث شياه بقيمة البدنة فوجهان (أصحهما) لا تجزئه بل عليه أن يتم السبع من ماله (والثاني) تجزئه لوفائهن بالقيمة قاله أبو الحسين النسوي من أصحابنا المتقدمين في زمن ابن خيران وأبي اسحاق المروزي * (فرع) لو نذر شاة فجعل بدلها بدنة جاز بلا خلاف وهل يكون جميعها فرضا فيه وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما وسبق ذكرهما في آخر باب صفة الوضوء وفي صفة الصلاة وفي الزكاة وفي الحج (أصحهما) يقع سبعها واجبا والباقي تطوعا (والثاني) يقع الجميع واجبا (فان قلنا) كلها واجبة لم يجز الاكل منها إذا قلنا بالمذهب انه لا يجوز الاكل من الهدي والاضحية الواجبين (وان قلنا) الواجب السبع جاز الاكل من الزائد وقال الشيخ أبو حامد يجوز أكل الزائد كله والله أعلم * (فرع) إذا نذر أن يهدي شاة بعينها لزمه ذبحها فان أراد أن يذبح عنها بدنة لم يجزئه لان الشاة تعينت فلا يجوز غيرها كما لو نذر اعتاق عبد معين والله أعلم * (فرع) قال الشافعي في الام لو قال إذا أهدى هذه الشاة نذرا لزمه أن يهديها إلا أن تكون نيته أنى سأحدث نذرا أو سأهديها فلا يلزمه قال فلو نذر أن يهدي هديا ونوى بهيمة أو جديا أو رضيعا اجزأه هكذا نص عليه قال أصحابنا والقولان السابقان فيما إذا أطلق نذر الهدى ولم ينو شيئا * قال الشافعي ولو نذر أن يهدي شاة لا تجزئ في الاضحية اجزأته قال ولو أهدى كاملة كان أفضل والله أعلم *
(فرع) يجزئ الذكر والانثى والخصي والفحل في جميع ذلك سواء كان الواجب من الابل

(8/471)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية