صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : درر الحكام شرح غرر الأحكام
مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
[ الكتاب مشكول ومرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

( مات أحد سبعة ) اشتروا بقرة للأضحية ( وقال ورثته ) للستة الباقية ( اذبحوها عنه وعنكم صح ) والقياس أن لا يصح ؛ لأنه تبرع بالإتلاف فلا يجوز عن الغير كالإعتاق عن الميت وجه الاستحسان أن القربة قد تقع عن الميت كالتصدق بخلاف الإعتاق ؛ لأن فيه إلزام الولاء على الميت وأيضا البقرة تجوز عن سبعة لكن بشرط أن يكون قصد الكل القربة وإن اختلف جهاتها ( كبقرة عن أضحية ومتعة وقران ) فإنها تجوز عندنا لاتحاد المقصود وهو القربة ( ولو ) كان ( أحدهم كافرا أو قاصد لحم لا ) يصح ؛ لأن الكافر ليس أهلا للقربة ، وكذا قصد اللحم ينافيها

الشرح
( قوله : ولو كان أحدهم كافرا أو قاصد لحم لا يصح ) أي عن أحد منهم ( قوله : لأن الكافر ليس أهلا للقربة ) أي فلا تعتبر نية القربة على معتقده فإذا لم تقع قربة عن البعض خرج الكل من أن يكون قربة لعدم تجزي الإراقة

(3/264)


( ويأكل ) من لحم أضحيته ( ويؤكل غيره ) من الأغنياء والفقراء ( ويهب لمن يشاء ولا يعطي أجر الجزار منها ) للنهي عنه ( وندب التصدق بثلثها ) لأن الجهات ثلاث الأكل والادخار والإطعام ( و ) ندب ( تركه ) أي ترك التصدق ( لذي عيال ) توسعة عليهم

الشرح

(3/265)


( قوله : ويأكل من لحم أضحيته .
.
.
إلخ ) قال الزيلعي ، وهذا في الأضحية الواجبة والسنة سواء إذا لم تكن واجبة النذر وإن وجبت به ، فليس لصاحبها أكل شيء منها ولا إطعام الأغنياء سواء كان الناذر غنيا أو فقيرا لأن سبيلها التصدق وليس للمتصدق أن يأكل من صدقته ولا أن يطعم الأغنياء ا هـ وسواء ذبحها في أيامها أو بعدها ، ولو وجب عليه التصدق بعين الشاة فلم يتصدق بها ، ولكنه ذبحها يتصدق بلحمها ويجزيه ذلك إن لم ينقصها الذبح وإن نقصها يتصدق باللحم وفيه النقصان ولا يحل له أن يأكل منها وإن أكل شيئا غرم قيمته ويتصدق بها كذا في البدائع .
وقال قاضي خان ، ولو ولدت الأضحية يضحي بالأم والولد إلا أنه لا يأكل من الولد ، بل يتصدق به فإن أكل منه يتصدق بقيمة ما أكل والمستحب أن يتصدق بولدها حيا وإن حلب اللبن من الأضحية قبل الذبح أو جز صوفها يتصدق بهما ولا ينتفع بهما ا هـ .
وقال في البدائع وإن انتفع تصدق بمثله وإن تصدق بقيمته جاز فإن ولدت الأضحية ولدا يذبح مع الأم كذا ذكره في الأصل .
وقال أيضا وإن باعه تصدق بثمنه ؛ لأن الأم تعينت للأضحية والولد يحدث على وصف الأم في الصفات الشرعية فتسري إلى الولد كالرق والحرية ومن المشايخ من قال هذا في الأضحية الموجبة بالنذر أو ما هو في معنى النذر كالفقير إذا اشترى شاة للأضحية فأما الموسر إذا اشترى شاة للأضحية فولدت لا يتبعها ولدها ؛ لأن في الأول تعين الوجوب فيها

(3/266)


فيسري إلى الولد وفي الثاني لم يتعين ؛ لأنه يجوز التضحية بغيرها فكذا ولدها ، وذكر القدوري ، وقال كان أصحابنا يقولون يجب ذبح الولد ، ولو تصدق به جاز ؛ لأن الحق لم يسر إليه ، ولكنه متعلق به وكان كجلالها وخطامها فإن ذبحه تصدق بقيمته وإن باعه تصدق بثمنه ولا يحل بيعه ولا أكله .
وقال بعضهم لا ينبغي له أن يذبحه ، وقال بعضهم إنه بالخيار إن شاء ذبحه في أيام النحر وأكل منه كالأم وإن شاء تصدق به ؛ لأنه فات ذبحه فصار كالشاة المنذورة ، وذكر في المنتقى إذا وضعت الأضحية فذبح الولد يوم النحر قبل الأم أجزأه وإن تصدق يوم الأضحى قبل أن يذبحه فعليه أن يتصدق بقيمته قال القدوري : وهذا على أصل محمد أن الصغار تدخل في الهدايا ويجب ذبحها فإذا ولدت الأضحية تعلق بولدها من الحكم ما تعلق بها فصار كما لو فات بمضي الأيام ا هـ عبارة البدائع ( قوله : وندب تركه ) أي التصدق لذي عيال توسعة عليهم كذا قال في الذخيرة لا بأس بأن يحبس لحمها فيدخر منها كما شاء والصدقة أفضل إلا أن يكون الرجل ذا عيال فيدعه لعياله ويوسع عليهم فإنه الأفضل ا هـ .
وقال في المبتغي وينبغي أن يتصدق بالثلث ويتخذ الضيافة بالثلث إلا أن يكون ذا عيال فله أن يدعه لعياله ويوسع به عليهم .
ا هـ .

(3/267)


( والذبح بيده أحسن إن أحسن وإلا أمر غيره وكره ذبح كتابي ) لأنه قربة وهو ليس من أهلها ، ولو أمره فذبح جاز ؛ لأنه من أهل الزكاة والقربة حصلت بإنابته ونيته بخلاف المجوسي ؛ لأنه ليس من أهلها ( ويتصدق بجلدها أو يجعله آلة كجراب وخف وفرو أو يبدله بما ينتفع به باقيا لا مستهلكا كالأطعمة ) وهو ينافي القربة ( فإن بيع اللحم أو الجلد به ) أي بما ينتفع به مستهلكا ( تصدق بثمنه ) لأن القربة انتقلت إلى بدله

الشرح

(3/268)


( قوله : وإلا أمر غيره ) أقول وينبغي له أن يشهدها { لقول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة يا فاطمة بنت محمد قومي فاشهدي أضحيتك فإنه يغفر لك بأول قطرة تقطر من دمها كل ذنب عملتيه وقولي إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له ، أما إنه يجاء بلحمها ودمها فيوضع في ميزانك وسبعون ضعفا فقال أبو سعيد الخدري يا نبي الله هذا لآل محمد خاصة أم لهم وللمسلمين عامة فقال صلى الله عليه وسلم لآل محمد خاصة وللمسلمين عامة } كذا في البدائع والجوهرة والمبسوط والعناية ( قوله : فإن بيع اللحم أو الجلد .
.
.
إلخ ) فيه إشارة إلى أن اللحم كالجلد فله تبديله بما ينتفع بعينه وهو الصحيح كما في الهداية .
وقال في النهاية قوله : هو الصحيح احتراز عما قيل إنه ليس في اللحم إلا الأكل أو الإطعام فلو باع بشيء ينتفع بعينه لا يجوز والصحيح ما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى إن اللحم بمنزلة الجلد إن باعه بشيء ينتفع بعينه جاز وروى ابن سماعة عن محمد رحمه الله تعالى أنه لو اشترى باللحم ثوبا فلا بأس بلبسه ا هـ .
وفي القنية لو اشترى بلحم الأضحية مأكولا فأكله لا يلزمه التصدق بقيمة اللحم استحسانا .
ا هـ .

(3/269)


( غلطا وذبح كل شاة صاحبه صح بلا غرم ) استحسانا والقياس أن لا يصح ويغرم ؛ لأنه ذبح شاة غيره بغير أمره وجه الاستحسان أنها تعينت للذبح لتعينها للأضحية حتى وجب عليه أن يضحي بها بعينها في أيام النحر فصار المالك مستعينا بكل من هو أهل للذبح آذنا له دلالة ؛ لأنه يفوت بمضي هذه الأيام ويحتمل أن يعجز عن إقامتها لمانع ، وإذا غلطا يأخذ كل واحد منهما مسلوخته من صاحبه ولا يضمنه ؛ لأنه وكيله فيما فعل دلالة وإن كانا أكلا ، ثم علما فليحلل كل صاحبه وإن تشاحا فلكل منهما أن يضمن صاحبه قيمة لحمه ، ثم يتصدق بتلك القيمة ؛ لأنها بدل من اللحم

الشرح

(3/270)


( قوله : غلطا وذبح كل شاة صاحبه صح بلا غرم ) يعني شاة الأضحية وكان الأولى التعبير به كما في الكنز والهداية ليفيد أنها لو لم تكن للأضحية تكون مضمونة عليه ا هـ ، وإذا كانت للأضحية وضمنه مالكها قيمتها جازت عن الذابح ؛ لأنه ظهر أن الإراقة حصلت على ملكه وإن أخذها مالكها مذبوحة أجزأت مالكها عن التضحية ؛ لأنه قد نواها فلا يضره ذبحها غيره كذا في التبيين ، وإذا ذبح أضحية الغير ناويا عن مالكها بغير أمره جاز ولا ضمان عليه كذا في منية المفتي ( قوله : وجه الاستحسان أنها تعينت للذبح لتعينها للأضحية حتى وجب عليه .
.
.
إلخ ) كذا في الهداية .
وقال في العناية قوله : وجب عليه أن يضحي بها بعينها في أيام النحر أي فيما إذا كان المضحي فقيرا ويكره أن يبدل بها غيرها أي فيما إذا كان غنيا قال صاحب النهاية رحمه الله هكذا وجدت بخط شيخي رحمه الله ا هـ .
وقال في الذخيرة وجه الاستحسان أن المالك لما عينها لجهة الذبح صار مستعينا بكل واحد في التضحية دلالة وصريحا سواء أطلق في الأصل وقيدها في الأجناس بما إذا أضجعها صاحبها للتضحية .
ا هـ .

(3/271)


( وصحت ) التضحية ( بشاة الغصب لا الوديعة وضمنها ) وجه الصحة في الأول لا الثاني أن الملك في الغصب ثبت من وقت الغصب وفي الوديعة يصير غاصبا بالذبح فيقع الذبح في غير الملك هكذا في الهداية والكافي وسائر الكتب المعتبرة .
وقال صدر الشريعة يصير غاصبا بمقدمات الذبح كالإضجاع وشد الرجل ، فيكون غاصبا قبل الذبح أقول حقيقة الغصب كما تقرر في موضعه إزالة اليد المحقة وإثبات اليد المبطلة وغاية ما يوجد في الإضجاع وشد الرجل إثبات اليد المبطلة ولا يحصل به إزالة اليد المحقة وإنما يحصل ذلك بالذبح كما ذهب إليه الجمهور

الشرح
( قوله : وقال صدر الشريعة .
.
.
إلخ ) أي قاله بحثا وما بحثه نقله ابن كمال باشا فقال .
وفي شرح الإرشاد مختصر القدوري للزاهدي بعلامة صدر الدين حسام ، وقيل يجزيه ؛ لأنه ضمنها بالإضجاع والشد وجوابه أن الكلام في شاة الوديعة وعلى ما ذكر يكون المذبوح مغصوبا ولا وجه لإنكار ذبح الوديعة قبل أن تغصب .
ا هـ .
( تنبيه ) المراد الوديعة كل شاة كانت أمانة كما في الفيض عن نظم الزندوستي

(3/272)


{ كتاب الصيد أورده ها هنا لذكره في كتاب الحج ( وهو ) لغة الاصطياد ويسمى المصيد صيدا تسمية للمفعول بالمصدر كضرب الأمير ( يحل بكل ذي ناب ) من السباع ( ومخلب ) من الطيور المخلب ظفر الطائر .
وفي المبسوط المراد من ذي ناب الذي يصيد بنابه ومن ذي مخلب الذي يصيد بمخلبه لا كل ذي ناب ومخلب فإن الحمامة لها مخلب والبعير له ناب الأول ( ككلب وفهد و ) الثاني نحو ( باز ونحوها ) من السباع والطيور ويشترط لما يؤكل أي لجواز أكل ما يؤكل من الصيد أمور بخلاف ما لا يؤكل فإن شيئا منها ليس بشرط في جواز صيده كما سيأتي منها ( علمهما ) أي علم ذي ناب وذي مخلب كيفية الصيد لقوله تعالى { وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله } ، ولقوله صلى الله عليه وسلم لثعلبة { ما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله عليه فكل وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل } .
رواه البخاري ومسلم .
( و ) منها ( جرحهما أي موضع منه ) وهو ظاهر الرواية حتى لو خنق الكلب الصيد ولم يجرحه لم يؤكل ، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه لا يشترط ( و ) منها ( إرسال مسلم أو كتابي إياهما ) أي إرسال من له ملة التوحيد دعوى واعتقادا كالمسلم أو دعوى لا اعتقادا كالكتابي وسيأتي في الذبائح فإن انبعث الكلب أو البازي على أثر الصيد بغير إرسال فأخذه وقتله لم يحل ومنها التسمية أشار إليها بقوله ( مسميا ) أي غير تارك للتسمية عمدا والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم لعدي

(3/273)


بن حاتم { إذا أرسلت كلبك المعلم فذكرت اسم الله عليه فكل } وإن أكل منه فلا تأكل ومنها أن يكون الصيد ممتنعا متوحشا أشار إليه بقوله ( على ممتنع متوحش مأكول ) أي من شأنه أن يؤكل .
( و ) منها ( عدم شركة كلب لا يحل صيده ) ككلب غير معلم أو كلب المجوسي أو كلب لم يرسل للصيد أو أرسل وترك التسمية عمدا .
( و ) منها ( عدم طول وقفته بعد إرساله ) فإنها إن طالت بعده لم يكن الاصطياد مضافا إلى الإرسال ( إلا إذا كمن الفهد ) فإنها حيلته في الاصطياد ، فيكون مضافا إلى الإرسال قال الإمام شمس الأئمة السرخسي ناقلا عن شيخه الإمام شمس الأئمة الحلواني رحمهما الله تعالى للفهد خصال ينبغي لكل عاقل أن يأخذ ذلك منه منها أنه يكمن للصيد حتى يتمكن منه وهذه حيلة منه للصيد فينبغي للعاقل أن لا يجاهر بالخلاف في عدوه ، ولكن يطلب الفرصة حتى يحصل مقصوده من غير إتعاب نفسه ومنها أنه لا يتعلم بالضرب ، ولكن يضرب الكلب بين يديه إذا أكل من الصيد فيتعلم بذلك وهكذا ينبغي للعاقل أن يتعظ بغيره كما قيل السعيد من اتعظ بغيره ، ومنها أنه لا يتناول الخبيث وإنما يطلب من صاحب اللحم الطيب وهكذا ينبغي للعاقل أن لا يتناول إلا الطيب ومنها أنه يثبت ثلاثا أو خمسا فإن تمكن من الصيد وإلا تركه ويقول لا أقتل نفسي فيما أعمل لغيري وهكذا ينبغي لكل عاقل

الشرح

(3/274)


كتاب الصيد ) ( قوله : وهو لغة الاصطياد ) قاله الزيلعي ولم ينص على تعريفه شرعا وله في الشرع أحكام وشرائط وهي ما يذكرها المصنف بقوله ويشترط لما يؤكل .
.
.
إلخ والصيد مشروع بالكتاب والسنة كما في المبسوط إلا في الإحرام إذا كان صيد البر والحرم لغير الفواسق وما ألحق بها فإنها يجوز صيدها في الحرم استدفاعا لشرها كما في البدائع ا هـ .
وهو مباح إلا إذا كان للتلهي أو يأخذه حرفة كذا في البزازية .
وفي منية المفتي الاصطياد على قصد اللهو مكروه ا هـ .
( قوله : بكل ذي ناب من السباع ) أي إلا الخنزير فإنه نجس العين فلا يجوز به الانتفاع ، وعن أبي يوسف أنه استثنى الأسد والدب ؛ لأنهما لا يعملان لغيرهما الأسد لعلو همته والدب لخساسته كذا في الهداية ، وذكر في النهاية الذئب بدل الدب ، وكذا في المحيط ؛ لأنهما لا يعلمان عادة ؛ ولأن التعليم يعرف بترك الأكل وهما أي الدب والأسد لا يأكلان الصيد في الحال فلا يمكن الاستدلال بترك الأكل على التعلم حتى لو تصور التعلم منهما وعرف ذلك جاز كما في النهاية وألحق بعضهم الحدأة بهما لخساستها كما في التبيين ( قوله : بخلاف ما لا يؤكل فإن شيئا منها ليس بشرط في جواز صيده ) إن أراد به جواز الاصطياد فغير مسلم ؛ لأنه يشترط أن لا يكون الصيد في الحرم وأن لا يكون الصائد محرما لغير الفواسق وإن أراد بالجواز حل الانتفاع بجلده مثلا فيشترط التسمية والجرح وكون الجارح معلما لطهارة جلده كما يفيده آخر الكتاب (

(3/275)


قوله : مكلبين ) أي مسلطين والتكليب إغراء السبع على الصيد كما في الجوهرة .
وقال الزيلعي معنى مكلبين معلمين الاصطياد تعلمونهن تؤدبونهن ا هـ .
( قوله : وعن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه لا يشترط ) .
رواه الحسن عنهما وهو قول الشعبي ودليله في التبيين ( قوله : إرسال مسلم ) أي غير محرم وهو يضبط على نحو ما نذكر في الذبائح إن شاء الله تعالى والصابئ كالكتابي لما قال في مختصر الظهيرية للعيني ومن خطه نقلت ذبيحة الصابئ وصيده يحل عند أبي حنيفة ، وعندهما يكره .
ا هـ .
وسنذكر في الذبائح تمامه إن شاء الله تعالى ويشترط أن لا يشتغل بين الإرسال والأخذ بعمل آخر كما في العناية وذكر لحل الصيد خمسة عشر شرطا عن النهاية وكلها في كلام المصنف إلا هذا لكنه يستفاد مما سيذكره المصنف أنه لا يقعد عن طلبه بعد رميه كما يشترط أن لا يغيب عن بصره بعد إرسال الجارح عليه أو لا يقعد عن طلبه ، فيكون في طلبه ولا يشتغل بعمل آخر حتى يجده كما في قاضي خان .
وفي الجوهرة يشترط أن يلحقه المرسل أو ما يقوم مقامه قبل انقطاع الطلب والتواري ( قوله : أو دعوى لا اعتقادا كالكتابي ) كذا في الهداية وتوضيحه ما قال في المبسوط للسرخسي شرطنا تسمية الله تعالى على الخلوص وأن يتحقق ذلك ممن يعتقد توحيده جلت قدرته أو يظهر ذلك وهو مسلم أو كتابي فأما المجوسي يدعي الاثنين لا تصح منه تسمية الله تعالى على الخلوص فلهذا لا تحل ذبيحة المجوسي وصيده ويحل من الكتابي

(3/276)


لتسمية الله تعالى ظاهرا وإن أضمر غيره وهو ما يعتقدونه معبودا لهم ؛ لأن النصارى يقولون المسيح ابن الله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وليس بين المجوسي والكتابي فرق يعقل معناه بالرأي سوى أن من يدعي التوحيد يصح منه تسمية الله تعالى على الخلوص ، ومن يدعي الاثنين لا يصح منه تسمية الله تعالى على الخلوص وإنما أمرنا ببناء الحكم في حق أهل الكتاب على ما يظهرون دون ما يضمرون فلو اعتبرنا ما يضمرون لم تحل ذبيحتهم ولذلك يستحلفون في المظالم بالله ا هـ ملخصا ( قوله : على ممتنع متوحش مأكول ) قيد المأكول مستدرك بما قدمه بقوله ويشترط لما يؤكل ( قوله : إلا إذا كمن الفهد ) لا يختص به قال الزيلعي ، وكذا الكلب إذا اعتاد الاختفاء لا يقطع فور الإرسال لما بينا في الفهد ا هـ .
( قوله : للفهد خصال .
.
.
إلخ ) بقي منها أنه لا يعدو خلف صاحبه حتى يركبه خلفه وهو يقول هو المحتاج إلي فلا أذل كذا قاله الزيلعي ( قلت ) فينبغي للعاقل أن لا يذل نفسه لمن هو محتاج إليه خصوصا إذا كان ذا علم فلا يسعى لمن يتعلم منه لتعليمه ا هـ لما قال السرخسي في مبسوطه فهكذا ينبغي للعاقل أن لا يذل نفسه فيما يعمل لغيره .
ا هـ .

(3/277)


( ويعلم المعلم بترك أكل الكلب ثلاث مرات ورجوع البازي بدعائه ) وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما ؛ ولأن بدن الكلب يحتمل الضرب فيمكن ضربه حتى يترك الأكل وبدن البازي لا يحتمله فاكتفى بغيره مما يدل على التعليم فإن في طبعه نفورا ويعلم زواله برجوعه بالدعاء ( والفهد ونحوه بهما ) يعني أن الفهد ونحوه يحتمل الضرب وعادته الافتراس والنفور فيشترط فيه ترك الأكل والإجابة جميعا كذا في الاختيار ( ولا يؤكل مما أكل الكلب أو الفهد ) لأنك قد عرفت أن تعلمه بترك الأكل وسيأتي أنه إذا أكل علم أنه لم يتعلم فيحرم صيده ( بخلاف البازي ) لما عرفت أن تعلمه ليس به ليكون ضده دليل الجهل ( ولا ) يؤكل أيضا ( ما أكل ) أي الكلب أو الفهد ( منه بعد تركه ثلاث مرات ) لأنه علامة الجهل ( ولا ) يؤكل أيضا ( ما صاد بعد ) أي بعدما أكل بعد تركه ثلاث مرات ( حتى يتعلم أو قبله ) أي لا يؤكل ما صاده قبل ما أكل بعد الترك ( لو بقي في ملكه ) فإن ما أتلف لا يظهر فيه الحرمة لانعدام المحلية وما ليس بمحرز بأن كان في المفازة بعد يثبت فيه الحرمة اتفاقا والمحرز في بيته يحرم عنده خلافا لهما

الشرح

(3/278)


( قوله : بترك أكل الكلب ثلاث مرات ) كذا في الكنز .
وقال الزيلعي هذا قولهما ورواية عن أبي حنيفة ، .
وعند أبي حنيفة لا يثبت التعلم ما لم يغلب على ظنه أنه قد تعلم ولا يقدر بشيء ؛ لأن المقادير تعرف بالنص لا بالاجتهاد ولا نص هاهنا فيفوض إلى رأي المبتلى به كما هو دأبه في مثله كحبس الغريم ، ثم إذا ترك الأكل ثلاثا لا تحل الأولى والثانية على قول من قال بالثلاث وهو ظاهر ، وكذا الثالث عندهما لأنه لا يصير معلما إلا بعد تمام الثلاث ، .
وعند أبي حنيفة على الرواية الأولى يحل ؛ لأن تركه عند الثالث آية تعلمه فصار صيد كلب عالم ا هـ .
وقال في البزازية وفي الثالث روايتان أي عنهما والأصح أنه يحل ا هـ ( قوله : ورجوع البازي بدعائه ) قال الزيلعي لم يذكر البازي بكم إجابة يصير معلما فينبغي أن يكون على الاختلاف الذي في الكلب ، ولو قيل يصير معلما بإجابة واحدة كان له وجه ؛ لأن الخوف ينفره بخلاف الكلب ا هـ .
وفي البازي لغتان تشديد الياء وتخفيفها وجمعه بزاة والباز أيضا لغة فيه وجمعه أبواز كما في الجوهرة ( قوله : والفهد ونحوه بهما .
.
.
إلخ ) يوافق ما في الاختيار قول الذخيرة علامة تعلم الكلب ، ومن بمعناه الإمساك على المالك وترك الأكل وأن يجيب إذا دعاه .
ا هـ .
؛ لأنه جعل الإجابة شرطا ولم تشترط في الكلب في عامة الكتب ( قوله : ولا يؤكل أيضا ما أكل الكلب أو الفهد منه بعد تركه ثلاث مرات ) كذا قاله صدر الشريعة وابن كمال باشا وفيه استدراك مع ما قدمه

(3/279)


من قوله ولا يؤكل ما أكل الكلب أو الفهد ( قوله : والمحرز في بيته يحرم عنده خلافا لهما ) أطلق الخلاف فشمل ما لو طال زمن بقاء الصيد أو قصر وهو الصحيح من الخلاف لما قال في التبيين وفتاوى قاضي خان والذخيرة قال بعض المشايخ إنما تحرم تلك الصيود عند أبي حنيفة إذا كان العهد قريبا ، أما إذا تطاول العهد بأن أتى عليه شهر فأكثر وصاحبه قدد تلك الصيود لا تحرم في قولهم جميعا .
وقال شمس الأئمة السرخسي الصحيح أن الخلاف في الفصلين .
ا هـ .

(3/280)


( وشرط للحل بالرمي التسمية ) وعدم تركها عمدا ( والجرح ) لقوله صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم { إذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله عليه فإن وجدته قد قتل فكل إلا أن تجده قد وقع في ماء فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك } ( وعدم القعود عن طلبه لو غاب متحاملا سهمه ) أي رمى فغاب عن بصره متحاملا سهمه فإن أدركه ميتا فإن لم يقعد عن طلبه حل أكله لبذله وسعه وإن قعد عنه حرم إذا كان في وسعه أن يطلبه ، وقد قال عليه الصلاة والسلام لعل هوام الأرض قتلته

الشرح
( قوله : وعدم القعود عن طلبه ) أي فيطلبه بنفسه أو نائبه ( قوله : وأما المتردية .
.
.
إلخ ) كذا قال ابن كمال باشا وصدر الشريعة وهو الصحيح كما في الخانية .
وفي الاختيار هو المختار

(3/281)


( فإن أدركه المرسل أو الرمي حيا بحياة أقوى مما للمذبوح حل بالذكاة ، ولو مثلها حل بدونها ) أي لو كان حياته مثل حياة المذبوح لا تجب تذكيته ، بل يحل بدونها ولا عبرة بتلك الحياة ، وأما المتردية والموقوذة والمنخنقة والنطيحة وما بقر ذئب بطنه وبه حياة والشاة المريضة فالفتوى على أن الحياة وإن قلت معتبرة حتى لو ذكاها وفيها حياة قليلة يحل لقوله تعالى { إلا ما ذكيتم } ( وحرم ) عطف على حل بالذكاة أي حرم الصيد ( إن تركها ) أي الذكاة ( عمدا مع القدرة عليها فمات ) لأن حياته لما كانت أقوى مما للمذبوح كان ذكاته واجبة فإذا تركت حرم ( كذا ) أي يحرم أيضا ( إذا عجز ) عن التذكية في ظاهر الرواية ؛ لأن العجز في مثل هذا لا يحل الحرام ( وقيل حل ) وهو رواية أبي حنيفة وأبي يوسف وقول الشافعي ( أو أرسل ) عطف على تركها ( مجوسي كلبه فزجره مسلم فانزجر ) أي أغراه بالصياح فاستد ( أو قتله معراض بعرضه ) وهو سهم لا ريش له سمي به ؛ لأنه يصيب الشيء بعرضه فإذا كان في رأسه حدة فأصاب بحده يحل ( أو بندقة ثقيلة ذات حدة ) إنما حرم لاحتمال قتلها بثقلها حتى لو كانت خفيفة بها حدة يحل لتيقن الموت بالجرح ( أو رمى صيدا فوقع في ماء ) لاحتمال أن الماء قتله كما ورد في الحديث ( أو ) وقع ( على سطح ) أو جبل ( فتردى منه إلى الأرض ) لأنه المتردية ( وأكل إن وقع ابتداء على الأرض ) لامتناع الاحتراز عنه ، وكذا الواقع على السطح أو الجبل أو الصخرة إن لم يترد

(3/282)


( أو أرسل مسلم كلبه فأغراه مجوسي فأخذ أو لم يرسل الكلب فأغراه مسلم فأخذ ) الحاصل أنه إذا اجتمع الإرسال والإغراء فالعبرة للإرسال فإن كان من المجوسي والإغراء من المسلم حرم كما سبق وفي العكس حل ، ولو لم يوجد الإرسال ووجد الإغراء فإن كان من المسلم حل ، ولو من المجوسي حرم ( أو أخذ ) أي أكل إن أخذ الكلب ( غير ما أرسل عليه ) لامتناع التعظيم بحيث يأخذ ما عينه وإن أرسله فقتل صيدا ، ثم آخر أكلا كما لو رمى سهما إلى صيد فأصابه وأصاب آخر ، وكذا لو أرسل على صيد كثير وسمى مرة واحدة بخلاف ذبح الشاتين بتسمية واحدة ( كذا ) يؤكل ( صيد رمي فقطع عضوا منه لا العضو ) لقول النبي صلى الله عليه وسلم { ما أبين من الحي فهو ميت } ( وكذا ) يؤكل ( ما قطع أثلاثا وأكثره مع عجزه ) أي قطعه قطعتين بحيث يكون الثلث في طرف الرأس والثلثان في طرف العجز ( أو قطع نصف رأسه أو أكثره أو قد بنصفين ) فإن كله يؤكل إذ لا يمكن في هذه الصور حياة فوق حياة المذبوح فلم يتناوله قوله صلى الله عليه وسلم { ما أبين من الحي فهو ميت } بخلاف ما إذا كان الثلثان في طرف الرأس والثلث في طرف العجز لإمكان الحياة في الثلثين فوق حياة المذبوح وبخلاف ما إذا قطع أقل من نصف الرأس للإمكان المذكور

الشرح

(3/283)


( قوله : وكذا ) أي يحرم أيضا إذا عجز عن التذكية في ظاهر الرواية كذا في عامة الكتب ( قوله : أو بندقة ثقيلة .
.
.
إلخ ) كذا قاله صدر الشريعة وابن كمال باشا وفي المستصفى البندقة طينة مدورة يرمي بها .
وفي الجوهرة البندقة إذا كان لها حدة تجرح بها أكل .
وقال قاضي خان لا يحل صيد البندقة والحجر والمعراض والعصا وما أشبه ذلك وإن جرح ؛ لأنه لا يخرق إلا أن يكون شيء من ذلك قد حده وطوله كالسهم وأمكن أن يرمي به فإن كان كذلك وخرقه يحده حل أكله فأما الجرح الذي يدق في الباطن ولا يخرج في الظاهر لا يحل ؛ لأنه لا يحصل به إنهار الدم ا هـ .
( قوله : أو رمى صيدا فوقع في ماء .
.
.
إلخ ) كذا أطلقه صدر الشريعة وابن كمال باشا .
وقال الزيلعي هذا فيما إذا كان فيه حياة مستقرة يحرم بالاتفاق ؛ لأن موته يضاف إلى غير الرمي وإن كانت حياته دون ذلك فهو على الاختلاف الذي مر في إرسال الكلب ، وقال قبله ألا ترى أنه لو وقع في الماء وهو بهذه الحالة لا يحرم كما إذا وقع بعد موته ؛ لأن موته لا يضاف إليه ا هـ .
وفي البزازية الطير إذا وقع في الماء إن بريا لا يحل كانت الجراحة فوق الماء أو كان منغمسا في الماء إلا أن تكون الجراحة بحال لا يتوهم نجاة الصيد كما إذا ذكاه فوقع في الماء وإن كان مائيا أن الجراحة فوق الماء يحل ؛ لأنه علم أنه مات من الجراحة وإن كانت الجراحة بحال يتوهم نجاة الصيد منها لولا الوقوع لا يحل ا هـ .
وفي قاضي خان إن وقع في ماء فمات لا يؤكل لعل أن

(3/284)


وقوعه في الماء قتله ويستوي في ذلك طير الماء ؛ لأن طير الماء إنما يعيش في الماء غير مجروح ا هـ .
ونقله في الذخيرة ما قاله قاضي خان عن شمس الأئمة السرخسي بعدما ذكر مثل ما في البزازية ، ثم قال فليتأمل عند الفتوى .
وفي القنية عن شرح السرخسي رمى صيدا فجرح ظهره ومات في الماء لا يحل .
وفي شرح بكر خواهر زاده يحل وإن أصاب بطنه أو جنبه لا يحل ا هـ .
( قوله : أو وقع على سطح أو جبل .
.
.
إلخ ) قال الزيلعي هذا فيما إذا كان فيه حياة مستقرة يحرم بالاتفاق ؛ لأن موته مضاف إلى غير الرمي وإن كانت حياته دون ذلك فهو على الاختلاف الذي ذكره في إرسال الكلب ا هـ .
( قوله : أو الصخرة إن لم يترد ) واضح فيما إذا لم تنشق بطنه ، وأما إذا انشقت فقال في الهداية ذكر في المنتقى لو وقع على صخرة فانشق بطنه لم يأكل لاحتمال الموت بسبب آخر وصححه الحاكم الشهيد وحمل مطلق المروي في الأصل على غير حالة الانشقاق وحمله الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي على ما أصابه حد الصخرة فانشق بطنه لذلك وحمل المروي في الأصل أنه لم يصبه من الآجرة إلا ما يصيبه من الأرض لو وقع عليه وذلك عفو ، وهذا أصح ا هـ .
ولفظ أصح من صاحب الهداية لا من السرخسي يعني أنه أصح من كلام الحاكم الشهيد ا هـ .
وقال الزيلعي كلا التأويلين صحيح ومعناهما واحد ؛ لأن كلا منهما يحمل ما ذكره في الأصل على ما إذا مات بالرمي وما ذكره في المنتقى على ما إذا مات بغيره وفي لفظ المنتقى إشارة إليه ألا ترى

(3/285)


أنه قال لاحتمال الموت بسبب آخر أي غير الرمي ، وهذا يرجع إلى اختلاف اللفظ دون المعنى فلا يبالي به ا هـ .
( قوله : أو لم يرسل الكلب فأغراه مسلم ) هذا استحسان والبازي كالكلب فيما ذكر كذا قاله الزيلعي ولا يختص بكلب المسلم ، بل كذلك كلب معلم لمن لا يحل ذكاته كالمرتد والمجوسي والوثني والمحرم ( قوله : أو أخذ غير ما أرسل إليه ) يعني إذا كان على سننه ، ولو أرسل من غير تعيين يحل ما أصابه كذا في التبيين ( قوله : وإن أرسله فقتل صيدا ، ثم آخر أكلا ) كذا عبر صدر الشريعة وابن كمال باشا بثم ومثله في التبيين والهداية لكن مقيدا بعدم المكث طويلا حيث قال : ولو جثم على الأول طويلا ، ثم مر به صيد آخر فقتله لا يؤكل الثاني لانقطاع الإرسال بمكثه طويلا إذ لم يكن ذلك حيلة منه للأخذ وإنما هو استراحة ا هـ ، وقيل الأول ليس قيدا لحل الثاني ، بل المدار على عدم انقطاع الإرسال لما قال قاضي خان لو أرسل كلبه على صيد فأخطأ ، ثم عرض له صيد آخر فقتله حل أكله وإن فاته ذلك الصيد فرجع وعرض له صيد آخر في رجوعه فقتله لا يحل ؛ لأن الإرسال بطل بالرجوع وبدون الإرسال لا يحل ا هـ .
ومثله في التجنيس والمزيد ( قوله : بخلاف ذبح الشاتين بتسمية واحدة ) يعني ، وقد ذبحهما على التعاقب ، أما إذا أضجع إحداهما فوق الأخرى فذبحهما دفعة واحدة بتسمية واحدة أجزأ وحلا كما في التبيين والهداية ( قوله : وكذا يؤكل ما قطع أثلاثا وأكثره مع عجزه ) أي فيؤكل كله ؛ لأن ما

(3/286)


بين النصف إلى العنق مذبح يريد به أن الأوداج من القلب إلى الدماغ كذا في مبسوط السرخسي وقاضي خان ( قوله : أو قدر بنصفين ) لم يبين كيفيته في كثير من الكتب وعليه نص في مبسوط السرخسي وفتاوى قاضي خان ونص المبسوط وإن قطعه نصفين أكل كله لأن فعله أتم ما يكون من الذكاة إذ لا يتوهم بقاؤه حيا بعدما قطعه بنصفين طولا .
ا هـ .
وقاضي خان وإن قطعه بنصفين طولا يؤكل كله ؛ لأنه لا يتوهم بقاء الصيد حيا بعد ذلك فكان ذلك بمنزلة الذبح ا هـ .
( قوله : بخلاف ما إذا كان الثلثان .
.
.
إلخ ) كذا قاله صدر الشريعة وابن كمال باشا والمراد أنه يحرم الجزء المبان ويحل المبان منه وعليه نص في الهداية والتبيين فقالا إذا قطع يدا أو رجلا أو فخذا أو ثلثه مما يلي القوائم أو أقل من نصف الرأس يحرم المبان ويحل المبان منه ؛ لأنه يتوهم بقاء الحياة في الباقي ا هـ ومثله في البزازية

(3/287)


( رمى صيدا ورماه آخر فقتله ) الآخر ( فإن أثخنه الأول ) أي أخرجه عن حيز الامتناع ( فهو له ) أي ملك للأول ( وحرم ) برمي الثاني ( وضمن الثاني له قيمته ) حال كونه ( مجروحا ) برمي الأول ( وإلا ) أي وإن لم يثخنه الأول ( فللثاني ) لأنه صاده ( وحل ) لأن ذكاته اضطرارية كما سيأتي

الشرح
( قوله : وضمن الثاني له قيمته مجروحا ) نقل الزيلعي عن صاحب الهداية وغيره أن تأويله إذا علم أن القتل حصل بالثاني

(3/288)


( ويصاد ) أي يجوز صيد ( ما يؤكل ، و ) يصاد ( غيره ) لأن صيده سبب الانتفاع بجلده أو شعره أو ريشه أو لاستدفاع شره وكل ذلك مشروع ( وبه ) أي بالصيد ( يطهر لحم غير نجس العين ) لأنه ذكاة حكما حتى تجوز صلاة حامله ولا ينجس طاهرا وإن لم يؤكل ( و ) يطهر ( جلده ) أيضا حتى تجوز الصلاة به وعليه

الشرح
( قوله : وبه أي بالصيد يطهر لحم غير نجس العين ) أقول أصح ما يفتى به أنه لا يطهر لحمه ، بل جلده فقط كما في مواهب الرحمن للطرابلسي صاحب الإسعاف

(3/289)


.
{ كتاب الذبائح جمع ذبيحة وهو حيوان من شأنه أن يذبح فيخرج السمك والجراد إذ ليس من شأنهما الذبح فيحلان بلا ذكاة ويدخل المتردية والنطيحة ونحوهما فلا تحل لفقد الذكاة ( الذكاة تحل المأكول ) أي ما من شأنه أن يؤكل لقوله تعالى { إلا ما ذكيتم } ؛ ولأنها المميزة للدم النجس من اللحم الطاهر ( وتطهر غير نجس العين ) فإنها كما تفيد الحل تفيد طهارة المأكول وغيره لإفادتها التمييز ، ثم إنها نوعان ضرورية واختيارية ( وضروريتها جرح عضو ) وسيأتي ( والاختيارية ذبح في الحلق ) وهو ما بين اللبة واللحيين واللبة موضع القلادة من الصدر ( ولو ) كان الذبح ( فوق العقدة ) التي في أعلى الحلقوم ( وقيل لا ) أي ولو كان فوقها لم يكن ذكاة في الجامع الصغير لا بأس بالذبح في الحلق كله ووسطه وأعلاه وأسفله والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم { الذكاة ما بين اللبة واللحيين } وهو يقتضي جواز الذبح فوق الحلق قبل العقدة ؛ لأنه وإن كان قبلها فهو بين اللبة واللحيين وهو دليل ظاهر لمن يقول بالحل فيما إذا بقي عقدة الحلقوم مما يلي الصدر ورواية المبسوط أيضا تساعده ، ولكن صرح في ذبائح الذخيرة بأن الذبح إذا وقع أعلى من الحلقوم لا يحل ، وكذلك في فتاوى أهل سمرقند ؛ لأنه ذبح في غير المذبح وهو مخالف لظاهر الحديث كما ترى ؛ ولأن ما بين اللبة واللحيين مجمع العروق والمجرى فيحصل بالفعل فيه إنهار الدم على أبلغ الوجوه فكان حكم الكل سواء ولا عبرة

(3/290)


بالعقدة كذا في العناية ( وعروقه الحلقوم والمريء والودجان ) في المغرب الحلقوم مجرى النفس والمريء مجرى العلف .
وفي الهداية بالعكس ( وحل بقطع ثلاث منها ) أي من العروق الأربعة أي ثلاث كان إقامة للأكثر مقام الكل ( بكل ) متعلق بقطع ( ما قطع الأوداج وأسال الدم ) ولو قشر القصب وحجرا فيه حدة ( الأسنان أو ظفرا قائمين ) لقوله صلى الله عليه وسلم { ما خلا الظفر والسن فإنهما من مدى الحبشة } ( وبالمنزوعين يكره ) وعند الشافعي يحرم لما روينا ونحن نحمله على غير المنزوعين فإنه الصادر من الحبشة ( وندب إحداد شفرته قبل الإضجاع وكره بعده ) لورود الأثر فيهما وإرفاقا للمذبوح

الشرح

(3/291)


كتاب الذبائح ) ( قوله : وهي حيوان من شأنه أن يذبح ) عليه يكون تسميتها ذبيحة باعتبار ما يؤول .
وقال الزيلعي الذبيحة اسم للشيء المذبوح ، وكذلك في الاختيار ، ثم قال ، وكذلك الذبح قال تعالى { وفديناه بذبح عظيم } والذبح مصدر ذبح يذبح وهو الذكاة أيضا قال تعالى { إلا ما ذكيتم } أي ذبحتم ا هـ .
وقال في العناية الذكاة الذبح وأصل تركيب التذكية يدل على التمام ومنه ذكاء السن بالمد لنهاية الشباب وذكا النار بالقصر لتمام اشتغالها ا هـ ، وهي لغة كما قال في مبسوط السرخسي الذكاة لغة التوقد والتلهب الذي يحدث في الحيوان بحدة الآلة سميت الشمس ذكاء لشدة الحرارة وسمي الرجل الذي في خاطره حدة ذكيا ، وقيل الذكاة عبارة عن تسييل الدم النجس فإن المحرم في الحيوان الدم المسفوح قال الله تعالى في جملة المحرمات { أو دما مسفوحا } فكانت الذكاة إزالة للخبث وتطيبا بتمييز الطاهر من النجس ا هـ وشرعا كما قال في الكنز الذبح قطع الأوداج .
ا هـ .
وركنها الحيوان وشرطها أهلية الذابح وعدم ترك التسمية عمدا وقطع الأوداج بما أنهر الدم وشرطت لتطييب اللحم فإنها نوع نضج لتمييز الطاهر من النجس وحكمها حل المذبوح وسببها حاجة العبد واعلم أن العراقيين ذهبوا إلى أن الذبح محظور عقلا ، ولكن الشرع أحله ؛ لأن فيه إضرارا بالحيوان .
وقال شمس الأئمة هذا عندي باطل ؛ لأن { رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتناول اللحم قبل مبعثه } ولا يظن به أنه كان يأكل ذبح

(3/292)


المشركين ؛ لأنهم كانوا يذبحون بأسماء الأصنام فعرفنا أنه كان يذبح ويصطاد بنفسه وما كان يفعل ما كان محظورا عقلا كالكذب والظلم والسفه وأجيب بأنه يجوز أن يكون ما كان يأكل ذبائح أهل الكتاب وليس الذبح كالكذب والظلم ؛ لأن المحظور العقلي ضربان ما يقطع بتحريمه فلا يرد الشرع بإباحته إلا عند الضرورة وما فيه نوع تجويز من حيث تصور منفعته فيجوز أن يرد الشرع بإباحته وتقدم عليه قبله نظرا إلى نفعه كالحجامة للأطفال وتداويهم بما فيه ألم لهم ( قوله : وتطهر غير نجس العين ) قدمنا أن الذكاة الشرعية تطهر جلد غير مأكول اللحم دون لحمه على أصح ما يفتى به ( قوله : والاختيارية ذبح في الحلق ) هذه عبارة الجامع الصغير كما نقلها المصنف فيما بعد وعبارة القدوري الذبح بين الحلق واللبة وتبعه صاحب الكنز .
وفي الهداية جمع بين عبارة القدوري والجامع الصغير .
وقال في العناية أتى بلفظ الجامع الصغير ؛ لأن فيه بيانا ليس في رواية القدوري وذلك ؛ لأن في رواية القدوري الذبح بين الحلق واللبة وليس بينهما مذبح غيرهما فيحمل على ما يدل عليه لفظ الجامع الصغير ا هـ .
وقال في الجوهرة معنى بين في كلام الشيخ أي القدوري بمعنى في أي والذبح في الحلق واللبة ا هـ .
( قوله : وهو ما بين اللبة واللحيين ) الضمير راجع للحلق كما هو ظاهر ( قوله : ولو كان الذبح فوق العقدة ، وقيل لا ) أقول مشى في المواهب على الثاني فقال يتعين الذبح بين الحلق واللبة تحت العقدة ،

(3/293)


وقيل مطلقا ا هـ ، وكذا قال ابن كمال باشا لم يجز فوق العقدة وأفتى بعضهم بالجواز ا هـ .
ومال الزيلعي إلى تعين الذبح تحت العقدة حيث قال والتقييد بالحلق واللبة يفيد أنه لو ذبح أعلى من الحلقوم أو أسفل منه يحرم ؛ لأنه ذبح في غير المذبح ذكره في الواقعات .
وفي فتاوى سمرقند ، وذكر في النهاية ما يخالف هذا عن الإمام الرستغفني فإنه قال سئل عمن ذبح الشاة فبقيت عقدة الحلقوم مما يلي الصدر وكان يجب أن يبقى مما يلي الرأس أيؤكل أم لا قال هذا قول العوام من الناس وليس هذا بمعتبر ويجوز أكلها سواء بقيت العقدة مما يلي الرأس أو مما يلي الصدر ؛ ولأن المعتبر عندنا قطع أكثر الأوداج ، وقد وجد ، ثم حكى أن شيخه كان يفتي به ، وهذا مشكل ؛ لأنه لم يوجد فيه قطع الحلقوم ولا المريء وأصحابنا رحمهم الله وإن اشترطوا قطع الأكثر فلا بد من قطع أحدهما عند الكل ، وإذا لم يبق شيء من عقدة الحلقوم مما يلي الرأس لم يحصل قطع واحد منهما فلا يؤكل بالإجماع وفي الواقعات لو قطع الأعلى أو الأسفل ، ثم علم فقطع مرة أخرى الحلقوم قبل أن تموت بالأول ينظر فإن كان قطع تمامه لا يحل ؛ لأن موته بالأول أسرع منه بالقطع الثاني وإلا حل ، وذكر في فتاوى سمرقند فصاب ذبح الشاة في ليلة مظلمة أعلى من الحلقوم أو أسفل منه يحرم أكلها ا هـ كلام الزيلعي ، وكذلك نقل صاحب الهداية في التجنيس والمزيد ما قاله الزيلعي عن الواقعات ولم يذكر ما يخالفه ( قوله : .
وفي الهداية

(3/294)


بالعكس ) أقول ليس ذلك إلا في بعض النسخ قال الأكمل في العناية الحلقوم يخالف المريء فإن المريء مجرى العلف والماء والحلقوم مجرى النفس ووقع في بعض النسخ بالعكس وليس بجيد ا هـ .
ولم يبين المصنف تفسير الودجين ، وقال في الجوهرة الودجان مجرى الدم وهما العرقان اللذان بينهما الحلقوم والمريء ا هـ .
( قوله : وحل بقطع ثلاث منها ) هو الصحيح ، وعن محمد أنه يعتبر الأكثر من كل عرق كذا في المختار .
وقال في الذخيرة ، وعن محمد أنه يعتبر قطع الأكثر من كل واحد من هذه الأشياء الأربعة ، وعنه أيضا إذا قطع الحلقوم والمريء والأكثر من كل واحد يحل وما لا فلا قال مشايخنا وهو أصح الجوابات ا هـ .
( قوله : الأسنان وظفرا قائمين ) أقول وكذا القرن ( قوله : وبالمنزوعين يكره ) أي الذبح ، وأما أكل الذبيح بها لا بأس به كما في العناية والاختيار ( قوله : لورود الأثر فيهما ) أي في ندب إحداد الشفرة قبل الإضجاع وكراهته بعده دليل الأول قوله صلى الله عليه وسلم { إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته } والثاني ما روي { أنه صلى الله عليه وسلم رأى رجلا أضجع شاة وهو يحد شفرته فقال لقد أردت أن تميتها موتات هلا حددتها قبل أن تضجعها } كذا في الهداية .
وقال في المبسوط ضرب عمر رضي الله عنه من رآه يفعل ذلك بالدرة حتى هرب وشردت الشاة

(3/295)


.
( و ) كره ( الجر برجلها إلى المذبح وذبحها من قفاها فإن بقيت حية يقطع عروقها ) لوجود الموت بما هو ذكاة فتحل ويكره ؛ لأن فيه زيادة الألم بلا حاجة فصار كما إذا جرحها ، ثم قطع الأوداج ( وإلا ) أي وإن لم تبق حية قبل قطع العروق ( حرمت ) لوجود الموت بما ليس بذكاة فيها .
( و ) كره ( النخع ) أي الذبح الشديد حتى يبلغ النخاع وهو بالفارسية " حرام مغز " ( والسلخ قبل أن تبرد ) أي تسكن من الاضطراب ( و ) كره ( ترك التوجه إلى القبلة وحلت ) أي الذبيحة كذا في الذخيرة

الشرح
( قوله : وكره الجر برجلها إلى المذبح ) لما روي { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا ، وقد أخذ شاة وهو يجرها إلى المذبح فقال قدها إلى الموت قودا رفيقا } وفي رواية قال { خذ سالفتها فإنما يرحم الله من عباده الرحماء } والمعنى أنها تعرف ما يراد بها كما جاء في الخبر { أبهمت البهائم إلا عن أربعة خالقها ورازقها وخانقها وسفادها } كذا في مبسوط السرخسي رحمه الله ( قوله : حتى يبلغ النخاع ) هو خيط أبيض في جوف عظم الرقبة وفيه إشارة إلى أن قطع الرأس مكروه بالأولى وبه صرح في الكنز ، وقيل في تفسير النخاع أن يمد رأسها حتى يظهر مذبحها ، وقيل أن يكسر رقبتها قبل أن تسكن من الاضطراب وكل ذلك مكروه لما فيه من زيادة تعذيب الحيوان بلا فائدة كذا في التبيين

(3/296)


( وشرط ) في حل المذبوح ( كون الذابح مسلما حلالا خارج الحرم ) إن كان صيدا ( أو كتابيا ) لأنه يدعي التوحيد والأصل فيه قوله تعالى { إلا ما ذكيتم } وقوله تعالى { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم } والمراد به طعام يلحقه الذكاة من جهتهم ؛ لأنه خص أهل الكتاب بالذكر وفيما لا يلحقه الذكاة يستوي الكتابي والمجوسي كالسمك وغيره ( ذميا أو حربيا ) والمتولد من كتابي وغير كتابي يحل صيده وذبيحته ؛ لأن الولد يتبع خير الأبوين دينا كذا في الكافي ( يعقل التسمية ) أي يعلم أن حل الذبيحة يتعلق بذكر اسم الله تعالى عليها ( والذبح ) أي يعلم شرائط الذبح من فري الأوداج ونحوه ( ويقدر ) على فري الأوداج ويحسن القيام به ( ولو ) كان الذابح ( مجنونا أو صبيا ) فإنهما إذا تعقلا التسمية والذبح وقدرا كانا كالعاقل البالغ ( أو امرأة أو أقلف أو أخرس فيحرم ذبيحة وثني ومجوسي ومرتد ) إذ لا ملة له ؛ لأنه ترك ما كان عليه وما انتقل إليه لا يقر عليه بخلاف الكتابي إذا تحول إلى غير دينه ؛ لأنه يقر عليه عندنا ويعتبر ما هو عليه عند الذبح حتى لو تمجس يهودي أو نصراني لم يحل صيده ولا ذبيحته ؛ لأنه بمنزلة ما لو كان مجوسيا في الأصل وإن عكس يؤكل كما لو كان عليه في الأصل كذا في الكافي

الشرح

(3/297)


( قوله : أو كتابيا ) نقل في الجوهرة عن المستصفى أن هذا إذا كان الكتابي لا يعتقد المسيح إلها ، أما إذا اعتقده إلها فهو كالمجوسي لا تحل ذبيحته ا هـ .
( قلت ) ولكنه ذكره في المستصفى بصيغة قالوا هذا .
.
.
إلخ وقدمنا أنه يبنى الحكم على ما يظهرون لا ما يضمرون .
ا هـ .
ويشترط لحل ذبح الكتابي صيدا أن يكون خارج الحرم فإنه لو ذبحه في الحرم لا يحل كما في التبيين .
وقال في العناية ذبيحة الكتابي حلال إذا أتى به مذبوحا ، وأما إذا ذبح بالحضور فلا بد أن لا يذكر غير اسم الله ا هـ فإن سمى النصراني المسيح وسمعه المسلم لا يأكل منه ، ولو قال بسم الله وهو يعني المسيح يؤكل بناء على الظاهر كذا في الاختيار ا هـ .
ويوافقه ما قدمناه عن المبسوط في كتاب الصيد ( قوله : يعقل ) الضمير فيه راجع للذابح في قوله وشرط كون الذابح ، وكذا قال في الهداية ذبيحة المسلم والكتابي حلال وتحل إذا كان يعقل التسمية والذبيحة ويضبط وإن كان صبيا أو مجنونا أو امرأة ا هـ .
( قوله : أي يعلم أن حل الذبيحة يتعلق بذكر اسم الله عليها ) هذا أحد ما فسر به عقل التسمية فإنه قال في العناية قيل يعني يعقل لفظ التسمية ، وقيل يعقل إن حل الذبيحة بالتسمية .
وقال الزيلعي المراد بالصبي هو الذي يعقل التسمية ويضبط والضبط هو أن يعلم شرائط الذبح من فري الأوداج والتسمية ا هـ .
وقال في الذخيرة ذبيحة الصبي حلال إذا كان يعقل ويضبط معنى قوله ويضبط أنه يضبط شرائط الذبح من فري الأوداج ، وقوله :

(3/298)


يعقل تكلموا في معناه قال بعض مشايخنا معناه يعقل التسمية .
وقال بعضهم معناه أن يعلم أن حل الذبيحة بالتسمية .
وقال بعضهم أن يعلم أن الحل بقطع الحلقوم والأوداج ا هـ .
( قوله : ولو مجنونا ) كذا في الهداية كما ذكرناه والمراد به المعتوه كما في العناية عن النهاية ؛ لأن المجنون لا قصد له ولا منه ؛ لأن التسمية شرط بالنص وهي بالقصد وصحة القصد بما ذكرنا يعني قوله إذا كان يعقل التسمية والذبيحة ويضبط ا هـ .
ولذا قال في الجوهرة لا تؤكل ذبيحة الصبي الذي لا يعقل والمجنون والسكران الذي لا يعقل ا هـ .
( قوله : وأخرس ) أي سواء كان مسلما أو كتابيا ؛ لأنه أعذر من الناسي كذا في قاضي خان ( قوله : فتحرم ذبيحة وثني ) أقول ، ولو شاركه مسلم في الذبح لا تؤكل ، وأما ذبيحة الصابئ فتكره إلا أنه يحل في قول أبي حنيفة رحمه الله ، وقالا لا تحل ، وذكر الكرخي رحمه الله أنه لا خلاف بينهم في الحقيقة وإنما اختلفوا ؛ لأنهم صنفان صنف منهم يقرون بنبوة عيسى عليه السلام ويقرءون الزبور وهم صنف من النصارى وإنما أجاب أبو حنيفة بحل ذبيحة الصابئ إذا كان من هذا الصنف وصنف منهم ينكرون النبوة والكتب أصلا ويعبدون الشمس فهم كعبدة الأوثان لا يؤكل صيدهم ولا تحل ذبيحتهم فإنما أجاب أبو يوسف ومحمد رحمهما الله بحرمة الصيد والذبح في حق هؤلاء كذا في فتاوى قاضي خان مقتصرا عليه ونقله شمس الأئمة السرخسي في مبسوطه ، ثم قال عقبه قال الشيخ الإمام رحمه الله

(3/299)


وفيما ذكره الكرخي رحمه الله عندي نظر فإن أهل الأصول لا يعرفون في جملة الصابئين من يقر بعيسى عليه السلام وإنما يقرون بإدريس عليه السلام ويدعون له النبوة خاصة دون غيره ويعظمون الكواكب فوقع عند أبي حنيفة رحمه الله أنهم يعظمونها تعظيم الاستقبال لا تعظيم العبادة لها كما يستقبل المؤمنون القبلة فقال يحل ذبائحهم ووقع عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله أنهم يعظمونها تعظيم العبادة لها فألحقاهم بعبدة الأوثان وإنما اشتبه ذلك ؛ لأنهم يدينون بكتمان الاعتقاد ولا يستحبون إظهار الاعتقاد ألبتة وما اختاره أبو يوسف ومحمد رحمهما الله أولى ؛ لأن عند الاشتباه يغلب الموجب للحرمة ا هـ لفظ المبسوط

(3/300)


.
( و ) يحرم ذبيحة ( تارك التسمية عمدا ولو ) تركها ( ناسيا حلت ) ذبيحته .
وقال الشافعي حلت في الوجهين .
وقال مالك حرمت في الوجهين ( وحرمت إن ذكر ) الذابح ( مع اسمه تعالى غيره عطفا نحو بسم الله واسم فلان أو وفلان ) لأنه أهل به لغير الله فلم يوجد التجريد وهو شرط ( وكره وصله بلا عطف ) ولم يحرم ( نحو باسم الله محمد رسول الله ) لأن الشركة لم توجد لعدم العطف فلم يكن الذبح واقعا له لكنه يكره لوجود القران صورة فيتصور بصورة المحرم هذا إذا قرئ محمد بالرفع ، وأما إذا قرئ بالجر أو النصب فيحرم كذا في غاية البيان ( ولا بأس إذا فصل صورة ومعنى كالدعاء قبل التسمية والإضجاع ) لما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين أحدهما عن نفسه والآخر عن أمته فوجههما نحو القبلة عند الذبح ، وقال وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ، ثم ذبح .
وقال عند الذبح باسم الله والله أكبر } ( أو بعد الذبح نحو اللهم تقبل من فلان ) وهذا أيضا لا بأس به لما روي عن { النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال بعد الذبح اللهم تقبل هذه عن أمة محمد مما شهد لك بالوحدانية ولي بالبلاغ } ( والشرط ) في التسمية ( هو الذكر الخالص ) عن شوب الدعاء وغيره ( فبقوله اللهم اغفر لي لا تحل ) ؛ لأنه محض دعاء ( بخلاف : الحمد لله وسبحان الله

(3/301)


بقصد التسمية ) فإنه ذكر خالص ( فلو عطس فقال الحمد لله لا تحل ) لعدم قصد التسمية ( والمشهور ) المتداول في الألسنة ( وهو باسم الله والله أكبر ) منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما

الشرح

(3/302)


( قوله : واسم فلان ) أي لو قال بسم الله واسم فلان لا يحل وهو المختار كما في التجنيس والمزيد .
وقال قاضي خان وهو الصحيح ، ثم قال : وقال محمد بن سلمة رحمه الله لا يصير ميتة ؛ لأنها لو صارت ميتة يصير الرجل كافرا ا هـ .
( قوله : أو وفلان ) أي لو قال بسم الله وفلان لا يحل وهذه المسائل من الهداية قال لو ذكر مع اسم الله غيره موصولا على وجه العطف والشركة بأن يقول بسم الله واسم فلان أو يقول بسم الله وفلان أو بسم الله ، ومحمد رسول الله بكسر الدال تحرم الذبيحة ا هـ قوله : نحو باسم الله محمد رسول الله ) قيده في الهداية بكسر الدال .
وقال في العناية قوله : بكسر الدال يشير إلى أنه لو قال غير مكسور لا يحرم قيل هذا إذا كان يعرف النحو .
وقال التمرتاشي رحمه الله إن خفضه لم يحل ؛ لأنه يصير ذابحا بهما وإن رفعه حل لأنه كلام مبتدأ وإن نصبه اختلفوا فيه .
وقال بعضهم على قياس ما روي عن محمد رحمه الله أنه لا يرى الخطأ في النحو معتبرا في باب الصلاة ونحوها لا يحرم ا هـ .
وقال في البزازية لو قال بسم الله ومحمد بالجر لا يحل وبالرفع يحل ، والنصب كالخفض ؛ لأنه نصب بنزع الخافض ( فإن قلت ) قد قلتم في باب الطلاق العوام لا يميزون بين الإعراب فلا يبنى الحكم على دقائق الإعراب وهنا تركتم ( قلت ) ذلك فيما تعم به البلوى والإغماض فيه أولى والطلاق كثير الوقوع والذبح يقع أحيانا فلم نسلك فيه طريق العفو كذا عن الفرنقاني الخوارزمي وفيه نظر لمنع كون

(3/303)


الذبح أقل وقوعا من الطلاق ؛ ولأن المطلق منشئ للتصرف والملكة فيه معدومة فمكنة الحفظ على دقائق الإعراب عسير والذابح حاك جملة مضبوطة فملكة الرعاية ومكنة المحافظة عليه يسيرة والذابح على ذلك قدير ا هـ .
( قوله : كالدعاء قبل التسمية والإضجاع ) يشير به إلى أنه يكره أن يدعو بعد التسمية قبل الذبح بالتقبل وغيره نحو قوله بسم الله اللهم تقبل مني أو يقول من فلان أو يقول اللهم اغفر لي ؛ لأن الواجب تجريد التسمية ولم يجردها وعليه نص في الذخيرة وغيرها ( قوله : فلو عطس فقال الحمد لله لا تحل ) هو الأصح كما في التبيين ( قوله : لعدم قصد التسمية ) يريد به أنه قصد به التحميد للعطاس إذ لو أراده للذبيحة حلت ، وكذا لو لم يكن له نية على ما نذكره .
( قوله : منقول عن ابن عباس ) خبر قوله والمشهور وهو يقتضي أنه موقوف على ابن عباس وقدمه المصنف قريبا عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وقال الزيلعي أيضا إنه منقول عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن علي وابن عباس مثله ا هـ فيعلم أنه مستحب وبه صرح في الذخيرة بقوله قال البقالي والمستحب أن يقول بسم الله والله أكبر ، وذكر شمس الأئمة الحلواني في شرح كتاب الصيد بسم الله الله أكبر بدون الواو قال ومع الواو يكره ؛ لأنه يقطع فور التسمية .
ا هـ .
( تنبيه ) لو قال بسم الله ولم تحضره النية أكل عند العامة وهو الصحيح وإن لم يرد التسمية على الذبيح وإنما أراد شيئا آخر لا يحل ؛

(3/304)


لأنه نوى غير ما أمر به كما في فتاوى قاضي خان ، ولو قال بسم الله ولم يظهر الهاء إن قصد ذكر الله حل وإن لم يقصده وترك الهاء قصدا لا يحل ؛ لأن في الوجه الأول قصد التسمية والعرب قد تحذف حرفا ترخيما وفي الوجه الثاني لم يقصد التسمية على الذبح كذا في التجنيس والمزيد والبزازية .
وقال في الذخيرة في المسألة نوع إشكال فإن المنقول عن أئمة اللغة المشهور في كتبهم أن الترخيم لا يجوز إلا في النداء خاصة .
ا هـ .

(3/305)


( ندب نحر الإبل وكره ذبحها عكس البقر والغنم ) أما الندبية في الصورتين فلموافقة السنة المتوارثة ولاجتماع العروق في المنحر وفيهما في المذبح ، وأما الكراهة فلمخالفة السنة وهي لمعنى في غيره فلا يمنع الجواز والحل ( يذبح صيد استؤنس ويكفي جرح نعم توحش أو سقط في بئر ولم يكن ذبحه ) لأن ذكاة الاضطرار إنما يصار إليها عند العجز عن ذكاة الاختيار كما مر والعجز موجود في الثاني لا الأول ( الشاة إذا ندت خارج المصر تحل بالعقر ، و ) إذا ندت ( في المصر لا ) تحل به ؛ لأنها لا تدفع عن نفسها فيمكن أخذها في المصر عادة فلم يتحقق العجز عن ذكاة الاختيار بخلاف خارج المصر ( والمصر كخارجه في البقر والبعير ) ؛ لأنهما يدفعان عن أنفسهما فلا يقدر على أخذهما وإن ندا في المصر فيتحقق العجز ( والصيال كالند ) إذا لم يقدر على أخذه حتى لو قتله المصول عليه مريدا للذكاة حل أكله ( لا يتذكى جنين بذكاة أمه ) حتى لو نحر ناقة أو ذبح بقرة أو شاة فخرج من بطنها جنين ميت لم يؤكل

الشرح

(3/306)


( قوله : وندب نحر الإبل ) النحر قطع العروق في أسفل العنق عند الصدر والذبح قطع العروق في أعلى العنق تحت اللحيين كما في التبيين وعبر المصنف بقوله وندب تبعا لقول الهداية والمستحب في الإبل النحر ، وقد قال في الكنز وسن نحر الإبل ا هـ .
ولعل مراد صاحب الهداية السنة لا المستحب الاصطلاحي يؤيده قوله : أما الاستحباب فلموافقة السنة المتوارثة ا هـ فلا مخالفة بينه وبين الكنز ( قوله : أما الندبية في الصورتين ) أي صورة ذبح البقر وصورة نحر الإبل ( قوله : ولاجتماع العروق في المنحر ) أي منحر الإبل ( قوله : وفيهما ) أي البقر والغنم في المذبح كما في الهداية ( قوله : أو سقط في بئر ولم يمكن ذبحه ) أي وعلم موته بالجرح أو أشكل ؛ لأن الظاهر أن الموت منه وإن علم أنه لم يمت من الجرح لا يؤكل كما في التبيين ( قوله : وإذا ندت في المصر لا تحل ) أي الشاة نظيره ما قال قاضي خان دجاجة تعلقت بشجرة وصاحبها لا يصل إليها فإن كان لا يخاف عليها الفوت والموت فرماها لا تؤكل وإن خاف الفوات فرماها تؤكل ا هـ .
( قوله : فلا يقدر على أخذهما ) كذا في التبيين والهداية .
وقال في منية المفتي بعير أو ثور ند في المصر إن علم صاحبه أنه لا يقدر على أخذه إلا أن يجتمع جماعة كثيرة فله أن يرميه ا هـ فلم يشترط التعذر ، بل التعسر

(3/307)


( لا يحل ذو ناب ) من السباع ( أو مخلب ) من الطيور قد مر أن المراد بهما حيوان يصيد بنابه وحيوان يصيد بمخلبه ( والحشرات ) هي صغار دواب الأرض ( والحمر الأهلية ) بخلاف الوحشية فإنها تحل ( والبغل والخيل وعندهما يحل الخيل ) قيل كراهة الخيل عنده كراهة تنزيه ؛ لأن كراهته لمعنى الكرامة كي لا يحصل بإباحته تقليل آلة الجهاد ولهذا كان سؤره طاهرا وهو ظاهر الرواية وهو الصحيح كذا ذكره فخر الإسلام وأبو المعين في جامعيهما ، وقيل كراهة تحريم وحكي عن عبد الرحيم الكرماني رحمه الله تعالى أنه قال كنت مترددا في هذه المسألة فرأيت أبا حنيفة رحمه الله تعالى في المنام يقول لي كراهة تحريم يا عبد الرحيم وإليه مال صاحب الهداية وروى الحسن عن أبي حنيفة كراهة في سؤره كما في لبنه ، وقيل لا بأس بلبنه إذ ليس في شربه تقليل آلة الجهاد كذا في الكافي والهداية ( ولا الضبع والثعلب والضب ) وفيها خلاف الشافعي ( والزنبور والسلحفاة والأبقع الآكل للجيف والغداف ) كلاغ سياه بزرك ( والفيل واليربوع وابن عرس والحيوان المائي إلا سمكا لم يطف ) السمك الطافي هو الذي يموت في الماء حتف أنفه بلا سبب ، ثم يعلو فيظهر وأصحابنا كرهوا الحيوان المائي مطلقا إلا سمكا لم يطف وأباحها ابن أبي ليلى ومالك والشافعي واستثنى بعض المالكية كلب الماء وخنزيره وإنسانه والخلاف في البيع والأكل واحد الأصل في السمك عندنا أن ما مات منه بسبب فهو حلال كالمأخوذ منه وما مات منه بغير سبب لا يحل

(3/308)


كالطافي وإن ضرب سمكة فقطع بعضها يحل أكل ما أبين وما بقي ؛ لأن موته بسبب وما أبين من الحي وإن كان ميتا فميتته حلال للحديث ، وكذا إن وجدت في بطنها سمكة أخرى ؛ لأن ضيق المكان سبب لموتها ، وكذا إن قتلها شيء من طير الماء أو ماتت في جب ماء أو جمعها في حظيرة لا تستطيع الخروج منها وهو يقدر على أخذها بغير صيد فماتت فيها لأن ضيق المكان سبب لموتها ، وإذا ماتت في الشبكة وهي لا تقدر على التخلص منها أو أكل شيئا ألقاه في الماء لتأكله فماتت منه أو ربطها في الماء فماتت أو تجمد الماء فبقيت بين الجمد وماتت تؤكل وإن ماتت بحر الماء أو برده تؤكل في رواية لوجود السبب لموتها وفي أخرى لا ؛ لأن الماء لا يقتل السمك حارا كان أو باردا كذا في الكافي والنهاية ( ومنه ) أي من السمك المأكول ( الجريث والمارماهي ) خصهما بالذكر إشارة إلى ضعف ما نقل في المغرب عن محمد أن جميع السمك حلال غير الجريث والمارماهي وأيضا قال في غاية البيان إن بعض الروافض وأهل الكتاب يكرهون أكل الجريث ويقولون إنه كان ديوثا يدعو الناس إلى حليلته فمسخ به

الشرح

(3/309)


( قوله : وقد مر أن المراد بهما حيوان يصيد بنابه أو بمخلبه ) احترز به عن نحو الجمل والحمامة ( قوله : والبغل ) أي التي أمه أتان إذ لو كانت فرسا كان على الخلاف المعروف في لحم الخيل كما في التبيين ( قوله : والخيل ) كذا قال ابن كمال باشا عطفا على قوله لا يحل ذو ناب ومثله في الاختيار وعبارة القدوري والهداية ويكره أكل لحم الفرس عند أبي حنيفة ا هـ .
والمكروه تحريما يطلق عليه عدم الحل ( قوله : وعندهما تحل الخيل ) أي مع كراهة التنزيه كما في المواهب ( قوله : وإليه مال صاحب الهداية ) عبارة الهداية ، ثم قيل الكراهة عنده كراهة تحريم ، وقيل كراهة تنزيه والأول أصح ا هـ ؛ لأنه روي أن أبا يوسف سأل أبا حنيفة رحمهما الله إذا قلت في شيء أكرهه فما رأيك فيه قال التحريم ومبنى اختلاف المشايخ في قول أبي حنيفة رحمه الله على اختلاف اللفظ المروي عنه فإنه روي عنه رخص بعض العلماء في لحم الخيل فأما أنا فلا يعجبني أكله ، وهذا يلوح إلى التنزيه وروي عنه أنه قال أكرهه وهو يدل على التحريم على ما روينا عن أبي يوسف رحمه الله كذا في العناية ( قوله : والأبقع ) أي الغراب الآكل للجيف والغداف غراب القيظ أي الحر وهو ضخم يأتي الجيف ، وكذا لا يؤكل الخفاش ؛ لأنه ذو ناب كما في البزازية .
وقال العيني في مختصر الظهيرية اختلف في أكل الخفاش ولا يؤكل الشقراق وهو طائر أخضر يخالطه قليل حمرة يصول على كل شيء ، إذا أخذ فراخه ( قوله : هو الذي يموت ا هـ في البحر حتف

(3/310)


أنفه بلا سبب ) أي بلا سبب معروف ( قوله : ثم يعلو فيظهر ) يعني وبطنه فوق الماء كذا قال في الذخيرة نقلا عن الجامع الأصغر إذا وجدت السمكة ميتة على وجه الماء وبطنه من فوق الماء لم يؤكل ؛ لأنه طاف وإن كان ظهره من فوق أكل ؛ لأنه ليس بطاف ومثله في البزازية ومنية المفتي ، ثم قال في الذخيرة .
وفي المنتقى عن محمد إذا كانت السمكة استقلت الماء وماتت لم تؤكل ؛ لأنها إن تركت طفت ا هـ .
ولا يخفى أن سبب موتها معلوم والطافي بخلافه

(3/311)


قوله : والخلاف في البيع والأكل واحد ) أي فلا يصح بيع ما لا يؤكل من حيوان الماء كالضفدع والسرطان عندنا ( قوله : وكذا إن وجد في بطنها سمكة أخرى ) أي فتؤكل بخلاف ما لو خرجت من دبر السمكة فلا تؤكل ؛ لأنها قد استحالت عذرة كما في الجوهرة ( قوله : أو أكل شيء ألقاه في الماء ليأكله فمات منه ) أي وذلك معلوم فلا بأس بأكله كما في العناية ( قوله : وإن ماتت بحر الماء أو برده .
.
.
إلخ ) كذا ذكر الروايتين في الهداية مطلقتين من غير ترجيح .
وقال في العناية أطلق القدوري الروايتين ولم ينسبهما إلى أحد ، وذكر شيخ الإسلام أنه على قول أبي حنيفة لا يحل وعلى قول محمد يحل ( قلت ) لكن صاحب الهداية قال في التجنيس والمزيد السمكة إذا قتلها حر الماء أو برده قال الإمام لا تؤكل كالطافي .
وقال محمد تؤكل ، وهذا أظهر وأرفق بالناس ا هـ ، فقد قيد إطلاقه في الهداية ا هـ .
وفي منية المفتي ، وعن محمد يحل به ويفتى ا هـ .
وعليه أكثر المشايخ ، وقال الفقيه قول المشايخ أي القائلين بالحرمة أعجب ؛ لأنها ماتت بآفة فصار كموتها بتجمد الماء .
وقال القاضي فيه إنها تؤكل عند الكل ، ولو أرسلت السمكة في الماء النجس فكبرت فيه لا بأس بأكلها للحال كذا في البزازية ا هـ .
وينظر الفرق بينها وبين الجلالة

(3/312)


( وحل الجراد وأنواع السمك بلا ذكاة ) لكن بينهما فرق وهو أن الجراد يؤكل وإن مات حتف أنفه كما مر بخلاف السمك سئل علي رضي الله عنه عن الجراد يأخذه الرجل من الأرض وفيها الميت وغيره فقال كله كله ، وهذا عد من فصاحته ( و ) حل ( غراب الزرع والأرنب والعقعق بها ) أي بالذكاة

الشرح
( قوله : سئل علي .
.
.
إلخ ) دليل على حل الجراد ميتا وسنده قول النبي صلى الله عليه وسلم { أحلت لنا ميتتان ودمان ، أما الميتتان فالسمك والجراد ، وأما الدمان فالكبد والطحال } كذا في التبيين ( قوله : والعقعق ) قال في العناية لا بأس بأكله عند أبي حنيفة وهو الأصح .
وفي البزازية لا بأس بأكل ما ليس له مخلب يخطف به والهدهد والخطاف والقمري والسوداني والزرزور والعصافير والفاختة لا بأس به ومثله في التجنيس والمزيد .
وفي مختصر الظهيرية والبوم يؤكل قال المصنف : وقد رأيت هذا بخط والدي رحمه الله .
ا هـ .

(3/313)


( ذبح شاة لم يعلم حياتها فتحركت أو خرج الدم حلت وإلا فلا وإن علمت ) حياتها ( حلت ) الشاة ( وإن عدما ) أي الحركة وخروج الدم ؛ لأن المقصود منها الاستدلال على الحياة فإذا علمت لم يحتج إليهما .

الشرح
( قوله : ذبح شاة لم يعلم حياتها فتحركت أو خرج الدم حلت ) كذا في الكنز .
وقال في البزازية نقلا عن شرح الطحاوي : إن خروج الدم لا يدل على الحياة إلا إذا كان يخرج من الحي ، وهذا عند الإمام وهو ظاهر الرواية .
ا هـ .

(3/314)


( كتاب الجهاد ) لما فرغ من العبادات الأربع التي آخرها الحج ومما يناسبه من الأضحية والصيد والذبائح شرع الآن في خامسة العبادات وهي الجهاد فقال ( هو فرض كفاية بدءا ) أي ابتداء يعني يجب علينا أن نبدأهم بالقتال وإن لم يقاتلونا فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان مأمورا في ابتداء الأمر بالصفح والإعراض عن المشركين كما قال الله تعالى { فاصفح الصفح الجميل } وقوله تعالى { وأعرض عن المشركين } ثم أمر بالدعاء إلى الدين بأنواع من الطرق المستحسنة حيث قال الله تعالى { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن } ثم أمر بالقتال إذا كانت البداية منهم بقوله تعالى { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا } أي أذن لهم في الدفع ، ثم أمر بالقتال ابتداء في بعض الأزمان بقوله تعالى { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } ثم أمر بالقتال مطلقا في الأزمان كلها والأماكن بأسرها بقوله تعالى { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } { وقاتلوا المشركين كافة } ، و { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر } إلى غير ذلك من الآيات .
وجه كونه فرض كفاية أنه لم يشرع لعينه ؛ لأنه قتل وإفساد في نفسه بل شرع لإعلاء كلمة الله تعالى وإعزاز دينه ودفع الفساد عن العباد فحينئذ ( إن قام به البعض ) في كل زمان ( سقط ) الفرض ( عن الكل ) لحصول المقصود بذلك كصلاة الجنازة ودفنها ورد السلام فإن واحدا منها إذا حصل من بعض الجماعة سقط الفرض عن

(3/315)


باقيها ( وإلا ) أي وإن لم يقم به البعض بل خلا عن الجهاد والزمان في ديار الإسلام ( أثموا ) أي المسلمون كلهم لتركهم فرضا عليهم كما إذا ترك الجماعة كلهم صلاة الجنازة أو دفنها أو رد السلام أثموا ( إلا على صبي وعبد وامرأة وأعمى ومقعد وأقطع ) ؛ لأنهم عاجزون والتكليف بالقدرة .
( و ) فرض ( عين إن هجموا ) أي هجم الكفار على ثغر من ثغور دار الإسلام فيصير فرض عين على من قرب منه وهم يقدرون على الجهاد .
نقل صاحب النهاية عن الذخيرة أن الجهاد إذا جاء النفير إنما يصير فرض عين على من يقرب من العدو ، فأما من وراءهم ببعد من العدو فهو فرض كفاية عليهم حتى يسعهم تركه إذا لم يحتج إليهم ، فإذا احتيج إليهم بأن عجز من كان يقرب من العدو عن المقاومة مع العدو أو لم يعجزوا عنها لكنهم تكاسلوا ولم يجاهدوا فإنه يفترض على من يليهم فرض عين كالصوم والصلاة لا يسعهم تركه ثم وثم إلى أن يفترض على جميع أهل الإسلام شرقا وغربا على هذا التدريج ، ونظيره الصلاة على الميت فإن من مات في ناحية من نواحي البلدة فعلى جيرانه وأهل محلته أن يقوموا بأسبابه ، وليس على من كان ببعد من الميت أن يقوم بذلك ، وإن كان الذي ببعد من الميت يعلم أن أهل المحلة يضيعون حقوقه أو يعجزون عنه كان عليه أن يقوم بحقوقه ، كذا هنا .
( فتخرج المرأة والعبد بلا إذن ) من الزوج والمولى ؛ لأن المقصود لا يحصل إلا بإقامة الكل فيجب عليهم وحق الزوج والمولى لا يظهر في حق فرض

(3/316)


العين كالصلاة والصوم ، بخلاف ما قبل النفير إذ بغيرهم كفاية فلا ضرورة في إبطال حقهما .

الشرح

(3/317)


( كتاب الجهاد ) هو أعم وغلب في عرف الفقهاء على جهاد الكفار وهو دعوتهم إلى الدين الحق وقتالهم إن لم يقبلوا وكذلك السير جمع سيرة وهي فعلة بكسر الفاء من السير غلب في لسان أهل الشرع على الطريق المأمور بها في غزو الكفار ، وكان سبب ذلك كونها تستلزم السير وقطع المسافة وفي غير كتب الفقه يقال كتاب المغازي وهو أيضا أعم لأنه جمع مغزاة مصدره سماعي لغزا دال على الوحدة والقياسي غزو وغزوة للوحدة كضربة وهو قصد العدو للقتال وخص في عرفهم بقتال الكفار هذا وفضل الجهاد عظيم من ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { مقام الرجل في الصف في سبيل الله أفضل عند الله من عبادة ستين سنة } رواه الحاكم وقال على شرط البخاري ومن توابع الجهاد الرباط وهو الإقامة في مكان يتوهم هجوم العدو فيه لقصد دفعه لله تعالى ومن فضله ما في صحيح مسلم من حديث سلمان رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { رباط يوم في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه وإن مات فيه أجرى عليه عمله الذي كان يعمل وأجرى عليه رزقه وأمن الفتان } رواه مسلم زاد الطبراني { وبعث يوم القيامة شهيدا ومن مات مرابطا أمن من الفزع الأكبر } وعن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { إن صلاة المرابط تعدل خمس مائة صلاة ونفقة الدينار والدرهم منه أفضل من سبعمائة دينار ينفقه في غيره } كما في الفتح .
( قوله : وفرض عين إن هجموا ) كذا في الكنز وغيره وهو يقتضي

(3/318)


الافتراض على كافة الناس سواء فيه أهل محل هجمه العدو وغيرهم وهو صريح ما قال في منية المفتي في النفير العام يجب على كل من سمع ذلك الخبر وله الزاد والراحلة .
ا هـ .
وقال قاضي خان : إن وقع النفير وبلغهم الخبر أن العدو جاء إلى مدينة من مدائن الإسلام كان للرجل أن يخرج بغير إذن الأبوين عند الخوف على المسلمين أو على ذراريهم أو على أموالهم ، وإذا كان النفير من قبل اللزوم فعلى كل من يقدر على القتال أن يخرج إلى الغزو إذا ملك الزاد والراحلة ولا يجوز له التخلف إلا بعذر بين .
ا هـ .
فالمتن عام وقد خصه المصنف بقوله فيصير فرض عين على من قرب منه وهم يقدرون على الجهاد ، وقد نقل الكمال ما قاله في النهاية ثم قال هكذا ذكروا وكان معناه إذا دام الحرب بقدر ما يصل الأبعدون وبلغهم الخبر وإلا فهو تكليف ما لا يطاق ، بخلاف إنفاذ الأسير وجوبه على الكل متجه من أهل المشرق والمغرب ممن علم ويجب أن لا يأثم من عزم على الخروج وقعوده لعدم خروج الناس وتكاسلهم أو قعود السلطان أو منعه .
ا هـ .
( فائدة ) عالم ليس في البلدة أفقه منه ليس له أن يغزو لما يدخل عليهم من الضياع كذا في منية المفتي .

(3/319)


( وكره الجعل ) وهو ما يجعل للعامل في عمله والمراد ما يجعل الإمام على أرباب الأموال شيئا بلا طيب أنفسهم يتقوى به الغزاة فإنه مكروه ( مع فيء ) أي وجود شيء في بيت المال ( وبدونه ) أي إذا لم يوجد فيء ( لا ) يكره الجعل ( فإن حاصرناهم دعوناهم إلى الإسلام ، فإن أبوا ) أي امتنعوا عن الإسلام ( فإلى ) أي فندعوهم إلى ( الجزية فإن قبلوا ) الجزية ( فلهم ما لنا وعليهم ما علينا ) هذا الحكم ليس على عمومه ؛ لأنه لا يصح في حق العبادات بل المراد أنا كنا نتعرض لدمائهم وأموالهم قبل قبولهم الجزية فبعدما قبلوها إذا تعرضنا لهم أو تعرضوا لنا يجب لهم علينا ، ويجب لنا عليهم ما يجب لبعضنا على بعض عند التعرض ، يؤيده استدلالهم عليه بقول علي رضي الله عنه إنما بذلوا الجزية ليكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا .

الشرح

(3/320)


قوله : مع فيء أي مع وجود شيء ) فسر الفيء بالشيء ليبين أن المراد به وجود مال بيت المال سواء كان أصله من الفيء أو من غيره كالأموال الضائعة .
( قوله : إذا لم يوجد فيء لا يكره الجعل ) هو الصحيح وقيل يكره وأطلق الإباحة في السير ولم يقيده بشيء واستدل عليه بقوله عليه الصلاة والسلام { مثل المؤمن الذي يغزو بأجر كمثل أم موسى ترضع ولدها لنفسها وتأخذ عليه الأجر وكانت تأخذ من فرعون دينارين في كل يوم } ، كذا في التبيين .
( قوله : فإن أبوا فإلى الجزية ) هذا في حق من تقبل منه الجزية كأهل الكتاب والمجوس وعبدة الأوثان من العجم ، وأما عبدة الأوثان من العرب فلا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف كالمرتدين كما في التبيين .

(3/321)


( ولا نقاتل من لم تبلغه الدعوة ) إلى الإسلام ومن قاتلهم قبلها أثم للنهي عنه ولم يغرم ؛ لأنهم غير معصومين ( وندب تجديدها لمن بلغته فإن أبوا حاربناهم بمنجنيق وتحريق وتغريق ورمي ، ولو معهم مسلم أو تترسوا به ) أي بالمسلم ( بنيتهم ) متعلق بالرمي ( لا بنيته ) ليلزم الإثم ، وإن أصابوا منه فلا دية ولا كفارة .
.

(3/322)


( وقطع شجر وإفساد زرع بلا غدر وغلول ) لأنه صلى الله عليه وسلم نهى عنهما وكلاهما خيانة لكن الغلول في المغنم خاصة ، والغدر أعم يشمل نقض العهد ( ومثلة ) اسم من مثل به يمثل مثلا كقتل يقتل قتلا أي نكل به يعني جعله نكالا وعبرة لغيره كقطع الأعضاء وتسويد الوجه .
وفي شرح البخاري المثلة المنهية بعد الظفر بهم ولا بأس بها قبله ؛ لأنه أبلغ في إذلالهم قال الزيلعي : وهذا أحسن ونظيره الإحراق بالنار ( وبلا قتل غير مكلف ) كالصبيان والمجانين ( وشيخ فان وأعمى ومقعد وامرأة ) للنهي عن كلها في الحديث ( إلا أن يكون أحدهم مقاتلا أو ذا مال يحث به أو ) ذا ( رأي في الحرب أو ملكا ) فحينئذ يقتل .

الشرح

(3/323)


( قوله : وقطع شجر وإفساد زرع ) قال الكمال هذا إذا لم يغلب على الظن أنهم يؤخذون بغير ذلك فإن كان الظاهر أنهم يغلبون وأن الفتح باد كره ذلك ؛ لأنه إفساد في غير محل الحاجة وما أبيح إلا لها .
ا هـ .
( قوله : وفي شرح البخاري ) كذا في الفتح ، والمسطور في الزيلعي نصه .
وفي شرح المختار .
.
.
إلخ وظاهر هذا الإطلاق التمثيل سواء وقع قتالا أو بأسير إلا أن الكمال خصه بقوله التمثيل قبل الظفر لا بأس به إذا وقع قتالا كمبارز ضرب فقطع أذنه ثم ضرب فقأ عينه فلم ينته فقطع أنفه ويده ونحو ذلك ا هـ .
( قوله : وشيخ فان ) قال الكمال المراد بالشيخ الفاني من لا يقدر على القتال ولا الصياح عند التقاء الصفين ولا على الإحبال ؛ لأنه يجيء منه الولد فيكثر محارب المسلمين ذكره في الذخيرة وزاد الشيخ أبو بكر الرازي في كتاب المرتدين من شرح الطحاوي أنه إذا كان كامل العقل فقتله ومثله نقتله إذا ارتد ، والذي لا نقتله الشيخ الفاني الذي خرف وزال عن حدود العقلاء والمميزين فهذا حينئذ يكون بمنزلة المجنون فلا نقتله ولا إذا ارتد قال ، وأما الزمنى فهم بمنزلة الشيوخ فيجوز قتلهم إذا رأى الإمام ذلك كما يقتل سائر الناس بعد أن يكونوا عقلاء ونقتلهم أيضا إذا ارتدوا .
ا هـ .
ولا نقتل مقطوع اليد اليمنى والمقطوع يده ورجله من خلاف ونقتل مقطوع اليد اليسرى أو إحدى الرجلين وإن لم يقاتل .
ا هـ .
ما قاله الكمال ( قلت ) وفي النهي عن قتل الأقطع من خلاف نظر لما أنه لا ينزل عن

(3/324)


مرتبة الشيخ القادر على الإحبال أو الصياح .
ا هـ .
( قوله للنهي عن كلها في الحديث ) ومع ذلك لا يغرم قاتل من نهي عن قتله منهم ؛ لأن مجرد حرمة القتل لا يوجب الضمان كما في الفتح والتبيين .
( قوله : إلا أن يكون أحدهم مقاتلا ) لكن الصبي والمجنون يقتلان في حال قتالهما ، وأما غيرهما من النساء والرهبان ونحوهم فإنهم يقتلون بعد الأسر والذي يجن ويفيق يقتل في حال إفاقته وإن لم يقاتل والمرأة الملكة تقتل وإن لم تقاتل وكذا الصبي الملك والمعتوه ؛ لأن في قتل الملك كسر شوكتهم كما في الفتح .

(3/325)


.
( و ) بلا قتل ( أب كافر بدءا ) أي لا يجوز للابن أن يقتل أباه الكافر ابتداء لقوله تعالى { وصاحبهما في الدنيا معروفا } وليست البداءة بالقتل من المعروف ؛ ولأنه تسبب في حياته فلا يكون سببا لإفنائه وإنما قال بدءا ؛ لأن الأب إن قصد قتل الابن ولم يمكنه دفعه إلا بقتله جاز قتله ؛ لأن هذا دفع عن نفسه فإن أباه المسلم إذا قصد قتله جاز له قتله فالكافر أولى ( فيقتله غير ابنه ) وابنه لا يمنعه عنه ( وبلا إخراج مصحف وامرأة في سرية يخاف عليهما ) لما فيه من تعريض المصحف على الاستخفاف والمرأة على الضياع والفضائح .

الشرح

(3/326)


( قوله : وبلا قتل أب كافر ) سواء أدركه في الصف أو غيره لا يقتله وإن لم يكن ثمة من يقتله غير الابن لا يمكنه من الرجوع حربا على المسلمين ويعالجه بنحو ضرب قوائم فرسه وإلجائه إلى مكان حتى يجيء غيره فيقتله ، وكذا الأم والأجداد والجدات المقاتلون يكره لفرعهم قتلهم ومن سوى الأصول من ذوي الرحم المحرم الحربيين فلا بأس بقتلهم ، وأما أهل البغي والخوارج فكل ذي رحم محرم منه لا يجوز قتله كالأب كما في التبيين والجوهرة والفتح قوله : في سرية ) قال الكمال ما نصه .
وفي فتاوى قاضي خان قال أبو حنيفة أقل السرية أربعمائة وأقل العسكر أربعة آلاف .
ا هـ .
والذي رأيته في فتاوى قاضي خان نصه قال أبو حنيفة أقل السرية مائة وأقل الجيش أربعمائة ، قال الحسن بن زياد أقل السرية أربعمائة وأقل الجيش أربعة آلاف .
ا هـ .
وقول ابن زياد من تلقاء نفسه عليه نص الشيخ أكمل الدين بعدما قال وعن أبي حنيفة رضي الله عنه أقل السرية مائة ا هـ .
( قوله لما فيه من تعريض المصحف على الاستخفاف ) هو التأويل الصحيح كما في الهداية واحترز به عما ذكر فخر الإسلام أبي الحسن القمي والصدر الشهيد عن الطحاوي أن ذلك أي النهي عن إخراج المصحف إنما كان عند قلة المصاحف كي لا تنقطع عن أيدي الناس ، وأما اليوم فلا يكره .
ا هـ .
وما قاله صاحب الهداية من التأويل منقول عن مالك راوي الحديث قال أرى ذلك مخافة أن يناله العدو والحق إنها من قول النبي صلى الله عليه وسلم كما في

(3/327)


الفتح .

(3/328)


( ويصالحهم ) أي يصالح الإمام أهل الحرب ( إن ) كان الصلح ( خيرا ) للمسلمين وإلا لم يجز ؛ لأنه ترك الجهاد صورة ومعنى ( ولو بمال ) يأخذه المسلمون ( منهم ) ؛ لأنه إذا جاز بلا مال فبه أولى ( إن احتجنا إليه ) ، وإن لم نحتج لم يجز ؛ لأنه ترك الجهاد صورة ومعنى والمأخوذ من المال يصرف مصارف الجزية لأنه مأخوذ بقوة المسلمين كالجزية إلا إذا نزلوا بدارهم للحرب فحينئذ يكون غنيمة لكونه مأخوذا بالقهر وحكمه معروف ، ولو حاصر الكفار المسلمين وطلبوا الصلح بمال يأخذونه من المسلمين لا يفعله الإمام ؛ لأن فيه إلحاق المذلة للمسلمين وفي الحديث { ليس للمؤمن أن يذل نفسه إلا إذا خاف الهلاك } ؛ لأن دفعه بأي طريق أمكن واجب ( وينبذ إن خيرا ) أي لو صالحهم الإمام ثم رأى نقض الصلح أصلح نبذ إليهم أي أرسل إليهم خبر النقض ( فيقاتل وقبل نبذ لو خانوا بدءا ) أي قوتلوا قبل إرسال خبر النقض إن بدءوا بالخيانة

الشرح

(3/329)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية