صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : حاشية الصاوي على الشرح الصغير
مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
[ الكتاب مشكول ومرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

الأداء ) : إما لعدم تمام طيب الحرث أو لعدم مستحق ، أو لغيبة المال ( سقطت ) الزكاة .
فإن أمكن الأداء ولم يؤد ضمن ، وأما ما تلف قبل الوجوب فيعتبر الباقي .
وشبه في السقوط قوله : ( كعزلها بعد الوجوب ) ليدفعها لمستحقها ( فضاعت بلا تفريط ) منه ، ( لا إن ضاع أصلها ) بعد الوجوب وبقيت هي فلا تسقط ، ووجب عليه إخراجها فرط أم لا ، ولا إن عزلها قبل الوجوب فضاعت أو تلفت فيضمن أو يعتبر الباقي .
ولا إن عزلها بعده وفرط بأن أمكن الأداء فلم يؤد ، أو وضعها في غير حرزها فيضمن .

الشرح

(3/216)


قوله : [ فيزكي كما تقدم ] : أي إن نض له ولو درهما ، وأما إن زكى قبل النضوض فلا يجزئ على مقتضى كلامهم .
قوله : [ أو غني فلا تجزئ ] أي إلا الإمام يدفعها باجتهاده فتبين أن الآخذ غير مستحق فتجزئ حيث تعذر ردها ، والوصي ومقدم القاضي كذلك .
فتحصل : أن ربها إذا دفعها لغير مستحقها لا تجزئه مطلقا ، والإمام ومقدم القاضي والوصي تجزئه إن تعذر ردها هذا هو المعول عليه .
قوله : [ أو دفع عرضا ] : أي حيث أطاع بذلك ، وإلا - فإن أكره - أجزأت اتفاقا .
وحاصل ما في المتن والشارح كما في الأصل : أنه إذا أخرج العين عن الحرث والماشية يجزئ مع الكراهة .
وأما إخراج العرض عنهما أو عن العين فلا يجزئ ؛ كإخراج الحرث أو الماشية عن العين .
أو الحرث عن الماشية أو عكسه .
فهذه تسع المجزئ منها اثنتان .
قال أبو علي المسناوي : هذا التفصيل للأجهوري ولم أره لأحد .
قال في حاشية الأصل - بل الموجود في المذهب - طريقتان : عدم إجزاء القيمة مطلقا وإجزاؤها مطلقا ، فعدم الإجزاء لابن الحاجب وابن بشير ، وقد اعترضه في التوضيح بأنه خلاف ما في المدونة ، ومثله لابن عبد السلام والباجي من أن المشهور فيه الإجزاء مع الكراهة ، هذا زبدة ما في حاشية الأصل .
وفي تقرير المؤلف ما يوافقه ؛ فما تقدم أول باب الزكاة من عدم إجزاء القيمة بدل الشيء الواجب في المواشي وغيرها مبني على إحدى الطريقتين هنا فليحفظ هذا المقام .
قوله : [ ولا شيء من القطاني عن آخر ] : أي من غيرها أو منها

(3/217)


وكان المخرج أدون .
قوله : [ لا أكثر ] : أي على المعتمد وهو رواية عيسى عن ابن القاسم .
وقيل : يغتفر الشهران ونحوهما ، وقيل يوم أو يومان ، وقيل : ثلاثة أيام ، وقيل : خمسة ، وقيل : عشرة .
وهذا التقديم المجزئ مع الكراهة سواء كان لأربابها أو لوكيل يوصلها له .
قوله : [ لا إن ضاع أصلها ] : أي دونها ؛ وذلك بأن عزل الزكاة من ماله بعد الحول ، ثم ضاع المال الذي هو أصلها وبقيت هي كما قال الشارح .
قوله : [ فرط ] : حاصله : أنه إذا حل الحول وأخر تفرقتها عن الحول - مع تمكنه من التفرقة - فتلفت ، سواء تلف أصلها أم لا ، فإنه يضمن الزكاة لتفريطه .
قوله : [ أو وضعها في غير حرزها ] : أي إذا لم يجد فقراء يأخذونها فوضعها في غير حرزها ، فيضمن إن ضاعت وأما لو وجد مستحقيها وأخرها عنهم فإنه يضمن إن ضاعت ولو في حرزها .
ومن ذلك الذين يكنزون الأموال السنين العديدة ثم تأتيها جائحة فإن زكاة السنين الماضية متعلقة بذممهم لا يخلصون منها إلا بأدائها .

(3/218)


( وزكى مسافر ) في البلد الذي هو به ( ما معه ) من المال وإن دون نصاب ، ( وما غاب ) عنه ( إن لم يكن ) هناك ( مخرج ) عنه بتوكيل ؛ لأن العبرة بالمالك .
فإن كان هناك مخرج زكى ما معه فقط ( ولا ضرورة ) عليه من نحو إنفاق فيما يخرجه عن الغائب ، وإلا أخر حتى يصل لبلده ، فالمراد بالضرورة : الحاجة .

الشرح
قوله : [ وزكى مسافر ] : مفهومه أن الحاضر يزكي ما حضر وما غاب من غير تأخير مطلقا ، ولو دعت الضرورة لصرف ما حضر بخلاف المسافر ، فإنه لا يزكيهما إلا بالشرطين .
قوله : [ وما غاب عنه ] : هذا شامل للماشية إذا لم يكن لها ساع ، وأما إن كان لها ساع فإنها تزكى في محلها فلا يشملها كلامه ، وما ذكره المصنف من أن المسافر يزكي ما غاب عنه بالشرطين ولا يؤخر زكاته حتى يرجع له ، أحد قولي مالك .
وقال أيضا : إنه يؤخر زكاته اعتبارا بموضع المال .
ويتفرع على الخلاف في اعتبار موضع المال أو المالك : ما لو مات شخص ولا وارث له إلا بيت المال ببلد سلطان وماله ببلد سلطان آخر .
والذي في أجوبة ابن رشد : أن ماله لمن مات ببلده .
قوله : [ ولا ضرورة عليه ] : وينفي الضرورة وجود مسلف يمهله لبلده .
قوله : [ وإلا أخر ] : أي وإلا فإن اضطر أخر الإخراج عن الحاضر معه والغائب حتى : يرجع لبلده .

(3/219)


( وأخذت ) الزكاة ممن تجب عليه حيث امتنع من أدائها ( كرها ) بضم الكاف وفتحها ( وإن بقتال ) ، وتجزئ نية الإمام أو من يقوم مقامه عن نيته ، بخلاف ما لو سرق مستحق بقدرها فلا تكفي لعدم النية .

الشرح

(3/220)


قوله : [ وأخذت الزكاة ] : أي إن كان له مال ظاهر ، فإن كان ليس له مال ظاهر - وكان معروفا بالمال - فإنه يحبس حتى يظهر ماله .
فإن ظهر بعض المال واتهم في إخفاء غيره فقال مالك : يصدق ولا يحلف إنه ما أخفى وإن اتهم ، وأخطأ من يحلف الناس .
قوله : [ وإن بقتال ] : أي ولا يقصد قتله ، فإن اتفق أنه قتل أحدا قتل به وإن قتله أحد كان هدرا .
ويؤدب الممتنع من أدائها بعد أخذها منه كرها إن لم يقاتل حالة الأخذ وإلا كفى في الأدب .
قوله : [ وتجزئ نية الإمام ] : أي ويجب دفعها له إن كان عدلا في صرفها .
وأخذها .
وإن كان جائرا في غيرها - إن كانت ماشية أو حرثا ، بل وإن كانت عينا .
فإن طلبها العدل وادعى إخراجها لم يصدق .
وتقدم أنها لا تدفع للجائر في صرفها ، بل الواجب جحدها والهروب بها ، فإن أخذها كرها أجزأت .
قوله : [ بخلاف ما لو سرق مستحق ] إلخ : يؤخذ منه أن الفقراء ليس لهم المقاتلة عليها إلا بإذن السلطان أو نائبه لتوقف الزكاة على نيته أو نية المالك ، ولو جاز لهم المقاتلة عليها بغير إذن السلطان أو نائبه لأدى إلى الفساد في الأرض .
تتمة : إن غر عبد بحرية فدفعت له الزكاة فظهر رقه فجناية في رقبته إن لم توجد معه على الأرجح ؛ فيخير سيده بين فدائه وإسلامه فيباع فيها .
واختلف في جواز دفعها لمدين عديم ثم أخذها منه في دينه حيث لم يتواطأ عن ذلك ؟ قولان على حد سواء .
وإن دفعت لغريب محتاج لما يوصله أو لغاز ، ثم ترك كل السفر لما دفعت الزكاة

(3/221)


لأجله نزعت منهما إلا بوصف الفقر كالغريم إذا استغنى ، بأن ظهر لنا قدرته على وفاء الدين من غيرها فيجب نزعها على ما اختاره اللخمي .

(3/222)


فصل : في زكاة الفطر ( زكاة الفطر واجبة بغروب آخر رمضان ) على قول ( أو بفجر ) أول ( شوال ) على قول آخر .
( على الحر المسلم القادر ) عليها وقته .
( وإن بتسلف لراجي القضاء ) لأنه قادر حكما ، بخلاف من لم يرجه .
( عن نفسه وعن كل مسلم يمونه ) أي تلزمه مؤنته .
( بقرابة ) : كوالديه الفقيرين ؛ وأولاده الذكور للبلوغ قادرين على الكسب ، والإناث للدخول بالزوج أو الدعاء إليه .
( أو زوجية ) : أي كونها زوجة له أو لأبيه الفقير .
وكذا تلزم لخادم القريب المذكور أو الزوجة إن كان رقيقا لا بأجرة ، ويمكن إدخاله في قولنا : ( أو رق ) : أي أو بسبب رق ؛ كعبيده وعبيد أبيه أو أمه أو ولده حيث كان خادما وهم أهل للإخدام ( ولو ) كان الرقيق ( مكاتبا ) ( و ) الرقيق ( المشترك ) بين اثنين .
أو أكثر يجب على كل ( بقدر الملك ) فيه من نصف أو ثلث أو سدس أو غير ذلك ( كالمبعض ) يجب الإخراج على مالك بعضه بقدر ما يملك فيه .
( ولا شيء على المبعض ) في بعضه الحر .
ثم من ولد له ولد ، أو تزوج أو اشترى عبدا قبل الغروب من آخر يوم من رمضان ، ثم مات قبل الفجر وجبت على الأب أو الزوج أو سيد العبد على القول الأول دون الثاني .
ولو حصل شيء مما ذكر بعد الغروب وطلع عليه الفجر وجبت على من ذكر على القول الثاني دون الأول .
ولو مات قبل الفجر لم يجب على كل من القولين .
وقس على ذلك من طلقت أو عتق أو باع .
ومن لم يقدر عليها إلا بعد فجر شوال لم تجب عليه ، لأنه كان عاجزا عنها وقت

(3/223)


الوجوب ، وإن ندبت إن زال فقره أو عتق يومها كما يأتي .
( وهي ) : أي زكاة الفطر ( صاع ) أربعة أمداد عبرة المد حفنة ملء اليدين المتوسطتين .
( فضل عن قوته وقوت عياله يومه ) أي يوم عيد الفطر ، وقد ملكه وقت الوجوب .
( من أغلب قوت أهل المحل من ) أصناف تسعة : ( قمح أو شعير أو سلت أو ذرة أو دخن أو أرز أو تمر أو زبيب أو أقط ) : وهو يابس اللبن المخرج زبده .
وقوله : ( فقط ) : إشارة لرد قول ابن حبيب بزيادة العلس على التسعة المذكورة ، فعلى قوله تكون الأصناف عشرة .
فيتعين الإخراج مما غلب الاقتيات منه من هذه الأصناف التسعة ، فلا يجزئ الإخراج من غيرها ، ولا منها إن اقتات غيره منها إلا أن يخرج الأحسن ؛ كما لو غلب اقتيات الشعير فأخرج قمحا .
( إلا أن يقتات غيرها ) أي غير هذه الأصناف كعلس ولحم وفول وعدس وحمص ونحوها ( فمنه ) يخرج ، فإن غلب شيء تعين الإخراج منه وإن ساوى غيره خير .
( وندب إخراجها بعد الفجر وقبل الصلاة ) أي صلاة العيد .
( و ) ندب إخراجها ( من قوته الأحسن ) من قوت أهل البلد .
( و ) ندب إخراجها ( لمن زال فقره أو ) زال ( رقه ) بأن عتق ( يومها ) .
( و ) ندب ( عدم زيادة على الصاع ) .
بل تكره الزيادة لأن الشارع إذا حدد شيئا كان ما زاد عليه بدعة ؛ فتارة تقتضي الفساد كما في الصلاة ، وتارة تكون مكروهة كما هنا وكما في زيادة التسبيح على ثلاث وثلاثين .
ومحل الكراهة إن تحققت الزيادة وإلا فيتعين أن يزيد ما يزيل به الشك .
( وجاز دفع صاع ) واحد (

(3/224)


لمساكين ) يقتسمونه .
( و ) جاز دفع ( أصوع ) متعددة ( لواحد ) من الفقراء .
( و ) جاز ( إخراجها قبل العيد بيومين ) لا أكثر .
( ولا تسقط ) زكاة الفطر عن غني بها وقت الوجوب ( بمضي زمنها ) بغروب شمس يوم العيد بل هي باقية في ذمته أبدا حتى يخرجها .
( وإنما تدفع لحر ) فلا تجزئ لعبد ( مسلم ) فلا تجزئ لكافر .
( فقير ) لا يملك قوت عامه .
( غير هاشمي ) لشرفه وتنزهه عن أوساخ الناس .
( فإن لم يقدر ) الحر المسلم ( إلا على البعض ) : أي بعض الصاع ، أو بعض ما وجب عليه إن وجب عليه - أكثر - ( أخرجه ) وجوبا .
فإن وجب عليه أصوع ولم يجد إلا البعض بدأ بنفسه ثم بزوجته ، والأظهر تقديم الوالد على الولد .
( وأثم ) من تجب عليه ( إن أخر للغروب ) لتفويته وقت الأداء وهو اليوم كله .

الشرح

(3/225)


فصل : لما أنهى الكلام على زكاة الأموال أتبعه بالكلام على زكاة الأبدان وهي زكاة الفطر .
واختلف في وجه إضافتها للفطر ، فقيل : من الفطرة وهي الخلقة لتعلقها بالأبدان ، وقيل لوجوبها بالفطر .
وحكمة مشروعيتها الرفق بالفقراء في إغنائهم عن السؤال ذلك اليوم .
وأركانها أربعة : المخرج بكسر الراء ، والمخرج بالفتح ، والوقت المخرج فيه ، والمدفوعة إليه ، وإنما قدم المؤلف زكاة الأموال عليها .
وإن كان متعلقها أشرف - لأن زكاة الأموال دعامة من دعائم الإسلام ، ولوقوع الخلاف في وجوبها وسنيتها .
والمشهور الوجوب ولذلك لا يقاتلون عليها .
قال الخرشي في كبيره : وانظر الفرق بينها وبين بعض السنن التي يقاتل على تركها ، وانظر هل يكفر جاحدها أو لا ؟ وينبغي التفصيل بين أن يجحد مشروعيتها : فيكفر ، وبين أن يجحد وجوبها : فلا يكفر ، لأنه قيل بالسنية ( ا هـ .
) قال في الحاشية : وكذا لا يقاتلون على صلاة العيد بخلاف الأذان والجماعة فيقاتلون على تركهما ، لأنه يتكرر ويتوقف الإعلام بدخول الوقت عليه ( ا هـ .
) قوله : [ واجبة ] : أي وجوبا ثابتا بالسنة ففي الموطإ عن ابن عمر : { فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر في رمضان على المسلمين } وحمل الفرض على التقدير بعيد ، خلافا لمن زعم ذلك وقال إنها سنة ، لا سيما وقد خرج الترمذي : { بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مناديا ينادي في فجاج مكة : ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم .
.
.
} إلى آخر الحديث .
ولا

(3/226)


يقال : إن فرضها في السنة الثانية من الهجرة ومكة حينئذ دار حرب ، فكيف يتأتى فيها النداء بما ذكر ؟ لأنه يقال : " بعث المنادي " : يحتمل أنه سنة فتحها وهي سنة ثمان من الهجرة ، ويحتمل أنه سنة حج أبو بكر بالناس وهي سنة تسع ، ويحتمل أنه سنة حجة الوداع وهي سنة عشر ، وليس بلازم أن يكون بعث المنادي عقب الفرض ، ورواية : " فجاج مكة " هي الصواب .
خلافا لما مشى عليه في الأصل من إبدال مكة بالمدينة .
وإنما قلنا بالسنة ، لأن آيات الزكاة العامة سابقة عليها ، فعلم أنها غير مرادة بها أو غير صريحة في وجوبها .
قوله : [ بغروب آخر رمضان على قول ] إلخ : الأول لابن القاسم في المدونة وشهره ابن الحاجب وغيره .
والثاني لرواية ابن القاسم والأخوين عن مالك وشهره الأبهري وصححه ابن رشد وابن العربي .
قال بعضهم ؛ الأول : مبني على أن الفطر الذي أضيفت إليه في خبر : { فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر من رمضان } : الفطر الجائز وهو ما يدخل وقته بغروب شمس آخر رمضان ، والثاني مبني على أن المراد الفطر الواجب الذي يدخل وقته بطلوع الفجر .
واعترضه شيخ مشايخه العدوي بأن عدم نية الصوم واجب فيهما .
وتناول المفطر جائز فيهما ، وحينئذ فلا وجه لذلك .
وبقي ثلاثة أقوال أخر : الأول : أن وقته بطلوع الشمس ولا يمتد على هذا القول أيضا كاللذين قبله .
الثاني : أن وقته من غروب ليلة العيد ممتدا إلى غروب يومها .
الثالث : من غروب ليلة العيد ممتدا إلى

(3/227)


زوال يومها .
ذكره في التوضيح ( ا هـ .
بن - كذا في حاشية الأصل ) .
قوله : [ وإن بتسلف ] : وقيل لا تجب بالتسلف بل يستحب وعليه اقتصر ابن رشد .
فعلم أنها لا تسقط بالدين .
قوله : [ أو الدعاء إليه ] : أي حيث كانت الزوجة مطيقة ولم يكن بها مانع يوجب الخيار .
قوله : [ حيث كان خادما ] : يحترز به عما إذا قصد به الربح أو اشترى للفخر .
قوله : [ وهم أهل للإخدام ] : فلو كان أهلا للإخدام بأكثر من واحد إلى أربع أو خمس ، فقيل : يلزمه زكاة فطر الجميع ؛ وقيل : لا يلزمه إلا زكاة فطر واحد فقط .
ونص ابن عرفة في وجوبها عن أكثر من خادم إلى أربع أو خمس إن اقتضاه شرفها .
ثالثها : عن خادمين فقط .
قوله : [ يجب على كل بقدر الملك ] : هذا هو الراجح .
ومقابله : أنها على عدد رءوس المالكين .
ولهذه المسألة نظائر في هذا الخلاف ، وضابطها : كل ما يجب بحقوق مشتركة ؛ هل الواجب بقدر الحقوق أو على عدد الرءوس ؟ قولان .
لكن الراجح منهما مختلف ، فالراجح الثاني ، وهو اعتبار عدد الرءوس : في أجرة القسام ، وكنس المراحيض ، والسواقي ، وحارس أعدال المتاع ، وبيوت الطعام ، والجرين ، والبساتين .
وكاتب الوثيقة وكذا صيد الكلاب لا ينظر فيه لكثر الكلاب وإنما ينظر في اشتراك الصيد لرءوس الصائدين .
والراجح القول الأول وهو اعتبار الملك في مسألتنا هذه ، والشفعة ، ونفقة الوالدين ؛ أي فإنها توزع على الأولاد بقدر اليسار لا على الرءوس ولا بقدر الميراث ، وكذا زكاة فطرهما .
( ا هـ .
من حاشية الأصل ) .
تنبيه :

(3/228)


العبد المخدم إن كان مرجعه بعد الخدمة لسيده فزكاته عليه ، وإن كان مرجعه لحرية فزكاته على المخدم بالفتح ، وإن كان مرجعه لشخص آخر فزكاته على ذلك الشخص الذي مرجعه له .
قوله : [ ولا شيء على العبد في بعضه الحر ] : وكذلك عبيد العبيد لا يلزم السيد الأعلى ولا سيدهم زكاة فطرهم ، وفي ( بن ) : أن العبد لا يخرج عن زوجته خلافا ل ( عب ) ، وأما الموقوف فعلى ملك الواقف .
قوله : [ ثم من ولد له ولد ] : شروع منه في بيان ثمرة الخلاف المتقدم ، لكن الوجوب لا يمتد على كل من القولين .
قوله : [ ولو مات قبل الفجر لم يجب على كل ] إلخ : أي والموضوع أن هذا الشيء حصل بعد الغروب .
قوله : [ ملء اليدين المتوسطتين ] : أي لا مقبوضتين ولا متوسطتين وذلك قدح وثلث ، فعلى هذا : الربع المصري يجزئ عن ثلاثة .
قوله : [ من أغلب قوت أهل المحل ] : أي البلد من غير نظر لقوت المخرج .
والمنظور له غالب قوتهم في رمضان على ما يظهر من الحطاب ترجيحه ، لا في العام كله ، ولا في يوم الوجوب .
كذا في البناني واستظهر في المجموع اعتبار الغلبة عند الإخراج .
قوله : [ من أصناف تسعة ] : وجمعها بعضهم ما عدا الأقط بقوله : قمح شعير وزبيب سلت تمر مع الأرز ودخن ذرة قوله : [ فلا يجزئ الإخراج من غيرها ] : أي إذا لم يكن ذلك الغير عينا ، وإلا فالأظهر الإجزاء لأنه يسهل بالعين سد خلته في ذلك اليوم ( ا هـ .
تقرير مؤلفين ) .
قوله : [ إلا أن يقتات غيرها ] : أي في زمن الرخاء والشدة لا في زمن

(3/229)


الشدة فقط ، كما قال أبو الحسن وابن رشد .
والذي يظهر من عبارات أهل المذهب : أن غير التسعة - إذا كان غالبا - لا يخرج منه ؛ وإنما يخرج منه إذا كان عيشهم من غير التسعة كما في المدونة ، فمعنى قول المصنف " إلا أن يقتات غيره " : أي إلا أن ينفرد بالاقتيات فيخرج منه .
قوله : [ فمنه يخرج ] : أي ولو وجد شيء من التسعة ، وكان غير مقتات لهم فلا عبرة به كما قاله الرماصي .
قال في الأصل : والصواب أنه يخرج صاعا بالكيل من العلس والقطاني ، وبالوزن من نحو اللحم .
قال محشيه : ورد بقوله .
والصواب على من قال إنه يخرج من اللحم واللبن مقدار شبع الصاع ، فإذا كان الصاع من الحنطة يغدي إنسانا ويعشيه أعطي من اللحم أو من اللبن مقدار الغداء والعشاء ، وفي المجموع : هل يقدر نحو اللحم بجرم المد أو شبعه ؟ وصوب كما في الحطاب أو بوزنه خلاف ( ا هـ ) .
قوله : [ أي صلاة العيد ] : أي فالمندوب إخراجها قبل الغدو للمصلى ، لكن إن أداها قبل الصلاة وبعد الغدو للمصلى فقد كفى في المستحب ، وكذا يندب غربلة القمح وغيره ، إلا الغلث فيجب غربلته إن زاد غلثه على الثلث ، وقيل بل يندب ولو كان الثلث أو ما قاربه يسيرا وهو الأظهر كذا في الأصل .
قوله : [ وجاز دفع أصوع متعددة ] إلخ : قال أبو الحسن .
ويجوز أن يدفعها الرجل عنه وعن عياله لمسكين واحد .
هذا مذهب ابن القاسم .
وقال أبو مصعب : لا يجزئ أن يعطي مسكينا واحدا أكثر من صاع ، ورأها كالكفارة ، وروى مطرف : يستحب لمن ولي

(3/230)


تفرقة فطرته أن يعطي لكل مسكين ما أخرج عن كل إنسان من أهله من غير إيجاب ( ا هـ .
بن ) .
قوله : [ وجاز إخراجها قبل ] إلخ : فلو أخرجها في تلك الحالة وضاعت فقال اللخمي : لا تجزئ .
واعترضه التونسي واختار الإجزاء .
قوله : [ لا أكثر ] : أي خلافا للجلاب حيث جوز إخراجها قبل بثلاثة أيام .
وعند الشافعي : يجزئ إخراجها من أول رمضان ، وحيث أخرجها قبل باليوم واليومين فتجزئ باتفاق إن بقيت بيد الفقير إلى ليلة العيد ، وعلى المعتمد : إن لم تبق ، سواء تولى تفرقتها بنفسه أو وكل من يتولى تفرقتها .
قوله : [ بل هي باقية في ذمته أبدا ] : أي ولو مضى لها سنين .
وقوله : [ حتى يخرجها ] : أي عنه وعمن تلزمه زكاة فطره ، وأما لو مضى زمنها وهو معسر فإنه يسقط ندب الإخراج بمضي يومها .
قوله : [ فقير ] : المراد فقير الزكاة الأعم منه ومن المسكين ، وقيل إنما تدفع لعادم قوت يومه .
والمعتمد الأول .
قوله : [ أخرجه وجوبا ] : أي لقوله في الحديث الشريف : { إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه بما استطعتم } .
قوله : [ والأظهر تقديم الوالد على الولد ] : في هذا الاستظهار نظر لأنها تابعة للنفقة ، ولذلك قال الأصيلي في شرحه على خليل : فرع إذا تعدد من تلزمه نفقته ولم يجد إلا صاعا أو بعضه ؛ فهل يخرجه عن الجميع أو يقدم بعضا على بعض ؟ كما في النفقة فنفقة الزوجة مقدمة على الأبوين .
واختلف في الابن والوالدين في تقديم نفقة الابن على الأبوين أو هما سواء ، قولان .
والظاهر أنها تابعة

(3/231)


للنفقة - قاله الحطاب .
تتمة : يندب للمسافر أن يخرج عن نفسه إذا كان عادة أهله يخرجون عنه وإلا وجب عليه الإخراج ، وحيث اكتفى بإخراج أهله عنه أجزأه إن كان عادتهم ذلك أو أوصاهم ، وتكون العادة والوصية بمنزلة النية ، وإلا لم تجزه لفقدها .
وكذا يجوز إخراجه عنهم والعبرة في القسمين بقوت المخرج عنه ، فإن لم يعلم احتيط لإخراج الأعلى ، فإذا لم يوجد عندهم القوت الأعلى تعين عليه أن يخرج عن نفسه ، ويجوز أيضا أن يخرج من قوته الأدون من قوت أهل البلد عن نفسه وعمن يعوله إذا اقتاته لفقر ، لا لشح ولا هضم نفس أو لعادة ؛ فلا يكفي .
والله أعلم .

(3/232)


ولما أنهى الكلام على الزكاة انتقل يتكلم على الصوم وأحكامه فقال باب في الصوم ( يجب صوم رمضان على المكلف ) : أي البالغ ، العاقل ، ذكرا أو أنثى ، حرا أو عبدا .
( القادر ) : على صومه لا على عاجز عن صومه حقيقة أو حكما كمرضع لها قدرة عليه ، ولكن خافت على الرضيع هلاكا أو شدة ضرر .
( الحاضر ) لا على مسافر سفر قصر .
( الخالي من حيض ونفاس ) لا على حائض ونفساء .
فشروط وجوبه خمسة : البلوغ ، والعقل ، والقدرة ، والحضور ، والخلو من الحيض ، والنفاس .
ويصح مما عدا المجنون والحائض والنفساء ؛ فيكون العقل والخلو منهما شرطي صحة أيضا كما سيأتي .
وأما الإسلام فشرط صحة فقط .
وسيأتي أن النية ركن .
ودخل المكره في العاجز .

الشرح

(3/233)


باب : الصوم لغة : الإمساك والكف عن الشيء ومنه قوله تعالى : { إني نذرت للرحمن صوما } : أي صمتا وإمساكا عن الكلام ، وشرعا : الإمساك عن شهوتي البطن والفرج وما يقوم مقامهما مخالفة للهوى في طاعة المولى في جميع أجزاء النهار بنية قبل الفجر أو معه إن أمكن فيما عدا زمن الحيض والنفاس وأيام الأعياد ، قاله في الذخيرة .
( ا هـ .
خرشي ) وسمي رمضان : لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها ويذهبها ، وهو من خصائص هذه الأمة ، والتشبيه في الآية في أصل الصوم كما هو مقرر .
قوله : [ كمرضع ] : وأدخلت الكاف : الحامل .
قوله : [ لا على مسافر ] : أي سفرا مباحا .
قوله : [ لا على حائض ونفساء ] : أي لا يصح ولا يجب كما يأتي ، بل الصوم في حقهما حرام .
قوله : [ البلوغ ] : فالصبي لا يجب عليه بل يكره له ، وليس كالصلاة يؤمر به عند سبع ويضرب عليه عند عشر .
قوله : [ ويصح مما عدا المجنون ] إلخ : والصحة لا تنافي الكراهة كما في صوم الصبي أو الحرمة كما في صوم المريض إن أضر به .
قوله : [ وأما الإسلام فشرط صحة ] : أي ومثله الزمان القابل للصوم .
قوله : [ وسيأتي أن النية ركن ] : ومثلها الإمساك عن شهوتي البطن والفرج ، ولكن جعلها الأجهوري في نظمه من شروط الصحة حيث قال : شرائط لأداء الصوم نيته إسلامنا وزمان للأدا قبلا كالكف عن مفطر شرط الوجوب له إطاقة وبلوغ هكذا نقلا أما النقاء وعقل فهو شرطهما دخول شهر صيام مثل ذا جعلا

(3/234)


( بكمال شعبان ) : أي يجب ويتحقق بكماله ثلاثين يوما .
( أو برؤية عدلين ) : وأولى أكثر ؛ فيجب على كل من أخبراه بها الصوم ، وإن لم يرفعا لحاكم ، ويجب عليهما الرفع إذا لم يره غيرهما كما يأتي .
( فإن ) ثبت برؤيتهما و ( لم ير ) الهلال : أي هلال شوال ( بعد ثلاثين ) يوما لغيرهما - حال كون السماء ( صحوا ) لا غيم بها - ليلة الإحدى والثلاثين ( كذبا ) في شهادتهما برؤية رمضان ، فيجب تبييت الصوم .
وقولنا : " لغيرهما " : احتراز مما إذا شهدا برؤية شوال فإنه لا يقبل منهما لاتهامهما على ترويج شهادتهما الأولى .
( أو ) برؤية ( جماعة مستفيضة ) وإن لم يكونوا عدولا وهي التي يستحيل عادة تواطؤهم على الكذب ؛ أي كل واحد يدعيها ، لا أنه يدعي السماع من غيره كما يقع لكثير من العوام ، ولا يشترط فيهم العدالة ولا الذكورة والحرية .
( أو ) برؤية ( عدل ) بالنسبة ( لمن لا اعتناء لهم به ) : أي بالهلال كانوا أهله أم لا .
( ولا يحكم به ) : أي برؤية العدل ؛ أي لا يجوز للحاكم أن يحكم بثبوت الهلال برؤية عدل فقط عندنا ، ولا يلزم الصوم إن حكم به إلا لمن لا اعتناء لهم بشأن الهلال ( فإن حكم به مخالف ) لنا يرى ذلك ( لزم ) الصوم ، وعم ( على الأظهر ) من أحد الترددين .
( وعم ) الصوم سائر البلاد والأقطار ولو بعدت ( إن نقل عن المستفيضة أو ) عن ( العدلين بهما ) أي بالمستفيضة أو العدلين .
فالصور أربع : نقل استفاضة عن مثلها أو عن عدلين ، ونقل عدلين عن مثلهما أو عن استفاضة ولو لم

(3/235)


يقع النقل عن الحكم من حاكم كما هو ظاهر كلام بعضهم ، وهو الذي تقتضيه القواعد الشرعية ، إذ كل من بلغه حكم عن عدلين أو عن ناقل عنهما بشرطه وجب العمل به ، وقيل : لا بد من العموم في النقل عن الحكم بهما .
وأما نقل العدل الواحد فلا يكفي ، قيل : مطلقا .
والراجح أنه إن نقل عن حكم الحاكم بثبوته بالعدلين أو بالمستفيضة كفى وعم وإليه أشار بقوله : ( أو ) نقل ( بعدل ) واحد أي عن حكم الحاكم لا عن العدلين ولا المستفيضة ( على الأرجح ) .
( و ) يجب ( على العدل ) وأولى العدلين إذا رأى الهلال ، وعلى ( المرجو ) القبول ( الرفع للحاكم ) : أي بتبليغه أنه رآه ، ولو علم المرجو جرحه نفسه ؛ لعله أن ينضم إليه من يثبت به عنده فيحكم بالثبوت ، وقد يكون الحاكم ممن يرى الثبوت بعدل .

الشرح

(3/236)


قوله : [ ويتحقق ] : أي في الخارج سواء حكم بثبوته حاكم أم لا .
ومثل كماله ؛ كمال ما قبله وهو رجب كذا ما قبل رجب وهذا إن غم بأن كانت السماء ليلة ثلاثين مغيمة ، وأما إذا كانت مصحية فلا يتوقف ثبوته على الإكمال ثلاثين ، بل تارة يثبت بذلك إن لم ير الهلال وتارة يثبت برؤية الهلال .
قوله : [ أو برؤية عدلين ] : هذا إذا انفردا بالرؤية في غيم ولو بصحو في بلد صغير أو كبير هو قول مالك وأصحابه ، بل ولو ادعيا الرؤية في الجهة التي وقع الطلب فيها من غيرهما .
قوله : [ كما يأتي ] : أي من وجوب الرفع على العدل والمرجو .
قوله : [ لا غيم بها ] : حاصله أن تكذيبهما مشروط بأمرين : عدم رؤيته لغيرهما ليلة إحدى وثلاثين ، وكون السماء صحوا في تلك الليلة .
فلو رآه غيرهما ليلة إحدى وثلاثين أو لم يره أحد وكانت السماء غيما لم يكذبا .
ومثل العدلين في كونهما يكذبان بالشرطين المذكورين ، ما زاد عليهما ولم يبلغ المستفيضة .
وأما المستفيضة فلا يتأتى فيهم ذلك لإفادة خبرهم القطع ، قال أشياخنا والظاهر أنه إن فرض عدم الرؤية بعد الثلاثين من إخبارهم دل على أن الاستفاضة لم تتحقق فيهم ، وحينئذ فيكذبون ، وحيث كذب العدلان ومن في حكمهما فالنية الحاصلة في أول الشهر صحيحة للعذر ولخلاف الأئمة ، لأن الشافعي لا يقول بتكذيب العدلين ويعتمد في الفطر على رؤيتهما أولا .
وظاهر كلام المصنف : أنهما يكذبان ولو حكم بشهادتهما حاكم حيث كان مالكيا ، أما لو كان

(3/237)


الحاكم بها شافعيا لا يرى تكذيبهما فإنه يجب عليه الفطر اعتمادا على رؤيتهما الأولى بناء على قول ابن راشد الآتي .
قوله : [ مستفيضة ] : أي منتشرة .
قوله : [ وهي التي يستحيل ] إلخ : اعلم أن المستفيضة وقع فيها خلاف ؛ فالذي ذكره ابن عبد السلام والتوضيح : أنه المحصل خبره العلم أو الظن ، وأن يبلغوا عدد التواتر .
والذي لابن عبد الحكم : أن الخبر المستفيض هو المحصل للعلم لصدوره ممن لا يمكن تواطؤهم على باطل لبلوغهم عدد التواتر ، واقتصر على هذا ابن عرفة والأبي والمواق وكذا شارحنا ، فقول الشارح : يستحيل عادة تواطؤهم : أي لبلوغهم عدد التواتر ، وهذا هو الحق ؛ وإلا فخبر العدلين يفيد الظن .
قوله : [ كانوا أهله أم لا ] : هذا هو المعتمد .
والحاصل أن رؤية الواحد كافية في محل لا اعتناء فيه بأمر الهلال ولو امرأة أو عبدا ، لكن يشترط أن يكون ممن تثق النفس بخبره وتسكن به لعدالة المرأة وحسن سيرة العبد كذا في الحاشية .
قوله : [ على الأظهر ] إلخ : حاصله أن المخالف إذا حكم بثبوت شهر رمضان بشهادة شاهد فهل يلزم المالكي الصوم بهذا الحكم ؟ لأنه حكم وقع في حكم يجوز فيه الاجتهاد وهو العبادات - وهذا قول ابن راشد القفصي .
أولا يلزم المالكي صومه ؟ لأنه إفتاء لا حكم ، لأن حكم الحاكم لا يدخل العبادات ، وحكمه فيها يعد إفتاء فليس للحاكم أن يحاكم بصحة صلاة أو بطلانها وإنما يدخل حكمه حقوق العباد من معاملات وغيرها ، وهذا قول القرافي وهو الراجح عند

(3/238)


الأصوليين ، وللناصر اللقاني قول ثالث : وهو أن حكم الحاكم يدخل العبادات تبعا لا استقلالا ؛ فعلى هذا إذا حكم الحاكم بثبوت الشهر لزم المالكي الصوم إلا إن حكم بوجوب الصوم ، قاله شيخ مشايخنا العدوي .
واعلم أنه إذا قيل بلزوم الصوم للمالكي وصام الناس ثلاثين يوما ولم ير الهلال ، وحكم الشافعي بالفطر ، فالذي يظهر أنه لا يجوز للمالكي لأن الخروج من العبادات أصعب من الدخول فيها كما قاله الشيخ سالم السنهوري كذا في حاشية الأصل .
ولا يناقض ما تقدم في قولنا ، أما لو كان الحاكم بها شافعيا لا يرى تكذيبهما فإنه يجب عليه الفطر لقوة المخالفة هنا .
قوله : [ فالصور أربع ] : أي التي يثبت بها الصوم اتفاقا وسيأتي التفصيل في نقل العدل الواحد .
قوله : [ بشرطه ] : أي وهو أن ينقل عن كل عدل عدلان .
قوله : [ والراجح أنه إن نقل ] إلخ : الحاصل أن الأقسام ثلاثة : نقل عن حاكم ، أو عن المستفيضة ، أو عن العدلين ؛ فالتعدد شرط في الأخيرين دون .
الأول ، والمراد بالنقل عن الحاكم : ما يشمل النقل لحكمه أو لمجرد الثبوت عنده .
قوله : [ ويجب على العدل ] إلخ : أي وأما الفاسق فيستحب له الرفع ليفتح باب الشهادة لغيره .

(3/239)


( فإن أفطر ) : أي العدل أو المرجو الذي رآه وكذا كل من رآه فأفطر ( فالقضاء والكفارة ) ، ولو تأول على الأرجح .
( لا ) يثبت الهلال ( بقول منجم ) أي مؤقت يعرف سير القمر لا في حق نفسه ولا غيره ؛ لأن الشارع أناط الصوم والفطر والحج برؤية الهلال لا بوجوده إن فرض صحة قوله .
وقد علم من قولنا : " فإن أفطره " إلخ ، أنه يجب على من انفرد برؤية رمضان الصوم وإظهاره .

الشرح
قوله : [ فالقضاء والكفارة ولو تأول ] إلخ : أي بناء على أنه تأويل بعيد .
وأما لو أفطر من لا اعتناء لهم بأمر الهلال مع ثبوت رؤية المنفرد له فعليهم الكفارة اتفاقا ولو تأولوا ، لأن العدل في حقهم كالعدلين .
قوله : [ يعرف سير القمر ] : أي يحسب قوس الهلال هل يظهر في تلك الليلة أم لا ؟ وظاهره أنه لا يثبت بقول المنجم ولو وقع في القلب صدقه وهو كذلك .
خلافا للشافعية ، وذلك لأننا مأمورون بتكذيبه لأنه ليس من الطرق الشرعية .
تنبيهان : الأول : لا يلفق شاهد شهد بالرؤية أول الشهر ولم يثبت به الصوم لآخر شهد برؤية شوال أخره على الراجح ، فشهادة كل لاغية .

(3/240)


( ولا يجوز فطر ) أي إظهار فطر شخص ( منفرد بشوال ) أي برؤيته ؛ لئلا يتهم بأنه ادعى ذلك كذبا ليفطر .
وأما نية الفطر فتجب عليه ( إلا بمبيح ) للفطر في الظاهر كسفر وحيض لأن له أن يعتذر بأنه إنما أفطر لذلك .

الشرح
الثاني : من لا تمكنه رؤية الهلال ولا غيرها كأسير ومسجون كمل الشهور التي قبل رمضان وصام رمضان أيضا كاملا ، وهذا إذا لم تلتبس عليه الشهور .

(3/241)


( وإن غيمت ) السماء ليلة الثلاثين بفتح الغين المعجمة والياء المشددة مبني للفاعل ( ولم ير ) الهلال ( فصبيحته ) أي الغيم ( يوم شك ) ، وأما لو كانت السماء مصحية لم يكن يوم شك ؛ لأنه إذا لم تثبت رؤيته كان من شعبان جزما .
واعترض بقوله صلى الله عليه وسلم : { فإن غم عليكم فاقدروا له } أي كملوا عدة ما قبله ثلاثين يوما ، فإنه يدل على أن صبيحة الغيم من شعبان ، فالوجه أن تكون صبيحة يوم الشك ما تكلم فيه برؤية الهلال من لا تقبل شهادته .

الشرح

(3/242)


وأما إن التبست عليه فلم يعرف رمضان من غيرها ، فإن ظن شهرا أنه رمضان صامه وإن تفاوت عنده الاحتمالات تخير شهرا وصامه ، فإن فعل ما طلب منه فله أحوال أربعة : الأول : مصادفته فيجزئه على المعتمد من التردد في خليل .
الثاني : تبين أن ما صامه بعده فيجزئه أيضا فإن كان شوالا قضى يوما بدلا عن العيد حيث كانا كاملين أو ناقصين ، وإن كان الكامل رمضان قضى يومه ، وإن كان شوالا لا قضاء ، وإن تبين أن ما صامه ذو الحجة فإنه لا يعتد بالعيد وأيام التشريق .
الثالث : تبين أن ما صامه قبله كشعبان فلا يجزئه قولا واحدا .
الرابع : بقاؤه على شكه فلا يجزئه على ما قال خليل .
وقال ابن الماجشون وأشهب وسحنون : يجزئه لأن فرضه الاجتهاد ، وقد فعل ما يجب عليه فهو على الجواز حتى ينكشف خلافه ، ورجحه ابن يونس فتدبر قوله : [ كالوجه ] : حاصله : أن يوم الشك صبيحة الثلاثين إذا كانت السماء صحوا أو غيما وتحدث فيها بالرؤية من لا يثبت به كعبد وامرأة ، ولذلك قال في المجموع : وإن غيمت ليلة ثلاثين ولم تر فصبيحته يوم الشك لاحتمال وجود الهلال وأن الشهر تسعة وعشرون ، وإن كنا مأمورين بإكمال العدد .
وقال الشافعي : الشك أن يشيع على ألسنة من لا تقبل شهادته رؤية الهلال ولم يثبت ، ورد بأن كلامهم لغو وإن استقر به ابن عبد السلام والإنصاف أن في كل منهما شكا ( ا هـ .
)

(3/243)


( وكره صيامه للاحتياط ) أي على أنه إن كان من رمضان اكتفى به ( ولا يجزئه ) صومه عن رمضان إن ثبت أنه منه وقيل يحرم صومه لذلك .
( وصيم ) أي جاز صومه ( عادة ) أي لأجل العادة التي اعتادها بأن كان عادته سرد الصوم تطوعا أو كان عادته صوم يوم كخميس فصادف يوم الشك ( وتطوعا ) بلا اعتياد ( وقضاء ) عن رمضان قبله ( وكفارة ) عن يمين أو غيره ( ولنذر صادف ) كما لو نذر يوما معينا أو يوم قدوم زيد فصادف يوم الشك .
( فإن تبين ) بعد صومه لما ذكر ( أنه من رمضان لم يجزه ) عن رمضان الحاضر ولا غيره من القضاء وما بعده .
( وقضاهما ) : أي رمضان الحاضر والقضاء أو الكفارة ( إلا الأخير ) أي النذر المصادف .
( فرمضان ) يقضيه ( فقط ) دون النذر لتعين وقته وقد فات .
( وندب إمساكه ) : أي يوم الشك أي الكف فيه عن المفطر ( ليتحقق ) الحال .
( فإن ثبت ) رمضان ( وجب ) الإمساك لحرمة الشهر ولو لم يكن أمسك أولا ( وكفر ) : أي يجب عليه الكفارة مع القضاء ( إن انتهك ) حرمته بأن أفطر عالما بالحرمة .
ووجوب الإمساك ومفهوم " انتهك " أنه إذا تناول الفطر متأولا فلا كفارة عليه .

الشرح

(3/244)


قوله : [ ولا يجزئه صومه عن رمضان ] : أي لعدم جزم النية .
قوله : [ وقيل يحرم صومه لذلك ] : أي أخذا من ظاهر الحديث : { من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم } ، وأجيب بأن المقصود الزجر لا التحريم .
قوله : [ وتطوعا ] : أي على المشهور خلافا لابن مسلمة القائل بكراهة صومه تطوعا .
ويؤخذ من قوله " تطوعا " جواز التطوع بالصوم في النصف الثاني من شعبان خلافا للشافعية القائلين بالكراهة ، واستدلوا بحديث : { لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين إلا رجل كان يصوم صوما فليصمه } أي فيستمر فيه على ما كان .
وأجاب القاضي عياض بأن النهي في الحديث محمول على التقديم بقصد تعظيم الشهر .
قوله : [ ولنذر صادف ] : أي وأما لو نذر صومه تعيينا بأن نذر صوم يوم الشك من حيث هو يوم شك فإنه لا يصومه لأنه نذر معصية - انظر ( ح ) .
وقال شيخ المشايخ العدوي : الحق أنه يلزمه صومه ألا ترى أنه يجوز صومه تطوعا وإن لم يكن عادة له ؟ قوله : [ ليتحقق الحال ] : أي لا لتزكية شاهدين كما لو شهد اثنان برؤية الهلال واحتاج الأمر إلى تزكيتهما ، فإنه لا يستحب الإمساك لأجل التزكية إذا كان في الانتظار طول ، وأما إن كان ذلك قريبا فاستحباب الإمساك متعين بل هو آكد من الإمساك في الشك .
قوله : [ فلا كفارة عليه ] : أي لأنه من التأويل القريب .

(3/245)


( و ) ندب ( إمساك بقية اليوم لمن أسلم ) فيه .
( و ) ندب له ( قضاؤه ) ولم يجب ترغيبا له في الإسلام .
( بخلاف من زال عذره المبيح ) : أي الذي يبيح ( له الفطر مع العلم برمضان ؛ كصبي بلغ ) بعد الفجر ( ومريض صح ومسافر قدم ) نهارا وحائض أو نفساء طهرتا نهارا ، ومجنون أفاق ومضطر لفطر عن عطش أو جوع ؛ فلا يندب له الإمساك بقية اليوم وحينئذ ( فيطأ ) الواحد منهم ( امرأة ) له من زوجة أو أمة ( كذلك ) : أي زال عذرها المبيح لها الفطر مع العلم برمضان بأن قدمت معه من السفر أو طهرت من حيض أو نفاس أو بلغت نهارا أو أفاقت من جنون .
واحترز بقوله : " مع العلم برمضان " عن الناسي ، ومن أفطر يوم الشك ؛ فإنه يجب عليهما الإمساك بعد زوال العذر ، لكن يرد المكره ؛ فإنه يعلم برمضان ، ويجب عليه الإمساك بعد زوال الإكراه ؟ ويجاب أن المراد بالمبيح اختيارا ولا اختيار للمكره .
ويرد على مفهومه المجنون ؛ فإنه لا علم عنده كالناسي ، ولا يندب له الإمساك إذا أفاق .
( و ) ندب لمن عليه شيء من رمضان ( تعجيل القضاء و ) ندب ( تتابعه ) أي القضاء ( ككل صوم لا يجب تتابعه ) : ككفارة اليمين والتمتع وصيام جزاء الصيد ، فيندب تتابعه ( و ) ندب للصائم ( كف لسان وجوارح ) عطف عام على خاص ( عن فضول ) من الأقوال والأفعال التي لا إثم فيها .

الشرح

(3/246)


قوله : [ ويرد على مفهومه المجنون ] : وأجيب بجواب آخر عن كل من المكره والمجنون : بأن فعلهما قبل زوال العذر لا يتصف بإباحة ولا غيرها ، فلا يدخلان في منطوق ولا مفهوم .
قوله : [ كف لسان وجوارح ] : أي يتأكد أكثر من المفطر ، ومما ينسب لابن عطية كما في المجموع : لا تجعلن رمضان شهر فكاهة كيما تقضي بالقبيح فنونه واعلم بأنك لن تفوز بأجره وتصومه حتى تكون تصونه

(3/247)


( و ) ندب ( تعجيل فطر ) قبل الصلاة بعد تحقيق الغروب ، وندب كونه على رطبات فتمرات وترا وإلا حسا حسوات من ماء .
( و ) ندب للصائم ( السحور ) للتقوي به على الصوم .
( و ) ندب ( تأخيره ) لآخر الليل .
( و ) ندب ( صوم بسفر ) قال تعالى : { وأن تصوموا خير لكم } ولا يجب ( وإن علم الدخول ) لوطنه ( بعد الفجر ) وتقدم أنه لا يندب الإمساك بعد دخوله أي إن بيت الفطر .

الشرح

(3/248)


قوله : [ وندب تعجيل فطر ] : أي ويندب أن يقول : { اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت } ، وفي حديث : { اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله } ، وفي رواية يقول قبل وضع اللقمة في الفم : { يا عظيم ثلاثا أنت إلهي لا إله غيرك اغفر لي الذنب العظيم فإنه لا يغفر الذنب العظيم إلا العظيم .
} قوله : [ قبل الصلاة ] : أي المغرب كما قال مالك لأن تعلق القلب به يشغل عن الصلاة لحديث : { إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء } ، ويحمل هذا على الأكل الخفيف الذي لا يخرج الصلاة عن وقتها .
قوله : [ فتمرات وترا ] : أي وما في معناه من حلويات ، فالسكر وما في معناه يقدم على الماء القراح .
وقوله : [ حسوات ] جمع حسوة كمدية ومديات .
والفتح في الجمع لغة ، والحسوة ملء الفم من الماء .
قوله : [ السحور ] : هو بالضم الفعل ، وبالفتح ما يؤكل آخر الليل .
والمراد هنا الأول لقرنه بالفطر ، ولأنه الموصوف بالتأخير ويدخل وقته بالنصف الأخير ، وكلما تأخر كان أفضل ، فقد ورد : { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤخره حتى يبقى على الفجر قدر ما يقرأ القارئ خمسين آية } قوله : [ وندب صوم بسفر ] : أي يندب للمسافر أن يصوم في سفره المبيح له للفطر وستأتي شروطه ، ويكره له الفطر للآية الكريمة ، وأما قصر الصلاة فهو أفضل من إتمامها وذلك لبراءة الذمة بالقصر وعدم براءتها بالفطر .
فإن قلت ما ذكره المصنف من ندب الصوم في

(3/249)


السفر وظاهر الآية يعارضه قوله عليه الصلاة والسلام : { ليس من البر الصيام في السفر } .
أجيب بحمل الحديث على صوم النفل أو الفرض إذا شق ، ويروى الحديث بأل وأم على لغة حمير .

(3/250)


( و ) ندب ( صوم ) يوم ( عرفة لغير حاج ) ، وكره لحاج ؛ أي لأن الفطر يقويه على الوقوف بها .
( و ) ندب صوم ( الثمانية ) الأيام ( قبله ) أي عرفة ( و ) صوم ( عاشوراء وتاسوعاء والثمانية قبله ) أي تاسوعاء ( وبقية المحرم و ) صوم ( رجب وشعبان ، و ) ندب صوم ( الاثنين والخميس ) ، ( و ) ندب صوم يوم ( النصف من شعبان ) لمن أراد الاقتصار .
والنص على الأيام المذكورة - مع دخولها في شهرها - لبيان عظم شأنها وأنها أفضل من البقية ؛ فيوم عرفة أفضل مما قبله ، وعاشوراء أفضل من تاسوعاء ، وهما أفضل مما قبلهما ، وهي أفضل من البقية .
( و ) ندب صوم ( ثلاثة ) من الأيام ( من كل شهر ) .
( وكره تعيين ) الثلاثة ( البيض ) الثالث عشر وتالياه فرارا من التحديد ( كستة من شوال إن وصلها ) بالعيد ( مظهرا ) لها لا إن فرقها أو أخرها أو صامها في نفسه خفية فلا يكره لانتفاء علة اعتقاد الوجوب .

الشرح

(3/251)


قوله : [ وندب صوم يوم عرفة ] : لما ورد أنه يكفر سنتين والمراد بندب الصوم تأكده وإلا فالصوم مطلقا مندوب .
قوله : [ وندب صوم الثمانية الأيام قبله ] : واختلف في صيام كل يوم منها ، فقيل يعدل شهرا أو شهرين أو سنة .
قوله : [ عاشوراء ] : هو عاشر المحرم وتاسوعاء تاسعه وهما بالمد ، وقدم عاشوراء مع أن تاسوعاء مقدم عليه في الوجود لأنه أفضل من تاسوعاء .
ويندب في عاشوراء التوسعة على الأهل والأقارب ، بل يندب فيه اثنتا عشرة خصلة جمعها بعضهم ما عدا عيادة المريض في قوله : صم صل صل زر عالما ثم اغتسل رأس اليتيم امسح تصدق واكتحل وسع على العيال قلم ظفرا وسورة الإخلاص قل ألفا تصل قوله : [ وصوم رجب ] : أي فيتأكد صومه أيضا وإن كانت أحاديثه ضعيفة لأنه يعمل بها في فضائل الأعمال .
قوله : [ وندب صوم ثلاثة من الأيام من كل شهر ] : والحكمة في ذلك أن الحسنة بعشرة أمثالها فلذلك كان مالك يصوم أول يوم منه وحادي عشره وحادي عشريه .
قوله : [ الثلاثة البيض ] : سميت بذلك لبياض الليالي بالقمر .
قوله : [ كستة من شوال ] : قال في المجموع : إذا أظهرها مقتدى به لئلا يعتقد وجوبها أو اعتقد سنيتها لرمضان ، كالنفل البعدي للصلاة ، وإنما سر حديثها أن رمضان بعشرة أشهر والستة بشهرين فكأنه صام العام .
وتخصيص شوال قيل ترخيص للتمرن على الصوم حتى إنها بعده أفضل لأنها أشق ، ولا شك أنها في عشر ذي الحجة أفضل فليتأمل ( ا هـ .
) قوله : [ لا إن فرقها ]

(3/252)


إلخ : اعلم أن الكراهة مقيدة بخمسة أمور تؤخذ من عبارة الشارح والمجموع ، فإن انتفى قيد منها فلا كراهة وعلى هذا يحمل الحديث وهي أن يوصلها في نفسها وبالعيد مظهرا لها مقتدى به معتقدا سنيتها لرمضان كالرواتب البعدية .

(3/253)


( و ) كره للصائم ( ذوق ) شيء له طعم ( كملح ) وعسل وخل لينظر ولو لصانعه مخافة أن يسبق لحلقه شيء منه ( ومضغ علك ) : أي ما يعلك أي يمضغ كلبان وتمرة لطفل ، فإن سبقه منه شيء لحلقه فالقضاء .

الشرح
قوله : [ ومضغ علك ] : اسم يعم كل ما يعلك أي يمضغ .
جمعه علوك ، وبائعه علاك ، وقد علك يعلك - بضم اللام - علكا بفتح العين ؛ أي مضغه ولاكه .

(3/254)


( و ) كره ( نذر ) صوم ( يوم مكرر ) ككل خميس وأولى نذر صوم الدهر لأن النفس إذا لزمها شيء متكرر أو دائم أتت به على ثقل وتندم ، فيكون لغير الطاعة أقرب .

الشرح
قوله : [ وكره نذر صوم يوم مكرر ] : أي ومثله الأسبوع كقوله : لله علي صوم أسبوع من أول كل شهر .
تنبيه : من جملة المكروه - كما قال بعضهم - صوم يوم المولد المحمدي إلحاقا له بالأعياد ، وكذا صوم الضيف بغير إذن رب المنزل ، ومن جملة المكروه أيضا مداواة الإنسان نهارا ولا شيء عليه إن لم يبتلع منه شيئا ، فإن ابتلع منه شيئا غلبة قضى ، وإن تعمد كفر أيضا ، إلا لخوف ضرر في تأخير الدواء لليل لحدوث مرضه أو زيادته أو شدة تألم فلا يكره ، بل يجب إن خاف هلاكا أو شديد أذى .
ومن المكروه غزل الكتان للنساء ما لم تضطر المرأة لذلك ، وإلا فلا كراهة ، وهذا إذا كان له طعم يتحلل كالذي يعطن في المبلات ، وأما ما يعطن في البحر فيجوز مطلقا كما في ( ح ) وغيره ، ومن ذلك حصاد الزرع إذا كان يؤدي للفطر ما لم يضطر الحصاد لذلك ، وأما رب الزرع فله الاشتغال به ولو أدى إلى الفطر ، لأن رب المال مضطر لحفظه كما في المواق عن البرزلي ( ا هـ بن من حاشية الأصل ) .

(3/255)


( و ) كره له ( مقدمة جماع ولو فكرا أو نظرا ) : لأنه ربما أداه للفطر بالمذي أو المني وهذا ( إن علمت السلامة ) من ذلك وإلا حرم .

الشرح

(3/256)


قوله : [ وكره له مقدمة جماع ] : أي لأي شخص ؛ شاب أو شيخ ، رجل أو امرأة .
قوله : [ وهذا إن علمت السلامة ] : ظاهره كراهة الفكر والنظر إذا علمت السلامة ، ولو كانا غير مستدامين .
لكن قال أبو علي المسناوي : إذا علمت السلامة لا كراهة إلا إذا استدام فيهما ، ثم إن محل كراهة ما ذكر إذا كان لقصد لذة لا إن كان بدون قصد كقبلة وداع أو رحمة ، وإلا فلا كراهة .
ثم إن ظاهر المصنف كراهة المقدمات المذكورة وأنه لا شيء عليه ولو حصل إنعاظ ، وهو رواية أشهب عن مالك في المدونة وهو المعتمد .
ومثل علم السلامة : ظنها .
قوله : [ وإلا حرم ] : أي بأن علم عدمها أو ظن أو شك .
فإن أمذى بالمقدمات في حالة الكراهة أو الحرمة فالقضاء اتفاقا .
وإن أمنى ، ففي حالة الحرمة تلزمه الكفارة اتفاقا وفي حالة الكراهة ثلاثة أقوال : الأول : قول أشهب إنه لا كفارة عليه إلا إن تابع حتى أنزل .
والثاني : قول مالك في المدونة عليه القضاء والكفارة مطلقا ، والثالث : الفرق بين اللمس والقبلة والمباشرة وبين النظر والفكر ؛ فالإنزال - بالثلاثة - الأول : موجب للكفارة مطلقا .
وبالأخيرين : لا كفارة فيه إلا أن يتابع ، وهذا قول ابن القاسم وهو المعتمد ، فإن شك في الخارج منه في حالة العمد أمذى أم أمنى فالظاهر أنه لا يجري على الغسل ؛ لأن الكفارة من قبيل الحدود فتدرأ بالشك ، خصوصا والشافعي لا يراها في غير مغيب الحشفة كما هو أصل نصها - كذا .
في حاشية الأصل .

(3/257)


( و ) كره له ( تطوع ) بصوم ( قبل ) صوم ( واجب غير معين ) كقضاء رمضان وكفارة ، فإن كان معينا بيوم كنذر معين حرم التطوع فيه ( و ) كره ( تطيب نهارا و ) كره ( شمه ) أي الطيب ولو مذكرا نهارا .

الشرح
قوله : [ وكره تطوع بصوم ] : حاصله : أنه يكره التطوع بالصوم لمن عليه صوم واجب - كالمنذور والقضاء والكفارة - وذلك لما يلزم من تأخير الواجب وعدم فوريته .
وهذا بخلاف الصلاة ، فإنه يحرم كما تقدم .
وظاهر المصنف الكراهة مطلقا سواء كان صوم التطوع مؤكدا - كعاشوراء وتاسوعاء - أو لا ، وهو كذلك .
ولذلك اختلف في صوم يوم عرفة لمن عليه قضاء ؛ فقيل إن صومه قضاء أفضل وصومه تطوعا مكروه ، وقيل بالعكس ، وقيل : هما سواء .
ولكن الأول هو الأرجح كما هو ظاهر المصنف ، وتقدم أنه لو نوى الفرض والتطوع حصل ثوابهما كغسل الجمعة والجنابة وكصلاة الفرض والتحية .
قوله : [ حرم التطوع فيه ] : أي لتعيين الزمان المنذور ، فإن فعل لزمه قضاؤه .
قال الشيخ سالم : وانظر هل تطوعه صحيح أم لا ؟ لتعين الزمن لغيره ، قال في الحاشية : والظاهر الأول ؛ لصلاحية الزمن في ذاته للعبادة بخلاف التطوع في رمضان لأن ما عينه الشارع أقوى مما عينه الشخص .
قوله : [ وكره تطيب ] إلخ : إنما كره شم الطيب واستعماله نهارا لأنه من جملة شهوة الأنف الذي يقوم مقام الفم ، وأيضا الطيب محرك لشهوة الفرج .

(3/258)


( وركنه ) أي الصوم أمران : أولهما : ( النية ) : اعلم أنهم عرفوا الصوم بأنه الكف عن شهوتي البطن والفرج من طلوع الفجر لغروب الشمس بنية ؛ فالنية ركن والإمساك عما ذكر ركن ثان .
والشيخ رحمه الله تسمح فجعل كلا منهما شرط صحة ، والشرط ما كان خارج الماهية ، والركن ما كان جزءا منها ، فإذا كانا شرطين كانا خارجين عن الماهية مع أنهما نفسها ، فالنية ركن .
( وشرطها ) : أي شرط صحتها ( الليل ) : أي إيقاعها فيه من الغروب إلى آخر جزء منه ، ( أو ) إيقاعها ( مع ) طلوع ( الفجر ) .
ولا يضر ما حدث بعدها من أكل أو شرب أو جماع أو نوم ؛ بخلاف رفعها في ليل أو نهار ، وبخلاف الإغماء والجنون إن استمر للفجر ، فإن رفعها ثم عاودها قبل الفجر أو أفاق قبله لم تبطل على ما سيأتي .
ومفهوم الليل أنه لو نوى نهارا قبل الغروب لليوم المستقبل أو قبل الزوال لليوم الذي هو فيه لم تنعقد ولو بنفل لم يتناول فيه قبلها مفطرا وهو كذلك .
( وكفت نية ) واحدة ( لما ) : أي لكل صوم ( يجب تتابعه ) كرمضان وكفارته وكفارة قتل أو ظهار ، وكالنذر المتتابع ؛ كمن نذر صوم شهر بعينه أو عشرة أيام متتابعة ( إذا لم ينقطع ) تتابع الصوم ( بكسفر ) ومرض مما يقطع وجوب التتابع دون صحة الصوم .
فإن انقطع به لم تكف النية الواحدة بل لا بد من تلبيتها كلما أراده ، ( ولو تمادى على الصوم ) في سفره أو مرضه .
( أو كحيض ) ونفاس وجنون ومما يوجب عدم صحته فلا تكفي النية ، بل لا بد من إعادتها ولو

(3/259)


حصل المانع بعد الغروب وزال قبل الفجر .
( وندبت كل ليلة ) فيما تكفي فيه النية الواحدة .
( و ) الركن الثاني : ( كف من طلوع الفجر للغروب عن جماع مطيق ) من إضافة المصدر لمفعوله ؛ أي الكف عن إدخال حشفته أو قدرها من مقطوعها في فرج شخص مطيق للجماع ، ( وإن ) كان المطيق له ( ميتا أو بهيمة ) ، واحترز بذلك عما لو أدخل ذكره بين الأليتين أوالفخذين أو في فرج صغير لا يطيق فلا يبطل الصوم إذا لم يخرج منه مني أو مذي .
( و ) كف ( عن إخراج مني أو مذي ) : بمقدمات جماع ولو نظرا أو تفكرا واحترز " بإخراج " عن خروج أحدهما بنفسه أو لذة غير معتادة فلا يبطله .
( أو ) عن إخراج ( قيء ) فلا يضر خروجه بنفسه إذا لم يزدرد منه شيئا ، وإلا فالقضاء .
( و ) كف ( عن وصول مائع ) من شراب أو دهن أو نحوهما ( لحلق ) وإن لم يصل للمعدة ولو وصل سهوا أو غلبه فإنه مفسد للصوم ، ولذا عبر " بوصول " لا بإيصال .
واحترز بالمائع عن غيره كحصاة ودرهم فوصوله للحلق لا يفسد بل للمعدة .
( وإن ) كان وصول المائع للحلق ( من غير فم كعين ) وأنف وأذن .
فمن اكتحل نهارا أو استنشق بشيء فوصل أثره للحلق أفسد وعليه القضاء ، فإن لم يصل شيء من ذلك للحلق فلا شيء عليه كما لو اكتحل ليلا أو وضع شيئا في أذنه أو أنفه ، أو دهن رأسه ليلا فهبط شيء من ذلك لحلقه نهارا فلا شيء عليه .
( أو ) وصول مائع ( لمعدة ) وهي الكرشة التي فوق السرة للصدر بمنزلة الحوصلة للطير ؛ إذا وصل المائع لها بحقنة

(3/260)


( من ) منفذ متسع ( كدبر ) أو قبل - لا إحليل : أي ثقب ذكر - ( كلها ) أي المعدة أي كوصول شيء لها ( بغيره ) أي من غير المائع ( من فم ) ، فإنه مفطر بخلاف وصوله للحلق فقط أو من منفذ أسفل للمعدة فلا يضر ولو فتائل عليها دهن .
وحاصل المسألة : أن وصول الماء للحلق من منفذ أعلى ولو غير الفم مفطر كوصوله للمعدة من منفذ أسفل إن اتسع كالدبر وقبل المرأة ، لا إن لم يصل لها ولا من إحليل .
وأما غير المائع فلا يفطر إلا إذا وصل للمعدة من الفم .
ولكن نقل الحطاب وغيره عن التلقين : أن ما وصل للحلق مفطر مطلقا من مائع أو غيره ، وهو ظاهر كلام الشيخ .
ومن حكم المائع البخور ونحوه فإن وصوله للحلق مفطر وإليه أشار بقوله : ( أو ) كف عن وصول ( بخور ) تتكيف به النفس كبخور عود أو مصطكي أو جاوي أو نحوها ، ( أو بخار قدر ) لطعام فمتى وصل للحلق أفسد الصوم ووجب القضاء ، ومن ذلك الدخان الذي يشرب أي يمص بنحو قصبة بخلاف دخان الحطب ونحوه وغبار الطريق .
( أو ) عن وصول ( قيء ) أو قلس ( أمكن طرحه ) بخروجه من الحلق إلى الفم ، فإن لم يمكن طرحه - بأن لم يجاوز الحلق - فلا شيء فيه .
وأما البلغم الممكن طرحه فالمعتمد أن ابتلاعه لا يضر ولو وصل لطرف اللسان وأولى البصاق ، خلافا لما مشى عليه الشيخ .
ومتى وصل شيء مما ذكرنا لحلق أو معدة على ما تقدم أفطر ( ولو ) وصل ( غلبة أو سهوا في الجميع ) المائع وما بعده ( أو ) عن وصول ( غالب من مضمضة ) لوضوء أو غيره ( أو سواك

(3/261)


) فأولى غير الغالب .
واعلم أن في قولنا " وكف عن وصول " إلخ مسامحة لأن الكف عن الشيء يقتضي القصد .
والوصول - ولو غلبة أو سهوا - قد يقتضي عدمه ؛ ارتكبناه مجاراة لقولهم : حقيقة الصوم الإمساك من طلوع الفجر إلخ عن شهوتي البطن والفرج ، والإمساك هو الكف عما ذكر ، ثم بينوه بما ذكرنا والمراد عدم الوصول .
ويرد عليه : أنه لا تكليف إلا بفعل والعدم ليس بفعل .

الشرح

(3/262)


قوله : [ مع أنهما نفسها ] : ولكن أجيب عن الشيخ خليل : بأنه التفت إلى معناها وهو القصد إلى الشيء ، ومعلوم أن القصد إلى الشيء خارج عن ماهية ذلك الشيء ، ولكن هذا الجواب مخلص بالنسبة للنية ، وأما الكف فلا وجه لعده شرطا فالأحسن أن يراد بالشرط ما تتوقف صحة العبادة عليه .
قوله : [ مع طلوع الفجر ] : المراد وقوعها في الجزء الأخير من الليل الذي يعقبه طلوع الفجر ، وإنما كفت النية المصاحبة لطلوع الفجر لأن الأصل في النية المقارنة للمنوي ، ولكن في الصوم جوزوا تقدمها عليه حيث قالوا يدخل وقتها بالغروب لمشقة المقارنة ، بخلاف سائر العبادات كالصلاة والطهارة فلا بد من المقارنة أو التقدم اليسير على ما مر .
وما ذكره المصنف من كفاية المقارنة للفجر هو قول عبد الوهاب ، وصوبه اللخمي وابن رشد ، فإذا علمت ذلك فتقديمها على الفجر أولى للاحتياط والضبط .
قوله : [ لم تنعقد ] : أي كما ذكره ابن عرفة ، وأصله لابن بشير .
ونصه : لا خلاف عندنا أن الصوم لا يجزئ إلا إذا تقدمت النية على سائر أجزائه .
فإن طلع الفجر ولم ينوه لم يجزه في سائر أنواع الصيام ، إلا يوم عاشوراء ففيه قولان : المشهور من المذهب أنه كالأول والشاذ : اختصاص يوم عاشوراء بصحة الصوم ، كذا في ( بن ) نقله محشي الأصل ، وعن الشافعي : تصح نية النافلة قبل الزوال ، وعن أحمد : تصح نية النافلة في النهار مطلقا لحديث : { إني إذا صائم بعد قوله عليه الصلاة والسلام : هل عندكم من غداء }

(3/263)


، وللشافعي : الغداء ما يؤكل قبل الزوال .
وأجاب ابن عبد البر بأنه مضطرب ولنا عموم حديث أصحاب السنن الأربع : { من لم يبيت الصيام فلا صيام له } والأصل تساوي الفرض والنفل في النية كالصلاة .
قوله : [ لم نتناول فيه قبلها ] : فيه رد على الشافعي وأحمد كما تقدم .
قوله : [ يجب تتابعه ] : خرج بذلك ما يجوز تفريقه ؛ كقضاء رمضان وصيامه في السفر وكفارة اليمين ولا بد الأذى ونقص الحج فلا تكفي فيه النية الواحدة ، بل من التبييت في كل ليلة كما يعلم من المصنف .
وما مشي عليه المصنف من كفاية النية الواحدة في واجب التتابع هو مشهور المذهب ، وقال ابن عبد الحكم : لا بد من نية لكل يوم نظرا إلى أنه كالعبادات المتعددة من حيث عدم فساد بعض الأيام بفساد بعضها ، والقول المشهور نظر إلى أنه كالعبادة الواحدة من حيث ارتباط بعضها ببعض وعدم جواز التفريق .
قوله : [ ولو تمادى على الصوم ] : هذا هو المعتمد كما في العتبية خلافا لما في المبسوط : من أن المريض أو المسافر إذا استمر صائما فإنه لا يحتاج لتجديد نية .
ومن أفسد صومه عامدا فاستظهر ( ح ) تجديد النية أيضا ؛ كمن بيت الفطر ولو نسيانا لا إن أفطر ناسيا وهو مبيت للصوم فلا ينقطع تتابعه ، ومثله من أفطر مكرها عند اللخمي وعند ابن يونس حكم من أفطر لمرض - كذا في الحاشية .
قوله : [ لا بد من إعادتها ] : أي وتكفي النية الواحدة في جميع ما بقي .
قوله : [ وندبت كل ليلة ] : أي مراعاة للقول بوجوب التبييت ومن

(3/264)


الورع مراعاة الخلاف .
قوله : [ عن جماع مطيق ] : أي سواء كان الفرج قبلا أو دبرا ، وسواء كان المغيب فيه مستيقظا أو نائما .
قوله : [ فلا يبطله ] : ومثله لو حصلت لذة معتادة من غير خروج شيء .
قوله : [ وإلا فالقضاء ] : أي ولا كفارة إن كان ازدرده غلبة أو نسيانا هذا في الفرض ، وأما في النفل فلا شيء عليه مع الغلبة والنسيان .
قوله : [ عن وصول مائع ] : فإن وصل المائع للمعدة من منفذ عال أو سافل فسد الصوم ووجب القضاء .
وهذا في غير ما بين الأسنان من أثر طعام الليل ، وأما هو فلا يضر .
ولو ابتلعه عمدا وإن لم يصل للمعدة فلا شيء فيه ما لم يصل للحلق من العالي كما يؤخذ من الشارح .
قوله : [ ولذا عبر بوصول ] : أي لأن لفظة وصول لا تستلزم القصد بخلاف إيصال .
قوله : [ كعين وأنف وأذن ] : أي ومسام رأس كما يؤخذ من عبارته ، وأشعر كلامه أن ما يصل من غير هذه المنافذ لا شيء فيه .
قوله : [ أو دهن رأسه ليلا ] : أي وأما من دهن رأسه نهارا ووجد طعمه في حلقه ، أو وضع حناء في رأسه نهارا فاستطعمها في حلقه ، فالمعروف من المذهب وجوب القضاء .
بخلاف من حك رجله بحنظل فوجد طعمه في حلقه أو قبض بيده على ثلج فوجد البرودة في جوفه فلا شيء عليه ، وقالت الشافعية : الواصل من العين لا يفطر فيجوز الكحل عندهم نهارا .
ومثلها الرأس ، فيجوز الادهان نهارا .
قوله : [ أو قبل ] : أي فرج امرأة وفيه نظر بل هو كالإحليل كما سيأتي .
قوله : [ ولو غير الفم ] : أي كالأذن والعين والأنف

(3/265)


والرأس .
قوله : [ ولا من إحليل ] : ومثل الإحليل الثقبة الضيقة في المعدة .
قوله : [ ولكن نقل الحطاب ] إلخ : والطريقة الأولى للبساطي وكثير من الشراح وهي الأظهر .
قوله : [ أو بخار قدر ] : أي فمتى وصل دخان البخور وبخار القدر للحلق وجب القضاء لأن كلا منهما جسم يتكيف به .
ومحل وجوب القضاء في ذلك إذا وصل باستنشاق سواء كان المستنشق صانعه أو غيره ، وأما لو وصل بغير اختياره فلا قضاء صانعا أو غيره على المعتمد .
قوله : [ الذي يشرب ] : ومثله النشوق فهو مفطر .
قوله : [ بخلاف دخان الحطب ] : فلا قضاء في وصوله للحلق ، ولو تعمد استنشاقه ، وإما رائحة كالمسك والعنبر والزبد فلا تفطر ولو استنشقها لأنها لا جسم لها ، إنما يكره فقط كما تقدم .
قوله : [ ولو وصل لطرف اللسان ] : قال ( عب ) : ولا شيء على الصائم في ابتلاع ريقه إلا بعد اجتماعه فعليه القضاء .
وهذا قول سحنون .
وقال ابن حبيب : يسقط مطلقا وهو الراجح كذا في الحاشية .
قوله : [ غالب من مضمضة ] : هذا في الفرض وأما وصول أثر المضمضة أو السواك للحلق في صوم النفل غلبة فلا يفسده .
قوله : [ ويرد عليه ] : أي على تفسير الكف بما ذكر .
وهذا البحث يقوي مذهب الشافعي من أن من أكل أو شرب ناسيا لا شيء عليه ، والجواب أن حصر التكليف في الفعل من حيث الإثم ؛ وأما الصحة أو الفساد فهي من خطاب الوضع فيتعلق بالساهي والنائم والمكره قوله : [ فتنوي الصوم ] إلخ : قال في المجموع : والظاهر أنه لا كفارة عليها إن لم تمسك ،

(3/266)


وهذا بخلاف الصلاة فإنها لا تؤمر بفعل ما شكت في وقته هل كان الطهر فيه أم لا ، وإن شكت بعد الفجر هل طهرت قبله أو بعده فلا تجب عليها العشاء ، واستشكل ذلك بأن الحيض مانع من وجوب الأداء في كل من الصلاة والصوم والشك فيه موجود في كل منهما ، فلم وجب الأداء في الصوم دون الصلاة ؟ والمراد بشكها في الفجر : مطلق التردد .

(3/267)


( وصحته ) : أي وشرط صحة الصوم فرضا أو نفلا مصورة بثلاثة أشياء : ( بنقاء من حيض ونفاس .
ووجب ) صوم رمضان عليها أو غيره ككفارة أو صوم اعتكاف أو نذر في أيام معينة .
( إن طهرت ) بقصة أو جفوف ( قبل الفجر وإن بلصقه ) : أي الفجر والباء للملابسة وهذا أبلغ من قوله : " وإن بلحظة " .
( و ) يجب الصوم ( مع القضاء ) أيضا ( إن شكت ) : هل طهرها قبل الفجر أو بعده ؟ فتنوي الصوم لاحتمال كونه قبله ، وتقضي لاحتمال كونه بعده .
( وبغير عيد ) أي وصحته بوقوعه في غير عيد فلا يصح فيه .
( وبعقل ) فلا يصح من مجنون ولا من مغمى عليه .
( فإن جن أو أغمي عليه مع الفجر فالقضاء ) لعدم صحة صومه لزوال عقله وقت النية ، بخلاف ما لو كان مجنونا أو مغمى عليه قبله وأفاق وقت الفجر فلا قضاء لسلامته وقتها ، ( كبعده ) أي كما يلزمه القضاء لو جن أو أغمي عليه بعد الفجر ، ( جل يوم ) وأولى كله ( لا ) إن أغمي عليه بعد الفجر ( نصفه ) فأقل فلا قضاء عليه .

الشرح

(3/268)


قوله : [ فلا يصح فيه ] : أي لما تقدم أن من شروط صحة الصوم قبول الزمن للعبادة ، والعيد لا يصح صومه ومثله ثاني النحر وثالثه ؛ لأن فيه إعراضا عن ضيافة الله وسيأتي أنهما يستثنيان لمن عليه نقص في حج .
قوله : [ فالقضاء ] : هذا إذا جن يوما واحدا بل ولو سنين كثيرة ، سواء كان الجنون طارئا بعد البلوغ أو قبله على المشهور .
وهذا قول مالك وابن القاسم في المدونة ، خلافا لابن حبيب والمدنيين ، قالوا : إن كثرت كالعشرة فلا قضاء .
ومذهب أبي حنيفة والشافعي : لا قضاء على المجنون .
لنا أن الجنون مرض وقد قال تعالى : { ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } .
قوله : [ نصفه فأقل فلا قضاء عليه ] : حاصله أنه متى أغمي عليه كل اليوم من الفجر للغروب ، أو أغمي عليه جله ، سواء سلم أوله أم لا ، أو أغمي عليه نصفه أو أقله ولم يسلم أوله فيهما ؛ فالقضاء في هذه الخمس .
فإذا أغمي عليه قبل الفجر ولو بلحظة ، واستمر بعدها ولو بلحظة ، وجب عليه قضاء ذلك اليوم ، فإن أغمي عليه نصف اليوم أو أقله ، وسلم أوله فلا قضاء فيهما ؛ فالصور سبع يجب القضاء في خمس ، وعدمه في اثنتين .
وما قيل في الإغماء يقال في الجنون ، ومثلهما السكر كان بحلال أو حرام كما استظهره العلامة النفراوي في شرح الرسالة ، وتبعه ( بن ) خلافا للخرشي و ( عب ) حيث تبعا الأجهوري في التفرقة بين الحلال والحرام ، فجعلا الحرام كالإغماء ، والحلال كالنوم - كذا في حاشية الأصل .

(3/269)


ولما فرغ من بيان الصوم وشروطه ذكر ما يترتب على الإفطار وهي خمسة : القضاء ، والإمساك ، والكفارة ، والإطعام ، وقطع التتابع ؛ فقال : إذا علمت حقيقة الصوم ( فإن حصل ) للصائم ( عذر ) اقتضى فطره بالفعل ؛ كمرض ، أو اقتضى عدم صحته ؛ كحيض ( أو اختل ركن ) من ركنيه عمدا أو سهوا أو غلبة ( كرفع النية ) نهارا أو ليلا بأن نوى عدم صوم الغد ، واستمر رافعا لها حتى طلع الفجر ( أو ) اختل ( بصب ) شيء ( مائع في حلق ) صائم ( نائم أو ) اختل ( بجماعه ) أي النائم - من إضافة المصدر لمفعوله - ( أو بكأكله ) من إضافته لفاعله أي أو اختل بتناوله مفطرا من أكل أو غيره .
حال كونه ( شاكا في ) طلوع ( الفجر أو ) في ( الغروب أو بطروه ) بتشديد الواو المكسورة ، أي الشك - بأن أكل أو شرب معتقدا بقاء الليل أو غروب الشمس - ثم طرأ له الشك هل حصل ذلك بعد الفجر أو قبله أو بعد الغروب أو قبله ؛ فطرو الشك مخل بركن الإمساك كالذي قبله .
فالصوم لا يخلو إما أن يكون فرضا أو نفلا .
فإن كان فرضا : ( فالقضاء ) لازم بحصول العذر أو اختلال الركن ( في الفرض مطلقا ) : أفطر عمدا ، أو سهوا ، أو غلبة ، جوازا كمسافر ، أو حراما كمنتهك ، أو وجوبا كمن خاف على نفسه الهلاك ؛ كان الفرض رمضان أو غيره كالكفارات وصوم تمتع وغير ذلك .
( إلا النذر المعين ) كما لو نذر صوم يوم معين أو أيام معينة أو شهر معين ، وأفطر فيه ( لمرض ) لم يقدر معه على صومه لخوفه منه على نفسه هلاكا أو شدة ضرر أو

(3/270)


زيادته أو تأخر برء ، ( أو ) أفطر فيه لعذر مانع من صحته ( كحيض ) ونفاس وإغماء وجنون ، فلا يقضي لفوات وقته .
فإن زال عذره وبقي منه شيء وجب صومه .
( بخلاف ) فطر ( النسيان والإكراه وخطأ الوقت ) : كصوم الأربعاء يظنه الخميس المنذور ؛ فإنه يوجب القضاء مع إمساك بقية اليوم .
واحترز " بالنذر المعين " من المضمون إذا أفطر فيه لمرض ونحوه ؛ فلا بد من قضائه لعدم تعيين وقته فهو داخل في الإطلاق المتقدم .
( و ) إن كان الصوم نفلا ( قضى في النفل بالعمد ) أي بالفطر العمد ( الحرام ) .
( وإن ) حلف عليه إنسان ( بطلاق بت ) فلا يجوز له الفطر ، وإن أفطر قضى .
وأولى .
إذا كان رجعيا أو لم يحلف عليه أحد .
( لا غيره ) : أي غير العمد الحرام بأن أفطر فيه ناسيا أو غلبة أو مكرها أو عمدا لكنه ليس بحرام ( كأمر والد ) أب أو أم له بالفطر شفقة ، ( و ) أمر ( شيخ ) صالح أخذ على نفسه العهد أن لا يخالفه ، ومثله شيخ العلم الشرعي ( و ) أمر ( سيد ) له بالفطر ؛ فإذا أفطر امتثالا لهم لم يجب عليه قضاء النفل .

الشرح

(3/271)


قوله : [ ولما فرغ من بيان الصوم ] : أي من جهة حقيقته وما يثبت به .
قوله : [ ما يترتب على الإفطار ] : أي في مجموعة صوره فإن هذه الخمسة لا تحصل دفعة واحدة كما سيأتي بيانه .
قوله : [ وهي خمسة ] : بل ستة والسادس التأديب .
قوله : [ القضاء والإمساك ] : أي وكل إما واجب أو مستحب انظر ( المج ) .
قوله : [ والكفارة ] : أي الكبرى ولا تكون إلا واجبة .
قوله : [ والإطعام ] : وهو الكفارة الصغرى ، ويكون مندوبا وواجبا .
قوله : [ اقتضى فطره ] : أي جواز فطره وإن كان الصوم صحيحا بدليل ما بعده .
قوله : [ أو اقتضى عدم صحته ] : أي ويكون الصوم حراما .
قوله : [ أو اختل ركن ] : أي بحصول مفسد كان عليه فيه إثم أم لا ، فإن السهو والغلبة والصب في حلق النائم ، وطرو الشك بعد الأكل لا إثم فيه ، وهو مفسد للصوم وموجب للقضاء بأمر جديد ، فلم يتعلق بالناسي ومن ذكر معه تكليف حالة الفساد ، وهذا مما يؤيد جوابنا المتقدم عن إشكال الشارح فتأمل .
قوله : [ أو غلبة ] : أي أو إكراها أوجب الكفارة أم لا .
قوله : [ أو حراما كمنتهك ] : أي بأن يكون لغير مقتض .
قوله : [ بخلاف فطر النسيان والإكراه ] : أما النسيان فلأن عنده نوعا من التفريط ، وأما المكره فهو على ما قاله في الطراز ، وقال ( ح ) إنه المشهور .
وفي الخرشي لا قضاء في الإكراه ، ومال شيخ مشايخنا العدوي قائلا إن المكره أولى من المريض .
قوله : [ فإنه يوجب القضاء ] : أي حيث أصبح مفطرا في الخميس .
ولم يذكر إلا في أثنائه فيجب عليه إمساكه

(3/272)


وقضاؤه .
قوله : [ وإن حلف عليه إنسان ] إلخ : رد بالمبالغة على من قال : إذا حلف عليه بالطلاق الثلاث جاز له الفطر ، ولا قضاء ، ومثل الثلاث : إذا كانت معه على طلقة وحلف بها .
ومحل عدم جواز الفطر إلا لوجه ؛ كتعلق قلب الحالف بمن .
حلف بطلاقها ، بحيث يخشى أن لا يتركها إن حنث فيجوز ، ولا قضاء .
وهو حينئذ داخل في قوله بعد لا غيره .
قوله : [ أب أو أم ] : أي لا جد أو جدة .
والمراد الأبوان المسلمان ، لا إن كانا كافرين فلا يطيعهما إلحاقا للصوم بالجهاد ، بجامع أن كلا من الدينيات ، هذا هو الظاهر كذا في حاشية الأصل .
قوله : [ أخذ على نفسه العهد ] إلخ : اعترض بأن العهد إنما يكون من الطاعات وإفساد الصوم حرام .
وأجيب بأنه لما اختلف العلماء في إفساد صوم النفل قدم فيه نظر الشيخ ، ألا ترى الشافعية يقولون بجواز إفساده واستدلوا بحديث : " الصائم أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر " .
قوله : [ ومثله شيخ العلم الشرعي ] : أي وكذا آلاته .

(3/273)


ولما فرغ من بيان ما يقضى وما لا يقضى من الصوم ، شرع في بيان ما يجب فيه الإمساك إذا أفطر وما لا يجب فقال : ( ووجب ) على المفطر في صومه ( إمساك غير معذور ) بقية يومه عن المفطرات ( بلا إكراه ) وغير المعذور : وهو من أفطر عمدا أو غلبة أو نسيانا ، والمعذور من أفطر لعذر من مرض أو سفر أو حيض أو نفاس أو جنون ، ثم زال عذره .
ولما دخل في المعذور المكره - مع أنه إذا زال عذره وجب عليه الإمساك - أخرجه بقوله : " بلا إكراه " أي معذور بغير إكراه .
فقوله : " بلا إكراه " نعت معذور .
إن أفطر ( بفرض معين ) وقته ( كرمضان ، والنذر ) المعين ، والكاف استقصائية ( مطلقا ) : أفطر عمدا أم لا .
( أو ) لم يتعين وقته ، ولكن ( وجب تتابعه ) ككفارة رمضان والقتل والظهار ، ( ولم يتعمد ) الفطر .
فإن أفطر غلبة أو ناسيا فيجب الإمساك بقية يومه بناء على الصحيح من أن غير العمد لا يفسد صومه .
فإن تعمد الفطر لم يجب عليه الإمساك لفساد جميع صومه الذي فعله ولو آخر يوم منه ، فلا فائدة في إمساكه حينئذ .
وكذا لو أفطر غير متعمد في أول يوم لم يجب عليه إمساك لعدم الفائدة ؛ إذ هو يجب قضاؤه ، ولا يؤدي إفطاره لفساد شيء .
نعم يندب فيه الإمساك وهذا معنى قولنا : ( في غير أول يوم ) إذ معناه : يجب الإمساك في المتتابع إذا أفطر ناسيا أو غلبة في غير اليوم الأول ، ومفهومه : أنه لو أفطر ناسيا فيه لم يجب الإمساك .
( كتطوع ) : تشبيه في وجوب الإمساك إذا أفطر فيه بلا تعمد .
فإن تعمد

(3/274)


لم يجب الإمساك على التحقيق لعدم الفائدة فيه مع وجوب القضاء .
وفهم منه : أن الفرض إذا لم يتعين ، ولم يجب تتابعه - ككفارة اليمين ، والنذر المضمون ، وقضاء رمضان وجزاء الصيد ، وفدية الأذى - لا يجب فيه الإمساك مطلقا أفطر عمدا أو نسيانا أو غلبة فهو مخير في الإمساك وعدمه .
ومسألة الإمساك مما زدناه على المصنف .

الشرح

(3/275)


قوله : [ ما يجب فيه الإمساك ] إلخ : حاصل ما ذكره في الإمساك بعد الفطر : أن الإمساك في الفرض المعين سواء كان رمضان أو نذرا واجب ، سواء أفطر عمدا أو نسيانا أو غلبة بغير إكراه ، أو إكراه .
وفي المضمون في الذمة - وهو كل صوم لا يجب تتابعه ؛ كالنذر الغير المعين وصيام الجزاء والتمتع وكفارة اليمين وقضاء رمضان - جائز لا واجب ، فيخير بين الإمساك وعدمه سواء كان الفطر عمدا أو نسيانا أو غلبة أو إكراها ، وفي النفل واجب في النسيان وغير واجب في العمد الحرام على المعتمد .
وأما ما وجب فيه التابع من الصوم وكان فرضا غير معين ؛ ككفارة الظهار والقتل ، فإن كان الفطر عمدا فلا إمساك لفساده وإن كان غلبة أو سهوا وجب الإمساك .
وكمل على المعتمد إذا كان ذلك في غير اليوم الأول ، فإن كان فيه استحب الإمساك فقط .
قوله : [ والمعذور من أفطر ] : مراده بيان أن المعذور : هو الذي يباح له الفطر مع العلم برمضان ، وغير المعذور ضده .
ولا يرد علينا المجنون والمكره ، فإن فعلهما لا يوصف بإباحة ولا عدمها كما تقدم قوله : [ أفطر عمدا أم لا ] : صادق بالفطر نسيانا أو غلبة أو إكراها .

(3/276)


ثم شرع في بيان الكفارة وأنها خاصة برمضان فقال : ( والكفارة ) واجبة ( برمضان ) أي بالفطر في رمضان ( فقط ) دون غيره ( إن أفطر ) فيه .
( منتهكا لحرمته ) أي غير مبال بها بأن تعمدها اختيارا بلا تأويل قريب ، احترازا من الناسي والجاهل والمتأول فلا كفارة عليهم كما يأتي .
( بجماع ) أي إدخال حشفته في فرج مطيق ولو بهيمة ، وإن لم ينزل وتجب على المرأة إن بلغت .
( وإخراج مني ) بمباشرة أو غيرها ، ( وإن بإدامة فكر أو نظر ) إن كان عادته الإنزال من استدامتهما ولو في بعض الأحيان ( إلا أن ) يكون عادته عدم الإنزال من استدامتهما و ( يخالف عادته ) فينزل بعد استدامتهما فلا كفارة على ما اختاره ابن عبد السلام ، وقيل : عليه الكفارة مطلقا .
ومفهوم " إدامة " أنه لو أمنى بمجرد فكر أو نظر فيه فلا كفارة عليه ، وهو كذلك .
( أو ) أفطر بسبب ( رفع نية ) لصومه نهارا أو ليلا ، ويستمر ناويا عدمه حتى طلع الفجر ، فالكفارة ؛ لأن نية إبطال الصوم والصلاة في الأثناء معتبرة بخلاف رفضهما بعد الفراغ منهما ، وبخلاف رفض الحج العمرة مطلقا .
( أو ) أفطر بسبب ( إيصال مفطر ) من مائع أو غيره ( لمعدة من فم فقط ) : راجع للجميع ، أو مفطر - لا غيره - كبلغم لمعدة فقط لا لحلق ، وإن وجب القضاء في المائع .
وقيل بوجوب الكفارة أيضا من ( فم فقط ) لا من غيره كأنف أو دبر لأنها معللة بالانتهاك الذي هو أخص من العمد .
ثم ذكر محترز الانتهاك بقوله : ( لا ) إن أفطر ( بنسيان ) لكونه

(3/277)


صائما .
أو ( جهل ) لرمضان بأن ظن أنه شعبان ، أو منه كيوم الشك ، أو جهل حرمة الفطر برمضان لقرب عهد بالإسلام ، وأما جهل وجوب الكفارة مع علمه بحرمة الفطر فلا ينفعه .
( أو غلبة ) بأن سبقه الماء مثلا أو أكره على تناول المفطر فلا كفارة لعدم الانتهاك .
واستثنى من الغلبة مسألتين بقوله : ( إلا إذا تعمد قيئا ) : أي إخراجه فابتلعه أو شيئا منه ، ولو غلبة فيلزمه الكفارة ( أو ) إلا إذا تعمد ( استياكا بجوزاء نهارا ) وابتلعها ولو غلبة ؛ فالكفارة .
بخلاف ما لو ابتلعها نسيانا فالقضاء فقط ، والجوزاء قشر يتخذ من أصول شجر الجوز يستعمله بعض نساء أهل المغرب .
( ولا ) إن أفطر ( بتأويل قريب ) فلا كفارة ، والتأويل : حمل اللفظ على خلاف ظاهره لموجب ، وقريبه ما ظهر موجبه ، وبعيده ما خفي موجبه أي دليله ، والمراد به هنا الظن ، أي ظن إباحة الفطر ، وقريبه ما استند إلى أمر محقق موجود ، وبعيده : ما استند إلى أمر موهوم غير محقق .
ومثل للقريب بقوله : ( كمن أفطر ناسيا أو مكرها ) : فظن أنه لا يجب عليه الإمساك لفساد صومه فأفطر ، وقوله : ( على الأظهر ) راجع للمكره ؛ فلا كفارة .
لأن ظنه استند إلى فطره أولا ، ناسيا أو مكرها .
( أو ) كمن ( قدم ) من سفره ( قبل الفجر ) فظن إباحة فطره صبيحة تلك الليلة فأفطر .
( أو سافر دون ) مسافة ( القصر ) فظن إباحة الفطر فأفطر .
( أو رأى شوالا نهارا ) يوم الثلاثين من رمضان فظن أنه يوم عيد فأفطر .
( أو ) أصابته جنابة ليلا

(3/278)


فأصبح جنبا ( لم يغتسل إلا بعد الفجر ) فظن إباحة الفطر فأفطر .
( أو احتجم ) نهارا فظن إباحة الفطر فأفطر .
( أو ثبت رمضان ) يوم الشك ( نهارا ) فظن عدم وجوب الإمساك فأفطر فلا كفارة .
فقوله : ( فظنوا الإباحة ) : أي إباحة الفطر ( فأفطروا ) راجع للجميع ، فإن علموا الحرمة أو شكوا فيها فالكفارة .
( بخلاف ) التأويل ( البعيد ) ففيه الكفارة ( كراء ) لهلال رمضان ، ( لم يقبل ) عند الحاكم فرد شهادته ، فظن إباحة الفطر فأفطر .
( أو ) أفطر ( لحمى أو لحيض ) ظن أنها تقع له في ذلك اليوم فعجل الفطر قبل الحصول فالكفارة ( ولو حصلا ) .
( أو ) أفطر ( لغيبة ) بكسر الغين صدرت منه في حق غيره فظن الفطر .
( أو ) أفطر ( لعزم على سفر ) في ذلك اليوم ( ولم يسافر ) فيه فالكفارة ( وإلا ) بأن سافر فيه ( فقريب ) فلا كفارة ، وسيأتي تفصيل مسألة السفر إن شاء الله تعالى .

الشرح

(3/279)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية