صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : مواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل
مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
[ الكتاب مشكول ومرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

يثبت عن الأطباء فيه شيء فالصواب الجزم بأنه لا كراهة فيه انتهى .
( قلت ) : وقد جزم النووي في منهاجه بكراهة المشمس قال الشافعية وقوله لم يثبت عن الأطباء فيه شيء ليس كذلك فقد قال ابن النفيس في شرح التنبيه إن مقتضى الطب كونه يورث البرص قال ابن أبي شريف وهو عمدة في ذلك انتهى وقال بعض الشافعية : يكره في البلاد الحارة في الأواني المنطبعة وهي المطرقة ثم اختلفوا فقيل : جميع ما يطرق وقيل كل ما يطرق إلا الذهب والفضة لصفائهما وقيل إنها من النحاس خاصة والحاصل أن القول بكراهة المشمس قوي فإن القول بنفي الكراهة لم أره إلا في كلام ابن الحاجب ومن تبعه وما ذكره ابن الإمام عن ابن شعبان والقول بالكراهة نقله ابن الفرس عن مالك واقتصر جماعة من أهل المذهب عليه كما تقدم وينبغي أن يقيد بما قال ابن الإمام ونقله عن ابن العربي من كونه في أواني الصفر في البلاد الحارة وجوز ابن الفرات أن يكون التشبيه في قول المصنف كمشمس راجعا إلى ما قبله من المكروهات ( قلت ) : وكلامه في التوضيح يدل على خلافه ، ( تنبيهات : الأول ) قال ابن الإمام عن ابن العربي إنه إن توضأ به أجزأه قال لأن النهي عنه لم يتعلق به لأمر يرجع إلى رفعه الحدث بل لمنفصل عنه قال ويتعين وجوب استعماله عند عدم غيره لأن مصلحة الواجب أولى من دفع المفسدة المكروهة انتهى .
( الثاني ) قال ابن فرحون إذا قلنا بالكراهة فالظواهر أنها كراهة إرشاد من جهة الطب وليست كراهة شرعية

(1/259)


والفرق بينهما أن الكراهة الشرعية يثاب تاركها انتهى .
( قلت ) : في هذا الكلام نظر لأنه حيث نهى الشرع عن شيء أثيب على تركه كمن ترك أكل السم امتثالا لنهي الشرع عن التسبب في قتل النفس وهو ظاهر وكلام ابن الإمام السابق فيه إشارة إلى ذلك وذكر النووي عن بعض الشافعية نحو ما قال ابن فرحون وقال : هذا خلاف المشهور ، ( الثالث ) قال ابن فرحون : وانظر هل تزول الكراهة بتبريده أو لا أو يرجع في ذلك للأطباء أما إن قيل إن العلة تحلل أجزاء من الإناء فلا تزول الكراهة بتبريده انتهى .
( قلت ) : وعند الشافعية في ذلك خلاف ، ( الرابع ) الظاهر أنه إنما يكره استعمال المشمس في الوضوء والغسل وسواء كان من حدث أو تبرد أو مندوب إليه وفي غسل النجاسة به من البدن وأما غسل النجاسة به من غير البدن فلا كراهة في ذلك إذا لم يباشر ذلك بشيء من بدنه وصرح بذلك الشافعية نعم ينبغي أن يكره شربه وأكل طعام طبخ فيه إن قال الأطباء أنه يضر وقد نص الشافعية على ذلك ، ( الخامس ) أما المشمس في البرك والأنهار فمتفق على عدم كراهته قاله النووي في شرح المهذب قال : لعدم إمكان الصيانة وتأثير الشمس انتهى ، .
( قلت ) : ولم أقف على ما يخالفه وقوله وتأثير الشمس أي ولعدم تأثير الشمس ، ( السادس ) المسخن بالنار لا كراهة فيه كما صرح بذلك ابن الحاجب وغيره لكن قيد ذلك ابن الكروي بأن لا يكون شديد التسخين فإن كان شديد التسخين كره ومثله شديد البرودة قال : لأنه ينافي الخشوع

(1/260)


وقال غيره : لأنه يمنع الإسباغ وتقدم في كلام سند أن المسخن يستعمل وإن ظهر فيه طعم القدر

(1/261)


( فرع ) يكره الماء المسخن بالنجاسة وإن لم يتغير صرح به ابن الكروي وسيأتي في كلام ابن رشد .
( فرع ) قال ابن عبد السلام وما وقع لمالك - رحمه الله - من تفضيل البارد على المسخن إنما ذلك لكونه يشد الأعضاء ولنشاط النفس بعده في إقليم الحجاز وحرارة البلاد وقال غيره : لما في ذلك من الرفاهية في سماع أشهب عن مالك لا بأس بالوضوء بالماء المسخن وأنا أفعله كثيرا ونقل في البيان كراهته عن مجاهد قال فإن ذهب إلى أنه من باب التنعم وأن الصبر على الماء البارد أعظم للأجر للحديث فقد أصاب .
( تنبيه وفائدة ) قال ابن الإمام بعد ذكره كلام ابن رشد : هذا ومقتضى ما ذكره من أن استعمال الماء البارد مع وجود المسخن أفضل لا يصح لأن الله - تعالى - لم يطلب من عباده المشاق ولأن القرب كلها تعظيم وتوقير وليس عين المشاق تعظيما ولا توقيرا وإنما طلب منهم تحصيل المصالح فإن لم تحصل إلا بمشقة عظم الأجر لقرب الإخلاص فلذلك كان ثواب أشق الفعلين المتحدين والأركان والشرائط والسنن وغيرها أعظم كالوضوء في شدة البرد بالنسبة إلى الوضوء في الصيف وهذا من الوضوء على المكاره وكالصوم في البلاد الحارة وشدة القيظ بالنسبة إلى البلاد الباردة أو فصل البرد وإن أمكن حصول المصالح بدون مشقة وأراد أحد فعل الأشق طلبا لمزيد الثواب كالوضوء والغسل بالبارد مع وجود المسخن وكسلوك الطريق الأبعد إلى الجامع والحج دون الأقرب مع إمكان سلوكه قصدا لما ذكر كان غالطا لما

(1/262)


تقدم من أن المشقة من حيث هي ليست بقربة بل منهي عنها لقوله صلى الله عليه وسلم : إن لنفسك عليك حقا قال بعض العلماء وربما كان في فعله العقاب على قدر المفسدة انتهى .
وقال الأبي في شرح مسلم وتسخين الماء لدفع برده ليقوى على العبادة لا يمنع لحصول الثواب المذكور ثم ذكر عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام الشافعي في كثرة الخطا إلى المساجد نحو ما قاله ابن الإمام وقبله وأيده فتأمل ذلك والله - تعالى - أعلم ويؤيده ما يأتي عن البرزلي .

(1/263)


( فرع ) وأما دخول الحمام فوقع فيه اختلاف في الروايات وفتاوى الشيوخ والذي حصله ابن رشد في جامع المقدمات وتبعه عليه المتأخرون ابن شاس والقرافي وابن ناجي والقلشاني وغيرهم أن دخوله للرجل على ثلاثة أقسام : الأول إذا كان خاليا قال ابن ناجي أو مع زوجته أو جاريته فهو جائز بلا كراهة .
الثاني إذا كان غير مستتر أو معه من لا يستتر فقال في المقدمات لا يحل ذلك ولا يجوز ومن فعله كان جرحة في حقه .
وقال في كتاب الطهارة من البيان : وذلك جرحة في دينه وقدح في شهادته وقال في الجواهر : لا خلاف في تحريم دخوله مع من لا يستتر بل قال ابن القاسم : الظاهر أن من لم يجد سوى مائه ولا يتمكن منه إلا بدخوله ومن فيه على ما ذكر كالعادم للماء إلا أن يدخله غاضا بصره لإخراجه لا لمقامه فيه إذ لا يكاد يسلم من ذلك انتهى .
فعلى قوله إذا تعذر عليه إخراجه صار عادما للماء والله - تعالى - أعلم .
( الثالث ) إذا كان مستورا مع مستورين فقال في المقدمات قال ابن القاسم في رواية أصبغ من جامع العتبية : لا بأس به وتركه أحسن وقال مالك في سماع أشهب من كتاب الطهارة : وقد سئل عن الغسل بالماء المسخن فيه والله ما دخوله بصواب فكيف يغسل من ذلك الماء ووجه كراهة ذلك وإن كان مستترا مع مستورين مخافة أن يطلع على عورة أحد من غير قصد إذ لا يكاد يسلم من ذلك من دخله مع الناس وقال في كتاب الطهارة من البيان : وأما كراهة الاغتسال من مائه فلأنه يسخن بالأقذار والنجاسات ولاختلاف

(1/264)


الأيدي فربما تناول أخذه بيده من لا يتحفظ لدينه .
وقال قبله في سماع ابن القاسم سئل مالك عن الرجل يدخل يديه في حوض الحمام وهو ملآن يجزئه في طهارته ؟ قال : نعم إذا كان طاهرا يريد بذلك الرجل والماء جميعا وقال ابن رشد أنه يجزئه الغسل بالشرطين جميعا لا أنه يبيح ذلك ابتداء لوجهين : ( الأول ) الاغتسال في الماء الدائم ، ( والثاني ) كراهة الاغتسال بالماء المسخن .
وقال ابن ناجي في القسم الثاني هو مكروه وقيل جائز وعلى القول بالجواز يصح بعشرة شروط ذكرها ابن شاس أن لا يدخل إلا بنية التداوي أو التطهر وأن يقصد أوقات الخلوة وقلة الناس وأن يستر عورته بإزار صفيق وأن يطرح بصره إلى الأرض أو يستقبل الحائط لئلا يقع بصره على محظور وأن يغير ما يرى من منكر برفق بقوله : استتر سترك الله وأن لا يمكن أحدا من عورته أن يدلكها وهي من سرته إلى ركبته وقد اختلف في الفخذين هل هما عورة أم لا وأن يدخل بأجرة معلومة بشرط أو عادة وأن يصب من الماء بقدر الحاجة وأن يتذكر عذاب جهنم فإن لم يقدر على دخوله وحده اتفق مع قوم يحفظون أديانهم على كرائه فإن لم يمكنه ذلك فليجتهد في غض البصر .
وإن حضر وقت صلاة فيه استتر وصلى في موضع طاهر انتهى هذه آداب منها واجب ومنها مندوب والله - تعالى - أعلم .
وذكر ذلك في المدخل وقال فيه : وقد قال علماؤنا أنه لا يجوز أن يجتمع مستور العورة مع مكشوف العورة تحت سقف واحد ثم قال : وقد ذكر بعض الناس أنه يجوز

(1/265)


دخول الحمام وإن كان فيه من هو مكشوف العورة ويصون نظره وسمعه كما أنه يجوز له الاغتسال في النهر وإن كان يجد فيه ذلك وكما يجوز له دخول المساجد وفيها ما فيها وهذا الذي ذكره محمول على زمانه وأما زماننا فمعاذ الله أن يجيزه هو أو غيره والغالب في هذا الوقت أن شاطئ النهر فيه من كشف العورة مثل ما في الحمامات وكذلك الفساقي التي في المياضي والرباطات إذ أنها محل كشف العورات وما أتى عن بعض المتأخرين إلا أنهم يحملون ألفاظ العلماء على عرفهم وزمانهم وليس كذلك بل يختص كل زمان بعادته وعرفه والله - تعالى - أعلم انتهى .
وذكر البرزلي في مسائل الغسل أن الغسل بالماء البارد في زمان الدفاء أفضل من الحمام لأن مالكا كرهه وأما زمن البرد فدخول الحمام أفضل خشية أن يضره الماء البارد انتهى ، وهذا في غير الوجه الممنوع والله أعلم .
وأما دخول النساء فقال في المقدمات : الذي يوجبه النظر أنهن بمنزلة الرجال ثم ذكر قول الشيخ في الرسالة ولا تدخله امرأة إلا من علة وقول عبد الوهاب في شرحها هذا لما روي أن الحمام محرم على النساء وبحث في ذلك ثم قال : فدخول النساء الحمامات مكروه غير محرم عليهن ثم ذكر عن عائشة رضي الله عنها أنها دخلت في حال المرض وقال : لو كان حراما عليهن لما جاز في المرض فهو لهن في المرض جائز ومع الصحة مكروه وإذا كن مستترات مؤتزرات انتهى باختصار .
ونحوه في سماع أصبغ من كتاب الجامع وحاصله أن كراهته لهن لغير علة

(1/266)


إذا كن مستترات أشد من كراهته للرجال لأنه جزم بها في حقهن وإنما بحث في نفي التحريم عنه كما قاله جماعة وأما في الرجال فقال : تركه أحسن وفسر الشراح قول الرسالة من علته بالمرض والحيض والنفاس وقابلوه بمجرد النظافة وقال البرزلي وقد ذاع أن النساء لا يستترن إلا القليل وذلك القليل يرى عورة غيره فأراه اليوم مجمعا على تحريمه إلا أن يخلو لها أو تكون مع من يجوز له الاطلاع عليها .

(1/267)


( فرع ) قال البرزلي عن السيوري فيمن منع زوجته من الحمام : فهو صواب ويلزمها ذلك وإذا اضطرت إليه وكان ما يؤدى في إخلائه لا يجحف به ولم تكن ترى في خروجها ما لا يجوز جاز ولزمه .
( فائدة ) ذكر الدميري في شرح المنهاج { أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل حماما بالجحفة } لكن ذكر النووي في شرح المهذب في كتاب الحج أنه حديث ضعيف والله أعلم .
( فائدة ) قال المتيطي : منع سحنون دخول الرجل الحمام بزوجيته معا وأجازه بإحداهما وذكر ابن الرقيق في تاريخ القيروان أن أسد بن الفرات أجاب الأمير بجواز دخول الحمام بجواريه وخطأه ابن محرز لحرمة الكشف بينهن والصواب معه ذكر ذلك ابن عرفة في القسم وغيره والله أعلم

(1/268)


ص ( وإن رئيت على فيه وقت استعماله عمل عليها ) ش قال ابن مرزوق : قوله رئيت مبني من رأى مقلوب راء بجعل اللام مكان العين وبالعكس وهي لغة وأكثرهم ينطق به هكذا والمبني من رأى يقال فيه رئي انتهى .
( قلت ) : والقلب في رأى كثير مستعمل كما قاله في التسهيل والمعنى أن شارب الخمر والحيوان الذي لا يتوقى استعمال النجاسات إذا رئيت النجاسة على فيه وقت استعماله للماء أو للطعام عمل عليها فإن غيرت الماء ضرت باتفاق وإن لم تغيره فيكره استعماله مع وجود غيره لأن الكلام في الماء القليل وأما الطعام فإنه يطرح كله إن كان مائعا وإن كان جامدا طرح منه ما أمكن السريان فيه وقول الشارح وكذلك الطعام عطفا على الماء يقتضي مساواة الطعام للماء وليس كذلك ولو قال المصنف : وإن تيقنت على فيه لكان أحسن لأن النجاسة قد تتيقن وإن لم تر ولهذا قال ابن شاس : فإن قطع بنجاسة أفواهها وقال فيما يعسر الاحتراز منه : إلا أن تعلم نجاسة فيه عند الشرب وليدخل في كلامه ما يأتي التنبيه عليه في كلام ابن الإمام هذا إن جعلنا رأى بصرية وإن جعلت علمية فلا إشكال والضمير في قوله فيه راجع إلى المذكور من قوله سؤر شارب خمر إلى آخره وتيقن نجاسة يده كذلك فيعمل على ذلك كما تقدم وقوله وقت استعماله ظاهره إن المعتبر في الرؤية وقت استعمال الماء فقط وهو ظاهر كلام ابن عبد السلام فإنه قال لم يقيد ابن الحاجب زمن الرؤية وعادة الفقهاء تقييده فيقولون إن رئيت في أفواهها وقت

(1/269)


شربها نجاسة وهذا التقييد لا بد منه قال ابن الإمام في شرح ابن الحاجب : مقتضى كلامه الاكتفاء بعدم رؤية النجاسة حال التناول وليس بظاهر لأنها لو لم تر حال تناوله بعد أن رئي مستعملا لها دون غيبة يمكن ذهاب أثرها من فيه لكان كما لو رئيت لتيقن النجاسة بفمه وليس عدم رؤيتها مما ينافي ذلك ولابن العربي ما يقتضي هذا ثم قال ولا بد من غيبة لا يبقى معها ظن بقاء أثر النجاسة بفيها انتهى .
وهو ظاهر ولا منافاة بينه وبين كلام ابن عبد السلام إذا كانت الرؤية علمية وهو ظاهر لما تقدم فليتأمل .

(1/270)


ص ( وإذا مات بري ذو نفس سائلة براكد ولم يتغير ندب نزح بقدرهما لا إن وقع ميتا ) ش : قوله بري صفة لمحذوف يعني أن الحيوان البري الذي له نفس سائلة إذا مات في الماء الراكد ولم يتغير الماء فإنه يستحب أن ينزح منه بقدر الماء والميتة أي بقدر الماء كثرة وقلة وكبر الميتة وصغرها فقوله إذا مات أخرج به ما لو وقع الحيوان في الماء وأخرج حيا فإنه لا يضر إلا أن يكون بجسده نجاسة والماء قليل فيكون ماء يسير حلته نجاسة وظاهر كلام ابن رشد أنه محمول على الطهارة ولو كان الغالب على ذلك الحيوان مخالطة النجاسة فإنه أنكر قول سعيد بن نمير في قصرية شراب وقعت فيه فأرة فأخرجت حية أنه يراق وقال هو : بعيد وشذوذ لا وجه له وقال : إن في سماع أشهب مثله ومال ابن الإمام إلى ظاهر الرواية المذكورة وقال : إنه إذا كان الغالب عليه النجاسة يحكم بنجاسة ظاهره وما قاله ابن رشد أظهر في الطعام فلا يراق بالشك وأما في الماء فالظاهر ما قاله ابن الإمام فيكره استعماله مع وجود غيره إذا كان قليلا فتأمله وقال في المغني : إذا وقعت في الماء حية وأخرجت وهي بالحياة لم يفسد قاله ابن رشد وكأنه يعني بالنسبة إلى الوضوء وأما في الشرب فينبغي أن يفسد والله أعلم ، وأخرج أيضا بقوله مات ما إذا وقع الحيوان في الماء بعد موته فإنه لا يستحب النزح كما يصرح به .
وقوله بري احترز به من البحري فإنه إذا مات في الماء ولم يغيره لم يستحب النزح وقوله ذو نفس سائلة

(1/271)


احترز به من الحيوان الذي ليست له نفس سائلة والمراد بالنفس السائلة الدم الجاري لذلك قيد النفس بالسيلان فإن النفس تطلق على ذات الشيء وعلى الروح وعلى الدم فقيدها بالسيلان احتراز من المعنيين الأولين وقوله براكد احترز به من الجاري فإنه لا يستحب فيه النزح والراكد الواقف وسواء كانت له مادة كالبئر أو لا مادة له كالصهريج والبركة وقوله ولم يتغير احترز به مما إذا تغير الماء فإنه يجب النزح وسواء كانت دابة بحر أو دابة بر لها نفس سائلة أو ليست لها نفس سائلة إلا أن ما تغير بميتة الحيوان البري الذي له نفس سائلة نجس وغيره طاهر على خلاف فيما تغير بالبري الذي له نفس سائلة ذكره في التوضيح في الكلام على الميتات وذكره غيره وإذا وجب النزح فما له مادة ينزح حتى يزول تغيره وما ليست له مادة يطرح كله قال ابن أبي زمنين بفتح الزاي والميم وكسر النون ثم ياء ساكنة : ويغسل الماجل منه فإن زال التغير ينزح بعضه ففي طهورية الباقي القولان اللذان ذكرهما المصنف في قوله وإن زال تغير النجس قاله في الجواهر .
وأفتى أبو محمد بتجهيل من قال في ماجل قليل الماء ماتت فيه فأرة وغيرته أنه يطين حتى يكثر ماؤه كما سيأتي قريبا وقوله ندب نزح يعني به أن النزح مع القيود المذكورة مستحب وهذا هو المشهور وقيل يجب النزح وقيل يجب فيما لا مادة له وقيل يجب في القليل دون الكثير حكى هذه الأقوال أبو الحسن الصغير .
( تنبيه ) وعلى المشهور فهو

(1/272)


مكروه مع وجود غيره على المشهور قاله سند وغيره فيعيد من صلى في الوقت ويستحب غسل الثياب التي أصابها إذا لم تكن مما يفسدها الغسل قاله في رسم شك من سماع ابن القاسم وفي المدونة قال علي عن مالك : من توضأ بماء وقعت فيه ميتة فتغير لونه أو طعمه وصلى أعاد أبدا فإن لم يتغير أعاد في الوقت وقال في رسم الوضوء والجهاد من سماع أشهب : ويطرح ما عجن به أو حل فيه على سبيل التوقي للمتشابه انتهى .
وعلل القول بالوجوب فيعيد من صلى به أبدا ويحرم أكل ما عجن به أو طبخ واقتصار الشارح في الكبير على هذا يوهم أنه الجاري على المشهور وليس كذلك والله أعلم .
( والحكمة في النزح ) أن الله أجرى العادة أن الحيوان عند خروج روحه تفتح مسامه وتسيل رطوباته ويفتح فاه طلبا للنجاة فيدخل الماء ويخرج برطوبات وذلك مما تعافه النفوس فأمر بالنزح لذلك ولهذا قال بعضهم : إذا نزح ينقص الدلو شيئا يسيرا لأنه إذا ملئ تطفو الدهنية وترجع إلى الماء فلا يكون للنزح معنى .

(1/273)


( فرع ) يكفي النزح قبل إخراج الميتة كما ذكر البرزلي عن أبي حفص العطار في بئر بجوار أفران استقوا منها كثيرا لعجنهم ثم استقى شخص آخر وعجن ثم طلع له فأر ميتة فقال : لا شيء على هذا الأخير ؛ لأن الذين قبله قد نزحوه وطيبوه وقوله بقدرهما يعني أن الماء الذي ينزح ليس له حد محدود عند مالك بل يختلف ذلك بقدر الماء والميتة ولذلك ثنى الضمير وكذلك أيضا يختلف النزح باختلاف طول إقامة الحيوان في الماء وقلة ذلك وكان ينبغي للمصنف أن ينبه على ذلك قال ابن الإمام في شرح ابن الحاجب : وليس لمقدار ما ينزح حد لاختلافه باختلاف ما مات من صغير وطول إقامة وقلة الماء ومقابلها وكذلك لم يحده مالك ولا أحد من أصحابه غير أنه كما قال القاضي : كلما كثر النزح كان أحب إليهم وأولى وأبلغ وأحوط قال ابن بشير : وما وقع في بعض الروايات من تحديد المراق بأربعين لا أصل له وإنما ذلك لئلا يكثر العامي الموسوس أو يقلل المتساهل ولهذا روي عن ابن الماجشون أنه استفتاه قوم في مثل هذا فقال : انزعوا منها أربعين خمسين ستين دلوا ثم قال : إنما قلت لهم ليعلموا أنه أقل ما يجزيهم والأكثر أحب إلي ولو قلت لهم خمسين لأبطلت تسعة وأربعين وهي مثلها ومنعتهم عن ستين وهي أبلغ وقوله لا إن وقع ميتا أي فلا يستحب النزح كما تقدم يريد إلا إذا تغير الماء .

(1/274)


ص ( وإن زال تغير النجس لا بكثرة مطلق فاستحسن الطهورية وعدمها أرجح ) ش : يعني أن الماء إذا تغير بالنجاسة ثم زال تغيره فلا يخلو إما أن يكون بمكاثرة ماء مطلق خالطه أم لا فالأول طهور باتفاق قاله في التوضيح وذلك كالبئر ينزح منها حتى يزول التغير وكالصهريج يتغير بميتة فيترك حتى يكثر ماؤه بمطر ونحوه وقد جهل أبو محمد بعضهم في قوله في ماجل قليل الماء وقعت فيه فأرة يطين حتى يكثر ماؤه .
ثم يشرب قال : فإن فعل شرب وتجهيله في تأخير طرحه والثاني إما أن يكون بإلقاء شيء فيه غير الماء ولم يذكره المصنف وسيأتي حكمه أو من نفسه فلا شيء ومنه ما إذا نزع من الماء الذي لا مادة له بعضه فزال تغيره فذكر المصنف تبعا لابن الحاجب وابن شاس وابن بشير وغيرهم في طهوريته قولين استحسن بعض الشيوخ القول بالطهورية ورجح ابن يونس عدم الطهورية فاعترض عليه ابن غازي فيما ذكره عن ابن يونس وفي التوضيح بأنه لم يوجد في كلامه إلا الكلام على حكم زوال النجاسة إذا زال عينها بالماء المضاف وسيأتي .
وذكر ابن مرزوق في شرحه على المختصر نحو ذلك وقال ما معناه : إن المصنف إن حمل كلام ابن يونس على نفس ما نحن فيه فهو وهم وإن أراد أن يقيسه عليه فبعيد وقد رأيت من كلام ابن مرزوق شرح الفصلين الأولين من المختصر وفيه نحو ما ذكره ابن غازي وقال ابن غازي لم يعرف ذلك الإمام ابن عرفة من نقل ابن يونس ولا غيره ممن قبل ابن بشير فقال : وقول ابن بشير في

(1/275)


طهورية النجس يزول بغيره بلا نزح قولان لا أعرفه فبقي وجدان القولين معا في المذهب وإن كان لا يلزم من عدم الوجدان عدم الوجود ولا يلتفت لما حكى الشيخ أبو زيد القابسي من رد بعضهم على ابن عرفة يقول ابن يونس : لأن الراد مقلد لخليل في نقله كالشارح نعم أغفل ابن عرفة ما ذكر ابن رشد في رسم القسمة من سماع عيسى وذكر بعض كلام ابن رشد ولنأت بأكثر مما يتضح به المقصود .
قال : وسئل ابن وهب عن الجب من ماء السماء تموت فيه الدابة وتنشق والماء كثير لم يتغير منه إلا ما كان قريبا منها فلما أخرجت وحرك الماء ذهبت الرائحة هل يتوضأ به ويشرب ؟ قال : إذا خرجت الميتة فلينزح منه حتى يذهب دسمها والرائحة واللون إن كان به لون إذا كان الماء كثيرا على ما وصفت طاب إذا فعل ذلك به قال ابن القاسم : لا خير فيه ولم أسمع مالكا رخص فيه قط ابن رشد قول ابن وهب هو الصحيح على أصل مذهب مالك الذي رواه المدنيون عنه أن الماء لا ينجسه إلا ما غير أحد أوصافه على ما جاء عنه عليه الصلاة والسلام في بئر بضاعة .
وقد روى ابن وهب وابن أبي أويس عن مالك في جباب تحفر بالمغرب فتسقط فيها الميتة فيتغير لون الماء وريحه ثم يطيب بعد ذلك أنه لا بأس به انتهى ، فظهر وجود القولين أحدهما قول ابن القاسم فيما نزح بعضه فأحرى إذا لم ينزح منه شيء لأنه لم يعتبر ذهاب التغير مع النزح كان عدم اعتباره مع النزح أولا بناء على أن المعتبر مخالطة المغير فيجب بقاء حكمه وإن

(1/276)


زال التغير والثاني رواية ابن وهب وابن أبي أويس وقد صححه ابن رشد وهو الذي ارتضاه صاحب الطراز وشيخه أبو بكر الطرطوشي بضم الطاءين وبينهما راء قال في الطراز : ولقد عاينت في صهريج دار الشيخ أبي بكر هرا قد انتفخ وتزلع وتغير منه ريح الماء وطعمه ولونه فنزع الهر وترك الصهريج حتى ينزح فأقام شهرا ثم رفع منه الماء فإذا هو سالم الأوصاف فشرب ذلك الماء في داره وفيها ما يزيد على سبعين من أهل العلم وطلبته ولم ينزح منه دلو انتهى .
ولعل المصنف أشار إليهما بالاستحسان ثم إن كلامهما فيما لا مادة له ولم ينزح منه شيء فما له مادة أو نزح بعضه أولى بالطهورية وانظر ما الذي أنكره ابن عرفة هل القول بالطهورية أو القول بعدمها وليس في كلامه ما يدل على ذلك صريحا غير أن المتبادر من كلامه إنما هو إنكار القول بالطهورية كما يفهم ذلك من كلام ابن ناجي في شرح المدونة في الكلام على من توضأ بماء ماتت فيه دابة وكذا ذكر ابن الفاكهاني في شرح الرسالة القولين وشهر عدم الطهورية ونصه : وأما إن كان المخالط نجسا فإن غير أحد أوصاف الماء فلا خلاف في نجاسته قليلا كان أو كثيرا ما دام متغيرا فإن زال تغيره بعد فقولان : أحدهما أنه كالبول فلا ينتقل حكمه وهو المشهور والثاني أنه يرجع إلى أصله من الطهارة والتطهير وكذلك إن أزيل بعض الماء فسلمت أوصافه فالقولان انتهى وأما إن زال تغيره بإلقاء تراب فيه أو طين فقال في الطراز : إن لم يظهر فيه لون

(1/277)


الطين ولا ريحه ولا طعمه وجب أن يطهر لزوال التغير وإن ظهر أحد أوصاف الملقى فالأمر محتمل ولم يجزم فيه بشيء ، قال ابن الإمام : والأظهر النجاسة عملا بالاستصحاب .

(1/278)


( تنبيهات الأول ) هذا فيما تغير بنجس فإن تغير بطاهر ثم زال تغيره فجزم ابن الكروي بطهوريته ولم يحك خلافا وحكى ابن الفاكهاني في شرح الرسالة فيه قولين قال : ومنشؤهما هل المعتبر سلامة الأوصاف أو مخالطة المغير فيبقى حكمه وإن زال التغير انتهى وحكاهما الشبيبي في شرح الرسالة .
( قلت ) : والأظهر فيه الحكم بالطهورية أخذا مما رجحه ابن رشد والطرطوشي وصاحب الطراز فيما تغير بنجس ، ( الثاني ) إن زال تغيره بمخالطة ماء مطلق قليل فظاهر كلام المصنف أن فيه قولين وقال البساطي في شرحه ولو جعل المصنف محل النزاع إذا زال التغير بنفسه سلم من المطالبة بالنقل فيما إذا زال بقليل المطلق وقال في المغني بعد أن ذكر الخلاف فيما زال تغيره بنفسه : وألحق الشيخ خليل في مختصره به إذا زال التغير بمطلق يسير وهو في عهدته انتهى .
( قلت ) : وكلام ابن الإمام يقتضي ثبوت الخلاف فيه فإنه قال : إذا كاثره الطهور حتى غلب عليه وزال به التغير فالأظهر نفي الخلاف فيه إن انتهى إلى ما لو وقع فيه جملة هذا التغير كان كثيرا أو ثبوته إن انتهى إلى ما لو وقع فيه كان قليلا وقد أطلق بعض من تكلم على هذه المسألة القول بطهوريته عند ذهاب التغير بالتكاثر ولا ينبغي لأن هذا الماء لما تغير بنجاسة كان نجسا فطرو ماء عليه كطروه عليه فيجب لذلك أن يراعى كثرته وقلته انتهى ، ( الثالث ) قال في التوضيح عن ابن راشد : سمعت بعض الفقهاء يقول : الخلاف إنما هو في الماء الكثير .

(1/279)


وأما الماء اليسير فهو باق على التنجيس بلا خلاف قال شيخنا يعني ابن دقيق العيد : والخلاف في البول نفسه إذا زالت رائحته ويؤيد ما قاله الخلاف في بول المريض الذي لا يستقر الماء في معدته ويبوله بصفته انتهى .
قال ابن ناجي في شرح المدونة : وظاهر المذهب نجاسته ولو زالت رائحته وبه الفتوى والخلاف في البول المتقطع الرائحة وبول المريض الذي لا يستقر الماء في جوفه غريب فاعلمه انتهى .
والقول بطهارة البول بعيد جدا وفي كلام الفاكهاني السابق إشارة إلى ذلك فتأمله .

(1/280)


ص ( وقبل خبر الواحد إن بين وجها ) ش : يعني أن النجاسة تثبت بخبر واحد إذا بين وجهها سواء اختلف مذهب السائل والمخبر أو اتفق يريد ولو كان المخبر عبدا أو امرأة قاله المازري لكن قيده بالعدل وهو ظاهر فلا يقبل قول كافر ولا فاسق .
ص ( أو اتفقا مذهبا ) ش : يعني وكذلك تثبت النجاسة بخبر الواحد إذا اتفق مذهب السائل والمخبر ولو لم يبين وجهها يريد - والله أعلم - إذا كان المخبر عالما بما ينجس الماء وما لا ينجسه .
( فرع ) قال البساطي في المغني : ظاهر كلامهم أنه إذا أخبره بأنه طاهر فلا يحتاج إلى هذا التفصيل انتهى .
وما قاله ظاهر إذا لم يظهر في الماء ما يقتضي نجاسته أو يسلب الطهورية عنه وإلا فيتعين التفصيل المذكور .
ص ( وإلا فقال يستحسن تركه ) ش : يعني وإن لم يبين المخبر وجه النجاسة ولا وافق مذهبه مذهب السائل فقال المازري في شرح التلقين الأحسن تركه .

(1/281)


ص ( وورود الماء على النجاسة كعكسه ) ش : يعني إذا ورد الماء على النجاسة فكذلك كما لو وردت النجاسة على الماء فإن تغير الماء بالنجاسة التي ورد عليها صار نجسا وإن لم يتغير فهو طهور لكنه إن كان يسيرا كره استعماله وإلا فلا يكره قاله ابن العربي وقد نص على هذه القاعدة المازري وغيره واعترض البساطي على ذلك بوقوع الخلاف في الماء القليل تحله النجاسة وأنه لا نزاع في طهورية الماء إذا انفصل على حاله كما سيأتي .
( قلت ) : وقد سبقه إلى ذلك ابن عبد السلام وغيره وسيأتي كلامهم عند قول المصنف والغسالة المتغيرة نجسة ويمكن أن يقال ما ذكره المصنف والمازري تفريع على المشهور لا على غيره فتأمله .

(1/282)


( فرع ) قال في سماع زيد من كتاب الوضوء عن ابن القاسم فيمن يخرج من حوض : الحمام وهو نجس فيتطهر بالماء الطهور ويدخل يديه فيه ويدلك جسده قبل أن يصب على يديه الماء مما يصل إليهما من جسده أنه لا بأس به قال ابن رشد : لأن ماء الحوض ليست نجاسته محققة كالبول والخمر والدم وإنما هو نجس بما يغلب على الظن من حصول النجاسة فيه لكثرة المستعملين فيه وقد وقعت قطرة من البول في قدر ما يتطهر به الرجل لما تنجس على مذهب مالك فكيف برد يديه من هذا الماء المحكوم بنجاسته هذا مما لا ينبغي أن يبالي به وأن يتساهل فيه ولو نجس طهوره برد يديه لوجب أن ينجس الماء الذي نقله إلى جسمه لملاقاته إياه انتهى .
وقد تقدم أن هذا على أصل ابن القاسم أن الماء اليسير إذا حلته نجاسة يسيرة ولم تغيره أنه نجس وعلى أن الحوض من اليسير والغرض من ذكر هذا الكلام إنما هو بيان أن مثل هذا إذا أصاب يد المغتسل من بدنه ثم أدخلها في الماء لا يضره ذلك وقد تقدم عن المدونة أنه لا بأس بما انتضح في إناء الجنب من غسله ونقل البرزلي كلام ابن القاسم وقال بعده : ومثله يقع فيمن يكون بجسده نجاسة فيصب عليها من إناء طاهر ويدلك يديه لا شيء عليه بناء على أن ورود الماء على النجاسة لا يؤثر فيه وهو غير المعروف من المذهب وإن كان وقع في ظاهر الرواية ما يؤيده انتهى .
وما قاله ابن رشد ظاهر .

(1/283)


ص ( فصل الطاهر ميت ما لا دم له ) ش : لا خفاء في مناسبة هذا الفصل للذي قبله ؛ لأنه لما ذكر فيه أن ما تغير بطاهر طاهر ، وما تغير بنجس نجس احتاج إلى بيان الأشياء الطاهرة والأشياء النجسة ، وقدم الطهارة ؛ لأن الأصل في الأشياء الطهارة فقال الطاهر ميت ما لا دم له يعني أن الطاهر أنواع : منها ميتة الحيوان البري الذي لا دم فيه وهو الذي يقال فيه ليس له نفس سائلة كما تقدم بيان ذلك ولو كانت فيه رطوبة كالعنكبوت والجداجد والعقرب والزنبور والصرصار والخنافس وبنات وردان والجراد والنحل والدود والسوس وفي ميتة ما لا نفس له سائلة طريقتان في المذهب : الأولى أنها طاهرة باتفاق وهذه طريقة ابن بشير قال في العتبية وأما البري مما لا نفس له سائلة لا ينجس بالموت بلا خلاف انتهى .
والطريقة الثانية أن فيها قولين المشهور أنها طاهرة ، قال في التوضيح نقل سند عن سحنون أنها نجسة لكنها لا تنجس غيرها انتهى .
وقال ابن عرفة ميتة بري ذي نفس سائلة غير إنسان كالوزغ نجس ونقيضها طاهر وفي الآدمي قولان لابن شعبان مع ابن عبد الحكم وابن القصار مع سحنون ثم قال ابن نافع وأشهب ميتة غير ذي النفس السائلة نجسة وسمعا لا بأس بأكل ما مات فيه خشاش ويبينه إن باعه ابن رشد بناء على عدم شرط ذكاته كقول القاضي خلافا لابن حبيب قال ابن عرفة قلت : المفرع على عدم شرط ذكاته أكله لا أكل ما حل فيه لثبوته على شرط ذكاته إن بين على المشهور انتهى .
فصدر بالحكم بطهارة ميتة ما

(1/284)


لا نفس له سائلة ، ثم ذكر عن أشهب وابن نافع نجاستهما وأنه يؤكل ما مات فيه الخشاش والذي يتحصل من كلامه في التنبيهات أنه إذا لم يتفرق ويتقطع في الماء والطعام ولم يطل مكثه فلا إشكال في طهارة الماء والطعام وفي جواز أكله كما أنه لا خلاف أنه إذا تفرق فيه وتغير منه الماء أن له حكم الماء المضاف وهل هو نجس أم لا اختلف فيه ومذهب أشهب تنجيس ما خالطه بطبخ أو شبهه وأنكره عليه سحنون قال : والصواب أن لا ينجس ما لا نفس له سائلة كيف كان ، وأما أكل الطعام إذا تحلل فيه أو طبخ فاختلف فيه أيضا والصواب أن لا يؤكل إذا كان مختلطا به وغالبا عليه ، وإن تميز الطعام منه أكل دونه إذ لا يؤكل الخشاش على الصحيح من المذهب إلا بذكاة ، وإن كان بعض الشيوخ خرج أكله بغير ذكاة على الخلاف في الجراد وإليه ذهب القاضي أبو محمد عبد الوهاب وبه قال أبو الحسن انتهى .
فانظر كيف صرح بأن الصحيح في المذهب أن الخشاش لا يؤكل إلا بذكاة وابن رشد إنما عزاه لابن حبيب كما تقدم في كلام ابن عرفة وظاهر كلام اللخمي أن ميتة ما لا نفس له سائلة نجسة وأنها تنجس ما لاقته ، ونقله عنه أبو الحسن وقال ابن نافع وأشهب : إن ميتة ما لا نفس له سائلة نجسة وعزاه لسحنون وليس منه الوزغ والسحالي ولا شحمة الأرض قاله في الطراز قال : وقال بعض الشافعية الوزغ من الخشاش وهو غلط ؛ لأنها ذات لحم ودم ، ومن جنس الحنش ، وقال في كتاب الذبائح الثاني لا يؤكل الوزغ والله أعلم .
والخشاش

(1/285)


بفتح الخاء وتخفيف الشين المعجمتين قال في التنبيهات ويقال بكسر الخاء وحكى أبو علي فيها الضم أيضا هو صغار دواب الأرض انتهى .
والجداجد جمع جدجد قال في القاموس في فصل الجيم من باب الدال المهملة : والجدجد كهدهد مثل الجراد ، وقال في الصحاح في فصل الجيم من باب الدال المهملة : والجدجد بالضم صرار الليل وهو قفاز وفيه شبه من الجراد والجمع الجداجد والجدجد بالفتح الأرض الصلبة انتهى .
والصرار قال في التنبيهات بالصاد المهملة وتشديد الراء الأولى هو الجدجد سمي بصوته ، يقال صر وصرصر إذا صاح ، وقال في الصحاح وصرار الليل الجدجد وهو أكبر من الجندب وبعض العرب يسميه الصرى انتهى .
والزنبور قال في التنبيهات بضم الزاي معلوم انتهى .
وقال في الصحاح الزنبور الدبر وهو يؤنث والزنبار لغة فيه والجمع الزنابير وأرض مزبرة كثيرة الزنابير كما أنهم ردوه إلى ثلاثة أحرف وحذفوا الزيادات كما قالوا أرض معقرة ومثعلة أي كثيرة العقارب والثعالب انتهى .
وقال ابن سيده الزنبور أمير النحل والزنبور الخفيف الظريف انتهى .
والخنافس جمع خنفس وقال في التنبيهات بضم الخاء والمد معلوم انتهى .
وقال في الصحاح ويقال لهذه الدويبة خنفساء بفتح الخاء ممدودة والأنثى خنفساءة انتهى .
وقال في المحكم الخنفسة دويبة سوداء أصغر من الجعل منتنة الريح والأنثى خنفسة وخنفساء وخنفساءة وضم الفاء في كل ذلك لغة انتهى .
فاقتضى كلامه أن فتح الفاء أشهر واقتضى أيضا أن خنفساء لا يقال إلا

(1/286)


للمؤنث والله أعلم .

(1/287)


ص ( والبحري ) ش : بالجر عطفا على محل ما أي وميتة البحري يعني أن ميتة الحيوان البحري طاهرة وسواء مات بنفسه ووجد طافيا أو بالاصطياد أو أخرج حيا أو ألقي في النار أو دس في طين أو وجد في بطن حوت أو في بطن طير ميتا لكن هذا يغسل كما سيأتي وسواء صاده مسلم أو كتابي أو مجوسي .
ص ( ولو طالت حياته ببر ) ش : يعني أن الحيوان البحري إذا كان لا يعيش إلا في البحر ولا تطول حياته في البر فلا إشكال في طهارة ميتته ، وإن طالت حياته في البر فالمشهور أن ميتته طاهرة وهو قول مالك وقال ابن نافع وابن دينار ميتته نجسة ونقل ابن عرفة ثالثا بالفرق بين أن يموت في الماء فيكون طاهرا ، أو في البر فيكون نجسا وعزاه لعيسى عن ابن القاسم وذلك كالضفدع بفتح أوله وثالثه وكسرهما وضمهما قاله في القاموس وكالسلحفاة بضم السين المهملة وسكون اللام وضم الحاء وحكي في القاموس فتح اللام وسكون الحاء وكالسرطان بفتح السين والراء والطاء المهملات ، قيل : وهو ترس الماء وقال صاحب الجمع السلحفاة هي ترس الماء .
( تنبيه ) قال ابن عرفة بعد أن ذكر الأقوال الثلاثة ما نصه عبد الحق ميتة الضفادع البرية نجسة لا تؤكل انتهى .
وظاهره أنه لا خلاف في ذلك والله أعلم .

(1/288)


ص ( وما ذكى ) ش : يعني أن ما ذكي بأي نوع من أنواع الذكاة من ذبح ، أو نحر ، أو عقر فيما يذكى بالعقر فهو طاهر .
ص ( وجزؤه إلا محرم الأكل ) ش : أشار به لما ذكره في التوضيح من أن السباع إذا ذكيت لأخذ جلودها فإن جميع أجزائها تطهر بالذكاة ، وإن قلنا : إن لحمها مكروه وهذه طريقة أكثر الشيوخ أن الذكاة لا تؤثر إلا في مكروه الأكل ومباحه وطريقة ابن شاس أنها تعمل في محرم الأكل أيضا فتطهر جميع أجزائه بالذكاة ، وإن قلنا لا يؤكل ، كذا أطلق عنه في التوضيح وفي كتاب الذبائح من الجواهر استثنى الخنزير وأنه ميتة ولو ذكي قال في الذخيرة لغلظ تحريمه وشمل قوله : " وجزؤه " الجنين يوجد ميتا في بطن أمه ويقيد بما إذا كان محكوما بحله وإلا فهو ميتة كما أشار إليه ابن الإمام ويمكن أن يدخل الجنين في المذكى ؛ لأن الشارع قد حكم بأن ذكاة أمه ذكاة له ، وأما المشيمة بميمين مفتوحتين ويقال لها السلى بفتح المهملة وتخفيف اللام والقصر وهي وقاء المولود فقد حكم ابن رشد بطهارتها وأنها كلحم الناقة المذكاة ذكره في سماع موسى من كتاب الصلاة رادا على من استدل بحديث طرح السلى على ظهره عليه الصلاة والسلام على أن سقوط النجاسة على المصلي لا تبطل الصلاة ومثله لابن الإمام وفهم منه ابن عرفة جواز أكله فعزاه للسماع المتقدم قال البرزلي وهو ظاهر المدونة وهو الصواب وحكى ابن عرفة والبرزلي عن الصائغ أنه أجاب بأنه لا يؤكل ؛ لأنه بائن من النعجة وهو يقتضي

(1/289)


الحكم بنجاسته ثم حكى ابن عرفة ثالثا عن بعض شيوخه قال البرزلي وابن جماعة إنه تابع للولد إن أكل الولد أكل وإلا فلا قال البرزلي ومال إليه ابن عرفة والله أعلم .
وخص بعضهم المشيمة بالآدميين ودخل في كلامه جميع أجزائه حتى الأمعاء التي فيها الفرث وهو كذلك إلا أن يكون الحيوان مما لا يأكل النجاسة فلا يؤكل ما اتصل بروثه حتى يغسل كما سيأتي في كلام ابن يونس وعلى هذا فيكون الحكم كذلك في مكروه الأكل لنجاسة روثه على المشهور .
ص ( وصوف ووبر وزغب ريش وشعر ولو من خنزير ) ش : قال ابن فرحون الشعر بفتح العين وسكونها يطلق على شعر الإنسان وغيره من الدواب والسباع فهو عام والصوف للشاة فهو أخص منه والوبر بفتح الموحدة صوف الإبل والأرنب ونحوهما وما ذكره موافق لما في الصحاح وفي القاموس الشعر ما ليس بصوف ولا وبر والريش للطائر والزغب ما اكتنف القصبة .
ص ( إن جزت ) ش : هذا الشرط إنما هو إذا أخذت من غير المذكى قال البساطي لا يشترط أن تنفصل مجزوزة بل لو نتفت وقطع مباشر اللحم طهر .
( تنبيه ) انظر هل يحكم عليها في حال اتصالها بالميتة قبل أن تجز بالنجاسة أو بالطهارة حتى لو كان شعر الميتة طويلا وصلى عليه مصل ، أو كان المصلي يباشر ريش القصبة هل تصح صلاته أم لا والظاهر أنه يحكم بنجاسة ما اتصل بها فقط كما يفهم من كلام صاحب الطراز وأن تصح الصلاة إذا كان الشعر والريش مبسوطا في الأرض ، وإن كان مشدودا في المصلي ، أو ممسكا له بيده لم تصح

(1/290)


كما قال سند فيمن ربط حبلا في ميتة إنه إن كان طرفه تحت قدميه فلا شيء عليه كالبساط ، وإن كان مشدودا في وسطه ، أو ممسوكا بيده لم تجز فتأمله والله أعلم .
( فرع ) إذا جزت هذه الأشياء المذكورة من ميتة فاستحب في المدونة والرسالة أن تغسل قال ابن رشد في سماع أشهب ولا معنى له إذا علم أنه لم يصبه أذى وأوجب ابن حبيب غسلها فإن تيقنت نجاسته فلا شك في وجوب غسله .
( فرع ) فإن أراد بيع الصوف وما معه المأخوذ من الميتة ، أو بيع ما نسج منه فعليه أن يبين ذلك ؛ لأن النفوس تكرهه وقال البرزلي قال أبو حفص : لأنه أضعف من صوف الحي وللخلاف في نجاسته ذكره في مسائل الصلاة .
ص ( والجماد وهو جسم غير حي ومنفصل عنه ) ش : الجماد بفتح الجيم وهو لغة الأرض التي لم يصبها مطر والسنة التي لا مطر فيها واختلف الفقهاء في تعريفه فقال في الذخيرة ابن راشد : الجماد ما ليس فيه روح انتهى .
فيتناول النبات وقال في الذخيرة العالم حيوان ونبات وجماد فجعل الجماد مقابلا للحيوان والنبات وعرفه المصنف بما ذكر وأصل التعريف المذكور لابن بشير وابن شاس لكن عبارة المصنف أحسن ؛ لأن ابن بشير .
قال ونعني بذلك ما لا تحله حياة ، أو ينفصل عن ذي حياة وقال ابن شاس ونعني بالجماد ما ليس بروح ولا منفصل عن روح فرأى المصنف أن الإتيان بها كالإتيان بالجنس البعيد لصدقها على العرض والجوهر فأبدلها بقوله وهو جسم غير حي إلى آخره فقوله جسم جنس يشمل الحيوان والجماد وقوله غير

(1/291)


حي فصل يخرج الحيوان وقوله ومنفصل معطوف على حي أي وغير منفصل عن حي وخرج به جميع الفضلات المنفصلات عن الحي الطاهر منها والنجس ولا يلزم من إخراجها من حد الجماد كونها نجسة والألزم أن يكون الحي نجسا ؛ لأنا أخرجنا من حد الجماد وظاهر كلام ابن الحاجب أن أجزاء الحيوان المنفصلة عنه داخلة في الجماد فإنه قال والجمادات مما ليس من حيوان طاهرة قال ابن دقيق العيد وعبارته أحسن ؛ لأنها لا تحتاج إلى العناية ؛ لأنه قيد الجمادات المحكوم لها بالطهارة بأنها ليست من حيوان ؛ لأن أجزاء الحيوان ، أو بعضها جمادات على ما قدمنا أن الجماد ما ليس بذي روح انتهى بالمعنى .
ومراده بالعناية قولهم ونعني بكذا وكذا ودخل في كلام المصنف جميع المائعات من سمن وعسل وزيت ونحوها ولا يقال : الجماد مقابله المائع ؛ لأنا نقول الذي يقابل المائع الجامد لا الجماد وتعبيره بالجماد مفردا أحسن من قول ابن الحاجب والجمادات بالجمع ؛ لأن الجماد اسم جنس يصدق على القليل والكثير .

(1/292)


ص ( إلا المسكر ) ش : أي فإنه نجس أي وسواء كان من العنب أو غيره قال في التوضيح فائدة تنفع الفقيه يعرف بها الفرق بين المسكر والمفسد والمرقد فالمسكر ما غيب العقل دون الحواس مع نشوة وفرح والمفسد ما غيب العقل دون الحواس لا مع نشوة وفرح كعسل البلادر والمرقد ما غيب العقل والحواس كالسيكران .
وينبني على الإسكار ثلاثة أحكام دون الأخيرين الحد والنجاسة وتحريم القليل ، إذا تقرر ذلك فللمتأخرين في الحشيشة قولان : هل هي من المسكرات ، أو من المفسدات ؟ مع اتفاقهم على المنع من أكلها فاختار القرافي أنها من المخدرات قال لأني لم أرهم يميلون إلى القتال والنصرة بل عليهم الذلة والمسكنة وربما عرض لهم البكاء ، وكان شيخنا الشهير بعبد الله المنوفي يختار أنها من المسكرات ؛ لأنا رأينا من يتعاطاها يبيع أمواله لأجلها ولولا أن لهم فيها طربا لما فعلوا ذلك يبين ذلك أنا لا نجد أحدا يبيع داره ليأكل بها سيكرانا وهو واضح انتهى كلام التوضيح .
ولفظ القرافي في الحشيشة أنها مفسدة لا مسكرة وبهذا الفرق يندفع ما أورده بعضهم على قوله : " إلا المسكر " من شموله للنبات المغيب للعقل كالبنج والسيكران فإنها مفسدات ، أو مرقدات لا مسكرات وذكر البرزلي عن القرافي في الحشيشة ثلاثة أقوال ثالثها بالفرق بين أن تحمس فتكون نجسة وفيها الحد وقبل أن تحمس فلا حد ولا نجاسة واختار القرافي في الفرق الموفي أربعين أنه لا حد فيها وإنما فيها التعزير الزاجر

(1/293)


عن الملابسة ، قال : ولا تبطل الصلاة بحملها ثم ذكر أن الأفيون من المفسدات وقال من صلى به ، أو بالبنج لم تفسد صلاته إجماعا ، وكذا غيره من المفسدات قال كأن يتناول من الأفيون والبنج والسيكران ما لا يصل إلى التأثير في العقل والحواس انتهى .
( قلت : ) فعلى هذا يجوز لمن ابتلي بأكل الأفيون وصار يخاف على نفسه الموت من تركه أن يستعمل منه القدر الذي لا يؤثر في عقله وحواسه ويسعى في تقليل ذلك وقطعه جهده ويجب عليه أن يتوب ويندم على ما مضى والله أعلم .
( فرع ) قال ابن فرحون : وأما العقاقير الهندية فإن أكلت لما تؤكل له الحشيشة امتنع أكلها ، وإن أكلت للهضم وغيره من المنافع لم تحرم ولا يحرم منها إلا ما أفسد العقل وذكر قبل هذا أن الجوزة وكثير الزعفران والبنج والسيكران من المفسدات ، قليلها جائز وحكمها الطهارة وقال البرزلي أجاز بعض أئمتنا أكل القليل من جوزة الطيب لتسخين الدماغ واشترط بعضهم أن تختلط مع الأدوية ، والصواب العموم انتهى .
والشيكران بالشين المعجمة وضبطه بعضهم بالسين المهملة وضم الكاف .
( فرع ) قال ابن فرحون من اللبن نوع يغطي العقل إذا صار قارصا ويحدث نوعا من السكر كما يذكر عن لبن الخيل فإن شرب لذلك حرم ويحرم منه القدر الذي يغطي العقل انتهى .
( قلت : ) أما لبن الخيل فيحرم قليله وكثيره على المشهور لحرمة أكلها والله أعلم .
ومن المفسدات الحب الذي يوجد في القمح المجلوب من دهلك المسمى بالزيوان .
( فرع )

(1/294)


قال ابن فرحون أيضا والظاهر جواز ما سقي من المرقد لقطع عضو ونحوه ؛ لأن ضرر المرقد مأمون وضرر العضو غير مأمون .
( فرع ) مقتضى ما تقدم جواز بيع هذه الأشياء من الأفيون والبنج والجوزة ونحوها ولم أر فيه نصا صريحا والظاهر أن يقال في ذلك كما قال ابن رشد في المذر على القول بحرمة أكله إن كان فيه منفعة غير الأكل جاز بيعه ممن يصرفه في غير الأكل ويؤمن أن يبيعه ممن يأكله ، وكذلك يقال : في هذه الأشياء وفي سائر المعاجين المغيبة للعقل يجوز بيع ذلك لمن لا يستعمل منه القدر المغيب للعقل ويؤمن أن يبيعه ممن يستعمل ذلك والله أعلم .

(1/295)


( فائدة ) ظهر في هذا القرن وقبله بيسير شراب يتخذ من قشر البن يسمى القهوة واختلف الناس فيه فمن متغال فيه يرى أن شربه قربة ، ومن غال يرى أنه مسكر كالخمر والحق أنه في ذاته لا إسكار فيه وإنما فيه تنشيط للنفس ويحصل بالمداومة عليه طراوة تؤثر في البدن عند تركه كمن اعتاد أكل اللحم بالزعفران والمفرحات فيتأثر عند تركه .
ويحصل له انشراح باستعماله غير أنه تعرض له الحرمة لأمور منها أنهم يجتمعون عليها ويديرونها كما يديرون الخمر ويصفقون وينشدون أشعارا من كلام القوم فيها القول وذكر المحبة وذكر الخمر وشربها ونحو ذلك فيسري إلى النفس التشبه بأصحاب الخمر خصوصا من كان يتعاطى مثل ذلك فيحرم حينئذ شربها لذلك مع ما ينضم إلى ذلك من المحرمات ، ومنها أن بعض من يبيعها يخلطها بشيء من المفسدات كالحشيشة ونحوها على ما قيل ، ومنها أن شربها في مجامع أهلها يؤدي للاختلاط بالنساء ؛ لأنهن يتعاطين بيعها كثيرا وللاختلاط بالمرد لملازمتها لمواضعها ولسماع الغيبة والكلام الفاحش والكذب الكثير من الأراذل الذين يجتمعون لشربها مما تسقط المروءة بالمواظبة عليه ، ومنها أنهم يلتهون بها عن صلاة الجماعة غيبة بها ولوجود ما يلهي من الشطرنج ونحوه في مواضعها .
ومنها ما يرجع لذات الشارب لها كما أخبرني والدي - حفظه الله تعالى - عن الشيخ العارف بالله العلامة أحمد زروق أنه سئل عنها في ابتداء أمرها فقال أما الإسكار فليست مسكرة ولكن من كان

(1/296)


طبعه الصفراء والسوداء يحرم عليه شربها ؛ لأنها تضره في بدنه وعقله ، ومن كان طبعه البلغم فإنها توافقه وقد كثرت في هذه الأيام واشتهرت وكثر فيها الجدال وانتشر فيها القيل والقال وحدثت بسببها فتن وشرور واختلفت فيها فتاوى العلماء وتصانيفهم ونظمت في مدحها وذمها القصائد فالذي يتعين على العاقل أن يجتنبها بالكلية إلا لضرورة شرعية ، ومن سلم من هذه العوارض كلها الموجبة للحرمة فإنها ترجع في حقه إلى أصل الإباحة ، والله أعلم .
وقد عرضت هذا الكلام على سيدي الشيخ العارف بالله - تعالى - محمد بن عراف وعلى سيدي الوالد - أعاد الله علينا من بركاتهما - فاستحسناه وأمرا بكتابته وإنما أطلت الكلام هنا لأني لم أر من استوعب الكلام في ذلك والله - سبحانه - أعلم .

(1/297)


ص ( والحي ) ش : قال البساطي في المغني ولو تولد من العذرة ، وقيل : إلا الكلب والخنزير ، وقيل : والمشرك نقله ابن جزي في قوانينه وكل ما في باطن الحيوان مما يحكم عليه بالنجاسة إذا انفصل عنه فلا يحكم عليه بما في بطنه وتصح صلاة حامل ذلك الحيوان قاله غير واحد والله أعلم .
وانظر كلام الفاكهاني في شرح قول الرسالة وليس عليه غسل ما بطن من المخرجين .
ص ( ودمعه وعرقه ) ش : هذا هو المعروف من المذهب قال في المدونة وعرق الدواب وما يخرج من أنوفها طاهر وقبله سند ولم يذكر فيه خلافا بل قال هو كعرق الآدمي وقبله أيضا غيره من شراح المدونة ، وكذلك ابن عرفة ولم يحك في ذلك خلافا وقال ابن رشد في رسم الوضوء من سماع أشهب : عرق سائر الحيوان ولبنها تابع للحومها وإنما قال في المدونة لا بأس بعرق البرذون والبغل والحمار ؛ لأن الناس لا يقدرون على التوقي منه انتهى .
ولم يذكر في نجاسته خلافا فما قاله غير معروف والله - تعالى - أعلم .
ص ( ولعابه ومخاطه وبيضه ) ش : اللعاب بضم اللام ما سال من الفم .
وانظر هل يدخل في كلامه الماء الذي يسيل من فم النائم ؟ وقال المشذالي في حاشيته على المدونة عن النووي إن تغير فهو نجس وإلا فهو طاهر فإن قلنا : بنجاسته وكان ملازما لشخص فهو كدم البرغوث قال المشذالي ويتخرج فيه قولان من مسائل المذهب التي تشبه انتهى وقال ابن ناجي في شرح المدونة الجاري على مذهبنا إذا تغير أن يكون مضافا لا نجسا .
( قلت : ) لا وجه لهذا بل

(1/298)


الظاهر أن يقال : إن كان من الفم فهو طاهر ، وإن كان من المعدة فكما قال النووي إن تغير فهو نجس وإلا فهو طاهر وقال الدميري في شرح المنهاج ويعرف أنه من المعدة بنتنه وصفرته وقيل : إن كان الرأس على مخدة فمنه وإلا فمن المعدة وعلى كل حال فإنه إذا لازم شخصا عفي عنه والله أعلم .
ص ( ولو أكل نجسا ) ش : جعله الشارح راجعا للبيض وأشار بلو للخلاف فيه وانظر لم أشار للخلاف فيه دون العرق مع أن ابن الحاجب وغيره حكوا الخلاف فيهما جميعا ؟ ولعل الخلاف الذي في البيض أقوى ، ولم يذكر اللبن ؛ لأن اللبن ليس طاهرا على الإطلاق كالبيض بل لبن غير الآدمي تابع للحمه كما سيأتي ، إلا أنه كان ينبغي له أن ينبه على الخلاف في لبن الجلالة كما نبه على الخلاف في بيضها والمشهور أن لبن الجلالة مباح ، وكذلك النحل إذا أكلت نجاسة فعسلها طاهر عند مالك قاله في رسم إن خرجت من سماع عيسى وهو ظاهر قوله في المدونة في العسل النجس : " لا بأس أن يعلف النحل " ويحتمل أن يرجع لجميع ما تقدم من قوله والحي إلى آخره إذ قال ابن رشد في سماع عيسى من كتاب الضحايا لا اختلاف في المذهب أن أكل لحوم الماشية والطير الذي يتغذى بالنجاسة حلال جائز وإنما اختلفوا في الأعراق والألبان والأبوال انتهى .
وقال ابن القاسم في رسم العتق من سماع عيسى من كتاب الصيد والذبائح في الطير تصاد بالخمر تشربه فتسكر لا بأس بأكلها وقبله ابن رشد وقال ابن القاسم في الرسم المتقدم في كتاب الضحايا في جدي

(1/299)


رضع خنزيرة : أحب إلي أن لا يذبح حتى يذهب ما في جوفه من غذائه ولو ذبح مكانه فأكل لم أر به بأسا ؛ لأن الطير تأكل الجيف وتذبح مكانها وأكلها حلال ، ونحوه لابن نافع لكن حكى اللخمي الخلاف في ذلك ونصه : واختلف في الحيوان يصيب النجاسة هل تنقله عن حكمه قبل أن يصيب تلك النجاسة ؟ فقيل : هو على حكمه في الأصل في أسآرها وأعراقها وألبانها وأبوالها ، وقيل : ينقلها وجميع ذلك نجس ثم ذكر الخلاف في عرق السكران ثم قال وعلى القول بأنه نجس لا يحل أكل شيء من ذلك حتى تذهب منفعة ما تغذى به من النجاسة ، وخرج على نجاسة لبن الميتة نجاسة لبن الشاة تشرب ماء نجسا ، وبحث معه ابن عرفة في هذا التخريج فكلام اللخمي يقتضي وجود الخلاف في نجاسة الحي إذا أكل النجاسة .
فإن قيل : إنما ذكر اللخمي الخلاف في اللحوم وإذا جعلتم قوله ولو أكل نجسا راجعا إلى الحي وما عطف عليه اقتضى وجود الخلاف في الحي نفسه فالجواب الذي يظهر من هذا القول الذي يقول بنجاسة اللحم إن الحي نفسه نجس وسيأتي أن الشارب للخمر لا تصح صلاته على ما رواه ابن المواز مدة ما يرى بقاؤه في بطنه ، وأما العرق والبيض وكذا اللبن فالخلاف فيها معروف بالطهارة والنجاسة والكراهة حتى من الآدمي والشارب الخمر ، قال في التوضيح والذي اختاره المحققون الطهارة ، قال والخلاف في عرق السكران في حال سكره ، أو قريبا من صحوه ، وأما لو طال عهده فلا خلاف في طهارته واعترضه ابن فرحون بأنه إذا عرق وتخلل

(1/300)


العرق الأول النجس إلا أن يكون قد اغتسل وغسل الثوب الذي عرق فيه .
( قلت : ) وهذا لا يرد على المصنف ؛ لأنه إنما تكلم على العرق من حيث هو ، ونجاسته في الصورة المذكورة لأمر عارض ، وأما اللعاب والمخاط والدمع فلم أر من حكى فيها خلافا صريحا بل قال البساطي : وأما العرق من الحي فنقل فيه الاتفاق أعني أنه لا يراعى فيه سكران من غيره غير أن ابن رشد قال : وأما الحيوانات فما دامت مستصحبة للحياة فهي طاهرة ويعني بذلك أعراقها وأسآرها وما يخرج من أنوفها إذا لم تستعمل نجاسة فيفهم من كلامه أنها إذا استعملت النجاسة نجس ما يخرج من أنوفها فأحرى لعابها ، ونقل صاحب الجمع عن ابن هارون أنه قال في شرح قول ابن الحاجب " واللعاب والمخاط من الحي طاهر " : كان ينبغي له أن يقول : ما لم يكن الحيوان مما يستعمل النجاسة انتهى .
فهذا مقتضى الخلاف في ذلك من الحيوان المستعمل للنجاسة ، وقد يقال : إن الدمع أيضا قريب من ذلك إلا أن كلام البساطي يعارض ذلك .
( تنبيهان الأول ) قال الشارح : ظاهر كلامه سواء كان البيض من الطير ، أو من غيره وليس كذلك ؛ لأن بيض الحشرات ملحق بلحمها وإليه أشار ابن بشير .
( قلت : ) بل الظاهر أن كلام المصنف على إطلاقه ؛ لأن الحشرات إذا أمن سمها مباحة فتأمله ، وما ذكر عن ابن بشير قبله ابن عرفة ونصه وبيض الطير طاهر وسباعه والحشرات كلحمها والله - تعالى - أعلم .
( والثاني ) قال البساطي هنا بحث وهو أنه شهر هنا أن عرق السكران وبيض

(1/301)


الجلالة طاهر وفيما يأتي أن رماد النجس ودخانه نجس والقولان في هذه الأشياء مبنيان على أن النجاسة إذا تغيرت أعراضها هل تطهر ، أو لا ؟ فانظر من فصل .
( قلت : ) أما المصنف فلا اعتراض عليه ؛ لأنه تابع للتوضيح وقد ذكر في توضيحه في اللبن والبيض والعرق أن الذي اختاره المحققون كعبد الحق والمازري وابن يونس الطهارة وذكر في رماد الميتة عن المازري أن الجمهور على أنه لا يطهر ، أما وجه التفصيل فظاهر أيضا ؛ لأن الانقلاب في اللبن والبيض والعرق أشد منه في رماد الميتة فتأمله والله أعلم .
ص ( إلا المذر ) : بفتح الميم وكسر الذال المعجمة أي الفاسد وهو ما عفن ، أو صار دما ، أو مضغة ، أو فرخا ميتا قال النووي ويطلق أيضا على ما اختلط فيه الصفار بالبياض انتهى .
والظاهر أن هذا الأخير طاهر إذا لم يحصل فيه عفن انتهى .
( تنبيه ) قال في الذخيرة في كتاب الأطعمة يوجد في وسط بياض البيض أحيانا نقطة دم فمقتضى مراعاة السفح في نجاسة الدم لا تكون نجسة وقد وقع البحث فيها مع جماعة ولم يظهر غيره انتهى .
( فرع ) قال ابن فرحون في مسائل ابن قداح يؤمر بغسل البيض قبل كسره فإن لم يغسل فلا شيء عليه انتهى .
وقال في مختصر فتاوى ابن رشد لابن عبد الرفيع التونسي أفتى القاضي أبو الوليد في الذي يجعل البيض في الطعام لا يغسله عند شيه وهي مملوءة بأذى الدجاج أن غسل البيض حسن فإن لم يفعل فقد أساء ولا يفسد ذلك الطعام انتهى .
وكأنه - والله أعلم - لاحتمال كون الطير

(1/302)


جلالة وأصابه شيء من بولها أو استقذارا له والله أعلم .
ص ( والخارج بعد الموت ) ش : ينبغي أن يعود إلى جميع ما تقدم من الفضلات فقد قال ابن عبد السلام : قول ابن الحاجب : " والدمع والعرق واللعاب والمخاط من الحي طاهر " يعني أنها من الميتة نجسة ، ومن المذكى طاهرة ، ومن الآدمي الميت على الخلاف في طهارته ونحوه قول ابن عرفة والدمع والعرق والمخاط والبصاق كمحله وقال البساطي عندي أن كلام المصنف خاص بالبيض قال وحمله بعض الشارحين على أنه عام في العرق واللعاب والمخاط والدمع والبيض وهو يزيل الإشكال انتهى .
( قلت ) وقد علمت أنه لا إشكال في ذلك ولعل قوله يزيل الإشكال من الإزالة إلا أن سياق كلامه لا يقتضي ذلك والله أعلم .
( تنبيه ) أطلق في البيض الخارج بعد الموت سواء كان رطبا ، أو يابسا وهو كذلك ، أما الرطب فباتفاق ، وأما اليابس فهو قول مالك خلافا لابن نافع حكى القولين ابن رشد في الضحايا من البيان وابن عرفة وابن ناجي وغيرهم واقتصر ابن فرحون على قول ابن نافع ، وكذلك ابن راشد في اللباب فأوهم كلامهما أنه المذهب وليس كذلك .

(1/303)


ص ( ولبن آدمي إلا الميت ) ش : قال في كتاب الصلاة الأول من المدونة ولا يحل اللبن في ضروع الميتة قال ابن ناجي ما ذكره متفق عليه ؛ لأنه ينجس بالوعاء إلا أن يكون لبن ميتة آدمي ففيه خلاف لقولها في كتاب الرضاع بالتنجيس ، وقيل : إنه طاهر انتهى .
وتقدم في كلام ابن عبد السلام في ما يخرج من ميتة الآدمي من لعاب ومخاط ودمع ، وإن حكمه ينبني على الخلاف في طهارته وسيأتي الكلام فيما يبان من الأعضاء عند قول المصنف : " وما أبين من حي وميت " .
ص ولبن غيره تابع ) ش : فهو طاهر من المباح ونجس من المحرم ومكروه من المكروه وكراهته لا تخرجه عن كونه طاهرا كما نبه على ذلك ابن عبد السلام في الكلام على معنى المباح والمكروه .
ص ( وبول وعذرة من مباح ) ش : كذا قال ابن الحاجب وغيره قال ابن فرحون ظاهره لا يغسل لا وجوبا ولا استحبابا ، أما وجوبا فنعم ، وأما استحبابا فقد روي عن مالك أنه قال : غسله أحب إلي ، نقل ذلك الشيخ تقي الدين انتهى بالمعنى .
والاستحباب ظاهر ولو لم يكن إلا للخروج من الخلاف والله أعلم .
ولا بد من تقييد ذلك بما إذا خرج في حال الحياة كما صرح به في اللباب وهو ظاهر .
ص ( إلا المتغذي بنجس ) ش : يريد ولو بشرب ماء نجس .
( تنبيه ) قال البساطي استثنى المتغذي بنجس فإنه نجس وله ثلاث حالات : الأولى : أن يكون محبوسا لا يصل للنجاسة فهو كغيره .
والثانية : إن شوهد استعماله لها فبوله وعذرته نجسان .
الثالثة : أن ينفى عنه كل منهما فيحمل على النجاسة تغليبا

(1/304)


.
( قلت ) ما ذكره في الحالة الثالثة غير ظاهر ومخالف لما قاله مالك في رسم مرض من سماع ابن القاسم من كتاب الطهارة في الحمام يصيب أرواث الدواب أحب إلي أن لو أعاد في الوقت من صلى بخربتها قال ابن رشد إنما ذلك إذا علم من حالها أنها تأكل أرواث الدواب ولم يتحقق أنها أكلتها ولو تحقق لقال إنه يعيد في الوقت على كل حال ؛ لأن ذرق ما يأكل النجس عنده نجس انتهى .
ويريد إذا صلى به غير عامد ، وأما العامد فيعيد أبدا ثم قال في الرسم الذي بعده وسئل مالك عن خرء الحمام يصيب الثوب قال هو عندي خفيف وغسله أحب إلي يعني ابن رشد هذا إذا لم يعلم أنها أكلت نجاسة على ما تقدم في الرسم الذي قبله انتهى .
وسئل ابن رشد عن ذرق الخطاف الذي عيشه الذباب على قول مالك إنه لا تؤكل الجراد وشبهها إلا بذكاة ، فأجاب ذرق الطير طاهر على قول مالك الذي يرى الفضلتين تابعتين للحوم وقال في رسم مرض من سماع ابن القاسم في رواية أصبغ إن ذرق البازي نجس ، وإن أكل ذكي إن ذلك على الرواية التي منع من أكل ذي مخلب من السباع والله أعلم .
فعلم من هذا أن الحيوان إذا كان من شأنه أن يأكل النجاسة ولم يتحقق أكله لها فأمره خفيف يستحب غسل روثه وهو خلاف ما دل عليه كلام البساطي والله أعلم .
( فرع ) إذا ذبح الحيوان الذي يتغذى بالنجاسة فإنه يغسل موضع الغذاء منه ككرشه وأمعائه قال ابن يونس في كتاب الصيد لما تكلم على الحوت يوجد في بطن الطير الميت ، وهذا إذا ذبح بحدثان

(1/305)


استعماله للنجاسة كما يفهم ذلك من كلام ابن يونس .

(1/306)


ص ( وقيء إلا المتغير عن الطعام ) ش : هذا كقوله في المدونة وما خرج من القيء بمنزلة الطعام فهو طاهر وما تغير عن حال الطعام فنجس فظاهر المدونة وكلام المصنف أن المتغير نجس كيفما كان التغير وعلى ذلك حملها سند والباجي وابن بشير وابن شاس وابن الحاجب وقال اللخمي يريد إذا تغير إلى أحد أوصاف العذرة وتبعه عياض وقال أبو إسحاق التونسي وابن رشد إن شابه أحد أوصاف العذرة ، أو قاربها فتحصل أن القيء على ثلاثة أقسام ما شابه أحد أوصاف العذرة ، أو قاربها نجس اتفاقا ، وما كان على هيئة الطعام لم يتغير طاهر اتفاقا لكن ألزم ابن عرفة من يقول بنجاسة الصفراء والبلغم أن يقول بنجاسة القيء مطلقا ، وما تغير عن هيئة الطعام ولم يقارب أحد أوصاف العذرة قال ابن فرحون بأن يستحيل عن هيئة الطعام ويستعد للهضم وقال البساطي بأن تظهر فيه حموضة فإذا كان كذلك فهو نجس على المشهور خلافا للخمي وأبي إسحاق وابن بشير وعياض .
( فرع ) علم مما تقدم أن القيء إذا لم يتغير عن هيئة الطعام فهو طاهر ولو خرج معه بلغم ، أو صفراء على المشهور وأشار إلى ذلك البساطي .
( فرع ) قال ابن رشد في رسم الصلاة الثاني من سماع أشهب من كتاب الصلاة القلس ماء حامض طاهر ونقله عنه ابن عرفة في أوائل الطهارة والمصنف في التوضيح في باب السهو ولم يحكوا غيره ونقل أبو الحسن عن التونسي نحوه ، وهذا على مذهب ابن رشد والتونسي أن القيء لا ينجس إلا إذا شابه أحد أوصاف العذرة ، أو

(1/307)


قاربها ، وأما على المشهور فيفصل فيه كما في القيء قال سند بعد كلامه على القيء فمن قلس وجب أن يفرق فيه بين المتغير وغيره والقلس هو دفعة من الماء تقذفه المعدة أو يقذفه ريح من فم المعدة وقد يكون معه طعام وهو على ضربين : منه ما يكون متغيرا على حسب ما يستحيل إليه وما يخالطه من فضلات المعدة فهو نجس ، ومنه ما يكون على وجه لا يتغير أو يتغير بطعم الماء فلا يجد صاحبه زيادة على طعم أكله فهو طاهر على ما تقدم في القيء ثم قال وقول مالك يعني في الموطإ رأيت ربيعة بعد المغرب يقلس في المسجد مرارا ثم لا ينصرف حتى يصلي محمول على ما لم يتغير انتهى .
ونقله عنه في الذخيرة وقبله وقال ابن بشير في كتاب الطهارة القلس ما يخرج عند الامتلاء ، أو برد المزاج وقد يكون فيه الطعام غير متغير فهو ليس بنجس انتهى .
ونحوه للباجي في شرح الموطإ ونصه : القلس ماء ، أو طعام يسير يخرج إلى الفم على وجه قائم في قوله وليتمضمض ليست المضمضة عليه بواجبة ولكنه يستحب له أن يمضمض من ذلك فاه ؛ لأن القلس لا يكون طعاما يتغير وإنما يستحب منه تنظيف الفم وإزالة ما عسى أن يكون من رائحة الطعام انتهى .
وقال الشبيبي في شرح الرسالة في آخر باب جامع في الصلاة في الكلام على القلس في الصلاة فإن تغير عن حال الطعام فهو نجس فيقطع من قليله وكثيره انتهى .
وهذا ظاهر والله أعلم .
( فرع ) فإن كان القيء ، أو القلس متغيرا وجب غسل الفم منه ، وإن لم يتغير فيستحب

(1/308)


المضمضة منه إلا أن يكون مما يذهب بالبصاق قاله الباجي وإذا شابه القيء أحد أوصاف العذرة فاختلف في نقض الوضوء به وسيأتي والقلس بفتح اللام اسم وبسكونها مصدر قلس يقلس كضرب يضرب .

(1/309)


ص ( وصفراء وبلغم ) ش : قال سند ما يخرج من الجسد من صفراء المذهب طهارته كما يحكم بطهارة المرائر ، والمرائر أصل الصفراء انتهى .
ثم قال : والبلغم طاهر ؛ لأنه من جنس البصاق والنخام انتهى ، وعلم منه أنه طاهر سواء كان من الرأس ، أو من الصدر وصرح به ابن مرزوق وغيره ونقل ابن عرفة عن ابن العطار أن البلغم والصفراء نجس ؛ لأنه مائع من وعاء نجس قال وسمعت ابن عبد السلام ينقل عن القرافي : البلغم طاهر والسوداء نجس وفي الصفراء قولان والذي في القواعد والذخيرة أن الصفراء كالبلغم ، والقولان حاصلان من نقل القرافي ونقل ابن العطار والله أعلم .
ص ( ومرارة مباح ) ش : كذا قيد في الذخيرة المرائر بالمباح فقال والمعدة عندنا طاهرة لعلة الحياة والبلغم والصفراء ومرائر ما يؤكل لحمه ، والدم والسوداء نجسان ولم يقيد صاحب الطراز المرائر بالمباح بل قال : المذهب طهارة ما يخرج من الجسد من صفراء كما يحكم بطهارة المرائر والمرائر هي أصل الصفراء ، وانظر ما مراد المصنف بهذا الكلام ؟ فإن أراد الحكم على المرارة حال كونها في جوف الحيوان فلا خصوصية للمباح ولا للمرارة فقد قال القرافي في الفرق الرابع والثمانين : باطن الحيوان مشتمل على رطوبات كالدم والمني والمذي والودي والبلغم وغير ذلك وجميع ذلك لا يقضى عليه بنجاسة ، فمن حمل حيوانا في صلاته لم تبطل ، ثم قال : والمعدة طاهرة عند مالك نجسة عند الشافعي وتقدم أن الحي طاهر .
وإن أراد الحكم على المرائر

(1/310)


المنتقل عنها فقد قال سند : إنه أصل الصفراء وإن الصفراء الخارجة من الجوف طاهرة من جميع الحيوان ، وإن أراد الحكم على المرارة بعد انفصالها من الحيوان فيستغنى عنه بما تقدم وبما يأتي ؛ لأنها إن انفصلت من مذكى تعمل فيه الذكاة فهي طاهرة ؛ لأن جميع أجزاء المذكى طاهرة ، وإن انفصلت من غير ذلك فهي نجسة ، وكان المصنف - رحمه الله - أراد التنصيص عليها لوقوعها في كلام صاحب الطراز والذخيرة .

(1/311)


( فرع ) لو دخل في دبر الإنسان خرقة ونحوها ثم أخرجت فإنها نجسة ، وهذا ظاهر وقد ذكره ابن فرحون عن الشيخ تقي الدين على سبيل الاحتجاج على نجاسة القيء ، والله أعلم .

(1/312)


ص ( ودم لم يسفح ) ش : قال في التوضيح المسفوح الجاري ، وغير المسفوح كالباقي في العروق وقال ابن فرحون كالباقي في محل التذكية وفي العروق وهو طاهر مباح الأكل على ظاهر المذهب انتهى وهو المشهور .
وقيل : نجس وانظر ما مراده بالباقي في محل التذكية هل أثر الدم الذي في محل ذبح الشاة ، أو الدم الذي يبقى في محل نحر الشاة ويخرج بعد سلخها إذا طعنت فإن أراد الأول فهو نجس ؛ لأنه من الدم المسفوح ، وقد ذكر البرزلي خلافا بين المتأخرين في الرأس إذا شوطي بدمه هل يقبل التطهير أم لا ونقله ابن ناجي أيضا في شرح المدونة وفي كلام صاحب المدخل إشارة إلى ذلك ، وإن أراد الثاني فقد ذكر البرزلي في مسائل الصلاة عن بعض الإفريقيين أنه قال في الدم الذي يخرج من نحر الشاة بعد سلخها قولان قال كان يمضي لنا أنه بقية الدم المسفوح وجعله هنا من الخارج من العروق بعد خروج الدم المسفوح وهو خلاف في شهادة انتهى .
فتأمله .
والذي يظهر أنه من بقية الدم المسفوح ، وأما ما ذكره ابن فرحون وصاحب التوضيح من أن الباقي في العروق غير مسفوح فقاله ابن بشير وغيره ولا إشكال فيه والخلاف فيه إنما هو إذا قطعت الشاة وظهر الدم بعد ذلك ، وأما لو شويت قبل تقطيعها فلا خلاف في جواز أكلها قاله اللخمي ونقله ابن عرفة وابن الإمام وغيرهم وقال ابن الحسن المشذالي في حاشيته على المدونة وقال أبو عمر إن ما تطاير من الدم من اللحم عند قطعه على الثوب والبدن فغسله مستحسن انتهى .
( تنبيهان

(1/313)


الأول ) قد يفهم من قوله في التوضيح : " إن المسفوح هو الدم الجاري " أن ما لم يجر من الدم داخل في غير المسفوح وأنه طاهر ولو كان من آدمي ، أو ميتة ، أو حيوان حي وهو كذلك فقد قال اللخمي الدم على ضربين : نجس ومختلف فيه ، فالأول : دم الإنسان ودم ما لا يجوز أكله ودم ما يجوز أكله إذا خرج في حال الحياة ، أو في حين الذبح ؛ لأنه مسفوح واختلف فيما بقي في الجسم بعد الذكاة وفي دم ما ليس له نفس سائلة وفي دم الحوت انتهى .
فيفهم من كلام اللخمي أن دم الآدمي والحيوان الذي لا يؤكل والميتة نجس مطلقا سواء جرى ، أو لم يجر وهو ظاهر ويؤيد ذلك قول البساطي هنا مراد المصنف أن الدم الذي لم يجر بعد موجب خروجه شرعا فهو طاهر ، فخرج الدم القائم بالحي ؛ لأنه لا يحكم عليه بالطهارة ولا بالنجاسة والدم المتعلق بلحم الميتة وأنه نجس وما جرى عند الذكاة فإنه أيضا نجس .
( الثاني ) : الدم الذي يخرج من قلب الشاة إذا شق هل هو مسفوح ، أو غير مسفوح لم أر فيه نصا والذي يفهم من كلام البرزلي واللخمي أنه من غير المسفوح فتأمله .
ص ( ومسك ) ش : المسك بكسر الميم وسكون السين قال الجوهري فارسي معرب كانت العرب تسميه المشموم قال النووي في تهذيب الأسماء وهو مذكر قال أبو حاتم فإن أنثه اللسان فعلى مذهب الذهب والغسل ؛ لأنك تقول مسك ومسكة كما تقول ذهبة حمراء وغسلة وأنشد الجوهري في تأنيثه ومن أردانها المسك ينفح وقال أراد الرائحة ، والمسك بفتح الميم

(1/314)


وسكون السين جلد يقال : مسك ثور ، ومنه قول العرب غلام في مسك شيخ .
وجمعه مسوك كفلس وفلوس وقول بعضهم : إن الجلد مسك بفتح الميم والسين خطأ وفي الحديث أتت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم وفي يدها مسكتان من ذهب بفتح الميم والسين ، الواحدة مسكة بفتحهما وهو سوار يتخذ من القرون والحديث يدل على أنه يتخذ من الذهب انتهى بالمعنى .
( قلت : ) وهو الآن في الحجاز يتخذ من الذهب ولكنهم يقولون فيه مسكة بكسر الميم وسكون السين النحل ، والمسك بضم الميم وسكون السين البخل ، والمسك بضمهما البخل أيضا والمسك بفتح الميم وكسر السين البخل وفي الحديث : إن أبا سفيان رجل مسيك قال النووي والمحدثون يقولون بكسر الميم وتشديد السين قال صاحب المطالع إن أكثر المحدثين يكسر الميم ورواية المتقنين بفتح الميم وتخفيف السين ، وكذا هو لأبي بحر وللمستملي قال وبالوجهين قيدته عن أبي الحسن وبالكسر ذكره أهل اللغة قال النووي ورواية المحدثين صحيحة على هذه اللغة انتهى .
وحكي الإجماع على طهارته وحكى المازري عن طائفة قولا بنجاسته قال الشيخ زروق في شرح الإرشاد وانظر هل يجوز أكله كاستعماله انظر ذلك فإني لم أقف فيه على شيء انتهى .
( قلت : ) لا ينبغي أن يتوقف في ذلك وهو كالمعلوم من الدين بالضرورة ، وكلام الفقهاء في باب الإحرام في أكل الطعام الممسك دليل على ذلك والله أعلم .
ص ( وفأرته ) ش : هي الوعاء الذي يكون فيه المسك ويسمى النافحة واختلف في همزه فقيل

(1/315)


الصواب عدمه ؛ لأنه من فار يفور لفوران ريحها ، وقيل : يجوز همزها ؛ لأنها على هيئة الفأرة قال ابن مرزوق قال أبو إسحاق فارة المسك ميتة ويصلى بها ، وتفسير ذلك عندي أنها كخراج يحدث بالحيوان تجتمع فيه مواد ثم تستحيل مسكا ، ومعنى كونها ميتة أنها تؤخذ منه في حال الحياة أو بذكاة من لا تصح ذكاته من أهل الهند ؛ لأنهم ليسوا بأهل كتاب وإنما حكم لها بالطهارة - والله أعلم - لأنها استحالت عن جميع صفات الدم وخرجت عن اسمه إلى صفات واسم يختص بها فطهرت لذلك كما يستحيل الدم وسائر ما يتغذى به الحيوان من النجاسات إلى اللحم فيكون طاهرا انتهى .
وصرح بذلك ابن مرزوق بعد الكلام الذي نقله عن الشيخ ، وتتمة كلام ابن مرزوق وكما يستحيل الخمر إلى الخل طاهرا ، وكما يستحيل ما به من العذرة والنجاسة تمرا ، أو بقلا فيكون طاهرا وإنما لم تنجس فأرة المسك بالموت ؛ لأنها ليست بحيوان ولا جزء منه فتنجس بعذر الذكاة وإنما هي شيء يحدث في الحيوان كما يحدث البيض في الطير والله أعلم .
لكن تشبيهه له بالبيض الذي يحدث في الطير يقتضي نجاسته إذا أخذ بعد الموت من الظبية فإن البيض الذي يخرج بعد الموت نجس كما تقدم فتأمله .
ويظهر من إطلاق كلامهم طهارة المسك وفأرته ولو أخذت من الحيوان بعد موته والله أعلم .
وقال الشافعية : إن انفصلت الفأرة بعد موت الظبية فهي نجسة .

(1/316)


ص ( وزرع بنجس ) ش : يحتمل أن يريد أن القمح النجس إذا زرع ونبت فإنه طاهر وهو كذلك قاله ابن يونس وغيره ، وكذا غير القمح ، ويحتمل أن يريد أن الزرع إذا سقي بالماء النجس لا تنجس ذاته ، وإن تنجس ظاهره وهو كذلك والبقل والكراث ونحوه كالزرع وقال البساطي في المغني إذا سقي الزرع بماء نجس فالماء الذي تضمنه طاهر ، ويحتمل أن يريد ما هو أعم من ذلك أي وزرع ملابس للنجاسة فتأمله .
وقال ابن رشد في رسم إن خرجت من سماع ابن القاسم : وقول ابن نافع " إن البقل لا يسقى بالماء النجس إلا أن يقلى بعد ذلك بما ليس بنجس " لا وجه له ، إذ لو نجس بسقيه للماء النجس لكانت ذاته نجسة ولم يطهر بتغليته بعد ذلك بماء طاهر ويأتي - إن شاء الله - حكم سقيه للماء النجس غير أنه لا بد من غسل ظاهر ما وصلت إليه النجاسة من أصول الزرع إلا أن يسقى بعد ذلك بماء طاهر يبلغ إلى ما بلغ إليه النجس والمنجس والله أعلم .
ص ( وخمر تحجر ) ش : أي صار حجرا وهو المسمى بالطرطار ويستعمله الصباغون ، وهذا إذا ذهب منه الإسكار أما لو كان الإسكار باقيا فيه بحيث لو بل فشرب أسكر فليس بطاهر ونقله البرزلي عن المازري في مسائل الأشربة والله أعلم .
ص ( أو خلل ) ش : أي ولو بإلقاء شيء فيه كالخل والملح والماء ونحوه ويطهر الخل وما ألقي فيه خلافا للشافعية قاله في الجواهر والذخيرة وغيرهما ونقل البرزلي أنه لو وقع في قلة خمر ثوب ثم تخللت والثوب فيها طهر الثوب والخل .
( فرع )

(1/317)


قال البرزلي في أواخر الأشربة : إذا بقي في إناء خمر يسير فصب عليه عصير ، أو خل فقال أصبغ فسد الجميع قال الباجي ، أما في العصير فصحيح ؛ لأن العصر لا يصير الخمر عصيرا فهو عصير حلت فيه نجاسة ، وأما الخل فلا ؛ لأن الخل يصير الخمر خلا فيطهر الجميع ولا يستعمل ذلك الخل إلا بعد مدة يقدر فيها أن الخمر تخللت انتهى .
( قلت ) فإن ترك العصير حتى صار خلا طهر الجميع .
( فرع ) واختلف في حكم تخليلها فحكي في البيان في ذلك ثلاثة أقوال ، وقال في كتاب الأطعمة من الإكمال والمشهور عندنا أنه مكروه فإن فعل أكل ، وعليه اقتصر في الجواهر والله أعلم .

(1/318)


ص ( والنجس ما استثنى ) ش : لما فرغ من بيان الطاهر شرع يبين النجس فقال والنجس ما استثنى أي بأداة الاستثناء كقوله إلا محرم الأكل وما بعده ، أو بأداة الشرط ليدخل فيه مفهوم قوله إن جزت فالمستثنيات ثمانية وهي قوله إلا محرم الأكل وقوله إن جزت وقوله إلا المسكر وقوله إلا المذر والخارج بعد الموت وقوله إلا الميت وقوله إلا المتغذي بنجس وقوله إلا المتغير عن الطعام وقوله والنجس بفتح الجيم ؛ لأن المراد به عين النجاسة .
ص ( وميت غير ما ذكر ) أي ومن النجس ميت غير الذي تقدم ذكره ، والذي تقدم هو ميت ما لا دم له وميت البحر والمراد هنا ما مات حتف أنفه ، أو حصلت فيه ذكاة غير شرعية كالذي يذكيه المجوسي وعابد الوثن والكتابي لصنمه ، أو المسلم إذا لم يذكر اسم الله عليه متعمدا .
قال صاحب الجمع عن ابن هارون فإن حكم هذه حكم الميتة في هذا كله ، وكذلك ذبيحة المحرم والمرتد والمجنون والسكران قاله ابن فرحون وغيره وهو ظاهر ، وكذلك ما صاده الكافر من الحيوان البري .
ص ( ولو قملة ) ش : قال ابن عرفة وغيره واختلف في الحيوان الذي يكون دمه منقولا كالبرغوث والقمل والبعوض على قولين فقيل ميتته طاهرة ، وقيل : نجسة ، وكذلك القراد والذباب كما صرح به صاحب الجمع عن ابن هارون وشهر المصنف وصاحب الشامل القول بنجاسة القملة لقول ابن عبد السلام في آخر صلاة الجماعة : المشهور أن لها نفسا سائلة ويفهم من اقتصار المصنف على القملة ترجيح القول

(1/319)


بطهارة ما عداها ، وكذلك يفهم من كلام ابن عبد السلام في ذلك الموضع فإنه قال البرغوث ليس له نفس سائلة ، وأما القملة فالمشهور أن لها نفسا سائلة فيفهم منه ترجيح الفرق بين القملة والبرغوث ، وهذا القول حكاه في التوضيح عن بعضهم فقال ، ومنهم من قضى بنجاسة القملة لكونها من الإنسان بخلاف البرغوث ؛ لأنه من تراب ، ولأنه وثاب فيعسر الاحتراز منه انتهى .
ولا شك أن البعوض والذباب والبق مثل البرغوث فيما ذكر واقتصر في الجلاب على أن الذباب والبعوض مما ليس له نفس سائلة وجزم في التوضيح في الكلام على الميتات بأن الذباب لا نفس له سائلة فقال المراد بالنفس السائلة ما له دم ، وربما قالوا وليس بمنقول فإن الذباب مما لا نفس له سائلة ، وقد وجد فيه دم وعد في أواخر سماع أشهب من كتاب الصيد والذبائح الحكم فيما ليس له نفس سائلة ولا شك أن القراد مثله فتحصل من هذا أن ما كان دمه منقولا فإن الراجح فيه أنه مما ليس له نفس سائلة إلا القملة وذلك لا ينافي الحكم بنجاسة الدم المسفوح من الذباب وشبهه ، ألا ترى أنه يحكم بنجاسة المسفوح من السمك مع الاتفاق على طهارة ميتته ؟ والله أعلم .

(1/320)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية