صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : فتح القدير
مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
[ الكتاب مشكول ومرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

عليه أن يعمل باجتهاده وهو أن يبذل جهده في طلب الظن بحكم شرعي عن هذه الأدلة ولا يقلد أحدا .

(16/326)


قال ( ولا بأس بالدخول في القضاء لمن يثق بنفسه أن يؤدي فرضه ) لأن الصحابة رضي الله عنهم تقلدوه وكفى بهم قدوة ، ولأنه فرض كفاية لكونه أمرا بالمعروف .

الشرح

(16/327)


( قوله ولا بأس بالدخول في القضاء لمن يثق بنفسه أن يؤدي فرضه ، لأن الصحابة رضوان الله عليهم تقلدوا ولأنه فرض كفاية لكونه أمرا بالمعروف ) أما إن الصحابة تقلدوا فحديث معاذ معروف .
وكذا علي رضي الله عنهما لرواية أبي داود عن علي قال { بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قاضيا ، فقلت : يا رسول الله ترسلني وأنا حديث السن ولا علم لي بالقضاء ؟ فقال : إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك ، فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول ، فإنه حري أن يتبين لك القضاء ، قال : فما زلت قاضيا أو ما شككت في قضاء بعد } ورواه أحمد وإسحاق بن راهويه والطيالسي والحاكم وقال : صحيح الإسناد ، وأخرجه ابن ماجه وفيه { فضرب صدري وقال : اللهم أهد قلبه وثبت لسانه ، قال : فما شككت } الحديث ، وصححه أيضا الحاكم في المستدرك عن ابن عباس قال { بعث النبي صلى الله عليه وسلم عليا رضي الله عنه إلى اليمن فقال : علمهم الشرائع واقض بينهم } الحديث ، وصححه ثم قلد علي شريحا الإمام .
وأما إنه فرض كفاية فقد قدمناه ، غير أن مقتضاه أن يكون الدخول فيه مستحبا ؛ وعبارة لا بأس أكثر استعمالها في المباح وما تركه أولى .
وحاصل ما هنا أنه إن لم يأمن على نفسه الحيف : أي الجور أو عدم إقامة العدل كره له الدخول كراهة تحريم لأن الغالب الوقوع في محظوره حينئذ وإن أمن أبيح رخصة ، والترك هو العزيمة لأنه وإن أمن فالغالب هو خطأ ظن من

(16/328)


ظن من نفسه الاعتدال فيظهر منه خلافه فيؤخره عن الاستحباب .
هذا إذا لم تنحصر الأهلية فيه ، وإن انحصرت صار فرض عين وعليه ضبط نفسه ، إلا إن كان السلطان ممن يمكن أن يفصل الخصومات ويتفرغ لذلك .
وحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { من جعل على القضاء فقد ذبح بغير سكين } حسنه الترمذي ، وأخرجه ابن عدي في الكامل من حديث ابن عباس .
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { من استقضي فقد ذبح بغير سكين } وحكي أن بعض القضاة استخف بهذا الحديث ثم دعا من يسوي له لحيته فبينما هو يحلق له تحت لحيته في حلقومه إذا عطس القاضي فألقى الموسى رأسه ، وقد جاء في التحذير من القضاء آثار .
وقد اجتنبه أبو حنيفة وصبر على الضرب والسجن حتى مات في السجن وقال : البحر عميق فكيف أعبر بالسباحة ؟ فقال أبو يوسف : البحر عميق والسفينة وثيق والملاح عالم .
فقال أبو حنيفة : كأن بك قاضيا .
وقول أبي حنيفة كقول أبي قلابة : ما وجدت القاضي إلا كسابح في بحر فكم يسبح حتى يغرق .
وكان دعي للقضاء فهرب حتى أتى الشام فوافق موت قاضيها ، فهرب حتى أتى اليمامة .
واجتنبه كثير من السلف .
وقيد محمد بن الحسن نيفا وثلاثين يوما أو نيفا وأربعين يوما ليتقلده .
وقد أخرج مسلم { عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له يا أبا ذر إني أحب لك ما أحب لنفسي ، لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال اليتيم } وأخرج أبو داود عن أبي بريدة عن أبيه قال :

(16/329)


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { القضاة ثلاثة : اثنان في النار ، وواحد في الجنة : رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة ، ورجل عرف الحق فلم يقض وجار في الحكم فهو في النار ، ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو في النار } وفي صحيح ابن حبان عن عائشة رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { يدعى بالقاضي العادل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في عمره } وأخرج الحاكم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { من ولي عشرة فحكم بينهم بما أحبوا أو كرهوا جيء به يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه ، فإن حكم بما أنزل الله ولم يرتش في حكمه ولم يحف فك الله عنه غله ، وإن حكم بغير ما أنزل الله وارتشى في حكمه وحاف فيه شدت يساره إلى يمينه ثم رمي به في جهنم } وروى النسائي عن مكحول : لو خيرت بين ضرب عنقي وبين القضاء لاخترت ضرب عنقي .
وأخرج ابن سعد في الطبقات قال : استعمل أبو الدرداء على القضاء فأصبح الناس يهنونه بالقضاء ، فقال : أتهنونني بالقضاء وقد جعلت على رأس مهواة منزلتها أبعد من عدن وأبين .
وأما ما في البخاري { سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل } فلا ينافي مجيئه أولا مغلولة يده إلى عنقه إلى أن يفكها عدله فيظله الله تعالى في ظله فلا يعارض .

(16/330)


قال ( ويكره الدخول فيه لمن يخاف العجز عنه ولا بأس على نفسه الحيف فيه ) كي لا يصير شرطا لمباشرته القبيح ، وكره بعضهم الدخول فيه مختارا لقوله عليه الصلاة والسلام " من جعل على القضاء فكأنما ذبح بغير سكين " والصحيح أن الدخول فيه رخصة طمعا في إقامة العدل والترك عزيمة فلعله يخطئ ظنه ولا يوفق له أو لا يعينه عليه غيره ، ولا بد من الإعانة إلا إذا كان هو أهلا للقضاء دون غيره فحينئذ يفترض عليه التقلد صيانة لحقوق العباد وإخلاء للعالم عن الفساد .

(16/331)


قال ( وينبغي أن لا يطلب الولاية ولا يسألها ) لقوله عليه الصلاة والسلام { من طلب القضاء وكل إلى نفسه ومن أجبر عليه نزل عليه ملك يسدده } ولأن من طلبه يعتمد على نفسه فيحرم ، ومن أجبر عليه يتوكل على ربه فيلهم .

الشرح
.
( قوله وينبغي أن لا يطلب الولاية ولا يسألها لقوله صلى الله عليه وسلم { من طلب القضاء وكل إلى نفسه } إلخ ) أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { من سأل القضاء وكل إلى نفسه ، ومن أجبر عليه نزل عليه ملك يسدده } ولفظ أبي داود { من طلب القضاء واستعان عليه } وأخرجه الترمذي أيضا عن أنس مرفوعا { من ابتغى القضاء وسأل فيه شفعاء وكل إلى نفسه ، ومن أكره عليه أنزل الله عليه ملكا يسدده } وقال : حسن غريب ، وهو أصح من حديث إسرائيل يريد سند الأول ، وأصح من الكل حديث البخاري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها ، وإن أوتيتها من غير مسألة أعنت عليها } وإذا كان طلب الولاية أن يوكل إلى نفسه وجب أن لا يحل لأنه حينئذ معلوم وقوع الفساد منه لأنه محذور .

(16/332)


( ثم يجوز التقلد من السلطان الجائر كما يجوز من العادل ) لأن الصحابة رضي الله عنهم تقلدوه من معاوية رضي الله عنه والحق كان بيد علي رضي الله عنه في نوبته ، والتابعين تقلدوه من الحجاج وكان جائرا إلا إذا كان لا يمكنه من القضاء بحق لأن المقصود لا يحصل بالتقلد ، بخلاف ما إذا كان يمكنه .

الشرح

(16/333)


قوله ويجوز التقلد من السلطان الجائر كما يجوز من العادل لأن الصحابة رضي الله عنهم تقلدوه من معاوية رضي الله عنه والحق كان بيد علي رضي الله عنه في نوبته ، والتابعين تقلدوا من الحجاج ) هذا تصريح بجور معاوية ، والمراد في خروجه لا في أقضيته ، ثم إنما يتم إذا ثبت أنه ولي القضاء قبل تسليم الحسن له ، وأما بعد تسليمه فلا ، ويسمى ذلك العام عام الجماعة ، واستقضى معاوية أبا الدرداء بالشام وبها مات ، وكان معاوية رضي الله عنه استشاره فيمن يولى بعده فأشار عليه بفضالة بن عبيد الأنصاري فولاه الشام بعده .
وقوله في نوبته : نوبة علي التي ذكرها المصنف هي كونه رابعا بعد عثمان ، وقيد بنوبته احترازا عن قول الروافض إنه كان أحق بها في سائر النوب حتى من أبي بكر رضي الله عنه ، وإنما كان الحق معه في تلك النوبة لصحة بيعته وانعقادها فكان على الحق في قتال أهل الجمل وقتال معاوية بصفين .
{ وقوله عليه الصلاة والسلام لعمار ستقتلك الفئة الباغية } وقد قتله أصحاب معاوية يصرح بأنهم بغاة ، " ولقد أظهرت عائشة رضي الله عنها الندم كما أخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب قال : قالت رضي الله عنها لابن عمر : يا أبا عبد الرحمن ما منعك أن تنهاني عن مسيري ؟ قال : رأيت رجلا غلب عليك : يعني ابن الزبير ، فقالت : أما والله لو نهيتني ما خرجت " .
.
وأما الحجاج فحاله معروف في تاريخ البخاري بسنده عن أبي إسحاق قال : كان أبو بردة بن أبي موسى على قضاء الكوفة

(16/334)


فعزله الحجاج وجعل أخاه مكانه .
وأسند في موضع آخر عن ضمرة قال : استقضى الحجاج أبا بردة بن أبي موسى وأجلس معه سعيد بن جبير ، ثم قتل سعيد بن جبير ومات الحجاج بعده بستة أشهر .
.
وفي تاريخ أصبهان للحافظ أبي نعيم عبد الله بن أبي مريم الأموي : ولي القضاء بأصبهان للحجاج ثم عزله الحجاج وأقام محبوسا بواسط ، فلما هلك الحجاج رجع إلى أصبهان وتوفي بها .
وقال ابن القطان في كتابه في باب الاستسقاء : طلحة بن عبد الله بن عوف أبو محمد الذي يقال له طلحة الندى ابن أخي عبد الرحمن بن عوف تقلد القضاء من يزيد بن معاوية على المدينة ، وهو تابعي يروي عن ابن عباس وأبي هريرة وأبي بكرة رضي الله عنهم .
وقوله ( إلا إذا كان لا يمكنه من القضاء بحق ) استثناء من قوله يجوز التقلد من السلطان الجائر ( لأن المقصود لا يحصل من التقلد ) حينئذ وهو ظاهر .
هذا وإذا لم يكن سلطان ولا من يجوز التقلد منه كما هو في بعض بلاد المسلمين غلب عليهم الكفار كقرطبة في بلاد المغرب الآن وبلنسية وبلاد الحبشة وأقروا المسلمين عندهم على مال يؤخذ منهم يجب عليهم أن يتفقوا على واحد منهم يجعلونه واليا فيولى قاضيا أو يكون هو الذي يقضي بينهم وكذا ينصبوا لهم إماما يصلي بهم الجمعة .

(16/335)


[ فروع في العزل ] للسلطان عزل القاضي بريبة وبلا ريبة ، ولا ينعزل حتى يبلغه العزل وينعزل نائبه بعزله ، بخلاف ما إذا مات القاضي ينعزل نائبه .

(16/336)


وكثير من المشايخ على أن النائب لا ينعزل بعزل القاضي لأنه نائب للسلطان ، وينعزل القاضي بعزله نفسه إذا بلغ السلطان ، وما لم يبلغه لا ينعزل كعزل الوكيل نفسه لا ينعزل حتى يبلغ الموكل .
وقيل لا ينعزل القاضي بعزل نفسه لأن قضاءه صار حقا للعامة فلا يملك إبطاله .
وعن أبي يوسف : لا ينعزل بعزل السلطان حتى يأتي قاض آخر صيانة لحقوق الناس ، ومثله وصي القاضي إذا عزل نفسه يشترط علم القاضي ، ويجوز تعليق العزل بالشرط .
ومن صوره : إذا كتب الخليفة إليه إذا وصلك كتابي هذا فأنت معزول لا ينعزل حتى يصل إليه الكتاب .
ولم يجز ظهير الدين تعليق العزل وليس بشيء ، وينعزل خلفاء القاضي بموته ولا ينعزل أمراء الخليفة ، ولو قلد رجل قضاء بلدة قاض هل ينعزل ؟ الأول عن أبي يوسف لا ينعزل .
قال في الخلاصة : وهو الأشبه .
ولو شرط في القضاء شرطا مثل أن لا يمتثل أمر أحد فخالف انعزل .
وعن أبي حنيفة لا يترك القاضي على القضاء أكثر من سنة ثم يعزله ويقول أشغلناك اذهب فاشتغل بالعلم ثم ائتنا .
.

(16/337)


قال ( ومن قلد القضاء يسلم إليه ديوان القاضي الذي كان قبله ) وهو الخرائط التي فيها السجلات وغيرها ، لأنها وضعت فيها لتكون حجة عند الحاجة فتجعل في يد من له ولاية القضاء .
ثم إن كان البياض من بيت المال فظاهر ، وكذا إذا كان من مال الخصوم في الصحيح لأنهم وضعوها في يده لعمله وقد انتقل إلى المولى ، وكذا إذا كان من مال القاضي هو الصحيح لأنه اتخذه تدينا لا تمولا ، ويبعث أمينين ليقبضاها بحضرة المعزول أو أمينه ويسألانه شيئا فشيئا ، ويجعلان كل نوع منها في خريطة كي لا يشتبه على المولى ، وهذا السؤال لكشف الحال لا للإلزام .

الشرح

(16/338)


( قوله ومن قلد القضاء يسأل ) أي أول ما يبدأ به من الأعمال .
هذا وهو أن يسأل : أي يطلب من القاضي المنعزل ديوانه ثم فسر ديوانه بأنه ( الخرائط التي فيها السجلات وغيرها ) من كتب الأوقاف وكتب نصب الأوصياء والمحاضر والصكوك وتقدير النفقات للأيتام وغيرهم مما اقتضاه الحال ، وإنما يطلبه ( لأنها ) إنما ( وضعت ) عند القاضي ( لتكون حجة ) ووثيقة محفوظة ( عند ) القاضي إذا وقعت ( الحاجة ) إلى الحجة ومعرفة الأحوال ( فتجعل عند من له ولاية النظر ) في أمورهم وما كانت عند الأول إلا لأنه كذلك ( ثم إن كان البياض ) الذي كتب فيه القاضي ورقا أو رقا ( من بيت المال فظاهر ، وكذا إذا كان من مال أرباب القضايا في الصحيح لأنه رضي به ) لأنه للقاضي لا لأنه ملك الذات ( وقد انتقل ) القضاء ( إلى ) القاضي ( المولى وإن كان ملك القاضي فكذلك في الصحيح لأنه اتخذه تدينا ) ليحفظ به أمور الناس وحاجاتهم ( لا تمولا ، ويبعث ) المولى ( اثنين ) أو واحدا مأمونا ( ليقبضاها بحضرة المعزول أو ) من ( أمينه ويسألان ) أعني الأمينين ( المعزول شيئا فشيئا ويجعلان كل نوع في خريطة ) مثلا الصكوك في خريطة والنفقات في خريطة وكتب الأوقاف في خريطة ليكون أسهل للتناول ، بخلاف ما إذا خلط الكل فإن في الكشف عنه حينئذ عسرا شديدا ، وفي عرف ديارنا ليس عند القاضي صكوك الناس ولا كتب أوقافهم ، بل إذا كان القاضي هو ناظر الوقف ( وهذا السؤال لكشف الحال ) لا ليلزم العمل بمقتضى الجواب من القاضي فإنه التحق

(16/339)


بسائر الرعايا بالعزل ، ثم إذا قبضاه ختما عليه خوفا من طرو التغيير .
وأما ما قيل يكتبان عدد ضياع الوقوف ومواضعها فليس إلى ذلك حاجة ، فإن كتب الأوقاف مشتملة على عدد الضياع الموقوفة والدور والحوانيت محدودة .

(16/340)


قال ( وينظر في حال المحبوسين ) لأنه نصب ناظرا ( فمن اعترف بحق ألزمه إياه ) لأن الإقرار ملزم ( ومن أنكر لم يقبل قول المعزول عليه إلا ببينة ) لأن بالعزل التحق بالرعايا ، وشهادة الفرد ليست بحجة لا سيما إذا كانت على فعل نفسه ( فإن لم تقم بينة لم يعجل بتخليته حتى ينادى عليه وينظر في أمره ) لأن فعل القاضي المعزول حق ظاهرا فلا يعجل كي لا يؤدي إلى إبطال حق الغير .

الشرح

(16/341)


( قوله وينظر في حال المحبوسين ) فيبعث إلى السجن من يحصيهم ويأتيه بأسمائهم وأخبارهم ويسأل المحبوس عن سبب حبسه لأن القاضي ناظر في أمور المسلمين وهؤلاء مسلمون محبوسون ، ولا بد أن يثبت عنده سبب يوجب حبسهم ، وثبوته عند الأول ليس حجة يعتمدها الثاني في حبس هؤلاء ، لأن قول الأول لم يبق حجة ( فمن اعترف بحق ألزمه إياه ) ورده إلى السجن إلا أن يبلغ المقدار الذي يخرج به من السجن عنده إذا لم يثبت له مال ، وكذا من أنكر وشهد الشهود عليه والقاضي يعرف هؤلاء الشهود بالعدالة ، فإن لم يعرف عدالتهم أخذ منهم كفيلا وأطلقهم حتى ينظر في حالهم ، فإن ظهرت عدالة الشهود رده إلى السجن إذا طلبه الخصم ( ولو أخبر القاضي المعزول بسبب حبسهم لا يقبل لأنه التحق ) بواحد من ( الرعايا وشهادة الفرد ليست حجة ) موجبة للعمل ( لا سيما ) وهي ( على فعل نفسه ) وبهذا قال الشافعي ومالك .
وقال أحمد : يقبل قوله بعد العزل كما قبل العزل لأنه أمين الشرع ، وعند مالك لا يقبل قوله قبل العزل أيضا إلا بحجة ( وإذا لم يقبل قول المعزول عليه ولم تقم بينة ) بما وجب حبسه ( لا يعجل ) بإطلاقه ( لأن فعل القاضي ظاهرا ) ما كان إلا ( بحق ) فيحتاط لخصمه الغائب فينادى عليه ، وصفته أن يأمر كل يوم إذا جلس مناديا ينادي في محلته من كان يطلب فلان بن فلان المحبوس بحق فليأت إلى القاضي يفعل ذلك أياما ، فإذا حضر وادعى وهو على جحوده ابتدأ الحكم بينهما ، وإن لم يحضر أخذ

(16/342)


منه كفيلا بنفسه إذ لعله محبوس بحق لغائب ، وأمارته أنه في حبس قاض ، والظاهر أنه بحق ، فإن قال لا كفيل لي وأبى أن يعطي كفيلا وجب أن يحتاط نوعا آخر من الاحتياط فينادي شهرا فإن لم يحضر أحد أطلقه .
وقيل أخذ الكفيل هنا قولهما .
أما على قول أبي حنيفة فلا كما قال في أصحاب الميراث إذا اقتسموا على ما سيأتي ، والمختار أن أخذ الكفيل هنا اتفاق .
والفرق لأبي حنيفة أن المال ظاهرا حق لهذا الوارث ، وفي ثبوت وارث آخر شك فلا يجوز تأخير حقه إلى زمان حصول الكفيل لأمر موهوم ، وهنا الظاهر أن حبسه بحق لظهور أن فعل القاضي بحق ولكنه مجهول ، فليس أخذ الكفيل لموهوم ، ولو قيل فبالنظر إلى هذا الظاهر يجب أن لا يطلقه بقوله إني مظلوم حتى تمضي مدة يطلق فيها مدعي الإعسار كان جيدا .

(16/343)


( وينظر في الودائع وارتفاع الوقوف فيعمل فيه على ما تقوم به البينة أو يعترف به من هو في يده ) لأن كل ذلك حجة .

الشرح
( قوله وينظر في الودائع وارتفاع الأوقاف ) الكائنة تحت أيدي أمناء القاضي ، والذي في ديارنا من هذا أن أموال الأوقاف تحت أيدي جماعة يوليهم القاضي النظر أو المباشرة فيها وودائع اليتامى تحت يد الذي يسمى أمين الحكم ( فيعمل ) فيها ( على ) حسب ( ما تقوم به البينة ) أنه لفلان أو غير ذلك ( أو يعترف ) الذي هو في يده .

(16/344)


( ولا يقبل قول المعزول ) لما بينا ( إلا أن يعترف الذي هو في يده أن المعزول سلمها إليه فيقبل قوله فيها ) لأنه ثبت بإقراره أن اليد كانت للقاضي فيصح إقرار القاضي كأنه في يده في الحال ، إلا إذا بدأ بالإقرار لغيره ثم أقر بتسليم القاضي فيسلم ما في يده إلى المقر له الأول لسبق حقه ويضمن قيمته للقاضي بإقراره الثاني ويسلم إلى المقر له من جهة القاضي .

الشرح

(16/345)


( ولا يقبل قول المعزول ) على من هي في يده إذا أنكر وقال هي لي إلا ببينة ( لما بيناه ) أنه التحق بواحد من الرعايا ، بخلاف القاضي لأنه هو المخصوص بأن يكتفي بقوله في الإلزام حتى إن الخليفة الذي قلد القاضي لو أخبر القاضي أنه شهد عنده الشهود بكذا لا يقضي به حتى يشهد عنده الخليفة مع آخر ، والواحد لا يقبل قوله ( إلا أن يعترف الذي في يده أن ) القاضي ( المعزول ) سلمها إليه فحينئذ إما أن يقول سلمها إلي ولا أدري لمن هي ، أو يقول سلمها إلي وقال هي لفلان بن فلان وهو الذي أقر له القاضي المعزول : ففي هذين يقبل قول المعزول فيهما لأنه يثبت بإقرار من في يده أن اليد فيها كانت للقاضي فيقبل إقرار القاضي فيها كما لو كانت في يده حال إقراره ، أو يقول دفعه إلي القاضي المعزول وهو لفلان ، وقال المعزول بل لفلان رجل آخر فالقول ما قال المعزول ، ويدفع لمن أقر به له لأنه أقر باليد للقاضي فصار كأن المال في يده فأقر به لواحد وأقر به هذا الرجل لآخر وفيه يكون القول قول القاضي فكذا هذا أو بدأ بالإقرار لفلان فقال هو لفلان ابن فلان ثم قال دفعه إلي القاضي ففي هذا يؤمر بالتسليم إلى من أقر له الأمين ، ويضمن مثله إن كان مثليا أو قيمته للمعزول فيدفعه المعزول إلى من أقر له به لأنه لما بدأ بالإقرار صح إقراره ولزم لأنه أقر بما هو في يده ، فلما قال دفعه إلي القاضي فقد أقر أن اليد كانت للقاضي والقاضي يقر به لغير من أقر هو به له فيصير هو

(16/346)


متلفا لذلك على من أقر له القاضي بإقراره لغيره فيضمنه .
هذا وأما لو شهد قوم أنهم سمعوا القاضي الأول يقول استودعت فلانا مال فلان اليتيم وجحد من في يده أو شهدوا على بيعه مال فلان اليتيم فإنه يقبل ويؤخذ المال لمن ذكره ، وكذا لو مات الأول واستقضي غيره فشهد بذلك .
[ فرع يناسب هذا ] لو شهد شاهدان أن القاضي قضى لفلان على فلان بكذا أو قال القاضي لم أقض بشيء لا تجوز شهادتهما عندهما .
ويعتبر قول القاضي ، وعند محمد تقبل وينفذ ذلك .

(16/347)


قال ( ويجلس للحكم جلوسا ظاهرا في المسجد ) كي لا يشتبه مكانه على الغرباء وبعض المقيمين ، والمسجد الجامع أولى لأنه أشهر .
وقال الشافعي رحمه الله : يكره الجلوس في المسجد للقضاء لأنه يحضره المشرك وهو نجس بالنص والحائض وهي ممنوعة عن دخوله .
ولنا قوله عليه الصلاة والسلام { إنما بنيت المساجد لذكر الله تعالى والحكم } .
{ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفصل الخصومة في معتكفه } وكذا الخلفاء الراشدون كانوا يجلسون في المساجد لفصل الخصومات ، ولأن القضاء عبادة فيجوز إقامتها في المسجد كالصلاة .
ونجاسة المشرك في اعتقاده لا في ظاهره فلا يمنع من دخوله ، والحائض تخبر بحالها فيخرج القاضي إليها أو إلى باب المسجد أو يبعث من يفصل بينها وبين خصمها كما إذا كانت الخصومة في الدابة .
ولو جلس في داره لا بأس به ويأذن للناس بالدخول فيها ، ويجلس معه من كان قبل ذلك لأن في جلوسه وحده تهمة .

الشرح

(16/348)


( قوله ويجلس للحكم جلوسا ظاهرا كي لا يشتبه مكانه على الغرباء وبعض المقيمين ) وفي الخلاصة : ولا يتعب نفسه في طول الجلوس ولكن يجلس في طرفي النهار ، وكذا المفتي والفقيه ( والمسجد الجامع أولى لأنه أشهر ) ثم الذي تقام فيه الجماعات وإن لم تصل فيه الجمعة .
قال فخر الإسلام : هذا إذا كان الجامع في وسط البلد ، أما إذا كان في طرف منها فلا لزيادة المشقة على أهل الشقة المقابلة له ، فالأولى أن يختار مسجدا في وسط البلد وفي السوق .
ويجوز أن يحكم في بيته وحيث كان إلا أن الأولى ما ذكرنا ، وبقولنا قال أحمد ومالك في الصحيح عنه ( وقال الشافعي : يكره الجلوس في المسجد للقضاء لأنه ) أي القضاء ( يحضره المشرك وهو نجس بالنص ) قال تعالى { إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد } ( والحائض وهي ممنوعة عن دخوله ) ولأن المساجد بنيت للصلاة والذكر ، والخصومات تقترن بالمعاصي كثيرا من اليمين الغموس والكذب في الدعاوى ( ولنا ) ما في الصحيحين من حديث اللعان من حديث سهل بن سعد ، وفيه { فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد } ولا بد من كون أحدهما كاذبا حانثا في يمين غموس ، وفي الصحيحين أيضا عن كعب بن مالك { أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا كان له عليه في المسجد فارتفعت أصواتهما حتى سمعهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيته فخرج إليهما حتى كشف سجف حجرته فنادى : يا كعب ، فقال : لبيك يا رسول الله ، فأشار بيده أن ضع الشطر من دينك ، قال كعب : قد فعلت يا رسول الله ، قال : قم

(16/349)


فاقضه } وأخرج الطبراني مسندا إلى ابن عباس قال { بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبنا يوم الجمعة إذ أتى رجل فتخطى الناس حتى قرب إليه فقال : يا رسول الله أقم علي الحد ، فقال : اجلس فجلس ، ثم قام الثانية فقال : يا رسول الله أقم علي الحد ، فقال اجلس فجلس ثم قام الثالثة فقال يا رسول الله أقم علي الحد ، قال وما حدك ؟ قال : أتيت امرأة حراما ، فقال صلى الله عليه وسلم لعلي وابن عباس وزيد بن حارثة وعثمان بن عفان رضي الله عنهم انطلقوا به فاجلدوه ولم يكن تزوج ، فقيل يا رسول الله ألا تجلد التي خبث بها ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : من صاحبتك ؟ قال : فلانة فدعاها ثم سألها ، فقالت : يا رسول الله كذب علي والله إني لا أعرفه ، فقال صلى الله عليه وسلم : من شاهدك ؟ فقال : يا رسول الله ما لي شاهد ، فأمر به فجلد حد الفرية ثمانين جلدة } وأما إن الخلفاء الراشدين كانوا يجلسون في المساجد لفصل الخصومات فنقل بالمعنى : يعني وقع منهم هذا ، ولا يكاد يشك في أن عمر وعثمان رضي الله عنهما وقع لهما ذلك .
ومن تتبع السير رأى من ذلك شيئا كثيرا .
ففي البخاري : " لاعن عمر عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم .
" .
وأسند الإمام أبو بكر الرازي إلى الحسن أنه رأى عثمان قضى في المسجد وذكر القصة في ذلك ، فما قيل إنه غريب مبني على أن المراد رواية هذا اللفظ ، وليس كذلك .
وفي الطبقات لابن سعد بسنده إلى ربيعة بن أبي عبد الرحمن " أنه رأى أبا بكر

(16/350)


بن محمد بن عمرو بن حزم يقضي في المسجد عند القبر .
" ، وكان على القضاء بالمدينة في ولاية عمر بن عبد العزيز وأسند إلى سعيد بن مسلم بن بانك .
قال : رأيت سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف يقضي في المسجد وكان قد ولي قضاء المدينة .
وإلى محمد بن عمر قال : لما ولى أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم إمرة المدينة لعمر بن عبد العزيز ولى أبا طوالة القضاء بها فكان يقضي في المسجد ، قال : أبو طوالة ثقة يروي عن أنس بن مالك .
وإلى إسماعيل بن أبي خالد قال : رأيت شريحا يقضي في المسجد ، وإلى الأسود بن شيبان قال : رأيت الشعبي وهو يومئذ قاضي الكوفة يقضي في المسجد ، وكل قضاء صدر من هؤلاء كان بين السلف مشهورا وفيهم الصحابة والتابعون ولم يرو إنكاره عن أحد .
وأما الحديث الذي ذكره المصنف { إنما بنيت المساجد لذكر الله والحكم } فلم يعرف ، وإنما أخرج مسلم حديث { الأعرابي الذي قام يبول في المسجد فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مه مه ، فقال صلى الله عليه وسلم : لا تزرموه دعوه فتركوه حتى بال ، ثم دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر ، وإنما هي لذكر الله تعالى والصلاة وقراءة القرآن ، قال : وأمر رجلا من القوم فدعا بدلو من ماء فشنه عليه } وأما نجاسة المشرك ففي الاعتقاد على معنى التشبيه ( والحائض تخبر بحالها ليخرج إليها القاضي ) أو يرسل نائبه ( كما لو كانت الدعوى في دابة ، ولو جلس في داره

(16/351)


فحسن ب ) شرط ( أن يأذن للناس ) على العموم ولا يمنع أحدا من الناس لأن لكل أحد حقا في مجلسه ، وعلى قياس ما ذكرنا في المسجد أن الأولى أن يكون في وسط البلد .
وفي المبسوط : ولا يقضي وهو يمشي أو يسير على دابته لأنه إذ ذاك غير معتدل الحال ، ولما فيه من الاستخفاف بالقضاء ، ولأنه مشغول بما هو فيه ، ولا بأس بأن يتكئ لأنه نوع جلسة كالتربع وغيره ، وطباع الناس في الجلوس مختلفة ، وينبغي أن لا يقضي وهو غضبان أو فرحان أو جائع أو عطشان أو مهموم أو ناعس أو في حال برد شديد أو حر أو وهو يدافع الأخبثين أو به حاجة إلى الجماع .
والحاصل أنه لا يقضي حال شغل قلبه ، وأصله حديث { لا يقضي القاضي وهو غضبان } معلول به ولا ينبغي أن يتطوع بالصوم في اليوم الذي يريد الجلوس ولا يسمع من رجل حجتين فأكثر إلا أن يكون الناس قليلا ، ولا يقدم رجلا جاء الآخر قبله ، ولا يضرب في المسجد حدا ولا تعزيرا ( و ) ينبغي أن ( يجلس معه من كان يجالسه قبل ذلك لأن في جلوسه وحده تهمة ) الرشوة أو الظلم .
وروي أن عثمان رضي الله عنه ما كان يحكم حتى يحضر أربع من الصحابة ، ويستحب أن يحضر مجلسه جماعة من الفقهاء ويشاورهم ، وكان أبو بكر يحضر عمر وعثمان وعليا حتى قال أحمد : يحضر مجلسه الفقهاء من كل مذهب ويشاورهم فيما يشكل عليه .
وفي المبسوط : فإن دخله حصر في قعودهم عنده أو شغله عن شيء من أمور المسلمين جلس وحده ، فإن طباع الناس تختلف ، فمنهم من يمنعهم حشمة

(16/352)


الفقهاء من فصل القضاء ، ومنهم من يزداد قوة على ذلك ، فإذا كان ممن يدخله حصر جلس وحده .
وفي المبسوط ما حاصله أنه ينبغي للقاضي أن يعتذر للمقضي عليه ويبين له وجه قضائه ويبين له أنه فهم حجته ، ولكن الحكم في الشرع كذا يقتضي القضاء عليه فلم يمكن غيره ليكون ذلك أدفع لشكايته للناس ، ونسبته إلى أنه جار عليه .
ومن يسمع يخل ، فربما تفسد العامة غرضه وهو بريء ، وإذا أمكن إقامة الحق مع عدم إيغار الصدور كان أولى .

(16/353)


قال ( ولا يقبل هدية إلا من ذي رحم محرم أو ممن جرت عادته قبل القضاء بمهاداته ) لأن الأول صلة الرحم والثاني ليس للقضاء بل جرى على العادة ، وفيما وراء ذلك يصير آكلا بقضائه ، حتى لو كانت للقريب خصومة لا يقبل هديته ، وكذا إذا زاد المهدي على المعتاد أو كانت له خصومة لأنه لأجل القضاء فيتحاماه .

الشرح

(16/354)


( قوله ولا يقبل الهدية ) الحاصل أن المهدي إما له خصومة أو لا ، فإن كانت لا يقبل منه وإن كان له عادة بمهاداته أو ذا رحم محرم ، وإن لم يكن خصومة فإن لم يكن له عادة بذلك قبل القضاء بسبب قرابة أو صداقة لا ينبغي أن يقبل ، وإن كان له عادة بذلك جاز بشرط أن لا يزيد على المقدار المعتاد قبل القضاء فإن زاد لا يقبل الزيادة .
وذكر فخر الإسلام إلا أن يكون مال المهدي قد زاد فبقدر ما زاد ماله إذا زاد في الهدية لا بأس بقبولها ، وهذا يقتضي أن لا يقبل الهدية من القريب إلا إذا كان له عادة بالمهاداة كغيره ، فإن لم يكن للقريب قبل القضاء عادة فأهدى بعد القضاء لا يقبل .
وعبارة الهداية مع القدوري حيث قال : ولا يقبل الهدية إلا من ذي رحم محرم أو ممن له عادة قبل القضاء تفيد قبولها من القريب الذي ليس له عادة بالمهاداة قبل إذا لم تكن خصومة .
والوجه هو ظاهر النهاية .
ثم صرح في مسألة الدعوى عن شيخ الإسلام بأنه لا فرق بين القريب والبعيد في أنه لا يقبل هديته إلا إذا كان له عادة ، نعم يمكن أن يقال في القريب الذي ليس له عادة بمهاداة قبل القضاء إن كان ذلك لفقر ثم أيسر بعد ذلك بعد ولاية قريبه فصار يهدى إليه جاز لأن الظاهر أن المانع ما كان إلا الفقر ، وهذا على شبه قول فخر الإسلام في الزيادة : إذا كثر ماله .
ثم إذا أخذ الهدية في موضع لا يباح أخذها قيل يضعها في بيت المال لأنها بسبب عمله لهم وعامتهم على أنه يردها على أربابها إن عرفهم ، وإليه

(16/355)


أشار في السير الكبير ، وإن لم يعرفهم أو كانوا بعيدا حتى تعذر الرد ففي بيت المال ويكون حكمها حكم اللقطة ، فإن جاء المالك يوما يعطاها ، وكل من عمل للمسلمين عملا حكمه في الهدية حكم القاضي .
وفي شرح الأقطع : الفرق بين الرشوة والهدية أن الرشوة يعطيه بشرط أن يعينه ، والهدية لا شرط معها انتهى .
والأصل في ذلك ما في البخاري عن أبي حميد الساعدي قال { استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة ، فلما قدم قال : هذا لكم وهذا لي ، قال عليه الصلاة والسلام : هلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه فينظر أيهدى له أم لا } قال عمر بن عبد العزيز : كانت الهدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هدية واليوم رشوة ، ذكره البخاري .
واستعمل عمر رضي الله عنه أبا هريرة فقدم بمال فقال له : من أين لك هذا ؟ قال : تلاحقت الهدايا ، فقال له عمر رضي الله عنه : أي عدو الله هلا قعدت في بيتك فتنظر أيهدى لك أم لا ، فأخذ ذلك منه وجعله في بيت المال وتعليل النبي صلى الله عليه وسلم دليل على تحريم الهدية التي سببها الولاية ، ولهذا لو زاد المهدي على المعتاد أو كانت له خصومة كره عندنا ، وعند الشافعي هو محرم كالرشوة .
هذا ويجب أن يكون هدية المستقرض للمقرض كالهدية للقاضي إن كان المستقرض له عادة قبل استقراضه فأهدى إلى المقرض فللمقرض أن يقبل منه قدر ما كان يهديه بلا زيادة .

(16/356)


ولا يحضر دعوة إلا أن تكون عامة لأن الخاصة لأجل القضاء فيتهم بالإجابة ، بخلاف العامة ، ويدخل في هذا الجواب قريبه وهو قولهما .
وعن محمد رحمه الله أنه يجيبه وإن كانت خاصة كالهدية ، والخاصة ما لو علم المضيف أن القاضي لا يحضرها لا يتخذها .

الشرح

(16/357)


( قوله ولا يحضر دعوة إلا إذا كانت عامة ) يعني ولا خصومة لصاحب الوليمة العامة ( ويدخل في هذا الجواب قريبه ) فلا يجيب دعوته إلا إذا كانت عامة ولا خصومة له ( وعن محمد يجيب قريبه وإن كانت خاصة ) هكذا حكى الخلاف الطحاوي .
وقال الخصاف : يجيب الخاصة لقريبه بلا خلاف لصلة الرحم ، وعلى تقدير الخلاف طولب بالفرق في القريب بين الهدية ، قال : يقبل منه مطلقا ، ولم يفصل بين جري العادة وغيره ، وفي الدعوى فصل بين العامة والخاصة كما ذكر في المتن .
قال شيخ الإسلام : قالوا ما ذكر في الضيافة محمول على ما إذا كان المحرم لم يجر بينهما الدعوة والمهاداة وصلة القرابة وأحدث بعد القضاء ذلك فإذا كانت الحالة هذه فهو والأجنبي سواء .
وما في الهدية محمول على أنه كان جرى بينهما المهاداة وصلة القرابة قبل القضاء ، فإذا أهدى بعد القضاء لا بأس بقبوله انتهى .
فقد آل الحال إلى أنه لا فرق بين القريب والغريب في الهدية والضيافة سوى ذلك لإمكان الذي قدمناه .
واختلف في الخاصة والعامة فقيل ما دون العشرة خاصة والعشرة وما فوقها عامة .
وقال المصنف ( الخاصة ) هي ( التي لو علم المضيف أن القاضي لا يحضرها لا يتخذها ) والعامة هي التي يتخذها حضرها القاضي أو لا .
وعندي أن ما حكي عن القاضي أبي علي النسفي وهو أن العامة دعوة العرس والختان وما سواهما خاصة حسن فإن الغالب هو كون الدعوة العامة هاتين ، وربما مضى عمر ولم يعرف من اصطنع طعاما عاما ابتداء لعامة الناس بل ليس

(16/358)


إلا لهاتين الخصلتين أو لمخصوص من الناس ولأنه أضبط ، فإن معرفة كون الرجل لو لم يحضر القاضي لم يصنع أو يصنع غير محقق فإنه أمر مبطن وإن كان عليه لوائح ليس كضبط هذا ، ويكفي عادة الناس في ذلك وعادة الناس هي ما ذكر النسفي ، والله أعلم .
وعند الشافعي وأحمد : يحضر الولائم مطلقا لأنه صلى الله عليه وسلم كان يحضر وهو الذي كان يقضي .
قلنا كان صلى الله عليه وسلم معلوم العصمة عند الكل لا يضره حضور ولا قبول هدية فلقد أبعدت .

(16/359)


قال ( ويشهد الجنازة ويعود المريض ) لأن ذلك من حقوق المسلمين ، قال عليه الصلاة والسلام { للمسلم على المسلم ستة حقوق } وعد منها هذين .

الشرح
( قوله ويشهد الجنازة ويعود المريض ) المراد مريض لا خصومة له وإلا لا يعوده ، وإنما وجب ذلك لما روى مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { حق المسلم على المسلم خمس : رد السلام ، وتشميت العاطس ، وإجابة الدعوة ، وعيادة المريض ، واتباع الجنائز ، وإذا استنصحك فانصح له } فهذه هي السادسة .
ورواه ابن حبان وقال فيه { : وإذا عطس فحمد الله يشمته } .
وروى البخاري في كتابه المفرد في الأدب من حديث { عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي قال : كنا غزاة في البحر زمن معاوية ، فانضم مركبنا إلى مركب أبي أيوب الأنصاري ، فلما حضر غداؤنا أرسلنا إليه فأتانا وقال : دعوتموني وأنا صائم فلم يكن لي بد من أن أجيبكم لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن للمسلم على أخيه ست خصال واجبة ، إن ترك شيئا منها فقد ترك حقا واجبا عليه لأخيه : يسلم عليه إذا لقيه ، ويجيبه إذا دعاه ، ويشمته إذا عطس ، ويعوده إذا مرض ، ويحضره إذا مات ، وينصحه إذا استنصحه } ولا بد من حمل الوجوب فيه على الأعم من الوجوب في اصطلاح الفقه الحادث ، فإن ظاهره وجوب الابتداء بالسلام ، وكون الوجوب وجوب عين في الجنازة فالمراد به أمر ثابت عليه أعم من كونه ندبا أو وجوبا بالاصطلاح .

(16/360)


( ولا يضيف أحد الخصمين دون خصمه ) لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك ، ولأن فيه تهمة .
قال ( وإذا حضرا سوى بينهما في الجلوس والإقبال ) لقوله عليه الصلاة والسلام { إذا ابتلي أحدكم بالقضاء فليسو بينهم في المجلس والإشارة والنظر } ( ولا يسار أحدهما ولا يشير إليه ولا يلقنه حجة ) للتهمة ولأن فيه مكسرة لقلب الآخر فيترك حقه ( ولا يضحك في وجه أحدهما ) لأنه يجترئ على خصمه ( ولا يمازحهم ولا واحدا منهم ) لأنه يذهب بمهابة القضاء .

الشرح

(16/361)


( قوله ولا يضيف أحد الخصمين دون خصمه ) الآخر ، لما روى إسحاق بن راهويه في مسنده عن الحسن قال { جاء رجل فنزل على علي رضي الله عنه فأضافه ، فلما قال إني أريد أن أخاصم ، قال له علي رضي الله عنه : تحول فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهانا أن نضيف الخصم إلا ومعه خصمه } .
وكذا رواه عبد الرزاق ثم الدارقطني .
( ولأن فيه تهمة ) الميل .
( قوله وإذا حضرا سوى بينهما في الجلوس والإقبال ) لما روى إسحاق بن راهويه في مسنده : أخبرنا بقية بن الوليد عن إسماعيل بن عياش ، حدثني أبو بكر التميمي عن عطاء بن يسار عن أم سلمة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليسو بينهم في المجلس والإشارة والنظر ، ولا يرفع صوته على أحد الخصمين أكثر من الآخر } وأخرجه الدارقطني في سننه عن عباد بن كثير عن عبيد الله عن عطاء بن يسار عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم { من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في لحظه وإشارته ومقعده } وروي عن عمر رضي الله عنه أنه كتب إلى أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري أن : آس بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك .
( ولا يسار أحدهما ولا يشير إليه ولا يلقنه حجته للتهمة ولأن فيه مكسرة لقلب الآخر فيترك حقه ولا يضحك في وجه أحدهما لأنه يجترئ بذلك على خصمه ، ولا يمازحهم ولا واحدا منهم لأنه يذهب بمهابة القضاء )

(16/362)


والمستحب باتفاق أهل العلم أن يجلسهما بين يديه ، ولا يجلس واحدا عن يمينه والآخر عن يساره لأن لليمين فضلا ، ولذا كان صلى الله عليه وسلم يخص به أبا بكر دون عمر .
وفي أبي داود { أن عبد الله بن الزبير خاصمه عمرو بن الزبير إلى سعيد بن العاص وهو على السرير قد أجلس عمرو بن الزبير على السرير ، فلما جاء عبد الله بن الزبير وسع له سعيد من شقه الآخر فقال هنا ، فقال عبد الله : الأرض الأرض قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو قال : سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجلس الخصمان بين يدي القاضي .
} .
وفي النوازل والفتاوى الكبرى : خاصم السلطان مع رجل فجلس السلطان مع القاضي في مجلسه ينبغي للقاضي أن يقوم من مقامه ويجلس خصم السلطان فيه ويقعد هو على الأرض ثم يقضي بينهما .
وبهذه المسألة يظهر أن القاضي يصلح قاضيا على السلطان الذي ولاه ، والدليل عليه قصة شريح مع علي فإنه قام فأجلس عليا رضي الله عنه مجلسه ، وينبغي للخصمين أن يجثوا بين يديه ولا يتربعان ولا يقعيان ، ولو فعلا ذلك منعهما القاضي تعظيما للحكم كما يجلس المتعلم بين يدي المعلم تعظيما له فيكون بعدهما عنه قدر ذراعين أو نحو ذلك من غير أن يرفعا أصواتهما ، ويسند القاضي ظهره إلى المحراب ، وهذا رسم زماننا .
قالوا : وهو أحسن لأنه موافق لفعله صلى الله عليه وسلم .
أما في زمن الخصاف وغيره فكان القاضي يجلس مستقبل القبلة وهو مستحب عند الأئمة الثلاثة ؛ ويقف

(16/363)


أعوان القاضي بين يديه ليكون أهيب .
وإذا حضرا فالقاضي بالخيار إن شاء ابتدأ فقال ما لكما وإن شاء تركهما حتى يبتدئاهما بالنطق ، وبعض القضاة يختار السكوت ولا يكلمهما بشيء غير ما بينهما ، فإذا تكلم المدعي أسكت الآخر حتى يفهم حجته لأن في تكلمهما معا شغبا وقلة حشمة لمجلس القضاء ، ثم يستنطق الآخر وإن لم يسأل المدعي ذلك .
وقيل لا إلا بعد سؤال المدعي بأن يقول اسأله لكي يتفكر في الدعوى لتظهر له صحتها ، وإلا قال قم فصحح دعواك ، وإذا صحت الدعوى يقول فماذا تريد أن أصنع ، فإن قال أريد جوابه سأله .
والأصح عندنا أنه يستنطقه ابتداء للعلم بالمقصود ، وإذا كانت الخصومة بين النساء والرجال فلا بد من تقدمهن معهم ، واختار محمد أن يقدم الدعوى الأول فالأول ، ويضع على ذلك أمينا لا يرتشي يعرفه السابق ، وليبكر على باب القاضي ولا يكون عنده طمع ، ولو أشكل السابق يقرع بينهم ولا يستعجل على الخصوم بل يتمهل معهم فإن بالعجالة تنقطع الحجة ويذهل عنها ، ولهذا لا يخوفهم فيكون مهيبا لا تخافه الناس .
وأنكر الأئمة ما رأوا من أخذ بواب القاضي شيئا ليمكنه من الدخول وهو يعلم .
قالوا : هذا فساد عظيم ليس لأحد أن يمنع أحدا من التقدم إلى باب القاضي في حاجة ، والمأخوذ على ذلك رشوة محرمة ، وعلى هذا يقاس حال الذي يسمى في زماننا نقيب القاضي .
قيل : وينبغي أن يقوم بين يديه إذا جلس للحكم رجل يمنع الناس من التقدم إليه معه سوط يقال له الجلواز ،

(16/364)


وصاحب المجلس يقيم الخصوم بين يديه على البعد والشهود بقرب من القاضي ، واعلم أن القيام بين يدي القاضي للخصومة لم يكن معروفا ، بل أن يجلسهما على ما ذكرنا فهذه أيضا من المحدثات لما فيه من الحاجة إليه .
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان إذا سافر استصحب رجلا سيئ الأدب ، فقيل له في ذلك فقال : أما علمت أن الشر بالشر يدفع .
والمقصود أن الناس مختلفو الأحوال والأدب .
وقد حدث في هذا الزمان أمور وسفهاء فيعمل بمقتضى الحال مرادا به الخير لا حشمة النفس المؤدي إلى الإعجاب ولا حول ولا قوة إلا بالله .
ويستحب أن يكون فيه عبسة بلا غضب ، وأن يلزم التواضع من غير وهن ولا ضعف ، ولا يترك شيئا من الحق ، ويتخذ كاتبا أمينا صالحا يكتب المحاضر والسجلات عارفا بها كي لا يقع السجل فاسدا بالإخلال ببعض الشروط كما هو مذكور في كتاب السجلات والمحاضر ، ويقعده حيث يرى ما يكتب ويكتب خصومة كل منهما وشهادة شهودهما في صحيفة وهي المحضر في عرف الفقهاء ، بخلاف عرف العادة اليوم بمصر .

(16/365)


قال ( ويكره تلقين الشاهد ) ومعناه أن يقول له أتشهد بكذا وكذا ، وهذا لأنه إعانة لأحد الخصمين فيكره كتلقين الخصم .
واستحسنه أبو يوسف رحمه الله في غير موضع التهمة لأن الشاهد قد يحصر لمهابة المجلس فكان تلقينه إحياء للحق بمنزلة الإشخاص والتكفيل .

الشرح

(16/366)


( قوله ويكره تلقين الشاهد ) وهو أن يقول له القاضي كلاما يستفيد به الشاهد علما وعليه الأئمة الثلاثة .
وعن أبي يوسف وهو وجه للشافعي لا بأس به لمن استولته الحيرة أو الهيبة فترك شيئا من شرائط الشهادة فيعينه بقوله أتشهد بكذا وكذا بشرط كونه ( في غير موضع التهمة ) أما فيها بأن ادعى المدعي ألفا وخمسمائة والمدعى عليه ينكر الخمسمائة وشهد الشاهد بألف فيقول القاضي يحتمل أنه أبرأه من الخمسمائة واستفاد الشاهد بذلك علما فوفق به في شهادته كما وفق القاضي فهذا لا يجوز بالاتفاق كما في تلقين أحد الخصمين .
وفي المبسوط : ما قالاه عزيمة لأن القاضي منهي عن اكتساب ما يجر إليه تهمة الميل وتلقين الشاهد لا يخلو منه .
وقول أبي يوسف رخصة ، فإنه لما ابتلي بالقضاء شاهد الحصر عند أداء الشهادة لأن مجلس القضاء مهاب فيضيع الحق إذا لم يعنه على أداء الشهادة ، ويحصر مضارع حصر من باب علم إذا امتنع عليه وضاق صدره به ، وتقدمت هذه اللفظة في كتاب الصلاة ، وأيضا أمرا بإكرام الشهود فإن الله يحيي بهم الحقوق ، وهذا التلقين إعانة وإكرام حيث لا ينسب إليه القصور .
وقوله بمنزلة الأشخاص هو إرسال شخص ليأتي بخصمه ، يقال شخص من بلد إلى بلد إذا ذهب من حد منع .
قيل وتأخير قول أبي يوسف وتسميته بالاستحسان دليل على أنه مختار المصنف ، وهذا بناء على أن قوله استحسنه معناه له دليل الاستحسان الاصطلاحي ، وقد لا يلزم ويكفي كونه آخر دليل في ذلك .
وفي فتاوى

(16/367)


قاضي خان : لا ينبغي للقاضي أن يبيع ويشتري بنفسه بل يفوض ذلك إلى غيره ، وبه قالت الأئمة الثلاثة .
وعن أحمد يتخذ وكيلا لا يعرف أنه وكيل القاضي تحرزا عن المحاباة ، وشرط شريح على عمر حين ولاه أن لا أبيع ولا أشتري ولا أرتشي ، وقال بعض أشياخ المالكية ، ينبغي للقاضي أن يرتفع عن طلب العواري من الماعون والدابة وما أشبه ذلك ، وعن محمد : لا بأس أن يبيع ويشتري في غير مجلس القضاء ، وينبغي للخصوم إذا وصلوا أن لا يسلموا على القاضي ، فإذا سلموا لا يجب على القاضي رد سلامهم ، فإن رد يقتصر على قوله وعليكم ويخرج في أحسن ثيابه ، والله الموفق .

(16/368)


( فصل في الحبس ) قال ( وإذا ثبت الحق عند القاضي وطلب صاحب الحق حبس غريمه لم يعجل بحبسه وأمره بدفع ما عليه ) لأن الحبس جزاء المماطلة فلا بد من ظهورها ، وهذا إذا ثبت الحق بإقراره لأنه لم يعرف كونه مماطلا في أول الوهلة فلعله طمع في الإمهال فلم يستصحب المال ، فإذا امتنع بعد ذلك حبسه لظهور مطله ، أما إذا ثبت بالبينة حبسه كما ثبت لظهور المطل بإنكاره .
قال ( فإن امتنع حبسه في كل دين لزمه بدلا عن مال حصل في يده كثمن المبيع أو التزمه بعقد كالمهر والكفالة ) لأنه إذا حصل المال في يده ثبت غناه به ، وإقدامه على التزامه باختياره دليل يساره إذ هو لا يلتزم إلا ما يقدر على أدائه ، والمراد بالمهر معجله دون مؤجله .
قال ( ولا يحبسه فيما سوى ذلك إذا قال إني فقير إلا أن يثبت غريمه أن له مالا فيحبسه ) لأنه لم توجد دلالة اليسار فيكون القول قول من عليه الدين ، وعلى المدعي إثبات غناه ، ويروى أن القول لمن عليه الدين في جميع ذلك لأن الأصل هو العسرة .
ويروى أن القول له إلا فيما بدله مال .
وفي النفقة القول قول الزوج إنه معسر ، وفي إعتاق العبد المشترك القول للمعتق ، والمسألتان تؤديان القولين الأخيرين ، والتخريج على ما قال في الكتاب أنه ليس بدين مطلق بل هو صلة حتى تسقط النفقة بالموت على الاتفاق ، وكذا عند أبي حنيفة رحمه الله ضمان الإعتاق ، ثم فيما كان القول قول المدعي إن له مالا ، أو ثبت ذلك بالبينة فيما كان القول قول من

(16/369)


عليه يحبسه شهرين أو ثلاثة ثم يسأل عنه فالحبس لظهور ظلمه في الحال ، وإنما يحبسه مدة ليظهر ماله لو كان يخفيه فلا بد من أن تمتد المدة ليفيد هذه الفائدة فقدره بما ذكره ، ويروى غير ذلك من التقدير بشهر أو أربعة إلى ستة أشهر .
والصحيح أن التقدير مفوض إلى رأي القاضي لاختلاف أحوال الأشخاص فيه .
قال ( فإن لم يظهر له مال خلي سبيله ) يعني بعد مضي المدة لأنه استحق النظرة إلى الميسرة فيكون حبسه بعد ذلك ظلما ؛ .
ولو قامت البينة على إفلاسه قبل المدة تقبل في رواية ، ولا تقبل في رواية ، وعلى الثانية عامة المشايخ رحمهم الله .
قال في الكتاب خلي سبيله ولا يحول بينه وبين غرمائه ، وهذا كلام في الملازمة وسنذكره في كتاب الحجر إن شاء الله تعالى .

الشرح

(16/370)


( فصل في الحبس ) أحكام القضاء كثيرة فذكر منها ما ذكر ، ومنها الحبس ، إلا أنه اختص بأحكام كثيرة فأفرده بفصل على حدته .
والحبس مشروع بالكتاب لأنه المراد بالنفي المذكور بقوله تعالى { أو ينفوا من الأرض } وبالسنة على ما سلف { أنه صلى الله عليه وسلم حبس رجلا في تهمة } .
وذكر الخصاف { أن ناسا من أهل الحجاز اقتتلوا فقتلوا بينهم قتيلا ، فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حبسهم } ولم يكن في عهده صلى الله عليه وسلم وأبي بكر سجن ، إنما كان يحبس في المسجد أو الدهليز حتى اشترى عمر رضي الله عنه دارا بمكة بأربعة آلاف درهم واتخذه محبسا .
وقيل بل لم يكن في زمن عمر ولا عثمان أيضا إلى زمن علي رضي الله عنه فبناه ، وهو أول سجن بني في الإسلام .
قال في الفائق : إن عليا بنى سجنا من قصب فسماه نافعا ، فنقبه اللصوص وتسيب الناس منه ، ثم بنى سجنا من مدر فسماه مخيسا ، وفي ذلك يقول علي رضي الله عنه : ألا تراني كيسا مكيسا بنيت بعد نافع مخيسا بابا حصينا وأمينا كيسا والمخيس موضع التخييس وهو التذليل ، والكيس حسن التأني في الأمور ، والكيس المنسوب إلى الكيس .
وأراد بالأمين السجان الذي نصبه فيه ، والمحبوس في الدين لا يخرج لصوم رمضان ولا لعيد ولا لجمعة ولا لصلاة جماعة ولا لحج فريضة ولا لحضور جنازة بعض أهله ولو أعطى كفيلا بنفسه لأنه شرع ليضجر قلبه فيسارع للقضاء ، ولهذا قالوا : ينبغي أن يكون موضعا خشنا ولا يبسط له فراش ولا وطاء

(16/371)


ولا يدخل له أحد يستأنس به .
وقيل يخرج بكفيل لجنازة الوالدين والأجداد والجدات والأولاد ، وفي غيرهم لا وعليه الفتوى .
وفيه نظر لأنه إبطال حق آدمي بلا موجب وموت الأب ونحوه غير مبطل بنفسه .
نعم إذا لم يكن له من يقوم بحقوق دفنه فعل ذلك .
وسئل محمد عما إذا مات والده أيخرج فقال لا .
ولو مرض في السجن فأضناه ، وإن كان له خادم لا يخرج حتى يموت ، إن لم يكن له خادم يخرج لأنه قد يموت بسبب عدم الممرض ، ولا يجوز أن يكون الدين مقضيا للتسبب في هلاكه ؛ ولو احتاج إلى الجماع تدخل زوجته أو جاريته فيطؤها حيث لا يطلع عليه ، وقيل يمنع منه لأن الجماع ليس من الحوائج الأصلية ، ولا يمنع من دخول أهله وجيرانه للسلام عليه لأنه قد يفضي إلى المقصود من الإيفاء بمشورتهم ورأيهم ويمنعون من طول المكث .
والمال غير مقدر في الحبس ، فيحبس في الدرهم وما دونه لأن ظلمه يتحقق بمنع ذلك .
( قوله وإذا ثبت الحق عند القاضي وطلب صاحبه حبس غريمه لم يعجل بحبسه حتى يأمره بدفع ما عليه ، لأن الحبس جزاء المماطلة ) بقوله صلى الله عليه وسلم { لي الواجد يحل عرضه وعقوبته } رواه أبو داود ، وفسر عبد الله بن المبارك إحلال عرضه بإغلاظ القول له وعقوبته بالحبس ( فلا بد من ظهور المماطلة ) ولم تظهر بمجرد ثبوت الحق بالإقرار ( إذ لعله طمع في الإمهال فلم يستصحب المال ) وإنما يظهر إذا أمره بعد إقراره فامتنع ( أما إذا ظهر بالبينة فيحبسه كما ظهر لظهور

(16/372)


المماطلة بإنكاره ) .
وفي الفوائد الظهيرية .
: وعن شمس الأئمة السرخسي عكس هذا ، وهو أنه إذا ثبت بالبينة لا يحبسه لأول وهلة لأنه يعتذر بأني ما كنت أعلم أن علي دينا له بخلافه بالإقرار لأنه كان عالما بالدين ولم يقضه حتى أحوجه إلى شكواه ؛ وعلى قول الخصاف لا يحبسه حتى يأمره في الإقرار والبينة .
( قوله فإن امتنع ) أي بعد أمره بقضائه ( حبسه في كل دين لزمه بدلا عن مال حصل في يده ك ) القرض وثمن المبيع أو التزمه بعقد كالمهر والكفالة لأنه إذا ثبت المال في يده ثبت غناه ( به ) والمراد بالغنى القدرة على الإيفاء ، وإلا فالدين قد يكون دون النصاب ويحبس به : يعني إذا دخل المال في يده ثبتت قدرته على إيفائه ، وما لم يكن بدل مال لكنه لزمه عن عقد التزمه كالمهر والكفالة لأن إقدامه على مباشرة ما يلزم ذلك المال دليل القدرة عليه فيحبسه ، ولا يسمع قوله إني فقير لأنه كالمناقض لوجود دلالة اليسار ( ولا يحبسه فيما سوى هذين ) النوعين ( إذا قال إني فقير إلا أن يثبت غريمه أن له مالا فيحبسه ) حينئذ ( لأنه وجد دلالة اليسار ) أي قدرته على الدين المدعى به ، هكذا ذكر في الكتاب ( ويروى أن القول لمن عليه في جميع ذلك ) أي فيما كان بدل مال أو لزمه بعقد أو حكما لفعله لا لعقد كالإتلاف وضمان الغصب وهو قول الخصاف ( لأن الأصل هو العسرة ) في حق كل أحد لأنه خلق عديم المال ، ولهذا قال : إذا ثبت الحق فلا يحبسه حتى يسأله ألك مال أو لا ، فإن قال لا

(16/373)


استحلفه فإن نكل حبسه ، وإن حلف أطلقه إلا أن يقيم المدعي البينة على قدرته .
وعندنا يحبسه ولا يسأله ، فإن قال أنا فقير حينئذ ينظر ( ويروى أن القول له ) أي للمديون ( إلا فيما بدله مال ) كالقرض وثمن المبيع بخلاف المهر والكفالة فإن القول فيهما قول المدعي .
ونسب الخصاف هذا القول لأبي حنيفة وأبي يوسف ، ومن العلماء من قال : يحكم الزي إن كان بزي الفقراء فالقول قوله في الفقر إلا أن يثبت المدعي قدرته ، وإن كان بزي الأغنياء فالقول للمدعي إلا في الفقهاء والعلوية والعباسية لا يحكم الزي لأنهم يتكلفون في لباسهم مع فقرهم وحاجتهم ، وعلى هذا القول لو كان على المطلوب زي الفقراء فادعى المدعي أنه غير زيه وقد كان عليه زي الأغنياء قبل أن يحضر مجلس الحكم فإن القاضي يسأل المدعي البينة على ذلك ، فإن أقام البينة أنه كان عليه زي الأغنياء جعل القول قول المدعي ، فإن لم يقدر على البيان حكم زيه في الحال فيجعل القول قول المديون ، وكلما تعارضت بينة اليسار والإعسار قدمت بينة اليسار لأن معها زيادة علم ، اللهم إلا أن يدعي المدعي أنه موسر وهو يقول أعسرت بعد ذلك وأقام بينة بذلك فإنها تقدم لأن معها علما بأمر حادث وهو حدوث ذهاب المال .
ثم ذكر المصنف مسألتين محفوظتين نصا عن أصحابنا بلا خلاف : إحداهما أن المرأة إذا ادعت أنه موسر لتأخذ نفقة اليسار وقال إنه معسر ليعطي نفقة الإعسار أن القول للزوج ، والثانية

(16/374)


أحد الشريكين إذا أعتق نصيبه وزعم أنه معسر فلا يضمن للساكت شيئا ولكن يستسعى العبد وقال شريكه بل موسر ليضمنه كان القول قول المعتق .
قال المصنف والمسألتان تؤيدان القولين الأخيرين ) يعني قول القائل القول لمن عليه في جميع ذلك ، وقول القائل القول لمن عليه إلا فيما بدله مال .
أما تأييدهما الأول فلأنه جعل القول قول الزوج والمعتق ، فلو كان الصحيح المذكور أو لا ، كان القول للمرأة والشريك الساكت في دعوى اليسار ، وأما تأييدهما الثاني فلأنه لما لم يكن بدل المهر وبدل العتق مالا جعل القول قول من عليه ، فعلم بهذا أن الصحيح هو القولان الأخيران ، كذا في النهاية .
ومنهم من استروح في الأول فقال : أما تأييدهما لقول من قال القول له في جميع ذلك فظاهر ، وذكر في الثاني ما ذكر في النهاية .
ولا يخفى أنهما يبطلان القول المفصل في الكتاب بين كون الدين ملتزما بمال أو بعقد ، فلا يكون القول للمطلوب وكونه بخلافهما فالقول للمطلوب ، فإن البدل فيهما ملتزم بعقد أو شبهه ، وهو الفعل الحسن الموضوع سببا : أعني العتق ، ويؤيدان القول الأخير وهو أن القول للمديون إلا فيما بدله مال فإن البدل في المسألة ليس مالا ، ويجعل القول للمديون تأيد القول بأن ما بدله ليس بمال يكون القول فيه للمطلوب وإن التزمه بعقد ، ثم هذه الثانية باعتبار صدقها مع جزء كل من القولين بمطابقة كل منهما يوهم أنه يفيد الشمول وإلا فلم يلزم من كونه القول للمطلوب فيما

(16/375)


إذا التزم بعقد والبدل ليس بمال كون القول له في جميع الديون .
فما في النهاية والدراية وغيرهما من قوله بعد توجيه التأييد فكان الصحيح هما القولان تساهل ظاهر .
وكيف يمكن أن يجمع بينهما في الصحة وهما متباينان ، فإن كون القول للمطلوب في الكل إذا كان هو الصحيح لا يكون المفصل بين كون بدل الدين مالا فالقول للمدعي ، أو غير مال فالقول للمطلوب صحيحا .
فالذي لا شبهة فيه إنما يبطلان القول المذكور في الكتاب ليس غير .
وأجاب المصنف عن الإبطال المذكور بأن دين النفقة وضمان العتق ليس بدين مطلق بل هو صلة واجبة ولذا سقطت النفقة بالموت بالاتفاق ، وكذا ضمان الإعتاق عند أبي حنيفة .
وهذا معنى قوله ( والتخريج على ما قال في الكتاب إلخ ) فلم يرد نقضا فيرجع قول الكتاب المفصل على قوته وثبوته ( ثم فيما ) إذا ( كان القول قول المدعي إن له مالا أو ثبت ذلك بالبينة يحبس ) المديون ( شهرين أو ثلاثة ثم يسأل عنه فالحبس لظهور المماطلة ثم إنما يحبس مدة ليظهر ماله ) فيؤدي ما عليه ( فلا بد أن تمتد تلك المدة ليفيد هذه الفائدة فقدره بما ذكره ) وهو شهران أو ثلاثة ، وهو رواية محمد عن أبي حنيفة في كتاب الحوالة والكفالة ( ويروى غير ذلك من التقدير بشهر ) وهو اختيار الطحاوي لأن ما زاد على الشهر في حكم الآجل وما دون الشهر في حكم العاجل فصار أدنى الأجل شهرا والأقصى لا غاية له فيقدر بشهر .
وروي ( أو أربعة أشهر إلى ستة أشهر ) وهو رواية الحسن عن أبي

(16/376)


حنيفة : أي ما بين أربعة أشهر إلى ستة أشهر رواية الحسن عن أبي حنيفة .
( قوله والصحيح إلخ ) ذكر هشام عن محمد نحوه وكذا الصدر الشهيد ، فالتقدير في هذا غير معتبر بل هو مفوض إلى رأي القاضي إذ المقصود بالحبس أن يضجر قلبه فيقضيه إن كان له مال ، وهذا يختلف باختلاف الناس إن غلب على ظن القاضي بعد مدة أنه لو كان له مال فرج عن نفسه فيسأل عنه جيرانه وأهل الخبرة به ، فإن شهد شاهدان عنده أنه قادر على قضاء الدين أبد حبسه ، وإن قالوا إنه ضيق الحال أطلقه ، ولو رأى أن يسأل قبل انقضاء مدة الحبس كان له ذلك .
وأما السؤال قبل الحبس وقبول بينة الإعسار ففيه اختلاف الرواية عن محمد : في رواية تقبل قبل الحبس وبه أفتى محمد بن الفضل وإسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة ونصير بن يحيى وهو قول الشافعي وأحمد ، والأكثر على أنها لا تقبل قبل الحبس وهو قول مالك .
قيل وهو الأصح ، فإن بينة الإعسار بينة على النفي فلا تقبل حتى تتأيد بمؤيد وبعد مضي المدة تأيدت ، إذ الظاهر أنه لو كان له مال لم يتحمل ضيق السجن ومرارته .
واعلم أن سؤال القاضي بعد المدة للاحتياط وإلا فبعد مضي المدة التي يغلب على ظن القاضي أنه لو كان له مال دفعه وجب إطلاقه إن لم يقم المدعي بينة يساره من غير حاجة إلى سؤال ، وإليه يشير قوله فإن لم ينكشف له مال خلى سبيله ، ولو طلب المديون يمين المدعي أنه ما يعلم أنه معسر حلف ، فإن نكل أطلقه ، ولو قبل الحبس ، وإن

(16/377)


حلف أبد حبسه ، ولا شك أن معناه ما لم تقم بينة على حدوث عسرته .
قال أبو القاسم في كيفية شهادة الإعسار أن يقول : أشهد أنه مفلس لا نعلم له مالا سوى كسوته التي عليه وثياب ليله وقد اختبرنا أمره سرا وعلانية ، بخلاف ما إذا مضت المدة فسأل فإنه يكفي الواحد العدل في إخباره بالعسرة ، والاثنان أحوط .
ولا يشترط فيها لفظة الشهادة ذكره في باب الحبس من كفالة شيخ الإسلام

(16/378)


وفي الجامع الصغير : رجل أقر عند القاضي بدين فإنه يحبسه ثم يسأل عنه ، فإن كان موسرا أبد حبسه ، وإن كان معسرا خلى سبيله ، ومراده إذا أقر عند غير القاضي أو عنده مرة وظهرت مماطلته والحبس أولا ومدته قد بيناه فلا نعيده .

الشرح
( قوله وفي الجامع الصغير : رجل أقر بدين عند القاضي فإنه يحبسه ثم يسأل عن حاله ) إنما ذكره لما في ظاهره من المخالفة لما قدمه من قوله إذا ثبت الدين بالإقرار لا يحبسه في أول الوهلة ، فإن هذا ظاهر في وصل الحبس بإقراره فذكره ليؤوله بقوله ( ومراده إذا أقر عند غير القاضي أو عنده مرة وظهرت مماطلته فترافعا ) إلى القاضي فإنه يحبسه بمجرد جوابه أنه لم يعطه إلى الآن شيئا

(16/379)


قال ( ويحبس الرجل في نفقة زوجته ) لأنه ظالم بالامتناع ( ولا يحبس والد في دين ولده ) لأنه نوع عقوبة فلا يستحقه الولد على الوالد كالحدود والقصاص ( إلا إذا امتنع من الإنفاق عليه ) لأن فيه إحياء لولده ، ولأنه لا يتدارك لسقوطها بمضي الزمان ، والله أعلم .

الشرح

(16/380)


( قوله ويحبس الرجل في نفقة زوجته لأنه ظالم بالامتناع ) ويتحقق ذلك بأن تقدمه في اليوم الثاني من يوم فرض النفقة وإن كان مقدار النفقة قليلا كالدانق إذا رأى القاضي ذلك ، فأما بمجرد فرضها لو طلبت حبسه لم يحبسه لأن العقوبة تستحق بالظلم ، والظلم بالمنع بعد الوجوب ولم يتحقق وهذا يقتضي أنه إذا لم يفرض لها ولم ينفق الزوج عليها في يوم ينبغي إذا قدمته في اليوم الثاني أن يأمره بالإنفاق فإن رجع فلم ينفق أوجعه عقوبة ، وإن كانت النفقة سقطت بعد الوجوب فهو ظالم لها وهو قياس ما أسلفناه في باب القسم من قولهم إذا لم يقسم لها فرفعته إلى القاضي يأمره بالقسم وعدم الجور ، فإن ذهب ولم يقسم فرفعته أوجعه عقوبة ، وإن كان ما ذهب لها من الحق لا يقضي ويحصل بذلك ضرر كبير .
( قوله ولا يحبس والد في دين ولده فإنه عقوبة ) ولا يستحق الوالد عقوبة لأجل الولد لأن التأفيف لما حرم كان الحبس حراما لأنه فوقه ، وكذا لا يحد له إذا قذفه ولا يقتص منه إذا قتله ، أما إذا امتنع من الإنفاق عليه فإنه يحبس ، وكذا كل من وجبت عليه النفقة فأبى عن الإنفاق أبا كان أو أما أو جدا ، لأن في ترك الإنفاق سعيا في هلاكهم ، ويجوز أن يحبس الوالد لقصده إلى إهلاك الولد ( ولأنه لا يتدارك لسقوطها ) أي لسقوط النفقة ( بمضي الزمان ) بخلاف الدين فإنه لا يسقط .
وفي الذخيرة والعبد لا يحبس لمولاه لأن المولى لا يستوجب عليه دينا ، ولا المولى لعبده المأذون غير

(16/381)


المديون لأن كسبه لمولاه فكيف يحبس له ، فإن كان عليه دين حبس لأنه للغرماء في التحقيق ، ويحبس مولى المكاتب للمكاتب إذا لم يكن دينه من جنس بدل الكتابة لأن في الجنس له حق أخذه .
فإذا أخذ يلتقيان قصاصا وفي غير جنسه لا تقع المقاصة .
والمكاتب في أكسابه كالحر فله حق المطالبة فيحبس لمطله ، أما المكاتب فلا يحبس بدين الكتابة لمولاه لأنه بالامتناع لا يصير ظالما ، ولو كان عليه دين غير بدل الكتابة يحبس فيه لأنه لا يتمكن من فسخ ذلك الدين وهو ظاهر الرواية .
وعن بعض مشايخنا هما سواء لأنه يتمكن من إسقاطه بتعجيز نفسه فيسقط الدين عنه لأن المولى لا يستوجب على عبده دينا ، وفي ظاهر الرواية أن بدل الكتابة صلة من وجه بخلاف سائر الديون .

(16/382)


( باب كتاب القاضي إلى القاضي ) .
قال ( ويقبل كتاب القاضي إلى القاضي في الحقوق إذا شهد به عنده ) للحاجة على ما نبين ( فإن شهدوا على خصم حاضر حكم بالشهادة ) لوجود الحجة ( وكتب بحكمه ) وهو المدعو سجلا ( وإن شهدوا به بغير حضرة الخصم لم يحكم ) لأن القضاء على الغائب لا يجوز ( وكتب بالشهادة ) ليحكم المكتوب إليه بها وهذا هو الكتاب الحكمي ، وهو نقل الشهادة في الحقيقة ، ويختص بشرائط نذكرها إن شاء الله تعالى ، وجوازه لمساس الحاجة لأن المدعي قد يتعذر عليه الجمع بين شهوده وخصمه فأشبه الشهادة على الشهادة .
وقوله في الحقوق يندرج تحته الدين والنكاح والنسب والمغصوب والأمانة المجحودة والمضاربة المجحودة لأن كل ذلك بمنزلة الدين ، وهو يعرف بالوصف لا يحتاج فيه إلى الإشارة ، ويقبل في العقار أيضا لأن التعريف فيه بالتحديد .

الشرح

(16/383)


( باب كتاب القاضي إلى القاضي ) هذا أيضا من أحكام القضاء غير أنه لا يتحقق في الوجود إلا بقاضيين فهو كالمركب بالنسبة إلى الحبس ، والعمل بكتاب القاضي إلى القاضي على خلاف القياس لأنه لا يزيد على إخباره بنفسه ، والقاضي لو أخبر قاضي البلد الأخرى بأنه ثبت عنده ببينة قبلها حق فلان على فلان الكائن في بلد القاضي الآخر لم يجز العمل به لأن إخبار القاضي لا يثبت حجة في غير محل ولايته فكتابه أولى أن لا يعمل به ، لكنه جاز بإجماع الصحابة والتابعين لحاجة الناس إلى ذلك ، فإن الإنسان قد لا يقدر على أن يجمع بين شهوده والمدعى عليه بأن كان في بلدين فجوز إعانة على إيصال الحقوق لمستحقيها وما وجه القياس به لما فيه من شبهة التزوير فإن الخط والختم يشبه الخط والختم فليس بذاك لأن هذه الشبهة منتفية باشتراط شهادة الشهود على نسبه ما فيه إلى القاضي المرسل وأنه ختمه .
وقيل أصله ما روى الضحاك بن سفيان { أنه عليه الصلاة والسلام كتب : أن ورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها } رواه أبو داود والترمذي وأجمع الفقهاء عليه .
لا يقال : لا نسلم مساس الحاجة إلى كتاب القاضي لأن الشاهدين على الكتاب يجوز أن يشهدا على شهادة الأصول ويؤدون عند القاضي الثاني فلم يحتج إليه لأنا نقول : في الشهادة على الشهادة يحتاج القاضي الثاني إلى تعديل الأصول وقد يتعذر ذلك في بلده ، وبالكتاب يستغني عن ذلك لأنه يكتب بعدالة الذين شهدوا عنده .
( قوله ويقبل كتاب القاضي إلى

(16/384)


القاضي في الحقوق ) أي التي تثبت مع الشبهات ، بخلاف الحدود والقصاص ( إذا شهد به ) أي بالكتاب ( عند القاضي ) المكتوب إليه على ما نبين من أن المشهور فيه ما هو عن قريب .
ثم فصل فقال ( فإن شهدوا على خصم حاضر حكم بالشهادة ) يريد بالخصم الحاضر من كان وكيلا من جهة المدعى عليه أو مسخرا وهو من ينصبه القاضي وكيلا عن الغائب ليسمع الدعوى عليه ، وإلا لو أراد بالخصم المدعى عليه لم يبق حاجة إلى الكتاب إلى القاضي الآخر ، لأن الخصم حاضر عند هذا القاضي وقد حكم عليه ( و ) إذا حكم ( كتب بحكمه ) إلى قاضي البلد التي فيها الموكل ليقتضي منه الحق ( و ) هذا الكتاب المتضمن للحكم ( هو المدعو سجلا ) في عرفهم ( وإذا شهدوا بلا خصم حاضر لم يحكم ) لأنه حينئذ قضاء على غائب ( و ) إنما ( يكتب بالشهادة إلى القاضي الآخر ليحكم ) هو ( بها وهذا هو الكتاب الحكمي ) في عرفهم نسبوه إلى الحكم باعتبار ما يئول ( وهو في الحقيقة نقل الشهادة ) إلى ذلك القاضي ، وسنذكر شروط الحكم من القاضي الثاني به .
والفرق بين الكتابين أن السجل يلزم العمل به وإن كان المكتوب إليه لا يرى ذلك الحكم لصدور الحكم في محل مجتهد فيه ، والكتاب الحكمي لا يلزم إذا كان يخالفه لأنه لم يقع حكم في محل اجتهاد فله أن لا يقبله ولا يعمل به ( ويندرج في الحقوق الدين والنكاح والنسب والمغصوب والأمانة المجحودة والمضاربة المجحودة لأن كل ذلك بمنزلة الدين ، وهو يعرف بالوصف غير محتاج إلى الإشارة ) واستشكل بأن في

(16/385)


دعوى النكاح لا بد من الإشارة إلى الرجل وإلى المرأة ، وكذا في الأمانة والمغصوب فكانت هذه بمنزلة الأعيان المدعى بها .
وأجيب بأن المدعى به نفس النكاح والغصب ونحوه ، وذلك لا يحتاج إلى الإشارة لأنها من الأفعال ، وإن كان يلزم في ضمنه الإشارة إلى الرجل والمرأة إذ كل خصم ، والإشارة إلى الخصم شرط .
ولا يخفى ما فيه لأن الإشارة إذا لزمته بأي طريق كان ضمنا أو قصدا تتعذر على شهود القاضي الكاتب .
فالحق أن الإشارة لا تلزم من الأصول إلى الخصم الغائب ، بل يشهدون على مسمى الاسم الخاص والنسب والشهرة ، فإذا وصل الكتاب هناك يقع التعيين كما سنذكر إن شاء الله تعالى فيكتب فيها كما يكتب في الدين والعبد ( ويقبل في العقار أيضا ) إذا بين حدودها الأربع ( لأن التعريف يحصل به )

(16/386)


ولا يقبل في الأعيان المنقولة للحاجة إلى الإشارة .
وعن أبي يوسف رحمه الله أنه يقبل في العبد دون الأمة لغلبة الإباق فيه دونها .
وعنه أنه يقبل فيهما بشرائط تعرف في موضعها .
وعن محمد رحمه الله أنه يقبل في جميع ما ينقل ويحول وعليه المتأخرون .
.

الشرح

(16/387)


ولا يقبل في الأعيان المنقولة ) كالحمار والثوب والعبد ( للحاجة إلى الإشارة ) فيها ( وعن أبي يوسف أنه قبل في العبد دون الأمة لغلبة الإباق في العبد ) لأنه يخدم خارج البيت فإباقه متيسر فلمساس الحاجة فيه جوزه ، بخلاف الأمة لأنها داخل البيت فلا يتيسر لها تيسره له ( وعن محمد أنه يقبل في جميع ما ينقل ) من الدواب والثياب والإماء ( وعليه المتأخرون ) ونص الإسبيجابي على أن الفتوى عليه ، وبه قال مالك وأحمد والشافعي في قول ، فإن المانع منه ما كان إلا الحاجة إلى الإشارة في الأعيان وهي غائبة في بلد المكتوب إليه ، ولا شك أن في الدين أيضا لا بد من الإشارة إلى المديون ليقضى عليه ومع ذلك اكتفى باسمه وشهرته في الإثبات عليه ، وقبول القاضي الكاتب الشهادة عليه ، وما ذاك إلا لأن عند القضاء من الثاني يتحقق معنى الإشارة والتعيين ، ويتبين ذلك بإيراد الصور ، فصورة الدين إذا شهدوا على فلان بن فلان بن فلان الفلاني أن يكتب كما ذكره الحسن في المجرد من فلان قاضي كورة كذا إلى فلان قاضي كورة كذا سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو .
أما بعد : فإن رجلا أتاني يقال له فلان بن فلان وذكر أن له حقا على رجل في كورة كذا ولم يذكر في المجرد يقال له فلان بن فلان الفلاني على فلان بن فلان الفلاني ولا بد منه كما سنذكر ، وسألني أن أسمع بينته وأكتب إليك بما يستقر عندي من ذلك ، فسألته البينة فأتاني بعدة منهم فلان وفلان وفلان ويحليهم

(16/388)


وينسبهم فشهدوا عندي أن لفلان بن فلان الفلاني على فلان بن فلان الفلاني كذا وكذا درهما دينا حالا ، وسألني أن أحلفه بالله ما قبض منها شيئا ولا قبضه له قابض بوكالة ولا احتال بشيء منها وحلفته فحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما قبض من هذا المال الذي قامت به البينة عندي ولا قبضه له وكيل ولا أحاله ولا قبضه له قابض وأنها له عليه فسألني أن أكتب له كتابا إليك بما استقر عندي من ذلك فكتبت إليك هذا الكتاب وأشهدت عليه شهودا أنه كتابي وخاتمي وقرأته على الشهود .
قال ثم يطوى الكتاب ويختم عليه ، فإن ختم عليه شهوده فهو أوثق ثم يكتب عليه عنوان الكتاب من فلان قاضي كورة كذا إلى فلان قاضي كورة كذا ثم يدفعه إلى المدعي ، فإذا أتى به المدعي إلى القاضي الذي بالكورة فذكر أن هذا كتاب القاضي إليه سأله البينة على كتاب القاضي ، ولا ينبغي أن يسمع بينة المدعي حتى يحضر الخصم ، فإذا أحضره وأقر أنه فلان بن فلان الفلاني قبل بينته وسمع به ، فإن أنكر قال له جئني بالبينة أن هذا فلان بن فلان الفلاني ، فإن جاء بها وعدلوا سمع بينة المدعي حينئذ على أن هذا كتاب القاضي الذي ذكر ، فيقول لهم : أقرأ عليكم ما فيه ؟ ، فإذا قالوا قرأه علينا وأشهدنا أن هذا كتابه وختمه فإذا سمع منهم لا يفك الخاتم حتى يسأل عنهم ، فإذا عدلوا لا يفكه أيضا حتى يحضر الخصم ، فإذا حضر فكه وقرأه عليهم وعليه ، فإن أقر ألزمه إياه ، وإن أنكر قال ألك حجة وإلا قضيت عليك ،

(16/389)


فإن لم يكن له حجة قضى عليه ، وإن كانت له حجة قبلها ، وإن قال لست أنا فلان بن فلان الذي شهدوا عليه بهذا المال لزيد بل هو آخر ، قال له هات بينة أن في هذه الصناعة أو القبيلة رجلا ينتسب بمثل ما تنتسب إليه وإلا ألزمتك ما شهد به الشهود ، فإن جاء ببينة على أن في تلك القبيلة أو الصناعة من ينتسب بمثل ما نسب إليه أبطل الكتاب ، وإن لم يكن في تلك القبيلة أو الصناعة أحد على اسمه واسم أبيه قضى عليه انتهى .
فقد علمت أن التعيين الذي هو المقصود بالإشارة يحصل بآخره الأمر قبل القضاء عليه ، وفي هذه الصورة مواضع وإن كانت ظاهرة ننبه عليها : منها قوله في شهود الكتاب منهم فلان وفلان ويحليهم وينسبهم لم يذكر كتب عدالتهم ولا بد منها ، وقالوا لو كتب وأقام شهودا عدولا عرفتهم بالعدالة أو سألت عنهم فعدلوا كفى عن تسميتهم ونسبهم ، وعندي لا بد أن يقول أحرار عدول إذا لم يسمهم .
والذي يظهر من كلام محمد وغيره أنه لا بد من تسميتهم ونسبة كل منهم ومصلاه وحرفته إن تاجرا فتاجر أو مزارعا فمزارع ، والمقصود تتميم تعريف الشهود ، ثم يذكر أنه عرفهم بالعدالة أو عدلوا لأن الخصم إذا أحضره الثاني قد يكون له مطعن فيهم أو في أحدهم فلا بد من تعيينهم له ليتمكن من الطعن إن كان ، وإلا فيقول سموهم لي فإني قد يكون لي فيهم مطعن .
ومنها قوله إلى فلان قاضي كورة كذا إنما يصح إذا كان القاضي واحدا فإن كان لها قاضيان لا يصح .
ومنها قوله في المدعي يقال له

(16/390)


فلان بن فلان يتم التعريف في قولهما وعنده لا بد من ذكر الجد ، وكذا الخلاف لو ذكر قبيلته أو صناعته وإن ذكر اسمه ولم يذكر اسم الأب لكن نسبه إلى قبيلته أو فخذه فقال فلان التميمي أو الكوفي وما أشبه ذلك لا يكون تعريفا بالاتفاق وإن كان مشهورا لا يحتاج إلى هذا .
وقيل ولا بد أن يذكر ادعى المدعي أنه غائب من هذا البلد مسيرة سفر لأن بين العلماء اختلافا في المسافة التي يجوز فيها كتاب القاضي إلى القاضي ، فجماعة من مشايخنا قالوا : لا يجوز فيما دون مسافة القصر ، وبه قال الشافعي وأحمد في وجه .
وحكى الطحاوي عن أبي حنيفة وأصحابه أنه يجوز فيما دون مسافة القصر ، وقال بعض المتأخرين : هذا قول أبي يوسف ومحمد وبه قال مالك ، والذي يقتضيه مذهب أبي حنيفة أنه لا يجوز كالشهادة على الشهادة .
ومنها ختم الشهود ليس بلازم بل هو أوثق كما قال .
ومنها قوله وعدلوا ظاهر في أنه لا يفك الختم حتى يعدل شهود الكتاب وفيه خلاف سيذكر ، وإن كانت دارا قال وادعى أن له دارا في بلد كذا في محلة كذا وذكر حدودها في يد رجل يقال له فلان بن فلان يعرفه على وجه التمام .
ولو ذكروا ثلاثة حدود كفى استحسانا خلافا لزفر ، ولو غلطوا في بعض الحدود بطل الكتاب .
وصورة كتاب العبد الآبق من مصر بعد العنوان والسلام أن يكتب شهد عندي فلان وفلان بأن العبد الهندي الذي يقال له فلان حليته كذا وقامته كذا وسنه كذا وقيمته كذا ملك فلان المدعي ، وقد أبق إلى الإسكندرية وهو اليوم في يد فلان

(16/391)


بغير حق ويشهد على كتابه شاهدين مسافرين إلى الإسكندرية على ما فيه وعلى ختمه كما سيذكر ، فإذا وصل وفعل القاضي ما تقدم وفتح الكتاب دفع العبد إلى المدعي من غير أن يقضى له به لأن الشهود الذين شهدوا بملك العبد للمدعي لم يشهدوا بحضرة العبد ويأخذ كفيلا بنفس العبد من المدعي ويجعل خاتما من القاضي في كتف العبد ولا حاجة إلى هذا إلا لدفع من يتعرض له ويتهمه بسرقته ، فإذا لم يكن لا حاجة ويكتب كتابا إلى قاضي مصر ويشهدان على كتابه على ما عرف ، فإذا وصل الكتاب إليه فعل ما يفعل المكتوب إليه ، ثم يأمر المدعي أن يحضر شهوده ليشهدوا بالإشارة إلى العبد أنه ملكه ، فإذا شهدوا قضى له به وكتب إلى قاضي الإسكندرية بما ثبت عنده ليبرئ كفيله .
وفي بعض الروايات أن قاضي مصر لا يقضي بالعبد للمدعي لأن الخصم غائب ، ولكن يكتب كتابا آخر إلى قاضي الإسكندرية ويذكر فيه ما جرى عنده ويشهد على كتابه وختمه ويرد العبد معه إليه ليقضي به بحضرة المدعى عليه فيفعل ذلك ويبرئ الكفيل .
وصورته في الجواري كما في العبد ، إلا أن القاضي المكتوب إليه لا يدفع الجارية إلى المدعي بل يبعثها على يد أمين لاحتمال أنه إذا أرسلها مع المدعي يطؤها لاعتماده أنها ملكه .
قال في المبسوط : ولكن أبو حنيفة ومحمد قالا : هذا فيه بعض القبح ، فإنه إذا دفع العبد يستخدمه قهرا ويستغله ، فيأكل من غلته قبل أن يثبت ملكه فيه بالقضاء وربما يظهر العبد لغيره ، ولا يخفى أن ضم

(16/392)


محمد مع أبي حنيفة بناء على ظاهر الرواية عنه ، وكلامنا على الرواية عن محمد المختارة للفتوى الموافقة للوجه والأئمة الثلاثة ، وإذا عرفت هذا فالزوجة المدعى باستحقاقها في بلد القاضي المكتوب إليه لا بد أن تجعل من قبيل الأمة فيجري فيها ما يجري فيها لأنه يبعد أن تجري مجرى الديون ، لأنها إذا قالت لست أنا فلانة المشهود على أنها زوجة المدعي المذكور ولم تقدر على بينة أن في قبيلتها من هو على اسمها ونسبها أن تدفع إلى المدعي يطؤها

(16/393)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية